عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 12-01-2007, 04:11 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

العوامل الثقافية:

طرق التعليم والتدريس في الجامعة: تؤثر طرق التعليم، وأنماط التدريس في الجامعة على مميزات التعليم العالي الفلسطيني، فالطالب الفلسطيني قادم من جهاز تعليمي يركز على الطريقة التلقينية، وليس الطريقة الإبداعية، بينما يعتمد التعليم في الجامعة على التحليل والتفكير والبحث، ثم إن الطريقة التلقينية، أو حشو المعلومات، كما تعوّد عليها الطالب العربي في جهاز التعليم العربي، تقلل من قدرته الإبداعية والبحثية، والجامعة ليست مكانا لاكتساب مهنة فحسب، وخصوصا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث أن 67.3% من الطلاب الفلسطينيين يدرسون هذه العلوم، بل مكانا لتأهيل باحثين وعلماء في قضايا المجتمع، فالطرق التدريسية في الجامعة تنطلق من هذا التوجه، وليس من التوجه المهني في تأهيل أصحاب مهن. بينما يأتي الطالب الفلسطيني من خلفية تعليمية تقليدية في الأسلوب والتوجه، بالإضافة إلى نظرته للجامعة كمؤسسة لاكتساب مهنة للمستقبل، تكون مقتصرة في الغالب على جهاز التعليم العربي، حيث أن الخريجين العرب في العلوم الاجتماعية والإنسانية يتوجهون بالأساس للعمل في جهازي التعليم والحكم المحلي العربيين، اللّذين يستوعبان أكاديميين أكثر من جهازي التعليم والحكم المحلي اليهوديين، لا لنقص في الأخير، بل لان مجالات العمل اكبر وأوسع أمام الأكاديميين اليهود.

البيئة الثقافية في الجامعة: لقد عالجنا هذه الإشكالية في مقدمة الخلاصة التنفيذية، ولكنها قضية مركزية جدا في التأثير على مميزات التعليم العالي الفلسطيني في الجامعات الإسرائيلية، الطالب الفلسطيني قادم من مبنى اجتماعي تقليدي، ومن بيئة ريفية قروية، مرت بنوع من الحداثة الجزئية (Sa`di، 1997). وفي الوقت الذي مرت فيه القرية العربية بعملية تحديث جزئية، فان الطالب الفلسطيني لم يمر بعملية حداثة مشابهة، اللقاء الأول للطالب الفلسطيني مع الحداثة في حياته تكون في الجامعة الإسرائيلية التي تحمل مشروعا ثقافيا صهيونيا، وعلى الطالب الجامعي الفلسطيني الدراسة في هذه المؤسسة الصهيونية والتعامل معها، حيث أن لغة التدريس في الجامعة هي اللغة العبرية، والأدبيات العلمية تكون في اللغة الانجليزية في الدرجة الأولى، ثم العبرية في الدرجة الثانية، اللغة العربية هي لغة هامشية من حيث الأدبيات العلمية (عدا أقسام اللغة العربية)، أو حيث كونها أداة اتصال بين الطالب ومؤسسات الجامعة الأكاديمية والإدارية. كما أن اللقاء الأول بين الطالب الفلسطيني، والمجتمع اليهودي يكون داخل أسوار الجامعة، وهي الساحة الوحيدة التي يتنافس كل منهما على الانجاز والتفوق، في ظروف متساوية في حدها الأدنى، مع تحيز مؤسساتي، بنيوي وثقافي للطالب اليهودي، مما يكشف ويعمق أكثر غربة الطالب الفلسطيني عن هذا المبنى من جهة، أو يساهم في ذوبانه في ثقافته من جهة أخرى. توفر البيئة الثقافية داخل الجامعة حيزا كبيرا من حرية التعبير عن الرأي، وفهما عميقا لمعنى المواطنة، فتشكل الجامعة، أما اندماجا للفلسطيني في هذه الثقافة، أو دافعا للعمل السياسي كما يتجسد ذلك في الحركة الطلابية الفلسطينية (مصطفى، 2002).

تحولات في التفكير الاجتماعي: يؤثر التحرر من القيود الاجتماعية على التعليم العالي الفلسطيني بشكل كبير، وقد كان لهذا التحرر تأثير كبير على تطور التعليم العالي ومميزاته، وإن احد أهم هذه التأثيرات كان الاندماج الواسع والانخراط السريع للفتيات الفلسطينيات في التعليم الجامعي، ففي منتصف الخمسينيات كان هنالك فتاة جامعية فلسطينية واحدة، أما اليوم، فان حوالي 55% من الطلاب الفلسطينيين في الجامعات من الإناث. يعتبر الانخراط المتزايد للفتيات الفلسطينيات في الجامعات أهم مميزات التعليم العالي الفلسطيني في العقد الأخير، ولكنه غير منقطع بالتأكيد عن بدايات هذا التحول في أواخر السبعينيات والثمانينيات، ويعود ذلك إلى انكسار القيود الاجتماعية التي كانت تحول دون انخراط الفتاة في التعليم العالي، واضطرارها للسفر من القرية الفلسطينية إلى المدينة اليهودية للدراسة، أو المبيت هناك.

وقد ساهم مشروع إقامة جامعة حيفا في أواخر الستينيات، في تسهيل عملية انخراط الطالبات الفلسطينيات في التعليم العالي، بسبب قرب الجامعة على منطقة الشمال العربي. كما أن انخراط المرأة الفلسطينية في سوق العمل، وخصوصا في جهاز التعليم العربي، ساهم من جانبه في عملية ازدياد مشاركة النساء في التعليم العالي الفلسطيني.

محددات تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل:

تلعب العوامل البنيوية والثقافية، التي اشرنا إليها، دورا في تحديد مسار تطور التعليم العالي الفلسطيني واتجاهاته المستقبلية، بينما هنالك ثلاثة محددات لا تزال تلعب دورا فاعلا في تحديد مميزات التعليم العالي الفلسطيني، وهي:
أولا: تطور التعليم العالي الفلسطيني في ظل غياب حالة تراكمية مؤسساتية أو تعليمية فلسطينية سابقة له:

تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل منقطعا عن التراكم التعليمي الفلسطيني قبل قيام الدولة، سواء على المستوى المؤسساتي أو على المستوى التعليمي، ففي البداية، لم يسمح الانتداب البريطاني للمجتمع الفلسطيني بإقامة جامعة فلسطينية، كما سمح للمجتمع اليهودي بإقامة الجامعة العبرية في القدس في منتصف عشرينيات القرن العشرين، بل سمح له بإقامة بعض المعاهد لتأهيل المعلمين والمعلمات، الأمر الذي دفع الطلبة الفلسطينيين إلى الدراسة خارج فلسطين، وخصوصا في القاهرة أو في بيروت، كما أن المستوى التعليمي والثقافي الذي تراكم خلال العقود القليلة التي سبقت نكبة فلسطين في المدن الفلسطينية، وولد نخبة ثقافية ومتعلمة، ومركزا ثقافيا، قد تبعثر وانقطع بعد نكبة فلسطين، التي أدت بدورها إلى تبعثر المدينة الفلسطينية، ومعها نخبها المتعلمة، والى تدمير المؤسسات التعليمية الفلسطينية. لم تؤسس التجربة الثقافية والتعليمية للمجتمع الفلسطيني المدني قبل النكبة، لأرضية تعليمية تمد المجتمع الفلسطيني القروي بعد النكبة، الذي بقي في الدولة اليهودية، بأرضية انطلاق راسخة يكمل من خلالها التراكم المعرفي والتعليمي والمشروع الثقافي الذي بدأ قبل نكبة فلسطين، بل تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل من نقطة بداية جديدة، منقطعة عن التجربة الفلسطينية السابقة، وذلك بسبب تدمير المدينة الفلسطينية ومشروعها الثقافي والتعليمي خلال النكبة.

ثانيا: تطور التعليم العالي الفلسطيني داخل الجامعة الإسرائيلية:

اعتبر جيل المؤسسين للدولة، وعلى رأسهم بن غوريون، أن لمؤسسات التعليم العالي دور هام في عملية بناء الدولة، وتشكيل الأمة (فولنسكي، 2005)، والمقصود في هذه الحالة، الأمة الإسرائيلية والدولة اليهودية، وقد أعيق سن قانون مجلس التعليم العالي لسبع سنوات بسبب النقاش حول مساحة الحرية الأكاديمية لمؤسسات التعليم العالي، حيث أرادت الدولة أن تكون مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي مجندة لخدمة الأهداف السياسية والعسكرية للدولة الجديدة، بينما ناضلت الجامعات للحفاظ على اكبر مساحة ممكنة من الحرية الأكاديمية (كلاين، 1998، 2006). تنبع خصوصية الجامعة الإسرائيلية من كونها احتوت منذ بداية تبلورها مركبين متصارعين، المثالية الأكاديمية الغربية من جهة، والتجند للمشروع الصهيوني في عملية بناء الدولة، وبناء "اليهودي الجديد" من جهة أخرى (غور-زئيف، 1999، 2004).

أدت هذه المكانة الخاصة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، إلى بناء جدول أعمال أكاديمي، وأجندة بحثية تتجاوب مع احتياجات الدولة. بينما تعثر التعليم العالي الفلسطيني في غياب أجندة بحثية، وجدول أعمال أكاديمي خاص في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، لان الجامعة كانت صهيونية ذات أهداف صهيونية، حيث تطور التعليم العالي الإسرائيلي استجابة لأجندة وجدول أعمال صهيوني، وفي ظل غياب أجندة واضحة للتعليم العالي والبحث العلمي الفلسطينيين. وتتحدد الأجندة البحثية في إطار دولة وطنية ومدينة قوية، ولذلك فإن غياب الدولة الوطنية، وضعف المدينة الفلسطينية، عاملان حاسمان في التأثير على نمو ثقافة مدنية، وتطور الفنون والفكر والأدب، وفي تشكيل الطبقة الوسطى الفلسطينية (هلال، 2006)، لا بل أن أجندة البحث العلمي للباحثين الفلسطينيين، كانت أجندة إسرائيلية كاملة في مرحلة معنية، قبل دخول أفكار الخصخصة، واعتبارات سوق المال إلى الجامعات والتي هددت، في رأي البعض، بانهيار الاكاديميا الإسرائيلية (غور- زئيف، 2005). وقد تعمقت مسألة غياب الأجندة البحثية الفلسطينية، وجدول أعمال للتعليم العالي، في ظل غياب جامعة فلسطينية في إسرائيل، وهي المحدد الثاني في ترسيم مميزات التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل.

ثالثا: مسيرة التعليم العالي الفلسطيني في ظل غياب الجامعة الفلسطينية:

لم ينجح المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، بعد حوالي ستين عاما على قيام الدولة من إنشاء جامعة فلسطينية عربية في إسرائيل، محققا في ذلك ما حققته أقليات قومية واثنية في العالم، كما في كندا والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال (2) ، أو كما حققه المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، حيث تمكن من إقامة مؤسسات تعليم عالي فلسطينية في مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة (Abu-Lughod، 2000). أدت هذه المؤسسات التعليمية التي أقامتها أقليات في زيادة متناولية التعليم العالي، وتوسيع طبقة المتعلمين، كما أنها حافظت على الهوية الثقافية للمجموعة الاثنية، وحسنت من مكانتها الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية مقارنة مع الأكثرية المهيمنة (Justiz، et.il، 1994).

يقدم أبو الهيجا (2005) سببين لعدم قيام جامعة عربية فلسطينية في إسرائيل، الأول: التناقضات والصراعات الداخلية بين شرائح اجتماعية مختلفة في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، الثاني: السياسة الحكومية المعارضة لفكرة إقامة جامعة عربية فلسطينية في إسرائيل. من الصعب فحص: أيا من العاملين له تأثير اكبر على هذه النتيجة؟ ويمكن إرجاع نفس العاملين إلى عدم قدرة الفلسطينيين في إسرائيل على انتزاع استقلالية تعليمية في جهاز التعليم العربي. تتخوف إسرائيل، أو على الأقل توجهات بداخلها، من مسألة إقامة جامعة فلسطينية، حيث تعتقد أنها ستتحول إلى ساحة للنشاطات القومية المعادية للدولة، كما حدث في الجامعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة (لنداو، 1993، 61-62). وهي جزء من النظرة العامة للدولة الرافضة لتنظيم الفلسطينيين مؤسساتيا من خلال بناء مؤسسات قومية مختلفة (Ghanem، 2001). إلى جانب معارضة الدولة، فان مجلس التعليم العالي يرفض من طرفه إقامة جامعة عربية فلسطينية، بسبب غياب الحاجة الموضوعية لمثل هذه الجامعة، لان الجامعات القائمة تسد مثل هذه الحاجة، بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية المرافقة لإقامة جامعة عربية، وقلة الطلاب الفلسطينيين المتسجلين والمقبولين في الجامعات عموما (أبو الهيجا، 2005، 308). يتجاهل مجلس التعليم العالي أن قلة المسجلين والمقبولين من الطلاب الفلسطينيين، يعود في جزء منه، إلى غياب جامعة عربية فلسطينية تسهل مسألة متناولية التعليم العالي لدى الفلسطينيين في إسرائيل.

منح قانون مجلس التعليم العالي صلاحيات لمجلس التعليم العالي ومنها الاعتراف بمؤسسات التعليم العالي في إسرائيل وإضفاء عليها الطابع الأكاديمي، وقد حاول أعضاء الكنيست العرب تجاوز هذه الصلاحية، وذلك لانتزاع الاعتراف بإقامة جامعة عربية في الناصرة، وذلك من خلال تقديم اقتراح قانون إقامة جامعتين في الناصرة والمثلث، وقد رفضت الحكومة هذا الاقتراح، معللة أن ذلك من صلاحية مجلس التعليم العالي، وليس من صلاحية المشّرع (فولنسكي، 2005، 320-321).

لا تلعب مسألة إقامة جامعة عربية فلسطينية في إسرائيل دورا تعليميا فقط في زيادة الطلاب في مرحلة التعليم العالي والدراسات العليا، بل تؤسس لهوية جماعية منظمة، وتوفر آليات لتنظيم المجتمع، من خلال صياغة أجندة تعليمية، وجدول أعمال بحثي، يستجيب لاحتياجات المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، كما انه يساهم بتطوير البحث في العلوم الاجتماعية، مثل تطوير علم اجتماع فلسطيني، بعيدا عن قيود الاستشراق الإسرائيلي، والأجندة البحثية الإسرائيلية.

ونخلص في النهاية، إلى أن تطور التعليم العالي الفلسطيني في حالة أقلية أصلية، كالأقلية الفلسطينية في إسرائيل، يمكن أن يشكل تحديا لحالة الهامشية والسيطرة التي يقوم على بنائها جهاز التعليم العربي. جهاز التعليم العربي الذي يديره عرب من مدراء ومعلمون ومفتشون، وتشكل فيه اللغة العربية لغة التدريس، كان من المفروض أن يشكل أساسا لتمكين المجتمع وتطوره، ولكنه في الواقع يشكل عاملا لتهميش المجتمع العربي، وأداة للسيطرة عليه (Al-Haj، 1995)، بينما يمكن أن يشكل التعليم العالي الفلسطيني الذي يتطور في الجامعة الإسرائيلية اليهودية، ويتخذ من اللغة العبرية لغة للتدريس، ويتحرك في إطار المشهد الثقافي اليهودي، تحديا لحالة الهامشية والسيطرة. ويملك الخريجون الفلسطينيون فيه وعيا اكبر للقوة الكامنة في مجتمعهم.

تخضع عملية اختيار الموضوع الدراسي إلى قرار عقلاني في الدرجة الأولى، مرتبط باعتبارات سوق العمل والتوظيف، حيث يتوجه غالبية الطلاب الفلسطينيين لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية لأسباب عديدة، منها، أن شروط القبول لهذه المواضيع أسهل من شروط القبول للمواضيع المستقلة، أو المواضيع الطبية، مع العلم أن الطالب الفلسطيني يدرك أن الاقتصاد الإسرائيلي مغلق أمامه في مثل هذه المواضيع بالذات، فيبقى سوق العمل الأساسي المفتوح أمامه، هو السوق المحلي، وينحصر هذا العمل بالنسبة للأكاديمي الفلسطيني في مجالين: جهاز التعليم العربي، والحكم المحلي.

تعتبر المهن الحرة والمستقلة خيارا لدى الطلاب المتفوقين، وخصوصا عند أبناء الأقليات، وهذا حال الفلسطينيين في إسرائيل، وتبقى مواضيع العلوم الاجتماعية والإنسانية خيارا للطلاب غير المتفوقين، ولكن لا يعني ذلك أن أبناء مجتمعات الدول المتطورة، لا يتوجهون إلى مواضيع المهن الحرة والمستقلة، ولكن يضاف لديهم ميل لدراسة لغتهم الأم، ودراسة التاريخ والفلسفة والعلوم السياسية والآداب، وذلك للمساهمة في عملية بناء الدولة، وإنتاج الثقافة وبرامج التعليم، الأمر الذي يفسر الاختلاف بين أبناء الأقليات وأبناء الأغلبية.

في حالة الأقلية الفلسطينية، تشكل نظرية الاستثمار في رأس المال، والنظرية البنيوية، ونظرية الخيار العقلاني، (انظر المبحث النظري) منظومات يمكن من خلالها فهم الالتحاق بالجامعات لدى الطلاب الفلسطينيين. ينظر الفلسطينيون إلى التعليم العالي على انه جزء من استثمار فردي ومجتمعي، يصب في النهاية في تحسين الظروف الحياتية للفرد، وينعكس بالتالي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، لأنه وبعد ضياع الأرض لم يعد المجتمع الفلسطيني مجتمعا فلاحيا، بل أصبح بروليتاريا في الاقتصاد اليهودي، لم تخلق هذه الصيرورة برجوازية عربية، أو طبقة وسطى منظمة، ويطلق زريق على هذه العملية بـ"التجرد من الزراعة" (Zureik، 1979). ومع بداية نشوء طبقة وسطى في السبعينات، وارتفاع الوعي الوطني، وبناء مؤسسات المجتمع، بدأ التعليم عموما، والتعليم العالي خصوصا، يأخذ منحى جديد في التفكير المجتمعي والجماعي للفلسطينيين في إسرائيل، وتحول إلى أكثر الاستثمارات جدوى على تطور المجتمع. وتنطلق نظرية رأس المال البشري أن الاستثمار في التعليم العالي سيعود بالفائدة المستقبلية على الفرد والمجتمع، وعندما تتحول الفائدة إلى هامشية أو غير مجدية من الناحية الاقتصادية بالأساس، فان القابلية للانخراط في التعليم العالي تهبط، وهذا ما يمكن أن نفسر من خلاله هبوط نسبة الطلاب الفلسطينيين في الجامعات منذ منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات، حيث أن عدم قدرة سوق العمل على استقطاب الخريجين الفلسطينيين من الجامعات الإسرائيلية أدى بدوره إلى هبوط معدلات الطلاب الفلسطينيين في مؤسسات التعليم العالي.

ينطلق هذا البحث من فرضية، لها ما يؤيدها، تقول إن المبنى الذي ينضوي تحته الفلسطينيون في إسرائيل أدى إلى تهميشهم، فجهاز التعليم العربي يهدف إلى إحكام السيطرة على الفلسطينيين في إسرائيل (Al-Haj، 1995، Abu-Saad، 2006، 2006a)، والجهاز السياسي الإسرائيلي يهدف إلى إقصاء المواطنين الفلسطينيين عن عملية صنع القرار السياسي وتوزيع الموارد المادية والمعنوية (Ghanem، 2001)، أما مشاركة العرب في الاقتصاد الإسرائيلي فتتم على هامشه، دون تطوير لاقتصاد فلسطيني مستقل (Haidar، 1990)، بينما نصل إلى نتيجة، من خلال بحثنا، أن من الممكن للتعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل أن يشكل حالة من تحدي الهامشية، إذا تم صياغة أجندة بحثية واضحة، وجدول أعمال أكاديمي منظم للمجتمع الفلسطيني، ذلكم أن التعليم العالي سيكون الأداة والمساحة التي تشكل حالة تحدي الهامشية والإقصاء. ولا يحتاج انجاز ذلك، إلى مباركة رسمية مؤسساتية، كما هو الحال، لأي تغيير نسعى له في جهاز التعليم العربي، بل هو خاضع لإرادة مجتمعية وجماعية منظمة، يقوم على حملها المجتمع الفلسطيني، بكل مركباته السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية.

(1) - وآثرت استخدام مصطلح أوروبي بدل غربي، في محاولة لإذابة الفوقية والعرقية بين الشرقي والغربي في البنى العقلية، فأما أوروبا فيسكنها العربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم.

(2) - أقامت الأقلية الافروامريكية في الولايات المتحدة، شبكة من الكليات والجامعات قبل عام 1964 (HBCU)، ويصل عدد هذه الكليات والجامعات اليوم إلى 100 كلية وجامعة، لكن لا بد من الإشارة إلى أن الدافع لإقامة هذه الجامعات والكليات، كان الإقصاء الشديد الذي لحق بالمجموعة الافروامريكية في الجامعات الأمريكية البيضاء، باستثناء بعضها. وحسب المعطيات الحالية فان 14% من الطلاب الافروامريكيين يدرسون في هذه المعاهد، 24% من طلاب اللقب الأول يدرسون فيها، وواحد من ستة حملة ماجستير حصلوا عليها من هذه المؤسسات

المصدر : عرب 48
[line]