عرض مشاركة واحدة
  #31  
قديم 08-06-2007, 08:00 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي



سجن البولوني
---------
وابتدأت الرحلة الى حمص وكنا نتحدث فيما بيننا لكي نضيع الوقت فقال أحد المساجين الفارين من خدمة العلم : ( اشبكن ياه - ليش خايفين - اذا سجن اسرائيل ما خفتوا منو ) ولكنه لم يكن يعلم بأننا لسنا خائفين انما كنا مجروحين ومذبوحين ... اننا كنا نشعر بمرارة ليس بعدها مرارة ...
وصلنا الى الى مقر الشرطة العسكرية في حمص وبالتحديد ( سجن البولوني ) ... قال لي أحدهم : ان هذا السجن قد بناه الفرنسيين ابان احتلالهم لبلادنا وكانوا يستخدمونه كا ( اسطبل ) للخيول ولم أصدق أو أكذب هذا الخبر الذي سمعته وقلت لنفسي متسائلا" : هل خرج الفرنسيين المحتلين لبلادنا أم لا ...؟؟؟!!!
هنا أيضا" في هذا الاسطبل اهينت كرامتنا وسلبت ... هذا اذا كان قد بقي منها شيئ في الاصل من المحطات السابقة ...
هنا في هذا الاسطبل لم نقل لحراس السجن بأننا اسرى وطلبنا من المساجين أن لا يقولوا لأحد أيضا" ...
هنا في هذا الاسطبل تعرينا كما تتعرى أوراق الشجر في فصل الخريف ... ففي احدى مقصورات ( حصانا" ) من أحصنة الفرنسيين المحتلين السابقين المليئة باالمساجين كنت أسند رأسي على مخدتي ( المخدة هنا هي الحذاء ) بدون فراش أو غطاء تحتي أو فوقي وأتفكر بما حصل ويحصل لي في هذه الحياة ... وكيف سألتقي بأهلي وأنا على هذه الحال من ثياب ممزقة ومتسخة ... ( وهنا دخلت حيوانات جديدة الى الاسطبل ) عفوا" ... ودخل مساجين جدد وسمعت صوتا" يقول لأحدهم ( هون في واحد من ضيعتك - روح لعندو) وصرخ نفس الصوت وقال : ( يا حريتاني في واحد من ضيعتك - تعا شوفوا ) ... كان الكلام موجها" لي ... فأنا من قرية من شمال حلب واسمها ( حريتان ) وتبعد عشرة كيلومترات عن حلب ... وانا قد ولدت في حلب وأعيش فيها ولاأعرف أحدا" في ( ضيعتي ) وكنت أزورها في المناسبات فقط ...
وقفت مرحبا" ومضيفا" لأبن الضيعة هذا الذي لاأعرفه ... وبعد أن ذكرنا أسمائنا لنتعرف على بعضنا البعض ... سألته : ماهي جريمتك ...؟ فتبسم ياأيتها وقال : ( قصتي بضحك وبتبكي بنفس الوقت ) وأضاف قائلا" : أنا عسكري وأخدم في الجيش العربي السوري برتبة صف ضابط في الخدمة الالزامية وكنت قد أخذت اجازة من قطعتي العسكرية التي أخدم فيها وذهبت وأمضيت الاجازة مع أهلي ...وفي مساء اليوم الاخير من الاجازة ودعت أهلي لكي أسافر والتحق بالقطعة العسكرية التي أخدم فيها ... وبعد أن ركبت في الباص وأبتدأت رحلة السفر ... وعند ابواب حلب ( التمثال ) توقف الباص لوجود دورية من الشرطة العسكرية ... فصعد أحد أفراد الدورية وطلب مني الاجازة فأعطيته اياها وعندما قرأها قال لي : ان اجازتك منتهية وأنت متخلف عن قطعتك العسكرية ... فقلت له : كيف ذلك ... فقال : ان الوقت الآن هو الثانية بعد منتصف الليل واجازتك تنتهي الساعة الثانية عشرة ليلا" ... فقلت له : اني الآن ذاهب الى قطعتي العسكرية فلم يرضى بهذا الكلام وأمرني بالنزول من الباص ... فنزلت وارجعوني الى حلب ووضعوني في سجن الجميلية التابع للشرطة العسكرية يومين ... وها أنا اليوم في سجن البولوني معك ... !!!! قلت له : الى أين سيأخذونك الآن ...قال : الى قطعتي العسكرية ...
اندهشت من هذا الكلام الذي أسمعه للحظة وعدت وقلت لنفسي : لماذا تندهش ...؟ فها أنت تعاني أكثر منه ... غمزني ابن ضيعتي وقال لي : وأنت ماهي جريمتك ... فقلت له : جريمتي كبيرة جدا" ( ومن كبرها ما ع بحسن اشيلاها ) وقصصت عليه حكايتي العجيبة التي أعاني منها ... هذه الحكاية التي سوف أرويها للأحفاد عند نومهم واستيقاظهم ... وأرويها للتاريخ ... وعندما سمع ابن ضيعتي هذه الحكاية استغرب ذلك وهانت عليه مصيبته أمام مصيبتي وكان قد عرف من خلال سردي لقصتي بأني لاأملك في جيبي قرشا" واحدا" ... فأخرج محفظته وأعطاني بضع مئات سورية من النقود فشكرته على ذلك وقلت له : سوف أرد هذا المال ان شاء الله في يوم ما اذا بقيت حيا" ...
وسهرنا باقي الليل نتسامر وندردش ونخفف عن بعضنا البعض هذه الاحداث التي مرت علينا حتى أتانا الله بالصباح وبنوره لاح ... فجاؤوا بالافطار ( ففطرنا ) وحمدنا الله ... وبعد ذلك نودي على اسمائنا نحن الاسرى الثلاثة ونودي أيضا" على بعض اسماء المساجين العسكريين ... فقد كانوا ينوون ترحيلنا الى محطة اخرى ...
جاؤوا ( بميكروباص ) مدني وأخذوا اجرته من جميع المساجين وقد كنا نحن من ضمن المساجين ... فدفعت الاجرة عني وعن رفاقي الاثنين ... وابتدأت الرحلة الى مدينة طفولتي وأحلامي ... الى مدينة حلب ....
وفي الطريق الى حلب والعربة تنهب الارض نهبا" ... عرف المرافقون من الشرطة بقصتنا وتعرفوا على بعض مآساتنا من خلال القطع التي كنا صنعناها في المعتقل وهذه القطع كانت ترمز بشكل ما لحياتنا داخل المعتقل ... وكنت قد صنعت ( مشطا" ) من قطعة خشب ( من سحارة خضرة ) وهذا المشط كان بشكل رجل يجلس متربعا" ويضع يديه على رأسه ورأسه الى الأسفل وكنت قد صنعت أيضا" ( مسبحة ) من خشب وكانت جيدة الصنع وأراد الشرطي أن ( يلطشها ) فمنعته عن ذلك وكان هناك أيضا" بعض الاحجار القاسية ( من الصوان ) قد نحتها باشكال مختلفة تعبر عن المآسي التي كنا نعيشها وكان هناك أيضا" بعض النحاسيات التي حفرت عليها بعض الأسماء والرسومات للذكرى ...
ان كل هذه الاعمال كانت يدوية وكنت قد وضعتها في حقيبة مصنعة يدويا" من بعض مناشف الحمام ... وفيما الشرطيين ( يبحبشان ) ويتفرجان على هذه القطع التي أعتبرها تاريخية بالنسبة لي ... وجد أحدهم عشرة ليرات لبنانية داخل الحقيبة فأخذها وقال لي : بأنه سوف يأخذها كتذكار مني ...
ياالله ... أين نحن ...؟ وأين هو ... ؟
حتى في هذا الموقف لم ينسى نفسه بأنه ( شرطي )
ومتى كان المال يأخذ كتذكار ... !!!!!


الصنم
----
وصلنا الى بوابة حلب الشهباء ... وصلنا الى رمز حلب ( التمثال ) ...
اني لاأحب التماثيل لأني أعتبرها كا الاصنام في الجاهلية ... ولكن كانت هناك نشوة عارمة بمجرد رؤيتي لهذا التمثال الذي يرمز لوصولنا الى حلب ... وهاهي الساحة التي نقول عنها ( الكرة الارضية ) ترحب بزوارها الغائبين كأنها تعرفنا ...
ياالله ... لقد وصلنا حلب ...
يالله ... ماأجمل ذلك ...
لقد أصبحنا في قلب حلب ...
فأين قلبك ياأماه ...؟
انطلق ( الميكروباص ) الى مقر قيادة الشرطة العسكرية في الجميلية وكانت الساعة تقريبا" في ذلك الوقت الثانية عشرة والنصف ظهرا" ... ودخلنا الى هذا الفرع الذي يشبه القلعة المحصنه ببوابته الكبيرة ...

والى جزء آخر في يوم آخر
وتصبحون على وطن
الاسير محمد نعناع

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 09-06-2007 الساعة 12:06 AM
رد مع اقتباس