عرض مشاركة واحدة
  #65  
قديم 13-06-2004, 02:25 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

3- ما ورد فى حق ابراهيم عليه السلام
من قوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم لأبيه ءازَرَ أتتخذُ أصناماً ءالهِةً إِنّى أرَاكَ ‏وقومك في ضلالٍ مبين * وكذلك نُرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ‏من الموقنين * فلما جنَّ عليه الَّيل رءا كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ‏‏* فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ‏الضالين * فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ‏بريءُ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا ‏من المشركين * وحاجهُ قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدانِ ولا أخافُ ما تشركون به ‏إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون *وكيف أخاف ما ‏أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحقُّ ‏بالأمن إن كنتم تعلمون * الذي ءامنوا ولم يلبسوا إِيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمنُ وهم ‏مهتدون * وتلك حُجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاءُ إن ربك ‏حكيم عليم} [الأنعام: 74- 83].‏
قد يظن بعض الناس عندما يقرأ هذه الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان يعبد ‏الكواكب ويعبد القمر والشمس وأنه قد تأثر بقومه فسار على دربهم في الاعتقاد وهذا ‏جهل في حق الأنبياء وخطأ ظاهر ممن لا يفهم معاني القرآن الحكيم.‏
فإن هذه الآيات لا تدل أبداً على وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لأن سياق ‏الآيات يدل على المحاجة بين إبراهيم وقومه بدليل أول الآية: {وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر ‏أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين}. وبدليل آخر الآية: {وتلك حجتنا ‏آتيناها إبراهيم على قومه}.‏
أي: أوتي الحجة التي دفع فيها أصحاب العقيدة الباطلة وهم قومه.‏
فالقصة التي ساقها القرآن الكريم إنَّما ترمز إلى أسلوب الإقناع وقوة الحجة التي ‏أعطاها الله سبحانه وتعالى لنبيه وخليله إبراهيم عليه السلام وكيف استطاع أن يفحم قومه ‏في إقامة الحجة والبرهان على وجود الله عزَّ وجلَّ، وكيف استطاع أن يبين لهم ضلالهم ‏وخطأهم في عبادة الكواكب والقمر والشمس، ويظهر أن إبراهيم عليه السلام قد سلك ‏معهم أيسر الطرق لبلوغ غرضه، فلم يجابههم بالضلال وإنما تدرج معهم فادعى أنَّ ‏الكواكب الذي رآه ساطعاً في السماء هو ربه ليستأنسوا بكلامه ثم لما غاب الكوكب ‏أنكر أن يكون هذا الكوكب صالحاً لكونه رباً لأنه متغير ومحدود وكل ذلك علامة ‏الحدوث والله سبحانه منزه عن ذلك ثم لما رأى القمر ظاهراً مضيئاً قال: هذا ربي -فهذا ‏تدرج ليبطل عقيدتهم- فلما غاب القمر وذهب نوره أنكر أن يكون رباً معبوداً، وهنا لمح ‏إبراهيم إلى ضلالهم، ولكن بأسلوب في منتهى الحكمة حيث قال: {لئن لم يهدني ربي ‏لأكون من القوم الضالين} فلم يصرِّح بضلالهم وإنما اتهم نفسه بالضلالة إن عبد هذا الإله ‏المتصف بصفات الحدوث، وقوله: {من القوم الضالين} تلميح بضلالة من عبد القمر، ثم ‏لما بزغت الشمس وسطعت بأشعتها على الكون وأضاءت الوجود قال عن الشمس إنها ‏ربه فهي أكبر المخلوقات فمن كان أكبر كان أحقّ بالعبادة من سائر النجوم والكواكب، ‏وقال ذلك ليقيم الحجة على ضلالهم، فلما غابت الشمس وتوارت خلف الأفق ولم يعد لها ‏نور ولا ضياء عندها صرح هنالك بضلال من يعبدها أو يعبد تلك المحدثات، وتبرأ من ‏قومه ومن عبادتهم لها، وذلك بعد أن ظهرت الحجة وبان الحق {قال يا قوم إني بريء مما ‏تشركون} عندها أعلن عقيدته التي يؤمن بها من قبل {إني وجهت وجهي للذي فطر ‏السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.‏
فظهر أن هذه الأقوال من إبراهيم عليه السلام لم تكن شكاً في الله ولم تكن جهلاً ‏بالخالق جل وعزَّ، وإنما كانت من أجل إقامة الحجة على ضلال قومه عن طريق البرهان ‏والاستدلال وإفهامهم بأعظم الحج الدامغة.‏
وقال الله تعالى أيضاً في حقِّ إبراهيم عليه السلام {وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف ‏تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير ‏فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أن الله ‏عزيز حكيم} [البقرة: 260]‏
‏- وقد توهم بعض الناس أن إبراهيم قد شك في قدرة الله عزَّ جلَّ على إحياء ‏الموتى، وهذا خطأ فادح وعدم معرفة في حق الأنبياء عليهم السلام، والحقُّ أن إبراهيم عليه ‏السلام لم يشك لحظة في قدرة الله عزَّ وجلَّ وقد قطع النبي محمد صلى الله عليه وسلم دابر ‏الوهم بقوله: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم" أي نحن صلى الله عليه وسلم لم نشكَّ أبداً ‏فمن باب أولى أن لا يشك أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.‏
فإن إبراهيم عليه السلام لم يسأل، عن حقيقة القدرة أي: (هل تقدر أن تحي ‏الموتى؟) وإنما سأل عن كيفية إحياء الموتى فقال: {ربي أرني كيف تحي الموتى} والسؤال ‏عن الكيفية إنما هو بقصد التَطلع وعندما يجيء هذا التطلع من إبراهيم عليه السلام فإنه ‏يكشف عما يختلج أحياناً من الشوق لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين.‏
‏- وما ورد في حقه عليه السلام في الحديث ما يوهم عدم العصمة: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهنَّ في ذات الله قوله: ‏‏(إني سقيم) وقوله: (بل فعل كبيرهم هذا). وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على ‏جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله ‏عنها: من هذه؟ قال: أختي فأتى فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، ‏فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، ‏فأرسل إليها فأتي بها، وقام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ حتى ‏ركض برجله، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ ‏مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته، ‏فقال إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي فأومأ ‏بيده مهيم؟ قالت ردَّ الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر.. قال أبو هريرة: تلك أمكم ‏يا بني ماء السماء". رواه البخاري ومسلم
الحديث الشريف المذكور لا يدلُ على نفي العصمة، فالكذبات التي نطق بها الخليل ‏إبراهيم عليه السلام لم تكن كذباً بالمعنى المتعارف عليه إنما هو كذب صورة أمَّا في الحقيقة ‏فهو بخلاف ذلك والدليل على ذلك سياق الموضوع لكل كلمة من الكلمات الثلاثة:‏
أمَّا الأولى فكلمة {إني سقيم} قد وردت في القرآن الكريم قال الله تعالى: {وإن ‏من شيعته لإبراهيم* إذ جاء ربَّه بقلب سليم* إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون* أئفكاً ‏آلهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين* فنظر نظرة في النجوم* فقال إني سقيم* ‏فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم* فقال ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ‏ضرباً باليمين* فأقبلوا إليه يزفون* قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون* ‏قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم فأرادوا له كيداً فجعلناهم الأسفلين} [الصافات: ‏‏83-98].‏
فإن قول الخليل إبراهيم عليه السلام (إني سقيم) أي إني مريض فكان ادعاء المرض ‏منه مبرراً لعدم ذهابه مع قومه حيث يخلو له الأمر فيتمكن من كسر الأصنام.‏
فمرضه ليس مرضاً جسيماً فعند إطلاق كلمة سقيم يتبادر إلى الذهن مرض ‏الجسم، ولكن هو - والله أعلم - السقم المعنوي لا المادي، لأنه سقم من قومه بسبب ‏عبادتهم للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تغني عن صاحبها ‏شيئاً، فحزن عليهم واشددَّ حزنه أكثر من ذلك عندما دعاهم إلى الهدى فأبوا وازدادوا في ‏طغيانهم. فكل رسول يكون همه الأوحد هداية قومه وحرصه على أن يكونوا مؤمنين، إلا ‏أن كثيراً من قومه يقفون أمام دعوته ويحاربونه سراً وعلانية ويؤذونه ويعتدون على أهله ‏وأتباعه، فلذا نجد الرسول أمام هذه المواقف من قومه حزيناً عليهم مشفقاً على أنفسهم ‏رؤوفاً بهم، وهم معرضون عنه، فتراه تعباً مريضاً من مواقفهم التي تحارب كلمة الحق ‏وطريق الهدى.‏
وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحزن ويشتد حزنه من قول المشركين فيقول ‏تعالى: {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76].‏
وهكذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد اشتدَّ حزنه فصار سقيماً من عبادة ‏قومه الأصنام.‏
وأمَّا الثانية فكلمة (بل فعله كبيرهم هذا) فقد وردت في القرآن الكريم قال الله ‏تعالى في شأن الخليل إبراهيم عليه السلام عندما انتهى من كسر الأصنام {قالوا من فعل ‏هذا بالهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على ‏أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا ءَأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله ‏كبيرهم هذا فاسئَلُوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 59 - 63].‏
فقوله عليه السلام (بل فعله كبيرهم هذا) من باب السخرية والتهكم بقومه ‏وبآلهتهم التي هي جماد لا تنطق ولا تقدر على شيء، والذي يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ‏‏{فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] فكان كلامه (بل فعله كبيرهم هذا)جواباً ‏مسكتاً لخصمه محرجاً له، فهذا ليس من الكذب في الحقيقة وإنما هو نوع من البرهان ‏والحجة.‏
وأمَّا الكلمة الثالثة: (هذه أختي) فقد وردت الكلمة في الحديث المذكور سابقاً.‏
فهذا ليس بكذب في الحقيقة وإنما هو في الصورة والدليل على ذلك أنه قال ‏لزوجته سارة: (فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمن ‏غيري وغيرك).‏
والله سبحانه وتعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]. فإن كلمة ‏أختي توهم أنها أخته بالنسب، فقد عرَّض في كلامه ولم يصرِّح حتى يدفع الضرر ودليل ‏ذلك قول الخليل إبراهيم عليه السلام: "إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك" ‏فهذا التعريض لا يؤاخذ صاحبه ولا يأثم.‏
رد مع اقتباس