عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 29-01-2017, 07:54 PM
الدكتور علي سكيف الدكتور علي سكيف غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 9
افتراضي القسم الثاني من موجز لقصة موسى

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الدكتور علي سكيف مشاهدة المشاركة
إ
لى كافّة المتلهِّفين لمعرفة أسباب النكبة الفلسطينية أقدّم لهم : موجز لقصَّة مُوسى  الحقيقية: كما بيَّنتها آخر الاكتشافات الأثرية الحديثة !!! بعيداً عن الذي توارثناه من أعداء الأمَّة العربية.
القسم الأول
أقول: إنَّ قصَّة مُوسى  ، التي استحوذت على القسم الوافر من آيات القُرآن الكريم ، نظراً لأهميَّتها في تاريخ الأمَّة العربيَّة ، وفي نفس الوقت لما تَضمَّنته من معلومات تاريخيَّة وعلمية غاية في الأهمِّيَّة ، ولكون النبيَّ والرسول مُوسى  عاصر نهاية (أكبر وأهَم حضارة عرفتها الجزيرة العربيَّة) (العصر الذّهبي) للحضارة العربيَّة القديمة (المعينيّة الأولى). وكذلك بداية صراع جدِّي وحقيقي بين العرب المسلمين المُؤمنين المُوحِّدين ، والأعراب سكّان الجبال الذين هُم من نسل المخلوقات المنحطَّة و(اليهود) المتطرِّفين والعدوانيّين والمجرمين التكفيريّين - ومن لّفَّ لفّهم - من المُنتفعين من الدّيانات الوَثَنيَّة من ملوك ورجال دِين.
ملاحظة: حينما أذكر اسم (اليهود)؛ فأنا لا أقصد "الموسويين" من أتباع موسى, الذين تعرَّضَ أجدادهم الأوائل, إلى مؤامرات ومصاعب ودسائس بعد وفاة موسى , سواء من الداخل أو من الخارج ؛ لم يتَعَرَّض لها أيّ أتباع نبيّ أو رسول مدى التاريخ.
ـ إنَّ المُتتبِّع لقصَّة مُوسى  في القُرآن الكريم ، يَجد بأنَّ الله قد قصَّها علينا بشكل مُتفَرِّق خلافاً لقصَّة يُوسُف  التي جاءت كاملة تقريباً في سُورة واحدة, أو مثل قصَّة أصحاب الكهف . فهل من حكمة يبتغيها الله نتيجة هذا السَّرْد الذي جاء في عدد من سور القُرآن الكريم.؟
أقول: إنَّ ظُهُور مُوسى  في تلك الفترة من التّاريخ العربي القديم ، كان بمثابة مُنعطف كبير في تاريخ الأمَّة العربيَّة ، هذه الأمَّة الموجودة على هذه الأرض التي اختارها الله لتكون أرضاً مُباركة في رُسُلها وأنبيائها وأنسها ، مركزاً يُشعُّ منه نُور الهداية والعلم والمعرفة والسّلام إلى كافَّة المخلوقات الموجودة على هذا الكوكب ، وكان اختيار الله لهذا النّبي العربي العظيم في تلك المرحلة من التاريخ العربي القديم, بعدَ أن وصل الظُّلم والاستبداد والطُّغيان من قبل (سكَّان الجبال) – الفراعنة - حدَّه الأقصى ، ولتكون البداية في نشر ديانة التوحيد الإسلاميَّة, انطلاقاً من الأرض المباركة للعالمين. ومن أجل رفع راية النُّور والإفصاح والهداية ، وتخليص الضُّعفاء البُسطاء المُسالمين, من عبادة المُلُوك والفراعنة ، وفرض المُساواة بين الحاكم والمحكوم ، ووضع قوانين ونُظُم جديدة تشدُّ في عضد المخلوقات (المُسلِمَة) من (بني إسرائيل). وقبل البدء بالشرح الموجز لقصّة نبيَّ الله موسى, رأيت من الضروري, التذكير فيما قلته سابقاً عن المقصود بـ(إسرائيل) و (بني إسرائيل) و (اليهود). * - إسرائيل: هو نبيٌّ من ذريِّة (آدم الأوَّل)؛ "شبيه به" كان يدعو إلى (الإسلام) والاعتراف بوجود الله . وعليه فإنَّ كلَّ مخلوق بشريٍّ يُسَلِّم ويعترف بوجود الله, فهو من (بنيه) أي من (بني إسرائيل). وليس للنبي يعقوب أيّ صلة أو علاقة في هذه التسمية. * - اليهود : كلمة تدل على قوم اتَّخذوا في حياتهم منهجاً - متطرفاً منغلقاً على أنفسهم ضد الحق والخير- وأخلدوا إلى الأرض وتشبثوا بالملذّات والشهوات، وأنكروا وجود اليوم الآخر . ومن هذا الوجه ؛ صارت كلمة (يهودي) ؛ شتيمة ومذمَّة بحد ذاتها ؛ تُطلق على كل من اتّصف بـ (التطرّف والانغلاق والعدوانيّة). ولم يكن لهم أيّ نبيّ أو رسول أو كتاب مقدَّس أو مكان وزمان مُحَدَّدين.
ـ إنَّ المعلومات المُكتشفة من الأوابد والكتابات والرُّسُوم الصّخريَّة الموجودة في المملكة العربيَّة السُّعُوديَّة وجنوب الأردن, رَغمَ قِلَّتها بسبَب تقاعس الباحثين والمؤرّخين العرب في دراسة تاريخهم القديم ، والمعلومات التي توَّصَّل إليها بعض المستشرقين الغربيين الحياديين ، بالإضافة إلى المعلومات المُستوحاة من الكتابة والرُّسُومات الموجودة على وجهَيْ قطعتي النقد السابقتين ، والمعلومات التّاريخيَّة الدّقيقة الهامَّة التي بيَّنتها آيات (القُرآن الكريم) من خلال سرد قصَّة مُوسى.
لو جمعنا كُلَّ هذه المعلومات من مُنطلق بحث جديد لقصَّة مُوسى  لحصلنا على تفاسير حديثة مُوثَّقة بأُسلُوب علمي مُعاصر, بعيداً عن الأساطير والخُرافات والمعلومات المزَوَّرة والمحرَّفة التي توارثناها منذ أكثر من (1400) عام مَضَت. تقودنا إلى ما يلي:
أ ـ منذ أوائل الألف الثالث قبل الميلاد, نشأة نواة حضارة من بعض المهاجرين من بلاد الرافدين بعدَ عبورهم نهري – دجلة والفرات – إلى منطقة تقع شمال غرب المملكة العربيَّة السعوديّة وجنوب الأردن حالياً أُطلِقَ عليها اسم "(الحجر)" وفاقاً لما تُشير إليه الوثائق التاريخيّة الموثَّقة.
ب – نظراً للموقع الاستراتيجي لتلك المنطقة التي تَقَع على مسار القوافل المتجهة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس ، كوَّن هذا التجمَّع بعد مئات من السنين ، دولةً بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى أطلَقَوا على عاصمتهم اسم (مَعان). حيث كان يُقيم فيها الملك وحاشيته والمرافق الرئيسية التابعة لهذه الدولة.
ج – في أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد, وتقريباً حوالي (2000 – 1950) ق. م. هاجر إلى المنطقة المحيطة بالعاصمة (معان) نبيَّ الله إبراهيم مع ابن عمّه لوط . حيث بعد إقامته واستقراره وبوحي من الله "اكتشفَ أوَّل أبجديَّة عربيّة" فأهداها إلى الملك المعاصر له ومن هذه المنطقة انتشرت الكتابة الأبجديّة العربيّة التي نَزَلَت بها كافَّة الكتب والصحف والمزامير المقدَّسة.
د – في تلك المنطقة أنجبَ نبيِّ الله إبراهيم  ولديه (إسماعيل وإسحق)  حيث أمَره تعالى في الذهاب إلى مَكَّة مع ولده إسماعيل  من زوجته هاجر العربية (المعينية). ليضع حجَرَ الأساس للبيت العتيق. ومن ثمَّ عودته للإقامة مع ولده إسحق في مكان إقامته الأصلي.
هـ - من ولد إبراهيم إسحق  أَنجَبَ نبيَّ الله يعقوب  الذي أنجَب إحدى عَشِرَ ولداً من ضمنهم – النبي يوسف  حوالي (1850- 1900) ق. م تقريباً. الذي ألقوه إخوته في بئر يقع جنوب العاصمة (معان). فالتقطه بعض التجار الذاهبين من جنوب الجزيرة العربيَّة إلى الشمال ، وهذا بالتالي يَفرِض عليهم المرور في مدينة (معان) عاصمة الدولة المعينيّة الأولى , حيث باعوه إلى أحد المسؤولين في الدولة, ولحكمة وتدبير من الله انتهى المطاف بأن يشغلَ منصباً كبيراً في هذه الدولة ، وهذا الذي اضطَرّه إلى استدعاء عائلته التي كانت تُقيم مكان إقامة جدّهم إبراهيم لتُقيمَ معه في عاصمة هذه الدولة (معان) وليصبحوا جزأً لا يتجزَّأ من رعايا تلك الدولة.
و – بعدَ ما يقارب من (550 – 600) عام من وفاة نبيَّ الله يوسف وقُبيل ولادة مُوسى  بأعوام قليلة. استولى العاديُّون (قوم عاد) (الفراعنة) المتواجدون في الجبال القريبة من الدولة (المعينيَّة) على مقاليد الحُكم للدّولة (المعينيَّة الأولى). بعد وصول هذه الدولة إلى الذروة في - الغنى والترف والبَطَر - الذي أدَّى إلى خور عزائم سكّانها وعدم القدرة على الوقوف في وجه الغزاة الطامعين, وساء صباح المُنْذَرين .وهذا بدوره أدّى إلى هروب الأسرة الحاكمة مع الحاشية المحيطة بها إلى جنوب الجزيرة العربيّة, وتموضعهم في منطقة أُطلقَوا عليها اسم (معين) تيمنناً بعاصمتهم الأصلية (معان). وشكّلوا نواة حضارة جديدة لجأَ إليها بعد ذلك بعض الناجين من الكارثة التي حلَّت في الدولة (المعينية الأولى) بعدَ هروب موسى ومن رافقه إلى سيناء.
ز ـ بعدَ وصول ظلم المحتَلّين الأعراب (الفراعنة)؛ حدَّه الأقصى, جاء اختيار الله للنبي مُوسى  ليكون أوَّلَ نبيَّ ورسول عربيّ - مكلَّف بنشر ديانة التوحيد الإسلامي – انطلاقاً من الأرض المباركة في فلسطين . رافق هذا التكليف نُزُول أوَّل كتاب سماوي بالّلغة والأبجدية العربية (الثمودية) المتطوِّرة من الأبجدية العربية التي اكتشفها نبيَّ الله (إبراهيم)  أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد. والتي كانت منتشرة ً في الحضارة (المعينية الأولى) .أطلق الله عليه اسم (التّوراة – والْكِتَابَ – والْأَلْوَاحِ - والْفُرْقَانَ). وهذا ما أشارة إليه كما قلت سابقاً الآية: (إنْ هذا لَفي الصُحُفِ الأولى * صُحف إبراهيم وموسى).
ومن هذا الواقع سنبدأ في شرح موجز لقصَّة موسى  . - ونظراً لأهميَّة اسم (مصر) في قصَّة موسى : لنطَّلع على ما جاء في مؤلَّفات بعض المستشرقين الغربيِّين حول موقع (مصر) الذي جاء ذكرها في الكتب المقدَّسة.
إنَّ موقع مصر أشار إليه كُلٌّ من المستشرقَين (شرادر) و(ونكلر). إذ قالا(1): (وقد أثارت (معن مصرن) (معين مصران) جَدَلاً شديداً بين العُلماء ، ولا سيَّما عُلماء التّوراة ، فذهب بعضهم إلى أنَّ (مِصر) (مِصرايم) (mazrim) الواردة في التّوراة ليس مصر المعروفة التي يرويها نهر النّيل ، بل أُريدَ بها (معين مصران) ، وهُو موقع تُمثِّله (معان) في الأردن في الزّمن الحاضر ، وأنَّ لفظة (بَرعو) ، التي ترد في التّوراة أيضاً لقب لمُلُوك مصر، والتي تُقابلها لفظة (فرعون) في عربيَّتنا ، لا يُراد بها فراعنة مصر، بل حُكَّام (معين مصران) ، وأنَّ عبارة (هاكريم مصريت) Hagar Ham Mizrith بمعنى (هاجر المصريَّة) ، لا يعني (هاجر) من مصر المعروفة ، بل من مصر العربيَّة ؛ أيْ من هذه المُقاطعة التي تتحدَّث عنها (معن مصرن)، وأنَّ القَصَص الواردة في التّوراة عن (مصر) وعن (فرعون) ، هُو قَصَص يخصُّ هذه المُقاطعة العربيَّة ، ومَلكها العربي. وقالت هذه الجمهرة: إنَّ ما ورد في النُّصُوص الآشوريَّة من ذكْر (Mazri) لا يعني ـ أيضاً ـ مصر المعروفة ، بل مصر العربيَّة ، وأنَّ ما جاء في نصِّ (تفلا تبلسر) الثّالث الذي يعود عهده إلى حوالي سنة (734ق.م) من أنَّه عيَّن عَرباً Arulu واسمه (أربَئيل) (أرب أل) حاكماً على مصري ، ولا يعني أنَّه عيَّنه حاكماً على (مصر الإفريقيَّة) المعروفة ، بل على هذه المُقاطعة العربيَّة التي تقع شمال (نخل مصري) ؛ أيْ (وادي مصر). ويرى (وينكلر) أنَّ (سَبعة) الذي عيَّنَهُ (تفلا تبلسر) سنة (725ق.م) على مصري ، الذي عيَّنه (سرجون) قائداً على هذه المُقاطعة ، إنَّما عُيِّن على أرض (مصر) العربيَّة ، ولم يُعيَّن على (مصر) الإفريقيَّة. وقد ورد في أخبار (سرجون) أنَّ من جُملة مَنْ دفع الجزية إليه (برعو) ، وقد نُعتَ في نصِّ (سرجون) بـ (برع شارومت مصري) ؛ أيْ (برع ملك أرض مصر) ، وَوَرد ذكْر (برعو) هذا في ثورة (اسدود) التي قامت سنة (711 ق.م) ، وورد ذكر (مصري) في أخبار (سنجرب) ملك آشور ، فإنَّ ملك (مصري) ، وملك (ملخه) قد قامت بمُساعدة اليهود ضدَّ (سنحريب) ، وذلك عام (700ق.م) ، وقد انتصر (سنحريب). ويرى (ونكلر) أنَّ كُلَّ ما ورد في النُّصُوص الآشوريَّة عن (مصري) مثل (شران مت مصري) ؛ أيْ (مُلُوك أرض مصر) إنَّما قُصد به هذه المُقاطعة العربيَّة).
ملاحظة «إنَّ الذي يهمُّنا من كلام ونكلر وشرادر هُو بقاء اسم مصر القديم الذي كان يُطلق عليها قبل مُوسى ويعقوب وإبراهيم  » في ذاكرة شعب بلاد الرَّافدَيْن .
ـ إضافة إلى تحديد موقع مصر الذي بيَّنته سابقاً في قصَّة يُوسُف ، فلقد أشارت الآيات في القُرآن الكريم إلى موقع مصر التي وُلِدَ فيها مُوسى  ، تارةً بشكل مُباشر ، وأخرى بشكل غير مُباشر.
الإشارة الأُولى: وهي البداية بعد أن بلغ ظلم فرعون الذُبى, وأعطى أوامره بقتل جميع الأطفال الذكور من رعايا الدولة المعينيّة الأولى (مصر) الجزيرة العربية. فبعد ولادة موسى  في بيت قريب من قصر فرعون. وضعته أمّه في صندوق صغير وألقته في نهر يمرّ بالقرب من قصر فرعون. ولحكمة أرادها الله التقط الصندوق جماعة من حاشية فرعون, فأخذه إلى زوجته , وحسب اعتقادي؛ "أنَّ الزوجة كانت من رعايا الدولة المعينية" وليست من قوم فرعون. والذي يبدوا بأنَّ الله دبَّ في قلب هذه الزوجة الحنان والعطف والمحبَّة, فأرسلت في طلب مرضعة له, وكانت أخته التي كانت تراقبه أثناء سيره في النهر إحدى المسؤولين فأرشدتهم إلى أمّه وهذا ما أعلمنا عنه تعالى من خلال قوله (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) الآية (7) سورة القصص - في هذه الآية معلومة في غاية الأهميّة إذا جمعناها مع ما جاء في آيات أخرى للتأكيد من مصر هي (مصر الجزيرة العربية) وليست الواقعة في شمال إفريقية. فلو كان النّهر الذي اُلقي به الصندوق وفيه موسى الرضيع, هُو نهر النّيل الموجود في مصر العربيَّة الإفريقيَّة, لتعذَّر التقاطه من ماء هذا النّهر الواسع ، ولتعذَّر على أُخته مُتابعته أثناء سيره على سطح المياه. فهنالكَ آيات أخرى تُشير إلى وُجُود أكثر من نهر في تلكَ المنطقة، وليس نهراً واحداً، وهي من الأنهر الصّغيرة ، ولا ترتقي إلى مُستوى نهر النّيل الكبير، وهذا ما بيَّنته الآيات في قوله تعالى وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الآية (51) سُورة الزُّخرف.
وهذا يعني بأنَّ أمّ موسى  ألقته بأحد الأنهر الصغيرة التي كانت تحيط بقصر فرعون والقريب من مكان بيتها التي كانت تُقيم فيه. كما أنَّ هنالكَ آيات أخرى تؤكِّد وجود هذه الأنهر الصغيرة في تلكَ المنطقة, وهذا ما تُشير إليه الآيات التالية.
قال تعالى بعد نجاة موسى وغرق فرعون (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ(الآية (25 ـ 28) سُورة الدّخان. وقال أيضاً: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) الآية (57 ـ 59) سُورة الشُّعراء. فالمقصود بـ(العيون التي جاءت في كلتا الآيتين ؛ إلى الأنهر الصغيرة التي تنشأ من مياه العيون!! فهل من مدَّكر ؟؟
الإشارة الثّانية: حينما خرج مُوسى  إلى المدينة ، فوجد فيها رجلَيْن يقتتلان ؛ هذا من شيعته ، ويعني عربي (مَعيني) ، والآخر من عدوِّه ، ويعني (من قوم عاد) سكان الجبال الذين استولوا على الحُكْم قُبيل ولادة مُوسى ، بيَّنه تعالى في قولهوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(الآية (15) سُورة القَصَص.
فبعد أنَّ وكز مُوسى الذي من قوم (فرعون) فقَتَلَهُ ، جاءه رَجُلٌ من بقايا المؤمنين بديانة التوحيد التي دعا إليها يوسف من قبل, فقال له: أخرج من مصر ، إنِّي لك من النّاصحين ، فخرج مُوسى من مصر ، وتوجَّه تلقاء مَدْيَن. ومَدْيَن تقع على السّاحل الشّرقي لبحر القلزم (الأحمر) فوقَ مكَّة. وهذا ما تعنيه الآية التالية من قوله تعالى:
)فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ( الآية (21 - 22) سُورة القَصَص. وبالتالي: إنَّ زيارة مُوسى إلى فرعون تكرَّرت مراراً بعد أنَّ كلَّمه الله من وراء الحجاب في الوادي المقدَّس الموجود في مَديَن، وبعد أنْ طلب منه تعالى بالذّهاب إليه ودعوته إلى الإيمان بالإله الواحد. وهذا ما تشير إليه عديد من الآيات منها قوله تعالاذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) الآية (24) سورة طه (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) الآية (42-44) سورة طه
فلو كانت مصر العربيَّة الإفريقيَّة هي مقرُّ فرعون مُوسى ، فكم من الوقت يا ترى يستغرق الوُصُول إلى مقر فرعون والعودة منها إلى مَدْيَن ؛ حيثُ كان يقيم مُوسى مع زوجته وعائلته..؟
أعتقد بأنَّها نفس الاستحالة التي توصَّلنا إليها في قصَّة يُوسُف بل هي أكثر استحالة. الإشارة الثّالثة: أعلمتنا الآيات الكريمة إلى - وُقُوع كوارث كبيرة جداً – في تلكَ المنطقة ومن ضمنها خُسُوف للأراضين التي كانت عليها الدولة المعينيّة في (معان) ؛ حتّى أنَّها شملت الأراضين الواقعة شمال مَديَن التي كانت تقع على رأس بحر القلزم (الأحمر) ؛ كما تشير إلى ذلك الخرائط القديمة للجزيرة العربية ، وما تشكُّل خليجي (العقبة والسويس) الموجودين حالياً إلّا من نتائج هذا الخسوف ؛ وهو المقصود بـ(ملتقى البحرين) في قصَّة موسى. قال تعالى( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) الآية (60) سورة الكهف. فالمقصود في هذه الآية (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) هما خليجي العقبة والسويس حالياً.
أمَّا الخسوف الذي حصَّلَ في المنطقة التي نشأت فيها دَولة معين, وعلى وجه التحديد عاصمة الدولة المعينيّة (معان) القديمة التي كان يقيم فيها الأثرياء وأصحاب الأعمال الكبار ومن ضمنهم قارون, الذي كان من أثرى أثرياء الدولة ، أشارت إليه الآية التالية في قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ) الآية (81) سُورة القَصَص.
(فهل يُعقل أنْ يُخسَف بيت واحد) ، في كارثة شَملت مُعظم المنطقة كما تُشير آيات أُخرى سنأتي عليها، وكذلك الدّراسات الجَغرافيَّة والجيُولُوجيَّة التي لم تُستكمل بعد. أقول: لو أنَّ هذا الخُسُوف كان قد حصل بأرض مصر العربيَّة الإفريقيَّة. فما هي النّتائج التي كانت ستترتَّب على مثل هكذا كارثة..؟
قبل كُلِّ شيء ؛ اندثار الأهرامات وتمثال أبي الهول ، والكثير من الآثار التي نكتشفها الآن ، والتي تعود إلى نفس الحقبة من الزّمن ؛ حيثُ كان يعيش فرعون مصر الأفريقيّة ، كما أنَّه سيُؤدِّي إلى طوفان نهر النّيل ، وبالتّالي ؛ سَتَغرق مُعظم الأراضي الواقعة شمال مصر العربية الأفريقيّة.
أما بالنسبة إلى هول الكارثة التي وقعت في الأرض الواقعة شمال مَدْيَن انتهاءً بجنوب سيناء بعد وصول موسى  برَّ الأمان. فقد أشارة إليها آيات القرآن العظيم بشكل إعجازي لا يدركه إلَّا ذو عقل سليم.
فالذي يَتَمَعَّن في مضمون الآيات الخاصّة بقصّة موسى  مجتمعةً, يصل إلى نتيجة هامّة أغفلها معظم المفسرين والمحَلِّلِين مفادها التالي: 1 – كانت الأرض التي مشى عليها موسى ومن ثمَّ فرعون, بدأَ من شمال (مَديَن) وصولاً لجنوب سيناء ؛ أرضاً يابسة وليست بحراً.
2 – بعدَ وصول موسى إلى جنوب سيناء بدأَ الخسوف الأوَّل للأرض (في جنوب سيناء وعلى طرفيها – الشرقي والغربي – وظهرت الحمم من باطن الأرض لتحرق كلّ من كان على سطحها. 3 – تبع هذا الخسوف, خسوف في شرق وغرب الأرض التي كان عليها فرعون وجيشه قبل وصول الماء إليها, وظهرت الحمم من باطن الأرض لتحرق كلّ من كان على سطحها. 4 – بعد الخسوفين السابقين بدأَ الخسوف شمال مَدين التي كانت تقع على رأس بحر (القلزم) (الأحمر) وبدأَ معه الماء يَملأ بالتَدْريج الأرض المخسوفة, إلى أنْ وصل إلى جنوب سيناء وأطراف الأرض التي خُسِفَت سابقاً. 5 – حوصر فرعون وجيشه من الجهات الأربع, فكان إذا ذهب شمالاً يجد الحمم تظهر من باطن الأرض, وكذلكَ شرقاً وغرباً, فيَتّجه جنوباً فيجد الماء الذي يملأ مكان الخسوف , وبقي على هذا الحال إلى أنْ وصله الماء فغرقَ ومات غرقاً. فالذي ذكرته ليس من الخيال أو الأحلام , وإنَّما مَمّا استوحيته من الآيات العظيمة ومنها قوله تعالى: تعالى فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). الآية (45-46) سورة غافر. فَقَوله تعالى (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)؛ لا يُقْصَد بها نار جهَّنَّم عند البعث بعد الموت ، وإنَّما هي إشارة إلى انشقاق الأرض وظهور الحمّم من باطنها لتحرق كلّ مَن على ظهرها قبل وصول الماء إليها لملء الفراغ وإطفاء هذه الحمَم كما ذكرت سابقاً. أما مصير فرعون الذي مات غرقاً في نهاية المطاف وهذا ما أعلمنا عنه تعالى من خلال قوله (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) الآية (92) سورة يونس. فهذه الآية وما تعنيه في الحقيقة, هوَ تأييد لما ذهبت إليه سابقاً عن الخسوف الذي وَقَعَ في عاصمة الدولة المعينية الأولى. حيث كان قارون, لأنَّ فرعون لو بقي في (معان) لكان مصيره كمصير قارون الذي ابتلعته الأرض ولم يبق له أيّ وجود أو أثر على سطحها.
وبعد أن قرَّرَ موسى  الهروب معَ من أسلَم (اعترف بوجود الله) معه, مُتَّجهينَ شمالاً, من مدينة مَديَن, التي كانت تَقَع على رأس بحر (القلزم) – الأحمر – حالياً. وكان معظمهم قَد نَخَرَت عظامهم البِطْنَة ومَلَذَّات الحياة. ولكنَّ خَوفهم من الموت على يد فرعون وجيشه دبَّ فيهم شيئاً من الحيّويَّة لمتابعة السير وتحمّل المشقَّة ، والذي يبدو أنَّ فرعون قد قرَّرَ الّلحاق بهم والقضاء عليهم, مستخدماً العربات والخيول التي أثارت ظلالةً من الأتربة فشاهدها أتباع موسى عن بعد, فطَلَبوا منه الإسراع في الخطى الذي كان مرتبطاً بسرعة حركة الأفعى التي كانت تسير في مقدّمة القافلة ، وهُو ما أعلمنا به تعالى في قوله :
(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) سُورة الشُّعراء الآية (61 ـ 62). وهي إشارة ضمنيّة, لتوجيهات الله إلى موسى, بأنْ يَتْبَع الأفعى أينما تسير, لأنَّ تعالى زوَّدها بجهاز الاستشعار عن بعد, وتشعر بالخطر القادم جرَّاء خسوف الأرض قبل حدوثه. فما كان من موسى إلّا أن يَضربَ الأرضَ بعصاه ليحضّ الأفعى لزيادة سرعتها والوصول إلى برّ الأمان. وهذا ما تشير إليه الآية التالية من قوله تعالى : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)الآية (63) سورة الشعراء
لقد فسَّر الخُرافيُّون الجاهلون ما تعنيه الآية السابقة بأنَّ مُوسى ضرب بعصاه البحر ، فظهرت فيه أرضاً يابسةً ، سار عليها ومَنْ آمن معه ، وكانوا يُعدُّون بعشرات الآلاف ، ثُمَّ سار عليها فرعون وجيشه ، الذين ـ أيضاً ـ يُعدُّون بالآلاف, مع خُيُولهم وعرباتهم وعتادهم وأسلحتهم . فهل تساءل أحدهم: كم تبلغ مساحة هذه الأرض التي سار عليها كُلُّ هذا الجمع الغفير من المخلوقات..؟!
http://up.arabseyes.com/uploads2013/...4124139631.jpg

http://up.arabseyes.com/uploads2013/...4124142142.jpg

http://up.arabseyes.com/uploads2013/...2412414373.jpg
الإشارة الرّابعة: وهي من الأهمِّيَّة بمكان:
بأيِّ لُغةٍ وأيِّ كتابة نزلت التّوراة على سيِّدنا ونبيِّنا مُوسى ..؟
وهذه الملاحظة في غاية الأهمِّيَّة!!، فلو كان مُوسى  ومَنْ أسْلَمَ معه يُقيمون في مصر العربيَّة الإفريقيَّة ، لتوجَّب أنْ تُنَزَّل التّوراة بالكتابة (الهيروغليفيَّة) الصُّوريَّة ، التي كانت تُستخدم في مصر الأفريقيَّة حينذاك ، فهَلْ من معلومات مُوَثَّقَة تُفيدنا بأنَّ التّوراة قد نزلت على مُوسى بالكتابة الهيرُوغليفيَّة الصوريّة..؟؟
يقول المثل الشعبي: مجنون يحكي وعاقل يسمع.! لقد شاهدت عدّة أفلام منها ما صنع في الولايات المتحدة الأمريكيّة, وأخرى صُنعت في إنكلترا, وغيرها من صنع دول العالم المتحَضِّر, تحكي لنا قصّةَ موسى() . فالذي يُلَفِتُ الانتباه من خلال مشاهدة هذه الأفلام لقطة قصيرة جداً لموسى  وهوَ يحمل الألواح بعد عودته وتلقّيه (الوصايا العشر). مكتوبة بالأبجديّة واللغة (المعينيّة) المتطوِّرة من الكتابة الأم التي اكتشفها إبراهيم  أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد . فقلت في نفسي ؛ إلى هذا الحد وصل الاستخفاف والاستهزاء من صانعي هذه الأفلام ، لعقول الناس وكأنَّهم قطيع من الغنم الصم البكم العمي لا يفقهون ما يشاهدون.! فكيف يتوافق نزول التوراة على موسى بالأحرف والَّلغة العربيّة المعينيّة ليتلوها على قومه، وكان موسى وقومه يقيمون في مصر العربيّة الإفريقيّة مدّة أكثر من (600) عام تقريباً ، فواقع الحال هذا يفرض أن يكون موسى  وقومه يتكلّمون الَّلغة الخاصّة بمصر العربيّة الأفريقيّة السائدة في ذلك الوقت ، وهذا يعني, أنَّ موسى ومن رافقوه كانوا يكتبون ويقرؤون بكتابة هذا البلد أي الكتابة (الهيروغليفيّة) الصوريّة . وهذا سيترتّب عليه عدم فهم موسى لكلام الله الذي خاطبه باللغة العربية التي اكتشفها إبراهيم كما ذكرت سابقاً. وكذلك بالنسبة إلى قومه بما نَزَل عليهم من آيات بالّلغة والكتابة العربية المعينيّة. ألا تكفي هذه الحقيقة التي لم يستطع صانعوا هذه الأفلام طمسها وإنكارها وإخفائها, لتقطع دابر كلّ من يقول بأنَّ موسى  وقومه كانوا يقيمون في مصر العربيّة الإفريقيّة ، وأنّهم لم يكونوا من جذور الأمّة العربيّة وهم أبرياء - براءة الذئب من دم يوسف - من كونهم يهوداً ملعونين إلى يوم الدين!!! وأنا أتحدّى الجميع؛ بأنْ يعطوني آية واحدة يُشير فيها تعالى بأنَّ قوم موسى كانوا من (اليهود)!!!
وهل يُعقل أن تُنَزَّل آيات أوَّل - كتاب سماوي - بكتابة صُوريَّة (الهيروغليفيَّة) لم ترتَق إلى الكتابة بالأحرف الأبجدية ، وكانت الكتابة العربيَّة في ذلك الوقت قد وصلت إلى مرحلة مُتقدِّمة ومُتَطوَّرة للأبجديّة العربية (الإبراهيميَّة) التي أُشير إليها من قبَل العُلماء والمُؤرِّخين وَأَطلَقوا عليها اسم الكتابة (المعينيّة) حيث كانَ يُقيم (موسى)( ).؟
ناهيك عن تبيان الآيات الكريمة من أنَّ التّوراة قد نزل بكتابةٍ عرَفتها شُعُوب الجزيرة العربيَّة ، وهذا ما أشارت إليه العديد من الآيات ومن ضمنها قوله تعالى:
)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ…إلخ( الأعراف الآية(157). فالذي ذكرته هو واحدة من النتائج التي تَرَتَّبت اكتشافي لأوَّل مرَّة في التاريخ لـ(أصل ومنشأ الكتابة والأبجدية العربية) والذي خَصَّصت له الفصل الرابع من مؤلفي الأخير.

http://www.3rbz.com/uploads/4bfc3bfbda6c1.jpg
كما أنَّ هُنالك مُلاحظة أُخرى دقيقة, وفي غاية الأهمِّيَّة للكشف عن موقع مصر وعن هُويَّة مُوسى وقومه ، من خلال ما جاء في آيات القُرآن ن الكريم ؛ وهي: إنَّ مُعظم الآيات التي يذكر الله فيها قومَيْ (عاد وثمود) ؛ تتبعها مُباشرة آيات فيها ذكْر لـ(فرعون ومُوسى) و(قوم فرعون وقوم مُوسى). فهل جاء هذا التّواتر صُدفَةً ؟ أم أنَّ من خلفه معلومات تستوجب الاستفادة منها..؟!قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) الآية (5 ـ 12) سُورة الفجر
وقال أيضاًوَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) الآية (38 ـ 39) سُورة العنكبوت.
وقال أيضاًكَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) الآية (4-12) سُورة الحاقة.
فهل جاءت هذه الآيات على هذه الصُّورة -على سبيل الصُّدفة - أم فيها حكمة وسرٌّ لكُلِّ ذي قلب وعقل ونهى؟!
وليقطع اللهُ الشّكَّ في اليقين فيما أقول ؛ أعلنها صراحةً بكُلِّ جلاء ووُضُوح في قوله تعالى:
) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( سُورة البروج الآية (17 ـ 18). والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الآية هو:
فهل هُنالك أكثر من هذا الوُضُوح والتّبيان الذي لا يدع مجالاً للشّكِّ لتعريف المقصود بقوم فرعون والمقصود بقوم مُوسى الذين كانوا جزأً من قوم ثمود الذين هاجروا من بلاد الرافدين؟!
وعلى كلّ عاقل أنْ يسأل: ما علاقة قوم (ثمود) الذين كانوا يقيمون في منطقة (الحجر) الواقعة شمال غرب المملكة العربيَّة السُّعُوديَّة حاليَّاً. مع فرعون مصر العربيَّة الإفريقيَّة...؟
لا يُوجد إلاَّ جواب واحد: هو أنَّ فرعون موسى وقومه يجب أن يكونوا موجودين في منطقة قريبة من منطقة إقامة قوم (ثمود) وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة في شكل غير مباشر كما بيّنّاه قبل قليل, من أنَّ قوم - عاد الأولى - الذين كانوا يتواجدون في شرق الجزيرة العربيّة في (بلاد الرافدين) قد هاجر قسم منهم مع نبيّه (هود) إلى الجبال الموجودة بالقرب من جنوب الأردن وشمال الحجاز حاليّاً أي بالقرب من منطقة الحضارة العربية (المعينيّة) الأولى.
* - بعدَ هروب موسى  من قّصر فرعون الموجود في عاصمة الدولة المعينيّة إلى مَديَن. ووصوله إلى مَديَن, التقى بفتاتين كانتا تريدان سقاية أغنامهما, فساعدهما في عملية السقاية التي كانت سبباً في زواجه من إحداهما، بيَّنها تعالى من خلال قوله وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ* فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ *قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ* قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ). سورة القصص.
يتبع القسم الثاني
القسم الثاني من موجز لقصَّة مُوسى  الحقيقية:
وأثناء هذه الفترة بدأت مَرحلة اختيار موسى, من قبله تعالى ليكون أوَّل رسول ونبيّ من الأمَّة العربيّة, كَلَّفَه بنشر ديانة التوحيد الإسلامية, بعد كارثة نوح . وذلكَ بعد أنْ رأى من بعيد نوراً ساطعاً فَظَنَّه ناراً, فتوجَّه نحوَه فوجده كأنَّه نور الشمس وقت الظهيرة, بل أشدّ وهجاً وضياءً. فَرَفَع يده الحرَّة ليَقي عينيه من شِدَّة هذا النور, فاكتَسَبَت جزأً منه , فأصبحت تشِعُّ بنور كنور القمّر وَهوَ البدر بل أبهى ؛ وهنا يكمن سرّ "يد موسى البيضاء". وهذا ما تشير إليه الآيات التاليَّة من قوله تعالىوَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي).الآيات )من9 إلى 14) سورة طه. مداخلة – (بالله عليكَ أيها القارئ – ألا تشعر بأنَّ الدموع تطفح من عينيك لهذا المشهد الذي لن يتكرّر في تاريخ البشرية)!!!
وفي هذا الوقت تحديداً أراد الله أن يكشف لموسى  - زَيْف الأسطورة - القديمة المتوارثة منذ آلاف السنين, وهي أنَّ الأفاعي في الأرض تُمَثِّل آلهة السماء (الشمس والقمر ونجمة الزهراء) وكذلك النجوم كافَّة ، كما بيَّنَّاها سابقاً. وهذا ما كان مُتَرَسِّخ في ذهن موسى ، نتيجة حياته التي أمضاها في قَصر فرعون. فالذي حَصَلَ أنَّه بعدَ أن خاطب تعالى موسى  أنَّ موسى  اعتقد من أنَّ الذي يخاطبه هوَ إله مخلوق شبيه بفرعون ؛ فقال له : أريد أن أراكَ من خلال ناظري ، فأجابه تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). الآية (143) سورة الأعراف لقد فقَدَ موسى الوعي من شدَّة الانفجار، وبَعدَ أن عاد إلى وعيه قال له تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى). الآية (17 – 21) سورة طه كما قال تعالى (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ).
ففي الآيات السابقة معلومات تاريخيّة في غاية الأهميّة, حوَّلها بعض الجاهلين, إلى نوع من أنواع السحر والشعوَذةٍ ، وفي حقيقتها: أنَّ الله أراد من خلال هذه الآيات - دحض الأسطورة – المتوارثة منذ آلاف السنين قبل ظهور موسى. وتفسيرها هو التالي: أنَّه بَعدَ أن استَقَرَّ حال موسى من الناحيَة النَفسيِّة ؛ أوحى تعالى إلى أفعى كانت موجودة بالقرب من موسى, أن تَسعى إلى مكان تواجده ، فطلب منه تعالى أنْ يُلَوَّح بعصاه التي بيده ليجدَ الأفعى تسعى إليه وتتَقَرَّب منه؛ تَتَمنّى لمسة من أصابعه. ولكن موسى حديث العهد بالنبوَّة؛ فزع وانتابه الخوف وولّى مدبراً في بادئ الأمر لأمرين اثنين :
الأوَّل – لما هو مترَسِّخ في عقله من أنَّها حيوان مقدَّس لا يجوز المساس بها. والثاني – الخوف من لدغتها وبثّ سمومها في جسمه. فقال له تعالى (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى). أي بما معناه "أنَّها ليست لها أيّ قدسيَّة" وهي كغيرها من الحيوانات, وليسَ لها أيّ علاقة بي. وأنَّكَ بيدكَ التي اكتَسَبت جزأً من نوري لو وضعتها على أكثر الوحوش شراسةً لَرَأيته ذليلاً متواضعاً يتمَنّى لمسةً منكَ. فهذه الحكمة لا يعرفها إلَّا القليل من عباد الله ، لأَنَّهُ من خلال هذه الأفعى سيدحض موسى  ويكشف الزيف الَّذي كان بموجبه يحكم فرعون ومَنْ قَبله الملوك السابقين ، ولكي نصل إلى هذه الحقيقة علينا التّمعُّن والتّبصُّر بما جاء في الآيات الكريمة في قوله تعالى في الآيات (17 – 21) من سورة طه السابقة. وفي الآيات التالية :
قال تعالى وقت التّلاقي مع السَّحَرَة (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى الآية (65 ـ 69) (سُورة طه.
كما قالفَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ( سُورة الأعراف الآية (107 ـ 109).
وقال أيضاًوَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ( سُورة الأعراف الآية (117).
كما قال فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) سُورة الشّعراء الآية (63).
لو تمعَّنَّا في قوله تعالى وانتقائه كلمة (أَلْقِ) في جميع الآيات السّابقة عدا الآية (63) من سُورة الشُّعراء التي استبدلها بكلمة (اضرب).
فلماذا لم يقل الله (ارم) عصاكَ؟ وهل هُنالك فرق بين هاتَيْن الكلمتَيْن؟.
لو اطَّلعنا على ما جاء في قواميس اللُّغة العربيَّة لوجدنا ما يلي:
ألقاه إلى الأرض إلقاءً طرحه ، وألقِ به من يدك وألقِهِ من يدكَ ، وألقِ إليه القول ، وألقِ إليه بالقول أبلغه إيَّاه ، وألقِ عليه القول أملاه ، وهُو (كالتّعليم).
رماهُ ورمي به: ورمى السّهم عن القوس رشَقَهُ ، وأرماه عن فرسه طرحه عن ظهرها،
ضَربَ: ضربهُ فيها ـ إذا نهض أسرع في السّير. وضرب الشّيء تَحَرَّكَ. وضَرَبَ (تَحَرَّكَ بسُرعة) ، وضرب إلى الشّيء أسماء.
لو أخذنا التّعاريف السّابقة بعين الاعتبار في تفسير إلقاء العصا التي كانت بيد مُوسى ، لوجدنا بأنَّ الله لم يكن يقصد بها رمي العصا من يده والتّخلُّص منها ، وإنَّما إلقاء تعليمي للأفعى بواسطة الإشارة من العصا, لتنفيذ رغبات وأوامر مُوسى  ، كما هي الحال مع مُروِّضي الحيوانات التي نراها في (السّيرك) حاليَّاً ، وهذه العادة متوارثة مُنذُ قديم الزّمن ، فالحيوانات لا تفهم الكلام ، بل تتبع الإشارات التي تعتاد عليها بالتّكرار والإعادة ، وكما هُو الحال مع (مايسترو) مُديري الفرَق المُوسيقيَّة الذين يُلقون عصيَّهم التي في أيديهم لإعطاء الأوامر والتّعليمات إلى أعضاء الفرقة الموسيقية ، فلو كانت العصا التي كان يُمسك بها مُوسى هي التي ستنقلب إلى أفعى لكان استعمل الله بدل كلمة (ألقها) كلمة (إرمها) من يدكَ ؛ أيْ تخلَّصْ من العصا الموجودة بيدك اليُمنى لتَتَحوَّل إلى أفعى ، وقد بيَّن الله عن ماهيَّة العصا و(الأفعى) ، حينما جمع فرعون السَّحَرة: فهل كانت عصي السَّحَرة تنقلب إلى أفاعي ، فلو كانت كذلك فإنَّ ذلك يعني انتفاء مُعجزة مُوسى ، وأصبحت ضرباً من ضُرُوب الخداع والأوهام والسِّحْر(غير الموجود أصلاً) ، وقد كُشِفَ ـ حاليَّاً ـ عن هذه الحيل والخدع من قبَل مَنْ يدَّعون بالسَّحَرة ، ومن أنَّها عبارة عن خدع بصريَّة ، واحتيال على الحواسِّ ذات القُدرة المحدودة للمخلوقات البشريَّة في كشف مثل هذه الحركات التي تعتمد على سُرعة الحركة.
فلو عدنا إلى المعلومات السابقة التي استقيناها من الرسومات الموجودة غلى القطعتين الذهبيّتين وعلى وجه الخصوص من التاجين الموجودين على رأس الملكة والملك, والتاج الموجود على رأس الملك قورش ، وجميعها ترمز إلى (الأفاعي). فما هي علاقة هذه الأفاعي بقصّة موسى وفرعون ؟
http://www.3rbz.com/uploads/91d3b660b3131.jpg
وما شعار ورمز الطب والصيلة," السائد والمنتشر" في العالم اليوم. إلّا من بقايا هذه الأسطورة القديمة منذ آلاف السنوات قبل الميلاد فكانت أوَّلاً في بلاد الرافدين. ويُقْصَد منها بأنَّ "الشفاء من الأمراض" هو بيد آلهة السماء, وأما الطبيب والمعالج, هو واسطة بين المريض والآلهة, فإذا أرادت الآلهة شفاء المريض فإنها توحي له بالدواء المناسب لشفائه, وإذا لم ترد فلا مجال للشفاء.
http://www.3rbz.com/uploads/a66dfc53d8f32.jpg
قال تعالىثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) الآية (103 -108) سورة الأعراف.
فهذا أوَّل عمَل قام به موسى وأخيه هارون بعدَ الحوار الذي دار بينه وبين الله ؛ الذي أمَرَه بالذهاب إلى فرعون ليقول له: أنتَ تدّعي أَنَّ - آلهة السماء - المتجَسِّدة بالأفاعي, هي التي خوّلتك لتكون إلهً بديلاً عنها في الأرض ؛ وَخَدَعتَ الناس عن طريق السِحر والسَحَرَة, لإثبات ذلك , فها هيَ آلهَتَكَ المزيَّفة, معي الآن وهي "طوع بناني وأوامري" – آمرها بإشارة من العصا التي بيدي - فتطيعني - فأنا أحَقُّ منك بالولاية على الناس ؛ ومع ذلك أقول لك وللناس, بأنَّ هنالك إلهً حقيقيَّاً في السماء، وهو الذي خَلَقَكَ وخلقني وخلقَ الناس جميعاً, وخلَقَ الشمس والقمر والنجوم التي تَدَّعي بأنَّك تمثّلها على الأرض. وإليكَ الدليل والبرهان على صدق ما أقول, وأنتَ أعرَفُ الناس بي وبحالي حينما كنت أعيش في قصرك . فأخرَجَ يده من جيبه فإذا هي تشعُّ بنور كَنورِ الشمس. وأعطى الإشارة إلى الأفعى التي يحملها فتطيعه كما يأمرها فَسبحان الله ربّ العالمين.
وبهذا يكون موسى قد كشفَ قبل كلِّ شيء زيف هذه الأسطورة المتوارثة منذ آلاف السنين. بعد أن بيّنَ له تعالى حقيقة هذا الحيوان حينما قال لهخذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى). أي بأنَّها حيوان كغيرها من الحيوانات كالجمال والخيول والطيور ..إلخ وليست رمزاً للإله.
وكان موسى يعتقد كبقيّة الناس, وهو الذي تربّى في قصر فرعون منذ ولادته؛ بأنَّ الأفعى ترمز إلى آلهة السماء التي بيدها كلَّ شيء. وهذه القصّة تذكّرني بنموذج شبيه ضربه لنا تعالى في قصّة إبراهيم (). حينما قابل الملك بعد هجرته من بلاد الرافدين إلى غرب الجزيرة العربية ، هذا الملك الذي كان يعتبر نفسه خليفة لإله الشمس على الأرض ، وهو أحَد ملوك الحضارة العربية (المعينيَّة) التي أشرنا إليها سابقاً. فقال له إبراهيم ( إنَّ ربي الذي يحيي ويميت ....إلى...."إنَّ الله يأتِ بالشَّمس مِنَ المَشرِق فاتِ بها مِنَ المَغرب فَبُهِتَ الذي كَفر"....إلخ-) فكشف بذلك الغطاء الذي كان يتستَّر به هذا الملك من أنَّه خليفة لإله الشمس. وعن الخدعة التي كانوا من خلالها يحكمون الناس ويجعلون من أنفسهم خلفاء للّه الأَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) في الأرض. أقول: هل الدّعوة إلى الإيمان بالله, من قبَل أوَّل رسول ونبيٍّ خصَّه بأوَّل كتاب سماوي ، وأرسله لهداية النّاس كافّة ، وتخليصهم من تحكُّم الظّالمين والمُستبدِّين ورجال الدِّين المُنافقين والسَّحَرَة المُشعوذين, مُتوقِّفة على العصا الَّتي تَنقَلِب إلى أفعى (فقط)؟ مُتناسين وغافلين عن كُلِّ ما هُو حولهم من آيات..؟. فهل هذه من صفات الله أو من صفات رُسله ومنهم مُوسى  بأنْ يلتجئوا إلى السِّحْر لإثبات وُجُود الله ؟!
ملاحظة: لنتصوَّر المسافة التي كان يجب أن يقطعها موسى  وأخيه من مّديَن حيث يقيمون إلى قصر فرعون الموجود بالقرب من شواطئ النيل في مصر الأفريقيّة!!!
لَقَد تَكَرِّرت زيارة موسى وأخيه هارون  إلى قصر فرعون مراراً, وكان أغلبها بناء على دعوة من فرعون, عندما يقع بلاء الله في البلاد. قال تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) سورة المائدة
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ۖ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) سورة المائدة.
وإليك أخي القارئ هذا الاكتشاف عن الأفاعي ، لنكشف من خلاله السرّ العلمي لما تعنيه الآيات السابقة.
http://up.arabseyes.com/uploads2013/...4280346751.jpg

- طوّرَت منطقة قوانغشي بجنوب الصين نظاماً للكشف عن الزلازل يَعتمد على الثعابين. فقد رَبَطَ خبراء بمصلحة مراقبة جحور الثعابين في مزرعة ثعابين محلّية ، المزرعة بشبكة أنترنت بواسطة كاميرات فيديو تعمل على مدار الساعة ، ونقلت صحيفة <تشاينا ديلي> عن مدير المصلحة جيانغ وي سونغ قولهمن بين كلّ الكائنات فإنَّ الأفاعي قد تكون الأشدَّ حساسيةً تجاه الزلازل فهي تستطيع الإحساس بزلزال مقبل عن بعد 120 كيلو مترا قبل وقوعه بثلاثة إلى أربعة أيّام). وهي تستجيب لذلك بالتصرّف على نحو غريب. فعندما يوشك زلزال على الحدوث تخرج الثعابين من جحورها ، حتى لو كان الوقت شتاءً قارساً. وإذا كان الزلزال شديداً فإنَّ الثعابين تحطّم الجدران وهي تحاول الهرب.
فهذا الاكتشاف الجديد لجهاز الاستشعار عن بعد الموجود عند الأفاعي, هو السر العلمي الذي أراد سبحانه وتعالى إعلامنا عنه في قصّة موسى. بعيداً عن السحر والشعوذة. واستخفاف عقول البشر والناس, فهذه الأعمال ليست من صفاته ولا من صفات أنبيائه ورسله. لقد أعطانا الله في هذه الآيات سرَّاً علميَّاً عظيماً ، حبَّذا لو نستفيد منه ونحنُ في عصر الحضارة والتّقدُّم حسب ما ندَّعي ، ونحنُ نفتقر حتَّى وقتنا هذا عن التّنبُّؤ ومعرفة المكان والزّمان الذي سيحدث فيه زلزال أو هزَّة أرضيَّة ، ومن هذا المُنطلق أعلمنا الله عن وُجُود جهاز (استشعار عن بُعْد) عالي التّقنيَّة والجودة والحساسيّة خَلَقَهُ في الأفاعي ، فهذا النَّوع من المخلوقات يُمكنه اكتشاف الزّلازل والبراكين وخُسُوف الأراضين قبل وُقُوعه بأيَّام ، ويُمكن أبعد من ذلك ، لو رُوِّضت هذه المخلوقات على هذا العمل. وقد استفاد مُوسى  من هذا الجهاز(الاستشعار عن بعد) الموجود لدى الأفعى المُلازمة له كما قلتُ سابقاً ، فضربَ الأرض التي ستُخسف ويغمرها الماء بعصاه, لحضّ الأفعى وزيادة سرعتها. وليس لشقّ ماء البحر الذي لم يكن موجوداً في ذلك الوقت. وهذه إشارة هامَّة من قبله تعالى بأنَّ الأرض التي كان يسير عليها موسى ومن آمنَ معهُ ومن ورائه فرعون وجيشه ؛ سَتَخْسَف ويغمرها الماء فيما بعد، ولم يكن القصد في هذه الآية أنْ تشقَّ العصا البحرَ، لتظهر فيه أرض يابسة يسيرون عليها ، ثُمَّ تختفي حينما يصل إليها فرعون وجيشه ، وهذا ما أخبرنا تعالى عنه بقوله:
(وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ) سُورة الشُّعراء الآية (65 ـ 66).
فقوله (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ) هو إعلام عن حدوث الخسوف بعدّ تجاوز موسى ومن معه منطقة الخَطَر التي منها بدأ الخسوف قبل أن يصل إليها الماء ليغمرها في نهاية المطاف. وهنا أوَدُّ أن أستعين بالخيال العلمي في وصف أهمّ المراحل التي حصلت بعد بلوغ موسى منطقة الأمان في سيناء مستعيناً بما تعنيه بعض الآيات التي جاءت في القرآن الكريم. فقوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) الآية (46) سورة غافر. وقوله (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) الآية (90إلى 93) سورة يونس.
ففي الآية (46) السابقة وصف لحال جنود فرعون المتقدّمين لملاحقة موسى ومن معه إذ خُسفت بهم الأرض وكان مصيرهم في باطنها المشتعلة قبل وصول الماء إلى تلك المنطقة، فحاول الذين من خلفهم الهروب إلى الخلف ولكنَّهم وجدوا أنَّ الأرض أيضاً قد خسفت وطغى عليها الماء ليملأ الفراغ الذي أحدثه الخسوف. وهذا هو المقصود بـ(غُدُوًّا وَعَشِيًّا) وكان فرعون يحاول قدر الإمكان أن يتَّخذ مكاناً وسطاً بين الخسوفين إلى أن خسفت الأرض التي كان موجود عليها وغمرتها المياه وبذلك يكون قد نجا من الموت في باطن الأرض ليموت غرقاً في الماء. وهذا سر قوله تعالى(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) .
وهذا ما سنبيّنه لاحقاً بالاستئناس بما جاء من آيات تُوَضِّح ذلك.
نبذة عن السِّحْر: قال الشّاعر:
عَرَفت الشرَّ لا للشرّ لكن لتوقّيه ----- ومن لا يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه.
فالسّحر نوعان:
1 ـ الشَّعوذة: وهُو إيهام النّاس ، وهي ترجع إلى خفَّة اليد.
2 ـ الشّعبذة: وترجع إلى العُلُوم الطّبيعيَّة ، مُستفيدين من خواصِّ الموادِّ.
فذكْرُ السِّحْر في القُرآن الكريم جاء لإنقاذ الأمَّة العربيَّة ممَّنْ جعلوا السِّحْرَ والدِّين سُلَّماً للمال والمُلك ، فاستعبدوا النّاس والأمَّتَيْن العربيَّة والإسلاميَّة ، وجعلوهم كالأنعام يركبوهم ، بل هُم أضلُّ من الأنعام ، وليس ليُؤكِّد أنَّ هُنالك سحْراً فعلاً.
وأستطيع أنْ أُشير بأنَّ أوَّل مَنْ ابتدع السِّحْر هُم (الفراعنة) ومن ثمَّ (اليهود) الملعونين. مُنذُ آلاف السنين قبل الميلاد ، وليس الفراعنة الذين حكموا في مصر الأفريقيَّة إلاَّ فرَقاً منهم.
وقد كان للسِّحْر تأثير غريب ؛ إذْ لم يكن الطّبيب يستطيع أنْ يُداوي بالعقاقير إلاَّ بعد أنْ يُداوي بالعزائم السِّحْريَّة ، فالعزيمة مُقدَّمة على الدّواء المادِّي ، وقد ذُكر حادثة في الأسرة التّاسعة عشرة ، وهي أنَّ فتاة ـ ابنة الملك (أتختن) من بغداد ـ طلب أبوها من رمسيس الثّاني أنْ يُرسل لها أحد المعبودات المصريَّة ، فأرسل لها المعبود (خونسو) ، فوصل خونسو إلى الملك وطلب منه أنْ يُخرج العفريت من ابنته المُسمَّاة [بنت رشت] فأخرج الجنِّيَّ ، وهذا الجنِّيُّ اشترط قبل خُرُوجه أنْ يصنعوا له مهرجاناً لوداعه ، فأجابوه لذلك ، وجعلوا له يوماً عظيماً مشهوراً، فأحبَّ الملك أنْ يَبقى المعبود المصري عنده دائماً ، ولكنْ ؛ بعد مُدَّة ، مرض الملك ، وحار الأطبَّاء في أمره ، فجاءه (خونسو) ليلاً كأنَّه باشق من ذهب ، وألحَّ عليه أنْ يردَّه إلى بلده ، فلمَّا طلع النّهار أرجعه إلى بلده ، فشُفي من مرضه ، وكانوا يعتقدون أنَّ الجنَّ تشفي من الدّودة الوحيدة ، ومن رمد العين ، والالتهابات على أنواعها ، وغيرها من الأمراض ، وقد دوَّنوا في رسائل الطِّبِّ كيفيَّة إخراج الجان المُؤذية وطردهم إلى أسفل سافلين ، لينجوا من أذهانهم. ولهم عزائم لإبعاد الهوامِّ والدّبيب وعزائم للمحبَّة والقبول ، ويُمثِّلون شخصاً على هيأة العدوِّ ، ويَتلون العزيمة ، ويضربون ذلك التّمثال بالسِّكِّين ، فالعدوُّ يحصل به ما حصل بصُورة الشّمع على زعمهم ، وكانوا يتخيَّلون أنَّهم يرون الشّمس نصف اللّيل ، ويستحضرون الشّياطين الذين يجلبون لهم ما يُريدون. وها هي أُعجوبه حصلت أيَّام الملك نيقا: وقف الأمير خفرع الباني للهرم الثّاني وقال لأبيه (خوفو): أنا أقصُّ عليك أُعجوبه حصلت مُدَّة أبيكم (نيقا)[وهُنا يعني الأب السَّلَفَ] حينما ذهب إلى المعبد المعبود (مكان بمدينة منفيس فيه المعبد) وزار أكبر عُلماء السِّحْر ، وكانت زوجته تحبُّ رجلاً من أهل المدينة ، وكانت ترسل له خادمتها كُلَّ يوم ، وهُو يجلس معها في البُستان مُنشرحاً مسروراً ، وأرسلت له يوماً صُندوقاً فيه ملابس لطيفة ، فأتى مع الخادمة ، ومضى على ذلك جُملة أيَّام ، فلمحَ ذلك المَدَني منزلاً خلويَّاً في بُستان زوجها ، فطلب منها أنْ يكونا معاً فيه ، فأمرت أمين المنزل أنْ يُهيِّئ لهما هذا المنزل في البُستان لينشرحا فيه ، ففعل وجلسا معاً فيه كما يشاءان ، أمَّا الخادم الأمين ؛ فإنَّه أخبر صاحب البُستان وهُو زوجها كبير القُرَّاء ، وهُو الكاهن ، فقال الكاهن لهذا الأمين: أحضر لي شمعاً من الصُّندوق المصنوع من الأبنوس والفضَّة المُذهَّبة ، فصنع تمساحاً من الشّمع ، طُوله سبعة أشبار ، ثُمَّ طلسم عليه بالسِّحْر ، ثُمَّ قال للأمين: متى جاء المَدَني ليغتسل كما كان يغتسل كُلَّ يوم في هذا الماء فألق عليه التّمساح الذي من الشّمع ، ثُمَّ جاء المَدَني ، وجلس معها على عادته ، وشربا في هناء وسُرُور ، وجاء العاشق إلى زوجة الكاهن ليغتسل في البركة ، فألقى الأمين عليه التّمساح من الشّمع ، فانقلب إلى تمساح بنفس الطُّول ، وخطف المَدَني ، وغاص في قاع الماء ، وكان اسم هذا الكاهن (ويبايونر) ، وبقى (ويبايونر) الكاهن المذكور سبعة أيَّام مع الملك والمَدَني غاطس في البحر في جوف التّمساح ، ثُمَّ طلب منه أنْ يُريه عجيبة في رجل مَدَني في زمانه ، فتوجَّه معه للبركة ، وتلا العزيمة على التّمساح أنْ يُحضر الرّجل المَدَني ، فأحضره ، فغضب الملك وقال: كيف تُعذِّب ذلك الرّجل بهذا التّمساح ، فأخذ الكاهن التّمساح إذا هُو شمع كما كان ، وليس حيواناً ، وقصَّ عليه قَصَص زوجته وهذا المَدَني ، فغضب الملك ، وأمر أنْ يُرجع الكاهن التّمساح كما كان ، وينزل في الماء ، وقد تمَّ ذلك ، وأمر بإحراق المرأة في جانب البُستان. وكان السّاحر لا ينبغ في هذا العلم إلاَّ بعد التّمرُّن الطّويل والانزواء والانعزال في الخلوة كُلَّ أيَّام حياته ، ولا يجوز أنْ يحترف أيَّة حرفة أُخرى حتَّى لا تشغله عن مهمَّة وظيفته ، وقد أتقن السَّحَرَةُ هذا العلمَ ، وتفنَّنوا في أساليبه ، وأحكموها ، حتَّى لم يتركوا غاية جهدهم فيه ، ورسخت قواعده في أذهانهم ، حتَّى كان أحدهم يأتي بأكبر الخوارق التي تُبهر الأنظار والأبصار والبصائر بدُون تكلُّف كأنَّها أُلعوبة صبيانيَّة. وممَّا ذُكر عنهم أنَّهم فلقوا الحجارة ، وقطعوا رأس رجل ، وفصلوها عن جُثَّته ، ثُمَّ أعادوها إليه بدُون أنْ يشعر بأذى ، وجعلوا التّماثيل والأشباح المصنوعة من الشّمع تتحرَّك بحركات مُختلفة طوع إرادتهم ، وكانوا يختفون عن الأنظار وهُم جُلُوس في المجلس ، فلا ينظرهم أحد ، حتَّى إنَّ الدّاخل لا يعتقد أنَّهم موجودون في هذا المجلس ، ويقرؤون الرّسائل المطويَّة داخل ظُرُوفها ، فيُخبرون بما فيها بدُون أنْ يفضُّوها ، ويُخبرون النّاس بماضيهم وحاضرهم ومُستقبلهم. ومن أعجب أمر أقاصيصهم أنَّهم قلبوا نظام الطّبيعة ، حتَّى صنع أحدهم من الشّمع تمثال تمساح صغير ، وتلا عليه صيغةً سحْريَّة ، فتحرَّك هذا التّمثال ، وسلَّطه على رجل زانٍ استحقَّ العقاب ، فابتلعه ، وألقاه في البحر.
أمَّا الشّعبذة: فترجع إلى العُلُوم الطّبيعيَّة ، مُستفيدين من خواصِّ الموادِّ ؛ منها على سبيل المثال - كيفيَّة - عمل بَرْق في حُجرة: ويجب أنْ تكون الحُجرة صغيرة ومُظلمة ، وليس لها منفذ إلى الخارج يدخل الهواء منه.
ـ خُذْ إناء من نُحاس أو غيره ، وأشعلْ فيه شيئاً من الكُحُول مع الكافور ، وتتركه في غليانه حتَّى يحترق الكُحُول والكافور بالكامل ، ولا يبقى منهما أيُّ شيء في الإناء ، وحينذاك إذا دخل أحدهم إلى تلك الحُجرة وبيده شمعة مُشتعلة يرى في الحال برقاً شديداً في المكان ، وذلك البرق لا يُخشى منه ضرر لا للإنسان الذي يغشاه البرق ، ولا البيت الذي يسطع فيه.
ـ منديل غير قابل للاحتراق: خُذْ منديلاً ، واطله بمزيج من (الشَّبَّة ونشادر مع زُلال البيض) فإذا ألقيته بالنّار لا يحترق.
ـ عمل حبر سرِّيٍّ: خُذْ من حليب التين ، واكتبْ به على الورق ، وبعد أنْ يجف عرِّضه للحرارة، فتظهر الكتابة بلون ذهبي غامق.
وقد أُلِّفت كُتُبٌ فيها حيل المُتنبِّئين والشُّيُوخ الكاذبين والأحبار والرُّهبان وأصحاب الكيمياء وطُلاَّب الأموال والكُنُوز المُحتالين ، حمانا الله من غدرهم أجمعين. وممَّا جاء في كتاب (المُختار في كشف الأسرار) للشّيخ زين الدِّين عبد الرّحيم بن عُمر الدّمشقي ما يلي:
ـ قد كان ظهر في آخر خلافة العبَّاس السّفاح بأصفهان رجلٌ يُعرف باسم (إسحاق الأخرس) فادَّعى النُّبُوَّة، وتبعه خلق كثير، وملك البصرة، وعمَّان ، وفرض على النّاس الفرائض ، وفسَّر لهم القُرآن على ما أراد. وكان حديثه أنَّه نشأ بالمغرب، فتعلَّم القُرآن، ثُمَّ تلا الإنجيل والتّوراة والزّبور وجميع الكُتُب المُنزلة، ثُمَّ قرأ الشّرائع ، ثُمَّ حلَّ الرُّمُوز والأقلام ، ولم يترك علماً حتَّى أتقنه، ثُمَّ ادَّعى أنَّه أخرس ، وساف ر، فنزل بأصفهان ، وخدم قيِّماً في مدرسة ، وأقام بها عشر سنين، وعرف جميع أهلها وسُكَّانها. ثُمَّ بعد ذلك أراد الدّعوة، فعمل لنفسه أدهاناً ، ودهن بها وجهه ، حتَّى لا يُمكن لأحد النّظر إليه من شدَّة الأنوار ، ثُمَّ نام في المدرسة، وأغلق عليه الأبواب، فلما نام النّاس ، وهدأت الحواسُّ ، قام ، فدهن وجهه من ذلك الدّهن ، ثُمَّ أوقد شمعتَيْن مصبوغتَيْن ، لهما أنوار تفوق السّراج ، ثُمَّ صرخ صرخةً أزعج النّاس ، ثُمَّ أتبعها ثانية وثالثة ، ثُمَّ انتصب في المحراب يُصلِّي ويقرأ القُرآن بصوت أطيب ما يكون ، وبنغمة أرقّ من النّسيم ، فلمَّا سمع الفُقهاء تواثبوا ، وأشرفوا عليه وهُو على تلك الحالة ، فحارت أفكارهم من ذلك ، ثُمَّ أعلموا المُدرِّس بذلك ، فأشرف عليه وهُو على تلك الحال ، فلما رآه خرَّ مغشيَّاً عليه ، فلمَّا أفاق عمد إلى باب المدرسة ليفتحه ، فلم يقدر على ذلك، فخرج من المدرسة ، وتبعه الفقهاء ، حتَّى انتهى إلى دار القاضي والأخبار قد شاعت في المدينة، فأخبر القاضي بذلك، فخرج القاضي، واتَّصل الخبر بالوزير ، واجتمع النّاس على باب المدرسة ، وهُو قد فتح الأقفال ، وترك الأبواب غير مُفتَّحة ، فلمَّا صار القاضي والوزير وكُبراء البلد إلى الباب ، اطَّلع عليه الفُقهاء ، وقالوا له: بالذي أعطاك هذه الدّرجة افتحْ لنا الباب ، فأشار بيده إلى الأبواب ، وقال تفتَّحي أيَّتها الأقفال ، فسمعوا وقع الأقفال إلى الأرض ، فدخل النّاس إليه ، وسأله القاضي عن ذلك ، فقال إنَّه مُنذُ أربعين يوماً رأى في المكان أثر دليل ، واطَّلع على أسرار الخلق ، ورآها عياناً ، فلمَّا كان في هذه اللّيلة ، أتاني مَلَكَان ، فأيقظاني ، وغسَّلاني ، ثُمَّ سلَّما عليَّ بالنُّبُوَّة ، فقالا: السّلام عليك يا نبيَّ الله ، فخفتُ من ذلك ، وطلبتُ أنْ أردَّ عليهم السّلام ، فلم أطق ، وجعلتُ أتململ لردِّ الجواب، فلم أقدر على ذلك ، فقال أحدهما: افتح فمك باسم الله الأزلي ، ففتحتُ فمي وأنا أقول في قلبي بسم الله الأزلي ، فجعل في فمي شيئاً أبيض ، لا أعلم ما هُو ، أبرد من الثّلج ، وأحلى من الشَّهْد ، وأذكى من المسك، فلمَّا حصل في أمعائي نطق لساني ، فكان أوَّل ما قلتُ: أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأشهد أنَّ مُحمَّداً رسول الله. فقالا: وأنت رسول الله حقَّاً. فقلتُ: ما هذا الكلام أيُّها السّادة ؟! فقالا: إنَّ الله قد بعثك نبيَّاً. فقلتُ: وكيف ذلك، والله قد أخبر عن سيِّدنا مُحمَّد أنَّه خاتم الأنبياء؟! فقالا: صدقتَ ، ولكنَّ الله أراد بذلك أنَّه خاتم النّبيِّيْن الذين هُم على غير ملَّته وشريعته ، فقلتُ: إنِّي لا أدَّعي بذلك ، ولا أُصدِّق ولا لأيِّ مُعجزات. فقالا: يُوقع في قُلُوب النّاس تصديقك الذي أنطقك بعد أنْ كنتَ أخرس مُنذُ خلقت ، وأمَّا المُعجزات التي أعطاك الله عزَّ وجلَّ ؛ فهي معرفة كُتُبه المُنزلة على أنبيائه ، ومعرفة شرائعه ، ومعرفة الألسن والأقلام ، ثُمَّ قالا: اقرأ القُرآن، فقرأتُهُ كما أُنزل، ثُمَّ قالا: اقرأ الإنجيل، فقرأتُهُ، ثُمَّ قالا: اقرأ التّوراة والزّبور والصُّحُف، فقرأتُ الجميع كما أُنزل ، ثُمَّ قالا: قُمْ ، فأنذر النّاس ، ثُمَّ انصرفا عنِّي ، وقمتُ أنا أُصلِّي ، وهذا آخر خبري بمَنْ آمن بالله وبمُحمَّد، ثُمَّ بي ، فقد فاز ، ومَنْ كذَّب ، فقد عطَّل شريعة مُحمَّد، وهُو كافر ، والسّلام. فعند ذلك ؛ سمع له خلق كثير ، واستقام أمره ، وملك البصرة وعمَّان وغيرهما ، واستفحل أمره ، ولم يزل كذلك ، حتَّى قُتل ، وله شيعة بعمَّان إلى يومنا هذا ، فاعتبروا بهذا يا أُولي الألباب. كما أنَّه ظهر في خلافة المُعتزِّ بأرض مصر العربيَّة الأفريقيّة رجل ادَّعى النُّبُوَّة ، ونزل (تنيس) ، وكان يُعرَف بفارس بن يحيى السّاباطي ، وسلك مسلك عيسى بن مريم, وادَّعى إحياء الميِّت ، وإبراء الأبرص والأجذم والأعمى ، وبنى له صومعة بتنيس على البحر شمالي البلد ، وهي باقية إلى يومنا هذا ، ثُمَّ أحيا لهم الميِّت أيضاً، ثُمَّ ذكر طريق الغشِّ والإيهام، وقال: إنَّه يمشي على الماء على ساحل البحر ، فيطلع السّمك إليه من البحر ، ويُقبِّل أقدامه، وذلك أنَّه كان يأخذ من جُزء الآدمي جُزءاً ، ومن الباز روج جُزءاً ، وجزئا من حَبِّ القثَّاء ، ثُمَّ يدقُّها ناعماً ، ويعجنها بدهن الياسمين ، ويُلطِّخ بها أقدامه ، ثُمَّ يمشي على ساحل البحر ، فيطلع السّمك على رائحة الدّواء ، ويلحس أقدامه ، فيتوهَّم فيه الأوهام بالنُّبُوَّة وغيرها.
ثُمَّ تكلَّم عن الوُعَّاظ، فقال: ومن دهائهم أنَّ أحدهم يصعد على المنبر بخُشُوع وسكينة ، فإذا شرع في الكلام وذكر أهوال يوم القيامة ، بكى بدُمُوع أحرّ من الجمر ، فإذا أراد ذلك يأخذ من الخردل ، فيسحقه ، ثُمَّ ينقعه في الخلِّ يوماً كاملاً ، ثُمَّ يسقي به المنديل الذي يمسح به وجهه ، ثُمَّ يتركه حتَّى يجفَّ ، فإذا حصل على المنبر ، مسح وجهه بذلك المنديل ، فتنزل دُمُوعه مثل المطر ، وهذا أوَّل ما لهم من الدّهاء ، ومن ذلك أنَّهم يُجهِّزون بعض نسائهم في زيِّ أرباب البُيُوت ، فيظهر أنَّها قد أخنى عليها الزّمان ، ولا تقدر تبذل وجهها في السُّؤال إلى الخلق ، فيعطف عليها القُلُوب ، ويُردِّد الكلام في ذلك المعنى ، ويُورد فيه أخبار وحكايات ، ثُمَّ يخلع ثوبه ، ويرميه عليها ، ويقول: والله لو ملكت يدي شيئاً من النّفقة لكنتُ أنا أحقُّ بهذه المثوبة ، ولكنَّ العُذر واضح ، فهذا ثواب يُساق إليكم ، فإذا رأت الجماعة ذلك ، لم يبقَ أحد حتَّى يرد فها بشيء على قدره وإمكانيَّاته وجميع ما تحصَّل عليه ، فهُو للشّيخ الواعظ.
وأمَّا عن كذبة بعض الرُّهبان فقال: هذه الطّائفة أعظم الأمم كذباً ونفاقاً ودهاءً ، وذلك أنَّهم يلعبون بعُقُول أتباع (عيسى) ، ويستبيحون النّساء ، وينزلون عليهم الباروك ، ولا يعلم أحوالهم ، وهُم أضرُّ الخلق وأخسُّ من غيرهم ؛ لأنَّهم إذا خلوا بأنفسهم يعترفون بأنَّهم على ضلالة ، وقد غيَّروا الأحوال والأفعال والأقوال ، ولهم أعمال عظيمة لا تُعَدُّ ولا تُحصى ، وهُم يأكلون الأموال بالباطل ، ويُرتِّبون الكذب وزخارف القول ، وهُم أكذب الخلق ، فمنهم مَنْ عمل لديره عيداً ، وجعل له ناموساً من بعض النّواميس يأكل به أموال النّصارى ، وها أنا ذا أُثبت الآن لك شيئاً من ذلك فأقول ، اعلم أنَّ هؤلاء القوم أعظم ناموس لهم قنديل النُّور في كنيسة قيامة بيت المقدس ، وهُو من عمل الرُّهبان ، وقد ارتبط عليه جميع النّصارى وأسباطهم وأجناسهم ، وقد كان الملك المُعظم ابن الملك العادل دخل إلى القيامة يوم سبت النُّور ، فقال للرّاهب: لا أبرح حتَّى أُبصر هذا النُّور كيف ينزل ، فقال له الرّاهب: أيُّما أحبُّ إليك هذا المال الذي يتحصَّل من هذا الوجه أو اطِّلاعك عليه ، فإنْ كشفتُ سرَّه عدمتَ هذا المال ، فاتركه مستوراً مُصاناً ، واربح هذا المال العظيم ، فلمَّا سمع ذلك علم باطن قول الرّاهب ، فتركه على حاله وخرج ، وهُنا ذكر أنَّ الرّاهب يضع الكبريت في حقِّ رأس قبَّة الكنيسة والحق مُعلَّق في سلسلة ، وهي تُدهن بدهن البيلسان... إلخ.
فهل نضع أمثال هذه العُقُول بعُقُول العُلماء والجبابرة من العرب وغير العرب أمثال الخوارزمي، ونصير الدِّين الطُّوسي ، وعلي ابن عبَّاس ، وابن رُشْد ، وأبي بكر الرّازي ، وغيرهم ، ومن أشهرهم العالم – آينشتاين - الألماني ونظريَّته (النّسبيَّة) العامَّة التي تبحث في الهندسة الخاصَّة بالكون التي انتشرت في العالم انتشاراً عظيماً ، وقد نظر هذا العالم إلى الكون بعين غير العين التي ألفنا أنْ ننظر بها. فكُنَّا ننظر قبل آينشتاين إلى الكون بمنظار مُجسَّم ، فنقول: هذا شيء ، ونعني به كُلَّ ما نلمسه أو نراه ، أمَّا نابغة الألمان ؛ فيقول: يا أيُّها العُقلاء ، ليست هذه الحقيقة. إنَّها مسألة من أخطر المسائل ، وهي تتعلَّق بالحقيقة.!! فهل لو قلتُ لك إنَّ الشّمس طالعة وهي في رائعة النّهار وكان لك عينان ترى بهما هذه الكوكبة ، أليست هذه حقيقة؟ يقول العلم الحديث: كلا. أليست تلك الكتلة النّاريَّة التي أراها شمساً ؟! يقول العلم الحديث: العالم مُظلم ساكن لا صوت فيه ، وإنَّما العقل هُو الذي يصنع كُلَّ ذلك ، فليس السِّرُّ في العالَم ، بل السِّرُّ في هذا الذي تحمله بين عظام جُمجمتك ، فما معنى هذا ؟ معناه في نظر هؤلاء العظام فلاسفة الكون أنَّ هذا الفضاء الواسع فيه تموُّجات مُختلفة الطُّول ، فإنْ كانت هذه الموجات الأثيريَّة بحالة خاصَّة وطُول خاصٍّ أثَّرت على أُذنك ، فقلتَ عنها صوتاً ، وإنْ كانت بحالة أُخرى وطُول آخر غير السّابقة قلتَ إنَّها ضوء ؛ إذْ ميَّزتها عيناك ، فأنت ترى أنَّ الأمواج تملأ هذا الأثير من الفضاء، وهي لا تصنع صوتاً ، ولا تُحدث ضوءً أشبه بأمواج ماء البحيرة الرّاكد ماؤها ، وإنَّما عقلك هُو الذي أوجد هذه الكلمات من نُور وصوت. ما معنى خرير الماء لنفس الماء ؟ وما معنى حفيف الرّيح للأغصان إنْ لم تكن أنت واقفاً هُناك بالغاب ؟ أليس الصّوت والضّوء أشياء وأُمُور خاصَّة بك دُون الطّبيعة ، وتزيد الفلاسفة اليوم على ذلك أنَّه قد يكون في أثير هذا الفضاء الواسع موجات أُخرى تختلف في سُرعتها عن تموُّجات الضّوء والصّوت ، ولكنَّنا لا نراها ، ولا نعرف عنها شيئاً ؛ إذْ ليس لنا من الحواسِّ غير الخمس. نعم ؛ إنَّ هذه الأشياء التي أمامنا هي ظلُّ الحقيقة التي ما هي إلا حوادث ناشئة من تقاطع (أربعة إحداثيَّات) ثلاثة منها للمكان وواحدة للزّمان ، فالقوانين التي تحكم هذا الإطار [المكزمني] هي الحقيقة بعينها.
لذلك أقول: بأنَّ الله حَكَى لنا عن السِّحْر والسَّحَرَة ، ليُذكِّرنا بالتّفكُّر وإعمال العقل ،- فقسماً بالله العظيم - لا منجاة لهذه الأمَّة إلاَّ بالعلم والتّعلُّم لجميع العُلُوم ، وليس بالتّعبُّد فقط تعيش وتحيى الأمَم ؛ لأنَّه وسيلة الأمان ، وقاعدة للبناء عليها وليس غاية ، وبتلازم الوسيلة والقاعدة مع الغاية فإنَّه الفوز العظيم في الدُّنيا والآخرة. ومُلخَّص القول: يجب أنْ نصل إلى امتلاك العقل السليم الذي عليه قيادة الجسم ، ليُصبح السَّيِّد المُطلق الآمر النّاهي.
وقبل أن أنتهي من قصَّة موسى في مصر الجزيرة العربية. أودّ التذكير بقوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية (84 – 86) سورة يونس. فلو تأمَّلنا بمضمون الآيات السابقة نجد بأنَّ موسى كان يدعوا إلى ديانة الإسلام التي دعا إليها كافّة الأنبياء والرسل من قبل ومن بعد. أما قول قوم موسى (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). فالمقصود بهما هو: قوم فرعون الظالمين, وعبدة الأوثان المنتشرين في كافّة أنحاء الجزيرة العربية. ومنهم رعايا الدولة المعينيّة التي كان يقيم فيها موسى ومَن أسلموا من هذا القوم. أما قوله تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). فقد ورد فيها اسم (البيت) مكان التعبَّد , وهو نفس اسم "مكان التعبّد" الذي أطلقه تعالى على أوَّل بيت شيَّده إبراهيم وابنه إسماعيل في مكَّة. قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) الآية (96) سورة آل عمران. فكان هذا البيت قبلةَ لموسى وأتباعه المسلمين أثناء صلاتهم. وهذا تأكيد آخر, بأنَّ مصر هي الدولة المعينية الأولى.
ـ أمَّا المعلومات التّاريخيَّة الهامَّة التي تَضَمَّنتها الآيات الخاصَّة بقصَّة مُوسى بعد وصوله إلى سيناء فأوجزها بما يلي. آخذين بعين الاعتبار ما ذكرته سابقاً عن المقصود بـ(بني إسرائيل), بأنَّهم ليسوا ذريّة يعقوب. و(اليهود) ليس لهم أي علاقة أو ارتباط بموسى وقومه. – بعد أنْ تخلَّصَ موسى من خطر فرعون واستقرَّ الحال في سيناء, أمره تعالى بأنْ يُكمل المشوار بالهجرة إلى الأرض المباركة فلسطين, ليُنشئَ فيها "أوَّل دولةٍ عربيّة إسلاميّة" تدعو إلى ديانة التوحيد, لينتشر فيما بعد إلى كافّة الشعب العربي في الجزيرة العربية ؛ ومن ثمَّ إلى كافّة أنحاء العالم.

يتبع القسم الثالث والأخير
رد مع اقتباس