عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 25-09-2010, 10:51 AM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,080
افتراضي هل الغموض في الشعر قضية أم القضية أننا لا نفهم الغموض؟

[SIZE="5"]قضية الغموض في الشعر العربي ليست وليدة العصر الحاضر ، فقد لازم الغموضُ الشعرَ منذ زمن طويل ، فوجدناه في شعر المبدعين بحيث يمكننا القول : إن الغموض صفة تلازم الإبداع الفني الأصيل ، لذا رأينا الغموض في الشعر العربي القديم يبرز بصورة جلية مع أبي تمام والمتنبي ، وهذا يقودنا إلى عبارة أبي تمام المشهورة عندما سُئل لماذا لا تقول ما يفهم ؟ فأجاب : لماذا لا تفهمون ما يقال ؟ إلا أن هذا القول يجب ألا يفتح الباب على مصراعيه للشعراء الجدد ليتخذوه حجة على غموضهم غير المبرر غالبا .
فالغموض عند أبي تمام والمتنبي ، كان جزئيًا ومحدودًا ، ولم يرد إلا في أبيات محددة ، وأيًا كان الأمر ، فإن قضية الغموض في الشعر الحديث قد أخذت أبعادا تدفعنا للبحث فيها ، وتعرف أسبابها ، ولعل هذا الغموض ناتج عن أمور أو يكمن في عدة جوانب من أهمها :
أولاً : البعد الدلالي :
ونعني به : اللفظة ، والاستعارة ، وإهمال حروف الربط (كحروف العطف) والمقاطع الشعرية .
والبعد الدلالي سيان في النثر والشعر إلا أنه في الشعر مختلف عنه في النثر ففي النثر يأتي البعد الدلالي كما هو متعارف عليه ، وتأتي اللفظة في سياقها لتدل على المعنى الذي وضعت له ، أما الشعر فإنه يحطم هذا النمط الدلالي المتعارف عليه لأنه يعتمد على النظم .
وتلعب الاستعارة في الشعر دورًا رئيسًا في بروز الغموض في الشعر، وإذا كانت الاستعارة ليست بجديدة على الشعر قديمه وحديثه ، إلا أنها ازدادت في الشعر المعاصر ، وبخاصة عند الشعراء الرومانسيين . وعندما نذكر الاستعارة في هذا المجال ، فذلك لأن الاستعارة تعني انتقال المعنى من المعنى الأول الأصلي إلى معنى ثان ، مما يعني اختلاف دلالة الكلمة بين الأصل والمعنى الجديد ، ناهيك عن ضياع المدلول ككل إذا انعدم ما بينهما من علاقة ، وبخاصة في الصورة الشعرية لتبدو هذه الصورة غامضة ، وهذا كثير في الشعر المعاصر الذي يبتعد بالكلمة عن مدلولها من خلال الصورة ؛ فالكلمة المفردة يتحدد معناها حسب السياق من خلال موقعها في الجملة ، ولما كانت الاستعارة سببًا في تغيير وتبديل السياق والمعنى ، فإن ذلك يعني مزيدًا من الغموض ، فالقصيدة عبارة عن مجموعة من الصور الجزئية الصغيرة المترابطة التي تشكل في النهاية القصيدة ذاتها ، لذا نجدهم يقولون : إن القصيدة المعاصرة استعارة كبرى ، أو واسعة يكبر معها الغموض ويتسع . ومن أمثلة هذه الصورة قول الشاعر :
( بيوتك ترحل من ذكرياتي ) .
فالمعروف أن البيت بناء يأوي إليه الإنسان ، والفعل يرحل إنما يخصص للكائن الحي الذي يرحل ويظعن ويستقر ، والشاعر هنا جعل الفعل ترحل متعلقا بالبيوت ، فجاء ارتباط البيوت بالرحيل ، ارتباطا غير مألوف لأن الشاعر ربط بين جماد وفعل حركي ، فخالف بذلك اللغة العادية ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أضاف إليه مزيدا من الغموض والغرابة عندما جعل البيوت ترحل من الذكريات !! فالذكريات مساحة تختزن فيها ذكريات الإنسان وأحداث لها مبررات التخزين ، وليست ساحة تقام فيها البيوت وترحل !! فالذكريات انطباع مطبوع ومحفور في الذاكرة .
إذًا فرحيل البيوت غير مألوف ورحيلها من الذاكرة لا علاقة له بالمعنى القريب للغة وهو غير مألوف أيضا .
ويمكن أن تقول هنا : إن الشاعر لا يطلب من القارئ فهما فوريا للمعنى في شعره فهو بريد خلق نوع من الإيحاء لدى القارئ لينقله إلى تجربته الشعرية ويشاركه فيها ووسيلته في ذلك إعادة صياغة الأشياء على غير ما هي عليه في الواقع وذلك من خلال اللغة التي يحاول تحطيمها ليصنع منها لغة جديدة تخدمه في نقل عالمه الداخلي الخاص إلى الآخرين ..
ومن أسباب الغموض عدم مراعاة نظم الربط بين أجزاء القصيدة بإهمال حروف العطف وغيرها من وسائل الربط في اللغة وهذا بالطبع خروج على قوانين اللغة المتعارف عليها مما يوقع القارئ في حيرة هي الغموض عينه ، ولعل أحدا يقول إن الشاعر يستعيض عن هذه الحروف والوسائل بطرق ربط أخرى وذلك ليحقق الانسيابية في النص !! ومن هذه الطرق ، التكرار والفاصلة والنقطة أو النقط المتوالية أو وضع كلمات في غير مكانها لترتبط مع بقية الجملة كأن يضع الفعل في آخر السطر الشعري ، والفاعل في بداية السطر الشعري اللاحق له ، أو يضع المضاف في السطر الشعري ، والمضاف إليه في بداية السطر الذي يليه ، كقول الشاعر:
طيور الشوق ، تحضنها ، تلاعبها ، تقرأ
بين سطورها الأشواق ، كأن الشوق
أغنية ، بلا ألحان بلا
أوطان
تهاجر فيها
أحزاني
ففي هذا النص لا توجد أدوات ربط بين المفردات وبين الجمل ، وهذا يجعل الصورة موزعة ومشتتة فالنص غير متجانس والصورة لا تبدو واضحة المعالم بسبب تراكم الجمل وتراكم المفردات وهذا لا يساعد على وضوح المعنى ويؤدي إلى الغموض الذي يؤدي إلى صدم القارئ وتشكيكه في مقدرته على الاستيعاب والفهم !! .
أمر آخر يعد من أسباب الغموض وهو اعتماد كثير من الشعراء على نظام المقاطع الشعرية ، فقد تكون القصيدة ذات مقاطع لكل مقطع رقم أو عنوان أو رقم وعنوان أو لا رقم ولا عنوان ، ومن المفترض أن تكون هذه المقاطع مرتبطة بوشيجة تجمعها في النهاية ، إلا أن بعض الشعراء يَصدمون القارئ ، ويلقون به في بحر الغموض عندما يفاجأ بانقطاع المقطع الشعري ، أو الفقرة الشعرية عن المقطع الذي يليه كقول أحدهم :
يا أهل هذه القرية الكرام
محسنكم أتى ككل عام
ليغرس المسجد والضريح
ويملأ الأسماع بكلامه الفصيح
ثم يأتي الشاعر بالمقطع التالي ، فيتحدث فيه عن لوحة وألوان دامية ، وسهول ووديان وخريف وظلال ورعاة وأشباح و…!! وهو كلام بعيد كل البعد عما سبقه من المعاني والأفكار ، فالمقطع الأول في وادٍ ، والثاني في واد آخر ، أحدهما في الشرق والثاني في الغرب !!
وقد يقول قائل إن الوحدة العضوية في القصيدة المعاصرة لا تعتمد على الترابط الشكلي الخارجي بين المقاطع بقدر اعتمادها على إيجاد الصور ووحدة المشاعر والأفكار التي تثيرها القصيدة ، وهذا يعني أن النقد المعاصر لن يعجز عن إيجاد مخرج لمثل هذا التشتت ، وتبرير هذا الضياع ، وذاك الغموض .
ثانياً : البعد النحوي :
ونعني به التراكيب ، كالضمائر المبهمة ، وتسكين حرف الروي ، والتقديم والتأخير في الجملة . فمن أسباب الغموض في الشعر الخروج عن القواعد النحوية مثل :
استخدام الضمائر المبهمة .
إسكان حرف الروي .
التقديم والتأخير في الجملة .
فالضمير في الجملة العربية لا بد أن يكون له مرجع ليُفهَمَ معناه ، فإذا جاء بلا مرجع التبس الأمر على السامع أو القارئ وتاه المعنى كقول الشاعر :
أُطلُ عليك من أبراج سحب النّاس
وإذا كان الشاعر قد استخدم الضمير فإن هذا أمر ليس بالجديد في الشعر العربي فهذا البحتري يقول :
أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر *** وإلام في كمد عليك وأعذر

إلا أن الغموض الذي قد يبدو للوهلة الأولى نتيجة لاستخدام الضمير لا يدخل في هذا الإطار ، فالمقدمة غزلية ، حيث يوضح الشاعر الأمر ـ أيضًا ـ في أبيات لاحقة . أما شاعرنا الحديث فإنك لا تعرف ماذا يريد ؟ أيطل من الأبراج على مدينته ، أم على بيارته ، أم على أمه ، أم عشيقته ؟! كل هذا وارد عنده ، ومن هنا كان الغموض .
أما تسكين الروي وهو قليل لا يتجاوز 3% من الشعر العربي القديم ، فإنه يساعد بلا شك في بث الغموض في أرجاء النص الشعري ، وهو كثير جدا في الشعر الحديث ، فمن المعلوم أن اللغة العربية لغة معربة ، وأن للإعراب أثرًا كبيرًا في المعنى ، بل لا يكاد يفهم المعنى بمعزل عن الإعراب ، لذا فإن التسكين مطية اللبس أو الغموض الذي يتسبب فيه الشاعر المعاصر عندما يحرص على أن يجاري في شعره اللغة أو اللهجة العامية التي تميل إلى التسكين ..
أما التقديم والتأخير فهو كثير في الشعر قديمه وحديثه إلا أنه في الشعر الجديد أكثر بروزا ، بل أكثر لبسا وغموضا لامتداد المعنى في أكثر من سطر شعري ، وقد يكون التقديم والتأخير مخالفًا قواعد بناء الجملة المتعارف عليه في النحو ، حيث يبرز الغموض ، ويزداد كلما ازداد اعتماد الشاعر على تقديم ما واجبه التأخير ، أو تأخير ما واجبه التقديم ، مع إهمال القرينة التي تدل عليه ، فقد تلجئ الموسيقا أو القافية ـ إن وجدت ـ الشاعرَ إلى التقديم أو التأخير ، كقول الشاعر:
زمر تجيء وبعدها تأتي زمر
والخنجر المسموم في القلب استقر
حزنت فلسطين وانكفأ الحجر
والدمع في الأقصى على العرب انهمر
مطر .. مطر .. مطر .. مطر
وإذا كان المعنى في الأسطر الشعرية السابقة واضحًا ، إلا أن الشاهد هو التقديم والتأخير ، حيث نجد الأسطر عندما نجعلها جملاً فعليه تكون على الشكل التالي :
1) تجيء زمر
2) استقر الخنجر المسموم في القلب
3) ……. …… …….. ………
4) انهمر الدمع على العرب في الأقصى …..
إلا أن الشاعر قدم وأخر تبعًا للنظام العروضي ، وموسيقا الشعر ، حتى لا يفقد الإيقاع والإيحاء ، فالتقديم والتأخير له أسبابه وأغراضه البلاغية أيضا .
ثالثًا : البعد الإيقاعي :
أي الوزن : كتداخل الأسطر الشعرية وترابطها موسيقيًا ، بخلاف البيت الشعري المستقل في القصيدة العربية التقليدية . فالإيقاع قد يكون سببا في غموض الشعر المعاصر على النقيض من البيت الشعري الذي قد يفتقد الصلة بالبيت الذي سبقه أو يليه ، فهو قائم بذاته في المعنى والمبنى والموسيقى ، فهو ـ غالبًا ـ يستقل عن الأبيات الأخرى ، ولهذا يكتمل فيه المعنى باكتمال مبناه وتفعيلاته العروضية الموسيقية ، أي له بداية وله نهاية .
أما السطر الشعري في القصيدة الجديدة أو الحداثية ، فقد لا يعرف القارئ له بداية ولا نهاية ، فتتداخل الأسطر الشعرية ، أو قل : تتداخل المعاني ، ولا يفهم القارئ أين ينتهي ، ومن أين يبدأ .
رابعًا : البعد المعرفي :
ويقصد به المضمون : كثقافة الشاعر الموسوعية ، وحشد الرموز ، وحركة النقد المواكبة للشعر والموجهة له .
كذلك فإن للبعد المعرفي دورا في الغموض في الشعر الجديد ، فثقافة الشاعر تلعب دورًا رئيسًا في غموض شعره بسبب استخدامه للرموز والأساطير العربية والإسلامية التي قد لا يلم بها القارئ ، ولعل الطامة الكبرى تكمن في استجلاب الشاعر لما عند الأمم الأخرى من الرموز ، والأساطير التي يجهلها كثيرون حتى من المثقفين العرب ، فيكون الرمز والأسطورة سببًا في الغموض وبصورة خاصة عندما يحرص الشاعر على حشدها حشدا بحيث يصبح الرمز أو الأسطورة الغاية وليس الوسيلة .
وهناك كثير من الأمثلة التي تملأ الدواوين الشعرية من شعرٍ حَشَدَ فيه الشاعر الكثير من الرموز والأساطير كأن يذكر بوذا وسربروس والناقة وعنترة وأبا الهول ، ورولان في قصيدة واحدة ، رغبة منه في استعراض ثقافته أمام القارئ الذي لن يستطيع مهما أوتي من ثقافة أن يجمع شتات هذه الرموز ومعانيها إلا إذا شرحها صاحبها ، وأوضحها في حاشية الصفحة !!.
بقي نقطة أحب أن أشير إليها غير الأخطاء المطبعية التي لا تعتبر من أسباب الغموض بصورة مباشرة ، ولكنني أريد الإشارة إلى أولئك الذين يتحملون مسؤولية تجاه غموض هذا الشعر وهم النقاد ، إذ مما يزيد الغموض غموضا الحركة النقدية المسايرة والمساندة للشعر الجديد فبدلاً من أن تيسر الصعب ، أو تصنع جسرا بين القارئ والشاعر ، أو المبدع والمتلقي فإنها تزيد الطين بلة من خلال نقد يجامل باسم التجديد ، ويجاري تحت شعار الإبداع أو ينقد العمل الفني بأسلوب يتسم هو الآخر بالغموض من خلال ألفاظ نقدية ، ومصطلحات غامضة ما أنزل الله بها من سلطان ، تحتاج إلى من يفسرها ويوضحها ويشرحها ، ألفاظ ومصطلحات لا يفهمها إلا كاتبها تماما كالشعر الغامض ، فيضيع القارئ بين الشاعر والناقد ، متهمًا نفسه بالقصور في فهم الأدب والشعر الحديث .
وبعد .. فإن الشعر وسيلة للإثارة والإمتاع ، فإذا افتقد الوضوح ، ولم يستطع الإنسان المثقف استيعابه وفهمه ، وبالتالي عجز الشعر عن إثارته وإمتاعه فإن مثل هذا الشعر أحق من غيره في الانضواء تحت الفن السريالي الذي هو أقرب إلى الهوس الأدبي منه إلى الشعر والعمل الفني .

ولكن لا ننسى دوما وأبدا اللغة ودورها في الكشف عن السؤال المطروح حول قضية الغموض ليتجلى لنا الطرح الأتي

ما هي اللغة الصالحة للإستخدام الشعريفي تفجير إبداعاته ؟ وهل أي تعبير بإمكانه الولوج إلى عالم المشاعر والتأملات ؟

وأية لغة تلك التي يستخدمها الشعر؟أهي لغة الحوار..؟
اعتقد أن الحوار وجه واحد من وجوه استعمال اللغة وبذا يكون قاصراعلى الكلام. واقصد الحوار هنا الحوار بمعناه الضيق (وليس الحوار مع العالم ومع الأشياء بلغتها التي لا ينفذ إليها ولا يقدر على استلهامها الا الملهمون ومنهم الشعراء).ولكن لغة الشعر لغة أخرى ليست هي لغة الكلام اليومي المستهلك ولكنها لغة الكشف التي تعطي للكلمات غنى جديداً أعمق من الكلام وأكثر بقاء منه.ولذا أحدث الشعر انفجاراً لغوياً فسره غير العارفين (بالغموض) واتجه الكثير من العارفين إلى التصدي لهذا الغموض بالبحث والتحري عن كنهه في علوم (السيموطيقا) علم العلامات (والهرمنيوطيقا) علم التأويل. وفي العلوم الأخرى كعلم الجمال وغيرها.إذن فالصورة الشعرية الجديدة التي اتخذت من اللغة اداتها في التكوين والكشف ـ والتي اتسمت بالخيال لكونها شاعرية وليست مجردة. هي التي فجرت قضية الغموض (وهي خاصية في "التفكير الشعري" وليس في التعبير الشعري).لان الغموض في التعبير الشعري ليس غموضاً ـ ولكنه إبهام ـ إذ ان الإبهام يرتبط أساسا بتركيب الجملة أي انه صفة نحوية أساسا تقوم على التعقيد في التركيب اللغوي ـ ولا علاقة لها بالتفكير الشعري المتسم بالخيال ـ وان فهمنا لتركيب اللغة فهماً جيداً يجعلنا نحل الكثير من إبهام اغلب قصائد الشعر الحديث ـ ونحن نجد في الآونة الأخيرة اتجاهاً جديداً في النقد يتخذ من "البنيوية" منهجاً في تحليل القصائد وهو رغم ما يؤخذ عليه لكونه يعمل داخل النص وليس خارجه إلا أنه ساهم في حل إبهام أو ما يسمى بغموض بعض القصائد. إذ انه يعتمد على القراءة الاستكشافية والاسترجاعية للوصول إلى دلالة النص ـ.* ونحن إذا سلمنا جدلا بالعلاقة الوثقى التي تربط الشعر بالخيال ـ وإذا اتفقنا مع "هربدت ريد" ان الخيال بديل المعرفة ـ فقبل تيسر المعرفة كان الخيال يسد حاجة الإنسان في تساؤله الدائم عن خفايا الأشياء فإننا نكون بذلك قد وصلنا إلى ما كنته "جوهر الشعر" في جعله الخيال حقيقة ملموسة وغير الممكن ممكن في واقعنا المعاش ـ تماماً مثل "الحلم" الذي يكسر فيه الحلم قيود الزمان والمكان ويتراءى مالا يستطيع أن يراه في الحقيقة أو حتى يصدقه ـ ومن هنا كان ارتباط الشعر بالأسطورة من حيث المنشأ فكلاهما قائم على المجاز ـ والمجاز "خرافة أو أسطورة لخصت في عبارة موجزة شديدة الإيجاز ما زالت تحمل أهم خاصية من خاصيات الخرافة وهي لا منطقيتها" ـ ونحن يومياً نتداول الكثير من تلك المجازات رغم لا منقطيتها بشكل عادي سلمنا بمنطقيته.فنحن نقول عين الصواب ـ وكبد الحقيقة ـ وغيرها.ونحن إذا قمنا بعزل كل ما هو خيالي وغير مفهوم وغامض وغير مطابق للواقع من موجودات فإننا لن ننفي القصيدة الحديثة فقط ولكننا سننفي الأدب عامة بوضعه في إطارين: إطار جوهر الطبيعة، وإطار الأساس المادي وهذا الطرح من الخطأ والضيق بمكان.فالشعر كما قلنا لا يستخدم اللفظ المعتاد بدلالته المحدودة في لغتنا اليومية وانه لا يفسر لنا الأشياء من منطلق عقلي (منطقي)، ولكنه قائم على الاكتشاف واستنباط صور التعبير فالشاعر هنا مبدع للكلمات والصور، وليس مطالبا بتفسير ما أبدعه إذ انه يفقد قصيدته خاصيتها الشعرية وهذا عمل ضد "الإبداع".مما سبق يتضح لنا بهذا الطرح البسيط ودون الدخول في متاهات واسعة في نشأة اللغة والفلسفة، وعلاقة اللغة بالأسطورة ورمزية الدلالات اللغوية، وعلم المنطق، وتور الدلالة اللغوية و…. الخ التي من الممكن رغم أهمية الإلمام بها، أن تضيف غموضا على الغموض الذي نحن يصدده، إذ أنها دراسات متخصصة ومتشعبة رغم كونها لها علاقة كبيرة باللغة التي هي أداة الشعر، بل وبالفكر الذي هو جوهر القصيدة.ولكننا نستطيع أن نقول مع القائل، بان الشعر بهذا الطرح ليس نقيضا للبساطة وان البساطة والغموض كلاهما شديد المساس بجوهر الشعر الأصيل، وأنا هنا لا اقصد البساطة بمعنى استخدام اللغة المحدودة؟ إن القصيدة التي لاتعطي وجها واحداُ بل وجوه متعددة لقارئها وسامعيها، والتي تلمس الأفئدة (ولو بلمسة خفيفة) والتي تجعلنا نغوص داخلها مرات ومرات، وفي كل مرة لا تكشف لنا سرها ـ هي من الشعر بحق ـ.وأنني اعترف بقصور النقد هذا القصور الذي ساهم بشكل كبير في الهجوم على القصيدة الحديثة بدعوى (الغموض).فقد ظل الناقد مثل القارئ ينحاز انحيازاً كبيراً إلى ربط القصيدة بمستوى الواقع الاجتماعي أو مستوى الموضوع في حضور هذا الواقع.وظل الناقد لفترة كبيرة يهمل "عنصر الرؤية" في تحليله للقصيدة مركزاً على عنصري الموسيقى والوزن.وظل الناقد أيضا يتخذ من سرعة فهم النص ووضوح دلالته مقياساً لجودة القصيدة.وكذا ظل النقد يتخذ من الصور البلاغية المألوفة قالباً جاهزاً لشرح القصيدة.أي بمعنى اشمل وأوسع انه اتخذ من مقاييس النقد المألوفة للقصيدة القديمة والتي استقرت باستقرار ـ الأوزان والصور من خلال النقد ـ مقاييس جاهزة للتطبيق على القصيدة الحديثة التي تمردت ـ ولذا اتهمت بالغموض وانتبذت جانبا رغم أن ملايين الأشياء الغامضة في حياتنا هي مثار الاهتمام اليومي. مما يعطينا الأمل في فرحة اكتشافها.فلماذا لأتعامل القصيدة الحديثة مثل ما نعامل هذه الأشياء ـ رغم الفارق في التشبيه ـ ولا نطرحها جانباً بدعوى غموضها؟ولماذا لا نحاول الدخول إلى عالم القصيدة ـ وأنا أعني مقولة (عالم القصيدة) بالتحديد ـ بشيء من الجهد كي نسبر غورها؟وتبقى الكثير من الأسئلة التي يمكن الإجابة عليها إذا نحى المتلقي تلك القوالب الجاهزة للنقد وتعامل مع القصيدة الحديثة بذاتها ولذاتها من منطلق النقد الحديث وأحس انه يدخل عالماً جديداً مليئاً بمناطق الكشف والعطاء.

المصادر :

([1]) ـ فصول ـ المجلد الرابع العدد الثالث ـ فيض الدلالة في شعر عفيفي مطر ـ فريال جبورة.
([2]) الشعر العربي المعاصر ـ قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ـ دار الفكر العربي ـ عز الدين اسماعيل..
([3]) في معرفة النص ـ منشورات دار الافاق الجديدة ـ بيروت ـ يمني العيد.
([4]) ـ الرمز الشعري عند الصوفية دار الاندلس ـ دار الكندي ـ عاطف جودة نصر.(5) ـ نظرية الأدب ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ رينية ديليك ـ او ستمن وارين.(6) ـ الاتجاهات الجديدة في الشعر المعاصر ـ مؤسسة نوفل ـ عبدالمجيد

جوده.

-دراسة مستجمعة -[/SIZE]

التعديل الأخير تم بواسطة أم بشرى ; 25-09-2010 الساعة 11:01 AM
رد مع اقتباس