عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 26-09-2010, 02:38 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,104
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله

لا بأس أن نلقي نظرة على أمر قد يعرفه البعض وقد يجهله البعض الآخر وهو يتعلق بنقطة أساسية هي رأس الإشكالية

" متى ظهر الغموض في الشعر العربي وما حقيقته وكيف ينظر إليه " استعنت ببعض المراجع لأصل إلى هذه الخلاصةمنها :

"أسرار البلاغة "لعبد القاهر الجرجاني و " ظاهرة الغموض في الشعر العربي الحديث " لعبد الرحمن حمادي وغيرها

لأن هذا الملخص يساعدنا على روح النقاش والحوار والإثراء وأجدد شكري للأخ " الغبريني الذي فتح علي أبوابا للبحث .


** إنّ الشعر العربي القديم لم يخل من الغموض، وإنما كان قليلاً مقارنة بنسبة الوضوح فيه، ولهذا لم يأخذ شكل الظاهرة البارزة، (ومن هنا ذهب


منظرو الأدب العربي إلى القول: بأن الشعر الجاهلي انطباعي ذو تأثير واقعي يعتمد على الحسية، ومن هنا تبلور المذهب النقدي الذي يرجح أن

كفة الشعر الجاهلي تميل إلى الإضاءة والكشف والوضوح) وبالرغم من أن جذور القضية تمتد إلى العصر الجاهلي إلا أن هناك من رأى

أن ظاهرة الغموض وليدة العصر العباسي نظراً لما اعترى هذا العصر من عوامل الانفتاح والتحضر والثقافة والاختلاط بالآخرين فأصابت

موجة الغموض بعض الشعر وخصوصاً أبا تمام، ولعل سؤال أبي العميثل لأبي تمام يشف عن ظاهرة الغموض فقد سأله: لِمَ تقول ما لا يُفهم؟

فأجابه: لِمَ لا تفهم ما يُقال؟! ومن هذا المنطلق نسب أبو تمام إلى غموض المعاني ودقتها نتيجة غوصه على المعاني مما يحوّج المتلقي إلى

الاستنباط والشرح والتدقيق ، وهناك من ردَّ الغموض في شعر أبي تمام إلى البعد في الاستعارات والعمق في الأفكار وغرابتها بالإضافة إلى

موهبة الشاعر وثقافته، وريادته للمذهب التجديدي في الشعر.. ربما كُشف النقاب عن ظاهرة الغموض في العصر العباسي فظهرت بشكل واضح في هذا العصر أكثر مما مضى، لكن القول بأن هذه الظاهرة وليدة العصر العباسي هذا أمر فيه نظر إذ القضية كغيرها من القضايا بدأت بالظهور شيئاً فشيئاً حتى غدت ظاهرة واضحة في العصر العباسي حيث استخدم مصطلح الغموض في المعاني كما وُجِدَ عند الآمدي إلا أنه لم يستخدمه بمعناه الدقيق الذي عرف عند النقاد لاحقاً.
وهكذا بقيت ظاهرة الغموض في الشعر تنمو تحت جنح الخفاء حتى وصلت إلى العصر الحديث وبالتالي إغراق الشعر بها نتيجة التطور الهائل

في العصر الحديث الذي أمد هذه الظاهرة بالتكوينات الفكرية لظهورها واضحة للعيان مما جعل الأدباء ينقسمون أقساماً فمنهم من أيَّد الغموض

ودعا إليه لمجاراة التطور الحضاري ومنهم من رفضه وعارضه، ومنهم من توسط بين الرأيين فقبل الغموض ضمن حدود وشروط معينة .

إذاً المسألة ليست مسألة تأييد أو رفض، غموض أو وضوح بقدر ما هي تعالج قدرة فنية يمتلكها الشاعر عليه أن يوجهها في ظل إطار من

الشفافية لإيصال المعنى للمتلقي فيأتي نصه مغلَّفاً بوشاح يشف ما تحته ولا يشف فكأن المتلقي يرى ما تحته ولا يرى دون أن ينزلق في دهاليز



غامضة أو متاهات لا طائل من ورائها، فالغموض لا يعني تحويل القصيدة إلى مجرد طلاسم ومعادلات رياضية إذ الغموض بالمفهوم المقبول

هو: (شفافية شعرية تفهم الشعر على أنه عملية خلق، ووسيلة للكشف والمعرفة) ، ولذلك فابن طباطبا (322هـ) ينصح بالوضوح والبعد عن

الغموض، ويرد الغموض إلى التعقيد الشعري، واستغلاق الأفكار والقوافي وتكلف المعاني .. في مقابل ذلك نجد اليوم من يعد الوضوح جريمة


فمحمود درويش يقول في قصيدته الخروج من ساحل المتوسط.

لن تفهموني دون معجزة

لأن لغاتكم مفهومة
إن الوضوح جريمة

ونجد أيضاً صاحب الفكر الثاقب عبد القاهر الجرجاني (471ه) ينظر لقضية الغموض في الشعر بعين الاعتدال فقد استحسن الغموض في الشعر

وليس بأي غموض، بل ذالكم الغموض المبني على التعقيد الفني الذي ينم عن قدرة فنية فذة، فرأى أن وضوح المعنى لا يتعارض مع المعنى

اللطيف الذي يتوصل إليه بشيء من التفكير فيؤسس الجرجاني لفكرته هذه ليصل إلى ما مفاده أن الصورة لا بد أن تتميز بشيء من الغموض من


خلال تباعد أطرافها مع كون هذا التباعد مقبولاً عقلاً ولذلك فعبد القاهر يشبه هذا النوع من الغموض في الصورة والغوص على معناه بالجوهرة

النفيسة داخل الصدفة فلا يحصل عليها إلا ببذل الجهد لشق هذه الصدفة فيبعث الطلب الممزوج بالمشقة في النفس فرحاً وأنساً إذا ما تحصّل

المطلوب . وهذا مما لا يقع لكل ذي لب، بل لمن عُدَّ من أهل المعرفة والبصيرة ، ومن

هنا يظهر أن الغموض له دلالتان: دلالة جمالية يكون الغموض بموجبها فناً.. ودلالة لغوية يكون فيها إبهاماً وتعمية، وبهذا المفهوم يُشكِّل الغموض

ظاهرة فنية مرتبطة بالفن الإنساني، وبالفنان المبدع، مما يجعل المتلقي لهذا العمل الفني بحاجة حسية وفكرية ماسة من أجل فك رموز العمل

الفني، وتفسير دلالاته وتحديد قراءاته، لكي يقف المتلقي على طبيعة العمل الفني وجوهره، وهذه الحال تشكل قمة اللذة الحسية والذهنية عند

المتلقي، كما أنها تجسد غاية المبدع وهدفه، وهذا هو سر النص الإبداعي، وجوهر وجوده.


وكأن عبد القاهر يقف بنا على نوعين من الغموض: غموض يشف عما تحته من المعاني، غموض محمود يحتاج إلى جهد وتأمل ليدرك كنهه فتسعد

النفس به، وغموض مبهم، غموض مذموم يحتاج إلى جهد لفك ألغازه فإذا ما فكتْ وُجدت لا طائل من تحتها وهذا هو الغموض المعيب .. وهناك

من أطلق على هذين النوعين الغموض المنفتح، والغموض المنغلق


، وهذا الأخير الذي جرت إليه الحداثة فقد أفقد الإبداع الشعري أهم مقوماته وهي التبليغ بأسلوب بليغ وفني

.

قديماً انتصر الجرجاني للغموض وقيده بلطف المأخذ وفي العصر الحديث وجد من سار على نهج الجرجاني مثل: الدكتور عبد القادر القط،

والدكتور طه حسين والدكتور شوقي ضيف، والأستاذ فائق محمد في مقاله دافع عن الغموض، وغيرهم.


لقد أثارت قضية الغموض في الشعر العربي وبالذات المعاصر منه جدلاً كبيراً وما زال الجدل قائماً في الساحة الثقافية والنقدية فوُجد المؤيد لهذه

الظاهرة والرافض لها والذي أخذ منزلة بين المنزلتين فلا هو الذي رفض الغموض ولا بالذي قبله مطلقاً دونما قيد، ووجود مثل هذه الظاهرة لا

شك أثرى الساحة النقدية بقضية نقدية مهمة تمس أساس الكلام عامة والإبداعي خاصة لتقفنا في النهاية على (أن فصاحة اللفظ ليس في الغموض

الذي تشعه والبلبلة التي تثيرها، بل فصاحتها تكمن في حدود التعبير الصادق، وبث المعنى المقصود والإيحاء بفكرة واضحة) ، لأن الأدب شعراً كان أم نثراً له وظيفة، ورسالة مناطة به يخاطب بها العقل والوجدان معاً من خلال المعنى الذي يحمله الكاتب شاعراً كان أم ناثراً لقرائه

وإلا أصبح الأدب كالصحراء المقفرة الخالية من كل معالم الحياة بخلوها من المعنى،


ومما ساهمت به ظاهرة الغموض بروز فكرة شاعت لدى بعض من الشعراء الجدد الذين رأوا (أن لغة القصيدة ليست إلا الصورة فقط، وأن

الصورة هي الاستعارة وكلما كانت الاستعارة تتسم بالغرابة كانت القصيدة حديثة) )، ربما هذه الفكرة كان لها دور على المدى البعيد في الشد من

أزر الخروج على نظام القصيدة العربية التقليدي، خاصة بعد أن ظهر ما سُمي (بقصيدة النثر)

وإلى لقاء آخر لمتابعة الإثراء والنقاش ......إن شاء الله
رد مع اقتباس