عرض مشاركة واحدة
  #32  
قديم 19-06-2007, 10:11 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

سجن آخر
------
تم التسليم والتوقيع بين شرطة حمص وشرطة حلب
ادخلونا الى مهجعا" كبيرا" جدا" يستوعب المئات من السجناء وكان علينا أن ننام في هذا السجن الى ثاني يوم حتى يقوموا بتسليمنا الى شعبة التجنيد العسكري .
في هذا السجن الكبير كان هناك الكثير من السجناء الذين عرفوا بأننا ( اسرى ) وأما بالنسبة لعناصر السجن فلم يعرفوا بذلك ولم يقم احد باخبارهم
في تلك الليلة كنت انام واستيقظ ...
انام واحلم ... استيقظ واحلم ...
فأين أنت ياأماه ... لتشاهدي ابنك ...
فهذا الليل طويل جدا" ياأماه ...
هذا الليل ياأماه ذئب جائع سفاح ... أردت الهروب منه الى النهار ...
وكم عانيت ياأماه ... فهذا الليل كان من أطول الليالي ...
اخيرا" هربت من ذلك الليل ( الوحش ) الى النهار ... فقد بدأت الاضواء تتسرب من خلال نوافذ بعض الشبابيك والابواب وجلست أدخن لعل التدخين يقرب المسافات ويقتل الوقت ... ولم تكد تنتهي لفافة التبغ حتى ألقمها بأخرى ... وأزف الوقت اخيرا"
كانت الساعة التاسعة صباحا" من يوم 23 - 11 - 1983 ... فتح الباب وسمعت صوتا" يقول: ( تفقد - يالله ع التفقد ) ... لم أفقه واعرف معنى هذه الكلمات ولكن رأيت جميع السجناء يقفون ويصطفون وراء بعضهم البعض ... ونادوا علي لكي أقف واصطف معهم .
ابتدأت الاسماء تتلى من قبل عنصر من الشرطة العسكرية برتبة ( مساعد ) والسجناء كانت ترد وتقول : نعم , حاضر , موجود ... انه كان التفقد الصباحي وتحية العلم وهذه الشعائر تقام كل صباح ... حين أذكر هذا ... أتذكر ( العد ) الصباحي الاسرائيلي فانهم كانوا يقومون بهذا الامر ( بالعد ) بشكل يومي في الصباح
كنت واقفا في الصف وفي يدي لفافة التبغ ... فصرخ المساعد وقال : ( كب السيكارة ولاك ) ولكني كنت لست موجودا" ... كنت بعيدا" عن هذا المكان السيئ ... وكرر كلامه وانا لست هنا ... فقد كانت روحي تسبح في اللاشيئ ... وصرخ لكي أذهب اليه وانا لست هنا ولست معه ... أيقظني احد رفاقي التعساء من احلامي ومنامي بهزة من يده وهو يقول : المساعد ينادي عليك ... فذهبت اليه ولفافة التبغ مازالت في يدي ولم أكن أفطن لوجودها ولم أكن اعرف لماذا يناديني ذلك المساعد ... فقد كنت كالأبله والمجنون الذي لايعي مايدور حواليه
كان المساعد يصرخ علي ويتهددني ويتوعدني ...وأنا كالمجذوب ... فقال لي : ( مابتعرف اصول العسكرية ولاك , ليش ما ع بترد , كبه من ايدك ) ... وانا لا أفقه شيئ من كلامه ... فلماذا يتهددني ...؟ ماذا فعلت ...؟ وما معنى كلامه ب ( كبه من ايدك ) ... ماذا هناك في يدي ... واخيرا" ضرب يدي التي تحمل ( السيكارة ) فوقعت على الارض وأنا تائه في عالم آخر ... كانت نفسي هائمة في كل الاتجاهات وبدون اهداف ... فعرفت حينها ... لماذا كان يصرخ علي ... فأردت أن أفتح فمي لكي أرد عليه فلم يساعدني لساني على الكلام ... لقد أصبحت أبكم ( أخرس ) ... أردت أن أبكي ولكن عيناي لم تساعدني على البكاء ... فنحرني بيده على صدري نحرة خفيفة وقال لي : اذهب الى الصف ... فذهبت ووقفت في هذا الصف اللعين حتى انتهى التفقد ... وأغلق باب السجن مرة اخرى .
انني لن ألوم ذلك الشخص ( المساعد ) الذي نعتني وضربني لأنه لايعرفني ... لايعرف بأنني ( ذبحت وتعذبت مرتين ) ... فمرة عند اعدائي الصهاينة ومرة اخرى في بلدي عند اخواني واصدقائي ... لايعرف بأنني كنت اسيرا" عند اسرائيل ( الله يسامحه ) ولكني لن أسامح أبدا" الذين تسببوا في مآساتي هذه .
فتح الباب مرة اخرى وكانت الساعة الحادية عشرة ظهرا" تقريبا" ونودي على اسمي واسم احد رفاقي الاسرى المولود في حلب وأما رفيقنا الاسير الثالث فقد بقي في السجن لأنه من محافظة دير الزور وينوون ترحيله الى هناك ونودي ايضا" على ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يعرفون بأننا (اسرى) ... فأصبح عددنا خمسة من المساجين ... اثنان من الاسرى وثلاثة من العسكريين .
جاء الحراس بجنزير طويل قيدوا ايدينا فيه بشكل جماعي وانتظروا بعض الوقت ليأخذوا الاذن بالانطلاق بنا الى شعبة التجنيد
وفي خلال هذه الفترة انتبه احد حراسنا للسترة التي كنت ارتديها بدون ازرار ومن دون ثياب داخلية وبصدر مفتوح ... يعني ( ع طاق اللحم ) ونحن في فصل الشتاء ... فقال لي : ( زر الازرار وسكر صدرك ) ... فقلت له وببرود شديد وبعدم اكتراث : ( مافي ازرار ) فقال : ( خرطها في البنطلون , شنو ما بتعرف اصول العسكرية ولاك ) ... هنا تدخل أحد السجناء موجها" كلامه لهذا الحرس قائلا : ( هادا ما هوى عسكري ... هادا كان اسير ) فرد الحرس بدون أن يهتم بكلمة ( اسير ) وكانت لهجته تدل على أنه من المنطقة الشرقية قائلا : ( ايه شنو يعني فيها ... آني شنت يسير كمان في تدمر ) ... هنا جائتني البسمة لأول مرة في سورية من كلام هذا السجان البسيط وعفويته ... فأوضح السجين العسكري للسجان بأن قال له : ان هذا الواقف امامك كان اسيرا" عند الاسرائيليين ... حينها اندهش السجان من هذا الكلام وبدأ يسألني عن بعض الاسماء المفقودين في الحرب بعد أن فك قيودنا من ذلك الجنزير الذي في ايدينا .
ركبنا سيارة الشرطة العسكرية المغلقة وعرف مرافقونا بأننا اسرى فعاملونا معاملة جيدة خلال انطلاقنا الى محطتنا الجديدة
توقفت العربة عند قيادة موقع حلب في الجميلية لتوقيع بعض الاوراق والعربة لها بابا" خلفيا" ومكانا" يجلس فيه الحرس لحراسة المساجين وكان هذا الباب قد فتحه الحرس لكي يحدثنا نحن الاسرى ... فكان يسأل ونحن نجيبه ... وفي هذا الوقت بالذات كان هناك اطفالا يغادرون مدارسهم وكانوا قد تجمعوا حول العربة يستهزؤن بنا ويضحكون علينا ... ورمى احد الاطفال بقطعة من ( العلكة ) وقال : ( خدوها تسلوا فيها في السجن ) وقال طفل آخر وهو يضحك : ( هيه .. هيه .. هلأ بدون ياخدوكن ويقتلوكن ) ...
هؤلاء الملائكة الاطفال لايعرفون من نحن ...
كم قاسيت في هذه اللحظة ...وفي هذا الموقف بالذات ضحكت وشعرت بالدموع تنساب على خدي وتتساقط كمطر الربيع لايمنعها شيئ عن التوقف ... فقد كنت أبكي وأضحك في نفس الوقت ...
ياالله ... ماهذا ...؟ اخيرا" ولأول في سورية أستطيع أن أكحل عيناي بالدموع ... لقد خذلوني في أكثر من مكان ... لقد كنت محروما" حتى من البكاء ... اخيرا" رأيت الناس تمشي في الشوارع ... وهؤلاء الاطفال ماأجملهم وماأجمل ابتساماتهم وماأقدس برائتهم ...
انني كنت محروما" من أبسط حقوق الانسان الحياتية ... محروما" من أن أرى الناس ... محروما" من الشوارع ... وحتى في بعض الاحيان كنت محروما" من أن ( أبول ) ...
ياالله ... ماهذا ... هاهي حقوقي الانسانية عادت الي ... فها انا أبكي بكل حرية وبدون قيود من أي سلطة تمنعني عن ذلك
ان حقوق الانسان الحياتية مثلها مثل الارض المحتلة لاتؤخذ الا بالقوة ... وليس بالدعاء او التمني ... انما بالعمل ...؟؟؟
انتهوا من التوقيع والامضاء في قيادة ذلك الموقع وانطلقت بنا العربة مرة اخرى الى شعبة التجنيد ... الى آخر محطة .

والى اللقاء مع الجزء الاخير
وتصبحون على وطن
الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس