عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 18-04-2008, 11:07 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,555
افتراضي

الأشعار المحكمة وأضدادها ص37-44
ونذكر الآن أمثلة للأشعار المحكمة الرصف، المستوفاة المعاني، السلسة الألفاظ، الحسنة الديباجة، وأمثلة لأضدادها. وننبه على الخلل الواقع فيها، ونذكر التي قد زادت قريحة قاثليها فيها على عقولهم، والأبيات التي أغرق قائلوها فيما ضمنوها من المعاني، والأبيات التي قصروا فيها عن الغايات التي جروا إليها في الفنون التي وصفوها، والقوافي القلقة في مواضعها، والقوافي المتمكنة في مواقعها، والألفاظ المستكرهة، النافرة الشائنة للمعاني التي اشتملت عليها، والمعاني المسترذلة الشائنة للألفاظ المشغولة بها. والأبيات الرائقة سماعا، الواهية تحصيلاً، والأبيات القبيحة نسجاً وعبارة، العجيبة معنى وحكمة وإصابة.
سنن العرب وتقاليدها
وأمثلة لسنن العرب المستعملة بينها، التي لا تفهم معانيها إلا سماعاً، كإمساك العرب عن بكاء قتلاها حتى تطلب بثأرها، فإذا أدركته بكت حينئذ قتلاها. وفي هذا المعنى:
من كان مسروراً بمقتل مالك=فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء جواسراً يندبنه=يطلمن أوجههن بالأسحار
قد كن يكنن الوجوه تستراً = فالآن حين برزن للنظار
يقول: من كان مسروراً بمقتل مالك فليستدل ببكاء نسائنا وندبهن إياه على أنا قد أخذنا بثأرنا وقتلنا قاتله.
وككيهم إذا أصاب إبلهم العر والجرب السليم منها ليذهب العر عن السقيم. وفي ذلك يقول النابغة متمثلاً:
يكلفني ذنب امرئ وتركته = كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكحكمهم إذا أحب الرجل منهم امرأة وأحبته، فلم يشق برقعها ولم تشق هي رداءه فإن حبهما يفسد، وإذا فعلاه دام أمرهما. وفي ذلك يقول عبد بني الحسحاس سحيم:
فكم قد شققنا من رداء محبر=ومن برقع عن طفلة غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد مثله =دواليك حتى كلنا غير لابس
وكتعليقهم الحلي والجلاجل على السليم ليفيق. وفي ذلك يقول النابغة:
يسهد من ليل التمام سليمها=لحلى النساء في يديه قعاقع
ويقول رجل من عذرة:
كأني سليم ناله كلم حية =ترى حوله حلي النساء موضعا
وكفقئهم عين الفحل إذا بلغت إبل أحدهم ألفا، فإن زادت عن الألف فقأوا العين الأخرى، يقولون إن ذلك يدفع عنها الغارة والعين. وفي ذلك يقول قائلهم يشكر ربه على ما وهب له:
وهبتها وأنت ذو امتنان=يفقاً فيها أعين البعران
وقال بعض العرب ممن أدرك الإسلام يذكر أفعالهم:
وكان شكر القوم عند المنن=كي الصحيحات وفقاً الأعين
وكسقيهم العاشق الماء على خرزة تسمى السلوان فيسلو، ففي ذلك يقول القائل:
يا ليت أن لقلبي من يعلله=أو ساقياً فسقاه اليوم سلوانا
وقال آخر:
شربت على سلوانه ماء مزنة=فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو
وكإيقادهم خلف المسافر الذي لا يحبون رجوعه ناراً، ويقولون: أبعده الله وأسحقه. وأوقد ناراً إثره. وفي ذلك يقول شاعرهم.
وذمة أقوام حملت ولم نكن = لنوقد ناراً إثرهم للتندم
وكضربهم الثور إذا امتنعت البقر من الماء، ويقولون إن الجن تركب الثيران فتصد البقر عن الشراب. قال الأعشى:
فإني وما كلفتموني وربكم=ليعلم من أمسى أحق وأحوبا
لكالثور والجني يركب ظهره=وما ذنبه أن عافت الماء مشربا
وقال نهشل بن حري:
أتترك عامر وبنو عدي=وتغرم دارم وهم براء
كذاك الثور يضرب بالهراوي=إذا ما عافت البقر الظماء
وكزعمهم أن المقلات - وهي التي لا يبقى لها ولد - إذا وطئت قتيلا شريفاً بقي ولدها. وفي ذلك يقول القائل:
تظل مقاليت النساء يطأنه =يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
وقال الكميت:
وتظل المؤزرات المقاليت=يطلن القعود بعد القيام
وإنما يفعل النساء ذلك بالشريف إذا كان مقتولاً غدراً أو قوة.
وكزعمهم أن الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحب الناس إليه ذهب عنه الخدر.
وقال كثير:
إذا خدرت رجلي ذكرتك أشتفي=بذكرك من خدر بها فيهون
وقالت امراة من بني بكر بن كلاب:
صب محب إذا ما رجله خدرت =نادى كنيسة حتى يذهب الخدر
وكحذف الصبي منهم سنه إذا سقطت في عين الشمس، وقوله، أبدليني بها أحسن منها، وليجر في ظلمها إياتك.
سقته إياه الشمس إلا لثاته =أسف ولم يكمد عليه بإثمد
وقال أبو دؤاد:
ألقى عليه إياه الشمس أدرانا
وزعم العرب أن الصبي إذا فعل ذلك لم تنبت أسنانه عوجاً ولا ثعلاً. وقال طرفة بن العبد في ذلك:
بدلته الشمس من منبته ... برداً أبيض مصقول الأشر
وكزعمهم أن المهقوع - وهو الفرس الذي به هقعة - وهي دائرة تكون بالفرس فيقال فرس مهقوع إذا ركبه رجل فعرق الفرس اغتلمت امراته وطمحت إلى غير بعلها. وقال بعض العرب لصاحب فرس مهقوع:
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حراً عجانها
فأجابه:
وقد يركب المهقوع من لست مثله =وقد يركب المهقوع زوج حصان
كعقدهم السلع والعشر في أذناب الثيران؛ وإضرامهم النيران فيها، وإصعادهم إياها على تلك الحالة في جبل يستسقون بذلك ويدعون الله. وهذا إذا حبست السماء قطرها. وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
سنة ازمة تخيل بالنا=س ترى للعضاه فيها صريرا
لا على كوكب نوء ولا = ريح جنوب ولا ترى طحرورا
ويسوقون باقر السهل للطور=مهازيل خشية ان تبورا
سلع ما ومثله عشر ما=عائل وعالت البيقورا
أي أثقلت البقر بما حلمت من السلع والعشر. وفي هذا المعنى للورل الطائي:
لا در در رجال خاب سعيهم=يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
جاعل أنت بيقوراً مسلعة=ذريعة لك بين الله والمطر
وكزعمهم أن من ولد في القمر رجعت قلفته إلى وراء. فكان كالمختون. دخل امرؤ القيس على قيصر الحمام فرآه فقال فيه:
إني حلفت يميناً غير كاذبة=إنك أقلف إلا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته=كما تجمع تحت الفلكة الوبر
وكعقدهم خيطاً يسمونه الرتم في غصن شجرة أو ساقها، إذا سافر أحدهم وتفقد ذلك الخيط عند رجوع المسافر منهم فإن وجده على حاله قضى بان أهله لم تخنه، وإن رآه قد حل حكم بأنها قد خانته. وأنشد في هذا المعنى:
هل ينفعنك اليوم أن همت بهم=كثرة ما توصي وانعقاد الرتم
وفي معناه أيضاً:
خانته لما رأت شيباً بمفرقه=وغرو خلفها والعقد الرتم
وقال الراجز:
به من الجوى لمم = وغره عقد الرتم
وكزعمهم أن الرجل إذا أراد قرية فخاف وباءها فوقف على بابها قبل أن يدخل فعثركما ينهق الحمار، ثم دخلها لم يصبه وباؤها. وقال عروة بن الورد في ذلك، وكان خرج مع أصحابه له إلى خيبر يمتارون فخافوا وباءها، فعشروا وأبى عروة أن يفعل، فلما دخلوها وامتاروا وانصرفوا نحو بلادهم لم يبلغوا مكانهم إلا وعامتهم ميت أو مريض إلا عروة، فقال:
لعمري لئن عشرت من خشية الردى =نهاق الحمير إنني لجزوع
فلا وألت تلك النفوس ولا أتت= على روضة الأجداد وهي جميع
وكزعمهم أن من علق على نفسه كعب أرنب لم تقربه الجن. وفي ذلك يقول الشاعر:
ولا ينفع التعشير إن حم واقع=ولا دعدع يغني ولا كعب أرنب
قال ابن الأعرابي: قلت لزيد بن كسوة: من علق على نفسه كعب أرنب لم تقربه جنات الحمى وعمار الدار؟ فقال إي والله وشيطان الحماط، وجان العشيرة، وغول القفر، وكل الخوافي، إي والله وتطفأ عنه نيران السعالي وتبوخ.
وكزعمهم إذا أرادت جنية صبي قوم فلم تقدر عليه، من سن ثعلب أو سن هرة، وأشباه ذلك. فلما رجعت إلى صواحباتها ضرطا من ذلك قالت: كانت عليه نقرة ثعالب وهررة، والحيض حيض السمرة - وحيض السمرة شيء يسيل من السمرة في حمرة دم الغزال، فإذا يبس كان أسود فإذا ديف بالماء عاد أحمر كما كان، ذلك يزابل صبيانهم. حين تلد المرأة تخط به وجه الصبي ورأسه، وتنقط وجه أمه، تسميه نقطة الماء، واسم هذا الخط الدودم فهذه الأشياء لا تفهم معانيها إلا سماعاً، وربما كانت لها نظائر في أشعار المحدثين من وصف أشياء تعرض في حالات غامضة، إذا لم تكن المعرفة بها متقدمة عسر استنباط معانيها واستبرد المسموع منها. وكقول أبي تمام:
تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت=أعمارهم قبل نضج التين والعنب
وكان القوم الذين وصفهم يتواعدون الجيش الذي كان بإزائهم بالقتال، وأن ميعاد فنائهم وقت نضج التين والعنب وكانت مدة ذلك قريبة في ذلك الوقت، فلما ظفر بهم حلى الطائي قولهم على جهة التقريع والشماتة، ولولا ما ذهب إليه في هذا المعنى لكان ما أورده من أبرد الكلام وأغثه، على أن قوله: نضجت أعمارهم، ليس بمستحسن ولا مقبول.
رد مع اقتباس