عرض مشاركة واحدة
  #21  
قديم 10-05-2007, 01:34 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

جزء آخر

مدخل
----

خلال الحرب التي كانت قائمة بين اسرائيل وبين العرب في جنوب لبنان قامت بعض المنظمات الفدائية بأسر بعض الجنود الاسرائليين ومن بين تلك المنظمات : منظمة فتح الممثلة بياسر عرفات ( أبوعمار ) ومنظمة القيادة العامة - الجبهة الشعبية الممثلة بأحمد جبريل ... وكان الاسرائيليون يفاوضون منظمة فتح لتبادل الاسرى وكان يقوم بالوساطة حينها المندوب الاميركي فيليب حبيب اللبناني الاصل وتم الاتفاق بعد الوساطة بين اسرائيل وياسر عرفات أن تتم عملية تبادل الاسرى كالتالي:

1- منظمة فتح - ياسر عرفات : يقوم باطلاق سراح الاسرى الاسرائيليين أولا"
2- الطرف الاسرائيلي - بيغن : يقوم باطلاق سراح جميع الاسرى العرب الموجودين في معتقل انصار بعد أن يطلق سراح الاسرى الاسرئيليين .

قام ياسر عرفات بتسليم الاسرى الاسرائيليين المتفق عليهم للمندوب الاميركي فيليب حبيب الذي كان يكفل بأن يقوم الاسرائيليين باطلاق سراح الاسرى العرب ... ولكن هيهات ... فلم يحصل ذلك ...

وصل الاسرى الاسرائيليين الى (اسرائيل) ولم يطلق سراح أي اسير عربي ... لقد خدع الاسرائيليين اليهود ياسر عرفات وكنا قد سمعنا عن عملية الخداع هذه من اذاعات العالم ونحن داخل السجن الاسرائيلي ... وبعد فترة من عملية الخداع هذه حاول الاسرائيليين الضغط على منظمة القيادة العامة - الجبهة الشعبية الممثلة بأحمد جبريل للتفاوض معه على مبادلة الاسرى باعتبارهم كانوا قد أسروا ابن شقيقته ... فرفض ذلك ... وكان على مايبدوا أنه يخاف من عملية خداع جديدة ...

ولكي يثبت الاسرائيليين حسن نواياهم لتبادل الاسرى ... كانوا قد بدؤوا باطلاق سراح بعض الاسرى بين الحين والحين ... فأطلقوا مئات الاسرى على دفعات متتالية لاثبات حسن النوايا ... ونحن كنا من ضمن هؤلاء الاسرى ...

ان معتقل انصار كان فيه أكثر من خمسة آلاف اسير عربي ومن جنسيات مختلفة ... ولكن الاكثرية هم من الفلسطينين من التعداد ويأتي اللبنانيين في الدرجة الثانية والسوريين في الدرجة الثالثة وكان قد وصل عددهم الى مايقرب الف اسير ... وفي الدرجة الرابعة جنسيات عربية وغير عربية وهم الاقلية ...

ان عملية اطلاق سراح الاسرى لاثبات حسن النوايا من قبل (اسرائيل ) كانت قد خصصت لكل يوم جنسية عربية تطلق فيه بعض الاسرى ... وكان اليوم المخصص للسوريين هو يوم ( الاربعاء ) ...

توالت الايام وتوالى اطلاق سراح بعض الاسرى ... ففي كل يوم اربعاء كانت تتم عملية اطلاق سراح بعض الاسرى السوريين على دفعات أعدادها مابين ثلاثة وعشرة اسرى ... الا ان الدفعة الاولى كانت هي الدفعة الاكبر من حيث العدد اذ تم طلاق سراح أكثر من 200 اسير سوري ...

وعندما جاء الفرج من عند الله واطلق سراحي مع رفاقي التسعة كان هناك أكثر من مئة اسير سوري أفرج عنهم سابقا" وعلى دفعات متتالية وقد ذهبوا الى سورية ...

وهنا أعود الى سيرتي ...

فعندما دخلت الى محطة المحطات ( أم المحطات ) كان هناك اناس كثيرون في الداخل ... فاابحرت نظري في السجناء الموجودين حتى وقع نظري على وجوه أعرفها جيدا" ... صعقتني المفاجأة ...

ياالله ... ماذا أرى ... رأيت امامي أكثر من عشرون اسيرا" كانت اسرائيل قد افرجت عنهم قبلنا ...

ياالله ... لماذا هم في السجن ايضا" ...؟؟؟!!! فسلم الاسرى العشرة على العشرون الاسرى الاخرون وقبلنا بعضنا البعض ...

ان مجموع الاسرى قد أصبح الآن ثلاثون اسيرا" في هذا المهجع ولم نكن وحدنا نحن الاسرى في هذا المهجع بل كان هناك أكثر من سبعون سجينا" ...وكل سجين له تهمة ما ... وأصبح العدد الكلي للموجودين في هذا المهجع مئة سجينا" تقريبا" وقد كان يتناقص باطلاق سراح بعض السجناء ويتكاثر عند دخول بعض السجناء ...

كان أحد الاسرى قد أمضى في هذا المهجع أكثر من خمسة وأربعون يوما" ... وأنا أمضيت في هذا المهجع ثمانية وعشرون يوما" ... لماذا ...؟؟؟!!! لاأعرف ...

لقد تمنيت أن أعود الى الاسر مرة أخرى عند الاسرائيليين وأسجن سبعة عشر شهرا" ولاأسجن هنا في بلادي في هذا المهجع يوما" واجدا" ... هكذا قلت للمحقق الذي حقق معي ... !!!!!!!!!!!!!!!! وهناك مثل يقول ( احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة ) ... فتعال معي لمقارنة نكيلها في ميزان العدل :

- العدو الاسرائيلي >>> عذبني >>> لانني عدوهم
- الأخ العربي >>> عذبني >>> لأنني >>> لماذا وألف لماذا ...لا بل مليون لماذا ...؟؟؟!!!

فبأي عذا ب تتألم أكثر ... لقد كنت كطير مذبوح من الوريد الى الوريد بيد أبناء جلدتي وبدون أي ذنب ...
ان الوطن برئ منهم ولايمثلون الوطن ولن يؤثروا على محبتنا للوطن ... !!!

كان هذا المهجع كبيرا" نوعاً ما... ووصل عدد السجناء الى مئة وخمسة وثلاثون سجينا" حتى أصبحنا نتناوب على النوم وأما ارضية المهجع فكانت مفروشة (بالحرامات) العسكرية والبراغيث والقمل كان يسرح ويمرح عليها بأرتال كنا نراها بأم العين وكان عملي الدؤوب والمسلي هو تفلية ثيابي طوال اليوم من هذه الحشرات ...

زارنا مدير السجن ثلاثة مرات لكي يطمئن على راحتنا نحن الاسرى وفي كل مرة كان يزورنا يسألنا اذا كنا بحاجة لأي شيئ أو اذا كان هناك من يعتدي علينا ... فكنا نقول له بأننا نريد أدوية ومبيدات لهذه الحشرات ... ولم تأتي هذه الأدوية الا بعد مضي خمسة وعشرون يوما" كنا خلالها لانرى فيها ضوء الشمس وبحجة رش المبيدات في المهجع أخرجونا الى الشمس ...

فما أجملك ياشمس الحرية ... وماأقبحك يابلادنا العربية ...

كان هناك حمام واحد ومرحاض واحد لأكثر من مئة سجين بدون أبواب واذا أردنا أن ندخل الى الحمام فطريقه يمر عبر المرحاض الذي يشغله بعض السجناء وكنا نغتسل ونتحمم بالمياه الباردة وأما بالنسبة للتدخين فقد كنا نتسول لفافات التبغ من السجناء الذين كانوا يشترون علبة الدخان ( حمراء طويلة ) ب - 25 - ل.س وكان ثمنها حينها - 175 - ق.س ... أما صاحبنا الذي خاف على بلاده من قشرة دخان نرميها على الارض كان قد ذهب ولم يعد وأما بالنسبة لمعرفتنا الليل من النهار فقد كنا نعرفه من خلال تقديم وجبات الطعام ...

خلال فترة اقامتي في هذا المهجع خرجت مرتين للتحقيق ...

في غرفة التحقيق في المرة الاولى أجلسني المحقق وطلب لي فنجانا" من القهوة وأضافني لفافة تبغ من نوع ( مارلبورو) وقال لي : لن أسئلك أي سؤال ولكن أريد منك أن تحكي لي من يوم ولادتك الى الساعة التي دخلت فيها الى سورية ... كان المحقق مهذبا" ويتحدث معي بهدوء وبوجه بشوش وكان اصلع الرأس طيب القلب وقسمات وجه تدل على أن عمره قد تجاوز الخامسة والاربعون ...

ابتدأت في الحديث عن نفسي بأن قلت له : أنا من عائلة متوسطة الدخل وتتألف من والدي ووالدتي وتسعة اخوة واخوات ... اربعة منهم ذكور وخمسة اناث ... وأنا الولد الثاني من اخوتي ووصلت بتعليمي الى المرحلة الاعدادية واشتغلت في ( النجارة العربية ) الى عام 1982 بعد أن تركت الدراسة في عام 1979 وكنت أحب القراءة والمطالعة كثيرا" حتى أن أهلي كانوا يطفئون النور في أول الليل خوفا" منهم على (عيوني ) لكي لاأقرأ ... ولكني كنت أقرأ على ضوء ( النواسة ) من محبتي بالقراءة ... فتخيل ياسيادة المحقق ... ان رواية البؤساء لفيكتور هيجو قرأتها اربعة مرات وأنا لم أتجاوز الرابعة عشرة من عمري وكنت أتأثر بها في كل مرة أقرأها وكنت أهرب من المدرسة في بعض الاحيان لأشاهد أفلاما تعرض في دور السينما ... فرأيت أفلاما" خاصة بفلسطين مثل فيلم ( ثلاث عمليات في فلسطين ) وفيلم ( ثورة حتى النصر ) ومؤخرا فيلم ( 21 ساعة في ميونيخ ) ... ان هذه الافلام وبعض الكتب التاريخية والتي تخص فلسطين التي كنت أقرأها تأثرت بها كثيرا" لدرجة انني قررت فيها الذهاب الى لبنان لكي اتطوع مع الفدائيين ... فأخبرت أهلي بهذا القرار الذي اتخذته منفردا... ولكنهم رفضوا أن أذهب الى لبنان وأتركهم ... فلم أبالي برفضهم هذا ... فقد كنت اتخذت قراري ومصمماً على السفر الى لبنان وكان عمري في ذلك الوقت ثمانية عشر ربيعا" وثلاثة أشهر فأنا من مواليد 14 - 1 - 1964 م ...

سافرت الى لبنان بتاريخ 4- 4 -1982 وتطوعت مع الفدائية وهنا توقفت عن الحديث لأرشف قليلا" من القهوة ... وأكملت حديثي للمحقق بأن ذكرت له كيف تطوعت مع الفدائية وكيف خضت الحرب مع اسرائيل وكيف اسرت وكيف اطلق سراحي الى أن وصلت الى سورية ... ذكرت له جميع التفاصيل الكبيرة والصغيرة ولن أسردها هنا ...

انتهى فنجان القهوة وانتهى الحديث مع المحقق فصافحني وشكرني وقال لي : اذهب الى المهجع فغادرت الغرفة الى محطتي الجميلة ...

جاءت لحظة التحقيق في المرة الثانية بعد عدة ايام ... فعصبوا عيوني.. وساقوني الى محقق آخر في غرفة اخرى ... حين أذكر هذا ... أتذكر كيف كان الاسرائيليين يعصبون عيوني في كل رحلة تحقيق ...

ان تعصيب الاعين للسجناء هي طريقة من بعض الطرق التي يتبعها جميع مخابرات العالم ليرهبون بها مساجينهم ويخوفونهم ...

ادخلني عنصر الامن معصب العينين الى غرفة التحقيق وتركني في وسط الغرفة وخرج بعد أن أغلق الباب وراءه ... مرت بضع دقائق وأنا أسمع تقليب أوراق دون أن يتكلم هذا المحقق ... أعرف هذا الاسلوب من التجاهل من قبل المحقق ... فقد مر علي هكذا أسلوب خلال فترات التحقيق من قبل الاسرائيليين وكنت قد قرأت أيضا عن أساليب المخابرات ... وهذا الاسلوب أستطيع أن أشبهه بممثل وقف على خشبة المسرح أول مرة في حياته فيرتعش من الخوف وينتابه القلق ... وأما أنا فقد كنت أعتبر نفسي ممثلا قديرا ولدت على خشبة المسرح ولذلك لم أشعر بأي خوف وبالعكس تماما فقد كنت أحس بأني أنا المحقق ... وهو المحقق معه ... كنت أشعر بالاهانة فقط وأنا معصوب العينين ...

بعد ربع ساعة تقريبا من التجاهل وأنا واقف في وسط غرفة التحقيق ... قرع الباب ... ودخل أحد الاشخاص وقال: ( سيدي هادا ما هوى اللي ع مندور عليه ) قال هذا وانصرف ...

الله ... الله ... ماذا أسمع ... أعرف أن هذا الكلام الذي أرادوا أن يسمعونه لي بأنه تمثيليه يمثلونها علي ... وقلت لنفسي لهم ( على هامان يافرعون ) ... صحيح أن لي أحد الأقارب في ضيعتي متهم بأنه من حزب ( الاخوان المسلمين ) واسمه مثل اسمي ولكن اسم والدته ومواليده يختلف عن اسم والدتي ومواليدي ... وكانوا قد القوا القبض عليه في منزله في القرية وأخذوه ولم يعرف أحد مكانه بعد ذلك ... فما معنى تمثيليتهم هذه ... ألكي يلقون الخوف في نفسي ... فاذا كان هذا مقصدهم ... فهم ساذجون ... فأنا لا أخافهم أبدا ... لاني أنا هو الخوف والخوف لايخاف من نفسه ...

ها أنا أشعر بالمحقق يتململ في مقعده ويسألني باقتضاب ماهو اسمك فرددت عليه بنفس اسلوبه المقتضب ... وبدأت الاسئلة من المحقق وأنا أجاوب على أسئلته ... ولكن كان هناك سؤالا واحدا يزعجني كثيرا وقد سئلت هذا السؤال مئات المرات ... وان هذا السؤال كانوا يعرفون جوابه ... فلماذا يسئلونني اياه ؟ ... والسؤال هو ( هات احكي لنا شو جرى معك في معتقل انصار ) وهنا خطر على بالي أن أرد على هذا السؤال بكلمات فيها بعضاً من الشعر العامي فيما بعد فقلت :

لاتسألوني ع اللي جرى بانصار ... لك انتو بتعرفوا كل اللي صار
اسرائيل بشبح هتلر تزيت وقامت ... على القتل والدبح والدمار
وبتسألوني ع اللي صار
انتو بتعرفوا ... بس بتحرفوا
بتعرفوا مين اللي قتلنا وبتخبوه ... وبطعموه كل لقمة بلقمة لتغذوه
وبتسألوني ع اللي صار
غدار يا زمن غدار
ع بيموت منا كل يوم كبار وصغار ... وانتوا قاعدين ع بتفكروا وبجمعوا الافكار
وبتقولوا , نحنا , ولسه , وسوف ... واستقبلنا ( الح +++ ابن الح +++ )
وبتسألوني ع اللي صار
غدار يا زمن غدار

ان هذا المحقق كان يصرخ في وجهي مزمجرا في بعض الاحيان حينما لايعجبه جوابي على أحد أسئلته ... وما أكثر الاجوبة التي لم تعجبه وكان يقول لي بعد كل جواب مني : ( حاج تتفلسف ) وأنا أجيبه وأقول : لقد درست الفلسفة وهي صنعتي ... وكنت أقصد هنا بأن معتقل انصار الجتمعة التي تخرجت منها ...

قرع المحقق جرسا" ... ففتح الباب احدهم وقال: ( نعم سيدي ) فقال المحقق له : خذه الى المهجع وربيه في الطريق ... ..
الله ... الله ... اذا" أنا ( قليل تربية ) ... يعرف هذا المحقق بأنني ( متربي ) ولكنه كان يقصد بأنني غير خائف ولاأخاف من أحد مهما أراد أن يخوفني ... فأنا لا أخاف من قول كلمة الحق ,انا ضد المثل الذي يقول ( اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ) ...

قادني مرافقي في الممر الطويل المؤدي الى المهجع وفي الممر رأيت شابا" مصلوبا" على ( سلم ) وآثار الاسواط على جسده حفرت اخاديد من ينابيع الدم وكنت أسمع اصواتا" تصرخ هنا وهناك من آثار التعذيب ... فهل هؤلاء المعذبون مذنبون أم لا ؟ ... وحتى لو كانوا مذنبين ... لماذا التعذيب ؟ ... وأين القانون ؟... خطرت على بالي هذه الاسئلة وأنا أدخل الى المهجع ...


والى يوم آخر

وتصبحون على وطن

اخيكم الاسير محمد نعناع

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 10-05-2007 الساعة 06:46 PM
رد مع اقتباس