عرض مشاركة واحدة
  #33  
قديم 12-04-2009, 12:51 AM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

المحطة الاخيرة
----------------
دخلت الى شعبة التجنيد برفقة ( مساعد الشرطة العسكرية ) وكانت مزدحمة بالمراجعين , فقال ( المساعد ) للموظف المسؤول وهو يشير الي : هذا كان اسير حرب لدى اسرائيل فأرجوا منك أن لاتأخره باجراء تسليمه ( دفتر خدمة العلم ) ... فوقف الموظف مرحبا" ومؤهلا" وأجلسني على مقعد بجانبه وقال لي : انتظر لحظات قليلة وانهي عملك ...
هنا صافحني المساعد مودعا" وقال : ( هون انتهت مهمتي , يالله السلام وعليكم ) وذهب ... وأما الموظف فقد أحضر لي كوبا" من الشاي وضيفني ( سيكارة ) وهو يتسائل ويسأل ويتعجب عندما كنت أجيبه على أسئلته ...
اخيرا" ... سلمني دفتر خدمة العلم وقال لي : ( خلصت شغلتك , بس استنى هلأ أنا بوصلك بسيارتي لعند أهلك بس يخلص الدوام ) ... فقلت له : لا , أريد أن أذهب الآن , ووشكرته وودعته وانصرفت الى حال سبيلي حرا" طليقا" لأول مرة في سورية ... ومن يملك ارادة الحرية يحرر العالم ...

يادامي العينين والكفين ان الليل زائل ............. لاغرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
نيرون مات , ولم تمت روما بعينها تقاتل ......... وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل

كنت قد نمت ثلاثة ليالي في مقرات الشرطة العسكرية من اجل استلام هذا الدفتر اللعين ... ألاأستطيع أن أستلم هذا الدفتر بدون هذا السجن ...
ان الشعبة التي دخلتها برفقة أحد حراس الشرطة العسكرية هي شعبة جبل سمعان في حلب ( في جب القبة ) وهذه المنطقة كنت لاأعرفها سابقا" مع العلم بأنني قد ولدت وأعيش في حلب ...
خرجت من شعبة التجنيد طليقا" حرا" هائما" على وجهي لاأعرف أين أنا ولا الى أي جهة أذهب ... فقد كان منظري مروعا" , فثيابي مهلهلة ومتسخة وممزقة من الركبتين والمؤخرة من الطرفين ... وكان رأسي محلوق الشعر وأما ذقني فهي طويلة بعض الشيئ وأما وجهي ويداي فهم سوداوان من الأوساخ ...
فهذا هو حالي عندما خرجت من شعبة التجنيد في ( جب القبة ) في حلب ... في سورية ... حرا" طليقا" ...
وأما حالي عندما خرجت من ( معتقل اسرائيل ) فكان العكس من ذلك , فقد جاء الاسرائيليين بألبسة جديدة , لبسناها وخرجنا طلقاءا" وأحرارا" ...
جلست على أحد الارصفة في أحد الشوارع الرئيسية في ( جب القبة ) متفكرا" بحالي وهيئتي تدل على مدى تعاستي وكل من يراني على هذا الحال يحسبني متسولا" ... جلست طويلا" أقارن بين معتقل اسرائيل وبين معتقل بلادي ... وكم كنت أتعذب من ذلك التفكير ومن تلك المقارنه ...أحسست بأن الناس يتغامزون علي وأنا أجلس على ذلك الرصيف , فقررت أن أتحرك من مكاني ... فأوقفت ( سيارة اجرة ) وصعدت اليها وعندما نظر السائق الى هيئتي حسبني متسولا" فأراد أن ينزلني من السيارة , فقلت له : أنا لست متسولا" وقصتي طويلة ورجوته أن ينطلق وأفهمته بأنني أملك المال ... عندها انطلق السائق متمتما" واضعا" يده على انفه ليمنع تلك الروائح العفنة التي تنطلق مني أن تصل اليه فقال : الى أين تريد الذهاب , فقلت له : الى البلد ... فقد كنت أريد أن أشتري ألبسة لكي ألبسها عوض الثياب المتسخة والممزقة ... فليس من المنطق أن أذهب الى اهلي بتلك الثياب العفنة ... تجاذبنا بالحديث أنا والسائق , فسألني : من أين أنت ...؟؟؟!!! فاني أرى لهجتك غريبة ...!!! ... فقلت له : أنا من حلب ولكن كنت اسيرا" لدى الاسرائيليين واليوم اطلقوا سراحي وها أنا بين يديك وأنت أول انسان في حلب يعرف ذلك وكنت أقصد بأنه اول انسان يعرف بأني ( اسير ) وأنا حرا" طليقا" ... فقال لي : ( اهلك بيعرفوا انوا انتا هلأ في حلب ) فقلت له : لا , فان أهلي لم آراهم منذ عامين واليوم سوف أذهب اليهم ... فبكى ذلك السائق وأبكاني معه ...
يارباه ... ان هذا السائق قد بكى على هذا المتسول الحقير الذي أمامه ... فمسح دموعه وقال : أأنت مشتاق لأهلك , فتأوهت والدوموع قد اغرورقت في عيناي قائلا" : ( حتى أحجار حلب أشتقت اليها ) , فرد علي قائلا" : سوف أريك بعض الاماكن التي تغيرت في حلب خلال العامين الماضيين ... فأخذني الى جانب الحديقة العامة وآراني مجرى نهر قويق المسقوف والمجمل بالورود وبعد ذلك طلبت منه أن ( يوصلني ) الى ( البلد ) وأقصد هنا بالبلد >> مركز المدينة ... فعندما وصلنا الى المكان الذي أريده أخرجت بعض النقود لأعطيه فلم يقبل أن يأخذ مني , وكررت المحاولة ولكنه كان قد أقسم بأن لا يأخذ مني أي قرش , فشكرته وترجلت من السيارة ... وذهب في حال سبيله ... وأما انا فتوجهت الى احدى ( المحلات الرياضية ) فاشتريت ألبسة رياضية , وقلعت جميع ملابسي الممزقة التي البسها ووضعتها في حقيبة كانت معي ولبست الالبسة التي اشتريتها ... ونظرت الى المرآة التي أمامي وقلت لنفسي : قبل قليل كنت شابا" متسولا" وأما الان فأنا شابا" رياضيا" ... وهذه الالبسة كم تغير من شكل الانسان ... ونحن العرب نحترم المظاهر ولا نحترم الانسان ...
خرجت من ذلك المحل شابا" رياضيا" وتوجهت الى الحديقة العامة والتقطت صورة تذكارية أتذكر بها أول يوم أدخل فيها الى حلب وبعد ذلك ذهبت الى موقف السيارات الخاص بالسفر الى ( ضيعتي ) وركبت احداها , فقد كنت وعدت نفسي وأنا في الاسر عندما جائني خبر وفاة ( خالتي ) أن أذهب وأزور قبرها قبل أن أذهب الى أهلي ... وصلت الى الضيعة ولاأعرف أحدا" ولا أحدا" يعرفني وهاهي المقابر جاثمة امامي ولكن أين هو قبر ( خالتي ) ... لاأعرف ... كان لي اختا" أصغر مني متزوجة من ابن عم ابي في الضيعة , فذهبت اليها , وكم كان اللقاء مؤثرا" عندما رأتني وأخبرتها بأني لم أرى اهلي لأني نذرت على نفسي أن أزور ( قبر خالتي ) قبل أن أذهب الى أهلي ... فقالت لي : أذهب الى أبو جلال فهو يعرف قبور الضيعة كلها ... ان ابو جلال هو احد الاقرباء لنا من نفس العائلة وكان يعمل في ( معمل نسيج ) مع والدي في نفس المكان ...
عندما دخلت الى بيت ( ابو جلال ) وتعرفوا علي ( قاموا وسلموا علي ) وقال لي ابو جلال : ( هلأ كنت مع ابوك في الشغل بس ماقلي انوا انتا جيت ) ... فقلت له : لم اذهب الى ( بيت اهلي ) بعد ... ولا يعرفوا أهلي بأني في سورية وأفهمت ابو جلال السبب بذلك ... فقال لي : ( اذا هيك الشغلة , بسيطة , أنا بعرف قبر خالتك ) ولكنه أقسم أن لاأخرج من داره الا اذا شربت الشاي ... فلبيت طلبه وشربت الشاي ... وبعد ذلك ذهبنا الى المقابر وقرأت ( الفاتحة ) لخالتي ولجميع المسلمين ... وعندما انتهينا من زيارة القبور قال لي ابو جلال : سأذهب معك الى حلب و ( أبشر أهلك وآخذ البشارة ) ... فقلت له : هيا بنا ...
وصلنا الى الاشرفية وهو حي من أحياء حلب الشعبية مستقلين سيارة اجرة أوقفتها على ( رأس الشارع ) الذي يسكن أهلي فيه ... وعندما نزلت من السيارة شاهدني شاب صغير من جيراننا في ( الحارة ) فركض ذلك الشاب من أول ( الحارة ) الى منتصفها حيث يسكن اهلي وهو يصيح بأعلى صوته قائلا" : ( يا بيت ابو أحمد اجا ابنكن محمد ) حتى وصل الى باب بيت أهلي فأمسك ( السقاطة ) وبدأ يطرقها بقوة وهو يصيح : ( يا بيت أبو أحمد اجا ابنكن محمد ) ... كان ( ابو أحمد ) هذا هو والدي وكان لي أخ أكبر مني أسمه ( احمد ) ...
ان ( البيوت ) المعمرة في ( حارتنا ) كلها كانت بيوتا" عربية وساكينيها يعرفون بعضهم البعض , وعندما سمع الجيران هذا الصياح ... فتحت الابواب ... وفتحت الشبابيك ... وأطلت منها الرؤوس تستطلع الخبر من هذا الصياح في الشارع ... كانت أقدامي تسرع الخطى بدون أمر مني ... فها هو باب بيتنا مازال على حاله , انه مصنوع من الخشب وعلى درفتين وكان قد صنعه ( خالي ) في عام 1968 ... انني اشتقت لهذا الباب الذي فارقته منذ عشرين شهرا" تقريبا" ... فقد كنت فارفته في يوم 4- 4- 1982 في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر وكان عمري انذاك ثمانية عشر ربيعا" وثلاثة أشهر وها أنا أعود اليه في يوم 23- 11 - 1983 وعمري عشرين ربيعا" تقريبا" ... وبلمح البصر دخلت من هذا الباب وكان اللقاء ... وما أصعب هذا اللقاء ... وماأجمل ذلك اللقاء ...
كانت اختي الصغيرة ( ميساء ) أول من رأيته ورآني من أهلي ... وكنت أحبها كثيرا" ... وهي كانت تحبني ... وكنت اشتري لها ( العلكة ) كل يوم ... وعندما كنت في الاسر ومن خلال الرسائل المتبادلة بيني وبين اهلي عن طريق الصليب الاحمر الدولي عرفت بأنها كانت تسأل علي كثيرا" وتقول : ( امتى بدو يجي اخوي محمد ) وكانوا اهلي يقولون لها : ( بكرا محمد بدو يجي ويجبلك العلكة ) ...
عندما سمع اهلي ذلك الصوت الذي يقول بأن ابنهم ( محمد ) قد جاء , قالوا لأختي الصغيرة ( ميساء ) : ( اجا محمد ) , فركضت لتستقبلني ... وركضت اليها وفي يدي علبة ( العلكة ) ولكنها هربت مني وهي تقول : ( هادا ماهوى اخوي ) ...
يالله ... ماهذا ... ان اختي لم تعد تعرفني ... فتساقطت الدموع حينها من عيناي ... فما أقساك يازمننا ... يازمن التعساء من أمثالنا ... وعندها رأيت والدي ووالدتي يهرولون نحوي ... فرميت نفسي أدفنها في احضانهم كأني كنت هاربا" من وحشا" مفترسا" يريد أن يبتلعني ... وكان اللقاء حارا" جدا" ... والدموع تتساقط بغزارة كأنها أمطار الربيع ... وجاء دور اخوتي فاحتضنتهم وأنا أقبلهم وهم يقبلونني وكنا نبكي بكاء الفرح وكان هناك بعض الناس من الجيران يبكون معنا ... وكان يوما" مابعده من يوم ... لقد كان بالنسبة لي يوما" تاريخيا" سجلته في ذاكرتي ولن تستطيع أن تمحوه الايام والسنون ...
لاأستطيع أن أوصف ذلك اليوم بما اعتراني من مشاعر واحاسيس ... فالقلم يعجز عن كتابته على الورق ... فقد كان خليط بين الحزن والفرح ...
عمت البسمة وحضر الفرح الى بيتنا اياما" ونحن نستقبل الاقرباء والاصدقاء بمناسبة اطلاق سراحي من الاسر ...
وتوالت الايام وأقول كما قال الشاعر ( ابو البقاء الرندي في رثاء قرطبة ) :

لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... ان كان في القلب اسلام وايمان

الخاتمة
====
ومات الفرح في قلبي ... وانتهى شهر العسل ... ( وذهبت السكرة وجاءت الفكرة ) ... وبدأت الاسئلة تتراكم وتطرح نفسها على نفسها ... ولا جواب ... وليس هناك من يستطيع أن يجيب على أي سؤال ...
وقصتي لم تنتهي بعد والمعركة مازالت قائمة ... والسيف مازال في يدي ...
ولا يغركم بعض السيوف المزيفة والمرفوعة هنا وهناك ...
فان الابطال الحقيقيين لأي معركة كانت ... اما انهم مدفونون في قلب المعركة او مدفونون في قلب الحياة ...
فنحن في زمن الفضائح ...
نحن في زمن كرم فيه الجبناء ...
نحن في زمن تعددت فيه الاتجاهات وضاعت فيه معالم الدروب ...
فتعري ياشجر ...
فليس هناك من مطر ...
تعري ياشجر ...
أقبل أيها الخريف ...
أسقط أيها الورق ...
على الرصيف , على الحجر ...
تعري ياشجر ...
وان الظلم لا يقتله الا العدل ...
وان القساوة لا يقتلها الا الحنان ...
فمتى تشرق الشمس العربية وتمحو آثار الظلام ...
واخيرا" وليس آخرا" أقول كما قال أحدهم :

كلمات حق وصيحة في واد ...
ان ذهبت اليوم مع الريح ...
قد تذهب غدا" بالأوتاد ...

هذا هو الفصل الثاني من مآساتي , كتبته للتاريخ ليحكم بيني وبين ظالمي ...
كتبت هذا والله يشهد على ماكتبت ...
والحمد لله رب العالمين ...

و
تصبحون على وطن

محمد نعناع
اسير سابق لدى اسرائيل
رد مع اقتباس