عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 05-05-2007, 02:30 AM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
موضوع مميز مذكرات اسير حرب لدى اسرائيل في سجن الوطن

اخوتي واخواتي أعضاء المنتدى : تهمني متابعتكم وتعليقاتكم لهذا الموضوع الذي سوف أكتبه على عدة حلقات متتابعة وفي
كل حلقة أسمع منكم وأرى ردودكم التي قد تشجعني على اتمام هذه المذكرات
وتحياتي للجميع
والله من وراء القصد عليم


بسم الله الرحمن الرحيم
--------------
أحد فصول العذاب
=========
في صباح يوم من أوائل أيام الشتاء وتحديدا" في 20 - 10 - 1983 ... كنت ورفاقي التسعة نخرج من زنزانة ضيقة مساحتها أربعة أمتار مربعة كنا قد أمضينا فيها ليلتنا الآخيرة من الاسر عندالاسرائيليين ...
بدأ جنود العدو بتفتيش ثيابنا وأمتعتنا التي كنا نحملها من أعمالا يدوية ... كنا نقوم بصنعها ضمن المعتقل ... لم نكن نشعر بالخوف من الصهاينه ... وكنا قد أخذنا قليلا من حريتنا داخل المعتقل ... بعد أن قدمنا بعض التضحيات من جرحى وقتلى ... والحرية لا تأتي بدون ثمن ... وثمن الحرية هو الدم :
وللحرية الحمراء باب ...بكل يد مضرجة يدق
كنا قد توصلنا مع العدو الاسرائيلي على مفردات وصيغ تصون بعضا" من كرامتنا بعد أن قدمنا هذه التضحيات ... كنت لا أصدق بأن الاسرائيليين سوف يطلقون سراحنا ... فقد كذبوا علينا كثيرا" ... وكنت أعتقد بأنهم سوف ينقولوننا الى سجن آخر... جاء الصليب الاحمر الدولي وكان أكثرهم من النساء ... جاؤوا لكي يرافقوننا في طريق العود الى بلادنا .
الكرم الاسرائيلي
----------
قدم لنا اليهود وجبة الافطار الصباحية ... وأعطوا كل اسير أربعة علب من التبغ المصنع اسرائيليا" ... دقت ساعة الصفر ... وبدأت مرحلة العودة الى الوطن ... فصعدنا الى الحافلة التي سوف تقلنا ... بدأ الباص بالتحرك برفقة مندوبين الصليب الاحمر الدولي ... ونحن نرقص ونغني مبتهجين باطلاق سراحنا ... وكنا نحمل أشواقا" لكل شيئ" في بلادنا ... ومن كثرة الحنين الذي قتلني اشتقت للحجر والشجر قبل البشر ... وكنت قد نذرت على نفسي أن أقبل تراب الوطن قبل أن تطأ قدمي عليه ... وكنت أفكر باللقاء الذي يجمعنا مع أحبتنا عند الحدود السورية الاسرائيليةوآتساءل بيني وبين نفسي عن نوعية ذلك اللقاء ... هل سيكون حارا" ...؟! ... يالله ... يالله ... ماأجمل ذلك اللقاء ... وماأجمل الناس الذين سوف يستقبلوننا ... وماأجمل تلك
اللحظات ... وينقطع حبل تفكيري وشرودي بلمسة من رفيقي أو هزة من هزات الباص الذي يسير باتجاه فلسطين ( اسرائيل ) .
نحن كنا في جنوبي لبنا ن وفي منطقة اسمها ( انصار ) ... كان قد بنى الاسرائيليين عليها هذا المعتقل وسمي بمعتقل انصار وكنت قد أمضيت سبعة عشر شهرا" في ذلك المعتقل ... وخلالها كنت ورفاقي في الاسر منعزلين عن العالم أجمع ولانرى أحدا" من البشر ... كنا نعيش حياة همجية وبربرية ونحن في القرن العشرين ... كنا كطرزانا" يعيش في غابات افريفيا وخرجنا الى المدنية والبناء ... فبهرتنا هذه الحضارة ... كنا كاأطفالا نعيش في بطون أمهاتنا وخرجنا الى الحياة ... فبهرتنا هذه الحياة ... كنا كبشر نعيش في كوكب واكتشفنا بأن هناك حياة بشرية أخرى في كوكب آخر ...
كنا نعيش في زمن الانظمة الفاسدة
لا أستطيع أن أوصف هذه المشاعر بالقلم ... ولا يستطيع أي قلم في العالم أن يوصف مشاعري في تلك اللحظات الرائعة التي خرجنا فيها من المعتقل ... لقد خرجنا من الظلمة الى النور ...
كان هناك بعض النسوة والاطفال اللبنانيين يهتفون ويلوحون لنا بالمناديل ونحن خارجون من المعتقل ... وكانوا ينثرون الارز
بأياديهم ... يالله ... ما أجمل هذا ... انهم يحيوننا كأننا أبطال ...
فهل نحن أبطال ...؟!
الله أعلم ...
فكل اسير منا له قصته ومعاناته الشخصية ...
هاهي المسافات تقطع ... هاهي فلسطين الحبيبة تنادينا ...
فلبينا النداء ودخلناها ... ولكن دخلناها مأسورين
فهل سيأتي يوم علينا ندخلها فاتحين ...؟
لا أظن ذلك في الوقت القريب ... فنحن الآن في زمن الفضائح والخيانات العربية ... نحن في زمن بيع الأوطان ... وبأبخس الأثمان ... نحن نعيش في زمن المتاهة والضياع ... نعيش خارج التاريخ والزمان والمكان ...
اخيرا" وصلنا الى الحدود السورية الاسرائيلية ... وبدأنا بالنزول من الباص ...
كان هناك أحد الضباط الاسرائيليين الكبار بالعمر والرتبة يلبس بذة عسكرية مقلدة بالأوسمة الكثيرة يصافح باليد كل اسير ينزل من الباص ... وجاء دوري فصافحني معتذرا" ومتحدثا" باللهجة العربية السورية وبطريقة دعابية عما بدر منهم من معاملة سيئة خلال وجودنا في المعتقل فقال ( ستروا ما شفتوا منا ولا تعيدوها ومع السلامة وسلموا ) .

في الطريق الى الوطن
===========
لم يعد يفصلنا عن تراب الوطن الا أمتارا" قليلة يشغلها موظفون عسكريون من قوات الامم المتحدة مصطفون على جانبي الطريق وواقفون باستعداد رافعين اياديهم بالتحية العسكرية احتراما" لنا
كانت الامنيات كثيرة - وكانت الاحلام تزين لي الاستقبال الكبير من قبل أبناء الوطن ...فقد كان رفاق الاسر في المعتقل قد قالوا لنا بأنكم عندما تدخلون الى سورية سوف يستقبلونكم استقبالا" كبيرا" ويدخلوكم الى المستشفى ( الحجر الصحي ) ثلاثة أيام لكي يفحصونكم فحصا" عاما" لانهم يخافون عليكم من الامراض التي قد يصدرها الاسرائيليين الى سورية - وخلال هذه الايام الثلاثة يحققون معكم تحقيقا" سريعا" ويبعثون بكم الى اهاليكم
ابحرت عيوني على بعد مائتي متر تقريبا" وهي المسافة التي تفصلنا عن المستقبلين السوريين الذين كانوا بانتظارنا
كانت اللهفة كبيرة والاشواق كثيرة - وها هو قلبي يدق بسرعة من الفرح - هاهي بلادي - هاهي سورية ...
يالله ...
هل أنا أحلم ...؟
ما كنت أصدق بأني سوف أرى بلادي ثانية ولذلك كنت قد نذرت على نفسي أن أقبل ترابك يا وطني
انتهت رحلتنا مع الاسرائيليين ...
انتهت رحلتنا مع المآسي والعذاب ...
هكذا كنت أظن ...
ها هم مندوبات الصليب الاحمر الدولي يهنئوننا بالسلامة
انهم يبدون كأنهم من الملائكة - فهم حسناوات وشقراوات
نعم انهم ملائكة بالمقارنة مع الصهاينة - فقد كنت أشعر معهم بالأمان
كانوا يرافقوننا من بداية الرحلة وكانوا يبتسمون لنا ويداعبون هذا وذاك
كانوا يتكلمون بلغة عربية ركيكة وعندما تصعب عليهم أي كلمة عربية كانوا يلفظونها بالانكليزية وكنت أفهم عليهم بعد أن تعلمت بعض الانكليزية خلال فترة الاسر
عندما كان الاسرائيليين يقررون الافراج عن بعض الاسرى - يأتي مندوبون ومندوبات الصليب الاحمر الدولي فيجتمع مع كل اسير ويسألونه عن البلد الذي يود الذهاب اليه ...
جائتني مندوبة الصليب الاحمر الدولي أكثر من عشر مرات لتسئلني عن البلد الذي أود أن أذهب اليه وأنا أقول لها : أريد الذهاب الى بلدي سورية - فكانت تقول : ألا تخاف على نفسك من أن يذبحوك
فأقول لها : ولماذا يذبحونني وأنا (صفحتي بيضاء ) في بلدي ولم أقم بأي عمل يخالف القانون
فتجيب قائلة : ان الناس الذين ذبحوا ويذبحوا هل قاموا بشيئ ضد القانون وتضيف : كلا لم يفعلوا شيئ ولكن لانهم لا يحبون رئيسكم فرفضت هذا الكلام وأبلغتها قراري بأني أود الذهاب الى بلادي ...
فبدأت تزين لي الحياة الكريمة التي يعيشها الناس في البلاد الاوربية وبأن حياتي كلاجئ سياسي لن ينقصها شيئ وانهم سوف يأمنون لي السكن والمعيشة واخيرا" الجنسية التي تخولني الذهاب الى أي بلد عربي ...
بدأت أفكر في هذا الكلام ونفسي تراودني على ذلك -
فهل أسمع كلامها ...؟
ان الكثير من أبناء وطننا العربي يحلمون بالسفر أو الهجرة الى البلاد الاوربية لما فيها من مزايا حسنة
وهاهي الفرصة تقدم تقدم لي وعلى( صحن من ذهب ) بدون تعب أو شقاء فهل أستغلها وأوافقها وأعيش حياتي بعيدا" عن وطني كلاجئ سياسي في بلاد الغربة
قيل لي بأن هناك الكثيرين من الاسرى قد ذهبوا كلاجئين سياسيين الى ( المانيا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا )
فهل أوافقها على ذلك ...؟
فانها تنتظر الجواب النهائي ...
حينها سمعت صوت أمي يناديني ويقول لي : تعال يا بني لقد اشتقت اليك ...
هاهي جميلة الجميلات تغريني ... هاهي مندوبة المندوبات تنصحني ... فأي بلد تختاره للذهاب اليه
أبريطانيا تعجبك ... أم تريد ألمانيا ...
ترددت واحترت قليلا ولكن صوت أمي الخافت والحنون بدأ يعلو ... ان الدم في شراييني يتدفق بسرعة
صعد الدم الى وجهي وأحسست بأنه سيتفجر ... ان هذا الصوت القادم من أعماقي غلب جميع الاصوات
ان هذا الصوت أصبح يناديني بقوة ... فتغرغرت الدموع في عيوني ...
وقلت لبيك يااماه ...
ها أنا قادم اليك فانتظريني ...
فأنا في الطريق اليك ...
فلم يعد أمامي غير المراسم الرسمية التي يقومون بها قوات الامم المتحدة احتفاءا" بنا
لم يعد يفصلنا عنك الا خمسين متر يااماه ...
فأعدي للقاء ...
كنا أبطالا يااماه في نظر قوات الامم المتحدة ... عاملونا واستقبلونا استقبال الملوك والرؤوساء بمراسم حراس الشرف ... لم يكن هناك سجادا" أحمرا" ولكن يكفيني القول بالمثل ( لاقيني ولاتطعميني ) ... وهاهي الرايات مرتفعة والوقفة العسكرية للجنود بعدها لم تنتهي ...
فنحن الآن يااماه في وسط الجنود وهم مصطفين على الجانبين وبالتحية العسكرية لأياديهم رافعين
بدأت الخطوات تتسارع لهفة للقاء ... ووصلت الى آخر جندي أممي وقد كان عمره من عمري تقريبا"
انه أشقر ووسيم وله عينان زرقاوان فقلت لنفسي : هل له أم مثلي تنتظره بفارغ الصبر وهل يستطيع أن يراها وهل يشده الحنين الى وطنه كما يشدني أنا ...
تركت آخر الجنود ورائي فأمرهم قائدهم بالانصراف الى شئونهم وابتعدنا عنهم ونحن نسير على الاقدام متجهين الى الذين ينتظروننا في الطرف من أحبتنا السوريين ...
لم يبقى الا أمتار قليلة يااماه ... فقد بدأت تتوضح ملامح وجوه السوريين الذين كانوا ينتظروننا ... فقد كان عدد المستقبلين عشرة ... والاسرى عددهم عشرة أيضا" ...فهرولت الخطوات عفويا" وتلقائيا" بدون ارادة منا ووصلنا اليهم وتعاركنا بالعناق والمصافحة والقبلات ومشينا باتجاه السيارات التي سوف نستقلها ... فقد كان هناك مسافة بيننا وبين وسائط النقل هذه ... فتأبط بزراعي شاب من المستقبلين كان يرتدي بدلة عسكرية عليها بعض النجوم على كتفيه فسألته أين نحن الآن ...؟ فأجاب : أنت في قلب الوطن واضاف هذه الجولان وهذا هو جبل الشيخ وهذا المرصد لنا وذلك المرصد للعدو الاسرائيلي وسنسترجع هذه الاراضي في يوم ما ان شاء الله
قال ذلك ونحن كنا قد وصلنا الى السيارات .
والى جزء آخر في يوم آخر اذا شئتم

ونحياتي للجميع
وتصبحون على وطن
الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس