عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 18-04-2008, 11:06 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,555
افتراضي

طريقة العرب في التشبيه
ص16-18
واعلم أن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبيهات والحكم ما أحاطت به معرفتها، وأدركه عيانها، ومرت به تجاربها وهم أهل وبر: صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو أوصافهم ما رأوه منها وفيها، وفي كل واحدة منهما في فصول الزمان على اختلافها: من شتاء، وربيع، وصيف، وخريف، من ماء، وهواء، ونار، وجبل، ونبات وحيوان، وجماد، وناطق، وصامت، ومتحرك، وساكن، وكل متولد من وقت نشوئه، وفي حال نموه إلى حال انتهائه. فتضمنت أشعارها من التشبيهات ما أدركه من ذلك عيانها وحسها، إلى ما في طبائعها وأنفسها من محمود الأخلاق ومذمومها، في رخائها وشدتها، ورضاها وغضبها، وفرحها وغمها، وأمنها وخوفها، وصحتها وسقمها، والحلات المتصرفة في خلقها، من حال الطفولة إلى حال الهرم، وفي حال الحياة إلى حال الموت. فشبهت الشيء بمثله تشبيهاً صادقاً على ما ذهبت إليه في معانيها التي أرادتها فإذا تألمت أشعارها وفتشت جميع تشبيهاتها وجدتها على ضروب مختلفة تتدرج أنواعها. فبعضها أحسن من بعضه، وبعضها ألطف من بعض. فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقص، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى. وربما أشبه الشيء الشيء صورة وخالفه معنى، وربما أشبهه معنى وخالفه صورة، وربما قاربه وداناه أو شامه. وأشبهه مجازاً لا حقيقة.
فإذا اتفق لك في أشعار العرب التي يحتج بها تشبيه لا تتلقاه بالقبول، أو حكاية تستغر بها فابحث عنه ونقر عن معناه، فإنك لا تعدم أن تجد تحته خبيئة إذا أثرتها عرفت فضل القوم بها، وعلمت أنهم أدق طبعاً من أن يلفظوا بكلام لا معنى تحته. وربما خفى عليك مذهبهم في سنن يستعملونها بينهم في حالات يصفونها في أشعارهم، فلا يمكنك استنباط ما تحت حكاياتهم، ولا تفهم مثلها إلا سماعاً، فأذا وقفت على ما أرادوه لطف موقع ما تسمعه من ذلك عند فهمك.
والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه. كما قال بعض الحكماء: للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه. فأما ما وصفته العرب، وشبهت بعضه ببعض فما أدركه عيانها فكثير لا يحصر عدده، وأنواعه كثيرة. وسنذكر بعض ذلك ونبين حالاته وطبقاته إن شاء الله تعالى.
رد مع اقتباس