الموضوع: المعيار
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 17-05-2001, 04:39 PM
الاميرة الاميرة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2001
المشاركات: 10
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة ( المعيار )

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[ (آل عمران/ 102).


يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[ (النساء/1).
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما[ (الأحزاب/70ـ71}
أما بعد..
فإنني كنت قد علقت قبل فترة على مواضع متفرقة من كتاب (النكت على ابن الصلاح) للحافظ ابن حجر العسقلاني بتحقيق د. ربيع بن هادي المدخلي أصلحت فيها بعض ما وقع من المحقق من أوهام وأغلاط. ثم إنني شرعت في تتبع عمل المحقق وتعليقاته لها التي وقع من المحقق من أوهام وأغلاط فيها والتي لا يتصور وقوعها من طالب في السنة النهائية بقسم الحديث، فكيف بمن لُقب بـ (أستاذ كرسي علم الحديث في الجامعة الإسلامية)؟

ومما شجعني على المضي قدما في هذا التتبع ما لمسته في مريديه من الغلو في مدحه وتعظيم منزلته، فلم يكتفوا بوصف ربيع بـ (العلامة المحدث الدكتور أستاذ كرسي علم الحديث) بل جعلوه (إمام أهل السنة والجماعة) في هذا العصر متغافلين عن العالم الرباني الحقيقي بهذا اللقب وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ أمتع الله به ونفعنا بعلومه ـ

وليت الأمر وقف عند حدود المدح والتعظيم بل تجاوزه حتى كاد أن يصل إلى ادعــاء العصمة فيه! فكثير من مريديه يغضب ويثور حين يقال له إن شيخك قد جانب الصواب في المسألة الفلانية. بينما يسهل على الكثيرين منهم تخطئة الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيميه وعلماء الدعوة النجدية ممن يشهد لهم ببلوغ مرتبة الإمامة في الدين.

وكان من آثار هذا التعصب الذميم أن أصبح الشيخ محل عقد الولاء والبراء عندهم. فمن وافقه فيما يقول فهو ـ على حد قولهم ـ من إخواننا على المنهج الصحيح. ومن خالفه فهو مبتدع ضال يستوجب الهجر والتأديب. وقد كنا ـ معشر السلفيين ـ ننعى على أهل المذاهب جمودهم وتعصبهم حتى نبتت بيننا نابتة جعلتنا نترحم على متعصبة المذاهب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومن المضحك المبكي أن مريدي الشيخ ربيع هم أكثر الناس لهجا بمحاربة الحزبية والحزبيين في الظاهر، فهذا هو حديثهم المفضل الذي يطنطنون به صباح مساء. ولو سئلت (الحزبية) أين أحباؤك وأخدانك لأشارت إليهم بأصابعها الخمس!

ولما رأى الشيخ ربيع كل التعظيم والتمجيد من مريديه اندفع في الرد على مخالفيه متجاوزا في ذلك حدود الشرع و الأدب فاتهمهم بشتى أنواع التهم، وسفه عقولهم، وطعن في نيّاتهم، وشكك في مقاصدهم بل وصل الأمر به في نصرة رأيه إلى التشكيك يكتب أهل العلم مثل مجموع فتاوى شيخ الإسلام وكتاب (سير النبلاء) للحافظ الذهبي بدعوى أن ما يوجد فيها من ذكر محاسن بعض العلماء المدعين هو من وضع المبتدعة ودسائسهم في هذه الكتب !.

وهذه دعوى خطيرة للتشكيك في تراث هذه الأمـة. ولا أجـد دعوى توازيها في هذه الخطورة غير دعوى طه حسين في التشكيك في كل ما كان متلقيا عن طريق الرواية. وقد رأيت نصحا للأمـة ونصحا للشيخ ربيع نفسه أن أنشر ما وقفت عليه من أوهام وأغلاط في تحقيقه للنكت ليعرف بذلك قدر علمه وينشغل بتصويب أطروحته في الدكتوراه بدلا من انشغاله بعيب الدعاة والمصلحين، كما أن في هذا (المعيار) إعلام لمريدي ربيع والغالين فيه بحقيقة المستوى العلمي للدكتور ربيع في مادة تخصصه (علم الحديث) وذلك من خلال نقد أرقى أعماله العلمية وهي (أطروحة الدكتوراه) فلعل ذلك أن يسهم في إطفاء أوار الفتنة التي أشعلوها وأشغلوا الناس بها. وليس أعظم على (المتبوع) من افتتان الأتباع بتقليده ومحاكاته. الإمام.. الدكتور!!

مما يثير الاستغراب والدهشة حرص الدكتور ربيع بن هادي على أن يسبق لقب (الدكتور) اسمه في طرة جميع كتبه وإعلانات دروسه ومحاضراته، ووجه الاستغراب: أن المفترض فيمن يحرص غاية الحرص على مجانبة أهل البدع والبعد عن مشابهتهم أن يكون أكثر حرصا على تجنب التشبه باليهود والنصارى في ألقابهم العلمية. فمن المعلوم أن لقب (الدكتور) لقب دخيل على العربية وأهلها، فقد كان يلقب به عند اليهود (الحاخام) العالم بشريعتهم، ويلقب النصارى به من يتولى تفسير كتبهم المقدسة. فالواجب على من نُصِبَ (إماما لأهل السنة والجماعة في هذا العصر) أن يترفع عن مثل هذه الألقاب اليهودية والنصرانية..

وعلاوة على ذلك فإن هذا اللقب لا يمنح صاحبه مكانة خاصة في علمه، فمن الواقع المشهود أن كثيرا من حملة هذا اللقب ـ دون تعميم ـ عريّون عن العلم، إذا تحدّثوا في مجال تخصصهم أتوا بالعجائب! يقول العلاّمة بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه النافع (تغريب الألقاب العلمية/ ص 31) في ذكر عيوب التلقب بهذا اللقب: تعريض المرء نفسه بانفتاح باب قالة الناس من أنه يحمل الاسم بلا حقيقة، فهو مزجي البضاعة، ومهما كسب هذا اللقب من الدعاية فلن يملأ فراغا يحسّ به الناس ويعتقدونه، وما أجمل بالمرء أن يعيش تحت ستر الله، ومن كان صافي الجوهر عميق المادة فأمام الحقائق تتلاشى المظاهر وتزول كتقلص الظل وزوال الخيال أهـ.

هذا(المعيار)...!

سردت فيه أوهام وتخليطات الدكتور ربيع بن هادي في تحقيقه لكتاب (النكت على ابن الصلاح) وما رقمه عليه من تعليقات. ومن المعلوم أن الكتاب في الأصل هو أطروحة لنيل درجة العالمية العالية في علم الحديث (الدكتوراة) وقد نوقشت سنة (1400هـ) ولا ريب أن (لجنة الحكم والمناقشة) على الرسالة قد تعقبت ربيعها في شيء من أوهامه وأغلاطه التي قام بإصلاحها فيما بعد. وما أذكره هنا من الأوهام والأغلاط هو (لجنة الحكم والمناقشة) التنبيه عليه.

والطبعة المعتمدة في دراستنا النقدية هذه: هي طبعة (المجلس العلمي إحياء التراث الإسلامي) بالجامعة الإسلامية بالمدينة الطيبة سنة (1404هـ). وحتى لا أظلم الرجل فقد راجعت طبعة دار الراية للكتاب سنة (1408هـ) لعلي أجد تراجع ربيع عن شيء من تلك الأوهام والتخليطات، لكني وجدتها طبعة طبق الأصل عن الطبعة الأولى! وقد رأيت من المناسب ترتيب تلك الأوهام والتخليطات بضم النظير إلى نظيره، فخرج المعيار في أحد عشر فصلا وخاتمة والله المسؤول أن ينفع به ليقوم بالدور المطلوب منه الذي أشرنا إليه آنفا والله الموفق, وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير.

وكتب

ناصر بن عبد المحسن القحطاني

الريــــاض

في 8/11/1416هـ

الفصل الأول:

بيان ضعف استقراء ربيع لكتب أهل العلم وأنه لا يعوّل عليه في ذلك لتعجله

النموذج الأول

حديث في صحيح ابن خزيمة ينفي ربيع وجوده فيه!!

قال الحافظ: ونظيره ما رواه ابن خزيمة (2)أيضا، قال: حدثنا محمد بن حسان ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان، عن بلا ل رضي الله عنهُ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلام: "لا تسبقني بآمين" (النكت2/593)

علق ربيع عليه بقوله: "(2) لم أجده في صحيح ابن خزيمة، وقد راجعت كتاب الصلاة كله خصوصاً: باب تأمين المأموم إذا أمّن إمامه وغيرها من أبواب التأمين فلم أجده." أهـ

قلت: هو صحيح ابن خزيمة رقم (573) في باب: الجهر بآمين عند انقضاء فاتحة الكتاب في الصلاة التي يجهر الإمام فيها بالقراءة (ج 1/صلى الله عليه وآله وسلّم287/سطر9). وهذا مما يؤكد أن استقرار ربيع للكتب لا يعوّل عليه ولا يوثق به. وانظر كيف ادعى أنه قرأ كتاب كله وخصوصاً أبواب التأمين فلم يجد طلبته!

قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل

النموذج الثاني:

حديث وترجمتان في تاريخ الخطيب البغدادي!!

قال الحافظ في تخريج حديث دخول النبي صلى الله عليه وسلام مكة وعلى رأسه المغفر: وقد وجدته من رواية محمد بن مصعب عن الأوزاعي أيضا. قال الخطيب في تاريخه: أنا الحسن بن محمد الخلال: أنا علي بن عمرو بن سهل الحريري: ثنا محمد بن الحسن بن مقسم من أصل كتابه: ثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد: ثنا محمد بن مصعب القرقساني (2) ثنا الأوزاعي عن الزهري فذكره.

قال الخطيب: هذا وهم على محمد بن مصعب، فإنه إنما رواه عن مالك لا عن الأوزاعي. (النكت 2/661).

علق ربيع على ذلك بقوله: (3).. هذا ولم أجد هذا الحديث والكلام الذي حكاه الحافظ عن الخطيب في تراجم هؤلاء الثلاثة الخلال والجلاجلي والقرقساني، أما الحريري وابن مقسم فلم أجد لهما ترجمة في تاريخ بغداد، فالله أعلم أين ذكر الخطيب هذا الحديث والكلام عليه" أهـ.

قلت: ذكره الخطيب في ترجمة ابن مقسم التي لم يقف عليها ربيع! وهو محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم انظر: تاريخ بغداد: 2/206. وقد ترجم أيضاً للحريري 12/21، فالله اعلم بالطريقة التي يبحث فيها ربيع عن الأحاديث والتراجم!!

النموذج الثالث:

كلام للترمذي في جامعه:

نقل الحافظ عن الترمذي قوله بعد حديث: هذا حديث حسن. قال: وإنما لم نقل لهذا الحديث صحيح. لأنه يقال: إن الأعمش دلس فيه فرواه بعضهم عنه، قال: حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة (النكت:1/403).

فعلق ربيع بقوله: (2) الحديث المشار إليه في (ت) 42 ـ كتاب العلم 2 ـ باب: فضل طلب العلم حديث 2646.. وقال عقبة: هذا حديث حسن. ولم أجد فيه ما حكاه الحافظ من أنه قال: وإنما لم نقل لهذا الحديث صحيح... إلـخ، وقد بحثت عنه في عدد من النسخ. أهـ

قلت: لا حاجة للبحث عنه في عدد من النسخ، لأنه في نفس النسخة التي بحثت فيها لكن في موضعين آخرين من الكتاب فقد أخرج الترمذي الحديث في أكثر من موضع، وانظر كلامه المزبور في (4/34) و (5/196)!!

وانظر أيضا أمثلة أخرى قي استقراء تراجم الرواة في الفصل الثامن..

الفصل الثاني:

بيان أن معرفة ربيع بكتب أهل العلم ضعيفة قاصرة.

المثال الأول:

إنكاره أن يكون لعبد الحق الاشبيلي كتاب (الجمع بين الصحيحين) ثم ردّه على نفسه!

قال الحافظ: وقد سبق مغلطاي إلى ذلك: ابن بطال في شرح البخاري وعبد الحق في أواخر الجمع بين الصحيحين (9) وغيرها.. (1/356)

فعلّق ربيع قائلا: (9) الجمع بين الصحيحين إنما هو للحميدي محمد بن أبي نصر فتوح لا لعبد الحق، وكتاب عبد الحق إنما هو كتاب الأحكام، فلعل هذا سبق قلم..

قلت: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(21/1351)في ترجمة عبد الحق: قلت: وعمل (الجمع بين الصحيحين) بلا إسناد على ترتيب مسلم. وأتقنه وجوّده. أهـ

ونقل في ترجمته من تذكرة الحفاظ(4/1351)عن الحافظ أبي عبد الله الأبّار قوله عن عبد الحق: وله (الجمع بين الصحيحين) مصنّف. أهـ

وقال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات (2/257) في ترجمته: وجمع بين الصحيحين وبوّبه. أهـ

وقال ابن العماد في شذرات الذهب (4/271) عنه: أحد الأعلام ومؤلف الأحكام الكبرى والجمع بين الصحيحين.

وقال الحافظ العراقي في شرح الألفية (1/63): أما الجمع بين الصحيحين لعبد الحق وكذلك مختصرات البخاري ومسلم فلك أن تنقل منها وتعزو ذاك للصحيحين.

وقال ربيع نفسه في ترجمة عبد الحق (1/488 ـ تعليق 2) مؤلف الأحكام الكبرى والصغرى والجمع بين الصحيحين أهـ. قلت فهذا يصلح أن يدرج ضمن ردّ ربيع على ربيع!

ومن هذا تعلم أن ربيعاً يتكل على معرفته القاصرة ـ دون الرجوع إلى الكتب المعتمدة ـ ويبني على ذلك تخطئته للصواب. فينبغي ألا يعوّل على كلامه إلا بعد السبر والتثبّت. وتأمل قوله: وكتاب عبد الحق إنما هو كتاب الأحكام: فإنه يفهم منه أنه ليس لعبد الحق غير كتاب الأحكام. وهو المفهوم من استعماله لأداة الحصر (إنما) وهذا شاهد على أن أسلوبه تعوزه الدقة في اختيار الألفاظ المناسبة.

النموذج الثاني:

د. ربيع لا يفرق بين مصابيح البغوي ومشكاة المصابيح للتبريزي

قال الحافظ: والبغوي قد نص في ابتداء المصابيح بهذه العبارة: وأعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان... إلى آخره

ثم قال: وأعني بالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئمة.. إلى آخره (1/445/446)

علّق ربيع على ذلك بقوله: (1) رجعت إلى مشكاة المصابيح فلم أجد هذا الكلام ولكني وجدته في مقدمة زهير الشاويش ص د ولم يذكر مصدره أهـ.

قلت: من الطبيعي أن لا تجد كلام البغوي في المشكاة، لأنه ـ بكل بساطة ـ مذكور في كتابه المصابيح ( انظر: 1/110) فهو كمن قيل له: أنجد. فاتهم ( )..

ولا ريب أن ذلك يعطيك دليلا واضحاً على تعجل ربيع وعدم تدقيقه في الكلام كما يكشف عن ضحالة علمه بكتب السنة حيث أنه لا يفرق بين (المشكاة) و (المصابيح).

راحت مشرقة ورحت مغربا شتان بين مشرق ومغرب!

النموذج الثالث:

ربيع ينسب كتاب أحمد شاكر (الباعث الحثيث) للحافظ ابن كثير!

ترجم ربيع لابن كثير (1/476 تعلق 4) فقال:

(له مصنفات نافعة، منها التفسير وجامع المسانيد في الحديث والبداية والنهاية في التاريخ والباعث الحثيث في علوم الحديث) أ هـ

قلت: الباعث الحثيث للعلامة أحمد شاكر شرح به كتاب أبن كثير‎ (اختصار علوم الحديث) لكن ربيع اختلط عليه الأمر فلم يميز بين الكتابين!! وقد ذكره في ثبت المصادر (2/905) فقال: "مختصر ابن كثير، وهو الباعث الحثيث" أهـ!!

النموذج الرابع:

د. ربيع لا يفرق بين مجمع الزوائد للهيثمي وزوائد ابن ماجه للبوصيري!!

ذكر الحافظ حديث عبد الرحمن بن عوف: "صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر" وعزاه إلى النسائي وابن ماجه. (2/517) قال ربيع في تخريجه: وأما ابن ماجه فأخرجه من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف.. " قال وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا، وأسامة متفق على ضعفه. قاله الهيثمي في الزوائد كما نقله محقق الكتاب" أهـ

قلت: محقق سنن ابن ماجه الأستاذ فؤاد عبد الباقي لم ينسب هذا الكلام إلى الهيثمي وكتاب (مجمع الزوائد)، وإنما قال: في الزوائد.. (انظر سنن ابن ماجه 10/532)

وقد أشار في خاتمة طبعته (2/1528) إلي أنه ينقل عن الزوائد البوصيري حيث قال في حديثه عن النص والطبعات التي رجع إليها: "وهذه النسخة لم يراع فيها شيء من الدقة... ولم أنتفع منها إلا بما نقله السندي في حاشيته عن كتاب الزوائد للبوصيري" أهـ

وما ذكرته هو من البدهيات المعلومة عند المشتغلين بتخريج الحديث. وهب أن ذلك خفي على ربيع فهل يخفي عليه أيضا أن الهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد) إنما جمع زوائد أحاديث مسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى ومعاجم الطبراني الثلاثة على الكتب الستة، فكيف يتكلم في المجمع على حديث عند النسائي وابن ماجه؟! هذا دليل آخر على زجاء بضاعة ربيع في علم الحديث وأنه تصدر لما لا قِبَلَ له به. وقال ربيع على هذا الحديث: "... وإنما منشأ هذا هو وهم أسامة بن زيد على الزهري حيث رفع عنه حديثاً المعروف عنه وقفه، فهي رواية منكره لاتفاق المحدثين على ضعف أسامة"

وقال في تقدمته (1/190): وأسامة بن زيد متفق على ضعفه "!

قلت : انظر كيف نقل اتفاق المحدثين على ضعف أسامة بن زيد الليثي، ولو رجعت إلى ترجمته في التهذيب (1/208-210) لوجدت أن ابن معين قال عنه: ثقة. وفي رواية عنه زاد: حجة. ووثقه العجلي. وقال أبو داود: صالح إلا أن يحيى بن سعيد أمسك عنه بآخره. وقال ابن عدي: وهو كما قال ابن معين ليس بحديثه بأس. وضعفه غيرهم.

وقد قال الذهبي في (معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد) (رقم/26-ص/64) عن أسامة: صدوق قوي الحديث، أكثر مسلم إخراج حديث ابن وهب عنه، ولكن أكثره من الشواهد والمتابعات، والظاهر أنه ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي". أهـ.

أيفصح بعد هذا أن ينقل ربيع الاتفاق على ضعفه؟!

والظاهر: أنه اغتر بما نقله عبد الباقي عن البوصيري ـ أو الهيثمي كما ظن ربيع ـ! والواجب على من يتصدى لنيل درجة العالمية العالي(الدكتوراه) أن يرجع إلى كتب الرجال ليقف على حقيقة حال الراوي. وقد رجعت إلى زوائد البوصيري (1/298) في كلامه على هذا الحديث فوجدته قد وصفه بأنه (ضعيف) فلم ينقل اتفاقا.

وأما الهيثمي فقد قال عنه في مجمع الزوائد (4/322) في كلامه على حديث آخر: "من رجال الصحيح وفيه ضعف.".

النموذج الخامس:

ربيع يكتشف كتابا جديدا للدار قطني اسمه (المديح)!!

قال الحافظ في تخريج طرق حديث دخول النبي صلى الله عليه و سلم مكة وعلى رأسه المغفر: ثم وجدته في (المديح)!للدارقطني . أهـ (2/660)

هكذا قراء د. ربيع، وصوابه: (المدَبْج) قال العراقي في فتح المغيث (3/67ـ68) وذلك أن يروي كل واحد من القرينين عن الآخر، وبذلك سمّاه الدار قطني وجمع فيه كتابا حافلا في مجلد ونظر أيضا. نزهة النظر ص126 وتدريب الراوي (2/247) وفتح المغيث للسخاوي (4/169) .

وبهذا تعلم السر في إحجام ربيع عن ذكر هذا الكتاب في مراجع الحافظ (2/898) !

النموذج السادس:

ربيع يجهل أن مختصر ابن الحاجب (المشهور) مطبوع، فيحيل القارئ إلى مخطوطة الحرم المكي!!

نقل الحافظ كلاما لابن الحاجب (2/694) فقال ربيع في بيان موضعه من كتابه الشهير مختصر المنتهى (ق35/2) مخطوط بمكتبة الحرم المكي برقم 98 أصول. وذكره أيضا في مصادر التحقيق (2/898) وقال: "يوجد بمكتبة الحرم المكي" أهـ

قلت: أحال على مخطوطة الكتاب، وفاته أن الكتاب قد طبع مرارا، فمن ذلك طبعة دار الطباعة باستنبول (1326هـ/1908م) وطبعة الدار البيضاء (1388هـ/1968م) وطبعة مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة (1393هـ/1973م)

وكتاب ابن الحاجب من أهم كتب أصول الفقه، ولا يتصور خفاء أمره على صغار طلبة العلم فكيف بـ (إمام أهل السنة والجماعة)!

الفصل الثالث:

ربيع يسقط هيبة (الصحيح) فيضعف حديثين من أحاديث البخاري

الحديث الأول:

حديث سهل بن سعد في ذكر خيل النبي صلى الله عليه والسلام.

قال الحافظ: ومن ذلك (أي: الصحيح لغيره) حديث أُبي بن العباس بن سهل سعد عن أبيه عن جده رضي الله عنهُ في ذكر خيل النبي صلى الله عليه والسلام وأُبي هذا ضعّفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنسائي ولكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس أخرجه أبن ماجه من طريقه. وعبد المهيمن أيضا فيه ضعف فاعتضد، وانضاف إلى ذلك أنه ليس من أحاديث الأحكام فلهذا الصورة المجموعية حكم البخاري بصحته. (1/418).

فعلق ربيع على ذلك قائلاً: "(6) في الحكم لهذا الحديث بالصحة ـ ومداره على أبي بن العباس وأخيه عبد المهيمن ـ وهما ضعيفان ـ نظر، وهو خلاف المقر في علوم الحديث لأن ما هذا حاله يحكم له بالحسن إن كان هناك تسامح لأن عبد المهيمن في هذا الحديث شديد الضعف حيث قال الذهبي إنه واه وعلى هذا فمن يتحرى الدقة لا يعتبر ولا يعضد به غيره" أهـ

قلت: في قوله: (وعلى هذا.. الخ):

1ـ إيماء إلى تضعيف الحديث، لأن من يتحرى الدقة لا يقوى رواية أبي برواية أخيه.

2ـ ولمزه للحافظ بعدم تحريه الدقة لأنه عضد رواية أبي برواية أخيه!!

الحديث الثاني:

حديث أنس في كون قيس بن سعد رضي الله عنهُ من النبي صلى الله عليه وسلام بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير:

نقل الحافظ عن الحاكم قوله في هذا الحديث أنه شاذ ثم قال: قلت: وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذاً (2/670)

علّق ربيع على ذلك بقوله في تعليق (6): وإذا كان هذا هو الإسناد الوحيد لهذا الحديث ففي قول الحافظ إنه صحيح نظر. وتكلم في التعليق (2) على أحد رواة الحديث (عبد الله بن المثنى الأنصاري) فنقل قول الحافظ عنه. صدوق كثير الغلط.

وقد بلغنا عن أحد مريدي الشيخ ربيع في بلدة الكويت أنه تهجّم على محدّث الديار الشامية العلامة محمد ناصر الدين الألباني ووصفه بالحمق وأنه قزم من الأقزام على حد قوله! لأنه تعرض لنقد أحاديث في صحيح البخاري، فهل يطرد هذا المريد الحكم في شيخه أم أن منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال ـ عند ربيع ومريديه ـ قائم على المحاباة وقولِ الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

نعوذ بالله من الخذلان واتباع الهوى.

الفصل الرابع:

ربيع لعجلته لا يتأمل كلام المخالف بل يهجم عليه ناقدا ومعترضا فيأتي بالعجائب!!

المثال الأول:

قال الحافظ: "ووراء هذه التراجم نسخ كثيرة موضوعة هي أولى بإطلاق أوهى الأسانيد كنسخ أبي هدبة.. وذكر عددا من النسخ الموضوعة، قال: ونسخة رواها أبو سعيد أبان بن جعفر البصري أوردها كلها من حديث أبي حنيفة وهي نحو ثلاثمائة حديث. ما حدّث منها بحديث. وفي سردها كثرة، ومن أراد استيفاءها فليطالع كتابي لسان الميزان (3)." (1/501ـ502).

قال ربيع ظاناً أنه قد ظفر بوهم للحافظ (ص502): "(3) لم يذكر الحافظ في لسان الميزان من هذه الأحاديث التي أشار إليها إلا حديثاً واحدا بإسناد أبان هذا إلى أبي حنيفة..أهـ

قلت: قول الحافظ: وفي سردها كثرة، ومن أراد استيفاءها.. "الضمير عائد فيه إلى النسخ الموضوعة التي ذكر عددا منها، وأحال من أراد الاستيفاء على كتابه (اللسان)، لكن ربيعاً ـ لعجلته وعدم تثبته وتخليطه في وضع علامات الترقيم ـ ظن أن الضمير عائد على أحاديث نسخة أبي سعيد أبان بن جعفر فذهب يستدرك على الحافظ فأتي من سوء فهمه!!

المثال الثاني:

نقل الحافظ عن شيخه العراقي قوله في طرق حديث النهي عن بيع الولاء وهبته: "وقد رواه غير يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن أبن عمر رضي الله عنهما فذكر رواية يونس بن عبيد عن نافع من عند ابن عدي. قلت: (القائل هو الحافظ): ليس هذا متابعا ليحيى بن سليم عن عبيد الله، وقد وجدت له متابعا (4)" فذكره.(2/671)..

فعلق ربيع على ذلك بقوله: "(4) تعقب الحافظ هنا لشيخة غير سليم، لأن كلام العراقي كالآتي: " قلت: وقد ورد من غير رواية يحيى بن سليم عن نافع رواه ابن عدي في الكامل ثم ساق إسناد ابن عدي إلى يونس بن عبيد عن نافع عن أبن عمر" فغرض العراقي بيان أن هذا الحديث قد رُوي عن نافع من غير طريق يحيى بن سليم ـ أيضا ـ ولم يقصد أن يسوق متابعات لعبيد الله فأخطأ الهدف حتى يستدرك عليه" أ هـ

قلت: تعقب الحافظ في محله، وقد وقع في كلام العراقي في مطبوعة (التقييد) وهي كثيرة السقط والتحريف ـ سقط ظاهر (ص/104) والصواب ما نقله الحافظ عن العراقي وهو قوله: "وقد ورد من غير رواية يحيى بن سليم (عن عبيد الله) عن نافع" وذلك لأمرين:

الأول: أن الحافظ العراقي ذكر قبيل ذلك هذا الإستاد فقال (ص/103/104): رواه الترمذي في كتاب العلل المفرد، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: حدثنا يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع..." .

الثانـي: أن يحيى بن سليم لا رواية له عن نافع فهو لم يدركه، وإنما يروي عنه بواسطة عبيد الله بن عمر (انظر التهذيب:11/226).

فإذا تبين لك ذلك علمت دقة تعقب الحافظ، لأن العراقي ذكر أنه قد رواه غير يحيى بن سليم عن عبيد الله، ثم ذكر متابعا لعبيد الله ولم يسم من تابع يحيى على روايته عن عبيد الله، فأتي الحافظ بمتابع ليحيى. وبهذا تعلم أم قول ربيع: "... فأخطأ الهدف حتى يستدرك عليه" جعجعة لا طائل منها.

المثال الثالث:

قال الحافظ معلقاً على تمثل العراقي للمنكر بحديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس في وضع الخاتم عند دخول الخلاء: "وقد نوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أن رجاله رجال الصحيح. والجواب أن أبا داود حكم عليه بكونه منكرا، لأن همّاما تفردّ به عن ابن جريج وهما وأن كانا من رجال الصحيح. فإن الشيخين لم يخرجا من رواية همّام عن ابن جريج شيئا لأن أخذه عنه كان لما كان ابن جريج بالبصرة، والذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة في حديثهم خلل من قِبله، والخلل في هذا الحديث من جهة أن ابن جريج دلّسه عن الزهري بإسقاط الواسطة ـ وهو زياد بن سعد ـ وَوَهمِ همام في لفظه على ما جزم به أبو داود وغيره، هذا وجه حكمه عليه بكونه منكرا، وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب فإنه شاذ في الحقيقة إذ المنفرد به من شرط الصحيح (5) لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذا" (2/677).

قلت: الظاهر أن أبا داود حكم عليه بالنكارة لوهم همام في لفظه، أما تدليس أبن جريج هنا فلا يضر إن كانت الواسطة بينه وبين الزهري: زياد بن سعد ـ كما قال الحافظ ـ لأن زياد هذا ثقة ثبت كما في التقريب. وقد رأى الحافظ أن الحكم بشذوذ الحديث أصوب من الحكم بنكارته، لأن راوي الحديث همام بن يحيى ثقة أو على حد قوله: (من شرط الصحيح) أي الحديث الصحيح وما انفرد به الثقة مخالفا يسمي شاذا، وأما المنكر فما انفرد به الضعيف. غير أن ربيعا فهم غير ذلك فعلق بقوله: "(5) كيف يكون المنفرد به ـ وهو همام ـ من شرط الصحيح وقد قال الحافظ نفسه إن في سماعه من ابن جريج خللا مما جعل الشيخين يتجنبان حديثه عنه فلم يخرجا في الصحيحين من رواية همام عن ابن جريج شيئا" أ هـ

قلت: قد بينا مقصود الحافظ من قوله (من شرط الصحيح)، ولو كان ما فهمه ربيع هو المقصود لقال الحافظ (من شرط الصحيح) وكيف يتصور من الحافظ أن يقع في هذا الوهم وقد سبق له التنبيه على حال رواية همام عن ابن جريج قبل ذلك بسطور قلائل؟!!

المثال الرابع:

قال الحافظ في بيان طرق حديث كفارة المجلس: "وذلك من طريق وهيب (3) عن سهيل عن عون بن عبد الله لا ذكر لكعب فيه ألبته، وبذلك أعله أحمد بن حنبل وأبو حاتم..." (2/718)

فعلق ربيع بقوله: "(3) الصواب أن يقول: وذلك من طريق موسى بن عقبة عن سهيل" أهـ

قلت: بل الصواب ما ذكره الحافظ، وكرره أيضا في(2/723) نقلا عن علل الدارقطني: "..قال: والصحيح قول وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله" أهـ... وهكذا ذكره ابن أبي حاتم في العلل (2/195).

المثال الخامس:

قال الحافظ: قول ابن عيينة: لم نجد شيئا يشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. فيه نظر، فقد رواه الطبراني من طريق أبى موسى الأشعري، وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف ولكنه وارد على الإطلاق (4) (2/773).

فعلّق ربيع قائلاً: " (4) قول الحافظ: لكنه وارد على الإطلاق. فيه نظر فإن ابن عيينة نفى وجود شيء يشد به رواية أبي هارون لا يعتبر بها لأنه متروك فلا مكان للإيراد على قول ابن عيينة برواية العبدي" أهـ.

قلتُ: نعوذ بالله من العجلة والولع بتخطئة الناس، فلو قرأ ربيع كلام ابن عيينة كاملاً لعلم صحة اعتراض الحافظ، فابن عيينة نفى وجود شيء يشد به هذا الحديث، ونفى أيضاً مجيئه إلا من هذا الوجه. وعلى هذا النفي الأخير إيراد الحافظ ولو اقتصر ابن عيينة على النفي الأول لساغ كلام ربيع ولكنه هيهات هيهات.

المثال السادس: وهو شاهد على ضحالة فهم ربيع للنصوص!

قال الحافظ: "روينا في أمالي المحاملي من طريق ابن عيينة عن ابن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه رواه قال: قول إبراهيم عليه السلام: ]والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين[ (الشعراء: 82) في كذباته الثلاث (6)" (2/535).

فأبو سعيد فسّر (الخطيئة) التي سأل إبراهيم عليه السلام الله أن يغفرها له: بالكذبات الثلاث التي وقعت منه..

قال ابن جرير في تفسير الآية (19/53- ط بولاق): "وقيل إن إبراهيم صلوات الله عليه عنى بقوله: ]والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين[ والذي أرجو أن يغفر لي قولي: ] إني سقيم[ (الصافات: 89) وقولي: ] بل فعله كبيرهم هذا[ (الأنبياء: 63)، وقولي لسارة: إنها أختي. ثم ساق بسنده عن مجاهد وعكرمة نحوه.

أما ربيع فقد استشكل قول أبي سعيد، وظن أنه عد دعاء إبراهيم عليه السلام هذا من كذباته الثلاث!! فقال: (6) غير واضح عد هذا في الثلاث فينظر ثم أنه في جميع النسخ الثلاثة" أهـ.

قلتُ: لو كلف ربيع نفسه قليلاً فراجع كتب التفسير لعلم سوء فهمه ولما استشكل ما كان جلياً واضحاً عند غيره، لكن ماله وللتحقيق؟!.

وقد خطّأ ربيع الحافظ في قوله: "وكملت فوائد المستخرجات بهذه الفوائد السبعة (4)" (1/323) حيث علّق قائلاً: "(4) كذا في جميع النسخ والصواب: السبع" أهـ.

ونسي هنا ما قرره هناك فقال: "ثم إنه في جميع النسخ الثلاثة" فوقع في ما نعاه على الحافظ!! وانظر مزيد بيان لذلك في الفصل العاشر.

الفصل الخامس:

بيان ضعف معرفة ربيع بأصول التخريج والحكم على الأسانيد

المثال الأول:

ربيع يتعذّر عليه الوقوف على حديث للنسائي في عمل اليوم والليلة.

في التعليق (9) (1/327-328) في تخريج حديث أبى هريرة: وكلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بزكاة رمضان" الحديث. نقل ربيع عن الحافظ قوله في الفتح فيمن وصل إحدى روايات البخاري المعلقة: وقد وصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان المذكور.

فعلّق ربيع عليه بقوله: "وقد بحثت عن الحديث في المجتبى للنسائي فلم أجده".

قلتُ: هو عند النسائي في (عمل اليوم والليلة) برقم (959)، وانظر تحفة الأشراف (10/344-345). فكان الأولى إذ لم يجده في الصغرى أن يقول لعله في الكبرى كما هو صنيع المحققين في هذا العلم الشريف.

المثال الثاني:

ربيع يعزو أثراً في مسند أبي يعلى إلى كتاب (فتح المجيد)!!

ذكر الحافظ أثر ابن مسعود: من أتى عرافاً.. الخ. (2/529)، وقال ربيع في تخريجه: "(2) أخرجه أبو يعلى. انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن (ص290)" أهـ.

قلتُ: لو صنع هذا طالب في قسم العقيدة لوُبّخ على مثل هذا العزو، فكيف بباحث يعد لنيل (الدرجة العالية) في علوم الحديث فيحيل عزو المتقدم على المتأخر؟!

وقد ذكر ربيع في مراجع بحثه (2/899)" "مسند أبي يعلى الموصلي (ت307) منه صورة في مكتبة الحرم المكي" أهـ. فلم لم يعزه إليه؟!

وكان الأولى به ـ إن لم يتيسر له الوقوف عليه في المخطوط ـ أن يعزوه إلى مجمع الزوائد (5/118) والفتح (10/217) فإنهما أورداه وتكلما على إسناده.

المثال الثالث:

ربيع يُضعّف حديث قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة.

ذكر الحافظ أن ابن الجوزي ذكر في موضوعاته جملة من الأحاديث الحسان قال: كحديث قراءة آية الكرسي دب كل صلاة، فإنه صحيح رواه النسائي وصححه ابن حبان" (2/849).

قال ربيع في الكلام على الحديث: "(1) .. ثم رواه (يعني ابن الجوزي) من حديث أبي أمامة، وقال: قال الدار قطني: غريب من حديث الألهاني (يعني: محمد بن زياد الألهاني) تفرّد به محمد بن حمير عنه. قال يعقوب بن سفيان: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال الحافظ في محمد بن حمير أنه صدوق. التقريب (2/157) وعد الذهبي في الميزان هذا الحديث من غرائبه. انظر الميزان (3/532) ففي تصحيح الحافظ له نظر بل هو ضعيف عنهما لا يصلحان للاعتبار ولا ينهضان لجبران حديث أبى أمامة كما ترى، خصوصاً وأن لفظ حديث جابر يختلف تماماً عن لفظ حديث أبي أمامة وعلي" أهـ.

قلتُ: حديث أبى أمامة أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة" (رقم 100)، والطبراني في "الكبير" (8/134 رقم: 7532)، والأوسط (مجمع البحرين: 8/28-29 رقم 4654) والدعاء (675)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (124) من طرق عن محمد بن حِمير عن محمد بن زياد الألهاني عنه مرفوعاً.

وإسناده حسن: ابن حِمَير وثّقه ابن معين ودحيم وابن حبان وقال النسائي والدارقطني: ليس به بأس. وقال أحمد: ما علمت إلا خيراً. وقال ابن قانع: صالح. وقال أبو حاتم: يكتب حديث ولا يحتج به. وقال يعقوب بن سفيان: ليس بالقوي (التهذيب: 9/134-135)

قال الحافظ في نتائج الأفكار (2/279) عن طعن يعقوب فيه: "هو جرح غير مفسر في حق من وثقه ابن معين، وأخرج له البخاري" وحسّن الحديث.

وقال الحافظ ابن عبد الهادي في الحرر (ص53) عن الحديث: " لم يصب من ذكره في الموضوعات، فإنه حديث صحيح".

وقال انذري في الترغيب (2/448- المحققة): "رواه النسائي والطبراني بأسانيد: أحدهما صحيح وقال شيخنا أبو الحسن : هو على شرط البخاري. وابن حبان في كتاب الصلاة وصححه".

وقال الدمياطي في المتجر الرابح صلى الله عليه وآله وسلّم 473: وإسناده على شرط الصحيح.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/102): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد، وأحدها جيد".

فقول ربيع: "بل هو ضعيف في نظري" يدل على ضعف نظره في أحوال الرواة، فإن من هذا حاله يُحسّن حديث بلا ريب وقد حكى فيه الجرح نقلاً عن ابن الجوزي، ولو تأمل في أقواله معدليه في ترجمته من (التهذيب) لتبين له وجه القول بتحسين الحديث.

وللحديث شاهد من رواية المغيرة بن شعبة يصحح به:

أخرجه أبو نعيم في الحلية (3/221) من رواية عمر بن إبراهيم عن محمد بن كعب عنه مرفوعاً: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة ما بينه وبين أن يدخل الجنّة إلا أن يموت، فإذا مات دخل الجنة".

وعمر هذا ذكره ابن حبان في الثقات وسمّى جده محمد بن الأسود، وذكره العقيلي في الضعفاء، أورد له حديثاً غيره عن محمد بن كعب وقال: لا يتابع عليه. (اللسان: 4/279-280) .

المثال الرابع:

ربيع يُصحح إسنادا فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى

أورد الحافظ حديث ابن عباس قال: ساق النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مائة بدنة فيها جمل لأبي لهب. وذكر الاختلاف في إسناده. (2/875).

قال ربيع في تخريجه: "(5) حديث ابن أبي ليلى هذا في ج25 ـ كتاب المناسك 98 ـ باب الهدي من الإناث والذكور حديث 3100، حم1: 234، 269 كلاهما من طريق سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم به وكذلك البيهقي في السنن الكبرى (5/230) من الطريق المذكور. وانظر تحفة الأشراف (5/244) وعزاه لابن ماجة فقط عن أبي بكر بن أبى شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن سفيان عن ابن أبي ليلى. وهو إسناد صحيح" أهـ كلام ربيع بتمامه!

قلت: انظر كيف صحح الإسناد مع أن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال عنه الحافظ في التقريب (رقم: 6081): صدوق سيئ الحفظ جداً. أهـ وحسبك بذلك دليلا على معرفته في الحكم على أسانيد لا يخفى حال رواتها على صغار طلبة الحديث.

المثال الخامس:

ربيع يضرب مثالاً بحكاية موضوعة:

ذكر الحافظ أن من جملة القرائن الدالة على الوضع الإفراط بالوعد العظيم على الفعل اليسير. (2/843).

فمثّل ربيه لذلك قائلاً: "(4) انظر مثلاً حكاية القصاص الذي روى قصة في نحو عشرين ورقة بحضرة الإمامين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في كتاب الموضوعات لابن الجوزي (1/46)، وأولها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: ((من قال لا إله إلا الله خلق الله كل كلمة منها طيراً..)) الحكاية. واستشهد بها ربيع أيضاً في موضوع آخر.. (2/856 تعليق 4).

قلتُ: قد أخرجها ابن الجوزي من طريق إبراهيم بن عبد الواحد عن جعفر بن محمد الطيالسي، قال الذهبي في الميزان (1/47) في ترجمة إبراهيم: " لا أدري من هو ذا، أتى بحكاية منكرة، أخاف ألا تكون من وضعه" ثم ذكر هذه الحكاية.

ثم كيف يتصور سكوت الإمامين أحمد وابن معين عن الإنكار على هذا الكذّاب الذي ساق حديثاً مكذوباً في عشرين ورقة على العامة دون أن يقوما بالإنكار عليه وتحذير العامة منه مع ما علم عنهما من حرصهما الشديد على الذب عن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم!!

الفصل السادس:

بيان ضعف معرفة ربيع بقضايا علم مصطلح الحديث

المثال الأول:

قال الحافظ: "مراده ـ يعني: ابن الصلاح ـ بالشاذ هنا ـ أي: في تعريف الحديث الصحيح ـ ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسّره الشافعي، لا مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي، فافهم ذلك(1)" (1/236-237).

فعلّق ربيع على ذلك متعقباً بقوله: "(1) ولكن ابن الصلاح قرر أن الشذا قسمان:

أحدهما: الحديث الفرد المخالف.

والثاني: الفرد الذي ليس في رواية من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف. (مقدمة ابن الصلاح ص17).

ومنه يظهر أن ابن الصلاح لم يقصد بالشاذ ما فسره الشافعي" أهـ.

قلتُ: الحافظ لم يخف عليه هذا التقسيم، وإنما قصد بيان معنى الشذوذ في تعريف ابن الصلاح لحد الحديث الصحيح حين قال: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً. وأشار إلى ذلك بقوله (هنا) فليس على إطلاقه حتى يُتعقب عليه. ومن المعلوم أن القسم الثاني من الشاذ لا مدخل له هنا ـ كما ذكر الحافظ ـ لأن راوي الصحيح فيه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لتفرده.

فكأن الحافظ يقصد ربيعاً في قوله: "فافهم ذلك".

المثال الثاني:

نقل الحافظ قول ابن الصلاح: "وإن كان بعيداً من ذلك رددنا من انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر..".

ثم علّق عليه بقوله: " هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عنده مترادفان (2)، والتحقيق خلاف ذلك." (2/673).

فعلّق ربيع على ذلك بقوله: "(2) قد صرح ابن الصلاح بأن المنكر بمعنى الشاذ حيث قال: وعند هذا نقول: المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه". مقدمة ابن الصلاح ص72". أهـ

قلتُ: معنى قول ابن الصلاح أن المنكر بمعنى الشاذ يعني به اتفاق هذين النوعين في كون راويهما قد تفرد بما رواه، فإن كان تفرده دون مخالفة لغيره من الرواة فقسم، وإن جمع إلى التفرد المخالفة فقسم آخر. ولهذا انقسم المنكر ـ وكذا الشاذ ـ إلى قسمين غير أن ثمة اختلافاً فارقاً بين النوعين، فراوي الشاذ ثقة، وراوي المنكر ضعيف.

وقد فهم ربيع من قول ابن الصلاح أن المنكر بمعنى الشاذ أي من كل وجه، ولهذا أورد هذا الكلام متعقباً الحافظ في قوله: "هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عنده مترادفان".

المثال الثالث: ذكر الحافظ قول ابن الصلاح: "إذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة أهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين بالصدق والستر وروي حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين وذلك يرقى حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح".

قال الحافظ: "فيه أمور:… " ثم قال: "وثانيهما: إن وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح، وكان على شرط الحسن إذا روي من وجه آخر لا يدخل في التعريف الذي عرف به الصحيح أولاً. فإما أن يزيد في حد الصحيح ما يعطي أن هذا أيضاً يسمى صحيحاً، وإما أن لا يسمي هذا صحيحاً. والحق أنه من طريق النظر يسمى صحيحاً، وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط ـ أو القاصر عنه إذا اعتضد ـ عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً". (1/417)

فعلّق ربيع بقوله" (3) أنت ترى أن الحافظ قد اعترض هنا على ابن الصلاح في تعريف الصحيح ورأى أنه ينبغي أن يزاد في التعريف ما ذكره، ولكن الحافظ قد عرّف الصحيح في نخبة الفكر وشرحها (صلى الله عليه وآله وسلّم29،32) بما يوافق تعريف ابن الصلاح، وعاير بين الصحيح لذاته والصحيح لغيره فقال: ".. وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معل ولا شاذ هو الصحيح لذاته.. فإن خف الضبط فالحسن لذاته وبكثرة طرفه يُصحح".

والظاهر أن الحافظ غيّر رأيه لأن تأليفه للنخبة كان بعد تأليف النكت بدليل إحالته في النخبة وشرحها على ما في النكت. انظر نزهة النظر ص41" أهـ كلام ربيع.

قلتُ: ابن الصلاح قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، ثم قال: "أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً" (المقدمة صلى الله عليه وآله وسلّم7-8).

فقد اقتصر في تعريفه للحديث الصحيح على الصحيح لذاته ولم يشر إلى الصحيح لغيره إلا عند كلامه على الحديث الحسن والذي أورده الحافظ، وكان الاعتراض على حد الصحيح عند ابن الصلاح في أنه أغفل الصحيح لغيره ولهذا اقترح الحافظ تعديل تعريف ابن الصلاح بزيادة (أو القاصر عنه إذا اعتضد) ليدخل فيه الصحيح لغيره، وهذا دليل على دقه فهمه رحمه الله.

فزَعْم ربيع أن الحافظ قد عرّف الصحيح في نخبة الفكر بما يوافق تعريف ابن الصلاح زَعْمٌ غير صحيح، لأن الحافظ عرّف الصحيح لذاته بما يوافق تعريف ابن الصلاح ثم أردفه بالإشارة إلى حد الصحيح لغيره.

فالحافظ في النكت وضع للحديث تعريفاً جامعاً يشمل قسميه، وفي النخبة عرّف كل قسم على حده، فالتعريف ـ في النكت والنخبة ـ واحد غير أن الصياغة مختلفة. فقول ربيع أن الحافظ غيّر رأيه في النخبة يدل على تعجله وعدم تأمله جيداً في كلام الحافظ في الكتابين.

وأما قوله: "بدليل إحالته في النخبة وشرحها على ما في النكت" فصوابه: "بدليل إحالته في شرح النخبة على ما في النكت" لأنه لا إحالة على النكت في متن (النخبة) فالواجب الدقة وتحري الصواب في العزو.

المثال الرابع: ربيع يغفل كلام ابن رجب في تحرير معنى الشاذ عند الخليلي:

قال الحافظ في بيان حد الشاذ: والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح فكلامه أعم (6)". (النكت: 2/652).

فعلّق ربيع على ذلك موجهاً كلام الخليلي: "وقد ظهر لي ما يمكن أن يوجه كلام الخليلي، وهو أن يقصد بقوله (يشذ به شيخ ثقة) تفرّد الصدوق الذي لم يكمل ضبطه فيكون ما حكاه عن حفاظ الحديث صحيحاً فإنهم يسمون ما كان شاذاً ومنكراً، أما إذا تفرد به حافظ مشهور أو إمام من الحفاظ والأئمة، فإن الخليلي لا يحكم عليه بالشذوذ بل هو صحيح في نظره وحكى الاتفاق عليه وبناء على هذا التوجه يخرج الخليلي من التناقض وتسقط الالزامات التي ألزمه بها العلماء" أهـ.

قلتُ: قارن توجيه ربيع بما ذكره الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي في تحرير هذه القضية حيث قال: "ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره. فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه" إلى أن يقول: "وفرق الخليلي بين ما انفرد به شيخ من الشيوخ الثقات وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قُبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث" أهـ.

قلتُ: فالأمانة تقتضي أن ينسب ذلك لابن جرير، فإن الفضل للمتقدم، خصوصاً وأن العلل قد طبع سنة (1396 هـ) بتحقيق صبحي السامرائي، وسنة (1397 هـ) بتحقيق العتر، أي حال إعداد ربيع أطروحته الماجستير، والتي كان حصوله عليها سنة (1397 هـ) بينما نال درجة الدكتوراة سنة (1400 هـ).

المثال الخامس:

ربيع يتردد في معنى قولهم: (صححه ابن حبان)

قال الحافظ: "وقد مال إلى ذلك ابن حبان (1) فصححهما جميعاً" (2/678).

فعلّق ربيع بقوله: "(1) لعل مراد الحافظ بتصحيح ابن حبان إيراده له في صحيحه" أهـ.

قلتُ: وهل أراد إلا ذلك؟ ومعلوم أنهم يقولون في الحديث: "صححه ابن خزيمة وصححه ابن حبان" ومرادهما أنهما ذكراه في كتابيهما، لأنهما اشترطا ألا يوردا فيهما إلا ما صح عندهما، وقد سمى ابن خزيمة كتابه (المختصر المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم) وسماه ابن حبان (المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع)، وقد اشتهر كتابيهما فيما بعد باسم صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان اختصاراً.

الفصل السابع:

بيان تصحيفات ربيع في أسماء الرواة

المثال الأول:

قال الحافظ: " وأوهى أسانيد الشاميين محمد بن سعيد المصلوب عن عبيد الله بن زجر عن علي بن زيد (2) (كذا) عن القاسم (3) عن أبى أمامة" (1/499-500).

علّق ربيع على هذا الإسناد فأتى بعجيبتين:

الأولى: في تعليق (2) قال: (وفي جميع النسخ: "علي بن يزيد" وهو خطأ والتصويب من التقريب والميزان) أهـ وترجم لعلي بن زيد بن جدعان!!

الثانية: في تعليق (3) قال: (ذكر في تهذيب الكمال القاسم بن عبد الرب في الرواة عن أبي أمامة ولم أقف له على ترجمة).

قلتُ: وهذا إسناد مشهور لا يخفى حال رواته على صغار الحديثيين فضلاً عن شيوخهم، فعلي بن يزيد هو الألهاني والقاسم هو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن، انظر ترجمتيهما في التهذيب (7/396، و 8/322).

وقد قال ابن حبان ـ كما في التهذيب (7/31): "وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زخر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم".

وحسبك بذلك دليلاً على أن معرفة ربيع بالأسانيد هي معرفة محدودة يعوزها الإكثار من النظر في الأسانيد ومطالعة كتب الرجال.

المثال الثاني:

قال الحافظ في بيان بعض النسخ الموضوعة: "كنسخة أبي هدبة إبراهيم بن هدبة ونعيم (كذا) بن سالم بن قنبر (2)" (1/501).

قال ربيع معلقاً: "(2) ولم أقف له على ترجمة" أهـ.

قلتُ: هو (يغنم) وليس (نعيم)، وترجمته في الميزان (4/459) ولسانه (6/315) وانظر في ضبطه تبصير المنتبه (4/1424).

المثال الثالث:

قال الحافظ: "وقرأت على أحمد بن عمر اللؤلؤي عن الحافظ أبي الحجاج المزي، قال: أنا الشناني (4) (!) قال: أنا أبو اليمن الكندي قال: أنا أبو منصور القراد (!) قال: أنا الحافظ أبو بكر الخطيب…" (2/868).

وقد تصحف على ربيع في موضعين، فالأول صوابه (الشيباني) وهو يوسف بن يعقوب ـ وقد تقدم ذكره في الإسناد قبله فانظر كيف خفي عليه؟! ـ المعروف بـ (ابن المجاور) المتوفى سنة (690) يروي عن أبي اليمن الكندي انظر ترجمته: في العبر الذهبي (3/375) ومعجم شيوخه (2/369) وشذرات الذهب (5/417). وعلّق ربيع عليه بقوله: "في (د/أ) الشاني." أهـ. قلتُ: وكلاهما غلط!

والموضع الآخر صوابه (القزّاز) وهو: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد الشيباني راوي تاريخ الخطيب المتوفى سنة (535). انظر ترجمته في العبر (4/95-96)، والنبلاء (20/69) والشذرات (4/106) وتبصير المنتبه (3/1247) واللباب (3/33).

وهذا الإسناد يروي به الحافظ تاريخ الخطيب كما في ترجمة شيخه في المجمع المؤسس (1/417) وقال ابن الأثير عن القزاز: ومن طريقه اشتهر تاريخ الخطيب.

ومن حسن حظ ربيع أن الحافظ لم يرو بإسناده إلا في هذا الموطن، ولو أنه أكثر من ذلك لوجدنا في نشرة ربيع عجباً!!

المثال الرابع:

قال الحافظ في تخريج طرق حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم دخل مكة وعلى رأسه المغفر: ".. وأما رواية الأوزاعي: فرواها تمام بن محمد الرازي في الجزء الرابع عشر من فوائده، قال: أنا أبو القاسم ابن علي بن يعقوب من اصل كتابه قال: أنا أبو عمرو محمد بن خلف الأطرويشي الصرار" (2/660).

هكذا قرأه ربيع، والصواب: (أنا أبو القاسم علي بن يعقوب.. الأطروش) كذا في ترتيب الفوائد (رقم 634).


** الفصل الثامن:
الكشف عن حال ربيع في معرفة الرواة وتراجم العلماء

المثال الأول:

ربيع يزعم أن ابن حبان من علماء الجغرافيا!!

ترجم ربيع لابن حبان فقال: "هو الإمام محمد بن حبان.. علاّمة محدث جغرافي(!)" ((النكت: 1/270 تعليق 4)، وأحال ترجمته على تذكرة الحفاظ (3/920) ومعجم البلدان (1/415).

وبالرجوع إلى هذين المصدرين لم نجد ذكراً لجغرافية ابن حبان المزعومة، والمذكور فيهما أن ابن حبان كان عالماً بالطب والنجوم، فلا أدري من أين أتى بذلك؟! ويغلب على ظني أنه لما وجد صاحب المعجم قد ذكر البلدان التي رحل إليها ابن حبان وأبرز الشيوخ الذين سمع منهم في تلك البلاد اعتقد أن ذلك دليل على علم ابن حبان بالجغرافيا!! فهل يسوغ لنا ـ على ضوء هذا الفهم ـ أن نصف شعبة وأحمد بن معين ـ وغيرهم من أصحاب الرحلة في طلب الحديث ـ بأنهم جغرافيون؟!.

المثال الثاني:

ربيع يبعد النجعة في ترجمة ابن القطان

قال الحافظ: "وقال أبو الحسين (كذا) ابن القطان : المرسل أن يروي بعض التابعين…" (2/544).

قلتُ: هكذا قرأ ربيع كنيته (أبو الحسين)، والصواب: (أبو الحسن)، وهو علي بن محمد الفاسي صاحب كتاب بيان الوهم والإيهام (1)، وقد أكثر الحافظ النقل عنه في النكت (انظر: 1/324، 386، 402، 413، 488-2/527، 536، 571، 614، 615، 625، 782) وغيرها.

إلا أن ربيعاً ترجم لأبي الحسين المزعوم فقال: "(1) ابن القطان هو أحمد بن محمد بن القطان البغدادي الشافعي فقيه أصولي درس ببغداد وأخذ عنه العلماء مات سنة (359 هـ).

ولا ريب أن ما وقع في المخطوط تحريف، خصوصاً أنه كثيراً ما يقع الخلط عند النساخ بين ( الحسن) و ( الحسين) بل قد نص الصفدي في الوافي بالوفيات ـ كما في تعليق إحسان عباس على وفيات الأعيان (1/70 رقم 24 ـ والإسنوي في طبقات الشافعية (2/298) وابن هداية الله في طبقات الشافعية (رقم 85) على أن كنية المذكور: أبو الحسن!

المثال الثالث:

ربيع يخلط بين راو ثقة وآخر كذاب!

قال الحافظ في تخريج طرق حديث: "فقد رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن محمد بن خالد بن العباس السكسكي (5)، قال: ثنا الوليد بن مسلم…" (1/456).

قال ربيع معلقاً: "(5) لم أقف له على ترجمة بعد بحث كثير وإنما وجدت ترجمة لمحمد بن خالد الدمشقي، روى عن الوليد بن مسلم وهو كذاب، ميزان الاعتدال (3/534)" أهـ.

قلتُ: ترجمة السكسكي في تاريخ دمشق لابن عساكر (15/ق141/أ-ب) ونقل فيها عن يزيد بن عبد الصمد الدمشقي وصفه له بأنه: ثقة مأمون.

المثال الرابع:

ربيع يتعذر عليه إخراج ترجمة راو من كتاب (الميزان)! قال الحافظ: "ومنه أيضاً حديث عبد الله بن خيران (3) عن شعبة عن أنس بن سيرين أنه سمع ابن عمر…" (2/815).

علّق ربيع على عبد الله بن خيران بقوله: "(3) لم أقف له على ترجمته (كذا)" أهـ.

قلتُ: ترجمته في الميزان للذهبي (2/415)، وقال: "عن شعبة والمسعودي، وعنه عيسى (زغاث) وتمتام وطائفة. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: اعتبرت كثيراً من حديثه فوجدته مستقيماً يدل على ثقته. وقال العقيلي: لا يُتابع على حديثه. ثم ساق له ثلاثة أحاديث محفوظة المتن لكنه خولف في سندها، وهو أكبر شيخ لقيه ابن أبي الدنيا" أهـ وانظر: الضعفاء للعقيلي (2/245-246) وتاريخ بغداد (9/450-451) واللسان (3/282).

فلا أدري كيف يُمنح باحث درجة العالمية العالية (الدكتوراة) في علوم الحديث وهو عاجز عن استخراج ترجمة راو من (الميزان)؟!.

المثال الخامس:

ربيع يخلط بين راويين

قال الحافظ: "قال عمرو بن علي الفلاس: سمعت سفيان بن زياد (3) يقول ليحيى بن سعيد.." (2/779).

قال ربيع مترجماً لسفيان: (3) سفيان بن زياد العقيلي أبو سعيد المؤدب صدوق من الحادية عشر/ ق. تقريب." أهـ.

قلتُ: لم يصب ربيع في تعيينه، فإن الذي ذكره ليس من مشايخ الفلاس بل هو من أقراه، فالفلاس من الطبقة العاشرة كما ذكر ربيع نقلاً عن التقريب. وإنما يروي عن سفيان بن زياد البصري ـ كما هو منصوص عليه في تهذيب الكمال (11/151)، وقال عنه أبو حاتم وابن حبان: كان أحد الحفاظ. وذكر الأخير أنه توفي قبل المائتين بدهر.

المثال السادس:

ربيع تعزب عنه ترجمة أحد كبار علماء الحديث بالأندلس.

قال الحافظ: "فقرأت في المقنع للشيخ سراج الدين ابن الملقن قال: ذكر ابن حبيش (2) في كتاب علوم الحديث…" (2/746).

فعلّق ربيع بقوله: "(2) من (ر) بالخاء المعجمة والباء الموحدة ثم الياء المثناة فشين معجمة، وفي (هـ) و (ب) حبيش بالحاء المهمة ثم الباء الموحدة ثم الياء المثناة من تحت ثم الشين ولم أقف على ترجمة بهذا اللفظ أو ذاك" أهـ.

قلتُ: هو بالحاء المهملة، اسمه: أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يوسف الأنصاري المعروف بـ (ابن حُبيش) قال ابن الصابوني في (تكملة إكمال الإكمال) (ص113): جمع وصنّف وحدّث وانتفع به جماعة، وذكر أنه توفي سنة (584).

ونقل عن الذهبي في النبلاء (21/120) عن أبي جعفر بن الزبير قوله عنه: هو أعلم أهل طبقته بصناعة الحديث، وأبرعهم في ذلك. وله ترجمة أيضاً في: "التكملة لوفيات النقلة" للمنذري (1/79)، وشذرات الذهب (4/280)، وتوضيح المشتبه (3/463).

المثال السابع:

ربيع يتعذر عليه الوقوف على ترجمة راو في تاريخ البخاري والجرح لابن أبي حاتم فينسب إلى الحافظ السهو في ذلك:

ذكر الحافظ حديث عبد الله بن مغفل في عدم الجهر بالبسملة ثم قال: "وهو حديث حسن لأن رواته ثقات ولم يصب من ضعّفه بأن ابن عبد الله بن مغفل مجهول لم يسمّ. فقد ذكره البخاري في تاريخه (1) فسمّاه: يزيد. ولم يذكر فيه هو ولا ابن أبي حاتم جرحاً فهو مستور.." (2/769).

فعلّق ربيع بقوله: "(1) لم أجد له ترجمته (كذا، والصواب: ترجمة. أو تحذف: له) في تاريخ البخاري ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ولا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب (د ت س ق) ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة. قيل: اسمه يزيد. قلت: ثبت كذلك في مسند أبي حنيفة للبخاري. أقول لعل عزوه لتاريخ البخاري وابن أبي حاتم سهو من الحافظ" أهـ.

قلتُ: لم يسه الحافظ، لكن ربيعاً لا يُحسن التفتيش عن تراجم الرواة لأنه بمعزل عن صنعة الحديث، ويغلب على الظن أنه بحث عن ترجمة ابن عبد الله بن مغفل في باب (يزيد) في الكتابين المذكورين فلم يجدها.

وترجمة المذكور في تاريخ البخاري الكبير (ق2ج ص441) رقم الترجمة (3633)، وقد أورد البخاري في باب (من لا يعرف له اسم ويعرفون بآبائهم) في باب العين. وانظر ترجمته أيضاً في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ج4ق ص 324) رقم الترجمة (1409) وقد أورده في باب (تسمية من روي عنه العلم ممن عرفوا بأسماء آباءهم دون أن تذكر أسماؤهم) في باب العين.

أما نفيه وجود ترجمته في (التقريب) الذي هو مختصر (التهذيب) مع وجودها في الأصل فغريب!! وترجمته في التقريب رقم (8476) في باب (من نسب إلى أبيه أو أمه أو جده..).

المثال الثامن:

ربيع ينقل اتفاق المحدثين على ضعف أسامة بن زيد الليثي!!

وقد بينا ذلك في الفصل الثاني: المثال الرابع بما يغني عن إعادته هنا.

الفصل التاسع:

بيان أوهام ربيع في تحقيق نص (النكت)

بالرغم من أنه توفر للشيخ ربيع خمس نسخ لتحقيق الكتاب إلا أن هذا لم يحل دون وقوعه في أوهام عدّة في ضبط النص، وقد قال في تقدمته (1/203): "هذا وقد بذلت جهداً كبيراً في إخراج نصوص هذا الكتاب على الصورة التي وضعها عليها المؤلف، فقابلتها على النسخ كلها كلمة كلمة. وقد استغرقت هذه المقابلة وقتاً طويلاً، ولكن ذلك لم يزدني ولله الحمد إلا غبطة وطمأنينة إلى صحة عملي" أهـ.

المثال الثامن:

ربيع يتصرف بكلام الحافظ حسب مزاجه ومعرفته القاصرة:

قال الحافظ: "وفي سؤالات السهمي (3) (كذا!) للدارقطني: سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؟ قال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته.." إلخ (2/689).

علّق ربيع على ذلك: "(3) راجعت سؤالات السهمي في 14/9/1397 في المكتبة الظاهرية مجموع 111 (ق 205-215) فلم أجد هذا النص: والسهمي… وأخذ يعرّف به ثم قال: هذا وفي جميع النسخ: السلمي. والصواب ما كتبناه" أهـ.

قلتُ: سبحان الله كيف يكون الصواب ما (كتبتموه) وأنتم لم تجدوا السؤال المذكور وجوابه في سؤالات السهمي؟! وانظر كيف أجاز ربيع لنفسه أن يعبث بكلام الحافظ بلا أدنى تثبت أو تحقيق، والصواب ما جاء في جميع النسخ (سؤالات السلمي)، والنص في (السؤالات) المطبوعة ص364 سؤال رقم (435).

وقد يعتذر بعضهم لربيع فيقول إن الشيخ لم يطلع على سؤالات السلمي لأنها لم تطبع إلا بعد طبع النكت بأربع سنين ولا أجد له في ذلك عذراً لأنه لو رجع إلى ترجمة السلمي في (تذكرة الحفاظ) (3/1046-1047) لعلم أن له سؤالات للدارقطني… فقد قال الذهبي: "قلت: قد سأل أبا الحسن الدارقطني عن خلق من الرجال سؤال عارف بهذا الشأن، " وقال في ترجمته من الميزان (3/563)" وعني بالحديث ورجاله، وسأل (في المطبوع: سئل تحريف) الدارقطني".

المثال الثاني:

قرأ ربيع كلام الحافظ (1/239) هكذا: "لما ذكر أن الحديث الصحيح ينقسم أقساماً وأعلاماً شرط البخاري ومسلم" وصوابه: "… وأعلاها" وهي ظاهرة من السياق ولا يستقيم الكلام إلا بها.

المثال الثالث:

قال الحافظ: "وقال في كتاب العلم بعده: أن أخرج حديثاً في فضل العلم: هذا حديث…" (1/403). هكذا قرأه ربيع، والصواب: بعد أن…".

المثال الرابع:

قال الحافظ: ".. فبطل ما ادعاه من نفي الاحتمال الذي ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه ممكناً" (2/765). هكذا قرأه ربيع والصواب: "(فيظل)، وعلى ما قرأه هو فإن كلمة (ممكناً) لا معنى لها.

المثال الخامس:

قال الحافظ: "الصنف الثالث: من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع من (كذا) رق دينه من المحدثين" (2/852).

كذا قرأه ربيع، والصواب: (ممن رق..).

وقد مر في الفصل السابع بيان تصحيفات ربيع في أسماء الرواة.

الفصل العاشر:

بيان ضعف معرفة ربيع بعلوم العربية.

الواجب فيمن يتصدى لتحقيق كتب أهل العلم أن يكون ملماً بطرف من علوم العربية يؤهله لتحقيق النصوص فلا يخطّئ صواباً ولا يستصوب خطأ، ومع أن معرفة ربيع بعلوم العربية من نحو وبلاغة ولغة في غاية المحدودية إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يزج بنفسه معلقاً على أسلوب ابن حجر الذي يعد من أبرز أدباء عصره.

المثال الأول:

قال الحافظ: ".. وكملت فوائد المستخرجات بهذه الفوائد السبعة (4)" (1/323). فعلّق ربيع على كلمة (السبعة) بقوله: "(4) كذا في جميع النسخ، والصواب: السبع".

قلتُ: وفي هذا دليل على زجاء بضاعته في علم النحو، فكلا الوجهين صحيحٌ التأنيثُ والتذكيرُ. ويشهد للوجه الذي سلكه الحافظ قول الشاعر:

وقائع في مضر تسعة وفي وائل كانت العاشرة

وموضع الشاهد من البيت قوله (تسعة) فإنه أنّث اسم العدد، والمعدود به مؤنث ـ كذا صنع الحافظ ـ ..

قال العلامة محيي الدين عبد الحميد في (الانتصاف من الإنصاف) بهامش الإنصاف – 2/770 في تعليله لصحة الوجهين:

"… وفي هذه الحال يتنازعك أصلان: أحدهما اصل العدد ومعدوده الذي بينّاه، وثانيهما أصل النعت ومنعوته وهذا يستلزم تأنيث النعت إذا كان منعوته مؤنثاً، وتذكير النعت إذا كان منعوته مذكراً وأنت بالخيار بين أن تستجيب لي الأصلين، نعني أنه يجوز لك أن تراعي قاعدة العدد والمعدود فتذكّر اسم العدد مع المعدود المؤنث فتقول: الرجال العشرة. ويجوز لك أن تراعي قاعدة النعت مع منعوته فتذكّر اسم العدد مع المنعوت المذكر فتقول: الرجال العشر، وتؤنث مع المؤنث فتقول: النساء العشرة. وعلى هذا يكون قول الشاعر: وقائع في مضر تسعة. قد جاء على أحد الطريقين الجائزين له، وهو طريق النعت مع منعوته".

المثال الثني:

قال الحافظ في شرح قول ابن الصلاح: (ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم).. والرذالة: ما انتفى (كذا والصواب: انتُقِيَ كما في القاموس ص1299) جيّده. فكأنه هنا وصف محذوف، أي طائفة رذالة" ثم قال: "ولم أر في جميع (رذل) رذالة. وإنما ذكروا أرذال، ورذول، ورذلاء، وأرذلون، ورذال" (1/226).

فتعقبه ربيع بقوله: "ولكني وجدت في لسان العرب (1/1158) والقاموس المحيط (3/384): "وهم رذلة الناس ورذالتهم" فابن الصلاح إذاً كان على الصواب" أهـ تقدمته (1/180) وانظر أيضاً (1/226) تعليق 3.

قلتُ: والحافظ أيضاً على صواب، أما ربيع فعلى خطأ! فالحافظ لم يغلط ابن الصلاح في هذا الاستعمال، وإنما فسّر كلامه بما سبق ذكره، واحترز من ظن بعضهم أن (رذالة) جمع (رذل) فنبه على ذلك لئلا يتوهمه متوهم. وقد ساق ربيع عبارة اللسان والقاموس معترضاً على الحافظ، وكأن الحافظ ينكر صحة هذا الاستعمال، فاحتج ربيع ـ لسوء فهمه ـ بما لا يصلح الاحتجاج به في هذا الموطن.

إذ المطلوب من المعترض أن يسوق نصاً عن أحد علماء اللغة في أن (رذالة) من صيغ جموع (رذل)، وليس في عبارة اللسان والقاموس ما يفيد ذلك بل يكفيك على ذلك دليلاً أن صاحب القاموس عدّد صيغ جمع (رذل) فلم يذكر فيها صيغة (رذالة) المدعاة . ثم لو قيل مثلاً: (حثالة الناس أو جماعتهم) فهل تكون (حثالة) و (جماعة) من صيغ الجمع؟! فإن كانت كذلك فما مفردها؟

وكم من عائب قولاً سليماً وآفته من الفهم السقيم!

المثال الثالث:

قال الحافظ: "وفيه جناس خطي(1) في قوله: (بأهله آهله)" (1/228) قال ربيع مستعرضاً علمه في فنون البديع شارحاً معنى الجناس الخطي: (1) ويسمي المتشابه: وهو أن يتفق لفظ مركب من كلمتين ـ في الخط ـ مع لفظ غير مركب كقول الشاعر:

إذا ملك لم يكن ذاهبة فدعه فدولته ذاهبة" أهـ.

قلتُ: اللفظان هما (أهل) و (آهل)، ولا تركيب فيهما! بخلاف الشاهد الذي ساقه فإن (ذاهبة) الأولى مركبة من (ذا) بمعنى صاحب و (هبة) بمعنى: (عطية).

والجناس الخطي ـ كما عرفه الطيبي في التبيان ص 486: أن يؤتى بكلمتين متشابهتين خطاً لا لفظاً. قال تعالى {وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً} (الكهف: 104)" أهـ.

و(أهل) و (آهل) كذلك لأن الاختلاف بينهما في اللفظ ـ بين الألف الممدودة والهمزة، وأما في الخط فمتفقان.

إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع!

المثال الرابع:

قال الحافظ: "قال الجوهري: شذ يشذ ـ بضم الشين وكسرها ـ أي تفرد عن الجمهور (1)" (2/652).

قال ربيع موثقاً كلام الجوهري: "(1) انظر مختار الصحاح ص355)" أهـ.

قلتُ: الواجب في عرف الباحثين الإحالة على المصدر الأصلي وهو كتاب (الصحاح) للجوهري (2/565) أما العزو إلى مختار الصحاح للرازي فنزول في العزو لا يغتفر في الأطروحات العلمية.

الفصل الحادي عشر:

بيان تسامح ربيع مع أهل البدع.

أولاً: ربيع يلمع اثنين من رؤوس أهل البدع في هذا العصر:

تلميعه لعبد الله بن الصديق الغماري:

قال ربيع في تخريج حديث في وعيد من كذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم:

"عزاه محقق تنزيه الشريعة (1/12) بالهامش إلى الطبراني في الأوسط وإلى ابن عدي في الكامل وانظر مجمع الزوائد (1/145).." (2/853 تعليق 3).

والمعلق هو عبد الله بن الصديق الغماري وقد حقق كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة للكناني بالاشتراك مع عبد الوهاب عبد اللطيف والتعليقات الحديثية له، فقد ذكر في طرة الكتاب المطبوع في التعريف به ما نصه: "من علماء الأزهر والقرويين ومتخصص في علم الحديث والإسناد" وانظر مقدمة المقاصد الحسنة بتحقيقهما (ص لأ9 لتتيقن صحة ما ذكرناه، فإن فيها النص على أن الصنعة الحديثية قد تولى أمرها الغماري وحده.

وعبد الله الغماري هو (شيخ الطريقة الشاذلية الدرقاوية الصديقية) وقد عُرف بعداوته الشديدة للسلفيين! ومع هذا فقد نقل عنه ربيع ما هو في غنية عنه، إذ كان يكفيه الاقتصار على تخريج الهيثمي للحديث وكلامه عليه. وفي الرسائل الجامعية يجب الرجوع إلى المصادر الأصلية في التخريج أو على الأقل المصادر القديمة التي نقلت عنها مع تجنب الاعتماد على نقولات العصريين لا سيما إن كانوا أمثال الغماري!! فهل رام ربيع من ذلك تلميعه؟!.

تلميعه لمحمد حسن هيتو الأشعري الصوفي:

نقل الحافظ عن الباقلاني أن المرسل لا يقبل مطلقاً (2/547).

فعلّق ربيع بقوله: "(1) رد الباقلاني للمرسل نقله عنه الغزالي في المستصفى (1/107) وابن السبكي في الابتهاج (2/232) نقلاً عن حسن هيتو هامش المنخول ص274 أهـ.

قلتُ: كتابا الغزالي والسبكي مطبوعان متداولان، ولو بحث ربيع عن نص الباقلاني فيهما لوجده بلا كثير عناء، ولما احتاج إلى النقل عن محمد حسن هيتو أحد رؤوس الأشعرية في هذا العصر، والذي يُصرّح بسبّ شيخ الإسلام ابن تيمية في كل مجلس جازاه الله بما يستحق.

فكان الواجب على ربيع أن يتنكب النقل عن مثله، خصوصاً في نص يمكن الوقوف عليه بشيء من الأناة والجهد، فسامح الله ربيعاً.

ثانياً: مدح ربيع لخمسة عشر عالماً من الأشاعرة والمعتزلة وسكوته عن بيان بدعهم الاعتقادية.

ترجم ربيع في تعليقه على النكت لجماعة من العلماء المتلبسين ببدعة اعتقادية من الأشاعرة والمعتزلة ولم يُنبه في تراجمهم على ذلك، بل كان يكيل لهم المديح ويسكت عن بدعتهم، فمن هؤلاء:

1- عبد القاهر بن طاهر البغدادي صاحب كتاب (الفرق بين الفِرق).. من رؤوس الأشاعرة في عصره ترجم له ابن عساكر في طبقات الأشعرية المسماة (تبين كذب المفتري ص253). وقد اقتصر عبد القاهر عند بيانه لعقيدته في خاتمة كتابه السابق ص 334،338 على إثبات سبع صفات إلهية فقط كما هو عليه اعتقاد أكثر الأشاعرة. فماذا قال عنه ربيع في التعريف به؟ قال: "عالم متفنن من أئمة الأصول له مؤلفات منها: الفرق بين الفرق، نفي خلق القرآن، ومعيار النظر. توفي سنة429 هـ.. أهـ (النكت 1/242 التعليق 8).

قلتُ: ومن مصنفاته: "تأويل متشابه الأخبار".

2- إمام الظاهرية ابن حزم.. قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية (12/92): "والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهرياً حائراً (كذا) في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيراً في نظره وتصرفه وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات، لأنه كان قد تضلع من علم المنطق… ففسد بذلك حاله في باب الصفات." أهـ.

وقد سكت ربيع عن بيان ذلك، وقال عنه: "هو عالم الأندلس في عصره كانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة فزهد فيها وانصرف إلى العلم والتأليف، بلغت مؤلفاته نحو 400 مجلد، منها: المحلى في الفقه، والفصل في الممل والنحل، مات سنة 456 أهـ. (النكت 1/361 تعليق ).

3- أبو بكر بن العربي صاحب كتاب (قانون التأويل) كان شديد الحمل على علماء الحنابلة، ينبزهم بالتجسيم ـ وهم منه براء ـ ويذهب إلى تأويل الصفات، قال في كتابه (العواصم ص 281-282) في حديثه عن الكائدين للإسلام: "فممن كاده الباطنية وقد بينا جملة أحوالهم وممن كاده الظاهرية، وهم طائفتان: أحدهما المتبعون للظاهر في العقائد والأصول، والثانية: المتبعون للظاهر في الأصول، وكلا الطائفتين في الأصل خبيثة، وما تفرع عنهما خبيث مثلهما، فالولد من غير نكاح لغية، والحية لا تلد إلا حية، وهذه الطائفة الآخذة بالظاهر في العقائد هي في طرف التشبيه كالأولى (يعني الباطنية) في التعطيل"

قال: "يقولون: إن الله أعلم بنفسه وصفاته وبمخلوقاته منا، وهو معلمنا، فإذا أخبرنا بأمره آمنا به كما أخبر، واعتقدناه كما أمر.

بل زعم أن أئمة الحنابلة في عصره هدموا الكعبة واستوطنوا البيِعْة، وأنهم لا أصحاب لهم إلا اليهود!! (ص288) نعوذ بالله من البهتان والخذلان.

وقال بعدما ذكر القاضي أبي يعلى وبعض تلامذته: "ولكن الفدامة استولت عليهم فليس لهم قلوب يعقلون بها ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل" (العواصم ص285)، وحسبك بذلك دليلاً على عداوته وبغضه لأئمة السنة في عصره ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن تخبطاته في باب الصفات تأويله النزول الإلهي بنزول الرحمة (ص292-293) وإنكاره أن الله يتكلم بحرف وصوت (ص293) وتأويله اليد بأنها كناية عن القدرة (ص296-297) بل نقل إجماع الأمة على حد زعمه بأن الضحك والفرح ليسا من الصفات الإلهية (ص302) وقال (ص299): "وأما الساق فلم يرد مضافاً إليه لا في حديث صحيح ولا سقيم" وغير ذلك كثير.

ولم يأبه ربيع بذلك كله بل امتدحه وعظّم شأنه قائلاً: "وهو العلاّمة الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي من حفّاظ الحديث، وبرع في الأدب والبلاغة وبلغ رتبة الاجتهاد. له مؤلفات منها شرح الترمذي وأحكام القرآن، مات سنة 543". (النكت 1/300 تعليق 1).

4- المازري المالكي شارح صحيح مسلم أشعري المعتقد قال في شرح حديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون))، "فيؤول الإتيان بالرؤية أي فيرون الله تعالى أطلق الإتيان عليها مجازاً. نقله الأبي في الإكمال (1/338).

ونقل عنه أيضاً في شرح حديث: ((إن الله يبسط يده)) قوله: "بسط اليد كناية عن القبول.. وهو مجاز لأن اليد التي هي الجارحة والبسط يستحيل كل منهما في حق الله لأن ذلك من صفات الأجسام واليد تطلق على النعمة ويصح حمل الحديث على ذلك" (الإكمال 7/163).

وقال في شرح حديث: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده…)): "الفرح: السرور ويقارنه الرضا بالمسرور به، فالمعنى أن الله سبحانه يرضى توبة العبد اشد مما يرضى الواحد لناقته بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيداً لمعنى الرضا في نفس السامع" (7/152).

ونقل عنه (7/157) تأويل صفتي الرحمة والغضب في شرح حديث: ((سبقت رحمتي غضبي)) بإرادة تنعيم الطائع وتعذيب العاصي أو بالتنعيم والعقوبة!.

ولم يُنبه ربيع على بدعته الاعتقادية، وإنما قال في ترجمته:

"هو محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المارزي المالكي، ويُعرف بالإمام أبو عبد الله محدث فقيه أصولي متكلم أديب من مؤلفاته المعلم بفوائد مسلم توفي سنة 536 هـ" أهـ. (النكت 1/345 تعليق 2).

5- القاضي عياض معروف بأشعريته من خلال تأويله لآيات وأحاديث الصفات فمن ذلك تأويله لحديث النزول الإلهي فبعدما حكى في تأويله قولين:

الأول: المراد بالنزول نزول الملائكة.

والثاني: أنه استعار لتقريبه للداعين وإجابته سبحانه.

قال: "ويشهد للثاني ما في الحديث من قوله: "يبسط يديه" فإنه استعارة لكثرة عطائه وإجابة دعائه" نقله عنه الأبي في (شرح صحيح مسلم 2/386) وانظر: أيضاً (مشارق الأنوار 2/9).

كما أوّل أيضاً صفة اليد لله جل وعلا فقال في (المشارق 2/303-304) بعد ذكر اختلاف المؤولة في ذلك: "وقيل تؤول مثله في قوله (خلق آدم بيده) و (كتب التوارة بيده)، وغرس الجنّة بيده) أي ابتداء لم يحتج إلى مناقل أحوال وتدريج مراتب واختلاف أطوار كسائر المخلوقات والمغروسات والمكتوبات بل أنشأ ذلك إنشاء بغير واسطة كما وجدت" قال: " وهو أولى ما يقال عندي في ذلك".

وقال أيضاً: (1/101): "قوله صلى الله عليه وآله وسلّم ((بيده القبض والبسط ويبسط يده لمسيء النهار)) الحديث… البسط هنا عبارة عن سعة رحمته ورزقه" وذكر غير ذلك ثم قال: "وجميع هذا يتأول في قوله: "بيده القبض والبسط" ويصح فيه".

وقال أيضاً في تأويل صفة الغضب (2/137): "الغضب في غير حق الله حدة حفيظة وهيجان حمية، وهي في حق الله تعالى: إرادة عقاب العاصي وإظهار عقابه وفعله ذلك به" وانظر: تأويله لصفة المحبة بإرادة الخير (1/175) والرحمة بالعطف والإحسان (1/286)، والضحك ببيان الثواب للعبد وإظهار الرضا عنه (2/55).

وقد ترجم ربيع له بقوله: "هو عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته عياض بن موسى اليحصبي السبتي أبو الفضل، له مؤلفات منها: الشفاء، وشرح مسلم، ومشارق الأنوار، مات سنة 544 هـ" أهـ. (النكت 1/370 تعليق 3).

قلتُ: تأمل سكوته عن بيان أشعريته ووصفه له بأنه (إمام أهل الحديث في وقته)، فإن فيه من التلبيس مالا يخفى!. 6- العز بن عبد السلام، أشعريته ظاهرة لا تخفى على من طالع كتبه، فمن ذلك قوله في كتابه (الإشارة إلى الإيجاز ص110): "السادس عشر: استواؤه على العرش وهو مجاز عن استيلائه على ملكه وتدبيره إياه. قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق

وهو مجاز التمثيل، فإن الملوك يدبرون ممالكهم إذا جلسوا على أسرّتهم" أهـ.

وقال أيضاً (ص104-105): "وأوصاف العباد المختصة بهم قد يلازمها ما فيه نفع أو ضر وقد ينشأ عنها ما فيه نفع أو ضر كالغضب والرضا والعداوة والمحبة والمقت والود والفرح والضحك والتردد فإذا وصف البارئ بشيء من ذلك لم يجز لأن يكون موصوفاً بحقيقته لأنه نقص وإنما يتصف بمجازه، ولمجاوزة أسباب، أحدها: أن يعبر عن إرادته فيكون من مجاز الملازمة وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله وأكثر أصحابه فعلى هذا يعود إلى صفة الذات وهي الإرادة" أهـ. وعلى هذا أوّل صفات الرحمة والمحبة والرضا والمجيء والقرب والضحك والفرح والحياء والعجب والساق والغضب وغيرها (انظر ص105-112).

فماذا قال ربيع في ترجمته؟!

قال: "هو العلامة عبد العزيز ـ وذكر نسبه وكنيته ـ فقيه مشارك في الأصول والعربية والتفسير من شيوخه الآمدي، ومن تلاميذه ابن دقيق العيد. مات سنة 660 هـ" أهـ (النكت 1/371 تعليق 1).

7- الجويني الملقب بـ (إمام الحرمين) صاحب كتاب (الإرشاد في أصول الدين) وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل 2/14) حيث قال: "وهذه الطريقة التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب كتاب (الإرشاد) وأتباعه، وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة، وتارة يُصرحون بأنّا وإن علمنا مراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم فليس قوله مما يجوز أن يُحتج به في مسائل الصفات وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية. وتارة يطعنون في الأخبار. فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة اسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى يقولوا إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها.."

ولم يُنبه ربيع على بدعته الاعتقادية بل كال له المديح كيلاً! فقال في ترجمته: "هو العلامة الكبير عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني أبو المعالي ركن الدين أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي كان يحضر دروسه أكابر العلماء، له مؤلفات منها (البرهان في أصول الفقه) و (الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية) وكان أعجوبة زمانه، مات سنة 478" (النكت 1/372 تعليق 2).

8- أبو نصير القشيري شيخ الصوفية، قال الذهبي في (النبلاء 19/425) وحج فوعظ ببغداد، وبالغ في التعصب للأشاعرة والغض من الحنابلة فقامت الفتنة على ساق واشتد الخطب".

وهو القائل كما في (طبقات الشافعية للسبكي 7/163):

شيئان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق مني بري

حب أبي بكر إمام التقى ثم اعتقادي مذهب الأشعري

وترجم له ربيع فقال: "هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الشافعي أبو نصر فقيه أصولي مفسر أديب ناثر ناظم من شيوخه إمام الحرمين مات سنة 514". (النكت 1/373 تعليق 2).

فأين التحذير من بدعته الاعتقادية وتعصبه للأشعرية؟!

9- الفخر الرازي وبدعه الاعتقادية معلومة عند ناشئة السلفيين بما يُغني عن ذكر النقول والأدلة عليها، وقد ألّف شيخ الإسلام كتاب (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) في الرد على كتاب الرازي المسمى (تأسيس التقديس في تأويل الصفات).

ولم يشر ربيع في ترجمته إلى البدعة الاعتقادية وإنما قال عنه: "مفسر متكلم فقيه أصولي حكيم أديب مات سنة 606 هـ" أهـ. (النكت 1/377 تعليق 3).

10- السهيلي شارح سيرة ابن هشام فقد كان يذهب مذهب شيخه أبي بكر العربي في تأويل الصفات مع شيء من خزعبلات المتصوفة!! فمن ذلك قوله في تأويل صفة الوجه:

"أما الوجه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة فهو ينقسم في الذكر إلى موطنين: موطن تقرب واسترضاء بعمل كقوله تعالى: {يريدون وجهه} (الكهف: 28) وكقوله: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} (الليل: 20)" إلى أن يقول: "فأفاد قوله: (بوجهك) هاهنا (أي في حديث دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلّم عندما رده أ÷ل الطائف فقال: أعوذ بوجهك…) معنى الرضا والقبول والإقبال..

ثم قال عن الموطن الثاني: "المعني به ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده… الخ" (الروض الآنف: 2/187).

وقال في تأويل صفة الضحك: "ويضحك الرب أي يرضيه غاية الرضى وحقيقته أنه رضى معه تبشير وإظهار كرامة.." (3/48).

غير أن ربيع كال له المديح ولم يشر إلى معتقده فقال: "هو الحافظ العلامة البارع عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي الضرير له مؤلفات منها: الروض الآنف، كتاب الفرائض. كان إماماً في لسان العرب مات سنة 581 هـ" (النكت: 2/520 تعليق 1).

11- أبو الحسين الماوردي.. قال عنه الذهبي في (الميزان 3/155): "صدوق في نفسه لكنه معتزلي". ونقل في ترجمته من (سير أعلام النبلاء 18/67) عن ابن الصلاح قوله: "هو متهم بالاعتزال، وكنت أتأول له واعتذر عنه، حتى وجدته يختار في بعض الوقت أقوالهم، قال في تفسيره: لا يشاء عبادة الأوثان وقال في {جعلنا لكل نبي عدواً} (الأنعام: 112) معناه: حكمنا بأنهم أعداء، أو تركناهم على العداوة فلم نمنعهم منه. فتفسيره عظيم الضرر، وكان لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة، يتكتم ولكنه لا يوافقهم في خلق القرآن، ويوافقهم في القدر، قال في قوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر: 49) أي: بحكم سابق" أهـ.

ولم يُنبه ربيع على اعتزله، وقال في ترجمته: "فقيه أصولي مفسر أديب سياسي (كذا!) من تصانيفه الحاوي الكبير في فروع الفقه الشافعي في مجلدات كثيرة، وتفسير القرآن، والأحكام السلطانية. مات سنة 450 هـ" أهـ. (النكت: 2/360-361).

وقال الحافظ في (التقريب 1337): "صدوق فاضل تكلم فيه أحمد لمسألة اللفظ" أهـ.

ولم يُنبه ربيع على موقف الإمام أحمد منه فقال مترجماً له: "فقيه أصولي محدث عارف بالرجال عداده في كبار أصحاب الشافعي. من تصانيفه: أسماء المدلسين، وكتاب الإمامة. مات سنة 245" أهـ. (النكت: 2/650 تعليق 2).

قلتُ: وعادة ربيع في الترجمة أن المترجم إن كان من رجال التقريب اكتفى بترجمة الحافظ له، ولو صنع هذا هنا لكان خيراً له فيبدوا أنه قد خفي عليه أنه مُترجم له في التقريب!

13- الزمخشري… رأس المعتزلة في عصره ومتكلمهم الأشهر ملأ تفسيره (الكشاف) بأباطيل المعتزلة.

وقد ترجم له ربيع فلم يُنبه على بدعته حيث قال: "مفسر محدث متكلم نحوي بياني من مؤلفاته: الكشاف في التفسير، والفائق في غريب الحديث، مات سنة 538" أهـ. (النكت: 2/862 تعليق 7).

14- الحميدي… صاحب الجمع بين الصحيحين فيه أشعرية تظهر من خلال تأويله لبعض الصفات الإلهية في كتابه (غريب ما في الصحيحين) فمن ذلك قوله ص 347:

"الضحك من الله عز وجل: الرضا والقبول، إذ قد منعت النصوص من توهم الجوارح" أهـ. وأوّل (الإصبع) لله عز وجل بالنعمة والأثر الحسن (ص435-436) وقوله في صفة (الساق) (ص434): {يوم يُكشف عن ساق) (القلم: 42) قال أهل اللغة: يكشف عن الأمر الشديد، وروي عن ابن عباس ومجاهد، ويُقال: كشف الرجل عن ساق، إذا جدّ وشمّّر في أمر مهم قد طرقه لتداركه".

قلتُ: وقد سكت ربيع عن بيان ذلك فقال في ترجمته (1/300 تعليق 6): "الحافظ الثبت الإمام…". كما ترجم في تقدمته للتحقيق لـ:

15- زكريا الأنصاري.. وهو أشعري متصوف، فمن أشعريته تأويله الاستواء بالاستيلاء كما في فتاويه (ص372)، وتأويله صفة الرحمة في قوله في (شرح ألفية العراقي 1/5): "الرحمة لغة رقة القلب، وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى فتحمل على غايتها، وهي الإنعام فتكون صفة فعل، أو الإرادة فتكون صفة ذات"

ومن تخاريفه الصوفية ما قاله في الدفاع عن ابن الفارض في فتاويه (ص383): "وقد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته (!) ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حاله التي ترقى إليها".

وقوله في الرد على من أنكر وجود (القطب) ص381: "القطب موجود في كل زمان، كلما مات قطب أقام الله مقامه آخر نفعنا الله ببركتهم (!) وهذا أمر مشهور، والمنكر لذلك محروم من بركة الأقطاب…" إلى آخر تخليطاته! أما ربيع فسكت عن بيان تمشعره وتصوفه فقال في ترجمته:

"عالم مشارك في الفقه والأصول والفرائض والتفسير والقراءات والتجويد والحديث. أخذ عن الحافظ ابن حجر وغيره من أعيان عصره، ومن مصنفاته الكثيرة: شرح صحيح مسلم، وشرح مختصر المزني في الفقه الشافعي، وشرح ألفية العراقي في علوم الحديث مات سنة 926" أهـ. (النكت: 1/42).

وفي هذه التراجم الخمس عشر ما يتناقض مع ما قرره ربيع في كتابه (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف) حيث قال في ص 27:

"ويجوز بل يجب الكلام في أهل البدع والتحذير منهم ومن بعدهم أفراداً وجماعات الماضون منهم والحاضرون، من الخوارج والروافض والجهمية والمرجئة والكرّامية وأهل علم الكلام الذين جرّهم علم الكلام إلى عقائد فاسدة مثل تعطيل صفات الله أو بعضها". وقال أيضاً في ص36: "وذكر العيوب والبدع في الكتب والأشخاص نصحاً للمسلمين أمر مطلوب شرعاً".

وقال في خاتمة الكتاب (ص131): "لقد تبين للقارئ المنصف:

1- أن ما يدعي من وجوب الموازنة بين المثالب والمحاسن فقد نقد الأشخاص والكتب والجماعات دعوى لا دليل عليها من الكتاب والسنة، وهو منهج غريب محدث.

2- وأن السلف لا يرون هذا الوجوب المدعي.

3- وأنه يجب التحذير من البدع وأهلها باتفاق المسلمين، وأنه يجوز بل يجب ذكر بدعهم والتحذير والتنفير منها" أهـ.

وقد أخل ربيع في تراجمه بهذا (الواجب) (المطلوب شرعاً) حين سكت عن بيان المترجمين الاعتقادية، بل ذكر فيها محاسنهم مغفلاً جانب التحذير من البدعة، فجعلنا بذلك نترحم على أهل (الموازنة) الذين يذكرون السلبيات والإيجابيات، فقد كان ربيع أكثر تسامحاً منهم!.

وإن تعجب فعجب نقل ربيع الإجماع على إهدار حسنات كل من رمي ببدعة والوقوف عند مثالبه، حين نقل كلام عبد الرحمن عبد الخالق القائل في نقد أصول طائفة ربيع: "ومن هذه الأصول: إهدار حسنات كل من رمي ببدعة من أهل الإسلام، والوقوف عند مثالب كل من له خطأ أو زلة لسان".

قال ربيع معقباً عليه في كتابه (جماعة واحدة( ص157): "بل الذي ذكرته هو أصل أصيل من أصول أهل السنة والجماعة بل أجمعوا عليه".

كذا قال! فهل معنى ذلك أن ربيع في ترجمته لأولئك العلماء قد خرق إجماع الأمة حين ذكر حسناتهم وتغاضى عن بيان بدعهم؟ نترك الإجابة لربيع نفسه.

ولا سبيل إلى تفسير هذا التناقض بين صنيع ربيع في تراجم (النكت) وما قرره مدعياً أنه منهج أهل السنة والجماعة إلا بأحد تفسيرين:

الأول: أن يكون ربيع جاهلاً ببدع هؤلاء المترجمين معتقداً أنهم على منهج أهل السنة والجماعة، ولهذا اكتفى بذكر محاسنهم، لأنه لا يعلم أصلاً أن عندهم بدعاً اعتقادية، وقد يتصور خفاء أمر المازري والحميدي على ربيع، لكن معتقد الجويني والزمخشري والفخر الرازي وابن حزم مما لا يتصور خفاؤه على ربيع لأنه معلوم عند ناشئة السلفيين فكيف بـ (العلامة) (إمام أهل السنة والجماعة) (أستاذ كرسي علم الحديث)؟!.

وإذا كان ربيع عاجزاً عن التفرقة بين علماء السنة أصحاب المعتقد الصحيح وعلماء الكلام من أصحاب العقائد المنحرفة كالمعتزلة والأشاعرة والمتصوفة فأنّى له أن يتصدى لبيان قضايا منهج أهل السنة والجماعة؟ فمن كان هذا حاله لا يؤمن منه أن يستشهد بكلام بعض المبتدعة في تقرير وتقعيد منهج أهل السنة والجماعة، لأنه لا يحسن التفريق بين السني والبدعي!!

وقد وقع من ربيع شيء من هذا الخلط في كتابه ( منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال) حيث استشهد بكلام من تلبس ببدعة النصب ـ وهو بغض علي رضي الله تعالى عنه ـ، حيث قال في بيان الموقف من رواية المبتدع (ص30): "قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ـ رحمه الله ـ: ومنهم زائغ عن الحق صادق في روايته فهؤلاء عند ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف إذ لم يقوّ به بدعته". أهـ.

قلتُ: والجوزجاني قال ابن حبان: كان حريزي المذهب، ولم يكن بداعية وكان صلباً في السنة حافظاً للحديث إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره، وقال ابن عدي: كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي..

وقال السلمي عن الدارقطني بعد ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أًحاب الحديث فأخرجت له جارية فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها، وعليٌ يذبح في ضحوة نيفاً وعشرين ألف مسلم! (التهذيب: 1/182).

وقال الحافظ في (التقريب 273): "ثقة حافظ رمي بالنصب".

ومما بدّع به ربيع سيد قطب: تنقصه لعثمان رضي الله تعالى عنه وطعنه فيه، فماله أحجم عن تبديع الجوزجاني مع تحقق علّة التبديع وقد ذكرنا نصوص الأئمة في بيان بدعته؟ بل ما باله يستشهد بكلامه ـ وهو كما بينا ـ في تقرير منهج أهل السنة والجماعة؟!

نترك الإجابة لربيع ومريديه؟

التفسير الثاني: أن يكون ربيع جاهلاً بما سمّاه فيما بعد (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الأشخاص والكتب والطوائف) إلى مدة قريبة لا تزيد عن بضع سنين، وأنه طوال المدة السابقة لتأليفه كتاب (المنهج) سنة 1412 هـ كان يعتقد أن منهج أهل السنة والجماعة يقوم على الموازنة أو على الأصح أنه لا حرج عنه أهل السنة والجماعة في حكمهم على الأشخاص من ذكر محاسن المبتدعة والسكوت عن بيان بدعهم!!

ثم انقلب عند تأليفه لذلك الكتاب من الضد إلى الضد، فمن ذكر محاسن المبتدعة والسكوت عن بدعهم إلى وجوب ذكر بدعهم والسكوت عن محاسنهم، فسبحان مصرّف الأحوال !! ومن كان هذا حاله ينبغي ألاّ يعوّل عليه في بيان منهج أهل السنة، لأنه لا يؤمن أن يخرج بعد سنين قلائل بمنهج جديد ينسبه مرة أخرى إلى أهل السنة والجماعة.

ولسنا بحمد الله ممن يوافق ربيع على مذهبه (القديم) ولا (الجديد) بل نسير وفق منهج النقد الذي قرره محققو مذهب أهل السنة والجماعة كشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى والذهبي في مؤلفاته والحافظ ابن كثير في تاريخه، والذي يتلخص في التنبيه على البدع الاعتقادية التي تلبّس بها المترجَم والتحذير من اتباعه فيها أو التعويل على كلامه في المسائل الاعتقادية، والانتفاع بكتبه فيما عدا ذلك، وعدم إهدار حسناته بالكلية لأجل بدعته، وهو منهج قائم على التوسط والنصفة كما ترى خلافاً لربيع في قديمه وجديده! ولعل الله ييسر إفراد رد مفصل على كتابه المسمى (منهج أهل السنة والجماعة في نقد… الخ) فإنه تجني فيه على أهل السنة ونسب إليهم ما هم منه براء، والأولى بربيع ـ ومن كانت بضاعته في العلم مثل بضاعته أن لا يتصدى لبحث تلك القضايا المنهجية لأنه ليس من أهل تلك المسالك.

الخاتمة:

لقد تبين للقاري المنصف:

1- أن معرفة ربيع بعلوم الحديث معرفة محدودة بحاجة إلى قراءة وإطلاع لتتمتّن وتنضج.

2- وأنه لا يحسن استقراء كتب أهل العلم فكثيراً ما ينفي وجود حديث أو ترجمة راو في كتاب ما ثم يتبين وجوده فيه، وعلى هذا فلا يعول عليه في باب الاستقراء.

3- أن اطلاعه على كتب أهل العلم ضعيف، ولذا تجده يخلط بين الكتب المتشابهة في عناوينها، بل يحرف في أسماء بعضها ويجهل طباعة بعضٍ فيحيل إلى المخطوط!

4- وأنه قد ضعّف حديثين في (صحيح البخاري).

5- وأنه لا يدقق في كلام المخالف بل يهجم عليه ناقداً ومعترضاً دون تأمل وتأنّ فيأتي بما لم يسبق إليه.

6- وأنه لا يحسن فهم النصوص، ولذا تجده يستشكل ما كان واضحاً عند غيره.

7- وأنه لا يعرف الأصول العلمية لفنون التخريج كما لا يجيد الحكم على أسانيد الأخبار.

8- وأنه مع ضعف معرفته بمصطلح الحديث يحاول أن يتعقب أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني فيأتي بتعقبات سمجة باردة.

9- وأنه كثير التصحيف لأسماء الرواة من أهل الحديث.

10- وأن معرفته بتراجم الرواة والعلماء، قاصرة فتعزب عنه تراجم بعضهم مع أنها في الكتب المشهورة ـ كالميزان والتقريب ـ، ويخلط بين تراجم بعضهم.

11- كما أنه لا يجيد صنعة تحقيق المخطوطات فيقع في أوهام في ضبط النص ويتصرف فيه أحياناً حسب معرفته القاصرة.

12- وأنه على الرغم من محدودية معرفته بعلوم العربية إلا أنه يناقش ويعترض في بعض مسائلها التي لا يفقهها.

13- وأنه لا يُميز بين علماء السنة وعلماء البدعة، فيكيل المديح لمن به اعتقاد ويسكت عن بيان بدعته.

14- وأن (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف) عند ربيع مر بمرحلتين الأولى في تحقيقه للنكت والتي بلغ فيها التساهل مع العلماء المبدعين إلى حد التمييع والتلميع، والثانية: في كتابه (منهج أهل السنة) حيث رأى وجوب إهدار حسنات كل مبتدع وعدم ذكره إلا للتحذير من بدعته.

15- وهي خلاصة الكتاب أن ربيع ـ لما تقدم ـ غير جدير بتقرير قضايا منهج أهل السنة والجماعة، فبضاعته في علمه مزجاة، وبحثه المنهجي يفتقر إلى الشمولية والتدقيق. وإنما يرجع فيها إلى العلماء المعتبرين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم وعلماء الدعوة النجدية قديماً، والإمام ابن باز والعلامة بن عثيمين حديثاً.

16- وأخيراً فإنني أرجو أن يكون (المعيار) قد قدم للقارئ صورة واضحة ومنصفة عن حقيقة معرفة ربيع بعلوم الحديث النبوي، وكشف بجلاء عن تطفله على الحديث وأهله ودلّ بما لاشك فيه على أنه بحاجة إلى إعادة تأسيس نفسه في ذلكم العلم العظيم، لأن ألقاب الدكترة والمشيخة والإمامة لت تستر تلك التخاليط والجهالات، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وعليه التكلان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



__________________
قال سعيد بن جبير (( المجئة يهود القبلة))
رد مع اقتباس