عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 06-05-2007, 03:19 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

الجزء الثالث
--------------
الزنزانة السورية
========
وفي داخل هذه الزنزانة التي تشبه الى حد ما الزنزانة الاسرائيلية ... بدأنا ننظر الى بعضنا البعض كأن لساننا يقول : لماذا نسجن .؟! وماذا فعلنا حتى نسجن .؟! ... فنحن كنا عشرة اسرى وهناك عشرة مساجين عاديين كانوا قبلنا في هذه الزنزانة فأصبح العدد عشرين شخصا" في زنزانة ( طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترا" واربعون سنتيمتر تقريبا" ) فهل يتسع لنا هذا المكان الضيق ...
رباه ... ماذا فعلنا حتى نحشر كقطيع من الغنم داخل هذه الزريبة ... ماذا فعلنا حتى نكون بين مساجين كل واحدا" منهم له تهمة ما ... فهذا مهرب مخدرات ... وذاك تهمته الشذوذ الجنسي ... وآخر غادر البلاد بطريقة غير شرعية .... ولكن لحظة يامحمد لماذا تتهم هؤلاء المساجين ... ألا يعقل أن يكونوا مظلومين مثلنا ... فقد قال احد المساجين بأنه متهما" بأشياء لاعلاقة له بها ... وهنا انبرى احد المساجين وسألني عن تهمتي ... فقلت : لاأعرف ماهي تهمتي ... فقال : وهل هناك احد يدخل الى السجن ولايعرف ماهي تهمته ... قلت له: نعم أنا ... فابتسم ... فقلت له : كل ماأعرفه هو اني كنت اسير حرب عند الاسرائيليين واليوم اطلقوا سراحي وأتيت الى سورية وشرحت له ذلك ... تعجب كثيرا" ... وقال : ان مكانكم ليس هنا في هذا السجن وانما في مكان آخر ... فقلت له : وهل هناك احد يسمعك فنحن في بلاد الصم والبكم ... ؟! خفف المساجين ببعض الكلمات عن انفسنا وأنستنا بعض الوقت ما نحن فيه ...
تلك الزنزانة الموجودة في مكان ما في مدينة دمشق ... كيف أنساها ... ففيها أحسست بأن الانسانية جمعاء كانت تهان ... هذه الزنزانة لاتستطيع أن تستوعب عشرون شخصا" ينامون فيها ... لهذا تقاسمنا الليل مع رفاقنا السجناء بالتناوب على النوم كما تقاسمنا حبات العنب ... فعشرة ينامون وعشرة يقفون ...
جاء دوري لكي انام على الارض بدون غطاء أو فراش ... ولكن من أين سيأتيني النوم وانا في قلب بلادي أحس بالبرد والجوع ... فنحن لم نذق الطعام منذ الصباح ونحن الآن في منتصف الليل تقريبا" ...
كان اعدائنا الصهاينة قبل ان يطلقوا سراحنا في صباح ذلك اليوم ... كانوا قد قدموا لنا وجبة الافطار ( وفطرنا ) قبل ان تنطلق رحلة العودة وعندما جاء وقت الغذاء عند الظهر ونحن في الطريق جاؤوا لنا بوجبة الغذاء فرفضنا أن نأكل الا في بلادنا ... فكيف انام وافكاري تتيه هنا وهناك ... كان الضياع والتشتت في كل شيئ ... وليس هناك أي جواب لأي سؤال ... لاأعرف اذا نمت في تلك اللحظات العصيبة ... هل سرقت بعض لحظات من النوم أم لا ... كل ماأتذكره أن رفيقي قد نبهني لأعطيه مكاني لكي ينام ... كان كجبل واقف ايام الحرب وايام الاسر لايركعه شيئ ... والآن ان هذا الجبل لم يعد يتحمل أكثر من ذلك فسقط وخارت قواه وغاب عن الوجود ... كان الارهاق باديا" على وجهه فأعطيته مكاني ووقفت مكانه ...
وقفت انظر اليه بعين ام تراقب وليدها و( طبطبت ) عليه لاجعله يحس بأني موجودا" بجانبه ... وضع رأسه بين أقدامي وأراد أن يفرد رجليه فلم يستطع لأن جدار الزنزانة وقف حائلا" بينه وبين ذلك ... فكيف يستطيع أن يفرد رجليه في هذا المكان الضيق ... ان الجداران المتقابلان متقاربان والمسافة التي تبعد بينهما هي مئة واربعون سنتيمتر تقريبا" ...
اننا نحن الاسرى كنا جبالا لا يركعني شيئ ... كنا نتحمل جميع انواع العذاب النفسي والجسدي في سجن اسرائيل ... ولم يأتي علينا يوم يأسنا فيه عند الاسرائيليين كاليوم الذي نحن فيه في زنزانة من زنزانات دمشق ...
كان جسدي في تلك الزنزانة وأما روحي فكانت سابحة في اللاشيئ وكان هناك كوة في اعلى جدار الزنزانة من خلالها كنت ارى النجوم وهي تسبح في السماء وكنت اتعلق بها لاذهب بعيدا" عن مآساتي ... يالله ... ماأجمل هذه النجوم التي في السماء فهي حرة طليقة ... يالله ... ماأجملك أيها الليل ... أريد أن أختبئ فيك أيها الظلام ... فمن قال أن الظلام ليس جميل ... انه في بعض الاحيان أفضل من النور ... ان الظلام معناه النوم والذهاب الى المجهول وبعدم تحمل المسؤوليات ... وأنا الآن أريد أن أهرب من كل شيئ ... أريد أن أهرب الى اللاشيئ ... في بعض الاحيان يفضل الانسان أن يكون مجذوبا" على أن يكون عاقلا" ... فيارب ... لماذا لم تخلقني مجنونا" بدون عقل ... ؟!
كنت واقفا" على قدماي الاثنتين انتظر دوري مرة اخرى لكي انام ... فأحسست باحدى قدماي بأنها لم تعد تساعدني على الوقوف ... كانت قد ( لبدت ونملت ) فرفعتها بيداي الاثنتين لاريحها قليلا" ... عندها شعر رفيقي النائم بين اقدامي ببعض فراغ عند رأسه ... فمد رأسه ووضعه مكان موضع قدمي ... فلم أعد أستطيع أن أنزل قدمي ... ان رأس رفيقي أصبح يحتل موضع قدمي ...فأمسكست رجلي بكلتا يداي لكي لا تسقط على رأس رفيقي ... وبقيت واقفا" على رجل واحدة ( مثل اللقلق ) ... وكانت تباشير الفجر تهل وتعلن ولادة يوم جديد وآذان المؤذن للصلاة ينادي الناس ... كانت هذه أول مرة منذ سبعة عشر شهرا" وعشرون يوما" أمضيتها في المعتقل اسمع فيها صوت الآذان من المآذن ... اعترف بأني في ذلك الوقت كنت لاأصلي ... والله يهدي من يشاء ... فنحن ولدنا على الفطرة مسلمين ... والتكبير بالله يعطينا قوة فائقة للتحمل والصبر ... فالله اكبر ... واشهد ان لااله الالله ... واشهد ان محمد رسول الله ...
في السادسة صباحا" تقريبا" استيقظ رفيقي ورآني اقف على رجل واحدة وعرف بأنه قد أخذ مكان موضع قدمي برأسه ... فبكى وحزن علي على وقفتي هذه ... وضممنا بعضنا البعض وتعانقنا كأننا كنا بعيدين عن بعض ...
هذه الصورة كيف انساها ...؟! ففي وطني لم يكن هناك لي موضع رجل لأضعها فيه ... فأين أنت ياوطني ...؟!
كنا نداوي جروح بعضنا البعض أنا ورفاقي ... كنا جياعا" فلم نأكل منذ صباح الامس ... فذهبنا الى التدخين عوضا" عن الطعام ...
لم يكن في الزنزانة السورية ( دورة مياه ) لنغتسل أو نقضي حاجتنا فيه ... بينما الزنزانة الاسرائيلية كان فيها شبه ( مرحاض افرنجي ) وهو عبارة عن سطل بلاستيك كبير ...
لم يكن في الزنزانة السورية أي شيئ ننام عليه أو نغطي أجسادنا به ... بينما الزنزانة الاسرائيلية كان فيها أغطية ( حرامات ) تحتنا وفوقنا ...
في الزنزانة السورية نمنا جوعى ... وهناك نمنا شبعى ...
في الزنزانة السورية كنا عشرون شخصا" ... وهناك كنا عشرة ...
ولكن لأتوقف قليلا" عن هذا السرد وعن هذه المقارنات بين هنا وهناك ... لايجوز المقارنة ...
لقد اصبحت الساعة الآن العاشرة تقريبا" ... فتح باب الزنزانة ... ونادى احدهم يقول : ( يالله طلعوا فطروا ) ... فخرجنا جميعا" ... العشرون سجينا" ... اما العشرة الاولى فهم الاسرى وكنا نلبس لباسا" موحدا" ... واما العشرة الثانية فهم المساجين الآخرين وكانت لهم مشاكلهم وصراخهم ... وعندما كان يعلو الصراخ يأتي عناصر ذلك الموقع ويهينوا الجميع بدون استثناء ...اذا" فالعشرون مهانون ونحن الاسرى من ضمن العشرون ... ان عناصر الموقع هذا لا يعرفون بأننا اسرى حرب ... وعندما كانوا يعرفون يعتذرون لنا ويتعجبون لوجودنا عندهم ... والمشكلة الكبرى انهم يأتون فرادي ... وكل منهم يشتمنا ... فنوضح له وضعنا نحن الاسرى العشرة فيعتذر ويتعجب ويذهب الى حال سبيله ...
وهكذا مرت الساعات علينا في ذلك الموقع ... يأتي عنصر ... يهيننا ... فنوضح له ... فيعتذر ويذهب ... وتواليك وهلم جرا ...
كرهنا أنفسنا لاننا اسرى ... كرهنا العالم اجمع ... فمن المسؤول عن تلك الاهانات ... هل هو العنصر ام المسؤول عن العنصر ...
لم نعد نقول بأننا اسرى ... لم نعد نتكلم عندما نهان ( كأننا من البكم ) ... كان قلبي يبكي دما" ... تحجرت الدموع في عيناي ... أريد أن أبكي ... فلم أستطع البكاء ... أين تلك الدموع الخائنة ...
هاهي مناسف الحلاوة على الارض تناديني قائلة : ( الست جوعان ... تعال وكلني ) ... نعم كنت أتضور جوعا" ولكن مابال نفسي قد شبعت وصامت ... فلم استطع أن ( آكل ) ... لقد شبعت نفسي من الاهانات ...
مد رفيقي يده وقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وأجبرني على أن آخذ لقمة وآكلها ... فحمدت الله على هذه النعمة ورجعت الى الوراء وأنا أمد يدي على علبة التبغ الاسرائيلية الصنع وأشعلت لفافة القمتها في فمي ... فقدم لي احد رفاقي كوب من الشاي وهو ينظر الي ويقول : ( اشبك ماخربت الدنيا ... معلش ... معلش ) كان رفيقي هذا يعرف بأني كنت حساسا" وشفافا" جدا" ... يعرف بأن الكلام والقول يؤثر بنفسي أكثر من ألف مدفع ...
فماتت نفسي في نفسي ... لقد قتلوني في داخلي ... لقد نحروني بدون سبب ... فمن المسؤول عن ذلك ...
انتهت وجبة الافطار العربية ودخلنا الى مقصورتنا الجميلة الرحبة ننتظر اللاشيئ ... ننتظر المجهول ... ننتظر الانتظار ... وبعد فترة وجيزة من الوقت لاأعرف تحديدها بالضبط ... فتح باب الزنزانة ... وطلب منا الخروج حالما نسمع اسمائنا ... فبدأت الاسماء تتلى واصحابها يخرجون ... حتى خرجنا جميعا" ... جميع العشرون ... وتجمعنا في ساحة ذلك المبنى ... وكان هناك غرفة صغيرة مسبقة الصنع بجانب ذلك المبنى ... وكنا نزور هذه الغرفة ( البراكة ) كل فرد بمفرده وعندما تنتهي هذه الزيارة نصعد الى ( ميكرو باص ) كان بانتظارنا ...
جاء دوري فدخلت تلك ( البراكة ) وكان هناك ضابطا" وعلى كتفيه بعض النجوم ... فسألني عن اسمي وعنواني ... وهنا كانت قد توقفت الحياة عندي للحظات قصيرة ... كنت اتذكر بها اسمي ... فلم أعد أتذكر من أنا وما هو اسمي ... فصرخ الضابط وقال : ( ما بتعرف شو هو اسمك ) ) ... وأنا لاأجيبه على سؤاله ... لاني كنت قد نسيت اسمي ...؟! فزجرني بكلمات قاسية وأضاف قائلا : ( شو انتا ما بتسمع ولاك ) ...
آه ... لو يعرف ما كان في داخلي تلك اللحظات ذلك الضابط ... كنت كغريقا" في بحر ولا أعرف العوم ... كنت ضائعا وتائها" ... كنت كمن يهرب ويفر من جلده ... كنت قد نسيت اسمي ... أردت أن أصرخ فخانتني حنجرتي ... أردت أن أبكي ... وما أكثر المواقفى التي أردت فيها أن أبكي ... حتى الدمع كان كأنه يعاندني ... كان قد تحجر في عيوني ... ان البياض الذي في عيني قد أصبح احمرا" بلون الدم من السهر والتعب والارهاق ...
كنت قد أمضيت ليلة في المعتقل لم أنم فيها من فرحتي بأنه سوف يطلق سراحي وأمضيت ليلة ثانية في زنزانة الصهاينة لم أنم فيها مع رفاقي كنا نغني ونرقص مبتهجين لاطلاق سراحنا ... وأمضيت ليلة ثالثة في زنزانة بلادي لم أنم فيها من القهر والحزن والجوع والبرد ولأنه أيضا" لم يكن هناك مكان للنوم بالاصل ... فثلاثة ليالي لم أنم فيها ... فكيف تصبح لون عيوني ... كل هذا وأنا واقف امام هذا الضابط الذي يريد مني ان أقول له ( ماهو اسمي ) ... هو ايضا" لايعرف بأنني كنت اسير حرب لدى الاسرائيليين ... وصرخ مرة اخرى وقال : ( بعدين معك ولاك ) ... حينها كنت قد رجعت من هروبي الكبير ... حينها رجعت لي ذاكرتي ... فسميت له اسمي وعنواني ... فطلب مني أن أبصم على أوراق كانت أمامه ... فمددت يدي اليمين قفال لي : ( مكسورتك التانية ولاك حمار ) ... فاعطيته مكسورتي اليسرى ليصبغها بتلك الاصباغ وعندما انتهى من ذلك قال لي : ( انقلع ورا رفئاتك ) فانقلعت وراء رفاقي الى الميكرو باص ... أخذت مكاني على مقعد في تللك العربة ... وكان كل رفاقي جالسون ... رفاقي العشرون ... العشرة الاسرى ... والعشرة المساجين ...

والى محطة جديدة في يوم آخر
و
تصبحون
على
وطن

وتحياتي لكم جميعا
الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس