منتديات بوابة العرب

منتديات بوابة العرب (http://vb.arabsgate.com/index.php)
-   منتدى العلوم السياسية (http://vb.arabsgate.com/forumdisplay.php?f=124)
-   -   بحوث ودراسات سياسية (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=470122)

castle 09-03-2007 10:26 AM

أنور السادات

نبذة عنه

ولد الرئيس السادات فى 25 ديسمبر سنة 1918 بقرية ميت ابو الكوم بمحافظة المنوفية.

تلقى تعليمه الأول في كتاب القرية على يد الشيخ عبد الحميد عيسى. ثم انتقل إلي مدرسة الأقباط الابتدائية بطوخ دلكا وحصل منها على الشهادة الابتدائية.

عام 1935
ألتحق بالمدرسة الحربية لاستكمال دراساته العليا.

عام 1945
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 سقطت الأحكام العرفية وبسقوط الأحكام العرفية عاد السادات إلى بيته بعد ثلاث سنوات من المطاردة والحرمان.

التقى السادات في تلك الفترة بالجمعية السرية التي قررت اغتيال أمين عثمان وزير المالية في حكومة الوفد " 4 فبراير 1942 - 8 أكتوبر 1944 " ورئيس جمعية الصداقة المصرية البريطانية لتعاطفه الشديد مع الإنجليز ، وعلى أثر اغتيال أمين عثمان عاد السادات مرة أخرى وأخيرة إلى السجن وفى الزنزانة "54" في سجن قرميدان واجه السادات أصعب محن السجن بحبسه انفراديا ، غير أنه هرب المتهم الأول في قضية " حسين توفيق " وبعدم ثبوت الأدلة الجنائية سقطت التهمة عن السادات فأفرج عنه.

بعد ذلك عمل السادات مراجعا" صحفيا بمجلة المصور حتى ديسمبر 1948.

عام 1949
في هذا العام انفصل عن زوجته الأولى و تقدم لخطبة السيدة جيهان صفوت رؤف وما بين الخطبة وإتمام زواجه سنة 1949 عمل السادات بالأعمال الحرة مع صديقه حسن عزت.

عام 1950
عاد السادات إلى عمله بالجيش بمساعدة زميله القديم الدكتور يوسف رشاد الطبيب الخاص بالملك فاروق.

عام 1951
تكونت الهيئة التأسيسية للتنظيم السري في الجيش والذي عرف فيما بعد بتنظيم الضباط الأحرار فأنضم السادات إليها ، وتطورت الأحداث في مصر بسرعة فائقة بين عامي 1951 - 1952 ، فألفت حكومة الوفد " يناير 1950 - يناير 1952 " معاهدة 1936 بعدها اندلع حريق القاهرة الشهير في يناير 1952 و أقال الملك وزارة النحاس الأخيرة

عام 1952
وفى ربيع هذا العام أعدت قيادة تنظيم الضباط الأحرار للثورة ، وفى 21 يوليو أرسل جمال عبد الناصر إلى أنور السادات في مقر وحدته بالعريش يطلب إليه الحضور إلى القاهرة للمساهمة في ثورة الجيش على الملك والإنجليز.

قامت الثورة و أذاع أنور السادات بصوته بيان الثورة،بعدها أسند إلي السادات مهمة حمل وثيقة التنازل عن العرش إلى الملك فاروق.

عام 1953
في هذا العام أنشأ مجلس قيادة الثورة جريدة الجمهورية وأسند إلي السادات مهمة رئاسة تحرير هذه الجريدة.

عام 1954
ومع أول تشكيل وزاري لحكومة الثورة تولي السادات منصب وزير دولة في سبتمبر 1954 .

عام 1957
انتخب عضوا بمجلس الامة عن دائرة تلا ولمدة ثلاث دورات .

عام 1960
أنتخب رئيسا لمجلس الأمة من 21-7-1960 إلي 27-9-1961، ورئيسا" للأمة للفترة الثانية من 29-3-1964 إلى 12-11-1968.

عام 1961
عين رئيسا" لمجلس التضامن الأفرو أسيوى.

عام 1969
اختاره الزعيم جمال عبد الناصر نائبا له حتى يوم 28 سبتمبر 1970.

استمرت فترة ولاية الرئيس السادات لمصر 11 عاماً ، خلالها اتخذ السادات عدة قرارات تاريخية خطيرة هزت العالم وأكد بعضها الآخر على صلابة السادات في مواجهة الأحداث ومرونته الفائقة على تفادي مصر المخاطر الجسيمة ، حيث بني إستراتيجية في اتخاذ القرار على قاعدة تاريخية منسوبة إليه وهى " لا يصح إلا الصحيح ".

عام 1971
أتخذ الرئيس السادات قراراً حاسماً بالقضاء على مراكز القوى فى مصر وهو ما عرف بثورة التصحيح في 15 مايو 1971 فخلص الإنسان المصري من قبضة أساطير الاستبداد التي كانت تتحكم في مصيره ، وفى نفس العام أصدر السادات دستوراً جديداً لمصر.

عام 1972
قام السادات بالاستغناء عن 17000 خبير روسي في أسبوع واحد لإعادة الثقة بالنفس لجيش مصر حتى إذا ما كسب المصريون المعركة لا ينسب الفضل إلى غيرهم.

عام 1973
أقدم السادات على اتخاذ اخطر القرارات المصيرية له ولبلاده وهو قرار الحرب ضد اسرائيل ، وهى الحرب التي اعد لها السادات منذ اليوم الأول لتوليه الحكم في أكتوبر 1970 فقاد مصر الى أول انتصار عسكري في العصر الحديث .

عام 1974
قرر السادات رسم معالم جديدة لنهضة مصر بعد الحرب بانفتاحها على العالم فكان قرار الانفتاح الاقتصادي .

عام 1975
أستكمل مسيرة انفتاح مصر على العالم فكان قراره بعودة الملاحة إلى قناة السويس وربط مصر بكل بقاع العالم فانشأ بذلك السادات مورداً جديداً يضخ الأرباح الوفيرة في شرايين الاقتصاد المصري.

عام 1976
وبعد فترة طويلة من خضوع الإنسان المصري لسلطة الفرد المطلقة أعاد السادات الحياة إلى الديمقراطية التي بشرت بها ثورة يوليو ولم تتمكن من تطبيقها ، فكان قراره بعودة الحياة الحزبية ، فظهرت المنابر السياسية ومن رحم هذه التجربة ظهر أول حزب سياسي وهو الحزب الوطني الديمقراطي كأول مولود حزبي كامل النمو بعد ثورة يوليو ثم تولى من بعده ظهور أحزاب أخرى كحزب الوفد الجديد وحزب التجمع الوحدوي التقدمي وغيرها.

عام 1977
أتخذ الرئيس قراره الحكيم والشجاع الذي اهتزت له أركان الدنيا بزيارة القدس ليمنح بذلك السلام هبة منه لشعبه وعدوه في آن واحد ، ويدفع بيده عجلة السلام بين مصر وإسرائيل.

عام 1978
قام السادات برحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التفاوض لاسترداد الأرض وتحقيق السلام كمطلب شرعي لكل إنسان وخلال هذه الرحلة وقع اتفاقية السلام في كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

عام 1979
وقع الرئيس السادات معاهدة السلام مع إسرائيل.

عام 1980
جنت مصر أولى ثمار جهاد السادات من أجل السلام بعودة العريش وثلثي سيناء إلى أحضان مصر مرة أخرى بعد احتلال دام أربعة عشر عاماً.

وفى يوم الاحتفال بذكرى النصر يوم السادس من أكتوبر 1981 وقعت الخيانة البشعة واغتالت يدي الإرهاب القاسم برصاصها القائد والزعيم محمد أنور السادات بطل الحرب وصانع السلام.

أهم انجازاته

6 أكتوبر 1973
نجاح القوات المسلحة المصرية فى عبور قناة السويس الى سيناء وإلاستيلاء على الشاطىء الشرقى للقناة.

مؤلفاته

- القاعدة الشعبية
http://www.el-sadat.org/project_img/...img/6430_s.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

صفحات مجهولة
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2079.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

أسرار الثورة المصرية
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2127.jpg

قصة الوحدة العربية
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2076.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

Revolt on the Nile
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2125.jpg
Complete copy

قصة الثورة كاملة
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2093.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

معنى الاتحاد القومى
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/7593.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

يا ولدى هذا عمك جمال
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2090.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

30 شهرا فى السجن
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2131.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

نحو بعث جديد
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2117.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

البحث عن الذات
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2083.jpg
ملخص الكتاب

وصيتي
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2086.jpg
ملخص الكتاب

Those I have known
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2122.jpg
Complete corpy

المصدر :
موقع انور السادات الرسمي
[line]

castle 13-03-2007 04:40 PM

د. عبد العزيز الرنتيسي

(8 اكتوبر 1947- 17 ابريل 2004)


الدكتور عبد العزيز الرنتيسي (8 اكتوبر 1947- 17 ابريل 2004) مناضل فلسطيني وأحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية حماس. وقائد الحركة في قطاع غزة قبل إغتياله.

وُلِد عبد العزيز علي عبد الحفيظ الرنتيسي في 23/10/1947 في قرية يبنا (بين عسقلان و يافا)
لجأت أسرته بعد حرب 1948 إلى قطاع غزة و استقرت في مخيم خانيونس للاجئين و كان عمره وقتها ستة شهور . نشأ الرنتيسي بين تسعة إخوة و أختين .

تعليمه

التحق في السادسة من عمره بمدرسةٍ تابعة لوكالة غوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين و اضطر للعمل أيضاً و هو في هذا العمر ليساهم في إعالة أسرته الكبيرة التي كانت تمرّ بظروف صعبة . و أنهى دراسته الثانوية عام 1965 ، و تخرّج من كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 1972 ، و نال منها لاحقاً الماجستير في طب الأطفال ، ثم عمِل طبيباً مقيماً في مستشفى ناصر (المركز الطبي الرئيسي في خانيونس) عام 1976 .

حياته و نشاطه السياسي

- متزوّج و أب لستة أطفال (ولدان و أربع بنات) .

- شغل د. الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها عضوية هئية إدارية في المجمع الإسلامي ، و الجمعية الطبية العربية بقطاع غزة (نقابة الأطباء) ، و الهلال الأحمر الفلسطيني .

- عمِل في الجامعة الإسلامية في غزة منذ افتتاحها عام 1978 محاضراً يدرّس مساقاتٍ في العلوم و علم الوراثة و علم الطفيليات .

- اعتقل عام 1983 بسبب رفضه دفع الضرائب لسلطات الاحتلال ،

- اعتقل مرة ثالثة في 4/2/1988 حيث ظلّ محتجزاً في سجون الاحتلال لمدة عامين و نصف على خلفية المشاركة في أنشطة معادية للاحتلال الصهيوني ، و أطلق سراحه في 4/9/1990 ، و اعتُقِل مرة أخرى في 14/12/1990 و ظلّ رهن الاعتقال الإداري مدة عام .

- أُبعِد في 17/12/1992 مع 400 شخصٍ من نشطاء و كوادر حركتي حماس و الجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان ، حيث برز كناطقٍ رسمي باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة بمنطقة مرج الزهور لإرغام الكيان الصهيوني على إعادتهم .

- اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني فور عودته من مرج الزهور و أصدرت محكمة صهيونية عسكرية حكماً عليه بالسجن و ظلّ محتجزاً حتى أواسط عام 1997 .

- كان أحد مؤسّسي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في غزة عام 1987 ، و كان أول من اعتُقل من قادة الحركة بعد إشعال حركته الانتفاضة الفلسطينية الأولى في التاسع من ديسمبر 1987 ، ففي 15/1/1988 جرى اعتقاله لمدة 21 يوماً بعد عراكٍ بالأيدي بينه و بين جنود الاحتلال الذين أرادوا اقتحام غرفة نومه فاشتبك معهم لصدّهم عن الغرفة ، فاعتقلوه دون أن يتمكّنوا من دخول الغرفة .

- و بعد شهرٍ من الإفراج عنه تم اعتقاله بتاريخ 4/3/1988 حيث ظلّ محتجزاً في سجون الاحتلال لمدة عامين و نصف العام حيث وجّهت له تهمة المشاركة في تأسيس و قيادة حماس و صياغة المنشور الأول للانتفاضة بينما لم يعترف في التحقيق بشيء من ذلك فحوكم على قانون "تامير" ، ليطلق سراحه في 4/9/1990 ، ثم عاود الاحتلال اعتقاله بعد مائة يومٍ فقط بتاريخ 14/12/1990 حيث اعتقل إدارياً لمدة عامٍ كامل .

- و في 17/12/1992 أُبعِد مع 416 مجاهد من نشطاء و كوادر حركتي حماس و الجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان ، حيث برز كناطقٍ رسمي باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة في منطقة مرج الزهور لإرغام سلطات الاحتلال على إعادتهم و تعبيراً عن رفضهم قرار الإبعاد الصهيوني ، و قد نجحوا في كسر قرار الإبعاد و العودة إلى الوطن .

خرج د. الرنتيسي من المعتقل ليباشر دوره في قيادة حماس التي كانت قد تلقّت ضربة مؤلمة من السلطة الفلسطينية عام 1996 ، و أخذ يدافع بقوة عن ثوابت الشعب الفلسطيني و عن مواقف الحركة الخالدة ، و يشجّع على النهوض من جديد ، و لم يرقْ ذلك للسلطة الفلسطينية التي قامت باعتقاله بعد أقلّ من عامٍ من خروجه من سجون الاحتلال و ذلك بتاريخ 10/4/1998 و ذلك بضغطٍ من الاحتلال كما أقرّ له بذلك بعض المسؤولين الأمنيين في السلطة الفلسطينية و أفرج عنه بعد 15 شهراً بسبب وفاة والدته و هو في المعتقلات الفلسطينية .

ثم أعيد للاعتقال بعدها ثلاث مرات ليُفرَج عنه بعد أن خاض إضراباً عن الطعام و بعد أن قُصِف المعتقل من قبل طائرات العدو الصهيوني و هو في غرفة مغلقة في السجن المركزي في الوقت الذي تم فيه إخلاء السجن من الضباط و عناصر الأمن خشية على حياتهم ، لينهي بذلك ما مجموعه 27 شهراً في سجون السلطة الفلسطينية .

- حاولت السلطة اعتقاله مرتين بعد ذلك و لكنها فشلت بسبب حماية الجماهير الفلسطينية لمنزله .

- د الرنتيسي تمكّن من إتمام حفظ كتاب الله في المعتقل و ذلك عام 1990 بينما كان في زنزانة واحدة مع الشيخ المجاهد أحمد ياسين ، و له قصائد شعرية تعبّر عن انغراس الوطن و الشعب الفلسطيني في أعماق فؤاده ، و هو كاتب مقالة سياسية تنشرها له عشرات الصحف .

أمضى معظم أيام اعتقاله في سجون الاحتلال و كلّ أيام اعتقاله في سجون السلطة في عزل انفرادي . ود.الرنتيسي يؤمن بأن فلسطين لن تتحرّر إلا بالجهاد في سبيل الله .

- و في العاشر من حزيران (يونيو) 2003 نجا صقر "حماس" من محاولة اغتيالٍ نفّذتها قوات الاحتلال الصهيوني ، ذلك في هجومٍ شنته طائرات مروحية صهيونية على سيارته ، حيث استشهد أحد مرافقيه و عددٌ من المارة بينهم طفلة .

- و في الرابع والعشرين من آذار (مارس) 2004 ، و بعد يومين على اغتيال الشيخ ياسين ، اختير الدكتور الرنتيسي زعيماً لحركة "حماس" في قطاع غزة ، خلفاً للزعيم الروحي للحركة الشهيد الشيخ أحمد ياسين .

- واستشهد د. الرنتيسي مع اثنين من مرافقيه في 17 نيسان (أبريل) 2004 بعد أن قصفت سيارتهم طائرات الأباتشي الصهيونية في مدينة غزة ، ليختم حياة حافلة بالجهاد بالشهادة .


أقواله

"أرض فلسطين جزء من الإيمان. وقد أعلنها الخليفة عمر بن الخطاب أرضاً للمسلمين قاطبة. ولهذا، لايحق لفرد أو جماعة بيعها أو إهداؤها."


اللحظات الأخيرة في حياة أسد فلسطين كما يرويها نجله محمد!!

بعد جولة من العمل المضني طوال النهار والليل لخدمة حركته وقضيته التي عاش من أجلها عاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قائد حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة حوالي الساعة الثالثة فجر يوم السبت 17 نيسان الجاري إلى منزله لأن أخاه صلاح قادم من خانيونس لرؤيته والسلام عليه .

"المنزل الذي يقع في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة لم يدخله صاحبه منذ أكثر من أسبوع " يقول نجله محمد (25 عاما) الذي بدا متماسكا قويا و يضيف " أختي إيناس أيضا كانت تريد رؤيته و طلبنا منه عدم الخروج يومها وقضاء ساعات معنا ، فقد كان يأتي إلى المنزل قرب منتصف الليل ويغادره قبل الفجر و بعد إلحاحنا وافق و أرسل في طلب أختي الثانية أسماء لرؤيتها" .

وقال محمد إن والده قضى الليل يتحدث مع العائلة المشتاقة إليه و لا تراه إلا قليلا بسبب ملاحقة جيش الاحتلال لوالده لاسيما بعد فشل محاولة اغتياله في حزيران 2003 و اغتيال الشيخ ياسين في شهر آذار الماضي" و أضاف "جلس يتحدث عن زواج أخي أحمد الذي أصيب خلال محاولة الاغتيال و ذلك بعد أن حصل على قيمة مدخراته من الجامعة الإسلامية التي كان يحاضر فيها و وزع قيمة مدخراته حيث سدد ما عليه من ديون و اقتطع مبلغا من المال لزواج أحمد (21 عاما) و قال لنا الآن أقابل ربي نظيفا لا لي و لا علي !!"

استيقظ الرنتيسي أسد فلسطين كما يصفه نشطاء حماس و اغتسل ووضع العطر على نفسه وملابسه و قال محمد "أخذ أبي ينشد على غير عادته نشيدا إسلاميا مطلعه (أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى) " وأضاف " التفت إلى والدتي و قال لها إنها من أكثر الكلمات التي أحبها في حياتي !! "

مرافقه أكرم منسي نصار (35 عاما)– لم يتصل بالدكتور الرنتيسي منذ مدة طويلة تصل إلى أسبوعين و إنما كان ينسق بعض تحركاته وفق شيفرة معينة لبعض التنقلات و زارنا يوم السبت في المنزل بعد العصر و تحدث مع والدي قليلا و اتفقا على الخروج !!

فعلا قبل آذان العشاء بقليل خرج الرنتيسي برفقة نجله أحمد الذي كان يقود السيارة من نوع سوبارو ذات نوافذ معتمة كما هو متفق عليه من منزلهم متنكرا بلباس معين و أوصله إلى مكان محدد في مدينة غزة متفق عليه سابقا ، وبعد دقائق وصل إلى المكان سيارة سوبارو أخرى يستقلها أكرم نصار و يقودها أحمد الغرة الذي يعمل بشكل سري ضمن صفوف كتائب القسام ، بهدوء انتقل الرنتيسي من سيارة نجله إلى السيارة الأخرى التي انطلقت به مسرعة إلى هدف لم يحدد لكن صاروخين من طائرات الأباتشي الإسرائيلية كانت أسرع من الجميع .

محمد كان على علم بما هو مخطط لخروج والده وقال " عندما سمعت صوت القصف اتصلت سريعا بأخي أحمد لأطمئن ورد علي وهنا اطمأنيت قليلا و لكن يبدو أن أحمد كان يدرك ما حدث و انتظر حتى يتأكد من الأمر حيث عاد إلى المكان و شاهد السيارة المشتعلة تحولت إلى ركام و أيقن بما جرى "

و أضاف محمد أسرعت إلى مكان القصف و عندما شاهدت السيارة علمت أن والدي بين الشهداء رغم ما حاوله البعض من التخفيف بالقول إنه جريح "

زوجة الرنتيسي أم محمد ربما لا تقل عن زوجها في النشاط الإسلامي استقبلت النبأ بكل قوة و عزيمة وقال محمد "والدتي قالت بعد سماع الخبر الحمد لله و أخذت بالتسبيح و التهليل ، شقيقتي أجهشت في البكاء لكننا جميعا متماسكون هذا قدرنا و نحن راضون بقضاء الله "

ولـ د. الرنتيسي ولدان هما محمد الذي يدرس حاليا في كلية التجارة بالجامعة الإسلامية بعد منعه من قبل قوات الاحتلال من السفر لإكمال تعليمه في اليمن بعد مشاكل أثارها حزب البعث الحاكم آنذاك في العراق حيث كان يدرس الطب في جامعة المستنصرين في بغداد لمدة عامين و نصف و تزوج منذ حوالي العام و شقيقه أحمد أصيب بجراح بالغة خلال محاولة الاغتيال الأولى لوالده و بدأ يتماثل للشفاء واعتبر سببا رئيسيا في نجاته في المرة الأولى بعد قدر الله فقد كان سائق السيارة و لم يتوقف رغم إطلاق الصواريخ باتجاهه فيما تمكن والده من القفز منها و له أيضا أربعة بنات هن إيناس و سمر و آسيا و أسماء .

و تعكس اللحظات الأخيرة من حياة الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حرصه على اتخاذ إجراءات وتدابير أمنية عالية في تحركاته و لم يستخدم الاتصالات الهاتفية أو اللاسلكية ، لكن ما تتمتع به دولة الاحتلال من تكنولوجيا و عيون و رصد على مدار الساعة يجعل من الصعوبة بمكان الإفلات من المصير .

ويرى محمد أن والده سيترك فراغا كبيرا في منزله فقد كان مرجعا للكبير و الصغير و قال إن الصورة التي في أذهان الناس عن والدي هو الثوري الشديد لكنه داخل الأسرة صاحب الحنان الكبير و القلب الرؤوف الهادىء ، و إذا أصررنا على شيء ربما لا يريده كان ينزل عند رغبتنا و يراضينا ، خطابه المتشدد في الإعلام لم يكن في المنزل وأكثر حنانه و محبته كانت لأحفاده فقد كان يحب الأطفال "

لم يترك الرنتيسي قصورا و شركات و حسابات في البنوك تزعم الولايات المتحدة الامريكية و أوروبا تجميدها بل ما تركه قائمة تفصيلية بما له و ما عليه من أموال على المستوى الشخصي و مستوى حركة حماس .

و يقول محمد " علمنا والدي أن نكون رجالا منذ الصغر ،و أذكر أنه عند اعتقاله إبان الإبعاد إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني كان عمري حينها حوالي (11 عاما) و اقتحم جنود الاحتلال المنزل لاعتقاله . نظر إلي و قال الآن أصبحت رجل البيت و تستطيع أن تعتني بأمك و أخواتك . المشوار هذه المرة في الاعتقال يبدو طويلا " .

قضى الرنتيسي في الإبعاد عام 1992 مدة عام كامل مع 417 من كوادر حركة حماس بعد اختطاف مجموعة من كتائب القسام جنديا صهيونياً و بعد عودته من الإبعاد اعتقلته قوات الاحتلال حتى عام 97 حتى أفرج عنه و خضع للاعتقال عدة مرات من قبل السلطة الفلسطينية نتيجة مواقفه السياسية التي لا تعرف المهادنة.

و يقول محمد أنا لست قلقا على حركة حماس بتاتا و قال " حماس حركة ربانية و لن يكون فيها فراغ أو ضعف وستخرج الكثيرين من القادة أمثال والدي وغيره ولن تتوقف المسيرة وكان والدي يتوقع اغتياله في أي لحظة وأعتقد أنه غادرنا مطمئنا على حماس " .


زوجة الرنتيسي وابنته تحكيان عن القائد الشهيد د. عبد العزيز الرنتيسي


"أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى " كلمات رددها الشهيد الرنتيسي أمام أسرته قبل دقائق من استشهاده !!

" كان سعيدا جدا على غير عادته وطوال جلسته معنا قبل دقائق من اغتياله كان يردد الأنشودة التي تقول " أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى " وحدثنا عن رغبته بالشوق للشهداء " بهذه الكلمات وصفت السيدة أم محمد الرنتيسي اللحظات الأخيرة من حياة زوجها الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتالته قوات الاحتلال مع اثنين من مرافقيه بثلاثة صواريخ أطلقتها مروحيات الاباتشي باتجاه سيارته قرب شارع الجلاء بغزة .

وأضافت أم محمد: قبل دقائق من اغتياله كان الشهيد الدكتور أبو محمد معنا وكانت ترتسم على وجهه علامات فرح غريبة ، جعلتني أيقن أن القصف الذي حدث بعد خروجه مباشرة نال منه وأيقنا بعدها أنه استشهد قبل أن يذاع الخبر وتؤكده وسائل الإعلام "

وأضافت أم محمد أن زوجها الراحل عبد العزيز الرنتيسي كان مصدر قوة لحركة حماس ، لكن حين يكتب الله نهاية أجله فإنه لن يضيع حركة حماس " وذكرت أنها كانت تتوقع اغتيال زوجها مثلما كان رحمه الله يتوقع ذلك في كل لحظة وأضافت أن استشهاده لم يفاجئنا لا أنا ولا أبنائه لأنه رحمه الله هيأنا ليوم استشهاده وهو المتيقن لمدى الاعتداءات الإسرائيلية التي طالته دائما " مضيفة بأن اعتداءات قوات الاحتلال المستمرة ضد الأرض والشعب كانت تجبر زوجها على التشدد في أرائه " ،و قالت زوجة زعيم حماس الراحل إن زوجها الشهيد كان دائما مع أسرته رغم حذره الشديد من محاولات النيل منه فقد كان يتوقع أن تطاله صواريخ الاحتلال في أي وقت " ، مؤكدة أن رحيل زوجها عبد العزيز وقبله الشيخ أحمد ياسين لن يضعف المقاومة بل سيزيدها قوة وثباتا .

وتابعت أم محمد قائلة " الحمد لله الذي منح زوجي ما كان يتمناه وأضافت هنيئا لك يا أبى محمد الشهادة هنيئا جوارك مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الشيخ احمد ياسين ومع المجاهدين وعبرت زوجة الشهيد الرنتيسي عن فخرها واعتزازها بالشرف الذي ناله زوجها وقالت إنني أقف اليوم موقف فخر واعتزاز في عرس زوجي حيث يزف إلى 72 حورية من الحور العين وتمنت من الله أن تلحقه بالوقت القريب .

ورددت زوجة الشهيد الرنتيسي وقد ارتسمت على وجهها ملامح والتأثر على فراق زوجها المقولة التي أطلقها النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم وقالت " إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون وتمنت أن يلهمها الصبر وأولادها وبناتها وكل الشعب الفلسطيني والمسلم وأن يرزق الله حركة حماس بقائد مثله أو خير منه معتبرة أنه كان مصدر قوة لحركة حماس .

ولم تنس زوجة الشهيد الرنتيسي أن توجه حديثها إلى المجرم شارون قائلة " افرح قليلا ولكن لن تكتمل فرحتك وستبكي كثيرا أنت وشعبك حينما ينقض عليك الشعب الفلسطيني بأكمله ليس فقط القساميون بل والله إن الشعب الفلسطيني بأكمله سيثار لدماء الياسين والرنتيسي "
وأكدت أن الخيار الوحيد لهذا الشعب هو المقاومة لنيل حقوقه موضحة أن دماء الياسين والرنتيسي زرعت في شعبنا آلاف ياسين وآلاف الرنتيسي"

أما ابنة الشهيد " آسيا" وهي متزوجة ولديها أربعة أبناء فقد عبرت عن فخرها بالمكانة والدرجة التي حظي بها والدها الشهيد و قالت " هنيئا لك يا أبي الشهادة فقد نلت ما تمنيته "

وأضافت أن استشهاد والدها وخروج المئات من الآلاف من المواطنين في جنازته أكد أن شعبنا مصمم على خيار المقاومة وأضافت أن شهادته بأذن الله ستكون بداية النصر موضحة أن والدها الشهيد ربى جميع أبنائه وبناته على حب الجهاد وقالت كان يشفي غليلنا بموافقة القوية كان نعم الأب مضيفة انه كان نعم الأب لا يفرق بين أحد من أبنائه.

وقالت إن والدها الشهيد زرع في أسرته حب الدين والوطن ورغم انشغالات الدائمة لم نشعر بأنه بعيد عنا وكانت حياتنا الأسرية سعيدة وأضافت كان دوما يعبر عن رغبته بالاستشهاد ويتمني الشهادة منذ كنا أطفالا مضيفة أن فقدانه خسارة للأمة وللشعب الفلسطيني .

وقد أم بيت العزاء الذي أقيم في منزل الشهيد الرنتيسي الآلاف من النسوة اللاتي قدمن من كل حدب وصوب من قطاع غزة للمشاركة في تقديم التهاني لزوجة الشهيد باستشهاد قائد حركة حماس الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وقد رفعن صوره وصور الشيخ ياسين فيما اعتمرت عدد منهن الكوفية الخضراء المزينة بشعار التوحيد التي تعود الرنتيسي على وضعها على رأسه.
وفي غمرة انشغالها باستقبال وفود المهنئات كانت زوجة الشهيد تخصص جزءا من وقتها للحديث مع ممثلي وسائل الإعلام المختلفة كانت قوية ومتماسكة ومحتسبة عند الله مصيبتها في زوجها رغم علامات التأثر التي بدت على وجهها .

الرنتيسي : عهداً إن رزقت الشهادة بإذن الله أن أشفع لك يوم القيامة

في السابع عشر من مارس / آذار 2004 ، تلقى الأستاذ / عادل أبو هاشم ، مدير تحرير صحيفة "الحقائق" رسالة إلكترونية من الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ، عاهد فيها الدكتور الرنتيسي الله أن يشفع للأستاذ أبو هاشم يوم القيامة إن رزق الشهادة ، و تحققت أمنية الدكتور الرنتيسي بالشهادة التي طالما تمناها وسعى إليها يرحمه الله ، بعد انقضاء 30 يوماً على استلام هذه الرسالة ، وفيما يلي نص الرسالة دون حذف أو إضافة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل الحبيب / عادل أبو هاشم حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إني لأحمد الله سبحانه أن تفضل علي بأخ فاضل كريم مثلك، ويشهد الله أن السعادة قد غمرتني وأنا أقرأ رسالتك التي تحمل ما تفضلت به من أداء للعمرة نيابة عني، وإني لأسأل الله أن يتقبل منك العمرتين وأن يجزيك عنا خير الجزاء، وعهدا إن رزقت الشهادة بإذن الله أن أشفع لك يوم القيامة، فيعلم الله أن لك مكانة خاصة في قلبي رغم أننا لم نلتق، ولكن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولقد أحببناك في الله.

أخي الحبيب سأحاول الاتصال بك عندما أتمكن من ذلك فأنا لا أستخدم الهاتف ولا الجوال حتى لا يعرف المكان الذي أقيم فيه، ولكن عندما أخرج من المكان إلى مكان عام أتمكن من الاتصال بإذن الله، ولا يوجد لدي إلا تليفون بيت حضرتكم الذي ينتهي بـ 44 فإن كان لديك هاتف نقال فأرسل إلي رقمه ليسهل علي الاتصال بك بإذن الله.

أخي الحبيب نسأل الله أن يجمعنا بك وقد تحرر الوطن من دنس الصهاينة بإذن الله تعالى.

أخوكم

عبد العزيز الرنتيسي

من مذكرات الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي

كيف تحدّيت الضابط الصهيوني

من مذكرات الشهيد القائد د.عبد العزيز الرنتيسي كتبها حول ذكريات الأسر . يقول:
في عام 1991 كنت في معتقل النقب أقضي حكماً إدارياً لمدّة عام، وكان المعتقلون منذ افتتاح هذا المعتقل عام 1988 حتى الوقت محرومين من زيارات ذويهم، ومع إلحاح المعتقلين واحتجاجاتهم المتكرّرة بدت هناك استعدادات لدى إدارة المعتقل للسماح للأهل بالزيارة، وقام مدير عام المعتقل وهو صاحب رتبة عسكرية رفيعة ويُدعى "شلتئيل" بطلب عقد لقاء مع ممثّلي المعتقلين، ولقد اجتمع ممثلون عن مختلف الفصائل في خيمة من خيام المعتقل لتدارس الأمر قبل انعقاد اللقاء مع الإدارة،

وأحبّ المعتقلون أن أرافقهم وقد فعلت. وأثناء لقائنا في الخيمة سمعت بعض الشباب يحذر من "شلتئيل" ويضخّم من شأنه ويخشى من غضبه، فشعرت أن له هيبة في نفوس بعض الشباب، وهذا لم يرق لي ولكني لم أعقب بشيء، ثمّ جاءت حافلة في يوم اللقاء لتقلنا إلى ديوان "شلتئيل"، وأخذت وأنا في الحافلة أفكّر في استعلاء هذا الرجل وهيبته في نفوس الشباب وكيفيّة انتزاع هذه الهيبة من نفوسهم، ولقد وطّنت نفسي على فعل شيء ما ولكني لا أعلمه،

ولكن كان لدي استعداد تام أن أتصدى له إذا تصرّف بطريقة لا تليق. ووصلت الحافلة ودخلنا ديوانه، فكان عن يميننا داخل القاعة منصّة مرتفعة حوالي 30 سم عن باقي الغرفة، وعليها عدد من الكراسي، وعن شمالنا كانت هناك عدّة صفوف من الكراسي معدّة لنا، فجاء رؤساء الأقسام المختلفة وجميعهم من الحاصلين على رتب عسكرية في جيش الاحتلال، ومن بينهم مسؤول أحد الأقسام وكان في الماضي نائباً للحاكم العسكري لمدينة خانيونس وكان يعرفني مسبقاً، وكان نائب "شلتئيل" أيضاً يجلس على المنصّة مع رؤساء الأقسام. وجلس المعتقلون الممثّلون لكافّة الفصائل على الكراسي المعدّة لهم وجهاً لوجه مع رؤساء الأقسام، تفصلنا عنهم مسافة لا تزيد على مترين، ولقد جلست في الصفّ الأوّل في الكرسي الأقرب إلى باب الديوان.

ثمّ بعد وقت قليل دخل "شلتئيل" وكان رجلاً طويل القامة ضخم الجثّة، فالتفتَ بطريقة عسكرية إلى المنصّة وأشار بيده يدعوهم إلى القيام له فقاموا، ثم التفت إلينا بطريقة عسكرية وأشار بيده فوقف الشباب وبقيت جالساً، وكان هذا اللقاء هو اللقاء الأوّل بيني وبينه، فاقترب مني وقال لماذا لا تقف، فقلت له أنا لا أقف إلا لله وأنت لست إلهاً ولكنك مجرد إنسان وأنا لا أقف للبشر، فقال يجب عليك أن تقف، فأقسمت بالله يميناً مغلظاً ألا أقف، فأصبح في حالة من الحرج الشديد ولم يدرِ ما يفعل.

حاول العقيد سامي أبو سمهدانة أحد قادة فتح في المعتقل التدخّل وأخبره أنني إذا قررت لا أتراجع، فرفض الاستماع إليه وأصرّ على موقفه، ولكني أبَيت بشدّة، فقال نائبه يا دكتور هنا يوجد بروتوكول يجب أن يُحترم، فقلت له ديني أولى بالاحترام ولا يجيز لي الإسلام أن أقف تعظيماً لمخلوق، فقال وما الحلّ؟ قلت إما أن أبقى جالساً أو أعود إلى خيمتي، فقال "شلتئيل" عد إذن إلى خيمتك، فخرجت من الديوان ولم يخرج معي إلا الأخ المهندس إبراهيم رضوان والأخ عبد العزيز الخالدي، وكلاهما من حماس. وبعد أيام قلائل كان قد مضى على اعتقالي تسعة أشهر ولم يتبق إلا ثلاثة أشهر فقط للإفراج عني، فإذا بهم يستدعونني ويطلبون مني أن أجمع متاعي وهذا يعني في مفهوم المعتقلات ترحيل ولكن لا ندري إلى أين، وكانت تنتظرني حافلة، فما إن ارتقيتها حتى وجدت كلا الأخوين فيها وقد أُحضروا من أقسامهم فأدركت أنها عقوبة ولا يوجد عقوبات سوى الزنازين.

وانطلقت بنا الحافلة إلى "معتقل سبعة" حيث يوجد خمسون زنزانة، وما إن وصلنا حتى تسلّمَنا مسؤول الزنازين ويُدعى "نير"، الذي أخبرنا وهو ممتعض بأنّنا معاقبون بوضعنا في زنازين انفرادية لمدّة ثلاثة أشهر، وتبيّن لنا فيما بعد أن سبب امتعاضه اعتباره أن العقوبة كانت لأسباب شخصية، أي أنه لم يرق له أن ينتقم "شلتئيل" لنفسه بهذه الطريقة، خاصّة أن أقصى عقوبة من العقوبات اليومية الروتينية لا تصل إلى سبعة أيام، ولذلك لم يكن سيّئاً في استقبالنا كما يفعل عادة، وربّما أن السنّ والدرجة العلميّة لعبت دوراً في التأثير عليه.

وأخذنا إلى الزنازين المخصّصة لنا كل في زنزانته وحيداً، وكنّا نخرج يومياً لمدّة ساعة ما عدا يوم السبت في ساحة محاطة بالأسلاك الشائكة حيث الدورة والحمّامات، لأن الزنازين لم تكن بها دورة مياه ولا حمّام. وبدأنا رحلتنا مع القرآن، أما أنا فأراجعه بعد أن منّ الله عليّ بإكمال حفظه من قبل عام 1990 حيث كنت والشيخ أحمد ياسين في زنزانة واحدة في معتقل "كفاريونه"، وأما المهندس إبراهيم فبدأ بحفظ القرآن في الزنزانة وكان رجلاً ذكياً جداً ويجيد العبريّة بطلاقة، وقد تمكّن من حفظ القرآن قبل انقضاء الثلاثة أشهر والحمد لله رب العالمين.



يتبع >


castle 13-03-2007 05:10 PM

الضابط السجان الذي كان مسئولا عن مراقبة الشهيد الرنتيسي في معتقلات السلطة:

* لم أحب أحداً بقدر ما أحببت الدكتور الرنتيسي

* جذبني فيه عبادته وتعامله وحبّه للجميع

غزة/إبراهيم المدهون

الضابط (م.ر.) هو أحد المسئولين عن السجون في السلطة الفلسطينية، وهو المشرف على احتجاز الدكتور الشهيد القائد عبد العزيز الرنتيسي، وهو المسؤول عن مراقبته وأوضاعه داخل السجن.

في هذا الحوار يتحدّث الضابط (م.ر.) عن حياة الدكتور الرنتيسي في المعتقل، وعن تعامل الشهيد، رحمه الله، مع المعتقلين والسجانين.

- ما هي الصورة الذهنية التي كانت لديك عن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قبل رؤيته في المعتقل؟
• لم أكن أعرف الكثير عن الدكتور فقد قضى حياته في السجون والإبعاد بخلاف الكثير من القياديين، وقد كنت أنظر إليه وكابن حركة فتح أنه إنسان عدواني ومتشدد ولا يحب الخير لأحد، ولكن نظرتي اختلفت تماماً عما سمعته، فقد وجدته أكثر الناس حناناً وحباً للغير، ولمست فيه خوفه على المصلحة الفلسطينية والإسلامية.

- كيف كان أول لقاء لك به؟
• أول لقاء كان لي به رحمه الله حين قامت السلطة الفلسطينية باعتقال الكثير من أبناء حماس والجهاد الإسلامي معاً, حيث دخلت إليهم وتوجهت بالسؤال: لماذا لم تتوحدوا وأنتم إسلاميون؟ فعبس جميع السجناء في وجهي إلا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي تبسم كثيراً، وقد أحببته يومها ولم أكن أعرف يومها من هو. وبعد ذلك أصبحت ألتقي به وأتحدث معه وأحاوره.. ولم يدل حديثه على الإطلاق أنه إنسان عدواني أو متشدد، ولكن إلى هذه الفترة لم أحبه كقائد، بل كنت أتقبله وأحبه كإنسان كان ذلك في اللقاء الأول.

أما اللقاء الثاني فكان عند اعتقاله لمدة طويلة في سجن انفرادي. ولأني عرفته كنت أسلم عليه، ولكنه رحمه الله جذبني في أشياء كثيرة: عبادته، صلاته، حبه للخير، فرأيته يتمنى أن يصلي الجميع وتتوثق علاقتهم بدينهم وربهم، وأن يتعلم الجميع، فقد كان يحث رجال الشرطة لأن يتعلموا ويطوروا أنفسهم..

- كيف كانت عباداته في السجن؟
• لاحظت عليه أكثر من مرة عندما أذهب إليه في الليل أجده طوال الليل يصلي من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر. كانت هذه الفترة كلها عبادة وصلاة وقراءة قرآن ورغم أنه حافظ لكتاب الله إلا أنه كان يقرأ من الكتاب، وعندما سألته: لماذا تقرأ من الكتاب وأنت حافظ له؟ قال لي: إن ثوابها يكون أكبر بإذن الله. وبصدق لم أكن أتوقع أن هناك إنساناً يظل يصلي ويتعبد طوال الليل، وكان ذلك يومياً.

ومن الأمور التي كنت أحبها في الدكتور الشهيد أنه كان يحث الجميع على الصلاة، ولا أبالغ حين أقول أن أكثر من عشرين شاباً من رجال الشرطة أصبحوا يصلون بعدما حرسوا الدكتور الشهيد في المعتقل. ومن أكثر ما لفت انتباهي شاب من الذين جاءوا من لبنان لم يعرف الدين في حياته، وكان سكّيراً ويفعل جميع المحرمات ظل شهر حراسة عند الدكتور عبد العزيز، فتفاجأت به يوماً يصلي.. استغربت ذلك كثيراً فأخبرني أن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حدثه وعلّمه ماذا تعني الصلاة والعبادة مؤكدا أنه لم يكن يعرف معناها.
وقلت له: هل من الممكن أن تستمر في الصلاة؟ فقال لي أنه متأكد بإذن الله أنه سيظل يصلي باستمرار. وبالفعل، بعد سنة رأيته يصلي في المسجد، وعندما رأيت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أخبرته أن هذا الشخص مازال يصلي. فقال بإذن الله سيظل يصلي وكان متأكداً من ذلك.

- هل كان الدكتور يحرص على أن يعطيهم دروس ومواعظ لكي ينجذبوا له ويسمعوا نصحه، أم كان ذلك من خلال المعاملة؟
• كانت أفعال الدكتور عبد العزيز مرآة لأقواله، ويحضرني الآن موقف كان الحراس يذكرونه عن الدكتور عبدالعزيز، حيث كان بعض الحراس لا يستطيعون الاستيقاظ طوال الليل فينامون والسلاح بجانبهم، وعندما يأتي الضباط للتفتيش يقوم الدكتور رحمه الله بإيقاظهم وإعطائهم سلاحهم حتى لا تنزل بهم عقوبة. كانت تلك المواقف تجذبهم إلى الدكتور الشهيد، حتى لو تحدث إليهم في أي موضوع كان محل ثقة وتأثير على الشباب فكانت أفعاله ومعاملاته دليل حديثه.

- تحدثت أنه كان يحب الجميع فما مدلول قولك؟
• لاحظت عليه أنه رغم بقائه فترة طويلة في السجن لم أره على الإطلاق يتكلم ولو بكلمة واحدة جارحة عن أحد، حتى عن الرئيس الذي كان يعتقد أن اعتقاله كان من قبله أو حتى على أي عنصر من العناصر المسئولين عن اعتقاله. حتى أنه لم يعترض طوال فترة أسره على أي شيء إلا على شيء واحد فقط..

حتى أنه كان ضد الخلافات، بل بالعكس كنت أراه يتمنى أن يجتمع الكل ويتحاب وأن يكونوا يداً واحدة، وكان يقول أن الكل مستقل لكن كلنا على خط قتال واحد.. وكيف لا يكون محباً للجميع وهو الذي كان يحث رجال الشرطة على التعلّم في الجامعة وتطوير أنفسهم، وهم الذين يعتقلونه، بل ويدعو لهم بالنجاح.

- هل حثك الدكتور شخصياً على العلم؟
• نعم لقد حثني على التعلم وأنهيت الجامعة، وأنا أدين له بالفضل، حيث كان يحثني على التعلم أنا وأغلب الشباب، وكان يدعو لي وكنت أشعر بذلك، وأكثر من مرة أقول له اليوم ذهبت إلى الامتحان وأشعر أني بدعواتك ربنا وفقني فكنت أشعر دائماً أنه مستجاب الدعاء.

وكم كنتُ مبهوراً بعلمه ومعرفته فقد كان بحراً في الطب والدين والشعر.. وقد استغربت أنه شاعر، وقد كان يقرأ علينا الشعر الذي كتبه وهو في السجن مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين في النقب، وأيضاً في الإبعاد. وقد كان الدكتور الشهيد حافظاً للشعر وضليعاً في النحو والطب واللغة والشريعة..

- تحدثت أن الدكتور رحمه الله لم يعترض إلا على شيء واحد فما هو؟
• لقد كانت مدة اعتقال الدكتور الرنتيسي طويلة جداً، وغيره كان ممكناً أن يعترض على أشياء كثيرة سواء المدة أو المعاملة وحتى الطعام، أما الأمر الوحيد الذي اعترض عليه الدكتور فهو الزيارات، حيث أن زوجته وبناته منقبات، وأثناء الزيارة كان لا بد أن يجلس أحد الضباط معهم، وهو يريد أن يتحدث مع زوجته وبناته وأن يرى وجوههن ويحاورهن عن أحوالهن الخاصة، لذلك اعترض رحمه الله على وجود من يراقب أنفاسه وهو يتحدث لزوجه وبناته.

وغير ذلك لم يكن يعترض على أي شيء، لدرجة أنه كان يصوم ولا يعترض على الطعام. فقد كنا نعلم أنه يعاني من مرض السكري ويحتاج لطعام مخصص، وأكثر من مرة كان الطعام لا يناسبه فينوي الصيام ويكمل نهاره صائماً.

- هل يعني ذلك أن الدكتور كان مريضاً، وإدارة السجن تعلم ولا تخصص له طعاماً يناسب صحته؟
• طبعاً الجميع كان يعلم أنه مريض بالسكري ولم يحضروا له طعاماً خاصاً بل من الموجود.. ولكن علمت أن آخر ستة شهور كانوا يحضرون له طعامه الخاص. فبعض الحراس ومن شدة حبهم للدكتور الشهيد كانوا يحضروا له طعاماً خاصاً على حسابهم دون أن يخبروه، لأنه كان سيرفض لو علم، وقد جربت ذلك معه فرفض بشدة، ومن بعدها قررنا إخباره أنها من السجن، فمعلوم أن ليس كل طعام السجن دجاج أو لحوم بل هناك عدس، وكان لا يهون علينا تقديم مثل ذلك للدكتور.

- كطبيب.. كيف كان الشهيد في السجن هل كان ينصح الشباب أو يعالجهم؟
• لقد كان هناك بعض الشباب عند مرضهم يلجأون إلى الدكتور الرنتيسي ليكتب لهم علاجهم، رغم أن هناك عيادة في الشرطة، ولكن الأطباء في العيادة ليسوا بمستوى علم الدكتور عبد العزيز.. لذا كان ملاذاً لبعض الحراس. حتى أنني أخذت طفلي إلى السجن ليعالجه الدكتور الشهيد فشفاه الله على يده، بعد أن ذهبت لأكثر من طبيب لمعالجته ولم يتعافَ، وكان ابني حينها في الرابعة من عمره.

- حدثنا عن تطلعاته للمستقبل؟
• كان دائماً يقول سوف تقوى شوكة الإسلام وتكبر حماس وتصبح لها قوة وتشتبك مع الاحتلال من جديد، ولم يكن أحد يتوقع في ذلك الوقت أن تقوى حماس وتكبر وتتصارع مع العدو.. وذات مرة قال لي سوف ينسحبون من الضفة الغربية، ولكن سوف يعيدون احتلالها، على العكس من غزة التي لم يتراجعوا عن الخروج منها.

- هل حدثك الدكتور الشهيد عن مرحلة الإبعاد؟
• حدثني الدكتور رحمه الله عن هذه المرحلة، وأكد أنها غيرت كثيراً في حياته. ولكن لم يحدثني عن الإبعاد بقدر ما حدثني عن مرارة العودة من الإبعاد، لأن الجميع عادوا من الإبعاد إلى بيوتهم إلا هو فقد عاد إلى المعتقل، رغم أنه كان يقول ((لو أظل طول حياتي في سجن في فلسطين أهون علي من الإبعاد)).

وكثيراً ما حدثني عن أجواء الإبعاد، وكيف كانوا يتصرفون، كما حدثني عن الصلاة والحياة والثلوج، وما رآه وكيف كانوا يعالجون من يمرض وغير ذلك من الأمور.

- طبعاً استمرت علاقتك بالدكتور الرنتيسي بعد الإفراج فكيف كانت طبيعة العلاقة؟
• نعم لقد استمرت علاقتي معه حتى بعد الإفراج وكانت أقوى من علاقة أخ بأخيه، وأقول لك بأني لم أحب أحداً بقدر ما أحببت الشيخ عبد العزيز الرنتيسي، وكنت أشعر أنه يحبني أيضاً، فأكثر من مرة أكون في الشارع ولا أراه ويراني هو، فيركن سيارته ويسلم علي بالأحضان ويطمئن عليّ وعلى الأولاد وعلى عملي وأسرتي والحراس ويبعث لهم السلام، حتى في أصعب الظروف حيث كان بالفترة الأخيرة مطارداً من اليهود والسلطة أيضاً.

وفي موقف آخر وفور خروجه من سجننا كان يلقي بعض الندوات في المساجد، وبالصدفة التقيت به في مسجد الإصلاح بغزة، وكان بالطبع مراقباً من قبل السلطة ولكني التقيت به صدفة، وعند رؤيته للشباب المراقبين له سلم عليهم ولم أكن أراهم أنا شخصياً فقال لهم: أنتم آتون في مهمة رسمية، ولكن أخونا لا. وكان يقصدني فقلت له: وما أدراك؟ فقال: أنا أعرف. واحتضنني.

- كيف تجنبت الزعماء الفلسطينيين واخترت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي من بينهم؟
• لقد أحسست أنه إنسان يعلم ويفهم في كل شيء، كما أنه رجل عادل ويحب أن يكون الحق لأصحابه لو أخطأت سيقول لك أنك خطأ حتى لو كان يحبك، وهو لا يهتم للواسطات والمحسوبيات. كان رحمه الله يسير على قاعدة ((إذا كان لك حق ستأخذه)). ذات مرة جاء له أحد الشباب من الشرطة يطلب منه خدمة بالجامعة الإسلامية، ونحن نعرف أن الدكتور يدرّس فيها، وله ثقله هناك. رغم ذلك أجابه: إن كان لك حق سوف تأخذه، أما أنني أتوسط لك فلا.. فكان هذا الموقف دليلاً على ذلك رغم أن الدكتور قد يحتاج هذا الشاب في موقف معاكس.

وليس هذا فقط ما كان يربطني بالدكتور، بل معاملته وحنانه، فكنت ألمس حبه لأهله. وكان رحمه الله يعشق والدته ودائم الحديث عنها، وذلك قبل وفاتها رحمها الله.
أما إذا أردت أن أرتب اختياراتي فسوف أختار د.عبد العزيز الرنتيسي ثم د.عبد العزيز الرنتيسي ثم د.عبد العزيز الرنتيسي. لقد قلتها له في حياته لو كان لي حق اختيار خليفة للمسلمين لاخترتك أنت.

- كل هذا الحب قبل الانتفاضة أم بعدها؟
• أكيد قبل الانتفاضة وبعد رؤيته عن قرب.

- هل هناك مواقف تودّ ذكرها؟
نعم عندما كان الدكتور الشهيد يوماً في مسجد الإصلاح، كانت هناك قوات كبيرة من الشرطة في مهمة رسمية.. عندما رآهم الناس بدأوا يلقون عليهم الحجارة فأغضب هذا الموقف الدكتور ووقف بجانب الشرطة، وقال: جاء هؤلاء لسماع ندوتي وليس لاعتقالي.. رغم أنهم كانوا في مهمة رسمية لمراقبة كلامه ومع هذا لم يرضه الموقف..

- كيف كان وقع خبر استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي عليك؟
• كان خبر استشهاد الدكتور أصعب موقف في حياتي وأنا لم أبك في حياتي إلا ثلاث مرات، واحدة منها كانت على الدكتور الشهيد..

ليلتها ذهبت لشراء عشاء جاهز لأولادي، وإذا بالناس يقولون بأن هناك سيارة انفجرت واحتمال أن يكون فيها الدكتور عبد العزيز الرنتيسي فأحسست بقبضة في قلبي، وعند أذان العشاء ذهبت للصلاة وكانت الأنباء تتحدث عن نجاته واستشهاد مرافقيه، فحمدت الله حمداً كثيراً ولم أستطع أن أكمل غير صلاة الفرض لأنني تأكدت من خبر استشهاده، ولم أستطع أن أمسك نفسي فذهبت إلى مكتب خالي حتى أفرغ ألمي بالبكاء، ثم ذهبت إلى مستشفى الشفاء ورأيت الجماهير الغفيرة المجتمعة والذين كانوا ما بين باكٍ ومصدوم، ومن ثم عدت إلى البيت.

لا شك أن اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي يعد خسارة كبيرة للأمة الإسلامية وإن شاء الله نعوض خيراً بمثله وحتى لا نطمع كثيراً فأقول أو قريب منه..

- كيف تلقّى ابنك الصغير خبر استشهاد الدكتور؟
• لقد تلقاه بحزن شديد جداً حتى أنه أصر على أن يمشي في جنازته وأن يصلي عليه رغم أنه طفل. وكنت كثيراً ما أعترض على وجود الأطفال في الجنازات، إلا أنني أخذته معي على الجنازة، لأن ذلك كان يريحه فهو يعشق الدكتور عبد العزيز والحمد لله رب العالمين..

- طالما كان استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أمراً متوقعاً، ما تفسيرك لحزنك الشديد على استشهاده وحزن الناس؟
• دائماً الحزن على خسران شخص يكون بمقدار محبته والتعلق به، فما بالك بمحبة الدكتور!؟ فأنا واحد من الكثيرين الذين رسخ حب الدكتور رحمه الله في قلوبهم، فهو أغلى الناس علي وأفضل من عرفت في حياتي، فلم أحب أحداً بقدر ما أحببت الدكتور الرنتيسي..

- هل تحب أن تضيف شيئاً عن الدكتور قبل أن ننهي اللقاء؟
• أنا أتصور أنني لو تكلمت أياماً وليالي عن هذا الرجل لا أعطيه معشار حقه من بطولاته، فقد كان بإمكانه أن يعيش حياة مرفهة بعيدة عن هذه المشاكل، فمنذ بداية حياته قال لي إنه عاش يتيماً وعاش بقلّة، وكان يستطيع أن يعيش حياة نعيم وبعيدة عن كل هذه المشاكل السياسية، لكنه فضّل طريق الجهاد.

في رثاءعبد العزيز الرنتيسي

فارس عودة

الرنتيسي في عيون المليار

د.أسامة الأحمد




المصدر :

مجمع من المركز الفلسطيني للاعلام ومواقع أخرى
[line]

castle 21-03-2007 06:09 PM

وصفة فريدمان لكسب الجمهور العربي

تقرير واشنطن - محمد عبد الله كرام

عقد مؤخرا برنامج الشرق الأوسط التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في واشنطن، ندوة في إطار التواصل والحوار مع العالم العربي والإسلامي بحضور سياسيين ودبلوماسيين سابقين وممثلين عن منظمات غير حكومية ومراكز أبحاث، وكذا عدد من المهتمين بشؤون وقضايا الشرق الأوسط وقدر من الطلبة الباحثين.

خلال هذه الندوة التي تولى تسيير نقاشها مدير برنامج الشرق الأوسط جون آلترمان، تمت استضافة الكاتب الصحفي المرموق توماس فريدمان، حيث قدم للحاضرين على أنه يعد في الوقت الراهن الكاتب الصحفي الأكثر تأثيرا على الإطلاق في العالم، ويكتب توماس فريدمان عمود الشئون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز وهو أحد أكثر الكتاب والصحافيين الأمريكيين شهرة في العالم العربي. عمل فريدمان مراسلا لصحف أمريكية في بيروت والقدس وتعلم العربية في القاهرة وحصل على الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أكسفورد. وتترجم مقالاته أسبوعيا في الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية العربية. ويعتبر كتاب فريدمان الأخير "العالم مسطح" The World Is Flat امتدادا لكتابيه السابقين "السيارة الكسس وشجرة الزيتون" (1999) و"تطلعات ومواقف: العالم في عصر الإرهاب" (2002) في الاهتمام بقضية العولمة والتحولات التي يشهدها العالم.

هذا الكاتب الذي حازعلى جائزة "بوليتزر" الشهيرة ثلاث مرات، قد أمضى الكثير من وقته في الحديث عن ضرورة حتمية تتمثل في التواصل مع الشباب العربي والمستمعين العرب، قصد إدراك أزمة الخطاب القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي وسبل تجاوز الإشكالات العالقة.

في بداية مداخلته تحدث توماس فريدمان عن أهمية الرسالة التي تضطلع بها وسائل الإعلام، وأشار في هذا السياق إلى مبادرة "ليالينا" للإنتاج الإعلامي والفني، التي أقدمت على إعداد برنامج تلفزيوني مؤخرا، يقدم للمتلقي العربي صورة إيجابية عن الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مشاهده التي تعرض لمجموعة من الشباب العرب قدموا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتفاعلوا مع المجتمع الأمريكي.

إلا أن فريدمان يرى أن هناك أمران أكثر أهمية من تسليط الضوء على الخطاب الأمريكي، لكون رسالة "ليالينا" عبر برنامجها التلفزيوني رغم أهميتها، تظل غير قادرة على إعادة صياغة الرأي العام بمفردها، وهنا يعرج فريدمان على ضرورة ترتيب الأولويات لدى الولايات المتحدة الأمريكية كمعطى أول، وذلك بالعمل على تقليص الهوة بين المبادئ المعلنة للحكومة الأمريكية وتصرفاتها على المستوى الخارجي، وأشار إلى مثال معتقل غوانتانامو الذي صار بمثابة الند لتمثال الحرية، فهو ينافي القيم والمبادئ التي نسعى إلى نشرها حسب قول فريدمان، ثم كمعطى ثان، تحديد الخلل الكامن في آليات التواصل والخطاب مع العالم العربي والإسلامي، مع مراعاة واقعية مواجهة هذه المبادرة أو صدها من قبل بعض التيارات والقوى في العالم العربي، التي تسعى إلى تعميق العداء ونشر صورة مغلوطة عن الولايات المتحدة الأمريكية، ففريدمان يرى أن تفعيل نهج الحوار مع العالم العربي يتطلب تجاوز النخب العربية وإيصال الرسالة إلى قدر أوسع من الجماهير والمتمثل في الشارع العربي الذي بات يتملكه الشعور بالاستياء من السياسة الخارجية الأمريكية ويعادي في أغلب الاحيان كل ما هو أمريكي.

استحالة الانتصار في حرب الأفكار

ويعرض فريدمان في حديثه إلى ما يسميه "بحرب الأفكار" القائمة بين العالم العربي والإسلامي و الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الآونة، واستحالة خروج الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة في هذه الحرب ويرجع ذلك لأسباب يذكر منها تغييب أصوات قوى الاعتدال والوسطية، وعدم القدرة على فهم واستمالة الهوامش البسيطة في المجتمعات العربية وهي الشرائح أو الفئات التي يتوجب إشراكها في أي مشروع تواصلي.

فمنح خمسين ألف تأشيرة دراسة لطلاب عرب للقدوم إلى الولايات المتحدة الأمريكية قد يكون أكثر فعالية وجدوى من التخاطب معهم عن بعد، حسب رأيه، ويضيف في نفس اطار "حرب الأفكار" إلى أن حركة طالبان منذ سقوطها استهدفت في هجوماتها ما يزيد عن 200 مدرسة ، استنادا إلى مصادر عسكرية أمريكية، مما يثبت نشوب هذه الحرب بموازاة مع الحرب على الإرهاب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية هذا العقد والتي أظهرت عدم نجاعتها.
ويتطرق فريدمان إلى ظاهرة التفجيرات الانتحارية، ويسرد نموذجين الأول حدث في بعقوبة منذ حوالي سنتين، حيث فجر انتحاري نفسه في مسجد في اليوم الأول من رمضان وسط حشد جنائزي، والثاني في أفغانستان حيث قام انتحاري آخر بتفجير قنبلة أثناء حفل تدشين مستشفى، وهنا يدلل فريدمان على انه يستعصي فهم هذه الظاهرة، حيث يعتقد أن القيود الحقيقة التي يخضع لها الشخص إجمالا هي:

العائلة والمجتمع والدين، وإذا كانت هذه الثلاثية قد تراجعت أو تصدعت إلى حد التلاشي، فقد كان من المتعين في العالم الإسلامي أن يشذب أو يندد بهذه الأفعال المشينة والوحشية، ويظهر للآخرين في مسيرات شعبية أن هذه الممارسات غير مقبولة وأن المسلمين جميعا يدينون برسالة واحدة تنبذ العنف وتدعو إلى السلام، ومع ذلك لم نسمع أي صوت، فإن كان الأمر كذلك، حسب فريدمان فليس بوسع أيا كان مواجهة هذه الظاهرة التي لا تمت للثقافة العربية والإسلامية بأية صلة.

هل ستتغير أمريكا؟

وفي جانب آخر، يؤكد فريدمان أنه يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية إمعان التفكير في تصرفاتها، لأن أية خطوة سياسية تقوم بها تجاه العالم العربي والإسلامي تعد بالغة الأهمية، فالعمل على صياغة خطاب أمريكي متوازن يستدعي تكاثف الجهود من الجانبين ويتطلب تعبئة وسائل الإعلام في العالم العربي وإحداث شراكة مبنية على التفاهم المتبادل واحترام الآخرين، معتبرا أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحسن الإصغاء والاستماع إلى مخاطبها العربي، لأن حسن الإصغاء ليس طريقة لتلقي الأفكار فحسب، وإنما هي أيضا سمة تعكس احترام المخاطب. فاليوم ليس بوسعنا أن نحادث العرب حتى بأقل الأمور أهمية، لأنهم يدركون جيدا إن كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنوي الاستماع لهم حقا، أو أنها تنتظرهم فقط أن يفرغوا من كلامهم ، وقد توضح لهم ذلك منذ البدء مع إدارة بوش الحالية.
ويضيف فريدمان، على الولايات المتحدة الأمريكية أيضا أن تحترم "قواعد اللعبة"، وأن لا تتدخل في صباغة الخطاب الداخلي العربي وأن تسمع صوتها فقط إن طلب منها ذلك.

مع التركيز على إبراز العلاقة الإيجابية في نماذج عربية وإسلامية أمريكية ناجحة، كعناصر فاعلة ضمن مكونات المجتمع الأمريكي والعمل على تقديم مقومات صورة متوازنة للإعلام المحلي العربي على أن الولايات المتحدة الأمريكية بلد يتميز بالانفتاح ويسمح بحرية الاختيار كما يحترم أسس ومبادئ الديمقراطية التي ينادي بها داخليا وخارجيا، ويحدد فريدمان مطالب الولايات المتحدة الأمريكية من العالم العربي في ثلاث:

- استمرارية تزويدها بالنفط
- الحفاظ على انخفاض سقف أسعار النفط
- أن يحسن العرب معاملة إسرائيل

خارج هذه المطالب يمكن للعرب أن يفعلوا ما يحلو لهم، مما قد ينافي ما تدعو إليه المبادئ المعلنة للولايات المتحدة الأمريكية حسب فريدمان.
ويحدد فريدمان مكامن الخلل في الخطاب الداخلي العربي، في غياب حكومات تراضي وانعدام وجود آليات "حوار أفقي" يشرك كافة فئات المجتمع، ويوفر بيئة تسمح بالتواصل البناء، كما يشير إلى ضرورة إقرار "عقد اجتماعي" يوائم مقتضيات الواقع السياسي في العالم العربي ويستحيب لتطلعات الشرائح المحبطة والمهانة من الشباب العربي.

ويقدم الهند كنموذج، حيث تعتبر البلد الثاني بعد أندونيسا من حيث عدد المسلمين، مع ذلك لم نسمع بأي مسلم هندي أعتقل في غوانتانامو أو تورط في أحداث 11 من سبتمبر ، ويعيد فريدمان ذلك إلى المجال الديمقراطي المتاح للمسلمين في هذا البلد، هذا المجال الذي سمح للمسلمين كأقلية أن يبرزوا طاقاتهم إلى حد أن يكون رئيس الدولة المنتخب منهم.

ويخلص فريدمان إلى أن الديمقراطية ليست ما ترغبه الأغلبية، وإنما هي احترام حقوق الأقلية، فالأمر هنا لا يتعلق بالانتخابات أكثر مما يتعلق بالامتثال للقوانين وتبني الوضوح والشفافية مع احترام المؤسسات وحقوق الأقليات.[line]

castle 23-03-2007 10:18 AM

1 مرفق
مشروع الإصلاح ( الأمريكي ـ الأوروبي ) _

والمقابل الإسلامي


مبادرات الإصلاح الخارجي .

إصلاح أو هيمنة؟!


زهير سالم
كانت منطقتنا العربية والإسلامية دائماً في قوس اهتمام الآخر(1). ولكن اهتمام الآخر بمنطقتنا بعد أحداث 11/9/2001 بدا مختلفاً. فلقد أصبحت هذه المنطقة هدفاً للحروب والقواعد العسكرية والمبادرات. كانت الخطة واضحة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبروز الطموحات الامبراطورية لدى الإدارة الأمريكية. فقد تركزت الإستراتيجية الأمريكية في إحلال الخطر الأخضر (الإسلام) مكان الخطر الأحمر (الشيوعية).

وكان للآخر في حملته على عالمنا ببعديها (العسكري ـ والثقافي) أسبابه الحقيقية والذرائعية. فبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، وتحول المتوسط من بحر إلى بحيرة، وغدا عبور الأطلنطي لا يكلف إلا بضع ساعات، وبدأت البركة العربية تطفح بموجات من المهاجرين، وهم في كثير من الأحيان غير شرعيين، يلقون رحالهم بين ظهراني الآخرين، يحملون معهم ثقافتهم ويتمسكون بها، ويلقون بظلالها على الواقع الاجتماعي والثقافي، مما يخلخل منظومة القيم التي اعتبرها أصحابها راسخة مستقرة. فلقد شكلت الهجرة هاجساً مقلقاً في ظل الوضع الديموغرافي لمجتمعات متآكلة بشرياً. وكان لا بد من تفكير مستقبلي يحمي المجتمعات القلقة من تحول الهوية في ظل مناهج ديمقراطية تسمح للأقلية المنظمة أن تتحكم، على نحو ما، بالأكثرية كما هو الحال مع الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة.

كما فجرت حالات الظلم السياسي والاجتماعي (الخارجي والداخلي) ينابيع الغضب والكراهية في عالمنا. وبدلاً من أن يبادر المتسببون بهذا الظلم إلى مراجعة سياساتهم وسياسات الأنظمة التي فرضوها على المنطقة، بدؤوا يبحثون عن أسباب الغضب والكراهية في قيمنا وثقافتنا!! لا ندري ماذا كان سيفعل أي شعب أوروبي أو أمريكي لو عومل بنفس السياسات التي نعامل بها؟! لماذا كان من حق الأوروبيين أن يرفضوا النازية ولا نعطى نفس الحق في رفض سياسات التمييز والاستعلاء وكسر الإرادة والتدخل في الشأن الداخلي؟!

وهكذا اعتبر الإرهاب عابر القارات ذريعة للتدخل في شؤوننا، ومع أن هذا الإرهاب قد تمت إدانته في عالمنا العربي والإسلامي دينياً وإستراتيجياً إلا أن هذا لم يعفنا (إسلاماً) و(مسلمين) من المسؤولية!!

إذا كنا غير معنيين ببحث ذرائع لهذا الإرهاب، ولكن التفكير العلمي الهادئ الرصين يقتضي البحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء كل ظاهرة، لمواجهتها وليس الجري وراء الوهم الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى السراب، ويفاقم المشكلات، ويعزز ما يراد مواجهته، أو يبدد الجهد في طرق الباطل.

إذا كانت ثمة فئة معزولة محدودة تمارس الإرهاب باسم الإسلام، فإن إعلان الحرب على الإسلام وهو دين خمس سكان المعمورة يعني استعداء هذه الملايين، وزجها في حرب صعبة وطويلة الأمد. إن ما يجري في أفغانستان والعراق وفلسطين ما هو إلا بداية البداية!!

وإذا كنا نتفهم أن يتأذى شركاؤنا في هذا العالم من هذه الأفعال المستنكرة (دينياً وإستراتيجياً وسياسياً)، فإن عليهم أن يتفهموا أيضاً أننا نتأذى من محاولاتهم توظيفها للعدوان علينا، أو التدخل في شؤوننا، ووضعنا لقرن آخر أمام مشروعات إصلاحية منقوصة أو مجزوءة، على نحو ما حصل بعد الحرب العالمية الأولى.

والسبب الثالث لاهتمام الآخر بمنطقتنا، هو ما تحتويه من ثروات طبيعية، وفي مقدمتها النفط الذي يعتبر عصب التكنولوجيا الغربية. إن تأمين الطاقة بالسعر والطريقة التي يفرضها الآخر هو أحد الأسباب المباشرة لمحاولات السيطرة على هذه المنطقة.

إن البعد الاقتصادي لهذه المشروعات لا يتوقف عند حد الاستحواذ على الثروات وإنما يهدف في آفاقه إلى تحويل المنطقة إلى سوق استهلاكي، يستعيد بطريقة آلية القليل الذي يدفعه ثمناً لتلك الثروات. أو يستقطب على محور ثالث الرساميل المتاحة لتوظيفها في المشاريع الخاصة.

كما أن حماية (دولة إسرائيل)، وتبني المشروع الصهيوني بأبعاده الدينية والإستراتيجية والاقتصادية هي هدف رابع للحملة المشهودة. إن الدعم المطلق الذي تجاوز حتى القرارات (الجائرة أصلاً) لما يسمى بالشرعية الدولية، يوضح أن الآخر يريد توظيف هذه الدولة لتكون قاعدة السيطرة والنفوذ في عالمنا.

إن جميع المبادرات والمخططات التي تقدم لمنطقتنا، أو تفرض عليها، ابتداء من الألفاظ والتسميات (الشرق الأوسط) وانتهاء بالصيرورة الأخيرة لكل جهد، تسعى إلى تكريس الوجود الصهيوني وتعزيزه، وزرعه نسيجياً وبنيوياً في جسم المنطقة. فكرة (الشرق الأوسط) كانت صهيونية منذ بدايتها. فالشرق الأوسط هو الاسم الذي يسقط كل هوية!!

ورغم كل الضعف العربي، واليأس العربي، فإن (إسرائيل) لم تصبح مشروعاً ناجحاً حتى الآن، وحتى بعد مدريد وأوسلو. إسرائيل ماتزال مهددة ديموغرافياً واستراتيجياً بطوفان من الناس الذين لا يريدون التعامل معها، وهي من جهة أخرى ماتزال دولة تعيش على المعونات.

ومن هنا يأتي تأكيد المبادرات أجمع، وكما سنرى ذلك بالتفصيل، على تكريس التجزئة في عالمنا. الأوروبيون الذين يسيرون بدأب نحو وحدتهم الكبرى، لم يفكروا وهم يقدمون لعالمنا وصفتهم الرشيدة بوحدته، ولا بثقله الاستراتيجي أو تكامله الاقتصادي.
وتأتي الخاتمة في ثمرة هذه المبادرات، في تذويب الهوية والسعي إلى الإنسان المجرد من كل وصف أو مرجعية. ومن هنا تصطدم المبادرات جميعاً مع (العربية) و(الإسلامية) وإذا كان السعي إلى نفي المرجعية والصبغة الإسلامية واضحاً منذ مطلع القرن العشرين، فإن هذه المبادرات تؤكد في سياقاتها المستجدة على نفي الحالة القومية، ليس على صعيد السياسة فقط بتكريس التجزئة كما أشرنا وإنما على صعيد الثقافة والشعور أيضاً، بفرض قيم السوق كقاعدة أساسية للتعامل.
موقف أولي من مشروعات التغيير..

لتلك الأسباب الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية تكاثرت مبادرات الإصلاح الخارجية التي تقدمت بها دول ومجموعات عظمى لإصلاح واقعنا العربي والإسلامي. كانت المبادرة الأولى مبادرة باول وزير الخارجية الأمريكية. ثم مبادرة ريتشارد هاس مدير التخطيط في البيت الأبيض، ثم مبادرة بوش للتجارة مع الشرق الأوسط. ثم مبادرة الرئيس بوش الأخيرة التي أطلقت تحت عنوان (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، وفي نفس السياق سارع الأوروبيون، ومن قبيل التنافس على مناطق النفوذ: الاستراتيجي والاقتصادي إلى تقديم مشروعات الشراكة الأوروبية، مشروع (برشلونة)، والمبادرة الأوروبية الأخيرة.
في موقفنا الأولي من هذه المبادرات لابد لنا أن نسبق إلى القول: إن اقتراح الإصلاح من الخارج يعتبر شكلاً من الوصاية، وهذا يستدعي الرفض الأولي للتدخل في شؤون المنطقة، والرفض لأشكال الإملاء عليها.

كما أنه لابد من التنويه إلى أن أي مشروع يأخذ بالحسبان مصلحة مقدميه أكثر من اعتباره مصلحة الجهة التي يقدم لها.
وأن هذه المشروعات التي تصاغ من رؤية خارجية، تقع في خلط وخبط وتتجاوز ما هو حقيقي إلى ما هو ظاهري، وما هو كلي إلى ما هو جزئي.

وبما أن هذه المشروعات تفرض من موقع (القوة) المادية والمعنوية، بشكل ما يجري في أفغانستان والعراق، أو بشكل المساعدات المشروطة، فإنها تشكل نوعاً من الإكراه على السير في طريق لا تريده الشعوب، وتجد مساغها لتتسلل على ما فيها لزيادة العبء، والتدويم في دوامات الانحطاط.

إنه مهما تكن إغراءات المعطيات المطروحة في هذه الأفكار: الحكم الصالح ـ وتعزيز المعرفة ـ وتوسيع الفرص الاقتصادية ـ حسب الورقة الأمريكية. أو (السلام ـ الاستقرار ـ الازدهار) حسب الورقة الأوروبية إلا أننا لا نستطيع أن نغفل عن محمولها شديد الخطورة، والذي يتكرس حسب فهمنا فيما أشرنا إليه سابقاً، ونعود إلى تكراره لأهميته:

ـ نفي المرجعية والهوية الإسلامية والعربية عن المنطقة (المرجعية الدينية) و(الهوية القومية) وتمييعها لتكون ضائعة قابلة لكل ما يُعرض عليها.

ـ وينبني على هذا ـ نفي الجوامع المشتركة بين أبناء الأمة، ومحاصرة القيم، ليسود مناخ السوق وقيمه، وبالتالي مصادرة أمل الوحدة وتكريس التجزئة.

ـ جعل العنوان (الشرق الأوسط) والواقع قابلين للوجود الصهيوني ومن هنا يأتي الإصرار على نفي الخاص المعبر (الإسلام) و(العروبة) ومقوماتهما وتبني العام المائع.

إننا، مع تمسكنا بتحفظنا الأولي الذي أشرنا إليه، وتقديمنا الحذر في كل المبادرات المقترحة، وتمسكنا بمنهجنا الأصيل في رؤيتنا للإصلاح والتغيير؛ لقادرون على الخوض في بطون تلك المبادرات، على اختلاف مصادرها، للبحث في ثناياها، والتعامل مع مفرداتها على أساس قاعدتنا الشرعية الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها.
مدخل التغيير.. وتقريرا التنمية الإنسانية العربية:

على الرغم من أن أهداف حملة الآخر ومبادراته واضحة في الأسباب التي أشرنا إليها. إلا أنه حاول أن يتسلل إلى واقعنا عبر تقريري التنمية الإنسانية العربية، الصادرين عن الأمم المتحدة.

بالمقابل نحن نعتبر واقعنا العملي بما فيه من تجزئة وضعف وفقر وقصور مدخلنا إلى التغيير، كما نعتقد أن هذا الواقع هو نتاج مشروع تغريبي منقوص، فرض على أمتنا في مطلع القرن الماضي. وإذا كان الخطاب الإعلامي الرسمي في عالمنا يستنبت الخضراء على الدمن، ويزين الواقع مع كل ما فيه، ليسحب الرشد على الحكام، فإن شعوبنا وقيادات المجتمع المدني في ديارنا قادرة تماماً على رؤية الواقع رؤية متوازنة. وهذه القيادات تدرك مواقع السلب وأسبابها كما تدرك طرائق الإصلاح ومداخله. مطلبنا للتغيير هو الذي يحدد مدخلنا إليه. وهذه حقيقة أولية تؤسس لاختلاف الرؤية، واختلاف المنهج، بيننا وبين الآخر الأوروبي والآخر الأمريكي.

إن محاولة توظيف تقريري التنمية الإنسانية الصادرين عن الأمم المتحدة كمدخل لعملية إصلاح شامل في عالمنا العربي، مع أن التقريرين لم يعدا لهذا الهدف، جاءت بداية مخيبة للآمال ومجتزئة لواقع لا يمكن اختزاله على الطريقة التي نهجها التقريران، اللذان أعدا كحافزين، وليس كمؤسسين لمشروع التغيير.

تقول الدكتورة ريما خلف مديرة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، وهي التي أشرفت على إعداد التقريرين مع مجموعة عمل عربية، في مقابلة أجرتها الشرق الأوسط (3/4/2004) مشيرة إلى اجتزاء التقريرين في المبادرة الأمريكية: (طبعاً يثير استياءنا إذا اجتزأ غيرنا تقاريرنا وحاول تشويهها)، وهي تؤكد المعاني التي تقدمنا بها نفسها (.. أقول وأكرر القول الآخرون استباحونا لأننا ضعفاء نحن نعي مشاكلنا في نفس الوقت الذي نعي أيضاً جدية وخطورة أطماع الآخرين) وتقول بوضوح عن مشروع الشرق الأوسط الكبير (المبادرة الأمريكية الأخيرة) (.. وهذا المشروع لن ينجح. لن ينجح لسببين في رأيي، السبب الأول هو أنه فاقد للشرعية على الأقل في أعين العرب.. الإنسان العربي لا يعتقد أو هو غير مقتنع بأن الولايات المتحدة تبحث عن مصلحته، بل هو واثق من أنها تبحث عن مصلحتها. وحقاً الولايات المتحدة بتبنيها الكامل أطروحات إسرائيل فقدت نهائياً ثقة المواطن العربي. أما السبب الثاني فهو أنه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) بني على فلسفة خاطئة..).

كما كتب الدكتور نادر فرجاني المؤلف الرئيسي للتقريرين مقالاً أكد فيه أن لا مجال للمقارنة بين المشروع الأمريكي وتقارير التنمية الإنسانية العربية. فالأخيرة أكدت على ضرورة أن ينبع الإصلاح من الداخل. بل وأن يطرح على القوى الحية للاتفاق عليه.. كما يشير إلى أن تقارير التنمية أكدت أن (إسرائيل) هي من أكبر معوقات التنمية في العالم العربي. بينما تصر الولايات المتحدة والمبادرة الأوروبية على دمجها في هذا العالم. مع كل ما سبق فإن التقريرين قد وظفا كمدخل لمشروع إصلاحي أمريكي أوروبي جديد. وكانت هذه بداية الخطأ في رأينا.

في تقويمنا لتقريري التنمية الإنسانية لا يمكن من ناحية مبدئية أن نشطب كل ما ورد فيهما. بل إننا نرى فيهما إضاءات إيجابية لكثير من مواقع السلب في واقعنا العربي والإسلامي. وقد احتوى التقريران على كثير من الجهد، وكثير من الحقائق المدعمة بالأرقام، وفضحا عالماً من الزيف الإعلامي تمارسه الأنظمة القطرية، وهي تطمئن المواطن العربي على أنها تنجز له في عالم التنمية الكثير!! ولكن هذا لا يمنعنا أن نشير إلى أن التقريرين أعدا برؤية قاصرة أو مجزوءة، تقتصر على رصد الظواهر دون التعمق إلى تحليل أسبابها، والتركيز على بعض ملامح الخلل دون بعض على نحو انتقائي واضح. ومن الأخطاء الأساسية في بناء تقريري التنمية الإنسانية، اعتبار الأنموذج الغربي بكل أبعاده مقياساً ومعياراً أولياً. ليقاس عليه واقع يختلف عنه في تأسيسه وفي تطلعاته على السواء. كما أن التقريرين عزلا الوقائع عن سياقاتها في منظومتها الحضارية والاجتماعية وقد خبط معدو التقريرين أيضاً في ترتيب الأولويات، إذ لا بد في مثل هذه التقارير من تقديم الأساسيات على الفرعيات، والانتقال من الكليات إلى الجزئيات.
ولقد انعكست هذه السلبيات بوضوح في مبادرات الإصلاح المتكاثرة التي جعلت من التقريرين أساساً ومنطلقاً.


تابع بقية الدراسة بالملف المرفق :
مشروع الإصلاح الامريكي الاوروبي والمقابل الاسلامي

المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات

[line]

castle 23-03-2007 05:06 PM

الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود
(1324-1395هـ،1906-1975م)

http://up.arabsgate.com/u/2054/4108/59619.jpg
الملك فيصل رحمة الله من شرفة البيت الأبيض

http://www.kff.com/EN01/KingFaisal/K...stPage/42_.jpg
خطاب الملك فيصل مع الرئيس الإمريكي


فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى ابن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي. وينتهي نسبهم إلى بكر بن وائل من بني أسد بن ربيعة. ملك المملكة العربية السعودية (1384 - 1395هـ ، 1964 - 1975م).

نشأته وتعليمه.
وُلِدَ الملك فيصل بن عبدالعزيز في صفر من عام 1324هـ، أبريل 1906م، وتربى في بيت آل الشيخ جده لأمه، حيث توفيت أمه بعد أن وضعته بخمسة أشهر. ولأن أمه بنت الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، نجد أنه نشأ نشأة دينية صالحة. وقد تلقى تعليمه في أصول الدين على يد جده لأمه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف. ولما شب وكبر أخذ يتدرب على فن الفروسية والإدارة والسياسة، فكان يحضر مجلس أبيه دومًا، ويستمع بإصغاء إلى أقواله ومحادثاته ومناقشاته، وكان يستفيد كثيرًا من آراء مَنْ يفد على مجلس أبيه، ويستمع إلى مقترحاتهم وتصوراتهم حول كثير من المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فصقلت مواهبه مبكرًا.

خبرته ومبايعته بالمُلْك.
أمضى الملك فيصل أربعين سنة يعمل في السياسة، ويمارس مهام مسؤوليات الإدارة والحكم خلال حكم أبيه الملك عبدالعزيز، وكذلك أثناء حكم أخيه الملك سعود؛ فاكتسب بذلك خبرة طويلة في الممارسة والتجربة السياسية أهلته لقيادة الدولة السعودية يوم أن تسلم مقاليد الحكم والقيادة فيها. وقد نودي به ملكًا في 27 جمادى الآخرة من عام 1384هـ، 1964م وعُيّن أخوه خالد بن عبدالعزيز وليًا للعهد.

أهم أعماله ومنجزاته.
درّب الملك عبدالعزيز ابنه فيصلاً على الشؤون السياسية منذ صغره، فانتدبه لزيارة بريطانيا وفرنسا نيابة عنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، وأرسله لزيارة عدد من دول أوروبا الغربية عام 1344هـ، 1926م لشرح التطورات السياسية في الجزيرة العربية بعد توحيد الحجاز، وضمه إلى بوتقة الدولة السعودية الحديثة، وليقدم لهذه الدول الشكر والامتنان لاعترافها بالدولة السعودية الحديثة. وقد منحته بريطانيا وسامًا رفيعًا منحه إياه ملكها جورج السادس، وهو وسام القديسَيْن جورج وميخائيل. وأردف هذه الزيارة بزيارة أخرى إلى الغرب عام 1350هـ، 1932م إثر تغيير اسم الدولة السعودية من مملكة الحجاز ونَجْد وملحقاته إلى المملكة العربية السعودية.

ترأس الملك فيصل وفد المملكة العربية السعودية في مؤتمر لندن المنعقد عام 1358هـ، 1939م لمناقشة القضية الفلسطينية، والمعروف باسم مؤتمر المائدة المستديرة. كما ترأس وفد بلاده ومثّلها في التوقيع على ميثاق هيئة الأمم المتحدة في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1364هـ، 1945م، وكان قبل ذلك قد شارك في كثير من المؤتمرات الأخرى.

في المجال الحربي.
أرسل الملك عبدالعزيز ابنه فيصلاً على رأس القوات السعودية المتجهة إلى عسير لتهدئة الوضع هناك والعمل على استتباب الأمن، وكان ذلك في عام 1340هـ، 1922م، وشارك أيضًا في الحرب اليمنية السعودية عام 1352هـ، 1934م.

في مجال الإدارة والحكم.
تقلد الملك فيصل عدة مناصب قيادية في عهد أبيه الملك عبدالعزيز وأثناء عهد أخيه الملك سعود؛ فقد عينه أبوه نائبًا له على الحجاز عام 1344هـ، 1926م، ثم عينه رئيسًا لمجلس الشورى عام 1345هـ، 1927م، ثم أول وزير للخارجية السعودية عام 1349هـ، 1930م ويعد بذلك أول وزير للخارجية في الدولة السعودية الحديثة. انظر: الدولة السعودية الثالثة. وتولى فيصل ولاية العهد في عهد أخيه الملك سعود، ثم أصبح رئيسًا لمجلس الوزراء.

في المجال الاقتصادي.
اعتنى الملك فيصل عناية فائقة بمجال الاقتصاد والمال وشؤون الصناعة والزراعة، وخاصة المشروعات الزراعية مثل مشروع الري والصرف، ومشروع الرمال في الأحساء، ومشروع حَرض الزراعي، ومشروع سد أبها، ومشروع تنمية الغابات، ومشروع تنمية الثروة الحيوانية، وبنك التسليف الزراعي، وغيرها من المشروعات ذات الطابع الاقتصادي. وبناء على ذلك فقد زادت الرقعة الزراعية، واستُثْمرت الأراضي البور، وشُجِّعت المشروعات التي تبحث عن مياه الشرب. واهتمت الدولة بالتنقيب عن المعادن في ربوع المملكة العربية السعودية، وأنشأت لهذا الغرض المؤسسة العامة للبترول والمعادن بترومين، وحرصت الدولة على دعم المشروعات الصناعية ذات الطابع الأهلي.

في مجال التعليم.
نال العلم والتعليم في عهد الملك فيصل عناية خاصة؛ لأنه كان يقدِّر فائدة العلم ودور العلماء في خدمة المجتمع وتقدمه وازدهاره، فشجع بشكل خاص تعليم الفتاة السعودية، ووسع دائرة التعليم العام والتعليم الجامعي، وحدّث أجهزة التعليم ومرافقه ومناهجه، وزاد ميزانيته، وارتفع عدد الطلاب المبتعثين للدراسات العليا والجامعية خصوصًا في مجال التعليم التطبيقي والفني. وقدمت الدولة المنح المالية والكتب الدراسية للطلاب تشجيعًا لهم على تحصيل العلم والاهتمام به والمواظبة عليه.

لم يقتصر ما قام به الملك فيصل من إصلاحات على المجالات التي ذكرت آنفًا، بل تعداها ليشمل الإصلاحات في الشؤون الاجتماعية، مثل الضمان الاجتماعي، ورعاية الشباب، ودور الرعاية الاجتماعية، ودور التربية الاجتماعية، ونظام العمل والعمال، والتأمينات الاجتماعية وغيرها. كما اهتم بتطوير سبل المواصلات البرية والجوية، والعناية بالمواصلات السلكية واللاسلكية وتحسين خدمة السكك الحديدية.

قدَّم الملك فيصل بن عبدالعزيز كل عون ودعم لقضايا العالم الإسلامي وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتحرير المسجد الأقصى من يد الصهاينة اليهود. ولطالما تمنى أن يصلي في المسجد الأقصى بعد تحريره. وقدم للمسلمين خدمة جليلة يوم أمر بتوسيع الحرمين الشريفين، وظل اسم الملك فيصل وأعماله في سبيل الإسلام والمسلمين ماثلة في أذهان المسلمين وعقولهم.

نهجه السياسي.
تركّز نهج الملك فيصل السياسي على مجموعة من الثوابت من أهمها: حماية البلاد والمحافظة على استقلالها وعلى هويتها العربية والإسلامية في مجال التعاون والتنسيق بين الدول العربية والإسلامية؛ متمسكًا بميثاق جامعة الدول العربية ومحافظًا عليه وعلى جميع الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين المملكة وغيرها من الدول. ومن خلال الواجب الإسلامي الملقى على كاهل المملكة العربية السعودية، فقد نشط الملك فيصل في الدعوة إلى التضامن الإسلامي، وإلى التعاون العربي الإسلامي من أجل خير الأمة الإسلامية ومصالحها الدولية ومستقبلها العام؛ لذا فقد تبنى مشروع حركة التضامن الإسلامي الرامية إلى إقامة تعاون وثيق بين دول العالم الإسلامي قاطبة، ولتقف الأمة الإسلامية في وجه الأخطار التي تهددها وتقتحم ديارها. فدعا إلى عقد مؤتمر إسلامي يكون على مستوى القمة يرجو من انعقاده نفعًا جليلاً للإسلام والمسلمين في شتى بقاعهم. وقد أُنشئت رابطة العالم الإسلامي التي كانت لها الريادة في تنظيم عقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في يوم الأحد 17 من ذي الحجة 1384هـ، 18 أبريل 1965م. ولترسيخ مفهوم دعوة التضامن الإسلامي، قام الملك فيصل بعدة زيارات لبلدان العالم الإسلامي. (1)

خطاباته وحواراته الصحفية أميراً وملكاً
الملك فيصل بن عبدالعزيز أل سعود (3)

ذريتة
زوجاتة هن :
- الأميرة سلطانة السديري وأنجبت لة :
عبد الله الفيصل

- الأميرة عفّت الثنيان آل سعود وأنجبت لة :
محمد الفيصل
سعود الفيصل
عبد الرحمن الفيصل
بندر الفيصل
تركي الفيصل

- الأميرة هيا بنت خالد بن تركي بن عبدالعزيز بن عبدالله بن تركي آل سعود وأنجبت لة :
خالد الفيصل
سعد الفيصل .. (2)

استشهادة .
استشهد الملك فيصل بن عبدالعزيز يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر ربيع الأول عام 1395هـ، 25 مارس 1975م، وخلفه في الحكم ولي عهده الملك خالد بن عبدالعزيز..(1)

الصلاة على الملك فيصل:1395هـ
مشاهدة (3)


المصادر :

http://www.mawsoah.net/gae/theme4/rights-logo.gif
الموسوعة العربية العالمية
الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Reserved


http://ar.wikipedia.org/images/wikimedia-button.png

مقاتل من الصحراء

castle 30-03-2007 06:48 PM

1 مرفق
إنتخابات مجلس الشعب في سورية وفرص الإصلاح الدستوري

زهير سالم*

1- مدخل: هذه الدراسة والهدف منها

في 8/3/2007 سيكون مجلس الشعب في سورية قد أنهى دورته الدستورية الثامنة. وسيكون على رئيس الجمهورية أن يعلن عن موعد جديد للانتخابات. فهل سيجد الشعب السوري وقواه السياسية في هذه الانتخابات مخرجاً من أزمة مستعصية لإحداث تغيير أو إصلاح ولو جزئي في الحياة العامة في سورية، بعد أن انقضت الفترة الرئاسية الأولى لرئيس الجمهورية بشار الأسد (سبع سنوات)، دون إحراز أي تقدم ملموس في إطار التغيير أو التطوير أو الإصلاح؟!

يعتبر التغيير الدستوري من خلال البرلمانات المنتخبة، والرؤساء المنتخبين، والحكومات الشرعية طريقة التغيير الأساسية أو الوحيدة في النظم الديموقراطية والعالم المتحضر. فما أن تنتهي دورة دستورية حتى يتقدم الناخبون ليقولوا كلمتهم في الأداء السياسي والاقتصادي للفريق الحاكم، فإما أن يجددوا له الثقة ويمنحوه المزيد من الوقت ، أو يسحبوا الثقة منه، ويضعوها في أيدي أخرى يتوقعون أن تكون أكثر قوة و أمانة.

في دولة مثل سورية، يسيطر فيها فرد ملهم، وحزب قائد، مثل هذا لا يمكن أن يكون. هنا يصادر الفرد الملهم كل مؤسسات الدولة (السلطات الثلاث)، ويوظفها وتوابعها في خدمة ذاته وإضفاء الشرعية على رغباته ، ويضع الخطط للسيطرة على إرادة الناخبين ، فيعطلها أو يوظفها لحسابه .

تعيش سورية اليوم مخاضاً عسيراً، وسط تحديات داخلية راكمتها سنون طوال من الاستبداد والفساد والقهر والتمييز بين المواطنين، وأخرى خارجية تفرضها القوى الدولية والإقليمية، وتصنع بعضها إرادة القائد الفرد وتصرفاته المجانبة للحكمة والسداد. يتساءل المواطن السوري كما تتساءل القوى السياسية: هل ثمة أمل في تغيير أو إصلاح دستوري جزئي أو كلي تضطلع به المؤسسات الدستورية وعلى رأسها (مجلس الشعب)، الذي يمثل حسب الدستور السوري السلطة التشريعية في البلد؟ هل يمكن أن يكون هناك صندوق اقتراع حقيقي؟ وهل يمكن أن تكون لصندوق الاقتراع هيبته ومكانته في إطار سلطة تحترم القانون والمؤسسات؟ وهل تستحق المشاركة في العملية الانتخابية العناء الذي سيبذل فيها؟ وهل ستكون هذه المشاركة مجدية بأي معنى من معاني الجدوى؟ هل سيكون لها انعكاس إيجابي بالمعنى الخاص أو العام، أم أنها ستكون سلبية بالمعنيين معاً؟ أي أنها ستلحق الضرر بالشخص الذي سينتمي إلى هذه المؤسسة، فتجعل منه أشبه بشاهد زور، يضفي الشرعية على سلطة لا تحترم الشرعية ، فيستخدمه الحاكم في إثبات دعواه بأن مسرحيته الديموقراطية هي حقيقية!!.

تهدف هذه الدراسة إلى المشاركة في الحوار المحتدم حول العملية الانتخابية القادمة : نقاطع او نشارك ؟و تقترح استراتيجية وطنية لتعامل مع الخيارات .

2- تاريخ الحياة الديموقراطية في سورية:

مجلس النواب دور وتاريخ (1920 ـ 1963)

ربما تساعدنا نظرة حقيقة تاريخية إلى الحياة الديموقراطية في سورية على تحديد رؤية أكثر واقعية ومصداقية. إن العودة إلى التاريخ هنا والمقصود التاريخ المعاصر ، يراد منها إسقاط دعاوى نظام الاستبداد والناطقين باسمه، بأن شعبنا ما يزال في بداية التطور الديموقراطي، وأنه بحاجة إلى رعاية أو وصاية الحزب القائد لكي يتجذر السلوك الديموقراطي في أفراده وبناه المدنية والاجتماعية.

يعود تاريخ الممارسة البرلمانية أو الديموقراطية في سورية إلى عام /1919/ عندما وُضع البنيان الأولي للدولة السورية القطرية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانفراط عقد الدولة العثمانية.

كان (المؤتمر السوري العام) الذي تم تشكيله بانتخابات أولية على أساس قانون الانتخاب العثماني، كان عدد اعضاء المؤسسة البرلمانية الاولى في تاريخ سورية الحديث خمسة وثمانين عضواً ينتمون إلى ولاية بلاد الشام: سورية ـ لبنان ـ الأردن ـ فلسطين. كما كانوا يمثلون جميع ألوان الطيف الديني والمذهبي والفكري الذي كان سائداً آنذاك.

في الفترة القصيرة التي عمل فيه (المؤتمر السوري العام) ، قرابة ثلاثة عشر شهراً (حزيران 1919- تموز 1920) ، أثبت حضوراً وفاعلية وروحاً ديموقراطية عالية في التعاطي مع القضايا الكبرى، وفي تحمل المسؤولية الوطنية على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. عمل المؤتمر أولاً كرقيب وضابط ومرشد لسياسات السلطة التنفيذية، حتى ضايق هذا الملك فيصل نفسه في مواجهة تاريخية مشهورة بين الملك والشيخ رشيد رضا الذي تسلم رئاسة المؤتمر في إحدى الدورات.

كما عمل كسلطة تشريعية حقيقية، تقر السياسات العامة وتناقش المواقف، وتدرس المعاهدات والعلاقات. وكان على رأس انجازات المؤتمر:

ـ رَفَضَ اتفاقية (سايكس ـ بيكو) التي تكشفت أبعادها بعد انتهاء الحرب.

ـ وأعَلَنَ في الثامن من آذار 1920 استقلال سورية بحدودها الطبيعية التي تشمل (سورية ـ والأردن ـ وفلسطين ـ ولبنان).

ـ ونادى بالملك فيصل الأول ملكاً على سورية.

ـ ووضع دستوراً للدولة السورية أطلق عليه اسم القانون الأساسي.

ـ ولعل المفيد هنا أن نذكر أن المؤتمر السوري العام وبحضور نخبه من علماء المسلمين من كافة المناطق السورية ناقشوا قضية مشاركة المرأة في الانتخابات /ناخبة ومنتخبة/ وخلصوا إلى أنه لا مانع شرعياً يمنع من هذه المشاركة[1].

بالطبع انتهى كل ذلك بدخول الجنرال غورو إلى دمشق وحل المؤتمر السوري العام وانسحاب الملك فيصل إلى العراق.

مع دخول سورية في عهد الانتداب، برز دور المفوض السامي كقوة قمع أو كسلطة تصادر حرية الناس وإرادة الشعب، وقد حصلت عدة تصادمات بين المجالس النيابية السورية والمندوب السامي كانت تؤدي بالغالب إلى حل مجلس النواب. وكان البرلمان السوري أو مجلس النواب، كما كان يطلق عليه، يقوم بدور حقيقي في قيادة البلد نحو الاستقلال، وفي السهر على مصالح المواطنين، وحماية حقوقهم. فلقد أسقط البرلمان السوري الكثير من المعاهدات ، كما شكل حكومات حقيقية وأسقط أخرى، وخاض غمار النضال من أجل الاستقلال الناجز. حُل أكثر من مرة على يد المندوب السامي، وفي حلقة الصراع لأخيرة بين القوات الفرنسية وهذا البرلمان كانت مذبحة البرلمان الرهيبة التي نفذت ضد حامية البرلمان يوم قصف الفرنسيون دمشق.

منذ احتلال الفرنسيين سورية وحتى الجلاء شهدت الساحة الوطنية انتخاب وانحلال العديد من (مجالس النواب)؛ لم يتح لأي مجلس من هذه المجالس أن يتم مدته الدستورية مع أنها جميعاً أدت دوراً إيجابياً في تاريخ الحياة السياسية السورية. وكان أبرز هذه البرلمانات:

ـ المجلس التأسيسي الذي انتخب في نيسان 1928 وانعقد في حزيران وأسند إليه مهمة إقرار دستور جديد للبلاد ثم اعترض المندوب السامي على بعض مواد الدستورالذي اقره المجلس، وأصر عليها المجلس فحُل المجلس.

ـ في عام 1931 جرت محاولة لانتخاب مجلس جديد عطلها المندوب السامي.

ـ مجلس 1934 ـ 1939 وهو الأطول في عمر البرلمانات السورية في عهد الانتداب ، ولقد كان له دور كبير في إنضاج عملية الاستقلال.

ـ ثم مجلس 1943 وهو المجلس الذي تم قصف حاميته من قبل القوات الفرنسية.

كان مجلس النواب في عهد الانتداب وليد الكتلة الوطنية ابتداء، ثم وليد جناحيها الرئيسيين بعد أن بدت معالم الانشقاق واضحة في بنية هذه الكتلة، دون أن يحول ذلك وتمثيل أطياف أخرى أساسية في المجتمع السوري كانت تجد مغزاها في الإطار الوطني العام. ويوم بدأت قوى سياسية أخرى تتبلور على الساحة السورية استطاعت هذه القوى أن تجد طريقها عبر صندوق الاقتراع إلى البرلمان. في مجلس النواب كانت تلتقي الأديان والمذاهب والقوميات كما كانت تلتقي التيارات السياسية الكبرى والأحزاب المعبرة عنها.. حزب الشعب، والحزب الوطني، والإخوان المسلمون، والشيوعيون، والبعثيون، والمستقلون، وكان الجميع يشكل طليعة ناهضة وطموحة لشعب يثق بإرثه العقدي والحضاري ويندفع بحمية وعنفوان إلى أهدافه.

بدخول سورية في مرحلة الاستقلال بعد 17/4/1946 حل المغامرون من قادة القطعات العسكرية محل (المندوب السامي) ، فكانت الحياة البرلمانية في سورية متقطعة تعيش دائماً تحت تهديد قيادات الجيش ، إلى أن استطاعت هذه القيادات أن تصادر الحياة السياسية بشكل كامل وحتى هذه اللحظة بعد انقلاب الثامن من آذار 1963. ولعل من عجائب المقادير أن تؤسس سورية الحديثة في الثامن من آذار 1920 وأن تصادر في الثامن من آذار 1963.

في مرحلة الاستقلال شهدت سورية مراحل برلمانية متقطعة كانت مهددة دائماً بالانقلابات العسكرية وكان أبرز هذه البرلمانات:
مجلس عام 1947 ـ 1949 أول مجلس بعد الاستقلال. ثم كان انقلاب حسني الزعيم والشيشكلي والحناوي. ليعاد انتخاب برلمان 1954 ـ 1958. وكان لهذا البرلمان شرف إقرار الوحدة بين سورية ومصر الحلم العربي الذي ماتزال سورية تدفع ثمن إقدامها عليه بحرمانها من الحياة البرلمانية الحقيقية عقوبة على ذلك القرار القومي الرائد.

وحل هذا البرلمان من أجل تدشين مشروع الوحدة. حيث تم في عهد الوحدة بعد مشروع الاتحاد القومي التأسيس لما عرف بمجلس الأمة 200 عضو عن سورية و400 عضو عن مصر والذي استمر في القيام بدوره 1960 ـ 1961 أي حتى وقوع الانفصال.

كما شهد عهد الانفصال آخر برلمان سوري شرعي تم حله على أيدي الانقلابيين في الثامن من آذار.

أردنا من هذه الخلاصة التاريخية أن نوثق أن سورية شهدت منذ تأسيس الدولة القطرية وحتى الثامن من آذار 1963 حراكاً ديموقراطياً حقيقياً، شاركت فيه جملة القوى الوطنية وجميع مكونات الشعب السوري. وأن البرلمانات السورية استطاعت في ظل الظروف الحرجة التي كانت تحيط بها أن تمارس دورها الحقيقي في التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح المواطنين.

3- مجلس الشعب السوري: أداء عقيم
(1971 ـ 2007)

مع انقلاب الثامن من آذار دخلت سورية مرحلة جديدة


تابع الدراسة كاملة بالملف المرفق:
انتخابات مجلس الشعب في سورية وفرص الإصلاح الدستوري

المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية
http://www.asharqalarabi.org.uk/images1/s-a-logo11.gif
[line]

castle 30-03-2007 07:01 PM

ثمانية تصورات لاحتمالات التغيير في سورية
زهير سالم*

التغيير في سورية مطلب لجمهور غفير من أبنائها. مطلب ضروري لإعادة بناء الوطن والإنسان. في رؤية الغالبية العظمى من أبناء سورية الذي يعيشون قهراً يولد حجماً غير محدود من الخوف، أن الفساد قد طال كل شيء. وأن الطريق إلى التغيير تحفه المكاره والصعوبات. ويرى كثير من هؤلاء أن هذا النظام بالعهدة التي يؤديها أثقل بكثير من وزنه الذاتي الذي يقدره البعض.

التغيير في سورية تعيقه عوائق ثلاثة: عائق أول يتمثل في المجموعة القائمة على النظام، بما تمتلك من أدوات الإكراه المادي، والإمكانات السياسية والاقتصادية المتمثلة في مقدرات الدولة السورية. والعائق الثاني عائق إقليمي يتمثل في مجموعة من الدول منها دولة إسرائيل التي تتخوف من أي بديل وطني سورية ينغص عليها حلاوة أربعين عاماً أدمنت على الاستمتاع بها على أرض الجولان. ومنها إيران الدولة التي وجدت في أرض الشام وعاصمة الأمويين مرتعاً خصباً لسياساتها ودعاتها. ومنها دول عربية تقدر أن أي تغيير يتم على الأرض السورية سيعني بشكل ما أن الدور سيدور عليها بعد زمن يسير.

والعائق الثالث من عوائق التغيير في سورية القوى الدولية. هذه القوى التي أسست نظام دمشق، ودعمته، وغطت على جرائره طوال أربعين عاما، وماتزال على الرغم من بعض الاختلافات هنا وهناك. متمسكة به، حريصة عليه، لأنها ببساطة لم تجد حتى اليوم بديلاً سورياً يخدم مصالحها، ويرعى جانبها، ويحقق أهدافها كما يفعل هذا النظام.

التغيير في سورية مطلب، ولكن حمله ثقيل، ودون تحقيقه كما يقولون خرق القتاد. فعلى الشعب السوري إذا أراد أن يحقق هذا المطلب أن يرفع صخرة (برميثوس) مكعبة في زنتها الذاتية والإقليمية والدولية.

ولما كان مطلب التغيير في سورية ضرورياً، لأن ما يطالب به الشعب السوري ليس حلية ولا ترفاً، ولا مطلباً كمالياً تحسينياً أو حاجياً وإنما يطالب بحقه في الوجود، وفي الحياة في الشمس وفي الهواء ، يطالب بحقه في حرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية التعبير. يطالب بحقه في سهمه الوطني وفي نصيبه من جهده وثروته الوطنية ؛ لأجل ذلك كله، ولأن بشار الأسد ، بعد أن انتظر الشعب السوري ثلاثين سنة يتجرع المكاره في عهد أبيه ، أصر على أن يكون امتداداً لأبيه لأجل ذلك فأنه لا خيار أمام الشعب السوري وأمام النخب الناهضة من أبنائه إلا أن تتحمل مسؤولياتها وتتقدم حاملة مشروع التغيير على كاهلها، مهما قل العاملون، أو تضاءلت الإمكانات أو تكاثفت العقبات.

التغيير في سورية مطلب، وهو خيار الشعب السوري الوحيد. وهذا الشعب هو هدف التغيير وأداته في وقت واحد على السواء.

ثوابت مشروع التغيير في سورية وأهدافه

تتحرك المعارضة السورية الوطنية (إسلامية وعلمانية) في إطار مجموعة من الثوابت والالتزامات اشتقتها من رؤيتها الوطنية، وتقديرها السياسي للموقف العام.

وأول هذه الثوابت أن يكون التغيير سلمياً يعتمد أساليب النضال الحقوقي والسياسي، بعيداً عن جميع أشكال العنف ومثيراته.

ومن هذه الثوابت أن يكون هذا التغيير وطنياً، تصنعه القوى الوطنية، لتحقيق الأهداف الوطنية. إن الالتزام بهذا الثابت لا يعني عزل النضال الوطني عن آفاقه القومية والإنسانية، ولا يغلق الباب أمام الاستفادة من التغيرات المناخية المتاحة في إطار رؤية وطنية محسوبة بدقة.

أما الهدف الأساس للتغيير في سورية، فهو بناء سورية دولة ديموقراطية حديثة على قاعدة (السواء الوطني) أي أن تكون المواطنة وحدها هي مناط الحقوق والواجبات، يستوي على هذه القاعدة المواطنون على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية. وعلى أساس دستوري عصري يحترم فصل السلطات، ويفرض سيادة القانون، ويحترم الحريات الإنسانية العامة والفردية ويضمن المساواة بين الرجل والمرأة. هذا الهدف العام بتفصيلاته أو لواحقه أصبح مثل اللازمة لمطالب المعارضصة السورية الإسلامية والعلمانية.

(تستحق سورية حكاماً أفضل)، هذه الحقيقة إن كانت مسلمة عند كل فرد من أبناء الشعب السوري ، إلا أنها ماتزال موضع نزاع عند الكثير من القوى الدولية والإقليمية، ومع الأسف عند بعض النخب أو مؤسسات المجتمع المدني العربية. إن العبور إلى رصيف التغيير يتطلب جهداً تمهيدياً من المعارضة السورية لتصبح معاناة الشعب السوري حاضرة على الأجندة العربية والإنسانية الرسمية والشعبية.

تخيم التجربة العراقية ، بما حملته إلى العراق من دمار وفوضى، وحرب أهلية بشبحها على المنطقة، وعلى تصورات أبنائها ممن يلحظون عمق المأساة التي يعيشها شعبنا في سورية ويتخوفون من نهاية تشبه ما آل إليه الوضع في العراق. على المعارضة السورية أن تبادر بما تنتجه من توافقات واتفاقات إلى مصادرة مثل هذه التصورات، وأن تسقط كل التخوفات التي يلعب بها النظام من حديث عن الفوضى أو الحرب الأهلية. إن إظهار حجم أكبر من التلاحم الوطني، والتوافق الوطني بين جميع القوى والمكونات جدير بتشجيع المترددين وتطمين الخائفين.

احتمالات التغيير وتصوراته

وإذا كنا قد أسلفنا في معرض حديثنا عن ثوابت المعارضة الوطنية والتزامها بالغيير السلمي الوطني. فإننا نؤكد هنا أن استعراضنا لاحتمالات التغيير وتصوراته على الساحة السورية، لا يعني أننا نعول على أي تصور محتمل، ولا نربط به موقفاً، ولا نكرس له جهداً، غير التغيير الأساس الذي وقفت القوى الوطنية جهدها وجهادها عليه، وهو الوصول بالشعب السوري إلى حالة الفعل السلمي الإيجابي الذي يحقق التغيير الوطني المنشود. لنا جهدنا الذي يخدم أهدافنا، دون أن يلغي ذلك تأثير عوامل إضافية تنتج واقعاً ييسر للمعارضة تحقيق أهدافها.

إن عميلة الاستقصاء الرياضي لاحتمالات التغيير المتصورة غير ممكنة. لأنه كما تقول العرب الليالي حبالى يلدن كل عجيبة. ولقد قتل الخليفة المتوكلَ ولدُه، وتخلت عن المقتدر أمه!! ولكننا في الحديث عن جملة التصورات أو الاحتمالات يمكن أن نفرزها حسب حظها من القوة أو الضعف.

التغيير مبادرة من بشار الاسد

من الاحتمالات المتصورة رياضياً المستبعدة عملياً أن يتم التغيير بمبادرة من بشار الأسد نفسه. نعم لقد أغلق بشار الأسد حتى الآن كل الأبواب، وقطع كل الخيوط، وأشاع اليأس من شخصه ومن برنامجه حتى تحولت المعارضة السورية أجمع من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بالتغيير. ولم تكن هذه المعارضة في لحظة متعنتة في مطالبها، أو متعنتة في اشتراطاتها قبلت بالقليل المتدرج، وأعطت بشار الأسد أكثر من الزمن الذي تحتاجه عملية إصلاح متدرج. لا يزال الناس بعد مضي سبع سنوات على حكم بشار الأسد يتساءلون: هل من فرق بين الابن وأبيه؟ كثيرون لا يلحظون فرقاً إلا ما اقتضته السنوات السبع كامتداد زمني. آخرون يقولون بل هناك فروق سلبية كثيرة!! ومع ذلك فلنفترض أن بشار الأسد قد أقدم على طرح مبادرة وطنية لعملية إصلاح حقيقي. نعتقد أن المعركة الوطنية التي تخوضها المعارضة السورية لم تكن معركة ضد شخص أو مجموعة أو فئة أو حزب بل كانت دائماً معركة ضد سياسات ونهج. ضد التفرد والاستبداد والاستئثار والفساد. وإذا وجدت المعارضة السورية سبيلاً لتحقيق أهدافها فلن يكون لها اشتراطات على الصعيد الشخصي أو الفئوي أو الحزبي.

ولكن هذه المعارضة التي تعلمت من تجربة السنوات السبع الكثير ستكون أكثر حرصاً على تملك مقدمات التغيير أو الإصلاح وشروطه.و هي لن تطمئن إليه إلا بعد أن يصبح حالة وطنية لا يمكن التراجع عنها.وفي هذه الحالة فإن الملفات الإنسانية الثلاثة: المعتقلون والمفقودون والمهجرون ستكون مدخلاً صالحاً لعملية إصلاح حقيقي. وسينضاف إلى ذلك تلقائياً الإصلاح الدستوري بإلغاء المادة الثامنة من الدستور، وبتعليق حالة الطوارئ. وإلغاء القانون 49. وعلى مثل هذه المقدمات يمكن أن يؤسس المؤتمر الوطني العام لمشروع الإصلاح الأوفى في سورية.

التصور الثاني :الصراع على السلطة.

والملك كما قالوا عقيم. والتناقضات بين ثلاثي الحكم ومعززاتها أكثر من أن يشار إليها. ومن وراء الثلاثي مراكز قوى وأشخاص كل يراوده حلم وكثيرون يشعرون بالغبن.

إن رؤية المعارضة لمثل هذا الصراع ينبغي أن تتركز أولاً على تجنيب البلد انعكاساته السلبية وهي كثيرة. وإيجابياته في تصورنا الأولي لا تعدو طلب الانتقال من عمود إلى عمود. إذ ربما يتاح التغيير بين العمودين. إن عملية الخلخلة التي يحدثها مثل هذا الصراع ستكون لمصلحة المعارضة بدون شك، بل قد تفرض على المنتصر من أطراف الصراع معطيات جديدة تكون لمصلحة مشروع التغيير. إن تتبع أقطاب هذا الصراع ليس بالأمر اليسير، وهو يحتاج إلى دراسة منفصلة ولكن الذي لا شك فيه أن مثل هذه الصراعات تدفع في كثير من الأحيان إلى المقدمة قوى غير منظورة. وأسوأ ما في هذا التصور أن عملية الصراع حين لا تكون محسومة، أو حين يتطاول أمدها يمكن أن تجر عدداً أكبر من الضحايا، أو توقع البلد في عواقب غير محمودة. فقد تنتهي إلى أشكال من الصراع المعسكري أو الأهلي أحياناً.

التصور الثالث :الانقلاب العسكري

وفي إطار التصورات المحتملة والأوفر حظاً من سابقيها أن يقوم عدد من ضباط الجيش بحركة إنقلابية تطيح بالنظام القائم. وتداعيات الانقلابيين وطروحاتهم معروفة للجميع. الدواعي والبواعث، والموقف قبل التمكن والموقف بعد التمكن. وقد يقدم الانقلابيون عربون إصلاح، ومقدمات لحسن النوايا.. إن المعارضة الوطنية لا تؤمل كثيراً من أي عمل انقلابي. وترى أن العالم العربي شهد حتى الآن رجلاً واحدا اسمه (سوار الذهب!!). الانقلاب سيقودنا بالطبع إلى المجهول. سيتوقف الامر بالدرجة الأساسية على هوية الانقلابيين، وعلى الظروف الدولية والإقليمية المحيطة، وعلى حضور وجاهزية المعارضة وشارعها. المعارضة السورية لا تعمل على مثل هذا التصور، ولا نتطلع إليه، ولا تأمل منه كثيراً وقد عانى شعبنا كثيراً من مرارة هذه الانقلابات. ولكن يبقى الاحتمال قائماً، وهو يقدم فرصة للتغيير قد تجعلها المعارضة حقيقية بقوة حضورها.

والتصور الرابع : المحكمة الدولية

ويقوم هذا التصور على أساس أن التحقيق الدولي سيدين بشكل أكيد ثلاثي الحكم. وأنه لن يكون هناك تسييس لنتائج التحقيق، أي لن تكون هذه النتائج مدخلاً لابتزاز النظام للحصول منه على قدر أكبر من التنازلات ثم عقد صفقة معه على هذا الأساس.إذا أردنا أن نمضي مع احتمال الإدانة القانونية إلى نهايته، فإن هذا الاحتمال سيقودنا إلى احتمالات عديدة أخرى متصورة.

ـ حصار وضغوط دولية تضعف النظام.

ـ صراع على السلطة بين أقطاب النظام نتيجة إدانة بعضهم.

ـ نهاية درامية لرأس النظام تشبه نهاية ميلوزوفيتش.

في تقويمنا لهذا التصور، ننظر إليه كحلم رومانسي. يعني أن يأتينا التغيير على طبق من ذهب. نعتقد أن إدانة رأس النظام والمطالبة بمثوله أمام المحكمة الدولية، لن تكون تغييراً مباشراً وإنما ستفتح فرصاً أكثر أمام المعارضة السورية يمكنها أن تستفيد منها لإحداث التغيير. نتائج التحقيق الدولي قادمة والمحكمة الدولية على الطريق وعلى المعارضة السورية أن تجد فرصتها في أي احتمال مثل هذا.

التصور الخامس : خيار الصفقة

الذين يعتقدون أن النظام مهدد بالتغيير بفعل القوى الخارجية، ولسنا منهم، يتخوفون دائماً من صفقة تعقد مع النظام لتجديد عقد عمل بشار على أسس أكثر تواضعاً من تلك التي اعتمدت مع والده. وسواء كانت هذه الصفقة ناتج ضغوط دولية أو إقليمية أو ناتج المحكمة الدولية، أو ناتج التنازلات التي يمكن أن يقدمها بشار الأسد في أطر فلسطين والجولان ولبنان والعراق وبرامج الإعلام ومناهج الثقافة في سورية؛ فإن الصفقة حتى وإن كانت على الطريقة الليبية لا بد أن تحمل ولو حداً أدنى من التغيير.

ذلك أن الذين سيعقدون الصفقة لا بد أن تكون لهم بعض اشتراطاتهم فيما يخص المعارضة . لا نشك في أن بعض مفاصل الصفقة سيكون تضييقاً أكبر على الإسلام: العقائدي والثقافي كما على المسلمين الحركيين. ولكن الصفقة في الوقت نفسه ستضعف جانب النظام، وتخفف الكثير من غلوائه، وستفقده الكثير من ماء وجهه، ولا سيما حينما سيتخلى عن التبجحات الرنانة التي ملتها الأسماع. إن قدراً من التغيير قد تتضمنه بنود الصفقة، وقدراً آخر قد تنتزعه قوى المعارضة نتيجة خلخلة النظام، يمكن أن يشكلا متنفساً لعملية تغيير وطني حقيقي يفرض على النظام، ويكون له ما بعده.

التصور السادس : التدخل الخارجي

دائماً رفضت القوى الوطنية في سورية (إسلامية وعلمانية) أي تدخل خارجي لإحداث تغيير وطني ، ونظرت إلى الصراع على الساحة الوطنية بمنظار واحد وتقويم واحد. يرفض كل سوري حر وشريف أن يكون وطنه ساحة صراع، و يرفض الاجلاب على وطنه مهما كان شعار الإجلاب وذرائعه. ويصر على أن يكون الصف الوطني في أي ظرف من هذه الظروف متلاحماً متراصاً.

إن احتمال التدخل العسكري الخارجي في سورية مستبعد لأسباب استراتيجية وتكتيكية ولكن هذا التدخل يمكن أن يحدث نتيجة بعض التداعيات لا على أساس قرار مسبق على نحو ما حدث في أفغانستان والعراق، أو ما يحدث اليوم في الصومال.

قد تحدث تداعيات على جهة الجولان مع العدو الصهيوني، تقود إلى وضع ساخن، أو إلى اقتحام وقتي، أو عملية عارضة. دمشق العاصمة على بعد أميال من القوات الصهيونية. ونتمنى أن تكون جاهزية الجيش السوري وعتاده يساعدانه على رد عدوان كهذا.

أو ربما تحدث تداعيات على الحدود العراقية ـ السورية، وقد يغري الفراغ الأولي الذي تشهده المنطقة الجنود الأمريكيين بالتقدم. يتناسى العسكريون السوريون أن الحدود مع العراق أصبحت ثغراً كما كان يعبر القدماء.. ومع ذلك فإن انزياح السكين في قطعة الزبد ابتداء قد لا يكون أقل إغراء من النصر الذي ظن الرئيس بوش أنه أحرزه في العراق.

في الحالتين ،لا قدر الله، ينبغي أن يكون للمعارضة الوطنية دورها في الدفاع عن السيادة، وفي حماية الاستقلال الوطني، وفي صون السلم الأهلي، وفي فرز قوى مركزية تقوم بحفظ الأمن والنظام. مثل هذا التصور مستبعد، ولكنه غير مستحيل في ظل الحماقات التي يرتكبها النظام والتحديات التي تحيط بالوطن في كل اتجاه.

التصور السابع : الانفجار الشعبي

إذا استمر العالم، ودول الإقليم العربي في تجاهل معاناة الإنسان السوري، و إذا استمر النظام ممعناً في سياساته الحمقاء: استبداد وظلم وقهر وتجويع.. وإذا استمرت الأيدي تمتد إلى عقيدة المجتمع السوري وإلى ثقافته وإلى ثوابته من هذه الدولة أو تلك، أو من هذه المؤسسة أو تلك، وإذا استمرت سياسات التمييز بين المواطنين على أسس حزبية بمقتضى المادة الثامنة من الدستور ، أو على أسس فئوية تمارسها القوى الأمنية ومرتكزاتها، وإذا يئس المجتمع السوري من أي أمل في التغيير نتيجة انسداد الأفق ؛ فإن تصوراً مخيفاً ربما يتهدد المستقبل الوطني في سورية. تصور نعوذ بالله منه، نذكره في هذا السياق تحذيراً لا تهديداً ونصحاً وإشفاقاً.. أن يتفجر الغضب الشعبي، ويخرج عن سيطرة العقلاء ويقود العلاقة الوطنية إلى حيث لا يريد أحد.

حالة مخيفة قد تكون لها سوابقها و مقدماتها و مقترناتها و لواحقها. إن المعارضة السورية عندها ستطالب بالكثير في حين أنها لن تستطيع أن تفعل في ذورة الانفعال الشعبي إلا القليل. والمعارضة السورية لا يمكن أن تكون مسؤولة عن كارثة وطنية في مثل هذا الحجم ، لأن الذي يغذي حالة الكراهية والبغضاء في هذا المجتمع هو هذا النظام المتسلط.

ربما يمكن للمعارضة السورية أن تفعل شيئاً لمصادرة هذا من الآن، ولكن مثل هذا الأمر سيبقى منوطاً بالقوى التي يستند إليها النظام أن تأخذ هي زمام المبادرة.

التصور الثامن : الانتفاضة الشعبية

وهو خيار المعارضة الوطنية (الإسلامية ـ العلمانية) الأساس. وهدفها الذي تعمل عليه. الانتفاضة الشعبية كتلك التي حصلت في إيران سنة 1979 أو التي حصلت في لبنان أو التي حصلت في جمهوريات حلف وارسو و برلين حتى سقط جدارها، ورومانيا حتى دفن شاشيسيكو وفي بولندا من قبل بقيادة فاليسا أو في جورجيا. انتفاضة شعبية سلمية، أو عصيان مدني أو أي شكل من أشكال الرفض الشعبي لنظام الظلم القائم.انتفاضة شعبية، ونعلم أن القائمين على الأمر لن يرحلوا بسهولة، وسيقاومون بعنف، وسيبطشون بطش الجبارين، ولكن الانتفاضة الشعبية ستكون أقوى.انتفاضة شعبية تشمل المدن والقرى، انتفاضة شعبية يشترك فيها العربي والكردي المسلم والمسيحي. انتفاضة شعبية لا أحد يستطيع أن يتكهن بزمانها، أو في البقعة التي ستتفجر فيها، أو بالقشة التي ستقصم ظهر البعير فتكون شرارة نارها. ولكنها قادمة، لأنها مجربة ولأنها حين تندلع تكشف حقائق هؤلاء الجبارين!! وتتحول القوى الشعبية إلى سيل هادر يطيح بكل ما يقف في وجهها.

انتفاضة شعبية وثمة عوامل كثيرة مقررة تحدد بواعثها وعوامل تفجرها وخطواتها وطرائقها ؛ وعلى المعارضة السورية أن تدرس كل هذا وأن تعمل عليه بدءاً من كسر حاجز الخوف في نفوس الناس وانتهاء بتوظيف طاقاتهم ضمن أطر وطنية حقيقية ، ومرجعيات يتحركون بإرشادها. وبين هذا وذاك هناك برنامج عمل طويل المفردات ينبغي للمعارضة أن تعد له وتعمل عليه. ومن بعض هذه المفردات إبراز الرموز الوطنية ـ والتوافقات الوطنية ـ والمرجعيات الوطنية ـ والبدائل الوطنية، والخطاب الوطني، والارتقاء بدرجة الوعي الوطني، وملامسة حاجات المواطن ومعاناته الحقيقية والانتصار لظلاماته،و كسر حاجز الخوف الوطني ليس من النظام فقط، وإنما خوف القوى الوطنية بعضها من بعض وتكريس الوحدة الوطنية، والبديل الوطني.

وأخيراً فإن حضور المعارضة السورية، وجاهزيتها، وقدرتها على المبادرة ابتداءاً، أو الاستجابة عند حدوث التغيرات وكفاءتها في تقديم البديل الوطني ؛ سيكون بلا شك شرطاً أساسياً لدرء المفاسد التي قد تترتب على أي تصور من التصورات السابقة على اختلافها أو تحقيق أكبر قدر من المصالح.

إن تقديم البديل الوطني القادر على تحمل عبء الدولة باليد القوية الأمينة ليس حلماً ولا أماني ، وإنما هو ناتج برنامج عمل وجهد وإعداد وبذل.

ليس الاحتلال وحده هو من دمر العراق، وليس الاحتلال وحده هو من سرق أموال العراق، بل كثير من العراقيين شاركوا في ذلك، لن ننسى أن بعض أولئك كان من أصحاب النوايا الحسنة.

إن مهمة المعارضة السورية في الظروف الراهنة شاقة جداً. وهي ثنائية المحاور. إن استفراغ المعارضة جهودها على محور العمل لإزاحة النظام أو هدم مرتكزاته؛ سيعني ببعض جوانبه تمهيداً لحالة من الخراب أو الفوضى تعم الوطن فيما بعد. لا بد أن تعمل المعارضة في الوقت نفسه على محور إعداد البدائل الوطنية: الأشخاص والكفاءات و البرامج والحلول للمشكلات الوطنية. إن إدارة الدولة لا تتم بالنوايا الطيبة، وليس بالأيادي المتوضئة وحدها. وإن المشكلات التي يعاني منها الوطن أكثر تعقيداً مما يتصور الكثيرون. لا أحد يملك عصا سحرية ولا فانوس علاء الدين.

معارضة مركزية موحدة، وجهد وطني موحد، وبرنامج وطني يقوم على معطيات علمية وواقعية، وتصور حقيقي للمشكلات والمعضلات والأزمات وأبعادها كل هذا ينبغي أن يكون من برنامج المعارضة للمرحلة القادمة.

الخلاصة

المعلقين السياسيين الغربيين. عبارة أطلقت في وقت سابق على دولة إسرائيل. وكما ينظر الغرب إلى دولة إسرائيل على أنها قاعدة استراتيجية تمثل جزءاً من وجوده وحامية مصالحه.. ربما هناك من ينظر إلى نظام الأقلية السوري بالمنظار نفسه.

وجد ليبقى وليحمي مصالح الغرب، وليضع سورية الإنسان والمجتمع والدولة في حالة من انعدام الوزن أو بعثرة الجهد. أربعون عاماً يعيش الشعب السوري على هامش التاريخ الحضاري والقومي والوطني، ويعيش العجز والقهر والفقر والجوع.

أربعون عاماً ويتمتع النظام بالحماية والغطاء الدوليين. تجاوز عدد الذين قتلهم النظام حماية لمشروع خفي من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين مائة ألف انسان وهو مايزال قادراً على اللعب أو مايزال راغباً فيه.

هناك مفارقات ومتغيرات دولية وإقليمية كثيرة بعضها يهز مرتكزات النظام، وبعضها يعززها. وماتزال الغلبة حتى اليوم للمعززات. الضغوط هي محاولة للإضعاف أو الترويض أو الابتزاز سمها ما شئت، ولكنها ليست أبداً دفاعاً عن موقف حضاري أو عن حق إنساني.

والشعب السوري يستحق حكاماً أفضل قناعة مطلقة لدى أبنائه. الأمل في النفوس كبير والمشجعات في الظروف المحيطة محدودة، والإمكانات تحت اليد قليلة وقليلة جداً. ففي حين يمتلك بعض المنجمين قنوات فضائية يطلون من خلالها على جمهورهم، تعجز المعارضة السورية لأسباب مادية محضة عن تحقيق مطلب مثل هذا.

ولكن الشعب السوري مصر على التغيير وهو مطلبه الأول والأخير لأن بشار الأسد لم يترك له خياراً. واحتمالات التغيير وتصوراته في سورية كثيرة،و لا يمكن إحصاؤها رياضياً. إذاً مع تشعب التصورات فإن كل تصور يمكن أن تشتق منه العديد من التصورات. تركزت هذه الدراسة على ثمانية تصورات أولية.

مبادرة إصلاح يتقدم بها بشار الأسد تفتح أفق التغيير من جديد. أو صراع على السلطة بين مراكز القوى القابضة على مفاصل القوة. أو انقلاب عسكري يطيح بالنظام القائم. أو تغيير تفرضه المحكمة الدولية وتداعياتها. أو صفقة يعقدها النافذون الدوليون مع النظام يكون التغيير بعض بنودها. وربما تقود تصرفات النظام الرعناء أو الاطماع الدولية تدخلاً عسكرياً خارجياً يفرض نوعاً من التغيير أو يحدث نوعاً من الخلل وسابعاً ربما تؤدي الضغوط الداخلية والخارجية إلى تفجر الأوضاع داخل سورية وتسلم البلد إلى نوع من الفوضى أو الاحتراب الأهلي. وأخيراً فإن التصور الثامن والأخير أن تنجح المعارضة السورية في مسعاها إلى قيادة انتفاضة شعبية عارمة تطيح بالنظام بنضال سلمي ديموقراطي.

إن دراسة تصورات التغيير في سورية تفرض على المعارضة دائماً أن تمارس حضوراً وجاهزية بحيث تكون مبادرة لصنع التغيير أو قادرة على الاستجابة عند حدوث المستجدات. الاستجابة البناءة التي تستفيد من الفرص ، وتوظفها ثم الوصول إلى الانتفاضة الشعبية التي هي هدف المعارضة الذي لا بد له من خطط وبرامج ومقدمات.

إن عمل المعارضة كما شرحت في هذه الدراسة لا يمكن أن يتوقف عند محور الإعداد لإزاحة النظام وهدم مركزاته ، لا بد للمعارضة من إعداد الإنسان القوي الأمين وإعداد المناهج والبرامج السياسية ، ودراسة المشكلات الوطنية المستعصية واقتراح الحلول العملية لها.

النيات الحسنة وحدها لا تكفي ، ويبقى الحضور الدائم وامتلاك القدرة على المبادرة هو اساس العمل السياسي ومحوره هذا ما قررته هذه الدراسة وعلى الله قصد السبيل.


المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية
http://www.asharqalarabi.org.uk/images1/s-a-logo11.gif
[line]

castle 16-04-2007 01:42 AM

مبادئ الحكم الرشيد في الإسلام:

أسس وقواعد لتأصيل وبناء ديمقراطية إسلامية معاصرة*

لؤي عبد الباقي

تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على بعض المبادئ السياسية الإسلامية التي تميز نظام الحكم الإسلامي الراشد عن غيره من أشكال الحكم التي تقوم على الوراثة أو الغلبة أو الشمولية والاستبداد. وتحديدا فإنها تتناول، بالمناقشة والتحليل، الجوانب التي تُبرز أهم نقاط التوافق بين المبادئ السياسية الإسلامية وبين الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، مؤكدة أن الدعوة إلى بناء "ديمقراطية إسلامية راشدة" ليست مجرد فكرة منطقية قابلة للتأصيل النظري، بل هي إمكانية ماثلة في واقعنا المعاصر وواعدة أيضا. من هنا فإن هذه الورقة تحاول توضيح ومناقشة بعض الأفكار والمبادئ التي تعتبر عند معظم الحركات الإسلامية بأنها مرجعية صحيحة وشرعية، وأساس نظري أصيل لديمقراطية إسلامية تنبثق من القيم الإسلامية التي تحقق العدالة والمساواة وسيادة القانون وإقامة الحريات وحق الشعوب في اختيار حكامها وقادتها. ولتأصيل هذه المفاهيم والمبادئ ستوضح هذه المساهمة باختصار كيف تم التعبير عن هذه المبادئ في الفترة التأسيسية للأمة الإسلامية (العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين)، وفي الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية (عصر تدوين العلوم الإسلامية)، بالإضافة إلى أدبيات الحركات الإصلاحية والصحوية الإسلامية في الفترة الحديثة والمعاصرة.

الحكم الراشد في العصر التأسيسي للأمة الإسلامية

عندما يتصدى العلماء والمفكرون الإسلاميون لمسألة طبيعة العلاقة بين الإسلام والسياسة فإنهم يرجعون بالدرجة الأولى إلى النشاط والعمل السياسي الذي قام به الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما أسس دولة المدينة بعد الهجرة. كيف قامت هذه الدولة؟ وما هي الأسس والمبادئ التي ارتكزت عليها؟

المصادر التاريخية تقدم لنا سجلا هاما حول ثلاثة أحداث بارزة تسهم في تقديم إجابات واضحة على هذه التساؤلات المرتبطة بإجراءات تأسيس دولة المدينة، وخاصة فيما يتعلق في مسألة توافقها مع إجراءات وقواعد الحكم الديمقراطي الحديث. هذه الأحداث هي: بيعتي العقبة، كتابة الصحيفة أو دستور المدينة، وإجراءات الخلافة وانتقال السلطة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم).

بما أن الوقت لا يسمح في هذه العجالة لتناول هذه الأحداث الهامة بشكل مفصل، فسأكتفي هنا بالتركيز على بعض النقاط الأساسية ذات الصلة المباشرة بموضوع الديمقراطية.

بالنسبة لبيعة العقبة (الثانية بشكل خاص)، بالرغم من أنها تضمنت بعض القيم والواجبات الدينية التي تشكل إلى درجة كبيرة جوهرا لقانون الشريعة الذي ستسير عليه دولة المدينة التي أرسى أسسها النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما بعد، إلا أن هذه البيعة شكلت بالدرجة الأولى عقدا سياسيا واضحا حيث أنها أسست علاقة تعاقدية ( علاقة أمر وطاعة) بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين مسلمي المدينة. وبهذا فإن هذه البيعة حددت وبشكل رسمي وصريح دور الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومركزه في دولة المدينة كقائد سياسي إلى جانب دوره كرسول هداية.

أما بالنسبة للصحيفة التي كانت بمثابة دستور لدولة المدينة، فإنها، من ناحية أولى، بينت ما هو مقبول أو مسموح وما هو مرفوض وممنوع، كما أنها، من ناحية ثانية، نظمت العلاقة بين مختلف القبائل المسلمة من مهاجرين وأنصار، وعلاقة المسلمين بغيرهم من سكان المدينة، كاليهود. لقد ذكرت الصحيفة بالتسمية الصريحة كل قبيلة وكل مجموعة محدِّدة حقوقها وواجباتها. ومن أهم ميزات هذه الوثيقة أنها قدمت إطاراً نظرياً واضحاً لبناء دولة تعددية ومجتمع متعدد الأديان، مؤسِّسةً بذلك مفهوم الأمة بشكل يضم غير المسلمين إلى الجماعة السياسية دون إقصاء أو تمييز.
لقد بينت الوثيقة بشكل حاسم لا يخالطه وهم أو ضبابية أن يهود المدينة أمة مع المؤمنين. باختصار شديد، إن التسامح الديني وحرية العبادة كانت مكفولة للجميع بأوضح العبارات في هذه الوثيقة الدستورية.

تنبع الأهمية الحقيقة لهذه الوثيقة اليوم، من ناحية توافقها مع الديمقراطية، من كونها قدمت سابقة دستورية تعتبرها الحركات الإسلامية مرجعية ثابتة لبناء مجتمع تعددي سياسيا ودينيا. لذلك فإن هذه الوثيقة بالنسبة للمسلمين ليست تاريخا غابرا مضى وانتهى، وليست من قصص التغني بأمجاد الآباء والأجداد، بل هي تنبض بالحياة في واقعنا الحاضر، وهي مصدر استلهام لملايين المسلمين، ولذلك يمكن الاستفادة منها لبناء ديمقراطية إسلامية معاصرة.

إجراءات انتقال السلطة: الخلافة الراشدة والديمقراطية الراشدة

إن الإجراءات التي اتبعها الصحابة لاختيار الخليفة وانتقال السلطة في فترة الخلافة الراشدة ذات صلة أكبر بواقعنا المعاصر، حيث أن الخلفاء رضوان الله عليهم لم يتمتعوا بسلطة دينية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) وانقطاع وحي السماء. فسلطة الخلفاء، وغيرهم من الحكام على مر التاريخ الإسلامي، انحصرت في تفسير الوحي المحفوظ وتطبيق شرعه وقانونه. وأي ادعاء من قبل أي حاكم بصلاحيات دينية أو سلطة مقدسة يعتبر بالنسبة لأهل السنة والجماعة، على خلاف الشيعة، انحراف عن الشرع الحنيف وهرطقة. وفي أية حال فإن الإجراءات التي سارت عليها الأمة في انتقال السلطة خلال العهد الراشدي أرست مبادئ سياسية هامة أصبحت فيما بعد أساسا للنظرية السياسية الإسلامية ومعيارا نموذجيا للحكم الرشيد عند أهل السنة والجماعة.

المصادر التاريخية المعتمدة تؤكد أن زعماء المسلمين من مهاجرين وأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة للنقاش والتداول حول مسألة الخلافة ومن الذي سيتم ترشيحه لهذا المنصب، وحول إتمام إجراءات انتقال السلطة. المؤكد تاريخيا أن ثمة خلاف وجدل قد نشب بين المجتمعين حول هذا الموضوع. والمؤكد أيضا، وهذا الأهم، أن النزاع قد حسم دون إراقة دماء، وإن كنا لا ندري على وجه التحديد الفترة الزمنية التي استغرقتها هذه المداولات.

بشكل عام، هناك أربع استنتاجات تم الوصول إليها عند جمهور أهل السنة والجماعة (مع بعض الخلافات الفرعية) من هذا الحدث التاريخي الهام والحاسم في تاريخ الأمة الإسلامية:

1- إن مجرد حصول خلاف وانقسام في بداية الأمر حول مسألة الخلافة يدل على أن هذه المسألة لم تكن محسومة مسبقا من قبل النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأن موضوع اختيار الخليفة قد ترك للأمة أو قادتها ليقرروه..

2- النقاش الذي حصل في اجتماع السقيفة كان بالأساس حول خلاف سياسي وليس ديني، فلم يرد نهائيا أن المرجعية الإسلامية، سواء القرآن أو السنة، كانت موضع خلاف أو نقاش بين الصحابة، كما أن التوافق والاقتناع تم بناءً على اجتهادات عقلية وحجج منطقية، وليس على نص ديني من القرآن أو السنة. إن حجة أبي بكر في أن العرب "لن ترضى بهذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش" كانت حاسمة في أن قريش يجب أن تحكم لأن في ذلك مصلحة عامة في الحفاظ على وحدة الدولة من خلال تعيين حاكم ترضى به العرب وتقبل بسلطته.

3- إن سعي القادة والزعماء إلى الحصول على موافقة وقبول عامة الناس من خلال البيعة العامة يدل على أن الأمة، بمجموعها بشكل عام، كانت تعتبر مصدر الشرعية السياسية لانعقاد الخلافة، فليس من المتصور أن يتم انعقاد الخلافة في حال رفضت الأمة مبايعة الخليفة.

4- إن حسم مسألة الخلافة قد تم من خلال إجراءات شورى تداولية بين أهل الحل والعقد، وإجماع واسع بين المسلمين.

بناءً على ذلك، فإن أربعة مبادئ أساسية ارتكزت عليها مسألة الخلافة أصبحت فيما بعد هي المعيار النموذجي لقياس مدى شرعية انعقاد الإمامة في الفقه السياسي الإسلامي:
(1) الشورى؛
(2) الاختيار من قبل أهل الحل والقد؛
(3) الإجماع؛
(4) والبيعة.

وكما تفيد المصادر التاريخية المعتمدة، هذه المبادئ الأربعة، إضافة إلى تطبيق الشريعة في الحكم (وهذه لم تكن موضع خلاف في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي) كانت أساس مشروعية الخلافة في العهد الراشدي، وبما أن هذه المعايير النموذجية لم تجتمع سوى للخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (رضوان الله تعالى عليهم)، فإن أهل السنة والجماعة أطلقوا بالإجماع على هؤلاء لقب الخلفاء الراشدين تمييزا لهم عما سواهم من باقي الخلفاء الذين لم تجتمع لإمامتهم هذه المعايير النموذجية، وإن تمتعوا بالحد الأدنى من الشرعية نظرا لالتزامهم بمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية. قياسا على ذلك، فإن أي حكم تجتمع فيه المعايير النموذجية الأربعة التي تميزت بها الخلافة الراشدة، بالإضافة إلى الحكم بالشريعة، يكتسب صفة الشرعية والرشد.

إن المبدأ الأساسي الذي لم يكن موضع خلاف بين الصحابة، أي تطبيق الشريعة الذي أصبح فيما بعد الحد الأدنى المطلوب لقبول شرعية الخلافة وطاعة الحاكم، كان أساس تقييد سلطة الحاكم عبر التاريخ الإسلامي الذي لم يشهد على الإطلاق حكم دكتاتوري أو دولة شمولية على غرار ما شهدناه ونشهده في هذا العصر من دكتاتوريات فردية وأنظمة علمانية شمولية، كما سنبين فيما يلي. ويظهر جليا هذا التقييد لسلطة الحاكم في أول خطاب ألقاه سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه) في المسلمين بعد انعقاد خلافته، حيث قال: "أيها الناس، وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم."[4] هذه الخطبة التاريخية وضعت الحجر الأساس لحدود وقيود سلطة الحاكم، وبينت بما لا يدع مجالا للشك أن خرق العقد القائم بين الحاكم والمحكوم من قبل الحاكم يلغي شرعية حكمه ويعطي الحق للأمة في عزله وإسقاط حكومته المتمردة على حكم الله وسلطان الأمة.

قد يبدو للبعض، كما يحلوا للكثيرين أن يجادلوا، أن هذه صورة مثالية للماضي. إلا أنه، وبغض النظر عن مدى مثالية ونموذجية تطبيق هذه المبادئ السياسية تاريخيا، فبمجرد أنها تعتبر مرجعية شرعية مؤصلة لملايين المسلمين اليوم، وأن الحركات الإسلامية تستلهم منها أساليب وقواعد العمل السياسي، فإنها ولا شك صالحة كأساس لبناء ديمقراطية إسلامية راشدة في الدول الإسلامية في هذا العصر. والمراد بالديمقراطية الراشدة في هذا السياق هو كل نظام حكم تتحقق فيه جميع معايير الخلافة الراشدة ما عدا وحدة الأقطار والأمصار الإسلامية، فإذا ما تحققت وحدة الأقطار، أو كتلة كبيرة منها، عندها تسمى خلافة، فلا يمكن أن نطلق لقب خليفة المسلمين على حاكم دولة قطرية صغيرة لم تشارك في اختياره ومبايعته سوى قلة من المسلمين.
أما بالنسبة للخلاف الفقهي حول عدد من تنعقد بهم الخلافة، حيث يجيز بعض الفقهاء انعقاد الإمامة أو الخلافة بعدد قليل جدا من أهل الحل والعقد، فالأرجح أن ذلك يصح عندما يكون هؤلاء المبايعين ممن ترضى بهم وباختيارهم الأمة، حتى ولو لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، كما يرى بعض الفقهاء. وهذا، وإن كان يصح في العصور الإسلامية الأولى، وخاصة في عهد الخلفاء الراشدين حيث وجد رجال ترتضيهم الأمة، كأهل بدر، إلا أنه من الاستحالة أن يتحقق اليوم بدون تمثيل واسع من مختلف الأقطار الإسلامية.

الفقه وتطور النظرية السياسية: التعددية التشريعية أو الفقهية وفصل السلطات

بعد وفاة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (رضوان الله تعالى عليه) أسس الأمويون نظاما وراثيا يخالف المبادئ السياسية النموذجية للحكم الإسلامي الراشد، لذلك فقد أجمع علماء المسلمين على أن الخلافة الراشدة قد طويت منذ ذلك الحين وعلى مر التاريخ الإسلامي، باستثناء خلافة عمر بن عبد العزيز التي حظيت بقبول واسع بين المسلمين نظرا لما حققته من عدل وشورى، فأطلق عليه الكثير من العلماء بخامس الخلفاء الراشدين. الخلفاء العباسيون والعثمانيون اتبعوا نظاما مشابها لما أقامه الأمويون. وعلى الرغم من أن عنصري الوراثة والغلبة كانا السائدين في معظم مراحل التاريخ الإسلامي، إلا أن جمع الخلفاء، وغيرهم من السلاطين والأمراء، قد حكموا تحت راية الإسلام وأقروا بسيادة قانون الشريعة الإسلامية. وهكذا فإن سلطتهم قد بقيت مقيدة بالشريعة، وهذا ما جعلهم يتمتعون بالحد الأدنى من المشروعية؛ هذا الحد الذي جعله العلماء المسلمون المعيار الفاصل بين جواز وتحريم الخروج على الحكام بحد السيف.

إذا كانت سلطة الحكام مقيدة بقانون الشريعة، فمن الذي يتمتع بصلاحية تفسير الشريعة وبيان أحكامها ومبادئها؟

من المعلوم من الدين بالضرورة أن وحي السماء قد انقطع بوفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، مما يعني أنه لا يمكن لحاكم أو أي شخص أن يدعي احتكار صلاحية تفسير الشريعة، وهذا فتح الباب على إمكانية تعدد الاجتهادات وتنوع المذاهب الفقهية، مما فسح المجال لنشوء نظرية فقهية تعددية في الإسلام.

وبما أن الحكام كانوا قد فقدوا سلطتهم الأخلاقية أمام عامة المسلمين، نظرا لمخالفتهم مبادئ الشورى والاختيار وتهميشهم لدور أهل الحل والعقد، فقد تمكن العلماء تدريجيا من السيطرة على سلطتي التشريع (أي الاجتهاد وتفسير الشريعة) والقضاء، وذلك من خلال تمكنهم من علوم الشريعة وتبحرهم بها، وتأثيرهم المعنوي الكبير على عامة المسلمين الذين اتبعوا المذاهب الفقهية المتنوعة التي أسسها ألئك الفقهاء والعلماء. وضمن ذلك السياق التاريخي والعلمي قام العلماء بوضع ضوابط وقواعد الاجتهاد؛ ما يسمى بعلم أصول الفقه، التي تبلورت مع تدوين وانتشار المذاهب الأربعة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.

لقد استطاع الفقهاء الكبار الذين أسسوا هذه المذاهب الأربعة الحفاظ على استقلاليتهم عن سلطة الدولة، ورفضوا الاندماج في مؤسساتها رغم ما نزل بهم من محن وسَجن وأحيانا تعذيب جسدي. بالرغم من أن تلميذ أبي حنيفة أبا يوسف قبل تولي منصب قاضي القضاة، إلا أنه بقي مستقلا عن سلطة الخليفة، حيث كان هو من يعين القضاة، كما كان يقضي بين الناس على مذهب أبي حنيفة بدون أي تدخل من الدولة التي كانت تلتزم بتنفيذ ما يحكم فيه القضاة.

بناءً على ذلك، فإن المسلمين هم أول من قام بفصل السلطات الثلاث، وبتحقيق استقلال السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية، وتكون فكرة فصل السلطات ليست، كما يزعم الكثيرون اليوم، غريبة عن الفكر والتاريخ الإسلامي. من هنا فإنه من الممكن، بل والضروري، الاستفادة من هذا المفهوم المؤصل في الفكر والتاريخ الإسلامي لبناء ديمقراطية إسلامية راشدة في المجتمعات والدول الإسلامية المعاصرة.

عندما دخلت الخلافة العباسية في مرحلة الضعف والتمزق حيث صعدت قوة السلاطين والأمراء، الذين أحكموا سيطرتهم حتى على بغداد لتتحول الخلافة إلى منصب رمزي، برزت الحاجة إلى بلورة نظرية سياسية تحافظ على مكانة الخلافة وأهميتها، وتنظم العلاقة بين الخليفة وبين السلاطين والأمراء المتغلبين. فكان الفقيه الشافعي أبو الحسن الماوردي أول من قدم نظرية سياسية متكاملة في الحكم الإسلامي في كتابه الشهير "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، حيث عالج الواقع السياسي الذي وصلت إليه الخلافة من ضعف وتمزق وحاول ربط الحكام المتغلبين بالخليفة من خلال إقرار الخليفة بشرعية سلطتهم، من ناحية، وبالمقابل يقدم هؤلاء الحكام الولاء النظري للخليفة حفاظا على مكانته وعلى هيبة منصبه. وباختصار شديد، على الرغم من أن الماوردي برر إمارة التغلب، إلا أنه لم يفعل ذلك على حساب التنازل عن الحكم وفق الشريعة، بل، على العكس، فقد ربط هذا التبرير بضرورة "حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية" وتجنب الفتنة التي تؤدي إلى مفسدة أكبر، إضافة إلى أنه ساهم في الحفاظ على أهمية وصيانة مؤسسة الخلافة.

بقية العلماء الذين جاؤوا بعد الماوردي، وخاصة الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية، لم يخرجوا عن هذا الخط العام من حيث ربط طاعة الحاكم المتغلب بضرورة الحفاظ على أحكام الشريعة والمصالح العامة للأمة، على الرغم من أن هذين الأخيرين كانا أكثر وضوحا في نقدهم لأمراء التغلب والسلاطين الظلمة. في كافة الأحوال، فإن جمهور العلماء اتفقوا على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، وإن اختلفوا في تقييم الضرورة ومقدار الضرر الذي يجوز درؤه من خلال التغاضي عن فعل أو قبول ما اعتبر محظورا، فالقاعدة التي سادت هي أن طاعة الحاكم الظالم ضرورة لتجنب الفتنة والفوضى، وكما عبر شيخ الإسلام ابن تيمية "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بدون سلطان."

بشكل مختصر، لقد تمكن العلماء من بناء نظرية فقهية وسياسية، بالرغم من أنها قدمت مبررات شرعية للحكام المتغلبين، إلا أنها قيدت سلطتهم بقوانين الشريعة، وضحدت أي مزاعم يدعي من خلالها الحاكم تمتعه بسلطة دينية توجب على المحكومين طاعة مطلقة لا يوجهها قيد ولا يحدها شرط. إن أهم ما ساعد على إمكانية التعايش بين الحكام الجائرين، من ناحية، وبين العلماء ومعهم غالبية المجتمع الذي يتأثر بفتاواهم، من ناحية ثانية، هو أن سلطة الدولة في التاريخ الإسلامي لم تكن شمولية كما هو الحال بالنسبة للدولة الحديثة التي تهيمن وتنظم معظم المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المعاصرة. لقد كانت سلطة الدولة آنذاك تكاد تنحصر في المجالات العسكرية والأمنية. فبالإضافة إلى أن سلطة التشريع والقضاء كانت تحت سيطرت العلماء لدرجة كبيرة، فإن التعليم والأوقاف (وهي موارد مالية هامة) والوعظ في المساجد، بل وإلى درجة كبيرة التجارة والصناعة، كلها كانت من المجالات المستقلة التي نادرا ما تتدخل في تسييرها وتوجيهها الدولة. وهكذا، بما أن سلطة الحاكم أو انتقالها من شخص إلى آخر كانت من الشؤون التي لا تنعكس سلبا أو إيجابا وبشكل مباشر وواضح على حياة المجتمع ككل، كانت الثورات الشعبية وحركات الخروج على الحكام الجائرين قليلة نسبيا في التاريخ الإسلامي إذا ما قيست بما كان عليه الحال في المجتمعات الأوروبية خلال ما يسمى بعصر النهضة.

الحركة الإصلاحية والديمقراطية في العالم الإسلامي

مع تصاعد القوة الغربية الاستعمارية وهبوط القوة العثمانية في القرن التاسع عشر، بدأ العلماء والمفكرون المسلمون يدركون الهوة الفاصلة بين مجتمعاتهم وبين القوى الغربية المتنافسة على استعمار البلاد الإسلامية، وكان عجز الدولة العثمانية عن صدّ الاستعمار والدفاع عن بلاد المسلمين، التي بدأت تتساقط تحت براثن القوى الغربية الغازية، من أهم العوامل التي نبهت المسلمين على هذه الفجوة الخطيرة. لذلك فقد بدأ العلماء بالتفكير والتنظير في مسألة أسباب هذه الفجوة، وحول كيفية ردمها وتجاوز الواقع المتردي الذي وصلت الأمة إليه. هذا الجهد الفكري أدى إلى ظهور ما يسمى بالتيار الإصلاحي في العالم الإسلامي، والذي دعا إلى التحديث التقني، والإصلاح السياسي، والعودة إلى فتح باب الاجتهاد، الذي كان قد ضاق وتراجع منذ هبوط الخلافة العباسية، كسبيل أمثل لنهضة الأمة ووحدة المسلمين.

لقد شخص علماء وقادة التيار الإصلاحي، وعلى رأسهم السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، أسباب تراجع المسلمين وضعفهم في ثلاث نقاط أساسية:

(1) البعد عن الدين وعدم فهم المسلمين لدينهم بشكل صحيح؛
(2) الاستبداد السياسي وغياب الشورى؛
(3) وتمزق جسد الأمة المسلمة الواحدة إلى دويلات وممالك وإمارات متعددة.

لذلك فقد دعوا إلى :

(1) العودة إلى أصول الإسلام وفتح باب الاجتهاد لتفسير أحكام الشريعة على ضوء التغيرات التي حدثت بسبب عوامل اختلاف الزمان والمكان (على قاعدة تتغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان والمكان)؛

(2) الإصلاح السياسي، وفق مبدأ الشورى وإعادة دور أهل الحل والعقد على ما كان عليه في صدر الإسلام؛

(3) وتوحيد بلاد المسلمين لتتمكن من التصدي لأطماع المستعمرين الغربيين.

وفي سياق بلورة وتوضيح برنامجهم السياسي والإصلاحي، قام هؤلاء الدعاة بمحاولة التوفيق بين بعض الأفكار والمبادئ السياسية الغربية وبين ما يقابلها عند المسلمين من مبادئ كانت قد عطلت منذ مئات السنين. وحرص هؤلاء الرواد الإصلاحيون على الابتعاد عن القيم الغربية التي لا تتلاءم مع الإسلام، مركزين على الجوانب الإجرائية التي رأوا أنها ساهمت في نهضة المجتمعات الغربية وتقوية جبهاتها الداخلية، وخاصة فيما يتعلق من إجراءات دستورية تساعد على تحقيق مبدأ الشورى، وتقييد سلطة الحاكم، وتفعيل دور أهل الحل والعقد من قادة وزعماء وعلماء المسلمين.

إن قوة تأثير التيار الإصلاحي على المسلمين وفكرهم السياسي أثبتت أنها شاملة وممتدة عبر الزمان والمكان، فسرعان ما انتشر الفكر الإصلاحي عبر الدول والمجتمعات الإسلامية ليصبح مصدر إلهام وتحفيز للحركات الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي من أقصى شرقه في إندونيسيا إلى أقصى غربه في دول المغرب العربي، وما كاد ينصرم القرن العشرون حتى أصبحت هذه الحركات الإسلامية تلعب دورا فكريا واجتماعيا وسياسيا هاما وأساسيا في حياة المسلمين على كافة الميادين والمستويات.

يتبع >

castle 16-04-2007 01:46 AM

تجربة الحركة الإسلامية مع الدولة الوطنية المعاصرة

بالرغم أن معظم العلماء والمفكرين المسلمين كانوا يؤيدون إعادة بناء الخلافة الإسلامية، وذلك بعد إلغاء منصب الخلافة في تركيا على يد أتاتورك في عام 1924، إلا أن الغالبية منهم لم ترفض، على الأقل بشكل قطعي ومطلق، شرعية الدول الوطنية التي نشأت على أنقاض الدولة العثمانية وتحت هيمنة المستعمرين، بل إن الكثيرين من العلماء والدعاة ساهموا في بناء المؤسسات السياسية والدستورية، كما شاركوا في حركات التحرر الوطني، مطالبين باستقلال بلادهم وإقامة حكومات تحكم وفق الشريعة الإسلامية تمهيدا لتوحيد بلاد المسلمين وقيام دولة الخلافة. وقد كانت حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا (رحمه الله) في طليعة الحركات التي لعبت دورا هاما في دفع حركات التحرر من الاستعمار، كما أنها اليوم أصبحت تقود عملية الإصلاح والنهوض في كثير من الدول الإسلامية، إضافة إلى المساهمات الهامة التي قدمتها ومازالت تقدمها على كافة المستويات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقد كان الإمام حسن البنا من أوائل الذين تلقوا الدساتير التي تبنت الحكم النيابي في الدول الإسلامية الحديثة بالقبول مؤكدا أنه ليس هناك "في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم".

ومع سقوط السلطات السياسية في أيدي الأنظمة الشمولية والعسكرية ذات التوجهات القومية والعلمانية بعد الاستقلال في الكثير من دول العالم الإسلامي؛ مع العلم أن العديد من هذه الأنظمة استلهمت النماذج الثورية الشيوعية والفاشستية والنازية، قام عدد من المفكرين الإسلاميين برفض شرعية هذه الأنظمة، وخاصة بالنسبة لتلك الأنظمة التي اتخذت موقفا عدائياً واستئصالياً من التيارات الإسلامية. فقام عدد من المفكرين بتقديم نظريات إسلامية شاملة حول أسس وقواعد وأهداف ومهام الدولة الإسلامية. وقد كانت هذه النظريات تحاكي في كثير من جوانبها الدولة الشمولية الحديثة من حيث نظرتها إلى سلطة الدولة على أنها يجب أن تهيمن على جميع مناحي الحياة وتوجهها. من الأمثلة على ذلك ما جاء في دستور الدولة الإسلامية الذي قدم فيه الشيخ تقي الدين النبهاني (رحمه الله)، مؤسس حزب التحرير، تفاصيل دقيقة تخص، على سبيل المثال، اللغة الرسمية والنظام الإداري والتعليمي والاجتماعي والاقتصادي، مؤكدا أن هذه التفاصيل ثابتة في الإسلام بشكل قطعي، بالرغم من أنه لم يقدم الأدلة الصريحة حول معظم تلك التفصيلات.

ومن ذلك أيضا النهج الذي انعطف إليه المفكر الإخواني الشهيد سيد قطب، رحمه الله، في السنوات الأخيرة من المحنة التي تعرض لها مع بقية إخوانه من الإخوان المسلمين تحت بطش الأجهزة القمعية للنظام الحاكم في مصر إبان عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وخاصة فيما يتعلق بفكرة الجاهلية التي رأى فيها الكثير من العلماء، بمن فيهم بعض العلماء والمفكرين الإخوانيين، توسعا مبالغا فيه. وقد انتقد الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، مؤخرا، ما أسماه بـ"ركون" سيد قطب "إلى فكرة التكفير والتوسع فيه"، بالرغم مما يكنه له من احترام وتقدير كبيرين.

على الرغم من أن الإعلام العالمي والمحلي الرسمي في أغلب الدول العربية والإسلامية، مازال يصور الحركات الإسلامية على أنها جامدة ومتشددة، فإن الحركات الإسلامية اليوم متعددة ومتنوعة وتتبنى مواقف مختلفة بحسب اختلاف الأنظمة القائمة وسياساتها. بل إن غالبية هذه الحركات السائدة اليوم، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، تستنكر وبشدة النهج التكفيري، وترفض وسائل العنف السياسي، وتتبنى النهج السلمي الديمقراطي كوسيلة لتحقيق أهدافها. وهي، على عكس ما تحاول الأنظمة الاستبدادية وحلفائها من الأنظمة الغربية تصويره في وسائل إعلامها المتحيز، لا تتبنى تصورا شموليا حول الدولة الإسلامية، بل تفرق بين شمولية الإسلام، بمنظومته العقدية والأخلاقية وبمنهجه الحياتي، وبين محدودية سلطة الدولة، كوحدة سياسية تعددية لا ينبغي أن تتجاوز الحقوق والحريات الفردية أو تمس بمعتقدات المجموعات الدينية والثقافية والإثنية.

ومع أن معظم التيارات السياسية الإسلامية واضحة في تبنيها النهج الديمقراطي السلمي، إلا أن الكثير من المتشككين مازالوا يطرحون تساؤلات كثيرة حول مصداقيتها في تبني العمل السلمي الديمقراطي، بشكل مبدئي وليس تكتيكي، حسب تعبيرهم، ويلقون باللائمة حول غياب الديمقراطيات في الدول الإسلامية على وجود تيارات إسلامية متشددة. بل إن الكثير من هؤلاء الذين يدعون الموضوعية لا يتورع عن محاكمة النوايا والتنجيم فيما يمكن أن يتمخض من مواقف واتجاهات مستقبلية. فإلى أي حد تؤيد التجربة العملية والواقع التاريخي هذه المزاعم والادعاءات والتوقعات؟

لا يحتاج المراقب المحايد إلى الكثير من الدراسات والأبحاث لكي يكتشف من هم الذي صادروا فعلياً وعرقلوا ممارسة ومنهجياً الإجراءات الديمقراطية في معظم الدول الإسلامية، فتاريخ النظم الاستبدادية والدكتاتوريات المعاصرة لا يدع مجالا للشك في أن الغالبية الساحقة من هذه الأنظمة الشمولية والسلطوية ذات خلفية قومية علمانية، بل بعضها متطرفة في علمانيتها، وأن هذه الأنظمة قامت واستمرت، في معظم الأحيان، على الدعم الغربي لها. ومن ناحية أخرى، فإن جميع التجارب الديمقراطية في الدول الإسلامية، تشهد بالدور الإيجابي وبالمساهمات الفاعلة للحركات الإسلامية في الحياة السياسية الديمقراطية. فمنذ سنوات الاستقلال المبكرة في سوريا وفي إندونيسيا، حيث شهدت كلتا الدولتين ازدهارا ديمقراطيا في الخمسينيات على سبيل المثال، كانت للحركات الإسلامية مشاركات إيجابية في تطور العمل السياسي السلمي، بل إن الديمقراطية في كلا النموذجين المذكورين قد صودرت آنذاك على أيدي التيارات العلمانية القومية، حيث كانت الحركة الإسلامية من أشد المدافعين عن الديمقراطية، ومن أشرس المعارضين للدكتاتوريات الفردية. بل إن نجاح التحول الديمقراطي الذي تشهده إندونيسيا منذ عام 1998 ما كان له أن يرى النور، على رأي معظم المحللين، لولا مساهمات الحركة الإسلامية الطلابية، التي كانت تنشط في الجامعات منذ الثمانينيات وفق نظام الأسر والحلقات المتأثر بفكر وأسلوب حركة الإخوان المسلمين. لقد قادت هذه الحركة المظاهرات الطلابية التي احتلت البرلمان وتمكنت من الضغط على الرئيس سوهارتو حتى قدم استقالته. وقد قام أقطاب هذه الحركة بتأسيس الأحزاب السياسية التي مازال تشارك مشاركة فعالة في الانتخابات البرلمانية. ويرى محللون آخرون أن تخلي الولايات المتحدة عن دعم نظام سوهارتو بعد تغير ظروف الحرب الباردة كان من أهم العوامل التي ساعدت على سقوط سوهارتو وإقلاع عملية التحول الديمقراطي.

من ناحية ثانية، يرى بعض المحللين السياسيين أن مساهمة الحركة الإسلامية الإيجابية في التحول الديمقراطي في إندونيسيا جاءت بسبب بروز تيار أو جيل جديد من المفكرين والمثقفين المسلمين في العقود الأخيرة، يؤكد على التعددية السياسية، ويغلِّب المضمون على الشكل والمقاصد على الظاهر في فهمه للإسلام، وبشكل خاص فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بالسياسة والحكم، حيث ظهر تأثير هؤلاء المفكرين واضحا في الخطاب السياسي والبرامج السياسية للأحزاب الإسلامية التي نشأت في إندونيسيا بعد سقوط النظام الشمولي. إن أهم ما يميز هذا التوجه التعددي ضمن التيار الإسلامي في إندونيسيا، حسب ما يؤكد معظم الباحثين والمحللين السياسيين، هو أنه تراجع عن المطلب الدستوري للحركة الإسلامية الإندونيسية الذي طالما تمسكت به تاريخيا بشأن إعادة الفقرة المتعلقة بفرض الشريعة الإسلامية على جميع المسلمين إلى الدستور، وهي ما تعرف بوثيقة جاكرتا التي ألغاها القوميون العلمانيون في عام 1945 بعد أن كان قد تم الاتفاق عليها. يؤكد بعض المحللين السياسيين أن الاختلاف الحاد حول هذا المطلب كان المعيق الأساسي أمام الديمقراطية كما أنه كان المبرر المباشر الذي صودرت على أساسه الإجراءات الديمقراطية في إندونيسيا منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. لذلك يرى الكثيرون أن قبول الإسلاميين بدستور تعددي يشمل جميع مكونات المجتمع الإندونيسي والسعي لتقنين القوانين المتوافقة مع مبادئ وقيم الإسلام من خلال البرلمان المنتخب، بدل من فرضه دستوريا، مهّد لقيام الحد الأدنى من الوحدة الوطنية مما ساعد على المضي قدما بالإجراءات الديمقراطية.

بناءا على هذا التحليل فإن غياب تيار إسلامي متسامح تعددي في الدول العربية هو العنصر الأساسي الذي يعيق قيام وحدة وطنية بين التيارات السياسية المتنافسة، مما يعرقل إجراءات التحولات الديمقراطية في هذه البلاد. فهل صحيح أن جميع التيارات الإسلامية في الدول العربية ترفض التعددية وتصر على قيام دولة إسلامية شمولية؟

لا شك أنه لا يمكن إنكار وجود بعض الميول الشمولية المتشددة ضمن التيار الإسلامي، إلا أن التيارات السائدة في معظم الدول العربية لا ينطبق عليها هذا التعميم الذي لا يخلو من التبسيط المخل والنظرة القاصرة التي لا تدرك تعقيدات الظروف السياسية التي مهدت أساسا لظهور التشدد عند بعض التيارات الإسلامية. إن إلقاء اللائمة على الإسلاميين فيما يخص غياب الديمقراطية ووصمهم جميعا بالتشدد والشمولية، يساهم في تشجيع وازدياد التشدد، كما يقدم المبررات لممارسات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية التي صادرت فعليا الديمقراطية وأقصت، بل في بعض الأحيان استأصلت، جميع التيارات السياسية المعارضة، سواء منها الإسلامية أو غيرها.

إن الميول والتوجهات التعددية ليست، ولم تكن في يوم من الأيام، غائبة عن الساحة الإسلامية في العالم العربي. وربما لا نبالغ لو قلنا أن الذي غاب عن الساحة السياسية في العالم العربي هو التحليل الموضوعي، والنظرة الحيادية، والقراءة المتأنية للواقع الجائر وظروفه السياسية الاستثنائية، التي عانت ومازالت تعاني منها الحركة الإسلامية بشكل خاص، في كثير من الدول العربية. فعندما تتقدم حركة إسلامية ببرنامج سياسي معتدل، كالمشروع السياسي الذي طرحته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا أواخر عام 2004، على سبيل المثال، حيث تدعو فيه بشكل واضح وصريح إلى قيام دولة مدنية تعددية وديمقراطية تضمن الحريات وتحقق المساواة لجميع المواطنين والشرائح في المجتمع السوري، في حين أنها تواجه في الوقت ذاته نظاما قمعيا يقابلها بسياسات الإقصاء والاستئصال، نقول عندما تتقدم هذه الحركة ببرنامج تعددي ضمن هذا الواقع الصعب، لا يمكن لأي مراقب محايد أن يحملها مسؤولية هذا الوضع الشاذ الذي يرزح تحته المجتمع السوري. فالمعادلة الصحيحة التي يجب الاعتراف بها هي أن المواجهة العنيفة بين التيار الإسلامي وبين الاستبداد في سوريا لم تكن نابعة من أفكار ومفاهيم وبرامج إسلامية متشددة، كما يتوهم البعض، بل كانت نتيجة طبيعية لسياسات القمع والبطش والاستئصال الوحشي الذي مارسه النظام في حق الحركة الإسلامية، مع العلم أن هذا القمع قد طال أيضا، وإن كان لدرجة أقل نسبيا، جميع التيارات السياسية المعارضة، بل حتى المفكرين والمثقفين المستقلين والمواطنين الأحرار لم يسلموا من جبروت هذا الطغيان الجائر.

سواء كان هذا التوجه المنفتح والتعددي جديدا على الحركة الإسلامية، أو كان أصيلا ولكن دفعت الحركة بعيدا عنه في ظروف استثنائية قاسية، فإنه يستحق اليوم أن يؤخذ بعين الاعتبار، ويتطلب دراسة موضوعية متأنية، فهو على أقل تقدير يشكل خطوة هامة وجديرة تمهد لبناء ديمقراطية إسلامية راشدة، تحقق العدل والمساواة والتسامح وسيادة القانون، وتضمن الحريات الفردية والسياسية وحقوق المجموعات الدينية والعرقية، كما تفتح الباب أمام الجميع للمشاركة السياسية الإيجابية. إن هذا التوجه التعددي الذي تبنته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في مشروعها السياسي، والذي أصلت له هذه الورقة عبر البحث في المصادر الإسلامية والتاريخية، يبرهن بوضوح على أن مسألة تأسيس ديمقراطية إسلامية معاصرة هي إمكانية ماثلة أمامنا، بل إنها أمل واعد في المستقبل القريب إنشاء الله.


المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية
http://www.asharqalarabi.org.uk/images1/s-a-logo11.gif
[line]

castle 16-04-2007 02:05 AM

مؤسسات الفكر و الرأي Think Tanks))

والسياسية الخارجية الأمريكية


إعداد : عمرو عبد العاطي*

تعتبر مؤسسات الفكر و الرأي (Think Tanks) من أهم المؤسسات التي تلعب دوراً بارز في صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية بصفة عامة، و تجاه منطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص. فقد قامت هذه المؤسسات ـ التي تَعتبر بمثابة مراكز بحثية مستقلة ـ بصياغة التعاطي الأمريكي مع العالم لفترة تقارب مئة عام، و لكن لكون مؤسسات الفكر و الرأي تقوم بمعظم مهامها بمعزل عن أضوء وسائل الإعلام، فهذا يجعلها تحظى باهتمام يقل عن ما تحظى به المؤسسات الأخرى للسياسة الخارجية الأمريكية، مثل التنافس بين جماعات المصالح و المناورات بين الأحزاب السياسية و التنافس بين فروع الحكومة المختلفة. و علي الرغم من هذا الابتعاد النسبي عن الأضواء فإن مؤسسات الفكر و الرأي تؤثر على صانعي السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية من خلال خمس طرق مختلفة.

i. توليد أفكار وخيارات مبتكرة في السياسة الخارجية:

تسعى مراكز البحث و الرأي الي توليد أفكار جديدة تبدل الطريقة التي ينظر بها صانعو السياسة الخارجية الى العالم و يستجيبون له، و من الممكن أن تؤدي هذه الأفكار الجديدة الي تغير في المصالح القومية الأمريكية و فهمها و التأثير في ترتيب الأولويات و توفر خرائط للعمل و حشد التحالفات السياسية و البيروقراطية و تشكيل حملات الانتخابات الرئاسية.

وتمثل فترات انتقال الحكم مناسبات مثالية لرسم برامج عمل السياسة الخارجية حيث يطلب المرشحون الى الانتخابات المشورة من عدد كبير من المثقفين من أجل تحديد المواقف السياسية حول عدد من القضايا الداخلية و الخارجية و يتبادل المرشحون الى الرئاسة الأفكار مع الخبراء السياسيين و يختبرونها خلال مسار الحملات الرئاسية.

وقد كانت أكثر الأمثلة شهرة على هذا ما حدث بعد انتخابات عام1980، عندما تبنت حكومة رونالد ريجان مطبوعة مؤسسة هيرتيج (Heritage Foundation) عنوانها "تفويض للتغيير" كبرنامج عمل للحكم. و هناك حالة ثانية أكثر حداثة تمثلت في صدور تقرير سنة 1992 أعده معهد الاقتصاديات الدولية و مؤسسة كارينجي للسلام الدولي (Carnegie Endowment For International Peace ) يقترح إنشاء مجلس امن اقتصادي و قد وضعت إدارة كلينتون التي تسلمت الحكم فيما بعد هذا الاقتراح موضع التنفيذ بإنشائها المجلس الاقتصادي (هذا الجهاز مازال يعمل الي يومنا هذا).

و توفر بعض المنعطفات التاريخية الحاسمة فرصا استثنائية لإدخال أفكار جديدة الى حقل السياسة الخارجية الأمريكية فعلي سبيل المثال نشر مجلس الشؤون الخارجيةForeign Affairs Council واسع الصيت و التأثير مقالا غير موقع بعنوان "أسباب التصرفات السوفيتية" في مجلته Foreign Affairs وقد ساعد هذا المقال الذي كتبة الدبلوماسي الأمريكي "جورج كينان" في إقامة الأسس الفكرية لسياسة الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية مع الاتحاد السوفيتي و كذلك مقال هينتجتون عن صدام الحضارات (The Clash Of Civilization) الذي نشره في نفس المجلة في عام 1993 والذي كان بمثابة مساهمة اشتملت علي بذور تطور قابلة للنمو في النقاش الدائر حول السياسة الخارجية فيما بعد الحرب الباردة (Post Cold War Era ).

فضلاَ عن الدارسات التي قام بها مركز الدارسات الاستراتيجية و الدولية (Center For Strategic And International Studies) و معهد هيرتيج و بروكنجز Brookings Institution منذ القرن العشرين التي أسهمت جميعها في النقاش الدائر حول الاستراتيجيات المناسبة و المنظمات الملائمة لمواجهة التهديد الإرهابي في الداخل و الخارج بعد أحداث الهول العظيم التي أصابت الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر2001.

ii. تأمين مجموعة جاهزة من الاختصاصيين للعمل في الحكومة:

بجانب تقديم أفكار جديدة لكبار الرسميين الحكوميين فإنها تقدم أيضا مجموعة كبيرة من الخبراء للخدمة في الإدارات الجديدة، و في فرق الموظفين التابعة للكونجرس. و تعتبر هذه الوظيفة التي تؤديها المراكز البحثية بالغة الأهمية في النظام السياسي الأمريكي، حيث أن انتقال السلطة في الولايات المتحدة يؤدي الي استبدال مئات الموظفين من الدرجة المتوسطة، أو من كبار الموظفين في السلطة التنفيذية. وتساعد مراكز الأبحاث وا لرأي الرؤساء و الوزراء علي سد هذا الفراغ. فقد قام عل سبيل المثال الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بعد انتخابه في عام 1976 بتعيين الكثير من خبراء مؤسسة بروكنجز و مجلس العلاقات الخارجية في حكومته، و بعدها بأربع سنوات توجه رونالد ريجان الي مؤسسات أخري لتشكيل هيئة خبرته و مستشاريه. فقد استعان خلال فترتيه الرئاستين بمائة و خمسين شخصاً من مؤسسة هيرتيج و مؤسسة هوفر و معهد انتربرايز الامريكي. كما اتبع الرئيس الأمريكي الحالي (بوش الابن) في تعين الخبراء و المستشارين في حكومته السابقة و الحالية نفس النمط.

والإضافة الي تزويد الإدارات الجديدة بالخبراء فإنها تامن للمغادرين من مناصبهم الحكومية مواقع مؤسساتية يستطيعون فيها ممارسة ما اكتسبوه من خبرة و تبصر خلال خدمتهم في الحكومة، و الاستمرار في لعب دور مؤثر في النقاش حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة. و تشكيل نوعا من مؤسسة ظل غير رسمية للشؤون الخارجية. و تتميز الولايات المتحدة عن سواها من الدول بهذا الباب الدوار و هو من مصادر قوتها.

iii. توفير مكانا للنقاش على مستوي رفيع:

تلعب مؤسسات الفكر و الرأي دوراً في التوصل الى تفاهم مشترك إن لم يكن هناك إجماع حول خيارات السياسة الخارجية، و لا يمكن لأي مبادرة كبري في السياسة الخارجية من الاستمرار ما لم تتمتع بقاعدة من التأييد الحاسم في أوساط جماعة المهتمين بالسياسة الخارجية. و توفر النشاطات التي تنظمها مؤسسات الفكر و الرأي الكبرى للرسميين الأمريكيين منابر غير حزبية لإعلان المبادرات الجديدة و شرح السياسة الحالية و إطلاق بالونات الاختبار لمعرفة ردود الفعل على الأفكار الجديدة. إما بالنسبة للشخصيات الأجنبية الزائرة فإن فرص المثول أمام جمهور مؤسسات الفكر و الرأي البارزين تؤمن الوصول الي أكثر القطاعات تأثيراً في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية.

iv. تثقيف مواطني الولايات المتحدة عن العالم:

تساعد مؤسسات الفكر والرأي في إثراء الثقافة المدنية الأمريكية عن طريق تعريف المواطن الامريكي بطبيعة العالم الذي يعيش فيه و قد زاد تسارع نبرة العولمة من أهمية وظيفة التواصل مع الجمهور أكثر من أي وقت مضى فمع ازدياد اندماج المجتمع أكثر باتت الأحداث و القوي العالمية تطال حياة المواطن الامريكي العادي و تؤثر فيه و لهذا أصبح للمواطن الامريكي العادي دور متنام في السياسة سواء كانت الداخلية أو الخارجية.

v. وسيلة مكملة للجهود الرسمية للتوسط و حل النزاعات:

تستطيع مراكز البحت و الرأي لعب دور نشيط في السياسة الخارجية للولايات المتحدة عن طريق رعايتها للحوارات الحساسة و تامين وساطة فريق ثالث بين الأطراف المتنازعة و لقد سهل معهد السلام الامريكي American Peace Institution ) ) كجزء من المهمة المعهودة إليه من قبل الكونجرس مثل مفاوضات المسار الثاني فضلاً عن تدريب الرسميين الأمريكيين علي أعمال الوساطة بصورة نشيطة في الدبلوماسية الوقائية و في تدبر أمور النزاعات و حلها. و تشكل المبادرات الغير رسمية التي تطلقها مراكز البحث و الرأي مشاريع حساسة و لكنها تنطوي علي إمكانيات كبيرة لتحقيق السلام و المصالحة في مناطق النزاعات و الصراعات أو المعرضة لها، و في المجتمعات التي فيها حروب، أو من خلال كونها مكملة لجهود الحكومة الأمريكية أو كبديل عنها حيث يكون الوجود الرسمي الامريكي مستحيلا.

و بحلول القرن العشرين أصبح هناك أكثر من 1200 مؤسسة للفكر و الرأي تسيطر على الساحة السياسية الأمريكية و هي تشكل مجموعة غير متجانسة من حيث اتساع نطاق المواضيع و التمويل و المواقع و يمكن أن نضع لها تقسيم أولي علي النحو التالي:

vi. مؤسسات تابعة للجامعات مثل مؤسسة بحوث الشرق الوسط التابعة لجامعة كولومبيا.

vii. مؤسسات بحثية تميل لأحد الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة الأمريكية مثل معهد بروكنجز(Brookings Institution) الذي يميل الي الحزب الجمهوري و مؤسسة هيرتيج(Heritage Foundation) التي تميل الي الحزب الجمهوري.!!

viii. مؤسسات تابعة لهيئات حكومية مثل جامعة الدفاع الوطني (Nation Defense University ) ومركز بحوث الكونجرس ( congressional Research Service).

ix. مؤسسات بحثية تابعة لمؤسسات خاصة كبري مثل مؤسسة كارينجي للسلام الدولي Carnegie Endowment For International Peace

x. المؤسسات التقليدية للسياسة الخارجية مثل مجلس العلاقات الخارجية Council Of Foreign Relation

xi. مؤسسات متخصصة مثل الجمعية الوطنية للعلوم السياسية
American Political Science Association.

xii. المؤسسات التابعة للوبي الصهيوني مثل اللجنة الوطنية اليهودية الأمريكية(American Jewish Committee) .و لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"(Israel-American Public Affairs Committee)

xiii. مؤسسات مرتبطة بهيئات معارضة للسيطرة الأمريكية و معظمها من اليسار مثل (Nation Pacifica) و اليمين المعارض مثل لاروش.

xiv. مؤسسات أخري تدخل ضمن المؤسسات البحثية التابعة للكنائس و الهيئات الدينية و الأقليات القومية و العرقية و اللغوية و الناشطين السياسيين و الاجتماعيين.

إن كل واحدة من هذه المجموعات تنقسم الي العديد من الأفرع المختلفة و المتباينة فيما بينها

تعتمد هذه المؤسسات على عدد من الاستراتيجيات و الوسائل في التأثير في عملية السياسة الخارجية الأمريكية منها علي سبيل المثال:

i. التلفزيون ووسائل الإعلام
حيث يظهر باحثو مستودعات الأفكار و الرأي بشكل منتظم في برامج أو أخبار المساء، وفي كثير من الأحيان تقوم العديد من الصحف باقتباس أقوالهم.

ii. الظهور العام Public Appearance ))
يتاح لباحثي و علماء مستودعات الأفكار فعليا و بشكل يومي الفرص للتحدث أمام الجمهور و الجامعات و الكليات و السيمينارات و لجان المناقشة و المؤسسات المهنية وبرامج وزارة الخارجية التدريبية و جماعات التبادل الخارجي.

iii. الوصول الي صانع القرارAccess To Policy Maker ) )
حيث لديهم اتصال مباشر مع صناع القرار في البيت الأبيض ووزارة الخارجية.

iv. شهادات الكونجرس Congressional Testimony ))
حيث عندما تبحث بعض اللجان الرئيسية أو الفرعية في الكونجرس موضوع عام فإنها تستدعي أشخاصا من مؤسسات الفكر و الرأي المتخصصين في الموضوع.

v. هيئة مستشارين Advisory Panels))
مؤسسات الفكر و الرأي لديها هيئة مستشارين على مستوى عال لكل برامجها الفعلية، و هؤلاء الأشخاص من الخارج و غالبا من مجتمع الأعمال المعروفين جداً و هؤلاء يساعدون في زيادة التمويل للحصول على دراسات تخص عملهم.

vi. الاتصالات الشخصية Personal Contacts))
حيث علماء مؤسسات الفكر والرأي لديهم فرص الاتصال كبيرة و هذا ليس مع الصحفيين فقط و لكن مع موظفي الحكومة ورؤساء المؤسسات الحكومية مثل وزارة الدفاع و الخارجية و ممثلي الولايات المتحدة في الخارج.

vii. الخبرة الحكومية Governmental Experience ))
حيث يكون لعدد من الموهويين في الحكومة مكان و اتصال مع هذه المؤسسات فوزير الدفاع في الولايات المتحدة "رونالد رامسفيلد" و بول وولفويتز في إدارة الرئيس بوش السابقة من مقدمي أوراق و دراسات في معهد أمريكان انتربرايز American Enterprise Institution)) و غيرهم من الشخصيات الأخرى.

viii. توفير المعلومات حيث تقوم هذه المراكز بتوفير المعلومات اللازمة لصانع القرار السياسي كما أنها في بعض الأوقات تقدم بعض الدارسات القيمة التي تساعد صانع القرار في اتخاذ القرار بشان قضية معينة أو بموقف ضد دولة معينة حيث أن هذه المراكز تضم العديد من الخبراء و المتخصصين و الذين يقدمون العديد من البدائل و الوسائل و الاستراتيجيات التي تساعد صانع القرار السياسي في ضيافة السياسة الخارجية الأمريكية بهدف تعظيم أهداف بلده.


*باحث في العلوم السياسية متخصص في الشؤون الأمريكية و السياسية الخارجية الأمريكية


المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية
http://www.asharqalarabi.org.uk/images1/s-a-logo11.gif
[line]

castle 06-05-2007 03:31 AM

تهويد القدس

في زمن التراخي العربي والإسلامي


هند بطلموس*
اكتسبت القدس عبر تاريخها أهمية دينية و حضارية وروحية فريدة، بحكم صلة الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلامية بها، وبحكم علاقاتها بنشوء هذه الأديان و تاريخها، حتى أصبحت تضم العشرات من الأماكن التي يقدسها أتباع الديانات الثلاث، وفي إحصاء أجرته منظمة الأمم المتحدة في نوفمبر 1949 تبين أن هناك ثلاثين مكانا مقدسا في القدس، 15 منها للمسيحيين و11 لليهود و4 للمسلمين(1) .

ولقد شكلت القدس، دائما وعبر التاريخ بؤرة صراع بين الديانات السماوية الثلاث، ولم يحسم هذا الصراع إلى يومنا هذا، فانتصار المسلمين في ظل الدولة العثمانية بقيادة صلاح الدين الأيوبي على الصليبين في عام 1187، ظلت القدس تحت السيادة الإسلامية إلى حدود عام 1917، وهو التاريخ الذي تزامن مع نجاح زعماء الصهيونية في الحصول على وعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين(2) .

وفي يوليو، من سنة 1922 شرعت عصبة الأمم في صك الانتداب البريطاني على فلسطين الذي نص على أن توضع فلسطين في ظروف إدارية و سياسية و اقتصادية يضمن معها تأسيس الوطن القومي اليهودي، شجعت آنذاك حكومة الانتداب بمقتضاه الهجرة اليهودية إلى فلسطين(3) .

في نوفمبر1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدعو إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما عربية و أخرى يهودية، على أن تكون القدس كيانا منفصلا يخضع لإرادة دولية.

علما أن قرار التقسيم الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة أنكره الكثير من فقهاء القانون الدولي لأنه لا يستند إلى أسس قانونية(4)، و بالتالي فهو يعتبر بمثابة إهدار كامل لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، طبقا لما حددته المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة(5).

كما أن هذا القرار أعطى للصهاينة فرصة تحقيق مخططهم في الاستيلاء على القدس و السعي وراء تهويده،علما أن المخططات الصهيونية المتعلقة بتهويد بيت المقدس بدأت منذ عام 1898 وهو تاريخ مؤتمر بال الذي أقر بإنشاء إسرائيل بعد خمسين عاما و إنشاء إسرائيل الكبرى في غضون 100 عام(6).

لكن التطبيق العملي لمخطط التهويد، انطلق منذ يونيو 1967(7)، حيث عمدت إسرائيل إلى ضم الجزء الشرقي من المدينة إلى الكيان الصهيوني بموجب إصدار طائفة من التشريعات و الإجراءات والتدابير التي تؤدي إلى تدخل السلطات الإسرائيلية، كما عمدت إلى تهويد التعليم العربي و تهويد القضاء(7)، فلم تكتفي إسرائيل بذلك، بل عمدت إلى إزالة الأحياء العربية و مصادرة أراضيها و إقامة أحياء سكنية يهودية، والقضاء على المقدسات الإسلامية و المسيحية، هادفة بذلك إلى تشويه الطابع الحضاري لمدينة القدس، ثم القضاء على الارتباط الديني بين المسلمين و المسيحيين و بين مقدساتهم، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الحفريات التي قامت بها، وتقوم بها بالقرب من المسجد الأقصى، بهدف ما تدعي به أنها تبحث عن موقع هيكل سليمان و كذلك الحفريات بالقرب من حائط المبكى، والتي أدت بالفعل إلى تصدعات، فضلا عن مصادرة الباب المؤدي إلى بيت المقدس (باب المغاربة)(8) و الآن تعتزم إزالة طريق المغاربة كونه يعرقل سير المصلين اليهود(9)..

وحتى يمكننا فهم عملية تهويد القدس يجب أن نراها لا باعتبارها عملية عشوائية و إنما باعتبارها مخططا له أهدافه الواضحة و يتمثل في تأسيس القدس الكبرى الموسعة، اليهودية الخالصة ككتلة استيطانية ضخمة تمزق و إلى الأبد الوحدة الجغرافية للضفة الغربية كما جاء في إحدى وثائق حزب الليكود(10)، وفي سياق ذلك فإن أهداف الصهيونية ومتطلبات الدولة جعلت من التهويد (JUDAIZATION )

أو أسرلة (ISRAELISATION) الجغرافيا العربية لفلسطين، بهدف طمس المعالم العربية(DE ARABISATIO)، وذلك إما عن طريق التفريغ الجسماني للسكان العرب من هذه المنطقة، أو عن طريق غلق هذه المناطق و منع العرب من استعمالها فعليا أو عن طريق زيادة الإستطان اليهودي(11) .

لاشك، أن الحفريات التي تقوم بها إسرائيل تحمل في طياتها مخاطر تهدد الوجود الحضاري الإسلامي و أسرلته(12)، وتعكس أيضا فرض إسرائيل لسياسة أمر الواقع، حيث تنطلق من فكرة أن القدس عاصمة لها، وذلك منذ الإعلان عن ضمها سياسيا 30/7/1980

إن القدس بالنسبة للديانات الثلاث لا تشكل لهم فقط صفة جغرافية، بل ذات صفة روحية مرتبطة بالعقيدة والإيمان، إلا أن عبء المحافظة عليه يقع على عاتق العرب والمسلمين، فأين يقع دور المسلمين من ذلك؟

لاشك، أن المنتظم الدولي في صورة الأمم المتحدة تحرك إزاء اتخاذ إسرائيل لكافة الإجراءات التي ترمي إلى تهويد القدس، حيث أصدرت الجمعية العامة مجموعة من القرارات التي تدين فيها إسرائيل، واعتبرت تلك الإجراءات غير مشروعة ودعتها لإلغائها كقرار رقم 2253 الصادر سنة 1967، كما أصدر مجلس الأمن قرارا يدين فيه تصرفات إسرائيل واعتبر تلك الإجراءات باطلة كقرار رقم 252، والواقع أن المجال لا يتسع لتعداد القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة، لأن إسرائيل في جميع الأحوال لم تذعن لتلك القرارات، مما يدعو إلى الشك في الاحتكام إلى الشرعية الدولية، فالرفض التام لهذه القرارات لم يعرض الكيان اليهودي لأي شكل من أشكال العقوبات أو لأي إجراء من جانب المجتمع الدولي، في الوقت الذي كانت الأمم المتحدة فيه تحاصر وتفرض عقوبات متعددة على العراق و أفغانستان ...بل تصدر قرارات تجيز استخدام القوة العسكرية لفرض احترام و تطبيق قراراتها و مبادئ الشرعية الدولية(13) ،مما ينذر بالضعف التام لما تبقى من الهيكل الهش للقانون الدولي و النظام الدولي أيضا(14).

تعتبر سنة 1969، بداية للإرهاصات الأولى للتحرك العربي والإسلامي المنظم، لأجل الدفاع عن عروبة القدس و أسلمته، ففي ظل غياب آليات دولية فعالة لردع الصلف الصهيوني، عمدت إسرائيل بحرق المسجد الأقصى، و على إثر ذلك عقد مؤتمر قمة عربية في الرباط 24/9/ 1969، و كان من أهم القرارات التي اتخذتها الدول الإسلامية إزاء ذلك، تكوين لجنة دائمة تسمى لجنة القدس، تتولى متابعة القرارات التي يصدرها المؤتمر الإسلامي، من منطلق أن القدس جزء لايتجزأ من الوطن الفلسطيني، وفي إطار ذلك أصدرت قرارات تدين فيها حرق المقدس بالإضافة إلى العديد من القرارات التي أصدرتها جامعة الدول العربية، ولكن تبقى تلك القرارات هزيلة لأنها تكتفي بمجرد الشجب والإدانة، دون أن توفر ضمانات كافية لحماية القدس.

وهنا تبرز إشكالية فهم حقيقية حول الجهد الفلسطيني و العربي والإسلامي المضاد للمسعى الإسرائيلي بخصوص قضية القدس، ومؤدى هذه الإشكالية ما طبيعة الإستراتيجية التي يتبنها العرب و المسلمين لإنقاذ القدس من التهويد في زمن تراخيهم، حيث ترسخت قناعة لدى الجميع أن العمل السياسي العربي الرسمي قد أصابه الهوان و الضعف.

لاننكر أن العرب و المسلمين نضالو من أجل عروبة القدس وعودتها إلى السيادة الفلسطينية، و تأسيس مواقف موحدة حاسمة إزاء المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس الاحتلال لمدينة القدس، ولكن ظل نضالهم محدود، حيث تمثل في المطالبة بخلق تحالف عربي إسلامي فاعل على المستوى الرسمي، إعادة تشكيل المجلس الإسلامي الأعلى في القدس، عقد قمم روحية إسلامية مسيحية من أجل اتخاذ موقف موحد من الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات وغيرها من المبادرات التي تفتقد إلى الفاعلية، بخلاف إسرائيل التي تتحرك وفق خطط واستراتيجيات مدروسة بشكل عقلاني، وإن كانت الحركة الصهيونية أسست موقفها في الصراع مع العرب على أوهام و أساطير إيديولوجية، فبالرغم من ذلك، استطاعت تحويلها إلى قوة حية و فعالة و صالحة للاستثمار، بل استطاعت تحويل أطماعها إلى قضايا، جعلت العالم يقر لها بموقع مركزي، أيضا جعلت (أمن إسرائيل) شغل الشاغل ومعيار سلوك الأمم و الدول(15)، في حين اقتصر الدور العربي و الإسلامي على التأكيد أن هناك مؤامرة صهيونية تحاك ضدهم. فضلا على أن طبيعة القرار الإسرائيلي يتميز كونه يتفاعل مع الواقع على أساس الجدلية البناءة وليس الفجوة الحاصلة كما في القرار العربي، وهذا راجع إلى البعثرة التي تسود الحالة العربية والإسلامية الراهنة التي لابد من استيعابها واستدراك عواقبها(16).

فالتراخي العربي الرسمي، في حل مشكلة القدس أدى إلى نشوء قوة أصولية إسلامية(القاعدة)، لملأ الفراغ في الدفاع عن القضايا العربية واسترجاع القدس معتمدة في ذلك على سياسة الوعيد والترهيب ضد للولايات المتحدة و إسرائيل، ولكن بدون سيناريوهات غير واضحة وبدون تحديد خطوات العمل بشكل مثمر.

يفسر البعض، أن الخيارات العربية المطروحة اليوم في إطار مسلسل الدفاع عن القدس هي إمكانية ثابتة و عقيمة جدا ولا تتماشى مع المتغيرات التي تحكم الصراع العربي الإسرائيلي، فإسرائيل لم تلتزم باتفاقيات أوسلو التي أعطت للقدس وضعا دوليا خاصا، و لا بوثيقة جنيف من أجل السلام في الشرق الأوسط التي تناولت مشروع التسوية الدائمة لقضية القدس بتفصيلات أكثر من أية وثيقة(17)

والنقطة التي أريد التدليل عليها من خلال ماتقدم، هي أن الخيارات المتاحة لصنع السلام بين الإسرائيليين و الفلسطينيين تتناقص يوما بعد يوم ولا تستقيم مع الشرعية الدولية، التي تحدد ملامحها الولايات المتحدة هذه الأخيرة التي تعتبر السلام في المنطقة عرقلة أمام مصالحها(18) كما أن الالتزام العربي و الإسلامي، الذي يكرس وحدة الموقف إزاء القدس بشكله الحالي و المتمثل في تفعيل العمل الإسلامي المشترك، والتمسك بقرارات الأمم المتحدة والمطالبة باحترامها أو البحث عن حلفاء جدد في العلاقات الدولية للتأثير على القضية، في الواقع هي بدائل و إمكانيات أبانت عن عجزها وتآكلت مع الزمن، مما يستدعي أولا قراءة جيدة للتحولات الداخلية للعالم العربي والإسلامي الذي يتجه نحو الفوضى العارمة، والذي يبدو معه استحالة إمكانيته في استرجاع القدس، نظرا لقوة إسرائيل التفاوضية والتي تعطي للبعد الديني أهمية قصوى انطلاقا من توظيفه في التفاوض مع العرب باعتبارها مسؤولة مسؤولية دينية تجاه بيت المقدس، وإن كان هذا افتراءا على التاريخ وعلى الدين، فلن يدوم حتما، لأن ذلك جاء عكس الحقيقة، التي جاء بها النبي محمد حيث قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله – عز وجل – وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)) على ضوء هذا الحديث، يفهم من خلاله أن بيت المقدس سيعود للمسلمين باعتباره وعدا ربانيا، ولكن ذلك رهين بتحقيق الإصلاح الداخلي للعالم العربي والإسلامي في جميع المجالات أولا، ثم تكييف هذا التغيير ثانيا مع التحولات الدولية، بالشكل الذي يضمن للعرب والمسلمين مكانة مؤثرة في النظام الدولي، فالحديث النبوي السالف الذكر، لا يعني أنه دعوة للاستسلام والتسليم بأمر الواقع، بقدر ما هو دعوة للتحرك والعمل الفاعل وأيضا يشكل اختبارا للمسلمين.

ستظل القدس القضية التي يتقاطع فيها الديني والجيوستراتيجي، ولب الصراع الأبدي بين الديانات الثلاث، فهي قبلة المسلمين الأولى والمدينة التي تدور حولها الرؤى و السياسات كونها قطب الرحى في المعادلات القطرية والإقليمية والدولية(19)،، فهل الصراع على القدس هو صراع بين الحضارات أم هو توتر جيوستراتيجي؟

*باحثة في قسم العلاقات الدولية، وحدة المغرب في النظام الدولي، جامعة محمد الخامس الرباط، المغرب

المراجع

1) سمير جرجس، القدس، المخططات الصهيونية، الاحتلال،التهويد، مؤسسة الدراسات الفلسطينية،بيروت، الطبعة الأولى،سنة 1981،ص:181

2) فايز فهد جابر،القدس،ماضيها،حاضرها،مستقبلها،دار الجليل، عمان، الطبعة الأولى،سنة1985،ص:57

3) ياسر أبوشبانة، النظام الدولي الجديد بين الواقع الحالي و التصور الإسلامي، دار السلام الطبعة الأولى، القاهرة، ص:92

4) عبد الرحمان الصالحي، مسألة تدويل القدس، شؤون فلسطينية، العدد 202 يناير 1990 ،ص: 49

5) ميثاق الأمم المتحدة المادة الأولى من الفقرة الثانية(إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب و بأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام

6) فارس شرعان، دفاعا عن القدس، الطبعة الأولى،سنة 1992، عمان، ص: 43

7) فارس شرعان، مرجع سابق، ص:121

8) عبد الرحمان الصالحي ، مرجع سابق

9) مشروع الاحتلال:تقسيم الأقصى، أنظر الموقع الإلكتروني www.aljazeera.net

10) حسن شريف،فلسطين من الحروب التوسعية لتحقيق إسرائيل الكبرى حتى انتفاضة الأقصى وتوابعها 1948-2002 م الجزء الرابع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، السنة 2003، ص:1025

11) عازي فلاح، أسرلة الجغرافيا العربية الفلسطينية،شؤون فلسطينية، العدد209 سنة1990، ص:15

(12) DOMINIQUE VIDAL, lettre de jerusalem, le monde diplomatique, 6 decembre2006

13) ياسرأبوشبانة، مرجع سابق،...ص: 52

14) نعوم تشومسكي، النزعة الإنسانية العسكرية الجديدة، ترجمة حنا حداد، رجعها سماح إدريس، الطبعة الأولى،بيروت،2001،ص:231-3-232

15) برهان الدجالي، القضية الفلسطينية و الصراع العربي والإسرائيلي نظرة إستراتيجية،مركز دراسات الوحدة العربية، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، بيروت،200، ص:1446

16) كلوفيس مقصود، الوطن العربي بين قرنين دروس من القرن العشرين و أفكار للقرن21،مركز الدراسات الوحدة العربية،دار الخليج،الطبعة الأولى بيروت،2000،ص:29

(17) vers l’israélisation de la veille ville de Jérusalem ,the international soliday movement ,26/8/2005

(18) carolin paiche, israél.Palestine, Liban : le chemin le plus longs vers la paix,le monde diplomatique,8aout2006

19) محمد صادق الحسيني، دفاعا عن فلسطين...و الزمن الجديد، جريدة الشرق الأوسط السنة 8/4/2001

المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية
http://www.asharqalarabi.org.uk/images1/s-a-logo11.gif
[line]

castle 16-06-2007 10:09 PM

مالكوم إكس أو الحاج مالك شباز من الشخصيات الأمريكية المسلمة البارزة في منتصف القرن الماضي، التي أثارت حياته القصيرة جدلا لم ينته حول الدين والعنصرية، حتى أطلق عليه "أشد السود غضبا في أمريكا". كما أن حياته كانت سلسلة من التحولات؛ حيث انتقل من قاع الجريمة والانحدار إلى تطرف الأفكار العنصرية، ثم إلى الاعتدال والإسلام، وعندها كُتبت نهايته بست عشرة رصاصة.

اللون.. قبل الإنسان

ولد مالكوم في (6 ذي القعدة 1343هـ= 29 مايو 1925م)، وكان أبوه "أورلي ليتل" قسيسا أسود من أتباع "ماركوس كافي" الذي أنشأ جمعية بنيويورك ونادى بصفاء الجنس الأسود وعودته إلى أرض أجداده في أفريقيا. أما أمه فكانت من جزر الهند الغربية لكن لم تكن لها لهجة الزنوج، وكان مالكوم المولود السابع في الأسرة؛ فقد وضعته أمه وعمرها ثمانية وعشرون عاما، كانت العنصرية في ذلك الوقت في الولايات المتحدة ما زالت على أشدها، وكان الزنجي الناجح في المدينة التي يعيش فيها مالكوم هو ماسح الأحذية أو البواب!!

كان أبوه حريصا على اصطحابه معه إلى الكنيسة في مدينة "لانسينغ" حيث كانت تعيش أسرته على ما يجمعه الأب من الكنائس، وكان يحضر مع أبيه اجتماعاته السياسية في "جمعية التقدم الزنجية" التي تكثر خلالها الشعارات المعادية للبيض، وكان الأب يختم هذه الاجتماعات بقوله: إلى الأمام أيها الجنس الجبّار، بوسعك أن تحقق المعجزات. وكان أبوه يحبه للون بشرته الفاتح قليلا عنه، أما أمه فكانت تقسو عليه لذات السبب، وتقول له: "اخرج إلى الشمس ودعها تمسح عنك هذا الشحوب".

وقد التحق بالمدرسة وهو في الخامسة من عمره، وكانت تبعد عن مدينته ثمانية أميال، وكان هو وعائلته الزنوج الوحيدين بالمدينة؛ لذا كان البيض يطلقون عليه الزنجي أو الأسود، حتى ظن مالكوم أن هذه الصفات جزء من اسمه.

الحق والصراخ

وكان الفتى الصغير عندما يعود من مدرسته يصرخ مطالبا بالطعام، ويصرخ ليحصل على ما يريد، ويقول في ذلك: لقد تعلمت باكرا أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأن على المرء أن يحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد.

وعندما بلغ مالكوم سن السادسة قتلت جماعة عنصرية بيضاء أباه وهشمت رأسه؛ فكانت صدمة كبيرة للأسرة وبخاصة الأم التي أصبحت أرملة وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها وتعول ثمانية أطفال، فترك بعض الأبناء دراستهم، وعملت الأم خادمة في بعض بيوت البيض، لكنها كانت تُطرد بعد فترة قصيرة لأسباب عنصرية.

وتردت أحوال الأسرة، وكانت الأم ترفض وتأبى أن تأخذ الصدقات من مكتب المساعدة الاجتماعية؛ حتى تحافظ على الشيء الوحيد الذي يمتلكونه وهو كرامتهم، غير أن قسوة الفقر سنة 1934 جعلت مكتب المساعدة يتدخل في حياتهم، وكان الموظف الأبيض فيه يحرّض الأبناء على أمهم التي تدهورت حالتها النفسية وأصيبت بمرض عقلي سنة 1937، وأودعت في المستشفى لمدة 26 عاما.

وأصبح الأطفال السود أطفال الدولة البيضاء، وتحكّم الأبيض في الأسود بمقتضى القانون. وتردت أخلاق مالكوم، وعاش حياة التسكع والتطفل والسرقة؛ ولذلك فُصل من المدرسة وهو في سن السادسة عشرة، ثم أُلحق بسجن الأحداث.

بوادر العنصرية

كان مالكوم شابا يافعا قوي البنية، وكانت نظرات البيض المعجَبة بقوته تشعره بأنه ليس إنسانا بل حيوانا لا شعور له ولا إدراك، وكان بعض البيض يعاملونه معاملة حسنة، غير أن ذلك لم يكن كافيا للقضاء على بذور الكراهية والعنصرية في نفس الشاب الصغير؛ لذلك يقول: "إن حسن المعاملة لا تعني شيئا ما دام الرجل الأبيض لن ينظر إليّ كما ينظر لنفسه، وعندما تتوغل في أعماق نفسه تجد أنه ما زال مقتنعا بأنه أفضل مني".

وتردد مالكوم على المدرسة الثانوية وهو في سجن الإصلاح، وكانت صفة الزنجي تلاحقه كظله، وشارك في الأنشطة الثقافية والرياضية بالمدرسة، وكانت صيحات الجمهور في الملعب له: "يا زنجي يا صدئ" تلاحقه في الأنشطة المختلفة، وأظهر الشاب تفوقا في التاريخ واللغة الإنجليزية.

الأسود.. والمستقبل

وفي عام 1940م رحل إلى أقاربه في بوسطن، وتعرف هناك على مجتمعات السود، ورأى أحوالهم الجيدة نسبيا هناك، وبعد عودته لاحظ الجميع التغير الذي طرأ عليه، غير أنه احتفظ بتفوقه الدراسي، وفي نهاية المرحلة الثانوية طلب مستر "ستراوسكي" من طلابه أن يتحدثوا عن أمنياتهم في المستقبل، وتمنى مالكوم أن يصبح محاميا، غير أن ستراوسكي نصحه ألا يفكر في المحاماة لأنه زنجي وألا يحلم بالمستحيل؛ لأن المحاماة مهنة غير واقعية له، وأن عليه أن يعمل نجارا، وكانت كلمات الأستاذ ذات مرارة وقسوة على وجدان الشاب؛ لأن الأستاذ شجّع جميع الطلاب على ما تمنوه إلا صاحب اللون الأسود؛ لأنه في نظره لم يكن مؤهلا لما يريد.

وبعد انتهاء المرحلة الثانوية قصد مالكوم بوسطن وأخذته الحياة في مجرى جديد، وأصيب بنوع من الانبهار في المدينة الجميلة، وهناك انغمس في حياة اللهو والمجون، وسعى للتخلص من مظهره القوي، وتحمل آلام تغيير تسريحة شعره حتى يصبح ناعما، وأدرك أن السود لو أنفقوا من الوقت في تنمية عقولهم ما ينفقونه في تليين شعورهم لتغير حالهم إلى الأفضل.

ثم انتقل إلى نيويورك للعمل بها في السكك الحديدية، وكان عمره واحدا وعشرين عاما، وكانت نيويورك بالنسبة له جنة، وتنقل بين عدة أعمال، منها أن يعمل بائعا متجولا، وتعلم البند الأول في هذه المهنة وهو ألا يثق بأحد إلا بعد التأكد الشديد منه.

وعاش فترة الحرب العالمية الثانية، وشاهد ما ولدته الحرب من فساد خلقي واجتماعي وانغمس هو نفسه في هذا الفساد، وغاص في أنواع الجرائم المختلفة من سرقة ودعارة وفجور، وعاش خمس سنوات في ظلام دامس وغفلة شديدة، وفي أثناء تلك الفترة أُعفي من الخدمة العسكرية؛ لأنه صرح من قبيل الخديعة أنه يريد إنشاء جيش زنجي.

السجن.. وبداية الحرب

ألقت الشرطة القبض عليه وحكم عليه سنة 1946م بالسجن عشر سنوات، فدخل سجن "تشارلز تاون" العتيق، وكانت قضبان السجن ذات ألم رهيب على نفس مالكوم؛ لذا كان عنيدا يسبّ حرّاسه حتى يحبس حبسا انفراديا، وتعلم من الحبس الانفرادي أن يكون ذا إرادة قوية يستطيع من خلالها التخلي عن كثير من عاداته، وفي عام 1947م تأثر بأحد السجناء ويدعى "بيمبي" الذي كان يتكلم عن الدين والعدل فزعزع بكلامه ذلك الكفر والشك من نفس مالكوم، وكان بيمبي يقول للسجناء: إن من خارج السجن ليسوا بأفضل منهم، وإن الفارق بينهم وبين من في الخارج أنهم لم يقعوا في يد العدالة بعد، ونصحه بيمبي أن يتعلم، فتردد مالكوم على مكتبة السجن وتعلم اللاتينية.

وفي عام 1948م انتقل إلى سجن كونكورد، وكتب إليه أخوه "فيلبيرت" أنه اهتدى إلى الدين الطبيعي للرجل الأسود، ونصحه ألا يدخن وألا يأكل لحم الخنزير، وامتثل مالكوم لنصح أخيه، ثم علم أن إخوته جميعا في دترويت وشيكاغو قد اهتدوا إلى الإسلام، وأنهم يتمنون أن يسلم مثلهم، ووجد في نفسه استعدادا فطريا للإسلام، ثم انتقل مالكوم إلى سجن "ينورفولك"، وهو سجن مخفف في عقوباته، ويقع في الريف، ويحاضر فيه بعض أساتذة الجامعة من هارفارد وبوسطن، وبه مكتبة ضخمة تحوي عشرة آلاف مجلد قديم ونادر.

وفي هذا السجن زاره أخوه "ويجالند" الذي انضم إلى حركة "أمة الإسلام" بزعامة "إليجا محمد"، التي تنادي بأفكار عنصرية منها أن الإسلام دين للسود، وأن الشيطان أبيض والملاك أسود، وأن المسيحية هي دين للبيض، وأن الزنجي تعلم من المسيحية أن يكره نفسه؛ لأنه تعلم منها أن يكره كل ما هو أسود.

وأسلم مالكوم على هذه الأفكار، واتجه في سجنه إلى القراءة الشديدة والمتعمقة، وانقطعت شهيته عن الطعام والشراب، وحاول أن يصل إلى الحقيقة، وكان سبيله الأول هو الاعتراف بالذنب، ورأى أنه على قدر زلته تكون توبته.

أمة الإسلام.. والعنصرية السوداء

وراسل مالكوم "إليجا محمد" الذي كان يعتبر نفسه رسولا، وتأثر بأفكاره، وبدأ يراسل كل أصدقائه القدامى في الإجرام ليدعوهم إلى الإسلام، وفي أثناء ذلك بدأ في تثقيف نفسه فبدأ يحاكي صديقه القديم "بيمبي"، ثم حفظ المعجم فتحسنت ثقافته، وبدا السجن له كأنه واحة، أو مرحلة اعتكاف علمي، وانفتحت بصيرته على عالم جديد، فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة، وعندما تُطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء، كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح فقرأ قصة الحضارة وتاريخ العالم، وما كتبه الأسترالي مانديل في علم الوراثة، وتأثر بكلامه في أن أصل لون الإنسان كان أسود، وقرأ عن معاناة السود والعبيد والهنود من الرجل الأبيض وتجارة الرقيق، وخرج بآراء تتفق مع آراء إليجا محمد في أن البيض عاملوا غيرهم من الشعوب معاملة الشيطان.

وقرأ أيضا لمعظم فلاسفة الشرق والغرب، وأعجب بـ"سبيننوزا"؛ لأنه فيلسوف أسود، وغيّرت القراءة مجرى حياته، وكان هدفه منها أن يحيا فكريا؛ لأنه أدرك أن الأسود في أمريكا يعيش أصم أبكم أعمى، ودخل في السجن في مناظرات أكسبته خبرة في مخاطبة الجماهير والقدرة على الجدل، وبدأ يدعو غيره من السجناء السود إلى حركة "أمة الإسلام" فاشتهر أمره بين السجناء.

الخروج من السجن

خرج مالكوم من السجن سنة 1952م وهو ينوي أن يعمق معرفته بتعاليم إليجا محمد، وذهب إلى أخيه في دترويت، وهناك تعلم الفاتحة وذهب إلى المسجد، وتأثر بأخلاق المسلمين، وفي المسجد استرعت انتباهه عبارتان: الأولى تقول: "إسلام: حرية، عدالة، مساواة"، والأخرى مكتوبة على العلم الأمريكي، وهي: "عبودية: ألم، موت".

والتقى بإليجا محمد، وانضم إلى حركة أمة الإسلام، وبدأ يدعو الشباب الأسود في البارات وأماكن الفاحشة إلى هذه الحركة فتأثر به كثيرون؛ لأنه كان خطيبا مفوهًا ذا حماس شديد، فذاع صيته حتى أصبح في فترة وجيزة إماما ثابتا في مسجد دترويت، وأصبح صوته مبحوحا من كثرة خطبه في المسجد والدعوة إلى "أمة الإسلام"، وكان في دعوته يميل إلى الصراع والتحدي؛ لأن ذلك ينسجم مع طبعه.

وعمل في شركة "فورد" للسيارات فترة ثم تركها، وأصبح رجل دين، وامتاز بأنه يخاطب الناس باللغة التي يفهمونها؛ فاهتدى على يديه كثير من السود، وزار عددا من المدن الكبرى، وكان همه الأول هو "أمة الإسلام"؛ فكان لا يقوم بعمل حتى يقدر عواقبه على هذه الحركة.

وقد تزوج في عام 1958م ورُزق بثلاث بنات، سمّى الأولى عتيلة، على اسم القائد الذي نهب روما.

وفي نهاية عام 1959م بدأ ظهور مالكوم في وسائل الإعلام الأمريكية كمتحدث باسم حركة أمة الإسلام، فظهر في برنامج بعنوان: "الكراهية التي ولدتها الكراهية"، وأصبح نجما إعلاميا انهالت عليه المكالمات التليفونية، وكتبت عنه الصحافة، وشارك في كثير من المناظرات التلفزيونية والإذاعية والصحفية؛ فبدأت السلطات الأمنية تراقبه، خاصة بعد عام 1961. وبدأت في تلك الفترة موجة تعلم اللغة العربية بين أمة الإسلام؛ لأنها اللغة الأصلية للرجل الأسود.

كانت دعوة مالكوم في تلك الفترة تنادي بأن للإنسان الأسود حقوقا إنسانية قبل حقوقه المدنية، وأن الأسود يريد أن يكرم كبني آدم، وألا يعزل في أحياء حقيرة كالحيوانات وألا يعيش متخفيا بين الناس.

يتبع >
[line]

castle 16-06-2007 10:19 PM

الحج والتغير

أدرك مالكوم أن الإسلام هو الذي أعطاه الأجنحة التي يحلق بها، فقرر أن يطير لأداء فريضة الحج في عام 1964م، وزار العالم الإسلامي ورأى أن الطائرة التي أقلعت به من القاهرة للحج بها ألوان مختلفة من الحجيج، وأن الإسلام ليس دين الرجل الأسود فقط، بل هو دين الإنسان. وتعلم الصلاة، وتعجب من نفسه كيف يكون زعيما ورجل دين مسلم في حركة أمة الإسلام ولا يعرف كيف يصلي!!.

والتقى بعدد من الشخصيات الإسلامية البارزة، منها الدكتور عبد الرحمن عزام صهر الملك فيصل ومستشاره، وهزه كرم الرجل معه وحفاوته به.

وتأثر مالكوم بمشهد الكعبة المشرفة وأصوات التلبية، وبساطة وإخاء المسلمين، يقول في ذلك: "في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، إن أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها"، وقضى 12 يوما جالسا مع المسلمين في الحج، ورأى بعضهم شديدي البياض زرق العيون، لكنهم مسلمون، ورأى أن الناس متساوون أمام الله بعيدا عن سرطان العنصرية.

وغيّر مالكوم اسمه إلى الحاج مالك شباز، والتقى بالمغفور له الملك فيصل الذي قال له: "إن ما يتبعه المسلمون السود في أمريكا ليس هو الإسلام الصحيح"، وغادر مالكوم جدة في إبريل 1964م، وزار عددا من الدول العربية والإفريقية، ورأى في أسبوعين ما لم يره في 39 عاما، وخرج بمعادلة صحيحة هي: "إدانة كل البيض= إدانة كل السود".

وصاغ بعد عودته أفكارا جديدة تدعو إلى الإسلام الصحيح، الإسلام اللاعنصري، وأخذ يدعو إليه، ونادى بأخوة بني الإنسان بغض النظر عن اللون، ودعا إلى التعايش بين البيض والسود، وأسس منظمة الاتحاد الأفريقي الأمريكي، وهي أفكار تتعارض مع أفكار أمة الإسلام؛ لذلك هاجموه وحاربوه، وأحجمت الصحف الأمريكية عن نشر أي شيء عن هذا الاتجاه الجديد، واتهموه بتحريض السود على العصيان، فقال: "عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها، وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئا لتحقيقه".

وفي إحدى محاضراته يوم الأحد (18 شوال 1384هـ= 21 فبراير 1965م) صعد مالكوم ليلقي محاضرته، ونشبت مشاجرة في الصف التاسع بين اثنين من الحضور، فالتفت الناس إليهم، وفي ذات الوقت أطلق ثلاثة أشخاص من الصف الأول 16 رصاصة على صدر هذا الرجل، فتدفق منه الدم بغزارة، وخرجت الروح من سجن الجسد.

وقامت شرطة نيويورك بالقبض على مرتكبي الجريمة، واعترفوا بأنهم من حركة أمة الإسلام، ومن المفارقات أنه بعد شهر واحد من اغتيال مالكوم إكس، أقر الرئيس الأمريكي جونسون مرسوما قانونيا ينص على حقوق التصويت للسود، وأنهى الاستخدام الرسمي لكلمة "نجرو"، التي كانت تطلق على الزنوج في أمريكا.

إما ورقة الاقتراع و إما رصاصة
كليفلاند _ 3 نيسان / ابريل 1964


إن السؤال المطروح اليوم ، وكما أفهمه ، هو "ثورة الزنوج إلي أين نذهب من هنا "؟
أو "ماذا بعد ؟"
وبطريقتي التواضعة في فهم هذا السؤال فإن الأمر يدفعنا إما الاقتراع وأما الي الرصاصة .
كلنا عانينا في البلد القمع السياسي علي يد الرجل الأبيض ،والاستغلال الاقتصادي علي يد الرجل الأبيض و التفسخ الاجتماعي علي يد الرجل الأبيض .
إذ أتحدث علي هذا النحو فأنني لا أعني أننا ضد البيض،بل يعني أننا الإستغلال و ضد التفسخ الاجتماعي و ضد القمع .
وإذا أردنا الرجل الأبيض ألا نكون ضده ،فعليه التوقف عن قمعنا و استغلالنا وسواء أمسيحيين كنا أم مسلمين أم قوميين أم لاأدريين أم ملحدين ،فإن علينا أولاً أن نتعلم أن ننسي خلافاتنا .
ولئن كنا فلنختلف في السر وحين نظهر علي الملإ فيجب الأيكون لدينا ما نختلف حوله علي الإطلاق إلي أن ننهي خلافنا مع الرجل الأبيض .وإذا كان في إستطتعة الرئيس الراحل كينيدي أن يلقي بخروتشيف و يتبادلان القمح فإن بيننا التأكد ما هو أعظم مما كان بينهما .
الجمهوريون و الديموقرطيون
أنا لست سياسياً ولا مجرد تلميذ في السياسة
أنا لست من أنصار الحزب الديموقراطي ،ولا من أنصار الحزب الجمهوري ، بل أنني لا أعتبر نفسي أميركياً .
فلو كنا أنا وأنتم أميركيين لما كانت ثمة اية مشكلة .
أولئك المتحدرون من أوربا الوسطي أو الشرقية الذين نزلوا لتوهم من السفينة ] زمن الهجرة إلي العالم الجديد [ أميركيون والمتحدرون من بولندا أميركيون .
و المهاجرون الإيطاليون أميركيون .كل شئ يأتي من أوربا .
كل شئ أزرق العينين ،يغدو أميركياً .
وعلي الرغم من وجودنا العريق أنا و أنتم في هذه البلاد فأننا ما زلنا غير أميركيين بعد! حسناً .
أنا لا أؤمن بخداع النفس .
لن أجلس أمام المائدة وأراقبك تأكل دون أن يكون ثمة شئ في صحني .
ثم أدعي أنني متغد أو متعش !

لا أنا لست أمركياً .بل أنا واحد من 22 مليون أسود يشكلون ضحايا الأمركه .
واحد من 22 مليون أسود من ضحايا الديمقراطية التي لا تعدو أن تكون نفقاً مقنعاً .
ولهذا لا أقف أمامكم هنا لأتحدث إليكم بوصفي أميركياً أو وطنياً أو محيياً للعلم أو شوفينياً مغاليا في حب الوطن .
لا، هذا ما لا يمكن أن أفعله .
وإنما أتحدث إليكم كضحية من ضحايا هذا النظام الأميركي .وأنني لأري أميركا بعيني الضحية .
انا لا أري أي حلم أميركي *،بل الحق أنني اري كابوساً أميريكيا !ً
ها هم أولئك الضحايا ال22 مليون يستيقظون ،وها هي عيونهم تتفتح فيرون ما كانوا في السباق ينظرون اليه فحسب، وها هم ينضجون سياسياً وهم يتبيتون أن هناك اتجاهات سياسة جديدة من المحيط الباسيفيكي إلي المحيط الأطلنطى .
وهم يرون أنه كلما جرت إنتخابات تقاربت أصوات المتنافسين بحيث دعت الحاجة إلي إعادة عد الأصوات

وهذا ما حدث (في إنتخابات الحاكمين ) في مناطق كثيرة (من أميركا ).
وحدث الشئ ذاته مع كينيدي و نيكسون عندما ترشحا لمنصب الرئيس ..
فماذا يعني هذا ؟
يعني أنه حين يكون البيض مقسومين إلي قسمين متساويين ، وتكون لدي السود كتلة كبيرة من الأصوات الخاصة بهم ،فإن السود هم الذين يقررون من سيجلس في البيت الأبيض و من سيجلس في بيت الكلب

في الإدارة الحالية هناك 275 ممثلاً عن الديمقراطيين في مجلس النواب و 177 ممثلاً فقط عن الجمهوريين وعليه نفالديموقراطيون يسيطرون علي ثلثي أصوات المجلس فلماذا لا يستطيعون تمرير قانون لمساعدتنا ؟
وفي مجلس الشيوخ هناك 67 سيناتوراً من الحزب الديموقراطي و 33 فقط من الحزب الجمهوري.
إن الديموقراطيين يستأثرون بالحكم ،وأنتم من قد لهم ذلك ،فماذا أعطوكم في المقابل ؟
لقد أمضوا أربع سنوات في الحكم ، وها هم الآن يلتفون لكي يقدموا بضعة تشريعات للحريات المدنية
إن ما أحاول أن أطبعه في أذهانكم أساساً هو التالي :
أنا و أنتم في اميركا لا نواجه مؤامرة فصل عنصري، بل مؤامرة حكومية .
وكل الذين يعملون علي تعطيل قوانين إنهاء الفصل العنصري هم من مجلس الشيوخ و الكونغرس - اي من الحكومة ..

الحقوق المدنية و حقوق الإنسان

إلام يؤدي هذا؟
أولاً نريد كسب أصدقاء إلي جانبنا ،نريد حلفاء جدداً .
إن كفاح حركة الحقوق المدنية بكامله يحتاج إلي تاويل جديد، تأويل أوسع .
نحن نحتاج إلي أن ننظر إلي الحقوق المدنية من زاوية اخرى -من الداخل كما من الخارج أيضاُ .
وبالنسبة إلي من ينتمون منا إلي فلسفة القوميين السود فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها الانخراط بالكفاح من أجل الحقوق المدنية هي إعطاؤه تأويلاً جديداً؛ فالتأويل القديم يستثنينا و يبقينا خارجاً
نحن بحاجة إلي أن نوسع الكفاح من اجل الحقوق المدنية و نرفعه إلي مستوي اعلي -إلي مستوي حقوق الإنسان فعندما تكافحون من أجل الحقوق المدنية وحدها تحصرون أنفسكم في ضوابط الرجل الأبيض ،وضمن الولاية القضائية للعم سام ، فلا يستطيع أحد من العالم الخارجي التحدث بشأنكم ما دام كفاحكم في مستوي الحقوق المدنية لأن الحقوق المدينة تنضوي تحت الشؤون الداخلية لهذا البلد ،ولا يستطيع كل إخواتنا في افريقيا و إخواتنا في روسيا و في أميركا اللاتينية فتح أفواههم و التدخل في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة .
لكن في الأمم المتحدة ما يسمي "العهد الدولي لحقوق الإنسان "،و لديها لجنة مختصة بحقوق الإنسان .ولعلكم تتساءلون لم عرضت كل الفظاعات التي ارتكبت في افريقيا وفي هنغاريا و في روسيا و في أميركا اللاتينية علي الأمم المتحدة ،في حين لم تعرض عليها مشكلة الزنوج علي الإطلاق؟.
إن هذا لهو جزء من المؤامرة ؛ذلك أن أولئك التحرريين البيض المخادعين من ذوي العيون الزرق الذين يفترض أن يكونوا اصدقاءكم لم يخبرونا قط بأي شئ يتعلق بحقوق الإنسان .
بل أبقوكم مقيدين بالحقوق المدنية..
عندما توسعون الكفاح من أجل الحقوق المدنية إلي مستوي الكفاح من أجل حقوق الإنسان ،يمكنكم حينذاك أن تأخذوا قضية السود في هذا البلد وأن تعرضوا علي الأمم المتحدة ،ويمكنكم أن تأخذوها أمام الهيئة العامة ،ويمكنكم أن تجروا العم سام إلي المحكمة الدولية .

الإسلام و الدنيا

أرغب في أن أذكر في النهاية بضعة اشياء تتعلق "بمنظمة المسجد الإسلامي " التي أسسناها مؤخراً في مدينة نيويورك .صحيح أننا مسلمون وأن ديننا هو ألإسلام ولكننا لا نخلط أمورنا الدينية بسياستنا وأمورنا الإقتصادية و نشاطاتنا الإجتماعية و المدنية لن نفعل ذلك كما نفعل سبقاً بل سنبقي أمورنا الدينية في مسجدنا،وننخرط بعد انتهاء الشعائر الدينية كمسلمين في النشاط السياسي و في النشاطات الإقتصادية و الإجتماعية و المدنية ،وسنشترك في النشاط مع أى كان وفي اى مكان أو وقت كان وبأى وسيلة هدفها القضاء علي الشرور السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية التي تبتلي الناس في منجتمعاتنا .

القومية السوداء

إن الفلسفة السياسية لقومية السود تعني أن علي السود أن يسيطروا علي السياسة و السياسيين في منجمعاتهم و الفلسفة الإقتصادية لقومية السود هي فلسفة نقية و بسيطة ،فهي تعني فقط أن علي السود أن يسيطروا علي اقتصاديات منجمعاتهم [...]
ونحن لا نستهدف في دعوتنا إلي قومية السود أن نجعل السود يعيدون تقييم البيض- فأنتم تعرفونهم من قبل - بل نهدف إلي جعل الرجال السود يعيدون تقييم انفسهم .
لا تحاولوا تغيير افكار الرجل الأبيض ،فليس بإمكانكم ذلك ،وانفضوا عنكم كل الكلام عن استشاد الضمير الأخلاقي لأميركا لأن ضمير اميركا قد أفلس.
لقد خسرت أميركا ضميرها منذ زمن بعيد؛ إن العم سام لا يملك ضميراً ،وهم لا يعرفون الأخلاق . إنهم لا يحاولون القضاء علي الشرور لأنها شرور أو لأنها غير قانونية أو لأنها غير أخلاقية ، وأنما يقضون علي الشرور حين تهدد وجودهم فقط .

السلاح

أخيراً لا أخراً ، علي أن أقول شيئاً بخصوص الخلاف القائم علي امتلاك المسدسات و البنادق، و الشئ الوحيد الذي قلته في السابق هو أنه عندما تكون الحكومة عاجزة عن الدفاع عن حياة الزنوج وأملاكهم أو غير راغبة في ذلك،فسوف يكون علي الزنوج أن يدافعا عن أنفسهم .
إن البند الثاني في "التعديل الدستوري " يؤمن لي و لكم الحق في امتلاك بندقية أو مسدس .
وهذا لا يعني اننا سنقوم بالحصول علي الأسلحة و تشكيل كتائب لمطاردة البيض ، رغم أن ذلك مبرر في حالتنا و لكن ذلك سيكون غير قاوني ، ونحن لا نفعل شيئاً غير قانوني.
وإذا كان الرجل الأبيض لا يرغب في أن يشتري الرجل الأسود بنادق و مسدسات ، فعلي الحكومة أن تقوم بواجبها .

رسالة من جدة

في 13 نيسان /إبريل 1964 غادر مالكوم أكس الولايات المتحدة في رحلة طويلة زار فيها مصر و لبنان و السعودية و نيجريا و غانا و المغرب و الجزائر .
وفي أثناء هذه الرحلة قام بأداء فريضة الحج .
وقد شكلت هذه الرحلة علامة فارقة في تطوير أفكاره ، وكثيراً ما كان يتحدث عنها وعما تعلمه منها .
وفيما يلي مقتطفات من الرسالة كان قد ارسلها إلي زوجته من جدة
جدة 20 نيسان / ابريل 1964

لم اشهد في حياتي ضيافة كريمة وروحاً غامرة بالأخوة الحقة كاللتين شهدتهما من أناس من شتي اللوان والأعراق في هذه الأرض العريقة المقدسة ، وطن إبراهيم و محمد وكل أنبياء الكتب المقدسة الآخرين .
فقدكنت خلال الاسبوع الماضي مفتوناً وعاجزاً عن التعبير عما رايته من كرم يعرضه الناس من حولي علي إختلاف ألوانهم (التشيد من مالكوم ) .

كان هناك عشرات الآلاف من الحجاج من جميع أنحاء العالم ،وكانوا من شتي الألوام :
من الشقر ذوي العيون الزرق ، إلي الأفارقة السود البشرة .
ولكنهم كانوا جميعاً يمارسون الطقوس الروحية ذاتها ، وكانوا يكشفون عن روح من الوحدة و الأخوة التي قادتني خبرتي في أميركا إلي الإعتقاد باستحالة وجودها بين البيض وغير البيض .
إن أميركا لفي حاجة إلي فهم الإسلام ، لأن هذا هو الدين الوحيد الذي يمحو مشكلة العرق من مجتمعها .
أثناء رحلاتي في العالم الإسلامي التقيت وتحدثت ، بل واكلت مع أناس كانوا سيعتبرون "بيضاً" في أميركا .
ولكن دين الإسلام في قلوبهم أزال "البياض " من عقولهم ، فراحوا يمارسون أخوة حقيقية و صادقة مع الناس الآخرين ايا يكن لونهم
أن الإسلام الحقيقي يزيل العنصرية ،لأن الناس ( من شتي الألوان و الأعراق ) الذين قبلوا مبادئه الدينية ويعبدون إلها واحد هو الله عز وجل يقبلون أيضاً وتلقائياً واحدهم الآخر بوصفهم إخوة و أخوات بغض النظر عن اختلافهم في المظهر .
قد تصعقين حين تسمعين كلامي هذا ،ولكنني كنت علي الدوام رجلاً يحاول مواجهة الحقائق ،وتقبل واقع الحياة كما تكشف عنه المعارف و الخبرات الجديدة .
ولقد علمتني تجربة الحج هذه الشئ الكثير، وكل ساعة أقضيها في الأرض المقدسة تفتح عيني أكثر فأكثر .
وإذا تمكن الإسلام من غرس روح الأخوة الحقة في قلوب " البيض" الذين قابلتهم هنا في أرض الأنبياء ، فمن المؤكد أن باستطاعته أن يمحو سرطان العنصرية من قلوب الأميركيين البيض

خطابه في قاعة الأودوبون
نيوريورك 20 كانون الأول / ديسمبر 1964


عندما تنظرون إلي تاريخنا النضالي ، وأعتقد انكم ستتفقون معي علي أننا جربنا أنماطا مختلفة من النضال ،وإن كل الطرق التي جربناها لم تأتينا بما كنا نناضل من أجله ،فلو كان أي منها منتجاً لكنا تابعناه .
ولربما جربنا طرقاً مختلفة أكثر مما جرب أي شعب أخر ولككني أعتقد في الوقت ذاته، أننا جربنا طرقاً مختلفة خاطئة أكثر مما جرب أي شعب أخر، لأن أكثر الشعوب الأخري حققت قدر أكبر من الحرية التي نملكها .
فأني تولوا أبصاركم تروا شعوباً تحقق حريتها منا ، وتحظي باحترام وأعتراف أسرع منا .
لقد حصلنا نحن علي وعود و لكننا نحصل قط علي أي شئ حقيقي ،وذلك مردة أساسا إلي أنه مازال علينا أن نتعلم الأخطوطة (التكتيك) أو الاستخطاطية (الأستراتيجية) أو الأسلوب المناسب لتحقيق الحرية علي أرض الواقع .
وأعتقد أن أحد الأسباب التي أدت بشعبنا في هذا البلد الي تجريب كل هذا العدد الكبير من الطرق هو أن الظروف قد تغيرت بتواتر سريع ؛ فما كان نافعاً قبل عشر سنوات لم يكن نافعاً قبل سبع سنوات أو خمس سنوات أو ثلاث سنوات .

الناس و البرنامج
سألني عدة أشخاص منذ فترة وجيزة، وبعد عودتي (من أفريقيا) :
"ما هو برنامجك"؟
وأنا الي هذا اليوم لم أذكر وعن قصد، ما هو برنامجنا ، لأنه سيأتي الوقت الذي سنكشف فيه عنه بحيث يفهمه كل شخص .إن السياسات تتغير ، و البرامج تتغير ، وفقاً لظروف الزمن ،ولكن الأهداف لا تتغير أبداً.
إن أهدافنا هي التحرر الكامل و العدالة الكاملة و المساواة الكاملة ، وسنحقق ذلك بكل الوسائل الضرورية؛ وهذا لا يتغير أبداً
أنا لا يهمني انتمائكم ؛ فمازلتم تريدون الإعتراف و الاحترام بوصفنا آدميين ،ولكنكم غيرتم وسائل تحقق ذلك من وقت إلي آخر ، والسبب هو الزمن و الظروف التي تطرأ .
وأحد تلك الظروف التي طرأت علي هذه الأرض الآن ، ولا نعلم عنه إلا القليل ، هو علاقتنا بالكفاح التحريري للشعوب في كل العالم .
أنا شخصياً أعتقد انك إذا فهمت الناس ما يواجههم إفهاماً تاماً و ألأسباب الأساسية التي أدت إليه ، وضعوا بأنفسهم برنامجاً خاصاً بهم. وعندما يضع الناس برنامجاً ينشأ التحرك .
إما عندما يضع "القادة" برنامجاً فإنك لن تجد أي تحرك ، و الوقت الوحيد الذي تراهم فيه هو الوقت الذي ينفجر فيه الناس،فإذاك يقتحم القادة و يوجهون للسيطرة علي الأمور !
أنتم لا تستطعون أن تذكروا لي قائداً واحداً تسبب بانفجار شعبي.
لا ، أن القادة يأتون لاحتواء الانفجار! وتجدهم يقولون :"
لاتأخذو ]الأمور[ بالخشونة، عليكم التصرف بذكاء" وهذا هو دورهم - أنهم موجودون كي يكبحوكم و يكبحوني ، الكفاح ويبقوه في مسار محدد فلا يخرج عن السيطرة ..
في حين أننا لا نريد لأي كان أن يمنعنا من الخروج عن السيطرة .
فنحن نريد أن نخرج عن السيطرة، ونحن نريد نحطم أي شئ يقف في طريقنا حين لا يكون منتمياً إلي أهدافنا و كفاحنا .
أفريقيا
إذن أيها الإخوة و الأخوات ، الأمر الذي عليكم وعلي أن أفهمه هو الدور الذي يؤدي في القضايا الدولية اليوم بواسطة قارة أقريقيا أولاً؛ بواسطة شعوب تلك القارة ثانياً؛ و بواسطتنا نحن ثالثاً ]وأقصد[ نحن الذين لنا صلة بشعوب تلك القارة و لكننا - وبسبب التواء في تاريخنا - نجد أنفسنا هنا اليوم في النصف الغربي من الكرة الأرضية
.

أن أفريقيا تقع جغرافياً وأستخطاطياً بين الشرق و الغرب وهي أنفس قطعة ملك من بين القطع الواقعة ضمن الصراع بين الشرق و الغرب .
فلا يمكنك الوصول إلي الشرق دون أن تمر بها ، ولا يمكنك أن تأتي من الشرق إلي الغرب دون أن تمر بها ، وهي قابعة هناك بين الأطراف كلهم ، وتستكين في عش بين أسيا و أوروبا، وبإمكانها الوصول إلي أي منهما، كما أنه ليس بلإمكان نقل أي من المصادر الطبيعية التي تحتاجها أوروبا و التي تحصل عليها من آسيا دون المرور عبر أفريقيا أو حول أفريقيا أو عبر قناة السويس التي تقع في رأس افريقيا .
إن بإمكان افريقيا قطع الخبز عن أوربا ، وبإمكانها أن تسلم أوروبا إلي النوم بين ليلة وضحاها لأنها في موقع يؤهلها لأن تفعل ذلك ،ولكنهم يريدون لي و لك أن نعقد أن افريقيا غابة لا قيمة لها ولا أثر، لأنهم يعلمون أنك إن علمت مدي قيمتها فستعلم لماذا يقتلون شعباً هناك .

وهناك سبب آخر لأهمية القارة وهو الذهب الموجود فيها، إذ إن فيها واحداً من أكبر مقادير رواسب الذهب في العالم .
وفيها الماس أيضاً ؛ وأنا أقصد الماس الذي تتقلدونه في أصابعكم و أذانكم فقط بل الماس الصناعي ،الماس الذي يحتاجونه لصناعة الآلات ..،
وبدون الماس تتوقف صناعهم
ليس فقط الماس ، بل الكوبلت أيضاً .
و الكوبلت هو أحد أهم المعادن النفيسة علي الأرض اليوم ، وأعتقد أن أفريقيا هي من الأماكن القليلة في العالم التي يوجد فيها ,أنهم يستعملونه لمعالجة السرطان بالإضافة إلي أنهم يستعملون في مجال الطاقة النووية التي سمعتم الكثير عنها
و من الناحية السياسية ،فإن لأفريقيا قارة ، وللشعوب الأفريقية سكاناً ، أكبر تمثيل قاري في الأمم المتحدة. والأفارقة ، سياسياً أيضاً هم في أفضل موضع استخطاطي و في أقوي وضع كلما أنعقد مؤتمر علي المستوي الدولي
إن القوة الوحيدة التي بإمكانها مساعدتكم و مساعدتي هي القوة الدولية لا القوة المحلية
فلماذا علينا أن نبقي فاقدين لعقولنا ولا نتماهي مع تلك الكتلة القوية ؟

يتبع >
[line]

castle 16-06-2007 10:30 PM

حوارات و مواقف قبل 3 شهور من اغتياله
عن العنصرية ودولة السود


*ما هو الفرق بين عنصرية البيض و عنصرية السود؟
- عادة ينتج العنصري الأسود من قبل العنصري الأبيض.
وفي معظم الحالات نجد أن عنصرية السود ،حين نتفحصها عن قرب ، إنما هي رد فعل علي عنصرية البيض.
وأعتقد أن السود قد أظهروا نزاعات عنصرية أقل من أي شعب آخر منذ فجر التاريخ .
إذا استجبنا لعنصرية البيض برد فعل عنيف ، فإن ذلك في نظري لن يكون عنصرية من قبل السود .
فلو أتيت لتضع حبلاً حول عنقي و شنقتك بسبب ذلك ، فإن ذلك بالنسبة إلي ليس عنصرية و إنما فعلك أنت هو العنصرية إن رد فعلي ما هو إلا رد فعل إنسان يقوم بالدفاع عن نفسه و حماية نفسه .
وهذا ما لم يفعله شعبنا بعد وهناك قسم من شعبنا _من حملة الشهادات الأكاديمية العالمية علي الأقل - لا يريدون أن يفعلوا ذلك - ولكن أكثرنا ليسوا من ذلك المستوي !
*ما هو في إعتقادك سبب التحيز العرقي في الولايات المتحدة ؟
- الجشع و الجهل ، بالإضافة إلي برنامج من التجهيل مصمم بمهارة ويترافق مع نظام الإستغلال و القمع الأميريكي أن سكان أميركا لو علموا جميعهم بالطريقة الصحيحة فسيصبح كثير من البيض أقل عنصرية في مشاعرهم. و عندما أقول :
" تعليمهم بالطريقة الصحيحة" فإنما أعني إعطاءهم الصورة الحقيقية عن تاريخ السود وعن إسهامات السود في الحضارة .
وعندما سيكون البيض أكثر احتراماً للسود كبشر
وسيبطل شعورهم بالتفوق - جزئياً علي الأقل .
كما أن مشاعر الدونية لدي السود تستبدل بمعرفة متزنة بأنفسهم، وسوف يشعرون بإنسانيتهم أكثر و يتصرفون كبشر في مجتمع من البشر و عليه ، فإن القضاء علي العنصرية يتطلب التعليم (المناسب ) ,اما وجود الجامعات و المعاهد فهذا لا يعني وجود تعليم (او تربية ) ؛ ذلك لأن الجامعات و المعاهد في نظام التعليم الأميركي تستخدم بمهارة من أجل التجهيل .
* هل ثورة الزنوج ثورة عرقية؟
- نحن نعيش في حقبة ثورية ، وما ثورة الزنوج الأميركيين إلا جزء من الثورة ضد الاستعمار التي ميزت هذه الحقبة ...
من الخطإ تصنيف ثورة الزنوج ببساطة علي أنها نزاع عرقي بين السود و البيض ، أو بوصفها مشكلة أميركية خالصة . فنحن نري اليوم ثورة كونية للمضطهدين ضد المضطهدين ، و المستغلين ضد المستغلين . إن ثورة الزنوج ليست ثورة عرقية بل نحن نرغب في ممارسة الإخاء مع أي شخص يرغب في العيش بناء عليه .
ولكن الرجل الأبيض ما أنفك يبشر بمذهب فارغ من الإخاء لا يعدو أن يكون تقبل الزنوج السلبي لمصيره ...
* قبل أن تترك إلايجة محمد و تذهب إلي مكة فتي عالم الإسلام الأصيل، كنت تؤمن بالانفصال الكامل بين البيض و الزنوج؛ كنت معارضاً للآندماج العرقي و الزواج المختلط فهل غيرت معتقداتك تلك؟
- أنا أؤمن بأن علي كل كائن بشري ان يقدر بوصفه كائناً بشرياً _ لا يصفه أبيض أو أسود أو أسمر أو أحمر و عندما تتعامل البشرية و كأنها عائلة واحدة فلن يكون الاندماج العرقي أو الزواج المختلط هو الموضوع بل يكون الأمر أمرا زواج كائن بشري بكائن بشري آخر ، أو كائن بشري يعيش مع كائن بشري آخر .
مع هذا يمكنني القول إنني لا اعتقد أن وزر هذا الأمر يوضع علي السود

- لأن الرجل الأبيض جمعيا هو أول من أظهر عدائيته للآندماج و الزواج المختلط و للخطوات الأخري في طريق التوح. لهذا فأنا كرجل أسود ، وبالأخص كأميركي اسود ، لا أري أن علي أن أدافع عن أي موقف اتخذته في السباق ، لأنه يظل رد فعل علي المجتمع الذي أنتج هذا الأمر .
* ولكنك لم تعد تؤمن بإقامة دولة للسود
في أميركا الشمالية؟
- لا أنا أدعو إلي إقامة مجتمع يمكن أن يعيش الناس فيه كبشر وعلي أساس المساوة .
* لقد كان هناك كلام ، وأعتقد أنك أنت الذي قلته ، أو قاله إلايجة محمد ن عن معركة فاصلة ستجري في الولايات المتحدة بحلول العام 1984 .
,انا أتساءل إذا كنت ما تزال تؤمن به ؟
ولماذا ذلك الموعد بالتحديد ؟
أعتقد أن الكثير مما علمه إلايجة محمد لا يؤمن به نفسه ، وأنا أقول ذلك و أستطيع أن أدافع عما أقوله بسهولة إذا ما جلست قبالته و لكني أعتقد ، فيما يتعلق بصراع فاصل بين الشرق و الغرب ، أن تحليلاً موضوعياً التي تجري حاليا سيشير إلي نشوء نوع من الصراع النهائي الفاصل ؛ وهو صراع بإمكانك أن تدعوه صراعاً سيلسياً أو حتي صراعاً بين الأنظمة الإقتصادية الموجودة علي هذا الكوكب التي تعتمد علي محاور عرقية تقريبا .
أنا أؤمن فعلاً بأنه سيكون هناك صراع بين الشرق و الغرب .
,انا أعتقد بأنه سيحدث في النهاية صدام بين المقموعين و أولئك الذين يريدون الحرية و العدالة و المساواة للجميع وأولئك الذين يريدون لأنظمة الإستغلال أن تستمر. أعتقد أنه سيحدث يوماً صدام من هذا النوع ، ولكنني لا أعتقد أنه سيكون مرتكزاً إلي لون البشرة كما علم إلايجة محمد .
عن تنظيم الناس
* هل تخطط لاستخدام الكراهية أداة لتنظيم الناس؟
- أنا لا أسمح لك بأن تدعو ذلك " كراهية " فلنقل أنني سوف أخلق وعياً لدي الناس بما صنع بهم .
وهذا الوعي سينتج غضباً عارماً ، بشكله السلبي و الإيجابي، ويمكن توجيه هذا الغضب بشكل بناء
لقد كان الخطأ الأكبر لدي الحركة أنها كانت تحاول تنظيم أناس نيام لتحقيق أهاف محددة .
ولكن عليك أن توقظ الناس أولاً ، ومن ثم تحصل علي الفعل .
* توقظهم علي حقيقة استغلالهم؟
- لا ، نوقظهم علي إنسانيتهم ، وعلي قيمتهم الذاتية و تراثهم .
إن الفرق الأكبر ما بين الاضطهادين المتوازيين لليهود و الزنوج هو أن اليهود لم يفقد مطلقاً إعتزازه بكونه يهودياً ، و لم يتوقف أبداً عن أن يكون ]رجلاً [ ، و كان يعرف أنه قدم مساهمة نفسية إلي العالم ، وقد أعطاه إحساسه بقيمته شجاعة مكنته من يرد العدوان و مكنه من أن يتصرف و يفكر باستقلالية؛ وهذا علي النقيض من شعبنا و قادتنا .
*هل تؤمن بالعمل السياسي ؟ إذا رشحتك الجماعات اليسارية لمنصب عمدة المدينة فهل ستقبل ؟
ننعم وأنا أؤمن بالعمل و حسب نقطة علي السطر وأي نوع من العمل سيكون ضرورياً .
وعندما تسمعني أقول " بكل الوسائل الضرورية " فأنا أعني ذلك تماما .
أنا بأي نوع من العمل من أجل تصحيح الأوضاع الظالمة - سواء أكان عملاً سياسياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً أم جسدياً ..
أنا أؤمن بكل ذلك ما دام موجهاً بذكاء و مصمما للحصول علي نتائج .
ولكنني لا أؤمن بالأنخراط في أي نوع من العمل السياسي أوغيره دون التوقف لتحليل احتمالات النجاح أو إخفاق .
وأعتقد أيضاً أن علي الجماعات ألا تشير إلي نفسها بتصفيات من قبيل "يساريين" أو "يمينيين" أو "وسطيين" بل أنا أعتقد أن عليهم أن يكونون ، وألا يدعوا الناس يضعون لهم ألقاباً و تصنيفات ...
إذ إن التصفيات قد تدمرك أحياناً.
" لقد اعربت عن رغبتك في ترشيح مرشحين من الثوريين السود لمناصب حكومية عامة ، " فهل سترشح نفسك ايضاً ؟
لا أعرف ذلك حالياً .
ولكنني اعتقد أنني سأكون أكثر فاعلية في مهاجمة مؤسسة الحكم ؛ فالمرء لا يستطيع فعل ذلك عندما يصبح في داخل المؤسسة؟
" هل تعتقد أن هناك حاجة إلي أحزاب مقتصرة علي السود حزب "الحرية" الآن الموجودة في ميشيغان؟
- نعم ففي بعض الحالات علينا أن نبتكر آليات جديدة للعمل ، وفي حالات أخري من الأحسن أن نسيطر علي آليات موجودة فعلاً.
وفي كلتا الحالتين سنكون منخرطين في كل مستويات العمل السياسي بدءاً من العام 1965 ربط المشكلات
" في النقاش الأخيرة الذي جري في الأمم المتحدة حول الكونغو قام من ممثل الأمم الأفريقية بشجب تدخل الولايات المتحدة في الكونغو وربطوا بين دورها هناك و بين معاملتها للسود في المسيسيبي. " ثم أحد معلقي الصحف إنك أنت مسؤول جزيئا علي الأقل عن اتخاذ الوفود الأفريقية لهذا الموقف .
- أنا لم أدع أبداً المسؤولية - أو قل الفضل - عن الموقف الذي لأتخذ من قبل الأمم الإفريقية .
- فالأمم الأفريقية ممثلة اليوم برجال دولة أذكياء، وكان الأمر لا يعد مسألة وقت قبل أن يجدوا أن عليهم التدخل بالنيابة عن 22 مليون أميركي أسود هم إخوات وأخوات .
- إن ذلك ليعطي مثالاً جيداً علي السبب الذي يدفعنا إلي تداويل قضيتنا .
- وها هي الأمم الأفريقية تحتج الآن و تربط قضية العنصرية في الميسيسيبي بقضية العنصرية في الكونغو ، بقضية العنصرية في فيتنام الجنوبية .إنها جميعاً (قضايا ) نابعة من العنصرية ، وكل ذلك هو جزء من النظام العنصري الشرس الذي استخدمته القوة الغربية للاستمرار في استغلال الشعوب في أفريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية..
عن التعاون مع المجموعات الأخري
" لقد قلت أن موقفك قد تغير بخصوص الكثير من القضايا في السنة الأخيرة " فماذا عن موقفك بصدد منظمات الحقوق المدنية القائمة ؟ - أنا ادعم أي اتجاه يؤدي الي احراز نتائج ولا اريد أي منظمة - أكانت لحقوق المدنية أم لأي امر آخر - تساوم هيكل السلطة وتعتمد علي عناصر محددة في هيكل السلطة من أجل تمويلها ، لأن هذا ألآمر يضعها تحت تأثير وسيطرة هيكل السلطة ذاته من جديد .
- أنا أدعم الانخراط في أي عمل يؤدي إلي إحراز نتائج ذات معني لجماهير شعبنا- لا لمصلحة عدد قليل من الزنوج المنتقين في القيادة و الذين يحصلون علي الهيبة والفضل في حين تبقي مشاكل الجماهير دون حل .
" إن الخلاف بين مالكوم أكس وقادة حركة الحقوق المدنية هو خلاف حول أخطبوطة العنف في مقابل أخطبوطة اللاعنف - أو هو كما يعبر مالكوم ، خلاف حول الدفاع عن النفس في مقابل المازوخية.
" هذا الخلاف هو ما يمنع الوحدة التي يشعر مالكوم أنها أحد المفاتيح الرئيسية فى الكفاح .
-ليس مرد ذلك إلى عدم وجود الرغبة فى الوحدة ، أو أن الوحدة مستحيلة ، أو لأنهم لا يتفقون معي فى الخفاء ، بل إن السبب هو أن معظم المنظمات تعتمد على مال البيض و تخشى فقدانه ! لقد أمضيت ما يقارب العام دون أن أهاجمهم ، وكنت أقول "فلنجمتع ، فلنفعل شيئاً ما" و لكنهم خائفون بشدة .
وأعتقد أن علي التوجه إلى الناس أولاً ، وان أجعل القادة يلحقون بهم بعد ذلك .
وهذا لا يعنى أنني أستبعد التعاون بل سوف أحاول تقوية المجالات و النشاطات التى يمكن المجموعات أن تعمل فيهما معاً .
و إذا كنا ذاهبين إلى حلبة ملاكمة فليس على قبضتنا اليمنى أن تصبح قبضتنا اليسرى ، وإنما علينا أن نستخدم رأساً مشتركاً إذا كنا نريد الفوز .
برقية الى رئيس الحزب النازي الأميريكي
{ فى تجمع حاشد لمنظمة "اتحاد الأفارقة الأمركيين" عقد في حي هارلم بتاريخ 24 كانون أول / يناير 1965 ، قال مالكوم إنه شاهد على التليفزيون فى نشرة الأخبار أحد العنصريين البيض يدفع يالقسيس مارتن كنغ الابن و يوقعه أرضاً .
وقال مالكوم "لقد سبب ذلك لى الألم"و أضاف أنه لو كان موجوداً هناك لهرع إلى مساعدة كنغ . ثم قرأ على الملإ نص برقية إرسلها إلى جورج لينكن روكويل رئيس النازى الأكيركى ، وفيما يلى نص البرقية} "أرسل إليكم هذه البرقية لأحذركم من أننى لم أعد مقيداً عن مقاتلة العنصريين البيض ؛ فأنا لم أعد مقيداً من قبل حركة إلا يجه محمد للانفصاليين السود المسلمين .
وارسلها إليكم أيضاً لأحذركم من أنه لو سبب تهيجكم العرقى الحالى ضد شعبنا فى ألاباما أي أذى جسدي للقسيس مارتن كنغ الابن أو لأى أميركي اسود من الذين يسعون إلى التمتع بحقوقهم كبشر ، فإنكم ستواجهون، أنتم و أصدقاؤكم من منظمة "كوكاوكس كلان" بأقصى الانتقام الجسدى من قبلنا ، نحن الذين لا يقيدنا فلسفة اللاعنف ولا تجردنا من أسلحتنا الجسدية ، والمؤمنين بممارسة حقنا في الدفاع عن النفس بكل الوسائل الضرورية " .
من كلماته الأخيرة
أجرى مالكوم قبل اغتياله بثلاث أيام مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز ، وقال فيها "أشعر كأنى رجل كان نائماً و تحت سيطرة شخص آخر ، بأن ما أقوله وما أفكر به الآن عنى أنا ، وقبل ذلك كان ما أقوله وما أفكر به نابعاً من إلايجه محمد و إرشاداته . أنا الآن، يا سيدى أفكر بعقلى أنا .
بعد أن عرضنا هذه المواد أشعر أن من الضروري تقديم جانب آخر من شخصية مالكوم أكس ، وإن كان جانباً سلبياً (من وجهة نظري) ، ألا وهو جانب المغالاة و الشطط. وسأورد على ذلك مثاليين من خطبه:
المثال ألاول أجتزئه عن مقاتلى الماو ماو الذين قاتلوا الاستعمار البريطانى فى كينيا :

مغالاة مالكوم و كبواته

" قرأت فى إحدى المرات قصة، وأثبت الماو ماو أنها صحيحة . وتقول القصة إن شخصاً ما سأل مجموعة من الناس : كم منهم يرغب فى التحرر؟ فرفع الجميع لأيديهم ، وكان عددهم ثلاثمائة كما أعتقد.
ثم سألهم : كم واحد منكم على أستعداد لقتل أي شخص يقف عقبة فى طريق لتحقيق الحرية ؟
فرفع خمسون شخصاً أيديهم . فقال لهؤلاء الخمسين : قفوا أنتم فى هذا الجانب ؛ وبقى مائتان و خمسون شخصاً جالسين كانوا يرغبون فى تحقيق التحرر ولم يكونوا مستعدين للتقل فى سبيله .
ثم قال للخمسين الواقفين: والآن أنتم تريدون الحرية و قلتم إنكم مستعدون لقتل أي كان يقف فى طريقكم . فهل تريدون هؤلاء الأشخاص حريتكم , إنهم يخافون من فعل كل ما هو ضرورى لتحقيق الحرية و سيمنعونكم من تحقيقها ؛ فتخلصوا منهم و ستأتى الحرية من تلقاء نفسها! أنا أؤيد ذلك ، وهذا ما تعلمه الماو ماو ، لقد عرفوا أن الشئ الوحيد الذى يقف فى طريق استقلال الأفارقة فى كينيا هو أفارقة آخرون لذلك بدأو بالتخلص من الأعمام توم أولئك واحداً واحداً .
نلاحظ مغالاة واضحة فى الفقرة السابقة ، إذ يريد مالكوم من كل الناس أن يكونوا "أبطالاً؛ والأقربوون أولى "بالمعروف وعلينا أن نتذكر أن مالكوم كان - فى أول نشاطه السياسي - يصف قادة حركة الحقوق المدنية بأنهم أعمام توم ، ومن الواضح أنه كان يحرض على قتلهم .
ولو افترضنا أن هناك شخصاً ما في ذلك الزمن لام مالكوم لأنه لم يحمل السلاح و يطلق النار على العابرين فى الشوارع ، واعتبره "عم توم" فإن مالكوم كان سينادى بقتله ، وهكذا تبدأ دورة من العنف بين أبناء الجلدة الواحدة لا تنتهى إلا بنهايتهم.
ولو كان مالكوم ينادى بقتل الخونه و المتعاونين المكشوفين لهان الأمر ، ولكنه ينادى بقتل الناس المسالين بطبعهم أو لمجرد أنهم خائفون.
ولم يقف مالكوم عند هذا الحد فى مغالاته ،فالمثال الثانى يصل بالمغالاة إلى حد الجنون ، وهذا المثال أجتزئه من خطبة "بلاغ إلى القاعدة الشعبية" ويقول فيها:
"{ الصنيون اثناء الثورة } ألقوا بالبريطانيين خارجاً ، وألقوا إلى جانبهم بالأعمام توم الصينين، فقدموا بذلك مثالاً جيداً.
وعندما كنت فى السجن
قرأت مقالاً ..
يظهر فتاة صينية صغيرة تبلغ من العمر تسعة أعوام وهى تضغط على زناد سلاح لتقتل أباها الجاثى على ركبته و يديه لأنه كان عم توم صينياً .
وعندما قاموا بالثورة هناك أخذوا جيلاً كاملاًً من الأعمام توم ومحوهم محواً. وفى خلال عشرة سنوات أصبحت تلك البنت الصغيرة امرأة مكتملة لم يعد هناك أعمام توم فى الصين . والصين اليوم هى من أقوى الدول وأشدها ، وأكثرها على وجه الأرض إثارة لهلع الرجل الأبيض ...".
أن مالكوم هنا يهلل لقيام طفلة صغيرة بإطلاق النار على والدها "العم توم" و لمقتل "جيل كامل" من الأعمام توم . ولكن الجرائم - كما نرى تظل جرائم وإن قام بها "الثوار"؛ وأعتقد أن الصورة فى غنى عن أي تعليق .
أما كبوات مالكوم فأرغب فى أن أورد مثالين عليها أيضاً . والمثال الأول يتعلق بمطلبة المبكر بالانفصال و الاستقلال بقطعة أرض تخصصها الحكومة الأميركية للسود - وهذا موقف يشترك فيه قطاع عريض من السود فى أميركا .
ونلاحظ أن مالكوم لم يحدد تماماً أين يريد قطعة الأرض هذه .
فقد قال إنها يحب أن تكون فى أفريقيا ، أو فى نصف الكرة الغربى( ولم يحدد أنها ضمن حدود الولايات المتحدة ) .
فإذا عنى أنها فى حدود الولايات المتحدة فهو لا يضع أي اعتبار لأصحاب الأرض الأصليين (الهنود "الحمر ) ولا يد حرجاً فى أن يأخذ أرضاً مسروقة رويت بدماء أصحابها !
وإذا لم يعن أنها فى الولايات المتحدة ، وسلمنا أنه ليست هناك بقاع فارغة في العالم و خصوصاً بالمواصفات التى يحددها مالكوم (ارض خصبة و غزيرة الأمطار و غنية بالثروات المعدنية)، فسنستنتج أنه يريد حل مشكلة السود فى أميركا على حساب شعب آخر ، أى أنه ينادى بتأسيس دولة تكون نسخة ثانية عن إسرائيل .
وهذا يقودنا إلى المثال الثانى عن كبوات مالكوم ، ألا وهو موقفه من الدول العبرية .
نوجز موقف مالكوم من الدولة العبرية بهذه المقتطفات من كتاب سيرة حياة مالكوم ، وقد أعده الكاتب الأميركي الشهير اليكس هايلى ( مؤلف رواية الجذور) بالتعاون مع مالكوم ، مع مالكوم ، وصدر عام 1965 .
يقول مالكوم فى الصفحة 277 من هذا الكتاب ما يلى :
"لقدقدم اليهود مساهمة لألمانيا أكثر مما قدم الألمان أنفسهم لها .
وفاز اليهود بأكثر من نصف جوانز نوبل التى فازت بها ألمانيا.
وكذلك كانت كل فروع الثقافة فى ألمانيا تحت قيادة اليهود و نشر اليهود أعظم القصائد ، وكان منهم المؤلفون الموسيقيون و المخرجون المسرحيون ، ولكن هؤلاء اليهود ارتكبوا خطأ قاتلاً ، وهو الذوبان في المجتمع الألمانى . فعند الحرب العالمية الأولى و حتى ظهور هتلر ، تزيد الزواج المختلط بين اليهود و ألالمان . كما قام الكثير من اليهود بتغير أسمائهم و دينهم ، فتخلوا عن دينهم اليهودى وعن جذورهم الثقافية و العرقية الغنية ..
لقد تخدروا وانقطعوا ..
حتى صاروا يفكرون بأنفسهم كالألمان .
وأفاق اليهود فوجدوا هتلر أمامهم ، يصعد إلى السلطة من حانات البيرة - بنظريته عن العرق الآرى المتفوق - ووجد فى متناول يده كبش فداء جاهزاً وهو اليهود "الألمان" الذى أضعفوا أنفسهم وضللوها . وأكثر ما يثير الاستغراب هو كيف ظل هؤلاء اليهود - بكل ما لديهم من عقول عبقرية و بكل ما لديهم من قوة في كل شئون ألمانيا - مستمرين دون أن يفعلوا شيئاً
لقد كانت عملية غسيل الدماغ التى حصلت من الاكمال حيث أن كثير منهم ظلوا يهمسون فى غرف الغاز :" لا يمكن أن يكون ما حدث حقيقياً !
و بعد ذلك أقام اليهود دولة إسرائيل دولة خاصة بهم- وهي الشئ الوحيد الذى حاز احترام كل الأعراق فى العالم وتفهم إن ما أثار استغرابى هو السطران الأخيران من الفقرة السابقة ، وقد حاولت أن أجد مبرراً لموقف مالكوم ، فافترضت أنه نابع من جهله بحقيقة الصراع في فلسطين و العالم العربى .
و لكن مالكوم لم يجهل ذلك ، ولاسيما أنه زار المنطقة فى العام 1959 و التقى بالقائد جمال عبد الناصر ، وكان كثيراً ما يمدح القيادة المصرية و الثورة المصرية فى خطبه، كما أنه زار المنطقة فى العام 1964 وأدى فريضة الحج .
والمستبعد ألا يكون قد تعرف على مأساة الشعب الفلسطينى .
لقد كان مالكوم يرى الصراعات فى العلم تدور حول العرق و اللون ، وبدأ بتغيير موقفه هذا في آخر أيامه ، ويبدو أنه لم يغيره تماماً .
فقد كان يحلم دائماً بدولة عرقية للسود ، وأعتقد أنه كان يرى فى إسرائيل نموذجاً لهذه الدولة ولاسيما بكل المساعدات التى تنهال عليها من أميركا و الغرب .
وألم يكن يطالب أميركا بمساعدة دولة السود المرجوة لمدة عشرين أو خمسة وعشرين عاماً إلى أن يقوى عودها ؟
ولكن أنصافاً لمالكوم ، ونؤكد أن هذه الفكرة ليست فكرته ، بل هي ترجع بجذورها إلى الأيام المبكرة من صراع السود فى أميركا ، وإلى ما قبل ماركوس غارفي الذي كان ينادى أيضاً بهذه الفكرة فمنذ القرن التاسع عشر كان قادة السود يطالبون بالانفصال عن أميركا ، وكانت الحكومة الأميركية المتعاقبة فى ذلك الوقت تؤيد هذه الفكرة ، وقد وضعت فى ذلك الوقت خطط عديدة لاستعمار منطقة الكاريبي و بالتحديد هايبتى ، أو مناطق أخرى من أفريقيا ، من قبل الملونين فى أفريقيا وبدعم من الحكومة الأميركية .
وكان الرئيس الأميركى ابرهام لينكن من أشد المؤيدين لهذه النزعة ، ووعد فى اجتماع له مع قادة الزنوج فى العام 1862 بتقديم مساعدات حكومية لخطط الاستعمار وقال "ليست هناك رغبة من قبل شعبنا {البيض} ببقائكم أنتم الملونين الأحرار بيننا ....
ولهذا من الأحسن لنا كلينا أن نكون منفصلين" ويرجع هذا الموقف إلى أن مجموعة من القادة الأميركيين البيض كانت ترى أن الطريقة المثلى للتخلص من مشكلة العبودية هي التخلص من العبيد وإرسالهم خارج أميركا .
ومن جانب آخر ، هناك موقف مؤيد لإسرائيل ، وشاع بين شريحة كبيرة من اليساريين إلى درجة تثير الذهول أحياناً .
فالكثير منهم تتوقف يساريتهم عن العمل عندما يصل ألامر إلى إسرائيل ، ويصبحون ملكيين أكثر من الملك .
قد يقول قائل إن من غير العدل أن نطلب من مالكوم أكس أن يكون منصفاً بحق نضالات الشعوب الأخرى ، وهو ينتمى إلى شعب يتعرض للقمع و الوحشية منذ عدة قرون ولم يأبه أحد من الشعوب الأخرى لعذاباته .
ولكننى أستذكر هنا ما قاله مارتن لوثر كنغ الابن فى رسالته من سجن برمينجهام { المنشورة فى العدد 1/ 2 / 199 من الآداب} :
" إن غياب العدل في أي مكان هو تهديد للعدل فى كل مكان ".
إن الحكم الأخلاقى لا يتجزأ .
فنحن بدورنا علينا أن نقر بأن تغاضينا عن عذبات أي شعب هو طعنه فى نضال شعبنا نفسه .
ورب من نافح منا عن حقوق الشعب الفلسطينى بيد ، وجلد شعباً آخر (كالأكراد مثلاً ) باليد الأخرى !

المصدر :
الموقع الشخصي لمالكوم أكس
[line]

castle 30-06-2007 11:08 PM

طبيعة المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر... وماذا تقدم مصر في المقابل

تقرير واشنطن

نشر تقرير واشنطن منذ ما يقرب من عام عرضا هاما لدراسة أعدها مكتب محاسبة الإنفاق الحكومي U.S. Government Accountability Office، وهو مؤسسة تابعة للكونجرس الأمريكي (بناء على طلب من النائب الديمقراطي توم لانتوس Tom Lantos- ولاية كاليفورنيا-، ويشغل حاليا منصب رئيس لجمة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، والدراسة التي تقع في 43 صفحة موجودة بالكامل على موقع المؤسسة ، ولأهمية الدراسة وعلاقتها بالتطورات الأخيرة المتعلقة بموافقة مجلس النواب الأمريكي مؤخرا على تجميد 200 مليون دولار من اعتمادات المساعدات العسكرية المقررة لمصر في العام القادم كنوع من أنواع من العقاب والضغط على الحكومة المصرية لحثها على التصدي لتهريب الأسلحة لقطاع غزة، وبسبب التردي في مجال حقوق الإنسان في مصر كبقل لمصادر في الكونجرس.
واشترط الكونجرس للإفراج عن هذه الأموال المجمدة أن تبذل مصر جهودًا كافية لمنع تهريب الأسلحة لقطاع غز من مصر، بالإضافة إلى ضرورة تحسين أحوال حقوق الإنسان في مصر، وطالب بالإفراج الصحي عن الدكتور أيمن نور زعيم حزب "الغد".

طبيعة تقرير الكونجرس
اكتفت الدراسة بالتركيز على المساعدات العسكرية لكونها تمثل الحيز الأكبر في حجم المساعدات الأمريكية لمصر.
في الوقت الذي يتزايد فيه عدد الدول الحليفة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وتتلاشى احتمالات نشوب حروب بين إسرائيل وجيرانها، بدأت بعض الأصوات تتصاعد في الكونغرس الأمريكي لإعادة النظر في تركيبة المساعدات الأمريكية لمصر ليتم ترجيح كفة المساعدات الاقتصادية التي تحتاجها مصر على كفة المساعدات العسكرية التي تحصل عليها منذ عام 1979. ومن بين تلك الأصوات النائب الديمقراطي توم لانتوس، وهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، الذي قدم على مر السنوات الأخيرة مقترحات عديدة لم يكتب لها النجاح لتقليص حجم المساعدات العسكرية لمصر ومضاعفة حجم المساعدات الاقتصادية لتطوير المجتمع المصري وإنعاش اقتصاده.

كيف تنفق المساعدات العسكرية
تقول الدراسة إن الولايات المتحدة قدمت لمصر حوالي 7.3 مليار دولار بين عامي 1999 و2005 في إطار برنامج مساعدات التمويل العسكري الأجنبي، وأن مصر أنفقت خلال نفس الفترة حوالي نصف المبلغ أي 3.8 مليار دولار لشراء معدات عسكرية ثقيلة.

أنفقت مصر المبلغ على النحو التالي
- نسبة 14 بالمائة لشراء الطائرات الحربية.
• ثلاث طائرات شحن عسكرية.
• 36 مروحية عسكرية من طراز أباتشي.
• 120 طائرة مقاتلة من طراز F-16
• 880 دبابة عسكرية من نوع M1A1، بالإضافة إلى حصولها على التدريبات اللازمة لاستخدام تلك المعدات وعمليات الصيانة.

- ونسبة 9 بالمائة لاقتناء الصواريخ بما فيها:
• 822 صواريخ أرض-جو من طراز سترينغر Stringer.
• 459 صواريخ جو- جو من طراز هيلفاير Hellfire.
• 33 صواريخ بحر جو من طراز هاربون Harpoon.
- نسبة 8 بالمائة لشراء البواخر
- نسبة 19 بالمائة للمركبات العسكرية
- نسبة15 بالمائة لاقتناء أجهزة الصيانة
- نسبة 10 بالمائة لأجهزة الاتصال ومعدات المساعدة بما فيها 42 من أنظمة الرادار
- نسبة 9 بالمائة للأسلحة والذخيرة
- نسبة 9 بالمائة للمساعدات التقنية بما فيها أكثر من 1400 كمامة واقية للحماية من الغازات الكيماوية والبيولوجية
- نسبة 9 بالمائة للحصول على تدريبات وبناء منشآت عسكرية، وإجراء الدراسات وتدبير البرامج العسكرية.

وتفيد الدراسة بأنه ما بين عامي 1982 و 1989 قامت الولايات المتحدة بشطب جميع الديون المستحقة على مصر في إطار برنامج مساعدة التمويل العسكري الأجنبي وبدأت في عام 1989 بتوفير مساعدات عسكرية لمصر على شكل منح من دون أية شروط على تسديدها.

ماذا تقدم مصر في المقابل
تشير الدراسة إلى أن المسئولين الأمريكيين وعددا من الخبراء الذين تمت استشارتهم أثناء التحضير لهذه الدراسة أفادوا بأن المساعدات الأمريكية لمصر في إطار برنامج مساعدة التمويل الأجنبي تساعد في تعزيز الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ويلخص التقرير المصالح الأمريكية التي تم خدمتها نتيجة تقديم مساعدات عسكرية لمصر على النحو التالي:
- تسمح مصر للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام الأجواء العسكرية المصرية، وخلال الفترة من 2001- 2005 سمحت مصر 36553 مرة بعبور طائرات عسكرية الأجواء المصرية (عدد مرات مرور طائرات أمريكية).
- منحت مصر تصريحات على وجه السرعة لعدد 861 بارجة حربية أمريكية لعبور قناة السويس خلال نفس الفترة وقامت بتوفير الحماية الأمنية اللازمة لعبور تلك البوارج.
- مصر نشرت حوالي 800 جندي وعسكري من قواتها في منطقة دارفور غربي السودان عام 2004.
- مصر قامت بتدريب 250 عنصرا في الشرطة العراقية و25 دبلوماسيا عراقيا خلال عام 2004.
أقامت مصر مستشفى عسكريا وأرسلت أطباء إلى قاعدة باجرام العسكرية في أفغانستان بين عامي 2003 و2005 حيث تلقى حوالي أكثر من 100 ألف مصاب الرعاية الصحية.

خلفية المساعدات الأمريكية لمصر
عقب توقيع الرئيس المصري السابق أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن اتفاقية كامب ديفيد للسلام عام 1979 أصبحت مصر ثاني أكبر دولة تستفيد من المساعدات العسكرية الأمريكية. فمنذ ذلك الحين بلغ حجم المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية التي حصلت عليها مصر حوالي ستين مليار دولار بما فيها أربعة وثلاثون مليارا على شكل منح وقروض في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي Foreign Military Financing تقوم بموجبها مصر بشراء المعدات والخدمات العسكرية الأمريكية. والهدف من ذلك هو تحديث الجيش المصري وتزويده بالمعدات العسكرية الحديثة التي تتماشى مع المعدات العسكرية الأمريكية وبالتالي تسهيل مشاركة مصر في التحالفات التي تشكلها الولايات المتحدة والعمليات العسكرية التي تقوم بها. وتقول وزارتا الدفاع والخارجية الأمريكيتين إن تلك المساعدات العسكرية تساهم في الحفاظ على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والحفاظ على الاستقرار في المنطقة ودعم مصر كحليف في الشرق الأوسط.
وأفاد واضعو الدراسة بأن مصر تعتبر من أبرز الدول المستفيدة من المساعدات الخارجية الأمريكية وذلك إلى جانب إسرائيل والعراق وأفغانستان. وتحصل حكومة القاهرة على حوالي مليار وثلاثمائة مليون دولار سنويا على شكل منح وقروض في إطار برنامج الولايات المتحدة للمساعدة في التمويل العسكري الأجنبي. ويعتبر هذا البرنامج واحدا من عدة برامج المساعدات الأمنية الأمريكية التي تأتي في إطار جهود واشنطن لتعزيز التعاون الأمني مع الدول الحليفة من خلال إقامة علاقات تحمي مصالح أمريكية محددة عبر العالم. وتقول وزارتا الدفاع والخارجية الأمريكيتين إن تلك المصالح تشمل تطوير قدرات الدول الصديقة لكي تتمكن من الدفاع عن نفسها ولكي تكون قادرة على المشاركة في التحالفات التي تشكلها الولايات المتحدة، كما تشمل تعزيز الدعم العسكري لتلك الدول لكي يتم احتواء التهديدات الدولية ولتصبح تلك الدول قادرة على المساعدة في العمليات الدولية للاستجابة للأزمات الدولية، بالإضافة إلى حماية الحكومات المنتخبة ديمقراطيا وتكثيف الروابط العسكرية بين الولايات المتحدة والدول المستفيدة من تلك المساعدات. هذا بالإضافة إلى دعم قطاع الصناعة الأمريكي من خلال الترويج وتشجيع السلع والخدمات الأمريكية المتعلقة بالمجال الدفاعي.
وعادة ما تقدم مساعدات التمويل العسكري الأجنبي على شكل قروض أو ضمانات لحلفاء الولايات المتحدة لشراء المعدات العسكرية والخدمات وتلقي تدريبات على استخدامها من قبل الولايات المتحدة.

حجم المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر
تفيد الدراسة بأن مصر حصلت منذ عام 1979 على حوالي 34 مليار دولار في إطار برنامج مساعدة التمويل العسكري الأجنبي، حيث أن الولايات المتحدة خصصت منذ ذلك الحين حوالي 1.3 مليار دولار سنويا في ميزانياتها كمخصصات لمصر في إطار هذا البرنامج. ففي عام 2005 شكل ذلك المبلغ 25 بالمائة من مجموع المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة إلى جميع الدول في إطار البرنامج. كما أن ذلك المبلغ يمثل نسبة 80 بالمائة من مجموع ميزانية العقود العسكرية المصرية، والتي يتم استخدامها لتحديث المعدات العسكرية المصرية من خلال تغيير المعدات التي حصلت عليها من الإتحاد السوفيتي السابق بمعدات عسكرية أمريكية عصرية. ونقلت الدراسة عن مسئولين مصريين قولهم إن نسبة 52 بالمائة من مجموع المعدات العسكرية المصرية هي معدات أمريكية وذلك بناء على إحصاءات أجريت في أغسطس من عام 2005.
ويقول المسئولون الأمريكيون والمصريون إن الجيش المصري أصبح أكثر استعدادا ولديه معدات أفضل للدفاع عن الأراضي المصرية والمشاركة في عمليات حفظ السلام في المنطقة. ويشيرون إلى أمثلة عديدة منها مشاركة الجيش المصري في بعثات حفظ السلام في تيمور الشرقية والبوسنة والصومال. وذلك بطبيعة الحال إلى مشاركة الجيش المصري مع الولايات المتحدة في عملية النجم الساطعOperation Bright Star وهي تدريبات عسكرية مشتركة تجرى كل عامين بمشاركة عدد من الدول الحليفة من بينها ألمانيا والأردن والكويت وبريطانيا. ويذكر أن الهدف من تلك التدريبات هو القيام بتمرينات ميدانية لتعزيز التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها وتقوية العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر كما هو الشأن مع باقي الدول الحليفة.
ومن بين التوصيات التي قدمتها الدراسة والتي تقول إنها ضرورية لكي يتمكن الكونغرس من تقييم مستويات المساعدات الاقتصادية مقارنة بالمساعدات العسكرية لمصر، أنه يتعين أولا على وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين إجراء تقييم للآثار المحتملة لتغيير نسب المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر خلال ميزانية السنوات القادمة. بالإضافة إلى إجراء تقييم دوري للبرنامج المساعدات بأكمله لكي يتم تحديد مدى جدواه ومدى تحقيقه للأهداف المتوقعة منها.[line]

castle 14-07-2007 09:27 PM

مع الشكر والاعتذار لصاحب البحث :
بحث للصحفي فهمى نديم ، اضيف بواسطتة بموضوع ( مقالات وأراء وحوارات سياسية) وقد تم نقلة كما هو لموضوع البحوث والدراسات السياسية ..
مراقب سياسي4

فهمى نديم - تتسم العلاقات بين الشعبين المصري والفارسي، و هما من اقدم شعوب المنطقة، بالتاريخية و تصل الى الاف السنين. ويتحدث لنا التاريخ عن غزو الملك الاخميني، كمبوجية ( قمبوزس) لمصر في القرن السادس قبل الميلاد وثورة المصريين ضد جيشه الغازي وكذلك عن مساهمة الفرس في حفر قناة يربط البحر الابيض المتوسط بالبحر الاحمرو هو الذي عرف فيما بعد بقناة السويس. وقد تواصلت العلاقات بين الحضارتين العريقتين المصرية ذات الستة الاف عام والفارسية ذات الالفين و خمسمائة عام في العصر الفرعوني وتوطدت في العصر الاسلامي بعد ان اصبح الاسلام، دينا مشتركا للشعبين.
ونشاهد حاليا آثار الفاطميين - وهم من الشيعة الاسماعيلية - في مصر
ومنها ضريح راس الحسين و مسجد السيدة زينب و ماشابه ذلك حيث كانوا ملجاءا للنشطاء السياسيين والادباء الفرس الهاربين من بطش حكامهم و ملوكهم. وهاهو الشاعر و الرحالة الفارسي البارز ناصرخسرو البلخي الذي قطع الاف الاميال مشيا على الاقدام من خراسان الى مصر ليلجأ الى البلاط الفاطمي في قاهرة المعز ويعتنق المذهب الاسماعيلي حيث اصبح داعية لمذهبهم في الديار الفارسية.
وقد لعبت مصر في تاريخنا المعاصرنفس الدور التاريخي، حيث أوت في اواخر القرن التاسع عشر و اوائل القرن العشرين العديد من السياسيين الايرانيين المعارضين لسلالة القاجار وحكامهاالمستبدين. اذ صدرت في هذه الاونة العديد من الكتب القديمة و الصحف الفارسية المناوئة للنظام القاجاري في القاهرة، حيث كانت تتسرب الى الداخل بشكل سري لتهيأ الاجواء لثورة ايران الدستورية (1906- 1908).
وكانت مصر و ايران من الدول الاولى في الشرق التي جربت الحكم الدستوري و اصبح لديهما برلمانات؛ الاولى في اواخر القرن التاسع عشر وفي عهد عرابي باشا و الثانية في اوائل القرن العشرين كما اشرنا آنفا.
وقد تمت في القرن المنصرم ترجمة لكتب الافغاني و محمد عبده
و جورجي زيدان و طه حسين ومن ثم لنجيب محفوظ و صلاح عبدالصبور الى الفارسية و انبهر الايرانيون، بصوت ام كلثوم
و عبدالحليم حافظ . وكانت مصر و لاتزال المركز الرئيس لترجمة الادب الفارسي وهذا ماشاهدناه في ترجمة رائعة الروائي الايراني محمود دولت آبادي من قبل المرحوم محمود دسوقي شتا. وتعاطف المصريون مع الزعيم الايراني الراحل محمد مصدق حيث زار القاهرة بدعوة من نحاس باشا، آخر رئيس وزراء في العهد الملكي المصري. كما ابدى الايرانيون تعاطفا مع مصر في العدوان الثلاثي عام 1956 و في حربي عام 1967 و عام 1873، رغم العلاقات المقطوعة بين نظامي الشاه و جمال عبدالناصر. فانبثاق الايديولوجية القومية في اوائل القرن العشرين في ايران و البلاد العربية وبلوغها الذروة في الخمسينات والستينات من هذا القرن لعبت دورا هاما في تأرجح العلاقات بينهما. فهذا مانراه للعيان في علاقة ايران مع كل من سورية والعراق و مصر.
وكانت العلاقات حسنة بين النظامين الايراني والمصري في النصف الاول من القرن العشرين حيث صاهرت الاسرة البهلوية، اسرة الملك فاروق في اوائل الاربعينات وذلك بعد زواج الشاه محمدرضا البهلوي - لذي كان وليعهدا انذاك- مع الاميرة فوزية بنت الملك فؤاد و شقيقة الملك فاروق. لكن العلاقات انقطعت بعد وصول الضباط الاحرار الى الحكم في مصر واشتد العداء بين حكم الشاه محمدرضا البهلوي الذي كان صديقا للولايات المتحدة الامريكية واسرائيل و النظام القومي الثوري العربي بقيادة جمال عبدالناصر. وقد تم اعادة العلاقات في عهد الرئيس المصري السابق انورالسادات مع النظام الملكي في ايران في اواسط السبعينات؛ غير ان حدوث الثورة الايرانية ادى الى انقطاع ثاني لهذه العلاقات التي لم تدم اكثر من 5 سنوات. والانكى في الامر ان الفرمان الخاص بقطع العلاقات جاء من زعيم الثورة الاسلامية في ايران اية الله الخميني ذاته، احتجاجا على توقيع السادات لمعاهدة كمب ديفيد التي انهت الصراع بين مصر و اسرائيل. وقد توترت العلاقات بين ايران الثورة الاسلامية و مصر المتحالفة مع اسرائيل و الولايات المتحدة الامريكية بعد ان آوت مصر الشاه الهارب من وطنه و المنبوذ من جميع اصدقاءه و حلفاءه في العالم بما فيهم الامريكيين انفسهم. ومات الشاه في مصر بمرض السرطان و دفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة.
ووضعت ايران اسم خالد الاسلامبولي على احدى شوارع العاصمة طهران، فيما حولت مصر اسم شارع مصدق في القاهرة الى شارع الشاه محمدرضا البهلوي.
وقد بدأت العلاقات المصرية - الايرانية تتحسن بعد ان اصبح خاتمي رئيسا للجمهورية الاسلامية في ايران وذلك في سياق سياساته الاصلاحية القائمة على ازالة التوتر مع الدول العربية والعالم. وفعّلت حكومة خاتمي، مركز رعاية المصالح الايرانية في القاهرة
و قامت الحكومة المصرية بنفس الاجراء، حيث تحول هاتان المركزان الى شبه سفارات نشطة خاصة في المجالات التجارية
و الاقتصادية.

الان و بعد ربع قرن من القطيعة بين الدولتين المصرية و الايرانية اصبحنا امام وضع دولي يختلف تماما عما كان عليه قبل ربع قرن، لا بل مع بضع سنوات مضت. فقبل عامين قرر مجلس بلدية طهران - المحسوب على الاصلاحيين انذاك- تغيير اسم شارع خالد الاسلامبولي تمهيدا لاعادة العلاقات بين البلدين غير ان معارضة المتشددين حالت دون ذلك.
ويبدو ان سقوط نظام صدام حسين اقنع الجناح البرغماتي في تيار المحافظين بانه لامفر من اعادة هذه العلاقات بعد ان اصبح الشيطان الاكبر جارا لايران في شرقها وغربها. ويبدو ان الطيف المتشدد بين المحافظين و المعارض لتغيير اسم الاسلامبولي اصبح في اقلية لايمكن له ان يؤثرعلى الدبلوماسية الايرانية تجاه مصر برغم المظاهرات و الاحتجاجات التي يقوم بها هنا و هناك وهي تذكرنا بمعارضته لتوقيع ايران البروتوكول الاضافي لمعاهدة حظر نشر الاسلحة النووية والتي لم تثمر عن اي شيء بعد اتفاق الاصلاحيين
و المحافظين البرجماتيين في السلطة على توقيعه.
فما من شك بان ايران اتخذت قرارها هذا بعد مشورتها مع حلفاءها في العالم العربي واعني بحزب الله لبنان و حركتي حماس و الجهاد الاسلامي الفلسطينيتين حيث شجع هؤلاء ايران لاعادة العلاقات ؛ كما انها تنظر بايجابية لدور مصر في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية
و اهتمامها بالمنظمات الاسلامية هناك ؛ مما حدا بالرئيس الايراني محمد خاتمي ان يطلب لقاء نظيره المصري حسني مبارك على هامش قمة مجتمع المعلومات في جنيف السويسرية.
فمن الجانب المصري الذي كان يعارض سابقا اعادة العلاقات مع ايران؛ يبدو ان الضغوط الامريكية الاخيرة - وخاصة من قبل المحافظين الجدد- على السلطة والوضع الاقتصادي المتردي وخشية الحكومة من القوى الاسلامية بما فيهم اخوان المسلمين، لعبت دورا في تغيير سياساته تجاه ايران التي كان يتهمها بدعم الفصائل الاسلامية الراديكالية في مصر.

الان يبدو ان حتى سفراء البلدين قد تم تعيينهما حيث تتحدث الانباء هنا عن تعيين محمد شريعتي المستشار الاعلى للرئيس خاتمي سفيرا لايران في القاهرة؛ وان موضوع الاعلان عن اعادة العلاقات المصرية - الايرانية ليست الا مسالة وقت.

فهمى نديم
المواطنة الغائبة

(ورقة العمل لبحث عن الثقافة العلمية والمواطنة والأحزاب السياسية قدمت للجنة قضايا الشباب وهى احد لجان قطاع الثقافة العلمية باكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا بالقاهرة - فى مايو 2007) ( مقدم البحث / فهمي نديـــــم)
* ظواهر اعتدناها فى الاونة الاخيرة ولم تعد تثير دهشتنا وقضايا كانت منذ وقت قريب دخيلة علينا اصبحت تتم بشكل يومى
- مثل- الهجرات غير الشرعية للشباب ، التخابر مع الجهات المعادية ، ارتفاع معدلات الجريمة وتنوع قضايا النصب غير
المسبوق ، ارتفاع معدلات الطلاق والانتحار ، الانتهازية والوصولية وحالات بيع الوطن التى تتم ليل نهار وبلا توقف ،حالة
الاحتقان والتوتر والترقب الدائم بين عنصرى الامه والتى تنذر بانفجار وشيك ، حالة الاستعانة بالغرب لحل مشكلات محلية.
• السبب لحالة الانهيار الاجتماعى تلك هو انحصار الشعور بالمواطنة أى انعدام المساواه فى الفرص والظلم المتوطن الامر الذى ادى بدوره لأفتقاد روح الانتماء وتنامى ثقافة الانانية والانتهازية والاستغلال التى امتدت لكافة الطبقات وتبنى من خلالها الجميع وعلى كافة المستويات المنهج المكيافيلى (الغاية تبرر الوسيلة).
• وسائل الاعلام فى قبضة من يبررون هذه الافعال فأصبحت مع الوقت ومعها المؤسسات الدينية (بنوعيها) تقوم بدور المحلل فى الزواج غير الشرعى بين مجموعة المنتفعين وسيادة القانون والشرعية ، حتى داخل المؤسسات الرقابية والتشريعية فان رب البعض غفور رحيم اما البعض الاخر فربهم شديد العقاب ، اما الاحزاب فكيف تعطى ما لا تملك فهى تعانى هى الاخرى من عدم مساواه صارخ ينهى فرصتها تماما سواء بالشعور بالمواطنة فما بالنا بأن نطلب منها العمل على تدعيمها ، حتى داخل الحزب الوطنى نفسه فبداخله حالة احتقان لا تكتمها سوى الشخصيات المستفيدة من حالة التأجيل المتواصلة للمواجهة والاصلاح الحقيقى والتى يدفع ثمنها الاوفياء والمخلصين .
محتويات البحث: يقع البحث في 23 صفحة
الفصــل الأول / المفهوم الحقيقي للمواطنة. الفصل الثاني / المواطنة ثقافة وسلوك وتاريخ.
الفصل الثالث / المواطنة والانتماء. الفصل الرابع / اثر التعليم فى تدعيم قيم المواطنة والانتماء.
الفصل الخامس/ مبدأ المواطنة والتعديلات الدستورية . الفصل السادس/ المواطنة والأحزاب السياسية.
الفرق بين المواطنة ومعاني أخرى
المواطنة : تحقيق للمساواة في الفُرص بين مواطني الدولة الواحدة. المساواة : حقوق وواجبات متساوية.
الجنسية : قاعدة قانونية واحدة (عامة ومجردة) للتمتع بجنسية الدولة. الوطنية : مشاعر وأحاسيس تجاه الوطن.
الوطـــن :أرض وشعب وتاريخ وثقافة مشتركة. الدولـــة : كائن قانوني اعتباري مكون من , أرض وشعب وحكومة.
القوميــة : صفات وراثية مشتركة , جينية وثقافية. الهوية : أوراق رسمية توضح الجنسية .
( التوصيات )
1- ضرورة الموافقة على إنشاء أحزاب تمثل اتجاهات دينية (مسيحية أو إسلامية) مع مراقبة اعمالها وشروط تضمن أزالة حالة الاحتقان والمواجهات بينهم وبين غيرهم وتحديد ادائهم فى اطار يعبر عن مصالح الامه دون التعصب الدينى الاعمى .
2- إعادة هيكلة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان وضم عناصر قضائية ( محايدة ) له وأخرى غير حكومية ومنحه صلاحيات الضبط القضائي وسن تشريع يعزز دوره القانوني .
3- استحداث جهاز له صلاحيات قانونية من شأنه تتبع حالات المحسوبية والوساطة والتربح في شتى المجالات وإعادة العمل بقانون (من أين لك هذا) بصورة أكثر واقعية ودون أن تتضارب أحكامه مع الدستور والقوانين الحالية المنظمة لذات الموضوع .
4- إعادة النظر والمراجعة لمناهج التربية القومية بما يتوافق والعصر الحديث لتدعيم فكرة المواطنة لدى التلاميذ والطلبة فى مختلف مراحل التعليم .
5- تطوير مناهج التاريخ لإبراز الأدوار الوطنية الحديثة بشكل ينمى ويدعم مفهوم المواطنة الحقيقي وتعميم تلك المناهج سواء فى التعليم الحكومي أو الخاص .
6- تدعيم جهاز الرقابة الإدارية بعناصر جديدة وجريئة ودعمه إعلاميا وقانونيا لمطاردته عناصر الفساد فى كافة المواقع وعلى رأسها مجلسي الشعب والشورى .
7- تخلص الحزب الوطني من عناصره المشبوهة والتي اتخذت الحزب الوطني وحصانة المجالس الشعبية مطية للإثراء والتربح تحت غطاء الدعم السياسي والقيادي .
8- ضرورة كف الأجهزة الحكومية ذات السيادة فى التدخل فى شئون الأحزاب وترك مصيرها للقضاء بشكل كامل وقانوني وفى ظل اللوائح الداخلية لها .
9- إلغاء بعض الامتيازات المشبوهة لبعض الجهات والمسئولين (مثل:الدفعة التكميلية للنيابة العامة ، مد سن العمل للمسئولين، ظاهرة المستشارين، تولى أكثر من منصب فى وقت واحد ،ظاهرة الانتداب دون داعي ،ألخ)
10- تحديث دور وزارة العمل بإشرافها الكامل على عمليات التعيين والتوظيف بصورة تجهض صلاحيات الهيئات الطالبة للوظائف والتخصصات وإحالتها بالكامل للجان محايدة .
11- الاهتمام بالتنمية وخاصة فى الجنوب مع إيجاد المزيد من فرص العمل فى شتى المجالات سواء فى الداخل او الخارج .
12- منح المزيد من الحرية للصحافة المستقلة لكشف قضايا الفساد والتحقيق فيها فورا واطلاق يد النائب العام فيها دون ضغوط .
13- حسم العديد من القضايا المؤجلة (القومية) – قضية عبارة السلام – هايدلينا – حديد التسليح – قضايا التعذيب – ألخ ......... ، واتخاذ قرارات سيادية من شأنها تهدئة الرأى العام واستعادة حق المجتمع والقصاص الرادع والسريع من الجناة .
14- ضرورة تخلص الحزب الوطني والحكومة من العناصر التى يشتبه فى تورطها فى مساندة المنحرفين ومحاكمتهم بشكل علني لتدعيمهم للمتربحين .
15- ضرورة تغيير المفاهيم الأمنية مع تغيير القيادات الأمنية وامتثالها للتحقيق والعقاب لمنع التعذيب وإهدار كرامة الإنسان سواء فى أقسام الشرطة او السجون ووضع آليات جديدة للرقابة عليها من أجهزة محايدة بها عناصر من هيئات المجتمع المدني .

فهمى نديم

أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا
قطاع الثقافة العلمية
لجنة قضايا الشباب

ملتقى علمي حول
الثقافة العلمية والمواطنة والأحزاب السياسية
( الساعة 5 مساء الثلاثاء الموافق 19 يونيو 2007 بمقر أكاديمية البحث العلمي )

مقدم البحث / فهمي سعد فهمي نديــــم
المـهنــــــــة / صحـــفي nadeem_1962@hotmail.com
محتويات البحث: يقع البحث في 23 صفحة


المقدمة – الفرق بين المواطنة والمعاني الأخرى الشبيهة
الفصــل الأول/ المفهوم الحقيقي للمواطنة.
الفصل الثاني / المواطنة ثقافة وسلوك وتاريخ.
الفصل الثالث/ المواطنة والانتماء !!
الفصل الرابع / اثر التعليم فى تدعيم قيم المواطنة والانتماء.
الفصل الخامس/ مبدأ المواطنة والتعديلات الدستورية ..
الفصل السادس/ المواطنة والأحزاب السياسية.

التوصيات - المراجع والمصادر


مقدم البحث
فهمي نديـــم

المــقدمــة

"المواطنة " قضية أزلية أبدية، تعاود طرح نفسها بإلحاح على ساحة الاهتمام العام كلما دعت المتغيرات المهددة لتماسك الكيان الاجتماعي لدولة ما، ومصرنا كما لا يغيب عن فكرنا وخاطرنا على مفترق مصائر متباينة، في غمرة عديداً من المشكلات ، الأمر الذي يٌلحٌ علينا بوجوب التصدي لما أصاب المواطنة من علَلْ، استلهاماً ًللتاريخ المصري الناصع، امتدادا بحدوده الجغرافية ومروراً بحقبه الزمنية ، وما يواجهه من تحديات ، واستيعاباً لتحولات إقليمية وعالمية، وسعياً لترميم حياتنا الاجتماعية، وتقويم أحوالنا السياسية ، والتسلح بأدوات التكنولوجيا والمعلوماتية ، وتدعيماً لقدراتنا السيكولوجية، عَلنا نسهم بلبنات فيما نطمح إليه من راسخ بناء . والمواطنة المصرية Egyptian citizenship أو "مواطنون لا رعايا"، شعار ينبغي أن يسود حياتنا بمختلف مناحيها، وأن يترجم إلى ممارسات فردية ومؤسساتية على أرض مصر, وإن كانت المواطنة شأناً عاماً، فإن التصدي لبحثها وكشف مُعيقات تحقيقها، واستجلاء سبل تفعيلها، هو جهد ُمُناطُ بأهل الفكر، والباحثين بمختلف العلوم الإنسانية.
مفهوم المواطنة بشكل عام , وعرفها على انها كلمة مشتقة من كلمة الوطن صفة تلحق بشخص معين ينتمي إلي وطن يحمل جنسيته ويتخذه مكانا ومقرا يقيم فيه عادة . و مفهوم المواطنة يستند ويرتكز على عدة مباديء دستورية عند الممارسة وذلك فور اكتساب الجنسية وتشمل تلك المبدأ مبداء سيادة الشعب ، و مبدأ المساواة أمام القانون ، ومبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ المساهمة في الحياة العامة. ثم تحدث بعد ذلك عن المفهوم الجنسى او النوعى للمواطنة بمعنى انه لايجب ان تفرق التشريعات القانونية ما بين الرجل والمراءة أو استبعادها أو المساس بحقوقها الشخصية والاجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية والمدنية علي أساس النوع. ثم ان المفهوم الاجتماعى للمواطنة هو ضرورة عدم التمييز بين المواطنين فى تولى المناصب العامة على اساس وضعهم الاجتماعى وحالتهم المادية. وفى هذا الاطار ننتقد فكرة التمثيل النسبى للاقليات نظراًلان التمثيل النسبي نظام قائم علي معني الأحزاب السياسية ووجوب تمثيلها تمثيلا يتكافأ مع قوة أنصارها حتى تجتمع المنازع السياسية في مجلس النواب بحسب قواتها الصحيحة . ثم إن الأقليات السياسية أقليات متحولة وقد تصبح أكثرية بعكس الأقليات الجنسية أو الدينية فإنها ثابتة وهي فضلا عن ذلك لا تمثل فكرة خاصة ولا يمكن أن توجهه سياسة البلاد توجيها خاصا .

الفرق بين المواطنة ومعاني أخرى
تعريف بعض المصطلحات القريبة في المعنى, ربما يفيد في تسليط الضوء وزيادة الوضوح , حيث سيبين أن المواطنة هي , درجة أعلى من المساواة , ومن الجنسية :
• المواطنة : تحقيق للمساواة في الفُرص بين مواطني الدولة الواحدة.
• المساواة : حقوق وواجبات متساوية.
• الجنسية : قاعدة قانونية واحدة (عامة ومجردة) للتمتع بجنسية الدولة.
• الوطنية : مشاعر وأحاسيس تجاه الوطن.
• الوطن :أرض وشعب وتاريخ وثقافة مشتركة.
• الدولة : كائن قانوني اعتباري مكون من , أرض وشعب وحكومة.
• القومية : صفات وراثية مشتركة , جينية وثقافية.
• الهوية : أوراق رسمية توضح الجنسية .


الفصل الأول

المفهوم الحقيقي للمواطنة

أثارت مقترحات التعديلات الدستورية جوا من الحوار حول دائرة واسعة من قضايا الشأن العام لعل من أهم جوانبها النقاش حول مبدأ المواطنة‏,‏ وإلي ماذا يشير هذا المفهوم‏,‏ وهل هو فكرة جديدة علي حياتنا السياسية‏,‏ ولماذا يطرح الآن؟‏.‏
والحقيقة أن المواطنة ليست مصطلحا أو مفهوما جديدا علي الحياة السياسية المصرية‏.‏ فمصر دولة تاريخية قديمة‏,‏ انصهرت المكونات المختلفة لشعبها عبر التاريخ في بوتقة جعلت من هذه المكونات نسيجا موحدا يقوم علي أساس المعيشة المشتركة‏.‏ وجاءت الثورات المصرية في أعوام‏1952,1919,1882‏ لتؤكد أن المواطنة هي أساس بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة‏.‏
ومن الناحية النظرية يشير مفهوم المواطنة إلي ثلاثة جوانب‏.‏ فهو أولا‏,‏ يتضمن علاقة قانونية هي علاقة الجنسية‏.‏ وهي علاقة بين الفرد والدولة بمقتضاها تسبغ الدولة جنسيتها علي عدد من الأفراد وفقا للقوانين المنظمة ذلك‏.‏ وهو ثانيا‏,‏ يشير إلي علاقة سياسية تشمل مجموعة من الحقوق والحريات والواجبات‏.‏ فالمواطنون وحدهم هم الذين من حقهم الاستفادة من الخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها هيئات الدولة‏,‏ وهم وحدهم الذين يحق لهم ممارسة الحقوق السياسية كالانتخاب والترشيح وتكوين الأحزاب‏,‏ وهم وحدهم أيضا الذين عليهم واجب أداء الخدمة العسكرية‏.‏ ومؤدي ذلك أن مفهوم المواطنة يرتبط ارتباطا وثيقا بمشاركة المواطن في الحياة العامة‏.‏ ثم هو ثالثا‏,‏ علاقة معنوية وعاطفية ترتبط بحب الوطن والولاء لمعطياته ورموزه من لغة وتاريخ وثقافة وغير ذلك من رموز الهوية والانتماء‏.‏
وبالنسبة لأغلب الناس‏,‏ فإن الجوانب الثلاثة للمواطنة تتطابق مع بعضها البعض‏.‏ أي أن أغلبية مواطني دولة ما يعيشون علي أرضها‏,‏ ويشاركون في أنشطة مؤسساتها السياسية والاجتماعية‏,‏ ويرتبطون معنويا برموزها‏.‏ ولكن ترد استثناءات علي ذلك مثل الأشخاص الذين يحملون جنسية اكثر من دولة ويمكنهم ممارسة حقوق المواطنة في الدولتين وفقا للقوانين المنظمة لذلك‏.‏ من ناحية أخري‏,‏ قد ترد قيود علي ممارسة بعض حقوق المواطنة كحق الترشح للبرلمان ومثال ذلك الحكم الصادر في مصر بمنع مزدوجي الجنسية من الترشيح لمجلس الشعب أو بمنع من لم يؤد الخدمة العسكرية من هذا الحق‏.‏
هذه المفاهيم‏,‏ في جملتها‏,‏ ارتبطت بظهور الدولة الوطنية الحديثة وتبلور العلاقة بين المواطن والدولة علي نحو غير مسبوق في التاريخ‏.‏ فالمواطنة تشير في معناها القانوني إلي أحد أركان الدولة الحديثة وهو‏'‏ الشعب‏'‏ الذي يتكون من مجموعة الأفراد الذين تمارس مؤسسات الدولة ولايتهم عليها ويخضعون لقوانينها‏.‏ ومن ثم‏,‏ فإن حدود الجماعة السياسية المصرية تتماثل مع حدود المواطنة المصرية‏,‏ ويشارك فيها المصريون دون سواهم‏.‏
وبنفس المنطق‏,‏ فإن المواطنة تمثل رباطا سياسيا بين المواطن والدولة يكون من شأنه ترتيب مجموعة من الحقوق والواجبات العامة لعل أهمها انفراد المواطنين بالحق في اختيار حكامهم من خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة‏,‏ وأن يكون لهم دورهم في الرقابة علي سلوك الحكام من خلال مؤسسات تمثيلية منتخبة‏,‏ وكذا من خلال الرأي العام وهيئات المجتمع المدني‏.‏
ومن هنا نشأ الارتباط الوثيق بين مبدأ المواطنة وفكرة تكافؤ الفرص والحقوق المتساوية من ناحية‏,‏ وكذلك ارتباط هذا المبدأ بالنظام الديمقراطي من ناحية أخري‏.‏ فلا مواطنة بدون مساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن الدين والمذهب والنوع والأصل‏,‏ وهذا هو جوهر المادة‏40‏ من دستورنا الحالي‏.‏ ويكون من تبعات المواطنة الحقة التأكد من تمتع جميع المواطنين بهذه الحقوق وبحث المعوقات التي يمكن أن تؤدي إلي عدم تحقق ذلك بالنسبة لمجموعة أو أخري منهم‏.‏
من ناحية أخري‏,‏ فإنه ليس من المبالغة القول بأن ممارسة حقوق المواطنة بشكل كامل تتطلب توافر نظام سياسي ديمقراطي‏.‏ فالمواطنة والديمقراطية صنوان ووجهان لعملة واحدة‏.‏ فممارسة حقوق المواطنة تتطلب مناخا ديمقراطيا‏.‏ وبنفس المنطق‏,‏ فإن ممارسة الحقوق والحريات السياسية والاجتماعية يكون من شأنها ترسيخ قيم المواطنة ودعم مشاعر الولاء والانتماء للوطن‏.‏ فعندما يدرك المواطن بأن صوته ورأيه يساهمان في تحديد الأولويات ورسم السياسات العامة‏,‏ فإن من شأن ذلك زيادة ارتباطه ببلده ووطنه‏.‏
وهكذا‏,‏ فإن المواطنة هي فكرة جامعة تضم بين ظهرانيها أبناء الشعب الواحد علي تنوع المكونات الدينية والسلالية والعرقية والقبلية والطائفية التي يشملها هذا الشعب‏,‏ وهي بمثابة‏'‏ القاسم المشترك‏'‏ الذي يربط بين هذه المكونات ويحقق ترابطها وائتلافها الوطني في إطار الدولة‏.‏

يتبع >
[line]

castle 14-07-2007 09:33 PM

ومن الخطأ البالغ قصر مفهوم المواطنة علي علاقات التنوع الديني مثل العلاقة بين أبناء الديانات المختلفة في مجتمع ما‏.‏ فذلك يمثل أحد جوانب المفهوم الذي يشمل أيضا ضمان المساواة بين المواطنين علي أساس النوع أي العلاقة بين الرجال والنساء‏,‏ والمساواة بين المذاهب والطوائف الذين ينتمون إلي نفس الدين‏,‏ والمساواة في الخدمات بين المواطنين الذين يعيشون في مناطق مختلفة من إقليم الدولة‏,‏ وضرورة توفير الخدمات الأساسية لكل المواطنين بغض النظر عن مكان إقامتهم‏,‏ وكذا المساواة بين المواطنين دون اعتبار للأصل أو اللون‏.‏ ومؤدي ذلك أن علاقة الدولة بمواطنيها هي علاقة سياسية وقانونية في المقام الأول تنهض علي المساواة بين جميع المواطنين‏,‏ وأن تكون الجدارة والكفاءة هي الأساس في التمتع بالحقوق والخدمات التي تقدمها هيئات الدولة‏.‏
أما عن لماذا الآن والأسباب التي دعت إلي اقتراح إدخال مبدأ المواطنة في المادة الأولي من الدستور كأساس تقوم عليه الدولة‏,‏ فإن السبب الرئيسي يكمن في متابعة ما يحدث في عدد من الدول العربية التي تتعرض اليوم لعمليات‏'‏ التجريف‏'‏ الاجتماعي والطائفي تحت تأثير أفكار وتوجهات مذهبية وطائفية مسمومة تقسم أبناء الوطن الواحد علي أساس الدين أو الطائفة أو الأصل أو العرق‏.‏ ومطلوب منا جميعا حماية بلادنا من تأثير هذه الأفكار المسمومة والاتجاهات الفاسدة‏,‏ وذلك من خلال إعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة الذي سعت بعض الآراء إلي التهوين من شأنه والتقليل من قدره لحساب ولاءات أخري‏.‏
فالمواطنة هي العمود الفقري والأساس الدستوري لكافة الحقوق والحريات في الدولة‏.‏ ومن ثم‏,‏ تصبح‏'‏ حقوق المواطنة‏'‏ هي أساس جميع الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية التي ينص عليها الدستور والقانون‏.‏ ويكون شيوع ثقافة المواطنة هو تأكيد لثقافة الديمقراطية‏,‏ وتأكيد للحقوق المتساوية لكل المواطنين‏.‏
ومن الضروري تأكيد أن النص علي أن الدولة المصرية تقوم علي مبدأ المواطنة في الدستور هو ليس نهاية المطاف‏,‏ بل أن يكون هذا النص منطلقا لممارسات فعلية تضمن تطبيق حقوق المواطنة وحرياتها‏,‏ وأن تتوافر نظم المتابعة والرقابة القانونية والسياسية والشعبية لهذه الممارسات‏.‏ بهذا‏,‏ يتحول مبدأ المواطنة من نص دستوري إلي واقع حي معاش يلمسه المواطنون في حياتهم اليومية‏.‏ إن مصر وطن لكل المصريين‏.‏ وطن يقوم علي العيش المشترك الواحد لكل أبناء الشعب‏.‏ لذلك كان من الطبيعي أن يحظي الاقتراح بتعديل المادة الأولي من الدستور بشأن مبدأ المواطنة بدعم كافة الأحزاب المصرية وتأييدها‏.‏

الفصل الثاني
المواطنة ثقافة وسلوك وتاريخ

لقد تحدث الكثيرون على المواطنة وروح المواطنة وثقافة المواطنة، ورغم ذلك لازلنا نشعر بامتياز بأزمة المواطنة. وهذا يجرنا إلى القول بأن الجوانب المدنية والقانونية والسياسية من حقوق المواطنة وواجباتها ليست كافية للتعبير عن مراعاة وتكريس مبدأ المواطنة وثقافتها، لأنه إلى جانب ذلك هناك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن ممارسة مبدأ المواطنة على أرض الواقع دون تقرير الحد الأدنى من هذه الحقوق والضمانات للمواطن حتى يكون للمواطنة معنى ويتحقق بموجبها انتماؤه وولاؤه لوطنه وتفاعله الإيجابي مع مواطنيه. عندما يتحقق هذا تنتقل المواطنة من كونها مجرد توافق أو ترتيباً بين المواطنين في الحقوق والواجبات قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية. كيف ذلك؟ قبل محاولة الاقتراب من الإجابة على هذا السؤال لا مناص من التطرق ولو سريعاً إلى معنى المواطنة وصفاتها ومجالها وشروطها.
يقال أن المواطنة هي حقوق وواجبات المواطن، ومن هذه الحقوق:
- المساواة والعدالة في الحقوق بينه وبين بقية الأفراد ولابد أن يشعر بهذه المساواة وهذه العدالة في جميع نواحي حياته اليومية سواء في التعليم أو العلاج أو فرص العمل، وعدم شعوره بأن هناك تمييز وطبقية.
- - كذلك من هذه الحقوق تأمين فرص عمل كريمة للمواطن يستطيع من خلالها أن ينعم بالعيش ويستطيع من خلالها تلبية متطلبات حياته وحياة أسرته اليومية حتى لا يضطر إلى أن يعيش فقيراً دليلاً بدون عمل أو يبحث عن المحرمات - ومن الوجبات مثلاً: - الحفاظ على الوطن من خلال الدعوة إلى المواطنة الصالحة والتمسك بحقوقه والقيام بواجباته على أحسن وجه - التعاون مع بقية المواطنين من أجل المصلحة العامة - أداء الضرائب....إلخ

- إذن يمكن اعتبار أن المواطنة هي القيام بالواجب والحفاظ على حقوق الجميع في ظل وحدة التعدد والتوحد المتمايز. وأظن أن هذا المعنى كفيل أن يزيل أي تفاضل في هذا الشأن بين المواطنين، ما دامت المواطنة في درجتها الأدنى هي مساواة أمام القانون في الوازع والناظم والرادع. لكنها ليست هذا فقط، أي أنها ليست مجرد حقوق وواجبات، وإنما هي كذلك ثقافة مجتمعية وآليات ضبط العلاقات يتوجب اكتسابها والتمرس في أدائها - فالمواطنة تتجاوز وبكثير الإعزاز بالعلم وتشجيع المنتخب الوطني أو التطوع للدفاع عن الوطن حينما يتعرض لأي خطر - إن المواطنة الحقة لا تتحقق إلاّ إذا علم المواطن حقوقه كاملة (مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية)، وبعد علمها عليه ممارستها والسعي لتحقيقها وعدم التنازل عنها - وبهذا المعنى تكون المواطنة في نهاية المطاف هي انتماء للوطن، ودرجة المواطنة مرتبطة بمدى الشعور بهذا الانتماء اعتباراً لكون الانتماء هو الارتباط الوثيق بالوطن. وبتعبير آخر المواطنة هي أن تعطي للوطن بقدر ما تأخذ منه، وهذا هو الحد الأدنى للمواطنة وقوامها - لكن مع الأسف الشديد إن ما نعانيه حالياً هو السعي وراء الآخذ من الوطن دون عطاء، وهذا انحراف قد يتمظهر في الفساد والزبونية والمحسوبية وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وانتهاز الفرص لتحقيق المصالح على حساب حقوق الغير واستغلال النفوذ والشطط في السلطة واستعمال المواقع لغرض تنمية المصلحة الضيقة وخدمتها والاغتناء والكسب عبر هضم حقوق الغير وانتهاكها وغير ذلك من الانحرافات التي أضحت هي القاعدة في حياتنا اليومية بالمدينة والجهة - علماً أن من صفات المواطنة الحقة الأمانة والصدق والإخلاص والجدية والإنتاج، وانتهاك هذه الصفات هو ضرب للمواطنة في صميمها. ولا تكتمل المواطنة إلا بالإحساس بأبعاد المسؤولية - أما فيما يخص مجالها، فإن المواطنة ليست حصراً على مجال دون سواه وانما هي تتسع لكل مجالات ومجريات الحياة بأكملها سواء تعلق الأمر بالفرد أو الجماعة - لكن هل هناك من شروط لتحقيق المواطنة بالمنظور المقدم منذ قليل؟ - أوّلاً وقبل كل شيء لابد من ملاحظة وهي أنه لا يمكن ملامسة مقاربة تقوى على تحديد تلك الشروط دون الأخذ بعين الاعتبار هموم ومعاناة المواطن. ففهم هذه المعاناة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية عموماً هو الكفيل بحشد الوعي الحقيقي بضرورة ترسيخ صيغة المواطن في شكلها الإنساني الأرقى، وبالتالي ترسيخ روح المواطنة التي لا تقبل أي فرق أو تمييز مهما كان نوعه ومصدره.
- وإضافة إلى هذا، من شروط تكريس المواطنة هناك الأخلاق والقيم والمبادئ وتطبيق القانون وكذلك الترابط بين الأخلاق والقانون - إذن لابد من رد الاعتبار للبعد الأخلاقي للممارسة السياسية وممارسة المسؤولية. وهذا يتطلب درجة من الشفافية والمصداقية والأمانة، لازالت في حاجة للمزيد من التكريس في مدينتنا وجهتنا - كما أنه لا مواطنة بدون أخلاق وقيم ومبادىء. فإذا لم تكن الأخلاق والقيم والمبادئ هي الأساس وهي المنطلق فلا جدوى فيما يسمى بتخليق الحياة العامة، لأنه يمكن ابتكار "قوالب" لإفراغ هذا الشعار وهذا المطلب من محتواه ومعناه، وهذا ما نعاينه في أكثر من مجال - كما من شروط المواطنة تطبيق القانون في جميع الظروف لجعل دولة الحق والقانون واقعاً يومياً قائماً وممارسة يعاينها الجميع وسلوكاً عمومياً يلتزمه الجميع. فلا يمكن تصور اقرار دولة الحق والقانون دون سيادة الأخلاق التي بدونه لا معنى لا للوطنية ولا للمواطنة. إذ أن أن الحق والقانون يقومان بالأساس على الصدق والإخلاص. كما أنه لا قانون بدون انتماء. وهنا تبرز العلاقة العضوية بين المواطنة والإقرار بدولة الحق والقانون.لأن احترام القانون لا يجب أن يكون نابعاً من الخوف وإنّما هو تعبير عن قمّة الشعور بالانتماء، وبالتالي يمثل أعلى درجة في تكريس المواطنة. كما أن الحرص الشديد على تطبيق القانون هو ذِرْوة المواطنة. وعندما يصل المرء إلى هذه الدرجة من الوعي والمسؤولية تختفي الحدود بين المواطنة كإنتماء للوطن والوطنية كولاء لهذا الوطن.

- لذلك نقول أنه من شروط المواطنة الحرص على الترابط بين الأخلاق والقانون وهذا الترابط هو الذي يشكل القاعدة الصلبة للمواطنة - فما هو واقع المواطنة بالقنيطرة وجهتهت وما هي تجليات ضعفها؟
- لمحاولة الإجابة على هذا التساؤل علينا أن نتعامل مع المواطنة ليس كمعطى عام موضوعي مسلم به، وإنما كما هي ممارسة على أرض الواقع.

- تمر مصر اليوم بظروف صعبة، وقد يتساءل المرء ألا يتحمل سكانها والقائمون على الأمور بها والمسؤولون والفاعلون والمواطنون العاديون مسؤولية هذا الواقع؟ ألا تملك مصر القدرة على تغيير هذا الوضع، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وبيئياً، وعلى صعيد التجاوب الحضاري، وذلك لتحقيق الحلم البسيط لأي مواطن من ساكنتها في عيش انساني اقتصادي يضمن كرامته ويكرس حقوقه ويسمح له بالقيام بواجباته على الوجه الأكمل؟
- لقد أضحى من المعروف حالياً أن ما يحصل فى مصر من مشاكل وترهل هو نتيجة لتراكمات وُكِبَت بظروف تاريخية غريبة لعب فيها العامل السياسي الدور الرئيسي.

- إلا أن أول خطوة للتخلص من هذا الوضع هي تفعيل آليات تكريس المواطنة وثقافتها، باعتبار أن واقع المواطنة عندنا لازال رديئاً.

- هل يمكن تكريس المواطنة دون توفير الرعاية الصحية؟ وهل من المواطنة أداء الضريبة المضافة على الدواء؟

- يمكن الإستمرار طويلا في طرح مثل هذا الأسئلة التي لا حصر لها لتبيان تجليات ضعف المواطنة وثقافتها عندنا.

- عموماً هناك سيادة غياب الإخلاص في القول والعمل، واختفاء الصدق في العمل والممارسة اليومية، وسيادة قيم غريبة من قبيل يجب أن يكون للمرء جملة من الحيل و المكائد لأن هذا الزمان لا يعمل إلا بالخداع و المكائد
- ومن قبيل أترك الأمور تسير- ومن قبيل: إن فعل الخير تجني منه المتاعب و وجع الدماغ - ومن قبيل: عليك أن تخدعه قبل أن يخدعك

- وهذه كلّها مفاهيم وتصورات تتنافى مع روح المواطنة وثقافتها. كما تتنافى مع مفهوم المواطنة في الإسلام.

- ولابد أن نقول ان المواطنة وفق الرؤية الإسلامية تتمثل في صلاح المجتمع وتحقيق مقاصده الشرعية وعلاقات الحقوق والواجبات ومستوى تقديم المصالح سواء كانت عامة أو خاصة. وتنحصر ركائز المواطنة من المنظور الإسلامي في الحاكم والوطن والمواطن ، والوطن في المنظور الإسلامي هو البلد المطمئن الذي يقيم شرع الله يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، يراعي واجبات وحقوق الحاكم والمحكوم، ويقوم على المناصحة والشورى ويسعى لرقي ونماء المواطن. وتحدد حقوق وواجبات المواطنة في السمع والطاعة لولي الأمر واحترام النظام وعدم الخيانة وعدم خدش كرامة الوطن والدفاع عنه وتنمية اقتصاده والمحافظة على ممتلكاته ومرافقه. ومسؤولية المواطنة انطلاقاً من المنظور الإسلامي موضوعة على عاتق الفرد والأسرة والمجتمع والمؤسسات الحكومية.

- لقد أضحينا نعاين ضُعفاً وضموراً متزايداً وبوثيرة متسرعة في هذا الشعور بالانتماء إلى الوطن، وقد وصل هذا الضمور جداً مخيفاً، وبالتالي من الطبيعي جداً أن يوازيه كذلك وبنفس الدرجة ضعف بارز في الولاء للوطن - ولا يخفى على أحد أن الأوطان ومستقبلها يبنى بالانتماء للوطن والولاء له. وبالتالي فلا نماء للإنسان سواء في مدينتنا وجهتها أو غيرها بدون الشعور بالانتماء.- وهذا يفرض علينا، أكثر من أي وقت مضى البحث في الأسباب والمسببات التي أدت إلى ضمور ذلك الشعور لمواجهتها والتصدي إلى ضمور ذلك الشعور ولمواجهتها والتصدي إليها على مختلف المستويات - على مستوى الأسرة - على مستوى الحي والدوار- على مستوى المؤسسة التعليمية - على مستوى المدينة - على مستوى مصالح الدولة وإداراتها - على مستوى القطاع الخاص - على مستوى الهيئات المنتجة، سياسية أو مهنية- على مستوى ممارسة القائمين على الأمور ونهج اضطلاعهم بمهامهم ومسؤولياتهم - على مستوى المجتمع المدني وتوفير الشروط لتمكينه من القيام بمهامه. وفي النهاية فان المواطنة شرف، لذلك فإن المسئولين على الأمور والساهرين على تدبير الشأن المحلي إن هم لم يلتزموا بالقواعد الأخلاقية والأصول المهنية والضوابط القانونية، فإنهم يشكلون أكبر عرقلة لتكريس المواطنة لتوجيهها وجهتها، وبالتالي لاسترجاع الشعور بالانتماء للوطن. إنهم مطالبون قبل غيرهم حالياً أن يعطوا للوطن و يجزلوا في العطاء، ولا أن يأخذوا من الوطن دون عطاء، كما هو الحال في أكثر من ميدان ومجال. وعلينا أن نعلم أنه لا سبيل لتقدم مدينتنا وجهتها قوّيتين إلا بتجانس أبنائهما إلا بتكريس روح المواطنة ولا سبيل أمامنا إلاّ هذا. وهذه مسؤولية الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. فلن تكون مدينتنا وجهتها قوّيتين إلا بتجانس أبنائهما، ولن يتأتى هذا التجانس إلا بإدراك معنى المواطنة الصادقة قصد العمل على تكريسها لتصبح سلوكاً يومياً.

فهمى نديم
- بقية بحث المواطنة

الفصل الثالث
المواطنة والانتماء !!
إنهم يتحدثون عن المواطنة؟ يتناقشون ويتحاورن ،يتفقون ويختلفون...ورغم أنهم يجتمعون على أهميتها فى ظل حالة الحراك السياسى فى بلادنا المحروسة سيما الدخول فى المراحل النهائية لتعديل الدستور وجعل المواطنة أصل لهذه التعديلات المزمعة،إلا أننا كثيرا ما نخرج عن أصل الموضوع ونتطرق لشعارات رنانة لا محل لها من الإعراب دون أن نلمس جذور المشكلة وبالتالى نخرج بحلول هامشية لا تشفى الغليل.
ربما لا يختلف اثنان عن معنى المواطنة فلو سألت رجل الشارع العادى لقال لك المواطنة بالنسبة له تعنى المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات،ويتصور البعض جهلا أو تجاهلاً إن المساواة هنا مقصود بها انه لا فرق بين مسلم ومسيحى،وهذا معنى قاصر للمواطنة.فالمواطنة لا تفرق –ولا يجب أن تفرق- بين مسلما سنيا ومسلما شيعيا أو حتى مسلما بهائيا، كذلك لا يجب أن تفرق بين مسيحي أرثوذكسي أو مسيحي كاثوليكي أو مسيحي إنجيلي (بروتستانتي).فالأصل فى المواطنة أن الجميع أمام القانون سواسية لا أفضلية لدين أو مذهبا ًعن أخر .
كذلك المواطنة تعنى المساواة التامة والكاملة بين الرجل والمرأة،فلا فرق أو تمييز نتيجة للجنس،فللمرأة كافة حقوق الرجل من تولى المناصب العليا والتدرج فى سلك القضاء بل لها الحق فى الترشيح لرئاسة الجمهورية مادامت مواطنة مصرية و كائناُ عاقلا.ويمكننا تلخيص معنى المواطنة فى النقاط التالية :
اولاً : المواطنة تعنى فصل الدين عن السياسة
التاريخ خير شاهد على فشل الدمج فى تسييس الدين أو تديين السياسة،ارجعوا إلى عصر الخلفاء الراشدين ألم يُقتل ثلاثة من الخلفاء بحد السيف نتيجة الخلط بين السياسة والدين.الم يبدأ التناحر بدءا من اجتماع السقيفة عندما نشب الخلاف بين الأنصار والمهاجرين على من أحق بالخلافة ؟ألم يقل عبد الملك بن مروان عندما انتصر على مخالفيه وقتل مصعب بن الزبير بالعراق ونشر المصحف يوم توليه الخلافة وقرأ فيه ثم طبقه وقال: هذا آخر عهدي بك !!
ارجعوا إلى العصور الوسطى والتى يطلق عليها المؤرخين عصور الظلام ،لتروا كيف جمعت البابوية بين السلطة الدينية والسياسية بين الكنيسة والدولة،حتى أن الناس فى هذه العصور لم يعرفوا سوى مجتمع سياسى واحد هو المجتمع المسيحي،وانتشر واستشرى الفساد فى كل ربوع أوربا نتيجة الدمج والخلط بين كل ما هو دينى وما هو سياسى وصار البابا هو الحاكم بأمره الأمر الناهى،فهو رأس الكنيسة والمتحدث الرسمى باسمها،نائب المسيح،المعصوم من الخطأ،وفى ذات الوقت هو رأس الجهاز السياسى والزعيم الدينى الملكى. حتى اعتبره المعاصرون بان البابا هو ملك الملوك وأمير الأمراء.فلا عجب بعد ذلك أن تنهار المسيحية الكاثوليكية مع تفشى الفساد فى البابوية وينفجر عصر الإصلاح الانجيلى وتزدهر أوروبا سياسيا واجتماعيا وحضاريا.
فما أحوجنا فى مصرنا العزيزة،أن نتعلم من دروس الماضى ونأخذ العبر،ونبادر بأخذ زمام المبادرة بتفعيل المواطنة قولا وعملا،وألا تكون مجرد بنداً فى الدستور نتشدق به وقت الأزمات.وان ندرك جيداً ان السياسة والدين لا يجتمعان معاً.
ثانياً : المواطنة تعنى المشاركة
بان يُشارك الجميع فى بناء الوطن،وأن يكون حب الوطن ذو أولوية،وهذا لا يعنى التنازل عن القيم الدينية التى يعتنقها كل فرد،فمن مبادئ اى ديانة أعلاء شأن الوطن والمشاركة الفاعلة فى بناءة،فكلنا شركاء فى الوطن،لا أفضلية لأحد عن أخر،فعلينا ألا نكون متفرجين أو متابعين عن بعد بل فاعلين ناشطين نحو رفعة وطننا والدفاع عن كل طائفية تحاول تجزئته،فمن يتابع الأحداث فى لبنان يرى كيف أن التناحر الطائفى بين أبناء الوطن الواحد ،يكاد يفرض العزلة على لبنان.لسنا نريد أن نكون لبناناً جديدة فى ظل الظروف التى تعانيها بلادنا فما أحوجنا للتعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد.
ثالثاً : المواطنة تعنى قبول الآخر
إن كان الإنسان عدو من يجهل فهو صديق من يعرف،فعلينا نشر ثقافة التعددية وقبول الآخر،فقبول الأخر لا يعنى بالضرورة أن أقدم تنازلات إيمانية أو عقائدية،لكنه يعنى أن الدين للديان،ولا احد يمكنه أن يزعم انه يملك الحقيقة المطلقة،أو أنة مدافعا عن الله،فكيف يعرف المواطن المسلم تاريخ المسيحية وهو تاريخ مهمل فى المناهج التعليمية،فالحقبة القبطية اختزلت فى ورقات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة وكأن المسيحيين من جنس وعرق آخر أو مواطنين درجة ثانية.
فما أحوجنا أن نعرف بعضنا البعض، لنقبل بعض وان يتغلب الانتماء الوطنى على الانتماء الدينى،ويكون بحق "الدين لله والوطن للجميع" وتعود مصر لسابق عهدها ملجأ للحب والتسامح،ألا يذكرنا هذا بالثورة الوطنية فى عام 1919 عندما خرج الجميع بيد واحدة تحت شعار "عاش الهلال مع الصليب" وقتها اختفت النعرات الدينية فما أحوجنا للعودة للفكر الليبرالي والذي فيه نقبل بعضنا البعض ونعيش معا من اجل الوطن.
من الواضح أننا نعيش الآن فى حالة حراك ونشاط واضح نحو استعادة المواطنة المفقودة،سواء كانت فُقدت بعمد أم غير عمد،فالفرصة متاحة لكل الوطنيين والمحبين لهذا الوطن فى تأسيس وتأصيل فكر المواطنة وتفعيلها،فالرهان الآن على جموع الشعب المصرى فى كل مكان ،الرهان بين الوطنيين والمحبين لهذا البلد وبين المتشددين الحاقدين...فمن سيكسب الرهان ؟!.إن غدا لناظره قريب.

يتبع >

castle 14-07-2007 09:36 PM

فهمى نديم
بقية بحث المواطنة (صفحة 3 )

الفصل الرابع
اثر التعليم فى تدعيم قيم المواطنة والانتماء
اعتدنا في مصر علي إ ثارة قضية المواطنة كلما شهدت المحروسة أزمة طائفية ـ دينية‏,‏ وعادة ما يجري استحضار المفهوم والعزف عليه بشكل انتقائي يهدف بالأساس إلي القفز فوق الحقائق‏,‏ وطمسها‏,‏ وتنتهي المهمة بمشاهد مصطنعة مركبة لرجال دين يتعانقون ويتبارون في التغني بحب الوطن‏,‏ والوحدة الوطنية الراسخة‏,‏ دون أن يعني أن أيا منهم يفهم معني المواطنة أويدرك مكونات هذا المفهوم‏,‏ فهو ينفذ تكليف رئاسته الدينية الذي تلقفته بدورها من قيادة سياسية أو أجهزة تنفيذية أو جاء وليد حسابات مصلحية ضيقة‏.‏ وفي مرحلة تالية بات استخدام مصطلح المواطنة في مصر مرتبطا بالتوظيف السياسي والإيديولوجي‏,‏ وكثيرا ما جرت العودة إلي المفهوم لتحقيق أهداف تناقض جوهر قيمة المواطنة فالمواطنة كمفهوم يرتكز إلي تعريف واضح ومحدد يشير إلي انها العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات‏,‏ وهو مايعني أن جميع أبناء الوطن الذين يعيشون فوق ترابه سواسية بدون أدني تمييز قائم علي أي معايير تحكمية مثل الدين أو العقيدة‏,‏ أو الجنس أو اللون أو المستوي الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري أوالثقافي‏,‏ وبهذا المعني فان المواطنة تعني المساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات والمساواة لاتتوقف عند حدود النصوص الدستورية والقانونية‏,‏ بل لابد أن تنتشر بين المواطنين وتغدو ثقافة مشتركة‏,‏ ولا يعدو أي مكون من مكونات المواطنة محل تساؤل أو تشكك‏,‏ والمساواة أيضا تكون بمثابة شعور مشترك يستقر في وجدان أبناء الوطن جميعا‏,‏ وغني عن البيان أن قيمة المواطنة تطعن في الصميم إذا ما شعرت فئة من المواطنين وتحديدا علي أساس من عناصر الانقسام الأولية ـ وهي الدين‏,‏ العرق‏,‏ اللغة ـ بأن لديها ميزة نسبية علي غيرها من المواطنين بسبب ما توارثته من عنصر من هذه العناصر الأولية مثل الدين واللغة‏,‏ لاسيما إذا ماكان في مكونه الثقافي والإيديولوجي مايلح عليه بأنه وبسبب ماورثه من هذه العناصر يتمتع بأفضلية علي غيره من البشر إن لم يكن هو الأفضل علي الإطلاق‏.‏
ويبدو مهما للغاية الانتباه إلي هذه القضية والتي تتمثل في قناعة بعض المواطنين أو قطاع منهم بأنهم الأفضل‏,‏ والأعلي لعوامل لاعلاقة لها بالعمل أو الكفاءة أو الأخلاق أو الانجاز‏..‏ الخ‏,‏ وإنما لأنه من نسل مجموعة عرقية أو لغوية أو دينية معينة‏,‏ وهنا لامجال للحديث عن الوطنية والمواطنة‏,‏ وإذا جري الحديث عنها فسوف يكون لأهداف لاعلاقة لها بالقيمة ذاتها‏.‏
وإذا مانظرنا إلي الحال في مصر فسوف نجد بالفعل مشاكل جمة تكبل قيمة المواطنة وتجعلها منقوصة بل ومجروحة علي الرغم من أن مواد الدستور المصري تنص علي المساواة وحرية الرأي والاعتقاد وغيرها من القيم الإنسانية‏..‏ إلا أن المشكلة تأتي من تداخل الديني بالاجتماعي والسياسي‏,‏ وانتشار الثقافة الدينية التي تري في المشابه العقيدي في أقصي أركان المعمورة أقرب للنفس من شريك الوطن الذي هو علي عقيدة أخري‏.‏
ولم يتوقف الأمر في مصر عند حد انتهاك حقوق المواطنة‏,‏ بل بدأنا نشهد ظاهرة مركبة تتمثل في التوظيف الانتقائي الموقفي لمكونات جوهر وأساس قيمة المواطنة مثل المساواة‏,‏ حرية الرأي والاعتقاد‏..‏ بدا واضحا أن هناك حالة ذهنية يشارك فيها البعض تنطوي علي شن هجوم استباقي علي الأقباط أو فصيل منهم‏,‏ باستخدام مصطلح الاستقواء وبات هذا المصطلح يستحضر باستمرار كلما همت مجموعة من المصريين إلي مناقشة حال الوطن والمواطنة‏,‏ وأرادت أن تناقش قضية المواطنة بشفافية وتجرد وفي الحقيقة فان مصطلح الاستقواء الذي كثر استخدامه من قبل فصيل من الإسلام السياسي ومؤيديهم إنما ينطوي علي تجاوز غير مقبول‏,‏ فمصطلح الاستقواء هو في جوهره مصطلح استعلائي ينطوي علي احتكار الوطنية للذات‏,‏ ويمنح النفس حق إصدار الأحكام علي شركاء في الوطن‏,‏ يلقون بالمصطلح التهمة ـ دون أن يرفقوه بمؤشرات ودلائل علي هذا الاستقواء‏,‏ ولأن الهدف من وراء استخدام المفهوم أو المصطلح هو الردع أو الهجوم الاستباقي من أجل الردع‏,‏ فان النية مبيتة للخلط بين الأقباط وجماعة محدودة من أقباط المهجر‏,‏ ويجري التعامل مع أي جملة تصدر عن شخص ما‏,‏ باعتبارها تمثل رؤية الأقباط ومكنون قلبهم‏,‏ وتطلعاتهم‏.‏ هذا في حين أن بعض هؤلاء الداعين إلي الضغط الدولي من أقباط المهجر يتم استقبالهم رسميا من قبل الدولة المصرية التي تجري معهم حوارات لاعلاقة للأقباط المصريين بها‏,‏ ولاعلم لهم بما يجري من اتصالات تحتية بين مثل هذه العناصر وبين أجهزة الدولة المصرية‏.‏
أكثر من ذلك يبدو واضحا أن الذين يتحدثون من منطلق الاستهجان عن الاستقواء القبطي بالخارج‏,‏ هم أكثر دعاة مساندة الأقليات الإسلامية بجميع أشكال الدعم في أي مكان في العالم‏,‏ وهم أول من دعا إلي نصرة الأخوة في الشيشان والبوسنة والفلبين من منطلق التعاضد الديني‏,‏ ووفق هذا التصور فان استقواء الأخوة هناك بالخارج الإسلامي يسمي تعاضدا وتساندا ويراه فصيل آخر نوعا من الجهاد والذي ينطوي في جوهره علي الاشتراك في العمل المسلح‏!!‏
وبدا الأمر مثيرا حقا عندما جري الحديث من قبل أنصار هذا التيار عن قيم المساواة وحرية العقيدة وحرية الرأي والتعبير‏,‏ حيث اختاروا واقعة محددة ـ هي واقعة وفاء قسطنطين ـ للدلالة علي انتهاك حرية العقيدة في مصر‏,‏ وهنا نقول بوضوح شديد ان القضية ينبغي ان تكون مبدئية ومجردة من أي حسابات ذاتية ومن ثم لابد ان تطرح علي نحو شامل يتعلق بحرية الرأي والاعتقاد علي أساس مبدئي‏,‏ والسؤال هنا هل هذا المبدأ متحقق في مصر الآن؟ الاجابة‏:‏ لا إنه أمر غير متحقق في مصر فحرية الاعتقاد متاحة فقط‏,‏ بل ومرحب بها رسميا لمن يريد أن يشهر إسلامه‏,‏ أما العكس فدونه قائمة طويلة من العقبات ومن بعدها المخاطر‏.‏
وعند الحديث عن مسرحية كنيسة الإسكندرية جري استحضار مبدأ احترام المقدسات والمعتقدات وعدم المساس بها‏.‏ وهو مبدأ مهم لايمكن تحقيق تماسك وطني في أي مجتمع تعددي من الناحية الدينية دون أن يستقر في البنية القانونية وفي وجدان المواطنين‏,‏ ونعني مبدأ الاحترام المتبادل للأديان والمقدسات والمعتقدات‏,‏ كما يراها أبناؤها لا كما يراها أبناء الدين أو العقيدة الأخري‏,‏ أي أن أبناء الدين الواحد أوالعقيدة الواحدة هم الذين يحددون ما هو مقدس في دينهم أو عقديتهم ومن ثم وجب علي الجميع احترامه وتقديره‏.‏ وإذا قلنا انه لايمكن إطلاقا التسامح مع أي مساس بالعقائد الدينية‏,‏ فاننا نقول بوضوح شديد في المقابل هناك عشرات وربما مئات الكتب والكتيبات‏,‏ وشرائط الكاسيت التي تملأ المحلات وتباع علي الأرصفة وبرامج تليفزيونية وخطب دينية تجرح في العقيدة المسيحية وتتناولها بالتهكم‏.‏ وعند الحديث عن دور التعليم في مصر‏,‏ فالحديث يطول‏,
والدراسات المتخصصة التي تتحدث عن كوارث التعليم المصري بدءا من الحديث عن مبدأ التلقين‏,‏ انتهاء بتديين القصص والروايات وحتي موضوعات البيئة‏,‏ إضافة الي وجود كوارث حقيقية في مناهج التعليم للصفوف الابتدائية والتي تصل إلي وضع كلمة مسيحي كتضاد لكلمة مسلم في أحد دروس اللغة العربية‏.‏ نحن نريد مصر وطنا آمنا مستقرا تترسخ فيه القيم الإنسانية وتتقدم فيها مساحة المشترك علي حساب الطائفي‏,‏ وهي عملية تتطلب إيمانا أصيلا بهذه المبادئ باعتبارها مبادئ إنسانية لاصلح لمجتمع دونها‏,‏ ولا نهضة ونمو وتطور بعيدا عنها‏..‏ نحن في حاجة الي رؤية تطرح كل القضايا بشفافية كاملة وصولا إلي رؤية كلية مشتركة تنهض علي تكريس قيم المواطنة والمساواة‏,‏ رؤية تحترم العقائد والمعتقدات الدينية وتقر بمبدأ حرية الرأي والاعتقاد رؤية تؤمن بأن مصر للمصريين وأن قيمة المواطنة تسمو فوق أي اعتبار آخر‏,‏ إذا تحقق ذلك فان لبنة راسخة ستوضع في أساس صلب لمجتمع متماسك يؤمن بقيمة المواطنة ويتطلع إلي دولة مدنية عصرية حديثة‏.‏
نظام التعليم في مصر.. لا يساعد علي تنمية قيم المواطنة.. بل يشكل عقبة أمام ترسيخ قيمة الانتماء للوطن

هدف التعليم هو نشر الإيمان بالعلم والمنهج العلمي.. ولكن نظامنا التعليمي يشيع الخرافات والخزعبلات والدروشة والغوغائية ، التعليم الأزهري أصبح نظاما تعليميا كاملا ومستقلا ومغلفا.. يدخله التلميذ المسلم من الحضانة إلي نهاية التعليم الجامعي.. دون أن يصادف تلميذا قبطيا في حياته التعليمية كلها د. فتحي سرور سمح حين كان وزيرا للتعليم لأبناء المصريين بدخول المدارس القنصلية المخصصة لأبناء الدبلوماسيين الأجانب فأصبح لدينا تلاميذ مصريون يدرسون المناهج التي يدرسها الألمان في بلادهم والفرنسيون في بلاد الجن والملائكة.. وهكذا الفقراء يتعلمون في المدارس الحكومية المجانية التي لا تملك الكثير لتقدمه في سبيل المواطنة مناهج وأنشطة وقضايا النص القانوني علي التزام جميع المدارس الخاصة في مصر لمناهج وخطط وزارة التعليم يصعب وضعه موضع التطبيق بسبب عجز الوزارة عن ممارسة إشراف فعال علي تلك المدارس نظامان تعليميان كاملان ليسا ملزمين بتعاليم الوزارة ومناهجها هما التعليم الأزهري والقنصلي.. والمدارس الخاصة أصبحت مؤسسات قوية تستعصي علي الإشراف الحكومي الفعال مناهج التعليم تخلو من الإشارة لمشاكل مهمة مثل التطرف والإرهاب والفقر والبطالة وكثير منها يميز بين أبناء الوطن تدريس تاريخ المرحلة القبطية في مقررات التعليم العام لايزال مثار مد وجزر بين الوزارة والمتطرفين الذين يعدون المناهج الدارسية.. والمناهج تخلو من تنأول التراث والمناسبات والشخصيات القبطية المقررات الدينية الإسلامية في مراحل التعليم تزخر بروح متعصبة تعادي الآخر المختلف دينيا كيف نفرض علي أبنائنا في سن العاشرة أن يجيبوا علي سؤال يقول: ما الفرق بين المؤمن والكافر؟

فهمى نديم
بقية بحث المواطنة (صفحة 4 )

التعليم والمواطنة

المواطنة هي المسأواة القانونية والواقعية الكاملة لجميع المواطنين في ادارة شؤون المجتمع والتمتع بما فيه من حقوق، واداء ما يفرضه من واجبات دون اي تمييز بسبب النوع أو الدين أو اللون أو العرق أو الوضع الطبقي ، أو غير ذلك من اشكال التمايز بين ابناء الوطن الواحد .

وتدور تلك المواطنة حول أربعة من القيم الرئيسية هي :

أولا: قيمة المسأواة التي ينبغي ان تجسدها المبادئ الدستورية التي تنص علي حقوق متساوية وكاملة لجميع ابناء الوطن دون اي تمييز ، كما ينبغي ان تجسدها القوانين المختلفة التي ينبغي ان تعاقب علي كل فعل أو اجراء يتضمن تمييزا بين المواطنين علي اي اساس
اما القيمة الثانية فهي قيمة المشاركة ، فحيث ان الوطن شركة فينبغي ان يكونة للمواطنين جميعا اسهم متساوية في تلك الشركة ، كما ينبغي ان تشجع القوانين والسياسات المشاركة الوطنية في مختلف شؤون الوطن السياسية عبر تكوين الاحزاب وغيرها من الاشكال السياسية وغيرها من انواع المشاركات المدنية والاهلية كتاسيس الجمعيات الاهلية والنقابات والمشاركة في مختلف أوجه العمل العام
والقيمة الثالثة هي : قيمة الحرية اذ ينبغي ان يشعر المواطنون جميعا بحقهم الكامل في الحرية السياسية وحرية الراي والتعبير والمعتقد وحرية العبادة ، وحرية الاجتماع ،وغيرها من الحريات الجماعية والفردية. اما القيمة الرابعة فهي:المسؤولية اذ ينبغي ان تتوزع المسؤليات الاجتماعية كالتجنيد الاجباري مثلا علي المواطنين جميعا ، كما ينبغي ان يشعر المواطنين جميعا بحقهم في القيام بالاعباء التي تتطلبها حياتهم الاجتماعية وتدور حول قيمة المسئولية شعور المواطنين بمسئوليتهم عن ادارة شؤون المجتمع ومراقبة مختلف مؤسساته التشريعية والتنفيذية، وغيرها من المسئوليات .
وتمييزا لحقوق المواطن عن حقوق الانسان احب ان اشير هنا الي ان حقوق الانسان هي حقوق ومبادئ عامة ينبغي ان ينالها الانسان في اي وقت وفي كل مكان . فالحق في عدم التعرض للانتهاك أو التعذيب ينبغي ان يتوافر لكل انسان بغض النظر عن اي شئ اخر فهذا الحق فضلا عن انه ينبغي ان يتوافر للمصريين، فهو ينبغي ان يتوافر ايضا للسائح الفرنسي والمستثمر الامريكي واي موظف في قنصلية في بلادنا ، اما حقوق المواطنة فهي حقوق تعاقدية بين المواطن والدولة ترتب التزامات وواجبات متبادلة ، فاذ يجب علي المواطن اداء الضرائب والتجنيد فانه يحق له الترشيح للمجالس التشريعية أو تولي الوظائف العامة أو غيرها من حقوق.

أهداف التعليم

وأود ان أشير في البداية الي اعتقادي في ان للتعليم اربعة اهداف كبري - تتجاوز الأهداف التفصيلية والفنية للمراحل والمواد الدراسية وغيرها من جزئيات - اما تلك الاهداف الاربعة الكبري فهي:

أولا : الاعداد للثقافة : اذ ينبغي ان يكون خريج التعليم مثقفا ، ومؤهلا للتعامل مع الثقافة بمعناها الانساني الواسع وقضاياها المختلفة، فينبغي ان يؤمن بالديمقراطية وحكم الدستور والقانون ، وحرية الراي السياسي والمعتقد الديني ، وان يحترم التنوع الثقافي والاختلاف ، ويقدر الفنون والاداب، ويؤمن بحقوق الانسان ،ويقدر الجهد الانساني في تطور الحياة البشرية في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والعلمية ، وغيرها بصرف النظر عن مكان وزمان ذلك الجهد الانساني
وأود ان اشير هنا الي ما كان يقصد ذلك العبقري الراحل طه حسين ، اذ اطلق علي كتابه الذي يتنأول معظم قضايا التعليم ، والذي صدر سنة 1938 "مستقبل الثقافة في مصر" اما الهدف الثاني للتعليم فهو:الايمان بالعلم والمنهج العلمي: اذ ينبغي ان يؤمن خريج التعليم بدور العلم في تقدم مسيرة الانسان وحل مشكلاته الفردية والجماعية ، ودوره في حل ألغاز الكون ، وان المنهج العلمي هو الوسيلة الوحيدة للتقدم والنمو والازدهار.

أشير هنا الي ما يملأ حياتنا وثقافتنا من غياب النظر العلمي وسيادة الديماجوجيا، والاحساس بالعجز عن التعامل العلمي مع مشكلاتنا وهو مايؤدي الي انتشار الغيبيات والخرافات والخزعبلات والدروشة، حتي ان بعض من يلمعهم الاعلام لا يتورعون عن الزج بالارادة الالهية ـ جلت وعلت ـ في ظواهر طبيعية كالزلازل أو الموجات المدمرة كالتسونامي ، أو حتي المشكلات الاجتماعية كالأوبئة والفقر والمرض اما الهدف الثالث للتعليم فهو الاعداد لمهنة من المهن فالمجتمع في حاجة دائمة ومستمرة الي مهنيين في مختلف الفروع والتخصصات ، معلمين واساتذة جامعات ومحامين واطباء ومحاسبين ومهندسين وباحثين وصناع في الصناعات المختلفة ، المهم ان يعد جميع هؤلاء المهنيين علي اعلي مستوي بلغته تلك المهن في ظل التطور الدائم

المواطنة هنا تتضمن ابعاد التعليم الثلاثة .

البعد القيمي أو الوجداني أو الاتجاهاتي بما يعني الانتماء للوطن والاستعداد للبذل والتضحية في سبيله والحفأوة بتاريخه وتراثه ورموزه، وتقدير الدور الذي بذله رواده وابطاله ومفكريه ، والشعور بعمق عاطفة الاخوة الوطنية -- بصرف النظر عن الاختلافات سابق الاشارة اليها -- واحترام الدستور والقانون ، والايمان بمستقبل افضل علي ارضه،

اما البعد الثاني للمواطنة فهو البعد المعرفي :الذي ينبغي ان يتضمن معارف عن الوطن جغرافيته واقاليمه وتركيبته السكانية والعرقية والدينية ، وتاريخه، وابرز احداث ومنعطفات وقادة ذلك التاريخ ،كما ينبغي ان يتضمن المعرفة بالنظام السياسي واليات عمله ومؤسساته والدستور والقانون الذي يحكمها، والمعرفة بالاحزاب السياسية واتجاهاتها وصحفها وقادتها ، والمعرفة بمؤسسات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وكيفية تكونها واليات عملها، وواجباتها تجاه المواطنين، والمعرفة باهم القضايا والمشكلات الوطنية كالفقر وانخفاض مستوي المعيشة وحالة التعليم والبيئة، وتدني المشاركة السياسية والمجتمعية وضعف الاهتمام بالعمل العام ، ومشكلات المراة ، والمهمشين والاحياء العشوائية وعمالة الاطفال والادمان والبطالة والتطرف ، وغيرها ممن تخص تكوينات مختلفة من السكان ولكنها تعتبر تحديات وطنية في المقام الأول. كما ينبغي ان تتضمن المعارف المواطنية معارف حول التحديات المستقبلية ، والتحديات الخارجية ودور الوطن في الصراعات الدولية والاقليمية.

يبقي البعد الثالث للمواطنة وهو البعد المهاري أو السلوكي: اذ ينبغي ان يتدرب المواطن أو الطالب علي قراءة القانون والدستور ومناقشتهما مع الاخرين ، وعلي سماع نشرات الاخبار ومناقشة ماجاء بها من قضايا تهم الوطن ، وعلي استخراج بطاقة الانتخاب ، ومهارات الترشح للمجالس المختلفة ومهارات التصويت وتكوين جماعات الدعوة والضغط، ومخاطبة المؤسسات التنفيذية والتشريعية ، ومهارات متابعة التنفيذيين والتشريعيين، ومهارات الاتصال مع الاخرين ، ومهارات التعبير عن الراي والدفاع عن المواقف واحترام الاراء المخالفة تلك هي ابعاد المواطنة الثلاثة . فماهو موقف التعليم منها . هل يدعمها وينميها ، ويفسح لها المجال في نظمه وخططه ومناهجه وانشطته ، فيزيد المواطنين تماسكا وانتماء وولاء لوطنهم . ام انه ينبذها ولا يوليها ما تستحق من عناية واهتمام، مما يؤدي في النهاية الي تكريس الطائفية وانكفاء كل اصحاب عقيدة أو عرق أو ثقافة مغايرة علي ذواتهم والي داخلهم واتخاذ الطائفة بديلا عن الوطن . ويؤدي ايضا الي ضعف الولاء والانتماء ، وعدم الثقة في المستقبل ، والبحث عن حلول فردية للمشكلات، اسهلها الهجرة الي الخارج بحثا عن وطن افضل. وقبل ان ادلف الي علاقة التعليم بالمواطنة -- وهو موضوع مقالي ذاك - اعتقد انه ينبغي ان اشير في جملة اعتراضية طويلة بعض الشئ الي العديد من العوامل التي تقف حجر عثرة في سبيل تنمية قيم المواطنة والانتماء ومنها علي سبيل المثال تيبس مفاصل النظام السياسي في الحكم والمعارضة علي السواء ، وعدم وجود اليات شفافة ومعروفة ومحترمة لتدأول السلطة ، ومنها الاستبداد السياسي الذي يجعل قيمة الولاء للحكم تفوق قيمة الولاء للوطن. ومنها احتكار قلة قليلة من المنتمين للنظام للسلطة والثروة ، مما يعزز من مشاعر الاغتراب وعدم الجدوي لدي جمهرة المواطنين ، ومنها الفساد واخطره المستند الي السلطة والذي يؤكد مشاعر الاغتراب وعدم الجدوي من العمل الوطني العام لدي المواطنين . بالاضافة الي غياب آليات الشفافية والمحاسبة والمساءلة للمسؤلين والموظفين العموميين. ومنها ارتفاع صوت الامن علي صوت الثقافة في التصدي للقضايا الوطنية المختلفة كالفتنة الطائفية مثلا . ومنها محاصرة الاحزاب السياسية وانشطتها ، والتنكيل بالمعارضين والتصدي لاشكال الاحتجاج والتعبير، ومنها تزوير الانتخابات ، والعبث بالدستور والقانون، وتفصيل بنوده علي مقاس اصحاب المصالح، ومنها عدم تطبيق القانون الا اذا ارادت الدولة تطبيقة ، ومنها تدهور قيمة المواطن امام الة الدولة ، ومنها بعض خطباء المساجد ومنابر الاعلام -- حتي الرسمي منها -- الذي يحض علي كراهية الآخر ، واحتقار قيمة المواطنة لصالح الاخوة الدينية - كما قال قائلهم ذات يوم: المسلم الهندي اقرب الي من القبطي المصري --... وغير هذا كثير مما لا يتسع له المقام .

يتبع >
[line]

castle 14-07-2007 09:39 PM

فهمى نديم
بقية بحث المواطنة (صفحة 5 )

فقراء وأغبياء

واعود من ثم الي علاقة التعليم بالمواطنة وخاصة في ابعادها الثلاث سابق الاشارة اليها. وأول مايلفت النظر هنا تلك الاذدواجية البغيضة التي تقسم نظامنا التعليمي الي انواع مختلفة فهناك تعليم الفقراء الحكومي العام المجاني الذي لا يقدم كثيرا للطلاب سوي الشهادة في آخر المطاف، وتحت ضغط الكثافة العالية والتناحر في سبيل النجاح ، واستشراء ظاهرة الدروس الخصوصية، لم يعد لدي المدرسة الكثير لتقدمه في سبيل المواطنة مناهجا وانشطة، وقضايا. وهناك التعليم الازهري الديني ، الذي لا يقبل سوي ابناء المسلمين ، واصبح نظاما تعليميا كاملا ومستقلا ومغلقا، يدخله التلميذ المسلم من الحضانة الي نهاية التعليم الجامعي ، دون ان يصادف تلميذا قبطيا في حياته التعليمية كلها ، رغم ان الاقباط معه في النادي والاتوبيس والشارع والعمارة وغيرها، وليس هذا مجال الحديث عن المناهج التي لاتعني بالوطن أو المواطنة ، ففي التراث الديني التقليدي تعلو قيمة الاممية الاسلامية قيمة المواطنة - وقد قال بعضهم ذات يوم، المسلم الهندي اقرب الي من القبطي المصري ، ونادي آخر بحرمانهم من دخول الجيش -.

وهناك التعليم الخاص ذو المصروفات الباهظة التي تصل الي عدة عشرات الالاف من الجنيهات ، ويدرس فيه الطلاب باللغات الاجنبية ، كما يدرسون الكثير من المناهج المتقدمة ،والانشطة الثرية ، مسرح ، سباحة ، فروسية ، اتيكيت ، بل ان بعض المدارس تتيح لتلاميذها عبر نظام للتبادل بين المدارس في مصر والعالم ان يعيش بعض الطلاب المصريين الاجازة الصيفية مع اسر في انجلترا أو امريكا أو غيرها . ونحن هنا لسنا في مجال تقييم تلك المدارس أو هذا النظام ، وانما فقط نعني بنظم التعليم المختلفة التي ينخرط فيها ابناءؤا المصريون. يبقي بعد ذلك التعليم القنصلي ، وهو نظام أجنبي تماما ، موجود من الأساس لأبناء الموظفين والدبلوماسيين العاملين في القنصليات الأجنبية ، وهم بطبيعة الحال عرضة للنقل في أي وقت ، وعرضه أيضا للعودة إلي بلادهم ، ولذلك فان دولهم تعد لهم مدارس مثل المدارس في بلادهم تماما ، وقد كان الالتحاق بتلك المدارس ممنوعا تماما علي المصريين ، ولكن سنة 1988، كانت قد جرت في نهر الحياة والثقافة المصرية مياه كثيرة واصبح الطلب علي التعليم الاجنبي كبيرا، وهكذا سمح الدكتور فتحي سرور لأبناء المصريين بدخول تلك المدارس القنصلية ، وهكذا اصبح لدينا تلاميذ مصريون يدرسون المناهج التي يدرسها الألمان في بلادهم والفرنسيون وغيرهم ويبقي بعد ذلك من ابنائنا المصريين من لم يلتحقوا باي نظام تعليمي ، والذين تحول ظروف اسرهم الاقتصادية عن الالتحاق بالمدارس اصلا ، يضاف اليهم من تسربوا من المدارس دون ان يتمكنوا من اي مهارات في القراءة أو الكتابة أو غيرها ، وهؤلاء يتعرضون لثقافة شفاهية تقليدية ليست وثيقة الصلة بقضايا المواطنة التي نعنيها. هذه أربعة أنواع مختلفة من التعليم - سنترك الامية جانبا - تعد كل من تلك الأنواع المختلفة تلاميذها بطريقة مختلفة عن غيرها. إشراف الوزارة نعم نعلم ان القرار الوزاري رقم 306 لسنة 1993 يجبر جميع المدارس الخاصة في مصر علي الالتزام بمناهج ومواد الوزارة الدراسية كحد ادني للحصول علي ترخيصها واعتماد شهاداتها ، وكذلك التزامها بخطط الوزارة المالية والفنية ولكننا هنا نشير الي ثلاث مشكلات تتعلق باشراف الوزارة علي جميع المدارس : أولها ان هناك نظامين تعليميين كاملين ليسا ملزمين بتعاليم الوزارة و مناهجها. وهما التعليم الازهري والقنصلي. والمشكلة الثانية تتعلق بان الوزارة نفسها تنوء باعباء مدارسها التي يتجأوز عددها الثلاثين الفا . فضلا عن ان كثيرا من تلك المدارس الخاصة اصبحت لظروف لا مجال لشرحها مؤسسات قادرة وقوية تستعصي علي التفتيش المالي والاداري والفني من الوزارة اما المشكلة الأخيرة فتتلخص في ان المنهج الدراسي والمقررات ليست هي كل شئ في التعليم فهناك المنهج الخفي والمناخ والأنشطة والثقافة والإطار التنظيمي وهي كلها تختلف من نوع لآخر من أنواع التعليم. ، وهي ايضا قد يفوق اثرها المقررات الدراسية نفسها فما خطورة تنوع النظم التعليمية علي قيمة المواطنة . وهنا نشير الي ان التعليم الوطني أصلا قد نشا لخدمة الفكرة الوطنية من الأساس . فقبل العصور الحديثة لم يكن هناك تعليما وطنيا وانما كان التعليم كله طائفيا . تقوم الطائفة بإنشاء مؤسساتها التعليمية الخاصة والتي قد لاتمت باي صلة بمؤسسات الطائفة الاخري التي تسكن الحارة التي تجاورها . ولكن مع هبوب رياح القومية والاتجاه نحو نشأة الدول الحديثة التي تعتمد الروح القومية بديلا عن طائفية العصور الوسطي ، اصبح من الضروري وجود مؤسسات تعليمية تعد ذلك المواطن الذي يحب انتماءه للوطن انتماءه الي طائفته الدينية أو الاقتصادية أو غيرها من تقسيمات ومن هنا ظهرت المدرسة الموحدة والمنهج الدراسي الموحد والامتحانات الموحدة ، وطرق الإعداد الموجدة للمعلمين، وأصبح التعليم مجانيا للفقراء لكي لايحول حائل دون تحويلهم الي مواطنين كاملين بل اصبح هناك عقابا ينتظر الذين لا يسارعون بتقديم أولادهم الي تلك المدارس المجانية.

والسبب في هذا الإصرار علي التعليم الوطني الموحد . ان المواطنين في كل البلاد يتمايزون - كما أسلفنا -- علي أساس الدين والاقتصاد والثقافة والمهنة وغيرها . ومن الطبيعي هنا ان تختلف القيم والمفاهيم والاتجاهات بل واللغة والمصطلحات، بين كل جماعة وأخري ، وهكذا ياتي دور المدرسة الموحدة كبوتقة تنصهر فيها جميع عناصر الوطن الواحد . ويتخلق منها تلك السبيكة الوطنية الواحدة بمثلها وقيمها وابطالها وأهدافها المشتركة وقبل ذلك بإرادتها المشتركة للحياة معا تحت سقف الوطن الواحد. لعلنا الان ندرك خطورة الازدواجية التعليمية علي قضية المواطنة.

عقبات في الطريق

في بلادنا ناتي بعد ذلك الي تنأول العديد من العوامل التعليمية التي تقف حجر عثرة في سبيل غرس وتنمية قيم المواطنة في نفوس ابنائنا .

الادارة التعليمية ، والادارة المدرسية .فمدارسنا تدار كأنها مصالح حكومية تعمل جميعها تنفيذا للوائح والقرارات التي تاتي من اعلي . دون إتاحة اي قدر من الحرية أو المبادرة . لا للتلاميذ ولا للمعلمين. ولا للمدير . الكل ينتظر التعليمات ويخاف من المساءلة اذا خرج عنها. وإذا كنا قد اتفقنا علي ان المواطنة تتضمن الحرية والمشاركة والمسؤولية والمسأواة .

فقد كان من المناسب اعتبار المدرسة وطنا مصغرا ينبغي للجميع ان يمارسوا فيها قدرا كبيرا من الحرية والمسأواة ..... الخ ونظرا لان تلك التعليمات لاتهتم سوي بتنظيم سير العملية التعليمية ، فقد كان من المنطقي الا يعنيها سوي ما يدور داخل اسوار المدرسة وداخل فصولها . دون اعتبار لما يحدث خارج المدرسة ، ولما يعتمل في مجتمع المدرسة المحلي من مشكلات وإمكانيات ، ودون اعتبار لتقدير اي دور اجتماعي للمعلمين والتلاميذ. المناهج والمقررات الدراسية: التفاصيل هنا تستعصي علي الحصر. وحتى لا نتوه في تلك التفاصيل فأنني اشيرفقط الي ثلاثة ملامح أساسية فيما يتصل بعلاقة المناهج بالمواطنة، الأول ان تلك المناهج تقدم عن الوطن كارت بوستال وكأنها تقدم صورة الوطن الي سائح أجنبي لا الي ابن من أبناء الوطن عليه واجبات تجاه الوطن بمشكلاته وأزماته وعيوبه ، ودائما نظامنا السياسي عظيم ، وتجربتنا الديمقراطية رائدة ، وحكومتنا جميعا رشيدة، وخططتنا التنموية ناجحة . وبالتالي ليس إمامكم أيها الطلاب ما تقدموه لوطنكم أو يحتاجه الوطن منكم. وعليكم فقط إن تحمدوا الله ان رزقكم هذا الوطن وهذا النظام وتلك الحكومات. يرتبط بالملمح السابق خلو المناهج تقريبا من الاشارة الي المشكلات الخطيرة التي تعاني منها بلادنا، اللهم الا مشكلة زيادة السكان مثلا باعتبارها مشكلة تؤرق الحكومة فقط . ومن هنا تخلو المناهج من الحديث عن مشكلة التطرف والإرهاب، أو الفقر، أو البطالة، أو الأحياء العشوائية، أو عمالة الأطفال، وغيرها من مشكلات تقتضي استنهاض الهمم وقيم المواطنة والتماسك الوطني.

أما الملمح الأخير: فهو إن الكثير من تلك المقررات تميز بين أبناء الوطن علي أسس متعددة منها التمييز ضد المراة مثلا غير ان الاخطر التمييز ضد الاقباط وهناك الكثير مما يمكن ان يقال والامر في حاجة الي مراجعة شاملة لمناهجنا من هذه الزأوية . فستظل المرحلة القبطية في تاريخنا مثار مد وجزر بين الوزارة والمتطرفين من معدي المناهج الدراسية وما اكثرهم . كما تخلو المناهج من تناول التراث والمناسبات القبطبة مثلا ، أو الاشارة الي الشخصيات القبطية التي ساهمت في صنع تاريخنا الحديث كمكرم عبيد، وسينوت حنا وويصا واصف ، وغيرهم كثيرين . كما تزخر المقررات الدينية الإسلامية بروح متطرفة متعصبة تعادي الآخر المختلف دينيا، وان استغرب مثلا : كيف نفرض علي أبنائنا في سن العاشرة ان يجيب علي سؤال يقول : ماهو الفرق بين المؤمن والكافر ؟؟؟

نسق التعليم

نأت بعد ذلك الي نسق التعليم : فاذا تنأولنا مفردات ذلك النسق سنجدنا نتحدث عن : الحفظ ، التذكر ، التسميع، الالقاء ، التلقين ، النموذج والنموذجية ، الطاعة، الاتجاه الوحيد للتقدم ، الثواب والعقاب ، رفض الفردية والتميز والاختلاف والمغايرة . وهي كلها مفردات تؤكد الروح البيروقراطية والعسكرية لنظامنا التعليمي ، وهي احد الأعداء الألداء لثقافة المواطنة بما تحمله من قيم ، كما اشرنا إليها من قبل.

النشاط والمدرس

يبقي بعد ذلك آخر عناصر العملية التعليمية التي سنشير إليها هنا ، وهو عنصر النشاط المدرسي، وهواقرب تلك العناصر الي تنمية وغرس قيم المواطنة وأكثرها اتساقا مع تلك القيم . وأود ان أشير هنا الي أنني لا اري مايراه الكثيرون من ضرورة وضع مقرر دراسي في موضوع المواطنة . اذ لا أحب ان تكون المواطنة مجالا للنجاح والرسوب . أو للدروس الخصوصية ، أو ينتهي الأمر بحفظها وتسميعها ونسيانها بمجرد الامتحان فيها كحال الكثير من المقررات الدراسية. وتكمن المشكلة هنا في ان وزارة التعليم لم تعتمد بعد المواطنة كنشاط تعليمي وتربوي متميز ، وغالبا ما تنظر الوزارة الي الأنشطة المدرسية باعتبارها وسائل في خدمة المقررات الدراسية المعتمدة

ورغم ذلك فان الأمانة تقتضي ان أشير الي ان وزارة التعليم وإدارة الجمعيات الأهلية فيها وإدارة الجمعيات الأهلية في مختلف مديريات التعليم تقدم العون والتشجيع للجمعيات الأهلية التي تود ان تسهم في هذا المجال وبالفعل شهدت المدارس المصرية نشاطا ملحوظا في مجال المواطنة والتربية المدنية في العديد من الجمعيات الأهلية سأكتفي فقط بالإشارة الي نموذج الشبكة العربية للتربية المدنية والذي يطبق في عشر دول عربية منها مصر معتمدا دليلا تدريبيا للطالب والمعلم . ولايعني الدليل بالمقدمات والمداخل النظرية للمواطنة قدر اهتمامه بإدماج الطلاب في تجربة تعليمية مباشرة تدور علي محورين هما : تعرف . تحرك.
والتعرف هنا يعني ان يتعرف الطالب علي مجتمعه المحلي ومشاكله والقوانين التي تتعامل مع تلك المشكلات والمؤسسات، تنفيذية أو تشريعية معنية بتلك المشكلات اما التحرك فالمقصود به دفع الطلاب الي تموين فرق العمل والبحث والدعوة والضغط . والاتصال بالجهات المسئولة . والمطالبة والتحرك مع مختلف الفعاليات المجتمعية في سبيل حل تلك المشكلات.
وهكذا يجد الطلاب أنفسهم ممارسين لحقوقهم في المواطنة. بما تتضمنه من قيم الحرية والمسؤولية والمشاركة والمسأواة.

فهمى نديم
بقية بحث المواطنة (صفحة 6 )

الفصل الخامس
مبدأ المواطنة والتعديلات الدستورية ..

قام السيد رئيس الجمهورية باقتراح إضافة فقرة ثالثة إلي المادة الخامسة من الدستور تنص علي أن «مبدأ المواطنة» هو من المبادئ الدستورية الحاكمة لقيام الأحزاب السياسية. والحقيقة أن هذا المبدأ تضمنته المادة الأربعون من الدستور بشكل واضح وصريح عندما قالت «المواطنون لدي القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة».

وهذا النص في وضوحه وصراحته لا يحتاج إلي إضافة ولا إلي مراجعة، وقد أصدرت المحكمة الدستورية العليا كثيرًا من الأحكام التي تستند إلي هذا النص. فما مفهوم مبدأ المواطنة وما مدي اتفاق التعديلات الدستورية المطروحة مع هذا المبدأ؟
بوضوح وبإيجاز شديد، يعني مبدأ المواطنة أن كل مواطن يتساوي مع كل مواطن آخر في الحقوق والواجبات، ماداموا في مراكز قانونية واحدة. فالمصريون جميعًا من حيث «المصرية» في مركز قانوني واحد. ولا يجوز التفرقة بين مصري ومصري آخر فيما تقتضيه «مصريته» بمعني أنه من غير الدستوري أن يقال: إن المصري من أسوان يتميز علي المصري من المنوفية، أو إن المصري في حزب التجمع يتميز علي المصري في الحزب الوطني، أو إن المصري في حزب التجمع وفي الحزب الوطني يتميز علي المصري الذي اختار ألا يكون عضوًا في هذه الأحزاب، ذلك لأن المصريين كلهم مواطنون في مصر، ولأن المواطنين جميعًا لدي القانون سواء لا تمييز بينهم بسبب المقر أو الموقع الجغرافي أو الانتماء الديني أو الانتماء الحزبي. إذا صدرت قاعدة قانونية تقول إنه لا يجوز للمصري غير المسلم أن يتولي منصبًا معينًا أو ألا يباشر حقًا سياسيا معينًا فإن هذه القاعدة تكون غير دستورية لمخالفتها مبدأ المواطنة. وعلي ذلك قلنا ونقول، إذا قام حزب سياسي وقال إنه لا يقبل في عضويته غير أصحاب دين معين، أيا كان ذلك الدين سواء كان الإسلام أو المسيحية أو غير ذلك، فإنه يكون قد تنكر لمبدأ المواطنة وحكم علي نفسه بأن وجوده غير دستوري. بل إنني أذهب إلي أبعد من ذلك، وأقول إن حق المواطن بصفته مواطنًا أن يدخل أي حزب شاء، أو أن يلي أي منصب عام تنطبق عليه شروطه لا يرتبط بكونه منتميا إلي دين معين، أو أنه بغير دين أصلاً. فمن حق المواطن أن يكون مواطنًا حتي ولو لم يكن صاحب دين سماوي من الأديان الثلاثة المعروفة. إنني لا أذهب إلي ما ذهب إليه أبو العلاء المعري- قاتله الله- في قوله: اثنان أهل الأرض عاقل من غير دين وآخر دين لا عقل له وقد أثير أخيرًا موضوع الطائفة البهائية، وصدر حكم لصالحهم من محكمة القضاء الإداري، وألغت المحكمة الإدارية العليا هذا الحكم، ولكن، أي من الحكمين لم ينكر- ولا يستطيع أن ينكر- علي أفراد هذه الطائفة أنهم مواطنون مصريون، فهذه المواطنة لا ترتبط بالدين علي أي نحو. والمسألة ليست مسألة مبني النصوص وشكلها فقط، وإنما أهم من ذلك مضمون النصوص من الناحية الواقعية. التفرقة الواقعية بين المصريين علي أساس الدين في المناصب العامة لا تتفق مع روح الدستور ومع حقوق الإنسان ومع مبدأ المواطنة. لقد شاهدت مصر في تاريخها القريب أن «مصريا قبطيا» كان رئيسًا لمجلس النواب وكان رئيسًا لمجلس الوزراء، واختفاء هذه الظاهرة ليس علامة صحية. وعندما لا يرشح حزب الأغلبية في قوائمه إلا عددًا من الأقباط، أقل من أصابع اليد الواحدة، فإن ذلك يعني نوعًا من الخلل في الحياة السياسية ويعني أن مبدأ المواطنة لم يستقر في وجداننا وفي حياتنا علي النحو الذي ينبغي أن يكون. في مناسبة من المناسبات كان المرشح لرئاسة مجلس الدولة أحد المستشارين المسيحيين- رحمه الله- وكنت بحكم تخصصي وصلتي بالقضاء الإداري أبدي مساندتي وتأييدي له، وكنت أقول لمن أعرفه إنه إذا لم يحصل علي الأغلبية في الجمعية العمومية لمستشاري المجلس فإن ذلك سيعكس صورة سيئة لمصر، وكنت سعيدًا عندما اختارته الجمعية العمومية بأغلبية كبيرة وأصدر رئيس الجمهورية قرارًا بتعيينه رئيسًا لمجلس الدولة. والآن يرأس هيئتين كبيرتين من الهيئات القضائية زميلان مسيحيان فاضلان. ومع ذلك فعلينا أن نعترف- والاعتراف بالحق فضيلة- أن تفرقة «واقعية» لغير صالح الإخوة الأقباط نشاهدها في بعض المواقع والمناصب، وأنا واثق أن أحكام الدستور بريئة من هذه التفرقة وأن ذلك نتيجة من نتائج ضيق الأفق ليس غير، وأسمع أحيانًا روايات وقصصًا عما يحدث في بعض الدوائر وأعجب لها، ذلك أنه إلي جوار الاعتبارات الدستورية فإنني ممن يؤمنون أن جوهر الدين واحد. وقد كنت ومازلت أكرر عبارة بليغة وعميقة لقداسة البابا شنودة الثالث يقول فيها «إن مصر ليست وطنًا نعيش فيه وإنما هي وطن يعيش فينا». إن هذه العبارة البليغة العميقة تعكس مدي عمق الوطنية، ومدي عمق الانتماء ومدي عمق «المصرية»، لقد جعلت من هذه العبارة عنوانًا لأكثر من مقال كتبته لأن إعجابي وإيماني بهذا الذي قاله قداسة البابا هو إعجاب بغير حد، ومن الأمور التي أعتز بها وأفخر عمق علاقتي بقداسته وما أحسه منه في كل مقابلة من مودة ومحبة وترحيب. إن مبدأ المواطنة هو أحد الأسس الدستورية في الدولة الحديثة. وإذا كنت قد ضربت أمثلة توسم بعدم الدستورية لمخالفتها مبدأ المواطنة فإنني هنا أحذر من شيء آخر أكثر خطرًا وأبعد ما يكون عن المواطنة وعن المبادئ الدستورية السليمة، فقد قيل إن بعض القوانين التي ستترتب علي التعديلات الدستورية ستفرق بين المواطنين علي حسب ما إذا كانوا حزبيين أو مستقلين عن الأحزاب في مباشرة حقوقهم السياسية. لو صح هذا الكلام فإنه سيكون بمثابة ضربة للدستور ولمبدأ المواطنة في مقتل. إن الحزبيين في مصر بمن فيهم أعضاء الحزب الوطني وأعضاء كل الأحزاب الأخرى لا يتجاوزون خمسة في المائة من المصريين علي أحسن الفروض، وإذا أضفنا إليهم أعضاء حزب الإخوان المسلمين- بفرض قيامه- فإنهم جميعًا لن يصلوا إلي عشرة في المائة من المصريين ويبقي تسعون في المائة من المصريين لا ينتمون إلي أحزاب، فهل يمكن أن يقال إنه يتفق مع الدستور أن يقصي تسعون في المائة من المصريين عن حق الترشح وحق الانتخاب ولا يتمتع بذلك إلا عشرة في المائة فقط منهم، وبالمعيار العددي فإن ذلك يعني أن أكثر من أربعة وسبعين مليون مصري سيقصون عن الحياة العامة، ولن يسمح إلا لأقل من مليون مصري بممارسة الحقوق العامة، هل هذا يتفق مع مبدأ المواطنة ومع المبادئ الدستورية. وتتضح خطورة هذا التوجه ومدي مخالفته النظام الديمقراطي والمبادئ الدستورية بأجلي صورة وأوضحها في الحرص علي إبقاء المادة السادسة والسبعين من الدستور علي حالها مع السماح- كما قيل في مذكرة التعديل- لهذه الأحزاب بالترشح لهذه الانتخابات بشروط أيسر. أيها الناس اتقوا الله. ولنا عود إلي مبدأ المواطنة والمادة السادسة والسبعين من الدستور.

الفصل السادس
المواطنة والأحزاب السياسية
الأحزاب السياسية فى مصر..24 حزب

دور الأحزاب السياسية في ترسيخ المفاهيم الوطنية

الاداء الحزبى فى مصر أداء ضعيف بشكل عام رغم مرور فترة طويلة تجاوزت 25 عاما بخلاف فترة ما قبل الثورة على تجربة التعددية الحزبية لأنها بدأت بشكل فيه نوع من التحديد الدقيق نظرا للخوف من الانتقال من فكرة الحزب الواحد إلى التعددية..فبدأت بثلاث منابر ثم تنظيمات ثم أحزاب حتى وصلنا اليوم إلى 24 حزب على الساحة السياسية..فى أحزاب عمرها على الساحة لم يتجاوز العامين وهناك أحزاب أخرى موجودة منذ بدء التجربة ولكن بغض النظر عن كل ذلك أستطيع أن أقول أن التجربة بشكل عام ليست واضحة المعالم.. وهناك عدة أمور أدت إلى ذلك وفى مقدمتها النظام الانتخابي في مصر..لأنه لا يقوم على فكرة تعدد الأحزاب حيث أن تعدد الأحزاب الموجود ليس على أساس صحيح..الناس تختار الشخص "فردى"..بغض النظر عن انتمائه لأي حزب ، وذلك من أجل الخدمات..علما بأن العضو البرلماني ليس مسئولا عن الخدمات ولكنه لا يستطيع أن يتخلى عن هذه الخدمات لأنها وسيلته لجذب هذا الناخب..عندما يكون الانتخاب قائم على النظام الحزبي..الناس لن تنتخب أفراد ولكن قوائم..صحيح الأفراد الناشطين عناصر جذب ولكن الاعتماد الأساسي على برنامج الحزب سوف يعظم برامج ودور الأحزاب.
وهناك مشكلة أخرى تتحملها الأحزاب نفسها وهى غياب الدور المؤسسي داخل هذه الأحزاب..مثلا حزب الأحرار من أقدم الأحزاب السياسية المصرية "منبر الوسط"..منذ مات مصطفى كامل مراد زعيم الحزب الراحل لم يتم انتخاب رئيس للحزب لأن الحزب يفتقد للنظام المؤسسي..
* و أدى إلى ذلك..غياب النظام المؤسسي داخل الحزب.. فى حزب الوفد مثلا بعد وفاة فؤاد باشا سراج الدين اجتمعت الهيئة وانتخبت رئيس جديد بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حوله..ولكن تم اختياره بشكل مؤسسي وهناك أيضا حزب التجمع..يقوم على نظام مؤسسي رغم اختلافنا مع بعض أفكاره ،كما أن هناك حزب الخضر كذلك..لو كل حزب أدرك أن عليه هذا الدور سيتم تعظيم وتفعيل دور الأحزاب..
وياتى تفعيل الحياة الحزبية فى مصر بشكل تدريجي فكلما اتسعت دائرة الديمقراطية واتساع دائرة الاختلاف في الرأي سوف يتم معالجة عزوف الناس عن المشاركة فى العمل السياسي وخاصة الانتخابات حيث أنها تكشف بوضوح نسبة هذا العزوف.

أن مفهوم المواطنة مرتبط بالأرض التي تتخذها مجموعات مختلفة من البشر شعوباً وقبائل داراًُ لهم ويتعاملون مع الأوطان الأخرى وقاطنيها سلماً وحرباً اختلافا واتفاقا وتبادلاً للمصالح ، وقديماً سمت كل مجموعة أرضها "داراً " والتسمية لا تزال موجودة في ارتباط المجموعات والقبائل بالأرض.

توطين الفكرة

الدولة التي تبني لا على اجتماع في حيز جغرافي معين (وطن) لكن لانتماء المقيمين فيها إلي عقيدة أو فكرة حيث لا يصبح حيز الأرض هدفاً للارتباط به وحمايته والذود عنه بل أن العقيدة أو المنهج الفكري الذي يجمع أهل تلك الدولة هو الأساس لينطلقوا في كل أرض لخلق دولة الفكرة ومن بعد ذلك حكم جامع يضم أرضاً شاسعة . تجمع على مفاهيم واحدة ، والدولة الإسلامية قديماً هي نموذج لذلك ولم تتشتت في أوطان مختلفة من بعد ذلك لفشل الفكرة أو فساد العقيدة ولكن لضعف الإيمان في معتقديها وعدم دفاعهم عن حياضها وقوة المهاجمين لها.


أما في الدولة الشيوعية الحديثة في الإتحاد السوفيتي وهي دولة فكرية لكنها فرضت على بعض الأوطان حيث فشلت الفكرة نفسها عند التطبيق فسقطت الدولة الشيوعية وتقسمت أيدي سبا إلي أوطان بحكم الأعراق والجوامع التاريخية لتلك الدول قبل ضمها

أسس وقواعد الأمان الاجتماعي ومن ثم استيطان فكرة المواطنة :

الاستقلال والسيادة الوطني

سيادة الشعب

الوحدة الوطنية

السلام والأمن القومي

الحرية والديمقراطية

العدالة والمساواة وسيادة حكم القانون

الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان

يتبع >
[line]

castle 14-07-2007 09:41 PM

فهمى نديم
بقية بحث المواطنة (صفحة 7 )
مستقبل الأحزاب الدينية في مصر(الإسلامية والمسيحية)

الظرف الآن مهيأ أكثر من أي وقت مضى لكي تخطو الأحزاب ذات المرجعية الدينية خطوات واثقة نحو الشرعية ومن ثم تحصل على فرص متكافئة مع بقية الأحزاب في اختبار نفسها أمام الشعب، وفي السلطة. ويعود ذلك إلى جهود دءوبة قدمها عدد من المناضلين في ال 25 عاماً الأخيرة، ساهمت في تطور الفكر السياسي الإسلامي والمسيحى على المستوى الأكاديمي وعلى الأرض، وجعلت الشعب والحكومة والمجتمع الدولي الآن أكثر إدراكاً لواقعية الفكرة، وإن تفاوت رأيهم في تقبلها، وتقدير جدواها، وحسابات رد الفعل نحوها.
وقد عرفت الدول العربية والإسلامية والأوروبية المسيحية طوال السنوات الأخيرة نماذج متعددة من الأحزاب ذات المرجعية الدينية مثل: حماس في فلسطين، وحزب العمل في الأردن، و حزب العدالة والتنمية في المغرب، وتجمع الليبراليين الإسلاميين في إندونيسيا، و حزب العدالة والتنمية في تركيا، كما احتل الإسلاميون غالبية مقاعد البرلمان في العراق والبحرين والمغرب. وكان السماح بهذه الأحزاب هو أكبر ضمانة لاستقرار هذه الدول، مقارنة بتونس التي جرى فيها حظر حركة النهضة التونسية، و الجزائر التي اغتال الجيش فيها انتصار جبهة الإنقاذ، ومصر حيث تم تجميد حزب العمل، ورفض إنشاء حزب الوسط، والإبقاء على الإخوان المسلمين جماعة محظورة و من المنتظر أن تأخذ هذه الحركات زخماً أكبر في الفترة القادمة، باعتبارها الحركات الشعبية الأكثر والأصدق تعبيراً عن العداء لأمريكا من باقي أطياف الحكومة والمعارضة. غير أن العامل الأكثر حسماً في بروزها في الفترة الأخيرة، هو كونها حائط الصد الأساسي للمد الشيعي في الدول السنية، وهو الأمر الوحيد الذي يمكن أن تجتمع عليه كل من نظم الحكم والإدارة الأمريكية والتيارات الدينية ذات التوجه السياسي.

و يعجز كثيرون من المشتغلين بالعمل العام عن التمييز بين "الدولة الدينية" (الثيوقراطية) وبين الأحزاب ذات التوجه أو الخلفية الدينية في دولة مدنية. إن الشكل المشهور للدولة الدينية الشمولية يعتبر أن الحاكم هو مبعوث العناية الإلهية، وأنه -باعتباره ممثلاً لله في الأرض- يملك قداسة تجعله منزهاً عن النقص والخطأ والمراجعة، الأمر الذي يجعل أي اختلاف معه يستحق التنكيل في الدنيا والعذاب في الآخرة.. و الوصف الحقيقي لدولة من هذا النوع: هو دولة ديكتاتورية، ولا علاقة لهذا الحاكم ولا لهذا الشكل بمبادئ الإسلام أو المسيحية من قريب أو بعيد. وقد مل الإسلاميون والمسيحيون من ترديد حقيقة أن توجههم الإسلامي لا ينطلق من إيمانهم بهذا الشكل الممقوت من أشكال الدولة، الذي لم يعرفه الإسلام أو المسيحية أصلاً على مدار تاريخه. وإن عرفته معظم المجتمعات الغربية والشرقية وآخرها الإمبراطورية اليابانية.
وفي الوقت الذي يجري فيه طمس متعمد للحقيقة حين توضع الحركات الإسلامية والمسيحية العربية في سلة واحدة، لضرب الصالح بالطالح منها. فإنه لا يصعب على المتابع المحايد أن يضع يده على اختلافات واضحة في أفكارها وتوجهاتها، وأن يكشف عن تفاوتها من حيث التعصب والاعتدال، واقترابها من القاعدة العريضة أو انعزالها عنها، وقدرتها على صياغة تصور شامل للحياة في ظل توجهها الديني أو انكفائها على أهداف محدودة، وتفسيرات ضيقة للدين. وإن كان يجمع الناجح منها أنها تتبنى الفكر الوسطي المعتدل، وتنظر إلى الدين ( الإسلامي أو المسيحي ) باعتباره معبراً للتجديد والإصلاح، وتؤمن بالوسائل السلمية والقانونية للتغيير، وتنبذ كل أشكال العنف، وتدعو للوحدة الوطنية ونبذ التفرقة الطائفية.
ويصر البعض على أن يختزل برامج الأحزاب ذات الخلفية الدينية في تصورات نمطية مسبقة عن قطع يد السارق، ودعاوى الحسبة، ومصادرة الإبداع، وإغلاق البنوك "الربوية"، والتضييق على النصارى، ومقاطعة إسرائيل، والإجبار على ارتداء الحجاب، وإعلان الجهاد، وإغلاق المحلات السياحية، وإعادة النساء إلى المنازل، الخ........... وما من شك في أن هناك من يتبنى عدداً من هذه الأفكار، غير أن السؤال الجاد هنا هو: هل تم قياس حجم من يتبنى هذه الأفكار في المجتمع المصري؟ والإجابة مزعجة من وجهين، فإذا كان العدد محدوداً، فما هو الضرر من السماح لهؤلاء على تطرفهم – وباسم المواطنة - من أن يعلنوا عن رأيهم كما يسمح لأعضاء الحزب الوطني الديمقراطي في ألمانيا (وهو حزب نازي بالغ التطرف) من أن يكون لهم حزب وأعضاء في البرلمان. أما إذا كانت الإجابة أن العدد كبير، فباسم "من" أو "ماذا" نمنع هذه الأغلبية من أن تحتل مكانها الذي تستحقه على خارطة العمل السياسي.
والحق أن رفض اعتبار الخطاب ذي المرجعية الدينية خطاباً وطنياً، في الوقت الذي يسمح فيه بخطاب يستمد مرجعيته من الكرملين أو البيت الأبيض، هو نوع من التمييز غير المفهوم وغير المقبول. كما أن الظن بأن هناك خطاباً وطنياً خالصاً يمكن أن يتجاهل الانتماء القومي العربي لمصر أو الانتماء الديني لشعبها هو ظن ساذج، بل إن خطاباً من هذا النوع هو خطاب مشبوه، وهو أبعد ما يكون عن الوطنية.
وقد سمحت الظروف الموضوعية في مصر قبل ما يقرب من 90 عاماً بغلبة التيار الوطني العلماني الذي مثله إذ ذاك سعد زغلول وحزب الوفد على التيار الإسلامي الذي مثله مصطفى كامل والحزب الوطني, الأمر الذي أدى إلى إقصاء لهذا التيار من العمل السياسي وهو ما تعاظم بعد ثورة يوليو، وأثر على تطوره الفكري – رغم بقاء الإخوان المسلمين- في قلب الأحداث طيلة ما يزيد عن 75 عاماً. وقد دأبت التيارات الوطنية والقومية التي كان لها حظ المساهمة في تحقيق الاستقلال في معظم الدول العربية على وصف هذا التيار بالتخلف والرجعية، وبأن خطابه السياسي مبني على التمييز بين عنصري الأمة من مسلمين وأقباط، وعنصري الحياة من رجال ونساء. كما تم اتهامه بأنه يتناقض مع مفاهيم الدولة الحديثة بترديده الحديث عن دولة الخلافة، فضلاً عن أن الحديث عن الشريعة الإسلامية كمصدر أعلى للتشريع يجعل القرار النهائي لمجالس الفقهاء الأصوليين، وليس للسياسيين المنتخبين من الشعب، وهو ما يتعارض كلياً مع أبسط مبادئ الديمقراطية.
ومن المؤكد أن التيارات الإسلامية على اختلاف درجات إيمانها بمفهوم الدولة الحديثة في حاجة إلى مراجعة شاملة وسريعة للكثير من مواقفها التقليدية، تجيب فيها وفق معالجات فقهية حديثة، وبصياغات معاصرة على الأسئلة الأساسية فيما يخص الاقتصاد والمرأة والمواطنة وحقوق الإنسان والإبداع والحرية والعلاقات الدولية. وقد يمثل التراث الفقهي العامر بالآراء والفتاوى في هذه الموضوعات وغيرها عبئاً على الحركات الجادة في دخول معترك العمل السياسي، إذا ظلت معالجتها على مستوى نقل النصوص التراثية والاختيار بين بدائل الفقهاء الأربعة في تنزيل مفتعل على قضايا واقع معاصر شديد التغير والتعقيد.
وستقطع هذه الأحزاب والحركات الطريق على كل متحفز تجاهها ومشكك في توجهاتها، إذا تخلت عن بعض الغموض أو التردد في الإفصاح عن رأيها في بعض القضايا التي خالفت فيها ممارسات التطبيق على مدار تاريخ المسلمين ما انتهى إليه القبول المجتمعي الحديث. وواضح أن هناك مالا يمكن التنازل بشأنه باعتباره من ثوابت الدين، غير أن هناك الكثير مما يمكن مراجعته حتى لو أدت المراجعة إلى خسارة قطاع من المتعاطفين معها ممن يمنحون قداسة والتزاماً أكبر بالأشكال التي جرى عليها التطبيق في الماضي.
و ستنجح هذه الأحزاب في كسب الرأي العام الشعبي إذا تمكنت من وضع يدها على المعاناة الحقيقية للجماهير وقدمت لها حلولاً واقعية تستلهم فيه الإرث الحضاري لشعوبنا. غير أنها مطالبة إلى جوار ذلك أن تعرض أفكارها لا باعتبار أن تميزها ينبع من كونها تمتلك الحقيقة المطلقة، أو الحلول السحرية أو الحق في الحكم باسم الله. وإنما من رؤيتها للدين كمبادئ ترشد وتوجه، وطاقة تدفع وتحفز، وقوة تجمع الأمة تجاه العدو المشترك، وفي نفس الوقت فهي تقر –مسبقاً- بأن ممارستها السياسية ليست مبرأة من العيوب، وأنها لا تستحق بسبب هذا التوجه الإيديولوجي أية أفضلية مسبقة أمام صناديق الاقتراع، أو سلطة مقررة باسم الدين أو باسم الحق الإلهي.

المرجع والمصادر

www.altasamoh.net/previous.asp - ketaba.wordpress.com -
مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي د. احميدة النيفر –
الإسلام والمسيحية من التنافس والتصادم إلى الحوار والتفاهم أليكسي جورافسكي
آفاق علم اجتماع معاصر د.أبو بكر باقاد -

التوصيات
- ضرورة الموافقة على إنشاء أحزاب تمثل اتجاهات دينية (مسيحية أو إسلامية) وليست ذات مرجعيات أو أسس دينية وبتشكيل يمزج بين عنصري ألامه .
- إعادة هيكلة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان وضم عناصر قضائية له وأخرى غير حكومية ومنحه صلاحيات الضبط القضائي وسن تشريع يعزز دوره القانوني .
- استحداث جهاز له صلاحيات قانونية من شأنه تتبع حالات المحسوبية والوساطة والتربح في شتى المجالات وإعادة العمل بقانون (من أين لك هذا) بصورة أكثر واقعية ودون أن تتضارب أحكامه مع الدستور والقوانين الحالية المنظمة لذات الموضوع .
- إعادة النظر والمراجعة لمناهج التربية القومية بما يتوافق والعصر الحديث لتدعيم فكرة المواطنة لدى التلاميذ والطلبة فى مختلف مراحل التعليم .
- تطوير مناهج التاريخ لإبراز الأدوار الوطنية الحديثة بشكل ينمى ويدعم مفهوم المواطنة الحقيقي وتعميم تلك المناهج سواء فى التعليم الحكومي أو الخاص .
- تدعيم جهاز الرقابة الإدارية بعناصر جديدة وجريئة ودعمه إعلاميا وقانونيا لمطاردته عناصر الفساد فى كافة المواقع وعلى رأسها مجلسي الشعب والشورى .
- تخلص الحزب الوطني من عناصره المشبوهة والتي اتخذت الحزب الوطني وحصانة المجالس الشعبية مطية للإثراء والتربح تحت غطاء الدعم السياسي والقيادي .
- ضرورة كف الأجهزة الحكومية ذات السيادة فى التدخل فى شئون الأحزاب وترك مصيرها للقضاء بشكل كامل وقانوني وفى ظل اللوائح الداخلية لها .
- إلغاء بعض الامتيازات المشبوهة لبعض الجهات والمسئولين (مثل: الدفعة التكميلية للنيابة العامة – مد سن العمل للمسئولين – ظاهرة المستشارين – تولى أكثر من منصب فى وقت واحد – ظاهرة الانتداب دون داعي – ألخ........... )
- تحديث دور وزارة العمل بإشرافها الكامل على عمليات التعيين والتوظيف بصورة تجهض صلاحيات الهيئات الطالبة للوظائف والتخصصات وإحالتها بالكامل للجان محايدة .
- إيجاد المزيد من فرص العمل فى شتى المجالات سواء فى الداخل او الخارج .
- منح المزيد من الحرية للصحافة المستقلة لكشف قضايا الفساد والتحقيق فيها فورا .
- حسم العديد من القضايا المؤجلة (القومية) – قضية عبارة السلام – هايدلينا – حديد التسليح – قضايا التعذيب – ألخ ......... ، واتخاذ قرارات سيادية من شأنها تهدئة الرأى العام واستعادة حق المجتمع والقصاص الرادع والسريع من الجناة .
- ضرورة تخلص الحزب الوطني والحكومة من العناصر التى يشتبه فى تورطها فى مساندة المنحرفين ومحاكمتهم بشكل علني لتدعيمهم للمتربحين .
- ضرورة تغيير المفاهيم الأمنية مع تغيير القيادات الأمنية وامتثالها للتحقيق والعقاب لمنع التعذيب وإهدار كرامة الإنسان سواء فى أقسام الشرطة او السجون ووضع آليات جديدة للرقابة عليها من أجهزة محايدة بها عناصر من هيئات المجتمع المدني .
مقدم البحث / فهمي نديـــم[line]

castle 15-07-2007 07:20 PM

دراسة أمريكية تنادي بتقسيم جيد للعراق
تقرير واشنطن- محمد أيوب

في أوائل مايو من العام الماضي دعا السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن Joseph Biden ديمقراطي من ولاية ديلاوير" ولزلي جليب Leslie Gelb الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية CFR إلي تقسيم العراق لثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية تتمتع كل منهما بالحكم الذاتي وفي هذا الوقت جاء الرد قاطعا من البيت الأبيض برفض الفكرة من الأساس وذلك على لسان متحدثه الرسمي توني سنو الذي قال "لا نريد بلقانا جديد" وواجه الاقتراح أيضا هجوما كبيرا من قبل مجموعة دراسة العراق برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والذي اعتبر تقسيم العراق خطا احمر لا يمكن تجاوزه خاصة أن ذلك من شأنه خلق ما أطلق عليه فوضى إقليمية جديدة ستعطي طهران فرصة ذهبية للسيطرة على الإقليم الشيعي الجديد كما ستثير حفيظة تركيا التي تخشى من قيام دولة كردية جنوبها.

إلا انه في الوقت نفسه وجد مشروع بايدن-جليب لتقسيم العراق ترحيبا من قبل العديد من أعضاء الكونجرس ومن ضمنهم السيناتور الجمهورية كيلي بايلي هوتجيسون التي ترى في تقسيم العراق المخرج الوحيد من المستنقع العراقي، وباستثناء الأكراد، تبدو مواقف الطوائف العراقية غير واضحة فيما يتعلق بتطبيق الفيدرالية وذلك في ظل انقسام شيعي حول المبدأ ورفض سني من الأساس إلا انه في الأسبوع الماضي أقرت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي مشروع قانون النفط والغاز، في غياب 13 وزيرا اغلبهم من السنة، وخصص المشروع 17% من واردات النفط العراقي لحكومة إقليم كردستان في خطوة وصفها المراقبون بأنها بداية صريحة لتطبيق الفيدرالية، وفي ظل الجدل المثار حول تقسيم العراق إلي ثلاث أقاليم اصدر مركز سابن بمعهد بروكينجز للدراسات السياسية والإستراتيجية بواشنطن دراسة بعنوان " حالة التقسيم السهل للعراق" The Case of soft Partition in Iraq حاولت الإجابة على العديد من الأسئلة حول مدى إمكانية تطبيق الفيدرالية في العراق ونسبة النجاح مقارنة بالوضع الحالي إلي جانب الصعوبات التي ستواجه الأطراف المختلفة إذا تم تطبيق هذا الخيار الذي أطلقت عليه الدراسة " الخطة ب" Plan B.
الدراسة أعدها جوزيف ادوار وهو باحث زائر بمعهد بروكينجز له خبرة كبيرة في مجال إدارة الصراعات حيث عمل لمدة عقدا كامل مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بمنطقة البلقان ولديه العديد من المؤلفات في هذا المجال وشاركه في إعداد الدراسة مايكل هانلون الباحث المتخصص في شئون الأمن القومي الأمريكي بمعهد بروكينجز والذي عمل مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العديد من الدول.

ويعترف الباحث في بداية الدراسة أن هناك تحفظات كثيرة على الفكرة خاصة في الأوساط الرسمية والتي تصف تقسيم العراق بأنه غير أخلاقي ولاسيما البيت الأبيض الذي يرى هذا التقسيم مثيرا للفتن وتضيف الدراسة أن مجموعة دراسة العراق Iraq Study Group وعلى رأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر وعضو الكونجرس السابق لي هاملتون من اكبر المعارضين لهذا المشروع وذلك لعدة عقبات أولها ارتفاع نسبة الزواج المختلط بين الطوائف العراقية المختلفة مما سيجعل التعامل مع هذه الظاهرة عن طريق الفصل الجغرافي أمرا من الصعب تحقيقه، أم الثاني أن تقسيم العرق إلي ثلاث أقاليم من المتوقع أن ترفضه العديد الأطراف سواء من داخل العراق أو من قبل جيرانه مثل المملكة العربية السعودية والأردن.

ويقول الباحثين إنهم يتفقا مع العديد من تلك التحفظات سواء من حيث المبدأ أو النظرية كما إنهم يعتقدا أن التقسيم ليس حل جيد لصراعات الطائفية إلا أن الواقع الحالي في العراق من اقتتال داخلي يجعل التقسيم أفضل الخيارات المتاحة كما أن التجربة أثبتت عدم صحة المبدأ القائل بأن العراقيين يريدون العيش معا داخل دولة واحدة ذات حكومة مركزية حيث صوت العراقيين في الانتخابات في السنوات الأخيرة وفقا لمصالح الطوائف التي يدينون لها بالولاء إلي جانب أن العنف الطائفي كشف أن العراقيين يشعرون بالأمان حين يعيشون في منطقة معظم سكانها من نفس الطائفة وهذا ظهر بوضوح خلال حركات النزوح التي قام بها ألاف العراقيين هربا من العنف.

مواقف متضاربة
وحول مواقف الطوائف العراقية المختلفة من فكرة التقسيم ترى الدراسة أن الأكراد هم الأكثر وضوحا خاصة في أن هناك شبه اتفاق بين الأحزاب الكردية في الحفاظ على سيادة الإقليم-كردستان العراق- واستقلاله واستمرار العمل بنظام الحكم الذاتي الذي يتمتع به الإقليم حاليا، وهذا يتناقض مع موقف السنة الذين يتخوفون من مبدأ التقسيم وينبع هذا الشعور من اعتقادهم بان هذه الخطة ستؤدي إلي سيطرة الشيعة على عائدات النفض العراقي خاصة أن معظم حقول النفض تتواجد في منطقة الجنوب التي من المفترض أن تكون إقليما شيعيا يتمتع بالحكم الذاتي في حالة تقسيم العراق، كما أن السنة بات لديهم يقين بان استعادتهم للسيطرة على العراق كما كان في عهد صدام حسين بات أمرا غير منطقي وانه عليهم أن يجدوا صيغة جديدة تناسب الوضع السياسي و الديمغرافي الحالي، أما الشيعة العراقيين فيبدو أن موقفهم ليس موحد تجاه هذه القضية كما تشير الدراسة حيث عارض العديد منهم الخطة التي روج لها عبد العزيز باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بشأن تقسيم العراق لأقاليم تتمتع كل منها يحكما ذاتيا ولاسيما التيار الصدري الذي أبدى زعيمه الشاب مقتدى الصدر في أكثر من مناسبة معارضته إنشاء إقليما شيعيا في الجنوب.
وتقر الدراسة بأنه إذا لم يتم التخطيط بشكل جيد لعملية التقسيم هذا من شأنه سيؤدي إلي عدم استقرار وفوضى في الإقليم بشكل عام خاصة أن هناك فارق كبير بين تجربة البوسنة والوضع في العراق حاليا حيث أن جيران الأولى صربيا وكرواتيا كان لهم هدف استراتيجي واحد وهو تقسيم البوسنة مما سهل الأمر لوجود دعم إقليمي ودولي أما العراق فهو أمر مختلف تماما ووضع جديد من نوعه.

معطيات تفضي إلي التقسيم
وتشير الدراسة إلي أن الحرب الأهلية في العراق-على حد وصف الباحثين- أدت إلي خلق واقع ديمغرافي جديد وذلك طبقا للإحصاءات التي نشرتها المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة UNHCR والتي ذكرت انه حتى يناير 2007 وصل عدد اللاجئين العراقيين للدول المجاورة إلي مليونا لاجئ بينما وصل عدد اللاجئين داخل العراق-نزوح داخلي- إلي 1.7 مليون لاجئ كما أشارت التقارير ابيضا إلي أن هناك أكثر من نصف مليون عراقي يتم تهجيرهم من مدنهم كل شهر وتضيف الدراسة انه على الرغم من أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي طالب أكثر من مرة العراقيين بالعودة إلي قراهم التي هجروها إلا أن معظم المواطنين رفضوا العودة مما سيؤدي إلي حدوث تأثير عميق على الحياة السياسة والاقتصادية حيث يسعى حاليا المواطنين العراقيين إلي النزوح إلي القرى التي يتركز فيها الطائفة التي ينتمون إليها وفقا لما رصدته منظمة الهجرة الدولية والتي قالت في تقرير لها صدر مؤخرا أن العرب الشيعة يقومون بالنزوح من وسط العراق إلي الجنوب بينما يقوم العرب السنة بالنزوح من الجنوب إلي الوسط وخاصة إلي محافظة الانبار وتصف الدراسة هذه الظاهرة نقلا عن تقارير المنظمات الدولية بان ما يحدث من موجات نزوح داخلي من شأنه تحويل العراق بالتدريج بلقانا جديد.

التحديات عديدة
وبعنوان نحو تطبيق تقسيم سهل للعراق يشير الجزء الثاني من الدراسة أن هناك العديد من علامات الاستفهام لابد من الإجابة عليها قبل الشروع في عملية التقسيم أولها تحديد كيف سيتم رسم الحدود بين الأقاليم الثلاث وهنا ترى الدراسة أن الظروف الحالية التي يشهدها المجتمع العراقي من زواج مختلط بين أبناء الطوائف المختلفة تجبر النظام الجديد على احترام الأقليات مما يجعل رسم الحدود على أساس جغرافي وليس طائفي وذلك من خلال استخدام الظواهر الطبيعية كالأنهار والجبال ويرى الباحثين انه ليس هناك مشكلة فيما يخص المحافظات الواقعة جنوب العراق لان معظم قاطنيها من العرب الشيعة إلا أن المشكلة الحقيقة في المحافظات والمدن الرئيسية مثل بغداد والموصل وكركوك وتنتقد الدراسة اقتراح غلب-بايدن بجعل العراق مدينة دولية مستقلة حيث سيؤدي هذا الطرح إلي مزيد من عدم الاستقرار خاصة أن ثلثي عمليات النزوح حدثت في بغداد وبالتالي لابد أن تكون العاصمة العراقية بغداد جزء من علمية التقسيم وذلك على الرغم من أن الدستور العراقي الحالي يحول دون انضمام بغداد إلي أي إقليم في حالة حدوث تقسيم إلا أن البدء في تنفيذ هذا المشروع يحتاج إلي العديد من الاستعدادات منها أجراء عمليات مراجعة وتعديل لمواد الدستور كي تسهل عملية التقسيم.

حدود آمنة وتوزيع عادل للنفض
الدراسة تنصح أيضا بأن تتم عملية رسم الحدود بحرص بالغ كما أن الولايات المتحدة لابد أن لا تتدخل في هذه العملية حتى تتجنب اتهامها بالانحياز وتقوية فصيل على أخر وبالتالي فان الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية هما الجهتين المرشحتين للقيام بهذه العملية وذلك على عكس ما حدث في منطقة البلقان عندما تم تقسيم البوسنة بقيادة السفير الأمريكي ريتشارد هول بروك إلا أن وضع الولايات المتحدة حاليا لا يؤهلها لقيام بذلك نظرا لفقدانها المصداقية الأزمة بين الطوائف العراقية، وهنا تشدد الدراسة على أن هناك العديد من المبادئ التي ينبغي الالتزام بها عند رسم الحدود

أولها :أن لا تؤثر الحدود الجديدة على عملية توزيع الموارد النفطية بل لابد أن يكون جميع العراقيين متساوون في هذا الأمر.
ثانيا: أن لا يتم إجبار أي مواطن على الانتقال ألي إقليم أخر على أساس طائفته بل تترك الحرية كاملة للمواطنين في الاختيار.
ثالثا: وضع قواعد صارمة لاحترام الأقليات في كل إقليم وحمايتهم لتجنب حدوث أي إعمال عنف طائفي.

ويبقى توزيع عائدات النفض العراقي هي المعضلة الرئيسية في عملية التقسيم حيث تشير الدراسة إلي أن معظم إحداث الاقتتال الداخلي اندلعت في أعقاب الاستفتاء على الدستور العراقي في أغسطس 2005 نظرا لان الدستور ترك عملية توزيع الثروة النفطية أمر غامض لم يتم الإجابة عليه حتى الآن مما عزز القلق السني خاصة أن الأكراد نجحوا ألي حدا كبير في تأمين نصيبهم من عائدات النفض أما الشيعة فيسيطرون على المحافظات الجنوبية التي يوجد بها معظم الثروة النفطية العراقية ويبقى السنة وضعهم معلق في هذا الشأن فعلى الرغم من أنهم يمثلون 20 %من حجم العراقيين إلا إنهم لا يحصلون إلا على 10 % من عائدات النفض في الوقت الحالي ويؤكد الباحثين على تحقيق أي نجاحات في عملية التقسيم يتوقف على توزيع عادل للعوائد النفطية لان ذلك سيضمن استقرار امنيا ويحول دون النزاع الطائفي على الثروات العراقية ومن هنا ترى الدراسة أن أفضل طريقة تضمن توزيعا عادلا لثروات العراقية لابد أن تقوم على أساس عدد سكان كل إقليم ولكن الصعوبة التي ستواجه هذا الطرح هو عدم وجود تعداد سكاني دقيق في الوقت الحالي.

بطاقات جديدة للهوية
وتقترح الدراسة انه ينبغي عقب عملية التقسيم تأسيس نظام جديد لإصدار بطاقات هوية خاصة بكل إقليم يتم التحقق منها عن طريق وضع نقاط تفتيش على حدود كل إقليم يتم تدعيمها البيانات الكاملة حول المواطنين في جميع أنحاء العراق وذلك لمحاصرة العناصر المتطرفة وتتوقع الدراسة التكلفة التقديرية لهذا النظام بمليار دولار وهنا تطرح الدراسة سؤال هام حول حجم القوات المطلوبة خلال تنفيذ تطبيق عملية التقسيم خاصة أن هذه المرحلة حساسة للغاية، الباحثين قدرا حجم القوات بحوالي 300 ألف إلا أن هذه المرة على قوات التحالف أن تعد خططا جديدة للانتشار حيث أن الخطط الحالية لها أغراض مختلفة لن تناسب المهمة التي ستقوم بها قوات التحالف في مرحلة التقسيم حيث سترتكز على حراسة الحدود بين الأقاليم الثلاث وكذلك نقاط التفتيش ألي جانب تأمين المنطقة الخضراء وتشير الدراسة ألي أن فكرة تقليل حجم القوات الأجنبية في العراق غير واردة إذا تم تنفيذ خطة التقسيم وذلك على الأقل لفترة انتقالية من 12 ألي 18 شهر.[line]

castle 15-07-2007 08:24 PM

أمريكا حمراء أم زرقاء .. الدين والسياسة في أمريكا

تقرير واشنطن – محمد فايز فرحات

عقد معهد بروكينغز بالعاصمة الأمريكية واشنطن ندوة هامة حول قضية "السياسات الأمريكية والانقسام الديني American Politics and the Religious Divide" في أمريكا ضمن سلسلة من ثلاث ندوات تدور حول قضية الاستقطاب الديني في الولايات المتحدة.
وستناقش الندوة الثانية (30 أكتوبر 2006) العلاقة بين الدوائر الانتخابية والاستقطاب الديني. وأخيرا ستخصص الورشة الثالثة (نوفمبر 2006) لمناقشة دور الإعلام في الاستقطاب الديني.
وتمثل هذه الحلقات الثلاث مشروع كتاب يقوم بإعداده معهد بروكينغز بعنوان: "أمة حمراء أحمر وزرقاء؟ سمات وأسباب استقطاب السياسات الأمريكية" Red and Blue Nation? Characteristics and Causes of America's Polarized Politics والمتوقع صدوره في شهر ديسمبر 2006.
وعكست مناقشات الندوة ثلاثة اتجاهات رئيسية في العلاقة بين السلوك السياسي والانقسام الديني في الولايات المتحدة
المشاركون في ورشة العمل: "إ ج. ديوني" E, J. Dionne خبير من معهد بروكينغز، و"آلان ولف" Alan Wolf أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوسطن، و"كارلين باومان" Karlyn H. Bowman من معهد أمريكان إنتربرايز ، بالإضافة إلى عدد من المتخصصين.

1. الدين محدد رئيسي للتصويت، تفاعل الدين ومتغيرات العرق، والطبقة، والولاية
خلص"إ. ج. ديوني" E.J. Dionne " استنادا إلى البيانات الإحصائية حول اتجاهات التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2004 إلى أنه رغم أهمية الدين كمحدد مهم للسلوك التصويتي فإنه ليس هو العامل الوحيد لعملية الانقسام والاستقطاب السياسي داخل المجتمع الأمريكي. كما أن عملية التفاعل بين الدين والسلوك السياسي هي عملية معقدة، فالدين يلعب دوره في خلق حالة الاستقطاب من خلال عوامل أخرى وسيطة مثل العرق، والطبقة، والولاية.. إلخ. وهنا يطرح "ديوني" عددا من الاتجاهات العامة بشأن العلاقة بين الدين والاستقطاب السياسي داخل المجتمع الأمريكي، اعتمادا على البيانات الخاصة باتجاهات التصويت في الانتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2004.
- أن خطوط الانقسام الديني داخل المجتمع الأمريكي لا تتطابق مع خطوط الانقسام السياسي، وبمعنى آخر، فإن خطوط الانقسام السياسي والتصويتي داخل نفس الجماعة الدينية أو على مستوى أتباع المذهب الديني الواحد لا تقل أهمية وربما تكون أكثر وضوحا من خطوط الانقسام الديني. وعلى سبيل المثال، فإن الليبراليين الكاثوليك، والليبراليين البروتستانت، والليبراليين اليهود يتبنون سلوكا تصويتيا واحدا إلى حد ما، بينما يتخذ المحافظون من الكاثوليك والبروتستانت واليهود سلوكا تصويتيا واحدا إلى حد ما.
- هناك علاقة ما بين الالتزام الديني ومدى الارتباط بالكنيسة والمؤسسة الدينية من ناحية، والسلوك السياسي من ناحية أخرى، فالأكثر ترددا على الكنيسة وممارسة الشعائر الدينية هم الأكثر ولاء للحزب الجمهوري، بينما الأقل ارتباطا بالكنيسة وممارسة الشعائر الدينية هم الأكثر ولاء للحزب الديمقراطي.
- كما سبق القول، هناك عوامل مهمة في تحديد تأثير الدين على السلوك التصويتي والتي تؤدي إلى وجود استثناءات مهمة في العلاقة بين الالتزام الديني والسلوك التصويتي. يأتي في مقدمة تلك العوامل الأصل العرقي. فما يقال عن العلاقة بين الالتزام الديني والارتباط بالكنيسة والسلوك التصويتي لا ينطبق بالضرورة على بعض الجماعات الديموغرافية. فما يقال، على سبيل المثال، عن السلوك التصويتي للمسيحيين الإنجليكانيين المحافظين white conservative evangelical البيض لا ينطبق بالضرورة على هؤلاء من أصل أفريقي، فالأمريكيين من أصل هم أحد أكثر الجماعات الديموغرافية اللاهوتية المحافظة theologically conservative في الولايات المتحدة ولكنهم في الوقت ذاته من أكثر الجماعات الديموغرافية ولاء للحزب الديمقراطي. ولذلك، عندما نتحدث عن السلوك السياسي للمسيحيين الإنجليكانيين المحافظين يجب أن نميز بين الإنجليكانيين البيض (الأكثر تأييدا للحزب الجمهوري) والأمريكيين من أصل أفريقي (الأكثر تأييدا للحزب الديمقراطي). وينسحب الوضع ذاته على الأمريكيين اللاتينيين Latino، فالأمريكيين اللاتينيين البروتستانت هم الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري من اللاتينيين الكاثوليك.

ولايات الجنوب. وولايات الشمال
أيضا يلعب الانتماء الجغرافي دورا مهما كعامل وسيط في تأثير الدين على السلوك التصويتي. فالولايات الجنوبية هي الأكثر تدينا في الولايات الشمالية، ومن ثم فإن الأولى هي الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري، ولذلك هناك اختلاف واضح بين السلوك التصويتي للأمريكيين البيض في الولايات الجنوبية عن الأمريكيين البيض في الولايات الشمالية، فقد حصل الرئيس بوش على 70% بين الأمريكيين البيض في الولايات الجنوبية بالمقارنة بنسب تراوحت حول 50% في باقي الولايات. ومع ذلك، فإن تلك القاعدة لا تنطبق على الأمريكيين من أصل أفريقي الأكثر تأييدا للحزب الديمقراطي بصرف النظر على الانتماء الجغرافي (الولاية)، وذلك على العكس من حالة الأمريكيين من أصل لاتيني حيث يعتمد سلوكهم التصويتي إلى حد كبير على الانتماء الجغرافي، فرغم أن البروتستانت اللاتين هم الأكثر تأييدا للحزب الجمهوري من الكاثوليك اللاتين، إلا أن عامل الولاية يسبق عامل الدين بالنسبة لهؤلاء، فالبروتستانت اللاتين في كاليفورنيا أكثر ولاء للحزب الديمقراطي بالمقارنة ببروتستانت ولاية تكساس.
وأخيرا، يشير "ديوني" إلى الدور المهم للانتماء الطبقي، مقاسا بمؤشر متوسط الدخل، كعامل وسيط ومهم في تأثير الدين على السلوك التصويتي. إذ تشير اتجاهات التصويت في انتخابات 2004 وفقا لمستوى الدخل إلى أن نسبة التصويت للحزب الجمهوري [الرئيس بوش] بلغت 43% بين أصحاب الدخول أقل من 15 ألف دولار سنويا، و 51% لأصحاب الدخول (15- 30) ألف دولار، وحوالي 100% بالنسبة لأصحاب الدخول أعلى من 200 ألف دولار. ويعني ذلك عدم دقة القول بأن الحزب الديمقراطي هو حزب النخبة، إذ يجب التمييز بين النخبة العلمية الأكاديمية ونخبة أصحاب الأعمال، فالحزب الجمهوري هو حزب الطبقة الغنية. فإذا أضفنا عامل الدين في تلك العلاقة، سوف نكتشف أن الذين صوتوا لصالح بوش داخل فئة أصحاب الدخول أقل من 15 ألف دولار هم المترددين على الكنيسة مرة أسبوعيا على الأقل [55% لبوش، 44% لجون كيري] بينما الأكثر فقرا والأقل تدينا هم الأكثر تصويتا لصالح الحزب الديمقراطي [74% لكيري، 24% لبوش]، وأن الأعلى دخلا والأكثر تدينا في شريحة الدخل 150 ألف دولار هم الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري [76% لبوش، 23% لكيري]، وأن الأعلى دخلا غير المتدينين هم الأكثر تصويتا للحزب الديمقراطي [56% لكيري، 42 لبوش].

2- أولوية السياسة على الدين
اتفق "آلان ولف Alan Wolf" مع "ديوني" فيما يتعلق بتصاعد دور الدين في المجتمع الأمريكي، فأكد في هذا السياق على أن الاهتمام بالدين لم يقتصر على المواطنين الأمريكيين، ولكنه امتد إلى النخبة الصحفية والأكاديمية، فقد تحولت تلك النخبة من إغفال دور الدين لمدة طويلة إلى الاهتمام المبالغ فيه بالدين. ووقعت الصحافة الأمريكية في الخطأ ذاته، فقد زادت المساحة المخصصة للتقارير الدينية داخل الصحافة الأمريكية، ولم تخل معظم التقارير والموضوعات الصحفية من زاوية دينية في المعالجة، بل أن الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية ذاتها قررت إنشاء فريق بحثي حول العلاقة بين الديمقراطية والدين.
وطرح "ولف" عاملين رئيسيين لتفسير الاستقطاب الديني في المجتمع الأمريكي. الأول هو تراجع الكنائس الأساسية، وهو ما أدى بدوره إلى نمو الكنائس الإنجليكانية Evangelical أو الأصولية البروتستانتية. ويعود هذا التراجع بدوره إلى انخفاض معدل المواليد داخل الجماعات الدينية ذات التوجهات الليبرالية وهو ما أدى إلى تراجع كبير في حجم أتباع الكنائس الأساسية ذات التوجهات الليبرالية، إذ لا توجد مؤشرات تؤكد أن هذا الخلل جاء نتيجة تحول أعداد كبيرة من أتباع أتباع الكنائس الليبرالية إلى الكنائس المحافظة. العامل الثاني هو الاستقطاب السياسي، بمعنى أننا قد نكون أمام حالة من الاستقطاب الديني يستند إلى أسباب سياسية بالأساس، وذلك في ضوء علاقة الصراع التاريخي بين البروتستانتية الإنجليكانية Evangelical Protestantism والكاثوليكية. وفي حالة دقة هذا التفسير، تصبح العلاقة الأدق بين الدين والسياسة في المجتمع الأمريكي من وجهة نظر "ولف" هي أن السياسة تقود الدين وليس العكس. ويطرح "ولف" هنا حالة المجتمع الأمريكي في عشرينيات القرن العشرين. فقد شهدت تلك المرحلة تحولات مهمة من وجهة نظر البروتستانت الإنجليكانيين تمثلت في تصاعد الدور السياسي للكاثوليك بعد ترشيح الحزب الديمقراطي لآل سميث للرئاسة Al Smith كأول كاثوليكي يتم ترشيحه من حزب كبير، بالإضافة إلى تزايد موجات هجرة الكاثوليك للمدن الكبيرة وتحولها إلى مدن حضرية، وهو ما أدى إلى نمو إدراك قوي لدى البروتستانت بإمكانية فقدانهم "الدولة"، وتحول المدن الكبيرة إلى مدن ذات أغلبيات غير بروتستانتية. وقد أدى هذا الإدراك إلى اعتزال البروتستانت السياسة خلال الفترة من العشرينيات حتى نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات. ويرى "ولف" أن المجتمع الأمريكي ربما يمر الآن بحالة مشابهة لتلك المرحلة.
وقد أيد هذا الرأي عالم اجتماع الأديان "أنتونيو" Bill D'Antonio، الذي أكد على أن الانتماء الحزبي هو المحدد الرئيسي للموقف السياسي من القضايا الاجتماعية والدينية، وليس المذهب أو الطائفة الدينية. ولا يظهر الاستقطاب الديني إلا في حالات محدودة مثل قضية الإجهاض. ووفق دراسة قام بها أنتونيو حول اتجاهات التصويت داخل الكونجرس منذ عام 1972 وجد أن 34% صوتوا وفقا للخط الحزبي مقابل 7% فقط صوتوا على أساس ديني. كما استشهد "أنتونيو" بدراسة أخرى حديثة لـ "ديفيد بوردرز" David Borders انتهت إلى أن نسبة التصويت على أساس حزبي وصلت إلى 88% بين الأعضاء الديمقراطيين، و90% بين الجمهوريين. بل أن تحليل اتجاهات التصويت داخل الكونجرس حول قضية الإجهاض يوضح أنها تتحدد على أساس الخط الحزبي وليس على أساس الانتماء الطائفي الديني. وعلى سبيل المثال، بلغت نسبة التصويت داخل مجلس الشيوخ في عام 2002 لصالح بديل "حرية الاختيار" في قضية الإجهاض 80% بين الأعضاء الكاثوليك، كما بلغت النسبة نفسها في حالة الديمقراطيين البروتستانت، بينما انخفضت إلى صفر تقريبا في حالة الجمهوريين البروتستانت.

3- لا يوجد استقطاب عميق في المجتمع الأمريكي- هناك توافق عام حول الدين
تبنت "كارلين باومان Karlyn H. Bowman" موقفا وسطا بين الاتجاهين السابقين، فقد أكدت باومان أن الدين يلعب دورا مهما في خلق الخلافات والانقسامات، ولكن لا يوجد استقطاب عميق داخل المجتمع الأمريكي بفعل عامل الدين. وطرحت "باومان" هنا نتائج عدد من استطلاعات الرأي الأمريكية حول الرؤية الدينية للرئيس بوش وعلاقته بالدين، أشارت إلى أن هناك مساحة مشتركة كبيرة بين الشعب الأمريكي حول الموقف من الدين بشكل عام. فقد أجرت شبكة أخبار CBS ثلاثة استطلاعات منذ فبراير 2003 وجهت سؤلا واحدا هو: "بعض المواطنين يحبون الطريقة التي تحدث بها بوش عن معتقداته الدينية القوية. ما رأيك؟ هل تحب تلك الطريقة أم أنها تسبب لك قلقا؟". أجابت الأغلبية في الاستطلاعات الثلاثة أنها تحب طريقة حديث بوش عن معتقداته الدينية، ولم تتجاوز أعلى نسبة رفض لتلك الطريقة 36% وجاءت في عام 2004 في أوج الحملة الانتخابية.
وفي استطلاع آخر أجرته مؤسسة Pew طرحت خلاله سؤالين. الأول: "هل تعتقد أن إشارات جورج بوش إلى معتقداته الدينية وصلواته كانت على النحو المعقول، أم كثيرة جدا، أم قليلة جدا؟". وقد تم إجراء هذا الاستطلاع أربع مرات منذ 2003. وفي آخر استطلاع أجاب 52% أنها كانت على النحو المعقول، ورأى 24% أنها كانت أكثر من اللازم، ورأى 14% أنها كانت محدودة جدا. أما السؤال الثاني فهو: "في صناعة قرارات السياسة الأمريكية، هل ترى أن بوش يعتمد على معتقداته الدينية كثيرا جدا، أم بدرجة معقولة، أم بدرجة محدودة جدا؟". وجاءت الإجابات في آخر استطلاع أيضا على النحو التالي: رأى 53% أنه يعتمد على معتقداته بدرجة معقولة، ورأى 15% أنه يعتمد عليها بدرجة كبيرة جدا، ورأى 21% أنه يعتمد عليها بدرجة محدودة جدا.
وفي استطلاع ثالث أجرته شبكة CBS ونيو يورك تايمز ومؤسسة جالوب، طُرح خلاله سؤالين، جاء كل منهما في استطلاع مستقل. السؤال الأول: هل تعتقد أن اليمين الديني له تأثير قوى، أم معقول، أم قليل جدا على إدارة بوش؟. وجاءت الإجابات وفقا لاستطلاع جالوب في أبريل 2005 على النحول التالي: رأى 39% أنه تأثير قوي، ورأى 39% أنه تأثير معقول، بينما رأى 18% أنه تأثير محدود جدا. أما السؤال الثاني فقد تعلق بتأثير رجال الأعمال، حيث جاءت الإجابات على النحو التالي: رأى 64% أنه تأثير كبير جدا، ورأى 23% أنه تأثير معقول، بينما رأى 5% أنه محدود جدا.
ومن الاستطلاعات ذات الدلالة المهمة ذلك الذي أجرته مؤسسة جالوب بشكل متكرر حتى عام 1999 حول مدى قبول الأمريكيين للتصويت لصالح أحد مرشحي جماعات وطوائف دينية معينة في الانتخابات الرئاسية، حيث طرح كل استطلاع سؤالا: هل تصوت لرئيس يهودي؟، أسود، معمداني Baptist (أحد أتباع مذهب بروتستانتي يرى إن المعمودية يجب ألا تتم إلا بعد أن يبلغ المرء سنا تمكنه من فهم معناها)، مورموني Mormon (طائفة أسسها جوزيف سمث سنة 1830 أباحت تعدد الزوجات فترة ثم حظرته)، مثلي، إلحادي، مرأة؟.. إلخ. وفي كل مرة أجري فيها الاستطلاع حول فئة أو طائفة معينة أيدت الأغلبية إمكانية التصويت لمرشح من تلك الفئات أو الطوائف الدينية، باستثناء الإلحاديين فقط، إذ رفض 49% التصويت لإلحادي، بينما وافق 48%.
وهكذا، تشير نتائج تلك الاستطلاعات –وفقا لرؤية باومان- إلى وجود اتفاق عام داخل المجتمع الأمريكي حول دور الدين، على الأقل في الحياة العامة، وهو ما ينفي وجود حالة استقطاب عميق داخل المجتمع الأمريكي استنادا إلى عامل الدين.
وقد انتقد "ديوني" قراءة باومان لنتائج تلك الاستطلاعات للتدليل على غياب الاستقطاب. ووفقا لرأي "ديوني" فإن تلك الاستطلاعات لا تكشف إلا عن المساحة المشتركة بين الطوائف والمذاهب الدينية بينما تغفل الخلافات المهمة على مستوى الطائفة الواحدة والتي تكون أكثر أهمية ووضوحا من الانقسامات بين الجماعات والطوائف الدينية. فضلا عن أنها أسئلة تتعلق بـ "وافق" أو "لا أوافق" ومن ثم فإنها تخفي المواقف التفصيلية بشأن موضوعات الأسئلة.

العلاقة بين الدولة والدين في أمريكا

تقرير واشنطن- ريا ميارسكوف

دور الدين في الحياة العامة كان دائما موضوعا مثيرا للجدل منذ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية. واليوم يبدو النقاش محتدما خاصة مع صعود "اليمين الديني" كقوة سياسية في الولايات المتحدة.

وبينما طلبت بعض المجموعات حذف عبارة "بأمر الرب" من ميثاق الولاء للدولة، ينص البرنامج السياسي للحزب الجمهوري في ولاية تكساس للعام 2006 على أن أحد أهدافه هو "تبديد أسطورة فصل الدين عن الدولة". فما حدود وطبيعة وإشكاليات العلاقة بين الدين والدولة في الولايات المتحدة الأمريكية؟

الأصول التاريخية لـ"فصل الدين عن الدولة"
فكرة فصل الدين عن الدولة هي فكرة جديدة نسبيا من الناحية التاريخية، فهي نتاج عصر التنوير والثورة الفلسفية التي حدثت في أوروبا في القرن الثامن عشر.

وكان مجيء عصر التنوير إيذانا بنهاية حقبة حكم الملوك بموجب "الحق الإلهي"، الذي كان يقوم على أساس فكرة أنهم كانوا مختارين من قبل الرب.

وبعد التنوير سعى الناس إلى البحث عن أساس عقلاني غير ديني للقوانين التي تحكمهم، واعتبر الدين مسألة رأي شخصي بدلا من كونه ميدان سباق لقوانين الحكومة. ولم يلهم عصر التنوير الثورة الأمريكية والمؤسسات الفلسفية للأمة الجديدة فقط، ولكنه أثر أيضا في الدساتير والفلسفات السياسية لكثير من دول أوروبا الغربية.
قامت أول 13 مستعمرة في الولايات المتحدة الأمريكية على أيدي المتطهرين Puritans الذين فروا من الاضطهاد الديني في أوروبا. وكان البيوريتانيون شديدي التدين وكانوا يؤمنون بأن المؤسسات الدينية غرست وحافظت على الفضيلة في المجتمع، لكنهم أيدوا الحرية الدينية بدلا من مؤسسة دينية عالمية ترعاها الدولة.

وابتكرت المستعمرات التي أصبحت النواة الأولى للولايات بعد الثورة الأمريكية مجموعة كبيرة من الحلول لإحداث توازن بين الدين والسلطة وأيدت بعض الولايات مثل ولاية فرجينيا الفصل الكامل بين الدين والسلطة السياسية في دستور ولايتهم. وأدمجت ولايات أخرى بعض المعتقدات الدينية في الحياة العامة.

على سبيل المثال فرضت ولاية بنسلفانيا على مواطنيها الإيمان بالجنة والنار، لكنها لم تفرض عليهم مزيدا من المعتقدات المحددة.

وبعض الولايات أيدت فصل الدين عن الدولة لأنهم كانوا يخشون أن تعمل السلطة السياسية على إفساد المؤسسات الدينية، وليس العكس.

فصل الدين عن الدولة في السياسة الأمريكية
كان الرئيس توماس جيفرسون أول من أشار إلى "جدار الفصل بين الدين والدولة" في رسائله المتبادلة مع الرئيس جيمس ماديسون. ورغم أن هذين الرئيسين المؤسسين احتفظا بهذه الفكرة في التعديل الأول للدستور، الذي عدل عام 1791 فقد يستغرق الأمر سنوات أخرى طويلة قبل التوصل إلى أي نوع من الإجماع الوطني على الحدود الفاصلة بين الدين والدولة.

ولم يحدث أي تغيير حتى تمرير التعديل الخامس عشر، عام 1868، الذي أصبحت فيه حرية الدين حرية محمية فدراليا وأمكن تطبيق التعديل الأول في الولايات، ولم يحدث أي تغيير آخر حتى العام 1947.

في العام 1947 أصدرت المحكمة العليا قرارات كثيرة مختلفة تتعلق بالمؤسسات الدينية، حيث قضت المحكمة العليا بدستورية قيام الحكومة بتعويض الآباء الذين دفعوا مصاريف نقل أبنائهم بالحافلات إلى المدارس الدينية، بينما حظر قرار العام 1962 الصلاة في المدارس العامة.

وفي العام 2005 نظرت المحكمة العليا في قضيتين تتعلقان بتقديم عرض مسرحي للوصايا العشر في الأماكن العامة، واحدة في مبنى البرلمان بولاية تكساس والأخرى في دار القضاء بولاية كنتاكي.

وقضت المحكمة بأن العرض في مبنى البرلمان كان علمانيا في طبيعته ويمكن أن يستمر، في حين أن العرض في دار القضاء في كنتاكي كان محاولة ترويج للدين ومن ثم يجب نقله من هذا المكان.

ورغم أن عددا من القضايا قد حددت معايير تراعى عند تقييم انتهاك محتمل لعلاقة الدين بالدولة فليس هناك خط واحد يمكن اتباعه، وعموما ترى المحكمة عدم دستورية أي قوانين قد تفرض معتقدا دينيا معينا على المواطنين، يمكن أن تؤول على أنها موافقة حكومية لدين معين.

الدين في الأنظمة السياسية الغربية الأخرى
فيما يتعلق بالدرجة التي يتم بها الفصل بين المؤسسات الدينية والمؤسسات الحكومية فإن فرنسا وإنجلترا مقارنتان شيقتان بالولايات المتحدة.

فليس في إنجلترا فصل بين مؤسسات الكنيسة والدولة، والكنيسة الإنجليزية -أو الانجليكانية- هي الكنيسة الأم ورئيس الدولة -ملكة إنجلترا- هو أيضا رئيس الكنيسة الإنجليزية، ورئيس الوزراء هو الذي يختار بطريرك الكنيسة الإنجليزية، وهذا الاختيار يجب أن يقر من قبل الملك أو الملكة.

ولكن رغم الحقيقة بأن الحكومة تقر دينا وطنيا، ليس هناك تشريع أو إجراءات حكومية تمنع حرية ممارسة معتقدات دينية أخرى، ورئيس الوزراء الحالي توني بلير نفسه كاثوليكي وليس إنجليكانيا.

أما فرنسا فإنها تهتم أكثر من الولايات المتحدة بالفصل بين الكنيسة والدولة وتصنف على أنها دولة علمانية.

ورغم أن أتباع الكنيسة الكاثوليكية قاموا بأدوار سياسية مؤثرة كمستشارين للملوك في فرنسا ما قبل الثورة -الثورة الفرنسية عام 1789- لم يعد للكنيسة مكان في السياسة.

ووضع قانون العام 1905 مبادئ العلمانية الفرنسية، ونص على أن الحكومة لن تمول أو تدعم المنظمات الدينية ويمنع تدريس الدين في المدارس ويمنع ارتداء الرموز الدينية في الأماكن العامة، في حين أن الناس أحرار في اتباع أي ديانة خاصة، ولا يمكن إلزام أي شخص باعتناق دين ما.

لكن قانون جاك شيراك للعام 2004 السيئ السمعة المؤيد لقوانين العام 1905 بحظر ارتداء الطلبة للرموز الدينية الواضحة في المدارس العامة كالحجاب الإسلامي والقلنسوة اليهودية والصليب المسيحي أثار جدلا واسعا في أنحاء الدولة ورأى كثيرون أنه بدأ يتدخل في حرية ممارسة الدين.

فيم يفكر الأمريكيون؟
لقد بات واضحا أن كثيرا من الأمريكيين لا يوافقون على أن الحكومة يجب أن تظل خارج هيمنة الدين، فالكثيرون يصنفون الولايات المتحدة على أنها دولة مسيحية ويستشهدون بعبارة "أمة واحدة بأمر الرب" الموجودة في قسم الولاء للدولة وعبارة "نثق في الرب" المنقوشة على العملة الأمريكية. كما أن جورج بوش يعتبر من قبل الكثيريين أكثر الرؤساء تدينا خلال عقود مضت.

ويشير استطلاع للرأي أجرته أسوشيتدبرس أن 40% من الأمريكيين يعتقدون أن القادة الدينيين يجب أن يكون لهم رأي في السياسة العامة.

وأشار استطلاع آخر لشبكة التلفزة المحافظة فوكس نيوز إلى أن 77% من الأمريكيين يشعرون بأن المحاكم تمادت كثيرا في إبعاد الدين عن الحياة العامة، كما أوضح نفس الاستطلاع السابق أن 66% يؤيدون عرض الوصايا العشر في المدارس العامة، وصوت 76% لصالح عرضها في المباني الحكومية. وطالبت بعض الجماعات الدينية بعودة الشعائر الدينية إلى المدارس، رغم حظر المحكمة العليا لهذا الأمر منذ أكثر من 40 عاما مضت.

من الواضح إذن أن الحد الفاصل بين الكنيسة والدولة أقل أهمية من الجدار الذي وصفه الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون. ولما كان تشكيل هيئة المحكمة العليا يتغير أو الرأي العام يتبدل فربما تقدم لنا حينئذ أحكام المحاكم اللاحقة تفسيرات مختلفة حول تلك المادة الدستورية المنظمة لعلاقة الدولة بالدين، وإلى أن يحين هذا الوقت فإن الجدل سيستمر.

دور الدين في حياة الفرد والمجتمع الأمريكي

تقرير واشنطن- يحيى عبد المبدي

على العكس من معظم المجتمعات الغربية العلمانية، ظل الدين يمثل قيمة أساسية في حياة الأمريكيين وملمحا مميزا للمجتمع على مدار التاريخ الأمريكي، بل يمكن القول إن المجتمع الأمريكي أسس تاريخيا على أساس ديني. ورغم علمانية الدولة التي تم إقرارها منذ البدايات الأولى لجيل المؤسسين وحرصهم على فصل الدولة الناشئة عن الكنيسة، يظل المجتمع الأمريكي واحدا من أكثر المجتمعات العلمانية محافظة وتدينا.

الشعب الأمريكي المتدين
تشير نتائج استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة إلى أن معظم الأمريكيين يعتبرون أنفسهم مؤمنين ومتدينين، ففي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب Gallup في منتصف التسعينيات أعرب 96% من عينة الدراسة عن إيمانهم بالله، كما أن 71% قالوا إنهم منتمون إلى كنيسة أو معبد يهودي، كما أكد 45% من العينة أنهم يمارسون العبادات والطقوس بصورة منتظمة. ما يزيد عن 56% من الأمريكيين يصفون أنفسهم بأنهم بروتستانت، بينما 27 % يعتبرون انفسهم كاثوليكا و2% يهود.

وتلفت الانتباه زيادة معدلات نمو الكنائس الإنجيلية Evangelicals من حيث زيادة عدد أعضائها وزيادة نفوذها وتأثيرها في المجتمع والسياسة الأمريكية، (30% بروتستانت بيض أنجيليون محافظون طبقا لإحصاء غالوب 2003 مقابل 20% من البروتستانت الليبراليين العلمانيين).

يتبع >
[line]

castle 15-07-2007 08:29 PM

وتؤيد إحصاءات مؤسسة بيو PEW نتائج استطلاعات الرأي لغالوب Gallup. كما يؤمن معظم الأمريكيين بالوقائع والمعجزات الدينية والتاريخية المذكورة في الكتاب المقدس، مثل قصة الخلق وطوفان نوح وشق موسى البحر بعصاه ومعجزات السيد المسيح وغيرها بصورة حرفية. ويضاف إلى ذلك الإيمان بعودة المسيح ومعارك آخر الزمان خاصة عند الطائفة الإنجيلية. كما يعتقد معظم الأمريكيين في الغيبيات والجنة والنار والأرواح الشريرة وغيرها.

تتنوع مظاهر التدين في المجتمع الأمريكي من تعميد الأطفال في الكنائس الكاثوليكية وتنشئة الاطفال على الأخلاق المسيحية إلى الحرص على الذهاب إلى الكنيسة بصورة منتظمة. ومن تسمية المدن في مختلف الولايات بأسماء مدن مستقاة من الكتاب المقدس إلى المشاركة في الأنشطة الاجتماعية التي تنظمها وتشرف عليها الكنائس.


ومن الصلاة عند البدء في تناول الطعام إلى حضور عشرات الآلاف لقداس أو محاضرة في ستاد كرة قدم أو بيسبول في المدن الكبرى، ومن وضع رمز أو شعار ديني على السيارة الخاصة إلى اتخاذ مواقف سياسية لتحقيق معتقدات دينية، ومن قيام أتباع طائفة المورمن بطرق الأبواب للدعوة لأفكارهم إلى مطالبة أولياء أمور الطلاب بوضع الوصايا العشر في حجرات الدراسة، ومن استعمال ألفاظ ذات دلالة دينية (عند تشميت العاطس مثلا) إلى إنتاج أفلام سينمائية تتناول حياة وآلام المسيح.

جيل الطفرة العددية بعد الحرب العالمية يعود إلى الكنيسة
تختلف التفسيرات والأسباب التى أدت إلى ما نراه الآن في المجتمع الأمريكي من مظاهر العودة إلى الدين وصعود دور الكنيسة في حياة الفرد والمجتمع، ومن بين هذه التفسيرات التي لا يلتفت إليها الكثيرون ظاهرة جيل الطفرة الكمية في عدد المواليد التي اعقبت الحرب العالمية الثانية الذي يسمى في الثقافة الأمريكية بـBaby Boomers، حيث اتجه الأمريكيون بعد الحرب العالمية الثانية وما سبقها من سنوات الإحباط وتدني معدلات النمو الاقتصادي إلى زيادة عدد المواليد بصورة غير مسبوقة ليولد جيل جديد ينشأ في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية مغايرة، أهم ما يميزها أجواء الرخاء والرفاهية.

ويلاحظ الباحثون منذ فترة أن هذا الجيل الكبير الذي يبلغ متوسط أعماره الآن 50 سنة يعود إلى الدين في صورته المؤسسية المنظمة.

الدين في حياة الفرد الأمريكي
رغم كل ما يقال عن تدين المجتمع الأمريكي وأهمية دور الدين في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، لا يزال الدين في اعتقاد وسلوك معظم الأمريكيين شأنا شخصيا لا يتجاوز قناعات الفرد وطريقة معيشته. وذلك نظرا للتوازن الكائن في المجتمع بين الدين والمحافظة من جانب والعلمانية وحرية الاختيار واحترام الحياة الخاصة للآخرين من جانب آخر.

ويضاف إلى جملة الأسباب التى تجعل الدين شأنا شخصيا وأقل تأثيرا في حياة المجتمع ثقافة الفردية والتمحور حول الذات التي تميز الثقافة المادية الرأسمالية وتجعل الفرد لا يهتم كثيرا يما يجري خارج حدود بيته إلا بما يعود عليه من مصلحة شخصية، حتى إن الفرد الأمريكي في علاقته بالدين والكنيسة يعتبر انتقائيا إلى حد بعيد، حيث يأخذ منها ما يتوافق مع رؤيته واحتياجاته. ولعل ظاهرة سهولة الانتماء والتنقل بين الكنائس المختلفة تكون قد نتجت بسبب هذه الطبيعة.

من الأمور التي حالت كذلك دون أن يفرض فرد أو جماعة بعينها ما تؤمن بها من أفكار دينية على بقية أفراد المجتمع الحدود الفاصلة بين الحياة الخاصة والحياة العامة في الثقافة الأمريكية أن المحكمة الأمريكية العليا كانت ولا تزال تكبح جماح من يحاول أن يتجاوز هذه الحدود من الجانبين سواء كان المحافظ أو الليبرالي.

انقسام المجتمع وقضايا الخلاف
المشهد الثقافي العام للمجتمع الأمريكي يقوم على منظومة من الثنائيات المتقاربة والمتطابقة في بعض الأحيان، مثل ثنائية المحافظين/ الليبراليين، المتدينين/ العلمانيين، الجمهوريين/ الديمقراطيين، الولايات الحمراء/ الولايات الزرقاء، ثقافة الجنوب والغرب الأوسط/ ثقافة الشمال والمدن الكبرى، وبين هذه الثنائيات هناك أطياف مختلفة من الاتجاهات والمواقف ولكنها تظل محدودة على مستوى الكم والتأثير.
من أهم القضايا التي تثير الانقسام بين الأمريكيين القضايا الأخلاقية التي تتعلق بالفرد والأسرة والمجتمع مثل قضايا الإجهاض، وتدريس الدين في المدارس العامة، وحقوق الشواذ جنسيا والتجارب العلمية على الأجنة وتجارب الخلايا الجذعية، واستخدام الرموز الدينية في الأعياد، والحريات العامة، والهجرة غير الشرعية، والهوية الثقافية.

فعلى سبيل المثال رفض قاض فدرالي أميركي في ولاية بنسلفانيا قبل أشهر قليلة تدريس نظرية "التصميم الذكي" للكون باعتبارها بديلا لنظرية التطور والارتقاء لعالم الأحياء البريطاني تشارلز دارون. واعتبر القاضي أنها نظرية غير علمية. ونص قرار المحكمة على مخالفة الاقتراح للدستور الأمريكي الذي يتبنى الفصل بين الدين والدولة في المؤسسات التعليمية الأمريكية.

المجتمع الأمريكي منقسم إزاء هذا المشهد إلى ثلاث فرق:
الفريق الأول:
من المتدينين الذين يؤمنون بالنظرية التي فحواها أنه لا بد أن وراء هذا الكون البالغ التعقيد خالقا وأنه لم يتطور من تلقاء ذاته. ويحاول هذا الفريق الضغط لتدريس النظرية في المدارس العامة.
الفريق الثاني:
يرفض بأي شكل مناقشة النظرية ويعتبر أن محاولات الضغط لتدريسها يقوض أسس الدولة العلمانية في الولايات المتحدة.
الفريق الثالث:
لا يمانع من تدريس النظريتين جنبا إلى جنب دون إصدار أحكام تقييمية لصحة أو خطأ أي منهما.
غير أنه لم يمنع من أن القانون والثقافة السائدة في أميركا من حيث علمانية الدولة لا تتبنى نهجا دينيا محددا، رغم أن الدين يلعب دورا محوريا كسبب رئيس وراء انقسام المشهد الثقافي في المجتمع الأمريكي. وتظهر الإحصاءات واستطلاعات الرأي كيف أن الاختلافات بين الأمريكيين في القضايا الاجتماعية تقوم غالبا على أساس ديني.

ففي قضية مثل حق الشواذ في الزواج وطبقا لاستطلاعات بيو PEW في الفترة من 2004 حتى 2006 يعارض 60% من الأمريكيين معظمهم من المتدينين زواج الشواذ. وتستمر قضية الإجهاض في تقسيم المجتمع إلى فئات متباينة، ففي استطلاع لمنتدى بيو في يوليو/ تموز 2006 لا يمانع 30% من الأمريكيين الإجهاض، بينما لا يمانع 24% الإجهاض ولكن بشروط، ويعارض 35% منح الأم حق الإجهاض مع وجود بعض الاستثناءات ولا يوافق ما يزيد على 11% على الإجهاض على الإطلاق. ذلك بينما يعتقد اثنان من كل ثلاثة أميركيين أنه يمكن التوصل إلى حل وسط وأرضية مشتركة لاتفاق حول القضية.

الإنجيليون الأكثر تمسكا
داخل المؤسسات الدينية تعتبر الطائفة الإنجيلية التي تتخذ من الجنوب الأمريكي قاعدة لها من أكثر فئات المجتمع تمسكا باتخاذ مواقف محافظة مقارنة ببقية أعضاء المذهب البروتستانتي وبقية المذاهب المسيحية في الولايات المتحدة بصورة عامة.

ففي استطلاع لقياس اتجاهات الرأي العام حول الدين ودوره في الحياة العامة أجرته مجموعة مارتيللا Marttila للاتصالات في أكتوبر/ تشرين الأول 2005 أظهرت النتائج أن 76% من الإنجيليين يعتقدون أن المسيحية تتعرض للهجوم والاستهداف داخل الولايات المتحدة، وذلك مقابل 48% من المسيحيين الذين يترددون على الكنيسة بصورة غير منتظمة.
ويوافق 89% من الإنجيليين على ضرورة وضع لوحات في المؤسسات الحكومية والعامة تحتوي على الوصايا العشر، بينما تصل نسبة الموافقة بين المسيحيين الذين يترددون على الكنيسة بصورة غير منتظمة 51%، وكانت النتيجة تقريبا متطابقة في قضايا مثل تنظيم صلوات في المدارس العامة وغيرها.

دور الدين في الحياة العامة
من أكثر الأمثلة وضوحا على دور وتأثير الدين في الحياة العامة والسياسة الداخلية الأمريكية عملية التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية، فغالبا ما يصوت المحافظون والمتدينون لصالح الحزب الجمهوري، ما يجعل قادة ومرشحي الحزب ينحازون في برامجهم الانتخابية إلى الأفكار المحافظة.

إذا ما أضفنا إلى ذلك محاولات بعض المحافظين التأكيد على أن التراث التاريخي والثقافي الأمريكي قائم على ما يطلق عليه التراث اليهودي المسيحي Judeo- Christian والربط بين المصير المشترك لليهود والمسيحيين والتحالف الإستراتيجي بينهما. واقتناع كثير من الأمريكيين بهذه الفرضية خاصة المتدينين، لأصبح واضحا لماذا يتخذ المواطن الأمريكي العادي مواقف مؤيدة لإسرائيل

تحالف اليمين المسيحي واليهودية الصهيونية
تقرير واشنطن – هشام سلام
أكدت دراسة حديثة للباحثين الأمريكيين ستيفين والت وجون مريشيمر أنه بعد نهاية الحرب الباردة لم يعد هناك مبرر منطقي لاستمرار العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشكلها الحالي، كما أن مبرر "المبادئ الديمقراطية المشتركة" لا يتماشى مع السياسات الإسرائيلية لما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وللقوانين الدولية.

وتوحي الدراسة بأن جذور خطر الإرهاب التي تواجه الولايات المتحدة اليوم متعلقة باستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، وإن إسرائيل لم تعد "دولة بلا حيلة" نظرا لصعودها لمرتبة القوة العسكرية الأولى بلا منازع في المنطقة. وهذا ما يفرض البحث عن الأسباب الأخرى التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في تقديم الدعم لإسرائيل.

تحالف اليمين المسيحي واللوبي الإسرائيلي
كان الحصول على دعم البروتستانت الأصوليين مهما بالنسبة للحزب الجمهوري، ثم أضيف إلى ذلك قناعة مفادها أن الحزب بحاجة إلى دعم الطبقات المتوسطة أيضا وليس فقط شريحة متدينة بعينها.
وكان هناك إدراك بأن السياسات الاقتصادية للجمهوريين تضر نفس الطبقات التي يسعى الحزب إلى كسب تأييدها، حيث إن الحزب متمسك بمبادئ الاقتصاد الحر ما يقلص من البرامج الحكومية التي تدعم الطبقات المتوسطة والمنخفضة الدخل.

فما المبرر الذي سيقنعهم بتأييد الحزب الجمهوري رغم سياساته الضارة؟ ووجد الجمهوريون الإجابة فيما يسمى "المبادئ المسيحية" أو "المبادئ الأسرية" Family Values. وهكذا بدأ التيار اليميني يدعي أنه المحافظ الرئيس على الأخلاقيات المسيحية الأصيلة التي فقدت في المجتمع نتيجة صعود التيارات الليبرالية، وهكذا تحول الحزب الجمهوري من حزب الأثرياء إلى حزب الأخلاق المسيحية.

ولا ينسب بداية التحالف بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية ليوم محدد، فهذا التحالف ناتج عن تطورات متصلة منذ زمن بعيد، فالإيمان بحتمية ظهور دولة يهودية في فلسطين كجزء من النبوءة التوراتية لعودة المسيح أمر يعود للقرن السادس، ولكن باستطاعتنا أن نتابع نمو هذا التحالف بالولايات المتحدة خلال القرن الماضي.

من الجدير بالذكر أن أول جهد أمريكي للدعوة لإنشاء دولة يهودية لا ينسب إلى المنظمات اليهودية بل للمبشر المسيحي الأصولي وليام بلاكستون.

وقد شن بلاكستون عام 1891 حملة سياسية للضغط على الرئيس بنيامين هاريسون من أجل دعم إنشاء دولة يهودية بفلسطين. ورغم أنها لم تسفر عن شيء، تعتبر حملة بلاكستون الظهور الأول للصهيونية المسيحية في السياسية الأمريكية.

ورغم أن الصهيونية المسيحية لم تختف تماما في العهود التالية، فإن عودتها الحقيقية إلى الساحة السياسية كانت عام 1948 عند الإعلان عن تأسيس إسرائيل، وزادت قوة بعد الاستيلاء الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس ومرتفعات الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية عام 1967، حيث إن المجتمع البروتستانتي الأصولي نظر لهذا الحدث كتحقق لـ"النبوءة التوراتية" بانبثاق دولة يهودية بفلسطين.

وفي هذا الإطار كتب مفكر مسيحي صهيوني مباشرة بعد الحرب في دورية "المسيحية اليوم" Christianity Today "للمرة الأولى منذ أكثر من 2000 سنة القدس الآن في أيدي اليهود ما يعطي دارسي الكتاب المقدس إيمانا متجددا في دقته وصحة مضمونه".

تصهين اليمين المسيحي الأمريكي
في حقبة السبعينيات والثمانينيات تحولت ظاهرة تصهين اليمين الأمريكي، وتحالفه مع الصهيونية اليهودية إلى عنصر دائم في الواقع السياسي. وقبل عرض تفاصيل هذا التحالف يجوز ذكر النقاط التالية:
• لا يقتصر التحالف المسيحي الصهيوني على المسرح الأمريكي، فعلاقة الحكومة الإسرائيلية بالمنظمات المسيحية الصهيونية تمثل بعدا هاما للحلف. ويقال إن دور المنظمات المسيحية المتصهينة في جلب الدعم الأمريكي لإسرائيل يرتفع عادة في أوقات حكم حزب الليكود.
• تحالف الصهيونية المسيحية مع الصهيونية اليهودية بالولايات المتحدة ليس تحالفا شاملا، فبعض عناصر اللوبي الإسرائيلي غير مرحبين بمشاركة الجانب المسيحي الصهيوني في دعم إسرائيل.
• بعكس الاعتقاد السائد، التيار المسيحي الصهيوني يمثل قوة سياسية مستقلة عن اللوبي الإسرائيلي من حيث الفكر الأيديولوجي والهوية ودوافع تقديم العون لإسرائيل.
وازدادت صلابة هذا التحالف قوة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات عندما بدأت شخصيات بارزة من تيار اليمين المسيحي تقر علنا بأن دعم إسرائيل فرض ديني لكل مسيحي، فقد قال جيري فالويل مؤسس حركة "لأغلبية الأخلاقية Moral Majority Movement إن "الوقوف ضد إسرائيل هو كالوقوف ضد الرب، نحن نؤمن بأن الكتاب المقدس والتاريخ يثبتان أن الرب يجازي كل أمة بناء على كيفية تعاملها مع إسرائيل".

وقد قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن جائزة جابوتنسكي Jabotinsky لفالويل عام 1981 تقديرا لدعمه لإسرائيل.

كما شهد عام 1980 تأسيس منظمة السفارة المسيحية العالمية بالقدس بهدف تقوية الدعم المسيحي العالمي لإسرائيل. وكانت القدس شهدت عام 1976 تأسيس منظمة جسور للسلام أو Bridges for Peace التي تصف مهمتها في تحقيق السلام على النحو التالي "نعطي من خلال برامجنا فرصة للمسيحيين، سواء داخل أو خارج إسرائيل، للتعبير عن مسؤوليتهم الكتابية أمام الرب كأولياء لإسرائيل وللمجتمع اليهودي".

وكانت هناك عدة عوامل ساعدت على صلابة التحالف بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية:

• أولا: ظهور اليمين المسيحي ما أدى إلى انتشار الفكر الصهيوني المسيحي داخل اليمين الأمريكي.
• ثانيا: نجاح جهود اللوبي الإسرائيلي بالولايات المتحدة في تقوية دعم واشنطن لإسرائيل بعد حرب 1967.
• ثالثا: نجاح حزب الليكود في الفوز بأغلبية الكنيست عام 1977. ومن المعروف أن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بيغن للتوسع في بناء المستوطنات حظيت بتشجيع المسيحيين الصهيونيين الأمريكيين، وربما كان استخدامه المتكرر للاسم التوراتي للضفة الغربية "يهوذا وسامرة" Judea and Samaria في تصريحاته ساعد على إحياء فكرة عودة المسيح وصلتها بقيام الدولة اليهودية عند اليمين المسيحي.

وكشف التحالف عن نواياه في أواخر السبعينيات، عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر ترحيبه بفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فقامت المنظمات اليهودية والمسيحية الصهيونية بإدانة تلك الفكرة من خلال إعلان نشر في الصحف الأمريكية.

أما الرئيس الجمهوري رونالد ريغان فكان من المؤمنين بالصلة بين إنشاء الدولة الإسرائيلية وعودة المسيح، وجاء ذلك في حديث دار بينه وبين مدير لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية (أيباك) الأسبق.

وتشير دراسة لأستاذ العلوم الدينية بجامعة نورث بارك بشيكاغو دونالد واغنر إلى أن منظمات اللوبي الإسرائيلي مثل إيباك والمؤسسات المسيحية الصهيونية اشتركوا في تنظيم ندوات بالبيت الأبيض لحث إدارة ريغان على مساندة الموقف الإسرائيلي.

وحضر تلك الندوات قيادات التيار المسيحي الصهيوني مثل جيري فالويل وبات روبرتسون وتيم لاهاي وإدوارد ماكتير، ومستشار الأمن القومي الأسبق روبرت ماكفرلين، وأوليفر نورث عضو مجلس الأمن القومي في عهد ريغان.

وفي واقعة تبرز قوة التيار المسيحي الصهيوني، يكتب واغنر أنه بعد تدمري إسرائيل للمفاعل النووي العراقي عام 1981 لم يقم رئيس الوزراء الإسرائيلي بيغن بالاتصال بالرئيس الأمريكي، بل بأكبر زعماء اليمين المسيحي جيري فالويل طالبا منه أن يشرح للمجتمع المسيحي الأمريكي أسباب الضربة الإسرائيلية للعراق.

ويضيف واغنر أن فالويل نجح في إقناع الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ جيسي هيلمز ليصبح مؤيدا للضربة الإسرائيلية بعدما كان من أكبر منتقديها.

تراجع نسبي في عهد كلينتون
وهبطت قوة التحالف المتصهين في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون ولم تظهر له قوة كبيرة على السطح لعدة أسباب منها:
• خلاف كلينتون مع منظمة أيباك قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين أن يتعامل مباشرة مع الإدارة الأمريكية دون عون منظمات اللوبي ما دفع الحلف الصهيوني إلى الهوامش.
• لم يرض معظم أعضاء اليمين المسيحي عن نتائج مباحثات أوسلو ودعم البيت الأبيض لها.
• سيطرة حزب العمل على الكنيست أضعفت علاقة إسرائيل باليمين المسيحي المتصهين حيث إن الأخير عادة يفضل التعامل مع حزب الليكود.
تأثير فوز حزب الليكود الإسرائيلي
وبالتالي ساعد فوز الليكود بانتخابات 1996 على إعادة إحياء هذا التحالف، خاصة مع صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة. وقد أقام نتنياهو علاقات وطيدة مع المنظمات المسيحية الصهيونية خلال خدمته مندوب إسرائيل الدائم بالأمم المتحدة في نيويورك.

وعند بداية خدمته طلب نتنياهو من المنظمات المسيحية الصهيونية جمع التبرعات المالية لإسرائيل بعد انخفاض تبرعات المنظمات اليهودية الأمريكية جراء خلافات اعترت المجتمعات اليهودية بأمريكا.

وقد شجع نتنياهو حلفاءه باليمين المسيحي على شن الحملات الإعلامية ضد مسيرة السلام. في هذا السياق قام نتنياهو بدعوة القيادات المسيحية الأصولية الأمريكية لعقد مؤتمر بإسرائيل لإعلان دعم موقفها المعادي لعملية السلام. وعند عودتهم للولايات المتحدة شنت تلك المنظمات حملة إعلامية ركزت على انتقاد مقترح تقسيم القدس.

كما رددت تلك المنظمات ادعاءات إسرائيلية عن سوء معاملة السلطة الفلسطينية للمسيحيين.

في عهد جورج بوش
عاد دور التحالف المسيحي اليهودي ليبرز مجددا ويقوى في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن، وينسب ذلك لعدة أسباب:
• تحكم الليكود في الحكومة الإسرائيلية ما قوى من دور المسيحيين الصهيونيين بالولايات المتحدة.
• نجاح الحزب الجمهوري في انتخابات 2000 ما قوى من نفوذ اليمين المسيحي ومنه التيار المسيحي المتصهين.
• وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عزز الفكر المسيحي المتصهين، وساعد على تقوية التحالف بين المنظمات اليهودية والمسيحية بالولايات المتحدة كنوع من التصدي لخطر "الإسلام الأصولي".
وفي عهد الرئيس بوش برز دور ملحوظ للتحالف الصهيوني في تحديد مسار السياسة الأمريكية خاصة عام 2002، ومن أمثلة ذلك الحملة الإعلامية الشرسة التي شنها التحالف الصهيوني ضد دعوات بوش إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية، وأدت تلك الحملة إلى تراجع بوش عن موقفه والتوقف عن مطالبة إسرائيل بالانسحاب.

وظهرت في السنوات الماضية منظمات يمينية مسيحية مؤيدة لإسرائيل مثل قف بجانب إسرائيل أو Stand for Israel التي أسسها أحد أعضاء اليمين المسيحي ويدعى غاري بوار.

وقد حضر أول مؤتمر سنوي للمنظمة السفير الإسرائيلي في واشنطن دانيال أيالون وزير العدل السابق جون آشكروفت إضافة إلى العديد من أعضاء الكونغرس.

فهي إذن خطوط بيانية صاعدة وهابطة في وجودها وتأثيراتها في المحيط الثقافي والسياسي الذي تعمل فيه.

يتبع >
[line]

castle 15-07-2007 08:34 PM

المفاهيم الأساسية للمسيحية الصهيونية
تقرير واشنطن
حمل غالبية المهاجرين الأوروبيين إلى الأراضي الأمريكية العقيدة البروتستانتية الأصولية التي كانوا يحاولون تطبيقها في مجتمعاتهم ولم ينجحوا. ومنذ بداية تأسيس الدولة الأمريكية في القرن الـ17 لعبت الرؤى الأصولية المسيحية البروتستانتية دورا كبيرا في تشكيل هوية الدولة.

المسيحية الصهيونية
تأثرت العقيدة البروتستانتية كثيرا باليهودية، ونتج عن هذا التأثر تعايش يشبه التحالف المقدس بين البروتستانتية واليهودية بصورة عامة، وخلقت علاقة أكثر خصوصية بين الصهيونية اليهودية والبروتستانتية الأصولية.

وتتميز البروتستانتية في الولايات المتحدة بصفتين يمكن من خلالهما فهم محاور حركة المسيحية الصهيونية:
• هيمنة الاتجاه الأصولي على البروتستانتية.
• سيطرة التهود على الأصوليين البروتستانتيين.
وآمنت المسيحية الصهيونية Christian Zionism "قبل تأسيس دولة إسرائيل" بضرورة عودة الشعب اليهودي إلى أرضه الموعودة في فلسطين، وإقامة كيان يهودي فيها يمهد للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه لمملكة الألف عام.
وتمثل فكرة عودة اليهود إلى فلسطين حجر الأساس في فكر المسيحية الصهيونية، لذا كانت فكرة إنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين" التي آمن بها المسيحيون البروتستانت قبل إيمان اليهود أنفسهم بها هي أهم ما يجمع بين الطرفين.

ومصطلح المسيحية الصهيونية لم يتم الإشارة إليه كثيرا قبل حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وتصنف هذه المدرسة ضمن جماعات حركة البروتستانت الإنجيليين Protestant Evangelical ، ولهذه الحركة ما يقرب من 130 مليون عضو في كل قارات العالم.

ويمكن تعريف المسيحية الصهيونية بأنها "المسيحية التي تدعم الصهيونية"، وأصبح يطلق على من ينتمون إلى هذه الحركة اسم "مسيحيين متصهينين".

وتتلخص فكرة هذه الحركة في ضرورة المساعدة لتحقيق نبوءة الله من خلال تقديم الدعم لإسرائيل.

وتريد المسيحية الصهيونية إعادة بناء الهيكل اليهودي في الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى اليوم. وفي نظرهم يتم ذلك عن طريق تحقيق هيمنة إسرائيلية كاملة على كل "فلسطين"، كون فلسطين هي (الأرض الموعودة). وتعتقد المسيحية الصهيونية أن من شأن القيام بذلك تعميم البركة الإلهية على العالم كله.

نشأة الحركة
نشأت المسيحية الصهيونية -كما نعرفها اليوم- في إنجلترا في القرن الـ17، حيث تم ربطها بالسياسة لا سيما بتصور قيام دولة يهودية حسب زعمها لنبوءة الكتاب المقدس، ومع بدء الهجرات الواسعة إلى الولايات المتحدة أخذت الحركة أبعادا سياسية واضحة وثابتة، كما أخذت بعدا دوليا يتمثل في تقديم الدعم الكامل للشعب اليهودي في فلسطين.

وتتصل جذور هذه الحركة بتيار ديني يعود إلى القرن الأول للمسيحية ويسمى بتيار الألفية (Millenarianism)، والألفية هي معتقد ديني نشأ في أوساط المسيحيين من أصل يهودي، وهو يعود إلى استمرارهم في الاعتقاد بأن المسيح سيعود إلى هذا العالم محاطا بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة ولذلك سموا بالألفية.

هناك تفسير اعتمد تاريخيا في العقيدة المسيحية ينص على أن الأمة اليهودية انتهت بمجيء المسيح، وأن خروج اليهود من فلسطين كان عقابا لهم على صلب السيد المسيح، وأن فلسطين هي إرث المسيح للمسيحيين، إلا أن ظهور حركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن الـ16 تبنت مقولة أن "اليهود هم شعب الله المختار"، وأنهم الأمة المفضلة عند الرب، وأن هناك وعدا إلهيا يربط اليهود بفلسطين، لذا ارتبط الإيمان المسيحي البروتستانتي بعد حركة الإصلاح بالإيمان بعودة المسيح الثانية بشرط قيام الكيان الصهيوني على كل أرض فلسطين.

وحدث انقسام بين منظري المسيحية الصهيونية في القرن الـ19، وظهرت مدرستان، البريطانية الداعمة لنظرية تحول اليهود للمسيحية قبل عودتهم لفلسطين كمسيحيين، والأمريكية التي آمنت بأن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود قبل تحولهم للمسيحية.

ورأس فكر المدرسة الأمريكية القس الأيرلندي جون نيلسون داربي الذي يعتبر بمثابة الأب الروحي لحركة المسيحية الصهيونية الأمريكية.

وخلال 60 عاما بشر داربي لنظريته بكتابة العديد من المؤلفات التي فصلت رؤيته لنظرية عودة المسيح الثانية، ونظرية الألفية. وقام داربي بست زيارات تبشيرية للولايات المتحدة، ومن ثم أصبح داعية مشهورا ومدرسا له أتباع كثيرون.
وحمل لواء الحركة من داربي عدة قساوسة من أشهرهم داويت مودي الذي عرف بترويجه لنظرية "شعب الله المختار"، وويليام يوجين بلاكستون الذي ألف كتاب "المسيح آت" عام 1887 وأكد فيه على نظرية حق اليهودي طبقا لقراءته للتوراة في فلسطين. إلا أن أكثر المنظرين تطرفا كان القس سايروس سكوفيلد الذي ألف كتابا عنوانه "إنجيل سكوفيلد المرجعي" عام 1917، وهو الكتاب الذي أصبح بمثابة المرجع الأول لحركة المسيحية الصهيونية.
ومن أشهر السياسيين الذين أسهموا في نمو حركة المسيحية الصهيونية عضو البرلمان البريطاني اللورد شافتسبري، وكان شافتسبري مسيحيا محافظا وعلى علاقة جيدة بصانعي السياسة البريطانيين في منتصف القرن الـ19. وفي العام 1839 ذكر شافتسبري في مقال نشر في دورية شهيرة Quarterly Review أنه "يجب أن نشجع عودة اليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة، حتى يستطيعوا مرة أخرى القيام بالرعي في سامراء والجليل"، وكان ذلك قبل 57 عاما من ظهور الحركة الصهيونية العالمية، وكان اللورد شافتسبري هو أول من وصف اليهود وفلسطين قائلا "شعب بلا وطن.. لوطن بلا شعب".

يعد تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة هو أول من استخدم مصطلح "الصهيونية المسيحية"، وعرف المسيحي المتصهين بأنه "المسيحي الذي يدعم الصهيونية"، بعد ذلك تطور المصطلح ليأخذ بعدا دينيا، وأصبح المسيحي المتصهين هو "الإنسان الذي يساعد الله لتحقيق نبوءته من خلال دعم الوجود العضوي لإسرائيل، بدلا من مساعدته على تحقيق برنامجه الإنجيلي من خلال جسد المسيح".

تيودور هرتزل نفسه آمن وطرح فكرة الدولة اليهودية ولم تكن دوافعه دينية بالأساس، فهو قومي علماني، وأعلن استعداده لقبول استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو حتى الأرجنتين، أما المسيحيون المتصهينون فقد آمنوا بأن فلسطين هي وطن اليهود، واعتبروا ذلك شرطا لعودة المسيح، لذا انتقدوا الموقف المتساهل من قبل تيودور هرتزل.

أدبيات حركة المسيحية الصهيونية
تلتقي الحركتان الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية حول "مشروع إعادة بناء الهيكل اليهودي في الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى اليوم". لذا فالهدف الذي تعمل الحركتان على تحقيقه يتمحور حول فرض سيادة يهودية كاملة على كل فلسطين بدعوة أنها "أرض اليهود الموعودة" ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تعميم البركة الإلهية على كل العالم.
وترجمت معتقدات هذه الحركة بداية في العام 1917 مع صدور وعد بلفور "الذي أيد فكرة وطن قومي لليهود في فلسطين" وافق أغلب البروتستانت الأمريكيين على هذه الفكرة واعتبروا تنفيذها واجبا دينيا راسخا.

وتأثرت المسيحية الصهيونية بثلاثة توجهات يجمع بينها خلفية التفسير الديني المعتمد على النصوص التوراتية، ورغم تباين هذه التوجهات وتناقضها بعضها مع بعض أحيانا، فإن التفسير الحرفي للتوراة والإيمان بضرورة مساعدة إسرائيل جمع بينهم. والحركات الثلاث هي:
1. حركة تهتم بقضية نهاية العالم ومؤشراته.
2. حركة تهتم بقضية التقرب من اليهود من أجل المسيح.
3. حركة تركز على الدفاع عن إسرائيل وعلى مباركتها ودعمها بكل ما هو ممكن ومتاح.
وأهم ما يجمع بين المسيحية الصهيونية واليهودية اليوم يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية:
1. التراث المسيحي اليهودي المشترك.
2. الأخلاق اليهودية المسيحية.
3. الالتزام الأدبي والأخلاقي بدعم إسرائيل.
تترجم حركة المسيحية الصهيونية أفكارها إلى سياسات داعمة لإسرائيل، وتطلب ذلك خلق منظمات ومؤسسات تعمل بجد نحو تحقيق هذا الهدف. لذا قامت حركة المسيحية الصهيونية بإنشاء العديد من المؤسسات مثل "اللجنة المسيحية الإسرائيلية للعلاقات العامة" ومؤسسة الائتلاف الوحدوي الوطني من أجل إسرائيل"، ومن أهداف هذه المؤسسات دعم إسرائيل لدى المؤسسات الأمريكية المختلفة، السياسي منها وغير السياسي.

وهناك ما يقرب من 40 مليونا من أتباع الصهيونية المسيحية داخل الولايات المتحدة وحدها، ويزداد أتباع تلك الحركة خاصة بعدما أصبح لها حضور بارز في كل قطاعات المجتمع الأمريكي.

ويشهد الإعلام الأمريكي حضورا متزايدا لهم حيث إن هناك ما يقرب من 100 محطة تلفزيونية، إضافة إلى أكثر من 1000 محطة إذاعية ويعمل في مجال التبشير ما يقرب من 80 ألف قسيس.

وامتد نفوذ الحركة إلى ساسة الولايات المتحدة بصورة كبيرة وصلت إلى درجة إيمان بعض من شغل البيت الأبيض بمقولات الحركة والاعتراف بهذا علنيا. الرئيسان السابقان جيمي كارتر "ديمقراطي" ورونالد ريغان "جمهوري" كانا من أكثر الرؤساء الأمريكيين إيمانا والتزاما بمبادئ المسيحية الصهيونية

تأثير المسيحية الصهيونية في السياسة الأمريكية
تقرير واشنطن- زياد أبو الريش
للوقوف على تأثير أتباع تيار المسيحية الصهيونية في السياسة الخارجية الأمريكية، من المهم أن ننظر إليهم في سياق صعود اليمين الديني قوة سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد شهدت نهاية السبعينيات عدة تطورات في المشهد الديني والسياسي للولايات المتحدة عززت من قيام مستوى أعلى للتأييد وزادت الوزن السياسي لليمين الديني بما في ذلك الصهيونيون المسيحيون. فمع نهاية السبعينيات فاز الجمهوريون بـ4 من 12 انتخابا رئاسيا وسيطروا على الكونغرس خلال 2 من 24 دورة للمجلس على مدار العقود الخمسة الماضية. وكان التودد إلى المسيحيين المحافظين ضرورة إستراتيجية من جانب الحزب الجمهوري.

ويمثل اليمين المسيحي كتلة انتخابية مهمة، حيث إنه من كل سبعة أصوات انتخابية هناك صوت ينتمي لليمين المسيحي، وقد كان لسيطرة الجمهوريين على هذه الكتلة أكبر الأثر في فوزهم بـ4 من 6 سباقات رئاسية، وهيمنوا على مجلس الشيوخ طيلة 7 من 12 دورة للمجلس، كما سيطروا على مجلس النواب طيلة العقد الماضي.

في الإدارات الأمريكية
هناك أمثلة عديدة توضح نفوذ الصهيونيين المسيحيين في الإدارات الأمريكية، فعندما صرح الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر عام 1977 بأن "الفلسطينيين لهم حق في وطنهم" انبرى قادة ونشطاء الصهيونيين المسيحيين، بالإضافة إلى اللوبي الصهيوني للرد عليه بإعلانات تصدرت الصحف الأمريكية تقول إن "الوقت قد حان لأن يؤكد المسيحيون البروتستانت إيمانهم بالنبوءة التوراتية والحق الإلهي لإسرائيل في الأرض... نحن ننظر ببالغ الاهتمام لأي محاولة لتجزئة الوطن القومي لليهود من قبل أي دولة أو حزب سياسي". وبعد هذه الحملة أصبح كارتر أكثر تحفظا في آرائه العامة عن الفلسطينيين خلال فترة رئاسته.
بدا التقارب بين الصهيونيين المسيحيين والحزب الجمهوري أكثر وضوحا في إدارة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان. فقد نقلت وكالة أنباء أسوشيتد برس محادثة بين ريغان ومدير اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (أيباك) المؤيدة لإسرائيل، قال فيها ريغان لمحدثه "عندما أعود بالذاكرة لأنبيائكم الأقدمين في التوراة والعلامات التي تتنبأ بالمعركة الفاصلة المسماة هرمجدون، أجدني أتساءل إذا كنا نحن الجيل الذي سيشهد وقوعها".
أما في إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن الحالية فيبدو نفوذ الصهيونيين المسيحيين أوضح ما يكون، رغم علاقاته القائمة مع اليمين المسيحي. وعندما حاول بوش تبني سياسة أكثر استقلالا عن السياسة الأمريكية تجاه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تصدت له منظمات اليمين المسيحي، فأثناء عملية الدرع الواقي العسكرية الإسرائيلية عام 2002 التي انتهت بعودة القوات الإسرائيلية إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مثل بيت لحم ورام الله وجنين، اضطر جورج بوش تحت الضغط الدولي لأن يبعث برسالة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قال له فيها "اسحب قواتك فورا".

وردا على ذلك حشد قادة الحركة الصهيونية المسيحية أبواقهم الإعلامية لتعبئة أنصارهم بإرسال آلاف الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والخطابات إلى الرئيس تحثه على عدم الضغط على إسرائيل لوقف عمليتها، ومن يومها لم ينبس بوش ببنت شفه في أي تعليق مشابه يعارض العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وبعد إدانة إدارة بوش الأولى لمحاولة اغتيال القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبد العزيز الرنتيسي في يونيو2003، حشد الصهيونيون المسيحيون مع اليمين المسيحي أنصارهم للاحتجاج على هذا النقد، وكان العنصر الأساسي في الحملة هو التلويح بعدم التصويت في يوم الانتخاب.

وخلال 24 ساعة فقط كان هناك تغير ملحوظ في الخطاب العام للرئيس، لدرجة أنه عندما نجحت الحكومة الإسرائيلية في اغتيال الرنتيسي كان رد إدارة بوش مدافعا في أغلب الأحيان، كما كان الموقف عند اغتيال مؤسس حركة (حماس) الشيخ أحمد ياسين.

في مؤسسات المجتمع المدني
يشكل الصهيونيون المسيحيون اليوم أكبر قاعدة مساندة للمصالح المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، فهم يحشدون التأييد السياسي والاقتصادي لإسرائيل بين أنصارهم وهم يستهدفون المتدينين المسيحيين عموما. على سبيل المثال، برزت منظمة جديدة في السنوات الأربع الأخيرة تسمى "قف بجانب إسرائيل"، تعمل جنبا لجنب مع منظمة أيباك لدعم واستقطاب الجماهير المؤيدة للسياسات الإسرائيلية.

وعقدت المنظمة مؤتمرا بعد المؤتمر السنوي لأيباك دعت فيه كثيرا من نفس المتحدثين وتبنت عددا من نفس السياسات.

وتحدث مرشح الرئاسة السابق غاري بوير المؤسس المشارك لمنظمة قف بجانب إسرائيل إلى المؤتمر، وحث الحاضرين على معارضة خريطة الطريق الرباعية وفكرة مبادلة الأرض مقابل السلام، وقام آخرون ممن حضروا حفل عشاء المؤتمر بالإعراب عن العلاقة الحميمة بين إدارة بوش والصهيونيين المسيحيين وكذلك اليمين المسيحي الأوسع انتشارا.

ومن هؤلاء النائب العام الأمريكي السابق جون أشكروفت وسفير إسرائيل السابق في واشنطن دانيال أيلون وزعيم طائفة المعمدانيين الجنوبيين ريتشارد لاند وزعيم الأقلية السابق بمجلس النواب توم ديلاي.

وتسلم ديلاي وزميله في الكونغرس الأميركي توم لانتوس الجائزة السنوية الأولى لأصدقاء إسرائيل إشادة بنجاحهم في قيادة الكونغرس لتمرير قرار المجلس رقم 392 الذي يؤكد على التضامن القوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في "موقفهما المشترك ضد الإرهاب الدولي".

وتعتبر إقامة الشبكات والمؤسسات أحد العناصر الأساسية التي تؤثر بها الصهيونية المسيحية في السياسة الخارجية الأمريكية التي مكنتها من تعبئة وسائلها الإعلامية والانتخابية والمالية. وتتركز آليات هذا التأثير في طرق العمل السياسي السائدة، من ذلك على سبيل المثال مراقبة تغطية الإعلام للتطورات السياسية وكذلك التواصل مع من يقومون بزيارات رسمية للولايات المتحدة.

وهذه الوسائل تشمل كفاءة وجاهزية عالية في حملات الضغط العام المتعلقة بالمنابر الإعلامية السائدة ونواب الحكومة. كذلك تعتبر الاجتماعات واللقاءات الدورية مع نواب الحكومة الأمريكية البارزين في غاية الأهمية للتأثير في السياسة الأمريكية للشرق الأوسط.

ومع ذلك، يجب ملاحظة أن العلاقات التي تنبني عليها هذه اللقاءات تكون أكثر حميمية من كونها إستراتيجية، لأن كثيرا من النواب لهم علاقات قائمة بالفعل مع جمهور الصهيونية المسيحية و/أو اليمين المسيحي الأشمل.
وفي الثمانينيات افتتحت منظمة السفارة المسيحية الدولية مكتبا لها في منطقة واشنطن بنيويورك، ومنذ ذلك الحين جندت نفسها نقطة ارتكاز للنشاط السياسي الضاغط للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. كما برزت خلال التسعينيات منظمة تحالف الوحدة الوطنية من أجل إسرائيل عنصر ضغط هاما تابعا للصهيونيين المسيحيين.

ويشكل تحالف الوحدة الوطنية من أجل إسرائيل غالبية مسيطرة داخل الكونغرس بالتعاون مع منظمة آيباك المتنفذة عندما يتعلق الأمر بسن قوانين ترسم سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كذلك فإن المنظمات الصهيونية المسيحية واللوبي الموالي لإسرائيل تعتبر من أهم مجموعات المصالح الخاصة التي التقت مصالحها معا منذ ترشيح بوش لتشكل سياسة الإدارة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

وفي بعض الأحيان كانت معظم هذه المجموعات والأهداف السياسية تعمل بعيدا عن الرقابة السياسية لمعظم المحللين. لكن يجب ملاحظة أن ما يجعل تأثير الصهيونية المسيحية في السياسة الأمريكية بهذه الفعالية هو أن جهودهم تتضاعف قوتها بواسطة مجموعات المصالح الخاصة الأخرى مثل مجموعات المحافظين الجدد ومجموعات الضغط الصهيونية اليهودية.

والتحالف الحالي بين الصهيونيين المسيحيين والصهيونيين اليهود والمحافظين الجدد يجعل الصهيونية المسيحية دعامة رئيسة للضغط الحالي على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك يجب ملاحظة أن هذا النفوذ لم يكن ليتحقق لولا حقيقة مفادها أن القوة السياسية للصهيونية المسيحية تدفع السياسة الأمريكية باتجاه كانت تميل ناحيته بالفعل نتيجة للعلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بالنسبة للشرق الأوسط.

يتبع >
[line]

castle 15-07-2007 08:40 PM

العقيدة الرئاسية والسياسة الخارجية: هل تتغير الأوقات؟
تقرير واشنطن

أعلن الرئيس بوش صراحة أن عقيدته الدينية كان لها تأثير كبير عليه كرئيس، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. وقد حدد فهمه للحرب على الإرهاب على أنها معركة بين الرب والشر، وغالبا ما يأتي حديثه عن هدف أمريكا في العالم الأكبر، والهدية الإلهية، والدعوة إلى الحرية ممتلئا بالعواطف. والسؤال الذي يطرح نفسه هو إذا ما كان اتجاه بوش المتعلق بالسياسة الخارجية والمستمد من عقيدته الدينية متوافقا مع التقاليد السياسية الأمريكية الأوسع، أم أنه يمثل انحرافا تاريخيا؟
تحاول د. إليزابث إدواردز سبالدنغ إلقاء نظرة توضيحية على الموضوع والرد على هذا السؤال، وهي أستاذ مساعد في السياسة الخارجية الأمريكية، ومديرة برنامج واشنطن بكلية كلاريمونت ماكينا. كما أنها مؤلفة كتاب “رائد الحرب الباردة: هاري ترومان”.
تقول د. سبالدنغ هناك رغبة في فصل الدين عن السياسة، وفي أمريكا تنفصل الكنيسة بالفعل عن الدولة. لكن كما اشتهر عن هاري ترومان حين قال لا يوجد كافرون في المكتب البيضاوي، فإنه عندما تشتد الأمور وتتعلق المسائل بالحياة والموت، يتجه جميع الرؤساء إلى الرب بطرق مختلفة، وفي النهاية يتوجه الجميع بالدعاء إليه ويثقون في توجيهاته. وأبرز الأمثلة غالبا ما تتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، حيثما تبرز أهم الظروف وأكثرها تهديدا. وقد تحدث كثيرون على مدار السنوات الماضية عن الرئيس بوش، وكيف أثرت عقيدته المسيحية على سياساته. وأقدم هنا مثالا يوضح أن الرئيس بوش ليس هو الشخص الوحيد الذي يخضع لتأثير معتقداته الدينية خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، في الوقت الذي لا تكون فيه تلك المعتقدات هي العامل المحدد لجميع القرارات الرئاسية.

ترومان والوصية العظمى
بمقارنة هاري ترومان بالرئيس بوش فهو رجل من زمن آخر، ويختلف عنه من ناحية الانتماء السياسي والمذهب الديني. وكانت قدوته في الحياة هي حياة المسيح وتعاليمه، وقد تتبع الروابط بين الوصايا العشر ونص الموعظة على الجبل، كما صب تركيزه على أسفار العهد القديم. مما أدى إلى وصوله إلى أنه يجب علينا أن نحمل الوصية العظمى ونكملها كما فعل المسيح. واعتقد ترومان أن تعاليم الوصية العظمى التي تؤكد على حب الرب والجيران كحب النفس، وقصة السامري الصالح تنطبق على كل من السياسة الداخلية والخارجية. اتخذ بوش من تلك التعاليم مبادئ هادية له، وحاول تطبيق الوصية العظمى وربط المسيح بين حب الرب وحب الجيران .
ربط الرئيس ترومان بين سياساته وإيمانه، وجاء أوضح مثال على ذلك خلال الحرب الباردة. فمن أجل مواجهة صراع الشرق والغرب قاد ثورة في السياسة الخارجية الأمريكية تميزت بظهور سياسات ومؤسسات جديدة مثل سياسة تعاليم ترومان، وحلف شمال الأطلسي وغيرها، التي أعادت تعريف الليبرالية الدولية وساعدت على انضمام الولايات المتحدة إلى العالم بصورة لم تحدث من قبل. وفي الوقت ذاته حاول ترومان توحيد ديانات العالم في حملة صليبية ضد الشيوعية. وقد تلقى دعما كبيرا من الكاثوليك، في حين واجه معارضة شديدة من البروتوستانت، وفشلت جهوده لتشكيل حملة دولية دينية. ومرة أخرى عمل على تطبيق التعاليم في الحرب الباردة وهذه المرة من خلال ما أسماه حملة الحقيقة: وكانت استراتيجية ثنائية الأبعاد تشمل الإعلام والديانات الرئيسية في العالم، والتي زاوجت أيضا بين الحكومة والقطاعات الخاصة. وواجه أيضا مقاومة عنيفة من البروتوستانت، مما جعله يتنازل عن هدفه الأبعد في حين واصل العمل مع الكنيسة الكاثوليكية، وأكثر من إنشاء مؤسسات الدبلوماسية العامة كصوت أمريكا، وإذاعة الحرية. ومنذ اليوم الأول لرئاسته آمن ترومان بأن أمريكا دعيت لتحمل المسؤولية، الأمر الذي تهربت منه بعد الحرب العالمية الأولى. أما التحدي كما رأه ترومان فهو أن العالم الحر يواجه عدوا ينكر أن "حرية الإنسان هي وليد الاعتقاد بأن البشر متساوون في صورة الرب ومن ثم فهم قادرون على التحكم في الذات".
تحول ترومان إلى تعاليم الأنبياء لتفسير فهمه عن السلام، واقتبس من أسفار العهد القديم، وأوضح أن أحد هذه الأسفار حاول تعليم الناس أنه يجب عليهم حماية نظامهم إذا "أرادوا يوما ما التمتع بحكومة حرة". وأن الظروف المختلفة تتطلب أفعالا مختلفة، وعلى الرئيس الحكيم أن يقرر إذا كان الوقت يتطلب محراثا أم سيفا. وأكد على أنه يجب على الجميع أن يكونوا صناع سلام، ليس فقط بصورة فردية، بل وعلى المستوى الدولي أيضا. لكن الحرب الباردة غيرت من نظرته المتفائلة عن احتمالات صنع سلام عالمي. فمن ناحية رفض تصور هؤلاء الذين يتجاهلون الواقعية، فربما كان يفضل المحراث، لكنه أيضا يفهم الحاجة إلى السيف. ومن ناحية أخرى، رفض أيضا الواقعية الضيقة التي أخفقت في إدراك التحدي الأخلاقي للشيوعية. وقد اشتملت كتاباته وخطاباته على مفاهيم مثل الحرية والعدالة والنظام كمباديء خلقت ظروف من الممكن تحقيق سلام فعلي وحكيم من خلالها.

الحرية: أساس وضرورة
يثار حاليا جدلا واسعا حول ثرثرة جورج دبليو بوش حول حرية العالم، إذ يتهمه المنتقدون بشن حملة صليبية من أجل مفهوم غير محدد. أما بالنسبة لبوش، كما كان الأمر بالنسبة لترومان، فإن الحرية شأن من شؤون السياسة لكنه لا يمكن فصلها عن العقيدة. وكما أن الحرية مركزية لأنها إلى جانب المساواة هي حق غير قابل للتحول، فهي بالنسبة لبوش وترومان مركزية أيضا لأنها الشرط المسبق الضروري لأي فعل أخلاقي وأي سلام حقيقي. لذا فالحرية هي أكثر من شعار، هي أساس وضرورة، وهي هامة لكل من الأفراد والدول.

عندما اتخذ كل من بوش وترومان الحرية أساسا لكفاحهما الملحمي، فقد تعمدا ذلك. وقد يكون الأمر أوضح بالنسبة لترومان لطبيعة الاستبداد الشيوعي، لكن بالنسبة لبوش يمكننا أن نفهم دعوته للحرية إذا فهمنا أنه يتعامل من المتطرفين الموجودين في عصره، والمعروفين باسم الجهاديين، بنفس الجدية التي تعامل بها ترومان مع الشيوعيين، وكانوا هم المتطرفون في ذلك العصر. ومن هذا المنطلق فإن الإرهابين الجهاديين يتصرفون من منطلق معتقداتهم الدينية، وأن تلك المعتقدات شوهت معنى الإسلام، كما يشير الرئيس بوش باستمرار. وكما كان موقف ترومان في الحرب الباردة، يرى بوش أنه باستطاعته التمسك بمعتقداته، وكذلك الإرهابيين دون وضع مساواة أخلاقية بين تلك المعتقدات. وتأتي وجهة النظر تلك على عكس وجهات نظر العديديين في أمريكا والغرب، إذ تطرح وجهة النظر العلمانية العامل الديني في الحرب على الإرهاب وتضعه جانبا.

لكن هل يطرح بوش العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية والعوامل الأخرى؟ بالطبع لا، لكن في العالم الإسلامي الراديكاالي فإن الدين يشكل ويقود جميع العوامل. فقد تتغير ظروف وأساليب الإرهابيين في الحرب على الإرهاب المستمرة، لكن دوافعهم الأولية لا تتغير. وقد يغيب عن الكثيرين أن الدين كان في قلب الحرب الباردة، إذ كان السوفيت ينكرون تماما وجود الرب، ووقف الإلحاد الشيوعي في مواجهة المسيحية الغربية. ونشأ صراع الشرق والغرب الذي قاده ترومان من فهمة الديني والسياسي المشترك بأن العالم الحر دخل معركة شاملة مع العدو المستبد على جميع الأصعدة الروحية والسياسية والعسكرية والجغرافية والاقتصادية. وكما نظر ترومان إلى الحرب الباردة، حدد بوش الحرب على الإرهاب بأنها صراع ملحمي بين الرب والشر، وأعدئنا هم الأشرار. وكما وصف منتقدو بوش الرئيس بأنه مذنب لارتكابه خطايا الغرور والتكبر والنفاق، اعتبر منتقدو ترومان أنه تجرأ على محاولة أخذ مكانة الرئيس فرانكلين روزفيلت.
كان الرئيس ترومان مواظبا على أداء صلواته اليومية، التي نحتفظ بمصادر أرشيفية عنها، والتي كان يسأل الرب فيها منحه التواضع والفهم والحكمة. وبالرغم من أنه لا يوجد لدينا أي تصور عن صلوات الرئيس بوش، فقد ألمح كثيرا عما يسكن قلبه المسيحي وهو أن تحب جارك كما تحب نفسك. فكلا الرجلين يفهمان جيدا أنه قد نضطر إلى تغليب السيف على المحراث، بالرغم من أن الأولوية هي تغليب المحراث على السيف، فالرئيس يجب أن يطبق مبادئه في الظروف التي يوضع بها. وبالنسبة للرجلين فإن الوسائل تخضع للمباديء السياسية التي تقودها عقيدتهما المسيحية.

ويلسون الوسيلة المختارة
هناك رئيس آخر ذاع صيته على مدار القرن العشرين بأكمله، وظل نفوذه ممتد بنفس القوة في القرن الواحد والعشرين، وهو الرئيس وودرو ويلسون الذي اعتبر فذا بتبنيه مدخلا خاصا للسياسة الخارجية سمي من بعده بالولسونية. فمن خلال كتاباته ورئاسته وضع ويلسون نظاما لاهوتيا مفصلا للسياسات، يضع فيه الفرد والكنيسة والمجتمع والدول في نظام عالمي متطور. وقد وجدت التعاليم المسيحية لهذه النظرية في التعاليم الدينية للكنيسة البروتستينية التي يدير شؤونها شيوخ منتخبون، والمعروفة بالكنيسة المشيخية، تلك التعاليم التي تعلمها ويلسون من والده، الذي كان وزير مشيخي بارز. ومن هذا المنطلق تختلف مسيحية ويلسون كل الاختلاف عن المذهب الإنجيليكاني لكل من ترومان وبوش. وقد أكدت وجهة نظر ويلسون على أولوية السلام كتطبيق للتاريخ المتطور، واشتهر بقوله "لا يجب أن يكون هناك توازن قوى، إنما مجتمع قوى، ولا منافسة منظمة، إنما سلام عام منظم". سار ويلسون نحو طريق مختلف للانضمام للسياسات العالمية، كانت مبادئه أمريكية و"طموحة" و"حديثة" و"مستنيرة". ووففا للمعايير الأمريكية كان ويلسون على حق في رفض الواقعية في الشؤون الدولية، لكن بديله المقترح أخطأ قي قرأة البديل الأمريكي ذي المبادئ لسياسات القوى، وأيضا الاتجاهات السياسية والاقتصادية الناشئة خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها. وفضلا عن الاختلافات الدينية والفلسفية بين ويلسون من ناحية وبوش وترومان من ناحية أخرى، هناك أيضا تباين من الناحية الشخصية. فبوش وترومان يمتلكان صفات السياسي الواثق من نفسه، الجلد، على عكس ويلسون الذي تخطى حدود الثقة. فقد نبع كبرياؤه وطموحة من اقتناعه بأنه هو الوحيد الوسيلة المختارة لمشيئة الرب في العالم.

رؤساء مختلفون، ومسيحية مشتركة
في النهاية يجب أن نشير إلى شعور المساواة الأساسي الذي تمتع به كل من بوش وترومان. فعلى عكس إيمان ويلسون بأن مصيره الإلاهي جعله يفوق الأخرين، لم يفقد ترومان وبوش نظرتهما بالمساواه بالأخرين قط، سواء كان جيرانهما قريبين أم بعيدين. فالمسيحية المشتركة وحدت بينهما، رغم اختلاف المذهب الديني، والحزب السياسي، والحقبة التاريخية.
ولقد أشرت عدة مرات لمدى طرح المجتمع الغربي، خاصة المثقفين ووسائل الإعلام، لدور الدين في صراع سياستنا الخارجية الملحمي والتقليل من دوره، لكن هناك بعض من يرون الضوء. فقد نشرت صحيفة فورين أفيرز واحدة من أهم المقالات حول الدين والسياسة الخارجية الأمريكية. فخصصت صحيفة أمريكان إنتريست قسما كاملا لهذا الموضوع، يشمل مقالات حول تأثير الدين على السياسة الخارجية الأمريكية، وأعدائنا الجهاديين. ذلك هو نوع الصحافة الواعية التي أرغب في رؤيتها بصورة أكبر، مع تعامل وسائل الإعلام، وخبراء السياسة والأكادميين مع قضية بوش والجهاديين بصورة أكثر جدية.

الديمقراطيون يرتدون عباءة الدين والجمهوريون يخلعونها
تقرير واشنطن
أصبحت مسألة العقيدة قضيةً مُثارة – وبشدة – على صعيد الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية لعام 2008. بات المرشحون، سواءً كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين، باتوا يعلنون – بمنتهى الصراحة والوضوح – عن انتماءاتهم الدينية، الأمر الذي لم يكن يحدث بهذا التركيز من قبل.
ولم يعد "جورج دبليو. بوش" هو المُرشح الوحيد الذي يتحدث بإسهاب عن الدين في حملاته الانتخابية – كما فعل منذ سبع سنوات حينما أفصح في إحدى "المبارزات" الصحفية عن حبه الشديد للمسيح واعتباره الفيلسوف الأول في العالم – وإنما بات الأمر ظاهرةً لافتةً للانتباه. فالذي يبدو الآن، هو ظهور جميع المرشحين للرئاسة الأمريكية القادمة في ثوبٍ ديني غير مُعتاد، بل وغريب على الفكر السياسي الأمريكي خاصةً، وعلى الفكر السياسي الغربي عامةً؛ حيث يتصف كلاهما بالعلمانية الواضحة.

الديمقراطيون يلبسون ثوباً دينياً
"هيلاري كلينتون" و"باراك أوباما" – النائبان الديمقراطيان بمجلس الشيوخ – قاما باستدعاء خبراء في الإستراتيجية، يُلقنون كلاً منهما فنون جذب الناخبين المتدينين. بالنسبة لحملة "أوباما"، فإنها تعقد مؤتمراً على نحو أسبوعي، يضم أهم المؤيدين لـ"أوباما" في الولايات الأمريكية، حيث تتركز مهمتهم في نشر رسالته وسط الزعماء الدينيين ورواد الرأي.
يستهدف الديمقراطيون، بوجهٍ عام، الكاثوليك الرومان المعتدلين، إضافةً إلى الخط الرئيسي في التيار البروتستانتي. حتى الإنجيليين باتوا من ضمن المُستهدفين لصالح المرشحين الديمقراطيين. وهو أمر منطقي؛ فالديمقراطيون يسعون إلى حصد أكبر عدد من الناخبين المتدينين، أو ذوي الاهتمامات الدينية والأخلاقية في المقام الأول.
ومن ثم، فليس من العجيب أن يقوم كل من "كلينتون" و"أوباما" و"جون إدواردز" (الممثل الأسبق لولاية نورث كارولينا بمجلس الشيوخ) بإعداد المحاضرات لمخاطبة الإنجيليين الليبراليين؛ ومنها المحاضرة التي ستُعقد هذا الأسبوع بأحد المنتديات الانتخابية تحت عنوان "العقيدة، القيم، الفقر".
والغريب أن مرشحي الحزب الجمهوري – وهم الورثة الطبيعيون للمد الديني المحافظ – يجدون صعوبةً جمة في التعامل مع قضية الدين. فنذكر على سبيل المثال "ميت رومني" (حاكم ولاية ماساشوتيس الأسبق) الذي سُئل كثيراً حول طبيعة اعتقاده المرموني Marmon faith، فلم تكن لديه إجابة شافية، خاصةً بعد نتائج استطلاع الرأي التي أبرزتها مؤسسة "جالوب" في مارس 2007؛ إذ عكست نوعاً من الاستياء الأمريكي تجاه ذلك الاعتقاد؛ فقد صوت حوالي 46% من المشاركين في الاستطلاع بآراء سلبية إزاء الاعتقاد المرموني. وهو الأمر الذي أجبر العُمدة السابق على أخذ خطوة مخالفة لنهج جميع المرشحين؛ وهي تأكيده على ترشيح نفسه لمنصب علماني.
لقد صار الدين عنصراً أساسياً في السياسة الانتخابية للرئاسة الأمريكية. وليس أدل على ذلك مما حدث في المناظرة التليفزيونية الأولى التي جمعت المرشحين الجمهوريين، إذ قام صحفي بتوجيه سؤالٍ لهم حول مدى قناعتهم بنظرية التطور – وهي النظرية المخالفة للإنجيل. فقام ثلاثة مرشحين بالرد السلبي تجاه تلك النظرية؛ وهم السيناتور "سام برونباك" (سيناتور ولاية كانساس)، "مايك هوكابي" الحاكم السابق لولاية أركانساس، وعضو الكونغرس "توم تانكريدو" (عن ولاية كولورادو).
"معظم الأمريكيين ينظرون إلى الدين باعتباره ركن أساسي في حياتهم؛ وهم شغوفون حقاً بكيفية تأثير التدين على المُرشحين". هذا ما أكده "جون جرين"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "أكرون" بولاية أوهايو، ويقول مُستكملاً: "ما يعتبر جديداً في العملية الانتخابية هذه المرة، هو نزوح عدد كبير من المرشحين الديمقراطيين نحو التحدث عن معتقداتهم، ونحو تنظيم حملاتهم الانتخابية بشكلٍ يغازل الناخبين المتدينين".

تناول الدين لم يعد حكراً على الجمهوريين
في الحملات السابقة، كان الجمهوريون محتكرين صوت الناخب المتدين المحافظ. ففي انتخابات 2004، خسر المرشح الديمقراطي "جون كيري" (السيناتور عن ولاية ماساشوتس) صوت الناخب الكاثوليكي، على الرغم من كون "كيري" كاثوليكياً في الأصل؛ حيث حصل على 47% من أصوات الناخبين الكاثوليكيين، بينما حصل "بوش" على 52%. وبالنسبة لأصوات الناخبين الإنجيليين، فقد حصل "بوش" أيضاً على نصيب الأسد (72%)، بينما حصل "كيري" على 21%.
أما الآن، فإن الديمقراطيين يتحدثون بمنتهى الطلاقة حول المعتقدات الدينية. ففي مارس 2007، أفصح المُرشح الديمقراطي "إدواردز" لموقع "بيليفنيت.كوم" Beliefnet.comبأن السيد المسيح قد يتأذى من تجاهل الولايات المتحدة، حكومةً وشعباً، لآلام المسيح ومعاناته.
"أرى أن السواد الأعظم من الأمريكيين يبحثون عن إنسانٍ ذي أخلاق كريمة، ليكون رئيساً لهم". هذا ما أكده "إدواردز" في حوارٍ أجرته معه "الأسوشييتيد بريس".
"الناخبون المتدينون جائعون؛ هم في أمس الحاجة إلى محادثة حقيقية حول الموضوعات الأخلاقية الكبيرة الحاصلة في وقتنا هذا". هكذا عبر "جيم واليس" – رئيس "مؤسسة دعوة للتجديد" أو Call to Renewal – عن طموحات الناخبين الأمريكيين من وجهة نظره. وتعتبر تلك المؤسسة من المؤسسات الإنجيلية الناشطة في إقامة المنتديات التي تتعلق بالمرشحين المنتخبين، والتي تتحدث عن الدين والسياسة.

وقد يلوم الديمقراطيون أنفسهم اليوم على تجاهلهم لشأن الدين في أجنداتهم. فها هو السيناتور الديمقراطي الكاثوليكي "كريس دود" الذي خاطب منتدى بجامعة "بوسطن" في أبريل 2007 قائلاً: لقد أحدث الديمقراطيون "خطأًً فادحاً في السنوات المنصرمة"؛ وذلك من خلال تغاضيهم عن تناول شأن الدين، وكيفية تأثيره على مواقفهم السياسية.
وفي نفس المنتدى، أفصح "براونباك" – كاثوليكي منذ عام 2002 – قائلاً: "صحيح أن الاعتقاد الديني لا يشكل كل قراراتك السياسية، إلا أنه من المستحيل إقصاؤه بعيداً...فهو ببساطة جزء أساسي من القاعدة القيمية".

وفي عام 2006، قام المرشح الديمقراطي "أوباما" بتوجيه النقد إلى زملائه الديمقراطيين الذين فشلوا في "إدراك قوة العقيدة وتأثيرها على حياة الشعب الأمريكي"؛ ناصحاً الحزب الديمقراطي بضرورة العمل الجاد لكسب تأييد الإنجيليين، بل جميع الذين يرتادون الكنائس بانتظام. "ليس كل ما يُقال حول الإله، على المستوى العام، نقضاً للفصل (بين الدين والدولة). فالمضمون هو المعيار".
ومن الغريب، أن يقوم بعض مرشحي الجمهوري – من الوزن الثقيل – بالإعراض عن المناقشات العامة المتعلقة بمعتقداتهم الدينية. "أنا لا أعتقد أن يقوم رجل مثلي – يسعى للحصول على منصب علماني – بالحديث عن أمورٍ تخص عقيدته الخاصة، أو الحديث عما يراه أخلاقي أو غير أخلاقي". لقد صدرت هذه الكلمات عن المرشح الجمهوري "رومني"؛ وذلك في أثناء رده على سؤالٍ وجهته له الـAP "الأسوشييتيد بريس" عن رأيه في الشذوذ الجنسي.
وها هو "جولياني" – المرشح الجمهوري – الذي امتنع أيضاً عن تناول شأن معتقداته الدينية. "إن علاقة رجل الدولة بربه أمر خاص"؛ هكذا كان رد "جولياني" على "الأسوشييتيد بريس". إلا أنه لم يخف موقفه من قضية الإجهاض؛ خاصةً بعد إقرار البابا الكاثوليكي "بينيديكت السادس عشر" بموافقته على موقف السياسيين الكاثوليك الموالين للإجهاض في مدينة المكسيك العاصمة.

أهمية الكتلة الكاثوليكية
ينتمي سبعة من المرشحين الـ18 للرئاسة الأمريكية القادمة إلى الديانة الكاثوليكية. هؤلاء السبعة يضمون ثلاثة جمهوريين وأربعة ديمقراطيين؛ واللافت للنظر، أن كل المرشحين الديمقراطيين الكاثوليك يؤيدون حقوق الإجهاض. وتأييد حقوق الإجهاض لن يؤذي بالضرورة المُرشحين الطامعين في الأصوات الكاثوليكية؛ فالكاثوليك في النهاية يؤيدون الإجهاض المُشرع أو المُقنن في معظم الظروف. وقد أظهر استطلاع انتخابات 2004، تصويت نسبة كبيرة منهم (%43 – %53) لصالح تشريع الإجهاض.
ومن ثم، يمكن القول:"إن الكاثوليك يقعون في منطقة وسطى. فقد يستفزهم الجمهوريون في موضوعات مثل الإجهاض والزواج المثلي؛ إلا أن الديمقراطيين يُعتبرون الأكثر قرباً لاهتماماتهم وتعليماتهم التي تدعو إلى الرعاية الصحية للفقراء، والتي تدعو إلى سياسات الأمن الاجتماعي". هذا ما أكده "كليد ويلكوكس"، الأستاذ في جامعة "جورجتاون"، والمؤلف لكتب كثيرة حول السياسة والدين. "إن الكاثوليك يمثلون كتلة متأرجحة بين الحزبين؛ فهم لا ينتمون إلى حزبٍ بعينه...ومن ثم، فهم يعتبرون كتلة انتخابية في غاية الأهمية".

يتبع >
[line]

castle 15-07-2007 08:44 PM

كنائس أمريكية تعادي المسيحية الصهيونية
تقرير واشنطن-محمد عبد العاطي
رغم قوة وفعالية الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة فإن هذا لا يعني أن الساحة خالية لها تعمل دون معارضة، فهناك كنائس مسيحية كثيرة تتخذ مواقف رافضة لهذا التيار ومحذرة من خطورته، داخل الولايات المتحدة وخارجها.

موقف الكنيسة الإنجيلية
رفضت الكنيسة الإنجيلية في الولايات المتحدة الصهيونية المسيحية، وأوكلت تحويل الرفض لأساليب عملية إلى المجلس الوطني لكنائس المسيح الذي يضم 34 طائفة يمثلون حوالي 40 مليون عضو.
بنى هذا المجلس إستراتجيته للتعامل مع الصهيونية المسيحية على استقطاب الإنجيليين الليبراليين الذين يرفضون التفسير الحرفي للكتاب المقدس ويرفضون الصهيونية اللاهوتية في الكنيسة.
واستطاع المجلس التواصل مع عدد كبير منهم عبر مجلاته "القرن المسيحي" و"المسيحية والأزمات" و"القيمون" و"المصلح". ولم يغفل هذا المجلس أهمية تنسيق مواقفه الرافضة للصهيونية المسيحية مع كنائس أخرى تتشابه معه في هذا الأمر ولو بنسب ودرجات مختلفة مثل الكنيسة المشيخية والكنيسة المنهجية والمعمدانية والأسقفية.

موقف الكنيسة الكاثوليكية
لم تكن الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة بعيدة عن جبهات الرفض المتنامية ضد الصهيونية المسيحية، بل إنها سارعت وأعلنت موقفها الرافض منذ أكثر من 100 عام، ففي مايو1897 لاحظت هذه الكنيسة أن التيار المقصود يهدف في النهاية إلى السيطرة على فلسطين بمسوغات دينية مسيحية، فأصدرت بيانا قالت فيه "إن إعادة بناء القدس لتصبح مركزا لدولة إسرائيلية يعاد تكوينها يتناقض مع نبوءات المسيح نفسه الذي أخبرنا أن القدس سوف تدوسها العامة حتى نهاية زمن العامة أي حتى نهاية الزمن".
ولم يختلف موقف الفاتيكان في روما عن موقف الكنيسة الكاثوليكية داخل الولايات المتحدة، فكما رفض أفكار الصهيونية المسيحية رفض كذلك مساعيهم السياسية وتحالفاتهم مع الصهيونية اليهودية لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وبرر رفضه بأسباب عدة، منها أن دعاوى الصهيونية المسيحية مخالفة للكتاب المقدس ولروح المسيحية وأنها ستلحق ضررا بالمسيحيين الشرقيين خاصة إذا نجحوا في إقامة دولة في فلسطين.
وفي العام 1917 قال البابا بنديكت الـ15 معلقا على وعد بلفور "لا لسيادة اليهود على الأرض المقدسة".
وفي 15 مايو 1922 وجه الفاتيكان مذكرة رسمية لعصبة الأمم تنتقد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقال "إن الحبر الأعظم لا يمكن أن يوافق على منح اليهود امتيازات على غيرهم من السكان". ولم يختلف الموقف كثيرا بالنسبة للبابا بيوس الـ12 الذي خلف بنديكت الـ15.
واستمر هذا الرفض حتى قيام دولة إسرائيل عام 1948، بعدها حدث تغير لاهوتي في موقف الكنيسة الكاثوليكية بعد أن استطاع الإسرائيليون/اليهود أن يقنعوا كبار رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية أن وجودهم في الشرق الأوسط مهم لمحاربة الشيوعية "الإلحادية" ووقف امتدادها.
وازداد هذا الموقف تماسكا في ولاية جون كيندي أول رئيس أميركي كاثوليكي يدخل البيت الأبيض، وكان بصحبته الأسقف كاشنغ الذي كان مشبعا بالعداء للشيوعية ووجد أن إسرائيل/اليهود وليس الإسلام هو الحليف الطبيعي للولايات المتحدة ضد الشيوعية.
بعد هذا الاختراق الكنسي كثرت المنظمات الكاثوليكية المطالبة بتغيير مواقف الفاتيكان اللاهوتية من مبدأ قيام دولة يهودية ومبدأ عودة اليهود إلى فلسطين.
وقامت كذلك جنبا إلى جنب منظمات كاثوليكية أخرى لا ترفض قيام دولة يهودية ولكنها تدعو أن يكون ذلك مصاحبا لمنح الفلسطينيين حقوقهم.

موقف الكنيسة الأرثوذكسية
بنت الكنيسة الأرثوذكسية في الولايات المتحدة معارضتها للصهيونية المسيحية على منطلقات عقائدية، حيث اعتبرت أن هذا التيار يصر على زرع رؤية لاهوتية غريبة عن المسيحية وأن أهدافها سياسية وليست دينية وهي في محصلتها الختامية تخدم مصالح دولة بعينها.

مجلس كنائس الشرق الأوسط
أما بالنسبة لموقف كنائس الشرق الأوسط من هذا التيار فقد تمثل في الرفض المؤسس كذلك على أسباب دينية وسياسية وإنسانية.
واعتبر مجلس كنائس الشرق الأوسط الصهيونية المسيحية، كما جاء في بيانه الصادر في أبريل 1986، "سوء استعمال للكتاب المقدس وتلاعبا بمشاعر المسيحيين في محاولة لتقديس إنشاء دولة من الدول وتسويغ سياسات حكوماتها".
وأجمل الأمين العام للمجلس القس رياض غريغور مبررات الرفض في الأسباب التالية:
إن الصهيونية المسيحية لا تمت بصلة للمسيحية لأنها تشويه مشبوه الغايات لبعض ما جاء في أسفار الكتب المقدسة.
إنها مؤامرة حيكت ضد المسيحيين عامة والمسيحيين العرب خاصة، لضرب المشروع الحواري بين المسيحية والإسلام، ولتبرير أطروحات صراع الحضارات والأديان، لاسيما بين المسيحية والإسلام، وهى تستهدف ضرب العيش المشترك الإسلامي المسيحي في العالم العربي.

الروم الأرثوذكس
ولم تشذ كنيسة الروم الأرثوذكس عن هذا الاتجاه، فقد رفضت الصهيونية المسيحية واعترضت على المسمى نفسه، وأصر بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس الأب عطا الله حنا على تسميتها "المجموعات المتصهينة التي تدعي المسيحية".
وبنى هذا الرفض على اعتقاده بأن هناك تناقضا كبيرا بين ما تعلمه وتنادي به المسيحية من سلام ووئام ومحبة وبين ما تدعو إليه الصهيونية من تكريس للفكر العنصري والتمييز العرقي وممارسة أساليب خبيثة شيطانية لتمرير مشاريع مشبوهة، فهي أقرب إلى اليهودية الصهيونية منها إلى أي شيء آخر.
وما زاد من مخاوف الروم الأرثوذكس من الصهيونية المسيحية ما يشيرون إليه من أن أهداف هذه الحركة هو استقطاب المسيحيين الشرقيين والعمل على سلخهم من هويتهم وجذورهم الشرقية وقضاياهم القومية تحت لافتة التبشير بالمسيحية.
ويؤكد الروم الأرثوذكس كذلك أن ما يجعلهم يتشددون في الرفض اعتقادهم بأن التفسيرات والتحليلات الصهيونية للكتاب المقدس هي تفسيرات وتحليلات سياسية وغير روحانية هدفها تبرير الاحتلال والعدوان والترويج لأن الأرض الفلسطينية لهم وليست لسواهم.

مستقبل اليمين المسيحي بعد رحيل فالويل
تقرير واشنطن
مثل نبأ وفاة القس جيري فالويل Jerry Falwell أحد رموز التشدد الديني المسيحي في الولايات المتحدة محور اهتمام كافة وسائل الإعلام الأمريكية طوال يوم الثلاثاء الماضي. وفي صباح يوم الأربعاء كانت "شخصية فالويل في الميزان" هي عنوان ومضمون البرنامج الذي يقدمه كريس كور على أثير الإذاعة اليمينية الأشهر في واشنطن. قال كور في حواره مع أحد المستمعين إن الشعب الأمريكي متدين ويتأثر بالشخصيات السياسة التي تدعو إلى الأخلاق المسيحية والصلاة والإيمان، ولكن عندما يتشدد السياسي المتدين ويفرض أجندته الأصولية على الجماهير، فإن مزاج الشعب الأمريكي لا يتقبل هذا وينقلب عليه. ومع ذلك كانت معظم مداخلات المستمعين ضد هذا الرأي معتبرين أن الإعلام الأمريكي الليبرالي قد شوه عن قصد صورة وسمعة وأفكار فالويل.

رحيل فالويل ومستقبل اليمين المسيحي
ارتبطت صورة اليمين المسيحي لسنوات لدى الشعب الأمريكي بقيادات من أمثال جيري فالويل وبات روبرتسون وبيل غرهام ، كما أن أتباع اليمين الديني ينظرون أليهم بوصفه القادة التاريخيين والحرس القديم. لكن كثيرا من الناشطين في أوساط المحافظين يعتبرون أن حقبة هؤلاء وأجندتهم المثيرة للجدل مثلت لسنوات عبئا على اليمين المسيحي وشوهت صورة الإنغليكانيين لدى معظم الأمريكيين. وبالتالي فإن جيل الشباب من المحافظين وأتباع ذلك التيار يسعون لتحسين هذه الصورة وتجاوز خطابهم التقليدي القائم على مناهضة الإجهاض والمثلية الجنسية بإضفاء جوانب إنسانية اجتماعية يمكن أن تلقى تجاوبا وانسجاما مع المزاج العام الأمريكي مثل الحماية من مرض الايدز والاهتمام بقضايا البيئة والتعليم.

وفي هذا السياق، صرح جون غرين الخبير في منتدى بيو PEW لشؤون الدين والحياة العامة بأن هناك جدلا متصاعدا وانقساما في أوساط الإنغليكانيين حول قضايا عديدة في مقدمتها قضايا البيئة ، وضرب على ذلك مثالا في محاولة قادة محافظين من الضغط على الرابطة الوطنية للأنغليكانيين لإسكات مدير مكتب الرابطة في واشنطن القس ريك سيزيك الذي يحاول إقناع أتباع الطائفة الإنغليكانية بأن الاحتباس الحراري خطر حقيقي. وذلك يعنى أن الجيل المعاصر من اليمين المسيحي يشهد اختلافا وتنعوا بين صفوفه خاصة إذا ما قارنا محاولات سيزيك لإقناع أبناء الطائفة بخطورة الاحتباس الحراري في الوقت الذي ذكر القس الراحل فالويل في كنيسته بمدينة لاينشبرغ في شهر فبراير الماضي أن أنشطة قضايا البيئة في صفوف الانغليكانيين هي محاولة شيطانية لتشتيت تركيز جهود الكنيسة بعيدا عن مهمتها الرئيسية وهي نشر الدعوة.

نفوذ القس المثير للجدل
كان الظهور المؤثر الأول للداعية المسيحي الأصولي جيري فالويل على الساحة السياسية والإعلامية الأمريكية في عام 1979، عندما أسس حركة الأغلبية الأخلاقية Moral Majority والتي جذبت الملايين من أتباع الكنائس الإنغليكانية Evangelical للمشاركة في الحياة السياسية، وكان من نتائج حشد فالويل لهؤلاء مساعدة مرشح الرئاسة المحافظ رونالد ريغان في تحقيق فوز ساحق على منافسه الديمقراطي الرئيس كارتر في انتخابات عام 1980.

كان منهج فالويل في تفعيل دور الدين في السياسة ، جلب السياسة إلى الكنيسة بالتوعية الانتخابية وحشد الأنصار بدلا من الذهاب بالكنيسة إلى السياسة، ومن ثم أصبحت الكنيسة وجهة ومركزا لحملات المرشحين السياسة خاصة في أوساط الحزب الجمهوري. وفي هذه الأجواء ولد اليمين المسيحي قويا، وبات فالويل أبرز وجوهه ومتحدثا باسمه. أما الهدف فكان فرض الأجندة الدينية وتغيير صورة أمريكا العلمانية الليبرالية التي سادت في خمسينات وستينات القرن الماضي من خلال السعي لإلغاء الحظر الذي فرضته المحكمة الدستورية العليا على إقامة الصلوات في المدارس وتغيير مسار المجتمع الأمريكي العلماني فيما يتعلق بحقوق المرأة والإجهاض وحقوق المثليين.

لم تكن الأفكار التي دعا عليها فالويل جديدة على المجتمع الأمريكي الذي يتسم أفراده بالتدين وميلهم إلى المحافظة بصورة عامة ، لكن نبرة التشدد والتطرف التي صاحبت تصريحات وأراء القس الراحل قد صدمت قطاعات كبيرة من الشعب الأمريكي، ووضعته في خانة رجال الدين المتشددين مقارنة بزميله في قيادة تيار الصحوة المسيحية الثالثة في تاريخ الولايات المتحدة وهو القس بيل غراهام. فقد مثل الهجوم على المثليين فقرة متكررة في برامج ولقاءات القس ومن بين تلك التصريحات ما ورد على لسانه قي مقابلة مع إذاعة NPR عام 1996 قائلا إنه يؤمن بأن المثلية الجنسية ضربا من الانحلال الأخلاقي ، وأنها خروجا عن قوانين الطبيعة البشرية.
ورغم أن أتباع وأنصار القس الأصولي نظروا إليه باعتبار مدافعا أمينا عن الأخلاق والقيم المسيحية، فإنهم قد شعروا مرات عديدة بخجل من تصريحات فالويل، فقد ذكر ذات مرة أمام حشد من القساوسة أن المسيخ الدجال Anti-Christ هو شخص يهودي يعيش في عالمنا الآن. أما القشة التي قصمت ظهر البعير وجعلت منه شخصية مكروهة ومتطرفة في نظر معظم الأمريكيين ، فكان تصريحه بعد يومين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر في البرنامج التلفزيوني الذي يقدمه زميله المتشدد القس بات روبرتسون بأن مسؤولية هذه الهجمات تكمن في غضب الرب وعدم رضاه عن أمريكا غير الأخلاقية، حيث قال إني أسدد أصبعي في وجوه دعاة الشرك بالله وانتشار المعاصي مثل الإجهاض والشذوذ الجنسي والذين يسعون إلى علمنة أمريكا وأقول لهم أنتم تتحملون مسؤولية ما حدث.
أما العالم الإسلامي فيذكر القس الراحل من خلال تصريحاته التي أثارت سخطا إسلاميا ودوليا عندما وصف النبي محمد في برنامج "ستون دقيقة" على شبكة CBS في عام 2002 بالإرهابي ، وأنه كان رجلا عنيفا، حيث قال إنه يعتقد بأن عيسى قد قدم نموذجا للحب ، وقام موسى بفعل الشيء نفسه، أما محمد فقد قدم النموذج المناقض لهما. وكان من نتيجة حملة الإدانة الدولية تجاه تلك التصريحات أن قام فالويل بتقديم اعتذار قائلا إنه لم يقصد الإساءة إلى أي مسلم صادق ملتزم باحترام القانون. كما أن اسم جيري فالويل يرتبط في ذهن العرب والمسلمين في العالم بدعمه اللا محدود لدولة إسرائيل بناءا على تفسيرات مسيحية أصولية تتعلق بعودة المسيح في نهاية الزمان.

محطات في حياة جيري فالويل
• 11 أغسطس 1933: ولد جيري لامون فالويل في مدينة لاينشبرغ بولاية فرجينيا لأسرة غير متدينة. وكانت نقطة التحول في شبابه بسماعه "نداء الإيمان" على حد قوله عندما كان يستمع إلى عظة أحد رجال الدين في الإذاعة المحلية.
• يونيه 1956: بعد تخرجه بفترة وجيزة من كلية الكتاب المقدس المعمدانية بولاية مونتانا، عاد فالويل على مسقط رأسه لاينشبرغ ليصبح راعيا لأبرشية توماس رود المعمدانية. وفي نفس العام بدأ فالويل في تقديم برامج دينية للإذاعة والتلفزيون.
• 12 أبريل 1958: تزوج جيري فالويل من ماسيل بيت
• 1967: أسس فالويل أكاديمية لاينشبرغ المسيحية لتقدم برنامج دراسة يومي للطلاب من مرحلة الروضة وحتى الثانوية العامة.
• 1971: أسس فالويل جامعة ليبرتي
• 1972: تعرضت جامعة ليبرتي لأزمة اقتصادية نتيجة حكم قضائي بتغريمها 6.% مليون دولار لكن إدارتها تفادت دفع الغرامة بإشهار إفلاسها معلنة أنها خسرت الملايين من أموال مستثمري الكنيسة.
• يونيه 1979: أعلن فالويل عن تأسيس "الأغلبية الأخلاقية" كجماعة ضغط (لوبي) مهمتها فرض الأجندة المسيحية على أفكار وتوجهات الحزب الجمهوري. وادعت الحركة بعد فوز رونالد ريغان بانتخابات الرئاسة عام 1980 أنها كانت وراء هذا الفوز.
• 1983: أقام فالويل دعوى قضائية ضد أحد المجلات لقيامها من السخرية منه ورغم حصوله على تعويض مادي من المجلة إلا أن المحكمة العليا قبلت طعن من المجلة على أساس أن ما نشرته يندرج في إطار حرية التعبير.
• 1987: أطاحت فضائح مالية وجنسية بجيم باكر مقدم البرامج الدينية التلفزيونية وحكم عليه بالسجن لخمس سنوات ليحل جيري فالويل محله.
• 1989: بمناسبة معاونته للحزب الجمهوري في الفوز بثلاثة انتخابات رئاسية، أعلن فالويل رسميا حل حركة الأغلبية الأخلاقية مبررا ذلك بأن المهمة التي أسست من أجلها قد أنجزت.
• 1995: شرع فالويل في نشر دورية ناشونال ليبرتي جورنال.
• سبتمبر 2001: تعرض فالويل لحملة انتقادات واسعة في أعقاب تصريحات ترى أن غضب الرب من أمريكا المنحلة أخلاقيا هي السبب وراء هجمات 11 سبتمبر.
• 2003: دافع فالويل عن روي مور القاضي الذي فقد منصبه بسبب رفضه إنزال لوحة للوصايا العشر على جدار المحكمة. وقد شبه فالويل القاضي بناشط الحقوق المدنية الأسود مارتن لوثر كينغ.
• 2004: أسس فالويل تخالف الأغلبية الأخلاقية كنسخة تناسب القرن الحادي والعشرين من حركته السابقة الأغلبية الأخلاقية.
• 2006: عادت العلاقات بين السيناتور جون ماكين والقس جيري فالويل وذلك عندما قام مرشح الرئاسة الأمريكية بإلقاء كلمة في جامعة ليبرتي. وكانت العلاقة قد ساءت بين الرجلين في عام 2000 عندما دعا السيناتور ماكين الأمة الأمريكية إلى العودة إلى الاعتدال الاجتماعي، واصفا القس فالويل وغيره بأنهم وكلاء التعصب.
• 15 مايو 2007: وفاة القس جيري فالويل بعد أن وجد مغشيا عليه في مكتبه بجامعة ليبرتي بولاية فرجينيا.[line]

castle 26-07-2007 08:48 PM

دراسة أمريكية تنادي بتقسيم جيد للعراق
http://www.taqrir.org/images/711.jpg
تقرير واشنطن- محمد أيوب

في أوائل مايو من العام الماضي دعا السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن Joseph Biden ديمقراطي من ولاية ديلاوير" ولزلي جليب Leslie Gelb الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية CFR إلي تقسيم العراق لثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية تتمتع كل منهما بالحكم الذاتي وفي هذا الوقت جاء الرد قاطعا من البيت الأبيض برفض الفكرة من الأساس وذلك على لسان متحدثه الرسمي توني سنو الذي قال "لا نريد بلقانا جديد" وواجه الاقتراح أيضا هجوما كبيرا من قبل مجموعة دراسة العراق برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والذي اعتبر تقسيم العراق خطا احمر لا يمكن تجاوزه خاصة أن ذلك من شأنه خلق ما أطلق عليه فوضى إقليمية جديدة ستعطي طهران فرصة ذهبية للسيطرة على الإقليم الشيعي الجديد كما ستثير حفيظة تركيا التي تخشى من قيام دولة كردية جنوبها.

إلا انه في الوقت نفسه وجد مشروع بايدن-جليب لتقسيم العراق ترحيبا من قبل العديد من أعضاء الكونجرس ومن ضمنهم السيناتور الجمهورية كيلي بايلي هوتجيسون التي ترى في تقسيم العراق المخرج الوحيد من المستنقع العراقي، وباستثناء الأكراد، تبدو مواقف الطوائف العراقية غير واضحة فيما يتعلق بتطبيق الفيدرالية وذلك في ظل انقسام شيعي حول المبدأ ورفض سني من الأساس إلا انه في الأسبوع الماضي أقرت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي مشروع قانون النفط والغاز، في غياب 13 وزيرا اغلبهم من السنة، وخصص المشروع 17% من واردات النفط العراقي لحكومة إقليم كردستان في خطوة وصفها المراقبون بأنها بداية صريحة لتطبيق الفيدرالية، وفي ظل الجدل المثار حول تقسيم العراق إلي ثلاث أقاليم اصدر مركز سابن بمعهد بروكينجز للدراسات السياسية والإستراتيجية بواشنطن دراسة بعنوان " حالة التقسيم السهل للعراق" The Case of soft Partition in Iraq حاولت الإجابة على العديد من الأسئلة حول مدى إمكانية تطبيق الفيدرالية في العراق ونسبة النجاح مقارنة بالوضع الحالي إلي جانب الصعوبات التي ستواجه الأطراف المختلفة إذا تم تطبيق هذا الخيار الذي أطلقت عليه الدراسة " الخطة ب" Plan B.
الدراسة أعدها جوزيف ادوار وهو باحث زائر بمعهد بروكينجز له خبرة كبيرة في مجال إدارة الصراعات حيث عمل لمدة عقدا كامل مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بمنطقة البلقان ولديه العديد من المؤلفات في هذا المجال وشاركه في إعداد الدراسة مايكل هانلون الباحث المتخصص في شئون الأمن القومي الأمريكي بمعهد بروكينجز والذي عمل مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العديد من الدول.

ويعترف الباحث في بداية الدراسة أن هناك تحفظات كثيرة على الفكرة خاصة في الأوساط الرسمية والتي تصف تقسيم العراق بأنه غير أخلاقي ولاسيما البيت الأبيض الذي يرى هذا التقسيم مثيرا للفتن وتضيف الدراسة أن مجموعة دراسة العراق Iraq Study Group وعلى رأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر وعضو الكونجرس السابق لي هاملتون من اكبر المعارضين لهذا المشروع وذلك لعدة عقبات أولها ارتفاع نسبة الزواج المختلط بين الطوائف العراقية المختلفة مما سيجعل التعامل مع هذه الظاهرة عن طريق الفصل الجغرافي أمرا من الصعب تحقيقه، أم الثاني أن تقسيم العرق إلي ثلاث أقاليم من المتوقع أن ترفضه العديد الأطراف سواء من داخل العراق أو من قبل جيرانه مثل المملكة العربية السعودية والأردن.

ويقول الباحثين إنهم يتفقا مع العديد من تلك التحفظات سواء من حيث المبدأ أو النظرية كما إنهم يعتقدا أن التقسيم ليس حل جيد لصراعات الطائفية إلا أن الواقع الحالي في العراق من اقتتال داخلي يجعل التقسيم أفضل الخيارات المتاحة كما أن التجربة أثبتت عدم صحة المبدأ القائل بأن العراقيين يريدون العيش معا داخل دولة واحدة ذات حكومة مركزية حيث صوت العراقيين في الانتخابات في السنوات الأخيرة وفقا لمصالح الطوائف التي يدينون لها بالولاء إلي جانب أن العنف الطائفي كشف أن العراقيين يشعرون بالأمان حين يعيشون في منطقة معظم سكانها من نفس الطائفة وهذا ظهر بوضوح خلال حركات النزوح التي قام بها ألاف العراقيين هربا من العنف.

مواقف متضاربة
وحول مواقف الطوائف العراقية المختلفة من فكرة التقسيم ترى الدراسة أن الأكراد هم الأكثر وضوحا خاصة في أن هناك شبه اتفاق بين الأحزاب الكردية في الحفاظ على سيادة الإقليم-كردستان العراق- واستقلاله واستمرار العمل بنظام الحكم الذاتي الذي يتمتع به الإقليم حاليا، وهذا يتناقض مع موقف السنة الذين يتخوفون من مبدأ التقسيم وينبع هذا الشعور من اعتقادهم بان هذه الخطة ستؤدي إلي سيطرة الشيعة على عائدات النفض العراقي خاصة أن معظم حقول النفض تتواجد في منطقة الجنوب التي من المفترض أن تكون إقليما شيعيا يتمتع بالحكم الذاتي في حالة تقسيم العراق، كما أن السنة بات لديهم يقين بان استعادتهم للسيطرة على العراق كما كان في عهد صدام حسين بات أمرا غير منطقي وانه عليهم أن يجدوا صيغة جديدة تناسب الوضع السياسي و الديمغرافي الحالي، أما الشيعة العراقيين فيبدو أن موقفهم ليس موحد تجاه هذه القضية كما تشير الدراسة حيث عارض العديد منهم الخطة التي روج لها عبد العزيز باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بشأن تقسيم العراق لأقاليم تتمتع كل منها يحكما ذاتيا ولاسيما التيار الصدري الذي أبدى زعيمه الشاب مقتدى الصدر في أكثر من مناسبة معارضته إنشاء إقليما شيعيا في الجنوب.
وتقر الدراسة بأنه إذا لم يتم التخطيط بشكل جيد لعملية التقسيم هذا من شأنه سيؤدي إلي عدم استقرار وفوضى في الإقليم بشكل عام خاصة أن هناك فارق كبير بين تجربة البوسنة والوضع في العراق حاليا حيث أن جيران الأولى صربيا وكرواتيا كان لهم هدف استراتيجي واحد وهو تقسيم البوسنة مما سهل الأمر لوجود دعم إقليمي ودولي أما العراق فهو أمر مختلف تماما ووضع جديد من نوعه.

معطيات تفضي إلي التقسيم
وتشير الدراسة إلي أن الحرب الأهلية في العراق-على حد وصف الباحثين- أدت إلي خلق واقع ديمغرافي جديد وذلك طبقا للإحصاءات التي نشرتها المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة UNHCR والتي ذكرت انه حتى يناير 2007 وصل عدد اللاجئين العراقيين للدول المجاورة إلي مليونا لاجئ بينما وصل عدد اللاجئين داخل العراق-نزوح داخلي- إلي 1.7 مليون لاجئ كما أشارت التقارير ابيضا إلي أن هناك أكثر من نصف مليون عراقي يتم تهجيرهم من مدنهم كل شهر وتضيف الدراسة انه على الرغم من أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي طالب أكثر من مرة العراقيين بالعودة إلي قراهم التي هجروها إلا أن معظم المواطنين رفضوا العودة مما سيؤدي إلي حدوث تأثير عميق على الحياة السياسة والاقتصادية حيث يسعى حاليا المواطنين العراقيين إلي النزوح إلي القرى التي يتركز فيها الطائفة التي ينتمون إليها وفقا لما رصدته منظمة الهجرة الدولية والتي قالت في تقرير لها صدر مؤخرا أن العرب الشيعة يقومون بالنزوح من وسط العراق إلي الجنوب بينما يقوم العرب السنة بالنزوح من الجنوب إلي الوسط وخاصة إلي محافظة الانبار وتصف الدراسة هذه الظاهرة نقلا عن تقارير المنظمات الدولية بان ما يحدث من موجات نزوح داخلي من شأنه تحويل العراق بالتدريج بلقانا جديد.

التحديات عديدة
وبعنوان نحو تطبيق تقسيم سهل للعراق يشير الجزء الثاني من الدراسة أن هناك العديد من علامات الاستفهام لابد من الإجابة عليها قبل الشروع في عملية التقسيم أولها تحديد كيف سيتم رسم الحدود بين الأقاليم الثلاث وهنا ترى الدراسة أن الظروف الحالية التي يشهدها المجتمع العراقي من زواج مختلط بين أبناء الطوائف المختلفة تجبر النظام الجديد على احترام الأقليات مما يجعل رسم الحدود على أساس جغرافي وليس طائفي وذلك من خلال استخدام الظواهر الطبيعية كالأنهار والجبال ويرى الباحثين انه ليس هناك مشكلة فيما يخص المحافظات الواقعة جنوب العراق لان معظم قاطنيها من العرب الشيعة إلا أن المشكلة الحقيقة في المحافظات والمدن الرئيسية مثل بغداد والموصل وكركوك وتنتقد الدراسة اقتراح غلب-بايدن بجعل العراق مدينة دولية مستقلة حيث سيؤدي هذا الطرح إلي مزيد من عدم الاستقرار خاصة أن ثلثي عمليات النزوح حدثت في بغداد وبالتالي لابد أن تكون العاصمة العراقية بغداد جزء من علمية التقسيم وذلك على الرغم من أن الدستور العراقي الحالي يحول دون انضمام بغداد إلي أي إقليم في حالة حدوث تقسيم إلا أن البدء في تنفيذ هذا المشروع يحتاج إلي العديد من الاستعدادات منها أجراء عمليات مراجعة وتعديل لمواد الدستور كي تسهل عملية التقسيم.

حدود آمنة وتوزيع عادل للنفض
الدراسة تنصح أيضا بأن تتم عملية رسم الحدود بحرص بالغ كما أن الولايات المتحدة لابد أن لا تتدخل في هذه العملية حتى تتجنب اتهامها بالانحياز وتقوية فصيل على أخر وبالتالي فان الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية هما الجهتين المرشحتين للقيام بهذه العملية وذلك على عكس ما حدث في منطقة البلقان عندما تم تقسيم البوسنة بقيادة السفير الأمريكي ريتشارد هول بروك إلا أن وضع الولايات المتحدة حاليا لا يؤهلها لقيام بذلك نظرا لفقدانها المصداقية الأزمة بين الطوائف العراقية، وهنا تشدد الدراسة على أن هناك العديد من المبادئ التي ينبغي الالتزام بها عند رسم الحدود

أولها :أن لا تؤثر الحدود الجديدة على عملية توزيع الموارد النفطية بل لابد أن يكون جميع العراقيين متساوون في هذا الأمر.
ثانيا: أن لا يتم إجبار أي مواطن على الانتقال ألي إقليم أخر على أساس طائفته بل تترك الحرية كاملة للمواطنين في الاختيار.
ثالثا: وضع قواعد صارمة لاحترام الأقليات في كل إقليم وحمايتهم لتجنب حدوث أي إعمال عنف طائفي.
ويبقى توزيع عائدات النفض العراقي هي المعضلة الرئيسية في عملية التقسيم حيث تشير الدراسة إلي أن معظم إحداث الاقتتال الداخلي اندلعت في أعقاب الاستفتاء على الدستور العراقي في أغسطس 2005 نظرا لان الدستور ترك عملية توزيع الثروة النفطية أمر غامض لم يتم الإجابة عليه حتى الآن مما عزز القلق السني خاصة أن الأكراد نجحوا ألي حدا كبير في تأمين نصيبهم من عائدات النفض أما الشيعة فيسيطرون على المحافظات الجنوبية التي يوجد بها معظم الثروة النفطية العراقية ويبقى السنة وضعهم معلق في هذا الشأن فعلى الرغم من أنهم يمثلون 20 %من حجم العراقيين إلا إنهم لا يحصلون إلا على 10 % من عائدات النفض في الوقت الحالي ويؤكد الباحثين على تحقيق أي نجاحات في عملية التقسيم يتوقف على توزيع عادل للعوائد النفطية لان ذلك سيضمن استقرار امنيا ويحول دون النزاع الطائفي على الثروات العراقية ومن هنا ترى الدراسة أن أفضل طريقة تضمن توزيعا عادلا لثروات العراقية لابد أن تقوم على أساس عدد سكان كل إقليم ولكن الصعوبة التي ستواجه هذا الطرح هو عدم وجود تعداد سكاني دقيق في الوقت الحالي.

بطاقات جديدة للهوية
وتقترح الدراسة انه ينبغي عقب عملية التقسيم تأسيس نظام جديد لإصدار بطاقات هوية خاصة بكل إقليم يتم التحقق منها عن طريق وضع نقاط تفتيش على حدود كل إقليم يتم تدعيمها البيانات الكاملة حول المواطنين في جميع أنحاء العراق وذلك لمحاصرة العناصر المتطرفة وتتوقع الدراسة التكلفة التقديرية لهذا النظام بمليار دولار وهنا تطرح الدراسة سؤال هام حول حجم القوات المطلوبة خلال تنفيذ تطبيق عملية التقسيم خاصة أن هذه المرحلة حساسة للغاية، الباحثين قدرا حجم القوات بحوالي 300 ألف إلا أن هذه المرة على قوات التحالف أن تعد خططا جديدة للانتشار حيث أن الخطط الحالية لها أغراض مختلفة لن تناسب المهمة التي ستقوم بها قوات التحالف في مرحلة التقسيم حيث سترتكز على حراسة الحدود بين الأقاليم الثلاث وكذلك نقاط التفتيش ألي جانب تأمين المنطقة الخضراء وتشير الدراسة ألي أن فكرة تقليل حجم القوات الأجنبية في العراق غير واردة إذا تم تنفيذ خطة التقسيم وذلك على الأقل لفترة انتقالية من 12 ألي 18 شهر.[line]

castle 29-07-2007 04:49 AM

الرئيس جمال عبد الناصر
http://nasser.bibalex.org/images/Copy%20of%206184-1.jpg

السيرة الذاتية
ولد جمال عبد الناصر في ١٥ يناير ١٩١٨ في ١٨ شارع قنوات في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية .
http://nasser.bibalex.org/images/nasser_house.jpg
منزل جمال عبد الناصر بحى باكوس بالإسكندرية

كان جمال عبد الناصر الابن الأكبر لعبد الناصر حسين الذي ولد في عام ١٨٨٨ في قرية بني مر في صعيد مصر في أسره من الفلاحين، ولكنه حصل على قدر من التعليم سمح له بأن يلتحق بوظيفة في مصلحة البريد بالإسكندرية، وكان مرتبه يكفى بصعوبة لسداد ضرورات الحياة .

جمال عبد الناصر فى المرحلة الابتدائية:
التحق جمال عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبه في عامي ١٩٢٣ ، ١٩٢٤ .

وفى عام ١٩٢٥ دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة وأقام عند عمه خليل حسين في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالخطاطبه في العطلات المدرسية، وحين وصل في الإجازة الصيفية في العام التالي – ١٩٢٦ – علم أن والدته قد توفيت قبل ذلك بأسابيع ولم يجد أحد الشجاعة لإبلاغه بموتها، ولكنه اكتشف ذلك بنفسه بطريقة هزت كيانه – كما ذكر لـ "دافيد مورجان" مندوب صحيفة "الصنداى تايمز" – ثم أضاف: "لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين ".

وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف ١٩٢٨ عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية .

جمال عبد الناصر فى المرحلة الثانوية:
التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٢٩ بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم نقل في العام التالي – ١٩٣٠ – إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل بمصلحة البوسطة هناك .

وفى تلك المدرسة تكون وجدان جمال عبد الناصر القومي؛ ففي عام ١٩٣٠ استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور ١٩٢٣ فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور.

ويحكى جمال عبد الناصر عن أول مظاهرة اشترك فيها: "كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة.

ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية.

ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة.
وقد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب".

ويعود جمال عبد الناصر إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦/١٠/١٩٥٤ ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: "حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية. سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد . وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير وتذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر. أطلقت علينا طلقات الاستعمار وأعوان الاستعمار فمات من مات وجرح من جرح، ولكن خرج من بين هؤلاء الناس شاب صغير شعر بالحرية وأحس بطعم الحرية، وآلي على نفسه أن يجاهد وأن يكافح وأن يقاتل في سبيل الحرية التي كان يهتف بها ولا يعلم معناها؛ لأنه كان يشعر بها في نفسه، وكان يشعر بها في روحه وكان يشعر بها في دمه". لقد كانت تلك الفترة بالإسكندرية مرحلة تحول في حياة الطالب جمال من متظاهر إلى ثائر تأثر بحالة الغليان التي كانت تعانى منها مصر بسبب

تحكم الاستعمار وإلغاء الدستور. وقد ضاق المسئولون بالمدرسة بنشاطه ونبهوا والده فأرسله إلى القاهرة.

وقد التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٣٣ بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية.

وفى تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن "روسو" و"فولتير" وكتب مقالة بعنوان "فولتير رجل الحرية" نشرها بمجلة المدرسة. كما قرأ عن "نابليون" و"الإسكندر" و"يوليوس قيصر" و"غاندى" وقرأ رواية البؤساء لـ "فيكتور هيوجو" وقصة مدينتين لـ "شارلز ديكنز".(الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية).

الكتب التي كان يقرأها جمال عبد الناصر

أولاُ: في المرحلة الثانوية
م اسم الكتاب=اسم المؤلف
١ الذئب الأسمر (مصطفى كمال)=أرمسترونج
٢ غوردون والخرطوم=جون بوكان
٣ بونابرت حاكم مصر= شارل رو
٤ مطلع حياتى= ونستن تشرشل
٥الإسكندر الأكبر=آرثر ويجال
٦ بسمارك=هيدلام مورلى
٧ فوش - بطل أورليان= ليدل هارت
٨غاريبالدى - الرجل والأمة= بول فريشووير
٩ هندنبورج والثورة الألمانية =إميل لودفيج
١٠ لورانس والعرب= ب. جريفس
١١ مارلبوروة ك.ت.= إتكنسون
١٢ الرجال والأعمال =جون بوكان
١٣ نابليون= إميل لودفيج
١٤ الجنود والساسة (جزءان)= روبرتسون
١٥ ت. لورانس فى الجزيرة العربية= ليدل هارت
١٦ الجغرافية العسكرية الإمبراطورية= كول
١٧ بحر من (رحلة فى البحر الأبيض المتوسط)= ج. مارتيلى
١٨ داخل أوروبا= جون جونتر
١٩ أمس واليوم فى سيناء= جارفيس
٢٠ حملة فلسطين= ويفل
٢١ الأزمة العالمية= و. تشرشل
٢٢ غاليبولى =جون ماسفيلد
٢٣ موقعة المارن= لويل تينج
٢٤ الاستراتيجية الألمانية فى الحرب العظمى= نيم
٢٥ تاريخ الحرب العالمية من سنة (١٩١٤- ١٩١٨)= ليدل هارت
٢٦ استراتيجية موقعة مصر وفلسطين (١٩١٧-١٩١٨)= كيرس
٢٧ غوردون والسودان= ب.م. ألين
٢٨ نابليون وواترلو (جزءان)= بيك
٢٩ حرب النهر= ونستن تشرشل
٣٠ تاريخ فلسطين وسورية= أولمسند
٣١ مغامرة بونابرت فى مصر الجود=
٣٢ الاستراتيجية الإنجليزية= سير ف. موريس
٣٣ كتاب عن الأعمال المجيدة= كنيون وين
٣٤ رحلتى الأولى لبحار الجنوب= كينجستون
٣٥ التدريب على السلاح =المراجع البريطانية الرسمية
٣٦ تاريخ الثورة المصرية ٣،٢،١= عبد الرحمن الرافعى

المجلات
٣٧ التايمس الأسبوعية= لندن نيوز المصورة
٣٨ مجلة الجيش (التى تصدر كل ٣ أشهر)=
٣٩ جريدة هيئة الجيش الملكية المتحدة= القوات المحاربة
٤٠ مجلة الجغرافيا =
٤١ جريدة "اجبشيان غازيت"= صحيفة يومية

ثانياً: في الكلية الحربية
م اسم الكتاب اسم= المؤلف
١ اليابان تحارب فى آسية= جونى جويت
٢ لماذا كانت اليابان قوية؟=جون باتريك
٣ جرانت ولى =ماجور جنرال فولر
٤ كيتشنر= بولارد
٥ تألق نجم بونابرت= ويلكنسون
٦ ستونوال جاكسون (جزءان) كولونيل =ج. هندرسن
٧ العالم تحت السلاح =إرنست دوبوى
٨ دائرة المعارف البريطانية (٢٤ جزءاً)= إرنست دوبوى
٩ البحر الخطر =جورج سلوكومب
١٠ إنجلترا فى البحر الأبيض المتوسط (جزءان) =كوربيت
١١ جغرافية منطقة البحر الأبيض المتوسط= لمبل
١٢ البحر الأبيض المتوسط فى السياسة= إليزابيث مورو
١٣ مشكلات البحر الأبيض المتوسط= جوردون إيست
١٤ السويس وبناما =أندريه سيجفريد
١٥ أربعون يوماً فى عام١٩١٤= ف. موريس
١٦ حملة بلاد ما بين النهرين (٤ أجزاء) (١٩١٤-١٩١٨)= (المصادر البريطانية الرسمية)
١٧ العمليات الحربية: مصر وفلسطين (جزءان وخرط)= (المصادر البريطانية الرسمية)
١٨ العمليات الحربية:فرنسا وبلجيكا(جزءان وخرط)=(المصادر البريطانية الرسمية)
١٩ الحرب الحقيقية= ليدل هارت
٢٠ الحرب فى الجو (٣ أجزاء وخرط)= وولتر وجونس
٢١ معارك الجيش الإنجليزى= بلوكوود
٢٢ الحملة على مصر عام ١٨٨٢ (خرط) = (المصادر البريطانية الرسمية)
٢٣ الحروب الحاسمة فى التاريخ= ليدل هارت
٢٤ السودان المصرى ١٩٠٨= ألفورد وسوورد
٢٥ معارك الجيش الإنجليزى = ر.م. بلاكوود
٢٦ دراسة استراتيجية و"تاكتيك"= كيرسى
٢٧ التنظيم والإدارة العسكرية= ليندسل
٢٨ من جبل طارق إلى السويس= لورد سترابولجى
٢٩ تنمية الشرق الأوسط الاقتصادية= بون
٣٠ الحرب فى سبيل السلطة العالمية= ستراتيجيكوس
٣١ اللنبى فى مصر= ويفل
٣٢ مصر والجيش الجود =
٣٣ مصر منذ عهد كرومر (جزءان)= لورد لويد
٣٤ قناة السويس =أرنولد ويلسون
٣٥ المشكلات المصرية= فالنتان شيرول
٣٦ إنشاء مصر الحديثة= كولفين
٣٧ مصر الحديثة (جزءان)= كرومر
٣٨ عبور مصر الجود =
٣٩ مرشد الضباط =(مصدر رسمى-الولايات المتحدة الأمريكية)
٤٠ كيف تكتسب الأصدقاء وتؤثر فى الناس= ديل كارنجى
٤١ الحرب وشروط السلم السيكولوجية= وليم براون
٤٢ الحرب بغير مدافع= وليم براون
٤٣ صانعو الاستراتيجية الحديثة= إدوارد ميد آرل
٤٤ عن الحرب (٣ أجزاء)= فون كلاوسويتز
٤٥ مبادئ الحرب= فون كلاوسويتز
٤٦ حرب الغد= ستيفن بوسونى
٤٧ كوماندو (الفدائيون) يوميات جندى من البوير عن حرب البوير= دنيس ريتز =(قدم له جنرال سماتس)
٤٨ استراتيجية الجو= كابتن نورمان ماكمولان
٤٩ لغز الرايخ = و. وليمس
٥٠ قصة الغواصة= ج. جاكسون
٥١ التربية والجيش= كولونيل لورد جوريل
٥٢ الثورة الفرنسية= هلير بيلوك
٥٣ أطلس أكسفورد الحربى =
٥٤ الحرب الآلي=ة ماجور فولر
٥٥ امتحان القبول لكلية أركان الحرب=
٥٦ التاريخ العسكرى لامتحان القبول بكلية أركان الحرب=المصادر المصرية الرسمية
٥٧ بيان موجز عن تقدم الحملة المصرية(١٩١٤-١٩١٨)= المصادر الرسمية
٥٨ أهل الكهف= توفيق الحكيم
٥٩ موجز عن حملة بلاد ما بين النهرين= إيفانس
٦٠ السنة الثالثة للحرب بالصور=
٦١ هتلر - سيرة حياته= كونارد هايدن
٦٢ الأعمال المجيدة فى البحر الأبيض المتوسط= ريتشارد ماكميلان

كذلك اهتم بالإنتاج الأدبي العربي فكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفى كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.

وفى ١٩٣٥ في حفل مدرسة النهضة الثانوية لعب الطالب جمال عبد الناصر دور "يوليوس قيصر" بطل تحرير الجماهير في مسرحية "شكسبير" في حضور وزير المعارف في ذلك الوقت.

وقد شهد عام ١٩٣٥ نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة الدستور والاستقلال، ويكشف خطاب من جمال عبد الناصر إلى صديقه حسن النشار في ٤ سبتمبر ١٩٣٥ مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: "لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأه في طلب الاستقلال والحرية. قال مصطفى كامل ' لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى [النيل] فلن أتغير عن المبدأ ' . كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلمنا مرات عده في عمل يوقظ الأمة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور. ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن".(خطاب عبد الناصر لحسن النشار. ٤/٩/١٩٣٥).

ووبعد ذلك بشهرين وفور صدور تصريح "صمويل هور" – وزير الخارجية البريطانية – في ٩ نوفمبر١٩٣٥ معلناً رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر، اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال في البلاد، وقاد جمال عبد الناصر في ١٣ نوفمبر مظاهرة من تلاميذ المدارس الثانوية واجهتها قوة من البوليس الإنجليزي فأصيب جمال بجرح في جبينه سببته رصاصة مزقت الجلد ولكنها لم تنفذ إلى الرأس، وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. (مجلة الجهاد ١٩٣٥).

وعن آثار أحداث تلك الفترة في نفسية جمال عبد الناصر قال في كلمة له في جامعة القاهرة في ١٥ نوفمبر ١٩٥٢: "وقد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. وفى هذا اليوم وقع صريع الظلم والاحتلال المرحوم عبد المجيد مرسى فأنساني ما أنا مصاب به، ورسخ في نفسي أن على واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق؛ وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، وتحقيق سيادة الشعب. وتوالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى؛ فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر".

وتحت الضغط الشعبي وخاصة من جانب الطلبة والعمال صدر مرسوم ملكي في ١٢ ديسمبر ١٩٣٥ بعودة دستور ١٩٢٣.

وقد انضم جمال عبد الناصر في هذا الوقت إلى وفود الطلبة التي كانت تسعى إلى بيوت الزعماء تطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، وقد تألفت الجبهة الوطنية سنة ١٩٣٦ بالفعل على أثر هذه الجهود.

وقد كتب جمال في فترة الفوران هذه خطاباً إلى حسن النشار في ٢ سبتمبر ١٩٣٥ قال فيه: "يقول الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم؛ إن الموقف اليوم دقيق ومصر في موقف أدق.".

ووصف جمال عبد الناصر شعوره في كتاب "فلسفة الثورة" فقال: "وفى تلك الأيام قدت مظاهرة في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهية لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور".

إلا أن اتحاد الزعماء السياسيين على كلمة واحدة كان فجيعة لإيمان جمال عبد الناصر، على حد تعبيره في كتاب "فلسفة الثورة"، فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة ١٩٣٦ التي قننت الاحتلال، فنصت على أن تبقى في مصر قواعد عسكرية لحماية وادي النيل وقناة السويس من أي اعتداء، وفى حال وقوع حرب تكون الأراضي المصرية بموانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها تحت تصرف بريطانيا، كما نصت المعاهدة على بقاء الحكم الثنائي في السودان.

وكان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لجمال عبد الناصر في هذه الفترة الذي رصدته تقارير البوليس أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على الثورة، إلا أن زملائه ثاروا وأعلنوا الإضراب العام وهددوا بحرق المدرسة فتراجع ناظر المدرسة في قراره.

ومنذ المظاهرة الأولى التي اشترك فيها جمال عبد الناصر بالإسكندرية شغلت السياسة كل وقته، وتجول بين التيارات السياسية التي كانت موجودة في هذا الوقت فانضم إلى مصر الفتاة لمدى عامين، ثم انصرف عنها بعد أن اكتشف أنها لا تحقق شيئاً، كما كانت له اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين إلا أنه قد عزف عن الانضمام لأي من الجماعات أو الأحزاب القائمة لأنه لم يقتنع بجدوى أياً منها ،"فلم يكن هناك حزب مثالي يضم جميع العناصر لتحقيق الأهداف الوطنية".

كذلك فإنه وهو طالب في المرحلة الثانوية بدأ الوعي العربي يتسلل إلى تفكيره، فكان يخرج مع زملائه كل عام في الثاني من شهر نوفمبر احتجاجاً على وعد "بلفور" الذي منحت به بريطانيا لليهود وطناً في فلسطين على حساب أصحابه الشرعيين.

جمال عبد الناصر ضابطاً:
لما أتم جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، ولقد أيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة والاحتلال العسكري بجيش وطني.

تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح من بني مر وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات ١٩٣٥، ولأنه لا يملك واسطة.

ولما رفضت الكلية الحربية قبول جمال، تقدم في أكتوبر ١٩٣٦ إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة ١٩٣٦ واتجهت النية إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف ١٩٣٦ وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على دخوله في الدورة التالية؛ أي في مارس ١٩٣٧.

لقد وضع جمال عبد الناصر أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو "أن يصبح ضابطاً ذا كفاية وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً"، وفعلاً أصبح "رئيس فريق"، وأسندت إليه منذ أوائل ١٩٣٨ مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر. وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقى إلى رتبة أومباشى طالب.

تخرج جمال عبد الناصر من الكلية الحربية بعد مرور ١٧ شهراً، أي في يوليه ١٩٣٨، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.

وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن جمال قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل "بونابرت" و"الإسكندر" و"جاليباردى" و"بسمارك" و"مصطفى كمال أتاتورك" و"هندنبرج" و"تشرشل" و"فوش". كما قرأ الكتب التي تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري. وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى وعن حملة فلسطين، وعن تاريخ ثورة ١٩١٩.(الكتب التى كان يقرأها عبد الناصر فى الكلية الحربية).

التحق جمال عبد الناصر فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى منقباد في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم. وقد التقى في منقباد بكل من زكريا محيى الدين وأنور السادات.

وفى عام ١٩٣٩ طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر. وفى مايو ١٩٤٠ رقى إلى رتبة الملازم أول.

لقد كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على هذا الوضع، ولكن بدأت تدخل الجيش طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وقد ذهب جمال إلى منقباد تملؤه المثل العليا، ولكنه ورفقائه أصيبوا بخيبة الأمل فقد كان معظم الضباط "عديمي الكفاءة وفاسدين"، ومن هنا اتجه تفكيره إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد. وقد كتب لصديقه حسن النشار في ١٩٤١ من جبل الأولياء بالسودان: "على العموم يا حسن أنا مش عارف ألاقيها منين واللا منين.. هنا في عملي كل عيبي إني دغرى لا أعرف الملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال.

شخص هذه صفاته يحترم من الجميع ولكن. الرؤساء. الرؤساء يا حسن يسوءهم ذلك الذي لا يسبح بحمدهم. يسوءهم ذلك الذي لا يتملق إليهم. فهذه كبرياء وهم شبوا على الذلة في كنف الاستعمار. يقولون. كما كنا يجب أن يكونوا. كما رأينا يجب أن يروا. والويل كل الويل لذلك. الذي تأبى نفسه السير على منوالهم. ويحزنني يا حسن أن أقول إن هذا الجيل الجديد قد أفسده الجيل القديم متملقاً. ويحزنني يا حسن أن أقول أننا نسير إلى الهاوية – الرياء – النفاق الملق - تفشى في الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. أما أنا فقد صمدت ولازلت، ولذلك تجدني في عداء مستحكم مستمر مع هؤلاء الكبار." (خطاب عبد الناصر لحسن النشار.١٩٤١ . ينشر لأول مرة)

وفى نهاية عام ١٩٤١ بينما كان "روميل" يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية عاد جمال عبد الناصر إلى مصر ونقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.

ويذكر جمال عبد الناصر: "في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة".

وأثناء وجوده في العلمين جرت أحداث ٤ فبراير ١٩٤٢ حينما توجه السفير البريطاني – "السير مايلز لامسبون" – ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط.

ويذكر جمال عبد الناصر أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شئ كما كان أبداً، فكتب إلى صديقه حسن النشار في ١٦ فبراير ١٩٤٢ يقول: "وصلني جوابك، والحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، وكنت على وشك الانفجار من الغيظ، ولكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أنى أعتقد أن الإنجليز كانوا يلعبون بورقة واحده في يدهم بغرض التهديد فقط، ولكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلوا القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات.

أما نحن. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع والإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء واللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة.

وأصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا – مع ضعفهم الظاهر – ويردوا للبلاد كرامتها ويغسلوها بالدماء. ولكن إن غداً لقريب. حاول البعض بعد الحادث أن يعملوا شئ بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار وأسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، وكان هذا درساً ولكنه كان درساً قاسياً". (خطاب عبد الناصر لحسن النشار.١٦/٢/١٩٤٢).

يتبع >
[line]

castle 29-07-2007 05:27 AM

ررقى جمال عبد الناصر إلى رتبة اليوزباشى (نقيب) في ٩ سبتمبر ١٩٤٢. وفى ٧ فبراير ١٩٤٣ عين مدرساً بالكلية الحربية. ومن قائمة مطالعاته في هذه الفترة يتضح أنه قرأ لكبار المؤلفين العسكريين من أمثال "ليدل هارت" و"كلاوزفيتز"، كما قرأ مؤلفات الساسة والكتاب السياسيين مثل "كرومويل" و"تشرشل". وفى هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يعد العدة للالتحاق بمدرسة أركان حرب.

وفى ٢٩ يونيه ١٩٤٤ تزوج جمال عبد الناصر من تحية محمد كاظم – ابنة تاجر من رعايا إيران – كان قد تعرف على عائلتها عن طريق عمه خليل حسين، وقد أنجب ابنتيه هدى ومنى وثلاثة أبناء هم خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم. لعبت تحية دوراً هاماً في حياته خاصة في مرحلة الإعداد للثورة واستكمال خلايا تنظيم الضباط الأحرار، فقد تحملت أعباء أسرته الصغيرة - هدى ومنى - عندما كان في حرب فلسطين، كما ساعدته في إخفاء السلاح حين كان يدرب الفدائيين المصريين للعمل ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في ١٩٥١، ١٩٥٢.

تنظيم الضباط الأحرار:
شهد عام ١٩٤٥ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار، ويقول جمال عبد الناصر في حديثة إلى "دافيد مورجان": "وقد ركزت حتى ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفى خطة مشتركة".

وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر ١٩٤٧ عقد الضباط الأحرار اجتماعاً واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين.

وفى اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب. فسافر جمال إلى فلسطين في ١٦ مايو ١٩٤٨، بعد أن كان قد رقى إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام ١٩٤٨.

لقد كان لتجربة حرب فلسطين آثاراً بعيدة على جمال عبد الناصر فعلى حد قولة: "فلم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، وتبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزه للملك فاروق.

وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا.
وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال أو عن آلام المقاتلين.

وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة. ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة " في ٢٤ فبراير ١٩٤٩.

وقد جرح جمال عبد الناصر مرتين أثناء حرب فلسطين ونقل إلى المستشفى. ونظراً للدور المتميز الذي قام به خلال المعركة فإنه منح نيشان "النجمة العسكرية" في عام ١٩٤٩.

وبعد رجوعه إلى القاهرة أصبح جمال عبد الناصر واثقاً أن المعركة الحقيقية هي في مصر، فبينما كان ورفاقه يحاربون في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش.

وقد أصبح مقتنعاً أنه من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدف تنظيم الضباط الأحرار منذ نهاية ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢.
ووقد كان في نية جمال عبد الناصر القيام بالثورة في ١٩٥٥، لكن الحوادث أملت عليه قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير.

وبعد عودته من فلسطين عين جمال عبد الناصر مدرساً في كلية أركان حرب التي كان قد نجح في امتحانها بتفوق في ١٢ مايو ١٩٤٨. وبدأ من جديد نشاط الضباط الأحرار وتألفت لجنة تنفيذية بقيادة جمال عبد الناصر، وتضم كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وحسين إبراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وخالد محيى الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيى الدين وجمال سالم، وهى اللجنة التي أصبحت مجلس الثورة فيما بعد عام ١٩٥٠، ١٩٥١.

وفى ٨ مايو ١٩٥١ رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة البكباشى (مقدم) وفى نفس العام اشترك مع رفاقه من الضباط الأحرار سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية ١٩٥٢، وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.

وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام ١٩٥٢ اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على أنه الحل الوحيد. وفعلاً بدئوا باللواء حسين سرى عامر - أحد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر – إلا أنه نجا من الموت، وكانت محاولة الاغتيال تلك هي الأولى والأخيرة التي اشترك فيها جمال عبد الناصر، فقد وافقه الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري إيجابي.

ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سراً. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين. وفى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد.

ثم حدث حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، والتي قتل فيها ٤٦ شرطياً وجرح ٧٢. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة ولم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت ١٢ ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيهاً.

وفى ذلك الوقت كان يجرى صراعاً سافراً بين الضباط الأحرار وبين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، وقرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب للرياسة، وقد تم انتخابه بأغلبية كبرى وبرغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر جمال عبد الناصر – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك عام ١٩٥٥، وتحرك الجيش ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وتم احتلال مبنى قيادة الجيش بكوبري القبة وإلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسرب خبر عنها .

وبعد نجاح حركة الجيش قدم محمد نجيب على أنه قائد الثورة - وكان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة - إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه جمال عبد الناصر حتى ٢٥ أغسطس ١٩٥٢ عندما صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بضم محمد نجيب إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها جمال عبد الناصر.

بيان الثورة:
وفى صباح يوم ٢٣ يوليه وبعد احتلال دار الإذاعة تمت إذاعة بيان الثورة التالي:
"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.

أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، والله ولى التوفيق".

وبعد نجاح الثورة بثلاثة أيام – أي في ٢٦ يوليه – أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفى اليوم التالي أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.

وفى ١٨ يونيه ١٩٥٣ صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وبإسناد رئاسة الجمهورية إلى محمد نجيب إلى جانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ ٧ سبتمبر ١٩٥٢، أما جمال عبد الناصر فقد تولى أول منصباً عاماً كنائب رئيس الوزراء ووزير للداخلية في هذه الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية. وفى الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية – الذي تولاه زكريا محيى الدين – واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء.(قرار المجلس بإلغاء الملكية) .

تعيين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة:
وفى فبراير ١٩٥٤ استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف في ٢٥ فبراير ١٩٥٤:

"أيها المواطنون
"لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم ٢٣ يوليه سنة ١٩٥٢ أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه، بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المُثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلاً نتيجة لعهود الفساد والانحلال.

لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولى عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة، وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها.

ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب، خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها، وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والخطورة، حمل أفراد المجلس تلك التبعة الملقاة على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.

ومما زاد منذ اللحظة الأولى في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضيرهم للثورة في الخفاء قبل قيامهم أن يقدموا للشعب قائداً للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم وكلهم من الشبان، واختاروا فعلاً فيما بينهم اللواء أركان حرب محمد نجيب ليقدم قائداً للثورة، وكان بعيداً عن صفوفهم، وهذا أمر طبيعي للتفاوت الكبير بين رتبته ورتبهم، وسنه وسنهم، وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد.

وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك.
وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الحربية فى ذلك الوقت السيد مرتضى المراغى وبينه وفى منزله حتى قام إلى مبنى قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقاً؛ إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة عن أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب إذ أنه حتى ذلك الوقت وعلى وجه التحديد يوم ٢٥ أغسطس سنة ١٩٥٢ لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة.

وقد صدر قرار المجلس فى ذلك اليوم بضمه لعضويته كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر الذى جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهى فى أخر أكتوبر سنة ١٩٥٢.

نتيجة لذلك الموقف الشاذ ظل اللواء محمد نجيب يعانى أزمة نفسية عانينا منها الكثير رغم قيامنا جميعاً بإظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلى والقائد الحقيقى للثورة ومجلسها مع المحافظة على كافة مظاهر تلك القيادة.

وبعد أقل من ستة شهور بدأ سيادته يطلب بين وقت وآخر من المجلس منحه سلطات تفوق سلطة العضو العادى بالمجلس، ولم يقبل المجلس مطلقاً أن يحيد عن لائحته التى وضعت قبل الثورة بسنين طويلة إذ تقضى بمساواة كافة الأعضاء بما فيهم الرئيس فى السلطة، فقط إذا تساوت الأصوات عند أخذها بين فريقين فى المجلس فترجح الكفة التى يقف الرئيس بجانبها.

ورغم تعيين سيادته رئيساً للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك إلا أنه لم ينفك يصر ويطلب بين وقت وأخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس، وكان إصرارنا على الرفض الكلى لكى نكفل أقصى الضمانات لتوزيع سلطة السيادة فى الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين.

وأخيراً تقدم سيادته بطلبات محددة وهى:
أن تكون له سلطة حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه أعضاء المجلس، علماً بأن لائحة المجلس توجب إصدار أى قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء.
كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتى تنقلاتهم؛ أى أنه طالب إجمالاً بسلطة فردية مطلقة.

ولقد حاولنا بكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التى تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق، وهو ما لا يمكن نرضاه لثورتنا، ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزاً تاماً وتوالت اعتكافاته بين وقت وأخر حتى يجبرنا على الموافقة على طلباته هذه، إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع مقدماً استقالته وهو يعلم أن أى شقاق يحدث فى المجلس فى مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه.

أيها المواطنون
لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر فى وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التى تواجه البلاد والتى ورثتها عن العهود البائدة.

يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب فى مصر والسودان وضد عدو غادر يرابط على حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحاً لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى أخر تلك المعارك التى خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة فى أكثر من ميدان من ميادينها.

واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلى:
أولاً: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التى يشغلها. \
ثانياً: يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر فى تولى كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن.
ثالثاً: تعيين البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس الوزراء.
ونعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مُثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب، والله كفيل برعايتها إنه نعم المولى ونعم النصير، والله ولى التوفيق".
وسرعان ما تم تدارك مظاهر ذلك الخلاف فقبل مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية في بيان صدر في ٢٧ فبراير ١٩٥٤.
ثم بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها جماعة الإخوان المسلمين التي أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً مسبقاً بحلها في ١٤ يناير ١٩٥٤، (قرار المجلس بحل جماعة الإخوان المسلمين) وقد تورط أيضاً بعض عناصر النظام القديم في هذه الأحداث.
ووقد تجلى الصراع داخل مجلس قيادة الثورة في هذه الفترة في القرارات التي صدرت عنه وفيها تراجعاً عن المضى في الثورة، فأولاً ألغيت الفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات، وتقرر في ٥ مارس ١٩٥٤ اتخاذ الإجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب بالاقتراع العام المباشر على أن تجتمع في يوليه ١٩٥٤ وتقوم بمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره والقيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقاً لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وفى نفس الوقت تقرر إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحافة والنشر.
وثانياً: قرر مجلس قيادة الثورة تعيين محمد نجيب رئيساً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء بعد أن تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الوزارة وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.
وأخيراً قرر مجلس قيادة الثورة في ٢٥ مارس ١٩٥٤ السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة يوم ٢٤ يوليه ١٩٥٤ أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. (قرار المجلس بالسماح بقيام أحزاب).

وبالرغم من إلغاء مجلس قيادة الثورة لتلك القرارات في ٢٩ مارس ١٩٥٤ (قرار المجلس بإرجاء تنفيذ قرارات ٢٥ مارس ١٩٥٤) إلا أن الأزمة التي حدثت في مجلس قيادة الثورة أحدثت انقساماً داخله بين محمد نجيب يؤيده خالد محيى الدين وبين جمال عبد الناصر وباقي الأعضاء.

وقد انعكس هذا الصراع على الجيش، كما حاول السياسيون استغلاله وخاصة الإخوان المسلمين وأنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا فى صف نجيب وعلى اتصال به.

وفى ١٧ أبريل ١٩٥٤ تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية إلى أن جرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر على يد الإخوان المسلمين عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤، وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. وهنا قرر مجلس قيادة الثورة في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.

وفى ٢٤ يونيه ١٩٥٦ انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور ١٦ يناير ١٩٥٦ ـ أول دستور للثورة.
وفى ٢٢ فبراير ١٩٥٨ أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراد من الجيش السوري في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١.
وظل جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة حتى رحل في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.


خطب جمال عبد الناصر
تحتوى هذه المجموعة على١,٣٥٩ خطبة مقروءة ومسموعة ومرئية للرئيس جمال عبد الناصر في الفترة ما بين عام ١٩٥٢ وعام ١٩٧٠م من أبرزها خطاب الرئيس في تقديم الميثاق الوطني وبيان ٣٠ مارس وخطاب تأميم قناة السويس. يمكنك قراءة الخطبة و الاستماع إليها بالصوت الحي للزعيم جمال عبد الناصر كما يمكنك مشاهدة الخطبة. ويمكنك استعراض هذه المجموعة اعتمادا على العام الذي أُلقِيت فيه الخطبة. كما يمكنك البحث في هذه المجموعة باستخدام عنوان الخطبة أو محتواها.[line]خطب مرئية [line]أرشيف صور الرئيس جمال عبد الناصر
تحتوى هذه المجموعة على٥١,٥١٢ صورة تغطي ٦,٤١١ حدث من الأحداث الرسمية و الاستقبالات و الزيارات و اللقاءات و أيضا أحداث شخصية و عائلية و غير ذلك في الفترة ما بين عام ١٩٣٠ و عام ١٩٨٠م ، بينما تحتوي مجموعة البورتريهات علي ١,١٢٤ صورة بورتريه للزعيم جمال عبد الناصر. يمكنك استعراض هذه المجموعة اعتمادا على الحدث. كما يمكنك البحث في هذه المجموعة باستخدام عنوان الحدث أو الفترة الزمنية.[line]أفلام تسجيلية
تحتوى هذه المجموعة على ١,٢٠٩ فيلم تسجيلي في الفترة ما بين عام ١٩٤٨ وعام ١٩٧٠م تتضمن أفلاماً عن حرب فلسطين وفترة حكم الملك فاروق وثورة ٢٣ يوليو وحكم الرئيس جمال عبد الناصر. يمكنك استعراض هذه المجموعة اعتمادا على العام الذي تم فيه تسجيل الفيلم. كما يمكنك البحث في هذه المجموعة باستخدام عنوان الفيلم التسجيلي.[line]وثائق
تحتوي على مجموعة من الوثائق المصرية التي تتضمن أيام عبد الناصر، أوراق بخط يد الرئيس ، جلسات اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي، قرارات مجلس قيادة الثورة، كروت متبادلة بين أفراد الأسرة، محاضر جلسات مجلس الوزراء، ومنشورات. كما تتضمن مجموعة كاملة من الوثائق الخاصة بالمكاتبات والمراسلات الرسمية بين مصر و كل من بريطانيا و أمريكا.[line]مقالات بصراحة
على مدى العقود الخمسة من الخمسينات إلى التسعينات اختلفت على الأمة العربية تطورات هامة وأحداث جسام أثرت في تاريخ العرب الحديث وعلى مدى هذه العقود تابع العالم العربي بشغف شاهداً من شهود هذه الأحداث أتاحت له الأقدار أن يكون على مقربة من كثير من تلك الوقائع، وهو الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل ، وقد أتاح له الحس الصحفي والرؤية المتعمقة إمكانية استقراءها وتفنيدها وعرضها على القارئ العربي بلغة سهلة وأسلوب مشوق وتداع للأفكار قل أن يجود العمل الصحفي بمثله. بدأ هيكل يكتب مقاله "بصراحة" منذ عام ١٩٥٧م وانتظم ظهور المقال كل أسبوع من عام ١٩٦٠ إلى ١٩٩٦م في جريدة الأهرام وأخبار اليوم وآخر ساعة وبعض الصحف العربية الأخرى. ونحن نقدم لكم هذه المقالات مصحوبة بإمكانية البحث المفصل في عنوان ومحتوى هذه المقالات [line]عبد الناصر والثقافة
تحتوي هذه المجموعة على بعض أعمال الفن التشكيلي كالتصوير والنحت وفن الكاريكاتير، وبعض أعمال الفنون التطبيقية مثل العملات والطوابع. كما تحتوي على مجموعة من القصائد الشعرية وأغاني الثورة، وكتب بقلم الرئيس جمال عبد الناصر.

المصدر:
موقع الرئيس جمال عبد الناصر
[line]

castle 29-07-2007 11:23 PM

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
(1293-1373هـ، 1876-1953م).

http://www.mawsoah.net/gae/getimage...._100075_01.jpg

عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى ابن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي. وينتهي نسبه إلى بكر ابن وائل من بني أسد بن ربيعة.

نشأته ومعالم شخصيته.
ولد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في مدينة الرياض ونشأ تحت رعاية والده، ولما اشتد عوده تعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد الشيخ القاضي عبدالله الخرجي من علماء الرياض، حيث عهد إليه الإمام عبد الرحمن بن فيصل بتعليم ابنه؛ فحفظ عبد العزيز بعضًا من سور القرآن المجيد، ثم قرأه كله على يد الشيخ محمد بن مصيبيح، كما درس جانبًا من أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف آل الشيخ الذي أعد لعبد العزيز كراسًا دينيًا جمع فيه بعض مسائل الفقه والتوحيد بالإضافة إلى المعارف الثقافية الأخرى التي اكتسبها بالخبرة والاحتكاك بالآخرين، خصوصًا ببعض العلوم العصرية التي استقاها من خلال المتابعة والمذاكرة والمناقشات.

ولع الملك عبد العزيز بالفروسية وركوب الخيل منذ صباه وعُرف عنه حركته الكثيرة وتنقله السريع، وكان حازمًا، ذكيًا متفوقًا على أترابه، شجاعًا جريئًا مقدامًا، يجمع في طبيعته روح الحرب وروح السلم، يعالج الأمور بحكمة وحنكة ودراية، ويتحلّى ببراعة سياسية لا يرقى الشك إليها، وكان يتمتع بخلق قويم وإرادة نافذة، بعيد المطامح، طويل الروّية. وظل يعتقد أن الاستعداد للأمر ودراسته هما الوسيلتان المثليان للنجاح؛ فهو جندي ظافر، تقي ورع، جواد سخي، مهذب لطيف المعشر ورقيق المعاملة في المجالات الاجتماعية.

مما لا شك فيه أن حياة التنقل مع والده بين مضارب البادية ـ بعد رحيلهما عن الرياض ـ قد أثّرت إلى حد بعيد في شخصيته، خاصة في مجال الحروب فقد تعوّد حياة البادية بما فيها من قساوة وشجاعة وأخلاق وتحمّل للمسؤولية، كما استفاد من إقامته في الكويت التي استقرت فيها الأسرة السعودية بعض الوقت عقب الجلاء عن الرياض على أثر سيطرة آل الرشيد على كل البلاد النجدية.
انظر:
الدولة السعودية الثالثة
( 1 )
( 2 ) ( 3 ) ( 4 ) ( 5 )
(آل سعود في الكويت).
فكانت حياة عبد العزيز خليطًا من لوعة النزوح والتنقل وصرامة الحياة وقسوتها في ظل الهجرة والبعد عن الوطن الأم من جهة، وتجربة فقدان المُلْك والسيادة من جهة أخرى. ومرّ الملك عبد العزيز خلال إقامته في الكويت بتجربة سياسية كبيرة من خلال مجالسة الشيوخ والأمراء والحكام ورجال الدولة، وقد ظهر أثر ذلك في فكره السياسي ومقدرته السياسية وأدائه السياسي فيما بعد، وكان يحب سماع قصص البطولات والمعارك، والتعرُّف على سير الأبطال، وتاريخ أسرته خاصة تاريخ جده فيصل ابن تركي الذي عُرف بتدينه وفكره السياسي الرصين وشجاعته وحنكته السياسية وتجربته الكبيرة في مجال السياسة والحكم والإدارة. وهو يُعد من أقوى أئمة الدولة السعودية الثانية وأشهرهم، وهكذا نلاحظ أنه أخذ يهيئ نفسه لعمل كبير جدًا ألا وهو استعادة ملك أجداده المسلوب.

استرداد ملك الآباء والأجداد.
يأتي مشروع توحيد البلاد العربية السعودية في مقدمة أعمال الملك عبد العزيز ومنجزاته؛ فقد حاول دخول الرياض عام 1318هـ، 1901م في الوقت الذي كان فيه الشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت ومعه الإمام عبد الرحمن بن فيصل يحاربان ابن الرشيد في وقعة الصريف في 26 من ذي القعدة عام 1318هـ، 17 مارس 1901م. وقد انهزمت القوات الكويتية في تلك الوقعة وترتب على ذلك عدم تحقيق هدف الملك عبد العزيز آل سعود في استرداد الرياض من آل الرشيد عاصمة آبائه وأجداده.

حاول عبد العزيز استرداد الرياض مرة أخرى وذلك في عام 1319هـ، 1902م، وكانت هذه المحاولة أكثر رسوخًا وأدق تخطيطًا. وقد نجح الملك عبد العزيز هذه المرة واسترد الرياض من عجلان أمير آل الرشيد بعد قتله واستسلام الحامية الرشيدية في 5 شوال 1319هـ، 15 يناير 1902م، ونودي بأن الملك لله ثم لعبد العزيز آل سعود. وبهذا الحدث التاريخي بدأ ظهور الدولة السعودية الحديثة وقيامها وريثة شرعية للدولتين السعوديتين الأولى والثانية ومن ثم بدأ تاريخ الملك عبدالعزيز آل سعود كمؤسس أول وحقيقي لتلك الدولة.

المبايعة وتوحيد البلاد.
تسلم الملك عبد العزيز مقاليد الحكم والإمامة بعد تنازل والده الإمام عبد الرحمن بن فيصل له عن الحكم والإمامة في اجتماع كبير عقد بالمسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة عام 1320هـ، 1902م. وظل الأب يشرف على أعمال ابنه طوال حياته، وظل الابن يجل والده ويقدر آراءه ويحترمها.

شرع عبد العزيز يوحد مناطق نجد تدريجيًا فبدأ بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض بعد انتصاره على ابن الرشيد في بلدة الدلم القريبة من الخرج، فدانت له كل بلدان الجنوب؛ الخرج والحريق والحوطة والأفلاج وبلدان وادي الدواسر.

ثم توجه إلى منطقة الوشم وحارب ابن الرشيد وانتصر عليه، ودخل بلدة شقراء، ثم واصل زحفه صوب بلدة ثادق فدخلها أيضًا ثم توجه إلى منطقة سدير ودخل بلدة المجمعة. وبهذا الجهد العسكري تمكن الملك عبد العزيز من توحيد مناطق الوشم والمحمل وسدير وضمها إلى بوتقة الدولة السعودية الحديثة.

تابع الملك عبد العزيز مشروعه لتوحيد البلاد، فتمكن من توحيد منطقة القصيم وضمها إلى الدولة السعودية الناشئة بعد أن خاض مجموعة من الوقعات الحربية ضد ابن الرشيد وأنصاره العثمانيين؛ منها واقعة الفيضة في 18 ذي الحجة 1321هـ، 10مارس 1904م، والبكيرية في 1 ربيع الثاني 1322هـ، 1904م، والشنانة في 18 رجب 1322هـ، 1904م؛ وهي من المواقع الفاصلة في تاريخ البلاد، ووقعة روضة مهنا التي قتل فيها الأمير عبد العزيز آل الرشيد في 18 صفر من عام 1324هـ، 14 أبريل 1906م. ومثلت القصيم منطقة حيوية واستراتيجية للملك عبد العزيز آل سعود، خصوصًا في صراعه ضد ابن الرشيد بعد توقيع صلح بينه وبين متعب بن عبد العزيز آل الرشيد في أعقاب وقعة روضة مهنا، حيث اعترف الملك عبد العزيز لمتعب بن الرشيد بالإمارة على حائل ومنطقة جبل شمر. انظر: الدولة السعودية الثالثة.

استعاد الملك عبد العزيز آل سعود منطقة الأحساء بكاملها عام 1331هـ، 1913م قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، ورحّل الحاميات العثمانية التي كانت موجودة فيها إلى البصرة، وأقر العثمانيون بالأمر الواقع، وفاوضوا الملك عبد العزيز واعترفوا رسميًا به واليًا على نجد، ومتصرفًا على الأحساء، وأهدوه النيشان العثماني الأول ورتبة الوزارة في أواخر عام 1332هـ (أوائل عام 1914م)، ولقبوه بصاحب الدولة. إلا أن هذا الاتفاق وهذا التقارب العثماني تجاه الملك عبد العزيز لم يخرجا إلى حيّز التنفيذ بل ظلا مجرد حبر على ورق.

أفاد الملك عبد العزيز كثيرًا من عودة منطقة الأحساء إلى دولته؛ لأنه قد وسّع بذلك حدود دولته لتشمل جزءًا مهمًا من الجزيرة العربية يطل على ساحل الخليج العربي، وله أهميته السياسية والاقتصادية والتجارية. وغدا لدولته الناشئة منفذ بحري ممتاز أخرجها من عزلتها وانغلاقها داخل الأراضي النجدية، وأصبح الملك عبد العزيز وثيق الاتصال بالدول الكبرى، خصوصًا بريطانيا ذات السلطة والشأن في منطقة الخليج. ورغبت بريطانيا في دفع الملك عبد العزيز إلى الدخول في حرب ضد الدولة العثمانية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، لكنه حاول قدر استطاعته أن يظل على الحياد برغم موقفه المعادي للأتراك بسبب مساعدتهم وتشجيعهم لآل الرشيد، وبسبب الموقف العثماني العام المعادي للدولة السعودية في جميع أدوارها ومراحل حكمها.

جرت اتصالات رسمية بين الملك عبد العزيز وبعض المسؤولين البريطانيين في الخليج أمثال الكابتن شكسبير القنصل البريطاني في الخليج، والسير برسي كوكس؛ الذي وقع مع الملك عبد العزيز معاهدة في دارين بالقطيف عرفت بمعاهدة دارين عام 1334هـ، 1915م وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى وقد ألغيت فيما بعد. وزار الملك عبد العزيز بعدها البصرة بدعوة من السير برسي كوكس فكانت أول زيارة يقوم بها الملك عبد العزيز خارج بلاده عام 1334هـ، 1915م، وقدم الملك عبد العزيز أثناءها تعازيه لشيخ الكويت جابر بن مبارك الصباح في وفاة أبيه الشيخ مبارك الصباح، وشارك في مؤتمر عقدته بريطانيا في الكويت في 23 محرم 1335هـ، 20 نوفمبر 1916م للتباحث في شأن الموقف العام للحرب العالمية الأولى. وفي أعقاب ذلك عقد مؤتمر في الرياض عام 1339هـ، 1920م حضره الأمراء والعلماء ورجال الدولة وشيوخ العشائر وغيرهم وقرروا فيه بالإجماع أن يكون لقب عبد العزيز الرسمي هو سلطان نجد وملحقاته.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى تمكّن سلطان نجد من استرجاع منطقة جبل شمّر بعد عدة مناوشات ووقعات خاضتها القوات السعودية ضد القوات الرشيدية، استسلمت بعدها مدينة حائل عاصمة الجبل في صفر من عام 1340هـ، 1921م، وعامل ابن سعود آل الرشيد معاملة كريمة تليق بمقامهم. كما تمكن السلطان عبد العزيز من ضم منطقة عسير إلى أجزاء دولته بعد حروب طويلة مع آل عائض حكام منطقة عسير، وكان ذلك عام 1338هـ، 1920م، وعامل عبد العزيز آل عائض ومن وقف معهم من الأهالي في عسير معاملة طيبة كعادته في معاملة خصومه بعد انكسارهم واستسلامهم، وتمكّن من توحيد إمارة الأدارسة وضمها إلى بوتقة دولته، وأصبحت جزءًا من الدولة السعودية الحديثة عام 1351هـ، 1932م. كما وحّد عبد العزيز منطقة الحجاز مع باقي مناطق الدولة السعودية الحديثة بعد معارك خاضتها القوات السعودية ضد قوات الأشراف ويأتي في مقدمة تلك المعارك معركة تُرُبة التي انكسرت فيها قوات الشريف حسين بن علي أمام القوات السعودية في ليلة 25 شعبان عام 1337هـ، 1919م. وتُعد بلدة تربة مفتاح الطريق إلى باقي المدن الحجازية. وقد تهلهل وضع قوات الشريف كثيرًا في أعقاب تلك الوقعة، ويسَّر ذلك عملية ضم مدينة الطائف ـ المدينة الحجازية الاستراتيجية ـ إلى الدولة السعودية عام 1343هـ، 1924م. بعد ذلك واصلت القوات السعودية زحفها نحو الهَدا واشتبكت هناك مع قوات الشريف في وقعة فاصلة، هي وقعة الهدا في 27 صفر عام 1343هـ، 1924م، وكانت نتائج تلك الوقعة وخيمة على قوات الشريف إذ أصبح الطريق إلى مكة المكرمة بعدها مفتوحًا أمام القوات السعودية، وتنازل بعدها الشريف حسين بن علي لابنه الشريف علي في 4 ربيع الأول 1343هـ، 1924م. واصل السعوديون زحفهم باتجاه مكة المكرمة فدخلوها سلمًا منكسي أسلحتهم وهم مُحْرِمون يتقدمهم عبد العزيز بملابس إحرامه وذلك في 17 ربيع الأول عام 1343هـ، 1924م، ثم توجهت القوات السعودية صوب ما تبقى من مدن الحجاز وموانئه، كميناء رابغ والقنفذة وينبع وغيرها، وقد استسلمت حامية المدينة المنورة في 19 جمادى الأولى عام 1344هـ، 1925م. وبضم هذه المدن في منطقة الحجاز، تمكّن السعوديون من تضييق الخناق على جدة مما اضطر معه الشريف علي بن الحسين إلى الاستسلام وطلب الصلح لمغادرة البلاد في الأول من جمادى الآخرة عام 1344هـ، 17 ديسمبر 1925م، وانتهى بذلك حكم الأشراف في الحجاز. انظر: الدولة السعودية الثالثة (تأسيس الدولة السعودية الثالثة).

التنظيمات والتعليمات الأساسية.
اختارت الدولة السعودية في عهد الملك عبد العزيز شكل شعار الدولة وعلمها الحاليين، وقام دستور الدولة على القرآن ويقوم الحكم فيها على تطبيق أحكام الشرع الإسلامي المستمد من القرآن والسنة النبوية الشريفة وما أثر عن الصحابة وتابعيهم بإحسان، وما عليه الأئمة الأربعة وصالح سلف الأمة. وتطبق الدولة في المعاملات والأحوال الشخصية المشهور من مذهب الحنابلة.

أمر الملك عبد العزيز آل سعود بوضع التعليمات الأساس للمملكة الحجازية بعد ضم الحجاز وتوحيدها في بوتقة الدولة السعودية الحديثة وهي تعريف بالدولة وشكلها وترتيباتها الإدارية، وقد نشرت تلك التعليمات الأساس في الجريدة الرسمية في 21 صفر عام 1345هـ، 31 أغسطس 1926م. وبعد صدورها بثلاثة أشهر لُقّب الملك عبد العزيز آل سعود بلقب ملك الحجاز ونجد ومحلقاته، ثم بُدّل هذا اللقب بلقب أعم وأشمل هو ملك المملكة العربية السعودية في 21 من جمادي الأولى 1351هـ، 22 من سبتمبر 1932م عند إعلان توحيد جميع أجزاء المملكة في دولة واحدة، وهو اليوم الوطني للمملكة. ونظم الملك عبد العزيز دولته الحديثة على أساس من التحديث والتطور المعاصر، فوزع المسؤوليات في الدولة، وأسس حكومة منظمة في الحجاز بعد ضمها، وأنشأ منصب النائب العام في الحجاز وأسند مهماته إلى ابنه الأمير فيصل وكان ذلك عام 1344هـ، 1926م. وأنشأ مجلس الشورى السعودي عام 1345هـ، 1927م، وأسند رئاسته أيضًا إلى الأمير فيصل. وفي 19 شعبان 1350هـ، 30 ديسمبر 1931م صدر نظام خاص بتأليف مجلس الوكلاء وأسندت رئاسته إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز. وأنشأ الملك عبد العزيز عددًا من الوزارات في الدولة السعودية كتنظيم إداري متقدم خرج به عن نسق النظام الإداري التقليدي المتوارث من الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، فأقامت الدولة الحديثة آنذاك علاقات دبلوماسية وفق التمثيل السياسي الدولي المتعارف عليه رسميًا، وعيَّنت السفراء والقناصل والمفوضين والوزراء لهذه الغاية. كما اهتم كثيرًا بدعم الحركات التحررية العربية والإسلامية ودعم القضية الفلسطينية وجامعة الدول العربية ومؤسساتها، وناصر جميع قضايا العالمين العربي والإسلامي بالدعم والمشورة والتأييد في المحافل الدولية والإقليمية. وانخرط في منظومة الدول العالمية بانضمام دولته إلى هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها.

أهم أعماله ومنجزاته.
قام الملك عبد العزيز بأول مشروع من نوعه لتوطين البدو، ليس في الجزيرة العربية فحسب، بل في العالم العربي كله، فأسكنهم في هِجَر زراعية مستقرة وأطلق عليهم اسم الإخوان من اسم الجماعة الأولى التي اعتنقت الإسلام على يد الرسول ³ وكونت مجتمعًا إسلاميًا في المدينة المنورة، وترابطت في الله وتعاونت دينيًا ودنيويًا بروابط التآخي، فتعلّم البدو أمور دينهم وعلّمهم أساليب الزراعة والعمل فيها، وشكّل منهم جيشًا متطوعًا يكون تحت يده عند الحاجة وإعلان النفير العام. وعمل على تحسين وضع دولته الاجتماعي والاقتصادي، وجعل البدوي مطيعًا للدولة مما قوى دعائم الأمن الداخلي.

وجّه الملك عبد العزيز عنايته واهتمامه بالتعليم، ففتح المدارس النظامية والمعاهد، ووزّع الكتب الدراسية، ووزّع مساعدات مالية على الطلاب تشجيعًا لهم على مواصلة تعليمهم، واستقدم المدرسين من خارج البلاد، وأرسل البعثات إلى الخارج وأسس المكتبات العامة، وشجّع طباعة الكتب وبخاصة الكتب الدينية والكتب التي تفيد في تدريس اللغة العربية وفهمها، ووزّع كل ذلك دون مقابل، واهتم بالدعوة الإسلامية ومحاربة البدع والخرافات وكان ذلك هو الخط المتواصل الذي نهجته الدولتان السعوديتان الأولى والثانية. وأنشأ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزوّدها بالإمكانات والصلاحيّات، وأمر بتوسعة الحرم المدني، فشرع في ذلك قبيل وفاته، ووفّر الماء والخدمات الطبية والوقائية لراحة الحجاج.

مَنّ الله على البلاد السعودية بغزارة النفط وكثرة المعادن وتنوعها فاستخرج النفط بكميات تجارية عام 1357هـ، 1938م في المنطقة الشرقية، مما ساعد على ازدياد الثروة النقدية التي أسهمت في تطوير البلاد السعودية وتقدمها وازدهارها، وبدأت العملة السعودية تأخذ مكانها الطبيعي بين عملات الدول الأخرى، وأنشئت لهذا الغرض مؤسسة النقد العربي السعودي، وضربت العملة السعودية (الريال) واشترت الدولة الآلات الزراعية ووزعتها على الفلاحين للنهوض بالزراعة. وأنشأت الدولة الطرق البرية المعبدة، ومُدّ خط حديدي يربط الرياض بالدمام في المنطقة الشرقية، وربطت البلاد بشبكة من المواصلات السلكية واللاسلكية واستوردت أهم سبل المواصلات العصرية ووضعت نواة الطيران المدني، ومُدّ خط أنابيب النفط من الخليج إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط (التابلاين) وافتتحت الإذاعة السعودية، ووضع نظام للجوازات السعودية وغيرها من المرافق العامة ذات الصلة بالمجتمع.

وفاته
توفي الملك عبد العزيز آل سعود في مدينة الطائف ونقل جثمانه إلى الرياض حيث دفن في مقبرة العود مع أسلافه من آل سعود.[line]

castle 17-08-2007 08:55 PM

دراسة عسكرية أمريكية للإستراتيجيات القتالية للرسول محمد

تقرير واشنطن- محمد المنشاوي

تنوية :
قبل البدء ينبغي التنوية الى أن هناك مغالطات تاريخية وعقدية وردت في الدراسة تم استبعاد بعضها وأبقاء البعض الاخر والتي لا يجهلها القارئ ..


أثناء تجولي في أحد أكبر مكتبات بيع الكتب والمجلات والدوريات "بارنز أند نوبل" www.bn.com في أحد ضواحي العاصمة الأمريكية في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وقعت عيناي على غلاف مجلة عسكرية تاريخية متخصصة تحمل غلافا مرسوما علية صورة رجل يمتطي جوادا وسط مجموعة من المقاتلين ويشهر سيفه عاليا، وتحت الصورة كان العنوان الرئيسي هو "محمد" مما أثار لدي فضولا خاصة وأنا أحمل نفس الاسم. حملت المجلة وقرأت بقية العنوان، ولا أخفي أنه أثار في من المشاعر ما يتراوح بين الاندهاش وغضب ممزوج بالفضول، وقررت شراء المجلة.

دراسة مختلفة لعبقرية الرسول
عرضت الدورية التاريخية "فصلية التاريخ العسكري" Military History Quarterly "
دراسة رئيسية حملت عنوان "محمد. العقلية العسكرية الفذة للمتمرد الأول Muhammad. the Ingenious Military Mind of the First Insurgent"، والمقصود هنا رسول المسلمين صلى الله علية وسلم.
والدورية متخصصة في الدراسات العسكرية التاريخية، ويقوم بقراءتها كبار رجال القوات المسلحة في الولايات المتحدة ممن لهم اهتمامات بالشئون التاريخية وانعكاساتها على الشئون العسكرية المعاصرة. وتوزع الدورية 22,200 نسخة، وهي من أقدم الدوريات المتخصصة في الشئون العسكرية ويكتب بها نخبة المؤرخين العسكريين الأمريكيين.
أما كاتب الدراسة فهو المؤرخ العسكري "ريتشارد جابريل Richard Gabriel " الذي عمل سابقا في جهات حكومية مختلفة في الولايات المتحدة وخدم في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA ، وله 41 كتابا، ويقوم الكاتب بالتدريس التاريخ والسياسة في الكلية الملكية العسكرية بكندا the Royal Military College of Canada.

تذكر الدراسة في مقدمتها أنه بدون عبقرية ورؤية الرسول محمد العسكرية الفذة ما كان ليبقى الإسلام ويصمد وينتشر بعد وفاة الرسول. وتدعي أيضا أنه وبرغم توافر الكثير من الدراسات العلمية عن حياة وإنجازات الرسول، إلا أنه لا توجد دراسة تنظر للرسول كأول جنرال عسكري في الإسلام وكمتمرد ناجح First Insurgent على حد التعبير الحرفي للدراسة.
وترى الدراسة أنا لولا نجاح الرسول محمد كقائد عسكري، ما كان للمسلمين أن يغزو الإمبراطورتين، البيزنطية والفارسية، بعد وفاته.

ومن رأي كاتب الدراسة فأن تأثير الرسول محمد يوجد اليوم بين أتباع الدين الإسلامي، الذي يدين به ما يقرب من 1.4 مليار نسمة، بصورة ملحوظة وظاهرة، كذلك يتم الاستعانة بأساليبه العسكرية من قبل القوى الراديكالية السنية على غرار الراديكاليين في السعودية وباكستان، والمتمردين السنة في العراق.
وتقول الدراسة إن النظر للرسول محمد كقائد عسكري هو شيء جديد للكثيرين، حيث أنه كان عسكريا من الطراز الأول قام في عقد واحد من الزمن بقيادة 8 معارك عسكرية، وشن 18 غارة، والتخطيط لـ38 عملية عسكرية محدودة.
وتذكر الدراسة أن الرسول أصيب مرتين أثناء مشاركته في المعارك. ولم يكن الرسول محمد قائدا عسكريا محنكا وحسب، بل ترى الدراسة أنه كان "منظرا عسكريا" و"مفكرا إستراتيجيا" و"مقاتلا ثوريا". وتصف الدراسة الرسول محمد بأول من أوجد "عمليات التمرد Insurgency Warfare وحروب العصابات Guerrilla Warfare ، وكذلك بأول من مارس وطبق هذه الإستراتيجيات".

إستراتيجيات الرسول العسكرية
استخدم الرسول طبقا للدراسة كل ما كان متاحا من وسائل من أجل تحقيق أهدافه السياسية، واستخدم في هذا الإطار وسائل عسكرية وغير عسكرية (مثل بناء تحالفات، والاغتيالات السياسية، والعفو، والإغراء الديني )، وضحى الرسول أحيانا بأهداف قصيرة المدى من أجل تحقيق أهداف طويلة المدى.
وتشيد الدراسة بـ "أجهزة المخابرات" التي أنشأها وأدارها الرسول، والتي تفوقت على نظيراتها عند الفرس والروم أقوى إمبراطوريتين آنذاك. وترى الدراسة أن استراتيجيات الرسول يمكن وصفها بأنها جمع بين نظريات كارل فون كلاسوتز ونيقولا ميكيافيللي "من أهم المنظرين العسكريين في التاريخ"، حيث استخدم الرسول دائما القوة من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

وتعزي الدراسة نجاح الرسول في إحداث تغيير ثوري في العقيدة العسكرية لما كان معروفا وسائدا في جزيرة العرب، لإيمانه بأنه مرسل من عند الله، وتشير إلى أنه وبفضل ذلك نجح في إيجاد أول جيش نظامي عربي قائم على الإيمان بنظام متكامل للعقيدة الإيديولوجية "الدين الإسلامي". مفاهيم مثل “الحرب المقدسة" و"الجهاد" و"الشهادة" من أجل الدين قدمها أولا وأستخدمها الرسول محمد قبل أي شخص أخر، ومن المسلمين اقتبس العالم المسيحي "السلبي" مفهوم الحرب المقدسة، وباسمها شن الحروب الصليبية فيما بعد ضد المسلمين أنفسهم.

وتري الدراسة أن الرسول شكل القوات العربية المسلحة المتحدة التي بدأت غزواتها بعد عامين من وفاته، وكانت تلك القوات العربية المسلحة تجربة جديدة للجزيرة العربية ليس للعرب سابق عهد بها. وقدم الرسول طبقا للدراسة ثمانية مناهج إصلاحية عسكرية على الأقل كان لها أثر كبير في تغيير نوعي وشكلي في منظومة القوات المسلحة العربية.
وتدعي الدراسة أن الرسول كان أول ثوري في التاريخ، وقائد عظيم لحروب العصابات، قاد بنجاح أول تمرد عسكري حقيقي. وهي حقيقة حاضرة وبقوة اليوم في فكر الحركات الإسلامية الراديكالية التي تري الدراسة أن اقتباساتها من تراث الرسول محمد هو أحد مصادر قوة هذه الحركات، إضافة إلى كونها نوعا من الشرعية الدينية التي تحتاجها هذا الحركات.

وعلى العكس من القادة العسكريين التقليديين، لم يسع الرسول محمد لهزيمة جيوش أعدائه، بل سعى بنجاح لتشكيل جيش عربي موحد تحت إمرته هو شخصيا من هذه الجيوش جميعها. ورغم أن الدراسة تدعي أن الرسول محمد بدأ حركه تمرده العسكرية بعدد قليل من المقاتلين تستخدم فقط “الكر والفر أو أسلوب اضرب وأجري hit and run “ إلا أن هذه الأعداد القليلة وصلت لما يقرب من 10 الآلاف من المقاتلين بعد عقد من الزمان عندما تم غزو مكة كما تذكر الدراسة.

تكتيكات القيادة العسكرية للرسول
تدعي الدراسة أن القراء سيكون لديهم فضول لمعرفة تاريخ الرسول محمد كقائد لقوات حرب عصابات guerrilla warfare أو حركة تمرد insurgency ، إلا أن الكاتب يرى أن الرسول كان نموذجا ناجحا لما تقوم عليه إستراتيجيات قادة حركات التمرد في العصر الحديث. وتوفرت لتلك الإستراتيجيات ظروف مكنت من نجاح الرسول في نشر الإسلام في الجزيرة العربية. ومن أهم هذه الظروف:

- وجود زعيم يراه أتباعه كشخص "غير عادي person special " ويستحق أن يستمع إليه، ويستجاب لطلباته، وفي حالة الرسول، تدعي الدراسة أن إيمان الرسول أنه رسول الله، وإيمان أتباع الرسول بهذا جعل من طاعة الرسول مرادفا لطاعة الله نفسه.
- تطلب النجاح وجود أيديولوجية متكاملة تحل محل ما هو موجود من نظم اقتصادية وسياسية واجتماعية قديمة، ويفضل في المنظومة الجديدة أن تكون أفضل، وأكثر عدلا، ومن عند الله. وترى الدراسة في الدين الإسلامي نظاما متكاملا حل بنجاح محل ما كان موجودا من نظم اجتماعية وسياسية واقتصادية متخلفة في جزيرة العرب.
- أوجد الرسول كما ترى الدراسة مفهوم الأمة، "الأمة المؤمنة God’s Community of Believers “ لتحل محل الولاءات القبلية والعائلية الصغيرة. ووفر مفهوم الأمة غطاء اجتماعيا للمجتمع العربي الجديد. وترى الدراسة أن هذا هو أهم إنجازات الرسول.
- ترى الدراسة أن من متطلبات النجاح الأساسية وجود "النظام discipline" بين الأتباع. وتكون أتباع الرسول من مجموعات صغيرة من المؤمنين، وكان أفراد هذه المجموعات من ذوي المهارات الخاصة مثل خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح، كنماذج لقادة عسكريين ماهرين. وقدم هؤلاء المقربون للرسول النصح الإستراتيجي. وترى الدراسة أن المقربين من الرسول حصلوا على مناصب قيادية في حياته، وتصارعوا على النفوذ بعد وفاته.
- ترى الدراسة أن الرسول محمد أدرك أن حركة التمرد تتطلب لنجاحها قوات مسلحة قوية، وشعبا يدعم جيشه. وكان الرسول هو أول قائد في التاريخ يتبنى عقيدة سياسة خلاصتها "حرب الشعب. جيش الشعب People’s War, People’s Army " وذلك قبل تبني نفس العقيدة من قبل الجنرال الفيتنامي "فونجوان جياب" خلال حرب فيتنام. وترى الدراسة أن الرسول نجح في أن يقنع أتباعه أن الله طالب كل المسلمين بتسخير كل مواردهم من أجل العقيدة ومن أجل ما يطلبه الرسول نفسه.
-يجب أن يتمتع زعيم حركة التمرد بحب وشعبية بين أتباعه، وتدعي الدراسة أن الرسول نجح بإقتدار في الحصول على الحب والشعبية، إذ تذكر الدراسة أن الرسول قام بخطوات دعمت من شعبيته مثل مخالفة ما كان معروفا وسائدا لدى العرب من حصول زعيم القبيلة على ربع غنائم المعارك لنفسه، إلا أن الرسول أخذ فقط خمس الغنائم. كذلك لم يسمح الرسول للمقاتلين المسلمين بأخذ ما يحصلون عليه من غنائم، بل تم تجميع هذه الغنائم وتوزيعها على أفراد الأمة، مع مراعاة خاصة لليتامى والأرامل ممن قتل عائلهم في المعارك.

ثورية الرسول محمد
تمتدح الدراسة كثيرا قدرة الرسول ونجاحه في إحداث تغيير ثوري في الطريقة التي حارب بها العرب، فبدلا من مجموعات قتالية صغيرة ذات ولاءات قبلية محدودة، تقوم بهجمات صغيرة من "كر وفر"، استطاع الرسول بدرجة عالية من الحنكة خلق أول جيش عربي موحد جمع جنوده من مختلف القبائل العربية، وكان الجيش ذا طبيعة تنظيمية واضحة وصارمة. وبدون هذا النجاح، ترى الدراسة أن الإسلام كدين ما كان لينجح في الصمود والانتشار داخل الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول. وتأخذ الدراسة حالة ردة بعض القبائل عن الدين الإسلامي بعد وفاة الرسول كنموذج لعبقرية جنرالات الجيش الذي أنشأه الرسول، إذ استطاعوا أن يهزموا المرتدين ويحافظوا على الدين الإسلامي بعد غياب الرسول.

وترى الدراسة أن الرسول نجح في دمج التشكيلات العربية المقاتلة التي انقسمت إلى فئتين، فئة جنود المشاة المكونة من رجال فقراء من سكان القرى الصغيرة والواحات والتجمعات خارج المدن الرئيسية. وفئة الفرسان المكونة من رجال القبائل ممن لهم مهارات قتالية عالية يتوارثونها عبر الآباء، وكان بين الفريقين شكوك وحقد كبيران، إلا أن الرسول أكسب الجيش الجديد هوية جديدة ونظاما عسكريا صارما.

وترى الدراسة أن المقاتلين العرب قبل الإسلام كانوا فقط يهتمون بمصالحهم المباشرة والمحدودة، فقد كان الهدف من القتال الحصول على غنائم مادية، لذا غاب عن العرب مفهوم الجيوش النظامية. وكانت الحروب في الجزيرة العربية صغيرة محدودة متكررة. ولم يكن هناك ضابط أو رابط لتوقيت المعارك، أو موعد تجمع المقاتلين، فقد كان ينضم المقاتل وقد يغادر أرض المعركة قبل أن تنتهي إذا حظي بغنائم ترضيه. ومن أجل إصلاح هذه المعضلات، ترى الدراسة أن الرسول نجح في بناء منظومة عسكرية للقيادة والسيطرة للمرة الأولى في التاريخ العربي.

كذلك تدعي الدراسة أن الرسول أوجد للمرة الأولى في التاريخ مفهوم "الحرب النفسية"، وان الرسول استخدم الإرهاب والمذابح من اجل إضعاف إرادة أعدائه عند الحاجة على حد تعبير الدراسة.

وحدة العرب حول الرسول!
تدعي الدراسة أن الرسول نجح في خلق منظومة عسكرية متطورة هو شخصيا محورها الأساسي، إضافة إلى خلق هوية جديدة لا تفرق بين المواطن والمقاتل في إطار مفهوم "الأمة" الذي كان مفهوما ثوريا جديدا على القبائل العربية.
وترى الدراسة أن الرسول نجح في جعل الدين أهم مصدر للوحدة بين القوات العربية، وفاقت أهمية الدين أهمية عامل الدم والروابط القبلية المعرف أهميتها عند العرب. وفاقت أهمية الإيمان بالدين الجديد أهمية الروابط الأسرية للمرة الأولى في تاريخ العرب، مشيرة إلى أنه من المعروف تاريخيا أن رابطة الدم هي أهم ما كان يوحد بين بعض قبائل العرب.

وتدعي الدراسة أن الرسول محمد نجح في إقناع أتباعه أنهم ينفذون أوامر الله في الأرض وإنهم جند الله، وكانت تلك المرة الأولى في التاريخ التي يعتقد ويؤمن فيها جيش نظامي أنه ينفذ أوامر الله في الأرض، ومن هنا تطور مفهوم "الحروب المقدسة". ويرى كاتب الدراسة أن نجاح الرسول في إقناع المقاتلين بالتضحية بحياتهم من اجل نصرة هذا الدين جعل المقاتل المسلم لا يهاب الموت ظنا منه بتمتعه بالجنة بعد وفاته كما تقول تعاليم الدين الإسلامي.
وترى الدراسة أن الرسول كطفل يتيم افتقد التدريب العسكري الذي كان ينتقل من الآباء لأولادهم. وللتغلب على ما وصفه الكاتب بالنقص المهاري، نجح الرسول في إحاطة نفسه بمجموعة من المحاربين المحنكين الذين كان دائما يستمع لنصائحهم العسكرية.
وترى الدراسة أن التاريخ لا يوفر مادة علمية تكشف كيف درب الرسول جيوش المسلمين على القتال، إلا أن الدراسة تؤكد أن الرسول وكبار قادته العسكريين قد قاموا بذلك.

الخلاصة
تنهي الدراسة عرضها للأساليب العسكرية للرسول بالإشارة إلى مفهوم الجهاد. وترى الدراسة أن الجهاد في الإسلام جوهره الكفاح والتغلب على المصاعب، إلا أن المفهوم يساء تصنيفه في الغرب في زمننا المعاصر، ويتمحور حول مفهوم "الحرب المقدسة" فقط.
وتدعي الدراسة أن الجهاد طبقا للتعاليم الإسلامية هو كفاح الإسلام ضد الكفار والملحدين، وأن الأمة الإسلامية بقيادة الخليفة الإسلامي عليها واجب تطبيق قواعد الإسلام حتى يصبح العالم بأكمله محكوما بالقانون الإسلامي. لذا فالتوسع الجهادي هو واجب على كل المسلمين، فالأرض التي احتلها المسلمون تعرف بـ" دار الإسلام" والأراضي الأخرى تعرف بـ "دار الحرب".
وترى الدراسة أن هناك مفهوم "الجهاد الدفاعي" ويتمثل في حالة الهجوم على أي من أراضي المسلمين، وحينذاك ينبغي على المسلمين مقاومة المهاجمين، وينبغي على بقية المسلمين مساعدة من وقع عليه الهجوم من المسلمين. وفي حالة شن الجهاد، فإن كل الذكور البالغين يعتبرون أهدافا عسكرية مشروعة بدون تمييز بين عسكري ومدني، ماعدا العبيد ورجال الدين.
أما النساء والأطفال لا يمكن استهدافهم مباشرة إلا إذا تصرفوا كمحاربين.

وتشير الدراسة إلى أن الإسلام منع التمثيل بالجثث وحظر تعذيب الأسرى، على الرغم من اعتقاد الكاتب بأن تعريف التعذيب يحتوي على مشكلة حيث أن الرسول محمد فرض عقابا على بعض الأسري قد يقع تحت بند التعذيب بمعايير زمننا المعاصر.
وترى الدراسة أنه وطبقا لممارسات الرسول، فالجهادي له حرية التصرف في الأسرى من تنفيذ أحكام الإعدام أو طلب فدية أو حتى إطلاق الأسير.
وترى الدراسة أنه وطبقا للقوانين الإسلامية لا يوجد أي تسامح مع غير المسلمين، فالمرتدون والبهائيون والملحدون، ومن يشكك في وجود الله، والسيخ ليس لهم أي اختيار سوي الدخول في الإسلام أو الموت.
وترى الدراسة أنه مع القرن التاسع عشر، قام علماء المسلمين المعاصرين بمراجعات فكرية لمفهوم الجهاد، وقال علماء السنة إن مفهوم الجهاد هو فقط "مفهوم دفاعي" ويقتصر الجهاد على حالات الدفاع عن النفس، وحالات خاصة إذا منع المسلمين من ممارسة شعائر دينهم بحرية.
وترى الدراسة في النهاية أن المحافظين مثل الوهابيين في جزيرة العرب والمسلحين الجهاديين في العراق وباكستان لا يزالون يتمسكون بمفهوم الجهاد التقليدي، وهم أكثر الفئات التزاما بميراث الرسول محمد العسكري.
[line]

castle 07-09-2007 01:58 PM

"هل نكره أمريكا؟ إجابات عربية"

تقرير واشنطن

شهدت مرحلة ما بعد سبتمبر جهودا أمريكية حثيثة، قامت بها الإدارة الأمريكية جنبا إلى جنب مع المؤسسات البحثية والأكاديمية، بهدف التعرف على صورة الولايات المتحدة في العالم العربي، وتحسين تلك الصورة، وبهدف الإجابة على سؤال: لماذا يكرهوننا؟ إلا أن هذه السياسات، والدراسات أيضا، وقعت في ثلاثة أخطاء مهمة.
الخطأ الأول هو صياغة صورة نمطية للولايات المتحدة تتجاهل زوايا وأبعاد تفصيلية مهمة في تلك الصورة، وتتجاهل طبيعتها المركبة والمعقدة. من أمثلة ذلك إغفال النظرة العربية المركبة لأمريكا باعتبارها، من ناحية، الدولة الديمقراطية الحرة التي تعد نموذجا مهما في هذا المجال، والنظر إليها، في الوقت ذاته، باعتبارها مصدر مهم لأزمات المنطقة. فالتقييم السلبي للسياسات الأمريكية في المنطقة لم يحل دون احتلال الولايات المتحدة – كنموذج سياسي وثقافي- لموقع متقدم نسبيا في ترتيب أفضليات الرأي العام العربي، الأمر الذي يعني ضرورة الحديث عن صورتين – على الأقل - متمايزتين لأمريكا، إحداهما "سياسية" سلبية، والأخرى "ثقافية- اجتماعية" إيجابية إلى حد كبير.
الخطأ الثاني هو عدم ارتباط جهود تصحيح تلك الصورة بمصادر تشكيلها وتكوينها، ففي الوقت الذي أكدت فيه دراسات واستطلاعات الرأي العام مسئولية المصادر السياسية في تشكيل هذه الصورة السلبية، خاصة السياسات الأمريكية تجاه العراق وفلسطين، إلا أن هذه الجهود لازالت تركز على الأبعاد غير السياسية في المقام الأول. وفي الحالات التي ارتبطت فيها تلك الجهود بالمجال السياسي فإنها لم تعتمد على إدخال تغييرات جوهرية في السياسات الأمريكية في المنطقة بقدر ما اعتمدت على الأدوات الدبلوماسية والاعلامية.
الخطأ الثالث، أن الكثير من الدراسات الأمريكية التي حاولت التعرف على صورة الولايات المتحدة في العالم العربي، والإسلامي عموما، قامت ببناء هذه الصورة بمعزل عن صورة الولايات المتحدة في العالم بشكل عام. وافترضت الكثير من الدراسات واستطلاعات الرأي الأمريكية أن الصورة السلبية للولايات المتحدة حكر على الشعوب الإسلامية فقط. وخطورة هذا الاختزال أنه يدفع بسهولة نحو استنتاج أن كراهية الشعوب العربية (والإسلامية) للولايات المتحدة ترتبط بطبيعة الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي، وهو استنتاج خاطئ يختزل الصدام بين أمريكا والعرب في صدام بين أمريكا والإسلام.
وهكذا، فإن الولايات المتحدة والشعب الأمريكي أصبحا أمام سؤالين كبيرين في العلاقة مع العرب: الأول هو سؤال الكراهية وجوهره لماذا يكرهوننا؟، والثاني هو سؤال الصورة، وجوهره: "كيف يمكن تصحيح صورتنا لدى العرب؟".
وفي محاولة من جانب "رؤى عربية" تحاول من خلال هذا العدد المساهمة في تقديم إجابات، مباشرة أو غير مباشرة، على هذين السؤالين بواسطة عدد من الكتاب العرب المتخصصين في مجالات الإعلام، والرأي العام، والتنمية، والعلاقات الدولية، والتحول الديمقراطي. وتتوزع مقالات العدد على قسمين رئيسيين.

القسم الأول: كيف ينظر العرب إلى الولايات المتحدة؟
تحاول مقالات هذا القسم الإجابة على سؤال: كيف يرى العرب الولايات المتحدة؟ ويشير المقال الأول الذي كتبه صبحي عسيلة (مصر) - استنادا إلى عدد من استطلاعات الرأي التي أجريت في مصر والأردن ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية- إلى أن تشريحا أكثر دقة لصورة الولايات المتحدة لدى الرأي العام العربي، يكشف عن أبعاد إيجابية مهمة في تلك الصورة، ففي الوقت الذي يعبر فيه الرأي العام العربي بأغلبية واضحة عن مشاعر سلبية إزاء الولايات المتحدة، إلا أنه يميز بوضوح بين تلك المشاعر من ناحية، وأنماط التفاعل الأخرى مع الثقافة والمجتمع الأمريكيين (الدراسة، السياحة، السينما الأمريكية، الهجرة إلى أمريكا، شراء السلع والمنتجات الأمريكية .الخ) والتي يتبنى إزائها مواقفا إيجابية. وينتهي عسيلة هنا إلى أنه إذا كانت تفضيلات الرأي العام في مجالات السياحة والتعليم والعلاج والهجرة .الخ يجب ألا تؤخذ على أنها تعبير عن "حب" للولايات المتحدة، فإن المشاعر السلبية التي يحملها الرأي العام تجاه الولايات المتحدة يجب أيضا ألا تؤخذ على أنها تعبير عن كره أصيل للدولة الأمريكية والشعب الأمريكي لذاتهما.
أما فيما يتعلق بالصحافة العربية، فقد خلص حسام محمد (مصر) اعتمادا على تحليل مضمون عدد من الصحف المصرية الصادرة خلال الفترة (يوليو 2003 - يوليو 2004)، وعينة من برامج قناتي الجزيرة والعربية خلال الفترة (يونيو - ديسمبر 2004) إلى سيطرة الاتجاهات السلبية تجاه الولايات المتحدة مقابل تراجع في نسبة الاتجاهات الإيجابية والمتوازنة والمحايدة. وقد أرجع حسام سيطرة التوجه السلبي إلى غلبه اهتمام الصحافة بالسياسية الخارجية الأمريكية، مقابل تراجع الاهتمام بالقضايا الأمريكية الأخرى (الداخل الأمريكي، الاقتصاد الأمريكي.الخ). هذا بالإضافة إلى غلبة الاتجاهات الفكرية القومية والإسلامية واليسارية على عدد كبير من الكتاب والصحفيين. وقد رسمت الصحافة المصرية صورة للولايات المتحدة تقوم على أربعة خصائص أساسية: أ- أن الولايات المتحدة دولة فوق القانون تهدف إلى الهيمنة على المقدرات العربية. ب- أنها دولة غازية عدوانية. ج- أنها دولة منحازة لإسرائيل. د- أنها دولة فاقدة المصداقية في مجال الدفاع على الديمقراطية. ولم تختلف هذه الصورة عن تلك التي قدمتها القنوات الفضائية العربية.
ولم تختلف الاستنتاجات التي وصل إليها خالد السرجاني (مصر) حول صورة أمريكا في السينما المصرية، كثيرا عن الاستنتاجات السابقة، خاصة فيما يتعلق بدور العامل السياسي في تشكيل هذه الصورة. ويشير السرجاني إلى أن موقف السينمائيين المصريين من أمريكا قد خضع لعوامل موضوعية وذاتية متعددة، كان أهمها تطورات الصراع العربي- الإسرائيلي الذي لعبت فيه الولايات المتحدة دروا رئيسا منذ الخمسينيات. أضف إلى ذلك الانتماء السياسي للمخرجين، وهو ما يتضح من متابعة الأفلام التي قدمها مخرجو تيار الواقعية الجديدة، والذي انتمى معظم رموزه إلى اليسار، وصنعوا أفلامهم في فترة الحرب الباردة، وهو ما انعكس على أفلامهم وعلى الرؤية التي قدموها لأمريكا. كذلك لعبت القيم المصرية والعربية التي تربى عليها هؤلاء المخرجون دورا مهما في تشكيل تلك الصورة، ففي مرحلة ما كانت هذه الصورة السلبية جزءا من الرؤية السائدة في السينما المصرية حول معاداة الحداثة والمغامرة. وبالطبع فإن العلاقة مع الغرب – وأمريكا جزء منه- وهى علاقة ملتبسة بالنسبة للعقل العربي، لعبت هي الأخرى دورا مؤثرا في تشكيل هذه الصورة.

ويستعرض المقال جوانب صورة الولايات المتحدة في السينما المصرية من خلال قراءة لعدد من الأفلام المصرية المهمة في سياقاتها السياسية والتاريخية والاجتماعية التي التي انتجت فيها. وتشمل تلك الأفلام: "أمريكاني من طنطا"، "العصفور"، "أسكندرية ليه؟"، "حدوته مصرية"، "إسكندرية كمان وكمان"، "إسكندرية نيويورك"، "الآخر"، "أرض الأحلام"، "أمريكا شيكا بيكا"، "هاللو أمريكا"، "تايه في أمريكا"، "ليلة سقوط بغداد"، "معلش إحنا بنتبهدل".
وأخيرا يتناول المقال الرابع الذي كتبه محمد فايز فرحات (مصر) صورة أمريكا في المدونات وغرف الدردشة العربية. ويشير المقال ابتداء إلى تراجع المساحة المخصصة للولايات المتحدة في المدونات وغرف الدردشة العربية. ويعزو ذلك إلى حداثة ظاهرة المدونات العربية بشكل عام، والسياق الذي نشأت فيه هذه الظاهرة، من حيث طغيان قضية الإصلاح السياسي. وينتهي المقال إلى أنه لا يمكن الحديث عن صورة واحدة لأمريكا في المدونات العربية؛ فصورة أمريكا لدى المدونين الإسلاميين تختلف عن صورتها لدى المدونين الليبراليين. كما أن القضايا "الأمريكية" التي يثيرها المدونون الإسلاميين تختلف عن تلك التي يثيرها المدونون الليبراليون. أيضا، فإن الأهمية النسبية التي يوليها المدونون العراقيون للقضايا والسياسات الأمريكية تختلف عن تلك التي يوليها لها المدونون المصريون. ومن ثم، فإن رسم صورة متكاملة الأبعاد لأمريكا في المدونات العربية هي عملية شديدة التعقيد يجب أن تأخذ في اعتبارها جميع تلك التمايزات. وغاية من يمكن الوصول إليه هو رسم اتجاهات عامة لصورة الولايات المتحدة، لا يمكن تعميمها على مستوى المدونات أو غرف الدردشة العربية. وقد حاول المقال رسم تلك الاتجاهات من خلال قراءة بعض نماذج المدونات العربية.

القسم الثاني: بعيدا عن نظريات المؤامرة: لماذا يكره العرب الولايات المتحدة؟
يركز هذا القسم من خلال أربعة مقالات أساسية على مصادر الصورة السلبية للولايات المتحدة في العالم العربي. ويتناول المقال الأول، الذي كتبه ماجد الكيالي (فلسطين) دور السياسة الأمريكية في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي في هذا المجال. ويشير الكيالي أن السياسة الأمريكية المحابية لإسرائيل لعبت دورا كبيرا في تغذية صورتها السلبية لدى العالم العربي، بسبب المكانة المتميزة للقضية الفلسطينية في العالم العربي، وبحكم تداخلها مع النوازع والطموحات القومية، ولكونها امتدادا لتراث مرحلة التحرر من الاستعمار الخارجي، وارتباطها بنزعة التحرر من الإمبريالية، حيث نظرت كل التيارات السياسية والأيدلوجية العاملة في الحقل السياسي والاجتماعي العربي قضية فلسطين باعتبارها قضيتها الخاصة. وإجمالا، يرى الكيالي أن السياسات الأمريكية المحابية لإسرائيل أدت إلى حدوث نوع من التداخل والتطابق النسبي لدى العقل السياسي العربي بين سياسات إسرائيل والسياسات الأمريكية، في كثير من الأحوال.
أما المقال الثاني والذي كتبه سيف صلاح نصراوي (العراق) فقد تناول خبرة الاحتلال الأمريكي للعراق ومآل المشروع الأمريكي هناك في تكريس الصورة السلبية لأمريكا في المنطقة. وانطلاقا من توصيف الحالة الأمنية الراهنة في العراق بأنها حالة "حرب أهلية"، حاول نصراوي وضع عدد من السيناريوهات لمستقبل هذه الحرب ومستقبل الدولة العراقية، حيث طرح سيناريوهين رئيسيين، الأول هو سيناريو نجاح السياسة الأمريكية في إنهاء حالة الحرب الأهلية والحفاظ على وحدة البلاد. السيناريو الثاني هو اشتعال حرب أهلية شاملة قد تنتهي إلى تقسيم العراق. ويتفرع عن السيناريو الأخير عدد من السيناريوهات الفرعية، تتراوح بين تمكن فصيل محدد من فرض سلطته ونفوذه على جميع الأراضي العراقية، أو وصول القوى العراقية المتصارعة إلى صيغة تراضي مشتركة، أو تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات. ويناقش المقال فرص تحقق كل سيناريو من هذه السيناريوهات.
ناقش المقال الثالث الذي كتبته هناء عبيد (مصر) العلاقة بين المساعدات الأمريكية وصورة أمريكا في العالم العربي، وأشارت فيه بشكل خاص إلى المفارقات المهمة في هذا الإطار، والتي أصبحت أكثر وضوحا في مرحلة ما بعد سبتمبر 2001، خاصة التناقض بين الحاجة إلى استخدام المساعدات لضمان تعاون الدول العربية الحليفة من ناحية، والحاجة إلى توجيه الجزء الأكبر من تلك المساعدات إلى مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لنشر الديمقراطية في المنطقة، وعدم وجود علاقة واضحة بين حجم المساعدات المقدمة للدول العربية وموقف الرأي العام من الولايات المتحدة في تلك الدول، بل أنه من المفارقات المهمة أن الدول الأكثر استقبالا للمساعدات هي التي يسود فيها رأي عام مضاد للولايات المتحدة. ويتناول المقال تجربة المساعدات الأمريكية لمصر كدارسة حالة مهمة. وينتهي المقال بالتأكيد على ضرورة جعل الرأي العام المصري أكثر معرفة ودراية بمسألة المساعدات الأمريكية وعلاقتها بالتنمية والتحول الديمقراطي في مصر، التي لازال ينظر إليها الكثيرين- في ضوء السياق التاريخي الذي بدأت فيه– باعتبارها ثمنا لسياسات خارجية مصرية معينة في المنطقة.
وقد حاول المقال الخامس الذي كتبه د. ميلود المهذبي (ليبيا) استشراف مستقبل العلاقات الأمريكية الليبية في ضوء التحسن الذي شهدته تلك العلاقات خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وانتهى إلى أن هذا التحسن قد جاء كجزء من التحسن العام في العلاقات الليبية الغربية، نتيجة قراءة ليبية واعية للمتغيرات والبيئة الدولية والإقليمية، فرضت بدورها إعادة النظر في السياسات التقليدية الليبية. إلا أنه يرى أن الحفاظ على هذا التحسن وتعظيم مكاسبه سوف يعتمد في جزء منه على ارتباط هذا التحول بتطبيق برامج ناجحة في مجال إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي، وإصلاح النظام الإداري، والمالي، والتعليمي، وبناء اقتصاد قوي، ومؤسسات علمية، ونظام إداري فعال.
***

وتتمنى "رؤى عربية" أن تكون قد ساهمت من خلال هذا العدد في تقديم إجابات أكثر واقعية على السؤالين المركزيين السابقين، وتقديم بعض المساهمات في تحديد مصادر الاتجاهات السلبية العربية تجاه الولايات المتحدة على نحو يفسح المجال أمام جهود أكثر واقعية لتصحيح الصورة والاتجاهات السلبية العربية تجاه الولايات المتحدة، وبناء علاقات عربية- أمريكية أكثر توازنا، تقوم على تبادل المنافع.
وفي إطار سعي المجلة إلى صقل طابعها الأكاديمي التحليلي، وتأكيد التفاعل بين مختلف وجهات النظر العربية والأمريكية، شكلت المجلة "مجلس تحرير". وقد انضم إلى المجلس بدءا من هذا العدد كل من:
د. عبد المنعم سعيد، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (مصر)، د. ساجد أحميد عبل الركابي، استاذ العلوم السياسية بجامعة البصرة (العراق)، الأستاذ/ سلامة أحمد سلامة، الكاتب الصحفي بجريدة الأهرام (مصر)، الدكتورة/ هيلة المكيمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت (الكويت). وعلى الجانب الأمريكي كل من: جون الترمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (واشنطن)، وميشيل دن، من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن).

castle 07-09-2007 02:04 PM

أمريكا وفوبيا السلاح النووي "الجهادي"

تقرير واشنطن - خليل العناني

في الذكري السادسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لا تزال كثير من المؤسسات البحثية الأمريكية مسكونة بهاجس إمكانية تعرض الولايات المتحدة لهجوم جديد. وثمة قناعة رئيسية تهيمن علي عدد من مراكز الدراسات المتخصصة في دراسات الإرهاب والشرق الأوسط، مفادها أن الهجوم القادم علي الولايات المتحدة سوف يكون هجوماً مرعباً من خلال استخدام أسلحة الدمار الشامل.
وفي هذا الإطار نشرت مجلة "رؤي استراتيجية Strategic Insights" التي يصدرها مركز الصراعات المعاصرة Center for Contemporary Conflict علي موقعه علي شبكة الانترنت http://www.ccc.nps.navy.mil، دراسة عن " الراديكاليون وجاذبية أسلحة الدمار الشامل . الدوافع الإيديولوجية واستغلال الدول الفاشلة".
تنطلق الدارسة من فرضية أساسية مفادها أن القدرات العملياتية الهائلة والتنظيم الجيد الذي تستند عليه الحركات الإسلامية الراديكالية، يؤكد الاستعداد الدائم لدي هذه الجماعات لتنفيذ عمليات هجومية "نوعية" تصيب أهدافاً ورموزاً حيوية في العالم الغربي.
وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلي أن الهجمات المؤثرة التي قامت بها هذه الجماعات سواء في نيويورك أو في مدريد ولندن، يعني أن ثمة استراتيجية دقيقة تسعي هذه الجماعات لتنفيذها هدفها الرئيسي ضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدول الغربية. وهو ما يعني ضرورة الالتفات لكل ما يصدر عن زعماء وقادة هذه الجماعات بشكل قوي.
وتري الدراسة أن العدو الأساسي لا يتمثل فحسب في التنظيمات الإسلامية الراديكالية، وإنما أيضا في الأيديولوجية الإسلامية المتشددة، التي تلعب دوراً مهماً في تغذية الشعور بصدام الحضارات وتسعي للإجهاز علي رموز الحضارة الغربية علي حد وصف الدراسة.
ومن هذا المنطلق تذهب الدراسة إلي أن الفهم الدقيق لهذه الإيديولوجية الراديكالية، ومدي قوتها وضعفها، من شأنه أن يسهم في تطوير آليات الحرب علي الإرهاب، وتلجيم النزعات المتطرفة التي يسعي الجهاديون لنشرها في العالم الإسلامي.

لماذا يسعي الراديكاليون لامتلاك أسلحة الدمار الشامل؟
تحاول الدراسة الإجابة علي تساؤل رئيسي هو: ما هي فرص حصول الإسلاميين المتشددين علي أسلحة الدمار الشامل؟ هنا تشير الدراسة إلي أنه منذ نهاية القرن الماضي، فإن كثير من الخبراء والمحللين اهتموا بإمكانية حصول التنظيمات الإسلامية الراديكالية علي مكونات أسلحة الدمار الشامل، وأن بعضهم ربما نجح بالفعل في الحصول علي هذه المكونات.
ويبدو أن ثمة فرضية تدفع الدراسة باتجاه تأكيدها، وهي عدم وجود قيود أخلاقية أو أيديولوجية قد تمنع الإسلاميون الراديكاليون من استخدام أسلحة الدمار الشامل، إذا حصلوا علي مكوناتها، وأن ثمة دوافع دينية تمثل أرضية قوية لدفع هؤلاء لاستخدام هذه الأسلحة.
لذا فإن الدراسة تولي اهتماماً كبيراً للبعد الإيديولوجي في استراتيجية التنظيمات الراديكالية وسعيها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، كما أنها تهتم أيضا بالقدرات الفعلية التي تمتلكها هذه التنظيمات، وأهمها الاستفادة من حالة الفشل المؤسساتي الموجود بالعديد من الدول الضعيفة أو تلك التي لا تستطيع السيطرة علي أراضيها.
وفي معرض تفسيرها لرغبة التنظيمات الإسلامية الراديكالية في امتلاك أسلحة الدمار الشامل تري الدراسة أن هناك هدفين رئيسيين يمكن تحقيقهما في هذا الإطار:
1- نشر الرعب وذلك وفقاً لاستراتيجية "الانتشار العمودي".
2- دعم المكانة الرمزية لهذه الجماعات وزيادة نفوذها.
بالنسبة للهدف الأول تشير الدراسة إلي أن هناك رغبة قوية لدي المنظمات الإسلامية الراديكالية في إرهاب ملايين البشر، وتحطيم المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الغربية باعتبارها مؤسسات فاسدة. ولذا فإن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هو امتلاك أسلحة الدمار الشامل. وتركز الدراسة علي فكرة الانتشار العمودي للرعب، والتي تقوم علي الأثر النفسي الكبير الذي قد يخلفه مجرد هجوم نووي صغير، وذلك علي غرار ما حدث في مدينة طوكيو عام 1995 عندما تم الهجوم علي محطة مترو هناك، حيث سري شعور بالرعب بين كثير من المواطنين وذلك علي الرغم من انخفاض الخسائر البشرية والتي لم تتجاوز 12 قتيلاً وألف جريح.
أما بالنسبة للهدف الثاني، فتشير الدراسة إلي أن امتلاك الراديكاليين لأسلحة الدمار الشامل يعني تقليل الفجوة بينهم وبين الغرب، وتقليل فارق القدرات العسكرية مما يزيد من وزن هذه الجماعات في النظام الأمني العالمي.

القاعدة . ومعركة الأفكار
تري الدراسة أن تأسيس تنظيم "القاعدة" كان أول خطوة علي طريق دفع الكثير من المتشددين لامتلاك السلاح النووي، حيث نجح زعماء التنظيم في القيام بعمليات تعبئة إعلامية من أجل دفع المتطرفين للتفكير بحيازة أسلحة الدمار الشامل. وتشير الدراسة إلي الدور القوي الذي يلعبه الإعلام في هذا الصدد، حيث تري أن أشرطة الفيديو التي يتم إرسالها لقناة "الجزيرة" تبدو كما لو كانت رسائل مشفرة من قيادة التنظيم لأتباعه بضرورة السعي لامتلاك التقنية النووية.
وتشير الدراسة إلي أن تنظيم القاعدة يسعي جاهداً لتشجيع الراديكاليين علي امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وذلك في إطار "معركة الأفكار" التي تجيد القاعدة فنونها.

وفي هذا الصدد تؤكد الدراسة علي نجاح تنظيم القاعدة علي توظيف الأداة الإعلامية كوسيلة فاعلة في كسب عقول وقلوب كثير من الشباب المتشدد.
وعلي الرغم من تأكيد الدراسة علي أن تنظيم القاعدة لم يعد تنظيماً هرمياً يبدأ بأمير التنظيم ثم مجلس شوري المجاهدين ثم اللجان المتخصصة (عسكرياً ومالياً ودينيا)، وأنه تحول كي يصبح شبكة عنقودية متناثرة الفروع، فإن ذلك زاد من حرية حركة أعضاء التنظيم خارج أفغانستان، وجعلهم أكثر قدرة علي توجيه رسائل تعبوية لأتباعهم علي حد وصف الدراسة.
من جهة أخري فإن غياب القيادة المركزية للتنظيم قد دفع إلي اعتماد الكثير من المتشددين علي المنظومة الأيديولوجية للقاعدة، بحيث باتت الأفكار المتطرفة والراديكالية تنتشر بشكل سريع جداً.
الأكثر من ذلك أن الدراسة تري أن التنظيمات الراديكالية تتميز بكونها تمتلك أيديولوجيا مغلقة لا مكان فيها للنقاش والحوار وتبادل الرأي، وهو ما يعني أن ثمة تأثير طاغ لقادتها "الأمراء" علي توجيه التعليمات للأتباع الذين يقومون بتنفيذها دون مناقشة وذلك احتراماً للمكانة الدينية لقائد التنظيم أو الأمير. وهو ما يعني أنه لا توجد أية قيود أخلاقية أو أيديولوجية قد تمنع المتشددين من امتلاك أسلحة الدمار الشامل وتجريبها علي عدد كبير من البشر.

كيف يستغل الراديكاليون الدول الفاشلة؟
تصر الدراسة علي أن الأعوام القليلة قد شهدت سعي بعض التنظيمات الإسلامية الراديكالية لامتلاك بعض مكونات أسلحة الدمار الشامل، ولكنه من الصعوبة بمكان تحديد طبيعة هذه المكونات، وقدرة هذه التنظيمات علي استخدامها.
وفي هذا الإطار تستشهد الدراسة بمحاولات تنظيم القاعدة للاتصال ببعض الخبراء في مجال الأسلحة النووية، ولكنه واجه صعوبات في كيفية نقل مكونات هذه الأسلحة وامتلاكها. وربما إحدي نقاط الضعف في هذا الصدد تنبع من عدم قدرة تنظيم القاعدة علي تجريب مثل هذه المكونات والتعرف علي كيفية تركيب أسلحة الدمار الشامل.
وتؤكد الدراسة علي سعي التنظيمات الراديكالية من الاستفادة من الأوضاع المزرية في بعض الدولة الفاشلة والتي لا تتمتع بمؤسسات وأجهزة حكومية قوية. وهنا تفترض الدراسة أن الدول الضعيفة التي لا تستطيع السيطرة علي أقاليمها تمثل مغنماً للتنظيمات الراديكالية من أجل تسهيل الحصول علي أسلحة الدمار الشامل. كما أنها توفر أماكن جيدة للتدريب علي صنع واستخدام هذه الأسلحة. وتضرب الدراسة مثال علي ذلك ممثلاً في منطقة بيشاور علي الحدود الأفغانية الباكستانية، والجنوب اللبناني الذي يسيطر عليه حزب الله، فضلاً عن مناطق آسيا الوسطي، وأجزاء واسعة في إفريقيا.

وتخلص الدراسة في النهاية إلي أن ثمة تهديد جدي يمثله سعي التنظيمات الراديكالية الإسلامية للحصول علي أسلحة الدمار الشامل، وهو ما يتطلب ضرورة العمل علي وقف هذه المساعي سواء من خلال اقتفاء أثر المواد المستخدمة في صناعة هذه الأسلحة، أو من خلال حرب العقول والأفكار، وذلك علي حد وصف الدراسة.

castle 15-09-2007 01:44 AM

مصادر عروبة القدس

فؤاد إبراهيم عباس

هذه الدراسة مجرد محاولة للكشف عن مصادر عروبة القدس من خلال ما قادنا إلى التراث الإسلامي والتراث العالمي. وقد دار ما توصلنا إليه حول سبعة مرتكزات نراها أساسية وهى:
1- عروبة النشأة،
2- الإسلام كمصدر من مصادر عروبة القدس،
3- مصادر من جذور قبائل وعشائر المدينة المقدسة،
4- أماكن وأعلام حملت بصمات عربية،
5- مصادر من الشعر الجاهلي تكشف عن عروبة القدس،
6- مصادر أخرى من الشعر الإسلامي المبكر،
7- السياحة الصوفية كمصدر من مصادر عروبة المدينة المقدسة.

أولاً: عروبة النشأة
بالرغم من المناقشات الحامية التي جرت، وتجرى، حول أقدم موقع لمدينة القدس عرف في التاريخ وهو "بيوس".(1)، يشير كثير من الأبحاث الحديثة إلى أن مكان القدس اليبوسية هو على جبل أوفل (الطور أو الزيتون). (2) وتذهب عالمة الآثار (كينيون) إلى القول بأن (يبوس) واقعة فوق هضبة (الظهرة)، إلى الجنوب من المدنية المسورة الحالية (القدس القديمة) في مكان محصن تحصينا طبيعيا بالأودية المحيطة بها. (3) ويتفق المؤرخون وعلماء الآثار على أن اليبوسيين هم المؤسسون لمدينة "يبوس"، وهو أقدم اسم للمدينة، وأن اليبوسيين هم أول من بنوا أسوار مدينتهم مما عرف بالسور الأول في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وكان مزودا بستين برجا يشرف منها الجند على حماية المدينة، وموقع السور كان قريبا مما يعرف اليوم بباب الخليل وحى الأرمن وحى النبي داود حتى التلال الواقعة شرقي الحرم. (4)
لقد كانت النشأة الأولى للمدينة على أيدي العرب اليبوسيين في مطلع العصر البرونزى الأول وأعطوا الاسم "يبوس" للموقع الذي يشكل ربوة تشرف على وديان عميقة من جميع الجهات إلا شمالها، وساعد هذا الموقع على اتصالها بطرق موصلات قديمة تربطها بمواقع أ/هات المدن مثل موقع الخليل وموقع نابلس وموقع أريحا، كما يربطها بطريق مصر من جهة والطرق الشمالية من جهة أخرى.
ويرى الجغرافي العربي الكبير المرحوم الدكتور جمال حمدان أن موقع القدس هو نقطة التقاء طريق الحركة التاريخي من الشمال إلى الجنوب على طول الهضبة الوسطي بالطريق العرضي المتجه إلى شمال البحر الميت. أما موضعها، فقد بدأت على قمة تل منيع وتلك كانت ميزة هامة في الماضي القديم(5) ويضيف إلى ذلك توضيحًا بأنها مدينة قمة تلhILL Top Town. (6)
ويلاحظ الدكتور جمال حمدان - طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته - أن القدس تقع في إقليم جاف غير منتج ومياهها لا تكفى باستمرار، ولهذا فليس في الجغرافية الطبيعية ما يفسر قدمها (3000 ق.م.) ولا حيويتها النادرة، فقد تخربت في حياتها مرات عديدة كانت تقفز كل مرة من أنقاضها إلى الحياة ثانية في استمرارية تتحدى التاريخ. (7) وهو يرى : "أن هذا لا يتأتى بالطبع إلا إذا كان الموقع يشد إليه الوافدين لقدسية فيه، أى أن القدس منذ نشأتها كانت لها وظيفة دينية وأن مثل هذه المدن تكون من المدن غير اليهودية والمسيحية والإسلام فيها. و(التوراة) شاهد على ذلك؛ ففى الإصحاحات (14-21) من سفر التكوين بالتوراة، ورد أن أبا الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام وصل إلى يبوس "شالم"، وكان "مليكى صادق"، الذي تذكره الكتب القديمة بهذا الاسم ملكا عليها – وكان هذا الملك من اليبوسيين، وهم فرع من الكنعانيين أجداد العرب – وأن "مليكى صادق" رحب بأبى الأنبياء إبراهيم، وقال له كما تذكر التوراة: مبارك أنت يا إبرام من الله العلى مالك السماوات والأرض".

بقراءة هذا النص التوراتي واستخراج ما فيه، يتبين لنا جملة من الحقائق منها:
1- أن صاحب القدس أو "شالم" كان في الأصل من الكنعانيين أجداد العرب وليس من العبرانيين أجداد اليهود.
2- أن المباركة جاءت من المكان "شالم" أو القدس وقدسيته.
3- أن الذي وفد على هذا المكان وأهله من العرب الكنعانيين هو أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام والأنبياء اليهود جاءوا من بعده.
وهنا تثبت عروبة القدس بنص التوراة نفسها.
وفى ترتيب للأحداث نقول: إن اليبوسيين بناة القدس الأولين هم بطن من بطون الكنعانيين الأوائل. وهم عرب نشأوا في قلب شبه الجزيرة العربية، وترعرعوا في أرجائها، ثم نزحوا عنها مع من نزح من القبائل الكنعانية الأخرى في هجرات متتابعة صوب الشمال أشهرها الهجرات التالية:

1- الهجرة الأولى:
كانت حوالى سنة 3000 ق.م. (8) ومع أن عالمة الآثار (كينيون) تركز على أن الشاهد البارز على وجود المدينة هو ما وصلنا من العصر البرونزى الوسيط حوالى 1800 ق.م." وهو لقى من سور المدينة الأول، وعين (روجل)، وبئر مجاورة،(9) إلا أنها تقول: إن هناك بعض الآثار التي عثر عليها، بالإضافة إلى أن بعض المدافن تعود كلها إلى فترة فجر التوطين (Pro-Urban) من العصر البرونزى الباكر.
يأتي سؤال يطرح نفسه يقول: هل ساعد على نمو حضارة مزدهرة في (يبوس) منذ الهجرة اليبوسية الأولى إلى ربوعها، أرضية سابقة لتلك الهجرة قوت دعائم الحضارة اليبوسية؟
ويأتي الجواب مؤثرا على البيئة الصالحة التي مهدت لها العصور الحجرية فيما قبل عصور التاريخ، للهجرة اليبوسية في موقع (يبوس) نفسه، حيث كان الإنسان الأولى النطوفى في العصر الحجري المتوسط، يقيم حضارة بدائية ولكنها قوية الدعائم في وادي النطوف.
لقد عرف هذا الإنسان النطوفى المنجل لأول مرة في تاريخ الإنسان لقطع سيقان النباتات البرية، وحيث كانت هناك نقطة تحول هى ظهور نوعين من القمح لهما سنابل كبيرة ممتلئة بالحبوب، وحيث صنع الإنسان الرحى والمدقات. (10)
وبالإضافة إلى ذلك – وفى العصر الحجري الحديث – حوالي سنة 3300 ق.م. عثر على منحدرات جبل الطور (أوفل Ophel) فخار يعود إلى فترة العصر الحجري الحديث المتأخر، حيث كان موقع القدس على هذا الجبل. (11)
وهكذا فإن اليبوسيين تأتى لهم نشر حضارة في ربوع (يبوس) لأن الأرض التي وطأوها في تلك الربوع كانت قد وصلتها حضارة أولية في العصور الحجرية؛ فالحضارة الكنعانية واليبوسية الكنعانية كانت لها أرضية صالحة ومطواعة لنمو حضارة مزدهرة.
بالإضافة إلى نمو الحضارة الكنعانية والحضارة اليبوسية الكنعانية على هذه الأرضية المهيأة والمطواعة للنمو المزدهر، فقد تم تطعيم الحضارة الكنعانية اليبوسية بحضارة العموريين الذين وفد أغلبهم من شبه الجزيرة العربية، ووفد بعضهم من مراكز لهم سابقة من بادية الشام ومن ما بين النهرين، مع الأخذ في الاعتبار أن الموطن الأصلي للعموريين كان شبه الجزيرة العربية على أية حال. وهذا التطعين مهم جدا لم يعطه المؤرخون العرب كل حقه من البحث الدقيق؛ فقد حمل العموريون إلى أبناء عمومتهم فولكلور العادات والمعتقدات من شمالى سورية وبادية الشام وما بين النهرين: دجلة والفرات، حيث وردت أخبارهم في الأساطير السومرية. ومع هذا لم يكن اليبوسيون والعموريون في وئام، فقد كانت الحرب بينهما سجالا باستمرار إلى الحد الذي كانت فيه الزعامة السياسية في المنطقة (يبوس) يتناوبها الطرفان لفترات زمنية، كما دلت على ذلك نصوص اللغة المصرية الفرعونية، ومن هذه النصوص عرفنا أن (يبوس) كان على رأس مملكتها حاكم عربي إما كنعانى أو عمورى. (12)
وبينما كان الحيثيون في شمالي سورية يتحالفون مع العموريين كان المصريون يتحالفون مع اليبوسيين في العراك المستمر بين الطرفين، ومع ذلك فقد كان للعموريين اتصالات حضارية مع الجميع. كانت أسلحة العموريين متطورة وهى في الغالب سهام وعصى غليظة، وكان الفخار العمورى ذا مزايا متفردة وكانت ملابسهم الحريمية والرجالية مزركشة ومتعددة الألوان. أما اليبوسيون فكانوا يصنعون أجمل أنواع الخزف المعروف في الحضارات القديمة بألوانه المتعددة في الطلاء. كانوا يطلون الأواني باللون الأحمر القرمزي ويصقلونها صقلا ناعما، ثم أصبحوا يطلونها باللون العاجى ويدهنونها باللونين الأحمر والبني، وتنوعت أشكال الأونى من جرار وأباريق وغطاسات وصبابات وطاسات مجأجأة وسرج وأكواب ... إلخ، وصنعوا الفئوس والخناجر والرماح من المعادن، وصنعوا أدوات الزينة مثل الأشكال الحلزونية التي كانت تستعمل لتجعيد الشعر، وصنعوا أقراطا وخواتم وأساور من الفضة والذهب، وصنعوا الخناجر الذهبية المرصعة بالحجارة الكريمة. وكانت المركبات الكنعانية تجرها الخيول، وعرفوا الفريكة، وخبز التنانير، وكانوا يفرشون الطبليات، ويوقدون الفتيلة، ويدهن النساء شعورهن بالزيت، ويلبسن أحذية حمراء، كما أنهم قلدوا المصريين والبابليين في فن النحت. وتبعا لهذا كله ازدهرت التجارة واخترعت الكتابة الأبجدية. (13)

2- موجة الهجرة الثانية:
كانت في العصر البرونزي الوسيط 2300 ق.م.، حيث وجد الأثريون آثارنا العربية اليبوسية تشهد بعروبة (يبوس). وجدوا عين روجل (سميت فيما بعد عين العذراء نسبة إلى العذراء ستنا مريم، أو عين الدرج لوجود درج في أزمنة لاحقة ينزل إليها منه) أسفل شمالي شرق المدينة في وادى (قدرون). (14) كما وجدوا ما يدل على أن اليبوسيين قد جروا مياه عين روجل في قناة حفروها إلى داخل الحصن الذي أقاموه والذي عرف (بحصن يبوس) عبر نفق شقوه في الجبل الصخري. وجدوا كذلك البئر إلى حفروها للوصول إلى نبع الماء، كما عثروا على أجزاء كثيرة من الأسوار والاستحكامات اليبوسية وهى التي تشكل ما يعرف عند الأثريين بسور القدس الأولى أى السور الأول في القدم.
وبالإضافة إلى الآثار وجد العلماء الوثائق المنقوشة تدلل على موجة الانتقال البشرية الثانية، فإن القدس ذكرت باسمها القديم (أورشليم) في (نصوص اللغة المصرية الفرعونية) التي ترجع إلى الأسرة الثانية عشرة – 1991 ق. م. – ومن هذه النصوص ما يؤكد أن القدس كانت عاصمة للملكة، ولى رأس هذه المملكة حاكم عربي إما كنعانى يبوسى أو عمورى له صلة بالفرعون (اخناتون) – أمنحوتب الرابع – وقبله والده – أمنحوتب الثالث – وهذه النقوش عثر عليها سنة 1787 م وبلغ عددها 300 لوحة. (15)
وتأتى الأدلة اللغوية مؤشرا على عروبة القدس بالإضافة إلى ما ذكرنا من لقى الآثار والوثائق المنقوشة، فإن الاسم (أورشليم) ليس عبريا وليس مشتقا من اسم عبري، وأصل التسمية كنعانية، فإن كلمة (أورسالم) تعنى المعبد المقدس للإله سالم اليبوسى.

3- موجة الهجرة الثالثة:
بعد الهجرة الثانية بألف سنة تقريبا أي في القرن الحادي عشر قبل الميلاد كانت موجة الانتقال البشرى الثالثة إلى يبوس أى قبل هجرة العبرانيين إلى فلسطين أيضا. وقوام الهجرة قبائل من المدنيين والعمالقة وقبائل أخرى. (16)
ومن موجات الانتقال البشرى المتأخرة من شبه الجزيرة العربية كانت موجة الفتوحات الإسلامية لبر الشام سنة 637 ميلادية، ولما فتح الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب مدينة القدس سلميا كان أهلها ينطقون باللغة العربية أى أن عروبة المدينة كانت قائمة راسخة قبل الدخول العمري بأمد طويل.
ومنذ العهد العمرى الذي أبرمه الخليفة عمر مع صفرونيوس الزعيم الديني والسياسي في المدينة، ظل التسامح الإسلامي متجذرا مؤصلا عبر قرون من الزمن ومهيمنا على أصحاب الديانات السماوية الثلاث في المدية المقدسة: الإسلام، والمسيحية، واليهودية، ولم يعكر صفوه إلا موجات من التعصب زمن الحروب الصليبية وزمن الهجمة الصهيونية لاستعمار فلسطين استعمارا عنصريا استيطانيا.
وقد عمدت الصهيونية إلى إلصاق صفة التخريب بالعموريين واليبوسيين أينما حلوا، ورمتهم بأشنع الشتائم، دون النظر علميا إلى طبيعة مراحل البداوة في أى مكان في العالم، وتحليلها تحليلا علميا، وهى ثلاث مراحل: مرحلة البدو الرحل، ومرحلة البدو شبه الرحل، ومرحلة الاستقرار بعد الترحال، حيث تزدهر الحضارة. وقد عاش العبرانيون الحياة البدوية في فترات زمنية أطول، وظل ما يسمى بالهيكل في خيمة بدوية لفترات طويلة، واحتوى كل فولكلور (العهد القديم) على جذور كنعانية. وفى الوقت الذي كانت فه البداوة تهيمن وتسيطر على العبرانيين، مارس الكنعانيون والعموريون في سورية وما بين النهرين وفلسطين خاصة في القدس والفينيقيون في لبنان (وهم من جذور كنعانية) نقول مارسوا حياة أكثر تطور بكثير في سلم الحضارة مما مارس العبرانيون.
وقد جندت الصهيونية أقلاما لمؤرخين وعلماء آثار ولاهوتيين أمريكيين في الغالب، وعددهم كبير، للنيل من الحضارة الكنعانية والإشادة بما تسميه الصهيونية بالحضارة العبرانية، ومع ذلك بقيت أقلام شريفة ولكنها قليلة، لمؤرخين وعلماء ومفسرين للتوراة، ناصروا الإنسانية والإنسان، وأنصفوا سكان فلسطين الأصليين.
المؤرخ (وايتلام) (17)هاجم (فوكسول) الذي قال: " الضرورة تقضى بأن يزول شعب من نمط مختلف (يقصد اليبوسيين) أمام شعب يتمتع بإمكانات متفوقة (يقصد العبرانيين)". فقد قال (وايتلام): "إن هذه عنصرية مفضوحة" مشيرا بذلك إلى إساءة فهم متن التوراة، وإساءة فهم الحضارة العبرانية القديمة التي كانت تذوب في نسيج الحضارة الكنعانية.
ومن الأهداف الصهيونية من وراء تجنيد اللوبي الصهيوني في أمريكا بعقول أمريكية إشاعة ربط إسرائيل القديمة بإسرائيل الحديثة في الأوساط الأكاديمية. ولكن البروفسور (د. توماس ثومبسون) أستاذ علم الآثار والعلوم الدينية في جامعة كوبنهاجن، دحض هذا الاتجاه بقوة، فهو يرى عدم النظر إلى الكيانات السياسية القديمة الكبيرة للمصريين والآشوريين والفرس واليونانيين على أنها عرقيات وأن الصدام بينها عرقى، ويتبع ذلك بالطبع تاريخ فلسطين القديم، لأن مفهوم العرقية بالمعنى الذي تعطيه كلمة (ethnos) يشوه الماضي. وبهذا نسف الدكتور (ثومبسون) الزعم الذي روج له اللوبي الصهيوني في أمريكا بربط إسرائيل القديمة بإسرائيل الجديدة. (18) فإسرائيل القديمة في حقيقة الأمر مفقودة ولم يعد لها وجود. ومن هذا المنطق عالج الدكتور (ثومبسون) قضية أخرى ربطها بالقضية الأولى آنفة الذكر، وهى أنه إذا استند على أى نص سردى في التوراة، فهو ليس تاريخيا في مرماه.
والجدير بالذكر أن هذا الأستاذ الأمريكي المؤرخ عمل أولا في منصب أستاذ علم الآثار في جامعة (ميلووكى) في الولايات المتحدة الأمريكية فأثار اللوبي اليهودي عليه في أمريكا، ونتيجة لضغوط اللوبي اليهودي على الجماعة فصل منها، فاتجه إلى الدنمارك، ليعمل في جامعة كوبنهاجن.
إن القضية التي تبناها أمثال هؤلاء العلماء هي الدفاع عن الوجود الحقيقي لسكان القدس الأصليين، وإن العدل الإنساني يجب أن يسخر تماما للإبقاء على هذا الوجود الشرعي وإعطائه حقه على الأرض. ونشأة القدس تقييم الدليل على أن عروبة القدس أعطت ملامحها بقوة وصدق، للأغلبية الساحقة من السكان المقدسيين مسلمين ومسيحيين على السواء. ولقد شد الإسلام من أزر هاتين القوتين في المواقف الصعبة الحالكة في التاريخ بوصفه مصدرا من مصادر عروبة القدس.

ثانيا: الإسلام مصدر من مصادر عروبة القدس
كانت فلسطين عند تباشير فجر الإسلام وقبل ذلك في الجاهلية طريق أهل الحجاز وما جاورها في شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأبيض المتوسط؛ فعلاقة العرب بسكان بر الشام نابعة من معرفتهم الطريق وهى أرض فلسطين نفسها. وسكان بر الشام ومنهم الكنعانيون وفرعهم اليبوسيون بالإضافة إلى الأدوميين والمؤابيين والأنباط إنما هم عرب خلص. أى أن علاقات العرب في قلب شبه الجزيرة العربية مع هؤلاء جميعا كانت تغذيها وتقويها الطريق إلى فلسطين نفسها. وكان للجولات التاريخية ما يهيئ ويفسر هذه الحقيقة، ومن ذلك جولات هاشم بن عبد مناف ـ أحد أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ التي انتهت إلى غزة حيث مات ودفن فيها، وجولات سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث وقع في الأسر في (غزة هاشم)، والجولات المتوجة لهذه الجولات لخاتم النبيين والمرسلين محمد الأمين لبر الشام أيضا.
ولم تكن التجارة ومحاولة الكسب الدافع الوحيد للعرب للتوجه شمالا في رحلة الصيف وإن كانت هى الدافع الرئيسي في تلك الرحلة التقليدية التي اعتادوا عليها وألفوها؛ ففلسطين ومركزها (بيت المقدس) أو (إيلياء) أو (أورى شلم) بأسمائها التي راوحوا بين النطق بها واستخدامها، كانت الصرة في منطقة أرض الرحلة كلها وكانت مواصفات المدينة قد أوصلتها إلى موضع القداسة والتقديس، ذلك لأن استمرارية الحياة فيها وبقاءها من المدن غير البائدة بالرغم من جفاف غير منتج فيها، وشح في المياه على أرضها، يدفع إلى اعتبارها – كما يرى د. جمال حمدان (19) رحمه الله – من المدن ذات الوظيفة الدينية.
وهكذا فإن بيت المقدس أمدت فلسطين كلها بالقداسة. وفلسطين بشكل عام حققت بالنسبة للمسيحيين والمسلمين صفات القداسة الإسلامية كلها فيما بعد عند إشراق نور الإسلام؛ ففيها العناصر الدينية والتاريخية والفولكلور والروايات بما في ذلك العادات والمعتقدات الشعبية.
وكان نصيب الوافدين النابهين من قلب الجزيرة العربية إلى بر الشام كبيرا ومفيدا من الاتصال بالكهان والرهبان، وحاملي أخبار التاريخ في صدورهم وعقولهم، ورواة الأساطير، فقد عرفوا منهم أن يوم القيامة يكون في القدس، وأن المسيح عليه السلام بشر بمحمد عليه السلام، وأن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام اقترن اسمه بالملة الحنيفية وهى الملة القائمة على الجادة بلا انحراف ولا زيغ وهى العريقة في التوحيد والإخلاص. (20)
وقد عرف من عرب الجاهلية من دانوا بملة إبراهيم عليه السلام وهى خلاف اليهودية والنصرانية، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وهو القائل:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت = له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها، فلما استوت شدها = سواء وأرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت = له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سبقت إلى بلدة = أطاعت فصبت عليها سجالا

كان يترنم بهذه الأبيات ثم يستقبل البيت ويقول: "لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، البر أرجو لا الخال (الخيلاء)، وهل مهجر (السائر في الهاجرة، أى: الحر) كما قال (المقيم في القائلة)، ثم ينشد:
عذت بما عاذ به إبراهيم = مستقبل الكعبة وهو قائم
أنفى لك عان راغم = مهما تجشمنى فإنى جاشم
أربا واحدا أم ألف رب = أدين إذا تقسمت الأمور

وهو لم يستقر على ملة الحنيفية السمحاء، ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام، إلا بعد أن التقى ببر الشام بعلماء الأديان وبعد أن حاورهم وحاوروه، إلى أن هداه الله إلى الملة السمحاء من خلال ذلك الحوار الطويل مع العلماء. ومما يدلل على اقتراب الحنيفية من روح الإسلام أن زيد بن عمرو بن نفيل عندما سمع برسالة الإسلام التي نزلت على سيد الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم قرر الرجوع إلى الحجاز لينهل من نبع الإسلام لولا أنه فقد حياته في الطريق على أرض البلقاء من الشام حيث قتل على يد واحد من أهل (ميفعة) بالبلقاء. (21)
ورجوع زيد بن عمرو بن نفيل إلى الحجاز عن إشراق نور الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى دلالته على اقتراب الحنيفية من روح الإسلام يدحض ويفند القول بأن الحنيفية هي الموسوية لأن الحنيفية أساس روحي قبل الموسوية. وقد نقل صاحب (إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى) عن صاحب (مثير الغرام) أن الله أنزل على سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام عشر صحائف. (22)
لقد كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام مثلا على الارتباط الوثيق بين قلب شبه الجزيرة العربية وأطرافها ومنها بيت المقدس والخليل وبئر السبع؛ فالحنيفية تركت علامات مضيئة بين الأقصى والكعبة، وبين (نبع زمزم) و (عين روجل).
وفى الإسلام عبر القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عن استمرارية الارتباط الوثيق بين قلب شبه الجزيرة العربية وأطرافها، ومنها بيت المقدس. إن الذي يعزز عروبة القدس ليس هو مجرد ذكر أن الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى محمد - صلى الله عليه وسلم- ولكنه الربط المحكم القوى بين قداسة هذه المساجد الثلاثة.
في آية الإسراء تأكيد للرابطة الأبدية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وفى رحاب المساجد الثلاثة تأكيد روحي لعرى لا انفصام لها تجمع بين الأديان السماوية.
وفى صفة التقديس للأقصى المبارك يقول تعالى ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ (المائدة: 21) – والمراد (بالأرض) هنا بيت المقدس والقول لها إنما هو في التقديس.
ويقول القرطبى في تفسير ﴿الذي باركنا حوله﴾ قيل: بالثمار وبمجارى الأنهار، وقيل بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين. ولهذا جعله مقدسا. (23)
ومن السنة قول على رضي الله عنه لصعصعة نعم المسكن عند ظهور الفتن بيت المقدس "القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله، وليأتين زمان يقول أحدهم: ليتني تبنة في لبنة في بيت المقدس، وأحب الشام إلى الله بيت المقدس، وأحب جبالها إليه الصخرة".
ومن السنة أيضا أن يرغب الكثيرون من المسلمين في أن يبدأوا شعائر الحج إلى مكة بالإحرام في القدس وقد لبس ابن عمر مئزر الإحرام في القدس قبل توجهه إلى مكة للحج.
ومن رواية أبى سعيد الخدرى، قال صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى بيت المقدس، ولا صيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر، ولا صلاة في ساعتين: بعد صلاة الغداءة إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ولا تسافر امرأة يومين إلا مع زوج أو ذوى رحم محرم. (24)

وروى الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده من حديث أمامة، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لعودهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله: وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
أما تحديد الأرض المقدسة التي وردت في الآية 21 من سورة المائدة فقد قال في ذلك الشيخ محمد عبده: "المقدسة المطهرة من الوثنية لما بعث الله فيها من الأنبياء دعاة التوحيد. وفسر مجاهد المقدسة بالمباركة، ويصدق بالبركة الحسية والمعنوية. وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل: إن الأرض المقدسة ما بين العريش إلى الفرات. وروى عبد الرازق وعبد ابن حميد عن قتادة أنها الشام، والمعنى واحد كما يقول الإمام؛ فالمراد بالقولين القطر السوري في عرفنا، وهذا يدل على أن هذا التحديد لسورية قديم، وحسبنا أنه من عرف سلفنا الصالح، وقالوا إنه هو مراد الله تعالى، ولا أحق ولا أعدل من قسمة الله تعالى وتحديده، وفى اصطلاح بعض المتأخرين أن سورية هى القسم الشمالي الشرقي من القطر والباقى يسمونه فلسطين، أو بلاد المقدس، والمشهور عند الناس فيها (الأرض المقدسة) وينقل الإمام قول (الدكتور بوست) في (قاموس الكتاب المقدس): إن الأصل في فلسطين أرض كنعان، وكانت معروفة أيضا بالأرض المقدسة. (25)
وبلغ من تقديس المسلمين لبيت المقدس أن جعلوا اسم بيت المقدس مرادفا للمسجد الأقصى من قبيل تسمية الجزء باسم الكل. (26) واستشهد د. إسحاق موسى الحسيني بنصوص من التراث الإسلامي تدلل على ذلك ومنها: جاء في تاريخ الطبري: "ثم قام عمر من مصلاه إلى كناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس زمن بنى إسرائيل".(27)

يتبع >

castle 15-09-2007 01:54 AM

وفى مسند ابن حنبل حديث مرفوع: "عليك ببيت المقدس فلعله إن ينشأ لك ذرية يفدون إلى ذلك المسجد ويروحون".(28)
وإذا كان الإسلام سندا لعروبة القدس فمرد ذلك أنه دين وحضارة. ويظل تراث الإسلام فيه أساسيات وإضافات إلى الحضارة العالمية في كل زمان ومكان، وهذه الأساسيات والإضافات هى في فن العمارة، والفنون الزخرفية والتصوير، والأدب، وعلم الكلام، والتصوف، والقانون، والدولة، والفكر السياسي، والعلوم الطبيعية، والطب، والرياضيات والفلك، والبصريات، والموسيقى. (29) وهذا ظهرت آثاره الملموسة في أمهات المدن في العالم الإسلامي ومنها القدس، ولقد ظلت الصخرة المشرفة في القدس لها تميز وتفرد في هندسة العمارة عالميا حتى الآن . وكان المسجد الأقصى مركز علم في القرون الوسطي في العالم الإسلامي ولا غرابة في ذلك للأسباب التالية:
1- لصفة القداسة فيه. قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾.(30)
2- لأنه من المساجد التي تشد إليها الرحال، ويشمل ذلك بالطبع رحال العلماء والطلبة.
3- لازدهار المدينة بعد إنقاذها من الصليبيين منذ العهد الأيوبى خاصة زمن المماليك.
4- كان في القدس أوقاف كثيرة تدر على العلماء والطلبة أرزاقا.
5- كثرة عدد المدارس والزوايا التي خصص أكثرها لتعليم الصغار والكبار.
6- أورد ابن القدس مجر الدين العليمى الحنبلى معلومات عن أكثر من أربعمائة من أعلام القدس حتى القرن العاشر الهجرى ما بين عالم وقاض وقطب وفقيه ممن عرفوا في القدس في هذه الحقبة. (31)
7- وكانت المواد الدراسية منحصرة في العلوم الشرعية (التفسير والحديث والفرائض والقراءات وأصول الفقه) (32) ، والعلوم اللغوية مثل البيان والأدب والصرف والنحو. (33)
وكانت المدارس تنتشر داخل المسجد وخارجه في جميع أرجاء المدينة، وكانت كل مدرسة تلتزم بتدريس الدين حسب مذهب واحد شافعي أو حنفي أو مالكي أو حنبلي فلا تجمع بينها. وكان الشيوخ أو المعلمون لهم احترامهم الكبير في مجتمع المدينة إلى الحد الذي كان يعين كثير منهم بموجب أمر سلطاني. وإذا أتقن الطالب علما أجازه الشيخ. (34)
ونحن سنجد مصدرا آخر لعروبة القدس يسير جنبا إلى جنب مع مصدر النشأة ومصدر الإسلام وهو جذور قبائل وعشائر القدس.

ثالثا: مصادر من جذور قبائل وعشائر القدس
تخضع فلسطين إلى كل معايير الحياة القبلية العربية بجذورها المتأصلة على أرضها المقدسة بوصفها من قواعد العرب البائدة والعاربة والمستعربة؛ فقد كان فيها من العرب البائدة عماليق الكنعانيين. (35)
وفيها من العرب العاربة(36) بطون من (طئ وكهلان) في مناطق القدس ويافا والخليل وغيرها، كما أن فيها من البطون اليمنية أيضا عرب ابن عبيد في القدس وفيما بين القدس والبحر الميت وفى بقاع أخرى. (37)
وفيها من العرب المستعربة(38) – عرب الشمال أو العدنانيون – عرب الترابيين في النقب، وبين الخليل والنقب وفى النقب، وعرب السعيديين في شمالي وادى عربة وفى بقاع أخرى. (39)
هذه القبائل التي ذكرنا بتفريعاتها أقامت أغلب القرى والخرب والنواحى بفلسطين، وهى قد مرت بمراحل البداوة الثلاث: بدأت عربا رحلا، فعربا شبه رحل، فعربا متوطنة توطينا كليا. ومن هنا فإنها حملت معها أسماء المواقع من القرى والخرب والنواحى التي أثرت فيها أو تأثرت بها في حلها وترحالها من مكان إلى مكان داخل فلسطين، ومن ذلك منطقة القدس وديارها، وهذا يفسر تكرار أسماء الأماكن في أنحاء كثيرة من البلاد، تحملها معها هذه القبائل. وعلى سبيل الأمثلة لا الحصر نجد على خريطة فلسطين (ساريس) (40) قرية للغرب من القدس و (سيريس) قرية من قرى (جنين)، ونجد الجورة قرية من الجنوب الغربى من القدس
و(الجورة) إلى الغرب من (مجدل عسقلان) في جنوبى فلسطين. ونجد (عطارة) إلى الشمال من القدس، وعطارة قرية من أعمال (جنين) وهكذا.
فإذا انتقلنا من إطار الداخل في فلسطين إلى إطار العمق الواسع في شبه الجزيرة العربية، وتأملنا الخريطة الجغرافية الواسعة نجد مثلا (بتير) قرية للجنوب الغربى من القدس و(بتير) من أعمال المتن في لبنان. و (بتير) من قرى الكرك في الأردن. ونجد (الولجة) قرية في الجنوب الغربى من القدس و (الولجة) بأرض العراق. ونجد (عقور) قرية في الجهة الغربية من القدس، و (العقير) على ساحل الخليج العربى وهكذا...
وهكذا فإننا في دائرة أوسع من دائرة فلسطين في أقاليم شبه الجزيرة العربية كلها، وربما العالم العربى كله، سنجد أننا مدفوعون إلى الحرص كل الحرص على فهم السياق عند مرورنا بأسماء الأماكن في كتب التراث، بما في ذلك دوواين الشعر، لتحديد الموقع الحقيقى للمكان الوارد في نص من النصوص.
وعلى سبيل المثال، فإننا عند دراستنا لكتاب (الأصمعيات) – اختيار الأصمعى أبى سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك – وهو من دواوين الشعر الجاهلى، نعثر على قول الشاعر خفاف بن ندبة:
طرقت أسيماء الرحال ودوننا = من فيد غيقة ساعد فكثيب
فالطود فالملكات أصبح دونها = ففراع قدس فعمقها محسوب

نجد أن السياق في الكلمات: فيد، وغيقة، وساعد، كثيب، والطود، والملكات، وقدس، وعمق، يدلل على أنها جميعا أسماء أماكن في بيئة الشاعر وأن (قدس) هنا ليست صاحبة الأقصى بفلسطين. (41)
وفى كتاب (المفضليات) للمفضل بن محمد بن يعلى الضبى، وهو من دواوين الشعر الجاهلى، يقول الشاعر عبد الله بن سلمة الغامدى في صدر قصيدة له:
لمن الديار بتولع فيبوس = فبياض ريطة غير ذات أنيس

وهنا نجد السياق، كما نجد معلوماتنا عن الشاعر وأرضه وقومه، تدلل كلها، على أن (تولع) و (يبوس) و (بياض ريطة)، إنما هى مواضع بأرض (شنوءة)، وذلك بعيدا عن التوهم بأن (بيوس) هنا هى الاسم القديم لإيلياء (بيت المقدس). (42)
ونحن هنا تأكيدا لعروبة القدس نضع ثبتا بجدول عن قبائل وشعائر القدس وعائلاتها التي تقترب من أن تكون بطونا، وذلك تثبتا لامتدادات الجذور العربية في هذه القبائل والعشائر والبطون.
جدول امتدادات الجذور العربية في قبائل وعشائر القدس
القبيلة أو العشيرة أو العائلة وتواجدها الأصول العربية المرجع أو المصدر
قبائل قضاعة وغفار وجذام ومراد والأزد في بر الشام أسهمت في فتوحات 637م للشام وانتشرت في ربوعها د. إبراهيم الشريقى، أورشليم وأرض كنعان، عمان
الضجاعمة، في منقطة الغور وبعض مرتفعات القدس أحد فروع قضاعة الحميرية مصطفى الدباغ، القبائل العربية وسلائلها في بلادنا فلسطين، 1986.
بنو زيد وبنو جعفر بن أبى طالب بمنطقة رام الله، وبنو زيد في حارة بنى زيد في القدس القديمة. الهاشميون المرجع السابق.
بنو فيض في القدس بنو صخر المرجع السابق
جذام في جبال القدس والخليل كهلان المرجع السابق.
البراغشة بجبل القدس وناحية بنى زيد المرجع السابق
آل أبى غوش بجبل القدس أحمد سامح الخالدى، أهل العلم والحكم في ريف فلسطين، عمان، 1968، ص 178.
عرب العرينات بمنطقة الأغوار من بطون عرينة من بجيلة بن كهلان بى قحطان. خريطة قرية أراضى العوجا، عمان، 1946
عرب ابن عبيد حول دير مارسابا إلى الجنوب الشرقى من القدس وإلى الشرق من بيت لحم وحتى البحر من القبائل القحطانية خليل طوطح وحبيب خورى، جغرافية فلسطين، القدس، 1933، ص 117.
آل عريقات بقرية (أبو ديس) من قرى القدس من اليمنية مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج8، ق2، ص 148، مرجع سابق.
عرب الرشايدة إلى الجنوب الشرقى من بيت لحم قبيلة شمر النجدية عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب، محمد الجاسر، معجم قبائل المملكة العربية السعودية.
عرب السواحرة من الجبهة الجنوبية الشرقية لمدينة القدس وحتى ضفاف البحر الميت. أغلبهم من بنى عقبة الجذاميين. الدباغ، بلادنا فلسطين، ج8، ق2، ص 501، مرجع سابق.
عرب السمنة من البريدات والجدعان قرب قرية الكرامة من بنى أسد خريطة فلسطين، الأمم المتحدة، سنة 1946.
قبائل نجدية وحجازية بقرية سلوان من قرى القدس الدباغ، بلادنا فلسطين، ج 8، ق2، ص 155، مرجع سابق.
بنو مرة بقرية بدو من قرى القدس الدباغ، بلادنا فلسطين، ج8، ق2، مرجع سابق.
التعامرة في القدس وضواحى بيت لحم أحمد سامح الخالدى، مرجع سابق، ص 99.
العبايدة بقرية بيت محسير من قرى القدس عثمان محمود صالح، بيت محسير، عمان، الأردن، 1989، ص 57-58.
بنو جماعة في القدس مجير الدين الحنبلى، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، مكتبة المحتسب، عمان، 1973، ج2، ص ص 139، 151، 190.
بنوالديرى في القدس المصدر نفسه، ج2، ص 222، 224.
بنو زيد في القدس المصدر نفسه، ج2، ص 324.
بنو الشرف في القدس المصدر نفسه، ج2، ص 52.
بنو غانم في القدس المصدر نفسه، ج2، ص ص 30، 54، 187، 204، 267.
عرب جرم – القدس. المصدر نفسه، ج2، ص ص 346، 347، 370، 375.
بنو أبى الوفا – القدس. وتنتسب إليهم الزاوية الوفائية بالقدس القديمة المصدر نفسه، ج2، ص 37.
الخالدى بالقدس. بنو مخزوم مصطفى الدباغ، القبائل العربية وسلائلها، مرجع سابق، ص 223.
نسيبة بالقدس بنو مازن بن النجار من الخزرج المرجع نفسه، ص 161
الحسينى بالقدس جدهم تقى الدين أبو الوفا الحسينى الولود 799هـ. الأنس الجليل، مرجع سابق، ج2، ص ص 185، 186.
أبو السعود بالقدس في الخانقاه الفخرية المجاورة لحارة المغاربة عبد الوهاب الكيالى، تاريخ فلسطين الحديث، ص 107.
تفاحة بالقدس ونابلس حينيون هاشميون إحسان النمر، تاريخ جبل نابلس والبلقاء، دمشق، 1938، ج2، ص 24.

رابعا: أماكن وأعلام حملت بصمات عربية
وقد حملت القدس بأماكنها وأعلامها بصمات عربية وهذا ما يلاحظه كل زائر للقدس ومعالمها المقدسة.
وهناك مئات من أسماء الأماكن والأعلام العربية في القدس، فمن الأماكن التي تحمل أسماء عربية نذكر عل سبيل الأمثلة لا الحصر: المسجد الأقصى الذي باركه الله، ومسجد عمر، وقبة المعراج بالأقصى،(43) ومحراب للنبي صلى الله عليه وسلم بالأقصى أيضا،(44) وحائط البراق (45) ومحل البراق(46) وهى معالم مرتبطة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم نبي الله إدريس عليه السلام (47) وهو في الجبهة الشرقية من الصخرة المشرفة وليس عليه قبة ولا شيء من ذلك.
كذلك نحن نمر على جامع بنى حسن(48) وحارة بنى زيد(49)، وحارة بنى مرة(50) ومئذنة الغوانمة(51) وباب الغوانمة(52) ومسجد عمر وغيرها.
ومن الأعمال التي تحمل بصمات العروبة في القدس نذكر على سبيل الأمثلة لا الحصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين توفوا بالقدس ومنهم عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبو أبى بن أم خزام، وذو الأصابع، وأبو محمد النجارى، ووائل بن الأسقع، وغيرهم. (53)
ومنهم محمود بن ربيع أبو نعيم(54) الذي نزل ببيت المقدس وصفية بنت حينى قدمت بيت المقدس وصلت فيه(55) وصعدت (طور ريتا) وصلت فيه، ويعلى بن شداد بن أوس، وهو في الطبقة الثانية من التابعين حضر فتح بيت المقدس على يد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه،(56) وأبو نعيم أول من أذن ببيت المقدس،(57) وأبو الزبير المؤذن. (58)
ومنهم من رواة الحديث خالد بن معوان الكلاعى(59) وكان يسبح في النهار أربعين ألف تسبيحة وهو في القدس، وعبد الرحمن بن تميم الأشعرى(60) وقد روى الحديث عنه ممطور ومكحول، ورجاء بن حيوة(61)، وزيادة بن أبى سودة،(62) ووكيع بن الجراح،(63) وغبراهيم بن يوسف الغربانى،(64) وعباد بن عباد، (65) وكلهم نزلوا في القدس.
ونزل القدس من الخلفاء : عبد الملك بن مروان،(66) وعمر بن عبد العزيز،(67) وسليمان بن عبد الملك،(68) والوليد بن عبد الملك،(69) والمهدى بن المنصور،(70) وأبو جعفر المنصور. (70) ومن القادة المسلك الناصر صلاح الدين الأيوبي(71) وغيرهم.
ومن الذين مارسوا السياحة الصوفية في القدس من المتصوفين والزهاد نذكر أم الدرداء كانت تأتى من دمشق إلى بيت المقدس وتجالس المساكين وتقيم ببيت المقدس نصف سنة،(72) وعبد الله بن محريز، وهانى بن كلثوم، وقبيصة بنت ذويب(73) كانوا يأتون من الرملة إلى القدس للصلاة في الأقصى. ومحمد بن واسع وهو ثقة زاهد من أهل البصرة من الأزد أقام فترة في بيت المقدس،(74) وكانت الطرق تجمعه مع مالك بن دينار، وعبد الواحد بن يزيد، ويسيرون إلى بيت المقدس ويتفقون على الجهاد في أى مكان يمارس فيه الجهاد كفرض على المسلمين، ورابعة بنت إسماعيل العدوية،(75) وأبو عبد الله محمد بن محمد خفيف،(76) وأبو الحسن على بن محمد الجلا البغدادى،(77) والمغلس السفطى،(78) وذو النون المصرى (أبو الفيض)، (79) وعبد الله بن عامر العامرى. (80)
ومن الذين ارتحلوا أو أقاموا في القدس من كبار الأئمة أبو حامد محمد الغزالي حجة الإسلام الطوسى. (81) وقدم إلى القدس الإمام محمد بن إدريس الشافعي وصلى في مسجدها. (82) والإمام العالم الزاهد الورع سفيان الثوري(83) كان يأتى الأقصى فيصلى بموضع الجماعة، والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى،(84) قدم بيت المقدس ومات بمصر، وغيرهم.
وعلينا هنا أن نعزز القول بأن الذاكرتين العربية والإسلامية تدركان معا أن الصفة العربية ليست قاصرة على القدس الشرقية، ولكنها تمتد إلى القدس الغربية أيضا كما تمتد إلى سائر الديار المقدسية. وصفة القدسية كما هو حول المسجد ليست قاصرة على الشرق دون الغرب ودون سائر الجهات من القدس الشريف، وأن هناك أحياء عربية في القدس الغربية تعيها ولن تنساها الذاكرة العربية والذاكرة الإسلامية مثل: المصرارة، والقطمون، والطالبية، ولاشيخ بدر، ومأمن الله (ماميلا)، والبقعة الفوقا، والبقعا التحتا، والنبى داود، وشنلر، والطودى، وغيرها. وهذه الأحياء العربية كلها – وهى نواة القدس الغربية – إنما هى أحياء عربية صميمة، وأكثر من تسعين في المائة من العقار فيها جميعا كان مسجلا باسم مالكيه المقدسيين العرب في دائرة تسجيل الأراضى، كما تشهد بذلك وثائق الانتداب البريطانى على فلسطين سنة 1948، ولا تلغى عروبتها وشريعتها قرارات إسرائيل المجحفة بمصادرتها.
إننا نقف أمام كتب تراثنا العربي والإسلامي ذات العهد القريب لنقرأ مثل هذه العناوين: معارك القطمون والمصرارة، معارك باب الواد، معارك الشيخ جراح والشيخ بدر، وتفشل مع قراءتنا كل محاولات إسرائيل طمسها من ذاكرتنا وذاكرة أولادنا وذاكرة أحفادنا وكل الأجيال التالية.
ونقف أمام كتب تراثنا العربي والإسلامي ذات العهد البعيد فنقرأ شعرا من العصر الجاهلي ومن الشعر الإسلامي المبكر ومن شعر ونثر السياحة الصوفية حول القدس تخلد اسم يبوس ومثله اسم أورسالم واسم بيت المقدس وتبقى الأسماء خالدة على الدوام. وهنا ومن أجل ذاكرة الإنسان العربي تطرح نماذج من المصادر عروبة القدس بنفسها وتختار منها ثلاثة عناوين:
- مصادر من الشعر الجاهلى.
- مصادر من الشعر الإسلامى المبكر.
- السياحة الصوفية من مصادر عروبة القدس.

خامسا: مصادر من الشعر الجاهلي
لقد ذكر عرب الجاهلية في شبه جزيرة العرب مدينة القدسم باسم (بيت المقدس) أحيانا، وباسم (إيلياء)، أو اسم (أورى شلم) أحيانا أخرى.
نقول: ولفظوا (أورى شلم) بفتح الشين وكسر اللام، وفصل (أورى) عن (شلم)، كما ورد في قول الشاعر الأعشى:
وقد طفت للمال آفاقه = عمان، فحمص فأورى شلم

وهذا يستتبع الجزم بأنهم التصقوا بأصل التسمية العربي الكنعانى للمدية العربية(أور سالم) ومعناها: (معبد الإله سالم اليبوسى).
أما استخدام التسمية (بيت المقدس) فقد أشار إليه امرؤ القيس الشاعر الجاهلى في قوله:
فأدركته يأخذن بالساق والنسا = كما شبرق الولدان ثوب المقدس
كأنى ورحلى فوق أحقب قارح = بشربة أوطاف بعرنان موجس

(الأحقب: حمار الوحش، قارح: مسن، شربة: موضع، عرنان: مكان، موجس : تنتابه الأفكار السوداء).
ومعنى البت: أدركت حمار الوشح، و "النسا: عرق في الساق – شبرق: مزق – الولدان: الغلمان – ثوب المقدس: ثوب الراهب الذي يأتى إلى بيت المقدس وهنا الإشارة إلى المدينة".
يقول ما معناه : كأني ورحلي فوق حمار وحشي مسن، أو فوق ثور موجس خيفة.
ثم في الأبيات التالية يستطرد الشاعر في وصف الحمار الوحشي: فهو – أي الحمار الوحشي – يثير التراب ويذروه، وهو ينام كالأمير الموثق بالقيود، وراحة بعره كرائحة بيت الرجل الذي أعرس بأهله، وهو خفيف الحركة كل الخفة يدبر هاربا من الكلاب. (80)
ويؤيد استخدام عرب الجاهلية للتسمية (بيت المقدس) ورودها في بعض الأحاديث النبوية الشريفة في الصحيحين، كحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (البقرة-144) فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود، ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل الله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، فصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم رجل، ثم خرج بعد أن صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر، يصلون نحو بيت المقدس، فقال لهم: أشهد أني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأني توجهت نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة. (81)

كما يؤيد استخدام عرب الجاهلية للتسمية (بيت المقدس) ورود كثير من أخبار الفتوح – وأغلب روائها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – تذكر الاسم (بيت المقدس)، كقول على بن أبى طالب رضى الله عنه "مر صاحبك أن يسير إلى بيت المقدس".(82) وليس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدى العهد بالجاهلية فهم مخضرمون.
عرف عرب الجاهلية مدينة (بيت المقدس) من خلال طوافهم ببر الشام في رحلات الصيف التجارية، وعرفوا من أسمائها (إيلياء) وهو الاسم الرومانى الذي كان يطلق على المدينة المقدسة قبل البعثة المحمدية الشريفة، والمعروف أن الإمبراطور الروماني (إيليوس أدريان) كان قد أتم ما بدأه (تيتوس)، وهدم كل ما بقى من المدينة، ولم يترك فيها يهوديا واحدا، وأقام في مكان الهيكل اليهودى معبدا (لجوبيتر) كبير آلة الرومان، حسب تصورهم، ووضع فيه تمثالا لهذا الإله كالتماثل في معبد (الكابتول)، فسماها 0إيليا كابتولينا). (83)
وظل الاسم (إيليا) يغلب في التسمية حتى في صدر الإسلام، يدل على ذلك ما ذكره (الجواليقى) في كتابه: (المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم) من أن اسم (إيليا) إنما هو اسم من أسماء بيت المقدس واستشهد بقول الشاعر الفرزدق:
وبيتان بيت الله نحن ولاته= وبيت بأعلى إيلياء مشرف(84)

وإذا كان الاسم (إيليا) أو (إيلياء) شائعا في الجاهلية المتأخرة، فإنه لم يكن شائعا في أوقات موغلة في قدمها؛ لارتباط السام بزمن قريب من الإمبراطور الروماني (تيتوس) فقط.
أما الاسم الأقدم فهو: (أورى سالم) وقد ورد هذا الاسم في لوحة من ألواح (تل العمارنة) الموجودة في المتحف المصري بالقاهرة. (85)
نقول: الجاهليون عرفوا (أور سالم) ولفظوها (يورى شلم)، وذكر الجواليقى في المصدر نفسه اسم (يروى شلم)، واستشهد بقول الشاعر الأعشى:
وقد طفت للمال آفاقه = عمان، فحمص، فأورى شلم(86)

إذن كانت هناك مراوحة لدى الجاهليين ومن بينهم الشعراء في استخدام التسميات: بيت المقدس، وإيلياء، ويورى شلم. ودليل المراوحة أن المسافة الزمنية ليست كبيرة جدا بني الشاعرين الأعشى والفرزدق.

وقد يذكر (بر الشام) مع تركيز السياق على ضرورة اشتماله على (بيت المقدس) أصلا، ومن ذلك ما ورد من أخبار (هوذة بن مرة الشيبانى) وما اتصل بهذه الأخبار من أساطير.
و(هوذة) هذا كان من أجود العرب في الجاهلية، كان يمر بديار المقدس متجها إلى (طبرية) ليقضى فصل الشتاء فيهاز وفيه يقول (رفاع بن اللجلاج).
ومنا الذي حل البحيرة شاتيا = وأطعم أهل الشام غير محاسب

وذكر (خير الدين الزركلى) أن هناك أسطورة تقول : إن رماد نار (هوذة بن مرة الشيبانى) التي كانت توقد لطعامه باق بالبحيرة. (87)
وإذا كانت نصوص الشعر الجاهلي التي ذكرناها تعتبر من أقدم النصوص الدالة على (أورى سالم)، فإن نصوصا مصرية فرعونية قديمة تعتبر هى الأقدم؛ فقد ظهر اسم (أور سالم) لأول مرة في مجموعة الألواح التي عرفت بما دعي بنصوص اللعنة التي عثر عليها في مصر؛ ففي سنة 1925 اشترى شيفر Schaefer في مدينة الأقصر 251 كسرة أثرية ظهرت على معظمها كتابة هيرية – شكل قديم للكتابة المصرية القديمة أبسط من الهيروغليفية – ثم اشترتيت كسر أخرى فيما بعد، ومن جمع هذه الكسر وإعادة تركيبها بدقة أمكن ترميم (80) ثمانين طبقا ومزهرية. وبهذه الطريقة أصبحت النصوص واضحة ومفهومة. وبعد مضى عام واحد فقط نشر (ج. زيتة) K. Sethe هذه النصوص في برلين مع ترجمة لها وتعليق. وكان قد لاحظ تكرار كلمة (أور سالم) في النصوص . وقد أرجع تاريخ هذه النصوص في البداية إلى القرون الأخيرة من الألف الثالث قبل الميلاد، أما الآن فهى تنسب عادة إلى فترة الأسرة الثانية عشرة الفرعونية، وعلى وجه التحديد إلى فترة حكم (سيزوستريس الثالث) (1879-1842 ق.م.) وهذه هي النصوص المسماة (نصوص اللعنة) وهى التي ذكرت فيها أسماء المدن والبلدان والحكام الذين لعنوا بسبب نواياهم أو أفعالهم المتسمة بالشر، سواء كانت حقيقية أو متوقعة ضد مصر. (88)
كما ظهر اسم (أور سالم) في نصوص (تل العمارنة) الفرعونية. وقد اكتشفت رسائل (تل العمارنة) في سنة 1887م، في قرية تل العمارنة بمصر الوسطى، وهى الرسائل التي بعث بها أمراء سوريون يطلبون من الفرعون (أمنحوتب الثالث) وابنه (أمنحوتب الرابع – أخناتون) النجدة ضد أعدائهم وأعداء مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
وفى الرسائل 287، 288، 290 من هذه الرسائل ذكر صريح (لأور سالم). وفى الرسالة رقم 287 حدد اسم الحاكم وهو (عبدو خيبا). (89)

سادسا: مصادر من الشعر الإسلامي المبكر في صدر الإسلام وفى العصر الأموي
يتحدث المسلمون جميعا عن فخرهم واعتزازهم ببيت المقدس استنادا إلى إعزاز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للمسجد الأقصى الذي بارك الله كل ما حوله من أرض فلسطين.
والخلفاء مثل باقي الناس في اهتمامهم بالمقدسات، أقدموا على الإنشاء والتعمير في بيت المقدس، والإنفاق بسخاء على أهله.

يتبع >

castle 15-09-2007 02:15 AM

ومن الذين وردت بيت المقدس في شعرهم من الشعراء في هذه الفترة الزمنية الشاعر الفرزدق، كما في القصيدة التي مدح فيها قومه وذم فيها (جريرا) الشارع وقومه، وأولوها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعرف = وأنكرت من جرداء ما كنت تعرف

عزفت: مللت وزهدت – وجرداء: اسم امرأة الفرزدق الشيبانية توفيت قبل أ، تزف إليه – أعشاش: موضع في بلاد قوم الشاعر).
ومن القصيدة قوله:
لنا العزة القعساء والعدد الذي = عليه إذا عد الحصى يتخلف
ومنا الذي لا ينطق الناس عنده = ولكن هو المستأذن المتنصف
تراهم قعودا حوله وعيونهم = مكسرة أبصارها ما تصرف
وبيتان: بيت الله نحن ولاته = وبيت بأعلى إيلياء مشرف(90)

إن هذا النص الذي هو بعنوان – لنا العزة القعساء – يضع شعارا عاش مئات السنين هو: حافظا على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، لأنه يتضمن قوله : وبيت بأعلى إيلياء مشرف. (91)
وفى نص آخر تعلق بالفرزدق نجد أيضا الجمع بين مكة وبيت المقدس امتثالا لروح هذا العصر. وفى الشعر أيضا حرص على الجمع بين المدينتين المقدستين لاشتراكهما في القداسة من خلال قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى).
وفى النص كما ورد في ديوان الفرزدق قال مروان بن الحكم يخاطب الفرزدق:
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها = إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
ودع المدينة إنها مرهوبة = واعمد لمكة أو لبيت مقدس
ألق الصحيفة يا فرزدق إنها = نكراء مثل صحيفة المتلمس

وكان مروان بن الحكم عامل المدينة لمعاوية، فتقدم إليه أ، لا يهجو أحدا، فكتب إليه مروان: قل للفرزدق ... إلخ – الأبيات الثلاثة أنفة الذكر – فأجاب الفرزدق:
مروان إن مطيتى معكوسة = ترجو الحياء وربها لم ييأس
وأتيتنى بصحيفة مختومة = تخشى على بها حباء النقرس
ألق الصحيفة يا فرزدق إنها = نكراء مثل صحيفة المتلمس

وصحيفة المتلمس هي تلك إلى كتبها ملك الحيرة عمرو بن هند إلى عامله بالبحرين يأمره بقتل المتلمس ففكها الشاعر ودفعها إلى غلام فإذا فيها: أما بعد، فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا فقذفها المتلمس في نهر الحيرة وقال:
ألقيتها بالثنى من جنب كافر = كذلك أفنى كل قط مضلل(92)

وفى العصر العباسي استمر فخر الناس واعتزازهم ببيت المقدس استنادا إلى إعزاز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للمسجد الأقصى الذي بارك الله كل ما حوله من أرض فلسطين، فنجد الشعراء يذكرون بالإضافة إلى القدس المدن الأخرى مما هو حول المسجد الأقصى من الأرض المباركة، ثم هم أيضا يعبرون عن التقاليد الإسلامية. وورد في الأنس الجليل(93) أنه عندما فتح الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس صلحا، وجد المسلمون في المجسد الأقصى بعض التصاوير وعلى رأسها هذه الأبيات، ويقال إنها لابن ضامر الضبعى من عكا:
أرى الكنائس إن تكن عبثت بكم = أيدي الحوادث أو تغير حال
فلطالما سجدت لكل شمامس = شم الأنوف ضراغم أبطال
بعد على هذا المصاب لأنه = يوم بيوم والحرب سجال
أيها المنسكح الثريا سهيلا = عمرك الله كيف يلتقيان
هي غورية إذا ما استقلت = وسهيل إذا استقل يمانى(94)

وفى ورواية : هى شامية إذا استقلت ... إلخ (وغورية: نسبة إلى غور الأردن بين بيت المقدس ودمشق).
وقال أبو العلاء المعرى:
يا شاكى النوب انهض طالبا حلبا = نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس
واخلع حذائك إذا حاذيتها ورعا = كفعل موسى كليم الله في القدس
وبعين سلوان التي في قدسها = طعم يوهم أنه من زمزم

وحكيم المعرة أبو العلاء كان رهين المحبسين على حد رأى الناس: نظره الكفيف وعزلته في بيته، أو على الأصح رهين الثلاثة سجون على حد رأيه هو ؛ فقد قال:
أرانى في الثلاثة من سجونى = فلا تسأل عن الخبر البنيث
لفقدى ناظرى ولزوم بيتى = وكون النفس في الجسم الخبيث

فمثل هذا الرجل لن يكون من هواة السياحة ليتذوق مياه عين سلوان الحلوة حلاوة مياه زمزم، لولا أنه من معرة النعمان من قضاء حلب بشمال بر الشام، وما جنوب بر الشام عنه ببعيد أو غريب الذي فيه موقع عين سلوان قرب القدس، وإن مزاره ليس بعيدا عن ابن الشام أبى العلاء. أبو العلاء المعرى هنا يتحدث إذن عن معالم وطنه المألوفة عنده،(95) وهى المعالم التي ارتبطت بالتقاليد المألوفة، ومنها زيارة القدس بعد الحج إلى مكة والتشرف بالمدينة المنورة. إننا نجد نصيبا لكلمة الزيارة في شعر العصر مع ذكر عرائس الشام من المدن والأماكن حول القدس.
وأصبحن قد فوزن من نهر غطرس = وهن من البيت المقدس زور
وألب البركابان (غزة هاشم = و(بالفرما) من حاجهن شفور
يا صباح إنى قد حججت = وزرت بيت المقدس
وأتيت (لذا) عامدا = في غير مأوى سرخس

فرأيت فيه نسوة مثل الظباء الكنس
وإذا كانت نصوص من الشعر في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي وصدر العصر العباسي، تدلل على عروبة القدس أو تؤكدها، فإن نصوصا من الشعر في العصور اللاحقة لهذه العصور، تركز عندما تذكر القدس على لوم العرب والمسلمين عند سكونهم على ضياع القدس وسقوطها بأيدي الفرنجة في الحروب الصليبية، وكمثل على ذلك جاءت قصيدة ابن المظفر الأبيوردى وأولها:
مزجنا دماء بالدموع السواجم = فلم يبق فينا عرضة للمراجم
وكيف تنام العين ملء جفونها = على هفوات أيقظت كل نائم؟
وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم = ظهور المذاكى أو بطون القشاعم
أورى أمتى لا يشرعون إلى العدا = رماحهم والدين واهى الدعائم

ثم تشيد نصوص بعد ذلك بنصر صلاح الدين في حطين وعند تحرير القدس، وتمضى النصوص خلال ذلك وبعد ذلك في تأريخ الصراعات حول القدس في عصر المماليك والتي انتهت بتحرير الديار المقدسة حيث اشتهر من الشعراء : ابن المجاورة، وابن مطروح، وابن النبيه، وابن سناء الملك , النبهاء زهير، والشهاب الحلبي، وغيرهم.
وفى العصر الحديث ونحن نخوض صراعات حضارية مع الصهيونية العالمية فإنه لا يكاد شعر حديث أو معاصر لشاعر معروف يخلو من ذكر القدس.

سابعًا: السياحة الصوفية من مصادر عروبة القدس
لا غرابة في أن يكون في فلسطين تصوف ومتصوفون، فهى أرض طاهرة مقدسة، وكان فيها على مر التاريخ من الأنبياء وأولياء الله الصالحين والقديسين والشهداء عدد كبير، ولم ثراها مئات الأضرحة والمشاهد والآثار للأنبياء وأولياء الله. وفى كل مدينة وفى أغلب القرى نجد لهذه المقدسات بعض المزارات ولا غرابة أيضا في أن تكون ديار بيت المقدس مركز سياحة صوفية إسلامية ومسيحية؛ ففي ديار بيت المقدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى محمد عليه السلام، ومهد عيسى عليه السلام.
من الخليل ونابلس والرملة وغزة وعسقلان وسائر فلسطين، نسجت السائحات الصوفيات المجهولات على منوال (رابعة العدوية المقدسية) أو (رابعة البدوية)، فاتجهن إلى جبل الطور بالقدس؛ فمثل رابعة من هؤلاء النساء كانت امرأة تسمى (طافية) وأخرى اسمها (لبابة)، ذكرهما (ابن الجوزى) بالإضافة إلى عدد من السائحات الصوفيات المجهولات دون أن يؤرخ لوفاة واحدة منهن، وهذه المجهولية لا تنقص من شأنهن؛ فالمجهولية هى لباب الأصالة وعلامتها في محاور الموروث الشعبى. (95)
ومن الرملة كان العباد الزهاد عبد الله بن محريز، وهانى بن كلثوم، وقبيصة بنت دويب يقصدون القدس لأداء الصلاة. (96)
ومن الخليل كان الشيخ أحمد التميمى يذهب يوم الجمعة من بلاد الخليل إلى الرملة ويدرك صلاة الجمعة بها ثم يعود للخليل، أو يصلى الصبح ببيت المقدس ويجىء الخليل قبل أن يكون أهلها قاموا من النوم. (97)
والحقيقة أن رابعة العدوية الظاهرة أو النمط أو النموذج الصوفي ساهمت فيه الأرض الفلسطينية المقدسة، وتوصف الظاهرة بأنها لعابدة متصوفة صالحة كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب الإلهي في هيكل التصوف الإسلامي. كانت تصلى مئات الركعات في اليوم والليلة فقيل لها: ماذا تريدين بهذا؟! قالت: لا أريد به ثوابا، وإنما أفعله لكى يسعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فيقول للأنبياء: انظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها، وذلك كان من مبدأ نشر الحب والسلام بين الناس. رابعة النمط أو الظاهرة ساهمت فيها أرض القدس لأنها بيئة أولياء وصالحين. (98)
ومن سورية اتجه الشيخ عبد الغنى النابلسى الحنفي مع إخوة له سوريين إلى القدس في سياحة صوفية وقابل فيها عشرات المتصوفين في الطريق إلى القدس، وفى ديار القدس نفسها.

يتبع >

castle 15-09-2007 02:22 AM

ومن مصر قدم ذو النون المصري (أبو الفيض) (155-245هـ) والتقى على أرض القدس برابعة العدوية، وجرى بينهما حوار أنهته رابعة بقولها وهى ترفع طرفها إلى السماء:
أحبك حبين حب الهوى = وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو الحب الهوى = فحب شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له = فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد ذا وذاك لى = ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
لم تشتكى ألم البلاء = وأنت تنتحل المحبة
إن المحب هو الصبور = على البلاء لمن أحبه
حب الإله هو السرور = مع الشفاء لكل كربة

فاتجه أبو الفيض ذو النون إلى القدس وقال على صخرتها: "كل عاص مستوحش، وكل مطيع مستأنس، وكل خائف راج طالب، وكل قانع غنى، وكل محب ذليل. (99)
ومن البصرة في العراق جمعت الطريق محمد بن واسع من الأزد، روى عن أنس بن مالك وغيره، وأخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد، وساروا إلى بيت المقدس (100) واتفقوا على الجهاد من هناك.
ومن العراق أيضا توجه أبو بكر محمد بن أبى بكر الجرجانى وأبو محمد سعد بن السمعانى إلى القدس ولم يفترقا حتى عادا إلى العراق. (101)
ومن العراق والحجاز كان عبد الله بنا عامر العامرى وأبو عبد الله محمد بن محمد خفيف، وأبو الحسن على بن محمد الخلا البغدادى من المتصوفين يشاهدون في القدس في سياحة صوفية. (102)
وفى الحجاز أيضا أورد عبد الله بن المبارك أنه مر بامرأة وهو في طريقه إلى الحج، فكان يسألها فلا تجيب إلا رمزا من القرآن الكريم؛ سألها : أين تريدين؟ فقالت: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ فعلم أنها قضت حجها وهى تريد الآن بيت المقدس، وهكذا ظل يسألها، وهى لا تجيب إلا رمزا من القرآن الكريم، وعلم بعد ذلك من أولادها أنها على هذه الحال من الكلام منذ أربعين سنة بالتمام والكمال.
إذن كان المتصوفون والمتصوفات يقصدون القدس من مدن فلسطين كلها في سياحاتهم الصوفية وكذلك من جميع الأقطار العربية والإسلامية مثل سورية ومصر والعراق والحجاز وغيرها. وكثيرا ما كانت تجرى وتتم بينهم مواعيد لقاء على أرض القدس للاتجاه بعد اللقاء إلى أداء فريضة الحج إلى مكة، أو للاشتراك في جهاد من صوب القدس إلى أية جهة في العالم الإسلامي يحتاج فيها المسلمون إلى جهاد. الحج والجهاد إذن سببان للقاءات القدس، أضاف إليها المرحوم الدكتور جمال حمدان سببين آخرين هما الجوار في الأقصى أو الموت والدفن في ثرى القدس. (103)
إن ذلك كله لم يتم إلا لأن فلسطين ومركزها القدس الشريف هى عين القلب من العالم الإسلامي، بوصفها أرض الزاوية من العالم الإسلامي طبيعيا؛ فهي بالفعل صرته؛ بل لقد كانت القدس هى مركز العالم كله في خرائط العجلة الكنسية التي اصطنعتها العصور الوسطي. (104)
والقدس بوصفها نواة دينية لأديان سماوية تمتلئ أرضها بالمساجد والزوايا والكنائس.

الهوامش
____________________

1. هـ.ى. فرانكلين، القدس فى العصر البرونزى، دراسة فى كتاب (القدس فى التاريخ) إيسكس، إنجلترا، الطبعة الإنجليزية والعربية إشراف د. كامل جميل العسلى، عمان 1992، ص 23.
2. المرجع نفسه ، ص 21.
3. [1] - Kathleen M. Kengyon< Archaeology in he Holy Land, London, 1979, p. 236.
4. د. عبد الحميد زايد، القدس الخالدة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1974، ص 235.
5. د. جمال حمدان، المدينة العربية، دار الهلال ، مصر 1996، ص 292.
6. المرجع نفسه ، ص 292.
7. د. جمال حمدان، جغرافية المدن، القاهرة، ص 326-334.
8. عارف المعارف، تاريخ القدس، دار المعارف، القاهرة، ص 11.
9. [1] - Kenyon, Archaeology in the Holy Land, Op. Cit., 1974, p. 77.
10. محمود أبو طالب، آثار الأردن وفلسطين فى العصور القديمة، أضواء جديدة ، عمان ، الأردن، 1978ن ص 65.
11. أنطوان تمتم، المواقع الأثرية فى فلسطين فى فترة ما قبل التاريخ، دراسات فى تاريخ وآثار فلسطين، المجلد 2، حلب، سورية، 1981، ص 20-26.
12. [1] - K. M. KenyonL Archaeology in the Holy Land, Op. Cit., pp. 117-118.
13. د. محمود عبد الحميد الزغبى، الكنعانيون بناة القدس ومدن فلسطين، يوم القدس، لجنة يوم القدس، عمان، الأردن، 1996، أبحاث الندوة السابعة، ص 61.
14. أحمد سوسة، العرب واليهود فىالتاريخ ، بغداد ، 1972.
15. K. KenyonL Archaeology in the Holy Land, Op. Cit., pp. 117-150.
16. وقيل إنها قريب وادى هنوم، راجع جورج بوست، قاموس الكتاب المقدس، بيروت، 1894، حرف الراء.
17. د. محمود عبد الحميد الزغبى، الكنعانيون بناة القدس ومدن فلسطين، مرجع سابق، ص 73.
18. جواد على ، "تاريخ العرب قبل الإسلام"، المجمع العلمى العراقى، بغداد.
19. [1] - Whitelam, Keith W., The Invention of Ancient Israel, The Silencing of Palestinian History, London and New York: Routledge, 1996, p. 84.
20. [1] - Thompson, The History of the Israelite People, the Archaeological and Historical Evidence. Studies in the History of the Ancient Near East. 4 Brill, Leiden, 1992-1994, pp. 5, 75.
21. د. جمال حمدان، المدينة العربية، مرجع سابق، ص 292. جغرافية المدن، مرجع سابق، ص 326-334.
22. الحنيف فى اللغة: المائل، وإنما أطلق على إبراهيم، لأن الناس فى عصره كانوا على طريق واحدة وهى الكفر، فخالفهم كلهم وتنكب طريقهم، ولا يسمى المائل حنيفا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة، وفى الأساس: من مال عن كل دين أعوج، ويطلق على المستقيم، وبه فسر الكلمة بعضهم ، أورد له شاهدا من اللغة وهو أقريب. كذا فى تفسير المنار على طريقة الشيخ محمد عبده، السيد محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، القاهرة، ج1، ص 395.
23. أبو الفرج الأصبهانى، الأغانى، ج 3، القاهرة، ص 123-128.
24. أبو عبد الله محمد بن شهاب الدين شمس الدين السيوطى، إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، تحقيق د. أحمد رمضان أحمد، ق 2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984، ص 6.
25. أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى، الجامع لأحكام القرآن، ج 10، دار الغد العربى، القاهرة، 1997.
26. السيوطى، إتحاف الأخصا، مرجع سابق، ق 1، ص 95-111.
- السيد محمد رشيد رضا، تفسير المنار على طريقة دروس الشيخ محمد عبده، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ج6، ص 268-269.
27. د. إسحاق موسى الحسينى، عروبة بيت المقدس، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، ص 52.
28. تاريخ الطبرى (4/16).
29. مسند ابن حنبل، ج4، ص 67.
30. شاخت وبوزورث، تراث الإسلام، ج1 و ج2، ترجمة د. محمد زهير السمهورى و د. أمين مؤنس و د. إسحان صدقى العمد، عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط2، 1988، المحتويات للجزأين.
31. القرآن الكريم، سورة الإسراء، آية 1.
32. مجير الدين العليمى الحنبلى، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، مكتبة المحتسب، عمان ، الأردن، ج2، 1973.
33. ابن كثير ، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، ج13، ص 228، ج 14، ص 4، ، 104، 142.
34. العليمى الحنبلى، الأنس الجليل، مصدر سابق، ج2، ص 538.
35. القلقشندى، صبح الأعشى فى صناعة الإنشا، ج12، القاهرة ، ص 246.
36. عماد الدين إسماعيل أبو الفدا، كتاب المختصر فى أخبار البشر، ج1، الطبعة الحسينية بمصر، 1325 هـ، ص 6، 10،11.
37. جذورهم الأولى فى بلاد اليمن وهم من نسل قحطان. وهاجرت أعداد كبيرة من بطونهم فى اتجاه الشمال. وهم قرعان: كهلان وحمير. ومن أشهر قبائل كهلان: طئ وهمدان، ولخم وجذام وكندة وخزاعة والأزد وغسان والأوس والخزرج. ومن أشهر قبائل حمير: قضاعة وتنوخ وكلب وجرم وعذرة ويلى وجهينة، وغيرها. وللتوسع راجع: جمهرة أنساب العرب لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى، ط2، دار المعارف، مصر، 1948.
38. مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1، ق2، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1966، ص 383-394، 507، 420.
39. جذورهم الأولى فى تهامة والحجاز، ونجد، وهما فرعان: ربيعة ومضر، راجع للتوسع: جمهرة أنساب العرب، مصدر سابق.
40. مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين ، مصدر سابق، ص 420-477.
41. الدباغ، مرجع سابق، ج8، ق2، ص 123، 167، 305.
42. أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الله: من كتاب الأصمعيات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ط 5، 1963، ص 27.
43. المفضل بن يعلى الضبى، المفضليات ، القاهرة، 1963، ص 105.
44. الشيخ0 عبد الغنى النابلسى الحنفى، الحضرة الأنسية فى الرحلة القدسية، تحقيق أكرم العلبى، بيروت، ط1، 1990، ص 137.
45. المصدر نفسه، ص 138.
46. المصدر نفسه، ص 151.
47. المصدر نفسه، ص 151.
48. المصدر نفسه، ص 125.
49. يقع خارج الحرم القدسى وداخل السور تجاه القلعة من الشرق بباب الخليل . وذكره عارف العارف فى كتابه (تاريخ القدس) ، ط2، دار المعارف ، القاهرة، 1994، 279.
50. فى المدينة القديمة بالقدس ذكرها صاحب (الأنس الجليل) ، ج2، ص 54.
51. فى المدينة القديمة بالقدس ذكرها صاحب (الأنس الجليل)، ج2، ص 54.
52. من آثار القدس فى عصر المماليك البحرية، يعود إنشاؤها إلى 698هـ.
53. يعود إنشاؤه إلى 707هـ.
54. أبو عبد الله شمس الدين السيوطى، إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، تحقيق د. أحمد رمضان أحمد، القسم الثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص 33، 34.
55. المصدر نفسه ص 34.
56. المصدر نفسه ص 35.
57. المصدر نفسه ص 36.
58. المصدر نفسه ص 36.
59. المصدر نفسه ص 37.
60. المصدر نفسه ص 37.
61. المصدر نفسه ص 38.
62. المصدر نفسه ص 42.
63. المصدر نفسه ص 45.
64. المصدر نفسه ص 49.
65. المصدر نفسه ص 45.
66. المصدر نفسه ص 46.
67. المصدر نفسه ص 38.
68. المصدر نفسه ص 40.
69. المصدر نفسه ص 40.
70. المصدر نفسه ص 43.
71. المصدر نفسه ص 48.
72. المصدر نفسه ص 48.
73. المصدر نفسه ص 55.
74. المصدر نفسه ص 39.
75. المصدر نفسه ص 39.
76. المصدر نفسه ص 42.
77. المصدر نفسه ص 45.
78. المصدر نفسه ص 52.
79. المصدر نفسه ص 52.
80. المصدر نفسه ص 50.
81. المصدر نفسه ص 50.
82. المصدر نفسه ص 51.
83. المصدر نفسه ص 53.
84. المصدر نفسه ص 49.
85. المصدر نفسه ص 46.
86. المصدر نفسه ص 47.
87. ديوان امرئ القيس.
88. أخرجه البخارى فى : 8- كتاب الصلاة: 31، باب التوجه نحو القبلة حيث كان.
89. الوافدى ، فتوح الشام، البابى الحلبى ، القاهرة، 1957، ج1، ص 158.
90. صابر طعيمة، التاريخ اليهود يالعام، ص 152.
91. الجواليقى، المعرب من الكلام الأعجمى على حروف المعجم، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1969، ص 80.
92. الشيخ عبد الحميد السائح، مكانة القدس فى الإسلام، ط3، منشورات لجنة إنقاذ القدس، عمان، 1968، ص15.
93. الجواليقى، مصدر سابق، ص 79.
94. خير الدين الزركلى، الأعلام ، دار العلم للملايين، بيروت، ج8، ط9، 1990، ص 103.
95. - W.C. Hayes, chronology Egypt to End of Twentieth-dynastry, CAH, Vol. 1, Ch VI, Part 1
96. Wilson, J., The Amarna Setters, A.N.E.T., p. 483
97. أورد هذا النصر (ياقوت) فى – معجم البلدان – ج1، مصر 1323هـ، كما أورد بيتا لأعرابى وهو:
98. ولو أن طيرا كلفت مثل سيره إلى واسط من إيلياء لكلت
99. ديوان الفرزدق، شرح على قاعود، دار الكتب العلمية، بيوت، 1992، ص 383.
100. ديوان الفرزدق، مرجع سابق، ص344.
101. مجير الدين الحنبلى، الأنس الجليل، مصدر سابق، 1/257.
102. أبو الفرج الأصفهانى، الأغانى، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1952، ج1 ، ص 122.
103. أبو العلاء المعرى، اللزوميات، وسقط الزند.
104. الأنس الجليل ، مصدر سابق، ج1،ص291-292
105. إتحاب الأخصا، مصدر سابق، القسم الثانى، ص 39.
106. عبد الغنى النابلسى، مصدر سابق، ص 280.
107. فؤاد إبراهيم عباس، العادات والتقاليد فى الموروث الشعبى الفلسطينى، دار العروبة للنشر، القاهرة ، بالاشتراك مع الدائرة الثقافية لمنظمة التحرر الفلسطينية، ط1، 1989، ص 19-23.
108. عبد الغنى النابلسى، الحضرة الأنسية فى الرحلة القدسية، مصدر سابق.
109. الشيخ عبد الحليم محمود، ذو النون المصرى، دار الشعب للنشر، القاهرة، ص 13-27. إتحاف الأخصا، مصدر سابق، ق2، ص51.
110. إتحاف الأخصا، مصدر سابق، القسم الثانى، ص 42.
111. المصدر نفسه، ص 51، 52.
112. د. جمال حمدان، المدينة العربية، مرجع سابق، ص 124-130.
113. د. جمال حمدان، العالم الإسلامى المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص208-209.

________________

* باحث فلسطيني – القاهرة


المصدر :
القدس اونلاين

castle 25-09-2007 08:33 AM

الشيْخ الجَليل المجاهد :

عُـمَــر الـمُـخـتــار

نشأته ، وأعماله، واستشهاده

د. علي محمد الصلابي

نشأته وأعماله

اولاً: مولده ونسبه ونشأته وشيوخه

ولد الشيخ الجليل عمر المختار من أبوين صالحين عام 1862م وقيل 1858م، وكان والده مختار بن عمر من قبيلة المنفة من بيت فرحات وكان مولده بالبطنان في الجبل الأخضر، ونشأ وترعرع في بيت عز وكرم، تحيط به شهامة المسلمين وأخلاقهم الرفيعة، وصفاتهم الحميدة التي استمدوها من تعاليم الحركة السنوسية القائمة على كتاب الله وسنة رسوله e .

توفي والده في رحلته إلى مكة لأداء فريضة الحج، فعهد وهو في حالة المرض إلى رفيقه السيد أحمد الغرياني (شقيق شيخ زاوية جنزور الواقعة شرق طبرق) بأن يبلغ شقيقه بأنه عهد إليه بتربية ولديه عمر ومحمد، وتولى الشيخ حسين الغرياني رعايتهما محققاً رغبة والدهما، فأدخلهما مدرسة القرآن الكريم بالزاوية، ثم الحق عمر المختار بالمعهد الجغبوبي لينضم إلى طلبة العلم من أبناء الأخوان والقبائل الأخرى

لقد ذاق عمر المختار - رحمه الله - مرارة اليتم في صغره، فكان هذا من الخير الذي أصاب قلبه الملئ بالإيمان وحب الله ورسوله e حيث التجأ إلى الله القوي العزيز في أموره كلها، وظهر منه نبوغ منذ صباه مما جعل شيوخه يهتمون به في معهد الجغبوب الذي كان منارة للعلم، وملتقى للعلماء، والفقهاء والأدباء والمربين الذين كانوا يشرفون على تربية وتعليم وإعداد المتفوقين من أبناء المسلمين ليعدوهم لحمل رسالة الإسلام الخالدة، ثم يرسلوهم بعد سنين عديدة من العلم والتلقي والتربية إلى مواطن القبائل في ليبيا وافريقيا لتعليم الناس وتربيتهم على مبادئ الإسلام وتعاليمه الرفيعة ومكث في معهد الجغبوب ثمانية أعوام ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه، والحديث والتفسير ومن أشهر شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم، السيد الزروالي المغربي، والسيد الجواني، والعلامة فالح بن محمد بن عبدالله الظاهري المدني وغيرهم كثير، وشهدوا له بالنباهة ورجاحة العقل، ومتانة الخلق، وحب الدعوة، وكان يقوم بما عليه من واجبات عملية أسوة بزملائه الذين يؤدون أعمالاً مماثلة في ساعات معينة إلى جانب طلب العلم وكان مخلصاً في عمله متفانياً في أداء ماعليه ولم يعرف عنه زملاؤه أنه أجل عمل يومه إلى غده وهكذا اشتهر بالجدية والحزم والاستقامة والصبر، ولفتت شمائله أنظار أساتذته وزملائه وهو لم يزل يافعاً، وكان الأساتذة يبلغون الإمام محمد المهدي أخبار الطلبة وأخلاق كل واحد منهم، فأكبر السيد محمد المهدي في عمر المختار صفاته وما يتحلى به من خلال، وأصبح على إلمام واسع بشئون البيئة التي تحيط به وعلى جانب كبير في الإدراك بأحوال الوسط الذي يعيش فيه وعلى معرفة واسعة بالأحداث القبلية وتاريخ وقائعها وتوسع في معرفة الأنساب والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض، وبتقاليدها، وعاداتها، ومواقعها، وتعلم من بيئته التي نشأ فيها وسائل فض الخصومات البدوية ومايتطلبه الموقف من آراء ونظريات، كما أنه أصبح خبير بمسالك الصحراء وبالطرق التي كان يجتازها من برقة إلى مصر والسودان في الخارج وإلى الجغبوب والكفرة من الداخل، وكان يعرف أنواع النباتات وخصائصها على مختلف أنواعها في برقة، وكان على دراية بالأدواء التي تصيب الماشية ببرقة ومعرفة بطرق علاجها نتيجة للتجارب المتوارثة عند البدو وهي اختبارات مكتسبة عن طريق التجربة الطويلة، والملاحظة الدقيقة، وكان يعرف سمة كل قبيلة، وهي السمات التي توضع على الإبل والأغنام والأبقار لوضوح ملكيتها لأصحابها، فهذه المعلومات تدل على ذكاء عمر المختار وفطنته منذ شبابه.


وصف عمر المختار

كان عمر المختار متوسط القامة يميل إلى الطول قليلاً، ولم يكن بالبدين الممتلئ أو النحيف الفارغ، أجش الصوت بدوي اللهجة، رصين المنطق، صريح العبارة، لايمل حديثه، متزن في كلامه، تفتر ثناياه أثناء الحديث عن ابتسامة بريئة، أو ضحكة هادئة إذا ما اقتضاها الموقف، كثيف اللحية وقد أرسلها منذ صغره، تبدو عليه صفات الوقار والجدية في العمل، والتعقل في الكلام والثبات عند المبدأ وقد أخذت هذه الصفات تتقدم معه بتقدم السن.


تلاوته للقرآن الكريم وعبادته

كان عمر المختار شديد الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها وكان يقرأ القرآن يومياً، فيختم المصحف الشريف كل سبعة أيام منذ أن قال له الامام محمد المهدي السنوسي ياعمر (وردك القرآن) وقصة ذلك كما ذكرها محمد الطيب الأشهب، أنه استأذن في الدخول على الامام محمد المهدي من حاجبه محمد حسن البسكري في موقع بئر السارة الواقع في الطريق الصحراوي بين الكفرة والسودان وعندما دخل على المهدي تناول مصحفاً كان بجانبه وناوله للمختار وقال : هل لك شيء آخر تريده فقلت له ياسيدي أن الكثيرين من الأخوان يقرأون أوراداً معينة من الأدعية والتضرعات أجزتوهم قراءتها وأنا لا أقرأ إلا الأوراد الخفيفة عقب الصلوات فأطلب منكم اجازتي بما ترون فأجابني t بقوله: ( ياعمر وردك القرآن ) فقبلت يده وخرجت أحمل هذه الهدية العظيمة (المصحف) ولم أزل بفضل الله احتفظ بها في حلي وترحالي ولم يفارقني مصحف سيدي منذ ذلك اليوم وصرت مداوماً على القراءة فيه يومياً لأختم السلكة كل سبعة ايام ، وسمعت من شيخنا سيدي احمد الريفي أن بعض كبار الأولياء يداوم على طريقة قراءة القرآن مبتدئاً (بالفاتحة) الى (سورة المائدة) ثم الى (سورة يونس) ، ثم الى (سورة الاسراء) ثم الى (سورة الشعراء) ، ثم الى (سورة الصافات) ثم الى (سورة ق) ثم الى آخر السلكة ومنذ ذلك الحين وأنا أقرأ القرآن من المصحف الشريف بهذا الترتيب.

إن المحافظة على تلاوة القرآن والتعبد به تدل على قوة الايمان، وتعمقه في النفس، وبسبب الايمان العظيم الذي تحلى به عمر المختار انبثق عنه صفات جميلة، كالامانة والشجاعة، والصدق، ومحاربة الظلم، والقهر، والخنوع وقد تحلى هذا الايمان في حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها قال تعالى: { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا } وكان يتعبد المولى عز وجل بتنفيذ أوامره ويسارع في تنفيذها وكان كثير التنفل في أوقات الفراغ، وكان قد ألزم نفسه بسنة الضحى وكان محافظاً على الوضوء حتى في غير أوقات الصلاة، ومما يروى عنه أنه قال: لا أعرف إنني قابلت أحداً من السادة السنوسية وأنا على غير وضوء منذ شرفني الله بالانتساب إليهم.

لقد كان هذا العبد الصالح يهتم بزاده الروحي اليومي بتلاوة القرآن الكريم، وقيام الليل واستمر معه هذا الحال حتى استشهاده.
فهذا المجاهد محمود الجهمي الذي حارب تحت قيادة عمر المختار وصاحبه كثيراً، يذكر في مذكراته أنه كان يأكل معه وينام معه في مكان واحد ويقول: ( لم أشهد قط أنه نام لغاية الصباح، فكان ينام ساعتين او ثلاثاً على أكثر تقدير، ويبقى صاحياً يتلو القرآن الكريم، وغالباً مايتناول الابريق ويسبغ الوضوء بعد منتصف الليل ويعود الى تلاوة القرآن ، لقد كان على خلق عظيم يتميز بميزات التقوى والورع، ويتحلى بصفات المجاهدين الأبرار ).

وأما الاستاذ محمد الطيب الاشهب فقد قال : ( وقد عرفته معرفة طيبة وقد مكنتني هذه المصاحبة من الاحتكاك به مباشرة، فكنت أنام بخيمته والى جانبه وأهم ماكنت امقته منه رحمه الله وأنا وقت ذاك حديث السن هو أنه لايتركنا أن ننام إذ يقضي كل ليلة يتلو القرآن ويقوم مبكراً فيأمرنا بالوضوء بالرغم عما نلاقيه من شدة البرد ومتاعب السفر ).

وكأني أراه من خلف السنين وهو قائم يصلي لله رب العالمين في وديان وجبال وكهوف الجبل الأخضر وقد التف بجرده الابيض في ظلمة الليل البهيم وهو يتلو كتاب الله بصوت حزين، وتنحدر الدموع على خدوده من خشية العزيز الرحيم.

قال تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور } (سورة فاطر ، الآية).

لقد وصى رسول الله ابا ذر بذلك فقال: ( عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء ) وقد حذر الرسول الكريم من هجر القرآن فقال: ( إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِبْ ).

قال الشاعر:

قم في الدجى واتل الكتاب = ولا تنم إلا كنومة حائر ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة = فتساق من فرش الى الاكفان
ياحبذا عينان في غسق الدجى = من خشية الرحمن باكيتان
اعرض عن الدنيا الدنيئة زاهداً = فالزهد عند أولى النهى زهدان
زهد عن الدنيا وزهد في الثناء = طوبى لمن أمسى له الزهدان

إن من اسباب الثبات التي تميز به عمر المختار حتى اللحظات الأخيرة من حياته إدمانه على تلاوة القرآن الكريم والتعبد به وتنفيذ أحكامه، لأن القرآن الكريم مصدر تثبيت وهداية وذلك لما فيه من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، ولما فيه من ذكر مآل الصالحين، ومصير الكافرين والجاحدين وأوليائه بأساليب متعددة.

لقد كان عمر المختار يتلوا القرآن الكريم بتدبر وإيمان عظيم فرزقه الله الثبات وهداه طريق الرشاد ولقد صاحبه حاله في التلاوة حتى النفس الأخير، وهو يساق الى حبل المشنقة وهو يتلو قوله تعالى :
{ يا أيتها النفس المطمئة ارجعي الى ربك راضية مرضية } (سورة الفجر).


شجاعته وكرمه

إن هذه الصفة الجميلة تظهر في سيرة عمر المختار منذ شبابه الباكر ففي عام 1311هـ (1894م) تقرر سفر عمر المختار على رأس وفد الى السودان يضم كل من السيد خالد بن موسى، والسيد محمد المسالوسي ، وقرجيله المجبري وخليفة الدبار الزوي احد اعضاء زاوية واو بفزان (وهو الذي روى القصة) وفي الكفرة وجد الوفد قافلة من التجار من قبيلتي الزوية والمجابرة ، وتجار آخرين من طرابلس وبنغازي تتأهب للسفر الى السودان، فانضم الوفد الى هؤلاء التجار الذين تعودوا السير في الطرق الصحراوية ، ولهم خبرة جيدة بدروبها وعندما وصل المسافرون الى قلب الصحراء بالقرب من السودان قال بعض التجار الذين تعودوا المرور من هذا الطريق إننا سنمر بعد وقت قصير بطريق وعر لا مسلك لنا غيره ومن العادة - إلا في القليل النادر- يوجد فيه أسد ينتظر فريسته من القوافل التي تمر من هناك، وتعودت القوافل أن تترك له بعيراً كما يترك الانسان قطعة اللحم الى الكلاب أو القطط، وتمر القوافل بسلام واقترح المتحدث أن يشترك الجميع في ثمن بعير هزيل ويتركونه للاسد عند خروجه، فرفض عمر المختار بشدة قائلاً: ( إن الاتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف بدون حق أبطلت فكيف يصح لنا أن نعيد اعطاءها للحيوان إنها علامة الهوان والمذلة. إننا سندفع الاسد بسلاحنا اذا ما اعترض طريقنا ) وقد حاول بعض المسافرين أن يثنيه عن عزمه، فرد عليهم قائلاً: أنني أخجل عندما أعود وأقول أنني تركت بعيراً الى حيوان اعترض طريقي وأنا على استعداد لحماية ما معي وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته إنها عادة سيئة يجب أن نبطلها ، وما كادت القافلة تدنو من الممر الضيق حتى خرج الاسد من مكانه الذي اتخذه على احدى شرفات الممر فقال أحد التجار وقد خاف من هول المنظر وارتعشت فرائصه من ذلك: أنا مستعد أتنازل عن بعير من بعائري ولا تحاولوا مشاكسة الأسد، فانبرى عمر المختار ببندقيته وكانت من النوع اليوناني ورمى الاسد بالرصاصة الاولى فأصابته ولكن في غير مقتل واندفع الاسد يتهادى نحو القافلة فرماه بأخرى فصرعته، وأصر عمر المختار على أن يسلخ جلده ليراه أصحاب القوافل فكان له ما أراد.

إن هذه الحادثة تدلنا على شجاعة عمر المختار وقد تناولتها المجالس يومذاك بمنتهى الاعجاب وقد سأل الاستاذ محمد الطيب الاشهب عمر المختار نفسه عن هذه الحادثة في معسكر المغاربة بخيمة السيد محمد الفائدي عن هذه الواقعة فأجاب بقوله: تريدني ياولدي أن أفتخر بقتل صيد قال لي ما قاله قديماً أحد الأعراب لمنافسه وقد قتل أسداً ( أتفتخر عليّ بانك قتلت حشرة ) وامتنع عمر المختار بقول الله تعالى :
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } (سورة الانفال).

إن جواب عمر المختار بهذه الآية الكريمة يدل على تأثره العميق بالقرآن الكريم، لأنه تعلم أن أهل الايمان والتوحيد في نظرتهم العميقة لحقيقة الوجود، وتطلعهم الى الآخرة ينسبون الفضل الى العزيز الوهاب سبحانه وتعالى، ويتخلصون من حظوظ نفوسهم، فهو الذي مرّ كثيراً على دعاء نبي الله يوسف عليه السلام:
{ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً والحقني بالصالحين } (سورة يوسف: الآية 101).

وهو الذي تعلم من سيرة ذي القرنين هذا المعنى الرفيع والذي لابد من وجوده في الشخصية القيادية الربانية في قوله تعالى:
{ هذا رحمة من ربي. } (سورة الكهف، الآية 98)، فعندما بنى السد ، ورفع الظلم ، واعان المستضعفين نسب الفضل الى ربه سبحانه وتعالى.

إن عمر المختاركان صاحب قلب موصول بالله تعالى، فلم تسكره نشوة النصر، وحلاة الغلبة بعد ما تخلص من الاسد الاسطورة وازاح الظلم وقهر التعدي بل نسب الفضل الى خالقه ولذلك أجاب سائله بقوله تعالى:
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } (سورة الانفال، الآية 17) .

إن صفة الشجاعة ظهرت في شخصية عمر المختار المتميزة في جهاده في تشاد ضد فرنسا، وفي ليبيا ضد ايطاليا ويحفظ لنا التاريخ هذه الرسالة التي ارسلها عمر المختار رداً على رسالة من الشارف الغرياني الذي أكرهته ايطاليا ليتوسط لها في الصلح مع عمر المختار وايقاف الحرب.

( قال بعد البسملة والتصلية على رسول الله القائل أن الجنة تحت ظلال السيوف.

الى أخينا سيدي الشارف بن أحمد الغرياني حفظه الله وهداه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومغفرته ومرضاته. نعلمكم أن إيطاليا إذا أرادت أن تبحث معنا في أي موضوع تعتقد أنه يهمها ويهمنا فما عليها إلا أن تتصل بصاحب الأمر ومولاه سيدي السيد محمد إدريس ابن السيد محمد المهدي ابن السيد محمد السنوسي رضي الله عنهم جميعاً، فهو الذي يستطيع قبول البحث معهم أو رفضه، وأنتم لا تجهلون هذا بل وتعرفون إذا شئتم أكثر من هذا ومكان سيدي إدريس في مصر معروف عندكم وأما أنا وبقية الاخوان المجاهدين لا نزيد عن كوننا جند من جنوده لانعصي له أمراً ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن لايقدر علينا مخالفته فنقع فيما لانريد الوقوع فيه حفظنا الله وإياكم من الزلل نحن لا حاجة عندنا إلا مقاتلة أعداء الله والوطن وأعدائنا وليس لنا من الامر شيء إذا ما أمرنا سيدنا وولى نعمتنا رضي الله عنه ونفعنا به بوقف القتال نوقفه وإذا لم يأمرنا بذلك فنحن واقفون عند ما أمرنا به ولا نخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان والحبش والسبايس المكسرين ( هؤلاء الآخرين هم المجندون من بعض الليبيين ) ولا نخاف حتى من السم الذي وضعوه في الآبار وبخوا به الزروع النابتة في الأرض نحن من جنود الله وجنوده هم الغالبون ونحن لا نريد لكم مايدفعكم إليه النصارى وظننا بكم خير والله يوفقنا ويهدينا وإياكم الى سبل الرشاد وإلى خدمة المسلمين ورضاء سيدنا رضي الله عنه وسلام الاسلام على من تبع الاسلام.

13 ربيع الثاني 1344هـ
نائب المنطقة الجبلية عمر المختار

ومحل الشاهد من هذه الرسالة قوله: ( ولا نخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان والحبش والسبايس ، ولا نخاف حتى من السم الذي وضعوه في الآبار ووضعوه على الزروع النابتة في الأرض نحن من جنود الله وجنوده هم الغالبون ).

إن صفة الشجاعة ملازمة لصفة الكرم، كما أن الجبن والبخل لا يفترقان ولقد حفظ لنا التاريخ عبارة جميلة كان يرددها عمر المختار بين ضيوفه : ( اننا لا نبخل بالموجود ولا نأسف لمفقود ).

لقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة بمدح الكرم والانفاق وذم البخل والامساك، قال تعالى :
{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون } (سورة السجدة، آية 16).

لم تكن همة عمر المختار منصرفة الى جمع المال والثروة والغنى وإن كان قد ورث عن والده بعض الماشية إلا أنه تركها في رعاية بعض أقاربه في القبيلة وترك أرضه وموطنه منذ أن كان عمره 16 عاماً، وكان طيلة فترة إقامته في معهد الجغبوب تتكفل إدارة المعهد بمصروفاته وبعد أن تزوج وكوّن أسرة أصبح مورد رزقه مايتحصل عليه من نتاج الحيوانات القليلة ولم يكن يوماً من الأيام متفرغاً لجمع المال، وإنما عاش للعلم والدعوة والجهاد، وانشغل عن جمع الاموال والثروات وقضى حياته فقيراً مقتنعاً بما رزقه الله من القناعة والرضى بالكفاف وكان يبذل مافي وسعة لضيوفه وجنوده وينفق على أفراد جيشه ما لايخشى الفقر، ويقدم إخوانه على نفسه وأصبح شعاره ( إننا لا نبخل بالموجود ولا نأسف لمفقود ).


الدعوة والجهاد قبل الاحتلال الايطالي

تفوق عمر المختار على اقرانه بصفات عدة منها، متانة الخلق، ورجاحة العقل، وحب الدعوة، ووصل أمره الى الزعيم الثاني للحركة السنوسية محمد المهدي السنوسي فقدمه على غيره واصطحبه معه في رحلته الشهيرة من الجغبوب الى الكفرة عام 1895م وفي عام 1897م أصدر محمد المهدي قراراً بتعيين عمر المختار شيخاً لزاوية القصور بالجبل الأخضر قرب المرج، وقام عمر المختار بأعباء المهمة خير قيام، فعلمّ الناس أمور دينهم، وساهم في فض النزعات بين القبائل وعمل على جمع كلمتهم وسعى في مصالحهم ، وسار في الناس سيرة حميدة، فظهر في شخصيته أخلاق الدعاة من حلم وتأني، وصبر، ورفق، وعلم ، وزهد.

ومما تجدر الاشارة إليه أن وقوع الاختيار عليه للقيام بأمور هذه الزاوية كان مقصوداً من قبل قيادة الحركة السنوسية حيث أن هذه الزاوية كانت في ارض قبيلة العبيد التي عرفت بقوة الشكيمة، وشدة المراس، فوفقه الله في سياسة هذه القبيلة ، ونجح في قيادتها بفضل الله وبما أودع الله فيه من صفات قيادية من حكمة وعلم وحلم وصبر واخلاص.

إن الفترة التي قضاها في زاوية القصور تدلنا وتشهد لنا على أعماله الجليلة ؛ كداعية رباني يدعو الى الاسلام ونشره بالفكرة والاقناع والارشاد التوجيه، فهو قمة شامخة في هذا المجال، فهو لم يدخل مجال الدعوة والارشاد إلا بعد أن تعلم من أمور دينه الكثير، فشق طريق الدعوة بزاد علمي، وثقافة متميزة، وتفوق روحي، ورجاحة عقل، وقوة حجة ورحابة صدر، وسماحة نفس لقد كان حريصاً على تعلم العلم والعمل به وتعليمه وعندما زحف الاستعمار الفرنسي على مراكز الحركة السنوسية في تشاد، نظمت الحركة السنوسية نفسها وأعدت للجهاد عدتها، واختارت من القادة من هم أولى بهذا العمل الجليل، فكان عمر المختار من ضمنهم فقارع الاستعمار الفرنسي مع كتائب الحركة السنوسية المجاهدة في تشاد وبذل مافي وسعه حتى لفت الانظار الى حزمه وعزمه وفراسته وبعد نظره وحسن قيادته فقال عنه محمد المهدي السنوسي: ( لو كان لدينا عشرة مثل المختار لاكتفينا ).

وبقي عمر المختار في تشاد يعمل على نشر الاسلام ودعوة الناس وتربيتهم الى جانب جهاده ضد فرنسا، فحمل الكتاب الذي يهدي بيد والسيف الذي يحمي باليد الاخرى، وظهرت منه شجاعة وبطولة وبسالة نادرة في الدفاع عن ديار المسلمين، وكانت المناطق التي يتولى أمرها أمنع من عرين الاسد، ولا يخفى مافي ذلك من ادراك القيادي المسلم لواجبه تجاه دينه وعقيدته وأمته.

وعندما أصيبت الأبل التي كانت تحمل الاثقال للمجاهدين بمرض الجرب، وكان عددها لا يقل عن أربعة آلاف بعير وكانت تلك الابل هي قوام الحياة بالنسبة للمجاهدين واهتم السيد المهدي السنوسي بشأن علاجها ووقع اختياره على عمر المختار ليكون المسؤول عن هذه المهمة التي شغلت بال المجاهدين، فأمره بأن يذهب بالابل الى موقع (عين كلك) نظراً لوفرة مائه ولصلاحيته، وكان على عمر المختار مهمة اخرى وهي الاحتياط والحرص الشديد واتخاذ التدابير اللازمة للدفاع، واختار عمر المختار من المجاهدين مجموعة خيرة، وذهب لتنفيذ أمر القيادة وكان توفيق الله له عظيماً في مهمته العسيرة فنال أعجاب السيد المهدي.

وفي عام 1906م رجع عمر المختار بأمر من القيادة السنوسية الى الجبل الاخضر ليستأنف عمله في زاوية القصور، ولكن ذلك لم يستمر طويلاً، فقد بدأت المعارك الضارية بين الحركة السنوسية والبريطانيين في منطقة البردى ومساعد والسلوم على الحدود الليبية المصرية. ولقد شهد عام 1908م أشد المعارك ضراوة وانتهت بضم السلوم الى الأراضي المصرية تحت ضغوط بريطانيا على الدولة العثمانية، وعاد الشيخ عمر المختار الى زاوية القصور وبرزت شخصيته بين زملائه مشايخ الزوايا، وبين شيوخ وأعيان القبائل، ولدى الدوائر الحكومية العثمانية، وظهرت مقدرته في مهمته الجديدة بصورة تلفت النظر، وأصبح متميزاً في حزمه في ادارة الزاوية وفي تعاونه مع زملائه الآخرين وفي معالجته للمشاكل القبلية، وفي ميدان الاصلاح العام مضرباً للامثال.

وكانت تربطه صلات شخصية مع عدد كبير من زعماء، وأعيان القبائل في برقة، وكذلك زعماء المدن، وكان زعماء البراعصة يحبون عمر المختار حباً نابعاً من قلوبهم في حين أنهم لم يكونوا من القبائل التابعة لزاويته ، وارتبطت علاقاته الاخوية مع شيوخ الزوايا كالسادة السنوسي الأشهب شيخ زاوية مسوس، وعمران السكوري شيخ زاوية المرج، وعبد ربه بوشناف الشيخي، والحسن الغماري شيخ زاوية دريانه.


الشيخ عمر المختار في معاركه الأولى ضد إيطاليا

عندما اندلعت الحرب الليبية الايطالية عام 1911م كان عمر المختار وقتها بواحة (جالو) خفّ مسرعاً الى زاوية (القصور) وامر بتجنيد كل من كان صالحا ًللجهاد من قبيلة العبيد التابعة لزواية (القصور) ، فاستجابوا نداءه، واحضروا لوازمهم، وحضر أكثر من ألف مقاتل، وكان عيد الاضحى من نفس السنة الهجرية على الأبواب أي لم يبق عنه إلا ثلاثة أيام فقط، ولم ينتظر السيد عمر المختار عند أهله حتى يشاركهم فرحة العيد، فتحرك بجنوده وقضوا يوم العيد في الطريق وكانت الذبائح التي اكل المجاهدين من لحومها يوم العيد من السيد عمر المختار شخصياً، ووصل المجاهدون وعلى راسهم عمر المختار وبرفقته احمد العيساوي الى موقع بنينه حيث معسكر المجاهدين الذي فرح بقدوم نجدة عمر المختار ورفقائه ثم شرعوا يهاجمون العدو ليلاً ونهاراً وكانت غنائمهم من العدو تفوق الحصر وقد بينت دور الزوايا في جهادها ضد ايطاليا في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية والذي سميته سيرة الزعمين محمد المهدي السنوسي ، وأحمد الشريف.

ويذكر الشيخ محمد الأخضر العيساوي بأنه كان قريباً من عمر المختار في معركة السلاوي عام 1911م فوصف لنا بعض احداث تلك المعركة فقال: (..وقد فاجأنا العدو فقابله من المجاهدين الخيالة، بينما كان العدو يضربنا بمدافعه الرشاشة واضطررنا للنزول في مكان منخفض مزروعاً بالشعير وكانت السنابل تتطاير بفعل الرصاص المنهمر، فكأنها تحصد بالمناجل، وبينما نحن كذلك إذ رأينا مكاناً منخفضاً أكثر من المكان الذي نحن فيه، وأردنا أن يأوى إليه السيد عمر المختار بسبب خوفنا عليه فرفض بشدة حتى جاءه احد أتباعه يدعى السيد الأمين ودفعه بقوة الى المكان الذي اخترناه لايوائه وحاول الخروج منه فمنعناه بصورة جماعية ).

يتبع >

castle 25-09-2007 08:59 AM

وأشار الشيخ محمد الأخضر الى إعجاب الضباط الأتراك به وبشجاعته وبالآراء السديدة التي تصدر عنه فكأنما هي تصدر من قائد ممتاز تخرج عن كلية عسكرية، وكان قدومه الى معسكرات المجاهدين مشجعاً وباعثاً للروح المعنوية في قوة خارقة وقد تحدثت في سيرة احمد الشريف في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية عن حركة الجهاد في أيامها الأولى ضد ايطاليا، وكان عمر المختار من المقربين للشيخ احمد الشريف السنوسي، وبعد هجرته لازم عمر المختار الأمير محمد ادريس وقام بواجباته خير قيام وبعد هجرة الأمير الى مصر تولى أمر القيادة العسكرية بالجبل الاخضر، وأخذ في تهيئة النفوس لمجابهة العدو وبدأ جولاته في أنحاء المنطقة للاتصال بالاهالي وزعمائهم، بل وبالأفراد كخطوة اولى للعمل الجديد الشاق في نفس الوقت، وقام بفتح باب التطوع للجهاد، فأقبل الليبيين من ابناء قبائل الجبل بوجوه مستبشرة وقلوب مطمئنة وتلهف على مجابهة العدو الغادر، وكانت ترافقه لجنة مكونة من أعيان وشيوخ قبائل المنطقة (البراغيث، والحرابي، والمرابطين) لمساعدته في عمله العظيم وكان من بينهم ؛ بوشديق بومازق حدوث، الصيفاط بوفروة، محمد بولقاسم جلغاف، حمد الصغير حدوث، دلاف بوعبدالله، محمد العلواني، سويكر عبدالجليل، موسى بوغيضان، الغرياني عبدربه بوشناف، عبدالله الخرساني، عوض العبيدي، رجب بوسيحة، رواق بودرمان، كريم بوراقي ، قطيط الحاسي، وغير هؤلاء من علية القوم، فزار أغلب منطق الجبل والبطنان، وكان سمو الأمير قد وصل الى مصر (يناير 1923م) وما كاد السيد عمر ينتهي من جولته هذه ويطمئن للنتائج حتى قرر الالتحاق بسمو الامير في مصر ليعرض عليه نتيجة عمله ويتلقى منه التوجيهات اللازمة

كما أشار الشيخ محمد الأخضر الى إعجاب الضباط الأتراك به وبشجاعته وبالآراء السديدة التي تصدر عنه فكأنما هي تصدر من قائد ممتاز تخرج عن كلية عسكرية، وكان قدومه الى معسكرات المجاهدين مشجعاً وباعثاً للروح المعنوية في قوة خارقة وقد تحدثت في سيرة احمد الشريف في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية عن حركة الجهاد في أيامها الأولى ضد ايطاليا، وكان عمر المختار من المقربين للشيخ احمد الشريف السنوسي، وبعد هجرته لازم عمر المختار الأمير محمد ادريس وقام بواجباته خير قيام وبعد هجرة الأمير الى مصر تولى أمر القيادة العسكرية بالجبل الاخضر، وأخذ في تهيئة النفوس لمجابهة العدو وبدأ جولاته في أنحاء المنطقة للاتصال بالاهالي وزعمائهم، بل وبالأفراد كخطوة اولى للعمل الجديد الشاق في نفس الوقت، وقام بفتح باب التطوع للجهاد، فأقبل الليبيين من ابناء قبائل الجبل بوجوه مستبشرة وقلوب مطمئنة وتلهف على مجابهة العدو الغادر، وكانت ترافقه لجنة مكونة من أعيان وشيوخ قبائل المنطقة (البراغيث، والحرابي، والمرابطين) لمساعدته في عمله العظيم وكان من بينهم ؛ بوشديق بومازق حدوث، الصيفاط بوفروة، محمد بولقاسم جلغاف، حمد الصغير حدوث، دلاف بوعبدالله، محمد العلواني، سويكر عبدالجليل، موسى بوغيضان، الغرياني عبدربه بوشناف، عبدالله الخرساني، عوض العبيدي، رجب بوسيحة، رواق بودرمان، كريم بوراقي ، قطيط الحاسي، وغير هؤلاء من علية القوم، فزار أغلب منطق الجبل والبطنان، وكان سمو الأمير قد وصل الى مصر (يناير 1923م) وما كاد السيد عمر ينتهي من جولته هذه ويطمئن للنتائج حتى قرر الالتحاق بسمو الامير في مصر ليعرض عليه نتيجة عمله ويتلقى منه التوجيهات اللازمة.


سفره الى مصر

سافر في شهر مارس 1923م الى مصر بصحبة علي باشا العبيدي وترك رفقائه عند بئر الغبي حتى يعود إليهم، واستطاع اجتياز الحدود المصرية وتمكن من مقابلة السيد ادريس بمصر الجديدة ، وكان عمر المختار عظيم الولاء للسنوسية وزعمائها وشيوخها وظهر ذلك الولاء في إقامته بمصر عندما حاول جماعة من قبيلة المنفة وهي قبيلة السيد عمر المختار، وكانوا قد اقاموا بمصر، أن يقابلوا السيد عمر للترحيب به، فاستفسر المختار قبل ان يأذن لهم بذلك عما أذا كانوا قد سعوا لمقابلة الأمير عند حضوره الى مصر، فلما أجاب هؤلاء بالنفي معتذرين بأن أسباباً عائلية قهرية منعتهم من تأدية هذا الواجب رفض المختار مقابلتهم قائلاً: (وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هو ولي نعمتي وسبب خيري. أما وقد فعلتم ذلك فإني لا أسمح لكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم).

فما إن بلغ السيد ادريس مافعله عمر المختار مع من جاء إليه من أبناء قبيلته حتى أصدر امره بمقابلتهم فامتثل المختار لامره.

حاولت ايطاليا بواسطة عملائها بمصر الاتصال بالسيد عمر المختار وعرضت عليه بأنها سوف تقدم له مساعدة إذا ماتعهد باتخاذ سكنه في مدينة بنغازي أو المرج، وملازمة بيته تحت رعاية وعطف ايطاليا، وأن حكومة روما مستعدة بأن تجعل من عمر المختار الشخصية الاولى في ليبيا كلها وتتلاشى أمامه جميع الشخصيات الكبيرة التي تتمتع بمكانتها عند ايطاليا في طرابلس وبنغازي، وإذا ما اراد البقاء في مصر فما عليه إلا أن يتعهد بأن يكون لاجئاً ويقطع علاقته بادريس السنوسي، وفي هذه الحالة تتعهد حكومة روما بان توفر له راتباً ضخماً يمكنهّ من حياة رغدة، وهي على استعداد أن يكون الاتفاق بصورة سرية وتوفير الضمانات لعمر المختار ويتم كل شيء بدون ضجيج تطميناً لعمر المختار وقد طلبت منه نصح الاهالي بالاقلاع عن فكرة القيام في وجه ايطاليا، وقد أكد عمر المختار هذا الاتصال وهو في مصر لما سئل عن ذلك وقال: ثقوا أنني لم أكن لقمة طائبة يسهل بلعها على من يريد، ومهما حاول أحد أن يغير من عقيدتي ورأي واتجاهي، فإن الله سيخيبه، ومن (طياح سعد) إيطاليا ورسلها هو جهلها بالحقيقة. وأنا لم اكن من الجاهلين والموتورين فادعي أنني أقدر أعمل شيئاً في برقة، ولست من المغرورين الذين يركبون رؤسهم ويدعون أنهم يستطيعون أن ينصحوا الأهالي بالاستسلام، انني أعيذ نفسي من أن أكون في يوم من الايام مطية للعدو وأذنابه فأدعوا الأهالي بعدم الحرب ضد الطليان، وإذا لاسمح الله قدّر عليّ بأن أكون موتوراً فإن اهل برقة لايطيعون لي امراً يتعلق بإلقاء السلاح إنني أعرف أن قيمتي في بلادي إذا ماكانت لي قيمة أنا وأمثالي فأنها مستمدة من السنوسية.

لقد استمرت عروض الايطاليين على عمر المختار حتى بعد رجوعه للبلاد وحاولوا استمالته بالمال الطائل، والمناصب الرفيعة ، والجاه العريض في ظل حياة رغيدة ناعمة ولكنهم لم يفلحوا ، لقد كان عمر المختار رجل عقيدة، وصاحب دعوة ومؤمناً بفكرة استمدت اصولها وتصوراتها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ، ويفهم جيداً معنى قول الله تعالى:
{من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} (الاسراء ، الآية ).

وحين خرج السيد عمر المختار من مصر قاصداً برقة لمواصلة الجهاد اجتمع به مشايخ قبيلته الموجودون بمصر من المتقدمين في السن وحاولوا أن يثنوه عن عزمه بدعوى أنه قد بلغ من الكبر عتيا وان الراحة والهدوء ألزم له من أي شيء آخر وأن باستطاعة السنوسية أن تجد قائداً غيره لتزعم حركة الجهاد في برقة، فغضب عمر المختار غضباً شديداً وكان جوابه قاطعاً فاصلاً فقال لمحدثيه: (إن كل من يقول لي هذا الكلام لا يريد خيراً لي لأن ما أسير فيه إنما هو طريق خير ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عن سلوكها، وكل من يحاول ذلك فهو عدو لي).

كان عمر المختار يعتقد اعتقاداً راسخاً أن ماكان يقوم به من الجهاد إنما هو فرض يؤديه وواجب ديني لامناص منه ولا محيد عنه ولذلك أخلص في عمله وسكناته واحواله وأقواله لقضية الجهاد في ليبيا وكان يكثر من الدعاء لله تعالى بأن يجعل موته في سبيل هذه القضية المباركة، فكان يقول: (اللهم اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة) ، وأصر على البقاء في أرض الوطن الحبيب وقال: (لا أغادر هذا الوطن حتى ألاقي وجه ربي والموت أقرب الى من كل شيء فإني أترقبه بالدقيقة).

وعندما عرض عليه أن يترك ساحة الجهاد، ويسافر الى الحج قال : (لن أذهب ولن أبرح هذه البقعة حتى يأتي رسل ربي وان ثواب الحج لايفوق ثواب دفاعنا عن الوطن والدين والعقيدة).

وقال: (كل مسلم الجهاد واجب عليه وليس منه، وليس لغرض اشخاص وإنما هو لله وحده).

إن هذه الكلمات التي كتبت بماء الذهب على صفحات تاريخنا المجيد نابعة من فهم عمر المختار لقوله تعالى:
{أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لايستوون عند الله والله لايهدي القوم الظالمين`الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله باموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم`خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم} (سورة التوبة، الآيات 29، 20،21).

ومن فهمه لأحاديث رسول الله : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

ولقوله : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد).

إن هذه الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة، كانت المنهج العقدي والفكري الذي تربت عليها كتائب المجاهدين وقادتها الكرام الذين تربوا في احضان الحركة السنوسية.

تم الاتفاق بين الأمير ادريس وعمر المختار على تفاصيل الخطة التي يجب أن يتبعها المجاهدون في جهادهم ضد العدو الغاشم المعتدي على اساس تشكيل المعسكرات، واختيار القيادة الصالحة لهذه الادوار، وأن تظل القيادة العليا من نصيب عمر المختار نفسه وزوده الأمير بكتاب الى السيد الرضا بهذا المعنى وتم الاتفاق على بقاء الامير في مصر ليقود العمل السياسي، ويهتم بأمر المهاجرين ويضغط على الحكومة المصرية والانكليزية بالسماح للمجاهدين بالالتجاء الى مصر، ويشرف على إمداد المجاهدين بكل المساعدات الممكنة من مصر، ويرسل الارشادات والتعليمات اللازمة الى عمر المختار في الجبل واتفق على أن يكون الحاج التواتي البرعصي حلقة الوصل بين الأمير وقائد الجهاد، وبعد ذلك الاتفاق غادر عمر المختار القاهرة، وعند وصوله الى السلوم وجد بعض رفقائه في انتظاره، فأخذ الجميع حاجتهم من المؤن الكافية لرحلتهم الى الجبل الأخضر وغادروا السلوم الى برقة.

وحدث في أثناء وجود عمر المختار أن اشتبك المجاهدون مع الطليان في معركتين كبيرتين في بير بلال والبريقة في ذي القعدة 1341هـ/ 1923م ، فأنتصر المجاهدون على الطليان في معركة بير بلال بقيادة المجاهد قجة عبدالله السوداني واستشهد كل من المهدي الحرنة، والشيخ نصر الأعمى وغيرهم، وقد ساهم في هذه المعركة صالح الاطيوش، والفضيل المهشهش وكانت نفقات المجاهدين في هذه المعركة على حساب الفضيل المهشهش ووقعة معركة البريقة بعد بير بلال بأربعة أيام واستشهد فيها من أبطال الجهاد ابراهيم الفيل.

ومع هذه الانتصارات إلا أن الطليان استطاعوا احتلال اماكن للمجاهدين في برقة، وزحفوا على معسكر العواقير بموقع البدين وبعد معركة شديدة كبدت الطرفين خسائر فادحة انسحب المعسكر الى اجدابية واستمر الزحف الايطالي يلاحق المجاهدين حتى اشتبك مع طلائع معسكر المغاربة في الزويتينه؛ ولم يطل الدفاع عنها حتى احتلها الطليان وواصلوا زحفهم الى اجدابية حيث احتلوها في (ابريل 1923م).


معركة بئر الغبي

كانت عيون ايطاليا تترصد حركة عمر المختار في عودته الى برقة ولكنها فشلت في اللقاء به قبل أن يصل الى رفاقه وما كاد يصل الى بئر الغبي حتى فؤجئ بعدد من المصفحات الايطالية وإليك أحداث المعركة كما رواها عمر المختار بنفسه: (كنا لانتجاوز الخمسين شخصاً من المشايخ والعساكر وبينما تجمع هؤلاء حولنا لسؤالنا عن صحة سمو الامير، وكنا صائمين رمضان وإذا بسبعة سيارات ايطالية قادمة صوبنا فشعرنا بالقلق لأن مجيئها كان محل استغرابنا ومفاجأة لم نتوقعها، وكنا لم نسمع عن هجوم الطليان على المعسكرات السنوسية، واحتلالهم اجدابية، فأخذنا نستعد في هدوء والسيارات تدنوا منا في سير بطيء فأراد علي باشا العبيدي أن يطلق الرصاص من بندقيته ولكنني منعته قائلاً: لابد أن نتحقق قبلاً من الغرض ونعرف شيئاً عن مجيء هذه السيارات كي لانكون البادئين بمثل هذه الحوادث وبينما نحن في أخذ ورد وإذا بالسيارات تفترق في خطة منظمة المراد منها تطويقنا، وشاهدنا المدافع الرشاشة مصوبة نحونا فلم يبق هنا أي شك فيما يراد بنا فأمطرناهم وابلاً من رصاص بنادقنا، وإذا بالسيارات قد ولت الادبار الى منتجع قريب منا وعادت بسرعة تحمل صوفا، ولما دنت منا توزعت توزيعاً محكماً وأخذ الجنود ينزلون ويضعون الأصواف (الخام) أمامهم ليتحصنوا بها من رصاصنا وبادرنا بطلق الأعيرة فأخذ علي باشا يولع سيجارة وقلت له رمضان ياعلي باشا منبهاً إياه للصوم فأجابني قائلاً: (مو يوم صيام المنشرزام).

وفي أسرع مدة انجلت المعركة عن خسارة الطليان وأخذت النار تلتهم السيارات إلا واحدة فرت راجعة، وغنمنا جميع ماكان معهم من الأسلحة).

واستمر المجاهدون في سيرهم حتى بلغوا الجبل الاخضر ووصلوا الى زاوية القطوفية (مكان معسكر المغاربة) وقابلهم صالح الاطيوش والفضيل المهشهش، ووقف عمر المختار على تفاصيل معركة البريقة وحال المجاهدين ثم واصل سيره الى جالو مقر السيد محمد الرضا ليبلغ التعليمات التي أخذها من سمو الامير.

وبعد اللقاء بين عمر المختار والسيد الرضا اتفقا على تنظيم حركة الجهاد وإنشاء المعسكرات في الجبل الاخضر واقترح عمر المختار على الرضا أن يرسل ابنه الصديق الى معسكر المغاربة عند صالح الاطيوش ومعسكر العواقير بقيادة قجة عبدالله السوداني، وهي معسكرات قريبة من بعضها ثم غادر عمر جالو الى الجبل الاخضر وشرع في تشكيل المعسكرات للمجاهدين ، وأنشئت معسكرات البراعصة والعبيد والحاسة، فاختار الرضا حسين الجويفي البرعصي لقيادة البراعصة، ويوسف بورحيل المسماري لمعسكر البراغيث والفضيل بوعمر لمعسكر الحاسة وأصبح عمر المختار القائد الأعلى لتلك المعسكرات.

وبدأ الجهاد الشاق والطويل واستمر متصلاً ومن غير هوداة حوالي ثمانية اعوام.

وكانت عامي 1924م، 1925م قد شاهدت مناوشات عدة ومعارك دامية، ووسع المجاهدون نشاطهم العسكري في الجبل الاخضر ولمع اسم عمر المختار نجمه كقائد بارع يتقن اساليب الكر والفر ويتمتع بنفوذ عظيم بين القبائل وأخذ العرب من أبناء القبائل ينضمون الى صفوف المجاهدين وبادرت القبائل بإمداد المجاهدين بما يحتاجون من مؤن وعتاد وأسلحة، وكان لقبائل العبيد، والبراعصة، والحاسة والدرسة والعواقير وأولاد الشيخ والعوامة، والشهيبات والمنفا والمسامير أكبر نصيب في حركة الجهاد.

كان معسكر البراغيث هو مركز الرياسة العامة ومقر القائد العام عمر المختار: وهو النواة الاولى وحجر الاساس لمعسكرات الجبل الاخضر الثلاثة وكان عمر المختار يلقب بنائب الوكيل العام، وكان السيد يوسف بورحيل يعرف بوكيل النائب وهكذا فقد تنظم الجهاز الحكومي في هذه المنطقة الواسعة بتشكيل المحاكم الشرعية والصلحية وإدارة المالية (المحاسبة، والارزاق وجباية الزكاة الشرعية والخمس من الغنائم) واستمر التعاون بين هذه المعسكرات الثلاثة وفروعها في السراء والضراء وأخذت تقوم بحركات عظيمة ضد العدو وشن الغرة عليه في معاقله؛ كما كانت تتصدى لزحفه عليها، فتهجم حيناً ، وتنسحب حيناً آخر حسب ظروف الحرب.

أصبح تفكير إيطاليا محصوراً في برقة التي لم يتمكن الطليان منذ زحفهم على اجدابية سنة 1923م من احتلال مواقع تذكر عدا مدينة اجدابية ولذلك اهتمت ايطاليا ببرقة وانحصرت مجهوداتها في الفترة الواقعة بين سنة 1923م وبين 1927م على معسكرات عمر المختار الذي لم يخرج يوماً من معركة إلا ليدخل في معركة أخرى.

وفي 1927م وقع الوكيل العام السيد رضا المهدي السنوسي في الأسر بطريق الخديعة والخيانة والغدر وسقطت مناطق برقة الحمراء والبيضاء تدريجياً.

كانت قيادة الجيش الايطالي في برقة قد بدلت وتولى أمرها لتنفيذ الخطة الجديدة التي تستهدف ضرب الحصار على حركة الجهاد في الجبل الاخضر (ميزتي) كما استبدل والي بنغازي الايطالي (مومبيلي) بخلفه الجنرال (تيروتس) وهو من زعماء الحزب الفاشيستين وزود الجنرال ميزتي بعدد كبير من الجنرالات وكبار الضباط وأركان الحرب لمساعدته وفي نفس السنة تقدمت القوات الايطالية من طرابلس بقيادة الجنرال غرسياني فاحتلت واحة الجفرة والقسم الاكبر من فزان واشتبكت قبائل المغاربة بزعامة صالح الاطيوش وقبائل اولاد سليمان بزعامة عبدالجليل سيف النصر، ودور حمد بك سيف النصر، وبعض اللاجئين الى تلك الجهات من قبائل العواقير بزعامتي عبدالسلام باشا الكزة، والشيخ سليمان رقرق، ودخلت هذه القبائل في معارك بجهات الخشة وكان الغلبة فيها للجيش الايطالي الزاحف فالتجأ المجاهدون الى منطقة الهاروج من الصحراء ومن ثم اشتركوا مع العدو في معارك عنيفة منها معركة الهاروج، ومعركة جبل السوداء، ومعركة قارة عافية وكان من بين من حضروا هذه المعركة الاخيرة السيد محمود بوقويطين أمير اللواء وقائد عام قوة دفاع برقة في زمن المملكة الليبية المتحدة، والسيد السنوسي الاشهب.

كانت القيادة الايطالية حريصة على الاستيلاء على فزان فخرجت في اواخر يناير 1928م قوتان .. احدهما من غدامس والاخرى من الجبل الاخضر، وكان الجيش بقيادة غراسياني والتحم المجاهدون مع ذلك الجيش في معركة دامية استمرت خمسة أيام بتمامها، انهزم فيها الطليان شر هزيمة فتقهقروا تاركين مالديهم من مؤن وذخائر ثم مالبث أن خرجت قوة اخرى قصدت فزان مباشرة، فعلم المجاهدون بامرها بعد خروجها بثلاث أيام وانسحبوا الى الداخل، حتى اذا وصل هذا الجيش الجديد الى مكان يقع بين جبلين يعرفان بالجبال السود انقض المجاهدون على الطليان وأرغموهم على التقهقر، فعمل قواد الحملة الى الفرار بسياراتهم تاركين وراءهم الجيش ، الذي وقع أكثره في قبضة المجاهدين، فأستأصلوهم عن آخرهم، وعندئذ لم يجد الطليان مناصا من أن يجددوا محاولتهم ، فخرجت هذه المرة قوات عظيمة من جهات متعددة غير أن الطليان ما لبثوا ان انهزموا في هذه المعارك وتركوا وراءهم غنائم وأسلابا كثيرة ، وجدد الطليان المسعى وخرجوا من الجفرة في 30 فبراير 1928م بجيش كبير وزحفوا على زله واحتلتها في 22 فبراير وواصلت القوات الايطالية سيرها واحتلت آبار تقرفت في 25 فبراير واستمرت العمليات وانتهت باحتلال مراده، واصبحت زلة وجالو، واوجله ومراده تحت سيطرتهم، ومما ساعد الطليان على احتلالهم لتلك الواحات سقوط الجغبوب قبل ذلك في ايديهم، وسياستهم الرامية لتفتيت الصف بواسطة بعض عملائهم وكان الطليان يبذلون الأموال والوعود لزعماء القبائل، لوقف القتال وقد نجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً.

كان احتلال الجغبوب ، جالو، اوجلو، وفزان وغيرها من الواحات قد جعل عمر المختار في عزلة تامة في الجبل الاخضر ومع هذا ظل عمر المختار يشن الغارات على درنة وماحولها حتى أرغم الطليان على الخروج بجيوشهم لمقابلته ، فاشتبك معهم في معركة شديدة استمرت يومين كان النصر فيها حليفه وفرّ الطليان تاركين عدداً من السيارات والمدافع الجبلية وصناديق الذخيرة والجمال، ودواب النقل.

وكانت القبائل تتعاون مع قائد حركة الجهاد تمده بالرجال، والمؤن والمعلومات وعلى سبيل المثال كان حامد عبدالقادر المبروك من شيوخ قبيلة المسامير يمد المختار بالمعلومات المهمة دون تأخر، ويشارك في عمليات الجهاد مع أبناء قبيلته بدون علم الطليان ويرجع من كتبت له الحياة إلى موطنه ويستشهد من يستشهد وكان زعماء القبائل التابعة للحركة السنوسية يجمعون الاعشار والزكاة ويمدون بها حركة الجهاد بالرغم من وجود الكثير منهم تحت السلطات الإيطالية، وخصوصاً من كان في المدن كبنغازي، والمرج، ودرنة، وطبرق وغيرها، وكانت وسائل مد المجاهدين بأموال الزكاة والأعشار تتم في غاية السرية وعجزت المخابرات الإيطالية عن اكتشاف اللجان الخاصة بالدعم المالي للمجاهدين، ومن وقع في أيدي السلطات الإيطالية كانت عقوبة الإعدام وكانت الغنائم تمثل مصدراً مهماً لتمويل حركة الجهاد في فترة عمر المختار، ومعظم الغنائم تم الحصول عليها في المعارك التي تمكن فيها المجاهدون من هزيمة الإيطاليين مثل معركة الرحيبة في مارس 1927م وقد وصف حافظ إبراهيم هذا المصدر في أبياته الشعرية فقال:

حاتم الطليان قد قلدتنا = منة نذكرها عاماً فعاما
أنت أهديت إلينا عدة = ولباساً وشراباً وطعاماً
وسلاحاً كان في أيديكم = ذا ملال فغدا يفري العظاما
أكثروا النزهة في أحيائنا = وربانا إنها تشفى السقاما
لست أدري بت ترعى أمة = من بني الطليان أم ترعى سواما
يآل رومة تطلبون أمانياً = ختالة أم تطلبون منونا
جئتم تجرون الحديد ورحتم = بحديدكم في اليم مغلولينا
ورقصتم فيه سكارى فارقصوا = في الليلة السوداء مذبوحينا
لكن استفزكم صليل سيوفكم = فلقد تبدل زفرة وأنينا
هاتوا الذئاب إلى الليوث فخمسة = منهم أبادوا منكم خمسينا
واستجمعوا حيتانكم ونسوركم = فالصائدون هناك مرتقبون
واستكثروا الزاد الشهي فإنكم = وسلاحكم والزاد مأخوذينا
لم يبق منهم معسر أو أعزل = بعد الذي غنموه منتصرينا
واستكملوا المدد الكبير بفتية = سيقوا إلى الهيجاء هيابينا
أحسبتم بطحاء برقة حانة = لكم وغزو القيروان مجونا

وكانت كل عائلة قد أخذت على عاتقها تزويد مجاهديها بما يلزم من شؤون وملابس، ترسله شهرياً إلى الدور (المعسكر).

وكان الأمير ادريس يتحين الفرص لتزويد المجاهدين فقد ذكر الأشهب بأن قافلة وصلت للمجاهدين قادمة من مصر وكان فيها سليمان العميري (من قبيلة أولاد علي) وبو منيقر المنفى (من رفاق عمر المختار) يحملان رسائل من سمو الأمير وكانت القافلة محملة بالأرز والدقيق والسكر والشاي وبعض الملابس، وكان الطيب الأشهب موجوداً في معسكر المجاهدين وقت وصول القافلة وقد ذكر صاحب كتاب حياة عمر المختار بأن قافلة استطاعت أن تخرج من السلوم محملة بمختلف العتاد والمؤن قاصدة معسكر المجاهدين في الجبل الأخضر، فعلم الطليان بذلك وأرسلوا سياراتهم المسلحة لتعقبها، ولكن المجاهدين صمدوا لهم، وأطلقوا رصاص بنادقهم على العجلات فتعطلت السيارات، وعندئذ انقض المجاهدون على القوة الإيطالية فأبادوها عن آخرها وكان ذلك في عام 1928م. وكان المجاهدون يستفيدون من تلك المصادر ويقومون بشراء حاجيات المجاهدين من الأسواق في المدن والقرى، ويشترون مايلزمهم من المؤن، والأسلحة ويجمعون المعلومات عن تحركات العدو العسكرية، كل هذه الأعمال يقوم بها أتباع عمر المختار وبمساعدة سكان المدن والقرى الذين يخفون المجاهدين في بيوتهم ومخيماتهم، وكان المتطوعون يتدفقون على معسكرات الجهاد، وكانوا يعتمدون على أنفسهم في توفير السلاح ووسيلة الركوب والتموين، وكان نظام الأدوار (المعسكرات) يتميز بالآتي:

1- يلتزم كل دور بتوفير التموين اللازم لأفراده، فهم بالإضافة إلى اشتراكهم في عمل واحد هم أبناء عشيرة واحدة مترابطة، ويوجد بالدور أشخاص، مكلفون بجباية الزكاة وجمع الأعشار، وهؤلاء يقومون بعملهم بناء على تكليف كتابي من عمر المختار وهم بدورهم يجرون اتصالات (كوشان) بقيمة المبالغ والأشياء التي استلموها.

وعين لكل دور رئيس إدارة يشرف على تموين الدور من حيث التوزيع والتخزين والتدبير وتسلم الأموال والتبرعات التي تصل لقيادة الدور، فقد عين عمران راشد القطعاني رئيساً لإدارة دور البراعصة والدرسة وعين التواتي العرابي رئيساً لإدارة دور العبيدات والحاسة، وعين الصديق بو هزاوي مأموراً للأعشار ويتبع عمر المختار مباشرة وعين داود الفسي رئيساً لإدارة دور العواقير.

2- يقوم كل دور بتعويض الشهداء من المقاتلين بآخرين من قبائلهم وهكذا لايتأثر الدور كثيراً لفقد الشهداء، فبعد كل معركة يتم حصر الشهداء وإلى أي القبائل ينتمون ثم يرسل إلى كل قبيلة العدد الذي يجب أن تعوضه عن شهدائها، وإذا لم تجد العدد المطلوب تدفع لقيادة الجهاد 1000 فرنك عن كل شهيد لكي يجند بها العدد اللازم.

يتبع >


الساعة الآن 08:14 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.