عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 14-01-2007, 04:58 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

رهانات القوة والسلام
"المخاطر: أمريكا في الشرق الأوسط. عواقب القوة وخيارات السلام".

محمد أبو رمان 13/10/1426

15/11/2005

المؤلف شبلي تلحمي

ترجمة نقله إلى العربية ثائر ذيب

دار نشر مكتبة العبيكان- الرياض، 2005
يقدم شبلي تلحمي الأكاديمي والمحلل السياسي الأمريكي (من أصل عربي) قراءة نقدية معمقة للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، في كتابه "المخاطر: أميركا في الشرق الأوسط عواقب القوة وخيار السلام"، والذي ترجمته مكتبة العبيكان بالرياض عام 2005، بينما صدرت الطبعة الإنجليزية في الولايات المتحدة عام 2004.
وتبدو مقاربة "تلحمي" متوافقة مع اتجاه من المثقفين والسياسيين الأمريكيين المخضرمين الذين يحتفظون بمسافة - ليست بعيدة- عن توجّهات المحافظين الجدد ورؤيتهم السياسية، تسمح لهم بممارسة "نقد جزئي" وليس اختلافاً كلياً. فهم وإن كانوا يقرون بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ويتوافقون على الأهداف وعلى بعض سياسات المحافظين الجدد ورؤاهم خاصة فيما يتعلق بمسألة الإصلاح السياسي في المنطقة والحرب على الإرهاب، إلا أنهم يختلفون في أغلب السياسات المتبعة لتحقيق هذه الأهداف وحماية تلك المصالح، وأبرز رموز هذا الاتجاه اليوم على المستوى الفكري والتنظير السياسي جوزيف ناي، وبريجنسكي وعدد من المثقفين الذين أصدروا رسالة تظهر حالة من القلق حول صورة أميركا وسمعتها الأخلاقية.
أهم ملاحظات التيار السابق على السياسة الخارجية الأمريكية- الذي يقع كتاب "تلحمي" في سياقه- يتمثل بالتمادي في الاعتماد على القوة العسكرية، سياسة الأحادية وتجاهل الحلفاء، معالجة ظواهر الإرهاب دون أسبابه ومسبّباته، العقائد الدينية- الفكرية للمحافظين الجدد، ملامح صدام الحضارات التي تظهر في بعض الأحيان في خطاب المقربين من الإدارة الأمريكية.
كتاب "تلحمي" يتناول بؤرة الجدل السياسي داخل واشنطن وخارجها: الحرب على الإرهاب، أهمية الرأي العام العربي، الصراع العربي- الإسرائيلي، الخليج العربي وأهميته والعلاقة الأمريكية- السعودية. ومن الواضح أن المصالح الأمريكية الحيوية في الشرق الأوسط (إسرائيل، النفط) هي مدار كتاب "تلحمي" من خلال فصوله الرئيسة.

1 - الحرب على الإرهاب

كانت 11/9/2001 بمثابة الصدمة الكبيرة للشعب الأمريكي، وأوجدت شعوراً بالاهتزاز والقلق، سرعان ما واجهته الإدارة الأمريكية من خلال الحرب على الإرهاب، وإسقاط نظام طالبان وتدمير مركز القاعدة المسؤولة عن الأحداث، مما أعاد الثقة مرة أخرى للشعب الأمريكي. لقد حظي الأمريكيون بقدر كبير من التعاطف العالمي بعد أحداث سبتمبر، وتعاونت كثير من الدول – حتى المعارضة لواشنطن كإيران وسوريا- مع الحملة الأمريكية على الإرهاب. وعلى الرغم من الأسئلة المبررة حول مشروعية الحرب على أفغانستان فإنّ هذا لم يمنع من وجود تحالف وتأييد دولي كبير. إلا أن البيت الأبيض سرعان ما بدّد حالة التعاطف الدولي ودفع الرأي العام العالمي بما في ذلك العربي والدول الصديقة والحليفة لواشنطن إلى التذمر من السياسة الخارجية الأمريكية.
ويشير "تلحمي" إلى أن واشنطن اكتسبت سلطة أخلاقية بعد سبتمبر لبناء الأرضية المشتركة لتحالف عالمي ضد الإرهاب لكن الأحادية، والتمادي في الاعتماد على القوة العسكرية، والتوسع في مفهوم الحرب على الإرهاب، عوامل كلها أدّت إلى فقدان التأييد الدولي خاصة في الحرب على العراق. وبرزت فجوة كبيرة بين رؤية واشنطن للإرهاب وبين رؤية تيار عريض في العالم. أبرز معالم الاختلاف التي يرصدها ويحللها "تلحمي" أن واشنطن صرفت جهدها وتفكيرها في تحديد المنظمات الإرهابية، وليس في تعريف الإرهاب، فكان الخلط بين "الإرهابي" و"العدو"، وكان الأجدى أن يكون التركيز الأمريكي على تعريف الإرهاب، ومعاييره وبناء توافق عالمي على هذا الأساس.
كما تعاملت واشنطن مع الإرهاب كظاهرة تواجهها دون البحث عن أسبابها والأسباب التي تؤدي إليها، وهي الشعور باليأس والإذلال. ومن المآخذ على سياسة واشنطن كذلك أنها نظرت إلى الإرهاب على أنه حركة تحاربها وليس أداة، فأغفلت السجال الأخلاقي ضد الإرهاب. وفي حين جعلت محور تركيزها في الحرب على الإرهاب منصباً على الدول فقد ظهر أن الفاعل الحقيقي هي الجماعات والأفراد وليس الدول، بل على النقيض من ذلك فإن الإرهاب يزدهر في حالة الفوضى السياسية.
بالإضافة إلى الخلل السابق ظهرت فجوة كبيرة في إدراك وتفسير الإرهاب الشرق أوسطي وعلاقته بالدين. وعلى الرغم من تأكيد خطاب الإدارة الأمريكية على الفصل بين الإسلام كدين وبين "الحركات الإرهابية ذات الخطاب الإسلامي"، إلا أن ضمير واو الجماعة في سؤال "لماذا يكرهوننا؟" كان دوماً يتجه نحو العرب والمسلمين. وقد ظهرت نزعات الصدام الديني والحضاري في ثنايا مقالات ورؤى واتجاهات سياسية أمريكية. فلم يتردّد محرر في مجلة "ناشونال ريفيو" إلى التهديد بقصف مكة بالأسلحة النووية إذا تعرّضت أمريكا لهجوم آخر من إسلاميي الشرق الأوسط.
فجوة أخرى في تفسير "الإرهاب الشرق أوسطي" برزت عندما تبين أن عدداً كبيراً من منفذي هجمات سبتمبر قد تلقوا تعليماً جيداً وتحدّروا من عائلات تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وهو ما يناقض الفرضية السائدة شعبياً بأن منفذي العنف هم من عائلات غير متعلمة ومن الطبقة الفقيرة. والحال أن الفقر وضعف التعليم من أهم أسباب العنف إلا أن الأسباب الأهم هي الشعور باليأس والإذلال.

2 - لماذا يكرهوننا؟

يشير "تلحمي" إلى اتجاه واسع في الفكر والسياسة الأمريكية فسّر مشاعر الكراهية وتنامي نزعة العداء للولايات المتحدة في العالم بأسباب الغيرة من الديموقراطية والحياة الأمريكية أو الاختلاف حول القيم الأمريكية. وإذا كان اختلاف القيم يصح على تنظيم القاعدة الذي يتبنى "أيدلوجيا مغلقة معادية للقيم الغربية" فإنه لا يصح على كثير من الخصوم والمعارضين الآخرين الذين يرفضون سياسات واشنطن وليس قيمها، وهذا ما أظهرته استطلاعات الرأي في كثير من دول العالم؛ إذ لا تقتصر نزعة العداء والرفض للسياسة الأمريكية على العرب والمسلمين بل تشمل حتى شعوب حلفاء أميركا المقربين في أوروبا كالفرنسيين والألمان والبريطانيين. ويرى "تلحمي" أن ما يكاد يكون مؤكداً هو أنّ الصورة النمطية عن الولايات المتحدة أنها "متغطرسة ومنغمسة في ذاتها ومنافقة وغافلة ولا تريد أو لا تستطيع أن تنخرط في حوار عابر للثقافات".
وفي الوقت الذي أظهر استطلاع للرأي في عدة دول عربية أجراه "تلحمي" قبل سنوات قليلة أن هناك رأياً عاماً عربياً يثبت وجود اختلاف قيمي بين الثقافة الأمريكية والثقافة العربية، إلا أن الرأي العام لا يحيل حالة السخط والغضب إلى هذه القيم بل إلى السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي، وبالتحديد تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية. وما سبق يبرز بوضوح عدم وجود منظور كلي لحقيقة الصورة الأمريكية في العالم.
لكن الجدل السابق يطرح سؤالاً جوهرياً يتردد صداه منذ سنوات داخل الولايات المتحدة وهو: ما قيمة وأهمية الرأي العام العربي؟ وهل يستحق أن تعبأ به الولايات المتحدة؟
في هذا السياق يشير تلحمي إلى اتجاه عريض في الفكر والسياسة الأمريكية يتجاهل الرأي العام العربي، ويرى أنه غير مؤثر وعاجز، ويستقي أدلته من الواقع السياسي العربي الراهن، والذي يبدو واضحاً أن الحكومات والزعماء العرب يتحكمون فيه، بينما الشعوب لا حول لها ولا قوة. ومما يزكي هذا الاتجاه أنه على الرغم من حالة السخط والغضب الشديد العربي على السياسة الأمريكية فلا يوجد ردّ على هذه السياسة سوى عمليات القاعدة.
لا يؤيد "تلحمي" الرؤية السابقة، فهناك كثير من المؤشرات التي تدفع إلى أخذ رأي العام العربي بجدية بالغة، وأولها سؤال الشرعية للنظم العربية الذي لا يمكن تجاوزه بالكلية. كما أن سلطة الدولة العربية بدأت بالتراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة في ظل تنامي دور وسائل الإعلام وعبور أدوات العولمة إلى مختلف دول العالم العربي، الأمر الذي يحد كثيراً من قدرة الحكام العرب على قمع الشعوب، ويفتح متنفساً حقيقياً للتعبير عن الحرية والمواقف الشعبية.
ويشير "تلحمي" إلى دور فضائية (الجزيرة) في التأثير على الشارع العربي، إلا أن اتهام الأمريكيين لـِ(الجزيرة) بصناعة رأي عام عربي معاد اتهام غير صحيح؛ فـَ(الجزيرة) تعكس الرأي العام العربي وتعبر عنه ولا تصنعه.

3 - الصراع العربي- الإسرائيلي

بدأ الرئيس دبليو بوش رئاسته الأولى عام 2000 بعد إخفاق محادثات كامب ديفيد 2 التي كان الرئيس كلينتون يعوّل عليها كثيراً. ولم يكن بوش يعطي الأولوية لمفاوضات السلام إلى أن تفاجأ برفض ولي العهد السعودي لدعوته لزيارة البيت الأبيض احتجاجاً على الدعم الأمريكي لإسرائيل، عند ذلك – كما يقول مقربون من الرئيس بوش- بدأ يفكر جدياً في مدى أهمية القضية الفلسطينية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. لكن تفكير بوش لم يستمر طويلاً حتى وقعت أحداث سبتمبر، وأعادت الشرق الأوسط وفي قلبه القضية الفلسطينية إلى أولوية اهتمام الرئيس بوش، واستأنفت الولايات المتحدة محاولاتها لإحياء عملية السلام التي تدهورت منذ فشل كامب ديفيد 2 واندلاع "العنف المسلح" مجدداً.
القضية الفلسطينية تأتي في مركز العلاقة بين الولايات المتحدة والعرب؛ فهي بالنسبة للعرب قضية هوية، ودورها في الوعي العربي الجمعي خلال خمسين عاماً كان شبيهاً بالدور الذي لعبته دولة إسرائيل في الهوية اليهودية المعاصرة. لذلك فإن إصلاح العلاقة العربية- الأمريكية لن يتحقق إلا بوجود حل سلمي نهائي ينهي الصراع. وأغلب السخط والغضب العربي من الولايات المتحدة يعود لموقفها الداعم والمساند لإسرائيل. وهو الأمر الذي تستغله القاعدة، ويمثل مسوّغات وتربة مناسبة لخطابها وعملياتها ضد الولايات المتحدة والدول العربية الحليفة لها.
بل في الوقت الذي تضغط فيه الولايات المتحدة على الدول العربية لمد جسور العلاقة مع إسرائيل وإدانة "الإرهاب الفلسطيني" فإن هذه المواقف تساهم بدرجة كبيرة في هز وإضعاف شرعية النظم العربية أمام شعوبها التي تشعر بالغضب كذلك من عجز النظم العربية في ردع إسرائيل ومساندة الشعب الفلسطيني.

4 - الخليج العربي والإصلاح السياسي

يعيد "تلحمي" قراءة السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي ابتداء من سياسة ملء الفراغ محل النفوذ البريطاني، وصولاً إلى دعم الشاه في مواجهة الحكومة العراقية، مروراً بالثورة الإسلامية، والعمل على إرهاق كلا الجانبين العراقي والإيراني واستنزافهما في هذه الحرب التي كانت تهدف أميركا من ورائها إلى عدم خروج أي من الطرفين منتصراً كي لا يخل بالتوازن الإستراتيجي في المنطقة. حتى عندما أجبرت أميركا صدام على سحب قواته من الكويت فقد كانت حريصة على عدم السماح بسقوط النظام تحسباً من استثمار إيران لذلك. وعمدت الولايات المتحدة إلى سياسة الاحتواء المزدوج - بعد حرب العراق الأولى 1991 – لكل من إيران والعراق، وإلى تشديد العقوبات الاقتصادية على العراق، إلى أن وقعت أحداث أيلول 2001 وعادت فكرة احتلال العراق وإسقاط النظام إلى مشروع البيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط.
أدّت أحداث أيلول إلى هزة كبيرة في العلاقات الأمريكية- السعودية، وتنامى اتجاه داخل السياسة والفكر الأمريكيين يدعو إلى حفظ مسافة مع السعودية والاستغناء عن دورها في المنطقة وعن نفطها، بل ظهر من يدعو إلى إضافة السعودية إلى محور الشر. في هذا السياق تبنى هذا الاتجاه الفكري بقوة الحرب على العراق في مقاربة سياسية تبحث عن بديل إستراتيجي عن السعودية في الطاقة والسياسة، وكانوا يرون هذا البديل في العراق الجديد من خلال قيام حكومة صديقة للولايات المتحدة، ومن خلال إعادة صوغ النظام الإقليمي بأسره.
استخدمت الإدارة الأمريكية مسوغات كثيرة ومتعددة لتسويغ غزو العراق، من أسلحة الدمار الشامل إلى اصطناع علاقة مع الإرهاب، ولم يكن الصوت المعارض للحرب داخل الولايات المتحدة قوياً. ربما يلمّح "تلحمي" هنا دون أن يشير إلى أن السبب في ذلك هو حجم الذرائع والقصص المفبركة والحملة الإعلامية والسياسية التي وظّفتها الإدارة الأمريكية لتمرير الغزو على الشعب الأمريكي. وكان مدار الجدل الرئيس للفريق المعارض للحرب داخل الإدارة الأمريكية حول عواقب الغزو وفترة ما بعد الحرب، وبالفعل سرعان ما تهاوت الحجج الأمريكية وظهر جلياً عدم وجود أسلحة دمار شامل، وأي علاقة بين صدام وتنظيم القاعدة، وتحوّل العراق إلى مركز جديد للقاعدة على النقيض من الدعاية الأمريكية مما أثر على شعبية الرئيس بوش وقناعة الأمريكيين بجدوى البقاء في العراق.
وفي إطار التسويق الإعلامي للحرب على العراق أخلاقياً تم الحديث عن الإصلاح السياسي في العالم العربي، وأن الهدف من الغزو العسكري بناء نظام عراقي ديموقراطي يكون محفزًا على انتشار النظم الديموقراطية في المنطقة. وهي الحجة التي يرفضها "تلحمي" ويرى أن الديموقراطية والإصلاح السياسي لا يمكن أن يأتي من خلال القوة العسكرية الخارجية. كما أن هناك أسئلة جدية مطروحة حول واقعية هذا الخطاب ومدى ملاءمته للمصالح الأمريكية في المنطقة، فهل حقاً الولايات المتحدة حريصة على بناء مشروع ديموقراطي في المنطقة حتى لو كان الأمر على حساب مصالحها؟
من الأمثلة التي تعطي زخماً وحججاً تعمق من مشروعية السؤال السابق أن الدول التي أتيح فيها للشعب التعبير عن رأيه اتخذت مواقف معارضة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة كما حدث في تركيا عندما اعترض البرلمان التركي على انطلاق الغزو الأمريكي للعراق من الأراضي التركية، وكما هو الحال في الأردن عندما راعى الملك الأردني الراحل حسين مشاعر الشعب في حرب العراق الأولى. وهو ما يطرح من جهة أخرى مدى تقبل الولايات المتحدة لديموقراطية في السعودية تأتي بالمعارضين للولايات المتحدة إلى السلطة؟!
ويصل "تلحمي" إلى نتيجة رئيسة أن الديموقرطية مطلوبة بحد ذاتها لكن الطريق إلى الديموقراطية غالباً ما يكون متوتراً ولا يؤدي إلى الاستقرار. من هنا فإن المقاربة المقترحة للإصلاح السياسي أن يكون تدريجياً "عبر عملية لا تنطوي على زيادة كبيرة في عدم الاستقرار، بالانطلاق من التركيز على النظامين الاقتصادي والتعليمي، فجميع الدول بما فيها الغنية بالنفط، تواجه تحديات اقتصادية خطيرة تساهم في زيادة التهديد السياسي الذي تتعرض له هذه الدول. وهي تحتاج إلى "لبرلة" اقتصاداتها المركزية، وإلى اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وإيجاد بيئة مناسبة للتجارة الدولية. ويمكن للولايات المتحدة أن تساعد في هذه المجالات غير أن لدى الحكومات أيضاً ما يدفعها إلى السعي وراء هذه الأهداف، كالأمل، في تحسين اقتصاداتها المضطربة. ولسوف تزداد الحاجة الداخلية إلى الإصلاح السياسي مع تقدم الإصلاح الاقتصادي، كما يمكن للولايات المتحدة أن تواصل مساعدتها لتلك الأصوات الإصلاحية في المنطقة".
ليس من المتوقع أن تتخلى الولايات المتحدة عن مصالحها الحيوية لصالح الدعوة إلى الديموقراطية. ومن المتوقع أن تبقى على المسار الواقعي في العلاقات الدولية المبني على تفضيل المصالح. لكن إقامة علاقة فاعلة بين الولايات المتحدة والعرب يتطلب حلاً للقضية الفلسطينية من ناحية. ونجاح السياسة الأمريكية في العالم العربي – من ناحية أخرى- يتوقف على نجاحها بإقامة عراق مستقر ومزدهر وديموقراطي. [line]
قراءة في كتاب "العسكر والصحافة في إسرائيل"
العسكر والصحافة في إسرائيل

قراءة: إبراهيم الزعيم 17/6/1426

23/07/2005

المؤلف صالح النعامي
الناشر دار الشروق
سنة النشر 2005
عدد الصفحات 145 صفحة
صدر مؤخراً عن "دار الشروق" في القاهرة كتاب "العسكر والصحافة في إسرائيل" للصحافي والباحث الفلسطيني في الشؤون الإسرائيلية صالح النعامي.

ويتطرق الكتاب بشكل أساس للقيود التي تفرضها الدولة العبريّة على حرية الصحافة. فعلى الرغم من أن (إسرائيل) لا تنفك عن الزعم أنها واحة الديموقراطية وسط أنظمة ديكتاتورية لا تولي أي احترام لقيم الديموقراطية، إلاّ أن هذا الكتاب حاول اختبار صدقيّة هذا الزعم من خلال الوقوف على هامش الحرية التي يمنحها النظام السياسي الإسرائيلي للصحافة ولحرية التعبير، مع العلم أن ضمان حرية الصحافة هو أحد أهم المعايير التي تُقاس بها ديموقراطيّة أي نظام سياسي.
يتعرض الكتاب بالتفصيل لجملة القيود التي يفرضها القانون الإسرائيلي على حرية الصحافة، إلى جانب الرقابة الذاتية التي تداعت وسائل الإعلام الإسرائيلية لفرضها على نفسها بدعوى الالتزام بـ "المسؤوليّة الوطنيّة" في كل ما يتعلق بالنشر حيث تطوعت لـ " غربلة " المواد التي تنشرها خوفاً من أن تمس بـ " الأمن الوطني والنظام العام".
ويوضح الكتاب – المكون من سبعة فصول - أن الصحافيين الإسرائيليين مارسوا مهامهم بصفتهم كتيبة مقاتلة تتحرك ضمن الإستراتيجية التي تحددها مصلحة المشروع الصهيوني، وتتولى الدفاع عن كل مخططاته وسياساته.
يتعرض الكتاب لصور تجند وسائل الإعلام الإسرائيلية واستنفارها لخدمة رواية سلطات الاحتلال، وتواطئها في قتل شهود الإثبات على جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.
ويظهر الكتاب تفنن وسائل الإعلام الإسرائيلية في ابتداع آليات سحب الشرعية عن النضال الوطني الفلسطيني المشروع ضد الاحتلال، وتحميل الضحية الفلسطيني المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحقه.

الرقابة العسكرية

بعد أن تطرق الكتاب لمراحل تطور الصحافة الإسرائيلية، تعرض بالتفصيل للقيود التي يفرضها القانون الإسرائيلي على حرية الصحافة، وتحديداً القوانين التي تشرّع فرض رقابة عسكرية مسبقة على النشر. فإسرائيل هي " الديموقراطية" الوحيدة في العالم التي تفرض على المطبوعات ووسائل الإعلام فيها رقابة عسكرية مسبقة بحكم القانون. فيحظر القانون على وسائل الإعلام نشر وبث موادها قبل الحصول على إذن من سلطات الجيش ممثلة بمؤسسة الرقابة العسكرية. والمفارقة أن محرري الصحف هم الذين بادروا لاقتراح فرض رقابة عسكرية على ما تنشره صحفهم، وهو ما لم تقدم عليه أي صحافة في العالم.
ليس هذا فحسب، بل إن نقابة الصحافيين الإسرائيليين تطوّعت في العام 1948 لتوفير مقر لضابط عسكري لكي يقوم بدور الرقيب العسكري على ما تنشره الصحف، فقامت النقابة بإخلاء إحدى غرف مقرها في تل أبيب ليكون المقر المؤقت للرقيب العسكري!! وعندما كانت معلومات ذات طابع أمني تتسرب لوسائل الإعلام كانت لجنة محرّري الصحف هي التي تطالب بتشديد أساليب الرقابة على ما تنشره مؤسستها، بشكل يحول دون تسرب هذه المعلومات. يوضح الكتاب دور لجنة محرّري الصحف في التعاون مع سلطات الجيش في تحديد المبادئ العامة للرقابة العسكرية؛ إذ تم تحديد ستة عشر مجالاً يُحظر نشر معلومات بشأنها، خمسة عشر منها يتعلق بالقضايا الأمنية. أحد البنود العامة للرقابة العسكرية يتعلق بحظر نشر معلومات "من شأنها أن تؤدي إلى إثارة الفزع في أوساط الجمهور"، وهذا البند الفضفاض والمثير للاستغراب ظل حتى الآن أحد المعايير التي تعتمدها الرقابة العسكرية في تعاملها مع المواد الصحافية، مع العلم أن هذا البند سمح للرقيب العسكري اعتبار الكثير من المواد " مثيرة للفزع في أوساط الجمهور".
يتعرض الكتاب أيضا للإطار القانوني للرقابة العسكرية، الذي يعتمد على القوانين التي سنها الانتداب البريطاني قبل الإعلان عن الدولة العبرية، وخصوصاً قانون الصحافة للعام 1933، وقانون الطوارئ للعام 1945. وحسب نص القانون فإنه لا يحق فقط للرقيب العسكري الاطلاع على المواد المتعلقة بالأمن، بل يحق له الاطلاع على المواد المتعلقة بالرياضة وحتى بنشرة الأحوال الجوية. يفوض القانون الرقيب العسكري حظر نشر كل مادة يرى هو أن نشرها قد " يمس بقدرة البلاد على الدفاع عن نفسها، ويضر بسلامة الجمهور والنظام العام". وللرقيب وحده الحق في تحديد معايير " المس بقدرة البلاد على الدفاع عن نفسها"، أي أن القانون أتاح لمقص الرقيب هامشاً واسعاً. ويبين الكتاب أن الدوافع وراء الكثير من القيود التي فرضها الرقيب على نشر المواد في وسائل الإعلام هوس أمني واعتبارات سياسية وشخصية. يشير الكتاب إلى أنه -وعلى الرغم من التعاون الذي أبدته الصحف مع الرقيب العسكري- إلا أنه سرعان ما توسّع في تطبيق القانون، وقام بإغلاق العديد من الصحف وفرض غرامات مالية عليها، الأمر الذي دفعها للاحتجاج. وبفعل هذه الاحتجاجات توصل محررو الصحف مع سلطات الجيش لتسوية تحل عملياً محل قانون الرقابة العسكرية، وتنصّ التسوية على تشكيل لجنة ثلاثية مكونة من ممثلين عن " لجنة المحرّرين "، وممثلي الجيش وشخصيات عامة لتحاول حل الإشكاليات المتعلقة. ونصّت التسوية على أن يكون فرض العقوبات بالتدريج، ولا يتم إلا بعد التقاء الرقيب بمحرر الصحيفة التي خالفت تعليمات الرقيب.

الانتقائية ضد الصحف الفلسطينية

يتعرض الكتاب للطابع الانتقائي في تطبيق القوانين المتعلقة بالصحافة في (اسرائيل)، ومبالغة الدولة في تطبيق القوانين على المطبوعات الفلسطينية.
فالصحف الفلسطينية سواء التي تصدر داخل (اسرائيل) أو تلك التي تصدر في القدس المحتلة ليست ممثلة في "لجنة المحررين"، من هنا فلم تكن طرفاً في التسوية التي توصّل إليها الجيش مع "لجنة المحررين" ، وظلت الرقابة العسكرية على ما تنشره الصحف الفلسطينية تخضع لقانون الرقابة الانتدابي. الرقيب العسكري استنفد كل الصلاحيات التي يخولها له القانون في حظر نشر كل المواد التي يرى أنها تعبر عن التعاطف مع النضال الوطني للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال. يوضح الكتاب أن الرقيب العسكري استغل صلاحياته لتقليص الهامش المتاح لفلسطينيي عام 48 للتعبير عن أرائهم وإبداعهم الأدبي والفكري والفني، وأُغلقت الصحف الفلسطينية، وفُرضت الغرامات المالية على محرّريها وكتابها بتهمة التحريض على مساعدة "الإرهاب" الفلسطيني. يتوصل الكتاب إلى حقيقة مفادها أن معايير حظر النشر تتعلق بهوية الناشر والجمهور المتلقي. بحيث إن كان ناشر الصحيفة فلسطينياً والجمهور المتلقي فلسطينياً، فإن قيود الرقيب لا تعرف حدوداً. فمثلاً منذ العام 1953 وحتى الآن لم يحدث أن قام وزير الداخلية بناء على توصيات الرقيب العسكري بإغلاق أي صحيفة عبرية باستثناء مرة واحدة، لكن الصحف الفلسطينية تعرضت مرات عديدة للإغلاق وفرض الغرامات.
إلى جانب قانون الرقابة العسكرية، فإن هناك جملة من القوانين التي تقلص من حرية الصحافة الإسرائيلية، لكنها في الواقع تُطبّق ضد الصحف الفلسطينية تحديداً. فهناك قوانين تخوّل وزارة الداخلية الموافقة على طلب إصدار صحيفة أو رفض الطلب، أو إغلاق صحيفة قائمة، ونادراً ما استغل وزير الداخلية صلاحياته ضد الصحف العبرية، في حين أنه لا يتورع عن إغلاق الصحف الفلسطينية بناء على توصية المخابرات الإسرائيلية. ويُعدّ قانون "التحريض على التمرد"، هو أحد أبرز القوانين الجنائية التي تتيح تقليص حرية الصحافة، لأنه يوسع مفهوم "التمرّد" بشكل يعزز الرقابة الذاتية لدى المحررين والصحافيين. وكذلك قانون "التحريض على العنصرية"، الذي يشرع في الواقع التحريض العنصري على الفلسطينيين. فهذا القانون لا يعدّ الدعوات العنصرية تجاوزاً للقانون إذا استندت إلى اقتباسات من الكتب الدينية اليهودية!! مع أن جميع المنظمات الإرهابية اليهودية التي تنشط ضد الفلسطينيين تستند إلى اقتباسات من الكتب الدينية اليهودية. ولعب قانون "التحريض على الإرهاب" دوراً أيضاً لتشريع محاربة الصحافة الفلسطينية. فقد تم إغلاق الصحف الفلسطينية استناداً لهذا القانون، على اعتبار أنها على علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تعدّ منظمة إرهابية. ولسنوات طويلة تم حظر نشر مقالات مؤيدة لمنظمة التحرير في الصحف الفلسطينية الصادرة في القدس الشرقية بزعم أن هذا يمثل "تحريضاً على الإرهاب".

يتبع > [line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 05:52 PM