عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-01-2007, 03:19 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

قد يظهر هذا المذهب غير جديد وقد يبدو لبعضهم كحقيقة أولية بديهية، ولكن بالرغم من ذلك ليس هناك مذهب آخر يتعارض مع الاتجاه العام للرأي العام والعرف الحاليين كما يتعارض هذا المذهب. فلقد بذل المجتمع جهودا جبارة في محاولة إرغام الناس على الامتثال لآرائه في الصلاح الشخصي والاجتماعي. وكانت الدول القديمة تظن، وأيّدها الفلاسفة القدماء في ذلك، ان من حقها ممارسة تنظيم كل ناحية من نواحي السلوك الخاص بواسطة السلطة العامة بدعوى ان الدولة شديدة الاهتمام بالتربية الجسدية والعقلية لكل واحد من مواطنيها، وهذه طريقة في التفكير يمكن قبولها بالنسبة لجمهوريات صغيرة محاطة بأعداء أقوياء، وهي في خطر دائم من هجوم خارجي أو اضطراب داخلي، وقد تكون فيها الفترة القصيرة من التراخي وإعطاء الأفراد أمر قيادة أنفسهم، السبب في ضربة قاضية تصيبها بحيث لا تستطيع عندئذ انتظار الخيرات الدائمة التي تنجم عن الحرية. أما في العالم الحديث فان اتساع المجتمعات السياسية، وفصل السلطات الروحية عن السلطات الزمنية (الذي وضع إدارة ضمائر الناس في أيد غير الأيدي التي تهيمن على شؤونهم الدنيوية) قد حالا دون تدخل القانون كثيرا في دقائق الحياة الخاصة. ولكن آلات الضغط المعنوي ضد الانحراف عن الرأي السائد قد استعملت بشدة أعظم في المسائل التي تمس الفرد مما في المسائل الاجتماعية. حتى الدين، وهو أقوى العناصر التي تدخلت في تكوين الشعور الأخلاقي، كان دائما خاضعا لمطامع سلطة كهنوتية تحاول السيطرة على مختلف نواحي السلوك البشري أو لروح التزَمُت البيوريتاني. ومن المصلحين العصريين الذين وضعوا أنفسهم موضع المعارضة الشديدة لديانات الماضي مَن لم يكن اقل حماسا من الكنائس أو الفرق الدينية في تأكيد حق السيطرة الروحية، لاسيما الفيلسوف أوغست كونت الذي نراه في نظامه الاجتماعي الذي نشره في كتابه "نظام في السياسة الوضعية" يهدف إلى إقامة استبداد اجتماعي يتسلط على الفرد (ولو بالوسائل المعنوية اكثر مما بالوسائل القانونية) وهو استبداد يفوق ما فكر به اشد الفلاسفة القدماء صلفا في تفكيرهم السياسي.

وبالإضافة إلى المذاهب الخاصة لبعض المفكرين، فان في العالم على سعته ميلا متزايدا إلى توسيع سلطات المجتمع على الفرد، بدون ضرورة مبررة، بقوة الرأي العام وبقوة التشريع أيضا. ولما كانت التغيرات التي تحدث في العالم تتجه جميعها إلى تعزيز سلطة المجتمع وتضييق سلطة الفرد، فان هذا التعدي من قبل المجتمع ليس من الشرور التي تميل إلى الزوال من تلقاء نفسها، بل انه على العكس من ذلك سوف ينمو ويتفاقم. ان استعداد البشر، حكاما ومواطنين، لفرض آرائهم وميولهم على الغير كقاعدة للسلوك استعداد قوي وهو مدعوم بتأييد قوة تأتيه من أفضل المشاعر السامية ومن أحط المشاعر التي تمر بها الطبيعة الإنسانية، حتى ليكاد يتعذر عليه ان يقف عند أي حد أقل من إرادة السلطة. ولما كانت السلطة في تزايد لا في تناقص (إلا إذا ارتفع حاجز قوي من القناعة الأخلاقية في وجه إساءة الاستعمال)، فان علينا أن نتوقع ضمن ظروف العالم الحالية، ازديادا في قوة هذا الاستعداد.

قد يكون من الملائم قبل الدخول في صُلب الرسالة ان نحصر البحث أول الأمر في فرع واحد منه، وهو ذلك الفرع الذي يعترف الرأي السائد حاليا، ولو اعترافا جزئيا، بان المبدأ الذي أوردته سابقا ينطبق عليه. ان هذا الفرع هو حرية الفكر، ويستحيل ان نفصل عنه حرية القول والكتابة. وبالرغم من ان هذه الحريات تشكل، إلى حد كبير، جزءا من الأخلاق السياسية لكل البلاد التي تدعي التسامح الديني والمؤسسات الحرة، فان الأسس الفلسفية والعملية التي تقوم عليها ليست مألوفة من قبل الفكر العام، وهي لم تحط من الكثيرين، وحتى من قادة الفكر، بالاعتبار والتقدير اللائقين كما كان متوقعا. فإذا أحسن فهم هذه الأسس اصبح تطبيقها ممكنا في اكثر من قسم واحد من الموضوع، وبذا يكون البحث الوافي لهذا القسم من المسألة خير مقدمة لما تبقى من الموضوع. وإني لأرجو من الذين لن يجدوا شيئا جديدا فيما سوف أقوله بعد قليل أن يعذروني إن أنا خضت في هذا الموضوع مرة جديدة بعد أن كان موضوعا للبحث مرات عديدة خلال ثلاثة قرون مضت.

الفصل الرابع: في حدود سلطة المجتمع على الفرد

لنسأل الآن: ما هو الحد الشرعي لسيادة الفرد على نفسه؟ أين تبدأ سلسلة المجتمع؟ ماذا يجب أن يعود للفردية من الحياة البشرية وماذا يجب أن يعود للمجتمع؟

ان كلا منهما ينال حصته العادلة إذا هو احتفظ بما يخصه أو يعنيه. فيكون للفردية جزء الحياة الذي يهم الفرد، وللمجتمع الجزء الذي يهم المجتمع.

ان المجتمع غير مؤسس على عقد ولا غاية ترجى من اختراع عقد لاستخلاص الواجبات الاجتماعية منه. ولكن من ينال حماية المجتمع يكون مدينا له مقابل ذلك، والعيش في المجتمع يقتضي حتما أن يتقيد كل فرد بخطة من السلوك تجاه الآخرين. يتألف هذا السلوك، أولا، من عدم إضرار بتلك المصالح التي يجب أن تُعتبر حقوقا إما بموجب نص قانوني صريح أو بموجب تفاهم ضمني. ويتألف هذا السلوك، ثانيا، من تحمل كل فرد نصيبه (الذي يُقَرر وفق مبدأ منصف) مما تقتضيه صيانة المجتمع أو أعضاءه من أتعاب وتضحيات. ويحق للمجتمع مهما كلف الأمر ان يفرض تحقيق هذين الشرطين على من يحاول الامتناع عن ذلك. وليس هذا كل ما يجوز أن يفعله المجتمع. فقد تكون أفعال الفرد ضارة بالغير أو قليلة الاهتمام بخيرهم دون أن تكون مخالفة لحقوقهم المقررة، ويجوز عندئذ معاقبة المذنب عن طريق الرأي العام لا عن طريق القانون. وحينما ينطوي أي جزء من سلوك الفرد على ضرر بمصالح الغير تصبح للمجتمع سلطة عليه، ويطرح على بساط البحث عندئذ السؤال القائل: هل يفيد الصالح العام من هذا التدخل أم لا؟ ولكن لا موضوع لهذا السؤال إذا كان سلوك الفرد لا يمس مصالح أحد سواه، أو ليس من الضروري ان يمسها إلا إذا أرادوا هم ذلك (بشرط ان يكون المعنيون بالغير بالغين وذوي قدر كاف من الفهم). وعلى كل حال يجب أن يكون للفرد مطلق الحرية القانونية والاجتماعية في أن يفعل ويتحمل تبعة فعله.

من الخطأ الفادح في فهم هذه النظرية ان نزعم أنها نظرية لا مبالاة أنانية تدعي أن لا شأن للناس بسلوك بعضهم مع بعض وان ليس من الواجب ان يهتموا بمصالح الغير وخيره إلا إذا كانت تمس مصالحهم. فالحاجة تدعو لا إلى الإنقاص بل إلى الزيادة في كل جهد غير مغرض يُصرف في رعاية خير الغير، ولكن الحب غير المغرض للخير يستطيع أن يجد وسائل أخرى لإقناع الناس بخيرهم غير السياط بمعناها الحرفي والمجازي. إني آخر من يحط من قيمة الفضائل التي تعنى بالذات، وان جاءت بعد شيء فإنما تأتي عندي في الدرجة الثانية من الأهمية بعد الفضائل الاجتماعية، ومن واجب التربية أن ترعاهما معا. ان التربية تعمل عن طريق الإقناع كما تعمل عن طريق الإرغام فإذا انقضت مرحلة التربية يكون من الواجب استعمال الطريقة الأولى، أي الإقناع، في ترسيخ الفضائل التي تقصد الذات وتعنيها. والناس مدين بعضهم لبعضهم الآخر بالمساعدة على التمييز بين الأحسن والأسوأ، والتشجيع على اختيار الأول وتجنب الثاني، ويجب ان يحفز بعضهم بعضهم الآخر على ممارسة ملكاتهم العليا وتوجيه مشاعرهم وأهدافهم نحو أغراض حكيمة سامية لا حمق فيها ولا انحطاط. ولكن لا يحق لفرد أو جماعة أن يقول لشخص آخر بالغ انه يجب عليه أن لا يفعل بحياته كما يشاء. فالشخص هو صاحب الشأن الأول فيما يختص بخيره الذاتي، ولا يمتد بشأن الآخرين فيه إلا في حالات العلاقة الشخصية القوية.وما شأن المجتمع به كفرد (فيما عدا سلوكه نحو الغير) إلا شأن جزئي غير مباشر. وحتى الشخص العادي نفسه فانه يملك من الوسائل لمعرفة مشاعره وظروفه الخاصة ما يفوق ما يملكه أي شخص آخر. ان تدخُّل المجتمع للتحكم في حكمه وأغراضه الخاصة به لا بد أن يقوم على افتراضات عامة قد تكون خاطئة، وإن كانت صحيحة فقد يسيء تطبيقها على الحالات الفردية أناس يجهلون تلك الحالات كما يجهلها أولئك الذين ينظرون إليها من الخارج فقط. في هذا الدائرة من شؤون البشر يقع مجال عمل الفردية. ففي سلوك البشر نحو بعضهم بعضا لا بد من مراعاة قواعد عامة ليعرف الناس ما يجب أن يتوقعوا. أما فيما يختص بالفرد، فان له الحق في ممارسة انطلاقه الفردي بحرية. يجوز أن يقدم إليه الآخرون اعتبارات تساعده في حكمه أو نصائح تقوي إرادته حتى ولو كان الأمر تطفلا منهم، إلا أنه هو الحاكم الأخير. وان الشر الناجم عن السماح للغير بإرغامه على ما يرون فيه مصلحته يرجح على كفة كل ما قد يرتكبه من أخطاء رغم النصح والتحذير إذا هو بقي بدون هذا الإرغام.

أنا لا أقصد القول ان نظرة الغير للشخص يجب أن لا تتأثر قط بما عنده من حسنات أو نقائص في صفاته التي تخص ذاته، فذلك غير ممكن ولا مرغوب فيه. فهو إن شعر في أي من الصفات الآيلة إلى خيره، فانه إلى هذا الحد حري بالإعجاب، إذ يكون بهذا القدر أقرب إلى كمال الطبيعة البشرية لا مثالي. وان كان شديد الافتقار إلى هذه الصفات، تلا ذلك ظهور الشعور المناقض للإعجاب. فهناك درجة من الحماقة، أو درجة مما قد يسمى الحطة أو الخسة في الذوق، قد لا تبرر إيذاء مقترفها، ولكنها تجعله جديرا بالاشمئزاز، بل وجديرا بالاحتقار في الحالات المتطرفة. ولو أنه لا يسيء إلى أحد، فان تصرفه قد يضطرنا إلى الحكم عليه والشعور نحوه بانه أحمق أو من درجة أدنى من ذلك. ولما كان هو يفضل ان يتجنب مثل هذا الحكم والشعور، فان في تحذيره مسبقا من العواقب الوخيمة التي يعرض نفسه لها خدمة له. ليس في الإمكان تأدية هذه الخدمة بحرية أكثر مما تسمح به الآداب العامة المرعية في الوقت الحاضر، فيقول الواحد للآخر انه يظن أنه مخطئ دون ان يُعتبر متطفلا أو غير متأدب. ولدينا الحق في ان نتصرف بطرق شتى بحسب رأينا السيء في أي شخص، لا باضطهاد فرديته بل بممارسة فرديتنا. فنحن غير مضطرين مثلا إلى معاشرته، ولنا الحق في تجنبها (ولكن بدون التفاخر بإظهارها) إذ لنا الحق في اختيار عِشرة من نرضى بهم. ومن حقنا، لا بل ومن واجبنا، أن نُحذر الآخرين منه، ان رأينا ان قدوته ذات تأثير ضار بمن يعاشرونه. ولنا أن نؤثر الغير عليه في المناصب، إلا في تلك التي ترمي إلى تحسينه. ولهذه الأسباب قد ينال المرء عقوبات شديدة على أيدي الغير عن أخطاء لا تمس مباشرة إلا ذاته. ولكنه إنما ينالها كنتائج طبيعية عفوية للأخطاء بالذات، لا لأنها فرضت عليه كقصاص. فان من يبدي تهورا أو عنادا أو اغترارا بذاته، من لا يستطيع العيش ضمن إمكانيات معتدلة، أو لا يمسك نفسه عن الإباحية المؤذية، أو يندفع في الشهوات الحيوانية على حساب أصحاب الشعور والتعقل؛ يجب أن يتوقع أن ينحط في نظرة الغير إليه وشعورهم نحوه، ولا حق له في التذمر من ذلك، إلا إذا استحق عطفهم ورضاهم بامتياز خاص في علاقاته الاجتماعية، فحظي بنعمة في أعينهم لا تتأثر بنقائصه تجاه نفسه.

أريد أن أثبت أن المتاعب التي لا يمكن فصلها عن حكم الآخرين على الفرد بسوء تصرفه إنما هي المتاعب الوحيدة التي يجوز أن يتعرض لها بسبب ذلك الجزء من سلوكه وخلقه الذي يتعلق بمصلحته الخاصة وحدها ولا يمس مصالح الآخرين في علاقتهم معه. أما الأفعال الضارة بالغير فإنها تقتضي معالجة أخرى تختلف تماما. فالتعدي على حقوقهم، أو تكبيدهم خسارة لا تبررها حقوقه، أو الكذب أو المواربة في معاملتهم، أو الاستئثار غير المشروع بالفوائد دونهم، أو حتى التخلي الأناني عن حماستهم من الأذى، كل هذا يستحق الاستنكار الأخلاقي، بل والجزاء الأخلاقي والقصاص في الحالات الخطيرة. وليست هذه الأفعال وحدها هي التي تعتبر رذيلة أيضا وتستوجب الاستهجان الذي قد يبلغ حد المقت والكراهية. ان القسوة، و الحقد أو الضغينة، والحسد الذي هو في الواقع أفظع الأهواء الضارة بالمجتمع، والرياء أو عدم الإخلاص، والنزق أو سرعة الغضب لأتفه الأسباب، والحنق دون استفزاز متكافئ، وحب التسلط على الغير، والرغبة في الاستئثار بأكثر من النصيب الشخصي من الفوائد، والكبرياء التي تتلذذ بامتهان الغير، والأنانية التي تعتبر الذات ومالها أهم من أي شيء آخر. ان هذه الصفات جميعا رذائل وهي تشكل طبعا أخلاقيا شريرا، وهي ليست كالأخطاء الخاصة بالسلوك الشخصي المذكورة آنفا والتي لا تكون في حقيقتها رذائل ولا شرورا مهما تمادى الإنسان فيها. قد تكون هذه برهانا على أي مقدار من الحماقة أو قلة الكرامة الذاتية أو احترام الذات، ولكنها لا تستوجب اكثر من الاستنكار الأدبي إذا انطوت على إخلال بالواجب نحو الغير، الذي من أجله يجب أن يعتني الفرد بنفسه. ان ما يسمى بالواجب نحو أنفسنا لا يعتبر أمرا واجبا من الوجهة الاجتماعية، إلا حين تجعله الظروف في نفس الوقت واجبا نحو الغير. وإذا كان الواجب نحو الذات يعني شيئا أكثر من الفطنة أو التبصر بالعواقب فإنما يعني احترام الذات أو التطور الذاتي، وما من أحد مسؤول عن أي من هذه تجاه الغير، لأنه ليس من مصلحة البشر ان يكون مسؤولا عن أي منها.

ان الفرق بين فقدان الاعتبار الذي يتعرض له المرء بتقصيره في الفطنة أو الكرامة الشخصية، وبين الاستنكار الذي يناله جزاء على افتئاته على حقوق الغير، ليس مجرد فرق اسمي. فهناك فرق كبير في مشاعرنا وسلوكنا تجاهه بين ما إذا كان امتعاضنا منه في أمور نظن أن من حقنا السيطرة عليه فيها، وبين ما إذا كان في أمور نعرف ان لا حق لنا بالتدخل فيها. فان كدّرنا، كان لنا الحق في الإعراب عن امتعاضنا والابتعاد عنه، ولكن ليس لنا ان ننغص عليه حياته. لنفكر في أنه يتحمل أو سيتحمل مجمل جزاء أخطائه، وان أفسد حياته بسوء إرادته، فليس في ذلك سبب يدعونا إلى زيادة إفسادها، وحري بنا بدلا من طلب قصاصه ان نحاول التخفيف من قصاصه بان نبين له كيف يمكنه ان يتجنب أو يعالج الشرور التي يجلبها عليه سلوكه. قد يكون موضع شفقتنا أو امتعاضنا، ولكن يجب ان لا يكون موضع سخطنا أو نقمتنا وان لا نعامله كعدو للمجتمع. وأقصى عمل نستطيع أن نبرره أمام أنفسنا هو ان نتركه وشأنه إذا نحن لم نشأ أن نتدخل بحسن نية بإبداء اهتمامنا به و غيرتنا عليه. إلا ان وجه المسألة يختلف إذا هو خالف الأنظمة اللازمة لحماية بني جنسه منفردين ومجتمعين. فعواقب أفعاله الوخيمة لا تقع عليه عندئذ بل على الغير، وعلى المجتمع ان يقابله بالمثل دفاعا عن أعضائه، وأن يفرض عليه أو يذيقه الألم بقصد القصاص، وإن يحرص على ان يكون قصاصا صارما. انه في هذه الحالة مجرم واقف أمام القضاء، ونحن مطالبون بالحكم عليه وبتنفيذ هذا الحكم أيضا بطريقة أو أخرى. اما في الحالة الأولى فنحن غير مكلفين بإيلامه إلا بقدر ما يترتب عرضا على استعمالنا في تنظيم شؤوننا الخاصة لنفس الحرية التي نبيحها له في تنظيم شؤونه.

يأبى الكثيرون التسليم بهذا التمييز بين ذلك الجزء من حياة الإنسان الذي يخصه وحده وذاك الذي يخص الغير. قد يسألون كيف يمكن ان لا يبالي بقية أعضاء المجتمع بأي جزء من حياة عضو فيه. ما من أحد مخلوق مستقل منعزل، ومن المستحيل ان يأتي شخص عملا يسبب لنفسه ضررا خطيرا أو ضررا دائما دون ان يصل أذاه إلى ذوي قرباه على الأقل، وكثيرا ما يتعداهم إلى غيرهم. ان أضر بأملاكه، أضر بالمنتفعين منها مباشرة أو غير مباشرة، وأفقد المجتمع جزءا من موارده قَلّ أو كثر. وإن افسد قواه البدنية أو العقلية، لما أوقع الشر على من يعتمدون عليه في جزء من سعادتهم فقط، بل لجعل نفسه أيضا غير صالح لتأدية الخدمات التي هو مدين بها لعموم البشر، وقد يصبح عالة على برّهم وإحسانهم. قد يقال أخيرا، إن المرء قد لا يسبب أذى مباشرا برذائله أو حماقته ولكنه يظل مؤذيا بقدوته، ويجب ان يرغم على ضبط نفسه لئلا يفسد أو يضل الآخرين الذين يرون سلوكه أو يعرفونه.

وقد يقال بالإضافة إلى ذلك: لو اقتصرت تبعات سوء السلوك على الفرد الشرير أو غير المفكر وحده، فهل يجب على المجتمع ان يسمح لأناس بان يرشدوا أنفسهم وقد اتضح انهم غير أهل لذلك؟ ان كان الأطفال وغير البالغين حريين بان نحميهم من أنفسهم، فهل المجتمع غير ملزم كذلك بحماية الأشخاص البالغين العاجزين عن سياسة أنفسهم؟ ولئن كان في القمار أو السكر أو الكسل أو الدعارة إفساد للسعادة وعرقلة للتقدم والتحسن، كأكثر ما يحدث في الأفعال التي يحرمها القانون، فلماذا لا يحاول القانون منع هذه الآفات بقدر ما هو ممكن عمليا واجتماعيا؟ ثم الا يجب على الرأي العام أن يكمل نقائص القانون التي لا مفر منها وان ينظم على الأقل قوة بوليسية ضد هذه الرذائل، وان يفرض عقوبات اجتماعية صارمة على مقترفها؟ كذلك قد يقال إن هذه المسألة لا تتناول مسألة تقييد الفردية، ولا إعاقة إجراء تجارب جديدة في الحياة، وإنما هي معنية بمنع أمور جربت واستنكرت منذ بداية العالم إلى اليوم. أمور أظهرت الخبرة أنها غير مفيدة ولا مناسبة لفردية أي إنسان. الواقع انه لا بد من مرور زمن طويل على الاختبار قبل ان تصبح حقيقة أخلاقية ما معتبرة على أنها أصبحت مستقرة، وأن المرغوب فيه منع جيل بعد آخر من السقوط في نفس الهوة التي قضت على السلف.

إني أجزم هنا بان الضرر الذي يلحقه شخص بنفسه قد يكون ذا أثر خطير على الغير ممن لهم علاقة به، وبدرجة أقل على المجتمع عموما. فإذا قاد مثل هذا السلوك شخصا إلى الإخلال بواجب واضح نحو الغير، فان القضية تخرج عن نطاق الشؤون الذاتية وتصبح في متناول التنديد الأخلاقي بمعناه الصحيح.

وان عجز إنسان عن دفع ديونه، أو عن إعالة أسرته وتربية أطفاله بسبب تبذيره فانه يستحق الاستهجان بل والقصاص، ولكن عقابه يكون على إخلاله بواجبه نحو أسرته ودائنيه لا على إسرافه وتبذيره. ولو حول الموارد التي يجب أن تخصص لهم إلى مشاريع استثمارية حكيمة لما تغير ذنبه الأخلاقي. لقد قتل جورج بارنويل عمه ليحصل على مال لخليلته، ولو أنه فعل ذلك لينشئ لنفسه عملا تجاريا لما تبدل الحكم بإعدامه. ثم إن الشخص الذي يجلب الأسى والغم لأسرته بإدمانه على العادات السيئة يستحق التوبيخ على عدم لطفه وعلى نكرانه للجميل. ويستحق ذلك أيضا على ممارسة عادات ليست شريرة في حد ذاتها ولكنها مؤلمة لأولئك الذين يقضي حياته معهم أو يعتمدون عليه في أسباب رفاهيتهم.

وكل من يقّصر في الاعتبارات التي تقتضيها مصالح الغير ومشاعرهم دون أن يرغمه على ذلك واجب أشد إلحاحا فانه يستحق اللوم الأخلاقي على ذلك التقصير، لا على سببه ولا على أخطائه الشخصية التي تكون قد أدت إليه من بعيد! لذلك يدان بذنب اجتماعي من يجعل نفسه بسلوكه الشخصي البحت عاجزا عن القيام بواجب معين يترتب عليه تجاه الجمهور. لا يجوز معاقبة شخص على مجرد سكره، ولكن الجندي أو الشرطي يجب ان يعاقب على سكره أثناء وظيفته. وبالاختصار كلما وقع الضرر، خرجت القضية من نطاق الحرية ودخلت ضمن نطاق الأخلاق أو القانون.

اما الضرر الطارئ الذي يمكن أن يسببه شخص للمجتمع من جراء سلوك ليس فيه إخلال بالواجب نحو الجمهور، وليس فيه قصد إلحاق الأذى بشخص معين من الناس، فانه يليق بالمجتمع ان يتحمله من أجل خير الحرية البشرية الأعم. إن كان لا بد من معاقبة البالغين على عدم اعتنائهم بأنفسهم، فاني افضل ان يكون ذلك لأجلهم على ان يكون بحجة منعهم من إضاعة نشاطهم أو من تأدية خدمة للمجتمع لا يدعي المجتمع أي حق في فرضها. بيد أنى لا أوافق على مناقشة هذه النقطة، كأن المجتمع لا وسيلة لديه في رفع الصفات من أعضائه إلى المستوى العادي من السلوك المعقول سوى الانتظار حتى يأتوا أمرا غير معقول فيعاقبهم عليه قانونيا أو أخلاقيا. لقد كان للمجتمع عليهم سلطة مطلقة خلال عمرهم المبكر، كان عهد الطفولة والحداثة تحت تصرفه ليحاول جعلهم ذوي سلوك معقول. ان الجيل الحالي هو سيد التدريب وسيد كل الظروف التي تحيط بالجيل القادم، فإذا لم يستطع إبلاغهم حد الكمال في الحكمة والصلاح فلأنه هو ذاته ناقص في الحكمة والصلاح. وليست أقصى جهوده مع الأفراد دائما أنجحها، ولكنه قادر على أن يرفع الجيل الناشئ جملة إلى درجة الصلاح التي وصل إليها هو، أو إلى ما هو أعلى منها. فان سمح المجتمع لعدد وافر من أعضائه بأن يظلوا أطفالا في عقليّتهم، فليس له إلا أن يلوم نفسه على العواقب.

يتبع >