الموضوع: إلى أين نمضي
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21-06-2008, 12:55 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي إلى أين نمضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إحدى الصحفيات بمجلة أقلام الفلسطينية طرحت هذا السؤال
ولما كان السؤال فاتحة كبري للعديد من وجهات النظر
فقد رأيت نقل الفكرة والسؤال لمعرفة الإجابة الصعبة

الى أين نمضي
فى واقع الأمر هذا الموضوع يعد بوابة لنقاش لا محدود ..
لأن التراجع فى العالم العربي يعد تراجعا على سائر المستويات .. وأولها التراجع الفكرى والذى يعد السبب الرئيسي لبقية أنواع الإنهيار العارم الذى نعانى منه ..
غير أنه وبالرغم من تعدد جبهات النقاش فى هذا الموضوع إلا أنه يمكننا حصر النقاش فى السبب الرئيسي من عقد مقارنة تاريخية بسيطة نتأمل بها العصور الإسلامية من مبدء النشأة إلى اليوم وعلى نحو سريع
فبداية عندما ولد الإسلام غريبا كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ..
وكان للدين القيم فطرته التى استمرت حتى انتهاء عهود الراشدين الأربعة كان التقدم فيها بسائر المجالات تقدما غير مسبوق ..
فقد تكونت الدولة الإسلامية قوية وقادرة وعملاقة وتمكنت من قهر أقوى قوتين فى العالم فى ذلك الوقت وهما الفرس والروم فى زهاء عشرين عاما فقط
وما هى إلا عشرة أعوام أخرى حتى استوت للخلافة الإسلامية أقطار المشرق والمغرب إبان توالد أخطار الفتنة الكبري بين على بن أبي طالب رضي الله ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهى التى استمرت تقوم وتنام حتى انتهت بمقتل الإمام الحسين ثم قيام دولة مروان بن الحكم ثم انتهت الأموية وتبعتها العباسية بعصريها والتى انتهت بهجمة المغول
وحتى هجمة المغول كانت الدولة الإسلامية مستمرة فى قوتها حتى لو اختلفت أوجه القوة فيها
فقد سخر الله للخلافة والفكر رجالا تمكنوا عبر الزمن من درء الأخطار
كما فعل آخر الصحابة مع يزيد بن معاوية وكما فعل مالك بن أنس مع أبي العباس أول خلفاء العباسية فى مسألة البيعة بالإكراه وكما فعل أبو حنيفة مع أبى جعفر المنصور فى مسألة إقرار خلافته وكما فعل أحمد بن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعى والشافعى مع فتنة خلق القرآن أثناء خلافة المأمون والمعتصم والواثق
ولذلك نستطيع القول فى تلك العهود أنها كانت عهود الحضارة الاسلامية المشرقة بالرغم من الفتن التى حاولت النيل منها حتى انتهت فترة القوة وبدأت غوائل الضعف بانهيار الخلافة العباسية واجتياح التتار لسائر الجيوش الإسلامية حتى أوقفهم بفضل الله تعالى جيش مصر بقيادة محمود بن ممدود الخوارزمى والمعروف باسم سيف الدين قظز .
ويمكننا إطلاق مسمى نصف قوة ونصف ضعف على العهود التى امتدت من سقوط الخلافة وحتى اجتياح العثمانيين للبلاد العربية بالعصر الحديث لأن تلك الفترة كانت شاهدة على تعدد استقلال الأقطار الإسلامية بعد إنهيار الخلافة على يد المغول ولم تعد الخلافة كما كانت بل أصبحت صورية وتخلل الأقطار العربية التى اتحدت قديما تفكك فى دول تراوحت فى القوة والضعف
لكن بالرغم من ذلك أخرج الله رجالا من قلب الأمة من أهل السيف وأهل الفكر تمكنوا من دحر سائر المؤامرات
التى هزت الحضارة الإسلامية فجاء صلاح الدين الأيوبي ليقضي على أقوى الحملات الصليبية وتصدت مصر بقيادة نجم الدين أيوب لحملتها السابعة على المنصورة وأسرت لويس التاسع ملك فرنسا وقائد حملتها لتتراجع جذوة الحملات الصليبية وتنتهى وجاء بيبرس عقب قطز ليقضي على بقية فلول الصليبيين والمغول ثم تبعهم رجال عدة ممن حفظوا للحضارة الإسلامية أقوى دورها ودولها مثل أحمد بن طولون والناصر قلاوون ومن أهل الفكر بن تيمية رائد الأصولية وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والإمام الغزالى الذى هز الفكر الفلسفي الأوربي والإمام بن قيم الجوزية وغيرهم ..

وبورود سلطان آل عثمان التى تمثل فى محمد الفاتح الذى حول الدولة العثمانية إلى إمبراطورية

سقطت الخلافة الإسلامية عن دار العرب نهائيا وبالرغم من اتفاق آل عثمان مع العرب فى العقيدة الإسلامية إلا أن دولتهم انحرفت بعد ذلك فكانت تهدف للسيطرة وإحياء حضارة الترك بدليل ما انتهبوه وغصبوه من أوجه الحضارة التى نـُقلت كلها إلى القسطنطينية عاصمتهم ومئات وآلاف من أهل الفكر الذين تم ترحيلهم إلى هناك بهدف دعم الحضارة العثمانية وبالتالى خوت البلاد العربية من أوجه الحضارة حتى العصور الحديثة ..
وما بين الاجتياح العثمانى وبداية القرن الثامن عشر تعد تلك الفترة فترة سقوط كامل مع الأسف الشديد إلا من بعض الروافد التى ظهرت وكانت نادرة للغاية .. مثل الإمام جلال الدين السيوطى والامام المحلى صاحبي التفسير الشهيرين والامام أحمد البدوى وغيرهم إلا أن دعوتهم كانت تنمو وتشتعل ثم يعقبها الهبوط بفعل الدسائس وغياب الهمة عن الجماهير
وزاد السقوط بتزايد الرغبات الأوربية فى السيطرة على الدولة العثمانية لا سيما بعد أن اضطر الباب العالى بتركيا إلى عقد تحالف مع الإمبراطوريتين الفرنسية والإنجليزية ليحموه من سلطان محمد على الذى خلق من مصر دولة قوية وقادرة وأسس لها باعا فكريا عظيما برعايته للبعثات العلمية وتأسيسه للجامعات وإرساله البعوث إلى أوربا بهدف الإستقلال بمصر حضاريا فضلا على جيش بالغ القوة أسسه محمد على بقيادة ابنه إبراهيم باشا ووجه إلى حدود الخلافة فى الشام على نحو أثار رعب الباب العالى ودفعه للسقوط فى فخ التواطؤ مع الأوربيين الذين تمكنوا من كسر محمد على بالشام عام 1840 وسرحوا معظم الجيش المصري وحصروه داخل حدوده ليطالب الأوربييون بعد ذلك بإلغاء السيطرة على فلسطين وتأسيس وطن لليهود بها وهو الاتفاق السري الذى اتضح بعد ذلك وكان اللبنة الأولى لقيام دولة اليهود هناك .. وبالتالى كان اللبنة الأولى لخلق أعظم محنة للعرب بالعصر الحديث
وبعد الحرب العالمية الأولى سقطت الخلافة العثمانية بأكملها
وانتهت من تركيا ذاتها التى ارتدت المسوح العلمانية على يد مصطفي كمال أتاتورك وتقاسم الأوربيون شتات البلاد العربية وسيطروا على العراق والكويت والخليج كله ثم استداروا إلى الشام ومصر والجزائر وسائر القرن الافريقي حتى قامت الحرب العالمية الثانية وانتهت بقضية فلسطين التى سقطت بها الجيوش العربية وكان سقوطها أمرا طبيعيا مع البلاد التى تحارب لأجل فلسطين وهى ذاتها تحت قبضة الإحتلال
وكان من الممكن قبل بدء حركات التحرر العسكري فى الوطن العربي أن تقوم دولة إسلامية عربية قوية بتفجر الثورات المدنية التى قادها مفكرون إسلاميون عظام واتحد معهم مفكرون من أيديولوجيات أخرى
لكنها وطنية ومن أمثالهم المفكر العملاق جمال الدين الأفغانى والإمام العلم محمد عبده بالإضافة إلى العقاد وإلى سعد زغلول وتلامذته .. وهم الذين تسببوا فى زخم شديد بالبلاد العربية كان من الممكن أن يكون بداية جذوة تنمو على الطريق الصحيح لولا قيام الثورة المصرية العسكرية فى مصر فى بداية الخمسينيات والتى تبعتها بلاد عربية أخرى على نفس النهج وظهر معها البلاد الملكية التى اعتمدت على النفط المتفجر بالخليج والعراق لتدخل البلاد العربية فى دوامة خلافات لم تتحقق حتى فى أسوأ عهود التفلت ..
ولأن الحكم العسكري والملكى له وجه واحد فى إهمال الفكر ودحره خوفا من عباقرته فقد عانت البلاد العربية فى هذا العهد من غياب كامل لقيادة أهل الفكر المنوط بهم رفعة الحضارات إما بالقهر الجبري وإما بالإهمال

لكن وبالتأمل فى تلك الفترة نجد بها نقاط نادرة مضيئة ولامعة من الممكن أن تتكرر بشرط أن يعرف كل فرد دوره وينجزه ..
فصفحة حرب رمضان التى اتفقت فيها الجبهات العربية وكان مشهدا أثار ولا يزال الكثير من الفزع فى قلب الغرب .. وهو الأمر الذى دعا نيكسون الرئيس الأمريكى الذى عاصرها يقول فى مذكراته
" إن العرب لن يتحدونال إتحادا كاملا ولكن الحذر كل الحذر من إتحاد مصالحهم وإلا سيتكرر ما حدث فى أكتوبر "
ومشهد المؤتمر الإسلامى العالمى الذى قاده فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود فى مصر بالاضافة إلى وجود الآلاف من أصحاب القلم والفكر الراقي ممن لم تهن عزيمتهم أمام الإهمال وأمام التغريب والإنخراط فى مذاهب بعيدة كل البعد عن أصول الحضارة العربية والاسلامية فى الشعر والأدب والفكر والعلوم
ولو وضعنا بأذهاننا قول المصطفي عليه الصلاة والسلام فى أنه يأتى على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة دينها ورأيناه حقا مع علماء أفذاذ يلتف الناس حولهم كالإمام الشعراوى والإمام الحوينى والإمام د. أحمد الكبيسي والسامرائي من العراق وأيضا محمد العوضي وعثمان الخميس من الكويت ورواد حركة الإصلاح بالسعودية والدمشقية وعدنان عرعور من لبنان وغيرهم عشرات .. سنجد أن المستحيل ممكن فقط لو أدى كل منا دوره ودور كل منا يكفي فيه أن نرمى لبنة ونلتف حول أصول حضارتنا بالاطلاع ونحييها
لا سيما وأن التجمعات والمنتديات الفكرية على شبكة الانترنت تمثل نافذة عظمى للحركة والنشاط المدنى
وكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم " فهذه بشارة مؤكده منه عليه الصلاة والسلام ولو وضعنا المبدأ الذى أرساه عليه السلام بحديثه القائل " لو قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها "
وهذا الحديث المشرف معناه أعمق مما نتصور بكثير .. معناه أننا لا ينبغى لنا اليأس من أى وجه وتحت أى ظرف .. وتأملوا معى الصحوة الضاربة فى مصر مثلا والعراق وفى غيرها وفى البرامج الهادفة التى تعوض تفاهة الفضائيات ويقف خلفها علماء ومفكرون كبار من أمثال من ذكرنا وغيرهم .. فالطريق الحقيقي لنواة حضارة جديدة يبدأ من حيث أن يؤدى كل منا واجبه فى مطالعة تاريخه والتدبر فيه والذب عن حياض حضارته التى يحاول العلمانيون وأشباههم تقليص عزمها فينا فهى كنز بالغ الثراء نستطيع منه الإنطلاق لو رمينا اليأس جانبا فيكفي الواحد منا شرف محاولته أن يكون مواطنا مسلما عربيا بحق الإسلام وبحق العروبة أما الغثاء فلابد أن نهمل ما فيه ..
والحضارة ومقاومة التخلف لا ينبت من المقاومة ضد الحكام .. لأن المشكلة مشكلة صلاح لا مشكلة سلاح .. ومشكلة فكر لا مشكلة حكم
رد مع اقتباس