عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 24-11-2011, 08:44 AM
حسن العجوز حسن العجوز غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
المشاركات: 406
افتراضي رد: تربية القرآن لجيل الإيمان ( متجدد )

ثالثا: الإعداد الروحي
ويقصد بالإعداد الروحي أن يكون الطفل جياش العواطف، ينبسط للخير ويفرح به ويحرص عليه، وينقبض عن الشرِّ ويضيق به ويفرُّ منه. ويوجِّه الإسلام عناية خاصة لتربية الرُّوح لأنها في نظره مركز الكيان البشرى ونقطة ارتكازه، والمهيمن الأكبر على حياة الإنسان، لأنها صلة الإنسان بالله:
} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ { [29- الحجر].
فالرُّوح تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها ولا طريقة عملها، هي وسيلتنا للإتصال بالله ....
وهى الطاقة التي يتصل بها الإنسان بالمجهول، بالغيب المحجوب عن الحواس، فالاستشفاف عملية من عملية الرُّوح، والحلم التنبؤي عملية من عمليات الروح، والتخاطر عن بعد ( التلباثي) كحادثة عمر الشهيرة مع سارية، حين ناداه على بعد ألوف الأميال: يا سارية الجبل!! فسمعه سارية ونجا من الكمين وانتصر، هذا التخاطر عملية من عمليات الروح. وهي كلها عمليات جليلة عظيمة باهرة معجزة. يقف الإنسان حائرًا أمامها، مبهورًا من العجب والإعجاب.
ومهمة العقيدة هى مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها. مهمتها أن تساعد الفطرة في الاهتداء إلى الله، الاهتداء الذي هو كامن في كيانها ولو حجبتها عنه الأمراض. مهمتها أن تطلق الرُّوح من إسارها لكي ترى الله.
فيعتقد الطفل أن الله الذي خلقه معه ويراه، وهو مطلع على سرِّه وعلانيته، وأنه سوف يحاسبه في يوم لا شفيع فيه ولا نصير. وأن جوارحه سوف تشهد عليه، وأن الله قد فرض عليه فرائض فلا يضيعها كالصلاة والصيام والزكاة، وإكرام الوالدين ، والإحسان إلى الجيران، وصلة الرحم.... وغيرها، .... فطريقة الإسلام في تربية الروح هي :
أن يعقد صلة دائمة بينها وبين الله، في كل لحظة وكل عمل وكل فكرة وكل شعور، ويستخدم لذلك وسائل شتى:
- فهو من ناحية يثير حساسية القلب بيد الله المبدعة في صفحة الكون، لتحس دائما بوجود الله، وقدرته المطلقة التي ليست لها حدود.
- ومن ناحية يثير حساسية القلب برقابة الله الدائمة عليه. فهو مع الإنسان أينما كان، وهو مطَّلعٌ على فؤاده، عالم بكل أسراره، وبما هو أخفى من الأسرار.
- ومن ناحية يثير في القلب وجدان التقوى والخشية الدائمة لله، ومراقبته في كل عمل وكل فكرة وكل شعور.
- ومن ناحية يثير فيه الحب لله، والتطلع الدائم إلى رضاه.
- ومن ناحية يبعث فيه الطمأنينة إلى الله في السَّرَّاء والضَّرَّاء، وتقبُّل قدره بالتسليم والرضاء. والهدف في النهاية واحد: هو وصل القلب البشري بالله.
- وحين يحسُّ بمراقبة الله الدائمة له في كل تصرف، وكل فكرة، وكل شعور، وكل هاجسة في النفس مستورة، وكل خائنة في العين خافية: ... يهتز ويرتعش، ويخِرُّ خاشعًا ويراقب الله في الصغيرة والكبيرة وفي الجهر وفي الخفاء ويراقبه وهو يعمل، يراقبه وهو يفكِّر، يراقبه وهو يحسُّ، فلا يعمل شيئًا بغير إخلاص، ولا يعمل شيئًا بقصد الشرِّ ولا يعمل شيئًا دون تمعن وتفكر، ولا يعمل مستهترًا ولا مستهينًا بالعواقب، ولا يعمل شيئًا لغير الله.
وسائل الإعداد الروحي
ويمكن أن نلخص وسائل الإعداد الروحي فيما يلى:
1. العناية بالفضائل
وذلك بإبراز قيمة الفضائل وآثارها الفردية والإجتماعية وأبرزها: العدل، والصدق، وبر الوالدين، والشجاعة والصبر، والرحمة والعفو، والأمانة والعفة، والتواضع والحلم، والصمت وكفالة اليتيم، وبرُّ الجار والإجارة، والوفاء للصديق والوفاء بالعهد، وغيرها.
وإظهار مساوئ الرذائل كالكبر، والظلم والحسد، والكذب والنفاق، والنميمة والغيبة، والبخل والبغي، والغرور والسخط، وحب الدنيا واللعن، وصحبة الأشرار وشهادة الزور، والغدر وخلف الوعد، والجدال والمراء، والرياء والعجب، والغش والتجسس، والهمز واللمز والشماتة، والزنا واللواط، وعقوق الوالدين واتباع الهوى، وقطيعة الأرحام والربا، وغيرها.
وبيان آثارها أمام الطفل بقدر ما يتسع له فهمه، وذلك بمراقبته وتعويده على الحياء والاحتشام، وأن يحبب إليه الإيثار، ويحفظه عن الصبيان الذين عُودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالطة كل من يُسمعه ما يُرغبه فيه، ويمنع من لغو الكلام وفحشه، من اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شئ من ذلك، فإن ذلك يسرى لا محالة من قرناء السوء.
ولذلك فإنَّ من الضروري أن يحبب الآباء أبناءهم في اختيار الأصدقاء الأخيار، ومزاولة أصحاب الخلق الفاضل، لأن الأطفال يحاكي بعضهم بعضاً ويتشبه كلٌّ بالآخر.
والصورة المثلى للتربية الحسنة هي ما يرويه القرآن الكريم في حديث لقمان وهو يعظ ابنه إذ يقول: } وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ { [13- لقمان]، } يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ { [19:16لقمان]
ففي هذه الآيات نرى تدرج الدعوة وأخذها بالأهم فالمهم في خطوات أو مراحل متتابعة ومتكاملة لا انفصال بينها وهي:
أولا: جانب العقيدة: متمثلا في قوله: } يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ { [13- لقمان]، } يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ { [16- لقمان].
وبعد تثبيت العقيدة واستقرارها في الضمير بعد الإيمان بالله وحده لا شريك له، واليقين بالآخرة لا ريب فيه، والثقة بعدالة الجزاء لا يفلت منه مثقال حبة من خردل. بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية.
ثانيًا ـ تطبيق العقيدة:متمثلاً في التوجه إلى الله بالصلاة وإلى الناس بالدعوة إلى الله والصبر على تكاليف الدعوة ومتابعتها التي لا بد أن تكون:
} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ { [17- لقمان].
ثالثًا ـ الجانب الأخلاقي والتربوي:ثم ينتقل إلى أدب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير، ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل:} وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ { [18، 19- لقمان].
ويوضح الإمام الغزالي كيفية العناية بهذا الجانب ] في كتابه (إحياء علوم الدين) جـ 3 ص73[ فيقول:
(مهما ظهر من الصبي خُلُقٌ جميل، وفِعْلٌ محمود، فينبغي أن يُكَرَّم عليه ويُجازى عليه بما يفرح به، ويُمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشفه، ولا يظهر له أن يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة. فعند ذلك إن عاد ثانية فينبغي أن يعاتب سرًّا ويعظم الأمر فيه. ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين، فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح، ويُسقط وَقْعَ الكلام من قلبه،
وليكن الأب حافظًا هيبة الكلام معه، فلا يوبخه إلا أحياناً، والأم تخوِّفُهُ بالأب وتزجره عن القبائح).
2. القدوة الطيبة
أن يكون الآباء أنفسهم مثلاً صالحاً لأبنائهم، فإن الأطفال من عاداتهم أن يتشبهوا بآبائهم ويحاكونهم في أقوالهم وأفعالهم، والقدوة الصالحة ما هي إلا عَرْضٌ مُجَسَّمٌ للفضائل. وإن الطفل الذي يرى والديه يهتمان بأداء الشعائر والبعد عما يخل بتعاليم الدين - مثل الكذب والغدر، والنميمة والأثرة، والبخل وغير ذلك من الصفات الذميمة - لا بد وأن يتأثر تأثرًا بالغًا بما يراه ويشاهده من والديه، وفي ذلك يقول الغزالي ]في إحيائه[:
( فأول الأمور التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابل للخير والشر جميعًا، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال رسول الله صل الله عليه وسلم :
{ كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفِطرةِ ، فأبَواهُ يُهوِّدانهِ أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه }[48])
ولكي تكتمل القدوة الطيبة لدى الطفل فإننا نحتاج إلى أن يكون الشارع والمدرسة والمجتمع على الصورة التي تُرغِّب في تنشئة ذلك الطفل عليها، فإن تربية طفل واحد على الإسلام، كتربية ألف طفل، كتربية جميع الأطفال، تحتاج إلى البيت المسلم والشارع المسلم
والمدرسة المسلمة، والمجتمع المسلم.
فما دمت لا تستطيع - ولا ينبغي لك - أن تحبس طفلك عن النزول إلى الشارع للعب أو السير والانتقال فيه؛ ولا عن الذهاب إلى المدرسة ليتعلم؛ ولا عن الاختلاط بالمجتع ومفاهيمه وعاداته وتقاليده وأنماط سلوكه، ولا عن التأثيرات الناشئة من ذلك كله؛ فلن تستطيع إذن أن تنشئ هذا الطفل كما تريد أنت، مهما كنت في بيتك على أعلى درجات المثالية في سلوكك الشخصي أو في منهجك التربوي. فإن كنا نريد إذن أن نربي أطفالنا تربية إسلامية - وذلك هو المقتضى الطبيعي لكوننا مسلمين - فلا بد أن يكون لدينا البيت المسلم والشارع المسلم
والمدرسة المسلمة والمجتمع المسلم.
ومن بديهيات المجتمع المسلم أن يكون البيت والشارع والمدرسة والمجتمع كلها سائرة في طريق واحد هو طريق الإسلام والتربية الإسلامية؛ وألاَّ يوجد الصراع بينها، مادامت كلها تنهج نهجًا واحدًا، وتستمد من معين واحد؛ وأن تتآزر جميعًا على تكوين الشخصية الإيمانية المسلمة، وتوحيد أنماط سلوك المجتمع وعاداته، وجعلها طابعًا مميزًا للمجتمع الإسلامي كله، ينعكس في السلوك الفردي لكل مسلم، كالآداب العامة، وطريقة التعامل في البيع والشراء، وآداب الزيارة، وآداب الحديث، وآداب الزوج، وآداب الأسرة، وغيرها، وإن كان هذا التوحيد العام لأنماط السلوك وعاداته لا يلغي الفوارق الذاتية بين البشر المسلمين، ولا يجعلهم نسخًا مكررة، وإنما يسمح بوجود درجات من الاختلاف؛ لأن لكل مسلم طابعه الخاص.
ومع عناية الإسلام بأن يكون البيت والشارع والمدرسة والمجتمع كلها سائرة في طريق واحد ومؤدية إلى غاية واحدة، فقد كان تركيز الإسلام الأكبر على الأسرة والبيت لأن البيت هو المحضن الذي ينشأ فيه الطفل حتى يكبر، ويلتقط منه الانطباع الأول الذي قد يؤثر فيه مدى الحياة.
وتتضح لنا عناية الإسلام بالبيت والأسرة من مراجعة تشريعات الإسلام وتنظيماته وتوجيهاته جميعًا. فأما التشريعات والتنظيمات فقد كفلت قيام الأسرة على رباط شرعي معلن قائمٌ بسم الله، وفي ذلك حفظ الأنساب، واطمئنان الأب إلى أبنائه، واطمئنان الأبناء إلى أبويهم، وذلك عنصر مهم من عناصر الاستقرار في نفس الطفل.
كما كفلت التشريعات والتنظيمات قيام الزوج بكفالة الزوجة وإراحة أعصابها من جهد الكدح من أجل لقمة الخبز،
وذلك لكي تتفرغ لمهمتها العظمى في تنشئة الأجيال.
ولئن كان الداء الذي أصاب العالم المادي هو تشغيل المرأة، وشَغَلَهَا بقضية المساواة مع الرجل، وَحَمَلَهَا على أن تستنكف التفرغ للأمومة وبناء الأجيال القادمة من البشرية، وتعدُّه حطًا من قيمتها وتضييعاً لمواهبها، وتصعيب الحياة الإقتصادية وتعقيدها ـ بخبث ـ بحيث لا يكفي فيها إيراد الرجل وحده لإقامة بيت وأسرة، لكي تُكره المرأة على العمل، أو لكي تجد المبرر الظاهري لهجر البيت والخروج للعمل، فإن المرأة العاملة المتزوجة ذات الأولاد لهي التي تصرخ مستجيرة من ذلك الجهد المهلك المضني، خاصة بعد أن تكثر مطالب الأسرة وتتعدد. ولقد كان الإسلام أرأف بها وأرحم، وأعلم باحتياجاتها واحتياجات الطفولة واحتياجات البشرية كلها وهو يضع هذه التشريعات وهذه التنظيمات.
وأما توجيهات الإسلام فهي تدعو إلى توفير أكبر قدر من الاستقرار لهذا البيت الذي ينشأ فيه الطفل، لتكون تنشئة الأطفال في أفضل وضع لهم، وفي أنسب الظروف ملائمة لنموهم السوي على الفطرة السليمة.
فهو أولاً يستثير وجدان المودة والرحمة بين الزوجين، ليكون هذا هو الرباط الأقوى الذي يربط قلب الأب وقلب الأم، فيربط معهما كيان البيت كله:
} وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ { [21- الروم].
ثم هو يوصي كلاًّ منهما بإحسان المعاملة من جانبه، والحرص على هذا الرباط من أن تنفصم عراه: } وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ { [19- النساء]
ويدعو إلى علاج كل بادرة من بوادر الخلاف قبل أن تصل إلى القطيعة: }وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا{ [34، 35- النساء].
والملحوظ في هذه التوجيهات كلها، كما هو الملحوظ في التشريعات والتنظيمات أن تكون الأمور في الوضع الأمثل بالنسبة للرجل والمرأة كليهما، ولكن من الواضح كذلك أنها تهدف إلى ما وراء الرجل والمرأة في ذاتهما. فهي تهدف - بتوفير الاستقرار النفسي والعصبي والاجتماعي والاقتصادي للرجل والمرأة - إلى تهيئة الجو الصالح للأمومة والأبوة، لتنشئة الأجيال المقبلة في أنسب وضع لهذه التنشئة وأفضل وضع.
فلا شئ ييسر التربية السليمة ويجعلها أقرب إلى إيتاء الثمرة المرجوَّة من الجو المستقر حول الطفل، والحب المرفرف حوله من خلال الأبوين، ولا شئ يفسد التربية ويجعلها أبعد عن إيتاء ثمرتها من -جو القلق العصبي والنفسي والفكري والروحي، والجو المشحون بالبغضاء والشقاق والتوتر.
ومن هنا كان حرص الإسلام الشديد على تربية الناس على نهج الإسلام، لكي يكون الآباء هم القدوة المباشرة لأبنائهم في الفترة التي ينحصر عالم الطفل فيهم، فتتكون في نفوس الأطفال ـ بالالتقاط والمحاكاة ـ تلك القيم الإسلامية بغير جهد يذكر، وينشأ في نفوسهم منذ الصغر فتكون عميقة الجذور، ثم يزيدها التعليم رسوخًا، ويزيدها المجتمع الإسلامي قوة.
فحين توجد القدوة الحسنة متمثلة في الأب المسلم والأم ذات الدين فإن كثيرًا من الجهد الذي يبذل في تنشئة الطفل على الإسلام يكون جهدًا ميسرًا وقريب الثمرة في ذات الوقت، لأن الطفل سيتشرب القيم الإسلامية من الجو المحيط به تشرُّبًا تلقائيًا، وستكون تصرفات الأم والأب أمامه في مختلف المواقف - مع بعضهما البعض ومع الآخرين - نماذج يحتذيها ويتصرف على منوالها.
ولذا فعلى الأب والأم أن يترفعا أمام أولادهما عن دنايا الأمور، وسفاسف العادات، وقبائح الأخلاق، وأن ينزِّها ألسنتهما من السباب والشتائم والكلمات النابية والقبيحة، وعن كل ما يُنْبِي عن فساد الأخلاق، لأن مسئوليتهما في هذا المجال مسئولية شاملة. ومن الأمور المسلم بها لدى علماء التربية أن الطفل يولد على الفطرة النقيَّة والطهارة والبراءة، فإذا تهيأت له التربية المنزلية الواعية، والبيئة التعليمية المؤمنة،
نشأ الولد على أخلاق فاضلة، وتربَّى تربيَّة صالحة.
والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإذا عُوِّدَ الخير وعُلِّمَه، نشأ عليه وسعد به في الدنيا والآخرة، وإن نشأ في بيت مهمل، وخالط جماعة فاسدة، فإنه سيرضع لبان الفساد ويتربى على أسوأ الأخلاق، وسرعان ما يتحول من السعادة إلى الشقاء.
http://www.fawzyabuzeid.com/news_d.php?id=169

رد مع اقتباس