عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-07-2019, 06:09 PM
abeer yaseen abeer yaseen غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي دور العابدات المسلمات في خدمة المجتمع

هذا المبحث يكشف عن دواعي مشاركة العابدات في خدمة مجتمعهن في صورة تكاد تطابق كليا مع ماكانت عليه المرأة علي عهد الرسول (ص) والصحابة الكرام من العلاقات المتنوعة التي أباحها الاسلام في نطاق الالتزام بتعاليمه مظهرا وسلوكا في نفسها من الالتزام بالحجاب والجدية في التعامل مع الرجال....الي ماهنالك من تلك التعاليم التي ترتقي بهذه الحياة نحو الطهارة والفاعلية
ومشاركة المرأة في خدمة المجتمع وخروجها للعمل والجهاد بالاضافة الي مهمتها الأساسية كأم وزوجة صالحة كان قائما علي فهم ووعي لمعني العبودية والوحدانية للخالق " والذي يحرر الانسان من رق العبودية لغيره ، فلا يخاف الموت ...لليقين بأن الشجاعة والاقدام ليست من اسباب تقصير العمر . بالاضافة الي الي تحرر الانسان من هم الرزق الذي يدفع الي اقتناص المال من الطرق غير المشروعة اذا لم يبلغ به الايمان درجة الاعتقاد بان الرزق في السماء محدد ومقسوم اذا التمس الانسان الأسباب في تحصيله "(1)
وعند العابدات تتجلي تلك المعاني التربوية في اسمي صورها مثل شجاعتهن في مواجهة ظلم الحكام وقد سبق تناول هذا الجانب من حياتهن ، بالاضافة الي عدم انشغالهن بهم الرزق ومن كانت علي درجة من الثراء وجدن عندها الانفاق في سبيل الله في أوجه الخير المتنوعة ، أما غير القادرات فعملن بأيديهن ، ومن خلال ذلك عملن علي ارساء قيم الورع والايجابية ونبذ التواكل ، والسعي في قضاء حاجات المسلمين علي قدر الطاعة .
مجالات المشاركة الاجتماعية للمرأة المسلمة العابدة
سنجد المرأة المسلمة العابدة اتخذت من الرعيل الأول للنساء رضي الله عنهن قدوة لها فكانت لها مساهمتها الاحتماعية من خلال :
1-المشاركة بالعمل الذي دعت اليه الضرورة
2-خدمة أفراد مجتمعها بأعمال البر والاحسان
3-المشاركة في الجهاد والدفاع عن الأمة
أولا : المشاركة بالعمل الذي دعت اليه الضرورة
العمل بالغزل
بالنسبة للجانب الأول المتعلق بالعمل ومايؤدي اليه من الخروج من المنزل فمن الواضح من خلال الروايات الكثيرة في هذا الشأن أنهن عملن ليكفين أنفسهن مؤنة العيش وذل السؤال . حيث كن من الفقر علي حظ عظيم وهنا يكون العمل من منظور الاسلام واجبا مادامت تملك المرأة الاستطاعة عليه وتلتزم باداب الشرع في ممارسته وعند الخروج من هؤلاء :
أخوات بشر الحافي حيث ذكر ابن الجوزي ت596هجرية أنهن كن يمتهن الغزل وكن يتورعن عن الحرام في كسبه ، حتي ان احداهن ذهبت الي تستفتي عبد الله بن أحمد بن حنبل في امر غزلها لطاقات علي ضوء مشعل كان يمر من أمام بيتها ، وعلي الرغم من فاقتها فانها تصدقت به خشية ان يكون في ماله شبهة حرام ، وقد اثني عليها بشر بقوله : " تعلمت الورع من اختي ، فانها كانت تجتهد ألا تاكل ماللمخلوق فيه صنع . " وكان احمد بن حنبل يقول : " من أحب ان يعرف بعده عن سبل الورعين فليدخل علي اخوات بشر الحافي ويسمع من مسائلهما ويبصر طريقتهما ...وكانوا جميعا من الورع والزهد بحال "(2). وقد ورد عن الكثير من المتعبدات القيام بهذه المهنة ربما لانها الاكثر ملائمة لطبيعة المرأة في ذالك الحين وقد ذكر بن الجوزي عن احدي عابدات بيت المقدس أنها ونسوة معها كن يحملن مغازلهن الي المسجد فلا يخرجن منه الا لحدث أو الحاجة (3).
كما كان هناك العمل بالرعي ومن اشهر القائمات بذلك ( ميمونة السوداء ) التي كانت ترعي أعنزا لها ، بالاضافة الي العمل بالرضاعة كما فعلت معاذة العدوية مع رضيعتها ( ام الاسود ) وماكان من امر وصيتها لها بتحري الحلال في الرزق وكانت أم الاسود تقول : "ماأكلت شبهة الا فاتتني فريضة أو ورد من أورادي "(4).
العمل بالخدمة المنزلية
ووجدت عند الكثير من العابدات العمل بالخدمة المنزلية عند من هي علي شاكلتها في التقوي والصلاح ونلمح من خلال ذلك حسن المعاملة وتلاشي الحواجز النفسية بين السيدة وخادمتها ولم يبق سوي الاخوة الايمانية والاجتماع علي محبة الله وعبادته بالاضافة الي ان هذا العمل بالخدمة المنزلية كان فرصة لان تنهل الخادمة من علم سيدتها وقد حوت كتب التراجم الكثير من النماذج في هذا الصدد منها علي سبيل المثال لا الحصر :
-خدمة ( كردية بنت عمرو البصرية ) لشعوانة العابدة الابلية ، وكانت استاذتها في العبادة ومعينة لها علي ادائها وتحكي عنها قائلة : " بت ليلة عند شعوانة فركضتني وقالت : قومي ياكردية ، ليس هذا دار نوم انما النوم في القبور " وقد سئلت ك مالذي اصابك من خدمة شعوانة ؟ قالت : ما احببت الدنيا منذ خدمتها ولا اهتممت لرزقي ولا عظم في عيني احد من أرباب الدنيا لطمع لي فيه وما استصغرت أحد من المسلمين قط "(5).
ووجدت الخدمة من بعض العابدات لكبار العباد والرواية عنهم منهن : ( أمة الحميد بنت القاسم ) التي كانت تخدم ( ابا سعيد الخراز ت 286هجرية )ومما روته عنه قوله لها حين طلبت منه الوصية : " راقبي الله تعالي في سرك واتبعي اوامره علي ظاهرك ، واجتهدي في قضاء حوائج المسلمين والقيام بخدمتهم ، تصلي بذلك الي مقام الأبرار ان شاء الله تعالي(6).
وعلي شاكلتها كانت ( فاطمة ) التي خدمت ( ابي حمزة الخراساني ت 295هجرية ) وهو من افتي المشايخ واورعهم ، والجنيد ت 297 وهو من ائمة القوم وسادتهم ، والنوري ت295 هجرية وهو من أجل مشايخ القوم وعلمائهم وقد روت عنهم جميعا "(7)
كما خدمت (عنيزة العابدة ) – والتي كان لها كلام حشن عن العلم والمعرفة وكان الناس يطلبون منها الوصية - أبا محمد الجريري ت 259 هجرية وكان من كبار اصحاب الجنيد واقعد بعده في مجلسه لتمام حاله وصحة علمه(8)
العمل بالتجارة
ورد عن بعض العابدات العمل بالتجارة ، ووبلغ بهن الورع انه كان حين يتسع رزقها ويزداد تخشي ان يكون ذلك فتنة لها من الله أو من المكر الخفي ، وحين يحدث العكس من خسارة لتجارتها يبلغ بها الرضا حدا كبيرا لانها تدرك ان في المصائب تلك وامثالها كفارة للمؤمن عن الخطايا (9).
من كل ماسبق يتضح ان العابدات المسلمات مارسن العمل المتنوع بكل نشاط كما كان الصحابيات رضوان الله عليهن فعملن بالغزل والرعي والرضاعة والتجارة والخدمة المنزلية وخدمة الفقراء وكذلك الزراعة وكن في كل ذلك علي حظ عظيم من الايمان والصلاح حيث كن قدوة في نبذ التواكل او القعود والكسل وانما التماس اسباب الرزق والورع في طلبه عن الحرام فكن قدوة يحتذي بهن في هذا الصدد .
ثانيا : خدمة المجتمع بالعمل التطوعي في أعمال البر المتنوعة
ان من ابرز مايوطد العلاقة بين افراد المجتمع ويحقق التكافل بين افراده هي اعمال البر ، وهذا المجال ساهمت فيه العابدات اللاتي كن علي درجة من الثراء ، وذلك انطلاقا من تعاليم الدين الحنيف التي تقر بأن في أموال الأغنياء حقا للفقراء والمساكين فقال تعالي : ( والذين في اموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم ) المعارج : اية 24 ، 25 . وحذر سبحانه المتهاونين في أداء هذا الحق فقال تعالي : ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني الي اجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) المنافقون : 10
والبر كما يقول الماوردي : هو من اسباب الألفة ، وقد قرنه سبحانه بالتقوي فقال تعالي : ( وتعاونوا علي البر والتقوي ) المائدة : 2 لأن في التقوي رضا من الله تعالي وفي البر رضا الناس ومن جمع بين رضا الله تعالي ورضا الناس فقد تكمت سعادته(10).
وتحمل كتب التراجم سير العديد من النساء لاحصر لهن ارتقين مكانة عليا في أعمال البر من هؤلاء :
( فرح بنت يشبك ) وهي من عابدات مصر ( وأم القاسم ) خالة والد السخاوي وكلتاهما ساهمتا في بناء المساجد والمدارس والملاجئ للأرامل والأيتام والنسوة المنقطعات بلا عائل ووصلت بهن الرحمة والشفقة التي حث عليها الاسلام بان جعلت من بيتها ملجأ لهن ، وساهمت في تعليم نساء المسلمين ومحو أميتهم (11) . وهؤلاء بعض من كثر عرف عنهن القيام بهذه الاعمال الجليلة .
وكانت ( شجاع ام المتوكل علي الله )ت 248هجرية من ربات البر والاحسان والعبادة والصلاح ، ذات مال عظيم تخرج من الصدقة في السر علي يد كاتبها ( أحمد بن الخطيب ) وكانت تأمر لكل رجل من الطالبيين والعباسيين بألف درهم ولأبناء المهاجرين بخمسمائة ولكل امرأة من الهاشميات بخمسمائة "(12) .وهذا دليل علي السماحة وسعة الصدر التي تحلت بها وانعكس في محاولتها من خلال تبرعها هذا الي تاليف القلوب بين الأخوة الذين فرقت بينهم الشحناء والبغضاء .
الوصية والوقف
وحقيقة الوقف هو تحبيس الأصل وتسييل المنفعة علي بر أو قربة ....والاصل أن يكون لأجل التقرب الي الله (13). ولزهد العابدات في الدنيا وحرصهن علي رضا خالقهن والفوز بجنته حرصن علي القيام بالوقف علي العديد من نواحي البر مثل مساهمتهن في تنشيط الحركة العلمية ببناء مؤسساتها كما فعلت ( عصمت الدين بنت معين الدين ت581هجرية ) فقد أوقفت دار دار الحديث النبوية ورتبت للفقراء وبنت للفقهاء والصوفية بدمشق مدرسة ورباطا ، وأوقفت علي هذه الأماكن اوقافا كثيرة . وقيل لما بلغ ( صلاح الدين ) موتها وهو مريض فتزايد مرضه لموتها ومات بعدها(14) .
وعلي شاكلتها ( مريم بنت محمد بن عبد الله الفهري ) والتي شيدت جامع الاندلس وانفقت علي بنائه جميع مالها الموروث عن ابيها ، ودرس بذلك الجامع جملة من الفقهاء والعلماء(15)
ولقد بلغ من حبهن للانفاق في سبيل الله أن صرحت ( ام البنين بنت عبد العزيز بن مروان ) قائلة : " ماحسدت احدا قط علي شئ الا أن يكون ذا معروف فاني كنت أحب أن أشركه في ذلك. وكانت تعتق في كل جمعة رقبة "(16)
خدمة الفقراء والمساكين
وقد وجدنا عند العابدات المسلمات خدمتهن للفقراء والحث عليها ، واعتبار ذلك من خلق الفتوة كقول ( فاطمة الخانقهية ) : بأنها القيام الي الخدمة من غير تمييز ، وكانت فاطمة متعهدة للفقراء(17) . ومثلها ( آمنة المرجية ) التي تقول : " خدمة الفقراء فيها نور القلب وصلاح السر "(18). والعابدات القائمات بتلك الخدمة للفقراء خالصة لوجه الله من الكثرة التي لايحصين في الكثير من كتب التراجم وغيرها .
المشاركة في الجهاد
تمثلت تلك المشاركة في الجهاد ضد اعداء الأمة والدفاع عنها بمؤازرتهن المادية وحث الابناء علي الجهاد والثبات في المعركة والاستبشار باستشهادهم كما وجدنا ذلك سابقا عند الخنساء واسماء ومعازة العددوية وعلي دربهن صارت المرأة المسلمة العابدة من تلك النماذج الفضليات علي سبيل المثال لا الحصر :
ماروي عن احدي العابدات انه اتاها نبأ استشهاد بنيها يوم تستر ، فسألت من اتي اليها بنعيهم ، قائلة : أممقبلين أم مدبرين ؟ فقال : مقبلين . فقالت : الحمد لله نالوا الفوز وحاطوا الزمار(19) . وحاطوا الزمار معناها دافعوا عن جماعة المسلمين بشجاعة
وعابدة اخري يطلب منها ابنها وهو مازالا غلاما ان يذهب للجهاد فتثنيه عن رغبته في لين لصغر سنه ، وحين وجدت عنده اصرار ورغبة صادقة شجعته فأبلي بلاءا حسنا في المعركة حتي استشهد وصبرت عليه الصبر الجميل(20)
وتطلعنا الروايات عن صورة فريدة لعابدات مسلمات جعلن حب الله ورسوله والدفاع عن الدين والارض احب اليها من فلذة كبدها حين يكون خائنا من ذلك ماكان من ( ( زمرد بنت حاولي ) مع ابنها فحينما تيقنت من خيانته لله ورسوله وتمكينه للاعداء الفرنج من بلاد المسلمين ، أمرت غلمانها بقتله ، وقد عرفت بانها من ربات العقل والحزم والصلاح والبر والاحسان(21)
وعلي شاكلتها كانت (عائشة الحرة ) والدة آخر ملوك غرناطة أبو عبد الله الصغير الذي اشتهر بكونه اخر ملك مسلم في بلاد الاندلس وقد لعبت تلك المراة الصالحة دورا مهما في انقاذ عرش عرناطة من مؤامرات ضرتها ( ثريا الرومية ) وثبات الغرناطيين أمام النصاري وخاصة في بعث روح المقاومة لدي ابنها الملك ( أبي عبد الله الصغير ) وقد اعتقد النصارى أنه سيسلم لهم مفاتيح البلاد دون مقاومة. لكن هنا ظهر الدور الكبير لعائشة الحرة التي حرّضت ابنها على المقاومة. وفعلا استجاب أبو عبد الله الصغير للتحريض وظهرت منه بطولات محترمة في جهاد الإسبان لكن هذا لم يمنع من الاستسلام أخيرا للقوة الإسبانية. بعد هذا الاستسلام خروج أبي عبد الله متحسرا باكيا من غرناطة فقالت له أمه عائشة الحرة
«ابكِ مثل النساء ملكاَ مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال"
احتفظ الإسبان إلى يومنا هذا باحترام وتقدير لهذه المرأة وألفوا حولها القصص والأساطير وحافظوا على منزلها في حي البيازين الشهير بغرناطة المعروف اليوم بقصر دار الحرة (22)
الآداب الاجتماعية
من الملاحظ ان العابدات من خلال تفاعلهن مع نبض حركة مجتمعهن واحتكاكهن الفعال به قد كشفن اللثام عن الآداب الاجتماعية التي حث عليها الاسلام والانطلاق بها من حيز التعاليم النظرية الي التطبيق ا لعملي في واقع الحياة وقدوتهن في ذلك أمهات المؤمنين ونساء الصحابة . ومما ساعد علي بروز تلك القيم الاخلاقية ايضا " البيئة الاجتماعية المتمثلة في المنزل والمدرسة والمسجد ، ولاشك أن لها اهميتها في بناء العلاقات بين الأفراد علي اساس من السلوك الحسن والتعود علي الفضائل "(23). وهذه العوامل مجتمعة مثلت جذورا غذت العابدات بهذا المنهج النبوي بداية من " الاسرة التي تعتبر المدرسة الاولي التي يتخرج في رحابها الأبناء الصالحون والبناء الصالحات ، وقد مثلت نموذجا مثاليا لتغذية الصغار بالصفات الخلقية عن طريق الممارسة اليومية من سلوك الوالدين "(24)
ولما كانت الأسرة المسلمة علي عهد الرسول (ص) وصحابته تمثل محضنا مثاليا لغرس قيم الاسلام النبيلة من خلال مراعاة الآداب الاجتماعية المتنوعة من التعاون والايثار والمواساة وزيارة المرضي والقيام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انطلاقا من الأخوة الدينية يتساوي في القيام بتلك الواجبات المراة والرجل .
أداء واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقد حظي هذا الجانب عندهن بحظ عظيم لدرجة ان هناك من اوجبت القيام به لكل انسان بصورة عامة وان كان الأفضل والمستحب لديها أن يكون الانسان متوافق قوله مع فعله فلا يأمر بشئ ولايفعله او العكس واستهجن الله سبحانه ذلك فقال تعالي عن بني اسرائيل ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) وعن هذا تقول احدي عابدات البحرين لعبد الواحد بن زيد : " مر أيها المرء بالبر وان لم تستطعه ، واحذر ان تنهي عن الشر وتأتيه ولود ابليس أنه قدر علي جميع الخلق فلم يبق أحد يحض علي طاعة الله "(25)
والذي يتسع ليشمل كل مايخص الانسان سواء في عمله الدنيوي أو الاخروي ، ويعتبر من أهم الوسائل في تكوين الفرد عقديا وخلقيا واجتماعيا ونفسيا . وهو يعني ان بامكان الانسان حين يمتلك قوة الارادة أن يغير سلوكه وأخلاقه نحو الأفضل والا لما حث الشرع عليه فقال تعالي : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) التوبة : 71 . ومن النساء اللاتي قمن بهذا الدور في العهد النبوي ( سمراء بنت نهيك ) التي كانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتضرب الناس علي ذلك بسوط كان معها "(26)
وكذلك كانت ( الشفاء بنت عبد الله ) التي ولاها عمر شيئا من أمر السوق وكان يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها(27). وعلي سبيل الاقتداء فقد قامت المرأة العابدة بهذا الدور في مواقف كثيرة من ذلك :
الحث علي مراعاة اداب الطريق
فقد روي عن احدي العابدات انها اثناء خروجها تعرضت لمن يريد ان يراودها عن نفسها فقالت له : " ويلك اما لك زاجر من عقل ان لم يكن لك ناه من دين ؟ فقال لها الرجل : والله مايرانا الا الكواكب ، فقالت : واين مكوكبها "(28) واخري يسالها رجل قائلا : أريد مودتك ، فترد عليه قائلة : دع ذلك ليوم التغابن ، يقول : فأبكتني والله فما عدت الي ذلك "(29)
وعابدة اخري تنصح احد الرجال بغض البصر حين راته يطيل النظر اليها قائلة له : " قد نقل الينا عن صاحب يثرب (ص) أن زنا العينين النظر ، وما اردت بهذا أن أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لكي لاتعود لمثل هذا "(30)
بالاضافة الي ماسبق فلم تتواني المراة المسلمة الصالحة عن اداء هذا الدور حتي في أحلك الظروف كما وقفت السيدة ( عائشة ) رض الله عنها علي قبر ابيها معددة محاسنه وفضائله وتعظ الناس ، كذلك فعلت ( ام نهار العدوية ) فقد وقفت علي قبر رجل كان يدفن مذكرة الناس بالموت والآخرة فقالت : " أيها الناس انكم منالله عز وجل في نعمة وستر ومن الناس بمحل تزكية ، فاياكم ومصاداة زخاريف الرخاء الرخاء فانها ليست من صفة الألباء ، فأجلوا شماذير الغفلة عن قلوبكم وتأملوا أهل هذه العرصات الخرس والربوع الصموت فاحيوا بموتهم وتيقظوا لغفلاتهم وخذوا خوفكم من امنهم وحذركم من غرورهم ، وانظروا بهم الي أثر البلي في أجسامكم والخراب في مساكنكم ، رحم الله امرأ أبصر فتدبر واتعظ فاعتبر وعمل ليوم الحساب وخشي وقت العقاب "(31)
ونلاحظ مما سبق أن الوعظ للآخرين كان يتم بالرفق واللين حيث ان هذا الأسلوب له تأثير طيب علي النفس ويدفع الانسان لتغيير سلوكه نحو الافضل خاصة اذا اقترن الوعظ بدلائل من الكتاب والسنة وكان العابدات علي علم واسع وفقه بهما بالاضافة الي شجاعتها وقوة شخصيتها مما جعلها تقوم بهذا الدور بكل سهولة ويسر .
اجابة السائل
من الآداب الاجتماعية التي راعتها المرأة المسلمة العابدة أنها كانت تلبي دعوة السائل ولاتستغل عوزة واحتياج من يمر بضائقة مادية اعمالا لقوله تعالي : ( ويطعمون الطعام علي حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) الانسان : 8 ، ( وأما السائل فلا تنهر )الضحي :10 بالاضافة الي الكثير من الاحاديث النبوية التي تحض علي هذا وحسن مثوبة القائمين بذلك منها علي سبيل المثال لا الحصر قول رسولنا (ص) : "مانقص مال من صدقة " ومن فضائل وفوائد الصدقة : أولًا: أنّها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن صدقة السر تطفىء غضب الرب تبارك وتعالى» [صحيح الترغيب]. ثانيًا: أنّها تمحو الخطيئة، وتذهب نارها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفىء الماء النار» [صحيح الترغيب].


من هنا لاعجب ان نري نماذج لكثير من العابدات يتبارين في هذا الأمر بصور فريدة ابتغاء رضي الله منذلك علي سبيل المثال لا الحصر ماروي " عن احدي عابدات البوادي أنه أتاها نفر يسألونها بيع شاة فقالت : ماكنت لأبيع ابن السبيل شيئا ولكن خذوها علي معند الله . فقال ابن السماك : رحمها الله فقهت في بدوها "(32)
المواساة في الأحزان
فكانت المشاركة للآخرين في السراء والضراء جليا عندهن وهي اداب اسلامية اصيلة اوجبها الله ورسوله علي كل مسلم رجلا كان او امراة " فقد زارت العابدة ( آمنة الرملية ) بشر بن الحارث حين اعتل ، وانها لعنده اذ دخل أحمد بن حنبل يعوده فقال : من هذه ؟ فقال : هذه آمنة الرملية بلغها علتي فجاءت من الرملة تعودني . قال : فسلها تدعوا لنا . فقالت : اللهم ان بشر بن الحارث واحمد بن حنبل يستجيرانك من النار فأجرهما "(33)
في المقابل كان الناس يواسين العابدات في مصابهن وكل مايلم بهن من احزان أو مرض فلا يجدن منهن الا الصبر الجميل من ذلك : ماروي عن العابدة ( زينب الطبرية )حيث اجتمع الرجال والنساء يواونها في اصبعها حين قطع فقالت : يا اخوتي واخواتي أنساني لذة ثوابها وجعها ، فوهب الله لي ولكم الرضا والعفو عما مضي (34).
ورابعة العدوية حين تسأل : "متي يكون العبد راضيا ؟ فقالت اذا سرته المصيبة كما سرته النعمة" (35). وعلي شاكلتها العابدة ( ام الأسود بنت زيد العدوية ) حين سئلت عن قول الله تعالي : ( فاصفح الصفح الجميل ) فقالت رضا بلا عتاب(36)
والسيدة نفيسة رضي الله عنها تثني علي الصبر بمفهومه الايجابي الذي يعني الصبر علي البلاء الذي يقع بالمؤمن من مرض مما لايستطيع دفعه ، وكذلك الصبر علي مشقات طريق مدافعة الباطل واهله وليس الصبر بمعني الاستسلام والوهن والضعف امام كل ظالم فتقول : " الصبر يلازم المؤمن بقدر مافي قلبه من ايمان ، وحسب الصابر ان الله معه . وعلي المؤمن أن يستبشر بالمشاق التي تعترضه فانها سبيل لرفع درجته عند الله وقد جعل الأجر علي قدر المشقة . ( والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم )البقرة : اية 261(37)
وفي هذا المعني تقول العابدة ( ام علي ) : " دعا الله تعالي الخلق اليه بأنواع البر واللطف فما اجابوه ، فصب عليهم أنواع البلاء ليردهم بالبلاء اليه لأنه أحبهم"(38) . ( وسوية العابدة ) تناجي ربها قائلة : " الهي خلقت سوية من طينة لازبة ، غمرتها بنعمتك تغدوها من حال الي حال وكل أحوالك لها حسنة ، وكل بلائك عندها جميل "(39)
فالرضا معني حصوله انتهاء الأزمات النفسية الناتجة عن القوي المتجاذبة التي تحاول أن تأخذ بتلابيب العبد نحو الحياة في اتجاه الهوي(40). "وهو وان لم يجيء الأمر به كما جاء الأمر بالصبر الا ان الله مدح واثني علي أصحابه ، مما يدل علي أنه في مقدور البشر اكتسابه وهو يمثل نهاية التوكل "(41)
المراجع :
1- منهج الاصلاح الاسلامي في المجتمع : د. عبد الحليم محمود ، ص 107 ، 108
2- صفة الصفوة ج2/524-526 ، ذكر النسوة المتعبدات ص 88 ، وفيات الاعيان : لابن خلكان ج1 / 276
3- صفة الصفوة ، ج2/ص844
4- ذكر النسوة المتعبدات ، ص40
5- المرجع السابق ، ص 48
6- المرجع نفسه ، ص 69
7- المرجع نفسه ص 37 ، الرسالة القشيرية ص 147
8- المرجع السابق ص 118 ، طبقات الصوفية ص 259
9-صفة الصفوة ج2/ترجمة 658
10-أدب الدنيا والدين : للماوردي ص 225
11-اعلام النساء ج4/ص183
12- المرجع السابق ج2/ص286 مقتبس من ( النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ، شذرات الذهب : لابن العماد )
13- تاريخ التربية الاسلامية : د. مجاهد توفيق الجندي ، ص241
14- اعلام النساء ، ج3/ص285
15-المرجع السابق ، ج2/ص42
16- المرجع السابق ج1/ص153
17-المرجع السابق ص 123
18-المرجع نفسه ص 122
19- صفة الصفوة ج2/ص946
20- المرجع السابق ص 175
21- اعلام النساء ج2/ص37
22- ويكيبديا ( عائشة الحرة ) وينظر الي : أبو عبد الله الصغير والفردوس المفقود : موقع قصة الاسلام ، د ز راغب السرجاني
23- المنهج العلمي وتفسير السلوك : د. محمد عماد الدين اسماعيل ، ص 209
24- الحل الاسلامي فريضة وضرورة : د. يوسف القرضاوي ،ص 62
25- صفة الصفوة ج2/ترجمة 656
26- أعلام النساء ج2/ص260 نقلا عن الاستيعاب : لابن عبد البر
27- المرجع السابق ، ص30
28- صفة الصفوة ج2/924
29- المرجع السابق
30- المرجع السابق ،ج2/172
31- صفة الصفوة ج2/ترجمة 932
32- صفة الصفوة ،ج2/923
33- المرجع السابق ، ترجمة 828
34- المرجع السابق ترجمة 811
35- الرسالة القشيرية ، ص 424
36- ذكر النسوة المتعبدات ،ص47
37- مسلمات خالدات ، ص 50
38- ذكر النسوة المتعبدات ،ص 76
39- صفة الصفوة ج2/171
40- نشأة التصوف الاسلامي ، ص139
41- مدارج السالكين : ابن قيم الجوزية ج2/113
رد مع اقتباس