عرض مشاركة واحدة
  #24  
قديم 18-01-2007, 08:54 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

نماذج من الحروب الاهلية

في التاريخ القريب او البعيد هناك نماذج من الحرب الاهلية، فحرب قرطاج ضد الامبراطورية الرومانية في القرن الثالث قبل الميلاد وحرب الهان في الصين كانت في القرن الثاني قبل الميلاد، ويمكن إعتبار حرب البسوس بينبكر وتغلب التي دامت أربعين عاماً وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان من الحروب الاهلية قبل الاسلام وحرب الاخوين في اسبانيا، في القرن الحادي عشر الميلادي وحرب ايرلندا واسكتلندا وانكلترا في القرن السابع عشر، كلها حروب أهلية.

وشهد القرن العشرين بعض انواع الحرب الاهلية، ففي اسبانيا دامت الحرب الاهلية ثلاث سنوات، انتصر فيها الجنرال فرانكو على الجمهوريين وكتب عنها آرنستو هامنغواي روايته الشهيرة " لمن تقرع الاجراس"!؟

والحرب الافغانية بعد الاحتلال السوفييتي وحتى الغزو الامريكي 1991-2002 والحرب الجزائرية خصوصاًضد الارهابيين، والتي دامت 10 سنوات والحرب الانغولية التي بدأت العام 1974 والكمبودية 1975 بعد نهاية حرب الفيتنام وانتصار الخمير الحمر والحرب الرواندية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي 1990، وقد شهدت منطقة البحيرات العظمى (رواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية سلسلة مستمرة من الحرب الاهلية والصراع المسلح الاثني والقبلي) والحرب الصومالية 1990 او التي تجددت الآن، والحرب اللبنانية التي استمرت 15 عاماً من العام 1975 حتى 1991 و"الحرب السودانية" ضد الجنوب التي ما زالت مستمرة من اواسط الخمسينات حتى الآن، وحرب الحكومات العراقية المتعاقية ضد الشعب الكردي وبخاصة منذ اندلاع حركته المسلحة في العام 1961 وتمرده على السلطة المركزية وحتى 2003، كلّهاأنواع من الحروب الاهلية أو مقاربة لها.

الحروب الاهلية ليست كلها متشابهة، لإختلاف طبيعة المتحاربين وأهدافهم وستراتيجياتهم وإمكاناتهم والقوى الدولية والاقليمية المؤثرة على قرارهم، لذلك فان الحرب الاهلية إن لم نعترف بها وبالتالي نضع الحلول والمعالجات لوقفها واعادة لحمة الوحدة الوطنية العراقية، قبل فوات الاوان، فإن التشظي والتفتيت وربما التقسيم سيصبح أمراً واقعاً، ولن تنفع معه كل دعوات التحذير او التنديد ولن تنفع معه رغبات الانكار، أو حتى الصلوات لأن القوى المتحكمة واللاعبة الاساسية، ستمضي لتحقيق مشروعها التفتيتي التجزيئي الذي يريد تحويل المنطقة الى كانتونات وطوائفيات ومناطقيات مجهرية، بتبديد الهوية الوطنية الجامعة!!

وإذا كانت الدولة العراقية المعاصرة، التي تأسست في 23 آب (اغسطس) 1921 بعد الاحتلال البريطاني للعراق وحكمه مباشرة، تم بواسطة الانتداب، قد عانت من اشكالات سياسية خطيرة خصوصاً فيما يتعلق بحق المشاركة، إضافة الى التمييز في قانون الجنسية رقم 42 لعام 1924 والقوانين التي لحقته، وفيما يتعلق بحقوق الاكراد، ومن ضعف البنى والتراكيب المؤسسية، اضافة الى هشاشة " التجربة الديمقراطية"، فإن البلاد إندفعت الى انتهاج سياسات العزل والاقصاء، التي كرست الاستئثار والانفراد والتحكّم، والذي أدى الى ضعف الشعور بالانتماء والهوية والمواطنة.

وحينما جاء الاحتلال الامريكي-البريطاني في 9 نيسان (ابريل) 2003، فإنه كرّس الطائفية السياسية في المجتمع على نحو مريع خصوصاً بصيغة بول بريمر السحرية لمجلس الحكم الانتقالي، حين قسمّ المجتمع العراقي الى طوائف واثنيات لاغياً الهوية العراقية، ساعياً على نحو حثيث الى فصل العراق عن خاصته العربية، بل معتبراً العروبة ذميمة وفكرة منبوذة لاصقاً بها كل مساوئ النظام السابق، ولذلك إتخّذ القسمة الطائفية- اإثنية أساساً لمجلس الحكم الانتقالي بتحديد 13 مقعداً للشيعة وخمسة مقاعد للسنة وخمسة مقاعد للكرد ومقعد واحد للتركمان ومقعد واحد للكلدوآشوريين، وكأن هذه هي صورة العراق " الجديد" التي يُراد تكريسها، وهو ما تحدث عنه في كتابه My Year In Iraq (عامي في العراق) وبذلك عمّق من الفرز والاحتقان والانقسام الطائفي والاثني.

تحديــات

يمكن رصد 10 تحديات أساسية خطيرة يواجهها العراق حالياً تقود الى استمرار حالة الحرب الاهلية وهي كالآتي:

التحدي الاول

هو الاحتلال. وتمتنع الادارة الامريكية من تحديد جدول زمني للانسحاب، بل إن الرئيس بوش ذهب الى زيادة عدد القوات الامريكية في العراق بحدود 21500 جندي امريكي، واضعاً تقرير بيكر – هاملتون على الرف، ولعل هذا يعني فيما يعنيه، تصعيد العنف في العراق وزيادة حجم المواجهات وإرغام العراقيين على الانصياع لاستراتيجيته الجديدة- القديمة رغم فشلها على مدى السنوات الثلاث ونصف الماضية، بترجيح الخيار العسكري والاعتماد على ادوات أثبت الواقع أنها غير جديرة وغير مؤهلة.

التحدي الثاني

هو الطائفية. وقد تكون أكثر خطراً من الاحتلال، لأن الاحتلال سيزول لا محال، لكن الطائفية سيبقى تأثيرها عميقاً في المجتمع العراقي، وتجري حالياً عمليات تطهير مذهبي وديني وإثني بإسم أمراء الطوائف طالت أكثر من ربع مليون مواطن داخل العراق: بين الشيعة والسُنّة، وبين المسلمين والمسيحيين، والعرب والتركمان والاكراد وخصوصاً في منطقة كركوك، اضافة الى نحو مليوني عراقي اضطروا الى مغادرة العراق حسب الامم المتحدة، بينهم عدد كبير من العقول والادمغة والعلماء والاكاديميين، خصوصاً بعد تعرّض أعداد كبيرة منهم الى الإغتيال والخطف.

أتذكر هنا قولاً أثيراً لعالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي عندما وصف الظاهرة بالقول : " الطائفيون بلا دين"، لأن المتدّين الصحيح والمؤمن الصادق والمسلم الحقيقي، لا يمكن ان يكون طائفياً، فما بالك عن علاقة القتل على الهوية وفرق الموت والميليشيات، بالاسلام او الايمان!!؟

التحدي الثالث

هو الارهاب، وانتشار ظاهرة الجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، إضافة الى السيارات المفخخة، وأعمال العنف المنفلتة من عقالها والخطف اليومي والجريمة المنظمة، وهي احدى المشاهد المأساوية الراهنة في العراق.

التحدي الرابع

وجود الميليشيات التابعة للاحزاب الحاكمة أو القريبة من الحكم أو خارجه، إضافة الى ميليشيات حماية المنشآت النفطية والكهربائية والخاصة، والسلاح ليس حكراً على الدولة، بل ان الميليشيات ما تزال ترفض نزع سلاحها، وهو ما فشلت حكومة نوري المالكي من إنجازه، مثل فشلها في مشروع المصالحة الوطنية وخطط أمن بغداد الاولى والثانية، مثلما لاحت معالم الفشل في خطة أمن بغداد الثالثة، التي بدأت بقصف مناطق الرحمانية، واستخدام عنف مفرط في شارع حيفا ومناطق الدورة وديالى بما فيها بعض المناطق الحدودية واستشراء عمليات الاجلاء والتطهير المذهبي والقتل على الهوية.

التحدي الخامس

هو الفساد والرشوة، فبول بريمر وحده بدد 8 مليارات و800 مليون دولار، وتبعته حكومات بددت نحو 20 مليار دولار، ووزارة الدفاع متهمة بتبديد أكثر من مليار دولار خلال بضعة أشهر. والنفط ظل يُباع من دون عدادات وعمليات التهريب الداخلي والخارجي مستمرة، والهدر يقدر بين 400-800 مليون شهرياً، كما كشف عن ذلك المفتش العام في وزارة النفط، الذي قال أن خسارة العراق بلغت 24 مليار دولار منذ الاحتلال حتى الوقت الحاضر.

التحدي السادس

نقص الخدمات، فهناك أزمة في البنزين وفي الكهرباء وفي الماء الصافي في الكثير من المناطق إضافة الى عدم توفر فرص العمل، حيث بلغت نسبة البطالة أكثر من 50% حسب احصاءات الامم المتحدة.

التحدي السابع

هو التدخل الاقليمي، فكلّما ضعف العراق، كلما تعرض لتدخلات من الجيران، خصوصاً من ايران وتركيا، وهناك امتدادات كثيرة لأجهزة عديدة في العراق بما فيها لاسرائيل.

لايران نفوذ سياسي ومذهبي واستخباري ومالي، فضلاً عن تأثيرات على ميليشيا فيلق بدر وعلى أطراف في الحكومة العراقية، بحكم التقارب العقائدي والمذهبي ناهيكم عن المصالح الخاصة.

التحدي الثامن

ضعف وإضعاف المواطنة العراقية على حساب الهويات المصغرة التجزيئية، فقد كان حلّ الدولة العراقية خطأً وخطيئة ستراتيجية، دفعت الناس للإحتماء بهويات طائفية أو اثنية أو عشائرية أو مناطقية على حساب الهوية العراقية الوطنية الجامعة.

اذا كانت الفيدرالية نظاماً متطوراً، وقد أخذت به نحو 25 دولة ونحو 43% من سكان الكرة الارضية، الاّ أن ما نشهده اليوم من دعوات يختلف عن ذلك كثيراً عن حيثيات النظام الفيدرالي وقواعده العامة، خصوصاً باخضاع السلطات والقوانين الاتحادية لحساب السلطات والقوانين الاقليمية، فما بالك اذا كان الامر يرتبط بأطماع ومصالح ضيقة سياسية أو مذهبية لأمراء الطوائف، خصوصاً للفيدراليات الجنوبية، التي ستكون أقرب الى الكانتونات أو الدويلات.

أما الوضع في كردستان فهو مختلف لوجود حقوق تاريخية للشعب الكردي ومؤسسات، واقرار في الدساتير العراقية خصوصاً دستور عام 1958 (الذي إعترف بشراكة العرب والاكراد، ودستور عام 1970، الذي إعترف بوجود قوميتين رئيسيتين، هما العربية والكردية، وقانون الحكم الذاتي لعام 1974، وحكومة اقليمية بعد انتخابات حصلت في كردستان منذ العام 1992). الخلاف قد يكون حول صلاحيات الفيدرالية وحدودها وابعادها المستقبلية، وحول بعض المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وغيرها وحول توزيع الثروات، ولعل هذه الخلافات ستفجّر الموقف بالكامل، خصوصاً اذا ما تمّسكت الاطراف المختلفة كل بمواقفه.

التحدي التاسع

يتعلق بـ علاقة الدين بالدولة، فقد ساهم وجود القوى الدينية في السلطة وخارجها او من معارضتها سعي حثيث الى تديين الدولة وبخاصة في الجوانب الاجتماعية، مما ساعد على تعزيز " التطرف" و" التعصب" و" اللاعقلانية" ومناوءة الحداثة وقضايا التقدم الاجتماعي.

وكانت الدولة العراقية منذ تأسيسها وحتى عام 2003 دولة مدنية، رغم تراجعها في السنوات الاخيرة، لكن مرحلة ما بعد الاحتلال شهدت سيادة قيم ومفاهيم متخلّفة على الدولة والمجتمع، ناهيكم عن الموقف من المرأة ومحاولة فرض الحجاب عليها والموقف من الاقليات الدينية والاثنية وغير ذلك.

التحدي العاشر

مشكلة كركوك، التي هي مشكلة عراقية بين التركمان والعرب من جهة وبين الاكراد من جهة ثانية، خصوصاً القيادات السياسية والدينية، كما انها تثير حساسيات تركية ايضا فضلاً عن حساسيات ايرانية في الوقت نفسه، للصراع التاريخي الفارسي- العثماني، ناهيكم عن مناطق النفوذ.

هذه التحديات هي التي دعت كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الى القول: ان بلادها اخطأت آلاف الأخطاء التكتيكية، ولا أدري إذا كانت آلاف الاخطاء التكتيكية لا تشكل خطأً ستراتيجياً كبيراً ؟!

ولعل الخطأ الكبير أو الخطيئة العظمى هو إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق وإحتلاله وتوّغلها في المستنقع العراقي خصوصاً بعد حل المؤسسة العسكرية والأمنية. ومثل هذا الخطأ أو الخطيئة، هو الذي جعل الرئيس بوش يفكر في تغيير وتعديل استراتيجيته بشأن العراق من خلال سيناريوهات مختلفة، لكن ما يمكن قراءته حتى الآن هو الاستمرار في حالة " الفوضى البنّاءة" واستخدام نظرية " الضد النوعي" لضرب الشيعة بالشيعة والسنّة بالسنّة، وزيادة عدد القوات المسلحة، وهو الامر الذي يعني تجاوزاً على توصيات بيكر- هاملتون، وبخاصة ازاء الجدول الزمني للانسحاب او الاستعانة بدول الجوار وبخاصة إيران وسوريا.

وإذا كان البعض يعتقد بأن خطة الرئيس بوش الجديدة- القديمة تتضمن ثمة إيجابيات مثل إرغام الميليشيات على نزع سلاحها ومنح العراق مليار دولار لتحقيق فرص عمل وإعادة الاعمار، فإن الامر سيكون في غاية السوء، إذ أنه ليس بإمكان حكومة من هذا النوع بسط سيطرتها وهيبتها، فهي جزء من المشكلة وليست جزءاً من الحل، كما أن العراق بإمكانه توفير المال الكافي بإيقاف هدر المال العام والفساد الاداري والمالي وكذلك من واردات النفط.

المشكلة في العراق ليست أمنية أو عسكرية أو اقتصادية، بل هي سياسية بامتياز بما تحتويه من الجوانب المختلفة، إذ لا يمكن التسليم باستمرار الاحتلال وعدم تحديد سقف زمني للانسحاب، وهو ما كان على الرئيس بوش الاعتراف به وتدوير الامر الى الامم المتحدة لاقامة حكومة وحدة وطنية باشرافها لمدة عام مثلايتم خلالها الانسحاب واستعادة السيادة والاستقلال الوطنيين ووضع حد للحرب الاهلية، خصوصاً بحل الميليشيات واستعادة هيبة الدولة وقواتها العسكرية والامنية على اسس وطنية وليست مذهبية أو اثنية.

أي السيناريوهات سيتحقق، هل المضي في الاستراتيجية الامريكية "الجديدة" أم الاقرار بإخفاقها ؟ فعليه تتوقف مواجهة التحديات المذكورة، وعلى هذه المواجهة ستحدد صورة العراق المستقبلي والنتائج الكارثية للحرب الاهلية المستعِرة أو إستعادة العراق لعافيته ووحدته الوطنية!؟

***
ورقة قدمت للمركز العراقي للدراسات الأستراتيجية
عمان- الأردن - ( 11-12 ) كانون الثاني (2007 )

المصدر : التجديد العربي
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 18-01-2007 الساعة 09:06 PM