عرض مشاركة واحدة
  #16  
قديم 09-05-2007, 03:41 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

دمشق
قلب العروبة النابض
------------

كانت العربة ( الميكروباص ) تسير في شوارع عاصمتنا الغالية على قلوبنا ونحن ممنوعا" علينا أن نرفع رؤوسنا عاليا" فياللسخرية الموقف ... فنحن في دمشق ... التي يقال عنها بأنها عرين العرب ... ( مطئطئي ) الرؤوس ... فبئس تلك التسمية ... فبئس تلك الشعارات المرفوعة التي في ظلها يهان الانسان ... يجرد من كرامته ... يجرد من انسانيته ... آه دمشق ...


أم المحطات
فرع فلسطين
======
اخيرا" انتهت الرحلة الى ساحة من ساحات أحد أفرع الامن في دمشق ... ترجل العشرون سجينا من العربة بعد أن أمرنا بذلك وكان بانتظارنا بجانب العربة بعض عناصر الفرع ... يهينون هذا ويدغدغون ذاك ... وبعد هذه الوجبة الغذائية من الركل والاهانات ... جاء أحد عناصر الفرع وبيده ورقة فيها أسمائنا نحن الاسرى العشرة وطلب منا أن نلحق به ... فسار أمامنا وسرنا وراءه حتى دخلنا الى مبنى يدل من هيئته على أنه مبنى الكبار من الضباط والمسؤولين ...
وصلنا الى الطبقة الاولى من المبنى وكان هناك ممرا" طويلا" وعريضا" وأبواب متباعدة على الجانبين وكانت أرضية الممر نظيفة جدا" أنظف من ثيابنا التي اتسخت من بعد دخولنا الى بلادنا ... وكان هناك أمام كل باب حاوية للمهملات وكان الهدوء مخيما" في هذه الطبقة وقلما تسمع الاصوات هنا أو هناك وقلما ترى شخصا" يمر في هذا الممر ...
وصلنا الى أحد هذه الابواب بمرافقة أحد العناصر الذي طلب منا أن ننتظر في الممر حتى ينادي على اسم كل اسير بمفرده ...
دخل الاسير الاول والثاني والثالث ... ودخلت أنا الى الغرفة كما دخلها رفاقي ... كانت الغرفة عبارة عن مستودع للآمانات وكان هناك شخصا" واحدا" في الغرفة يسألنا عن الاسم والعنوان ويطلب منا أن نفرغ جيوبنا من أي شيئ تحويه من مال وأوراق ويضعها في أحد الأكياس الموجودة أمامه ... لقد أخذوا كل شيئ حتى أربطة الأحذية ... عندها عرفت من خلال أخذهم لحاجياتنا ووضعها في مستودع الأمانات بأن اقامتنا عندهم ستطول الى أن يشاء الله ويأتي الفرج ...
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ويتبادر الى ذهن كل انسان ... لماذا نسجن ؟؟؟!!!
ولا جواب يشفي غليلي أو يشفي غليل من يتسائل ...
ان عملية دخول الاسرى العشرة الى غرفة الأمانات أخذت وقتا" طويلا" ... وأما خارج الغرفة ... في ذلك الممر الطويل ... كنا قد تعبنا من طيلة الوقوف ... فجلسنا على بلاط الممر ننتظر قدرنا ...
في بعض الاحيا ن يمر أحد عناصر الفرع ونحن جالسون في الممر على الارض فيزجرنا ويأمرنا بالوقوف ويتتم ببعض الشتائم التي باتت معروفة لدينا ويذهب في حال سبيله ... فنعود للجلوس مرة اخرى ... وتكررت العملية أكثر من مرة ... ونحن في هذه المحطة... وفي هذا الممر حصلت معنا أشياء كثيرة تناقض بعضها البعض ... أشياء تضحك الانسان وتبكيه في آن واحد ...
انها ساعة التناقضات ... فهناك المشاهد الكوميدية والتراجيدية في نفس الوقت ... هناك موقف تحس فيه بأنك انسان وموقف أخر تحس فيه بأنك أقل من الحيوان ... فيأتي عنصر يحفر الارض تحت قدميك لكي يسقطك فيها من خلال الشتائم والزجر بكلمات نابيه وبعد ذلك يرفعك الى السماء عندما يعرف بأنك لست مجرما " انما اسير حرب لدى اسرائيل ...
كما أسلفت بالذكر بأننا نحن الاسرى العشرة كان لباسنا موحدا" ... كان بني اللون ولكن من كثرة الجلوس والنوم على الاراضي هنا وهناك أصبحت متسخة ومبقعة ... فهنا بقعة سوداء تحكي عن سواد قلبهم ... وهنا بقعة مختلفة الألوان تحكي عن مآساتنا التي نمر بها ... وأما أجسادنا ... فالوجه واليدين تخطهم علامات سوداء من الاوساخ ...
هكذا كان منظرنا في ذلك اليوم... وكان التاريخ يشهد بؤسنا ... ويشهد على بربريتهم ... وكان هذا اليوم هو يوم الجمعة من آواخر شهر كانون الاول من عام 1983 ... ونحن في هذا الحال من التناقضات ...
جاءنا بطل الأبطال ... جاءنا زكي الأذكياء ... جاء مخبر المخبرين ... جاء حامي الوطن ومفديه ...
ان كل هذا الوصف لعنصر من عناصر الفرع الذي جاء يعلمنا نحن الاسرى حب الوطن وكيفية حماية الوطن ... ألا يعرف بأن حب الوطن وحمايته ليست بالأقوال وانما بالأفعال ...
جاء ذلك المغوار مثله مثل غيره من رفاقه ولكنه كان فضوليا" أكثر منهم ... فشتمنا كسابقيه وهو يمر مسرعا" الا انه بنظراته الثاقبة الى لباسنا الموحد جعله يتوقف ويسأل عن جريمتنا الكبيرة التي اقترفناها ... فهل نقول له أم لا ؟ لقد مللنا من هذا السؤال ومللنا من الجواب ... فهناك العشرات من الذين سئلوننا وبعد أن يعرفون حقيقتنا يسألوننا عن المعتقل : كيف كان اليهود يعاملوكم ؟ ... هل معاملتهم قاسية ؟ ... هل عذبوكم ؟ هل ضربوكم ؟... ويقول آخر ( حكولي اش جرى في معتقل انصار ) ... نعم لقد مللنا من الاسئلة والاجوبة ولكن مالعمل فنحن مضطرون لأن نقول لهم بأننا اسرى لكي لانهان ... فلقد أصبحت كلمة ( اسير حرب ) سلاحا" ندافع به عن أنفسنا ...
ان بطل الابطال ... ذكي الاذكياء ... عنصر الامن الفضولي هذا ... مازال ينتظر الجواب وهو يشير ويستغرب لوجود عشرة أشخاص أمامه بلباس موحد ... فقلت له ياسمير : بأننا لسنا مجرمون بنظر أنفسنا على الاقل ... فقال : ماهي التهمة ... قلت له ياسمير : لايوجد أي تهمة ... فقال : اذا" لماذا أنتم موجودون هنا ... فقلت له لاأعرف ... فقال : انك تتكلم بالالغاز وأضاف : على كل حال لايوجد شخص يأتي الى هنا بدون أي تهمه ... فقلت له : اذا قلت لك ماذا جنينا فهل تفسر سبب وجودنا هنا ... قال : نعم ... قلت له : اننا اسرى حرب وقصصت عليه مقتطفات من حكايتنا وبعد ذلك قلت له : اعطني سببا" واحدا" اقتنع فيه لسبب وجودنا هنا ... فقال : لاأعرف ... هنا كان قد سمح لنا ( اخينا بالله ) بالجلوس على الارض وجلس هو القرفصاء بجانبي ... وفششت غلي بلفافة التبغ التي اشعلتها بعود الثقاب المصنع اسرائيليا" فانتبه ذكي الاذكياء للتبغ الذي ادخنه فقال : مانوع التبغ الذي تدخنه ... فقلت له : انه ( سيلون ) من صنع اسرائيل ... فقال : آارني اياه ... فأخذ العلبة يتفحصها وبعد تمعن دقيق في علبة التبغ قال : هل يملك الجميع مثل هذا التبغ قلت : نعم ... فاليهود عندما اطلقوا سراحنا صباح الأمس أعطوا لكل اسير اربعة علب من التبغ هديه منهم وأنا لم يتبقى معي سوى هذه العلبة ... فمنذ صباح الامس الى ظهر هذا اليوم كنت قد دخنت ثلاثة علب ونصف ... فقال موجها" كلامه لجميع الاسرى : (كل واحد عندو دخان يطالعوا )... فجمع علب التبغ وخطى الى حاوية المهملات وبدأ ... يدهس ويعفس علب التبغ ويرميهم في الحاوية ونحن ننظر اليه باستغراب متسائلين : لماذا يفعل ذلك ؟... فعاد الينا وقال بتعرفوا ليش كسرت الدخان) ونظرنا الى بعضنا البعض فأضاف قائلا" : ( شغلة طبيعية هلأ بدنا نترككم تروحوا على بيوتكن وعلب الدخان اللي معكن بدا تفضا وقشرة الدخان بدكم ترموها في الشارع ولما بيعدي واحد من رجال الامن ويشوف هالقشرة الغريبة ولما بيشيلها وبيقراها بيعرف انوا هالقشرة اسرائيلية) عندها سينشغل جميع أفرع الامن بهذه القشرة ... ويريدون أن يعرفوا من أين أتت هذه القشرة ... وانهم سوف يقولون بأن هناك في هذه المنطقة جاسوسا" اسرائيليا" ... وأنا باعتباري رجل أمن وحريص على أمن بلادي قمت بهذا الواجب لكي لا تشغلنا هذه القشرة واضاف قائلا" : على كل حال ان التبغ الاسرائيلي ليس صحيا وسوف نجلب لكم الدخان الوطني ....

الله ... الله ... ماهذا التقدم السريع في مخابراتنا ... حتى قشرة الدخان تشغلهم ...

فقدحت ذهني قليلا" عن هذا البطل الغيور على وطنه من اجل قشرة دخان ... كيف جاءنا مزمجرا" مهددا" في بداية الامر لايعرف بأننا اسرى وهو رجل مخابرات ... كيف قال لنا بأنهم سوف يتركوننا نذهب الى بيوتنا وهو لايعرف سبب وجودنا عندهم .. وكيف هذا الجاسوس المفترض أن يعلن عن وجوده بقشرة دخان ... فما هذا الذكاء الخارق لدى مخابراتنا وماأغبى جواسيس العدو ... ان رجال مخابراتنا مستوردون من كوكبا" آخر لايوجد مثلهم على وجه الارض ... فهم من الاذكياء ويفقهون كل شيئ ... حتى انهم يعرفون سبب وجودنا في الحياة ... ونحن من الاغبياء لانفقه أي شيئ ...

ان هذا الرجل المخابرتي قد أنار لنا طريقنا بقشرة الدخان هذه ...
وبما أني أحب وطني فأريد أن أبلغ رجال المخابرات عن بعض الجواسيس في بلادي ...
فيا رجال المخابرات : اقبضوا على اغلبية الشعب فانهم جواسيس ويخربون البلاد بفسادهم ورشاويهم وينهبون خيراتها ...

فلا يوجد فرق بين جاسوسا" اسرائيليا" جاء ليخرب بلادي وبين هذا المرتشي والفاسد الذي يخرب بلادي ...

اخيرا" انتهت محطة الانتظار بتسليم جميع الأمانات ... فطلب منا أن نلحق أحد عناصر الامن ليدلنا على المحطة القادمة ... ونزلنا الى ما تحت أحد المباني ... فلم أعرف لأي طبقة من طبقات تحت الارض وصلنا ... فها نحن قد أصبحنا من سكان تحت الارض ... ادخلونا الى غرفة فارغة واغلقوا الباب علينا ... فجلسنا على بلاط الغرفة ملتصقين بجانب بعضنا البعض لكي ندفئ أنفسنا من برد الشتاء وبعد ساعة من الزمن تقريبا" فتح الباب وأطل شخص وبيده أوراق وأقلام ووزعهم على الجميع وطلب منا أن نملي هذه الاوراق بنشرة معلومات عن سيرتنا الشخصية ففعلنا ذلك وأمرنا بالخروج من هذه الغرفة الى ممر طويل حيث وقفنا أمام عدسة تصوير لتكون الصور ذكرى لهم يتذكروننا بها ... وبعد ذلك واصلنا المسير في ذلك الممر الطويل الذي كنا نسمع فيه بعض الصراخ والعويل من هنا وهناك الى أن وصلنا الى محطة المحطات ... ففتح احدهم باب احد المهاجع أمامنا وقال : ادخلوا ... فدخلنا

نلتقي عند ام المحطات في يوم آخر ان شاء الله
و
تصبحون
على
وطن
وتحياتي للجميع
الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس