عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 08-07-2019, 06:59 PM
abeer yaseen abeer yaseen غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 46
افتراضي تداول السلطة(التصور السياسي للدولة في الاسلام ج2)

تداول السلطة
يقول علي بن أبي طالب في كتاب له الي معاوية "أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمرو عثمان علي ما بايعوهم عليه.....وأنما الشوري للمهاجرين والأنصار فان اجتمعوا علي رجل وسموه اماما كان ذلك لله رضا "(1)
" الصراع بين الحركات الاسلامية وأعدائها يرتبط بالصراع علي السلطة الذي يتمحور حول مسألتين رئيسيتين هما :
تداول السلطة
علاقة الدولة ومؤسساتها بالمجتمع ونشوء حركة اسلامية ديمقراطية تعمل مع الحركات الاجتماعية والسياسية الأخري في التوصل الي الحلول المطلوبة لاقامة نظام مجتمعي يضمن المساواة والعدالة والحريات الفردية لجميع المواطنين أمرا ليس صعبا "(2)

التجربة الإيرانية وثيقة الصلة بخصوصية المذهب الشيعي. إذاً نحن نتكلم عن عشرة بالمائة من المسلمين فقط. هم مرتبطون بمفهوم ولاية الفقيه، وهذا ما لا يعرفه أهل السنة .. في تجربة إيران الديموقراطية لم تحقق النجاح الذي تمنيناه لها، نعم هناك انتخابات نزيهة تجري في إيران. ولكنها تجري في حلقاتها الأخيرة وليس في حلقاتها الأولى؛ لأنها تحجب حق كثير من الناس ممن يختلفون مع السلطة دينياً وفكرياً من حق الترشح (3)
الخيانة السياسية في المنظور الاسلامي وكيف نتجنبها

هي باختصار تولية اهل الثقة علي اهل الكفاءة ولقد حفلت السنة بالعديد من الاحاديث النبوية التي تحذر من ذلك منها :
ماروي عن الرسول صلي الله عليه وسلم في النهي عن ذلك: " من ولَّى ذا قرابة محاباة وهو يجد خيرًا منه لم يجد رائحة الجنة "(4). وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال أبو بكر رضي الله عنه حين بعثني إلى الشام : يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ذلك أكثر ما أخاف عليك فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من ولى من أمر المسلمين شيئًا فأمّر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا حتى يدخله جهنم"(5)
من هنا ندرك خطأ ماوقع فيه الاخوان الذين كان يمكن لهم ان يساهموا في دعم مرشح رئاسي ذو قبول شعبي ومرجعية اسلامية مثل حازم ابو اسماعيل ولكنهم لجاوا الي اشخاص وان كانوا ذوي قامة فكرية ودينية سامقة الا انهم ليس لهم ظهير شعبي ولايعرفهم حتي اكثر الناس فكان ردهم هو رفض معظمهم لتلك الدعوي . هل كان موقف الاخوان هذا من قبيل ان لاتستأثر شخصية ما علي الناس مادامت خارج التنظيم الله اعلم النتيجة كانت أن ترشح واحد من داخل التنظيم الاخواني لم يكن معروفا قبل ترشحه للرئاسة هو د. محمد مرسي .
وتلك كانت من أخطاء مابعد الثورة التي وقع فيها الاخوان المسلمون
هل يعني ذلك عدم ترشح أحد من تيار بعينه ذو مرجعية اسلامية يري في نفسه القدرة علي تولي هذا الامر له كثير من الاتباع يؤيدونه سلفا . هل هناك تناقض بين الطموح السياسي للشخصية الاسلامية لمعالجو والقعها المتردي وبين مرجعيتها الاسلامية في صورتها النظرية والعملية في هذا الصدد . وما معني قول يوسف عليه السلام للملك اجعلني علي خزائن الأرض اني حفيظ عليم ( قلنا يوسف كان نبيا واثقا من نفسه بالكفاية والأمانة ....ويري الأمور والأعمال والولايات في أيدي من ليسوا أهلا لها ويجوز مثل هذا اليوم ...وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي اذا كان القضاء في يد من لايصلح له وجب ان يخطبه من يصلح له وكان ذلك فرضا عليه

أعتقد أنّ لكل فرد الحق في ترشيح نفسه لكن ان ينافس علي هذا الأمر من يرونه الكثيرون من اصحاب الوعي السياسي في المجتمع احق منه ولكونه يتمتع بنفوذ حزبي او سلطة مادية يعارك من هو احق منه فهذا هو الذي يتناقض مع مفهوم حديث رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم وغيره من الاحاديث الكريمة في هذا الشان ومنها :
"عن أبي موسى قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدالرجلين: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك: فقال: إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحد حرص عليه " (6)
عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بن عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة أكلت إليها وأن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها(7)
واقتداء بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم صار عمر رضى الله عنه فحين طلب منه أن يولي الحكم لابنه رفض فمما رواه عنه ابنه عمر قال: "حضرتُ أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا : جزاك الله خيرا فقال: راغب وراهب قالوا: استخلف . فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا لوددت أن حظيمنها الكفاف لا على ولا لى، فإن أستخلف فقد أستخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف. ((8)
عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم
وفي كتاب " السياسة الشرعية بين الراعي والرعية " لابن تيمية حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه " من ولى من أمر المسلمين شيئاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله "(9)وفي هذا المعني روي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قول النبيصلى الله عليه وسلم:"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل يا رسول الله وما إضاعتها، قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة".
"فيجب على كل من ولي أمرا من أمور المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل .. في كل موضع أصلح من يقدر عليه : فإن عدل عن الحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء من مثل صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب وطريقة أو جنس كالعربية أو الفارسية أو التركية أو الرومية أو الرشوة بأخذها من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن في قلبه يُكِنُّه للأحَّق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى(10) عنه في قوله تعالى📷يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون) الأنفال:27
من هنا اذا اردنا ان نسقط هذا علي واقعنا بما يحقق العدل السياسي في صورته الاسلامية
فهذا يقتضي التغاضي عن الديمقراطية الغربية في هذه الزاوية التي تفترض ان كل حزب عليه ان يشكل الحكومة من الموالين له لأنه يتعارض مع المنظور الاسلامي الصحيح الذي يري وجوب تولي افضل الكفاءات في مواقع المسئوليات المتعلقة بشئون الشعب خاصة اذا علمنا ان
" التعامل مع الحوادث السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تحكمه -من وجهة النظر الإسلاميّة- نصوص محددة في الأعم الغالب ، وإنما تضبطه قواعد مستمدة من أحكام الإسلام ومقاصده ، مثل :
-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
- يُحْتَمل أخف الضررين لاتقاء أشدهما .
-تفويت أصغر المصلحتين لتحصيل أكبرهما .
-الضرورات تبيح المحظورات .. إلخ .
وهذا يفرض على العاملين في الحقل السياسي فكرة البدائل بضوابط الشرع ، ونظرية البدائل تطرح مجموعة حلول ، وتطالب باختيار الأفضل من وجهة نظر صاحب القرار ".(11)
وبالتالي لو افترضنا ان هناك شخصية عرفت بكفاحها وجهادها في سبيل الدفاع عن حقوق الناس في اي موقع كانت مع انتمائها لحزب آخر فمن العدل توليه مسئولية الحكم فيما هو معروف بكفاحه فيه حتي ولو لم ينتمي للحزب الفائز ذو المرجعية الاسلامية ويصير غض الطرف عنه وتولي آخر لأنه ينتمي لحزبنا الفائز هو من قبيل ضرب العدالة السياسية التي ارستها تعاليم الدين في هذا الشان والارتكان لاقرار مانظنه عداله هي من صنع البشر وان اخذت مسمي الديمقراطية التي وان كانت فيها ايجابيات اثبتت الممارسة العملية لها في الشعوب الاوربية مدي مأسدته لمجتمعاتها من تحضر مدني نتمي ان نري مناظرا له في مجتمعاتا الا ان هذا ليس معناه المطابقة التامة لها في كل جوانبها التي منها مايتعارض مع مبادئنا الاسلامية في تحقيق العدالة السياسية بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب ايا كان انتماؤه الحزبي . " فقيمة العدل تترجم الي كل السياسات التي تتناول العلاقات بين الحاكم والمحكوم والأغلبية والأقلية والرجل والمرأة والعلاقة مع الخارج "
وأجلى معاني العدل، كما ذكر صاحب التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور المساواة، بما يجعل تحقيق هذه القيمة في العلاقات بين البشرية مقصدا أسني من مقاصد الإسلام"(12)
والجاحظ في " أخلاق الملوك " جعل تولية الحاكم على شعبه من لا يرضونه من الأسباب التي ينهار بها ملكه حيث يذكر أن من أخلاق الملوك استقصاء أحوال الرعية " وقالت الحكماء أسرع الخصال في هدم السلطان وأعظمها وأسرعها في افساده وتفريق الجميع عنه اظهار المحاباة لقوم دون قوم ....وقديما قيل المحاباة مفسدة ...وقيل من زوال السلطان تقريب من ينبغي ان يباعد ومباعدة من ينبغي أن يقرّب(13)
اذا لو كان هناك رموز اثبتت نضالها وكفائتها في الدفاع عن حقوق الآخرين وتمني الكثير من اصحاب الوعي ان تتحمل مسئولية تولية مركز سياسي لاسيما في المجال الذي خبرته حتي وان لم تنتمي لفصيل سياسي فائز سواء كان اسلاميا ام لا صار من العبث وزرع الاحباط في نفوس المقهورين عدم وضعها في مركز المسئولية عن هذا الشعب او القطاع لاسيما المستضعفين منهم
نعم قد "يوجد تشابه كبير بين نظرية الحكم في الفكر السياسي الإسلامي ونظرية الديمقراطية هذ التشابه يعود إلى حتمية الاتفاق بين العلم السليم والدين القويم ...إلا أن ذلك لم يمنع من وجود خلافات جوهرية عميقة بين نظرية الديمقراطية ونظرية الحكم في الفكر السياسي الإسلامي وأهم هذه الفوارق يتمثّل في أن نظرية الديمقراطية في جوهرها إنما جاءت استجابة لتنوّع وتعدد مراكز القوى في المجتمع بشكل أساس, ولم تنطلق مباشرة من الرغبة الصادقة في تحقيق القيم السياسية الكبرى للحكم من حرية وعدل ومساواة بخلاف نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي الذي انطلق من التطبيق العملي للقيم السياسية الكبرى – العدل والحرية والمساواة والحماية – مباشرة باعتبارها قيماً دينية واجبة التنفيذ مضمونة الحماية قبل أن تكون قيماً سياسية, واتجاهه نحو التطبيق العملي المباشر قبل التنظير الفكري طوال فترة قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم للجماعة المؤمنة وطوال فترة الخلفاء الراشدين"(14)
وللاسف حين استعمل الاسلاميون الديمقراطية بعد تمكنهم من السلطة بالصورة التي عليها في محيطها الغربي لم يراعوا التحديات العصيبة التي تواجهها مجتمعاتهم والتي لم تتخلص من انظمة الحكم المستبدة بعد حيث كانت الممارسة الديمقراطية للحكم بعد الانتخابات الشرعية احدي اهم العوامل في عودة الدولة العميقة المستبدة الظالمة التي ابقت علي النظام الفاسد التي قامت الثورة عليه واكتفت بالتخلص من رأس النظام
وبالتالي اذا اردنا تصحيح مسارنا الثوري لتعبئة الشعب ومساهمته في مواجهة عودة النظام القديم فليس من الضروري ان تكون ديمقراطيتنا التي نتمناها لاسيما في تلك المرحلة نسخة مطابقة للديمقراطية الغربية مع الاعتراف كما اوضحنا سابقا بأنها تلتقي معها في الكثير مما نتمناه لمجتمعاتنا وتبعد عنها في أمور تراها تتعارض مع تعاليم الكتاب والسنة وايضا طبيعة المعركة التي تخوضها الثورة الآن حيث يصبح من العبث تشبث فريق ما بعودة السلطة مما يضعف من تكوين جبهة قوية متحدة في مواجهة الانقلاب .
واذا كان من ذوي التيار السياسي الاسلامي من يأخذ من الممارسة الغربية للديمقراطية سبيلا حصريا يدافع به عن احقيته في ان لايتولي المقاليد السياسية المتنوعة للدولة الا لمن ينتمون له وليس لأحد منازعته حريته التي يقرها العلمانيون انفسهم في الخارج ويرون فيها هي المثل العليا لتحقيق العدل
الا اننا كشعوب حين تحتكم لتعاليمها الاسلامية بمقاصدها الشرعية تجد ان هناك درجة ترافق العدل تسمي الاحسان هي وغيرها مايجعل لأمتنا لها صبغتها الخاصة في تحقيق العدل والرحمة الانسانية لكل مجتمعات تصل اليها نور الاسلام وهذا ماوضحه الغزالي بصورة عامة بقوله : " ...
واعلم ارشدك الله تعالي ان الله تعالي أمر بالعدل ثم علم سبحانه ان ليس كل النفوس تصلح علي العدل بل تطلب الاحسان وهو فوق العدل فقال : ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان ) فلو وسع الخلق العدل ماقرن الله به الاحسان فمن لم يصلح حتي يزداد علي العدل كيف يصلح اذا لم يبلغ به العدل والعدل ميزان الله في الأرض فمن أزال ميزان الله فقد تعرض لسخط الله" .(15)
وفي تلك اللحظة الراهنة التي تمر بها مجتمعاتنا علينا ان لاننسي انه لتحقيق العدالة السياسية المنشودة يجب الانتصار في المعركة الشرسة التي نخوضها ضد الديكتاتورية العسكرية التي هي امتداد لدول استعمرتنا في الأمس وتري في بقائنا تحت نير تلك الانظمة الحاكمة هي ضمانة لبقاء مصالحها فنحن شعوب مستعمرة (بفتح الميم ) ولكن بثوب جديد هي ان من يستعمروننا هم من بني جلدتنا ولائهم ليس لمصلحة شعوبهم وانما للخارج الذي يمدهم بالشرعية التي يفتقدوها في الداخل ويدافع عن بقائهم
ومن اجل تغيير هذا الواقع المزري لشعوبنا نحن في امس الحاجة لتحقيق المشاركة العامة مع الكفاءات من الاطياف الأخري خاصة في مواجهة التحديات الشديدة التي تواجهها مجتمعاتنا مع تلك الأنظمة التي حكمتها لعقود ضاعت خلالها كرامة وحرية الانسان وصار يعيش في فقر مدقع في الوقت الذي تتجمع فيه الثروات في ايدي حفنة ممن يحكمونه . وهي لن تألوا جهدا في سبيل الحفاظ علي تلك المصالح حتي ولو افنت الكثير من افراد شعوبها وزجت بهم الي المعتقلات كما هو ماثل امامنا.
وبعد ان تتحرر مجتمعاتنا من الأنظمة المستبدة علي الجميع المشاركة دون تميز في تطهير المجتمع من الفساد الذي تغلل في مواقعه ومؤسساته المتنوعة حتي نصل الي المرحلة التي يصبح المناخ فيها مواتيا في اعادة تشكيل وجدان وفكر الانسان فيها ويصبح اكثر وعيا بحقوقه وواجباته "لا مفر بعد الثورة من أن تختار الأحزاب الإسلامية بين تقديم المكاسب الحزبية أو تقديم المصلحة الوطنية وأهداف الثورة، وكل خيار يدفع باتجاه مختلف وتترتب عليه استحقاقات ومقاربات وأولويات مختلفة. وفي كل الحالات تحتاج الحركة الإسلامية بعد الثورة أن تتحول من تنظيم مغلق إلى تيار وطني مفتوح وجامع يعمل على الحفاظ على روحية الثورة والإجماع الشعبي إلى نهاية المرحلة الانتقالية."(16)

وتكون تلك الفترة الانتقالية لمجتمعاتنا تمثل فرصة مواتية لترسيخ قواعد الديمقراطية وبروز قيادات من كل الأطياف السياسية وفي كل موقع قادرة علي التعبير عنها وحل مشكلاتها هنا يصير المناخ مناسبا لأن يستقل كل حزب بكوادره وافكاره لينافس بها في انتخابات حرة نزيهة علي الأسس التي نراها في مجتمعات تحترم انسانها ولاتري في التحكيم لجهات خارجية متخصصة للاشراف عليها اي حرج والتي كانت تدّعيها انظمتنا المستبدة لكي تستطيع تزوير تلك الانتخابات دون رقيب او حسيب .
وخاصة اذا صارت المشاركة السياسية الحقيقية لحكم البلاد وادارة قطاعاته المتنوعة في تلك المرحلة المستقرة لايخشي فيها اعادة مكائد الدولة الفاسدة والاضطرار لمهادنتها او الضعف في التعامل معها كما حدث في السابق . بالاضافة الي رغبة الاحزاب نفسها وحريتها في عدم المشاركة او التحالف الحزبي قبل الانتخابات مع اي حزب آخر مقابل لقناعتها الايديولوجية ورؤيتها للنهوض بالبلاد
وأخيرا فان " ما لا يفعله جناح من إسلاميي مصر (وفعله الكثيرون من الديمقراطيين الجدد في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا وماليزيا وغيرها) هو عملية المواءمة بين متطلبات ومرجعيات مجتمعاتهم وبين الديمقراطية دون تسفيه الديمقراطية والترويج لها على غير حقيقتها.. ويكفي هنا الإطلاع على المواءمات التي أنتجت الدساتير والأنظمة والقوانين الانتخابية في أمريكا اللاتينية والهند، أو على فهم رؤية مهاتير محمد وأنور إبراهيم في ماليزيا أو أردوغان وأوغلوا في تركيا في شأن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية.. هذه المواءمات ليست نقلا مباشرا من الغرب وإنما إعمال للعقل وأخذ لما يوافق مجتمعاتهم والإضافة عليها وهذا هو الأهم..(18)
مراقبة المسئولين في الدولة ومحاسبتهم ولايستثني منه أحد حتي الرئيس
ضرورة وجود آلية مستقلة يقع عليها عبء مساءلة ومراقبة الحكام ، والرقابة البرلمانية التي تكون أراؤها ملزمة للحاكم وعلي الأجهزة العسكرية والأمنية
وقد أجمع علماء الأمة على ضرورة الاستفادة مما وصلت إليه الأنظمة الغربية من ممارسات نستطيع بها إقامة العدل في مجتمعاتنا وخاصة مساءلة الحاكم ومحاسبته خاصة أن هذه الدول قد سبقتنا كثيرا في هذا المضمار كما أننا لا نجد في شرعنا غضاضة في الاستفادة مما وصل اليه الغرب مادام يحقق مصالح الناس ويمنع الظلم
وفي الحضارة الاسلامية كانت هناك سلطة أهل الحل والعقد ، والتي وضحها الإمام أحمد بن حنبل "رضي الله عنه"،بمجموعة مُعينة من الناس تختارهم الأمة من وجوهها المطاعين، ذوي عدالة وعلم بالأمر العام، وخصوصًا العلماء المشهورين ورؤساء الناس.
وهذه الجماعة، كما يقول ابن حنبل "تتبع الناس فيما ينوبون فيه عنهم من أمور، تتعلق بإقامة مقصود الإمامة، ورعاية أمور الأمة ومصالحها العامة"، والتي من بين أهمها اختيار إمام الأمة، أو رئيس الدولة بالمعنى المعاصر، ولذلك، فإنه من المسميات الأخرى لأهل الحل والعقد، مصطلح أهل الاختيار.
ففي الإسلام، على رئيس الدولة أخذ موافقة أهل الحل والعقد قبل اتخاذ اي قرار يتم فرضه علي الشعب ولهم الرقابة على الحاكم وعزله عند الحاجة، ومناقشة وإقرار الالتزامات التي تمس مصالح العامة، وهي كلها أجزاء أصيلة من الوظائف الرقابيَّة والتشريعيَّة لنائب الشعب في البرلمانات المعاصرة-
فأهل الحل والعقد في زماننا هم الذين تضمهم المجالس النيابية عن اختيار حر نزيه بحيث يكونون محل ثقة الأمة وأهلا للحسبة على الحاكم والحكومة لمنع هذا العدوان "والصحافة هي أحد أهم مفردات منظومة المحتسبين الذين يعاونون نواب الأمة الذين تنتظمهم الهيئة التشريعية".. وهكذا فولاية الأمة متمثلة في مجالسها النيابية ومؤسساتها الدستورية هي المخولة لمحاسبة الحاكم وكل مسئول عن أي شأن من شئون الأمة(19)
وأهل الحل والعقد في الإسلام من أهل العلم الإستقلالي بشريعة الأمة ومصالحها السياسية والإجتماعية والقضائية والإدرية والمالية ومن أهل العدالة والرأي والحكمة وهم قلما يوجدون إلا في الأمم الحرة" وليس ضروريا أن يسمى بهذا الإسم من يعهد إليهم بالوظائف والإختصاصات التي كانت منوطة بأهل الحل والعقد تاريخنا(20)
وهذا البعد الرقابي اشار اليه ابن الاثير حيث ان رئيس الدولة هو المسئول عن كل مايحدث في ولايتحمل المسئولية وزرائه فقط قائلا : " واجعل في كل كورة من عملك أمينًا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرتهم و أعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها...واستعمل الحزم في كل ما أردت و باشره بعد عون الله عز وجل بالقوة و أكثر في استخارة ربك في جميع أمورك "
"وتحفظ من الاعوان فإن أحدا منهم بسط يده الي خيانة اجتمعت به عليه (أي أتفقت عليها أخبار الرقباء) عندك أخبار عيونك أكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنة وأخذتة بما أصاب من عمله ثم نصبتة بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدتة عار التهمة"(21)
استقلال القضاء فلا يحق للرئيس التدخل في تعيينهم

التفاضل بين البشر والمساواة بين الناس علي أساس التقوي هو شأن يتحقق أمام الله في الأخرة لابين الناس في الدنيا فالحق والواجب وسائر أمور المعاملات لاعلاقة لها باسلام المرء أو كفره وهذه هي المساواة القانونية في الاسلام انطلاقا من أن الكرامة في الاسلام هي لبني آدم(22)
وكانت للقاضي سلطة مستقلة يحكم بها علي الخليفة نفسه أو مسئوليه ولا ننسي القصة المشهورة لعلي بن ابي طالب واليهودي الذي اتهمه علي بأنه أخذ درعه ولما لم يستطع علي أن يقدم بينة تم تبرئة اليهودي من جهة القاضي شريح هذا وعلي بن ابي طالب أمير المؤمنين وكان هذاالموقف سببا في أن أسلم اليهودي والذي اعترف بأنه سرق درع علي رضي الله عنه
ويذكر أن الشيخ عبد القادر الكيلاني وقف علي منبره محاسبا (المقتفي لأمر الله ) ومنكرا عليه تولية يحي بن سعيد المشهور بابن المزاحم الظالم القضاء فقال مخاطبا له : وليت علي المسلمين أظلم الظالمين فما جوابك غدا عند رب العالمين أرحم الراحمين فارتعد الخليفة وعزل المذكور لوقته"(23)

وقد روي النباهي في تاريخ قضاة الاندلس ما يستفاد منه أن الخليفة نفسه كان يمكن التظلم منه وكان عليه عندئذ أن يخضع كأي فرد من أفراد المجتمع للاجراءات القضائية المقررة مثلما حدث مع الخليفة المنصور العباسي حين وصل الي المدينة حاجا فتظلم منه الحمالون فكتب اليه محمد بن عمران قاضي المدينة وقتئذ رسالة يطلب اليه فيها الحضور مع المتظلمين وفي اليوم المحدد للنظر في القضية ....قضي القاضي لخصوم الخليفة فلم يغضب بل قال للقاضي جزاك الله عن دينك وعن نفسك وعن خليفتك أحسن الجزاء (24)
"ويدخل في اختصاصات محكمة المظالم المسائل المتعلقة بأمن الدولة والأفراد في دائرة القانون والسياسة الشرعية ولقد أصدرت عدة قوانين منها قانون الكسب الحرام من أين لك هذا واصدار قانون لضمان حماية المال العام وصيانته "(25)
"وكان يعهد الي كبار القضاة بالنظر في المظالم وهم من ذوي الكفاءة والأهلية لا من ذوي القرابة والمحسوبية والجهالة وكانت له صلاحيات تفوق القضاء العادي وكانت محكمة المظالم واسعة الاختصاص وهي أقرب الي القضاء الاداري "
وكان القضاة الورعون أمثال أبو حنيفة يتورعون عن تولي هذا المنصب اذا عجزوا عن القيام بتلك المسئولية فيروي "أن المنصور استدعي أبا حنيفة وعرض عليه تولية هذا المنصب الخطير فامتنع وأعرض قائلا : ان هذا دعاني للقضاء فأعلمته أن البينة علي من ادعي واليمين علي من أنكر ولكنه لا يصلح للقضاء الا رجل يكون له نفس يحكم عليك وعلي ولدك وقوادك وليست تلك النفس ليانك لتدعوني فما ترجع نفسي حتي أفارقك "(26)
" أستدعى المنصور أبى حنيفه و عرض عليه تولى هذا المنصب الخطير فأمتننع و أعرض قائلاً : أنى لا أصلح و أنى لأعلم أن البينه على المدعى و اليمين على من أنكر و لكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك و على ولدك و قوادك و ليس تلك النفس لى أنك لتدعونى فما ترجع نفسى حتى أفارقك"(27)
و وفي رواية أخري لتلك الحادثة ذكر عن الربيع ابن يونس قوله: رأيت أمير المؤمنين ينازل ابى حنيفه فى أمر القضاء و هو يقول له أتقى الله و لا تدع أمانتك الا من يخاف الله و الله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب؟ و لو أتجه الحكم عليك ثم هددتنى أن تغرقنى فى الفرات او الى الحكم لأخترت أن أغرق لك حاشيه يحتاجون الى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك فقال له المنصور كذبت إنك تصلح فقال: قد حكمت على نفسك كيف يحل لك أن تولى قاضياً على أمانتك كذاباً .(28)
سرعة التقاضي
يقول الامام علي في رسالته للأشتر النخعي ثم أمور لابد لك من مباشرتها : منها اصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك (الاعوان الذين يحبون المماطلة في قضائها : استجلابا للمنفعة أو اظهارا للجبروت )(29)

وكانت الشرطة تابعة لسلطة القاضي بما يضمن سرعة اعطاء ذوي الحقوق حقوقهم وليس كما وجدنا في الأنظمة الاستبدادية فكم هي الأحكام التي يصدرها القضاة لصالح المظلومين ونراها لاتنفذ لأن القاضي لايملك سلطة تنفيذ الأحكام فهي تابعة للداخلية ويتحكم فيها ويتدخل بابطاله هذا الجهاز ارضاءا أو نفاقا للحاكم
"عن صالح ابن حبير قال: ربما كلمت عمر ابن عبد العزيز فى الشىء فيغضب ....فيقول لى بعد ذلك لا يمنعك يا صالح ما ترى منّا أن تراجعنا فى الأمر إذا رأيت(30)
يقول علي رضي اله عنه :"إنة من أستثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ماهو أملك به مني "

نستنتج أنه لا بد من سلطة مستقلة يخضع أمامها الحاكم لمحاسبته و مسائلته و تكون تلك الجهه قضائيه يتم أنتخابها من الأمة

المراجع :
1- نهج البلاغه ص 542
2- مفهوم الدولة الاسلامية وحي منزل أم ايديولوجيا جامدة : برهان غليون ، محمد سليم العوا
3- نواف القديمي وحوار مع فهمي هويدي حول موضوع المشاركة السياسية وقبول تداول السلطة عند الاسلاميين
4- كنز العمال ج6 / ص 39 رقم 14752 ابن عساكر عن أبي بكر
5- (أخرجه الإمام أحمد في مسند أبي بكر الصديق ج1 / ص 6 و الحاكم في المستدرك ج4/ ص 93
6- (كتاب الإمارة صحيح مسلم باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها- الجامع الصغير: ج 1/ ص 454
7- " صحيح مسلم باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها 13/1652
8- صحيح مسلم باب الاستخلاف وتركه 11/1823
9- رواه الحاكمفتح الباري، جـ/ 13 كتاب الأحكام ومسلم جـ/ 12 كتاب الإمارةوروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر وروى ذلك عنه
10- دراسات تربوية في الأحاديث النبوية : محمد لقمان صـ316 وما بعدها
11- عليكم بفقه التثبيت وفقه الدعوة : صلاح الدين النكدلي
12- )فتح الباري، جـ/ 13 كتاب الأحكام ومسلم جـ/ 12 كتاب الإمارة
13-دراسات تربوية في الأحاديث النبوية : محمد لقمان صـ316 وما بعدها ، علم النفس في التراث الإسلامي، ج1 / ص 14- نقلاً عن التاج في أخلاق الملوك للجاحظ
15-- حسام عبدالغفار: الربيع العربي والأحكام الشرعية؟
16- الغزالي : أيها الولد
17- مصير الثورات وخيرات الاسلاميين : سهيل الغنوش
18- ( الإسلاميون والديمقراطية : عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستق أخبار الحياة، 13 ديسمبر 2011)
19- في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق
20- (في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص110 نقلا عن الخلافة للشيخ محمد رشيد رضا ص66 ) ، (الفقه الإسلامي في طريق التجديد: محمد سليم العوا ص67، 68 )
21- نهج البلاغة ص 634
22- (حقوق الانسان في الاسلام)
23- قلائد الجواهر ص8 ،نقلا عن الاسلام بين العلماء والحكام
24- (تارخ قضاة الاندلس :النباهي نقلا عن : النظم القضائية والادارية في الاسلام )
25- (المرجع السابق)
26- (المناقب للمكي ، ج1ص215 )
27- المناقب للمكى ص 215
28- (تاريخ بغداد ص 328)
29- (نهج البلاغة : ص640 )
30- المرجع السابق ص 176
رد مع اقتباس