عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-04-2002, 05:49 AM
khatm khatm غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2001
المشاركات: 3
افتراضي كفر من أعان الأمريكان

التبيان
في
كفر من أعان الأمريكان




كتبه/
ناصر بن حمد الفهد

تقديم

سماحة الشيخ / حـــمــــود بــن عـقـلاء الـــشـــعـيـبي
فضيلة الشيخ / سـلـيـمــان بــن نـــاصر العـــلــــــــوان
فضيلة الشيخ / عــــلي بــــن خـــضــيــر الـــخــضيـــر

شعبان 1422
• قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (ت 1206) في نواقض الإسلام: (الناقض الثامن : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين ، والدليل : قوله تعالى ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).
• وقال العلامة ابن حزم رحمه الله ( ت 456 ) في (المحلى 5 / 419) : (قال تعالى : )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )(الأنفال: من الآية60) ، ففرض علينا إرهابهم , ومن أعانهم بما يحمل إليهم فلم يرهبهم ; بل أعانهم على الإثم والعدوان ).
   
• وقال ابن القيم رحمه الله (ت 751) في (إعلام الموقعين 2/121) : (وأي دينٍ ، وأي خيرٍ ، فيمن يرى محارم الله تنتهك ، وحدوده تضاع ، ودينه يترك ، وسنة رسول الله  يرغب عنها ، وهو بارد القلب ، ساكت اللسان ، شيطان أخرس , كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق ؟! , وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين ؟ , وخيارهم المتحزن المتلمظ , ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل ، وجد واجتهد , واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه ، وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون , وهو موت القلوب ; فإنه القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى , وانتصاره للدين أكمل) .
• وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله (ت 1293) في سكوت علماء زمانه عن فتنة ترققها فتنة اليوم (الدرر 8/372) :
( وأكثرهم يرى السكوت عن كشف اللبس في هذه المسألة ، التي اغتر بها الجاهلون ، وضل بها الأكثرون ، وطريقة الكتاب والسنة وعلماء الأمة تخالف ما استحله هذا الصنف من السكوت ، والإعراض في هذه الفتنة العظيمة ، وإعمال ألسنتهم في الاعتراض على من غار لله ولكتابه ولدينه . فليكن منك يا أخي طريقة شرعية ، وسيرة مرضية ، في رد ما ورد من الشبه ، وكشف اللبس ، والتحذير من فتنة العساكر ، والنصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وهذا لا يحصل مع السكوت ، وتسليك الحال على أي حال ، فاغتنم الفرصة ، وأكثر من القول في ذلك ، واغتنم أيام حياتك ، فعسى الله أن يحشرنا وإياك في زمرة عساكر السنة والقرآن ، والسابقين الأولين ، من أهل الصدق والإيمان) .


بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم
سماحة الشيخ / حمود بن عقلاء الشعيبي حفظه الله تعالى

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
فقد اطلعت على كتاب : (التبيان في كفر من أعان الأمريكان) لفضيلة الشيخ : ناصر بن حمد الفهد - حفظه الله تعالى - فوجدته من أحسن الكتب في بيان هذه المسألة ، حيث اجتهد - وفقه الله - في جمع الأدلة وتوضيحها في هذه المسألة العظيمة اليوم ؛ وهي كفر وردة من أعان وظاهر الأمريكان كما عنون - جزاه الله خيراً - بذلك كتابه .
ولا شك أن هذه المسألة إجماعية وفاقية , وكان من الأمر العجيب ومن غربة الدين أن تكون هذه المسألة الواضحة وضوح الشمس مجال جهل أو التباس أو تمييع عند بعض العلماء فضلاً عن غيرهم ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولذا فإنني أنصح جميع الطبقات من علماء وطلبة علم ودعاة وشباب الصحوة بقراءة هذا الكتاب واقتنائه وجعله سلاحاً يستفاد منه في مواجهة بعض الأقوال والآراء والتيارات المشبوهة اليوم التي يراد منها أن تروج وأن تستحوذ على أفكار الناس .
ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة تجاهد وتصاول ضد الباطل وأتباعه . والله ناصر جنده وحزبه ، قال تعالى ( وإن جندنا لهم الغالبون ) , وقال تعالى ( و العاقبة للمتقين ) , وقال تعالى ( وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) .
وإني أحث إخواننا العلماء خاصة أن يتقوا الله في هذه الأزمنة وأن يقوموا بما أوجب الله عليهم من الصدع بالحق والبيان للناس في الأمور المهمة والخطيرة ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) , وقال تعالى ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) ، وأن يجاهدوا بالكلمة والبيان والفتوى ولا يراعوا في ذلك هوى حاكم ، ولا دنيا زائلة ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) .
والشيخ ناصر الفهد - وفقه الله - له جهود مباركة ، فقد ساهم وجاهد - وفقه الله - في مناصرة الحق وأهله ، ودفع الباطل وأهله ، وتصدى لهم في كتب ورسائل كثيرة معروفة ، نسأل الله أن يكتب له الأجر والمثوبة وأن يثبته على ذلك .
نسأل الله تعالى أن ينصر المجاهدين في كل مكان ، وأن يخذل الكافرين وأعوانهم في كل مكان ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أملاه :
أ.حمود بن عقلاء الشعيبي
5 / 8 / 1422 هـ

تقديم
فضيلة الشيخ / سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم ، لقد حفلت الشريعة الإسلامية بنصوص قطعية تفرض مناصرة المسلمين المظلومين وحماية أعراضهم وأموالهم وقد جاء هذا في إطار الضروريات الخمس التي اتفقت عليها الشرائع وهي الدين والنفس والعقل والمال والعرض .
قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة: من الآية71).
وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن النبي  قال : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ).
وقال  : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً ، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره ؟ قال : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره . رواه البخاري من حديث أنس ، ومسلم من حديث جابر .
وهذه النصرة من محاسن الإسلام ، وباب من أبواب الجهاد قال تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (لأنفال: من الآية72). وفي ذلك تقوية لعرى المحبة ، وتثبيت للذين آمنوا فلا مجال للتخاذل والبطالة والقعود مع الخالفين .
ولقد عز الإسلام وأهله وقامت دولتهم وعظم أمرهم وخافهم عدوهم حين قويت أواصر المحبة بينهم ونصر بعضهم بعضاً .
وقد شبه النبي  المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لـه سائر الجسد بالسهر والحمى . جاء هذا عنه في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير .
وجاء في صحيح مسلم ( المسلمون كرجل واحد ، إن اشتكى عينه اشتكى كله ، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) .
والإسلام يدعو إلى توحيد هذا الإخاء القائم على صفاء العقيدة والمحبة ، ويحارب التخاذل والتنازع الذي يمزق الأمة ويجّرها إلى الذل والعار .
وفي عصرنا الحاضر تحالفت جحافل الكفر ورؤوس الشياطين أمريكا وبريطانيا وحلفاؤهم على حرب الإسلام وأهله في طالبان وبلاد إسلامية أخرى تحت غطاء أو مسمى حرب الإرهاب .
ونحن المسلمين في العالم كله فرض علينا ( كل على قدر طاقته ) مناصرة إخواننا المجاهدين في سبيل الله بالمال والنفس واللسان قال تعالى (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41) .
ولا يجوز التخاذل عن نصرة المسلمين المستضعفين فذلك خزي وعار وظلم .
وأما مناصرة الكفار على المسلمين بأي نوع من أنواع النصرة فهي : النفاق والردة عن الدين ؛ قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء:139).
وقال تعالى) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ). أي كافر مثلهم ، ولا يختلف في ذلك أهل العلم.
فحذار حذار من مناصرة الكفار على المسلمين بأي نوع من أنواع النصرة ، فهذا : كفرٌ ، ونفاقٌ ، ومرضٌ في القلوب ، وفسقٌ . وليس من شروط الكفر أن تكون مظاهرته للكفار محبة لدينهم ورضى به ، فهذا الشرط ليس بشيء ؛ لأن محبة دين الكفار والرضى به كفر أكبر بإجماع الناس دون مظاهرتهم على المسلمين فهذا مناط آخر في الكفر . ولو زعم المظاهر محبة الدين وبغض الكفار والمشركين فإن كثيراً من الكفار والمرتدين لم يتركوا الحق بغضاً له ولا سخطاً لدينهم وإنما لهم عرض من عروض الدنيا فآثروه على الدين قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل:107) .
وفي صحيح مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ) .
والفتوى الجائرة الصادرة من بعض المنهزمين في جواز مشاركة الجنود المحسوبين على الإسلام العاملين في الحكومة الأمريكية في قتال المجاهدين الأفغان هي أبعد ما تكون عن فقه الإسلام وروح الإيمان ولا تمت إلى الحقيقة بصلة ، ولا هي مبنية على قواعد فقهية وأصولية ، وهي مخالفة لسبيل المؤمنين ؛ فإن المسلمين متفقون على أن من أعان كافراً على مسلم فإنه فاعل لناقض من نواقض الإسلام .
وتبرير هذا بالإكراه غير صحيح ؛ لأنه ليس دم المقتول بأرخص من دم القاتل ، ولا دم القاتل بأغلى من دم المقتول .
وقد اتفق الفقهاء على أنه لو أكره رجلُُ ُ رجلاً على قتل مسلم معصوم الدم فإنه يحرم عليه قتله ، فليس لمسلم أن يحمي نفسه عن القتل في سبيل إراقة دماء الآخرين ، قال تعالى ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ) (الأنعام: من الآية151) . وقال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93) .
وقد قررت هذه المسألة في موضع آخر وأشرت إلى مهمات المسائل في هذا الباب .
والآن بين يديّ كتاب نفيس اسمه ( التبيان في كفر من أعان الأمريكان ) لفضيلة الشيخ ناصر بن حمد الفهد - وفقه الله وزاده علماً وعملاً - ، حذر فيه المسلمين أن يكونوا عوناً لليهود والنصارى على إخوانهم المسلمين . وقد جمع نفسه وبذل جهده في بيان حكم هذه المسألة ، وحرص على جمع كلام الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين ليكون المسلم على بصيرة من دينه ، وأنه لا نزاع في ردة المظاهرين للكفار على المسلمين .
وقد جاء في هذا العلق الثمين : مباحث مفيدة ، وفوائد فريدة ، ومعاني كبيرة ، ولا سيما نصرته لأهل التوحيد ، والإنصاف لهم من أهل الشقاق والنفاق . وهذه النصرة باب من أبواب الجهاد وعلامة من علامات الإيمان . فلله در هذا الشيخ ، ونعمَّا ما كتبت يداه ، فهو جدير بحفاوة أهل العلم وطلاب الحق . فإلى الكتاب محققاً عقيدة وفقهاً على طريقة من مضى من أئمة الهدى وأهل العلم والتقى ، والحمد لله رب العالمين .

قاله
سليمان بن ناصر بن عبد الله العلوان
10 / 8 / 1422



تقديم
فضيلة الشيخ / علي بن خضير الخضير حفظه الله تعالى

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على من اصطفى وبعد :
فقد قرأت كتاب (التبيان في كفر من أعان الأمريكان ) لفضيلة الشيخ : ناصر بن حمد الفهد - وفقه الله وثبته - فوجدته كتاباً رائعاً متقناً في بابه ، يكتب بماء الذهب كما يقال ، خصوصاً الأبواب أو الفصول التالية :
1- المبحث الثاني من الفصل الأول : حيث ذكر فيه نبذة عن طالبان من حيث تطبيق دولة طالبان - وفقها الله - للشريعة الإسلامية وإقامة الشعائر الإسلامية الظاهرة ومحاربة الكفر والشرك والفسق بأدلة واضحة .
2- المبحث الثالث من الفصل الأول : الأدلة على الحملة الصليبية ، حيث ذكر أدلة خاصة على أن ما تقوم به أمريكا اليوم ومعها التحالف هي حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين وذكر ثلاثة عشر دليلاً واقعياً على ذلك ، الواحد منها يكفي فما بالك بها مجتمعة .
3 ـ المبحث السادس من الفصل الثاني : وهي الأدلة من التاريخ والواقع والتي تدل بوضوح على أن مظاهرة الكفار ردة وكفر ، وذلك بناء على وقائع تاريخية وقعت لأناس قاموا بمظاهرة كفار على مسلمين فأفتى العلماء في تلك الوقائع التاريخية برده وكفر من ظاهر بعينه ، وذكر أربع عشرة حادثة تاريخية كل واحد منها تشبه ما حصل في هذه الأحداث المعاصرة ، وكأن التاريخ يعيد نفسه كما يقال , ويلحق بهذه الوقائع التاريخية ما وقع في الأزمنة التي في القرن الماضي حيث أعان بعض الزائغين والمنافقين الكفار أيام الاستعمار العسكري فأفتى علماء قد عاصروا تلك الوقائع كما ذكر ذلك في فقرة ( سابعاً من كلام المتأخرين من أهل العلم ) .
4 ـ الفصل الثالث : وهو فصل الرد على الشبهات التي أثيرت حول موضوع إعانة الأمريكان ، وهي ثمان شبهات ، استعرضها ثم رد عليها بردود جيدة مباركة نافعة لمن ألقى السمع وهو شهيد , خصوصاً ما يتعلق بشبهة قصة حاطب رضي الله عنه ، و أن طالبان دولة ظالمة ، أو مشركة .
وكنت قبل قراءة هذا الكتاب العظيم في بابه أعد لإخراج بيان توضيحي ضد فتاوى بعض المعاصرين من أهل التلبيس والضلال ، حيث أفتى للمسلمين العسكريين الأمريكيين العاملين في الجيش الأمريكي ( الصليبي ) بجواز أن يشاركوا ضد المسلمين من أجل الوطنية والجنسية وأن يقلّلوا مجال اشتراكهم في أقل ما يمكن زعموا ! هذه ملخص فتواهم .
فوجدت الشيخ ناصر الفهد حفظه الله في هذا الكتاب تطرّق لهذه المسألة في الشبهة الثالثة صـ 81ــ ، حيث تكلم عن من قال من علماء الضلالة في المنتسبين للإسلام من العسكريين الأمريكان وسوّغ فعلهم بشبه باطلة ، وسوف أذكر إن شاء الله أولاً ما ذكره الشيخ ناصر الفهد في هذا الباب متناثراً في كتابه ، ثم زيادة ما تيسر على ذلك :
لكن قبل الإجابة عن ذلك نذكر جواباً مجملاً عاماً لدحض شبهتهم وهو :
أنه إذا كان من أعان الأمريكان من المسلمين والعرب خارج أمريكا يدخل في حكم المظاهرة وأنه كافر مرتد ، فما بالك فيمن خرج معهم في عسكرهم وهو منتسب للإسلام لكن خرج بدافع الوطنية والجنسية الأمريكية وساعدهم ؟ فإنه أولى في الدخول في هذا الحكم ، وكل دليل من آية أو سنة أو إجماع في من أعان أمريكا وهو لم يتجنس بجنسيتها ولم يكن تحت حكمها ، فمن كان متجنساً بجنسيتها فهو أولى بكل دليل .
أما الأدلة الخاصة التي ذكر الشيخ ناصر الفهد وفقه الله فهي :
1 ـ قال تعالى ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ....الآية ) قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في هذه الآية : " فإذا كان من وعد المشركين في السر بالدخول معهم ونصرهم والخروج معهم إن جلوا نفاقاً وكفراً وإن كان كذباً ، فكيف بمن أظهر ذلك صادقاً؟ " اهـ في الدرر 8/138 . فكيف إذا خرج معهم في عسكر الأمريكان وهم من الذين كفروا من أهل الكتاب بحكم أنه أمريكي وشارك معهم ؟.
2- ما ذكره الشيخ ناصر الفهد في الدليل الثالث عشر في قصة الرجل العابد الذي استجاب لبني عمه وقومه لما طلبوا منه أن يدعو على موسى عليه الصلاة والسلام ( وهذا اختصار للدليل وإلا فهو مبسوط في الدليل الثالث عشر ) .
وجه الدلالة : أن هذا الرجل انسلخ من الدين لما أعان قومه وبلدته على موسى ومن معه ولو بالدعاء وهؤلاء أعانوا قومهم الأمريكان ضد المؤمنين فالجامع واحد وقياس الشبه ظاهر .
3- ما ذكره في في المبحث الثالث من الأدلة المتعلقة بالسنة في الدليل الثاني في قصة العباس رضي الله عنه حيث خرج مع قريش وتحت رايتها وفي صفها وعسكرها ضد المؤمنين فعامله الرسول معاملة الكفار في المال والأسر ، وقال له : ظاهرك علينا ، فحكم عليه بظاهره وألحقه بالمشركين , والقصة مبسوطة في موضعها .
وهؤلاء ظاهرهم أنهم مع الأمريكان في عسكرهم فيُعاملون معاملة الكفار في الظاهر ويُلحقون بهم في المال والدماء والأسر , فكيف يدعي أهل الضلال والالتباس أنه يجوز لهم ذلك ؟ وما وجه الجواز ؟ .
4- ما ذكره أيضاً من قصة النفر من المسلمين الذين قاتلوا مع المشركين وتحت رايتهم وفي صفّهم وعسكرهم في معركة بدر ضد المؤمنين فأنزل الله فيهم ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم - إلى أن قال – فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) مع أن العباس وأولئك النفر من المسلمين الذين شاركوا مع الكفار كانوا مكرهين فكانت المعاملة حسب الظاهر , فما بالك بالمنتسبين للإسلام ممن يحمل الجنسية الأمريكية وهو ضمن الجيش الأمريكي فهو لا يخرج عن حالين :
أ - إما أن يكون خرج مكرهاً فحكمه حكم أولئك حسب الظاهر .
ب - أو يكون مختاراً فهذا أشد وأعظم في الحكم .
5 ـ ما ذكره من حديث أبي داود عن سمرة مرفوعاً ( من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله ) , فما بالك إذا نصر وأعان مع المساكنة والتجنس بجنسيتهم مختاراً .
ومثله حديث ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين ) رواه أبو داود والترمذي عن جرير فكيف بمن أعان وناصر مع التجنس بجنسيتهم ؟
6 ـ ما ذكره في المبحث الرابع : في قصة خالد بن الوليد مع مجاعة بن مرارة الحنفي الذين اتبع مسيلمة الكذاب فقد اعتبره خالد في حكم المرتدين لأن ظاهره كان معهم ، مع أن مجاعة ادعى الإسلام وأنه لم يرتد ولم يقبل ذلك خالد , ووجه الدلالة : أن هؤلاء المسلمين الأمريكيين بالجنسية المشاركين مع الجيش الأمريكي ضد المسلمين هم مثل مجاعة في الظاهر وإن ادعوا الإسلام .
7 ـ ما ذكره في الدليل الرابع من المبحث الرابع : في حال المرتدين الذين شاركوا في جيش مسيلمة وسجاح وطليحة ومانعي الزكاة واعتبرهم الصحابة مرتدين حسب ظاهرهم ومشاركتهم في جيش المرتدين ، بل إن بعضهم شارك حمية وليس بغضاً في الإسلام ولا من أجل كفر مسيلمة بل حمية ونخوة ، وكذا هؤلاء شاركوا حمية من أجل الجنسية الأمريكية لأنهم أمريكيون , فكيف يفتي من أفتى بجواز قتالهم في عسكر الأمريكيين من أجل الحمية التي تمثل اليوم الوطنية والجنسية فهذا مصادمة صريحة للنصوص والعياذ بالله .
8 ـ ما ذكره في المبحث السادس : في الوقائع التاريخية أكبر دليل على أن من ساعد الكفار وكان ضمن عسكرهم أن حكمه حكمهم مثل فتوى محمد رشيد رضا فإنها نص في الموضوع ص 79 .
9 ـ وعلى فرض أنه لا يلحقهم شئ من أسماء الوعيد فإن قتل مسلم من مسلم من أجل أن يدفع عن نفسه القتل لا يجوز لو كان مكرهاً ، قال تعالى (ولا تعتدوا إن اللَّه لا يحب المعتدين) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) فكيف إذا كان غير مكره ؟ . فأقل ما يُقال في اشتراكهم في الجيش الأمريكي أنه محرم ، وخلاف هذا القول يُضاد الإجماع . فكيف يكون مباحاً !
أما قول القائل : إن لهم أن يشاركوا في الخدمات أو التمويل أو أي عمل بعيد عن القتال والمعركة ؟ .
فالجواب : أن كل هذا سواء ، فإن المساعد له حكم المباشر بالإجماع , وقال ابن حزم لمن لحق بالكفار محارباً للمسلمين قال : فإن كان معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر . (المحلى) , وقوله (خدمة) : هي ما قالوا في التموين ونحوه .
وقد ذكر هذه المسألة الشيخ ناصر في في مبحث القياس ، ونقل الأدلة في أن الردء والمساعد له حكم المباشر وهي مسألة إجماعية .
وبعد هذا فلا أجد ما أزيد به بعد تلك الأدلة الواضحة إلا أن أذكر وجه الدلالة فقط مع جمعها في مكان واحد ، وهي تدل على أن المنتسبين للإسلام من الأمريكيين الذين يقاتلون مع الجيش الأمريكي ضد المسلمين أنهم أولى بالحكم ممن أعان الأمريكان بالمال أو الرأي أو أي مساعدة وهو لم يشترك معهم في عسكرهم وجيشهم ولم يكن ضمن رعاياهم آخذاً جنسيتهم , ووجه الدلالة هي دلالة قياس الأولى ومفهوم الموافقة أو ما يسمى ( من باب أولى ) .
وأخيرا في هذه المسألة : إن التجنس بجنسية الكفار من غير إكراه بل كان مختاراً طائعاً ثم العمل بمقتضى هذه الجنسية الكافرة من الدفاع عن الوطن الكافر وأهله وغيرها من القوانين هذا كفر لا عذر فيه بالتأويل ولا الجهل ؛ لأنه من الطاعة في التشريع ومن الطاعة في التحليل والتحريم ، وهو بهذا اتخذهم أرباباً ، ولا عذر في ذلك قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) وحديث عدي بن حاتم رضى الله عنه معروف وفيه ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال الشيخ أبا بطين تعليقاً على هذا الحديث : (ذمهم الله وسماهم مشركين مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم هذا عبادة لهم فلم يُعذروا بالجهل )الدرر 10/394.393 )
وهي من الطاعة في الكفر قال تعالى ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزّل الله سنطيعكم في بعض الأمر ) والأمر الذي أطاعوهم فيه هنا هو المشاركة في قتال إخوانهم المسلمين من أجل الوطنية والخدمة العسكرية .
ومنه قوله تعالى ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) حيث أطاعوهم في حل الميتة أي حل ما حرم الله ، وهؤلاء العسكر المسلمين في الجيش الأمريكي أطاعوهم في حل قتال المسلمين المضادين للقانون الأمريكي الذي يوجب القانون الأمريكي وحامل الجنسية الأمريكية المساعدة في التصدي له .

أما ما يتعلق بمسألة التأويل والجهل والعذر بهما لمن كان عائشاً بين المسلمين وضمن أمكنة العالم الإسلامي والعربي في باب المظاهرة والإعانة للكفار الأصليين فإن الأدلة السابقة تدل على ذلك ، وهذه المسألة ترددت في الآونة الأخيرة وسئلنا كثيراً عن عارض التأويل والجهل في مسألة المظاهرة والتولي في مساعدة الكفار الأصليين ومن فعل ذلك متاولاً أو جاهلاً هل يعذر؟.
أما الجواب على ذلك فعلى النحو الآتي :
أولا :
1ـ ومن الأدلة عموم الآيات والأحاديث الدالة على كفر من لم يكفر بالطاغوت ومن لم يبغضه ومن لم يعاد المشركين والكفار مثل قوله تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وقوله ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) وقوله ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ) وعموم حديث ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه ) .
2 ـ في حرب المرتدين فإنه يقيناً كان فيهم من هو من العامة ومن غُرر به وجهل ذلك وقاتل مع المرتدين وظاهرهم وأعانهم ، ومع ذلك لم يفرق الصحابة بين من كان عالماً عامداً ومن كان متأولاً جاهلاً ، بل ساروا فيهم سيرة واحدة من قتلهم وتكفيرهم وسبي نسائهم وأطفالهم والشهادة على قتلاهم بالنار كما صح عن أبي بكر رضي الله عنه ، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المرتدين أتباع مسيلمة وغيرهم : وقد أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك .أ.هـ الدرر 8/118 .
3 ـ النفر الذين قاتلوا مع قريش وتحت رايتها ضد المسلمين في غزوة بدر كانوا مكرهين كما جاء عن بعض أهل العلم . والعباس ادعى الإكراه ومع ذلك لم يقبل منه ذلك بل كانت المعاملة حسب الظاهر . فإذا لم يعتبر الإكراه وهو عذر قوي فكيف يعتبر التأويل والجهل وهو عذر أضعف منه وأقل ؟ .
4 ـ قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في توضيح كلام ابن تيمية : إن الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله ( أي ابن تيمية ) في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة ولم يعذرهم بالجهل .أ.هـ منهاج التأسيس صـ101ــ , والدرر 10/432, 433. ووجه الدلالة : أن معاداة الكفار وبغضهم ومناصرة المسلمين من مسائل التوحيد وضدها من المناقض للتوحيد وهذا لا يعذر فيه بالجهل ولا التأويل كما قال ابن تيمية .
5 ـ وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ : والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الاستقامة وذكروا باب حكم المرتد ولم يقل أحد منهم أنه إذا قال كفرا أو فعل كفراً وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين أنه لا يكفر بجهله , الدرر 11/479,478 . ووجه الدلالة : أن مظاهرة الكفار على المسلمين مما يضاد الشهادتين ولا عذر فيه بالتأويل ولا الجهل . والتأويل فرع من الجهل .
6 قال الشيخ سليمان بن عبد الله ( إن النطق بالشهادتين من غير معرفة معناها ولا عمل بمقتضاها من التزام التوحيد وترك الشرك والكفر بالطاغوت فإن ذلك غير نافع بالإجماع ) في كتابه التيسير . ووجه الدلالة : أن مظاهرة الكفار على المسلمين من الإيمان بالطاغوت ووجودها ضد الإيمان بالله .
7 ـ قال ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( حسين وعبد الله ) : فمن قال لا أعادي المشركين ، أو عاداهم ولم يكفرهم ، أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلا الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله ، أو قال لا أتعرض للقباب فهذا ( لا يكون مسلماً بل هو ممن قال الله فيهم ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض - إلى قوله – حقا ) , والله أوجب معاداة المشركين ومنابذتهم وتكفيرهم . أ.هـ الدرر 10/139هـ,140هـ .
قال عبد الرحمن بن حسن : فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم إلا باعتزال أهل الشرك وعداوتهم . الدرر 11/434 . ومن حارب مع الكفار فإنه لم يعتزلهم فيلحقه الاسم .
ووجه الدلالة من رقم6,7 : أن من ظاهر النصارى وأعانهم فهو منهم لأنه لم يعادهم ولم يبغضهم بل ظاهره يحب نصرتهم ولذا أعانهم وفي هذه المسألة لا يعذر فيها المكره فما بالك بالمتأول والجاهل الذي يعيش بين المسلمين . بل هو معرض منافق .
8 ـ وأخيراً : فإن المظاهرة من أصل التوحيد ، وهي أعظم أصول البراء والكفر بالطاغوت ، ومن أعظم أصول ملة إبراهيم ؛ وهي بغض الكفار ومعاداتهم ، وعليه فإن إعانتهم ومساعدتهم على المسلمين تدل على أمرين خطيرين :
أ ـ زوال الموالاة للمؤمنين : بدليل أنه يعين عليهم ويساعد على قتلهم وكسرهم وإذلالهم
ب ـ زوال البراءة من الكفار : فإن مساعدة الكفار دليل على موالاتهم وتعظيمهم ونصرتهم وإعزازهم بما فيه إذلال للمسلمين وتسلط عليهم .
وبذلك فقد انهدم عنده هذان الأصلان , وهذان الأصلان لا يعذر فيهما بالجهل ولا التأويل.
ونقل أبا بطين من كلام ابن تيمية (إن الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين الإسلام مثل الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك فيكفر مطلقاً ــ أي لا يعذر بالجهل ولا التأويل ــ ) ملخصاً من الدرر 10/372-373 . وهذا نقل واضح ومن أهم النقول عندنا في أن معاداة اليهود والنصارى والمشركين من المسائل الظاهرة التي لا يعذر فيها بالجهل ولا التأويل لمن كان عائشاً بين المسلمين في العالم الإسلامي والعربي ، وقال عن ابن تيمية : (ما ظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر فإنه لا يعذر ) الدرر 10/388.
وممن أفتى أيضاً بعدم العذر بالتأويل والجهل في مسألة مظاهرة الكفار وإعانتهم على المسلمين لمن كان عائشاً بين المسلمين :
أ ـ ابن كثير حيث قال : في قوله تعالى ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ... الآية ) قال ( 2/69 ) وقوله ( فترى الذين في قلوبهم مرض ) أي شك وريب ونفاق ( يسارعون فيهم ) أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) أي يتأولون في مودتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك ) أ.هـ
ب ـ الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ .
ج ـ وحمد بن عتيق : فقد أفتيا حينما هجمت جيوش المشركين على أراضي نجد وساعدهم من ساعدهم من قبائل نجد ومدنها أفتيا بكفر وردة من أعان . وكل واحد منهم ألف كتاباً في هذه الواقعة ولم يعذرا بالجهل والتأويل .
د ـ أحمد شاكر : حيث أفتى بكفر وردة من أعان الإنجليز من المسلمين العائشين في ديار الإسلام فقال : أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر فهو الردة الجامحة والكفر الصراح لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأويل , وقد نقل نصها الشيخ ناصر الفهد في كتابه هذا .
ولا يعني ذكر هؤلاء فقط أن المسألة فيها خلاف وأن هناك غيرهم ممن لم يقل بها أو سكت عنها ؟ فليس كذلك ؟ بل المسألة إجماعية لكن ذكر بعض أفراد الإجماع يؤكد الإجماع ولا ينقضه .
ثانياً :
قياس الأولى :
أي مفهوم الموافقة الذي هو أولى منه ، وسوف نذكر أدلة هي في أمور أقل من أصل الولاء والبراء والكفر بالطاغوت ومع ذلك لا عذر فيها للجاهل والمتأول إذا كان عائشاً بين المسلمين وفي ديار العالم الإسلامي والعربي وهي كالتالي :
1 ـ قال الشافعي رحمه الله ( العلم علمان : علم عامة لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهله ؛ مثل الصلوات الخمس ، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان ، وحج البيت إذا استطاعوه ، وزكاة في أموالهم ، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر ، وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعلموه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم ، وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه ، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصاً في كتاب الله موجوداً عاماً عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم ، وهذا العلم الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر والتأويل ولا يجوز فيه التنازع ) الرسالة ص 359،357 .
ووجه الدلالة : أن علم العامة وهو ما يعرفه العامة لا عذر فيه لمن عاش مع العامة والمسلمين ومن ذلك أصل الدين وهو التوحيد وموالاة المسلمين والكفر بالطاغوت .
2 ـ قال صاحب المغني في كتاب الزكاة فيمن أنكر وجوبها (وإن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين أهل العلم فهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين ) ، وقال ابن أبي عمر في الشرح الكبير فيمن جحد الصلاة ( وإن كان ممن لا يجهل ذلك كالناشئ بين المسلمين في الأمصار لم يُقبل منه ادعاء الجهل وحكم بكفره لأن أدلة الوجوب ظاهرة ) . فإذا كان ذلك في الصلاة والزكاة لا يعذر فما بالك بما هو أعظم من الصلاة والزكاة من أصل الدين وهو التوحيد وموالاة المسلمين والكفر بالطاغوت .
3 ـ وحكى ابن تيمية اتفاق الصحابة والأئمة أن من جحد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلاة والصيام والحج أو جحد تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش وجحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كاللحم فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن أضمر ذلك كان زنديقاً منافقاً) الفتاوى 11/405 . فلم يعذره في الأركان الأربعة فكيف بأولها وهو أعظمها ؟ . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ابن تيمية لا يعذر في المسائل الظاهرة ) الدرر9/405 .
4 ـ قال ابن تيمية في شرح العمدة ص51 (فيمن جحد وجوب الصلاة بجهل أنه يُعرّف كحديث العهد ومن نشأ في بادية هي مظنة الجهل وإن عاند كفر ، وقال : إن هذا أصل مطرد في مباني الإسلام الخمسة ، وفي جميع الأحكام الظاهرة المجمع عليها ، وأما الناشئ في ديار الإسلام ممن يُعلم أنه قد بلغته هذه الأحكام فلا يُقبل قوله أنه لم يعلم ذلك ) بتصرف . ووجه الدلالة : واضح هنا كالذي قبله .
5 ـ قال أبا بطين في نقله عن ابن تيمية في الدرر10/368 إن كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة.
ثالثاً :
دلالة قياس الشبه :
نقول لمن قيّد ذلك بعدم التأويل ما حكم من لم يوال المؤمنين ولم يحبهم بل عاداهم وأبغضهم فهل هذا يكون مسلماً ؟ وهل يعذر بالتأويل ؟
فإذا كان الجواب بالنفي فإن ضده مثله في الحكم وهي إعانة الكفار ونصرتهم ومحبتهم كذلك لا عذر بالتأويل لأن الموالاة والمعاداة ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان
قال ابن تيمية : في الفتاوى 7/17 على قوله تعالى ( وترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون , ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ) قال : فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب ، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ومثله قوله تعالى ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمناً وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم فالقرآن يصدق بعضه بعضا . أ.هـ
وقال ابن القيم : وقد حكم الله تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم والولاية تنافي البراءة فلا تجتمع الولاية والبراءة أبدا . أ.هـ أحكام أهل الذمة 1/242 وكتابه (التبيان) هذا.
وقال المناوي : قال الزمخشري : فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان . أ. هـ فيض القدير 6/111 (التبيان).
وقال البيضاوي : فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان .
رابعاً :
الوقائع التاريخية : التي ذكرها الشيخ ناصر الفهد في كفر من أعان الكفار ووجه الدلالة فيها : أنهم أجروها على معينين لأن المسؤول عنهم معينون ، فأفتوا بكفرهم ولم يفرقوا . والتعيين دليل عدم العذر بالجهل والتأويل ولو كان فيه تفريق لما أجروه على معين دون استفصال ، وهذا ظلم ومجازفة وتعدي ومثله الاستتابة فإن من قيل فيه يستتاب فهذا دليل على إجراء الاسم عليه من ردة وغيرها ولا يقال يستتاب إلا لمعين .
خامساً :
ثم يقال أخيراً لمن قيد المظاهرة والإعانة للكفار لمن كان من المسلمين يعذر بالجهل أو التأويل عليك الدليل في ذلك . لأنه خلاف الأصل وخلاف العموم .
ومثل هذه الشبهة ، شبهة أخرى خطيرة مثلها وهي ربط المظاهرة بالاعتقاد وأنه لا يكفر حتى يعتقد . وهذا إرجاء وكفى . فإن الحكم أو الاسم إذا علق بالعمل والأمر الظاهر في الأدلة ثم صرف إلى الاعتقاد فهذا هو أصل الإرجاء الخبيث .
ومن شبه المرجئة اليوم هو تقييد المظاهرة ببغض الإسلام أو لأجل كفرهم فيقول : إنه إذا ظاهر الكفار بغضاً للإسلام ، أو ظاهر الكفار من أجل كفرهم هذا الذي يكفر ، وما عداه فلا . وهذا قول باطل ، ومصادم للنصوص :
قال تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ووجه الدلالة : أنه علق وربط الحكم بالفعل وهو توليهم ، والتولي : فعل ظاهر ، وتعليقه بالاعتقاد عموماً أو بمسائل معينة منه ؛ كبغض الإسلام أو من أجل كفرهم ونحوه تعليق بما لم يعلق الله به .
الدليل الثاني : ما سبق ذكره من قصة العباس والنفر من المسلمين الذين شاركوا ضد المسلمين في غزوة بدر فلم يستفصل الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ولم يقل هل تعتقد ذلك أم لا ؟ بل عُلق الحكم بالعمل الظاهر فقال : ظاهرك علينا .
الدليل الثالث : إطلاقات أهل العلم وهي كثيرة جداً تفوق الحصر ، وكلهم بالإجماع لم يقيدوا ذلك بالاعتقاد في هذه المسألة ، ولا كانوا يسألون من فعل ذلك ما هو اعتقادك . وفي الحديث ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ) بل هذا بدعة ورثها مرجئة اليوم عن مرجئة الأمس.
بل إن المسلمين لو ظاهروا أو استعانوا بالكفار الأقوياء الذين يدهم ظاهرة وحاربوا مسلمين ليس بغضاً للإسلام ولا من أجل كفر الكافر ولا نية اعتقاد فاسد ، بل ظاهروا الكفار أو استعانوا بهم لمقصد حسن عندهم لكانت هذه مظاهرة بالإجماع خصوصاً إذا جمعوا مع ذلك مدح الكفار ، كأن يقولوا : إنهم أهل عدل وإنصاف كما يُقال اليوم في مدح أمريكا بأنهم أهل عدل وإنصاف ويحملون لواء العدل ورفع الظلم ونحو ذلك ، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: لو نقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم ومع هذا خافوا استيلاءهم على بلادهم ظلماً وعدواناً ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم وهو الحق ودين السلطان هو الباطل وتظاهروا بذلك ليلاً ونهاراً مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل لكن لما تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفع الظلم عنهم هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة إذ صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أنه حق وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب اهـ تاريخ نجد ص 267 .
فمقصدهم دفع ظلم السلطان لكن استعانوا بالفرنج ومدحوهم بأنكم أهل عدل وفيكم خير كثير وأهل ديمقراطية ( وهذا هو دين الفرنج ) ، وانظر نقل الإجماع على كفرهم .
وقال أيضا : أترى أهل الشام ( أي معاوية ومن معه ) لو حملهم مخالفة علي بن أبي طالب على الاجتماع بهم ( أي بالغالية الذين حرقهم علي بن أبي طالب لما أشركوا ) والاعتذار عنهم ( أي الاعتذار عن الذين أشركوا ) والمقاتلة معهم لو امتنعوا أترى أحداً من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم ولو أظهر البراءة من اعتقادهم وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته اهـ تاريخ نجد ص 338 .
ومن جهة دلالة النظر والقياس يدل على ذلك ، فإنه لا يجوز لكي نزيل ظلماً وقع علينا أن نزيله بكفر ونفاق . ومعلوم أن الظلم الذي وقع مثلا وتنزلاً ( إن صح أنه ظلم ) أكثر ما يُقال فيه : إنه ضرورة ، والضرورات تبيح المحرمات بشرطه ، ولكن لا تبيح الكفر والردة هذا خلاف النصوص وخلاف الإجماع .
ويدل على هذا الكلام السابق أيضاً : قوله تعالى (والفتنة أكبر من القتل ) وقال تعالى (والفتنة أشد من القتل ) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس : الشرك أشد من القتل . وكفر أمريكا والقضاء على من يحكم الشريعة أشد من قتل الأبرياء كما يقولون !.
وقال ابن تيمية في الفتاوى 14/476: ( إن الشرك ، والقول على الله بغير علم ، والفواحش ما ظهر منه وما بطن ، والظلم ، لا يكون فيها شئ من المصلحة ) فكيف يُقال إن التحالف مع العلمانية فيه مصلحة ؟.
وقال في الفتاوى 14/477 ( وما هو محرم على كل أحد في كل حال لا يباح منه شئ ؛ وهو : الفواحش ، والظلم ، والشرك ، والقول على الله بلا علم ).
وقال في الفتاوى 14/470-471: ( إن المحرمات منها ما يُقطع بأن الشرع لم يُبح منه شيئاً لا لضرورة ولا غير ضرورة ؛ كالشرك ، والفواحش ، والقول على الله بغير علم ، والظلم المحض ، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) فهذه الأشياء محرمة ، في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يُبح منها شيئاً قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية ) . فالموالاة للكفار محرمة في كل وقت ولا يبيحها الضرورة كما يدعون !
وأخيراً : فإنني أدعو إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يساعدوا حكومة طالبان المسلمة وفقها الله ، وأن يعينوها بما يستطيعون بالمال والنفس والرأي والمشورة والفتاوى من علماء الأمة وأهل الصحافة والإعلام والقلم فيجب عليهم المساعدة والإعانة بما يستطيعون عبر وسائل الإعلام ، وكذا المنتديات عبر شبكة الإنترنت عليها أن تساهم في هذا الواجب العيني ، وكذا الدعاء والقنوت لهم في هذه النازلة العظيمة والتضرع إلى الله في نصرتهم وهزيمة عدوهم وعدونا.
وأن يتقي الله الجميع في خذلانها وترك نصرتها ، قال تعالى ( وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) قال تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) قال تعالى ( ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) وفي الحديث ( المسلم أخو المسلم ) .
والجهاد اليوم واجب وفرض عين بما يقدر ويستطيع ، والآيات التي صيغتها الأمر في باب الجهاد كثيرة معلومة منها قوله تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كرة لكم ) . ولأن هذه حرب صليبية مستهدف فيها الإسلام في كل مكان خصوصاً من كان من المجاهدين والقائمين بهذا الدين والمتصدين للكفار من كل جنس . فلا بد أن نهب جميعاً للدفاع عن بيضة الدين وحوزة الإسلام .
والمجاهدون اليوم هم كتيبة الإسلام وعزهم عز للإسلام وذلهم وكبتهم والقضاء عليهم فيه خطر على الإسلام علماً بأن الله ناصر دينه ولا تزال طائفة من هذا الأمة منصورة ، والله حافظ دينه . ودولة طلبان هي الباب اليوم وكسر هذا الباب ثلمة عظيمة على المسلمين له ما بعده ، فالله الله يا أخواني لشد المئزر وبذل الوسع ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) .
كتبه / علي بن خضير الخضير
6/8/1422هـ



مقدمة المؤلف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فقد خلق الله الإنس والجن ، وأرسل الرسل ، وشرع الشرائع ، وأنزل الكتب ، لتوحيده سبحانه فلا يشرك معه غيره ؛ كما قال تعالى )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )(النحل: من الآية36) ، فلا تصح عبادة الله سبحانه إلا باجتناب الطاغوت والبراءة منه ، وهذا هو مقتضى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) (1) ، فلا تصح موالاة إلا بمعاداة ؛ كما قال تعالى عن إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام : )قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:75-77) ، فلم تصلح لخليل الله هذه الموالاة إلا بتحقيق هذه المعاداة ، فإن ولاية الله لا تصح إلا بالبراءة من كل معبود سواه ، قال تعالى )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4) ، وقال تعالى )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف :26-28) ، أي : جعل هذه الموالاة لله ، والبراءة من كل معبود سواه ، كلمة باقية في عقبه ، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم ، بعضهم عن بعض ، وهي كلمة (لا إله إلا الله) ، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة ، وهى الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات ، وفطر الله عليها جميع المخلوقات ، وعليها أسست الملة ، ونصبت القبلة ، وجردت سيوف الجهاد ، وهى محض حق الله على جميع العباد ، وهى الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار ، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار ، وهى المنشور الذي لا تدخل الجنة إلا به ، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه ، وهى كلمة الإسلام ، ومفتاح دار السلام ، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ، ومقبول وطريد ، وبها انفصلت دار الكفر عن دار الإسلام ، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان ، وهى العمود الحامل للفرض والسنة ، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة .
فإذا علمت – أخي المسلم – أهمية هذه الكلمة ، فاعلم أن لها نواقض تبطل مفعولها ، وتجعل وجودها كالعدم ، لذلك فأهم ما على المسلم معرفته هو (التوحيد) لتحقيقه ، و (نواقض التوحيد) ليسلم له توحيده مما يزيله .
وإن الأحداث التي حصلت في (أمريكا) يوم الثلاثاء وهي ما تسمى بـ(أحداث 11 سبتمبر) قد محصت الناس ، وأظهرت مدى الخلل الذي يعانيه بعض المسلمين في أمور (التوحيد) ، ومدى غفلتهم عن ركني ملة إبراهيم (الولاء والبراء) ، ومدى ركونهم إلى الكفار ، ومحبتهم الدنيا ، وغفلتهم عن الآخرة ، كما أظهرت من يبتغي بعلمه وجه الله والدار الآخرة ، ممن يبتغي بعلمه حطام الدنيا ، كما كشفت عن المنافقين ، وأظهرت كيد الكافرين ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .
وبين يديك – أيها الأخ الكريم – رسالة في مسألة عظيمة من مسائل التوحيد ، رأيت بعض الناس غافلين عنها ، أو متغافلين ، وهي مسألة تولي الكفار ومظاهرتهم على المسلمين ، وهي ناقض من نواقض التوحيد ، تهدمه من أساسه ، وتنقضه من أصله ، وتجعل عمل العبد هباء منثوراً ، فرأيت إبراء للذمة ، ونصحاً للأمة ، وتحذيراً من الوقوع في فتنة تأييد أئمة الكفر (أمريكا وأحلافها) على المسلمين ، كتابة هذه الأوراق ، وقد جعلتها على ثلاثة فصول :
الفصل الأول : الحملة الصليبية ضد الإسلام :
وتحته ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : نبذة عن (أمريكا) :
المبحث الثاني : نبذة عن (طالبان) :
المبحث الثالث : الأدلة على الحملة الصليبية :
الفصل الثاني : الأدلة على كفر من أعان (أمريكا) في هذه الحملة :
وتحته تمهيد وثمانية مباحث :
المبحث الأول : الدليل من الإجماع .
المبحث الثاني : الأدلة من الكتاب .
المبحث الثالث : الأدلة من السنة .
المبحث الرابع : الأدلة من أقوال الصحابة .
المبحث الخامس : الأدلة من القياس .
المبحث السادس : الأدلة(1) من التاريخ .
المبحث السابع : الأدلة من أقوال أهل العلم .
المبحث الثامن : الأدلة من أقوال أئمة الدعوة النجدية .
الفصل الثالث : الرد على الشبه التي أثيرت حول هذا الموضوع :
وقد ذكرت ثمان شبهات :
الشبهة الأولى : قصة حاطب بن أبي بلتعة .
الشبهة الثانية : قصة أبي جندل بن سهيل .
الشبهة الثالثة : أن تحالف المسلمين مع الصليبيين مثل (حلف الفضول) .
الشبهة الرابعة : وجود إكراه في هذا الأمر .
الشبهة الخامسة : أن إعانة الكفار على قسمين .
الشبهة السادسة : أن طالبان ومن معهم (ظالمون) .
الشبهة السابعة : أن (طالبان) دولة مشركين .
الشبهة الثامنة : الاستدلال بقوله تعالى (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) .
وختمت هذه الأوراق بما يجب على المسلم عمله في هذه الفتنة .
وأخيراً : فإنني أشكر المشايخ الفضلاء الذين تكرموا بقراءة هذا الكتاب وقدموا له ، جزاهم الله خيراً ، وأحسن إليهم ، ونفع بعلمهم الأمة(2) .
كما أسأل الله سبحانه أن يجعل ما كتبته خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفع به من قرأه .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه
ناصر بن حمد الفهد – الرياض – رجب 1422

الفصل الأول
الحملة الصليبية ضد الإسلام


سأذكر في هذا الفصل ما يثبت أن هذه الحملة التي تقودها (أمريكا) إنما هي (حملة صليبية) تريد بها ضرب الإسلام ، و سأقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : نبذة عن (أمريكا) .

المبحث الثاني : نبذة عن (طالبان) .

المبحث الثالث : الأدلة على أن هذه الحملة صليبية ضد الإسلام .


المبحث الأول
نبذة عن (أمريكا)

والكلام على فساد أمريكا يطول ، وسأتكلم عليها من جهتين ، فسادها في نفسها ، وإفسادها في الأرض :
أما الجهة الأولى : وهو فسادها في نفسها :
فـ(أمريكا) رأس الكفر والإلحاد ، وأصل الفساد والانحلال ، وبلاد العهر والفجور ، والفواحش والمنكرات ، قد عشش عليها الشيطان ، وضرب فيها قبابه .
أكثر دول العالم في عدد : دور الدعارة ، واللواط ، والسحاق ، وأندية العري ، وحمل السفاح ، ومواليد الزنا ، وزنا المحارم ، وجرائم الأخلاق ، وقنوات الانحلال ، وشرب الخمور ، وأندية اللهو والميسر والرقص والفسق ، وسأذكر فيما يلي قليلاً من الإحصائيات تشير إلى ما ذكرت – مع العلم أن هذه الإحصائيات قديمة – :
1- فيها أكثر من 20 مليون شاذ جنسياً(1) . (المجتمع 350/15)
2- يباع فيها أكثر من 5000 طفل كل سنة ( المجتمع 249/44) .
3- حوالي ثلث المواليد هناك من الزنا ( المجتمع 10/14) ، واللاتي يلدن سفاحاً من المراهقات فقط أكثر من نصف مليون مراهقة سنوياً (المجتمع 648/53).
4- من كل 20 شخصاً في أمريكا يوجد لقيط واحد (المجتمع 209/12) .
5- قتل فيها أكثر من 15 مليون طفل من خلال الإجهاض القانوني (المجتمع 625/35)
6- تعتبر مدينة سان فرانسيسكو عاصمة (اللوطية) ، ويمثلون ربع ناخبي المدينة (المجتمع637/32) .
7- فيها نحو من 100 مليون من المدمنين على شرب الخمر (المجتمع 199/42) .
8- تنتج شركات الخمور في أمريكا ما قيمته أكثر من 24 ملياراً من الدولارات (المجتمع157/30).
وأما الجرائم فيها فأكثر من أن تحصر ، ومن ذلك :
1- في إحصائيات الحكومة الأمريكية بلغ عدد الجرائم عام 2000 حوالي 26 مليون جريمة.
2- وفي إحصائيتهم للجرائم عام 1999 كان ما يلي :
1) كل 3 ثوان يحصل جريمة على ممتلك (عقار) .
2) جريمة سرقة كل 15 ثانية .
3) جريمه بشعه كل 22 ثانية .
4) جريمة قتل كل 34 ثانية .
5) جريمة اغتصاب كل 6 دقائق .
6) جريمة اعتداء جسدي كل 34 ثانية.
وما ذكرته هنا شيء يسير جداً من فساد هذه الدولة الكافرة .
وإذا علمت – أخي المسلم – أن الله سبحانه ذكر ما ذكر عن قوم لوط ، فقال تعالى عنهم )أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ )(العنكبوت: من الآية29) ، وأكثر ما وجدت من سردٍ للمنكرات التي كان عليها قوم لوط هو ما رواه ابن عساكر بسنده (تاريخ دمشق 50/ 321) عن أبي أمامة قال : كان في قوم لوطٍ عشر خصال يعرفون بها : لعب الحمام ، ورمي البندق ، والمكاء ، والخذف في الأنداء ، وتبسيط الشعر ، وفرقعة العلك ، وإسبال الإزار ، وحبس الأقبية ، وإتيان الرجال ، والمنادمة على الشراب .
وإذا قرنت هذه العشر بجانب الأرقام الفلكية للفساد الأمريكي تبين لك الفرق العظيم ، وأن فساد أمريكا قد زاد على فساد قوم لوط بأضعافٍ مضاعفة.
وإذا علمت أن الله سبحانه عاقب قوم لوطٍ بعقوبة لم يعاقب بها أحداً غيرهم ، فقال تعالى عنهم )قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) (الذريات:34) ، وقال تعالى )فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود:82) ،وقال تعالى )وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) (القمر:37) ، وقال تعالى )فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) (الحجر:73) ، فعاقبهم الله سبحانه على منكراتهم بأن طمس على أعينهم ، وأخذتهم الصيحة ، وجعل أرضهم عاليها سافلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل .
فما ظنك بالعقوبة التي تستحقها (أمريكا) ؟.
وهل تستحق – مثل هذه البلاد – أن يبكي عليها أحد من ذوي الإيمان ؟.

الجهة الثانية : إفسادها في الأرض :
فـ(أمريكا) لو كان فسادها قاصراً عليها لكانت تستحق من العقوبات الإلهية الشيء العظيم ، فكيف وقد تعدى فسادها إلى غيرها ، فعاثت في الأرض فساداً .
فأصل الفساد الأخلاقي والانحلال في كثير من المجتمعات كانت أمريكا تقف وراءه :
1- فبانكوك (عاصمة الفساد الجنسي في العالم) كان الوجود العسكري الأمريكي العامل الرئيس في تفشي الفساد والانحلال فيها (المجتمع 248 / 8) .
2- وأكبر مصدر للأفلام الخبيثة في العالم هي (هوليود) – عاصمة السينما – في (أمريكا) .
3- وأكبر دولة من حيث عدد قنوات (الجنس) ، والمواقع الإباحية في (الإنترنت) هي (أمريكا) .
4- وأكبر الشركات المصدرة للخمور والدخان توجد في (أمريكا) .
5- وأكبر مصانع الأسلحة التي يقتتل بها البشر توجد في (أمريكا) .
وغير ذلك من أسباب نشر الفساد والرذيلة في المجتمعات .
وأما جرائمها بحق البشر الآخرين من غير المسلمين فكثيرة جداً ، إليك بعضاً منها :
1- قاموا بإبادة ملايين الهنود الحمر – يصل عددهم في بعض الإحصائيات إلى أكثر من مائة مليون – وهم السكان الأصليون لأمريكا .
2- وقاموا بإبادة كثير من الأفارقة في تجارة الرقيق – يصل عددهم في بعض الإحصائيات إلى ملايين – .
3- في ليلة من ليالي عام 1944 – في الحرب العالمية الثانية – دمرت 334 طائرة أمريكية ما مساحته 16 ميلاً مربعاً من طوكيو ، بإسقاط القنابل الحارقة ، وقتلت 100 ألف شخص ، وشردت مليون نسمة ، ولاحظ أحد كبار جنرالاتهم بارتياح أن الرجال والنساء والأطفال اليابانيين قد أحرقوا ، وتم غليهم وخبزهم حتى الموت، وكانت الحرارة شديدة جداً حتى أن الماء قد وصل في القنوات درجة الغليان وذابت الهياكل المعدنية وتفجر الناس في ألسنة من اللهب ، وتعرضت أثناء الحرب حوالي64 مدينة يابانية ، فضلاً عن هيروشيما وناغازاكي ، إلى مثل هذا النوع من الهجوم ، ويشير أحد التقديرات إلى مقتل زهاء 400 ألف شخص بهذه الطريقة .
4- وبين عامي 1952 و 1973 : ذبحت الولايات المتحدة في تقدير معتدل زهاء عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامى ولاووسي وكمبودي .
5- و بحلول منتصف عام 1963 سببت حرب فيتنام : مقتل 160 ألف شخص ، وتعذيب وتشويه 700 ألف شخص ، واغتصاب 31 ألف امرأة ، ونزعت أحشاء 3000 شخص وهم أحياء ، وأحرق 4000 حتى الموت ، وهوجمت 46 قرية بالمواد الكيماوية السامة .
6- وأدى القصف الأمريكي لهانوي وهايفونغ في فترة أعياد الميلاد وعام 1972 : إلى إصابة أكثر من 30 ألف طفل بالصمم الدائم .
7- وقتل الجيش الأمريكي المدرب في غواتيمالا أكثر من 150 ألف فلاح بين عامي 1966 و 1986.

وأما جرائمها بحق المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام فكثيرة جداً ، ولو أردنا تفصيلها لخرجنا عن موضوعنا ، ولكننا نشير إلى إحصائيات يسيرة تشير إلى ما وراءها :
1- قتل أكثر من مليون طفل عراقي بسبب قصف القوات الأمريكية للعراق وحصارها الظالم له خلال عشر سنوات (1).
2- أصيب الآلاف من الأطفال الرضع في العراق بالعمى لقلة الإنسولين .
3- هبط عمر العراقيين 20 سنة للرجال ، و11 سنة للنساء ، بسبب الحصار والقصف الأمريكي .
4- أكثر من نصف مليون حالة وفاة بالقتل الإشعاعي .
5- وقتل الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال الفلسطينين بالسلاح الأمريكي .
6- وقتل الآلاف أيضاً من اللبنانيين واللاجئين الفلسطينين في المجازر التي قامت بها إسرائيل بحماية أمريكية .
7- بين 1412 – 1414 : قتل الجيش الأمريكي الآلاف من الصوماليين أثناء غزوهم للصومال .
8- 1419 : شنت أمريكا هجوماً بصواريخ كروز على السودان وأفغانستان ، دمروا خلاله مصنعاً سودانياً للدواء ، وقتل أكثر من مائتين .
9- قتلت إسرائيل بمباركة أمريكا أكثر من 17000 شخص في غزوها لجنوب لبنان.
10- وقتل عسكريو أندونيسيا أكثر من مليون شخص بدعم من أمريكا .
11- تسبب حصارهم لأفغانستان في قتل أكثر 15000 طفل أفغاني .
هذا غير المجازر التي باركها الأمريكان في الشيشان والبوسنة ومقدونيا وكوسوفا وكشمير والفلبين وجزر الملوك وتيمور وغيرها من أراضي الإسلام .
و لو حلف حالف بأنه ما حصلت – في السنوات الأخيرة – مجزرة لقوم من المسلمين ، أو تشريد لهم ، أو احتلال لأرضهم ، إلا ووراءها أيدٍ أمريكية ، فإنني لا أظنه يحنث ، والله المستعان .
وأخيراً :
فإن من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى أن جعل قيادة هذا التحالف الكافر بيد هذه الدولة الظالمة حتى يستبين الطريق ولا يلتبس على أحدٍ ممن يريد الحق ، فتاريخها مليء بالظلم والخبث والفساد والإفساد ، وملفها الأسود معروف لكل الناس ، وهذا مما يجعل الحق أشد وضوحاً ، ولله الحمد والمنة .


المبحث الثاني
نبذة عن (طالبان)

لاشك أن شعب (أفغانستان) كغيره من الشعوب من حيث تعدد العقائد والمناهج ، ففيهم الجهلة ، وفيهم المتعلمون ، وفيهم السنة ، وفيهم أهل البدع ، وقد عانت بلاد الأفغان من الحروب وويلات الشيوعيين ، ثم تلا ذلك حروب الأحزاب وما ترتب على ذلك من قتل و تشريد الآلاف من المسلمين ، وساهم هذا كله في تفشي الجهل والأمية بينهم ، وحين نتكلم في هذا الفصل على (طالبان) لا ننفي وجود المنكرات هناك ، ولا ندعي أنها سالمة من البدع ، فهي دولة تحكم عدداً من الأعراق والأجناس ، بل و (طالبان) أنفسهم متعددو التوجهات ، ففيهم من يميل لأهل الحديث ، وفيهم من يميل للصوفية ، وفيهم المتعصب ، وفيهم المعتدل ، لذا فنحن لا نزعم هنا أنها ليس عليها أخطاء في المنهج ، ولكننا نقصد هنا بيان صدق حكومة (طالبان) في تطبيق الشريعة وفرضها على البلاد ، وأن الساعي للكمال ليس كالمبتعد عنه ، وناشد الإصلاح ليس كالمفسد ، ومريد الخير ليس كالمعرض عنه ، ومحب الشريعة وأهل الإسلام ليس كالمحارب لهم – وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء الله تعالى في مناقشة الشبهة السابعة – .
ولا شك أن المراقب لأفغانستان بعد قيام حكومة (طالبان) يرى أن راية الإسلام ترتفع يوماً بعد يوم ، وأنهم يسيرون من الحسن إلى الأحسن ، فقد طبقت الشريعة الإسلامية ، وأقيمت الحدود ، وأمنت السبل(1) ، ومنعت المنكرات ، وقضي على كثير من مظاهر الفساد ، وكنا لا نزال نسمع عبر وسائل الإعلام المعادية أخباراً عنهم تثلج صدور المؤمنين ، وسأذكر فيما يلي – باختصار – تاريخ قيام (طالبان) وأعمالها الجليلة في تطبيق الشريعة الإسلامية:
لقد كان سبب نشوء حركة طالبان في أول عام 1415هـ على أثر بعض جرائم قطع الطريق واختطاف عدد من النساء ، على مرأى من ( الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان ) ، مما دعاه مع بعض طلبة العلم إلى أن يقاتلوا بأنفسهم قطاع الطرق ومحاولة إقامة الحدود ، فقضوا عليهم في (قندهار) وما حولها ، ثم بدأوا بالتوسع في مطاردة قطاع الطرق واللصوص حتى أقاموا محكمة شرعية في قندهار ، ففر اللصوص وتفشى الأمن وانطلق الناس لشؤون حياتهم ، ثم قاموا بإدخال الولايات الأفغانية ، الولاية بعد الأخرى ، تحت حكمهم ، حتى سقطت كابل بيدهم في تاريخ 14/5/1417، بعدما أسقطوا قبلها كل الولايات الجنوبية والشرقية والغربية ، ودخل تحت حكم الطلبة من الولايات سلماً خلال سنة واحدة 20 ولاية من أصل 31 ولاية ، وجميع فتوحاتهم في البداية كانت سلماً لأن الشعب الأفغاني يعرف قادة الطلبة بعلمهم ، وكان معهم كبار علماء أفغانستان وهو الأمر الذي دعا الأفغان جميعاً أن ينظموا إليهم لأول وهلة . ثم بدأ زحفهم على الشمال – الذين يدعمهم الكفار كالروس والهنادكة – حتى بقي لهم 4% فقط من مجموع أرض أفغانستان .
وكان من أعمال الطلبة عندما جاءوا تطبيق الشريعة الإسلامية على كل شبر سيطروا عليه في أي مكان ، وكان من قراراتهم :
1. سحب جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من أيدي القبائل التي كانت تستخدمها في النزاعات القبلية ويستخدمها بعضهم في السطو وقطع الطرق .
2. عملوا على إخراج نجيب وأخيه من مقر الأمم المتحدة في كابل الذي كان لاجئاً فيه وأقاموا عليه حد الردة.
3. قاموا بهدم جميع الأصنام التي كانت أمام الفنادق في كابل خاصة أمام فندق الانتركونتننتل .
4. أسسوا المحاكم الشرعية في جميع الولايات التابعة لهم .
5. أسسوا وزارة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه الوزارة لها صلاحيات واسعة جداً ، وفي جميع المجالات ، ولها أعمال جليلة منها :
 عملت على ضرب الجزية على الكفار ، وأطلقوا عليهم اسم أهل الذمة ، وألزموهم بأن يتميزوا بإشارات تميزهم عن المسلمين .
 وعملت على الاهتمام بأمر الصلاة وإلزام الناس بها ، وإغلاق المحلات بعد الآذان .
 وعملت الوزارة على منع كل مظاهر الفسوق والكفر ، فأغلقت محطة التلفزيون في كابل وقطعت البث التلفزيوني ، و أسلمت الإذاعة وأسمتها إذاعة الشريعة ، و دمرت جميع محلات المعازف والأغاني ، و منعت دخول أشرطة الأغاني وعزرت كل من يهربها ، و أحالت دور السينما إلى قاعات للمحاضرات .
 ومنعت حلق اللحى ، ومنعت محلات حلاقتها.
 و عملت على منع خروج النساء إلا بالحجاب ، ولا السفر إلا بمحرم ، و أخرجت جميع العاملات في الأماكن المختلطة من النساء ، وتم منع الأجنبيات من دخول البلد .
 و منعوا دخول المجلات والصحف التي فيها مفاسد .
 كما عملت الوزارة على محاربة المخدرات بشكل متدرج حتى تم القضاء على زراعتها في صيف عام 1420 حيث أصدرت لجنة الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات بياناً نشر في وسائل الإعلام تحت عنوان ( أفغانستان خالية من المخدرات ) وجاء فيه أن لجنة دولية زارت أفغانستان للتأكد من عدم وجود زراعة المخدرات وزارت هذه اللجنة 1271موقعاً كانت تزرع فيه المخدرات فوجدت أن المخدرات قد استبدلت بمحاصيل زراعية مختلفة ، كما ذكر (مركز الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات) في بيانه الصادر في 15 أكتوبر من 2001 أن نسبة زراعة الأفيون قد انخفضت بنسبة 94% في المناطق الخاضعة لسيطرة طالبان. وترجع الأمم المتحدة السبب إلى الأوامر الصارمة التي أصدرها قائد الحركة الملا محمد عمر بتحريم زراعة الأفيون في المناطق الخاضعة لحكمه. وقد ذكر المركز أيضاً أن أغلب الأفيون الصادر من أفغانستان فينتج حالياً في المناطق الخاضعة لسيطرة حزب التحالف الشمالي .
 كما عملت أيضاً على تكسير جميع الأصنام الأثرية الموجودة في المتاحف ، وعملت على هدم جميع الأصنام الكبار وخاصة تمثالي بوذا في باميان – على الرغم من معارضة العالم لها –.
 وقررت أيضاً منع التقاط الإنترنت بسبب ما فيها من فساد .
 وعملت على إزالة بعض المشاهد التي على القبور ، ومنعت الناس من مظاهر الشرك التي كانت تعمل عندها ، وقد وضعوا سياجاً حول بعض المقابر ، وعلقوا لوحات مكتوب عليها آداب الزيارة الشرعية لها.
6. وفي نظام التعليم أغلقت مدارس البنات لأنهم يقولون نحتاج إلى وقت لكي نعد مدرسات صالحات نثق بهن لتربية بنات المسلمين ، والجدير بالذكر أن مقرر العقيدة لديهم في جميع المراحل هو كتاب العقيدة الطحاوية ، ومن المواد المهمة لديهم مادة الجهاد وفقهه .
وكانت إمارة (طالبان) الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة المجاهدين الشيشان وقد دعمتهم بكل ما تستطيع وفتحت أراضيها لهم .
هذا ملخص لأعمال هذه الإمارة خلال ست سنوات فقط من توليها الحكم في بلاد الأفغان ، فقارن بينها وبين حال رأس الكفر (أمريكا) !!.
ولاشك أن مثل هذه الأعمال تقض مضاجع الكفار من صليبين وغيرهم الذين لا يريدون إقامة دولة إسلامية ، فسعوا في حربها منذ ظهور تطبيقها للشرع :
فقاموا بحصار ظالم لها ، قتل بسببه أكثر من 15000 طفل أفغاني .
وقاموا بدعم قوات تحالف الشمال المعارض لحكومة طالبان .
وقامت أمريكا بضربها بصواريخ كروز عام 1419 .
ثم جاءت فرصة (الحملة الصليبية ) الشاملة الآن ، وهي ما سنتكلم عليه في المبحث التالي .

المبحث الثالث
الأدلة على الحملة الصليبية

لما حصلت حوادث 11 سبتمبر في (أمريكا) قام المسئولون هناك فوراً ومن أول يوم باتهام (بعض المسلمين) بأنه وراء هذه الأعمال ، وقبل اكتمال التحقيقات بدأوا بالإعداد لحملة صليبية عامة للقضاء على الإسلام تحت مسمى (حرب الإرهاب) ، ورغم وضوح استهدافهم للإسلام في هذه الحملة ، إلا أن هناك من السذج – أو المنافقين – من قد يغتر بكلامهم أو يغرِّر به ، لذلك فسأذكر فيما يلي الأدلة القاطعة التي تدل على أن هذه الحملة موجهة ضد (الإسلام) .
والأدلة التي سأذكرها تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أدلة عامة .
والقسم الثاني : أدلة خاصة .
أما القسم الأول : وهي الأدلة العامة :
فهي من الشرع ، والواقع :
أما من الشرع :
فقد صرّح الله سبحانه بعداوة الكفار للمسلمين ، وأنهم لا يزالون يقاتلونهم حتى يردوهم عن دينهم ، وأنهم لا يرضون إلا بدخول المسلمين في ملتهم ، وأن عداوتهم لا تنقطع :
فقال تعالى ) وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)(البقرة: من الآية217) .
وقال تعالى )وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )(البقرة: من الآية120).
وقال تعالى )وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)(النساء: من الآية89) .
وقال تعالى )إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) (الممتحنة:2) .
وقال تعالى )وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ)(البقرة: من الآية109) .
وقال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) (آل عمران:100) .
وقال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (آل عمران:149) .
وقال تعالى ) قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)(آل عمران: من الآية118) .
وأما من الواقع :
فإن المتتبع للتاريخ القديم والحديث يجد أن عداوة الكفار من يهود أو نصارى أو غيرهم لم تنقطع عن المسلمين ، فخلال القرون الماضية شن النصارى سبع حملات صليبية ، وبعد أن توقفت تلك الحملات تلتها حملات استعمارية ، فاحتلوا غالب أراضي المسلمين سنين طويلة ، وأفسدوا فيها ، ولما توقفت تلك الحملات الصليبية الحديثة (أو الاستعمار كما أسموه ظلماً وزوراً وهو في الحقيقة هدم ودمار!!) ، بدأت الحملات (الأممية) – تحت مظلة الأمم المتحدة – فضربوا المسلمين في كل مكان وحاصروهم – تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة - ، فضربوا العراق وحاصروها أكثر من عشر سنوات أهلكوا خلالها الحرث والنسل (1)، وزرعوا إسرائيل في أراضي فلسطين وأهلكوا من خلالها الآلاف من المسلمين ، وهكذا صنعوا في السودان وليبيا ولبنان والصومال والأفغان والبوسنة وكوسوفا ومقدونيا والشيشان وكشمير وفطاني وتيمور وجزر الملوك وغيرها من أراضي المسلمين ، فشردوا الملايين منهم ، وقتلوا الملايين ، هذا كله غير حملات التنصير التي تشنها كنائسهم على أراضي المسلمين ، فلم يكفوا عن عدائهم للمسلمين أبداً ، وخبثهم وإن كان قد يقل أحياناً لكنه لا ينعدم.
أما القسم الثاني :
وهو الأدلة الخاصة :
فهناك مجموعة من الأدلة على أن هذه الحملة هي في حقيقتها حملة صليبية ضد الإسلام ، ومن هذه الأدلة :

1- أن الرئيس الأمريكي صرح بلسانه – وقد أنطقه الله – فقال في مؤتمر صحفي يوم الأحد 28 / 6 / 1422 : (هذه الحملة صليبية ) . وقد حاولوا الاعتذار عن هذه الكلمة ، ولكن هيهات ، ) قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) (آل عمران: من الآية118) .

2- أن ما ذكره (بوش) قد قالت نحوه شمطاء بريطانيا (تاتشر) ، ورئيس وزراء أيطاليا (برلسكوني) بعد هذا الحادث بأيام ، فقد تكلموا على الدين الإسلامي – لا على الإرهابيين المزعومين - ، وكان لفظ (برلسكوني) : "الإسلام دين يرفض التَعددية ويدعو للعنصرية ويُشجع الإرهاب" ، وما دامت الحملة موجهة ضد الإرهاب ، والإسلام يشجع الإرهاب ، فالنتيجة معروفة !! .

3- أن (بوش) ألقى كلمة أمام (الكونجرس) – بعد الأحداث – لمدة 34 دقيقة – قوطع خلالها بالتصفيق 29 مرة – تحدث فيها عن حملته ضد الإرهاب ، وكان كلامه في الحقيقة على (الإسلام) ، فإنه تكلم على الشريعة التي تطبقها (طالبان) – وليس على طالبان – فتكلم على منعهم حلق اللحى ، وفرضهم الحجاب ، ومنعهم للموسيقى والغناء والرقص ، ونحو ذلك ، وهذه كلها من تعاليم الإسلام ، ومن شريعة النبي محمد بن عبد الله  لا شريعة (الملا محمد عمر) فلا اختصاص لطالبان بها !.

4- أن الألفاظ التي يستخدمها (بوش) وزبانيته في هذه الحرب هي ألفاظ (توراتية) ؛ مثل تعبيرات (الحرب ضد الشر) ، و (قوى الخير ضد قوى الشر) ، و (حرب الطيبين ضد الأشرار) ونحوها من الألفاظ .

5- أن الشعب الأمريكي و (الغربي) قام بالتضييق على المسلمين ، فقتلوا يعضهم ، وضربوا بعضاً آخر ، وآذوا آخرين ، وأحرقوا مساجد ، وغير ذلك ، مع العلم أن هؤلاء كلهم لا ذنب لهم في هذا الحادث ، بل الإرهابيون الذين يزعمونهم في كهوف أفغانستان ، ولكنهم جميعاً يشتركون في وصف (الإسلام) ، وهكذا فعلت حكوماتهم أيضاً ، فقاموا باعتقالات عشوائية للمئات من المسلمين.

6- أن الصحفيين الأمريكان وغيرهم قد صرحوا بأن هذه الحرب حرب على الإسلام ، ومن ذلك : ما كتبه (ديفيد سيلبورن) بعنوان (هذه الحرب ليست عن الإرهاب إنها عن الإسلام) ، وما كتبته مجلة (ناشونال ريفيو ) تحت عنوان : ( إنها الحرب فلنغزهم في بلادهم ) ، ومما قالته في هذا المقال : "أمتنا غزتها طائفة متطرفة مجرمة , علينا غزوهم في بلادهم و قتل قادتهم و إجبارهم على التحول إلى المسيحية " . ومن ذلك ما جاء في عنوان المقال الرئيس على المجلة الأسبوعية التي تصدرها جريدة (نيويورك تايمز) مع عدد الأحد 7/ 10/ 2001 يقول : " إنها حرب دينية" ، في ست صفحات ، والعنوان المختصر على الغلاف "من يقول إنها ليست عن الدين؟" ، وقد هذا كتب المقال الطويل أندرو سوليفان ، ذكر فيها أن هذه الحرب حرب دينية . والمقالات في هذا الباب كثيرة .

7- أن (أمريكا) حدّدت أهداف الحملة الأولى بـ(27) هدفاً ، وكلها أهداف إسلامية !.

8- أنهم ذكروا أن عدد الدول التي ترعى الإرهاب (60) دولة ، وعدد الدول الإسلامية (56) دولة ، فإذا أضفت عليها دولاً فيها حركات جهادية إسلامية كالفلبين ومقدونيا ونحوهما بلغت ستين دولة .

9- أنهم صرحوا أن ضرب (أفغانستان) جزء (صغير) من حملتهم الشاملة ضد الإرهاب ، فمن ذلك ما صرح به )ريتشارد مايرز( رئيس قيادات الأركان المشتركة يوم الأحد 5/ 8/ 1422 الموافق 22/10/2001 رداً على سؤال لمحطة إيه.بي.سي عما إذا كان هناك أهداف أخرى غير (أفغانستان) فقال : " هذه حرب عالمية على الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل. أفغانستان مجرد جزء صغير ، ولذلك فنحن طبعاً نفكر بشكل أوسع ، يمكنني القول إننا منذ الحرب العالمية الثانية لم نفكر بهذه الشمولية " .

10- أنهم زعموا أن هدفهم القضاء على (الإرهاب) ، وزعموا أن الحركات التي حددوها (حركات إرهابية) .
و السؤال الذي يتضح من خلاله هذا الدليل هو :
لماذا تركوا حركات (إرهابية ) أخرى مثل :
1- الجيش الأحمر الياباني وهم (وثنيون).
2- الجيش الجمهوري الإيرلندي وهم (كاثوليك).
3- جيش التحرير الكوبي وهم (شيوعيون).
4- اليمين المتطرف المسيحي في (أمريكا) وهم (بروتستانت).
5- عصابات المخدرات في (أمريكا الجنوبية) .
6- عصابات (المافيا) في أوربا .
وغيرها ؟.
لا شك أن الجواب ظاهر ، وهو أنهم إنما تركوها لانعدام الوصف المشترك المطلوب في هذه الحملة هنا ، وهو (الإسلام) .

10- أنهم ذكروا حركات إسلامية مقاومة للاحتلال الأجنبي كالمجاهدين الكشميريين الذين يقاتلون عباد البقر(1) ، وكالمجاهدين الفلبينيين الذين يقاتلون النصارى ، واعتبروها حركات إرهابية .
والسؤال الذي يتضح من خلاله هذا الدليل هو :
إذا كانت المقاومة المحلية للحكومات (إرهاباً) فلماذا تركوا :
1- (التاميل) في (سيريلانكا) (وهم وثنيون) .
2- و (الجيش النصراني التابع لقرنق) جنوب السودان وهم (نصارى).
3- والجيش الجمهوري الإيرلندي في (بريطانيا) وهم (نصارى).
ونحوها من الحركات؟.
إن الجواب ظاهر في هذا ، وهو افتقاد جميع هذه الحركات للوصف المشترك المطلوب وهو (الإسلام) .

11-أنهم حشدوا في حملتهم : جميع دول حلف الأطلسي (الناتو) ، مع روسيا ، والصين ، واليابان ، وكوريا ، والهند ، وغيرها من الدول ، فاشترك منهم مجموعة بالتمويل ، وبعضهم بالأعمال المساندة ، وبعضهم بالتأييد السياسي ، وبعضهم بالقواعد العسكرية ، وبعضهم بالإمداد العسكري ، بل وحشدت أمريكا ثلث قوتها العسكرية تقريباً في هذه الحملة .
والسؤال الذي يتبين من خلاله هذا الدليل :
هل القضاء على رجل واحد ، أو دولة واحدة تعد من أفقر الدول وأشدها تخلفاً من الناحية المادية والعسكرية يحتاج إلى كل هذه الحشود ؟! .
والجواب الظاهر لكل ذي عقل :
إن وراء هذه الحشود ما هو أبعد من مجرد القضاء على رجل أو دولة وهو القضاء على كل دولة إسلامية أو حركة إسلامية أو جهاد إسلامي في أي مكان في مناطق المسلمين .

12- أن الدول الغربية منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء ما يسمى بالحرب الباردة جعلوا (الإسلام) هو العدو الرئيس لهم ، وقد صرح بذلك عدد من زعمائهم ، وألفت في ذلك كتب كثيرة ، منها كتاب "أمريكا والإسلام السياسي صراع حضارات أم تضارب مصالح" ومؤلفه فواز جرجس ، وكما في كتاب نكسون "نصر بلا حرب" ، وفيه قوله : "وفي العالم الإسلامي من المغرب إلى إندونيسيا تخلف الأصولية الإسلامية محل الشيوعية باعتبارها الأداة الأساسية للتغيير العنيف " .
وكما قال (خفير سولانا) أمين عام حلف شمال الأطلسي سابقاً في اجتماع للحلف عام 1412 بعد سقوط الاتحاد السوفييتي " بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط العدو الأحمر يجب على دول حلف شمال الأطلسي ودول أوربا جميعاً أن تتناسى خلافاتها فيما بينها وترفع أنظارها من على أقدامها لتنظر إلى الأمام لتبصر عدواً متربصاً بها يجب أن تتحد لمواجهته وهو الأصولية الإسلامية" .
وقال الرئيس الروسي النصراني الأرثوذوكسي بوتين في آخر اجتماع له أمام دول الكومنولث من عام 1421 : " إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الوحيد الذي يهدد العالم المتحضر اليوم وهي الخطر الوحيد الذي يهدد نظام الأمن والسلم العالميين ، والأصوليون لهم نفوذ ويسعون إلى إقامة دولة موحدة تمتد من الفلبين إلى كوسوفو ، وينطلقون من أفغانستان التي تعتبر قاعدة لتحركاتهم ، فإذا لم ينهض العالم لمواجهتها فإنها ستحقق أهدافها ، وروسيا تحتاج إلى دعم عالمي لمكافحة الأصولية في شمال القوقاز " .

13-أن كثيراً من ساسة أمريكا يؤمنون بالمعركة العالمية الكبرى (هرمجدون) ، وهي المعركة التي ستكون بين قوى الخير بزعمهم وهم (النصارى) ، وقوى الشر وهم (المسلمون) ، وممن أشدهم في هذا وزير الدفاع الحالي (رامسفيلد) ، وراجع تفاصيل كلامهم في كتاب (البعد الديني لحملة بوش الصليبية على العالم الاسلامى وعلاقته بمخطط اسرائيل الكبرى) ليوسف الطويل .

هذه بعض الأدلة ، وما تركته أكثر مما ذكرته ، ومن أراد التوسع فليراجع كتاب (البعد الديني لحملة بوش الصليبية) للطويل ، وكتاب (حقيقة الحملة الصليبية الجديدة) لصلاح الدين الأيوبي.






الفصل الثاني
الأدلة على كفر من أعان (أمريكا) في هذه الحملة


تمهيد :

اعلم – رحمني الله وإياك وثبتنا على الإسلام والتوحيد حتى نلقاه – أن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران – كما قاله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله – :
الأول : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والتحريض على ذلك ، والموالاة فيه ، وتكفير من تركه .
الثاني : النهي عن الشرك في عبادة الله ، والتغليظ في ذلك ، والمعاداة فيه ، وتكفير من فعله.
فمعاداة الكافرين والبراءة منهم ومن كفرهم أصل من أصول الدين لا يصح إلا به ، وهي ملة إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة:4) .

لذلك فاعلم أن معاملة الكافر لها ثلاث حالات :
الحالة الأولى : معاملة مكفّرة مخرجة عن الملة :
وقد اصطلح بعض أهل العلم على تسمية هذه الحالة بـ(التولي) ، فكل ما دل الدليل على أنه كفر وردة فهو من هذه الحالة ، وذلك نحو : محبة دين الكفار ، ومحبة انتصارهم ، وغيرها من الأمثلة ، ومنها مسألتنا هذه وهي : مظاهرتهم على المسلمين.
الحالة الثانية : معاملة محرمة غير مكفّرة :
وقد اصطلح بعض أهل العلم على تسمية هذه الحالة بـ(الموالاة) ، فكل ما دل الدليل على تحريمه ولم يصل هذا التحريم إلى (الكفر) فهو من هذه الحالة ، وذلك نحو : تصديرهم في المجالس ، وابتدائهم بالسلام ، وموادتهم التي لم تصل إلى حد (التولي) ، وغير ذلك .
الحالة الثالثة : معاملة جائزة :
وهي غير داخلة في (الموالاة) ، و هي ما دلت الأدلة على جوازه مثل العدل معهم ، والإقساط لغير المحاربين منهم ، وصلة الأقارب الكفار منهم ، ونحو ذلك .
والفرق بين الحالتين الثانية والثالثة ذكره القرافي رحمه الله في كتابه (الفروق 3/14 – 15) حيث قال :
(اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ… الآية) ، فمنع الموالاة والتودد ، وقال في الآية الأخرى : (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ…) ، فلا بد من الجمع بين هذه النصوص ، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب ، وأن التودد والموالاة منهي عنهما ، ثم قال :
وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم ؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله  ودين الإسلام ، إلى أن قال : فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على موادات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر ، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع ، وصار من قبل ما نهي عنه في الآية وغيرها ، ويتضح ذلك بالمثل :
فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا ، والقيام لهم حينئذ ، ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها (1)، هذا كله حرام ، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق وأخلينا لهم واسعها ورحبتها والسهل منها ، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد ، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه واحتقار أهله ، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادماً ولا أجيراً يؤمر عليه وينهى ، إلى أن قال : وأما ما أمر من برهم من غير مودة باطنية كالرفق بضعيفهم ، وإطعام جائعهم ، وإكساء عاريهم ، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ، واحتمال أذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفاً معهم لا خوفاً وتعظيماً ، والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم فجميع ما نفعله معهم من ذلك لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم ، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا  ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا ، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالاً لأمر ربنا).
فحرّر الفرق بين هذه الحالات الثلاث ، وإلا التبست عليك الأمور ، خصوصاً وأن بعض دجاجلة العلم في عصرنا يريدون إباحة الحالتين الأولى والثانية استدلالاً بالحالة الثالثة على طريقة أهل الزيغ في اتباع المتشابه والتلبيس به على الناس .
واعلم أن تفصيل مسائل (الموالاة والمعاداة) ليس هذا موضعه (1)، فبحثنا هنا هو في مسألة واحدة من مسائل الحالة الأولى وهي مسألة (التولي) ونصرة الكافر على المسلم ، وهي الناقض الثامن من نواقض الإسلام التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى حيث قال :
(الناقض الثامن : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين ، والدليل قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ) .
فها قد علمت بأن الحملة الصليبية الكافرة التي يقودها أعداء الله (الأمريكان) وأولياؤهم من الكفرة الآخرين والمنافقين تستهدف الإسلام والمسلمين ، فاعلم :
أن أي إعانة لهم في حربهم ، سواء كانت هذه الإعانة : بالبدن ، أو بالسلاح ، أو باللسان ، أو بالقلب ، أو بالقلم ، أو بالمال ، أو بالرأي ، أو بغير ذلك ، فهي : كفر وردة عن الإسلام – أعاذنا الله منها – .
والأدلة على هذه المسألة كثيرة جداً ، وقد جعلتها على ثمانية مباحث :
المبحث الأول : الدليل من الإجماع .
المبحث الثاني : الأدلة من الكتاب .
المبحث الثالث : الأدلة من السنة .
المبحث الرابع : الأدلة من أقوال الصحابة .
المبحث الخامس : الأدلة من القياس .
المبحث السادس : الأدلة من التاريخ .
المبحث السابع : الأدلة من أقوال أهل العلم .
المبحث الثامن : الأدلة من أقوال أئمة الدعوة النجدية .

المبحث الأول
الدليل من الإجماع


وقد قدمت هذا الدليل على غيره حتى لا يظن أن المسألة اجتهادية قد اختلف فيها أهل العلم ، ومن المعلوم أن الإجماع لا يكون إلا على دليل من الكتاب أو السنة .
لذلك فاعلم أن الأمة كلها قد أجمعت على أن من ظاهر الكفار وأعانهم على المسلمين فهو كافر مرتد عن الإسلام ، و إثبات هذا الإجماع على وجهين :

الوجه الأول : ذكر أقوال أهل العلم على اختلاف مذاهبهم في هذه المسألة ، وهذا مذكور في المبحثين السابع والثامن ، حيث ذكرت أقوال أهل العلم من : الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية ، والمجتهدين من غيرهم ، بالإضافة إلى فتاوى للمتأخرين ، والمعاصرين.
الوجه الثاني : ذكر بعض النصوص التي ذكرت إجماع أهل العلم في هذه المسألة :
فمن ذلك :

1- ما قاله العلامة ابن حزم رحمه الله في (المحلى ) (11/ 138) :
"صح أن قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار ، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ".

2- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله : (الدرر 8/326) – بعد كلام له عن وجوب معاداة الكفار والبراءة منهم - :
"فكيف بمن أعانهم ، أو جرهم على بلاد أهل الإسلام ، أو أثنى عليهم ، أو فضلهم بالعدل على أهل الإسلام ، واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم وأحب ظهورهم ، فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق(1) ، قال الله تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)".


3- وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله (الدرر 15/479) :
"وأما التولي : فهو إكرامهم ، والثناء عليهم ، والنصرة لهم والمعاونة على المسلمين ، والمعاشرة ، وعدم البراءة منهم ظاهراً ، فهذا ردة من فاعله ، يجب أن تجرى عليه أحكام المرتدين ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة المقتدى بهم" .

4- وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في (فتاواه) (1/274) :
"وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم ، كما قال الله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) ".

المبحث الثاني
الأدلة من الكتاب

وقد دلت آيات كثيرة جداً من الكتاب على هذا الأمر ، سأذكر بعضاً منها فيما يلي :

الدليل الأول

قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) .
وقد دلت هذه الآية على كفر من نصر الكفار من ثلاثة وجوه :
الوجه الأول : قوله تعالى (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، فجعل الكفار بعضهم أولياء بعض وقطع ولايتهم عن المسلمين ، فدل على أن من تولاهم فهو داخل في قوله تعالى (بعضهم) فيلحقه هذا الوصف ، قال ابن جرير رحمه الله (6/277) : "وأما قوله (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) فإنه عنى بذلك أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين ، ويد واحدة على جميعهم ، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم ، معرفاً بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم أو لبعضهم ولياً فإنما هو وليهم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين ، كما اليهود والنصارى لهم حرب ، فقال تعالى ذكره للمؤمنين فكونوا أنتم أيضاً بعضكم أولياء بعض ، ولليهودي والنصراني حرباً كما هم لكم حرب ، وبعضهم لبعض أولياء ، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب ومنهم البراءة وأبان قطع ولايتهم".
الوجه الثاني : قوله (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، يعني كافر مثلهم ، قال ابن جرير رحمه الله 6/277 : "يعني تعالى ذكره بقوله (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) : ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، يقول : فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم ؛ فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" .
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (الدرر 8 / 127) فيها أيضاً :
"فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، وأخبر أن من تولاهم من المؤمنين فهو منهم ، وهكذا حكم من تولى الكفار من المجوس وعباد الأوثان ، فهو منهم " .

الوجه الثالث : قوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) والظلم هنا (الظلم الأكبر) كما قال تعالى (والكافرون هم الظالمون) ، ويدل على ذلك أول الآية والآيات التالية – كما سيأتي في الأدلة من الثاني إلى الرابع – مع الإجماع السابق ، قال ابن جرير (6/278) : "يعني تعالى ذكره بذلك أن الله لا يوفق من وضع الولاية موضعها فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين وكان لهم ظهيراً ونصيراً ؛ لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حرب" .
وقال ابن جرير رحمه الله تعالى (تفسيره) 6 / 276 أيضاً في هذه الآية :
"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله ،وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين وأن الله ورسوله منه بريئان".

الدليل الثاني

قال تعالى بعد الآية السابقة مباشرة )فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52) .
فجعل الله سبحانه تولي الكفار من صفات الذين في قلوبهم مرض وهم (المنافقون) الذين نزلت الآية فيهم –كما هو مذكور في كتب التفسير- ، قال ابن كثير رحمه الله (2/69) : "وقوله تعالى (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي : شك وريب ونفاق ، (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) أي : يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر ، (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) أي : يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك".

الدليل الثالث

قول تعالى بعد الآية السابقة مباشرة )وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة: 53-56) .
وهذه الآيات كلها قد جاءت في سياق تولي اليهود والنصارى ، وتدل على ردة من تولى الكفار من وجوه :
الوجه الأول : قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) يعني وهم كاذبون في ذلك ، وإنما كان عملهم في توليهم الكفار هو دليل كذبهم ، قال ابن جرير رحمه الله (6/281) : "يقول المؤمنون تعجباً منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله أهؤلاء الذين أقسموا لنا بالله إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيمانهم لنا".
الوجه الثاني : قوله تعالى عن أولئك الذين تولوا الكفار : (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) يعني الذين تولوا الكفار ، وحبوط العمل لا يكون إلا بالكفر كما قال تعالى )وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (لأعراف:147) ، وقال تعالى )مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) (التوبة:17) ، وقال تعالى ) وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ )(المائدة: من الآية5) ، وقال تعالى ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(الزمر: من الآية65) وغيرها من الآيات .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الصارم المسلول) 2 / 214 :
"ولا تحبط الأعمال بغير الكفر لأن من مات على الإيمان فإنه لابد من أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها ، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط ، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها ولا ينافي الأعمال مطلقاً إلا الكفر وهذا معروف من أصول أهل السنة" .
الوجه الثالث : قوله تعالى (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين) والخسارة بحبوط العمل تكون في الدنيا والآخرة والعياذ بالله كما قال تعالى ) وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)(البقرة: من الآية217) .
الوجه الرابع : قوله تعالى (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) وما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن أصل الخطاب هو في تولي الكفار .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى 18 / 300) :
"فإنه ما ارتد عن الإسلام طائفة إلا أتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة . يبين ذلك أنه ذكر هذا في سياق النهي عن موالاة الكفار فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) - إلى قوله – ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة . ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة . وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئا . بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كما قال في أول الأمر ) فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)(الأنعام: من الآية89) . فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه - لا يضرون الإسلام شيئا . بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة" .
الوجه الخامس : مفهوم الحصر في قوله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) .
الوجه السادس : قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) ، ومفهومه أن من تولى الكفار فإنهم من حزب الشيطان ، ) أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(المجادلة: من الآية19) .

الدليل الرابع

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة : 57).
وهذه الآية في سياق الآيات السابقة ، وهي تؤيد ما دلت عليه من ارتداد من تولى الكفار وناصرهم .
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله (الدرر 8 / 288) :
"فتأمل قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فإن هذا الحرف – وهو (إن) الشرطية – تقتضي نفي شرطها إذا انتفى جوابها ، ومعناه : أن من اتخذهم أولياء فليس بمؤمن" .

الدليل الخامس

قوله تعالى )لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران:28) .
وهذه الآية تدل على كفر من تولى الكفار لقوله تعالى فيمن يفعل ذلك (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ). قال ابن جرير رحمه الله تعالى (3 / 228) :
"ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهوراً وأنصاراً توالونهم على دينهم ، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين ، وتدلونهم على عوراتهم ، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء ، يعني فقد بريء من الله ، وبريء الله منه ، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ، إلا أن تتقوا منهم تقاة : إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة ، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ، ولا تعينوهم على مسلم بفعل " .

الدليل السادس

قوله تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء:139) .
فجعل صفة المنافقين اتخاذهم الكفار أولياء من دون المؤمنين ، وهذه الآية من جنس قوله تعالى : ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) والتي سبق الكلام عنها في الدليل الثاني.
قال ابن جرير رحمه الله (3 / 329) :
"يقول الله لنبيه : يا محمد ، "بشر المنافقين" الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء ؛ يعني : أنصاراً وأخلاء من دون المؤمنين ؛ يعني : المؤمنين ، "أيبتغون عندهم العزة" ، يقول : أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي ؟. "فإن العزة لله جميعا" ، يقول : فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم هم الأذلاء الأقلاء ، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء فيعزهم ويمنعهم" .
ومثل هذه الآية الآية التالية في :

الدليل السابع

قوله تعالى )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الحشر:11) .
والكلام على هذه الآية كالكلام على قوله تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) ، وقوله تعالى (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله (الدرر 8 / 138) :
"فإذا كان من وعد المشركين في (السر) بالدخول معهم ونصرهم والخروج معهم إن جلوا نفاقاً وكفراً وإن كان كذباً ، فكيف بمن أظهر ذلك صادقاً؟" .

الدليل الثامن

قوله تعالى )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ، تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:80 ، 81) .
وقد دلت على كفر من تولى الكفار من وجوه :
الوجه الأول : أنه جعل تولي الكفار صفة الذين كفروا من بني إسرائيل الذين لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم .
الوجه الثاني : أنه قال عنهم (وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) وهذه صفة عذاب الكافر ، قال الشيخ سليمان بن عبد الله (الدرر 8/128) :
"فذكر تعالى أن موالاة الكفار موجبة لسخط الله والخلود في النار بمجردها وإن كان الإنسان خائفاً ، إلا المكره بشرطه".
الوجه الثالث : أنه قال (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُون) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى 7 / 17) :
"فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع انتفاء الشرط انتفاء المشروط ، فقال (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب" .
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله (الدرر 8/129) :
"فذكر تعالى أن موالاة الكفار منافية للإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ، ثم أخبر أن سبب ذلك كون كثير منهم فاسقين ، ولم يفرق بين من خاف الدائرة ولم يخف ، وهكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين قبل ردتهم كثير منهم فاسقون ، فجر ذلك إلى موالاة الكفار والردة عن الإسلام ، نعوذ بالله من ذلك" .

الدليل التاسع

قوله تعالى )وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال:73) وتدل هذه على كفر من تولى الكافرين من وجهين :
الأول : قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) فمن كان موالياً لهم فهو داخل في قوله (بعضهم ) ، كقوله تعالى في اليهود والنصارى (بعضهم أولياء بعض) وقد سبق الكلام على ذلك في الدليل الأول.
الثاني : قوله (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) ، والفتنة تأتي في القرآن على معان منها : الشرك والكفر كقوله تعالى )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ )(البقرة: من الآية193) ، وقوله تعالى ) وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ )(البقرة: من الآية217) ، وقوله تعالى) فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)(النور: من الآية63) وغيرها من الآيات .
قال ابن كثير رحمه الله 2/ 331 :
"ومعنى قوله تعالى (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) أي : إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين و إلا وقعت فتنة في الناس ؛ وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر" .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (الدرر 8 / 324 – 326) :
"وما جاء في القرآن من النهي والتغليظ الشديد في موالاتهم وتوليهم ، دليل على أن أصل الأصول : لا استقامة له ولا ثبات له إلا بمقاطعة أعداء الله وحربهم وجهادهم والبراءة منهم ، والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم ، وقد قال تعالى لما عقد الموالاة بين المؤمنين وأخبر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض قال ) إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)(لأنفال: من الآية73) ، وهل الفتنة إلا الشرك ، والفساد الكبير هو انتثار عقد التوحيد والإسلام وقطع ما أحكمه القرآن من الأحكام والنظام ؟" .

الدليل العاشر

قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) (آل عمران:149 ،150) .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله (الدرر 8 / 124) :
" فأخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام ، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر ، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة ، ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفاً منهم ، وهذا هو الواقع ؛ فإنهم لا يقنعون ممن وافقهم إلا بالشهادة أنهم على حق ، وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين ، وقطع اليد عنهم.
ثم قال تعالى (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) فأخبر تعالى أنه ولي المؤمنين وناصرهم ، وهو خير الناصرين ، ففي ولايته وطاعته كفاية وغنية عن طاعة الكفار " .

الدليل الحادي عشر

قوله تعالى )إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) (محمد:25 ، 26) .
فقد علّل ارتدادهم هنا بأنهم قالوا للكافرين (الذين كرهوا ما نزل الله) : سنطيعكم في بعض الأمر ، فقد وعدوهم بأن يطيعوهم في (بعض أمرهم) لا أن يطيعوهم في أمرهم كله ومع ذلك صارت هذه ردة منهم.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله (الدرر 8 / 136) :
"فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله طاعتهم في بعض الأمر كافراً ، وإن لم يفعل ما وعدهم به ، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله ؟" .

الدليل الثاني عشر

قوله تعالى )الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء:76) .
فبيّن أن الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت وأنهم أولياء الشيطان ، فمن قاتل معهم فهو معهم في هذه الأوصاف ، والقتال يكون باليد واللسان والمال وغيره مما يعان به، كما قال  (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ، وكما قال  (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه يحتسب في صنعه الخير ، والرامي به ، ومنبله) .
فقد دلت الآية أن من أعانهم في حربهم على المسلمين بأي نوعٍ من أنواع الإعانة فهو من أولياء الشيطان .

الدليل الثالث عشر

قوله تعالى )وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (لأعراف:175) . روى ابن جرير بسنده (9/123) عن ابن عباس قال : لما نزل موسى عليه السلام - يعني بالجبارين- ومن معه ، أتاه يعني (بلعم) بنو عمه وقومه ؛ فقالوا : إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا ، فادع الله أن يرد موسى ومن معه . قال : إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي . فلم يزالوا به حتى دعا عليهم ، فسلخه الله مما كان عليه ، فذلك قوله (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) .
فهو هنا لم ينصر الكفار ، وإنما دعا لهم أن يرد موسى ومن معه فكان هذا انسلاخاً من آيات الله ، فكيف بمن ناصرهم وأعانهم ؟.

الدليل الرابع عشر

قوله تعالى )إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهـَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ( (النساء:97) .
روى البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال : قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه ، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته ، فنهاني عن ذلك أشد النهي ، وقال : أخبرني ابن عباس : أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله  يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل ، فأنزل الله : (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) .
وقد اختلف أهل العلم في الذين نزلت فيهم هذه الآيات من الذين خرجوا مع الكفار من المسلمين يكثرون سوادهم هل ماتوا مسلمين عصاة أو ارتدوا بهذا الفعل؟.
ففعلهم هذا كفر ، ولكن قد يعذرهم بعض العلماء ، فمن لم يكفرهم رأى أنهم إنما خرجوا مكرهين ، والإكراه عذر في الكفر ، ومن لم يعذرهم رأى أنهم السبب في حدوث الإكراه بسبب تخلفهم عن الهجرة وهم قادرون عليها ، مع اتفاق الجميع على أنهم يعاملون معاملة الكفار في القتل .
وأما من أعان الكفار أو كثّر سوادهم بلا إكراه فلا شك في كفره وارتداده عن الإسلام والعياذ بالله .

الدليل الخامس عشر

قوله تعالى )اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:257) .
فبيّن سبحانه في هذه الآية أن أنصار الذين كفروا هم (الطاغوت) ، فمن ناصرهم فهو مثل (طواغيتهم) .

الدليل السادس عشر

أن الله سبحانه شرط الكفر بالطاغوت مع الإيمان به للدخول في الإسلام ، فقال تعالى) فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا )(البقرة: من الآية256) ، وقال تعالى )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )(النحل: من الآية36) ، وقال تعالى )وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) (الزمر:17) ، وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ )(النساء: 60) .
ومن ناصرهم فإنه لم يكفر بالطاغوت ، لأن الكفار يقاتلون في سبيل الطاغوت كما سبق في قوله تعالى)الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء:76) .

المبحث الثالث
الأدلة من السنة

الدليل الأول :
ما في الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه – في غزوة الفتح - قال : بعثني رسول الله  أنا والزبير والمقداد ، فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها . فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، قلنا : أخرجي الكتاب . قالت : ما معي كتاب . قلنا : لتخرجن الكتاب ، أو لتلقين الثياب . قال : فأخرجت الكتاب من عقاصها ، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله  ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله  ، فقال رسول الله  : يا حاطب ، ما هذا ؟.
قال : لا تعجل علي ، إني كنت أمرءاً ملصقاً في قريش ، ولم أكن من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام .
فقال رسول الله  : إنه صدقكم .
فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق . وفي رواية : فقد كفر .
فقال رسول الله  : إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
وهذه القصة تدل على أن الأصل في مظاهرة الكفار ومناصرتهم هو الردة والخروج عن الإسلام من ثلاثة وجوه :
الوجه الأول : قول عمر : دعني أضرب هذا المنافق ، وفي رواية : فقد كفر ، وفي رواية : بعد أن قال الرسول  : أوليس قد شهد بدراً ؟. قال عمر : بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك .
فهذا يدل على أن المتقرر عند عمر رضي الله عنه أن مظاهرة الكفار : كفر وردة .
الوجه الثاني : إقرار الرسول  لما فهمه عمر وإنما ذكر عذر حاطب .
الوجه الثالث : أن حاطباً قال : ما فعلت ذلك كفراً ، ولا ارتداداً عن ديني ، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام .
وهذا يدل على أنه قد تقرّر لديه أيضاً أن مظاهرة الكفار (كفر وردة ورضا بالكفر) .
فإذا كان هذا قد يظن في مثل صورة عمل حاطب رضي الله عنه مع أنه قد خرج غازياً مع الرسول  بنفسه وماله مناصراً له ومظاهراً له على أعدائه المشركين ، ولم يظاهر الكفار ولم ينصرهم بنفس ولا مال ، ولكن احتمل عمله هذا فقيل فيه ما قيل ، فكيف بمن ظاهر الكفار فعلاً وظاهرهم وأعانهم على المسلمين ، لا شك أنه أولى بالأحكام المذكورة في هذا الحديث .
والحديث تثار حوله شبهات سنناقشها إن شاء الله في الفصل الثالث.

الدليل الثاني :
ما رواه ابن إسحاق وغيره عن يزيد بن رومان عن عروة وعن الزهري عن جماعة سماهم قالوا : بعثت لنا قريش إلى رسول الله  في فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا ، وقال العباس – وكان خرج مكرهاً مع المشركين في بدر – يا رسول الله قد كنت مسلماً. فقال رسول الله  : الله أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك ، وأما ظاهرك فقد كان علينا ، فافتد نفسك وابني أخيك .
فمع أن (العباس بن عبد المطلب) قد خرج مع قريش في قتالهم مكرهاً إلا أن الرسول  حكم عليه بظاهره وألحقه بالمشركين ، فكيف يكون الحال فيمن ظاهر الكفار وناصرهم اختياراً منه؟.
ويدل على هذا أيضاً ما رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال : قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه ، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته ، فنهاني عن ذلك أشد النهي ، وقال : أخبرني ابن عباس : أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله  يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل ، فأنزل الله : (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) .
فانظر إلى إلحاقه بهم في الظاهر مع أنهم مكرهون ، وما ذلك إلا لأن الأصل كفر من عمل هذا العمل .

الدليل الثالث :
ما رواه أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي  قال (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) .
فجعل من اجتمع مع المشرك وشاركه مثله وإن لم يوافقه، فمن ظاهر المشركين وأعانهم ونصرهم على المسلمين أعظم من مجرد السكنى معهم ومخالطتهم .
قال المناوي رحمه الله (فيض القدير 6/111) في تعليل قوله (فهو مثله) :
"لأن الإقبال على عدو الله وموالاته توجب إعراضه عن الله ، ومن أعرض عنه تولاه الشيطان ونقله إلى الكفران ، قال الزمخشري : وهذا أمر معقول ؛ فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان" .
وقال الشوكاني رحمه الله (النيل 8/177) :
" قوله : "فهو مثله" فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم ، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكن يشهد لصحته قوله تعالى (فلا تقعدوا معهم إنكم إذا مثلهم ) ، وحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده مرفوعاً : ( لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين)" .
ومثل هذا الحديث :

الدليل الرابع :
وهو ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن الرسول  قال (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) .
ويقال فيه ما قيل في الحديث السابق .

الدليل الخامس :
ما رواه النسائي وغيره من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي  قال (لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين) .
وهو من جنس ما سبق ، فإن من تولى الكفار وناصرهم وأعانهم على حرب المسلمين أولى بالدخول في هذا الحديث ممن لم يفارقهم بجسده .
ومن جنسه أيضاً :

الدليل السادس :
ما رواه النسائي وغيره عن جرير قال : (بايعت رسول الله  على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ، وعلى فراق المشرك) .
والكلام فيه كالكلام في ما سبق .


المبحث الرابع
الأدلة من أقوال الصحابة

وقد ورد عن الصحابة ما يدل على هذا الأصل ، فمن ذلك :
1- ما سبق ذكره في الدليل الأول من السنة من تقرّر هذا الأصل عند عمر وحاطب رضي الله عنهما .

2- وما رواه عبد بن حميد عن حذيفة رضي الله عنه قال :
ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر . فظنناه يريد هذه الآية )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (المائدة: من الآية51)

3- ومن ذلك قصة خالد بن الوليد ومجاعة بن مرارة في كتب السيرة في حروب الردة ، فإن خالداً رضي الله عنه أخذ جنده بعض بني حنيفة ومعهم (مجاعة) ، فقال مجاعة لخالد : إني والله ما اتبعته – يقصد مسيلمة – وإني لمسلم . فقال له خالد : فهلا خرجت إليّ ، أو تكلمت بمثل ما تكلم به ثمامة بن أثال .
فقد استدل ببقائه بين ظهراني المرتدين على موافقته لهم وعامله على هذا ، وهذا الأمر موافق لما سبق ذكره في الدليل الثالث عشر من القرآن في قصة المسلمين الذين خرجوا مع المشركين في بدر يكثرون سوادهم .

4- ومن ذلك فعل الصحابة وسيرتهم في حروب الردة مع قوم مسيلمة وسجاح وطليحة ومانعي الزكاة ونحوهم في قتالهم كلهم دون تفريق بينهم مع احتمال كون بعضهم مخالفاً لهم في معتقدهم وإنما شاركهم حمية ، ومع ذلك كانت سيرتهم فيهم واحدة ، مما يدل على تقرّر هذا الأصل عندهم ، وأن من ظاهر وناصر الكفّار فهو كافر مثلهم .

المبحث الخامس
الأدلة من القياس

وهو من وجهين :
الوجه الأول :
أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي  قال (من جهز غازياً فقد غزى) ، فجعل القاعد إذا جهّز المجاهد مشاركاً في الغزو ، ومن هذا أيضاً قوله (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه يحتسب في صنعه الخير ، والرامي به ، ومنبله) . وهذا يدل – بقياس العكس – أن من جهّز وأعان الكافر في قتاله فقد شاركه في قتاله في سبيل الطاغوت .
الوجه الثاني :
أن الردء والمباشر حكمهم واحد في الشرع على الصحيح ، لأن المباشر إنما يتمكن من عمله بمعونة الردء له ، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله :
" وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة , فالواحد منهم باشر القتل بنفسه , والباقون له أعوان وردء له , فقد قيل : إنه يقتل المباشر فقط , والجمهور على أن الجميع يقتلون , ولو كانوا مائة وأن الردء والمباشر سواء , وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين . فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين . والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال , ينظر منه لهم من يجيء ولأن المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته , والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ; فإن النبي  قال : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويرد متسريهم على قاعدتهم ). يعني : أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالاً , فإن الجيش يشاركها فيما غنمت لأنها بظهره وقوته تمكنت لكن تنفل عنه نفلاً , فإن النبي  كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم الربع بعد الخمس , وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية ; لأنها في مصلحة الجيش , كما قسم النبي  لطلحة والزبير يوم بدر ; لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش , فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها , فيما لهم وعليهم - وهكذا المقتتلون على باطل - لا تأويل فيه , مثل المقتتلين على عصبية , ودعوى جاهلية كقيس ويمن ونحوهما , هما ظالمتان . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار , قيل : يا رسول الله : هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه أراد قتل صاحبه ) أخرجاه في الصحيحين . وتضمن كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ومال , وإن لم يعرف عين القاتل ; لأن الطائفة الواحدة المتمنع بعضها ببعض كالشخص الواحد " .
وهكذا القول في من أعان الكفار ونصرهم في قتالهم ؛ فإن حكمه حكمهم .


المبحث السادس
الأدلة من التاريخ


شهد تاريخ الإسلام في فترات متعددة وجود حوادث فيها مظاهرة ممن يدعي الإسلام للكفار ، وقد قام علماء الإسلام بتوضيح حكم هذه المظاهرة ، وسأذكر فيما يلي بعضاً من هذه الحوادث:

الحادثة الأولى :
غزوة بدر في السنة الثانية :
حيث خرج بعض المسلمين مع المشركين في غزوة بدر لتكثير سوادهم ، وقد نزل فيهم قول الله تعالى )إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (النساء:97) . وقد سبق ذكر ذلك في الدليل الرابع عشر من القرآن .

الحادثة الثانية :
حادثة المرتدين في السنة الحادية عشرة :
وذلك بعد وفاة النبي  وعدم استفصال الصحابة ممن كانوا يقاتلونهم ، وقد سبق ذكر ذلك في المبحث الثالث .

الحادثة الثالثة :
في بداية سنة 201 :
خرج (بابك الخرمي) وحارب المسلمين وهو بأرض المشركين فأفتى الإمام أحمد وغيره بارتداده ، فقد روى الميموني أن الإمام أحمد قال عنه : خرج إلينا يحاربنا وهو مقيم بأرض الشرك ، أي شيء حكمه ؟ إن كان هكذا فحكمه حكم الارتداد . (الفروع) 6 / 163 .

الحادثة الرابعة :
بعد عام 480 :
قام المعتمد بن عباد – حاكم أشبيلية – وهو من ملوك الطوائف في (الأندلس) بالاستعانة بالإفرنج ضد المسلمين ، فأفتى علماء المالكية في ذلك الوقت بارتداده عن الإسلام(1) . (الاستقصا) 2/ 75 .


الحادثة الخامسة :
في سنة 661 :
قام صاحب الكرك (الملك المغيث عمر بن العادل) بمكاتبة (هولاكو) و التتار على أن يأخذ لهم (مصر) ، فاستفتى (الظاهر بيبرس) الفقهاء فأفتوا بعزله وقتله ، فعزله وقتله . (البداية والنهاية 13/238) (الشذرات 6/305) .


الحادثة السادسة :
في حدود سنة 700 :
هجم التتار على أراضي الإسلام في (الشام) وغيرها ، وقد أعانهم بعض المنتسبين للإسلام ، فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بردة من أعانهم (الفتاوى) 28 / 530 .


الحادثة السابعة :
في عام 980 :
استعان (محمد بن عبد الله السعدي) أحد ملوك (مراكش) بملك (البرتغال) ضد عمه (أبي مروان المعتصم بالله) ، فأفتى علماء المالكية بارتداده . (الاستقصا) 2/ 70 .

الحادثة الثامنة :
بين عامي 1226 – 1233 :
هجمت بعض الجيوش على أراضي نجد للقضاء على دعوة التوحيد ، وأعانهم بعض المنتسبين للإسلام ، فأفتى علماء نجد بردة من أعانهم ، وألف الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ كتاب (الدلائل) في إثبات كفر هؤلاء ، وذكر واحداً وعشرين دليلاً على ذلك .


الحادثة التاسعة :
بعد الحادثة السابقة بنحو من خمسين عاماً :
تكرّر نفس الأمر ، فأفتى علماء نجد بكفر من أعان المشركين ، وألف الشيخ حمد بن عتيق كتاب (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) في هذا الأمر .


الحادثة العاشرة :
في أوائل القرن الرابع عشر :
أعانت بعض قبائل الجزائر الفرنسيين ضد المسلمين ، فأفتى فقيه المغرب أبو الحسن التسولي بكفرهم . (أجوبة التسولي على مسائل الأمير عبد القادر الجزائري) ص 210 .

الحادثة الحادية عشرة :
في منتصف القرن الرابع عشر :
اعتدى الفرنسيون والبريطانيون على المسلمين في مصر وغيرها ، فأفتى الشيخ أحمد شاكر بكفر من أعان هؤلاء بأي إعانة . (كلمة حق) 126 وما بعدها.

الحادثة الثانية عشرة :
في منتصف القرن الرابع عشر أيضاً :
استولى اليهود على فلسطين ، وأعانهم بعض المنتسبين للإسلام ، فأفتت لجنة الفتوى بالأزهر برئاسة الشيخ عبد المجيد سليم عام 1366 بكفر من أعانهم .

الحادثة الثالثة عشرة :
في أواخر القرن الرابع عشر :
كثر الشيوعيون والاشتراكيون في بلاد المسلمين ، وأعانهم بعض المنتسبين للإسلام ، فأفتى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بكفر من أعانهم . (مجموع فتاواه) 1 / 274 .

المبحث السابع
الأدلة من أقوال أهل العلم

سأنقل فيما يلي بعض كلام أهل العلم من جميع المذاهب :
أولاً : من أقوال علماء الحنفية :

1- قال أحمد بن علي الرازي أبو بكر الجصاص ( ت 370 ) في ( أحكام القرآن 3/ 130) :
" قوله تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ)(التوبة: من الآية23) فيه نهي للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم وإكرامهم , وسواء بين الآباء والإخوان في ذلك … وإنما أمر المؤمنين بذلك ليتميزوا من المنافقين , إذ كان المنافقون يتولون الكفار , ويظهرون إكرامهم وتعظيمهم إذا لقوهم , ويظهرون لهم الولاية والحياطة , فجعل الله تعالى ما أمر به المؤمن في هذه الآية علما يتميز به المؤمن من المنافق , وأخبر أن من لم يفعل ذلك فهو ظالم لنفسه مستحق للعقوبة من ربه " .
وقال أيضاً (1 / 16 ) – في سياق النهي عن موالاة غير المؤمنين- :
"وقوله تعالى : ) إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(آل عمران: من الآية28) يعني أن تخافوا تلف النفس وبعض الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها . وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ وعليه الجمهور من أهل العلم , وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى : )لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ )(آل عمران: من الآية28) قال : لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه . وقوله تعالى : ) إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) : إلا أن تكون بينهم وبينه قرابة فيصله لذلك ; فجعل التقية صلة لقرابة الكافر . وقد اقتضت الآية جواز إظهار الكفر عند التقية" .

2- وقال عبد الله بن أحمد أبو البركات النسفي (ت : 710) في (تفسيره 1 / 287):
"ونزل نهياً عن موالاة أعداء الدين )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ )(المائدة: من الآية51) أي : لا تتخذوهم أولياء ؛ تنصرونهم ، وتستنصرونهم ، وتؤاخونهم ، وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين ، ثم علل النهى بقوله )بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) وكلهم أعداء المؤمنين ، وفيه دليل على أن الكفر كله ملة واحدة ، ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) : من جملتهم وحكمه حكمهم ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين ، )إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة".

3- وقال القاضي محمد بن أحمد أبو السعود العمادي (ت 951) في ( تفسيره 3 / 48) :
"وقوله تعالى ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ): حكم مستنتج منه – يعني من قوله )بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) – فإن انحصار الموالاة فيما بينهم يستدعي كون من يواليهم منهم ضرورة أن الاتحاد في الدين الذي عليه يدور أمر الموالاة حيث لم يكن بكونهم ممن يواليهم من المؤمنين تعين أن يكون ذلك بكون من يواليهم منهم ، وفيه زجر شديد للمؤمنين عن إظهار صورة الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة ، وقوله تعالى )إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) : تعليل لكون من يتولاهم منهم ، أي : لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلالة".

ثانياً : من أقوال علماء المالكية :

1- قال أبو عبد الله القرطبي في (تفسيره 6 / 217) :
"قوله تعالى ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ) أي : يعضدهم على المسلمين ، ) فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) : بيّن تعالى أن حكمه كحكمهم ، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد ، وكان الذي تولاهم ابن أبي ، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة" .

2- وفي كتاب (القضاء) من (نوازل) الإمام البرزلي رحمه الله : أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله استفتى علماء زمانه – وهم من المالكية – في استنصار ابن عباد الأندلسي (حاكم أشبيلية) بالكتابة إلى الإفرنج على أن يعينوه على المسلمين ، فأجابه جلهم بردته وكفره ، وهذا في حدود عام 480 تقريباً. كما في (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى) 2 / 75 .

4- وتكرّرت نحو هذه الحادثة عام (984) من (محمد بن عبد الله السعدي) حاكم (مراكش) الذي استعان بملك (البرتغال) ضد عمه (أبي مروان المعتصم بالله) ، فأفتى علماء المالكية بكفره وردته . كما في (الاستقصا) 2 / 70 .

5- وسئل أبو عبد الله أحمد بن محمد المعروف بالشيخ عليش (ت 1299) عن البقاء بين ظهراني الكفار إذا استولوا على ديار المسلمين وترك الهجرة ، فأجاب إجابة طويلة ، ومما قال (فتح العلي المالك 1/375 وما بعدها) :
"إن هذه الموالاة الشركية كانت مفقودة في صدر الإسلام وعزته , ولم تحدث على ما قيل إلا بعد مضي مئين من السنين وبعد انقراض أئمة الإسلام المجتهدين فلذلك لم يتعرض لأحكامها الفقهية أحد منهم , وإنما نبغت هذه الموالاة النصرانية في المائة الخامسة وبعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء ملاعين النصارى دمرهم الله تعالى على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس . سئل عنها بعض الفقهاء واستفهموه عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها فأجاب بأن أحكامهم جارية مع أحكام من أسلم ولم يهاجر – قلت : يعني في الكفر – وألحقوا هؤلاء المسئول عنهم والمسكوت عن حكمهم بهم وسوي بين الطائفتين في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم , ولم يروا فيها فرقا بين الفريقين وذلك لأنها في موالاة الأعداء ومساكنتهم ومداخلتهم وملابستهم وعدم مباينتهم وترك الهجرة الواجبة لهذه الأحكام المسكوت عنها في الصورة المسئول عن فرضها بمثابة واحدة فألحقوا رضي الله عنهم الأحكام المسكوت عنها في هؤلاء المسئول عنهم بالأحكام المتفقه فيها".

6- وسئل فقيه المغرب أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي المالكي (ت 1311) ، عن بعض القبائل الجزائرية التي كانت تمتنع من النفير للجهاد ، وكانوا يخبرون الفرنسيين بأمور المسلمين ، وربما قاتلوا أهل الإسلام مع النصارى الفرنسيين ، فأجاب :
" ماوصف به القوم المذكورون يوجب قتالهم كالكفار الذين يتولونهم ، ومن يتول الكفار فهو منهم . قال تعالى : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).
وأما : إن لم يميلوا إلى الكفار ، ولا تعصبوا بهم ، ولا كانوا يخبرونهم بأمور المسلمين ، ولا أظهروا شيئاً من ذلك ، وإنما وجد منهم الامتناع من النفير فإنهم يقاتلون قتال الباغية".
كما في (أجوبة التسولي على مسائل الأمير عبدالقادر الجزائري ) (ص210).

ثالثاً : من أقوال علماء الشافعية :

1- قال عبد الله بن عمر أبو سعيد البيضاوي (ت 685) في تفسيره (2 / 334) :
" (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي : ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم ، وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال  : "لا تتراءى ناراهما " ، أو لأن الموالي لهم كانوا منافقين ، )إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي : الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار ، أو المؤمنين بموالاة أعدائهم" .

2- وقال الحافظ ابن كثير (ت 774 ) في (تفسيره 1 / 358) :
" نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ، ثم توعد على ذلك فقال ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء)(آل عمران: من الآية28) أي : ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله".

3- وقال الحافظ ابن حجر (ت 852) في (الفتح 13 / 61) في شرح حديث ابن عمر مرفوعاً (إذا أنزل الله بقومٍ عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم):
"ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة ؛ لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة ، هذا إذا لم يُعِنْهم ولم يرض بأفعالهم ؛ فان أعان أو رضي فهو منهم" .

4- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الباري الأهدل اليماني (ت 1271هـ) :
س : قوم في بلاد الإسلام من المسلمين يدعون أنهم من رعية النصارى، ويرضون بذلك، ويفرحون به ، فما تقولون في إيمانهم، ومن الجملة أنهم يتخذون لسفنهم بيارق، وهي تسمىالرايات ، مثل رايات النصارى، إعلاماً منهم بأنهم من رعيتهم.
فمما جاء في الجواب :
" إن كان القوم المذكورون جهالاً، يعتقدون رفعة دين الإسلام، وعلوه على جميع الأديان، وأن أحكامه أقوم الأحكام، وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم الكفر وأربابه، فهم باقون على أحكام الإسلام ، لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير، يجب تعزيرهم عليه، وتأديبهم وتنكيلهم. وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام ، ومع ذلك صدر عنهم ماذكر فيستتابون ، فإن رجعوا عن ذلك ، وتابوا إلى الله ـ تعالى ـ ، وإلا فهم مارقون، فإن اعتقدوا تعظيم الكفر ارتدوا ، وجرى عليهم أحكام المرتدين.
وظاهر الآيات والأحاديث عدم إيمان المذكورين، قال ـ تعالى ـ : (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ... الآية)، فالآية تقتضي أن الناس قسمان : الذين آمنوا وليهم الله ـ تعالى ـ ، أي لا غيره، فليس لهم مولى دون الله ورسوله، (الله مولانا ، ولا مولى لكم) ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، فلا واسطة، فمن اتخذ الطاغوت ولياً من دون الله ، فقد خسر خسراناً مبيناً، وارتكب خطباً جسيماً، فليس إلا ولي الله وولي الطاغوت، فلا شركة بوجه من الوجوه ألبتة ، كما تقتضيه الآية. وقال ـ تعالى ـ : (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقد حكم الله ألا نتولى الكفار بوجه قط، فمن خالف لما يحكم، فأنى يكون له إيمانٌ ، وقد نفى الله إيمانه ، وأكد النهي بأبلغ الوجوه والإقسام على ذلك فاستفده".
(السيف البتار ، على من يوالي الكفار ، ويتخذهم من دون الله ورسوله  والمؤمنين أنصار)




رابعاً : من أقوال علماء الحنابلة :

1- وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً في هذه المسألة ، وقد سبق ذكر بعض النقول عنه أثناء ذكر الأدلة من القرآن ، وقد بلي في وقته بالتتار وبالذين ناصروهم من المنتسبين للإسلام ، وله رسائل وفتاوى كثيرة في هذا الأمر موجودة في المجلد الثامن والعشرين من الفتاوى ، ومما قاله ( 28 / 530) :
"كل من قفز إليهم – يعني إلى التتار – من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم ، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام ، وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين - مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين ، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمين ؟" .
ومما قاله أيضاً (اقتضاء الصراط المستقيم) 1 / 221:
" وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ، تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:80 ، 81) ، فبيّن سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم " .
وقال أيضاً (الفتاوى 7/17) :
"ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى )تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:80 ، 81) فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع انتفاء الشرط انتفاء المشروط ، فقال (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ; ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ، ومثله قوله تعالى (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمنا ، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم ، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً" .
2- وقال ابن القيم في (أحكام أهل الذمة) 1/233 ، 234 (نقلاً عن كتاب الآمر بالله العباسي) :
"وقطع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين ، وأخبر أنه من تولاهم فإنه منهم ،في حكمه المبين فقال تعالى وهو أصدق القائلين سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) .
وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلى فساد العقل والدين فقال )فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52) .
ثم أخبر عن حبوط أعمال متوليهم ليكون المؤمن لذلك من الحذرين فقال تعالى )وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين) ".
وقال أيضاً في (أحكام أهل الذمة )1/ 242 :
"وقد حكم تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم ،ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم ، والولاية تنافي البراءة فلا تجتمع البراءة والولاية أبداً ، والولاية إعزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبداً ، والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبداً" .
وقال أيضاً (أحكام أهل الذمة) 1 / 195 :
"أنه سبحانه قد حكم ولا أحسن من حكمه أنه من تولى اليهود والنصارى فهو منهم ، (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)".

3- ولأئمة الدعوة النجدية – وهم حنابلة – كتب ورسائل وفتاوى كثيرة في هذا الباب أفردتها في المبحث الثامن لأهميتها .



خامساً : من أقوال علماء الظاهرية :

1- قال ابن حزم (ت 456 ) في ( المحلى ) 11 / 204 :
"أخبر الله تعالى عن قوم يسارعون في الذين كفروا حذراً أن تصيبهم دائرة ، وأخبر تعالى عن الذين آمنوا أنهم يقولون للكافرين (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ) ، يعنون الذين يسارعون فيهم قال الله تعالى : (حَبِـطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين ) ، فهذا لا يكون إلا خبراً عن قوم أظهروا الميل إلى الكفار فكانوا منهم كفاراً خائبي الأعمال ".
وقال أيضاً في (المحلى) 12 / 126 : تحت مسألة : من صار مختاراً إلى أرض الحرب , مشاقاً للمسلمين أمرتد هو بذلك أم لا ؟ ومن اعتضد بأهل الحرب على أهل الإسلام - وإن لم يفارق دار الإسلام - أمرتد هو بذلك أم لا ؟ .
فقال بعد كلام :
قال أبو محمد رحمه الله : " فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين , فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها : من وجوب القتل عليه , متى قدر عليه , ومن إباحة ماله , وانفساخ نكاحه , وغير ذلك , لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم ".
ثم قال :
"فإن كان هناك محارباً للمسلمين معيناً للكفار بخدمة , أو كتابة : فهو كافر - وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها , وهو كالذمي لهم , وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم , فما يبعد عن الكفر , وما نرى له عذرا - ونسأل الله العافية فإن كان هناك محاربا للمسلمين معينا للكفار بخدمة , أو كتابة : فهو كافر - وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها , وهو كالذمي لهم , وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم , فما يبعد عن الكفر , وما نرى له عذراً - ونسأل الله العافية ".
وقال أيضاً (11/ 138) :
"صح أن قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار ، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ".

سادساً : من أقوال غيرهم من العلماء المجتهدين :

1- قال ابن جرير الطبري (وكان إماماً مجتهداً له أتباع يقال لهم الجريرية ) في قوله تعالى في سورة آل عمران )لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(آل عمران: من الآية28) (تفسير ابن جرير 3 / 228 ) :
"ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهوراً وأنصاراً توالونهم على دينهم ، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين ، وتدلونهم على عوراتهم ، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء ، يعني فقد بريء من الله ، وبريء الله منه ، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ، (إلا أن تتقوا منهم تقاة) : إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة ، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ، ولا تعينوهم على مسلم بفعل " .
وقد سبق شيء من كلامه في تفسير بعض الآيات التي ذكرناها في المبحث الأول فلتراجع.

2- وقال محمد بن علي الشوكاني (ت 1255) في (فتح القدير 2/ 50) في قوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) :
"والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة ، وقوله (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) تعليل للنهي ، والمعنى : أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم ، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم ، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى ، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى ؛ للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق )وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ )(البقرة: من الآية113) . وقيل : المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي  وعداوة ما جاء به ، وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين ، ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم ، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم ، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فقال (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي : فإنه من جملتهم وفى عدادهم ، وهو وعيد شديد ؛ فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية ، وقوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تعليل للجملة التي قبلها ؛ أي : أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين" .
وقال (فتح القدير 1 / 331) في قوله تعالى )لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ )(آل عمران: من الآية28) :
"قوله (لا يتخذ) : فيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار لسبب من الأسباب ، ومثله قوله تعالى ) لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ…الآية)(آل عمران: من الآية118) ، وقوله ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)(المائدة: من الآية51) ، وقوله )لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ …الآية)(المجادلة: من الآية22) ، وقوله ) لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء)(المائدة: من الآية51) ، وقوله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)(الممتحنة: من الآية1) .
وقوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) في محل الحال أي متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالاً أو اشتراكاً ، والإشارة بقوله (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) إلى الاتحاد المدلول عليه بقوله (لا يتخذ). ومعنى قوله (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) أي : من ولايته في شيء من الأشياء ، بل هو منسلخ عنه بكل حال " .

سابعاً : من أقوال المتأخرين من أهل العلم :

1- قال الشيخ جمال الدين القاسمي (ت 1332) في (تفسيره 6/240) على قوله تعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) :
"(فإنه منهم ) : أي من جملتهم ، وحكمه حكمهم ، وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين" .

2-وقال الشيخ محمد رشيد رضا في (المنار) 33 / 226 – 227 ضمن فتوى طويلة بتحريم التجنس بالجنسية الفرنسية ونحوها في وقته أثناء الاحتلال الفرنسي لتونس فقال بعد أن قرّر أن هذا التجنس ردة عن الإسلام :
"بل هو بهذا التجنس راضٍ ببذل ماله ونفسه في قتال المسلمين إذا دعته دولته إلى ذلك ، وهي تدعوه عند الحاجة قطعاً . ففي المسألة أحكام كثيرة مجمع عليها ، معلومة من دين الإسلام بالضرورة ، يستحل المتجنس مخالفتها ، واستحلالها كفر بالإجماع " .

3- وسئلت لجنة الفتوى في الأزهر عن مساعدة اليهود وإعانتهم في تحقيق مآربهم في فلسطين ، فأجابت اللجنة برئاسة الشيخ عبد المجيد سليم في 14 شعبان 1366 إجابة طويلة ، ومما قال :
"فالرجل الذي يحسب نفسه من جماعة المسلمين إذا أعان أعداءهم في شيء من هذه الآثام المنكرة وساعد عليها مباشرة أو بواسطة لا يعد من أهل الإيمان ، ولا ينتظم في سلكهم ، بل هو بصنيعه حرب عليهم ، منخلع من دينهم ، وهو بفعله الآثم اشد عداوة من المتظاهرين بالعداوة للإسلام والمسلمين" .
إلى أن قال :
"ولا يشك مسلم أيضاً أن من يفعل شيئاً من ذلك فليس من الله ولا رسوله ولا المسلمين في شيء ، والإسلام والمسلمون براء منه ، وهو بفعله قد دل على أن قلبه لم يمسه شيء من الإيمان ولا محبة الأوطان ، والذي يستبيح شيئاً من هذا بعد أن استبان له حكم الله فيه يكون مرتداً عن دين الإسلام ، فيفرق بينه وبين زوجه ، ويحرم عليها الاتصال به ، ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ، وعلى المسلمين أن يقاطعوه ، فلا يسلموا عليه ، ولا يعودوه إذا مرض ، ولا يشيعوا جنازته إذا مات حتى يفيء إلى أمر الله ، ويتوب توبة يظهر أثرها في نفسه وأحواله وأقواله وأفعاله ". (فتاوى خطيرة في وجوب الجهاد الديني المقدس ص 17 –25) .

4- وقال الشيخ أحمد شاكر في فتوى له طويلة (كلمة حق) ص 126- 137 تحت عنوان ( بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمة العربية والإسلامية عامة ) في بيان حكم التعاون مع الإنجليز والفرنسيين – أثناء عدوانهم على المسلمين – :
" أما التعاون مع الإنجليز , بأي نوع من أنواع التعاون , قلّ أو كثر , فهو الردّة الجامحة ، والكفر الصّراح, لا يقبل فيه اعتذار, ولا ينفع معه تأول, ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء ، ولا سياسة خرقاء , ولا مجاملة هي النفاق , سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء ، كلهم في الكفر والردة سواء , إلا من جهل وأخطأ , ثم استدرك أمره فتاب وأخذ سبيل المؤمنين , فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم , إن أخلصوا لله ، لا للسياسة ولا للناس .
وأظنني قد استطعت الإبانة عن حكم قتال الإنجليز وعن حكم التعاون معهم بأي لون من ألوان التعاون أو المعاملة , حتى يستطيع أن يفقهه كل مسلم يقرأ العربية ، من أي طبقات الناس كان , وفي أي بقعة من الأرض يكون .
وأظن أن كل قارئ لا يشك الآن , في أنه من البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أو دليل : أن شأن الفرنسيين في هذا المعنى شأن الإنجليز , بالنسبة لكل مسلم على وجه الأرض , فإن عداء الفرنسيين للمسلمين ، وعصبيتهم الجامحة في العمل على محو الإسلام , وعلى حرب الإسلام ، أضعاف عصبية الإنجليز وعدائهم , بل هم حمقى في العصبية والعداء , وهم يقتلون إخواننا المسلمين في كل بلد إسلامي لهم فيه حكم أو نفوذ , ويرتكبون من الجرائم والفظائع ما تصغر معه جرائم الإنجليز ووحشيتهم وتتضاءل, فهم والإنجليز في الحكم سواء , دماؤهم وأموالهم حلال في كل مكان , ولا يجوز لمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون , وإن التعاون معهم حكمه حكم التعاون مع الإنجليز : الردة والخروج من الإسلام جملة , أيا كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه ".
إلى أن قال :
"ألا فليعلم كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض :
أنه إذ تعاون مع أعداء الإسلام مستعبدي المسلمين , من الإنجليز والفرنسيين وأحلافهم وأشباههم , بأي نوع من أنواع التعاون , أو سالمهم فلم يحاربهم بما استطاع ، فضلاً عن أن ينصرهم بالقول أو العمل على إخوانهم في الدين , إنه إن فعل شيئاً من ذلك ثم صلى فصلاته باطلة , أو تطهر بوضوء أو غسل أو تيمم فطهوره باطل , أو صام فرضاً أو نفلاً فصومه باطل , أو حج فحجه باطل , أو أدى زكاة مفروضة , أو أخرج صدقة تطوعاً فزكاته باطلة مردودة عليه , أو تعبد لربه بأي عبادة فعبادته باطلة مردودة عليه ، ليس له في شيء من ذلك أجر بل عليه فيه الإثم والوزر .
ألا فليعلم كل مسلم :
أنه إذا ركب هذا المركب الدنيء حبط عمله , من كل عبادة تعبد بها لربه قبل أن يرتكس في حمأة هذه الردة التي رضي لنفسه , ومعاذ الله أن يرضى بها مسلم حقيق بهذا الوصف العظيم يؤمن بالله وبرسوله . ذلك بأن الإيمان شرط في صحة كل عبادة , وفي قبولها , كما هو بديهي معلوم من الدين بالضرورة ، لا يخالف فيه أحد من المسلمين .
وذلك بأن الله سبحانه يقول: ) وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(المائدة: من الآية5).
وذلك بأن الله سبحانه يقول: ) وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة: من الآية217).
وذلك بأن الله تعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين ).
وذلك بأن الله سبحانه يقول )إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُم ْ، فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم ْ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد:25 - 35) .
إلا فليعلم كل مسلم وكل مسلمة :
أن هؤلاء الذين يخرجون على دينهم ويناصرون أعداءهم ، من تزوج منهم فزواجه باطل بطلاناً أصلياً ، لا يلحقه تصحيح ، ولا يترتب عليه أي أثر من آثار النكاح ، من ثبوت نسب وميراث وغير ذلك ، وأن من كان منهم متزوجاً بطل زواجه كذلك وأن من تاب منهم ورجع إلى ربه وإلى دينه ، وحارب عدوه ونصر أمته ، لم تكن المرأة التي تزوجها حال الردة ولم تكن المرأة التي ارتدت وهي في عقد نكاحه زوجاً له ، ولا هي في عصمته ، وأنه يجب عليه بعد التوبة أن يستأنف زواجه بها فيعقد عليها عقداً صحيحاً شرعياً ، كما هو بديهي واضح .
ألا فليحتط النساء المسلمات ، في أي بقعة من بقاع الأرض ، ليتوثقن قبل الزواج من أن الذين يتقدمون لنكاحهن ليسوا من هذه الفئة المنبوذة الخارجة عن الدين ، حيطةً لأنفسهن ولأعراضهن ، أن يعاشرن رجالاً يظنونهن أزواجاً وليسوا بأزواج ، بأن زواجهم باطل في دين الله ، ألا فليعلم النساء المسلمات ، اللائي ابتلاهن الله بأزواج ارتكسوا في حمأة هذه الردة ، أنه قد بطل نكاحهن ، وصرن محرمات على هؤلاء الرجال ليسوا لهن بأزواج ، حتى يتوبوا توبة صحيحة عملية ثم يتزوجوهن زواجاً جديداً صحيحاً .
ألا فليعلم النساء المسلمات :
أن من رضيت منهن بالزواج من رجل هذه حالة وهي تعلم حاله ، أو رضيت بالبقاء مع زوج تعرف فيه هذه الردة فإن حكمها وحكمه في الردة سواء . ومعاذ الله أن ترضى النساء المسلمات لأنفسهن ولأعراضهن ولأنساب أولادهن ولدينهن شيئاً من هذا .
ألا إن الأمر جد ليس بالهزل ، وما يغني فيه قانون يصدر بعقوبة المتعاونين مع الأعداء , فما أكثر الحيل للخروج من نصوص القوانين , وما أكثر الطرق لتبرئة المجرمين , بالشبهة المصطنعة ، وباللحن في الحجة . ولكن الأمة مسؤولة عن إقامة دينها ، والعمل على نصرته في كل وقت وحين ، والأفراد مسؤولون بين يدي الله يوم القيامة عما تجترحه أيديهم ، وعما تنطوي عليه قلوبهم .
فلينظر كل امرئ لنفسه ، وليكن سياجاً لدينه من عبث العابثين وخيانة الخائنين ، وكل مسلم إنما هو على ثغر من ثغور الإسلام ، فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله ، وإنما النصر من عند الله ، ولينصرن الله من ينصره " .

5- وسئل بعض علماء مصر عام 1376 عن حكم من يعين دولة أجنبية ضد دولة مسلمة ، فأفتى المسئولون بأنه مرتد .
وممن أجاب من المشايخ : محمد أبو زهرة ، وعبد العزيز عامر ، ومصطفى زيد ، ومحمد البنا.
(مجلة لواء الإسلام) العدد العاشر – السنة العاشرة – جمادى الآخر 1376 – ص 619 .

6- وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت 1393) رحمه الله في (أضواء البيان) 2 / 111 – بعد أن ذكر مجموعة من الآيات التي تنهى عن تولي الكفار - :
"ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم" .

7- وقال الشيخ عبد الله بن حميد (ت 1402 ) (الدرر 15 / 479) :
" فيجب ويتعين على كل مسلم ناصح لنفسه أن يعرف ما قرره العلماء رحمهم الله ، من الفرق بين التولي والموالاة :
قالوا رحمهم الله : الموالاة مثل لين الكلام ، وإظهار شيء من البشاشة ، أو لياثة الدواة ، وما أشبه ذلك من الأمور اليسيرة ، مع إظهار البراءة منهم ومن دينهم ، وعلمهم بذلك منه ، فهذا مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب ، وهو على خطر .
وأما التولي : فهو إكرامهم ، والثناء عليهم ، والنصرة لهم والمعاونة على المسلمين ، والمعاشرة ، وعدم البراءة منهم ظاهراً ، فهذا ردة من فاعله ، يجب أن تجرى عليه أحكام المرتدين ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة المقتدى بهم" .

8- وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (مجموع فتاوى ابن باز) 1/274 - في حكم من أعان الاشتراكيين أو الشيوعيين ونحوهم - :
"وكل من ساعدهم على ضلالهم وحسّن ما يدعون إليه ، وذمّ دعاة الإسلام ولمزهم فهو كافر ، ضال ، حكمه حكم الطائفة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها . وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين ، وساعدهم بأي نوعٍ من المساعدة ، فهو كافر مثلهم ، كما قال سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) ، وقال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (التوبة:23) " .




ثامناً : من أقوال أهل العلم المعاصرين لهذه الفتنة العظيمة :
أفتى مجموعة من أهل العلم المعاصرين لهذه الفتنة العظيمة بأن مظاهرة ومناصرة أمريكا في عدوانها على الأفغان كفر وردة عن دين الإسلام ، ومن هذه الفتاوى :

1- فتوى الشيخ حمود بن عبد الله الشعيبي بتاريخ 21 / 7 / 1422 ، ومما قاله فيها :
"أما مظاهرة الكفار على المسلمين ومعاونتهم عليهم فهي كفر ناقل عن ملة الإسلام عند كل من يعتد بقوله من علماء الأمة قديماً وحديثاً ، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله : الناقض الثامن : مظاهرة المشركين ومعونتهم على المسلمين ، والدليل قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) . وقد سئل العلامة عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله عن الفرق بين المولاة والتولي ، فأجاب : بأن التولي : كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم ومعاونتهم بالمال والبدن والرأي . وقال الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله في بيان حكم مقاومة الكفار ومحاربتهم : يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقاتلهم حيثما وجدوا مدنيين كانوا أو عسكريين .. إلى قوله : وأما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر فهو الردة الجامحة والكفر الصراح لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأويل ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء ولا سياسة خرقاء ولا مجاملة هي النفاق سواء كان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء كلهم في الردة سواء إلا من جهل .. إلى أن قال رحمه الله : ألا فليعلم كل مسلم ومسلمة أن هؤلاء الذين يخرجون على دينهم ويناصرون أعداءهم مَن يتزوج منهم فزواجه باطل بطلانا أصليا لا يلحقه تصحيح ولا يترتب عليه أي أثر من آثار النكاح من ثبوت نسب وميراث وغير ذلك وأن من كان منهم ومتزوجا بطل زواجه . اهـ
وبناء على هذا فإن من ظاهر دول الكفر على المسلمين وأعانهم عليهم كأمريكا وزميلاتها في الكفر يكون كافراً مرتداً عن الإسلام بأي شكل كانت مظاهرتهم وإعانتهم ، لأن هذه الحملة المسعورة التي ما فتئ يدعو إليها المجرم بوش وزميله في الكفر والإجرام رئيس وزراء بريطانيا بلير والتي يزعمان فيها أنهما يحاربان الإرهاب هي حملة صليبية كسابقاتها من الحملات الصليبية ضد الإسلام والمسلمين فيما مضى من التاريخ ، وقد صرح المجرم بوش بملء فيه بذلك ، حيث قال سنشنها حربا صليبية ، وسواء أكان ثملا عندما قال ذلك أو كان واعيا فإن هذا هو ما يعتقده هو وأمثاله من أساطين الكفر ".
2- فتوى الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك بتاريخ 20 / 7 / 1422 ، ومما قاله فيها:
"فإنه مما لا شك فيه أن إعلان أمريكا الحرب على حكومة طالبان في أفغانستان ظلم وعدوان وحرب صليبية على الإسلام كما ذُكر ذلك عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن تخلي الدول في العالم الإسلامي عن نصرتهم في هذا الموقف الحرج مصيبة عظيمة ، فكيف بمناصرة الكفار عليهم ، فإن ذلك من تولي الكافرين ؛ قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) ، وقد عدّ العلماء مظاهرة الكفار على المسلمين من نواقض الإسلام لهذه الآية" .

3- فتوى الشيخ علي بن خضير الخضير بتاريخ 3 / 7 / 1422 ، ومما قال فيها :
"أما مسألة مظاهرة الكفار فأعظم من بحثها هم أئمة الدعوة النجدية رحمهم الله واعتبروا ذلك من الكفر والنفاق والردة والخروج عن الملة ، وهذا هو الحق ، ويدل عليه : الكتاب ، والسنة ، والإجماع – ثم ذكر الأدلة – ".

4- فتوى الشيخ سليمان بن ناصر العلوان بتاريخ 3 / 7 / 1422 ، ومما قال فيها :
"يجب الوقوف مع المسلمين وإعانتهم بالمال والبدن والرأي . ولا يجوز التخلف عن مناصرة المسلمين في مثل هذه الظروف فقد تواصت دول الكفر على حرب الإسلام وأهله ولا عجب في هذا ولكن الغريب أن يتحالف بعض المنسوبين إلى الإسلام مع دول الكفر على ضرب أفغانستان وهذا ضرب من النفاق قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء:139) . وقال تعالى (تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:80 ، 81) .
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن مظاهرة الكفار على المسلمبن ومعاونتهم بالنفس والمال والذب عنهم بالسنان والبيان كفر وردة عن الإسلام قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
وأي تولٍ أعظم من مناصرة أعداء الله ومعاونتهم وتهيئة الوسائل والإمكانيات لضرب الديار الإسلامية وقتل القادة المخلصين . قال الحافظ ابن جرير رحمه الله تعالى ( ومن تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمُه حكمَه ".

5- فتوى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد بتاريخ 24 / 7 / 1422 ، ومما قاله فيها:
"وليعلم كل مسلم أن التعاون مع أعداء الله ضد أولياء الله بأي نوع من أنواع التعاون والدعم والمظاهرة يعد ناقضاً من نواقض الإسلام ، دلّ على ذلك كتاب ربنا وسنة  ، ونص عليه أهل العلم رحمهم الله ، فليحذر العبد أن يسلب دينه وهو لا يشعر ، وفي صحيح مسلم (118)من حديث أبي العلا عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رَسُولُ اللَّهِ  قال: ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ، و قال الله تعالى ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) التوبة24 ".

6- فتوى الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان بتاريخ 29 / 7 / 1422 ، ومما قاله فيها :
"وأما الوقوف مع دول الكفر على المسلمين ومعاونتهم عليهم فإنه يجعل فاعل ذلك منهم ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة:51) والآيات في هذا كثيرة ".




7- فتوى الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي بتاريخ 28 / 7 / 1422 ، ومما قال فيها:
"إن نصرة الكفار على المسلمين - بأي نوع من أنواع النصرة أو المعاونة ولو كانت بالكلام المجرد - هي كفر بواح ، ونفاق صراح ، وفاعلها مرتكب لناقض من نواقض الإسلام – كما نص عليه أئمة الدعوة وغيرهم – غير مؤمن بعقيدة الولاء والبراء".

8- فتوى الشيخ بشر بن فهد البشر بتاريخ 1/8 / 1422 ، ومما قال فيها :
"حذر الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه الكريم من موالاة الكفار والركون إليهم وأبدى في ذلك وأعاد ، وبين تعالى أن الكفرة بعضهم أولياء بعض ، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، وأن من صفات المنافقين وعلاماتهم الظاهرة موالاتهم للكفرة دون المؤمنين ، والموالاة تعني المحبة والمودة والميل ، كما تعني النصرة والعون والتأييد – ثم ذكر أدلة كثيرة ومجموعة من كلام أهل العلم – ثم قال : ومما سبق يتبين أن التعاون مع أمريكا في العدوان على أفغانستان سواء كان بالرجال أو المال أو السلاح أو الرأي هو من قبيل مظاهرة الكفار على المسلمين ، وهو كفر وردة عن الإسلام ، وهذا الحكم يشمل الأفراد والجماعات وغيرهم".

9- فتوى الشيخ نظام الدين شامزي (مفتي باكستان) بتاريخ 8 أكتوبر 2001م ، ومما قال فيها :
"لا يجوز لمسلم في أي بلد كان سواء كان موظفاً حكوميا أو غير ذلك أن يقدم أي مساعدة كانت ومن أي نوع كان للعدوان الأمريكي على أفغانستان خاصة وأن الهجوم يشكل حملة صليبية على أفغانستان المسلمة ، وأي مسلم يقدم المساعدة في هذا العدوان يعتبر مرتدًا عن الدين" .

10- وقد أفتى ستة عشر من علماء المغرب بأن الدخول في التحالف الأمريكي لضرب أفغانستان أو غيرها من أراضي الإسلام كفر وردة عن دين الإسلام .



المبحث الثامن
الأدلة من كلام أئمة الدعوة النجدية

وهم أكثر من تكلم في هذه المسائل من العلماء ، وقد صنفوا في ذلك مصنفات كثيرة ، ولهم فتاوى ورسائل متعددة في هذا الأمر ، منها :
1- كثير من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
2- (الدلائل) للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ .
3- (أوثق عرى الإيمان) للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ .
4- (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) للشيخ حمد بن عتيق .
5- كثير من مصنفات وقصائد الشيخ سليمان بن سحمان .
ولأهمية كلامهم وكثرته فقد جعلته قسماً مستقلاً ، وساذكر فيما يلي نبذاً من كلامهم في هذه المسألة :
1- قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (ت 1206) في نواقض الإسلام (الدرر 10 / 92) :
"الناقض الثامن : مظاهرة المشركين ومعونتهم على المسلمين ، والدليل قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51)" .

2- وقال أيضاً (8/113) :
"إن الإنسان لا يستقيم له دين ولا إسلام ، ولو وحّد الله وترك الشرك ، إلا بعداوة المشركين ، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء ، كما قال تعالى )لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ …الآية)(المجادلة: من الآية22) ".

3- وقال أيضاً (الدرر 10 / 8) :
"واعلموا أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح : إذا أشرك بالله ، أو صار مع المشركين على الموحدين – ولو لم يشرك – أكثر من أن تحصر ، من كلام الله ، وكلام رسوله ، وكلام أهل العلم كلهم " .

4- وقال أيضاً (الدرر 10 / 38) :
"أن الرضا بالكفر كفر ، صرّح به العلماء ، وموالاة الكفار كفر" .

5- وقال الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله (ت 1226) (الدرر 9/277) في رسالة له بعد كلام :
"والذي يدعي أنه لم يفعل من ذلك شيئاً – يعني الشرك والآثام – فهو كما قدمنا : لم ينكر ، ولم يفارق أهله ، بل هو قائم بنصرتهم بماله ولسانه ، فهو وإن لم يفعل ذلك ، فهو وهم سواء ، كما قال تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ )(النساء: من الآية140) ، وقال تعالى )لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ )(المجادلة: من الآية22) ، وقال تعالى )وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (هود:113) ".

6- وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (ت 1233) في أول كتاب (الدلائل) (الدرر 8 /121) :
" اعلم رحمك الله أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفاً منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم فإنه كافر مثلهم ، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين ، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك ، فكيف إذا كان في دار منعه واستدعى بهم ودخل في طاعتهم ، وأظهر الموافقة على دينهم الباطل ، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ، ووالهم وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين ، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها ، بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله ، فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله ولرسوله  ، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره ، وهو الذي يستولى عليه المشركون فيقولون له اكفر أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك ، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم ، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ، وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلا أنه يكفر فكيف بمن أظهر الكفر خوفًا وطمعاً في الدنيا ، وأنا أذكر بعض الأدلة على ذلك بعون الله وتأييده - ثم ذكر واحداً وعشرين دليلاً – ".

7- وقال أيضاً (الدرر 8/127) :
"فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، وأخبر أن من تولاهم من المؤمنين فهو منهم ، وهكذا حكم من تولى الكفار من المجوس وعباد الأوثان ، فهو منهم " .
وقال أيضاً (الدرر 8/141) :
"قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (الممتحنة:1) أي أخطأ الصراط المستقيم ، فأخبر تعالى أن من تولى أعداء الله – وإن كانوا أقرباء وأصدقاء – فقد ضل سواء السبيل ، أي : أخطأ الصراط المستقيم ، وخرج عنه إلى الضلال ، فأين هذا ممن يدعي أنه على الصراط المستقيم لم يخرج عنه ، فإن هذا تكذيب لله ، ومن كذب الله فهو كافر ، واستحلال لما حرم الله من ولاية الكفار ، ومن استحل محرماً فهو كافر " .

8- وقال الشيخ محمد بن أحمد الحفظي رحمه الله (الدرر 8 / 257) في تعداد (أمور عظام هي أكبر الذنوب وأعظم الآثام ) ذكر منها :
"ومنهم : من رضي بذلك وعزم عليه ، ومن أعان بنفسه أو ماله أو لسانه ، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن أعان – ولو بشطر كلمة في قتل مسلم – فكيف الإعانة على حرب الإسلام والمسلمين ؟ " إلى أن قال :
"وهذه الأمور كلها جرت بغير إكراه ولا تعيين ، وكل واحدة منها تخدش في وجه إيمان فاعلها ، وتفت في عضد إسلام عاملها ، وهي من المعاند ردة عن الإسلام ، وإما نفاق في الدين" .

9- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت 1285) (المورد العذب الزلال – ضمن القول الفصل النفيس – ص 237- 238 ) :
"فمن أعظمها (يعني نواقض التوحيد) أمور ثلاثة ) ثم قال :
"الأمر الثالث : موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال ، كما قال تعالى ) فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ)(القصص: من الآية86) ، وقال )إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:9) ، وهذا خطاب الله تعالى للمؤمنين من هذه الأمة ، فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات" .

10 - وقال أيضاً (الدرر 8 / 173) :
" وقال تعالى فيمن سلك غير سبيلهم – يعني أهل التوحيد – بارتكاب ما نهى الله عنه ( تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (المائدة : 80) ، فسجل تعالى على من تولى الكافرين بالمذمة وحلول السخط عليهم ، والخلود في العذاب ، وأكد ذلك بنوعي التوكيد ، ثم ذكر أن هذا الذي وصفهم به ينافي الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ، ولها نظائر ، كقوله (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنـينَ ) الآيات (النساء :138-140) ".

11- وقال أيضاً ( الدرر 8 / 188 ) :
"ومثل هذه الاية التي تقدم ذكرها – يعني قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ … الآية ) – قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً …الآية ) (المائدة : 57) ، وقال تعالى في الآيات قبلها ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ…الآية)(المائدة: من الآية51) ، وهذه الآية وأمثالها تعرف بعظم هذا الذنب ، ووصف الفاعل بالظلم ، فسماهم الظالمين ، وفي هذه السورة وغيرها قبلها وبعدها في السور ما يدل على أن هذا ردة عن الإسلام ، يظهر هذا لمن تدبر" .

12- وقال أيضاً (الدرر 8 / 190) :
"وقد فرض الله تعالى البراءة من الشرك والمشركين ، والكفر بهم وعداوتهم ، وبغضهم وجهادهم ، )فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ )(البقرة: من الآية59) ، فوالوهم وأعانوهم ، وظاهروهم واستنصروا بهم على المؤمنين ، وأبغضوهم وسبوهم من أجل ذلك ، وكل هذه الأمور : تناقض الإسلام ، كما دل عليه الكتاب والسنة في مواضع ، وذكره العلماء رحمهم الله في كتب التفسير والفقه وغيرها ، وعند هؤلاء وأمثالهم أنهم على الدين الذي كانوا عليه لم يفارقوه ، وهذا ليس بعجب ! فقد بين القرآن العزيز أن هذه الحال هي طريقة أمثالهم كما في قوله تعالى )فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (لأعراف:30) " .

13- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت 1293) (الدرر 8 / 324 – 326) :
"وما جاء في القرآن من النهي والتغليظ الشديد في موالاتهم وتوليهم ، دليل على أن أصل الأصول : لا استقامة له ولا ثبات له إلا بمقاطعة أعداء الله وحربهم وجهادهم والبراءة منهم ، والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم ، وقد قال تعالى لما عقد الموالاة بين المؤمنين وأخبر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض قال ) إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)(الأنفال: من الآية73) ، وهل الفتنة إلا الشرك ، والفساد الكبير هو انتثار عقد التوحيد والإسلام وقطع ما أحكمه القرآن من الأحكام والنظام ؟ . – ثم ذكر بعض الآيات التي تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء – ثم قال : فليتأمل من نصح نفسه هذه الآيات الكريمات ، وليبحث عما قاله المفسرون وأهل العلم في تأويلها ، وينظر ما وقع من أكثر الناس اليوم ، فإنه يتبين _ إن وفق وسدد – أنها تتناول من ترك جهادهم ، وسكت عن عيبهم ، وألقى إليهم السلم ، فكيف بمن أعانهم ؟ ، أو جرهم على بلاد أهل الإسلام ؟ ، أو أثنى عليهم ؟ أو فضلهم بالعدل على أهل الإسلام ؟ واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم ؟ وأحب ظهورهم ؟ فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق ، قال تعالى ) وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(المائدة: من الآية5)"

14- وقال أيضاً ( الدرر 8 / 360) :
"وتعزيرهم وتوقيرهم – يعني الكفار – تحته أنواع أيضاً :
أعظمها رفع شأنهم ، ونصرتهم على أهل الإسلام ومبانيه ، وتصويب ما هم عليه ، فهذا وجنسه من المكفرات . ودونه مراتب من التوقير بالأمور الجزئية ، كلياقة الدواة ونحوه " .

15- وقال أيضاً (الدرر 8 / 288 ) :
" فعليكم بالجد والاجتهاد فيما يحفظ الله به عليكم الإيمان والتوحيد ، وينجيكم من الركون إلى أهل الكفر والإشراك والتنديد – ثم ذكر عدداً من الآيات التي تنهى عن تولي الكفار – ثم قال: وقال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:57) ، فتأمل قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فإن هذا الحرف – وهو (إن) الشرطية – تقتضي نفي شرطها إذا انتفى جوابها ، ومعناه : أن من اتخذهم أولياء فليس بمؤمن " .

16- وقال أيضاً (الدرر 9/24) :
"وأفضل القرب إلى الله : مقت أعدائه المشركين ، وبغضهم وعداوتهم وجهادهم ، وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين ، وإن لم يفعل ذلك فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك . فالحذر الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه ، قال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:57) وانتفاء الشرط يدل على انتفاء الإيمان بحصول الموالاة ، ونظائر هذا في القرآن كثير " .

17 - وقال أيضاً (8 / 396) :
"والمرء قد يكره الشرك ، ويحب التوحيد ، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك ، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم ، فيكون متبعاً لهواه ، داخلاً من الشرك في شعبٍ تهدم دينه وما بناه ، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً ، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه ، فلا يحب ويبغض لله ، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه ، وكل هذا يؤخذ من شهادة : أن لا إله إلا الله " .

18 - وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله (ت 1301) (الدرر 9/263) :
"قد دل القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك والانقياد لهم ، ارتد بذلك عن دينه ، تأمل قوله تعالى )إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (محمد:25) ،مع قوله ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)(المائدة: من الآية51) ، وأمعن النظر في قوله تعالى ) فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُم)(النساء: من الآية140) وأدلته كثيرة " .

19 - وقال أيضاً في (الدفاع عن أهل السنة والاتباع) ص 31 :
"إن مظاهرة المشركين ، ودلالتهم على عورات المسلمين ، أو الذب عنهم بلسان ، أو رضي بما هم عليه ، كل هذه مكفرات ، فمن صدرت منه – من غير الإكراه المذكور – فهو مرتد ، وإن كان مع ذلك يبغض الكفار ويحب المسلمين ".

20- وقال أيضاً في (سبيل النجاة والفكاك) ص 89 :
"اعلم أن إظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالات :
ثم قال : الوجه الثاني : أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك إما طمعاً في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المآل ، فإنه في هذه الحال يكون مرتداً ولا تنفعه كراهته لهم في الباطن " .

21 - وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله (ت 1339) كما في (الدرر السنية) (8/422) : عن الفرق بين موالاة الكفار وتوليهم ؟ فأجاب :
"التولي : كفر يخرج من الملة ، وهو كالذب عنهم ، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي ، والموالاة : كبيرة من كبائر الذنوب كبلّ الدواة ، أو بري القلم ، أو التبشبش لهم لو رفع السوط لهم" .

22- وقال أيضاً عن إعانة المشركين على المسلمين (10/429) :
"ومن جرهم وأعانهم على المسلمين بأي إعانة فهي ردة صريحة" .

23- وله رسالة طويلة إلى أهل الجزيرة وعمان في التحذير من موالاة النصارى والأمر بجهادهم (8 / 11 –22) ، ومما قاله :
"والمقصود بهذا : ما قد شاع وذاع ، من إعراض المنتسبين إلى الإسلام ، وأنهم من أمة الإجابة ، عن دينهم وما خلقوا له ، وقامت عليه الأدلة القرآنية ، والأحاديث النبوية ، من لزوم الإسلام ومعرفته ، والبراءة من ضده ، والقيام بحقوقه ، حتى آل الأمر بأكثر الخلق إلى عدم النفرة من أهل ملل الكفر ، وعدم جهادهم ، وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم ، واطمأنوا إليهم ، وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم ، وتركوا أوامر القرآن ونواهيه ، وهم يدرسونه آناء الليل والنهار ، وهذا لا شك أنه من أعظم أنواع الردة ، والانحياز إلى ملة غير ملة الإسلام ، ودخول في ملة النصرانية – عياذاً بالله من ذلك كأنكم في أزمان الفترات ، أو أناس نشئوا في محلة لم يبلغهم شيء من نور الرسالة ، أنسيتم قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) ، وقوله تعالى ( تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:80 ، 81) . وقوله تعالى )وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120)، والدخول في طاعتهم اتباع لملتهم وانحياز عن ملة الإسلام ، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (المائدة:57 - 58) ، وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء:138 - 140) ، وقال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) آل عمران:118) .
والآيات القرآنية في تحريم موالاة الكفار والدخول في طاعتهم أكثر من أن تحصر " .
إلى أن قال (8/15) :
" وهذه الطائفة الملعونة : الطائفة النصرانية التي حلت بفنائكم ، وزحمتكم عند دينكم ، وطلبت منكم الدخول في طاعتها هم الذين نوه الله بذكرهم في القرآن ، فقال تعالى )لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ )(المائدة: من الآية73) ، وقال )لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(المائدة: من الآية72) ، - وذكر آيات أخرى - ثم قال :
فهل بعد هذا غلظة وزجر وإنذار ؟ وهل يشك بعد هذا ممن له فطرة وسمع وبصر ؟ اللهم إلا من ركن إلى الدنيا وطلب إصلاحها ونسي الآخرة فهذا لا عبرة به ، لأنه أعمى القلب مطموس البصر " .
إلى أن قال (8 / 22) :
"وكل من استطاع لهم [ كذا و لعله : استكان لهم] ، ودخل في طاعتهم ، وأظهر موالاتهم ، فقد حارب الله ورسوله ، وارتد عن دين الإسلام ، ووجب جهاده ومعاداته ، ولا تنتصروا إلا بربكم ، واتركوا الانتصار بأهل الكفر جملة وتفصيلاً" .

24 - وقال المشايخ : عبد الله بن عبد اللطيف وإبراهيم بن عبد اللطيف وسليمان بن سحمان رحمهم الله (الدرر 10/435-436) :
"وأما قوله : وتجوز حماية الكفار ، أو نائبهم ، وأخذ علم منهم ، لسلامة المال والسفينة ، وأن هذا بمنزلة الخفير الذي هو الرفيق .
فالجواب :
أن يقال : هذا قياس باطل ، فإن أخذ الخفير لسلامة المال جائز إذا ألجأ الحال إليه ، والخفير مسلم ظالم أو فاجر فاسق ، وأما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام ، وأخذ العلم منهم لا يجوز إذا كانوا لم يدخلوا تحت حمايتهم وولايتهم ، وليس بمنزلة أخذ الخفير لحماية المال ، فإن هذا علم ، وعلامة على أنهم منقادون لأمرهم ، داخلون في حمايتهم ، وذلك موافقة لهم في الظاهر" .

25- وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله (ت 1369) (الدرر 8 / 456 ، 457) :
"وقال  (من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله) فلا يقال : إنه بمجرد المجامعة والمساكنة يكون كافراً ، بل المراد أن من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين وأخرجوه معهم كرهاً فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال ، لا في الكفر ، وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعاً واختياراً ، أو أعانهم ببدنه وماله ، فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر".

26- وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله ( ت 1349) (الدرر 8/494) :
" وأما الولاة المذكورون فإنهم قد حصل منهم موالاة وتول للكفار وموافقة ، ومظاهرة على المسلمين ، فلا شك في ردتهم" .

27 – وقال أيضاً في (ديوانه) ص 131 :
ومن يتول الكافـرين فمثلهم *** ولا شك في تكفيره عند من عقل

28 - وقال بعض أئمة الدعوة (9 / 292) :
"الأمر الثالث مما يوجب الجهاد لمن اتصف به : مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين ، بيدٍ ، أو بلسانٍ ، أو بقلبٍ ، أو بمالٍ ، فهذا كفر مخرج عن الإسلام ، فمن أعان المشركين على المسلمين ، وأمد المشركين من ماله بما يستعينون به على حرب المسلمين اختياراً منه فقد كفر".

الفصل الثالث
الرد على الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع

اعلم أن هذه المسألة على ظهورها ، وتواتر الأدلة فيها من الكتاب والسنة ، وإجماع العلماء عليها ، وكثرة كلام أهل العلم والمصنفات فيها ، فإنه مع ذلك ظهر من أهل الضلالة من يلبس على الناس دينهم ، ويذكر بعض الشبه التي يريد بها أن يفسد عقائد المسلمين .
ومن هذه الشبه المذكورة في هذا الباب :

الشبهة الأولى : قصة حاطب بن أبي بلتعة .
الشبهة الثانية : قصة أبي جندل بن سهيل .
الشبهة الثالثة : أن هذا التحالف بين المسلمين والصليبيين مثل (حلف الفضول) .
الشبهة الرابعة : وجود إكراه في هذا الأمر .
الشبهة الخامسة : أن إعانة الكفار على قسمين .
الشبهة السادسة : أن طالبان ومن معهم (ظالمون) .
الشبهة السابعة : أن (طالبان) دولة مشركين .
الشبهة الثامنة : الاستدلال بقوله تعالى (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) .

هذا ما استطعت أن أجمعه من شبهاتهم ، وسأقوم بمناقشة كل شبهة ، فأقول مستعيناً بالله تعالى :

الشبهة الأولى
قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه


احتج أهل الباطل بأن مظاهرة الكفار ليست كفراً بقصة مكاتبة حاطب رضي الله عنه لكفار قريش وإعلامهم بخبر النبي  ، والقصة كما في الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه – في غزوة الفتح - قال : بعثني رسول الله  أنا والزبير والمقداد ، فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها . فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، قلنا : أخرجي الكتاب . قالت : ما معي كتاب . قلنا : لتخرجن الكتاب ، أو لتلقين الثياب . قال : فأخرجت الكتاب من عقاصها ، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله  ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله  ، فقال رسول الله  : يا حاطب ، ما هذا ؟.
قال : لا تعجل علي ، إني كنت أمرءاً ملصقاً في قريش ، ولم أكن من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام .
فقال رسول الله  : إنه صدقكم .
فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق . وفي رواية : فقد كفر .
فقال رسول الله  : إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

قالوا :
فقد ظاهر حاطب كفار مكة ومع ذلك لم يكفره النبي  ، فهذا يدل على أن المظاهرة ومناصرة الكفار ليست كفراً !!! .




والجواب عن هذه الشبهة:
أنه لا يحتج مبطل على باطله بدليل من الكتاب أو السنة إلا وكان في ذلك الدليل ما ينقض باطله ويبين فساده – كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله – وسأذكر ما يدل على نقيض مرادهم من هذا الدليل نفسه ، ويتبين هذا من وجوه :
الوجه الأول : أن هذا الدليل من أصرح الأدلة على كفر المظاهر وارتداده عن دين الإسلام ، وهذا يظهر من ثلاثة أمور في هذا الحديث :
الأمر الأول : قول عمر في هذا الحديث : دعني أضرب هذا المنافق ، وفي رواية : فقد كفر ، وفي رواية : بعد أن قال الرسول  : أوليس قد شهد بدراً ؟. قال عمر : بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك .
فهذا يدل على أن المتقرر عند عمر رضي الله عنه والصحابة أن مظاهرة الكفار وإعانتهم كفر وردة عن الإسلام ، ولم يقل هذا الكلام إلا لما رأى أمراً ظاهره الكفر.
الأمر الثاني : إقرار الرسول  لما فهمه عمر ، ولم ينكر عليه تكفيره إياه ، وإنما ذكر عذر حاطب .
الأمر الثالث : أن حاطباً رضي الله عنه قال : وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام .
وهذا يدل على أنه قد تقرّر لديه أيضاً أن مظاهرة الكفار (كفر وردة ورضا بالكفر) ، وإنما ذكر حقيقة فعله .
الوجه الثاني : أن حاطباً رضي الله عنه إنما أعان الرسول  على أعدائه ، وناصره بنفسه ، وماله ، ولسانه ، و رأيه ، في جميع غزواته ، وشهد معه بدراً ، والحديبية ، وأهلها في الجنة قطعاً ، وأعان الرسول  في هذه الغزوة أيضاً ؛ فقد خرج فيها غازياً مع المسلمين بنفسه وماله لحرب المشركين ، ولم تقع منه مناصرة للكفار على المسلمين مطلقاً ؛ لا بنفس ، ولا مال ، ولا لسان ، ولا رأي ، وله من السوابق ما عرفه كل مطلع .
ومع هذا كله :
فإنه لما كاتب المشركين يخبرهم بخروج النبي  - ولم يكن ذلك منه مظاهرة لهم ولا مناصرة ؛ لأنه سيقاتلهم بنفسه مع النبي  وقد تيقن من الانتصار– فقد اتهمه عمر بالنفاق ، وسأله الرسول  عن ذلك ، ونفى هو عن نفسه الكفر والردة ، ونزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة وهو قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ…الآيات) (الممتحنة:1) .
وهذا من أعظم الدلائل على أن من ناصر الكفار بنفسه أو بماله أو بلسانه أو برأيه ونحو ذلك فقد ارتد عن دين الإسلام والعياذ بالله .
الوجه الثالث : أن رسالة حاطب رضي الله عنه لكفار مكة ليست من المظاهرة والإعانة لهم على المسلمين في شيء ، فقد روى بعض أهل المغازي كما في (الفتح 7/520) أن لفظ الكتاب : أما بعد ، يا معشر قريش ، فإن رسول الله  جاءكم بجيش كالليل ، يسير كالسيل ، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده ، فانظروا لأنفسكم والسلام) . وليس في هذا ما يفهم منه أنه مظاهرة ومناصرة لهم ، بل هو قد عصى الرسول  بكتابته لهم ، وهي معصية كبيرة كفرتها عنه سوابقه .
الوجه الرابع : أن فعل حاطب رضي الله عنه اختلف فيه هل هو كفر أو لا ؟.
فإن قيل هو كفر : فهذا دليل على أن إفادة الكفار بمثل هذا الأمر اليسير كفر ، فهو تنبيه على أن ما فوقه من المناصرة بالنفس أو المال أو غير ذلك كفر من باب أولى .
وإن قيل ليس بكفر : فإنما يكون هكذا لأنه في حقيقة فعله ليس مناصراً للكفار ولا مظاهراً لهم على المسلمين ، ومع هذا فهو بريد للكفر وطريق إليه مع عدم وجود صورة المناصرة للكفار لما سبق في الوجه الأول ، فلا يستدل بهذه الصورة على مسألتنا هذه ، ولا تقدح في هذا الأصل.
الوجه الخامس : أن حاطباً رضي الله عنه إنما فعل ذلك متأولاً أن كتابه لن يضر المسلمين ، وأن الله ناصر دينه ونبيه حتى وإن علم المشركون بمخرجه إليهم ، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث أن حاطباً قال معتذراً (قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره) .
وقد أخرج البخاري رحمه الله قصة حاطب في كتاب (استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم) في (باب ما جاء في المتأولين) .
وقد قال الحافظ في (الفتح 8 / 634) : "وعذر حاطب ما ذكره ، فإنه صنع ذلك متأولاً ألاّ ضرر في") .
ففرق كبير بين ما فعله وهو موقن بأن الكفار لن ينتفعوا من كتابه في حربهم مع الرسول  ، وبين من ظاهرهم وأعانهم بما ينفعهم في حربهم على الإسلام وأهله !! .
الوجه السادس : أن يقال للمستدل بهذا الحديث على عدم كفر المظاهر :
هل هذا الحديث يدل على أن جميع صور مظاهرة الكفار ومناصرتهم ليست كفراً وردة ؟.
فإن قال : نعم ، فقد خرق الإجماع ، ولا سلف له ، فلا كلام معه .
وإن قال : لا .
فيقال : فما الصور التي يكفر بها المظاهر للكفار .
فأي صورة يذكرها يقدح فيها بحديث حاطب هذا ، وأي جواب له على هذا القدح ، فهو جوابنا عليه هنا .

الشبهة الثانية
قصة أبي جندل بن سهيل رضي الله عنهما

ومن الشبه التي أثيرت في هذا الباب أيضاً قصة صلح الحديبية ، وهي طويلة ، ومما جاء فيها – كما في الصحيح - :
(فقال سهيل بن عمرو – وكان مشركاً آنذاك – : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا .
قال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟.
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين .
فقال سهيل : هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ .
فقال النبي  : إنا لم نقض الكتاب بعد .
قال : فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً .
قال النبي  : فأجزه لي .
قال : ما أنا بمجيزه لك .
قال بلى فافعل .
قال : ما أنا بفاعل .
قال مكرز : بل قد أجزناه لك .
قال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما قد لقيت ، وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله .
وفي الحديث :
(ثم رجع النبي  إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين .
فقالوا : العهد الذي جعلت لنا .
فدفعه إلى الرجلين فخرجا به ، حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم .
فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً .
فاستله الآخر ، فقال : أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت .
فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه .
فأمكنه منه فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو .
فقال رسول الله  - حين رآه - : لقد رأى هذا ذعراً .
فلما انتهى إلى النبي  قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول .
فجاء أبو بصير ، فقال : يا نبي الله ، قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم .
قال النبي  : ويل أمه ، مسعر حرب لو كان له أحد .
فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر .
قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة ، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي  تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن ، فأرسل النبي  إليهم) .
قال أصحاب هذه الشبهة :
فقد رد الرسول  المسلم إلى الكفار ، وفي هذا دلالة على جواز مثل هذا !! .
الجواب :
أن هذا الحديث من أصرح الأدلة أيضاً عليهم ، وأقواها في بيان باطلهم من وجوه :
الوجه الأول : أما رده المسلم إلى الكفار فهو أمر خاص بالرسول  ، لا يتعدى إلى غيره ، ويدل على خصوصيته ما في الصحيح عن أنس لما سأل الصحابة النبي  عن هذا الأمر فقال:
(إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً) .
فقد ذكر أن من رده إليهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ، وهذا على القطع لا يعلم إلا بالوحي ، وفي هذا دلالة على عدم جوازه من غيره لأنه لا أحد يعلم أنه سيفرج الله لمن رده إلى الكفار.
وقد ذكر ابن حزم رحمه الله شبهة من استدل بهذا الحديث على رد المسلم إلى الكافر (الإحكام 5/26 ) حيث ذكر وجوهاً في ردها ، ومما قاله :
"أن النبي  لم يرد إلى الكفار أحداً من المسلمين في تلك المدة إلا وقد أعلمه الله عز وجل أنهم لا يفتنون في دينهم ولا في دنياهم وأنهم سينجون ولا بد - ثم ذكر حديث أنس السابق .
قال أبو محمد : قد قال الله عز وجل واصفاً لنبيه  ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) ، فأيقنا أن إخبار النبي  بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلماً فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه ، فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار ، لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر ، وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي  ، ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط ولا أن يفي به إن شرطه إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله وبالله تعالى التوفيق " .
وقال ابن العربي رحمه الله (أحكام القرآن 4/1789) :
"فأما عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي  ، وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة ، وقضى فيه من المصلحة ، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة ، وحميد الأثر في الإسلام ما حمل الكفار على الرضا بإسقاطه ، والشفاعة في حطه ".
الوجه الثاني : ولو سلمنا بأنه غير خاصٍ بالنبي  فإنه إنما يصح ممن حاله ووضعه كوضع النبي  في جهاده للكفار ، ونشره للإسلام ، وحرصه على الدعوة ، وقيامه بأمر الله تعالى ، وبراءته من الكفر وأهله ، فإنه لم يقبل هذه الشروط نكاية بالمجاهدين ، ولا كيداً لهم ، ولا إخلاداً إلى الدنيا وركوناً إليها ، ولا (تعزيزاً للعلاقات) مع كفار مكة ، و لا تحالفاً معهم ، وحاشاه  من ذلك كله ، بل ما قبلها إلا لصالح الإسلام والمسلمين ، وليتفرغ للدعوة إلى الله تعالى ، والجهاد في سبيله ، ونشر الإسلام ، ففتح خيبر ، وغزا عدة غزوات ، وراسل الملوك في عصره فدعاهم إلى الإسلام ، وغير ذلك من المصالح الدينية الظاهرة .
الوجه الثالث : أن الرسول  في وفائه بهذا الشرط لم يعقد (حلفاً) بينه وبين الكفار لمحاربة (الإرهابيين) فيعقد معهم (الاتفاقات) للـ(القضاء عليهم) ، ولم يتبرأ منهم ، بل تولاهم ، وأخبر أن الله سيفرج عنهم ، وكان يدعو لهم ، وبقي على براءته من الكافرين ، بل غاية ما في الأمر أنه خلى بينهم وبين من يأتيه منهم ، ولكنه لا يعينهم عليهم كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على (أبي بصير).
الوجه الرابع : أن أبا بصير رضي الله عنه قتل الرسول – وهو عند (قريش) قد أتى منكرين - :
أحدهما : الهدنة التي بينهم وبين النبي  فلا يقتتلون خلالها .
الثاني : قتل الرسول ، والرسل لا تقتل في (العرف الدولي) آنذاك ، وقد أقره الإسلام .
ومع هذا فلم (يشجب) الرسول  أو (يندد) أو (يهاجم) أو (يبرأ) إلى الله مما فعله أبو بصير ، أو يجعل عمله هذا من (الإرهاب ) ، أو من (خرق المواثيق و الأعراف الدولية) ؛ لأن العهد الذي بينهم وبين الرسول  لا يلزم أبا بصير رضي الله عنه .
الوجه الخامس : أن النبي  لم يتعاون مع رسول قريش الكافر الثاني بعد مقتل صاحبه، ولم يأمر المسلمين أن يقبضوا على أبي بصير رضي الله عنه ويرسله مخفوراً إلى مكة بعد قتله للرسول الأول ، بل خلى بينه وبينهم وفاء بالشرط ، وليس هذا من المظاهرة في شيء .
الوجه السادس : أن النبي  قال لأبي بصير (ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ) وفي رواية (لو كان له رجال) ، قال الحافظ (الفتح 5/350) : "وفيه إشارة إليه بالفرار لئلا يرده إلى المشركين ، ورمز إلى من بلغه ذلك من المسلمين أن يلحقوا به" .
الوجه السابع : أن أبا بصير وأبا جندل ونحوهم من المسلمين لحقوا بسيف البحر وصاروا يقتلون من رأوه من كفار قريش ويستولون على أموالهم ، ولم (يستنكر) الرسول  هذا العمل منهم ، ولم (يندد) و لم (يشجب) .
الوجه الثامن : أن الرسول  لم يتعاون مع كفار قريش ويعقد معهم (حلفاً) للقضاء على (إرهاب أبي بصير ومن معه لكفار قريش) ، ولم ينصرهم بشيء من الأشياء ، وحاشاه  من ذلك .
الوجه التاسع : أن الدليل قائم على أن الرسول  راض عن فعل أبي بصير ومن معه واستحسانه له من ثلاثة وجوه :
الأول : أنه لم ينكر عليه قتله للرسول ، ولو كان مستنكراً لأنكره ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
الثاني : قوله له (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد) وقد سبق ذكر كلام الحافظ عليه .
الثالث : أنه لم يرسل إليهم لما أرهقوا قريشاً وسفكوا دماء بعضهم وسلبوا أموالهم ، ولم ينههم ، فلو كان يراهم مخطئين في فعلهم لنهاهم ، ولو نهاهم عن فعل شيء لانتهوا عنه ، فلما لم يفعل شيئاً من ذلك فقد دل على رضاه بعملهم ، قال ابن حزم رحمه الله في (الأحكام 5/126) : "فهذا أبو بصير وأبو جندل ومن معهم من المسلمين قد سفكوا دماء قريش المعاهدين لرسول الله  ، وأخذوا أموالهم ، ولم يحرم ذلك عليهم ، ولا كانوا بذلك عصاة ، ولا شك في أن رسول الله  كان قادراً على منعهم من ذلك لو نهاهم فلم يفعل" .
وأختم الرد على هذه الشبهة بكلام نفيس للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله حيث قال في الرد على اعتراضات ابن نبهان كما في (الدرر 8/199 – 200) :
" ويقال : بأي كتابٍ ، أم بأية حجةٍ أن الجهاد لا يجب إلا مع إمامٍ متبع ؟! هذا من الفرية في الدين ، والعدول عن سبيل المؤمنين ، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر ، من ذلك عموم الأمر بالجهاد ، والترغيب فيه ، والوعيد في تركه ، قال تعالى ) وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )(البقرة: من الآية251) ، وقال في سورة الحج ) وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ … الآية)(الحج: من الآية40) .
وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله ، ولا يكون الإمام إماماً إلا بالجهاد ، لأنه [كذا : ولعله لا أنه] لا يكون جهاد إلا بإمام ، والحق عكس ما قلته يا رجل …إلى أن قال :
والعبر والأدلة على بطلان ما ألفته كثير من الكتاب والسنة والسير والأخبار وأقوال أهل العلم بالأدلة والآثار ، لا تكاد تخفى على البليد ، إذا علم بقصة أبي بصير لما جاء مهاجراً فطلبت قريش من رسول الله  أن يرده إليهم بالشرط الذي كان بينهم في صلح الحديبية ، فانفلت منهم حتى قتل المشركين اللذين أتيا في طلبه ، فرجع إلى الساحل ، لما سمع رسول الله  يقول (ويل أمه مسعر حرب ، لو كان معه غيره) فتعرض لعير قريش – إذا أقبلت من الشام – يأخذ ويقتل ، فاستقل بحربهم دون رسول الله  ؛ لأنهم كانوا معه في صلح – القصة بطولها – فهل قال رسول الله  : أخطأتم في قتال قريش لأنكم لستم مع إمام؟ . سبحان الله! ما أعظم مضرة الجهل على أهله ؟ عياذاً بالله من معارضة الحق بالجهل والباطل " .

الشبهة الثالثة
أن هذا التحالف بين المسلمين والصليبيين مثل (حلف الفضول)

ومن الشبه التي أثيرت أيضاً في هذه المسألة قول بعضهم :
إن الدخول في التحالف الصليبي ضد (الإرهاب) يشبه حلف الفضول الذي كان في الجاهلية وأثنى عليه الرسول  وكان لمكافحة الظلم !!.
والجواب على هذه الشبهة أن يقال :
سنذكر أولاً قصة حلف الفضول ، ثم نثني بالجواب على هذه الشبهة :
فقد جاء في كتب السير والتاريخ أن قبائل من قريش اجتمعوا في دار (عبد الله بن جدعان التيمي) فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول .
وفي ذلك يقول الشاعر :
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا *** أن لا يبيت ببطن مكة ظالم
وقد ورد أن النبي  حضر هذا الحلف وهو صغير – قبل أن يبعث – وأنه قال بعد النبوة كما في المسند وغيره (شهدت وأنا غلام مع عمومتي حلف الفضول – وفي رواية حلف المطيبين – فما أحب أن لي به حمر النعم وإني أنكثه ) .
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال :
إن هناك فروقاً شاسعة بين الحلفين ، بل لا وجه شبه بينهما إلا باسم (الحلف) فقط ، ويظهر الفرق بينهما من وجوه :
الوجه الأول : أن صاحب (حلف الفضول) : هو عبد الله بن جدعان التيمي ، وهو وإن كان مشركاً إلا أنه كان حريصاً على مكارم الأخلاق ، فقد ثبت في الصحيح عن عائشة قلت : يا رسول الله ، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذاك نافعه؟. قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوماً : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . والمقصود شهرة (ابن جدعان) بمكارم الأخلاق .
وأما صاحب (تحالف أمريكا) فهم (الأمريكيون) : أكثر الناس ظلماً وبغياً وعدواناً ، وقد سبق ذكر نبذة عن (مكارمهم) في المبحث الثاني من الفصل الأول فراجعه .
الوجه الثاني : أن سبب (حلف الفضول) هو بعض المظالم التي حصلت في (مكة) – من قومهم – فأرادوا التحالف بينهم لرفعها وإنصاف المظلوم ممن ظلمه ولو كان من بني عمهم.
وأما سبب (تحالف أمريكا) فليس لرفع المظالم التي تحصل من قومهم والتي بلي بها الناس من عشرات السنين ، وراح ضحيتها الملايين من القتلى والمشردين .
ولا بسبب مظالم (إسرائيل ) التي سفكت أنهاراً من الدماء ، فقتلوا وشردوا الآلاف من المسلمين .
ولا بسبب مآسي الشعب العراقي الذي يحتضر بسبب العدوان الأمريكي عليه من عشر سنوات وحتى الآن ، حتى قتل وأصيب بسببهم الملايين .
ولا بسبب المظالم الأخرى التي يعانيها الشيشان من الروس ، أو المسلمون في الفلبين من النصارى ، أو المسلمون الذين يقتلون في جزر الملوك ، أو الذين يقتلون في الصين ، أو غيرهم من أبناء هذه الأمة المكلومة .
بل سبب هذا التحالف الصليبي مقتل بضعة آلاف منهم على أيدي مجهولين ، فأرادوا الانتقام من (المسلمين ) وزيادة مظالمهم !!.
الوجه الثالث : أنهم في (حلف الفضول) لم يلزموا أحداً بالدخول في حلفهم ، وأما (تحالف أمريكا) فأساسه – كما قالوا – : إن من لم يكن معنا فهو ضدنا ! ، بمعنى أنه هدف له !!. وهذا أول الظلم.
الوجه الرابع : أن هدف (حلف الفضول) كما ذكرنا رفع الظلم عن جميع من في مكة ، وأما هدف تحالف (أمريكا) فالقضاء على (الإسلام) ، أو على الأقل (تجفيف منابعه ) ، وضرب (الملتزمين) منهم كما يظهر من أهدافهم الأولية ، كما أن من أهدافه زيادة (الهيمنة الأمريكية) على العالم ، فهدفه الحقيقي زيادة الظلم واستعباد الشعوب.
الوجه الخامس : أنه ليس في (حلف الفضول) غير رفع المظالم – وهو أمر تقره الشريعة وتدعو إليه – ، وأما (تحالف أمريكا) فمنكراته كثيرة ، عرفنا بعضها ، وجهلنا أكثرها ، ومن أهمها متابعة الإرهابيين في كل مكان ، والإرهابيون هم (المسلمون) ، و (تجفيف منابع الإرهاب) وهو (التعليم الإسلامي) – كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوجه العاشر في الرد على الشبهة السابعة – ، ومكافحة دعم الإرهاب ، وهو صدقات المسلمين وزكواتهم التي تدفع للمجاهدين ، ودعم النفوذ الأمريكي في أراضي المسلمين والاستمرار في استعبادهم ، وهكذا في سلسلة تخالف شرع الله تعالى وتناقضه .
الوجه السادس : أن الحلفاء في (حلف الفضول) من تيم وزهرة وأسد وغيرهم لا مآرب لهم وراء هذا الحلف غير مكارم الأخلاق ، و التناصر بينهم ضد الظالمين من قومهم ، مع أن دينهم واحد ، وكلهم مشركون.
وأما الحلفاء في (حلف أمريكا) فجميع الكفرة تقريباً ، وهم أساس الظلم الواقع على العباد والبلاد ، ولهم مآرب سياسية واقتصادية ودينية خبيثة من وراء هذا التحالف ، وحلفهم جاء للنكاية بالمسلمين ، وزيادة مآسيهم ، فدين المتحالفين شتى ، وعدوهم واحد !.
الوجه السابع : أن (حلف الفضول) يعتمد في رفع الظلم على جاه ومنصب المتحالفين – كما ذكر أهل السير – ، فليس فيها وسيلة محرمة في تحقيق هدف الحلف.
وأما التحالف الأمريكي فله وسيلتان :
الأولى : الوسيلة السلمية : وهو أن يؤخذ ما يسمونهم بالإرهابيين – وهم من المسلمين – ويعرضون على طاغوت أمريكا (القانون) .
الثانية : الوسيلة الحربية : وهو دك بلاد الأفغان وسحقها – كما هو تعبير رئيسهم بوش – ، مع فعل الشيء نفسه في الأهداف الأخرى .
والتعاون في كلا الوسيلتين كفر وردة ، فالأول تحاكم إلى الطاغوت ، والثاني مظاهرة للكفار على المسلمين ظلماً وعدواناً وبغياً .
الوجه الثامن : في نتائج الحلفين :
أما (حلف الفضول) فرفعوا كثيراً من المظالم في بلدهم – حتى بقيت من مناقبهم بعد الإسلام – ، وأما (تحالف أمريكا) فقد زادوا المظالم في الأرض بعد هذا التحالف ، فمن نتائج تحالفهم بعد شهر تقريباً :
1- قتل أكثر من ألف مدني من الأفغان (منهم النساء والشيوخ والأطفال) .
2- إصابة أضعاف هذا الرقم من المدنيين من الأفغان بجروح .
3- تدمير عدد من المدن وضربها بأطنان من القنابل .
4- نسف عدد من القرى ومحوها من الوجود.
5- زيادة معاناة الأفغان بتدمير مصالحهم – على قلتها – كالمستشفيات والمستودعات والمرافق .
6- زيادة الحصار على عشرين مليون من الأفغان !!.
7- تشريد الملايين من المدنيين وإخراجهم من أراضيهم .
8- اعتقال وسجن المئات من المسلمين لمجرد الاشتباه بهم .
9- زيادة تسليط الكفار على المسلمين ، كتسليط الروس على الشيشان ، وتسليط عباد البقر على الكشميريين .
10- التضييق على الهيئات الإغاثية الإسلامية بحجة دعمهم للإرهاب .
وغير ذلك من المآسي التي حصلت بسبب هذا التحالف .
الوجه التاسع : وهو أهم الأوجه ، وهو حكمهما الشرعي :
وذلك أن الدخول في مثل (حلف الفضول) مشروع ، لأنه قائم على أساس إسلامي وهو (رفع الظلم) ، والظلم محرم في الشريعة ، كما قال  في الحديث الصحيح (إياكم والظلم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) ، وكما في الصحيح أيضاً في الحديث القدسي ( يا عبادي : إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) ونحوها من النصوص ، ولا يلزم من الدخول في مثله ارتكاب أمر محرم ، وليس فيه مظاهرة للكفار على المسلمين ، ولا تحاكم إلى غير ما أنزل الله.
وأما الدخول في (التحالف الأمريكي) فهو مركّب من منكرات كثيرة ، منها :
1- مظاهرة الكفار على المسلمين ، وهذا كفر.
2- تحاكم إلى الطواغيت ، وهذا كفر.
3- زيادة البلاء على المسلمين في الأفغان ، وقتل أولادهم ونسائهم وشيوخهم ، وإجلاء الكثيرين عن أرضهم .
4- زيادة الظلم والبغي في الأرض بغير الحق .
5- مد النفوذ الأمريكي الظالم إلى مناطق المسلمين في وسط آسيا .
نسأل الله تعالى أن ينتقم من (أمريكا) وأحلافها عاجلاً غير آجل ، وأن يقر عيون المسلمين بانتصار الإسلام والمسلمين .


الشبهة الرابعة
وجود إكراه في هذا الأمر

وهناك من أهل الضلالة من يدعي وجود الإكراه في دخول التحالف مع (أمريكا) سواء من (الدول) ، أو من المنتسبين للإسلام من العسكريين الأمريكيين ، و قد أخطأ صاحب هذه الشبهة من وجهين :
الوجه الأول : في معرفة الإكراه :
فإن الإكراه الذي يبيح الكفر هو القتل أو ما يؤدي إليه أو تلف شيء من الأعضاء ونحو هذا – على تفصيلات مذكورة في كتب الفروع – وليس من الإكراه الخوف على المال ، أو المنصب ، أو الراتب ، ونحو ذلك ، وحقيقة الأمر فيمن دخل في تحالف الكفار إنما هو رغبة في الدنيا وركون إليها .
وكما قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله ( الدرر 8/374) في رده على أحدهم في تجويزه الاستنصار بالمشركين في حال الضرورة :
"غلط صاحب الرسالة في معرفة الضرورة ، فظنها عائدة إلى ولي الأمر في رياسته وسلطانه ، وليس الأمر كما زعم ظنه ، بل هي ضرورة الدين ، وحاجته إلى ما يعين عليه وتحصل به مصلحته ، كما صرح به من قال بالجواز " .

الوجه الثاني : في معرفة المكره عليه :
فإن الإكراه – إذا صح – فإنما يرخص للمكرَه أن يتكلم بالكفر ونحو ذلك مما ليس فيه إضرار بغيره ، وأما إذا كان الإكراه في قتل الغير فلا يجوز بالإجماع ؛ لأنه ليس له أن يستبقي نفسه بقتل غيره .
قال ابن العربي رحمه الله (أحكام القرآن) 1/525 :
"قوله تعالى : )وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً )(النساء: من الآية30) : دليل على أن فعل الناسي والخاطئ والمكره لا يدخل في ذلك ; لأن هذه الأفعال لا تتصف بالعدوان والظلم , إلا فرع واحد منها وهو المكره على القتل , فإن فعله يتصف إجماعا بالعدوان ; فلا جرم يقتل عندنا بمن قتله , ولا ينتصب الإكراه عذراً " .
وقال النووي رحمه الله (شرح مسلم 18 / 16 ، 17) :
"وأما القتل فلا يباح بالإكراه ، بل يأثم المكره على المأمور به بالإجماع ، وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع ".
وقال ابن رجب رحمه الله (جامع العلوم والحكم 2/371) :
"واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يبح له أن يقتله ، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل ، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم " .
وهنا في هذه الحادثة إنما تريد (أمريكا) ودول الكفر – أخزاهم الله جميعاً – قتل المسلمين ، فلا يجوز إعانتهم من أي مسلم – ولو أكره على ذلك – لأن هذا مما لا يبيحه الإكراه .
وقد حصل نحو هذا في وقت شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ، حيث ادعى بعض من أعان التتار على المسلمين الإكراه ، فذكر شيخ الإسلام أن الإكراه لا يبيح لهم فعل هذا ، فقال رحمه الله (مجموع الفتاوى 28 / 539) :
"المقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل , بل عليه إفساد سلاحه , وأن يصبر حتى يقتل مظلوماً ، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام : كمانعي الزكاة , والمرتدين , ونحوهم ؟. فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون ، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين , وكما لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين , وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس , فليس له أن يظلم غيره فيقتله , لئلا يقتل هو" .


الشبهة الخامسة
أن إعانة الكفار على المسلمين على قسمين

ومن الشبه الساقطة التي لبس بها بعضهم على المسلمين قولهم :
إن إعانة الكفار على المسلمين على قسمين :
الأول : كفر : وهو مظاهرة الكفار على المسلمين من أجل كفر الكافرين وإسلام المسلمين.
الثاني : مباح ، بل مأمور به : وهو مساعدة الكافر إذا ظلمه مسلم للوصول للعدل .
والجواب على هذه الشبهة الساقطة من وجوه :
الوجه الأول : أن هذا التقسيم من كيس القائل ، وليس له سلف فيه ، والله المستعان .
الوجه الثاني : أن المفتي عندما يفتي العامة إنما ينزل النصوص على الواقع وهو ما يسمى بـ(تحقيق المناط) ، وليست وظيفته وضع تقسيمات تزيد العامة حيرة ، لذلك كان المطلوب هو الكلام عن المسألة المسئول عنها ، وهو بيان حكم الدخول في تحالف الكفار ضد المسلمين الأفغان ، لا الإحالة على تقسيم لم يسبق إليه .
الوجه الثالث : أن يقال : لو أن أحداً سئل عن الذبح لغير الله ، فقال : هو على قسمين :
الأول : إن كان يقصد بذلك عبادة غير الله بهذا الذبح فهو كفر .
والثاني : إن كان يقصد بذلك غير العبادة فهو مباح .
و لو قسم السجود للصنم ، ودعاء الأوثان ، وغيرها من النواقض العملية أو القولية ، إلى هذين القسمين أيضاً ، لما كان بينه وبين هذا التقسيم المخترع فرق ، مع بطلان الجميع ، فإن هذا الفعلين (الذبح لغير الله ونحوه ، ومظاهرة الكفار على المسلمين) كفر بمجرد وقوعها من الفاعل .
وقد ذكرني هذا التقسيم تقسيمات علماء القبورية المخترعة الذين ابتلي بهم أئمة الدعوة النجدية رحمهم الله تعالى .
الوجه الرابع : أنه ذكر هذين القسمين للمظاهرة ، وترك أساس المسألة وهي (مظاهرة الكفار على المسلمين رغبة أو رهبة أو نحو ذلك) ، فأصل المظاهرة والتي وردت الأدلة عليها هذا القسم الذي لم يذكره ، كما قال تعالى في آية المظاهرة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ) فذكر الله سبحانه أن سبب مظاهرة هؤلاء للكفار هو أنهم يخشون الدائرة ، ولم يذكر أن ذلك لأجل كفرهم .
ثم إن صاحب هذا التقسيم لم يترك الأصل في هذه المسألة فقط ولم يذكره ، بل وذكر قسمين باطلين ليسا من (المظاهرة في شيء) كما يتبين في :
الوجه الخامس : وهو أن كلا القسمين باطلان ، وبيان ذلك كما يلي :
أما القسم الأول : فإنه جعل المظاهرة المكفّرة هي التي تكون لأجل كفر الكافر وإسلام المسلم ، وبطلانه من وجوه :
الوجه الأول : أن الرغبة في الكافر لأجل كفره كفر و لو لم يتكلم أو يفعل شيئاً ، وإنما يقول بمثل هذا القول غلاة المرجئة الذين يردون المكفرات العملية أو القولية إلى (الاعتقاد).
الوجه الثاني : أن هذا خلاف النصوص المستفيضة ، وقد سبق ذكرها ، فإنها لم تعلق الكفر إلا باتخاذهم أولياء ، فوجود (التولي) يقتضي وجود الكفر ، فإن كان الذي تولاهم إنما تولاهم لأجل كفرهم فهو كفر مركّب أساسه محبة الكفار لا مظاهرتهم، وقد سبق ذكر النصوص وأقوال العلماء عليها في المبحث الأول فراجعه .
الوجه الثالث : أن هذا أيضاً خلاف الثابت من الحوادث التاريخية التي أفتى فيها علماء الإسلام ، فإنه لا يوجد أحد ممن ظاهر المشركين على المسلمين ظاهرهم لأجل دينهم ، بل إما أن يظاهرهم خوفاً منهم ، أو رغبة في رئاسة ، أو طمعاً في مال ، ونحو ذلك ، ومع ذلك أفتى علماء الإسلام بكفر أولئك ، وتأمل في حال المسلمين الذين خرجوا مع المشركين بالإكراه في (بدر) وكيف أبيح للمسلمين قتلهم ، واختلف أهل العلم في تكفيرهم مع وجود الإكراه – كما سبق تفصيله – ، وانظر إلى كلام شيخ الإسلام رحمه الله فيمن ظاهر التتار على المسلمين حيث أفتى بردته ولو ادعى الإكراه كما في (الفتاوى 28 / 539) وكما ذكره عنه في (الفروع 9/163) ، وانظر في كلام الشيخين سليمان آل الشيخ وحمد بن عتيق في من ظاهر المشركين وهو يبغضهم ويحب المسلمين !.
الوجه الرابع : أن أهل العلم جعلوا مظاهرة الكفار على المسلمين كفراً بمجردها – ولم يشترطوا فيها أن تكون من أجل كفر الكافر – وقد سبق نقل هذا ، بل ونص بعضهم على أنه يكفر ولو كان محباً للمسلمين مبغضاً للمشركين ، ومن ذلك :
قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (الدرر 10 / 8) :
"واعلموا أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح : إذا أشرك بالله ، أو صار مع المشركين على الموحدين – ولو لم يشرك – أكثر من أن تحصر ، من كلام الله ، وكلام رسوله ، وكلام أهل العلم كلهم " .
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (8 / 396) :
"والمرء قد يكره الشرك ، ويحب التوحيد ، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك ، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم ، فيكون متبعاً لهواه ، داخلاً من الشرك في شعبٍ تهدم دينه وما بناه ، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً ، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه ، فلا يحب ويبغض لله ، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه ، وكل هذا يؤخذ من شهادة : أن لا إله إلا الله ".
وقال الشيخ حمد بن عتيق في (الدفاع عن أهل السنة والاتباع) ص 31 :
" إن مظاهرة المشركين ، ودلالتهم على عورات المسلمين ، أو الذب عنهم بلسان ، أو رضي بما هم عليه ، كل هذه مكفرات ، فمن صدرت منه – من غير الإكراه المذكور – فهو مرتد ، وإن كان مع ذلك يبغض الكفار ويحب المسلمين " .

وأما بطلان القسم الثاني :
وهو قوله : أن مساعدة الكافر إذا ظلمه مسلم للوصول للعدل مباح بل مأمور به.
فمن وجوه أيضاً :
الوجه الأول : أن مساعدة المسلم للكافر (المعاهد أو الذمي) في رفع مظلمته – بالشرع الإسلامي– أمر مشروع ، ولكن هذا الأمر لا يسميه أحد من أهل العلم مظاهرة للكفار أو مناصرة لهم ، ولا يذكر بهذا الوصف مطلقاً ، فمن جعل مثل هذا مظاهرة للكفار فهو من أجهل الناس.
الوجه الثاني : أن الكافر الذمي أو المعاهد إذا ظلمه مسلم فإن الذي ينصفه ويأخذ حقه هم المسلمون ، وليس له أن يأخذه بنفسه أو بمساعدة الكفار من جنسه ، فمنزلته التي أنزله الله تعالى فيها الذلة والصغار ، ولو مكّن من أخذ حقه لكان له على المؤمنين سبيل ، والله تعالى قد حكم بخلاف ذلك .
الوجه الثالث : أن يقال : قولك : (الوصول للعدل) ما المراد به ؟ .
إن قلت : أقصد به : الشرع ، فهذا صحيح ، ولكن هذا ليس مقصوداً لأصحاب هذه الحملة الصليبية ، ولا من يظاهرهم ، بل هم يصرحون ويصرخون بملء أفواههم بأنهم يريدون محاكمته في (أمريكا).
وإن قلت : المراد به (محكمة أمريكا) – وهي التي يطالبون بتقديم المسلمين المتهمين لها – .
قلنا : هذا القول كفر وردة عن دين الإسلام من ثلاثة وجوه :
الأول : وصف حكم الطاغوت (القانون الأمريكي) بـ(العدل) – بإطلاق – .
قال صديق حسن خان رحمه الله في (العبرة فيما ورد في الغزو والشهادة والهجرة) ص 249: "وأما قوله : إنهم أهل عدل : فإن أراد أن الأمور الكفرية التي منها (أحكامهم القانونية) عدل ؛ فهو كفر بواح صراح ، فقد ذمها الله سبحانه وشنّع عليها ، وسماها عتواً وعناداً وطغياناً وإفكاً وإثماً مبيناً وخسراناً مبيناً وبهتاناً ، والعدل : إنما هو شريعة الله التي حواها كتابه الكريم ، وسنة نبيه الرؤوف الرحيم ، فقال تبارك وتعالى )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ ) (النحل: من الآية90) ، فلو كانت أحكام النصارى عدلاً لكان مأموراً بها " .
الثاني : جعل تحاكم المسلم لذلك الطاغوت مباحاً بل مأموراً به ، فجعل الكفر مأموراً به ، وهذا من استحلال المحرمات ، بل من استحلال المكفّرات !.
الثالث : إباحة مظاهرة الكفار على المسلمين من أجل تقديمهم لمحاكمة الطاغوت .
وقد ذكر شيخ الإسلام كما في (الاختيارات ص 165) من نواقض الإسلام :
"من توهم أن أحداً من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار ، أو أجاز ذلك".
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

الوجه الرابع :
أن يقال : هاك صوراً من عدالة (أمريكا) التي تريدون تحكيمهم في رقاب المسلمين :
1- قتلت في حصار العراق مليون طفل .
2- قتلت من الفلسطينين بأسلحتها التي تمد بها إسرائيل الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال .
3- قتلوا في حصارهم لأفغانستان أكثر من 15000 طفل قبل الحرب .
4- قتلوا الآلاف من المسلمين في الصومال أثناء غزوهم له .
5- ضربوا السودان وأفغانستان بصواريخ كروز ، فقتلوا ودمروا من لا ذنب لهم حتى عندهم .
وغير هذا من صور (عدالتهم) ، وقد سبق ذكر بعضها في المبحث الأول من الفصل الأول فراجعه .

الشبهة السادسة
أن طالبان ومن معهم ظالمون

ومن الشبه التي أثيرت قول بعضهم : إن تنظيم القاعدة – المتهم بأحداث أمريكا – وطالبان ظالمون بما فعلوه في (بلاد الكفار) ، لذا فهذا الفعل من باب رفع الظلم !! .
والجواب من وجوه :
الوجه الأول : أن هذا الكلام لا يثبت في شرعنا ، ولا في قانونهم :
أما شرعنا : فيرده قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6) ، وهذا الاتهام ليس موجهاً من (فاسق) بل من (كافر) ، فيجب التبين والتثبت في هذه المسألة قبل إصدار الأحكام .
وأما قانونهم – طاغوت أمريكا – فقاعدتهم تقول : إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، وهؤلاء الكفار لم يقدموا دليلاً واحداً يثبت ما اتهموا به المسلمين كما هو معروف لدى الجميع.
الوجه الثاني : ولو فرضنا صدق كلام هؤلاء الكفار بضلوع هؤلاء المسلمين بهذا العمل ، فلا يلزم من كونه عملاً إجرامياً عند الكفرة أن يكون كذلك عند المسلمين ، فالمسلمون يتحاكمون للكتاب والسنة لا إلى طواغيت الكفار ، وإلا فإن هؤلاء يجعلون الجهاد إرهاباً ، وإقامة الحدود انتهاكاً لحقوق الإنسان ، وحجاب النساء كبتاً للمرأة ، ومنع الزنا وشرب الخمر تدخلاً في الحريات الشخصية ، وهكذا في كثير من شرائع الإسلام.
فالواجب رد هذا العمل والنظر فيه من خلال الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم المعروفين ، ولا يرد إلى الطواغيت المسماة بـ(القوانين والأعراف الدولية) .
الوجه الثالث : أننا لو فرضنا أن هؤلاء المسلمين هم الذين نفذوا هذه العمليات ، وأنه عندنا خرق للعهود والمواثيق ، فإنه لا يلزم من كونه هكذا عندنا أن يكون عند المتهمين في العملية كذلك ، فإنهم قد نبذوا إلى أمريكا العهود ، بل وسبق لأمريكا أن ضربتهم بصواريخ كروز ، وبينهم العداء ظاهر ، ولا مواثيق بينهم ، وقد سبق في الشبهة الثانية ذكر ما عمله أبو بصير ومن معه من المسلمين في المشركين مع أن الرسول  عاهدهم ، لأن عهده لم يلزمهم .
الوجه الرابع : أننا لو فرضنا أن هؤلاء المسلمين هم الذين نفذوا هذه العمليات ، وفرضنا أن عملهم هذا أيضاً يذمه الشرع ولا يقره ، وأنهم في شرعنا (مجرمون) و (ظالمون) ، وأنهم بينهم وبين أولئك عهود ومواثيق انتهكوها ، فالواجب في مثل هذا الحالة أن يحاكموا بالشريعة الإسلامية ، لا وفق طواغيت الكفار !! .
الوجه الخامس : أننا لو فرضنا أن طالبان ومن معهم ظالمون ، فظلم (أمريكا) : أعظم ، وأكبر ، وأشمل ، وأوسع ، وأخبث ، وأقدم ، وقتلاهم من المسلمين بالملايين ، فهم الذين قتلوا المسلمين في : العراق ، وفلسطين ، ولبنان ، والصومال ، والسودان ، وغيرها ، وهم الذين أعانوا على قتل المسلمين في : جزر الملوك ، وتيمور ، والبوسنة ، والشيشان ، وكشمير ، والفلبين ، وغيرها ، وهم الذين أثاروا الحروب بين المسلمين ، وغير هذا من جرائمهم وقد تقدم بعضها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (المنهاج) 1/484 :
"وهذا حال أهل الكتاب مع المسلمين ، فما يوجد في المسلمين شر إلا وفي أهل الكتاب أكثر منه ، ولا يوجد في أهل الكتاب خير إلا وفي المسلمين أعظم منه ؛ ولهذا يذكر سبحانه مناظرة الكفار من المشركين وأهل الكتاب بالعدل ، فإن ذكروا عيباً في المسلمين لم يبرئهم منه ، لكن يبين أن عيوب الكفار أعظم ، كما قال تعالى )يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)(البقرة: من الآية217) ، وهذه الآية نزلت لأن سرية من المسلمين ذكر أنهم قتلوا ابن الحضرمي في آخر يوم من رجب فعابهم المشركون بذلك فأنزل الله هذ الآية " .
الوجه السادس : أن المسلم حتى لو كان ظالماً فإن حق ولايته باقٍ بما معه من الإسلام ، ولا يجوز إعانة الكافر عليه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) (28/208 ، 209) : "والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله ، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه ، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية ، قال تعالى )وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)(الحجرات: 9 ، 10) فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم ".

الشبهة السابعة
أن طالبان دولة مشركين

ومن الشبه التي أثيرت أيضاً قول بعضهم : إن (طالبان) دولة (قبورية) يقوم عليها طائفة من المشركين ، لذلك فالتحالف مع أمريكا هو في حقيقته إعانة كافر على كافر !!.
بل ومنهم من يقول : إعانة كتابي على مشرك ، والكتابي أقرب إلينا من المشرك !!!.
والجواب على هذه الشبهة من وجوه :
الوجه الأول : أن القاعدة الشرعية تقول (البينة على المدعي) ، فمن ادعى هذا الشيء فعليه أن يقيم بينتين :
البينة الأولى : وجود الشرك الأكبر في تلك البلاد .
والبينة الثانية : أن حكام تلك البلاد يقرون هذا الشرك .
فإن لم يقم هاتين البينتين فهو من الكاذبين .
الوجه الثاني : أن بلاد الأفغان ليست بلاداً نائية لا يصل إليها أحد ، بل قد جاءها كثيرون من المسلمين منذ أكثر من عشرين سنة وحتى اليوم ، ووقفوا عليها وعلى أحوالها ، ومنهم طلبة علم ودعاة معروفون ، وقد شهد كثير منهم على مجموعةٍ من قادة الأفغان وعلمائهم وزعمائهم أنهم بريئون من الشرك الأكبر ، ولا يقرونه ، بل ينكرونه ، ووجود البدع لا يقتضي وجود الشرك ، وفرق بين البناء على القبور مثلاً – وهو بدعة – وبين الطواف عليها والذبح عندها والنذر لها – وهو شرك أكبر – ، وبين تحري الدعاء عند قبور الأولياء – وهو بدعة – وبين دعاء الأولياء – وهو شرك أكبر – ، وبين التبرك بآثار الصالحين – وهو بدعة – وبين صرف شيء من العبادة لهم – وهو شرك أكبر – ، والدعوة للتوحيد نشطة في صفوف الجهال .
الوجه الثالث : أن (طالبان) خاصة قد قامت بهدم بعض المشاهد الشركية كما ذكر ذلك وزير الأمر بالمعروف فيها ، وقامت بمنع الشرك الأكبر عند القبور – كما سبق ذكر هذا في المبحث الثاني من الفصل الأول –.
الوجه الرابع : أن وجود الشرك من بعض الرعية لا يلزم منه وصف البلاد بأسرها بهذا الوصف ، ولو كان الحال هكذا فإنه لا يوجد بلاد إسلام أبداً ، فبلادنا مثلاً – في جزيرة العرب – يوجد فيها من المشركين : (الروافض) في المنطقة الشرقية والمدينة ، و (الإسماعيلية) في نجران وما حولها ، و (القبورية) من الصوفية في مكة وبعض مدن الحجاز ، وليس وجودهم جاعلاً بلادنا بلاداً شركية ، وهكذا الكلام في (طالبان) .
الوجه الخامس : أن بلاد الأفغان تحت حكم (طالبان) بالإجماع – من الموافق والمخالف – أفضل حالاً منها في وقت الأحزاب أيام الجهاد الأفغاني ضد الروس ، وقد شهد العلماء للجهاد الأفغاني – وقت الأحزاب – بالفضل ، وجعلوه جهاداً إسلامياً ، وحثوا الناس على الجهاد معهم ، والإنفاق عليهم ، ودعمهم ، والدعاء لهم ، وفتاوى أهل العلم المعروفين كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله وغيرهم مشهورة معروفة في هذا الباب ، ومن هذا ما ورد في لقاء مع الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجلة (تكبير الباكستانية) كما في (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة) 2/ 449 ، ومما ورد فيها:
س / ما هي المسئوليات التي تجب علينا نحو الجهاد الإسلامي في أفغانستان ، وما هي الجهود التي قمتم بها في هذا الصدد حتى الآن؟
الجواب : لا ريب أن الجهاد في أفغانستان جهاد إسلامي ، يجب أن يشجع ويدعم من المسلمين جميعا ؛ لأنهم مسلمون يقاتلون عدواً شرساً خبيثاً من أكفر الكفرة وأرذلهم ، ومن أقواهم فيما يتعلق بالقدرة الحسية فليس هناك تكافؤ بين القوتين ، ولكن نصر الله وتأييده لإخواننا المجاهدين ، فالواجب على أهل الإسلام جميعا أن يساعدوهم ، وأن يعينوهم بالمال والنفس والرأي والشفاعة ، وكل ما يعد دعماً لهم وإعانة ، هذا هو الواجب على المسلمين جميعاً.
ومن ذلك ما ورد في لقاء معه أيضاً رحمه الله في مجلة المجاهد ، السنة الأولى ، عدد 10 شهر صفر 1410 هـ ومما ورد في المقابلة :
س : نرجو من سماحتكم إعطاء كلمة الفصل حول فرضية الجهاد ؟
ج : الجهاد الأفغاني جهاد شرعي لدولة كافرة ، فالواجب دعمه ومساعدة القائمين به بجميع أنواع الدعم ، وهو على إخواننا الأفغان فرض عين للدفاع عن دينهم وإخوانهم ووطنهم ، وعلى غيرهم فرض كفاية ، لقول الله عز وجل (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )وقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وهي تعم إخواننا المجاهدين في أفغانستان وجميع المجاهدين في سبيل الله في فلسطين والفلبين وغيرهم . وقد ثبت عنه  أنه قال (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) ونسأل الله أن يوفق إخواننا المجاهدين في سبيله في بلاد الأفغان وغيرها للنصر المؤزر وأن يعينهم على جهاد أعداء الله ويثبت قلوبهم وأقدامهم ويجمع كلمتهم على الحق وأن يخذل أعداء الله أين ما كانوا ويجعل الدائرة عليهم إنه ولي ذلك والقادر عليه .
ولو كان رأي أهل العلم في ذلك الزمن في مشروعية جهاد الأفغان محل خلاف لاستقصيت النقول عنهم ، ولكن رأيهم في ذلك معروف للعامة فضلاً عن غيرهم ، لذلك اكتفيت بهذين النقلين .
فإذا كان هذا رأي أهل العلم المعروفين ذلك الوقت ، فما الذي غير هذا الحكم ؟.
فلماذا كان ذلك الجهاد إسلامياً لما كان العدو هم (الروس) ، فلما كان العدو (أمريكا) لم يصر إسلامياً؟.
بل هم في هذا الوقت أولى بمسمى الجهاد الإسلامي من ثلاثة وجوه:
الأول : أن وضعهم في تطبيق الشريعة اليوم أفضل كثيراً من أيام الأحزاب .
الثاني : أنهم اليوم يد واحدة ، وفي أيام الأحزاب كانوا أحزاباً متفرقين.
الثالث : أنهم اليوم يواجهون هجوماً شرساً من جميع دول الكفر (اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوكية وغيرها) ، أما في أيام الأحزاب فقد كانوا يواجهون (الروس) فقط .
الوجه السادس : أن يقال لأصحاب هذه الشبهة :
ما رأيكم في الجهاد الأفغاني الذي كان ضد الروس ؟.
إن قالوا : هو جهاد إسلامي .
فيقال : فما الفرق بينه وبين حال (طالبان) اليوم ، والجميع يؤكد أن (طالبان) أفضل من (الأحزاب) بمراحل ؟.
وإن قالوا : حالهم كحال (طالبان) فهم مشركون قبوريون ! .
فيقال لهم : فأين أنتم يوم أن كان المشايخ وأهل العلم يحثون على نصرتهم ويدعمونهم ، ويسمونه جهاداً إسلامياً ، ويصدرون الفتاوى – التي بلغت المئات – بوجوب نصرته ، ويدعمونه بالأموال – التي بلغت المليارات – ، وعندما كانت الدولة تشجع الشباب على الالتحاق بصفوف المجاهدين الأفغان ، ويجعلون تذكرة المجاهد مخفضة بنسبة 75 في المائة ، واستمروا على ذلك سنين طويلة ؟!!.
لماذا لم تحذروا منهم و تعلنوا عن قبوريتهم وشركهم في ذلك الوقت؟.
لماذا لم يأت هذا التحذير إلا عندما صار عدوهم : (أمريكا) ؟.
أم إن وراء الأكمة ما وراءها ؟!.
نعوذ بالله من الزيغ والهوى ، وأسأل الله تعالى أن لا يجعلنا نراقب غيره في أقوالنا وأفعالنا .
الوجه السابع : أن يقال : هب أن تلك الدولة دولة مشركين ؟. فإن فيها مسلمين موحدين في مناطق متعددة ، وهم مستهدفون أيضاً من (أمريكا) ، ولو لم يكن فيها إلا مسلم موحد واحد فقط فإن إعانة (أمريكا) عليه كفر وردة .
الوجه الثامن : أن يقال : هب أن فيها تلك المنكرات ، فإن غاية الأمر أن يكونوا كحال دولة المماليك في القرن الثامن والذين عرف عنهم تعظيم المشاهد وبنائها في مصر والشام ، وهم الذين بنوا القبة النبوية ، وانتشرت بينهم مذاهب الجهمية والاتحادية والصوفية وغيرها ، و كثير من قضاتها على هذه المذاهب البدعية ، ولكن كان أصل الإسلام موجوداً ، ولما حصل غزوهم من التتار هب علماء الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره في وجوههم – مع أن علماء تلك الدولة من الجهمية والصوفية سجنوه وامتحنوه مراراً – ووقف مواقف مشهورة في معركة (مرج الصفر) عام 702 ، وأفتى بكفر من أعان التتار على المسلمين في وقته كما سبق ، وحرّض المسلمين على قتالهم برسائل وفتاوى مشهورة.
الوجه التاسع : أن يقال : هب أن جميع من في بلاد (الأفغان) مشركون – عافاهم الله من ذلك ووقاهم وحماهم – فإن (أمريكا) قد حدّدت المرحلة الأولى في حربها ضد (الإرهاب) بـ (27) هدفاً ضد بعض جماعات المسلمين في : كشمير والفلبين ولبنان ومصر والجزائر وليبيا والصومال واليمن وأوزبكستان ، فهل هؤلاء كلهم مشركون أيضاً ؟.
الوجه العاشر : أن يقال : هب أن جميع الأهداف التي حددتها (أمريكا) في حملتها (الصليبية) هم من المشركين ، فإن هذا لا يجيز بحال من الأحوال التعاون معهم ، لأن هدفهم هو (الإسلام) بغض النظر عن (توحيد خالص) أو (مشوب بالشرك) ، وقد قدمت الأدلة على ذلك في المبحث الثالث من الفصل الأول فراجعه .
الوجه الحادي عشر : أن المتتبع لتصريحات المسئولين في (أمريكا) ، مع تحليلات الصحفيين فيها ، يرى أن ما يؤرقهم ويقض مضاجعهم هو (الدعوة الوهابية) التي (تفرّخ الأصوليين) كما يقولون ، لذلك فدعوة التوحيد هي هدفهم الأول – ولو أخروا هذا الهدف إلى حين – ، ففي صحيفة (صنداي تلغراف) 23 سبتمبر 2001 كتب الصحفي (ستيفن سكوارت) مقالاً بعنوان (المسألة كلها بدأت من العربية السعودية) ، وكان مما قاله فيه :
"وعليه فإننا يجب أن نسأل أنفسنا ما الذي جعل من هؤلاء الأفراد وحوشا؟ ما الذي يُحفّز نزعات العنف في ثاني أكبر أديان العالم (وأسرع الأديان نمواً في أمريكا) ؟" .
ثم قال : " إن الكثير منهم سوف يجيبونك بكلمة واحدة: إنها "الوهابية". إنه صنف متوتر من الإسلام ، انبثق أو ظهر ، ليس خلال الحملات الصليبية ، ولا حتى خلال حروب مقاومة الأتراك في القرن السابع عشر ، وإنما منذ أقل من قرنين فقط . إنها حركة عينفة ، إنها قليلة الاحتمال ، إنها شديدة التعصب للنموذج . لقد ظهرت في العربية السعودية ، كما أنها النظام الديني الرسمي لدول الخليج ، ثم إن الوهابية هي الاتجاه الأكثر تطرفاً في الحركة الأصولية الإسلامية ".
وقال : " الوهابية هي المقابل الإسلامي للطائفة البروتستانتية الأكثر تطرفاً. إنها حركة متقشفة وتطالب بالعقاب لأولئك الذين يستمتعون بأي نوع من الموسيقى ما عدا الدف ، وبالعقاب الصارم حتى الموت لممارسة السكر أو المحرمات الجنسية ، وهي تدين من لا يصلون بوصفهم كفاراً ، في رؤية لم يحدث أن وُجدت في السابق ، في السياق الرئيس للإسلام . إنها دعوة إلى الإسلام المجرد : صلوات وجيزة ، ومساجد غير مزخرفة ، وهدم للأضرحة (نظراً لأن المساجد المزخرفة والمقابر ، تعرض أنفسها أماكنَ للتقديس ، وهو ما يحمل معنى الوثنية في العقل الوهابي) ، والوهابيون لا يسمحون حتى لاسم النبي محمد بأن يكون منقوشاً على المساجد ، كما لا يسمحون بأن يُحتفل بعيد ميلاده ".
ومما جاء فيه : " إذا أرادت أمريكا أن تفعل شيئاً مع الإسلام الراديكالي ، فإن عليها أن تعقد اتفاقاً مع العربية السعودية . إن الدول المخادعة (العراق، ليبيا، إلى آخره) هي أقل أهمية في التوجه الراديكالي للإسلام من العربية السعودية . إن العربية السعودية هي المسبب الوحيد الأكثر أهمية ، والداعم للراديكالية والعقائدية ، والتعصب الرئيس في الإسلام ".
ونشرت صحيفة (نيويورك تايمز) مقالاً في عددها الصادر يوم الجمعة 3/8/1422 الموافق 19/10/2001 اتهمت فيه مدارس السعودية بأنها تصنع الإرهاب من خلال بثّ الأفكار المتطرفة والمعادية للغرب في عقول أبنائها ، وزعمت تلك الصحيفة الأمريكية أن كتب الدين الدراسية في مدارس السعودية تحتوي على تحذيرات للمسلمين من تكوين أي صداقات مع اليهود والمسيحيين ؛ لأنهم كفرة وأعداء لهم .
ونشرت صحيفة (شيكاغو تريبيون) في يوم الأربعاء 15/7/1422هـ الموافق 3/10/2001م مقالاً تكلمت فيه على (الوهابية) في الجزيرة العربية ، وأنها منبع الأصولية الإسلامية الحديثة ، ومما جاء في المقال : "أن الوهابية لا تتسامح مع الديانات الأخرى، وتفرض نظاماً اجتماعياً متزمتاً ".
ومما جاء فيه أيضاً : "إن السعودية اليوم هي مصدر الراديكالية الإسلامية ، وما دامت أموال النفط هي التي تمول النفوذ الوهابي وتعمل على نشره ، فستبقى للأصولية الإسلامية قاعدتها المالية والسياسية" .
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية يوم الأربعاء 24/10/2001 عن "جوزيف بيدن" رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي قوله : " إنه يجب إبلاغ المملكة العربية السعودية بضرورة التوقف عن دعم المدارس الدينية التابعة لها وإلا ستكون هناك عواقب وخيمة لها ولغيرها ". وقالت الإذاعة إن "بيدن" يزعم " أن السعوديين يوفرون جزءًا كبيرًا من تمويل المدارس الدينية المتشددة التي تمتلئ بمشاعر الكراهية للأمريكيين وتدرس المذهب الوهابي الذي من المعتقد أن يكون أسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة قد تأثر به وكذلك حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان".
فهدفهم هو (الوهابية) – مصدر التطرف والإرهاب – كما يقولون ، والله غالب على أمره.




الشبهة الثامنة
الاستدلال بقوله تعالى (إلا على قومٍ بينكم وبينهم ميثاق)

ومن الشبه التي أثيرت أيضاً قول بعضهم : إن ترك إعانة طالبان ونحوها إنما هو وفاء بالمواثيق التي بيننا وبين أمريكا لقوله تعالى) وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ) (لأنفال: من الآية72).
والجواب على هذه الشبهة من وجوه :
الوجه الأول : أن هذا الأمر في حق من ترك الهجرة وبقي في ديار الحربيين ، كما قال تعالى في أول الآية )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (لأنفال:72) ، قال ابن كثير رحمه الله (التفسير 2/330) : " قوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ ) : هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدوٍ لهم فانصروهم ؛ فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين ، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم" ، والآية ظاهرة في هذا الأمر ، فلا لبس فيه ولا إشكال ولله الحمد .
وقال القرطبي رحمه الله (التفسير 8/57) : " قوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ) : يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذكم فأعينوهم فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم ، إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته" .
الوجه الثاني : أن هذا الأمر أيضاً منسوخ كما صرح به جمع من أهل العلم ، (أحكام الجصاص 3/113) ، وقد قال ابن العربي رحمه الله (أحكام ابن العربي 2/440) :
" ثم نسخ الله ذلك بفتح مكة والميراث بالقرابة , سواء كان الوارث في دار الحرب أو في دار السلام ; لسقوط اعتبار الهجرة بالسنة , إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين ; فإن الولاية معهم قائمة , والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك , أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم , حتى لا يبقى لأحد درهم ، كذلك قال مالك وجميع العلماء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو , وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد , والقوة والجلد ".
قلت : رحمك الله يا ابن العربي ، كيف لو رأيت حالنا اليوم ؟!! .
الوجه الثالث : أن هذا الأمر إنما يكون في جهاد الطلب ، أما جهاد الدفع فليس محل خلاف مطلقاً ؛ وجهاد الدفع من أعظم الجهاد ، كما قال شيخ الإسلام (الفتاوى 28 / 359) :
" فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم , وعلى غير المقصودين , لإعانتهم , كما قال الله تعالى ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ) وكما أمر النبي  بنصر المسلم , وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال ، أو لم يكن , وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله , مع القلة والكثرة , والمشي والركوب , كما كان المسلمون , لما قصدهم العدو عام الخندق ولم يأذن الله في تركه أحداً كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو , الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج . بل ذم الذين يستأذنون النبي  ) يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً)(الأحزاب: من الآية13) ، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس , وهو قتال اضطرار , وذلك – يعني جهاد الطلب - قتال اختيار ; للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو , كغزاة تبوك ونحوها " .
الوجه الرابع : أننا لو تنزلنا درجات ، وسلمنا أن هذا الحكم غير منسوخ ، وأن بين المسلمين وبين الأمريكان (مواثيق لم ينقضوها) ، وأن هذا الأمر ليس فيمن ترك الهجرة ، فإن غايته ترك نصرة أولئك المسلمين فقط ، ولا يدل بحال من الأحوال على نصرة الكفار عليهم .


الخاتمة
واجب المسلمين في هذه الفتنة

إن الواجب على المسلم في هذه الفتنة يتلخص في أمرين :
الأمر الأول :
الاهتمام بأمور التوحيد والعناية به ، فالتوحيد رأس مال المسلم ، لا يجتاز الصراط يوم القيامة إلا به ، وقد بيّنت لنا هذه الأحداث مدى ضعف التوحيد عند الناس ، بل وعند بعض من يتشدق به من المنتسبين للعلم ، فلا بد للمسلم من أن يعرف موطئ قدميه في هذه الفتن ، فيحذر كل الحذر من موالاة أعداء الله الكفار على المسلمين ولو باللسان ، وأن هذا الشيء سيوبق دنياه – بحرب الكفار له بعد انتهائهم من إخوانه – ، ويوبق آخرته بارتداده عن دينه والعياذ بالله.
الأمر الثاني :
وجوب الوقوف مع إخوانه المسلمين في (أفغانستان) وتأييدهم بما يقدر عليه من نفس أو مال أو سلاح أو رأي أو غير ذلك ، فقد قال الله سبحانه )وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون:52). وقال تعالى )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات: من الآية10) .
وثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي  قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه).
وثبت فيهما أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره).
وثبت فيهما أيضاً عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما لأن النبي  قال (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وثبت فيهما أيضاً عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي  قال (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، ثم شبك بين أصابعه).
وقد تحالف أهل الكفر جميعهم – أخزاهم الله – على إخواننا المسلمين في (أفغانستان) ، فيجب على كل مسلمٍ الوقوف معهم والدعاء لهم ونصرتهم ، وهذا من أقل حقوقهم علينا .
فقد أمر الله تعالى بنصر المسلم وترك خذلانه ، ولا تعتبر سياسات الدول مغيرة لشرع الله ولا مخصصة له ، بل إننا نعلنها براءة إلى الله تعالى من كل سياسة تخالف أمره وتوالي أعداءه وتحارب أولياءه .
والجهاد في مثل هذه الحالة يكون فرض عينٍ على كل من يقدر عليه ، لا يستأذن فيه أحداً ، فإن هذا العدو الكافر الفاجر الخبيث قد بدأ بضرب ديار الإسلام ولا ناصر لمن ضربهم إلا الله تعالى ، وجهاده من أعظم أنواع الجهاد وأوجبها ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الفتاوى الكبرى 4/520 ):
( وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم ).
وقال : ( وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب ، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة ، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا ) .
فالله الله عباد الله في إخوانكم في (أفغانستان) !!
إياكم وخذلانهم ، فهم في أمس الحاجة إليكم .
واعلموا أن قوى الكفر ولو طال بغيها ، وانتشر خبثها ، واستطال سلطانها ، فإن لها نهاية قريبة ، والعاقبة للمتقين ، فإن الله سبحانه قد وعد – ومن أصدق من الله حديثاً – بأنه ناصر دينه ، ومعز أولياءه ، ومذل أعداءه ، ولكن لكل أجل كتاب ، وكل شيء عنده بمقدار .
وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن تميم الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله  يقول: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين ، بعز عزيز يعز به الإسلام ، أو ذل ذليل يذل به الكفر" .
وفيه عن المقداد رضي الله عنه عن رسول الله  قال : " لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام بعز عزيز ، أو بذل ذليل " .
وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله  قال : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم ، يا عبد الله ، هذا يهودي خلفي ؛ فتعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ".
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال : "لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق ، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ، فإذا تصافوا قالت الروم : خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم ، فيقول المسلمون : لا والله ، لا نخلي بينكم وبين إخواننا ، فيقاتلونهم ، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً ، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله ، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً ، فيفتحون قسطنطينية ، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون ، إذ صاح فيهم الشيطان : إن المسيح قد خلفكم في أهليكم ، فيخرجون وذلك باطل ، فإذا جاءوا الشام خرج ، فبينما هم يعدون للقتال : يسوون الصفوف ، إذ أقيمت الصلاة ، فينزل عيسى ابن مريم فأمهم ، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء ، فلو تركه لذاب حتى يهلك ، ولكن يقتله الله بيده ، فيريهم دمه في حربته".
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل ابن مريم حكماً عدلاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، وحتى تكون السجدة الواحدة خيراً له من الدنيا وما فيها" .
جعلنا الله سبحانه من أنصار دينه ، ومن أوليائه ، ورزقنا البراءة من جميع الطواغيت وأنصارهم ، ورزقنا الشهادة في سبيله ، مقبلين غير مدبرين ، صابرين محتسبين ، وحشرنا في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه
ناصر بن حمد الفهد
الرياض
شعبان 1422
رد مع اقتباس