عرض مشاركة واحدة
  #57  
قديم 13-06-2004, 02:08 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

صفات الرسل عليهم السلام:‏


أ- الفطانة:‏
الفطانة: هي الذكاء والنباهة، ولم يبعث نبي إلا وكان على جانب عظيم من ‏الذكاء والنباهة مع كمال العقل والرشد.‏
قال الله تعالى في وصف إبراهيم الخليل عليه السلام: {ولقد آتينا إبراهيم رشده ‏من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51].‏
فبالفطانة يستطيع النبي أو الرسول أن يعرف ما يُلقى إليه من الوحي، وبها يستطيع ‏أن يحفظه ولا ينساه، وبها يستطيع أن يبلغه كما أوحي به إليه، وبها يستطيع بعد ذلك أن ‏يعالج أمته بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة، وفق طبائعهم وأخلاقهم، وبها يستطيع أن ‏يحاجج ويجادل الخصوم.‏
ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام الصلاة والسلام: قوله تعالى في ‏إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات ‏من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83].‏
فإن إبراهيم عليه السلام قد جادل النمروذ الطاغية الذي ادعى الألوهية، فحاجّه ‏وبهته(1) حيث إن إبراهيم عليه السلام قال للنمروذ عندما سأله من ربك؟ فأجابه: ربي ‏الذي يحي ويميت. فقال النمروذ: أنا أحي وأميت؟ فأتى برجلين قد حكم عليهما ‏بالإعدام، فأمر بعدم قتل أحدهما مع الحكم بإعدامه، فبزعمه أنه أحياه وأمر بقتل الثاني ‏فبزعمه أنه أماته
فلم يشأ إبراهيم عليه السلام بما أوتي من فطنة عظيمة أن يشتغل بإبطال ما ادعاه ‏النمروذ، وإنما نقله إلى مظهر آخر من مظاهر أفعال الله سبحانه وتعالى فقال له: فإن الله ‏يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؟! عندئذ بهت النمروذ ولم يجد جواباً فسقط ‏بذلك ادعاؤه الربوبية.‏
قال الله تعالى في شأن ذلك: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله ‏الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أُحي وأميت قال إبراهيم فإن الله ‏يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ‏الظالمين} [البقرة: 258].‏
وقد ثبت له موقف آخر من قبل وهو فتى في المحاجة مع قومه حين حطم الأصنام ‏كلها بيده إلا صنماً كبيراً ثم علّق القَدُّوم(2) في عنق هذا الصنم الكبير ليقيم الحجة على ‏قومه... فحين علموا أنه هو الفاعل قدموه للمحاكمة وسألوه: من الذي حطم آلهتنا ‏وأقدم على تكسير الأصنام؟ هل أنت الذي فعلت ذلك يا إبراهيم؟
فأجابهم عليه السلام: إنني لم أحطمها ولكن الصنم الكبير والإله العظيم- بزعمهم- هو‏
‏_________________‏
‏(1) أي حيَّره.‏
‏(2) آلة ينحت بها.‏
الذي حطمها لأنه لم يرض أن تعبد معه، والدليل على ذلك أنه وضع القدوم في عنقه، ‏وإذا لم تصدقوا كلامي فاسألوهم عن ذلك الأمر وسلوه... وفي هذه المرحلة كان قد بلغ ‏إبراهيم إلى غايته وهدفه، فأقام عليهم الحجة بعد أن سفَّه عقولهم، وجعلهم يضحكون من ‏أنفسهم... وهكذا يكون منطق الأنبياء.‏
قال الله تعالى في شأن ذلك: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ‏‏*إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها ‏عابدين* قال لقد كنتم أنتم وأباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ‏اللاعبين* قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ‏الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم ‏لعلهم إليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم ‏يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا ءَأَنت فعلت هذا ‏بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون* فرجعوا إلى ‏أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون* ثم نكسوا على رُءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ‏ينطقون* قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍ لكم ولما ‏تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون} [الأنبياء:51-67].‏
ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام قصة نوح عليه السلام مع قومه ‏حيث جادلهم وسلك معهم مسلك الحكمة والأسلوب المقنع إلا أنهم ضاقوا ذرعاً بقوة ‏مجادلته وبيانه وردوه رداً غير جميلٍ.‏
قال الله تعالى في ذلك الشأن: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما ‏تعدنا إن كنت من الصادقين} [هود: 32].‏
وممَّا يدل على فطنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: {ولا تعجل ‏بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربِّ زدني علماً} [طه: 114].‏
وتفسير ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يتعجل بترديد آياته من قبل ‏أن يقضى إليه وحيه من كمال الذكاء والفطنة.‏
وقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه} ‏‏[القيامة:16-17].‏
وتفسير ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يحرك لسانه بالقرآن الكريم ‏لحفظه وخشية ذهابه، وهذا من حدة الفطانة والدعاء.‏
وقد شهد الله له بأنه لا ينسى وهذا دليل قوي على قمة الذكاء قال الله تعالى: ‏‏{سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6].‏
وقد أمره الله بمجادلة خصومه بالتي هي أحسن، والمجادل عليه أن يتميز بنباهة ‏زائدة وفطانة عالية حتى يوصل خصومه إلى طريق الحق ويعرفهم به.‏
قال الله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. فأمر الله له بمجادلة ‏الخصوم يثبت له فطانة فائقة.‏
فالأنبياء عليهم السلام متصفون بالذكاء والفطانة، والله يختار لمنصب النبوة الذكي ‏الفطن ولا يختار لها من اتصف بالغباوة والبلادة وضعف التفكير.‏
رد مع اقتباس