عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 27-09-2010, 04:31 AM
وهاب غبريني وهاب غبريني غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: alger
المشاركات: 44
افتراضي

حق القارئ
الموضوع منقول من ركن اوراق حضارية من مجلة اصوات الشمال
و هذا هو الرابط
http://www.aswat-elchamal.com/ar/?p=98&a=10881
بقلم : الأستاذ علي بخوش
جزاه الله خيرا

كثيرا ما نسمع عن برامج تخصص لطلبات المشاهدين عما يحبونه من أعمال فنية متعددة؛ كالمسلسلات والأفلام والأغاني ...وغير ذلك، فتلبي تلك البرامج مبتغى المشاهدين وأمانيهم.
ولا يتوقع أن ينحو الأدب هذا المنحى، فالأديب ( الشاعر ، الروائي، القاص، الكاتب...الخ) مبدع ينطلق دون قيد أو شرط ودون أن يجعل من اهتمامه إرضاء القارئ وتحقيق احلامه.
بالطبع الأديب يكتب من تلقاء نفسه و يعبر عن وجهة نظره و مشاعره و لا غرابة في هذا فهو ليس صحفيا يكتب للعامة.

ومع ذلك ، فالقارئ له حق يجب أن يراعيه المبدع في كل الظروف؛ فمن حق القارئ أن يتواصل مع النص الأدبي، ومن حقه أن يتذوق ويحس بالجمال والمتعة والفائدة، ومن حقه أن يشارك المبدع في انطلاقته وسباحته وتحليقه، في فضاء النص. فالمبدع إنما يكتب للقارئ وعليه أن يحقق شرطا مهما وهو التواصل، ذلك أن بعض المبدعين ـ بدعوى الحداثة والتجريد والتغريب ...ـ يكتبون نصوصا أدبية من النوع " يوناني فلا يقرأ " . وفي هذه الحالة لا يمكن أن يتهم القارئ بعجزه وضعف خبرته الجمالية، فالمبدع نفسه هارب من التواصل والفهم. فإذا كان من حق المبدع أن يحلق ويبدع ويسبح ويعبر بطريقته الخاصة وإذا كان من حقه أيضا ألا يرضي المتلقي، فليس من حقه على الإطلاق أن يهدم كل جسور التواصل بينه وبين القارئ. فالقارئ ينشد المتعة الجمالية والتجربة الروحية ومعايشة أجواء القصيدة ووجدانها، فكيف يتسنى له ذلك إن كان النص يكتب بلغة أخرى غير اللغة التي يفترض أن تكتب بها.
ما على القارء الا ان يبحث عم الأدب الذي يفهمه ان لم يستط ان يفهم فلا اتصور استاذ جامعي و باحث يكتب بأسلوب في مستوى الإبتدائي ....إلااذا تعمد البساطة بمحض ارادته.
ولا أدعو في هذا المقام أن ينزل الشعر والأدب إلى جمهور القراء باختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، عين الصواب.بل أدعو أن يرفق المبدعون بالقراء بعض الرفق يؤمنوا أن لهم رسالة ومسؤولية من خلال ما يبدعون، ولهذا عليهم أن يتواصلوا أولا مع القراء وبعد ذلك من حقهم أن يطلبوا من القراء صبرا وتأنيا وعمقا في القراءة.ا أحد يطلب من المبدع أن يكتب ما يريده القارئ، ولا احد يستطيع أن يجبر المبدع على ذلك، بل لا أحد ينكر ما تشكله هذه الدعوات من خطر على الإبداع والفن. اذن اين المشكلة ....الأفكار الجديدة نادرا ما تلقى أذنا صاغية في زمانها.
فمن حق الشاعر ، بل من واجبه ، أن يلخص تجربته في الوجود ورؤيته الخاصة الفريدة والمميزة لهذا الكون بطريقة فنية ، ويملك الشاعر لوحده حرية التصرف والانطلاق في رسم هذه الرؤى والمواقف والتصورات والخلاصات دون أن يحق لأي ناقد أن يوقفه أو يعترض عليه. الفنان حر و ليس عاملا لدى اية مصلحة و كل فنان يحاول ان يجد اسلوبه يكون متميزا به كتوقيعه.
لكن من حق الناقد ـ أو على القارئ العادي ـ أن يعترض على الشاعر حين يقرأ قصائد مبهمة لا تعبر عن أي شيء ، يبذل القارئ جهدا غير يسير لكي يلج القصيدة ، لكي يلمس محيط القصيدة فحسب، لكي يمسك بخيط واحد ـ على الأقل ـ من خيوط القصيدة ، لكي يعبر القصيدة خجلا وباحتشام، ولكن بعض هذه القصائد المبهمة لا تحقق له ذلك ، إنما تمارس نوعا من الإرهاب القرائي ـ إن صح التعبير ـ على القارئ؛ فالقارئ متلق حداثي ليبرالي إن هو أحسن التواصل مع هذه القصائد، لكنه يتحول إلى متخلف إرهابي ورجعي بدائي إن هو لم يهلل لها لأنه ببساطة لم يستطع التواصل معها.
بالطبع لا احد يعترض على الناقد فهو كذلك حر و يعمل لحسابه و من المؤسف ان النقاد يتكلمون بعد موت الفنان و حتى الجماهير لا تتواصل مع الفنان لسبب او لآخر.
وليت الامر مقتصر على بعض القصائد لبعض الشعراء ، لكن الأمر يتعلق بموجة أو نزعة شائعة قوية تميل إلى الغموض المتطرف والتجريد القاتل الذي يخدم قواعد الاتصال والتواصل.
هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة مادام هذا النوع من الأدب يروج له و يحظى بالجوائز و الإهتمام على أعلى المستويات و حتى النقاد ليسوا مجمعين في تقييم الأعمال .
ما يريده القارئ الواقعي هو ألا ينساه الشاعر فحسب، وأن يتذكره ، في لحظة الابداع..
المصيبة نحن في مجتمعنا لا نجد القارء اصلا و لا اريد ان يكون الشاعر هو المتهم فقط فحتى الأعمال السنمائية تميل للإبهام و الغموض و قد يحتاج المشاهد لمن يعطيه المفاتيح و حتى القارء ملام على تقصيره في تجديد أفكاره.
الإبداع مسؤولية وقدرة ؛ مسؤولية حين يدرك الشاعر ـ مثلا ـ أنه نبي الأمة والمدافع الروحي عنها وأن يدرك ذلك بصدق وايمان وتجسيد..
و لكن هذا الفنان حين لا يجد من يقف بجانبه و لا من يتجاوب معه يبحث عن فئة تفهمه و تفهم رموزه.
لست اكشف سرا حين اقول ان القارئ قد فر إلى ميادين فنية اخرى غير الشعر ـ ولو أن المبدع ليس هو المتهم الوحيد ـ فعلى سبيل المثال يعرف المرء بعض الذين يحبون تتبع منابع الجمال الأدبي قد نفروا من الشعر الحداثي وحين نسالهم يقولون بعض ما يكتب أصبح كالرياضيات.
و ما العجب فنحن في زمن الرياضيات فهل نتوقع من شاعر اليوم ان يتحدث عن العيس و البيداء.
صحيح ان هذه الفئة من القراء لا تمثل كل القراء لكنها تمثل جانبا منهم على الشعراء الحداثيين أن يراعوهم.يفر الكثير من القراء ـ بنسب مختلفة ـ من مجال الشعر إلى مجال النثر، فهم يجدون في الرواية والقصة وأي مقطع نثري آخر ما لا يجدون في المقطع الشعري ـ أو على الأقل هذا ما يدعيه البعض ـ والحق أن في مثل هذا الكلام جانب من الصواب؛ ذلك أن النثر مجال خصب ليفجر فيه المبدع فيه إمكانياته، ويشبه الأمر الملعب الكبير الذي يتيح للاعبي كرة القدم تفجير طاقاتهم فيه ، في حين أن الملعب الضيق أو الصغير لا يسمح بذلك، وهذا حال الشعر والنثر، فالشعر يحتاج إلى قدرة رهيبة وتمكن تام ومعرفة عميقة بخفاياه، دون أن يكون هذا مانعا من الإبداع وفق شروط معينة يحددها النظام الشعري. وهذا ما جعل البعض ـ وليس الكل ـ من المبدعين يهجرون هذا المجال ويلتحقون بمجال النثر، ولعل هذه الهجرة ولدت هجرة قرائية إلى مجال النثر بدورها.
وهذا لا يعني على الاطلاق ان النثر اسهل ركوبا واخفض درجة من الشعر ، إنما يعني ان الشعر ـ أو بعض هذا الشعر على الأقل وكما بدأ يحذر بعض النقاد ـ قد بدأ يفقد تواصله مع القراء والمتلقين، مما جعل بعض هذا الشعر لا يقرأ إلا من لدن اصحابه.
حكم قاس تصدره على الشاعر و تتهمه بالعجز و التقصير في التعبير بحرية و الشعر بأوزانه لم يكن في يوم من الأيام حاجزا و قيدا عن التعبير بحرية و يمكن أن أثبت العكس ...كل ما في الأمر الشعر يتميز عن سائر الفنون بالجزالة و الكثافة و الدقة في التعبير .
نجح المبدع ـ عند بعض النقاد ـ عندما يبرع في التواصل الكلي مع القارئ، والوصول إلى دواخل نفسه، ومخاطبة أعماقه مخاطبة لين ورفق حينا وشدة وقسوة حينا آخر، لكنها مخاطبة لا تعدم التواصل الجمالي. ومع ذلك فهذا المبدع لا يسيء إلى فنه أو يحط من قدره؛ إذ لا يعني الاهتمام بالمتلقي أن تكون غاية الشاعر ـ مثلا ـ هو أن ينزل بشعره الى مستويات قد تضر بالعملية الفنية في حد ذاتها ، إرضاء للقارئ ومحاولة للتقرب منه. فمهمة المبدع هي نقل رؤيته الخاصة وتجربته الخاصة عن الكون والوجود والحياة بشكل فني وجمالي الى القارئ، مع شرط بسيط جدا هو أن يضع المبدع في ذهنه أي قارئ يخاطب؛ فإن كان القارئ غريبا ، احسن التواصل معه، وإن كان القارئ عربيا اجاد التواصل معه ، وإن كان غير ذلك هيأ لكل مقام مقال كما يقال.
عدنا لبيت القصيد و هو لكل مقام مقال هذا يفسر كل شيء ....و ما المانع ان يكتب الفنان لنفسه خاصة أو لغيره في مناسبة ما لحادثة ما و بالتالي أي شخص آخر لا يفهم الموضوع ما لم يوضح الكاتب المناسبة.
وقد يقول قائل أن التجربة الانسانية والشعورية واحدة، وهذا أمر صحيح ، لكن مستويات القراء مختلفة ، ومرجعيات القارء مختلفة؛ فالقارئ الشيوعي ليس هو القارئ الراسمالي والقارئ اليهودي ليس هو القارئ المسيحي، والمبدع هو من يحسن مخاطبة الجميع دون ان يفقد فنه مميزاته الخاصة.ما دام القراء ـ على أرض الواقع ـ لا يشكلون كتلة واحدة، فإن هذا يقودنا إلى سؤال هام ألا وهو : أي قارئ يفترضه المبدع حين يؤلف عمله الإبداعي ؟الكاتب ليس مجبرا ان يرضي الجميع على تناقض معتقادتهم و مذاهبهم.
ربما من الصعب أن يجيب المرء عن هذا السؤال إجابة قاطعة حاسمة، لأن ذلك يستوجب علينا العودة إلى المبدعين وسؤالهم وهذا أمر صعب من الناحية العملية، بيد أنه من الممكن أن يستنتج الناقد بعد الدراسة والتحليل للأعمال الادبية نوع القارئ الذي ضمنه المبدع في عمله.و لا طائل من السؤال فقد لن نصل لتيجة ابدا
فبعض المبدعين يفترضون قراء مثاليين ينجز لهم العمل الفني؛ فيولد هذا العمل وهو يتضمن قارئه المثالي المحترف، وليس في هذا أي نقيصة أو عيب كما قد يظن بعض المبدعين الذين قد يشعرون بان افتراض قارئ معين اثناء الإبداع مساس بقدسية التاليف أو مس باللحظة الحاسمة في الابداع...على الإطلاق ، فإن افتراض المبدع لقارئ ماهر مثالي قد يجعله اكثر شعورا بالمسؤولية الإبداعية فنراه يجتهد ويشقى ويتعب حتى يخرج هذا العمل صادقا كل الصدق مع تجربته الفنية ، ذلك أنه يشعر دوما بثقل المهمة الملقاة على عاتقه بسبب ذلك الافتراض القرائي.لا يوجد صعب و لا سهل ما دام العمل الفني رسالة فالفنان حر في توجيهها لمن يشاء باللغة التي يشاء.
ولكن قد يميل العمل الفني الى السطحية والابتذال حين يقصر المبدع جل غايته في ارضاء ذوق القارئ ـ وقد يكون هذا الذوق غير مقبول بحكم الظروف الثقافية مثلا ـ ويفترض بذلك قارئا على درجة من السذاجة والسطحية ، فيكون عمله سطحيا ساذجا لا يسبر أغوار النفس البشرية ويكتفي بظواهر الامور. وبدل أن يعمل المبدع على رفع الذائقة الجمالية للقارئ ، نجد غاية ارضاء القارئ ودور النشر والامور التجارية عوامل تزيد من انحطاط مستوى الأعمال ودرجتها.
لا ينبغي اتهام القراء بالسذاجة و انحطاط المستوى...كل ما في الأمر على ما اظن ان الكاتب يكتب وفق احصائيات عن المستوى العلمي و الدراسي للمجتمع الذي يكتب فيه و له فهو يحاول ان يرضي الفئة الكبيرة .
والحق أن القارئ سيكون شاكرا كل الشكر للمبدع الذي يجعله يشارك في بناء معنى العمل والاجتهاد على ملأ فجواته وإعادة قراءة العمل قراءة تنسجم مع تجربة القارئ نفسه، فيكون المبدع قد ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو قد أرضى حاجة الفن والجمال ولم يخضع لضغوطات جماهير القراء من جهة، ولم يهدم جسور التواصل الكلية بينه وبين القراء حين يجعلهم أطرافا مشاركة في هذه الأعمال .
على حسب ما فهمت من الفقرة الأخيرة هل ينبغي للفنان ان يرفق اعماله بملحق يفسر ما كتبه و يكشف أسراره فماذا سيبقى اذن من عمله .و ماذا سيعمل النقاد و المحللون .
و الفنان كما هو معروف ليس مضطرا ان يفسر ما يفعل فمادام يراعي قواعد الفن الذي يمارسه فلا احد يعترض سبيله فهم من فهم و جهل من جهل.
أما ظاهرة الحداثة فهي تجربة منقولة و مترجمة و ليست نهضة كما يدعون . أراها كما يرى الآخرون تقليدا أعمى للأدب الغربي لا اكثر و لم أر شيئا حديثا و ليد حضارتنا يمكن أن نفتخر به فنحن مولعون بالإستيراد.
هذه الحداثة تبقى سائرة مستمرة حتى تأتي ظاهرة أخرى بديلة عنها و ليس بالضرورة أن تكون أفضل منها كل ما في الأمر مسألة أذواق و أفكار الأجيال القادمة.

.................................

نقطة هامة : العبارات بالأحمر من تعقيبي بقلمي
و ما توفيقي الا بالله .
رد مع اقتباس