عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 06-09-2016, 04:26 AM
الدكتور علي سكيف الدكتور علي سكيف غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 9
افتراضي

ذاكرة الإنسان.. إعجاز وبيان
د. محمد السقا عيد
الذاكرة هي الركيزة الأساسية للعقل، وعندما نفقد الذاكرة لا نعلم من نكون؟ ومنذ قدومنا للحياة فكل ما نحسه أو ندركه يُسجل في الذاكرة، قد يتوارى بسبب الغفلة والإهمال لكنه لا يُمحى، والذاكرة هي ركن التعلَّم، فاكتساب المعلومات وتخزينها واسترجاعها هي أعظم وظائف الدماغ.
تعريف الذاكرة:
البعض يُعرَّف الذاكرة بأنها العمليّة التي تحفظ المعرفة على مر الزمن. وهناك من يُقيِّم الذاكرة كوعاء حي، وتستقر المعلومة ـ التي يتعرف عليها العقل ـ في ذلك الوعاء الذي يسمى بالذاكرة (الحافظة).
وقد اتفق العلماء على تعريف بسيط للذاكرة فقالوا: هي القدرة على تذكر التواريخ والوجوه والحقائق والمعلومات والأشكال والمعطيات. لذلك فإن الذاكرة العقلية مفيدة لك في كل الأحوال ليس فقط في تحصيل دروسك وأداء اختباراتك ولكن أيضاً في علاقاتك الاجتماعية ومواقفك في محيط العمل. وتقوم الذاكرة القوية بحفظ جميع المعلومات تماماً مثلما يقوم جهاز الكمبيوتر الشخصي بحفظ المعلومات المتاحة بأمان.
فليس هناك ذاكرة ضعيفة كما يعتقد البعض بذلك، لكن في الحقيقة أن هؤلاء الأفراد يمتلكون ذاكرة غير مُدَرَّبة. والذاكرة هي الركيزة الأساسية للعقل وتُكوِّن العمود الفقري لشخصية الإنسان. وهى شديدة الالتصاق بالمخ الذي هو أداة العقل في الحياة الدنيا. ولسنوات عديدة مضت راجت فكرة خاطئة تعتبر الذاكرة ككيان منفرد يمكن تعيينه في بُنْيَةٍ بعينها، لكن الفكر السائد الآن هو أن الذاكرة تتألف من مقومات عديدة مُحَمَّلة على شبكة موزعة من الخلايا العصبية.
وعندما تكون الذاكرة فارغة أو مفقودة يتعذر أن نعرف من نكون ونصبح تحت رحمة أي مؤثر خارجي. وفقدان الذاكرة يؤدي إلى تلاشي ذات الإنسان وتاريخ حياته وعلاقاته بمن حوله. الحقيقة المؤكدة أن ما تتلقاه الحواس هو أضعاف أضعافٍ ما يعيه العقل أو الذي يستقر في الذاكرة. والرأي السائد هو أنَّ كلّ ما نحسه أو ندركه يُحفر (يسجَّل) في الذاكرة بكيفية لا نعرفها؟.
ومن شهادات التسجيل بالذاكرة قولك: هذا مشهد لن أنساه. ولكن الحقيقة أنه لم يفقد بدليل أن صورته لو عرضت عليك ستتذكره، وأيضا ربما تحسب أن جملة ما قد ضاعت في الذاكرة وإذا بها في سياق الحديث تطفو على السطح وكأنها جاءت من سفر دون أن نستدعيها. وبغض النظر عن نوعية ما نتذكر فإن الإنسان يشعر بشيء من الرضا لمجرَّد قدرته على التذكر.
كما يشعر بشيء من عدم السرور حين يشعر بأن ذاكرته قد بدأت تضعف ولا تسعفه رغم تأكده من وجود المعلومة المطلوبة بالذاكرة ويقول: سأتذكرها حتما. فالمعلومات التي يتذكرها الإنسان لا تُمحى لأنها شاهد له أو عليه ومرتبطة بسجل عمله الذي سيجده حاضرا يوم القيامة (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ مَا سَعَى) (النازعات: 35) وللعلم فإن المعلومات التي يبدو أن النسيان قد طوى صفحاتها هي في الحقيقة ما زالت موجودة بالذاكرة ولكن لكي تظهر يلزمها مساعدة إظهار (استرجاع).
وهنا يمكن أن نميز ثلاث وظائف رئيسية للذاكرة: 1. استقبال المعلومات. 2 . حفظ المعلومات. 3. استرجاع المعلومات.
أشكال الذاكرة: يُقسِّم (برتراندرسل) في كتابه (تحليل العقل) الذاكرة إلى قسمين:
1 ـ ذاكرة العادة Habit - memory
والعادة هي الميل إلى أداء عمل من الأعمال نتيجة التكرار حتى يصبح هذا العمل آلياً كالمشي والكتابة وتناول الطعام وما إلى ذلك، ويتجه معظم علماء النفس المحدثين إلى إخراج هذه الأعمال الآلية من ميدان الذاكرة التي يقصرونها على الأمور التي ندركها مع شعور ومعرفة، إلا أنَّ البعض الآخر قد عد هذه الأعمال العادية من جملة الذاكرة وفسروا اختلالها بالنسيان ولو أنه صادر عن اللاشعور.
2 ـ ذاكرة المعرفة Knowledge - memory
ويضيف بعض العلماء إلى هذا النوع نوعاً ثالثاً هو:
3 ـ الذاكرة الوهمية:
وهي التي تظهر عند الطفل في بداية شأنه وعند المريض الذي يهذي وعند النائم الذي يحلم، ذلك أن الصور التي تتتابع في الأحلام والهذيان تبعث مشاهد من الماضي ولكن صاحبها لا يراها قطعة من الماضي بل جزءاً من الحاضر لأنها بالنسبة له حين يهذي أو يحلم حاضر وواقع، ذلك أن الذاكرة في الحلم تعيش فيه كأنه هو الحقيقة. وقد يعمد الحالم في حلمه إلى حد يبعثه إلى الحركة فينهض من فراشه ويأتي أعمالاً كثيرة.
وعلى أي حال فهناك تقسيم يقول إنه توجد ذاكرة نشطة ـ (عُليا) أي تحتوي المعلومات الحاضرة والمهمة من وجهة نظر صاحبها وهي التي يرتكز عليها تعاملنا، وهى قريبة الشبه بالنافذة التي تتعامل مع العالم من خلالها أخذا وعطاء.
وفى المقابل توجد ذاكرة للمعلومات الخاملة أو المتروكة. و(ذاكرات) بين ذلك كثيرة ومتفاوتة النشاط والحضور منها: الذاكرة الوسطى : أي التي تحتوى المعلومات والأحداث التي تتكرر أو سبق أن تكررت أو أثيرت كثيرا. ويوجد تقسيم أكثر قبولا أو شيوعا يصنف الذاكرة الصريحة إلى ثلاثة أنواع: ذاكرة فورية Immediate memory : وهى الذاكرة المعنية بالأحداث التي تقع في المدن من عدة ثوان إلى ساعات أو أيام وهى التي تلتقط بها أو فيها الكلمات التي تقرأها الآن، فهي تتعامل مع الأحداث الجارية ويُحفظ فيها رقم التليفون الذي تلتقطه من الدليل لتطلبه الآن … وهذه الأشياء تُنسى بسرعة عادة خلال دقائق أو ثوان.
ذاكرة متوسطة الأمد (المدى) short term memory
وتتضمن الوقائع الجارية حتى يتم تثبيتها وتحويلها للذاكرة طويلة المدى.
ذاكرة طويلة الأمد long term memory
وتتضمن المعلومات المتعلقة بالماضي والماضي البعيد. وهى الأرسخ، وهى التي تقاوم وتعمل مع وجود تلفيات في المخ وتستمر طول الحياة.
وهناك الذاكرة العاملة:
وتحــدث في مكــــان مـــن الدمــــاغ يسمى الفص قبل الجبهي pre frontal lobe من القشرة المخية. ويحدث في هذه الذاكرة التفاعل الفوري بين ما تستقبله الآن والمعلومات ذات الصلة التي تسترجع لحظيا للاستكمال أو المقارنة أو الربط لتوليد أفكار جديدة أو اتخاذ قرار فوري. ولذلك تعتبر الذاكرة العاملة ضرورية جدا لفهم اللغة والتعلّم مما يجعل البعض يُشبهها بالسبورة أي إنها (لوح كتابة) العقل.
وهناك (الذاكرة الترابطية):
وهي التي تقوم بتخزين البيانات لأمد بعيد دون تشغيل إلى حين يستدعيها العقل في عمليات حاضرة.
الذاكرة البصرية... والذاكرة السمعية:
يمتلك بعض الأشخاص ذاكرة بصرية قوية حيث يمكنهم أن يتذكروا جيداً ما يرونه بأعينهم مجرد مرة واحدة.
ويمتلك آخرون ذاكرة سمعية قوية حيث يتذكر الشخص منهم ما يسمعه جيداً. فإذا ما قرأ أحد شيئاً بصوت مرتفع على مسمع منه استطاع هذا الشخص حفظه وترديده في أي وقت.
الذاكرة الشمية:
وإلى جانب هذه القدرات هناك قدرات لأنواع مختلفة من الذاكرة تتوفر لدى هؤلاء الذين يمتلكون ذاكرة قوية للأشياء التي يشمون رائحتها فأنت تستطيع أن تحدد نوع الطعام الذي يطهى في المطبخ والمكونات التي تضاف إليه على الرغم من أنك تجلــس في حجرة المعيشــة وقد يكون ذلك أمرا طبيعيا ولكن من النادر أن يتوفر لدى الكثير من الناس، كهذه التي يتمتع بها العطار العجوز حيث يستطيع التعرف على مكونات أنواع البخور المختلفة بمجرد شم رائحتها وقد تصل بعض مكوناتها إلى عشرة أصناف ومن الواضح هنا ذاكرة العطار مرت بتدريبات طويلة.
ومع ذلك فإن الذاكرة المتعلقة بالأنف عند بعض الكلاب أرقى بكثير منها عند الإنسان فنجاح كلب الشرطة في مطاردة اللصــوص وضبطهم يرجــع إلى حاسة الشم القوية لديهم وهناك ذاكرات قوية أيضاً بالنسبة لحواس أخرى يتمتع بها الإنسان مثل ذاكرة التذوق باللسان وذاكرة اللمس فالأشخاص الذين فقدوا حاسة البصر لديهم عادة حاسة اللمس قوية جداً ويعتمدون عليها اعتمادا كبيرًا في تحديد الأشياء والتعرف عليها.
ذاكرة الحيوان والنبات:
وتظهر الذاكرة مع أدنى الكائنات الحية وذلك لأن الكائنات النباتية والحيوانية الأولية تحتفظ بآثار التغييرات التي تؤثر فيها.
فهناك زهور تتحرك مع الضوء في النهار فتظل حركتها بعض الوقت حتى بعد حلول الظلام, وتظهر بعض الحيوانات المائية على رمال البحر مع الجزر وتعود إلى الماء مع المد ,فإذا وضعت في إناء زجاجي استمرت تفعل الحركة نفسها الدورية عدة أيام.
فقد درس الدكتور مارتن نوعاً من الديدان يعيش على شاطئ المانش يسمى (كونفولوتا) وأثبتت التجارب وجود هذه الدورات الحيوية واستمرارها حتى بعد انعدام المؤثر الذي يحدثها.
وتتبع العلماء نشأة الذاكرة في أنواع الحيوان كالأسماك والطيور والثدييات المختلفة من حيث الحفظ والاكتساب كذلك.
هل هناك ذاكرة ضعيفة وأخرى قوية؟
ليست هناك ذاكرة قوية وأخرى ضعيفة كما يعتقد البعض لكن الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص يملكون ذاكرة غير مدربة فالمعلومات التي يبدو أن الإنسان قد طوى صفحاتها ما زالت موجودة بالذاكرة ولكن لكي تظهر يلزمها إظهار (استرجاع)، وتتضمن المعلومات المتعلقة بالماضي والماضي البعيد؛ وهي الأرسخ وهي التي تقاوم وتعمل مع وجود تلفيات في المخ وتستمر طوال الحياة. الفرق بين الذاكرة والتخيل:
تشمل الذاكرة الصور التي سبق إدراكها في الماضي واختزنتها الذاكرة كما تحتفظ الخزانة بالأشياء...فالتذكر في هذه الحالة واقع. أما التخيل فليس بواقع ونحن أحرار أن نتخيل ما نشاء. وفي ذلك يقول كانط: (إذا تخيلت منزلاً ففي إمكاني أن أتمثل السقف في أسفله والأثاث في الهواء؛ ولكن حين أتذكر منزلاً فأساسه دائماً أسفل وسقفه في الهواء) هذا هو الفرق. بعد أن اطّلعنا على أهمّ النظريات الخاصّة بالذاكرة السؤال هوَ: أَينَ يوجد الوعاء الذي يحتوي على المعلومات الخاصّة بالمخلوقات البشرية التي لا تُمحى لأنها شاهد له أو عليه ومرتبطة بسجل عمله الذي سيجده حاضرا يوم القيامة (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ مَا سَعَى) (النازعات: 35). فلو كان موجود في المخ فإنَّ المخَّ فانٍ كبقيّة الأعضاء الماديّة لجسم المخلوقات البشرية؟ من هذا المنطلق يظهر لنا الإعجاز العلمي لآيات الموسوعة الشاملة (القرآن الكريم) ومنها . قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) الآية (16 – 23) سورة ق لقد أعطانا تعالى من خلال الآية السابقة العديد من الأسرار العلمية بعضها تمَّ اكتشافه والآخر ما زال مجهولاً حتى عصرنا الحالي. والأسرار يمكننا معرفتها من خلال العبارات التالية : (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (حَبْلِ الْوَرِيدِ) (الْمُتَلَقِّيَانِ) (رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (الْمَوْتِ) (نَفْسٍ) (سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ). 1 – الوسوسة وتعني : وسْوَسَت النَّفْسُ : حدَّثتْ بما لا جَدْوى به ولا طائِل تحتَهُ. وَسْوس الشَّيءُ : أحدث صوتًا ناعمًا ، صوَّت في خفاء. 2 - حَبْلِ الْوَرِيدِ ويعني : (الوَرِيدُ : مُفْرَدُ الوريدين ، وهما عِرقان تحتَ الودَجين ، والودَجان : عِرقانِ غليظان عن يمين ثُغرة النَّحر ويسارها). 3 - المتلقيان وتعني : كُلُّ مُتَعَلِّمٍ مُتَلَقٍّ لِلْمَعْرِفَةِ :- : مَنْ يَتَلَقَّى الشَّيْءَ ، مُسْتَقْبِلٍ ، مُتَعَلِّمٍ. 4 - رَقِيبٌ عَتِيدٌ وتعني : (مراقب حاضر يَقِظ) ويمكننا تشبيهه بـ(الكمرة الخفية ثلاثية الأبعاد) صورة وصوت. قال تعالى (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الآية (24) سورة النور 5 – الْمَوْتِ ويعني : لغوياً (شِدّته و غَمْرَته الذاهبة بالعقل) (ضدُّ الحياة). وعلمياً (انْتِزَاعُ رُوْحُ الْكَائِنِ الْحَيِّ مِنْ جَسَدِهْ فَيَتَوَقَّفُ الدَّمُ عَنِ الجَرَيانِ فِيْ أعْضَائِهِ وتَنْتَفِيْ عَنْهُ الْحَيَاة وَعَلاَمَاتِهَا، ويَقَعُ المَوْتُ حَتْماً عَلَى كُلِّ حَيِّ بَشَراً كَانَ أوْ سِوَاهْ) وله علاقة مباشرة بعمل (الفؤاد) مركز الطاقة الضرورية لاستمرارية الحياة. 6 - كُلُّ نَفْسٍ وتعني : والنَّفْسُ ذاتُ الشيء وعينُه. ويُقالُ : جاءَ هو نفسُه أَو بنَفْسِه . والجمع : أَنْفُسٌ ، ونُفوسٌ. وقيل أيضاً : تعريف النفس والروح ليس بالأمر الهيّن، إذ الكلام في حقيقته سرٌّ من الأسرار التي لا تَتحمّلها كل العقول، فهذه المسألة من معضلات المسائل، لأنَّ الكلام فيها يقع تارة في تعريف كل منهما على حدة، وتارة أخرى في الفرق بين حقيقتيهما تبعاً لمن قال باختلافهما مصداقاً، وتارة ثالثة في خصائص ووظائف كل منهما، وتارة رابعة في اختلاف التعريفات بحسب اختلاف المذاهب والاتجاهات والآراء. وما قيل عن النفس كذلك يقال في الروح، والسبب أن الروح والنفس كلاهما من عوالم معنوية غير مادية، وهما جوهرين بسيطين وخاليين عن أي تركيب من العناصر الأرضيّة. 7 - وَشَهِيدٌ وتعني : الشَّاهِدُ : مَن يؤدِّي الشهادة. والشَّاهِدُ : دليل ، برهان. 8 - فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وتعني : نافِذ قويّ. إنَّ ما جاء في الفقرات السابقة تمثِّل مواصفات الوعاء الذي يحتوي على المعلومات الخاصّة بالمخلوقات البشرية التي لا تُمحى لأنها شاهد له أو عليه ومرتبطة بسجل عمله الذي سيجده حاضرا يوم القيامة. ولقد ضربَ لنا تعالى مثالاً عن هذا الوعاء ووظائفه ومهامّه وهو شرحُ عملي لما جاء في الآيات (16 – 23) من سورة ق السابقة إذ قال تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فأمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الآية (259) سورة البقرة. ففي هذه الآية أيضاً العديد من الأسرار العلمية التي لا يُدركها إلّا القليل من الباحثين والعلماء. وهي سَتَضَع النقاط فوق الحروف للتيه الذي وَقَعَ فيه بعض المفسرين القدامى في المقصود بـ(الموت والوفاة) و (العام والسنة) و (اليوم والنهار) و (الّلبث والإقامة). إنَّ جوهر المقصود ما جاء في هذه الآية هو : أنَّ أحد الأنبياء المؤمنين بالله وعند بلوغه سنّ الـ(100) مائة عام، ومن خلال تجواله وهو راكب على حماره شاهد قريَةً دَمَّرها عارض كـ(الزلزال) وخسوف للأرض، فأصبحت أطلالاً وركاماً؛ فَحَدَّثته (وَسوَسَت) نفسه وقالت له : كيفَ ومتى ستعود هذه القرية كما كانت قبل الكارثة؟ فأَوقفَ تعالى عملَ (فؤاده) لبضع دقائق شاهد من خلالها ما يحتويه الوعاء الحي الذي أشرنا إليه سابقاً والذي شَبَّهَه بعض العلماء بـ(الكمبيوتر أو الحاسوب) وأطلقَ عليه تعالى اسم (الْمُتَلَقِّيَانِ). منذ أن كان يَرضع من ثدي أُمِّه مروراً بالذاكرة طويلة الأمد التي تتضمن المعلومات المتعلقة بالماضي والماضي البعيد حتى ساعة وقوفه وسؤاله لنفسه (أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا). من خلال بصره الحديدي. وهو تشبيه للبصر يوم القيامة تصديقاً لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ). وبعدَ مرور الدقائق المعدودة أعاد الله العمل في فؤاده فَتَدَفَّقَ الدم في عروقه وعادت إليه الحياة وعاد عمَل (المتلقيّان). ومن هذا المنطلق يُمكننا تعريف (الموت): بأنَّه انعدام الحياة المؤَقَّت ولا يعني (الوفاة) التي هي (تَوَقُّفُ جَرَيَانِ الْقَلَمِ وَ انْقِطَاعُ عَمَلِ العَبْد العَاقِلِ الْمُكَلَّفِ وَوَفاءَهُ وَتَمَاَمه، وَجَزَاءُ أجْرِهِ مِنَ الله واسْتِيْفَاءهِ بِخُرُوْجِ نفَسِهِ مِنْ جَسَدِهِ). لقد قام بعض الأطباء بسؤال مرضى تَوَقَّفت (أفئدتهم) عن العمل لبضع دقائق ثُمَّ عادت للعمل مجدَّداً : ماذا شاهدتم أثناء موتكم المؤَقَّت ؟ فكان جواب الجميع واحداً وهو :- لقد رأينا أنفسنا نطير ونشاهد ما مضى من حياتنا وأفعالنا وأعمالنا !! وهذا يعني بأنَّهم شاهدوا ما يوجد في الوعاء (المتلقيان) المجهَّزان بكمرة خفيّة ثلاثيّة الأبعاد فسُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ .

url=http://ecards.mrkzy.com/][/url
رد مع اقتباس