عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21-12-2007, 09:15 PM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي رحلة المؤنث في وجدان الشعر العربي .

رحلة المؤنث في وجدان الشعر العربي بقلم الباحث المغربي عبد النور إدريس
عبد النور إدريس 07 ديسمبر 2005

رحلة المؤنث في وجدان الشعر العربي
بقلم: الباحث عبد النور إدريس/المغرب

ـــــــــــــــــ
تصدير: (”والآخر عند الذات الفحولية ليس سوى كائن أنثوي مختصر في جسد شبقي مشتهِ”محمد عبد الله الغذّامي)
ــــــــــــــ
مدخل:
تعتبر المرأة محور اهتمام الشعراء التي وصفوها على مر العصور بأحلى وأجمل النسيب وقد كانت صورتها واضحة المعالم بشعر الغزل والأموي على الخصوص، باعتباره عصر الغزل الذهبي، والإبداع الشعري حول المرأة بما أنه يشكل الإرهاصات الأولى لبناء معمار الشخصية الأنثوية التي امتلك فيها الرجل الشاعر أولا والسارد ثانيا هوية المؤنث وأخرجها من حدود أبعادها الجنسية، وسواء كان هذا الشعر حقيقة أو تجربة مُتخيلة ما زالت المرأة مُلهمة للأدباء الشعراء وقد شغلت حيزا وافرا من وجدان الإنسان العربي حيث كانت المرأة منذ العصر الجاهلي حتى نزار قباني هي ثلاثية:الأنوثة و الجسد والهوية، مارس فيه الخيال الفني ثورته على القيود والمحرمات باعتباره ينمو وفق منطقه الداخلي ليشكل خصوبة رمزية في الممارسات الإنسانية.
إن حقيقة الشعر العربي كنسق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الإطار السياسي والاجتماعي الذي أنشأه وبلور احتفاليته الثقافية بالوعي العربي.
إن العمل الأدبي في تحركه نحو إنتاج العالم المعيش لا يستطيع السقوط في المباشرية كإعادة الإنتاج المادي لواقعه وإنما ينزع نحو تكثيف المثال الفني لينسج مكانه عالم آخر لا يتماثل مع الصورة الفنية للمعيش الشيء الذي يضع بين أيدينا افتراض حضور الطابع المثالي لامرأة النسيب كمثل أعلى للجمال الأنثوي و عودة الشعر الأموي إلى الصورة الفنية للشعر الجاهلي الذي كان يمتح من صورة المرأة المثال الوثيقة الصلة بالمعتقدات الدينية والأسطورية وتنحدر منها لتعشش في المخيال العربي مند القدم .
لهذا كان طرحنا لعدة أسئلة من شأنه أن يثير تلك العلاقة الجدلية بين الإنتاج الفني واستهلاكه الاجتماعي .
- ما هي أسباب تواجد وحدة الصورة للمرأة في الشعر العربي ؟
- ما هي الدوافع التي حركت وساعدت الشعراء لمدح الجمال الأنثوي بالعصر الأموي؟
- ما هي الطرق التي عبّر بها شعراء “الحجاز” عن مكنونات قلوبهم وخوالجهم وعاطفة الحب لديهم ؟
- هل تعكس مقاييس الجمال المُنشَد الذوق العربي في تجلياته الواقعية أم إنها تعبر عن مثل أعلى للجمال طافح مترسب عن معتقد ديني أو أُسطوري سابق؟
- كـيف يـكون الإبـداع الشعـري شخصيا ويعـبر عـن ذات الـشاعــــــر وجماعيا ويعبر عن جسد القبيلة في نفس الوقت؟
- ما هي مقاييس تصنيف الشعر عند الأمويين انطلاقا من مظاهر تشطير البيت العربي إلى واجهة للحرائر وأخرى للجواري؟
- ما هي صورة المرأة المثال في شعر الغزل الأموي بملامحها الجسدية والمعنوية؟
- ألا يساعد الحفر اللغوي على فهم الإسطير الفهم الأمثل؟
لاشك أن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة يعطي لهذا الفصل تصميما خاصا قد يجيب على تساؤلات النقد الأدبي، حيث أن الدراسات التي تطرقت لشعر الغزل لم تكن ترسم بشكل واضح صورة للمرأة العربية ف “قلما حفلت الدراسات التي تتناول شعر الغزل على امتداد العصور الأدبية العربية بشأن المرأة ” (1) .
وقد اعتمدت في هذا البحث المنهجية التي تعتبر العملية الفنية نفي مستمر لذاتها ومحيطها نحو خلق وحدة نسقية منسجمة للشكل بمضمونه، كما نضع في اعتبارنا العلاقة السوسيولوجية بين مرسل ومتلقي الصورة الشعرية.
إذن ما هي أهم المؤشرات التي تفاعلت بالسلب والإيجاب في وجدان الشعر الأموي ؟
1-المؤشرات البارزة في حركية شعر الغزل .
يرتبط تطور الشعر بمدى إمكانية تطور حياة المجتمع ولعل من أهم الأسباب التي أثرت في الاتجاهات الأدبية للعصر الأموي وخاصة من حيث حضور هاجس المجتمع في موضوعات الشعر وصوره وألفاظه وأساليبه، والتي أثرت بالسلب والإيجاب في تمظهرات الإشكال السياسي والاجتماعي والثقافي بالإبداع الفني ومدى الحضور القوي لهذه التجليات في تطور مفهوم الممارسة الشعرية كحقيقة واقعية متجانسة تستبدل تشكيلها الواقعي باللفظ والصورة الشعرية.
1-1- المؤشر السياسي
إن هذا المؤشر من أبرز المؤشرات التي طبعت العصر الأموي و”لئن كان للأمويين الغلبة في الوصول إلى الحكم ، فإنهم لم يستطيعوا غلبة المعارضة نهائيا فأدركوا أن حكمهم يحتاج إلى الاستقرار، وأن هذا الاستقرار بحاجة إلى دهاء سياسي” (2).
ومن آثار هذا الدهاء أن حرك بنو أمية النعرة القبلية بين العنصر العربي وعداهم من المسلمين، فكان طبيعيا أن تشب نارها في الشعر وبذلك ساهموا في أن يفتح “سوق عكاظ” بابه من جديد في وجه التراشق الشعري بين المكونات المختلفة لمعارضيهم بالحجاز والعراق والشام.
كما أحدثوا شرخا بمشاعر الذاكرة والنفس العربيتين لما حوّلوا مركز الخلافة من بلد الحجاز إلى الشام.
وقد ساهم هذا المؤشر في الظهور القوي للمؤشر الاجتماعي.
1-2- المؤشر الاجتماعي
بعد انتهاج بني أمية لسياسة الفتوحات وانفتاح البلاد العربية على حضارة الترف البيزنطية والفارسية، كان لتدفق الأموال كبير الأثر في تميُّز دهائهم السياسي لإسكات المعارضين وخاصة أصحاب الحق الشرعي في الخلافة بالحجاز، حيث عالج بنوأمية هذه المعارضة “بالمال الوفير أغدقوه عليهم بلا حساب، وأبعدوهم عن المشاركة في السياسة والحكم “(3).
وقد أنجب حجاز الترف شعراء كالعرجي والاحوص والحارث بن خالد المخزومي الذين رسموا في شعرهم الملامح الأولى للمرأة التي سنجدها كاملة عند الشاعر عمر بن أبي ربيعة.
ولقد أصبح الانغماس في الملذات شيئا مباحا ومظهرا تتسم به هذه الحقبة وخاصة بالحجاز الذي ازدهر فيه الغناء والإيقاع وفنون اللهو في الغفلة المتعمدة للرقيب الذي غض الطرف “عمّا انهمك فيه الناس من لهو وترف وغناء وحرية التمتع بملك اليمين من سبايا الهند وفارس والروم وسواها من البلدان ” (4).
هكذا استمتع المجتمع الحجازي باسترخائه حيث أنه خلع ثوب الجهاد ومضى يتمتع بجني الفتوحات، جمالا ومالا، فكان الغزل “أشبه موضوعات الشعر بالغناء، ومطلب النفوس من هذا مطلبها من ذاك، ومن هنا كان التجاوب بين حالتيهما: فمن آثار الموسيقى في الحجاز توجيهها موضوع الشعر إلى الغزل”(5).
1-2-1- الوضعية المجتمعية للمرأة بين ظاهرتي الحجاب و”ملك اليمين”.
يتحدد الأسر كواحد من الأسباب المباشرة لظاهرة الرق باعتباره أهم مصادرها الرئيسية وقد تعمقت العلاقة بين الرجل والمرأة المسترَقَّة من الناحية الجنسية بحكم ورودها في النص القرآني كملك اليمين تقول الآية: ﴿ وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ﴾ سورة النساء الآية 3.
- ما هي انعكاسات ظاهرة “ملك اليمين” على نفسية المرأة العربية؟
- ما هي القاعدة الواقعية التي جعلت عمر بن أبي ربيعة ناطقا رسميا باسم المرأة الحرة ؟
إن التفتح الواسع على عدد النساء “الجواري”اللواتي أضفن التنوع في الجمال الأنثوي وحسن الصوت والغناء بالبيت الأموي حيث كان منهن الروميات والفارسيات والسنديات والهنديات…
وقد أدى الاستغراق في المجون والخلاعة إلى الابتعاد عن فحوى النص القرآني الذي أسس هذه الإجازة الشرعية “ملك اليمين” كتدبير مؤقت، فأخذ المجتمع الأموي ينهل من الحضارة التي وفدت عليه الشيء الذي “أقحم على الحرائر عوامل القلق والتمزق النفسي حين فهم الرجل خطأ حرية التمتع “بملك اليمين”فانقاد إلى قيانه وجواريه ، وذا الميل الفطري المنجذب بمادية أحاسيسه إلى اللذة الجسدية ” (6)
إن هذا التفسخ والاستغراق في التمتع بالجسد الأنثوي المتنوعة مصادر جماله وفتنته قاد البحث إلى أن نفترض وجود أزمة للزواج بالمجتمع الأموي وبالتالي إعراض الرجال عن زوجاتهم، الشيء الذي أضر بالحرائر من النساء العربيات كما أضر بهن الحجاب الذي عزلهن عن المجتمع “ذلك أن المرأة الحرة لا تباع ولا تشترى فلا ينبغي لها أن تبرز محاسنها إلا على حَليلها، بينما تبرز الجارية محاسنها لأنها مادة تجارية في سوق الرقيق تباع وتُشترى”(7).
إن الحجاب قد ألحق الحرة العربية بالظل وقد انشطر البيت الإسلامي إلى شطرين : شطر للحرائر وشطر للجواري.
فالحرائر قد فرض عليهم منطق الحجاب لزوم بيوتهن، يقول تعالى: ﴿يا أيها النبئ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن﴾ سورة الأحزاب الآية 59.
وكان من الانعكاسات المباشرة للحجاب، عدم خروج الحرائر بأية زينة أو طيب، ويمكن القول بأن هذه الوضعية جعلت المرأة الحرة تحاول صياغة وعي خاص بها لشد الذكر العربي إلى مفاتنها الشيء الذي دفع بها إلى منافسة الجواري في إبراز محاسنها ، وهي معركة شاملة ذات بعد انفلاتي من بعض أحكام الشرع الإسلامي، تحمل في جوهرها سمات معركة تستبد بالمضمون لكي تستحكم الاستبداد بالشكل.
فالمرأة الحرة ” ربَّما سعت بجسدها الأنثوي لأن تكون “خليلة ” لزوجها بعد أن كانت حليلة مما يسَّر للشعراء إثر هذه المنافسة سبيلا لاقتناص الصور التي تلائم ميولهم في غفلة الرقيب ” (8) .
لقد أُعجب الحجازيون بالأسيرات فأصبحوا أسرى لجمالهن وفتنتهن ودلالهن فكان الإعراض عن الزوجات بالجسد المستورد الوافد من الأمصار.
1-2-2- معركة الحرائر لاستعادة المكانة المفقودة
- كيف عبًّرت المرأة الأموية الحرة عن رغبتها في خرق الطابوهات وتكريس استمرارها أحيانا؟
أثار حكم بني أمية النعرة القبلية ودعوة الجاهلية فعاد الشعر للتداول باعتبار ان الشعر هو ديوان العرب، فعمدت المرأة المحصنة إلى إحياء ذكرى الجاهلية في النفوس وإغراء الشعراء للتشبيب بمفاتنها واستعراض خباياها النفسية والجسدية ” إذا ما كانت عزباء، فيقبل عليها الخطاب، أما المتزوجات فلِثَني الرجل عن أفعاله واستعادته إلى بيته” (9).
- كيف عبّرت العبقرية الشعرية العربية عن ذاتها؟
- ما هي تلك الخصوصية التعبيرية؟
فبعدما رقَّقَ الغناء وتعاطي الجواري من طبع البداوة بالحجاز كان لشعر الغزل في الحرائر مفعول الرقيب على الأخلاق المتشعبة المسالك في جغرافيا تضاريس وعي المجتمع العربي الجاهلي حيث لم يكن الشاعر الجاهلي بوقا للقبيلة فقط وإنما لسانها والمعبر عنها إذ ضَمُّن شعره مُلتقى عواطف القبيلة ومحامدها وسجل أيامها ووقائعها كصدى لها بالإضافة إلى كونه أنشد الشعر كقيتارة للتعبير عن نفسه ،فالغزل في رأي ابن قتيبة “غرض بذاته ولكنه غرض لغيره” ،الشعر والشعراء، بتحقيق أحمد شاكر.
“فهذه النكسة الجاهلية كان لها أثرها في الحياة الأدبية في هذه الفترة (العصر الأموي) من ناحية الكم والكيف جميعا، فقد أتاحت لتيار النشاط الأدبي الجاهلي أن يمضي في سبيله، وان يغمر الحياة بأمواجه المندفعة في صخب وعنف ، بعد أن تهاوت السدود التي تمنعه أو تحاول تلطيفه وتهذيبه”(10).
وقد وُصف العصر الشعري الأموي بعصر الرجعة”إذ جعلت الحياة الأدبية تُراجع فيه نشاطها الذي عرفته في العصر الجاهلي ، كما أرادت أن تجعل من نشاطها فيه صورة من ذلك النشاط الجاهلي وامتدادا له ” (11).
ولعـل ما يثبت فرضية كون عمر بن أبي ربيعة ناطق رسمي باسم المرأة العربية الحجازية هو كونه” رسم لها طريق الخلاص حين أنطقها، في شعره، بكل ما تريد البوح به وأعلى من شأنها، وناصرها في صراعها مع الجواري والـقيان بُـغـية إثبات وجـودها كائـنا لـه حــق الـحـرية والـحـياة “(12). وعندما جعلها عاشقة لا معشوقة حرّك غيرة الرجال على نسائهم المُهمَلات.
- هل هناك شروطا نظرية يمكن من خلالها تحديد الشعر الأموي في حدود الإباحية والعذرية؟
- بأي معنى يمكن أن ندعو قصيدة النسيب الأموية إباحية ؟
فشعر الغزل بما هو صحافة العصر الأموي قد سجَّل أخبار النساء لتحريك غيرة الذكر العربي على أُنثاه وإعادة تمكينه من اكتشافها في مداها الأخلاقي الواسع وقد استعملته بنات الخلفاء ، فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وشريفات آل البيت كسكينة بنت الحسين التي كانت تستقبل الشعراء في دارها، وعائشة بنت طلحة بنت الصحابي ، ومما يزكي الدور الترويجي المؤثر في نفسية العربي واستجابته له قصة الدارمي الشاعر الذي ترك الشعر وكانت عودته لشعر الغزل وسيلة لذر الربح على تاجر خُمُر العراق ، حيث تعَشَّقَ صاحبة الخمار الأسود يقول صاحب الأغاني في ذلك ” فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خمارا أسودا وباع التاجر ما كان معه “(13)
يقول الشاعر الدارمي:
قل للمليحة في الخمار الأسود * ماذا فعلت بزاهــــد متعبّــــــد
قد كان شمّر للصلاة ثيابـــــــه * حتى خطرت له بباب المسجد
رُدي علية صلاته وصيامــــــه * لا تقتليه بحَــقّ ديـــن محمـــد
لقد صارت المرأة العربية الشريفة أُغنية في قصيدة .. والقصيدة أُغنية على أوتار المغنيات فكان أن تحولت عقلية العربي بفعل سحر شعر الغزل الذي يسعر القلوب ويستفزُّ العقول ويستخفُّ الحليم ، من عشق الجواري إلى التهافت على الحرائر ، شارك في هذه الصيرورة مغنيات حادقات، صار لهن مكانة وموكب ودار ، أمثال جميلة وعزة الميلاء وسلاَّمة القس وقد كان تأثيرهن في الشعر والشعراء واضحا جليا .
2- صورة المرأة المثال في شعر الغزل الحِسِّي
2-1- شبقية الشعر العربي بين الخفاء والتجلِّي
لقد كان من آثار العنصر الثابث للنعرة القبلية ،شُعور العنصر العربي بتفوقه كما “أثر في رجعة الشعراء إلى البادية أو إلى الشعر الجاهلي، يستمدون منه اللفظ والمضمون مما شكل منحى بارزا في مناحي شعر الغزل بنوعيه” (14).
فما هو سبب عودة شعراء العصر الأموي لأوصاف المرأة في العصر الجاهلي بالرغم من السمة الحضرية التي أبرزت اختلافهم كعنصر متحول عن الشعراء البدو الجاهليين؟.
إذا سلَّمنا بفرضية وجود المرأة المثال في المعتقدات الدينية والأسطورية بالبيئة الجاهلية، فإن عودة شعراء الغزل الأموي إلى نحث نفس الصورة للمرأة تثبت وجود صورة أقدم للمرأة هي المثال أو الأصل الذي احتداه كل الشعراء، هذه المرأة الأيقونة، التي تضمَّنت كل الصفات الأنثوية المتحركة بوجدان ومخيال الإنسان العربي ،وكانت عناصر الأنموذج كاملة يتجاذبه الحضور والغياب الواقعي الشيء الذي جعل الشعراء، جاهليين وأمويين يحتدون الأصل المفقود.
وقد أتت صورة المرأة في شعر عمر بن أبي ربيعة مماثلة لصورة المرأة الجاهلية نظرا للتشابه في المحاسن المعتمدة على مغازلة المخيال الذكوري من خلال مرجعية اللغة كنسق فحولي،”ومن هنا نستطيع أن نزعم أن اليعْرُُبِي امتزج مع بعيره امتزاجا فاذَّاً بل إنه تماهى فيه حتَّى يمكن أن يقال إن هناك عملة واحدة لها وجهان: وجه إنساني هو اليعربي وآخر حيواني هو البعير “(15)، بينما نجد أن سحر المرأة الجاهلية والصورة التي رسمها الشعراء لها تمثل الذوق العربي أصدق تمثيل ، تُجسد تلك الوحدة المشتركة للوجدان العربي والتي تأكدت في الثوابث الفنية والتخيُّلية التي تنتظم بنية القصيدة العربية، بنية حية للخلق الفني تُشكلها الوحدة النفسية والشعورية والتي جعلت من مقومات الجمال خاصية مشتركة في شعر الغزل ف”كل حبيبة، صورة مثالية للمرأة العربية التي لفتت الأنظار وسلبت الألباب ودخلت القلوب دون استئذان “(16).
هذا السحر عند خليل رفيق عطوي “يكمن في تكامل أوصافها، فالعيون نرجس تفعل في المرء فعل الخمر والسهام، والحواجب قسيّ على الجبين الصبوح، والشعر ليل يتدلى على المثنين فيحيط وجها كأنه الشمس أو القمر نورا يشعشع في الخدود الوردية والثغر أقحوان واللَّمى خمر، والريق شهد والأسنان لؤلؤ”(17)، كل هذا يدفع بالبحث إلى تأكيد الصورة المثال للمرأة العربية، فهوس العربي بثقل العجز وامتلاء الساق يؤكد الرؤية الشبقية للشعر الجاهلي وما تلاه من شعر العصور الاحقة، لهذا “فإن اليعاريب قد ابتدعوا ما يمكن أن نسميه (تناسخ الأجساد ) وخلاصته أن تغدو الإمرأة على هيئة الناقة في بعض أجزاء وعلى صورة الفَرْسَة أو الحجر أو الفُريسة في سائر الأعضاء” (18) .
إن حضور النموذج السائد والمألوف والتعامل معه على مستوى المثال استطاعت الذات العربية أن تستحضر جل الموضوعات الممثلة لهذا النموذج بما أن الذات هي الضامنة لوحدة هذه الموضوعات “فإذا كان الشاعر العربي قد بلغ الذروة في التخييل القصصي من خلال وصف الناقة وتصورها بقرة أو ثورا أو نعامة أو قطاة، فإنه قد ظل ملتزما بهذا الاتجاه العام، مما يدل على ان وصف الناقة كان محكوما بتقليد تخيلي ترسخ منذ الزمن ” (19) .
فالشاعر يُحمِّل واقعه دلالات رمزية ” فنراه يستعمل تلك النقلة الأسلوبية المعروفة ليحث ناقته على السير بعدما يعدها ويهيئها ويختار لها من النعوت والأوصاف ما يجعلها قادرة على الضرب في عرض الصحراء لتجتاز به هذا العالم الذي يريد أن يخلفه وراء ظهره إلى عالم آخر يحلم به ويعمل له …”.(20)، فالناقة الموجودة في القصيدة هي عامل موضوعي ينتقل بها الشاعر إلى عالم السيادة والحرية والانتصار.
إن أنْوَقَة صورة المرأة الجاهلية لدى الأعرابي حقيقة وعتها المرأة الأعرابية ” فجهدت جهدها لتشكيل بدنها على مثال بدن الناقة في بعض وعلى رسم بدن الفرسة في بعض الآخر”(21) .
فالعربي لا ينظر إلى امرأته إلا من خلال ملامح الناقة والفرسة اللَّذَيْن يملأى عليه حياته وتشكيلات حواسه، وقد كان من الطبيعي أن يصبح المقياس” الناقوي” هو المقياس الذي يقيس به الأعرابي المرأة.
فالعرب بهذا منذ الجاهلية حتى العصر الأموي، رسموا امرأة واحدة للجمال الأنثوي المثالي، فلم تختلف أوصافها عند جميع الشعراء إلا في تفاصيل صغيرة لم يكن حظ الاختلاف فيها واردا فيما يخص البدانة وعظم الردف والأوراك، ” فقد صور الشاعر الجاهلي حبيبته بدينة سمينة ضخمة الأوراك، عظيمة العجز، ذلك لتأثره بالقيم الجاهلية التي كانت سائدة في عصره، فبدانة المرأة دليل على ترفها وغناها و” أرستقراطيتها “وهذا، بدوره، دليل على أن الشاعر فارس شجاع في الوصول إلى بنات الطبقة المُتميّزة في عصره ” (22)
وكانت صورة المرأة بالشعر الجاهلي مقرونة بالبدانة التي تؤهلها للقيام بوظيفة الأمومة والخصوبة الجنسية يقول نورمان بريل “إن الأعمال الفنية اللافتة للنظر في تماثيل ما قبل التاريخ كانت تماثيل المرأة المصنوعة من الحجر الجيري ، وتمثل امرأة بدينة في كل أعضائها لتمثل الخصوبة أو الأمومة ” (23) .
واستمرت المراة صدى لتهويمات الشاعر الأموي، حين غلغل النظر في جسدها وتمادى في التعبير عن ميله إلى هذا الجسد، بما فيه من إغراء وفتنة ألهبت أنينه فكشفت ظنونه، فالمرأة عنده “سمينة، ضخمة العجيزة، ثقيلة الأرداف، وكان ذلك من أسباب حقها في الوجود…لأن المرأة الرّسْحاء لا شهادة لها ولا حق في الحياة..على ذمة عمر.”(24)
فلو كانت نساء الأعراب رسحاوات لما احتاج الإسطير إلى هذا الكم الهائل من المنع والتضييق على المرأة في لباسها وزينتها.
إن العين الليبيدية للشعر العربي كانت متحكمة في تشكيل التقطيعات الجسدية لنحث صورة المرأة التي اكتملت فيها أوصاف الجمال “حتما لم تكن محبوبات الشعراء كلهن على هذه الصورة التي تمت خطوطها وبلغت حد الكمال في الحسن، وإنما أضاف إليها الشعراء أوصافا من متخيَّلهم. غير أنه من المستبعد أن تكون كل هذه الأوصاف من صنع خيال الشاعر لا وجود لها في الواقع” (25).
لقد عبّر الشعر الجاهلي والأموي عن قمة ما أنتجته حضارة العين باعتبارها أداة الاستقبال التي يجري التركيز عليها كمركزية ثقافية تُهمّش الحواس الأخرى، حيث أصبح الجسد يستقبل العالم عبر حس واحد.
2-2- لوحة فنية شعرية لصورة المرأة المثال.
إن الوردة بأجزائها المكونة لها ، فالوردة جميلة بتناسق أجزائها وتكوينها التشكيلي العام ، فعندما نريد صياغة كل المحاسن التي تغنى بها الشعراء لتكوين الجسد “المثال” في جسم الوردة الواحد لا يمكن أن نحصل إلا على تمثال لآلهة أنثى كما رسمتها الحضارات القديمة ، صورة ارتبطت بالمقدس واحتلت تشبيهاتهم لترمز إلى المرأة المُؤلهة التي عُبدت في الماضي لِما تحققه من خصوبة ” هذا وقد رمز الجاهليون للمرأة بالأصنام فمنات واللات والعُزى كانت أصناما لآلهة إناث كما رمزوا لها بالقَلُّوص والنخلة والسدرة والشجرة والنار والسحابة والشمس “(26) .
ونظرا لوحدة وجمالية الوردة فقد حبّدت رسمها ابتدءا من الصدر والنهد، الخصر ،البطن، الردف ثم الفخذ لينطبع في الأذهان التناسق الجسدي للصورة الشعرية للمرأة مع تناسق الطول والقد.
” فعندما يستعصي العثور على معنى للكل، بإمكان المحلل أن يعود للأجزاء، فقد لا يدل الكل إلا من خلال أجزائه، أو قد تختلف دلالة الكل عن دلالة الأجزاء المكونة له، تلك حالة الجسد وتلك حالة دلالاته وأشكاله ومعانيه”(27).
الصدر والنهد:
وصف الشاعر العربي صدر المرأة فجعله مثيرا وفاتحا للكون الجنسي وشهيا تتجاوز حدوده العالم الحسّي، فشبهوه بالرمانة في استدارته، وبحُق العاج لصفائه وبياضه، وبالحمام وبالمرمر ،وبالثمار، وقد سمَّى بعضهم النهدين ثمارا لنحور ، وسُميت المرأة بأسماء شكل نهديها، فالكاعب التي كان نهداها في أول بروزهما، والناهد غيرا لكعوب من حيث كبرالنهدين، وقد جاء ذكر( الكواعب الأتراب) بالقرآن الكريم.
أما الجمبل من الحلمات ما كان نافرا ورديا، تُسمّى نقطة العنبر، يقول النابغة الذبياني:
والبطن ذو عُكَن خميص ُُُ طيّه * والصدر تنفجه بثدي مُقعد.
الخــصـر:
أحب العرب من الخصور الضّامر والنحيل والناعم وهو الحزام الأنثوي الذي يفصل بين عقل الاشتهاء واشتهاء العقل ، بين أعلى الجسد وبين ما أسفله أعباؤه لا حصر لها،فهو بحمل صدرا بارزا و مكتنزا ونهدين يفيضان بالحلم والشهوةـ، ومشدود بردفين عظيمين مستديرين يمنحان الناظرين عشق الحياة.
قال ابن الدمينة:
عقيليّة ،أما مَلاتُ إزارها * فدِعْصُ ،وأما خصرها فبتيلُ ُ
(دعص= قطعة مستديرة بتيل = ضامر)
وقال ابن الرومي:
وشربت كأس مدامة من كفها * مقرونة بمدامة من ثغرها
وتمايلت فضحكت من أردافها * عجبا ولكني بكيت لخصرها.
الـبـطن :
تولّه العرب واحتل وجدانهم الشعري السمين والممتلئ من جسد المرأة فشبّهوا البطن وطيّاته بالأقمشة وبالأمواج المترقرقة، ثم ما لبث الذوق أن تحوّل إلى محبّة البطن الضامر، قليل الارتفاع، ففي البطن مكمن أخاذ من مكامن الإثارة والاشتهاء، إنه السُّرة، والواسعة منها رسمها بعض الشعراء وصفا بمُذهُنُ العاج، إشارة إلى اتساعها وقالوا: إنها تسِع أوقِية من المسك.
قال بشر بن أبي خازم :
نبيلة موضِعِ الحِجلين خَود * وفي الكشحين والبطن اضمرارُ
وقال النابغة الذبياني :
والبطنُ ذو عُكَنٍ لطيف طيُّه * والنَّحر تنفُجُهُ بثَذيٍ مُقعدِ
وقال عنترة بن شدّاد :
وبطن كبطن السّابريّةِ ليِّن * أَقَبُّ لطيف ضامرُ الكشحِ مُدمَجُ .
الـرّدف :
الرّدفان هما بُؤرة الشهوة عند العربي ، وأكثر ما تمتاز به المرأة في المخيال العربي، وقد أحب العرب الأرداف الضخمة الممتلئة وكانت عندهم فُسحة مُضيئة في خريطة الجمال والأنوثة والرغبة لديهم، وقد شبّهوا الردفين بكثيب الرمل ، بالدعص ،وبالموج ، يقول النابغة الذبياني:
مخطوطة المتنين،غير مفاضة * ريَّا الروادف ، بضّة المتجرّد .
وقال ابن الدمينة:
عقيليّة ،أما مَلاتُ إزارها * فدِعْصُ ،وأما خصرها فبتيلُ ُ
ويقول جميل بثينة:
مخطوطة المتنين مُضمَرة الخَشا * ريَّا الروادف، خلقها ممكور.
ويقول عمر بن أبي ربيعة:
خَدَلَّجَة اذا انصرفت * رأيت وشاحها قلقا
وساقا تملأ الخُلخـــا * لَ فيه تراه مُختَنقا.
الـفـخذ :
أما الفخدان ، ففيهما الإغواء والإغراء والشهوة ، فهما تفضيان إلى مكامن السحر والجمال ، ولذا كانت الفخذ الجميلة هي اللَّفاء المكتنزة ، تتناسق مع عظم الردف وتدويره وقالوا إنه أنعم من الحرير وألين من الزبد، والساق المثال عندهم هي الساق الرّيّا الممتلئة القوية .
وشبَّهوا الساقين بعمودين من المرمر .
يقول النابغة الذبياني:
سقط النضيف ولم تُرد إسقاطه * فتناولنه واتَّقَتنا ،بالــــيد
بمخضَّب رخص كأن بنانــــه * عنم على أغصانه لم يُعقد

رد مع اقتباس