عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 16-04-2004, 05:14 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

القس يعلم النبي

على مدى أربع وأربعين سنة كان النبي يلازم القس ويتدرب على يده إنها المرحلة الهامة من حياة النبي وممارساته الروحية وتثقيفه الديني ولا عجب في أن يقوم التثقيف الديني على قراءة الكتــاب الذي كـــان ورقة ينقله من لغته العبرانية إلى العربية

ولكي نتأكد من ذلك لابد لنا من إبعاد شبهة استولت على عقول المسلمين وتجذرت فيها وهي أمية محمد

وتعنى في نظرهم أن محمدا كان يجهل القراءة جهلا تاما وتمسك المتدينون بهذه الأمية قصد الدلالة على

حقيقة النبوة

وفيما الحقيقة تدل على أن الله استعمل وسائط طبيعية لإعلان كلمته واستخدام انسان خبيرا علم

محمدا ما لم يكن يعلم وما آية النبي الأمي الواردة في القرآن ألا لتعني شيئا أخر غير الذي يقصده

المسلمون لذلك فأننا نميز بين أمرين : بين ما كان يعلمه محمد وبين ما كان لا يعلمه محمد ثم تعلمه

بعد حين أما العلم الذي كان يعلمه فهو علم القراءة والكتابة الذي اكتسبه في صغره وعلى ذلك أدلة

وأما العلم الذي كان يجهله ثم تعلمه فهو علم الكتاب المنزل أى علم الإلهيات والروحانيات والتشريع وهو

العلم الذي اكتسبه محمد من لدن خبير حكيم القرآن 11 : 1 وممن عنده علم الكتاب و من الراسخين

في العلم ونسمي العلم الذي يعلمه العلم الطبيعي و العلم الذي اكتسبه فيما بعد العلم الالهي

وكلا العلمين مكتسب

اولا العلم الطبيعي

كان محمد تعلمه منذ صباه وهو فى حمية و كفالة عمه وقد اراد

المتدينون إنكاره عليه قصد الدلالة على تدخل الله المباشر في النبوة

وقصد إظهار جدة القرآن و الإسلام و اعتبار كل شئ فيهما

من لدن الله و على هذا العلم ادله

أن الأمي بحسب القرآن هو من ليس له كتاب منزل فاليهود أبناء اسحق بن ابراهيم هم كتابيون في

حين أن العرب أبناء اسماعيل بن أبراهيم هم أميون ودل القرآن على هذا التمييز دلالة واضحة

وصريحة :

فهو يدعو الكتابيين والأميين إلى إتباع الإسلام قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم القرآن 3 : 20

وهو يشير إلى تمني الأميين معرفة الكتاب ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني 2 : 78

ويفتخر بأن بعثه الله رسولا من الكتابيين فيقول هو من بعث في الأميين رسولا منهم 62 : 2

وقد عرف أهل الكتاب أن التمييز بينهم والأميين شئ محتوم فقالوا : ليس علينا في الأميين سبيل 3 : 75

بهذا المعنى القرآني الصحيح يجب أن نفهم قول الكتاب عن أمية محمد في الآيتين التاليتين الذين

يتبعون الرسول النبي الأمي و آمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله 7 : 158

الأميون اذن هم العرب ابناء اسماعيل والكتابيون هم اليهود ابناء اسحاق وبالتالي أن أمية محمد

لا تعني جهله القراءة والكتابة بقدر ما تعني انتماؤه إلى العرب الأميين ابناء اسمعيل الذين ليس لهم

من الله كتاب منزل

يقول الشهرستاني :

وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط ويذهبون مذهب بني إسرائيل والأميون كانوا ينصرون دين

القبائل ويذهبون مذهب بنو اسمعيل الملل والنحل 1 : 208

والدليل الثاني في السورة الأولى من تاريخ نزول القرآن حيث يدعو الملاك جبريل محمدا قائلا :

اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان

ما لم يعلم القرآن 96 : 1-5

وأجمعت كتب تفسير القرآن وكتب أسباب النزول وكتب السير النبوية والأخبار والأحاديث والصحيح

وأجمع الباحثون مسلمون ومستشرقون على أن هذه السورة هي الأولى في تاريخ الوحي

واتفق الجميع على أن جبريل جاء محمدا يحمل إليه كتابا ويدفعه إليه ليقرأه ... فلولا معرفة محمد بالقراءة

ولولا صحة تاريخها وصحة ما جاء فيها لمل اتفق الجميع على سرد الوقيعة ولئن كان الله يمكر بالناس

وهو خير الماكرين أفيمكر أيضا بنبيه ويكلفه شيئا لا يستطيعه !!

أن العلم الطبيعي الذي تعلمه محمد لابد وأن يكون تعلمه في بيت عمه أبو طالب وتحت حمايته قيل في

أبو طالب في حبه لابن أخيه : لقد اختصه بفضل واحترام وتقدير وظل فوق أربعين سنه يعز جانبه ويبسط

عليه حمايته محمد الغزالى فى فقه السيرة ص . 67 وقيل أيضا : كان يحبه حب شديد لا يحبه لأحد

من ولده وكان لا ينام الا الى جانبه ويخرج فيخرج معه

وصب به أبو طالب صبابه لم يصب مثلها يشى قط وكان يخصه بحسن الطعام وقيل أ يضا كان ابو

طالب يحفظه و يحوطه و يعضده وينصره إلى أن مات أبن سعد 1 : 121

هذه العناية الجميلة اقتضت من أبي طالب اهتماما بالغا بشؤون ابن أخيه اليتيم الذي حظى في بيته ما

حظي به ابن عمه علي صاحب البلاغة المأثورة ومنتهج نهجها في أول كتاب في بابه باللغة العربية

وقد سمى نهج البلاغة ولا يعقل أن يمنع أبو طالب عن ابن أخيه ما تمتع به ابنه وبرع وأبدع في

مجالاته

ولئن فرق المتدينون بين ربيبي أبو طالب فلغاية في النفس لا مبرر لها سوى اظهار جدة النبوة في

كل شئ

فأبو طالب لم يكفل محمدا ليوفر له حاجاته المادية وحسب بل وفر له أيضا وقبل كل شئ ما وفره لأبنه
من علم وتربية وأخلاق ... هذا وأن محمدا قال يوما عن علي كلام علي دون كلام الخالق وفوق كلام

المخلوق فكيف اذا بمحمد الذي أعطي جوامع الكلم !؟؟

مهما تعددت تأويلات لفظة قرأ الواردة في أماكن عدة من القرآن فأن المقصود منها القراءة الكتابية أى

قراءة الكتاب والآيات التي تدل على معرفة محمد بالقراءة كثيرة نذكر منها فاذا قرأت القرآن فاستعذ

بالله من الشيطان القرآن 16 : 98 واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا

مستورا

وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث 17 : 106 اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا 17 : 14

أنظر 96 : 1 و 3 - 87 : 6 ترد لفظة اقرأ ومشتقاتها في القرآن 17 مرة ولفظة القرآن 70 مرة

هذه الآيات وغيرها تفيدنا أن محمدا كان يعرف القراءة ويجيدها وكان يقرأ الكتاب الذي بين يديه فكانت

قراءته له قرآنا

ثانيا العلم الإلهي

أما العلم الذي كان محمد يجهله وتكفل القس ورقة باعطائه لتلميذه الروحي فهو علم الكتاب المنزل الذي
كان القس ينقله في حضور محمد طوال أربع وأربعين سنة هذا العلم درسه النبي على يد القس وفي

الانجيل العبراني ولفظة درس في القرآن مقصورة على دراسة الكتب المقدسة بهذا الدرس تحدى محمد

المجرمين الذين لا يستطيعون لا الحكم ولا الخيار لأن ليس لهم كتاب منزل قال :

أ فنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟

أم لكم كتاب فيه تدرسون ؟ أن لكم فيه لما تخيرون القرآن 68 : 35 - 38

ولئن اتهم الدارسون في الكتاب محمد بأنه لا يأتيهم شيئا جديدا فأن تهمتهم ترد عليهم لأنه يعمل على

تصريف الآيات وتبيينها وتيسيرها فقط قال وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم

يعلمون القرآن 6 : 105

وكان محمد أحسن من درس وتعلم من العرب ذاك الكتاب الذي بعثه الله إليه قال : وإذ تتلى عليهم آياتنا

بينات قالوا ... أن هذا إلا سحر مبين

وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير 34 : 43

والذين درسوا في الكتاب الذي درس فيه محمد عليهم ميثاق ألا يقولوا إلا الحق ألم يؤخذ عليهم ميثاق

الكتاب أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه 7 : 169

لذلك عليهم أن يعلنوا ما درسوا كما هو يعلن وهم يعلمون ما يعلنه خير علم وهو ينصحهم بأن يعملوا

بما يعلمون ويعلنون : كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون 3 : 79

كالفريسيين الذين اتهمهم المسيح أنهم يقولون ما لا يعملون متى 23 : 3

فعلم محمد للكتاب ودرس ما فيه وقراءة أخباره وتفصيل آياته وتبيينها كلها كانت له زادا ليحاجج الناس

الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير القرآن 31 : 20

على ضوء هذه الأدلة يمكن الجزم بإلمام محمد بالقراءة والعلم الطبيعي وقد حصلهما منذ صباه بطريقة

الدرس والاكتساب لا بالحدس والإلهام الرباني

ومعرفة محمد بهذا العلم لا تقلل من دوره الرسولي لأن الله إذا ما اختار انسان ما لرسالة ما وفر له

المعطيات البشرية المناسبة لأداء هذه الرسالة

وما إشارة القرآن لتعلم محمد علم ما لا يعلم سوى علم ما لا يعلم من الكتاب المنزل

وهذا العلم هو أيضا لم يكن حدسا وإلهاما بقدر ما كان تعلما واكتسابا من الذين يقرأون الكتاب من قبل

محمد 10 : 94 وما رد محمد التهمة عنه إلا دليل آخر على ما تعلمه من أهل الكتاب

: ولقد نعلم إنما يعلمه بشر16 : 103 فرد بقوله : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان

عربي مبين المرجع نفسه 16 : 103

وقد اعترف بذلك عندما قال أنه لا يعلم الغيب ولا عنده خزائن علم الله : قل لا أقول لكم عندي خزائن

الله ولا أعلم الغيب 6: 50 و 7 : 188

ويشهد على علم محمد بالكتاب جملة شهود الله والملائكة وأهل الكتاب وردد القرآن العربي هذه

الشهادات فيه : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب 13 : 43

وقال : شهد الله والملائكة .... وأولوا العلم 3 : 18 وقال أيضا : شهد شاهد من بني إسرائيل على

مثله أى على مثل القرآن 46 : 10

وقال أيضا يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون 3 : 70

وقال أيضا : إ نا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون

والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء 5 : 44

وحين كان محمد يرتاب من علمه ومن وحي الله كان يتوجه إلى أهل الكتاب يسألهم ويستشيرهم : إن

كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك 10 : 94

وعندما يشك أتباعه في صحة علمه و وحيه ينصحهم أن يذهبوا هم أيضا إلى أهل الكتاب ويسألوهم

إسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون 16 : 43

وعندما يختلف المسلمون في كتاب محمد يقول لهم : وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه 5 : 47

وما القرآن أخيرا إلا تبيان لما أنزل من قبل : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم 16 : 44

ومن البارزين في علم الكتاب والذين شهدوا شهادة حق في القرآن ونبيه كان القس ورقة بن نوفل أقرب

المقربين إليه وإلى زوجته وقد شهدت عائشة ناقلة الحديث الصحيح عن محمد بدور ورقة في قولها :

ولم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي



************************************************** *****
رد مع اقتباس