عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-12-2007, 09:18 PM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي

ويقول امرئ القبس:
وكسح لطيف كالجديل مُخضَرّ * وساق كأُنبوب السقي المُذَلَّل.
الطول والقد :
روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت “لا يفوتَنَّكُم الطول والبياض، فهما علامتا الجمال”.
فالتشبيه لهذه الخاصية كان له حظ وافر من المعاني فشُبه بقضيب البان، قضيب الخيزران ،والرمح وشبَّهوا المرأة الطويلة بتمثال في كنيسة.
يقول النابغة الذبياني :
أو دمية من المرمر، مرفوعة * بُنيت بآجُر ، يشاد بقَرمَد
ويقول عمر بن أبي ربيعة :
تمشي الهُوينا ، إذا مشت فُضُلا * وهي كمثل العسلوج في الشجر.
الأطـراف :
لقد حازت الأطراف اهتمام الشعراء باعتبارهما ركن من أركان الجاذبية وعمود من أعمدة الشهوة ، فالنظرة الجشطالتية للعربي لجسد المرأة ترتكز على ساقاها البضّتان ، وذراعاها الناعمان الأملسان .
لماذا حضي الساقان بذلك الاهتمام ؟ يرد خليل عبد الكريم ذلك إلى أن” الأعرابي كان (ولا يزال) يعتبر الساقين الممتلئين الخَدَلَّجين شارة موثقة وعلامة مؤكدة على أن المَرَة التي تملكهما تهب متعة مضاعفة ومن هنا ينطلق التشديد على سترهما وتغطيتهما” (28).
وقد شبّهوا الساعد بصفيحة من فضة من شدّة البياض، أما الكف فله فعل السحر في الجذب والفتنة ، وخاصة إذا أخفت بهما المرأة وجهها أو سترت بهما مفاتنها إذا تجرّدت، أو إذا أشارت بهما للوداع، أو مدّتهما للسُقيا .
شبَّه الشعراء الأنامل بالعنم، وهو شجر ليّن الأغصان أحمر الثمر، وبالعاج واللؤلؤ.
قال امرئ القيس :
سِباط البَنان والعرانين والقنا * لِطَافِ الخصور في تمام وإكمال.
وقال دو قلةُ المنبجّي :
امتد من أعضادها قصب * فَعم تلته مرافق دُردُ
والمعصمان فما يُرى لهما * من نعمة وبَضاضَة زندُ
ولها بنان لو أردت لـــــه * عقدا بكَفّكَ أمكنَ العَقدُ
الـحركـة :
لقد نظر العربي إلى هذه الأوصاف الجسدية في تناسقها وهي تشغل حيزا في الفضاء فاعتبر حركة المرأة عنصرا من عناصر الفتنة والإغراء دلالها له مغناطيس وجاذبية بخلاف السكون الذي يعطل الإثارة ويجمّد تضاريس الجسد ، وقد جاء الشعر ناتئا بأوصاف تُمجد الحركة في الأنثى حيث وصفوها بغصن البان ، حقف النّقا، المهاة ،مسير الغمامة ،خطو القطا والنعام .
يقول الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها * تمشي الهُوينا ،كما يمشي الوَجيُ الوَحلُ
أما عمر بن ابي ربيعة فقال في ذلك :
بيضا حسانا خرائدا قُطُفا * يمشين هونا كمشية البقر .
لقد تركتُ الوجه بما هو عاصمة الجسد وحبات الجمال فيه كما صوَّره الشعر العربي بالمرأة المثال بكل من العصر الجاهلي والأموي إلى حين الحديث عن الشعر العذري .
ونظرا لصعوبة تجميع هذه الخصائص الجسدية إلا في مخيلة شبقية وقد عُرف عن الشعراء سعة التخيُّل والشطح في التوهُّم فإن ” الصور التي يعرضها الشعراء في قصائدهم ومعلقاتهم..الخ، محض خيال، مجرد وهم أو على الأقل هي أماني عشّشت في أدمغتهم أو نماذج مثالية لم يجدها الشعراء في الواقع فأودعوها أبياتهم ” (29).
إن الصور التي كان يتلقاها المجتمع العربي كانت تدمجه بحماس في الواقع الإنساني والانتقال به إلى عالم المتعة الجمالية وتشكيل عواطفه وصياغة عالمه الذاتي ولهذا فإن الانفعال مع مزيج الخطوط والألوان، هو العاطفة السامية، التي أثارها الشعر في الإنسان العربي ومازالت تلك الجينات الوراثية المعنوية راسخة تُهيمن على ذوق العربي المعاصر الذي سكنت تصوراته عن المرأة في القواميس والمعاجم فأصبح كل مايهمه ” وما أهمه هو الجسد الأنثوي وإن شئت الدقة شطره الأسفل أما باقي آفاقها، النفسية والمعنوية والأدبية والروحية…فهو خارج حدود حُسبانه وبعيد عن اهتمامه وقصِيّ عن تفكيره…”(30)
- ما هي خصائص الصورة الشعرية للمرأة لدى عمر بن أبي ربيعة؟

3- طبيعة الصورة النرجسية في شعر عمر بن أبي ربيعة.
لقد بعث عمر بن أبي ربيعة صورا شعرية حية للمرأة العربية رغم الفرق الشاسع بين صور البداوة للشعر الجاهلي الذي استلهم منه صوره، وصور الحاضرة التي اختلطت بجمال المرأة الرومية والفارسية والهندية، الشيء الذي يؤكد لنا أن شعره كان إعلانا في اتجاه واحد، إبراز محاسن محصنات العرب واعتبار شعره صناعة مقصودة لدغدغة عواطف المستمع العربي واستدعاء أسماعه وجعله يعمل حقيقة على تحرير المرأة من “عقالها”رغم اقتناعه المبدئي بحريتها، “والواقع أن المرأة في هذا الشعر الحضري لم تتحرر من عقدة الرجل نفسه فنراها في شعره حبيبة طاهرة الود، صادقة العهد حينا، وغادرة لا تصون عهدا ولا ترعى أمانة الغياب حينا آخر” (31)، ومن مظاهر عدم أمانتها مساهمة عمر بن أبي ربيعة في تجديد الصورة العامة للغزل حيث تحولت المرأة في شعره إلى عاشقة تتهافت على لقياه حيث أصبحت شخصيته في عالم الحرائر موضوعا للغزل في شعره بينما السائد هو كون المرأة هي المعشوقة.
وقد كان تميُّز غزليات عمر بن أبي ربيعة عن باقي الغزليين هو ما أسْمَيْتُه “غزل المرآة” وهو شعر تحوّل فيه الشاعر إلى موضوع ومن عاشق إلى معشوق فهو المطلوب من النساء والمعرِض عنهن بدلاله ” وقد فَتَنَ عمر النساء وتيّمهن فأخذن يطرينه ويتهالكن علية حتّى فُتِن بنفسه، فلم يتغن ّبحبِّه إيّاهن كما تغنّى بِحُبِّهنّ إيّاه ” (32)،حيث قال:
قالت لتِرْب لها تحدِّثها * انفسدنَّ الطواف في عمر
قومي تَصًدَّيْ له ليعرفنا * ثم اغمزيه يا أخت في خَفَرٍ
قالت لها : قد غمزته فأبى * ثم اسبطرَّت تسعى على أثري.
( اسبطرت = أسرعت)
كما قال أيضا:
أرسلتْ هندُ ُ إلينا رسولا * عاتبا: أنْ ما لنا لا نراكا؟
فيم قد أجمعت عنا صدودا؟* أأردت الصرم :أم ما عداكا؟
إن كنت حاولت َغيضي بهجري * فلقد أدركتَ ما قد كفاكا
قلتُ : مهما تجدى بي، فإني * أظهر الودّ لكم فوق ذاكا.
إنه لا يتحدث عن حبه، إن نرجسيته تظهر في كونه يفخر بنفسه ويشيد بجماله ويصور إعجاب النساء به وقد يشاركه في تلك الطفرة النرجسية ما قاله جميل بن معمر في نفسه على لسان صاحبته.
إنّي، عشيّة رُحتُ،وهي حزينة * تشكو اليَّ صبابة، لصبورُ
وتقول : بِتْ عندي،فديتك،ليلة * أشكوإليك،فإن ذاك يسير
3-1- استمرار حضور الدنجوانية في وجدان الشعر الأموي.
- هل استمرت الدنجوانية الشعرية (خيالا ولغة) في شعر عمر بن أبي ربيعة بعد الدنجوانية العبثية لإمرئ القيس؟(33)
لقد نهج عمر بن أبي ربيعة منهج امرئ القيس إجمالا فانسابت في شعره نفس العبثية التي صاغ فيها نفس البناء القصصي ونفس النهل من المعجم البلاغي والاصطلاحي له و التي نسجها ” في انسلاله إلى خِدر الحبيبة دون أن تمنعه عين كاشح واشٍ من الوصول إليه ، بُغية إقامة ليلة ، ثم ينسل كالحباب مع خيوط الفجر الأولى،وما أحد من الناس يعرف …ولكن إذا كان امرئ القيس ملكا ضليلا فقدَ عرشه، فإن عمر قد انتصر له بعد زمان، فحافظ على العرش وتزيّا بزيِّه، دون أن يتربع عليه، لأن دورا آخر مع المرأة ينتظره” (34).
فهذا عمر بن أبي ربيعة دخل خِدر “نعم” في ثوب امرئ القيس حين دخل خِدر “عنيزة” وحين حمله الشوق إليها، فانساب بين الخيام انسيابَ الحُباب حتى أدركها فتولَّهت ثم لانت، فهدّأ من روعها.
قال عمر بن أبي ربيعة:
وخفض مني الصوت أقبلت مشية * الحُباب وشخصي خِشية الحي أَزوَرُ
فحَيَّيتُ إذ فاجأتها فتولَّهـــــــــــت * وكادت بمكنون التحية تُجــــهــــــــر
وقالت وعضَّت بالبنان فضحتني * وأنت امرؤ ميسور أمرِكَ أعسَـــــــرُ
إن هذه الأبيات تنسجم كليا مع ما جاء به امرئ القيس في معلقته حيث قال :
سموت إليها بعد ما نام أهلها * سُمُوَّ حُباب الماء حالاً على حالِ
فقالت سَباكَ الله إنَّكَ فاضِحي *ألست ترى السُمَّار والناس أحوالي.
وقد تجسدت هذه الدنجوانية في قرب الشاعر من معشوقته وملامسة جسدها كذات وبذلك يتحطم التمثال ويجري نبذ المعشوقة للبحث عن تمثال آخر لا زال لم يتحوّل إلى واقع حي عند الشاعر.

2-3- الشعر العربي بين رقة الإحساس وخشونة اللغة.
إن التشبيه ملاك الغزل فهو المرتكز الأول للعمل الفنِّي وقد عاش الشاعر العربي ثُنائية الرقة /الخشونة في حياته الأدبية، فالرقة تعبير عن الحياة الداخلية التي يبدو فيها الإحساس جليّا وخشونة الحياة الخارجية التي تبدو في الصور التي تعكس ذاك الإحساس الرهيف .
فإذا كان من طبيعة شاعر الغزل الرقة فإن حياة الخشونة والقسوة لم تُسعفه في صياغة هذه الرقة في صور مماثلة لاحساساته.
وقد نأتي لوصف العينان بالشعر الأموي والجاهلي فنجد أن أجمل ما استقاه التخيُّل الشعري حول العيون، ما كانت واسعة وتُسمّى النجلاء والسوداء الحدقة وتسمى الكحلاء ، وذات البياض الشديد والسواد الشديد ، وتسمى الحوراء وذات الأهداب الطويلة الكثة وتسمى الوطفاء ..وقد أسهب العرب في وصف العيون، فشبَّهوها بعيون المَها، وعيون البقر.
قال عمر بن أبي ربيعة:
لها من الريم عيناه ولفتَتُهُ * ونجوةُ السَّابق المختال إذ صهلا .
أما امرئ القيس فإحساسه الرهيف بكل ما في نظرة المحبوبة من عطف وحنان قد أثَّر في وِجدانه الشعري بالاستجابة والتفاعل من تذوق الجمال وسُمو الرُّؤية الحسِّية، ” لكننا حين ننشد التعبير عن هذه العين الجميلة الواسعة ، وهذه النظرة العميقة النافذة، وهذا الحنان الذي يشع منها والعطف الذي يفيض عنها لا نجد عند الشاعر غير نظرة بقرة وحشية مُطْفِل من وحش وجرة ” (35) ويعود عمر بن أبي ربيعة للتعبير بالصورة الخارجية الجافة عن طراوة العاطفة الداخلية في وصف مشية المرأة .
بيضا حِسانا خرائدا قُطُفاً * يمشين هَوْناً كمشية البقر .
وفي وصف امرئ القيس لطول أصابع صاحبته وجمال تكوينها ونعومتها وطراوتها حيث” وقف يتأملها، وتمثلت له تعبث في عالمه النفسي وتستثير مشاعره تضغطها أو تفرج عنها، بهذه الأصابع، كيف تشاء…فلمّا جاء يعبر عن ذلك كله كان كل ما وجد حوله أساريع ظبي أو مساويك إسحل”(36) .
ولم يستطيع العربي التخلص من الحياة التي لم تنفصل عن وجدانه ولم تفارق نفسيته وذاكرته تلك الممارسات العنيفة في غزواته أو في ميدان القتال ومن هنا جاءت تلك الصفات الخشنة التي ألفها وسيطرت على علاقته بالمرأة عندما يختلي بها وهي صفاة وأفعال وأسماء حددت قاموس علاقته مع المرأة وقد اتسمت بالخشونة والعنف والعدوانية وهي ” بالنسبة إليهم أفعال معتادة يمارسونها بمنتهى السهولة بصفة دورية منتظمة أي أنها معلم طبيعي من معالم معيشتهم وليست استثنائية أو شادة أو فاذة”(37).
4- صورة المرأة المثال في شعر الغزل العذري.
لقد أدرك الإسلام العالم العذري ونظم علاقة الرجل بالمرأة بما هي ثمرة من ثمار العفة، وقد يكون الحرمان من الدوافع الجوهرية لقيام العذرية التي تتشكل تعاليمها من الحديث عن الحبيبة والذي لا ينفصل عن الفهم العميق للطرف الآخر عاطفة وطباعا نظرا لتما هي العذري وحبيبته في روح واحدة .
فبما أن الشاعر هو غيتارة نفسه وصدى لقبيلته نجد أن الشاعر العربي عندما عبَّر عن مكنونات وخوالج القبيلة كان ضميرا لها يعكس أزماتها ورغباتها ، ولما كان قيثارة نفسه نجد في شعره تعففا ” وهذا الغزل العفيف الذي هو في حقيقة الأمر مرآة صادقة لطموح هذه البادية إلى المثل الأعلى في الحب من جهة ولبراءتها من ألوان الفساد التي كانت تغمر أهل مكة والمدينة من جهة أخرى ” (38).
فالحب العذري يحتاج إلى شروط نشأة وتطور منها:مساهمة القبيلة في إقصاء الجسد الأنثوي والحيلولة دون منحه صيغته الطبيعية للتفاعل والتحقُّق، فهذا المنع والتعطيل لفاعلية علاقة العشق وتحققها عبر المسلك الطبيعي، الزواج، هو الذي يجعل اللغة تأخذ دور الفاعلية التعويضية وتستعير لتقوم بتفجير المعجم وتوليد الخيال.
- ما هي دلالة ترعرع الغزل “الإباحي” بحاضرة الحجاز وانتشار العذري منه بباديتها؟
- هل هناك علاقة جدلية بين الإسلام وعذرية الشعر الأموي ؟
4-1- جدلية العلاقة بين الإسلام والعذرية الأدبية وسياسة الدولة.
لقد سيطرت الأعراف والتقاليد على حيوية المجتمع الأموي فسقطت حقوق المرأة في حرية الحب واختيار الزوج وإبداء الرأي دون أن يشارك الشاعر حبيبته من الخلاص بل أصبح يشترك في غالب الأحيان في اشتداد وثاقها حينما يصور ملامحها الجسدية والنفسية في شعره فتنكشف هويتها لأهلها ليستحكم العرف قويا بمنعه من التزوج بها،وقد عبّر مجنون ليلى عن لاعقلانية هذا الحرمان بقوله:
أليس من البلوى التي لا شوى لها * بأن زُوِّجت كلبا وما بُذِلَتْ لِيا.
لقد اتخذ هذا البوح معنى المس بعفة القبيلة وشرفها في توجهه إلى امرأة واحدة ” في مجتمع لم يكن قد تحلل من نزعات البداوة وخصوصا نزعة الاعتقاد بأن المرأة دون الرجل ومُجلبة للعار، فأحاطها بسوار من الأوهام لا ينبغي لها تجاوزه، ولذلك منعوها من الحب…وبالتالي، أسقطوا من عالمها حب الرجل لها، وبثِّه إيّاها نجواه وشكواه، لأن في ذلك استباحة تُقلق القبيلة كلها، وتنال من كبريائها” (39).
أمّا بخصوص ما تشكله العلاقة ما بين المدرسة العذرية وسياسة الحكم، فإن ذيوع التوجه العذري في الشعر يعتبر توجها معاديا لتخطيطها وقد أدركت السلطة أنداك البعد الاجتماعي والسياسي لشعر العذريين وهي التي كانت تشجع على المجون والانغماس في كل ما من شأنه وضع التيه أمام أصحاب الحق الشرعي في الحكم، من ذلك نفهم تصدّي الدولة لهذا الشعر وليس صدفة أن يهدُر والي المدينة دم جميل بُثينة العاشق المكتفي بامرأة واحدة، وأن يترك عمر بن أبي ربيعة يتعرض حتّى لنساء الأشراف في الحج وحول المقدسات الإسلامية.
ويمكن أن نُجيز بدفع شكوى أهل المُشَبَّب بها إلى الوالي بجميل بثينة بما أن “الشاعر العذري قد شبّب بحبيبته، وباح بسرها فافتضح أمرها وشاع خبرها، لأنه تشبيب بواحدة لها أهل وربع “(40).
وقد كان الحرمان هو القاسم المشترك بين العذريين بما أن النسيب ببنات القبيلة يعتبر مسّا بحرمة وكرامة القبيلة، من ذلك كانت العفة كبت وحرمان تفجَّر قولا شعريا نائحا آملا في القرب والوصال.وقد نتساءل مع الناقد رفيق عطوي ” هل العشق ضروري للنسيب ؟ أم أن النسيب عمل فنِّي يعبر به الشاعر عمّا يجول في نفسه وحسب، مستعينا بما يحيط به؟” (41).
وقد أضيف تساؤلا آخر لا يقل مشاكسة، هل يعتبر التشبيب بالحبيبة ضروريا للعشق؟
4-2- الخصائص الجسدية والنفسية بالمدرسة العذرية.
عندما نسائل الخصائص الجسدية والنفسية للمرأة بشعر هذه المدرسة، نجد أنها أقرب إلى تقليد الصورة القديمة منها إلى التجديد والإبداع “وإن كان الجديد في وقوفها عند الملامح الجسدية، حيث برزت حقيقة الحرمان، فإذا هو رغبة في متعة الأرداف والعجيزة والمتن والريق والثغر الندي ” (42).
وقد أنتجت هذه المدرسة من الشعراء، جميل بن معمر (جميل بثينة)، كثير عزة، قيس ولبنى ،مجنون ليلى ،عروة بن خزام وعفراء العذرية.
وقد عبَّر الشعر العذري عن الملامح الجسدية والحسية للمرأة و نسج صورة يمكن أن نصفها بالصورة المثال،التي رقق الإسلام من آفاقها حتى أصبحت شفافة، كحورية تجسدت أوصافها وترسّخت عبر الديانة الإسلامية ..فللمرأة عند العذريين قامة كالرمح اعتدالا وخصر ضامر وجلد رقيق وثغر ندي، وريق عذب، وأسنان عذبة، مفلَّجة ذات أشر، وجيد ظبية، والعين عين جُؤدر والمُقلة كحلاء نجلاء والصدر كتلة من فضة وخد مليح فضلا عن طيب رائحة يستهوي عناقها.
وقد جاءت المرأة في الشعر العذري ذات ملامح حقيقية، فقد وصفها الشاعر وهو ينظر في عينيها ووجهها حيث خلاصة البراءة والعفة والجمال الروحي والمعنوي، ولم يكن يحيد عن وجهها لينتقل لباقي جسدها بالتفرس والتَّملي حتى تقف علية عين الرقيب التي لا تغفل وقد أقامتها القبيلة لحراسة نسائها.
لقد تطرق الناقد عبد القادر القط بعدما تخلص من الموقف النفسي والفكري السابق إلى وضع شعر عمر بن أبي ربيعة في موضع جديد يتجاوز النزعة الحسية لشعره على اعتبار ” إن غاية الشاعر الأولى كانت غاية فنية، يقصد بها أن يفلح في رواية تلك الحركة المادية والنفسية للزائر العاشق..ولم يكن همّ الشاعر أن يصف متعه أو يتحدث عن شهواته أو يصف محاسن صاحبته وصفا تفصيليا “حسيا” يمكن من أجله أن تطلق عليه هذه الصفة.” (43)
وقد اعتبر الإشارات الغرامية في رائية عمر بن أبي ربيعة المشهورة(أمن آل نعم أنت غاد “مبكر”) أبعد ما تكون عن “الحسية” بمعناها المعروف في الأدب والفن ” فالقصيدة تنتهي في اغلب الأحيان بالإشارة إلى متعة حسية يسيرة لا تتناسب مع الجهد الذي صوره الشاعر قبل اللقاء، وكأنما هدف الشاعر أن يصوّر هذا الجهد وذلك الاحتيال للقاء بكل ما يحملان من لحظات نفسية، فإذا انتهى إلى اللقاء كان الحديث عنه مجرد الإشارة أو الرمز”(44).
ولإكمال صورة المرأة في الشعر الأموي الذي اعتبرناه استمرارا لنفس الصورة التي حاكها خيال الشعر الجاهلي، سنتطرق إلى أوصاف الوجه بما هو النسق الثقافي الذي نهل منه شعراء الغزل العفيف بدءا بالتطرق للجبين والجبهة، العينين والحاجب، الأنف والفم والثغر والأسنان.
الجبين والجبهة :
لقد أحب العرب الجبهة مسترسلة عريضة، واسعة من دون إفراط، فإذا زاد اتِّساعها أصبحت غير مطلوبة.
قال النابغة الذبياني:
قامت تتراءى بين سِجْفَيْ كِلَّةٍ * كالشمس يومَ طلوعها بالأُسْعُدِ.
العينان:
إن العين تفيض بأنقى الإحساسات يتجمع فيها كل خصائص النفس البشرية، ففيها الحب حيث يعبر الإنسان بها دون لغة، فالعين تعكس المرح والابتسامة كما أنها تحتضن الدمعة والأحزان.
وأجمل العيون عند العرب ما كانت واسعة تشمل الناظر إليها بازدواجية التفاعل معها قد تُفيق المُخمر من نشوة المدام وقد تجعل الصاحي مُتيّما بدون خمر .
قال ذو الرمة:
وعينان قال الله كونا فكانتا * فعولان بالألباب ما تفعل الخمرُ
وقال النابغة الذبياني:
نظرَتْ إليك بحاجةٍ لم تقضِها * نظَرَ المريضِ الى وجوهِ العُوَّدِ
وقال عمر بن أبي ربيعة :
لها من الريم عيناه ولفْـتَـَتُهُ * ونجوةُ السَّابق المختال إذ صهلا .
وقال أبو فراس :
وبيض بألحان العيون كأنما * هززن سيوفا واستللن خناجرا
تصدّين لي يوما بمنعرج * فغادرن قلبي بالتصبُّر غادرا.
وقال بشار بن برد:
إن العيون التي في طرفها حور * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصر عن ذا اللب حي لا حراك * وهن أضعف خلق الله إنسانا.
الأنـف:
إنه قصر لعاصمة الجسد وعنوان لأعراسه وهتافات اللذة به، يُجَمِّلُ إذا جَمُلَ ، ويقبِّح إذا قَبُح ، وأجمل الأنوف عند العرب الأشمُّ ، وقد وصف العرب المرأة التي تحمل الأنف القصير ، الصغير الأرنبة، والمستوي القصبة بالزلفاء قال حازم القرطبّي:
ومارن أشمُّ قد تنزَّهت * أوصافه عن خَنَسٍ وعن قَـنَا.
الثغـر، الأسنان والابتسامة
إن الثغر ينبوع المتعة حيث تمتزج النفسان المحبتان حين تتلامس الشفاه، التلامس الذي يشكل المثل الأعلى لوظيفة اللمس بما أن القبلة هي رسول الحب بين المحبين.
قال عمر بن أبي ربيعة:
كأن فاها إذا ما جئت طارقها * خمرُ ُ بِبَيْسانَ أو ما عَتَّقَتْ جَدَرُ.
وقال عنترة بن شداد:
وبين ثناياها إذا ما تَبَسَّمَتْ * مُديرُ مُدامٍ يمْزِجُ الراحَ بالشَّهْدِ.
وقد شبّه العرب الأسنان بالأقحوان والنّدى والبَرَدِ، كما أحبوها محزّزة ومفرَّقة بما هي دالة على صغر السن.
قال طرفة بن العبد في ذلك:
بادِن تجلو إذا ما ابتسمت * عن شَتيتٍ كأقاحي الرّمل غُرَّ
هذه الابتسامة التي جاءت عند طرفة بن العبد تعتبر سر من أسرار الجمال، وسرّ تأخذ المرأة بتلابيبه تعطيه من تشاء فيتولَّهُ و يُغرم وتحرمه من تشاء فيموت المحروم كمدا وقهرا.
قال طرفة بن العبد:
وإذا تضحك تُبدي حَبَبا * كرُضاب المسك بالماء الخَصِرْ (45) .
وقال ذو الرمة :
أسيلة مجرى الدَّمع هيفاء طَفُلَة * رَداحًًُ ُ كإيماضِ البُروقِ ابتسامُها
كأن على فيها وما ذُقتُ طعمه * زُجاجة خمرٍ ضاق عنها مُدامـــُها.
وقال نزار قباني:
وصاحبتي إذا ضحكت
يسيل الليل موسيقا (…)
تفنن حين تطلقها
كحُقِّ الورد تنسيقا(…)
أيا ذات الفم الذّهبي
رُشِّي الليل… موسيقا.
هكذا فإذا كان العضو الواحد عند الشعراء قد تلقى سلسلة من التسميات فالدكتور سعيد بنگراد قد أرجع ذلك ” إلى النمذجة الثقافية المسبقة التي تثبت العضو ضمن دوائر متعددة: دائرة الوظيفة ودائرة النسق الثقافي الجمالي ودائرة الفعل الغريزي”(46)، فالتسمية يعتبرها النقد السيميولوجي تمييز،” ولكنها تعد أيضا إفرازا لردود الفعل النفسية والغريزية عند الآخر”(47).
5- طبيعة صورة المرأة في شعر جميل بن معمر.
- ماهي الملامح الجسدية والنفسية بالمدرسة العذرية لجميل بن معمر؟
إن الشاعر العذري يتجه إلى نفسه لينقل إحساسه عبر الكلمات التي تنساب في وجدانه الشعري رقراقة صافية.
هذا الوجدان المُنسحق الذي فاض على كيانه النفسي يجعل الشاعر العذري يُعطي معشوقته القدرة على الانفلات من الزمن بدوام الشباب وخلوده، كما قال جميل:
تقــــــول بثينة لمـــــّا رأت * فنونــا من الشّعر الأحمر
كبرتَ جميل وأودىَ الشّبابُ * فقلت : بثينُ ألا فاقصري
أتنسيْن أيّــــــامنا باللـــــوى * وأيّامنا بذوي الأجفـــري
وإذ لمّتي كجنــــاح الغراب * تطلي بالمســــك والعنبر
قريبان مربّعُـــنا واحـــــــدُ ُ * فكيف كبُرْتُ ولم تكبُري
بعدما أخلد جميل جسد حبيبته، تطرق لتماهي روحه بروحها قبل ولادتها ويُؤكد أنّ حبَّهُ بعد الموت هو حبّ غير منقوص العهد، فأعطى لحُبِّه تجرده الكامل من الشهوة الحيوانية فهو بذلك يُمنِّ نفسه من وجهة النظر الإسلامية بِبُثينة الحورية تُشكِّل تقواه وورعه المقاييس المُثلى للتحقق في قوله:
تعلّق روحي روحها قبل خلقها * ومن بعدها كُنّا نِطافا وفي المهد
فزاد كما زِدْنا فأصبح ناميـــــا * وليس إذا مِتْنا بِمُنْتَقِصِ العهـــد
ولكنه باقٍ على كلِّ حــــالـــــةٍ * وزائرُنا في ظُلمَةِ القبر واللحد.
رد مع اقتباس