عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 06-05-2007, 10:04 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

الجزء الرابع
-------------

صعد السائق وادار المحرك ونظر الينا نحن العشرون نظرة تتطاير شررا" وقال ( ايدك على راسك ... وراسك لتحت ) ... الله ... يالله ... هل نحن مازلنا في المعتقل ... فهذة الكلمة لم انساها بعد ... فقد سمعتها من الاسرائيليين كثيرا" ... فقد كنا نجلس هذه الجلسة ساعات طوال ... وان هذه الاهانة التي كان الاسرائيليين يوجهونها لنا كنا قد حاربناهم عليها وسقط منا قتلى وجرحى حتى لم نعد نلبي أوامر الاسرائيليين ...

وها أنا في بلادي ... اسمع هذا السائق يصرخ علينا مرة اخرى ويكرر نفس الكلمات ( ايدك على راسك وراسك لتحت ) ... يالله ماهذه المفارقة ... هل يعرفنا هذا السائق ام أنه يلفظ هذه الكلمات لكل مساجينه ... هل يعرف بأننا اسرى ولا علاقة لنا بالمساجين الآخرين ... ؟! نفذنا أوامر ذلك السائق على مضض ( ايدنا على راسنا وراسنا لتحت ) ...

يارباه ... مااتعس الاوطان التي تأمر أبناءها بطئطئة رؤوسهم وما أضعف الاوطان التي تهين ابناءها ...
ان الامم الاخرى يزداد ارتفاعها في السماء ...
ونحن الامم العربية نزداد هبوطا" الى ماتحت الارض ...
فالانسان المهان في وطنه ... ليس وطنه ... ولن يستطيع أن يدافع عنه ...
فهل يعرف الحكام بما يجري لمواطنيهم ام لا يعرفوا ...
اذا كانوا يعلمون فتلك مصيبة ... واذا كانوا لا يعلمون وهنا الطامة الكبرى فالمصيبة اعظم ...
وفي كلتا الحالتين لا تأهلهم بأن يكونوا حكاما" ...

زجرنا ذلك السائق بكلمات يعجز اللسان عن قولها بما فيها من شتائم وبعد أن تأكد بأننا نفذنا أوامره ترجل من العربة وذهب لبعض شؤونه ... وكان محرك العربة يدور ولم يبقى فيها الا نحن المساجين ...

مرت لحظات علينا كأنها دهور ... ان الثواني كانت تمر ببطئ شديد ... ونحن مطئطئي الرؤوس ... فالى أين سنذهب هذه المرة ... وكيف ستكون الرحلة الجديدة ... لانعرف ... لا نعرف ...

ونحن في هذه الاثناء صعد فضولي ( ضابط فلسطيني ...؟! ) بلباسه المدني الى العربة وكان مهذبا" جدا" ... كان قد رأى بأن العشرون سجينا" ( مطئطئ ) الرؤوس فشده فضوله بأن يسأل احد رفاقي الجالسين بأول العربة فقال له : ( رفاع راسك ... شو تهمتك انتا ) ... رفع رفيقي رأسه وكان فلسطينيا" وقال بتحدي : انني مجرم ... فرد عليه الضابط قائلا : وماهي جريمتك فأجابه رفيقي : قتلت وجرحت بعض الاسرائيليين في الحرب وهذه هي جريمتي ... فصرخ الضابط قائلا : تكم ماذا فغلت ...؟! إن الضابط كان يظن أن رفيقي يستهزء ويسخر منه ... فقال رفيقي للضابط : ( أنا ع بحكي معك جد ) فأنا حاربت الاسرائيليين في جنوب لبنان واسروني سبعة عشر شهرا" وأطلقوا سراحي صباح الامس عن طريق الصليب الاحمر الدولي واستلمتني الحكومة السورية وها أنا ورفاقي العشرة بين يديك ...

صرخ الضابط بصوت قوي كأن عقربا" قد لسعه موجها" كلامه للعشرون شخص الذين امامه قائلا" : ارفعوا رؤوسكم ... انتم يجب أن ترفعوا رؤوسكم امام العالم أجمع ( مو توطوها ) ونحن نزداد شرفا" بكم وكرامة وانتم ... وانتم ....وذهب الى تلك الشعارات البراقة التي تزدان بها شوارعنا العربية ...

هذه الكلمات التي سمعناها من ذلك الضابط كانت بردا وسلاما" على نفوسنا وقد أزاحت بعض الغم والكرب الذي نحن فيه واستعدنا فيها بعض المعنويات النفسية لبعض الوقت ...

كان الاستغراب بادياً على وجه ذلك الضابط لهذه المعاملة السيئة ... فودعنا وانصرف الى حال سبيله ...

كانت الفرحة عارمة عند سماعنا كلام ذلك الضابط ... فأشرقت وجوهنا وتفائلنا بالخير ... ولكن نعرف أن اللحظات السعيدة هي قصيرة وقليلة ...

ذهب الخير وجاء الشر ... ذهبت الملائكة وجاءت الشياطين ... ذهب الضابط وجاء السائق ... صعد الى وراء مقوده ولم يكد يرانا رافعي الرؤوس حتى صرخ وهو ينعتنا ( يا .. ويا ... انتوا ما بتفهموا ... مو قلتلكن نزلوا روسكن ) فنفذنا أوامر السائق بأسرع مما كنا ننفذ أوامر الاسرائيليين ...

وهنا صعد شخصين يلبسان الثياب المدنية كمرافقين للرحلة المجهولة التي سوف نقوم بها ... ودارت عجلات العربة وبدأت بالتحرك الى المصير المجهول

والى محطة جديدة في يوم آخر
و
تصبحون
على
وطن

وتحياتي لكم جميعا

الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس