عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-08-2008, 01:53 PM
وعــــــــــــد وعــــــــــــد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
الدولة: The land of Dilmun
المشاركات: 22
Red face الصيام والصحة النفسية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الصيام تعريفاً هو إمساك النفس وكفها. إنما ليس عن الطعام فحسب، بل أيضاً عن الإندفاع بعاطفة الشهوات. يعني عن اللحاق بركب الرغبات، والميول الأنانية والفردية، وهذا يدخل في صميم علم النفس.


أهمية الصحة النفسية:

ولا ننس العلاقة الوثيقة بين الصحة النفسية والصحة الجسدية. وقديماً قال أفلاطون:"العقل السليم في الجسم السليم".

ونحن نعرف أن الصحة البدنية تنعكس إيجاباً على الصحة النفسية والعكس صحيح!!

فصحيحُ البنية يتميز بصفاء النفس، بينما العليل يسوء مزاجه. كذلك فالمرتاح نفسياً يشعر بالحيوية والنشاط الجسدي، بينما المضطرب نفسياً تتحول معاناته النفسية إلى أمراض جسدية.

فكم من المرضى عجز الطب الجسماني عن تشخيص عللهم، ولم تُعرف أسباب مرضهم، ولم يتم شفاؤهم إلا عن طريق الطب النفسي .

فترى مثلاً المصاب بشلل أو بصعوبة في النطق، أو انحطاط جسدي أو فقدان الشهية أو انقطاع الأكل، لا نجد سبيلاً إلى شفائه إلا من خلال تصحيح وضعه النفسي وإيجاد الأسباب النفسية الكامنة وراء هذه العوارض المرضية.

إن ما نعنيه بالصحة النفسية هو الاتزان النفسي المؤدي إلى التصرف الطبيعي .

فما هي علاقة الصيام بهذا الاتزان؟

الصوم والإرادة:

الإنسان المتزن نفسياً هو الإنسان المعتدل، أي الذي يملك زمام السيطرة على أمره والسيطرة على ذاته. إنه سيد نفسه، غير المنحرف، وغير المُستعبد من شهوة، أو شغف أو رغبة جامحة أو ميل منحط...

الإنسان المتزن هو الذي تتوفر فيه أهم مقومات الصحة النفسية ألا وهي "الإرادة".

والإرادة هي التصميم على فعل شيء ثم العزم عليه، ثم تنفيذه. وكل فعل لا ينتهي بالتنفيذ لا يكون فعلا إرادياً. كأن يعزم المسلم على صوم شهر رمضان، ثم إذا حل الشهر لا ينفذ عزمه ولا يصوم، فعدم التنفيذ هنا يلغي الفعل الإرادي.

أما من يكتمل تصوره عن فضيلة الصوم، فيعزم على أداء الفريضة، ثم ينفذ عزمه بتناول السحور والإمساك، والكف عن المفطرات طوال يومه حتى الإفطار. هنا يتجلى في عمله الفعل الإرادي الكامل .

من هنا وجب التمييز بين الرغبة والإرادة . فكثيرون منا يخلطون بين فعل الرغبة وفعل الإرادة. كأن نقول: إن من لا يرغب في الصوم لا يصوم، وإن من لا يرغب في الصلاة لا يصلي. وإن من يسافر عليه ان يكون قد رغب بترك بلده ...

صحيح أن الإرادة تقوم على أساس الرغبات، فالصائم ينفد رغبته في طاعة ربه، والمتخصص في الطب ينفذ رغبته في أن يكون طبياً، وإن من لا يرغب في شيء هو في النهاية إنسان نكرة لا يريد شيئاً.

لكن حذار من تحويل الارداة إلى رغبة، فالإرادة في كنهها تعني المنع، والإمساك عن الرغبات يعني عدم الانجرار خلف الرغبات. يعني مقاومة الميول والمغريات، والوقوق بحزم بوجه ما يغري ويهيج ويغوي، ويدعو للإنحراف ومرضاة الشيطان.

الفعل الإرادي إذن، وإن ارتبط برغبة، هي رغبة مُثلى لا رغبة سُفلى، جوهره الموقف الصلب، الحازم، والمناوئ لكل أعمال الإفساد والانحراف والانجرار خلف الميول والرغبات العابرة والدنيوية والجسدية.

فالفعل الإرادي هو فعل العقل المتحكم بالرغبات، المميز غثها من سمينها، المحقق للمنزهات منها، بهدف خدمة القيم الأخلاقية، الفردية والاجتماعية.

والإنسان المتميز بإرادته هو ذلك الذي يبقى يبتسم رغم حزنه، ويبقى هادئاً رغم غضبه، ويبقى يعمل رغم تعبه.

هذا الفعل الإرادي الذي يتحلى بهذا المستوى من الترفع، هو العمل الذي يقترب فيه الإنسان من خالقه، كما يقول الفيلسوف العلم رينيه ديكارت.

وبناء عليه فإن المسلم الصائم يمارس أعلى مستويات الفعل الإرادي. إنه إذ يمسك عن الطعام، فيرى المآكل الشهية لا تجذبه، وإذ يكف عن الشهوات يرى المغريات لا تشده، وإذ يمتنع عن الشرور، فيكبح جماح نفسه، ويتوجه بكليته إلى ضبط النفس، والتحكم بجسده، والترفع عن كل ما يغوي، والصبر على الحرمان النفسي والجسدي.. إنه اذ يفعل ذلك كله، يقوم بعملية تدريب لإرادته يفوق أي تدريب، فتقوى شخصيته، ويشتد بأسه، ويصبح نموذجاً للإنسان العارف والعامل؟

تغيير العادات المألوفة:

الصيام إذاً هو مصنع الإرادات، والفعل الإرادي هو في قمة الأفعال الإنسانية. إضافة إلى أن الفعل الإرادي هو وليد ممارسة فريضة الصيام فإنّ هذا الفعل يقترن بحالة أخرى من حالات الصحة النفسية، ليست بأقل أهمية . إنها حالة التحرر والتخلص من العادات اليومية المألوفة.

إن الروتين اليومي العام في غير شهر الصوم، هو تناول الوجبات الثلاث، بمواعيد محددة، بالإضافة لأعمال روتينية أخرى، ذات طابع فردي، وتشمل المحللات والممنوعات.

يأتي الصيام ليشكل صدمة لهذه المألوفات كالصدمة التي يواجه فيها الطبيب النفسي مريضه، ليشفيه من عقده النفسية، ويفرض الصيام عادات جديدة، محكومة بتقسيم جديد للزمان، واستعمال مختلف للوقت، وإن كان على مدى شهر فقط، فمريض العادات على مدى أحد عشر شهراً في السنة، تكفيه صدمة تغيير شهر واحد.

يقول الأديب الفرنسي جان جاك روسو: "إن أفضل عادة يكتسبها الطفل هي أن لا نتركه يكتسب أية عادة، لما للعادات، أي الأعمال الروتينية المتكررة يومياً من سيئات، فهي تمنعه الخلق والإبداع والتجديد، وتجعل الإنسان أسير ممارساته وانفعالاته، وحتى طريقة تفكيره ..".

نحن لا نجاري روسو تماماً في طرحه، وإن كنا معه بلا تحفظ في الابتعاد عن العادات السيئة، إلا أن هناك عادات جميلة تساعد الإنسان في تكيفه مع بيئته ومع نفسه.

وفضيلة الصوم على هذا الصعيد، هي أنه من جهة يحررنا من عادات مألوفة، أي يطرح عندنا ضرورة تغيير العادات، ومن جهة ثانية فهو ينمي فينا عادات فاضلة ضرورية، كالتعود على الانضباط، والتعود على الأمانة وغيرها من العادات.

فالصائم الذي يتقيد بمواقيت معينة للأكل والشرب والإمساك وبطرائق معينة للممارسات، كالكف والامتناع أو الفعل أو الإقدام، يمارس أعلى درجات ضبط النفس. كما أن الصائم الذي لا يمنعه عن المفطرات إلا ارتباط أمانة خفي بينه وبين ربه، يتعلم ويتعود كيف يكون أميناً مع نفسه، وأميناً مع إخوانه، وفي كل مجالات حياته .


بينات*
رد مع اقتباس