منتديات بوابة العرب

منتديات بوابة العرب (http://vb.arabsgate.com/index.php)
-   منتدى العلوم الإسلامية المتخصصة (http://vb.arabsgate.com/forumdisplay.php?f=102)
-   -   القضاء والقدر - ابن القيم (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=422300)

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:54 AM

فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة، وعرفه ما ينفعه وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه، فإجراؤها في طريق هلالكه بمنزلة من أعطى عبده فرساً يركبها وأوقفه على طريق نجاة وهلكة، وقال أجرها في هذه الطريق، فعدل بها إلى الطريق الأخرى وأجراها فيها، فغلبته بقوة بأسها وشدة سيرها، وعز عليه ردها عن جهة جريها، وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها مع اختيارها وإرادتها.
فلو قلت: كان ردها عن طريقها ممكناً له مقدوراً أصبت.
وإن قلت: لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها شيء ولا هو يتمكن أصبت.
بل قد حال بينه وبين ردها من يحول بين المرء وقلبه ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم.
وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال فدعاه حسنها إلى محبتها، فنهاه عقله وذكره ما في ذلك من التلف والعطب، وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، فعاد يعاود النظر مرة مرة، ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة، ويحرضها على أسباب المحبة، ويدني الوقود من النار، حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ورمت بشررها وقد حاطت به وطلب الخلاص، قال له القلب هيهات لات حين مناص، أنشده:
تولع بالعشق حتى عشقفلما استقل به لم يطق
رأى لجةً ظنها موجةًفلما تمكن منها غرق
فكان الترك أولاً مقدوراً لما لم يوجد السبب التام والإرادة الجازمة الموجبة للفعل، فلما تمكن الداعي واستحكمت الإرادة قال المحب لعاذله:
يا عاذلي والأمر في يدههلا عذلت وفي يدي الأمر
فكان أول الأمر إرادة واختياراً ومحبة، ووسطه اضطراراً، وآخره عقوبة وبلاءً، ومثل هذا برجل ركب فرساً لا يملكه راكبه ولا يتمكن من رده، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به الميدان خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك.
ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله إذا جنى عليه في حال سكره لم يكن معذوراً لتعاطيه السبب اختياراً، فلم يكن معذوراً بما ترتب عليه اضطراراً. وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة، ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته.
والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى به عثمان بن عفان ، ولم يعلم له في الصحابة مخالف، ورجع عليه الإمام أحمد واستقر عليه قوله، فإن الطلاق ما كان عن وطر، والسكران لا وطر له في الطلاق. وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم وقوع الطلاق في حال الغلق، والسكر من الغلق، كما أن الإكراه والجنون من الغلق، بل قد نص الإمام أحمد و أبو عبيد و أبو داود على أن الغضب إغلاق وفسر به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب ، وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع.
وهذا هو الصحيح الذي يفتى به إذا كان الغضب شديداً قد أغلق عليه قصده، فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره، بل قد يكونان أحسن حالاً منه، فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال. وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال، ولو أجابه لقضى إليه أجله.
وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعد ما يئس منها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يجعله بذلك كافراً لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح.
فكمال رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده ولا بطلاقه لزوجته، وأما إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه، ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:55 AM

الباب التّاسع عشر : في ذكر مناظرةٍ جرَت بين جَبْريّ وسنِّيّ جمعهما مجلسُ مُذاكرة

قال الجبري : القول بالجبر لازم لصحة التوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا به، لأنا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلاً للحوادث مع الله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا شرك ظاهر لا يخلص منه إلا القول بالجبر.
قال السني : بل القول بالجبر مناف للتوحيد، ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب، فلو صح الجبر مناف للتوحيد، ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب، فلو صح الجبر لبطلت الشرائع وبطل الأمر والنهي، ويلزم من بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب.
قال الجبري : ليس من العجب دعواك منافاة الجبر للأمر والنهي والثواب والعقاب، فإن هذا لم يزل يقال، وإنما العجب دعواك منافاته للتوحيد وهو من أقوى أدلة التوحيد، فكيف يكون المصور للشيء المقوي له منافياً له؟
قال السني : منافاته للتوحيد من أظهر الأمور، ولعلها أظهر من منافاته الأمر والنهي. وبيان ذلك أن أصل عقد التوحيد وإثباته هو شهادة: أن لا إله إلا الله. وأن محمداً رسول الله، والجبر ينافي الكلمتين، فإن الإله هو المستحق لصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء.
فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الرب بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والإنقياد له، مع كمال المحبة والإنابة وبذل الجهد في طاعته ومرضاته، وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ومراده، فهذا أصل دعوة الرسل وإليه دعوا الأمم، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو الذي أمر به رسله، وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله.
وكان من قولك أيها الجبري: إن العبد لا قدرة له على هذا البتة، ولا أثر له فيه، ولا هو فعله، وأمره بهذا أمر له بما لا يطيق، بل أمر له بإيجاد فعل الرب، وإن الرب سبحانه أمره بذلك وأجبره على ضده، وحال بينه وبين ما أمره، ومنعه منه وصده عنه ولم يجعل له إليه سبيلاً بوجه من الوجوه، مع قولك: إنه لا يحب ولا يحب، فلا تتألهه القلوب بالمحبة والود والشوق والطلب وإرادة وجهه.
والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية وإثبات العبودية، فرفعت معنى الإلهية بإنكار كونه محبوباً مودوداً تتنافس القلوب في محبته وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه. ورفعت حقيقة العبودية بإنكار كون العبد فاعلاً وعابداً ومحباً، فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك، فضاع التوحيد بين الجبر وإنكار محبته وإرادة وجهه، ولا سيما والوصف الذي وصفته به منفر للقلوب عنه، حائل بينها وبين محبته، فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله، وينهاه عما لا يقدر على تركه، بل يأمره بفعله هو سبحانه وينهاه عن فعله هو سبحانه، ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتة، بل يعاقبه على أفعاله هو سبحانه.
وصرحت بأن عقوبته على ترك ما أمره وفعل ما نهاه بمنزلة عقوبته على ترك طيرانه إلى السماء، وترك تحويله للجبال عن أماكنها، ونقله مياه البحار عن مواضعها، وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه من لونه وطوله وقصره.
وصرحت بأنه يجوز عليه أن يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك، بل هو جائز عليه، ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم ننزهه عنه.
وقلت: إن تكليفه عباده بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى بالكتابة، والزمن بالطيران.
فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد، ونفرته عنه وزعمت أنك تقرر بذلك توحيده وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها.
وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به، فإن مبنى الشرائع على الأمر والنهي، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور، ونهيه عن فعله لا فعل المنهي، عبث ظاهر، فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته، فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية، وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكاماً جارية عليهم بمحض المشيئة والقدرة لا لأنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم. بل هنا أمر آخر وهو أن الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر، فإن الله سبحانه له الخلق والأمر، وما قامت السموات إلا بعدله، فالخلق قام بعدله وبعدله ظهر، كما أن الأمر بعدله وبعدله وجد، فالعدل سبب وجود الخلق والأمر وغايته، فهو على الفاعلية والغائية، والجبر لا يجامع العدل ولا يجامع الشرع والتوحيد.
قال الجبري : لقد نطقت أيها السني بعظيم، وفهت بكير، وناقضت بين متوافقين، وخالفت بين متلازمين، فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على الجبر، وما دل عليه العقل وانقل كيف ينافي موجب العقل والشرع؟ فاسمع الآن الدليل الباهر والبرهان القاهر على الجبر ثم نتبعه بأمثال. فنقول: صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً. فإن كان وواجباً كان فعل العبد اضطرارياً، وذلك عين الجبر، لأن حصول القدرة والداعي ليس بالعبد، وإلا لزم التسلسل، وهو ظاهر، وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون واجباً وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعاً فكان الجبر لازماً لا محالة.
وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجباً، فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك مع مرجح أو لا يتوقف. فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجح واجباً، وإلا عاد الكلام ولزم التسلسل، وإذا كان واجباً كان اضطرارياً وهو عين الجبر. وإن لم يتوقف على مرجح كان جائز الوقوع وجائز العدم، فوقوعه بغير مرجح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثر وذلك محال. فإن قلت: المرجح هو إرادة العبد. قلت لك: إرادة العبد حادثة، والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها، ويلزم التسلسل.
قال السني : هذا أحد سهم في كنانتك وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل، مع عوجه وعدم استقامته، وأنا أستفسر عما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة المستعملة على حق وباطل، وأبين فسادها.
فما تعني بقولك: إن كان الفعل عند القدرة والداعي واجباً كان فعل العبد اضطراباً وهو عين الجبر؟ أتعني به أن يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش، وحركة من نفضته الحمى، وحركة من رمي به من مكان عال فهو يتحرك في نزوله اضطراراً منه. أم تعني به أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة؟

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:56 AM

فإن أردت بكونه اضطرارياً المعنى الأول كذبتك العقول والفطر والحس والعيان، فإن الله فطر عباده على التفريق بين حركة من رمي به من شاهق فهو يتحرك إلى أسفل، وبين حركة بين يرقى في الجبل إلى علوه، وبين حركة المرتعش وبين حركة المصفق، وبين حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي، وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطاً وجر على الأرض، فمن سوى بين الحركتين فقد خلع ربقة العقل والفطرة والشرعة من عنقه.
وإن أردت المعنى الثاني وهو: كون الفعل لازم الوجود عند القدرة والداعي كان لازم الوجود. وهذا لا فائدة فيه، وكونه لازماً وواجباً بهذا المعنى لا ينافي كونه مختاراً مراداً له مقدوراً له غير مكره عليه ولا مجبور، فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار.
ثم نقول: لو صحت هذه الحجة لزم أن يكون الرب سبحانه مضطراً على أفعاله مجبوراً عليها بمعنى ما ذكرت من مقدماتها، وأنه سبحانه لا يفعل بقدرته ومشيئته، وما ذكرت من وجوب الفعل عند القدرة والداعي وامتناعه عند عدمهما ثابت في حقه سبحانه. وقد اعترف أصحابك بهذا الإلزام وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئاً.
قال ابن الخطيب عقيب ذكر هذه الشبهة: فإن قلت: هذا ينفي كونه فاعلاً مختاراً. قلت: الفرق أن إرادة العبد محدثة فافتقرت إلى إرادة يحدثها الله دفعاً للتسلسل، وإرادة الباري قديمة فلم تفتقر إلى إرادة أخرى.
ورد هذا الفرق صاحب التحصيل فقال: ولقائل أن يقول: هذا لا يدفع التقسيم المذكور. قلت: فإن التقسيم متردد بين لزوم الفعل عند الداعي وامتناعه عند عدمه، وهذا القسيم ثابت في حق الغائب والشاهد. وكون إرادة الرب سبحانه قديمة من لوازم ذاته لا فاعل لها لا يمنع هذا الترديد والتقسيم، فإنها عند تعلقها بالمراد يلزم وقوعه وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه، وهذا اللزوم والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلاً مختاراً.
ثم نقول: هذا المعنى لا يسمى جبراً ولا اضطراراً، فإن حقيقة الجبر ما حصل بإكراه صير الفاعل له إلى الفعل وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره. والرب سبحانه هو الخالق للإرادة والمحبة والرضا في قلب العبد فلا يسمى ذلك جبراً، لا لغة ولا عقلاً ولا شرعاً. ومن العجب احتجابك بالقدرة والداعي على أن الفعل الواقع بها اضطراري من العبد والفعل عندكم لم يقع بهما ولا هو فعل العبد بوجه وإنما هو فعل الله، وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه، ولا هناك ترجيح له عند وجودهما، ولا عدم ترجيح عند عدمهما، بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته إلى عدمهما، فالفعل عندك غير فعل الله فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجح ولا تأثير ولا أثر.
قال السني : وقد أجابك إخوانك من القدرية من هذه الحجة بأجوبة أخرى، فقال أبو هاشم وأصحابه: لا يتوقف فعل القادر على الداعي بل يكفي في فعله مجرد قدرته. قالوا: فقولك عند حصول الداعي إما أن يجب الفعل أو لا يجب عندنا أو لا يجب الفعل بالداعي ولا يتوقف عليه. ولا يمكنك أيها الجبري الرد على هؤلاء، فإن الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة وهو متوقف عليه ولا على القدرة، فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها فكيف يؤثر الداعي في الفعل؟ فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك ألبتة، وغايتها إلزام خصومك بها على أصولهم.
وقال أبو الحسين البصري وأصحابه: يتوقف الفعل على الداعي. ثم قال أبو الحسين: إذا تجرد الداعي وجب وقوع الفعل، ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه اختيارياً.
وقال محمد الخوارزمي صاحبه: لا ينتهي بهذا الداعي إلى حد الوجوب، بل يكون وجوده أولى.
قالوا: فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعاً، أما على رأي أبي هاشم فنقول: صدور إحدى الحركتين عنه دون الأخرى لا يحتاج إلى مرجح، بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه. قالوا: ولا استبعاد في العقل وفي وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلاً عن الترك، وبالضد من غير مرجح، كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة. فإن قلتم: بل هناك داع لا يذكرها النائم والناسي كان ذلك مكابرة.
قلت: وأصحاب هذا القول يقولون: إن القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل. وأصحاب القول الأول يقولون: بل يفعل مع وجوب أن يفعل. و محمود الخوارزمي توسط بين المذهبين وقال: بل يفعل مع أولوية أن يفعل، ولا ينتهي الترجيح إلى حد الوجوب.
فالأقوال خمسة:
أحدها: أن الفعل موقوف على الداعي، فإذا انضمت القدرة إليه وجب الفعل بمجموع الأمرين. وهذا قول جمهور العقلاء ولم يصنع ابن الخطيب شيئاً في نسبته له إلى الفلاسفة و أبي الحسين البصري من المعتزلة.
الثاني: أن الفعل يجب بقدرة الله وقدرة العبد. وهذا قول من يقول: إن قدرة العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة الله على عين مقدور العبد. وهذا قول أبي إسحاق واختيار الجويني في النظامية.
الثالث: قول من يقول: يجب بقدرة الله فقط. وهذا قول الأشعري و القاضي أبي بكر . ثم اختلفا. فقال القاضي : كونه فعلاً واقع بقدرة الله، وكونه صلاة أو حجاً أو زنا أو سرقة واقع بقدرة العبد، فتأثير قدرة الله في ذات الفعل وتأثير قدرة العبد في صفة الفعل. وقال الأشعري : أصل الفعل ووصفه واقعان بقدرة الله، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا.
الرابع: قول من يقول: لا يجب الفعل من القادر البتة، بل القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى الوجوب أصلاً. وهذا قول أبي هاشم وأصحابه.
الخامس: أن يكون عند الداعي أولى بالوقوف ولا ينتهي إلى حد الوجوب. وهذا قول الخوارزمي .
وقد سلم أبو الحسين أن الفعل يجب مع الداعي وسلم أن الداعي مخلوق لله، وقال: إن العبد مستقل بإيجاد فعله. قال: والعلم بذلك ضروري.
قال ابن الخطيب : وهذا غلو منه في القدر، وقوله: إنه يتوقف على الداعي والداعي خلق لله، غلو في الجبر فجمع بين القدر والجبر مع غلوه فيهما.
ولم ينصفه، فليس ما ذهب إليه غلو في قدر ولا جبر، فإن توقف الفعل على الداعي ووجوبه عنده بقدرة العبد ليس جبراً فضلاً عن أن يكون غلواً فيه، وكون العبد محدثاً لفعله ضرورة بما خلقه الله فيه من القدرة والاختيار ليس قولاً بمذهب القدرية فضلاً عن كونه غلواً فيه.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:56 AM

قال الجبري: إذا كان الداعي ليس من أفعالنا وهو علم القادر أن في ذلك الفعل مصلحة له، وذلك أمر مذكور في طبيعته التي خُلِق عليها، وذلك مفعول لله فيه، والفعل واجب عنده، فلا معنى للجبر إلا هذا، والرّد على هذا القول
قال الجبري : إذا كان الداعي ليس من أفعالنا وهو علم القادر أن في ذلك الفعل مصلحة له، وذلك أمر مذكور في طبيعته التي خلق عليها، وذلك مفعول لله فيه، والفعل واجب عنده، فلا معنى للجبر إلا هذا.
قال له السني : أخوك القدري يجيبك عن هذا بأن ذلك الداعي قد يكون جهلاً وغلطاً، وهذه أمور يحدثها الإنسان في نفسه فيفعل على حسب ما يتوهم أن فيه مصلحته، صادفها أو لم يصادفها، فالداعي لا ينحصر في العلم خاصة.
قال الجبري : لا يساوي هذا الجواب شيئاً، فإن العطشان مثلاً يدعوه الداعي إلى شرب الماء لعلمه بنفعه وشهوته وميله إلى شربه، وذلك العلم وتلك الشهوة والميل إلى الشرب من فعل الله، فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغراً داخراً ويعترف بأن ذلك الفعل مضاف إلى من خلق فيه الداعي المتقضي.
قال القدري : ذلك الداعي وإن كان من فعل الله إلا أنه جار مجرى فعل المكلف لأنه قادر على أن يبطل أثره بأن يستحضر صارفاً عن الشرب، مثل أن يحجم عن الشراب تجربة هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا، فإحجامه لأجل التجربة إثر داع ثان هو الصارف يعارض الداعي. فالحي قادر على تحصيله وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله، فإبقاؤه الداعي الأول بحاله وإعراضه عن إحضار المعارض له أمر لولاه ما حصل الشرب، فمن هذا الوجه كان الشرب فعلاً له، لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار. ويصير هذا كمن شاهد إنساناً في نار متأججة وهو قادر على إطفائها عنه من غير مشقة ولا مانع، فإنه إن لم يطفها استحق الذم، وإن كان الإحراق من أثر النار.
وقد أجاب ابن أبي الحديد بجواب آخر فقال: ويمكن أن يقال: إذا تجرد الداعي كما ذكرتم في صورة العطشان فإن التكليف بالفعل والترك يسقط، لأنه يصير أسوأ حالاً من الملجأ. وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق، فإن مقتضى التكليف قائم، فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة؟ وهذا قسم رابع من الذين رفع عنهم التكليف أثبته هذا القدري زائداً على الثلاثة الذين رفع عنهم القلم، وهذا خرق منه لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة، ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي لكان كل من تجرد داعيه إلى فعل ما أمر به قد سقط عنه التكليف وهذا القول أقبح من القول بتكليف مالا يطاق. ولهذا كان القائلون به أكثر من هذا القائل، وقولهم يحكى ويناظر عليه.
قال الجبري : إذا كان الداعي من الله وهو سبب الفعل، والفعل واجب عنده، كان خالق الفعل هو خالق الداعي، أي: خالق السبب.
قال السني : هذا حق فإن الداعي مخلوق لله في العبد وهو سبب الفعل، والفعل يضاف إلى الفاعل لأنه صدر منه ووقع بقدرته ومشيئته واختياره، وذلك لا يمنع إضافته بطريق العموم إلى من هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير.
وأيضاً فالداعي ليس هو المؤثر، بل هو شرط في تأثير القادر في مقدوره، وكون الشرط ليس من العبد لا يخرجه عن كونه فاعلاً، وغاية قدرة العبد وإرادته الجازمة أن يكون شرطاً أو جزء سبب، والفعل موقوف على شروط وأسباب لا صنع للعبد فيها البتة. وأسهل الأفعال رفع العين لرؤية الشيء، فهب أن فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك، فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك وكونه قابلاً للرؤية، وخلق آلة الإدراك وسلامتها، وصرف الموانع عنها، فما تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف ما يقدر عليه من تقليب حدقته نحو المرئي.
فكيف يقول عاقل: إن جزء السبب أو الشرط موجب مستقل لوجود الفعل؟ وهذا الموضع مما ضل فيه الفريقان، حيث زعمت القدرية أنه موجب للفعل، وزعمت الجبرية أنه لا أثر له فيه. فخالفت الطائفتان صريح المعقول والمنقول، وخرجت عن السمع والعقل. والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل. فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل مع أن أكثر أسبابه ليست إليه فقد خرج عن موجب العقل والشرع. فهب أن دواعي حركة الضرب منك مستقلاً بها فهل سلامة الآلة منك؟ وهل وجود المحل المنفعل وقبوله منك؟ وهل خلق الفضاء بينك وبين المضروب وخلوه من المانع منك؟ وهل إمساكه قدرته عن مضاربتك وغلبتك منك؟ وهل القوة التي في اليد والرباطات والاتصالات التي بين عظامها وشد أسرها منك؟ ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء فقد كابر العقل والحس.
قال الجبري : إن انتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجح من العبد ذلك المرجح ممكن لا محالة، فإن ترجح بلا مرجح انسد عليكم باب إثبات الصانع إذا جوزتم رجحان أحد طرفي الممكن، وإن توقف على مرجح آخر لزم التسلسل فلا بد من انتهائه إلى مرجح من الله لا صنع للعبد فيه.
قال السني : أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون: القادر المختار يحدث إرادته وداعيته بلا مرجح من غيره. قالوا: والفطرة شاهدة بذلك، فإنا لا نفعل ما لم نرد، ولا نريد ما لم نعلم أن في الفعل منفعة لنا أو دفع مضرة، ولا نجد لهذه الإرادة إرادة أحدثتها، ولا لعلمنا بأن ذلك نافع علماً آخر أحدثه. والمرجح هو ما خلق عليه العبد وفطر عليه من صفاته القائمة به. فالله سبحانه أنشأ العبد نشأة يتحرك فيها بالطبع، فحركته بالإرادة والمشيئة من لوازم نشئه وكونه حيواناً، فإرادته وميله من لوازم كونه حياً، فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا غير، وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولد من حيث كان المتولج سبباً، وهذه الأفعال صادرة منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد، فهما متماثلان من هذه الجهة.
قال السني : وهذا جواب باطل بأبطل منه، ورد فاسد بأفسد منه. ومعاذ الله- والله أكبر وأجل وأعظم وأعز- أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته. فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك، ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه، بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقاً تصرف به في عبده. وقد بينا مخلوق لله فيه، فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار، وفقره إلى خالقه وبارئة من لوازم ذاته، وقلبه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، فيجعله مريداً لما شاء وقوعه منه، كارهاً لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
ونعم والله سلسلة المرجحات تنتهي إلى أمر الله الكوني ومشيئته. النافذة التي لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها. ولكن الجبر لفظ مجمل يراد به حق وباطل كما تقدم، فإن أردتم به أن العبد مضطر في أفعاله، وحركته في الصعود في السلم كحركته في وقوعه منه فهذا مكابرة للعقول والفطر. وإن أردتم به أن لا حول ولا قوة إلا بربه وفاطره فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله وهي كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما. فالقوة والقدرة والحول بالله، فلا قدرة له ولا فعل إلا بالله، فلا ننكر هذا ولا نجحده لتسمية القدري له جبراً، فليس الشأن في الأسماء إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ، فلا نترك لهذه الأسماء مقتضى العقل والإيمان.
والمحذور كل المحذور أن نقول: إن الله يعذب عبده على ما لا صنع له فيه ولا قدرة له عليه ولا تأثير له في فعله بوجه ما، بل يعذبه على فعله هو سبحانه وعلى حركته إذا سقط من علو إلى سفل. نعم لا يمتنع أن يعذبه على ذلك إذا كان قد تعاطى أسبابه بإرادته ومحبته كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره لتفريطه وعدوانه بارتكاب السبب، وكما يعاقب العاشق الذي غلب على صبره وعقله وخرج الأمر عن يده لتفريطه السابق بتعاطي أسباب العشق، وكما يعاقب الذي آل به إعراضه وبغضه للحق إلى أن صار طبعاً وقفلاً وريناً على قلبه فخرج الأمر عن يدخ وحيل بينه وبين الهدى، فيعاقبه على ما لم يبق له قدرة عليه ولا إرادة، بل هو ممنوع منه، وعقوبته عليه عدل محض لا ظلم فيه بوجه ما.
فإن قيل: فهل يصير في هذا الحال مكلفاً وقد حيل بينه وبين ما أمر به وصد عنه ومنع منه أم يزول التكليف؟
قيل: ستقف على الجواب الشافي إن شاء الله عن هذا السؤال في باب القول في تكليف مالا يطاق قريباً، فإن سؤال جيد، إذ المقصود ههنا الكلام في الجبر وما [في] لفظه في الإجمال وما في معناه من الهدى والضلال.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:57 AM

فصل: قول الجبري: إن حركة العبد، إمّا أن تكون مقدورة للربّ وحده، أو العبد وحده، أو للربّ والعبد، وقوله: بأنها مقدورة لله وحده، وهو عين الجبر، وبيان الحقّ في ذلك
قال الجبري: إذا صدر من العبد حركة معينة فإما أن تكون مقدورة للرب وحده، أو العبد وحده، أو للرب والعبد، أو لا للرب ولا للعبد، وهذا القسم الأخير باطل قطعاً. والأقسام الثلاثة قد قال بكل واحد منها طائفة. فإن كانت مقدورة للرب وحده فهو الذي نقوله، وذلك عين الجبر. وإن كانت مقدورة للعبد وحده فذلك إخراج لبعض الأشياء عن قدرة الرب تعالى، فلا يكون على كل شيء قديراً، ويكون العبد المخلوق الضعيف قادراً على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره. وهذا هو الذي فارقت به القدرية التوحيد وضاهت به المجوس. وإن كانت مقدورة للرب والعبد لزمت الشرطة، ووقوع مفعول بين فاعلين، ومقدور بين قادرين، وأثر بين مؤثرين، وذلك محال لأن المؤثرين إذا اجتمعا استقلالاً على أثر واحد فهو غني عن كل منهما بكل منهما، فيكون محتاجاً إليهما مستغنياً عنهما.
قال السني: قد افترق الناس في هذا المقام فرقاً شتى:
ففرقة قالت: إنما تقع الحركة بقدرة الله وحده لا بقدرة العبد، وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية، فقدرة الرب وحده اقتضت وجودها وقدرة العبد اقتضت صفتها. وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه. ولعمر الله إنه لغير شاف ولا كاف فإن صفة الحركة إن كان أثراً وجودياً فقد أثرت قدرته في أمر موجود فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة، وإن كان صفتها أمراً عدمياً كان متعلق قدرته عدماً لا وجوداً، وذلك ممتنع، إذ أثر القدرة لا يكون عدماً صرفاً.
وفرقة أخرى قالت: بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه.
وفرقة قالت: بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب. ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين: فرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثرة مع كون الرب قادراً على الحركة، وقالت: إن مقدورات العباد مقدورة لله تعالى، وهذا قول أبي الحسين البصري، وأتباعه الحسينية. وفرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثرة، والله سبحانه غير قادر على مقدور، وهذا قول المشايخية أتباع أبي علي و أبي هاشم . وليس عند ابن الخطيب وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، وليس عند أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضاً.
وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا السؤال أنه وإن كان يقول بمقدور بين قادرين فله أن يقول في هذا المقام: إن كان الدليل الذي ذكرته دليلاً صحيحاً على استحالة اجتماعها على فعل واحد فإنما يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع، ولا يستحيل على سبيل البدل، كما يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل. وهذا جواب باطل قطعاً، فإن مضمونه أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر. فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته إن كان مقدوراً لله فهو القول بمقدور بين قادرين، وإن لم مقدوراً له لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته.
فإن قلت: هو قلت عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد.
قيل لك: فهذا تصريح منك بأنه في حال قدر العبد عليه لا يقدر عليه الرب، فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على البدل. وأيضاً فإن قدر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد، فإذا قدر العبد عليه انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها، وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار الأرض ورموكم به عن قوس واحدة، وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة، وإلا فحقيقة هذا القول: أن العبد يقدر على ما لا يقدر عليه الرب، وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده.
فإن قلت: كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمين، ومراد واحد بين مريدين.
قيل: هذا من أفسد القياس، لأن المعلوم لا يتأثر بالعالم، والمراد لا يتأثر بالمريد، فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد كما يصح الاشتراك في المرئي والمسموع، وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرين فيه بالقدرة المصححة وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما، وصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من الآخر. أما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجبة المقارنة لمقدورها فهو عين المحال، إلا أن يراد الاشتراك على البدل فيكون تأثيراً أحدهما فيه شرطاً في تأثير الآخر.
ولما تفطن أبو الحسين لهذا قال: لست أقول إن إضافته إلى إحداهما هي إضافته إلى الآخر، كما أن الشيء الواحد يكون معلوماً لعالمين ويمتنع أن يكون علم أحدهما به هو علم الآخر، فهكذا أقول في المقدور بين قادرين، ليست قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر، والمفعول بين فاعلين ليس فعل أحدهما فيه هو فعل الآخر، وإنما معنى قولي هذا أنه فعل ولهذا وتأثير له أنه لقدرته وداعيته وجد، وليس معنى كونه وجد لقدرة هذا وداعيته هو معنى كونه وجد لقدرة الآخر وداعيته. قال: وليس يمتنع في العقل إضافة شيء واحد إلى شيئين لكنه يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر. وهذا لا يجدي عنه شيئاً، فإن التقسيم المذكور دائر فيه.
ونحن نقول: قد دل الدليل على شمول قدرة الرب سبحانه لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال، وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره البتة. ودل الدليل أيضاً على أن العبد فاعل لفعله بقدرته وإرادته، وأنه فعل له حقيقة يمدح ويذم به عقلاً وعرفاً وشرعاً، وفطرة فطر الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم. ودل الدليل على استحالة مفعول واحد بالعين بين فاعلين مستقلين، وأثر واحد بين مؤثرين فيه على سبيل الاستقلال. ودل الدليل أيضاً على استحالة وقوع حادث لا محدث له، ورجحان راجح لا مرجح له، وهذا أمور كتبها الله سبحانه في العقول، وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض ولا يجوز أن يضرب بعضها ببعض، بل يقال بها كلها، ويذهب إلى موجبها، فإنها يصدق بعضها بغضاً. وإنما يعارض بينهما من ضعف بصيرته وإن كثر كلامه وكثرت شكوكه، والعلم أمر آخر وراء الشكوك والإشكالات، ولهذا تناقض الخصوم.
وهذا رأس مال المتكلمين. والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها في المسألة. والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير.
والتعبير عن هذا المعنى بمقدور بين قادرين تعبير فاسد وتلبيس، فإنه يوهم أنهما متكافئان في القدرة، كما تقول: هذا الثوب بين هذين الرجلين، وهذه الدار بين هذين الشريكين، وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبب بسببه، والسبب أو المسبب والفاعل والآلة كله إثر القدرة القديمة. ولا نعطل قدرة الرب سبحانه عن شمولها وكمالها وتناولها لكل ممكن، ولا نعطل قدرة الرب التي هي سبب عما جعلها الله سبباً له ومؤثرة فيه، وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر قدرته ومشيئته.
ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له، فإن فعل العبد إن لم يكن مخلوقاً لله كان مخلوقاً للعبد، إما استقلالاً، وإما على سبيل الشركة، وإما أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرب ومشيئته وخلقه. وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرب خلقاً وتكويناً كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سبباً ومباشرة والله خلق الفعل والعبد فعله وباشره، والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:57 AM

فصل: قول الجبري: لو كان العبد فاعلاً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيلها، وبيان الحقّ في ذلك
قال الجبري : لو كان العبد فاعلاً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيلها، لأنه يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص، فوقوعه على ذلك الوجه مشروط بالعلم بتفصيله، ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل ولا يشعر بكيفية ولا قدرة. وأيضاً فالمتحرك يقطع المسافة ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا أجزاء المسافة، ومحرك أصبعه محرك لأجزائها ولا يشعر بعدد أجزائها ولا بعدد أحيازها، والمتنفس يتنفس باختياره ولا يشعر في الغالب بنفسه فضلاً عن أن يشعر بكميته وكيفيته ومبدئه ونهايته، والغافل قد يتكلم بالكلمة ويفعل الفعل باختياره ثم بعد فراغه منه يعلم انه لم يكن قاصداً له، فنحن نعلم علماً ضرورياً من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا في حالة المشي والقيام والقعود، ولو أردنا فصل كل جزء من أجزاء حركاتنا في حالة إسراعنا بالمشي والحركة والإحاطة به لم يمكننا ذلك، بل ونعلم ذلك من حال أكمل العقلاء فما الظن بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها حتى الذر والبعوض، وهذا مشاهد في السكران ومن اشتد به الغضب. ولهذا قال تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون
فدل على أن السكران يصدر منه أقوال لا يعلم بها فكيف يكون هو المحدث لتلك الأقوال وهو لا يشعر بها، والإرادة فرع الشعور، ولهذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع طلاق السكران، نزلوا حركة لسانه منزلة تحريك غيره له بغير إرادته، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا طلاق في إغلاق لأن الإغلاق يمنع العلم والإرادة، فكيف يكون التطليق فعله وهو غير عالم به ولا مريد له.
وأيضاً فقد قال جمهور الفقهاء: إن الناسي غير مكلف، لأن فعله لا يدخل تحت الاختيار، ففعله غير مضاف إليه مع أنه وقع باختياره.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه في قوله: من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه فأضاف فعله إلى الله لا إليه، فلم يكن له فعل في الأكل والشرب فلم يفطر به.
قال السني : هذا موضع تفصيل لا يليق به الإجمال، فنقول: ما يصدر من العبد من الأفعال ينقسم أقساماً متعددة بحسب قدرته وعلمه وداعيته وإرادته.
فتارة يكون ملجأ إلى الفعل لا إرادة فيه بوجه ما، كمن أمسكت يده وضرب بها غيره أو أمسكت إصبعه وقلع بها عين غيره، فهذا فعله بمنزلة حركات الأشجار بالريح، ولهذا لا يترتب عليه حكم البتة ولا يمدح عليه ولا يذم ولا يثاب ولا يعاقب، وهذا لا يسمى فاعلاً عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً.
وتارة يكون مكرهاً على أن يفعل، فهذا فعله يضاف إليه وليس كالملجأ الذي لا فعل له، واختلف الناس هل يقال: إنه فعل باختياره وإنه يختار ما فعله، أو لا يطلق عليه ذلك، على قولين. والتحقيق أن النزاع لفظي، فإنه فعل بإرادة هو محمول عليها مكره عليها، فهو مكره مختار، مكره على أن يفعل بإرادته مريد ليفعل ما أكره عليه. فإن أريد بالمختار من يفعل بإرادته وإن كان كارهاً للفعل فالمكره مختار، وأيضاً فهو مختار ليفعل ما أكره لتخلصه به مما هو أكره إليه من الفعل، فلما عرض له مكروهان أحدهما أكره إليه من الآخر اختار أيسرهما دفعاً لأشقهما، ولهذا يقتل قصاصاً إذ قتل عند الجمهور، والملجأ لا يقتل باتفاق الناس. ومما يوضح هذا أن المكره على التكلم لا يتأتى منه التكلم إلا باختياره وإرادته، ولهذا أوقع طلاقه وعتاقه بعض العلماء، والجمهور قالوا: لا يقع، لأن الله جعل كلام المكره على كلمة الكفر لغواً لا يترتب عليه أثره، لأنه وإن قصد التكلم باللفظ دفعاً عن نفسه فلم يقصد معناه وموجبه، حتى قال بعض الفقهاء: لو قصد الطلاق بقلبه مع الإكراه لم يقع طلاقه لأن قوله هذر ولغو عند الشارع، فوجوده كعدمه في حكمه، فبقي مجرد القصد وهو غير موجب للطلاق. وهذا ضعيف، فإن الشارع إنما ألغى قول المكروه إذا تجرد عن القصد، وكان قلبه مطمئناً بضده، فأما إذا قارن اللفظ القصد وأطمأن القلب بموجبه فإنه لا يعذر.
فإن قيل: فما تقولون فيمن ظن أن الإكراه لا يمنع وقوع الطلاق فقصده جاهلاً بأن الإكراه مانع من وقوعه.
قيل: هذا لا يقع طلاقه لأنه لما ظن أن الإكراه على الطلاق يوجب وقوعه إذا تكلم به كان حكم قصده حكم لفظه، فإنه إنما قصده دفعاً عن نفسه لما علم أنه لا يتخلص إلا به. ولم يظن ان الكلمة بدون القصد لغو، أو دهش عن ذلك ولا وطر له في الطلاق، فهذا لا يقع بحلاف الأول، فإنه لما أكره على الطلاق نشأ له قصد طلاقها إذ لا غرض له أن يقيم مع امرأة أكره على طلاقها وإن كان لو لم يكره لم يبتدئ طلاقها. والمقصود أن المكره مريد لفعله غير ملجأ إليه.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:58 AM

فصل: الكلام حول أفعال النائم
وأما أفعال النائم فلا ريب وقوع الفعل القليل منه والكلام المفيد، واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له أو مكتسبة أو ضرورية بعد اتفاقهم على أنها غير داخلة تحت التكليف.
فقالت المعتزلة ، وبعض الأشعرية : هي مقدورة له، والنوم لا يضاد القدرة وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات.
وذهب أبو إسحاق وغيره إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له، وأن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم. وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم لا يقطع بكونه مكتسباً ولا بكونه ضرورياً، وكل من الأمرين ممكن.
قال أصحاب القدرة: كان النائم قادراً في يقظته وقدرته باقية والنوم لا ينافيها، فوجب استصحاب حكمها. قالوا: وأيضاً فالنائم إذا انتبه فهو [علي] ما كان عليه في نومه، ولا يتجدد أمر وراء زوال النوم، وهو قادر بعد الإنتباه وزوال النوم غير موجب للاقتدار ولا وجوده نافياً للقدرة. قالوا: وأيضاً قد يوجد من النائم ما لو وجد منه في حال اليقظة لكان واقعاً على حسب الداعي والإختيار، والنوم وإن نافى القصد فلا ينافي القدرة.
قال النافون للقدرة: قولكم النوم لا ينافي القدرة دعوى كاذبة، فإن النائم منفعل محض متأثر صرف، ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه. وقولكم: لم يتجدد له أمر غير زوال النوم، فالتجدد زوال المانع من القدرة فعاد إلى ما كان عليه، كمن أوثق غيره رباطاً ومنعه من الحركة فإذا حل رباطه تجدد زوال المانع. قالوا: نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المرتعش والمفلوج، وما ذاك إلا أن حركته مقدورة له، وحركة المرتعش غير مقدورة له.
والتحقيق أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسبة، وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه كذلك نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:58 AM

فصل: الكلام حول زائل العقل بجنون أو سكر وأفعاله
وأما زائل العقل بجنون أو سكر فليست أفعاله اضطرارية كأفعال الملجأ، ولا اختيارية بمنزلة أفعال العامل العالم بما يفعله، بل هي قسم آخر من الاضطرارية، وهي جارية مجرى أفعال الحيوان وفعل الصبي الذي لا تمييز له، بل لكل واحد من هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها، وله إرادة يقصد بها، وقدرة ينفذ بها، وإن كان داعيه نوعاً آخر غير داعي العاقل العالم بما يفعله. فلا بد أن يتصور ما في الفعل من الغرض ثم يريده ويفعله، وهذه أفعال طبيعية واقعة بالداعي والإرادة والقدرة. والدواعي والإرادات تختلف ولهذا لا يكلف أحد هؤلاء بالفعل، فأفعاله لا تدخل تحت التكليف، وليست كأفعال الملجأ ولا المكروه، وهي مضافة إليهم مباشرة، أو إلى خالق ذواتهم وصفاتهم خلقاً، فهي مفعولة وأفعال لهم.
والساهي الذي يفعل الفعل مع غفلته وذهوله فهو إنما يفعله بقدرته إذ لو كان عاجزاً لما تأتى به الفعل، وله إرادة لكنه غافل عنها، فالإرادة شيء والشعور بها شيء آخر، فالعبد قد يكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة، فعملت عملها وهي غير مشعور بها، وإن كان لا بد من الشعور عند كل جزء من أجزائه، وبالله التوفيق. وبالجملة فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:59 AM

فصل: قول الجبري: ضلال الكافر وجهله- عند القدري- مخلوق له، موجود بإيجاده اختياراً، وهذا ممتنع. وبيان الحق في هذه المسألة
قال الجبري : ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له موجود بإيجاده اختياراً، وهذا ممتنع، فإنه لو كان كذلك لكان قاصداً له إذ القصد من لوازم الفعل اختياراً، واللازم ممتنع فإن عاقلاً لا يريد لنفسه الضلال والجهل فلا يكون فاعلاً له اختياراً.
قال السني : عجباً لك أيها الجبري تنزه العبد أن يكون فاعلاً للكفر والجهل والظلم ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه.
ومن العجب قولك: إن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل وأنت ترى كثيراً من الناس يقصد لنفسه ذلك عناداً وبغياً وحسداً مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه، فيطيع دواعي هواه وغيه وجهله ويخالف داعي رشده وهداه، ويسلك طريق الضلال ويتنكب عن طريق الهدى، وهو يراهما جميعاً. قال أصدق القائلين:
سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين
وقال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
وقال تعالى عن قوم فرعون: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين* وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا
وقال تعالى: وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين
وقال تعالى: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق
وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده
وقال تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون* يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون
وقال: يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء
وهذا في القرآن كثير يبين سبحانه فيه اختيارهم الضلال والكفر عمداً على علم، هذا وكم من قاصد أمراً يظن أنه رشد وهو ضلال وغي.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 12:59 AM

فصل: قول الجبري: لو جاز تأثير قُدْرة العبد في القول بالإيجاد، لجاز تأثرها في إيجاد كلّ موجود. وبيان فساد هذا القول وبطلانه
قال الجبري : لو جاز تأثير قدرة العبد في القول بالإيجاد لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود، لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة وإن اختلفت محاله وجهاته. ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في جميعه لاتحاد المتعلق، وإن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر.
وأيضاً فالمصحح للتأثير هو الإمكان، ويلزم من الاشتراك في المصحح للتأثير الاشتراك في الصحة، ومعلوم قطعاً إن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد وأكثر الأعراض، إنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة بمحل قدرته.
قال السني : لقد كشف الله عوار مذهب يكون إثباته مستنداً إلى مثل هذه الخرافات التي حاصلها أنه يلزمها من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض صحة قدرته على قلع الجبل، ومن إمكان حمله لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل، ومن إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق السموات والأرض وما بينهما. وهل سمع في الهذيان بأسمج من هذا وأغث منه. واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام لا يلزم منه أن ما جاز على موجود ما جاز على كل موجود. وهذا أسمج من الأول وأبين فساداً. ولا يلزم من ذلك تماثل البعوضة والفيل، وتماثل الأجسام والأعراض. ومن يجعل من الجبرية للقدرة الحادثة تعلقاً ما بفعل العبد يعترف بالفرق، ويقول قدرته تتعلق ببعض الأعراض ولا تتعلق بالأجسام ولا بكل الأعراض. فإن احتج على إبطال التأثير بهذه الشبهة الغثة ألزم بها بعينها في عموم تعلق قدرته بكل موجود.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:00 AM

فصل: قول الجبري: دليل التوحيد ينفي كونه العبد فاعلاً، وأن يكون لقدرته تأثير في فعله وتقريره، بدليل التمانع، وبيان الحق في ذلك
قال الجبري : دليل التوحيد ينفي كونه العبد فاعلاً، وأن يكون لقدرته تأثير في فعله وتقريره بدليل التمانع.
قال السني : دليل التوحيد إنما ينفي وجوب رب ثان، ويدل على أنه لا رب إلا هو سبحانه، ولا يدل على امتناع وجود مخلوق له قدرة وإرادة مخلوقة يحدث بها وهو وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله، فهو بعد طول مقدماته واعتراف فضلائكم بالعجز عن تقريره وذكر ما في مقدماته من منع ومعارضة، إنما ينفي وجود قادرين متكافئين قدرة كل واحد منهما من لوازم ذاته ليست مستفادة من الآخر. وهو دليل صحيح في نفسه، وإن عجزتم عن تقريره، ولكن ليس فيه ما ينفي أن تكون قدرة العبد وإرادته سبباً لوجود مقدوره، وتأثيرها فيه تأثير الأسباب في مسبباتها، فلا للتوحيد قررتم بدليل التمانع ولا للجبر. وقد كفانا أفضل متأخريكم بيان تنافي هذا الدليل من المنوع والمعارضات.
قال الجبري : دعنا من هذا كله، أليس في القول بتأثير قدرة العبد في مقدوره مع الإعتراف بأن الله سبحانه قادر على مقدور العبد إلزام وقوع المقدور الواحد بين القادرين والدليل ينفيه؟
قال السني : ما تعني بقولك يلزم وقوع مقدور بين قادرين؟ أتعني به قادرين مستقلين متكافئين؟ أم تعني به قادرين تكون قدرة أحدهما مستفادة من الآخر؟ فإن عنيت الأول منعت الملازمة، وإن عنيت الثاني منع انتقاء اللازم.
ومثبتو الكسب يجيبون عن هذا بأنه لا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين لقدرة أحدهما تأثير في إيجاده ولقدرة الآخر تأثير في صفته، كما يقوله القاضي أبو بكر ومن تبعه.
و الأشعري يجيب عنه- على أصله- بأن الفعل وقع بين قادرين لا تأثير لقدرة أحدهما في المقدور، بل تعلق قدرته بمقدورها كتعلق العلم بمعلومه، وإنما الممتنع عنده وقوع مقدور بين قادرين مؤثرين، وهذا الإعتذار لا يخرج عن الجبر، وإن زخرفت له العبارات.
وأجاب عند الحسينية بما حكيناه: أنه لا يمتنع مقدور بين قادرين على سبيل البدل، ويمتنع على سبيل الجمع، وقد تقدم فساده.
وأجاب عنه المشايخية بأنه مقدور للعبد وليس مقدوراً للرب، وهذا أبطل الأجوبة وأفسدها، والقائلون به يقولون: إن الله -سبحانه عن إفكهم- يريد الشيء فلا يكون ويكون الشيء بغير إرادته ومشيئته، فيريد ما لا يكون، ويكون مالا يريد. وكفى بهذا بطلاناً وفساداً.
قال الجبري : الفعل عند المرجح التام واجب، والمرجح ليس من العبد وإلا لزم التسلسل فهو من الرب، فإذا وجب الفعل عنده فهو الجبر بعينه.
قال السني : قد تقدم هذا الدليل وبيان ما فيه، وحيث أعدتموه بهذه العبارة والوجيزة المختصرة فنحن نذكر الأجوبة عنه كذلك.
قولكم: لا بد من مرجح يرجح الفعل على الترك أو بالعكس مسلم.
قولكم: المرجح إن كان من العبد لزم التسلسل وإن كان من الرب لزم الجبر. جوابه: ما المانع أن يكون من فعل العبد ولا يلزم التسلسل بأن يكون من فعله على وجه لا يكون الترك ممكناً له حينئذ، ولا يلزم من سلب الاختيار عنه في فعل المرجح سلبه عنه مطلقاً. ثم ما المانع أن يكون المرجح من فعل الله، ولا يلزم الجبر فإنكم إن عنيتم بالجبر أنه غير مختار للفعل، ولا مريد له لم يلزم الجبر بهذا الاعتبار، لأن الرب سبحانه جعل المرجح اختيار العبد ومشيئته فانتفى الجبر. وإن عنيتم بالجبر أنه وجد لا بإيجاد العبد لم يلزم الجبر أيضاً بهذا الإعتبار. وإن عنيتم أنه يجب عند وجود المرجح وأنه لا بد منه فنحن لا ننفي الجبر بهذا الاعتبار، وتسمية ذلك جبراً اصطلاح يختص بكم، وهو اصطلاح فاسد، فإن الرب سبحانه يجب عند وجود مرجحه التام، ولا يكون ذلك جبراً بالنسبة إليه سبحانه، ثم هذا لازم على من أثبت الكسب منكم، فنقول له في الكسب ما قاله في أصل الفعل سواء، ومن لم يثبت العكس لزم ذلك في فعل الرب كما تقدم.
فإن قلتم: الفرق إن صدور الفعل عن القادر موقوف على الإرادة وإرادة العبد محدثة فافتقرت إلى محدث، فإن كان ذلك المحدث هو العبد لزم التسلسل فوجب انتهاء جميع الإرادات إلى إرادة ضرورية يخلقها الله في القلب ابتداء ويلزم منه الجبر بخلاف إرادة الرب سبحانه فإنها قديمة مستغنية عن إرادة أخرى فلا تسلسل.
قيل لكم: لا يجدي هذا عليكم في دفع الإلزام، فإن الإرادة القديمة إما أن يصح معها الفعل بدلاً عن الترك وبالعكس أو لا، فإن كان الأول فلا بد لأحد الطرفين من مرجح، والكلام في ذلك المرجح كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل، وإن كان الثاني لزم الجبر.
قال الجبري : معتمدي في الجبر على حرف لا خلاص لكم منه إلا بإلزام الجبر، وهو: أن العبد لو كان فاعلاً لكان محدثاً له لكان خالقاً له والشرع والعقل ينفيه، قال تعالى:
يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون
قال السني : قد دل العقل والشرع والحس على أن العبد فاعل له وأنه يستحق عليه الذم واللعن، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى حماراً قد وسم في وجهه، فقال: ألم أنه عن هذا؟ لعن الله من فعل هذا .
وقال تعالى: ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث
وقال: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون
وقال: ووفيت كل نفس ما عملت
وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر، والحس شاهد به فلا نقبل شبهة تقام على خلافه، ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات فلا يلتفت إليه، ولا يجب على العالم حل كل شبهة تعرض لكل أحد، فإن هذا لا آخر له. فقولكم: لو كان فاعلاً لفعله لكان محدثاً له، إن أردتم بكونه محدثاً صدور الفعل منه اتحد اللازم والملزوم، وصار حقيقة قولكم لو كان فاعلاً لكان فاعلاً. وإن أردتم بكونه محدثاً كونه خالقاً، سألناكم ما تعنون بكومه خالقاً؟ هل تعنون به: كونه فاعلاً، أم تعنون به أمراً آخر؟ فإن أردتم الأول كان اللازم فيه عين الملزوم، وإن أردتم أمراً آخر غير كونه فاعلاً فبينوه.
فإن قلتم: نعني به كونه موجداً للفعل من العدم إلى الوجود.
قيل: هذا معنى كونه فاعلاً، فما الدليل على إحالة هذا المعنى، فسموه ما شئتم: إحداثاً، إو إيجاداً أو خلقاً فليس الشأن في التسميات، وليس الممتنع إلا أن يكون مستقلاً بالإيجاد، وهذا غير لازم لكونه فاعلاً فإنا قد بينا أن غاية قدرة العبد وإرادته وداعيه وحركته أن تكون جزء سبب، وما توقف عليه الفعل من الأسباب التي لا تدخل تحت قدرته أكثر من الجزء الذي إليه بأضعاف مضاعفة، والفعل لا يتم إلا بها.
فإن قيل: فهذا الجبر بعينه.
قيل: ذلك السبب الذي أعفى به من القدرة والإرادة هو الذي أخرجه من الجبر وأدخله في الاختيار، وكون ذلك السبب من خالقه وفاطره ومنشئه هو الذي أخرجه من الشرك والتعطيل وأدخله في باب التوحيد.
فالأول أدخله في باب العدل، والثاني أدخله في باب التوحيد، ولم يكن ممن نقض التوحيد بالعدل ولا ممن نقض العدل بالتوحيد. فهؤلاء جنوا على التوحيد وهؤلاء جنوا على العدل. وهدى الله أهل السنة للتوحيد والعدل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:01 AM

الباب العشرون: في ذِكْر مناظرة بين قدَريّ وسنّي

قال القدري : قد أضاف الله الأعمال إلى العباد بأنواع الإضافة العامة والخاصة، فأضافها إليهم بالاستطاعة تارة، كقوله:
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات
وبالمشيئة تارة، كقوله: لمن شاء منكم أن يستقيم
وبالإرادة تارة، كقول الخضر: فأردت أن أعيبها
وبالفعل والكسب والصنع، كقوله: يفعلون ، يعملون
بما كنتم تكسبون لبئس ما كانوا يصنعون
وأما بالإضافة الخاصة فكإضافة الصلاة والصيام والحج والطهارة والزنى والسرقة والقتل والكذب والكفر، والفسوق وسائر أفعالهم إليهم، وهذه الإضافة تمتنع إضافتها إليه كما أن إضافة أفعاله تعالى تمتنع إضافتها إليهم، فلا تجوز إضافة أفعالهم إليه سبحانه دونهم ولا إليه معهم، فهي إذاً مضافة إليهم دونه.
قال السني : هذا الكلام مشتمل على حق وباطل.
أما قولك: إنه أضاف الأفعال إليهم فحق لا ريب فيه، وهذا حجة لك على خصومك من الجبري ة، وهم يجيبونك بأن هذا الإسناد لا حقيقة له، وإنما هو نسبة مجازية صححها قيام الأفعال بهم، كما يقال: جرى الماء وبرد وسخن، ومات زيد. ونحن نساعدك على بطلان هذا الجواب ومنافاته للعقول والشرائع والفطر.
ولكن قولك: هذه الإضافة تمنع إضافتها إليه سبحانه كلام فيه إجمال وتلبيس، فإن أردت بمنع الإضافة إليه منع قيامها به ووصفه بها وجريان أحكامها عليه واشتقاق الأسماء منه له فنعم، هي غير مضافة إليه بشيء من هذه الاعتبارات والوجوه.
وإن أردت بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها إلى علمه بها وقدرته عليها ومشيئته العامة وخلقه، فهذا باطل، فإنها معلومة له سبحانه مقدورة له مخلوقة، وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة.
كالأموال فإنها مخلوقة له سبحانه وهي ملكه حقيقة قد أضافها إليهم، فالأعمال والأموال خلقه وملكه وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده وهو الذي جعلهم مالكيها وعامليها، فصحت النسبتان، وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال وهو الذي خلق الأموال وكاسبيها والأعمال وعامليها، فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده كما أن أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده، فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ويعملون فأعطاهم حاسة السمع والبصر وقوة السمع والبصر وفعل الأسماع والأبصار، وأعطاهم آلة العمل وقوة العمل ونفس العمل.
فنسبة قوة العمل إلى اليد والكلام إلى اللسان كنسبة قوة السمع إلى الأذن والبصر إلى العين، ونسبة الرؤية والاستماع اختياراً إلى محلها كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما، وإن كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع فهل خلقوا محلهما، وقوي المحل والأسباب الكثيرة التي تصلح معها الرؤية والسمع، أم الكل خلق من هو خالق كل شيء وهو الواحد القهار؟
قال القدري : لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم لاشتقت له منها الأسماء وكان أولى بأسمائها منهم، إذ لا يعقل الناس على اختلاف لغاتهم وعاداتهم ودياناتهم قائماً إلا من فعل القيام، وآكلاً إلا من فعل الأكل، وسارقاً إلا من فعل السرقة. وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعديها، فقلبتم أنتم الأمر وقلبتم الحقائق فقلتم من فعل هذه الأفعال حقيقة لا يشتق له منها اسم وإنما يشتق منها الأسماء لمن لم يفعلها ولم يحدثها، وهذا خلاف المعقول واللغات وما تتعارفه الأمم.
قال السني : هذا إنما يلزم إخوانك وخصومك الجبرية القائلين بأن العبد لم يفعل شيئاً البتة، وأما من قال: العبد فاعل لفعله حقيقة، والله خالقه وخالق آلات فعله الظاهرة والباطنة، فإنما إنما يشتق الأسماء لمن فعل تلك الأفعال فهو القائم والقاعد والمصلي والسارق والزاني حقيقة، فإن الفعل إذا قام بالفاعل عاد حكمه إليه ولم يعد إلى غيره، واشتق له منه اسم ولم يشتق لمن لم يقم به.
فههنا أربعة أمور: أمران معنويان في النفي والإثبات، وأمران لفظيان فيهما.
فلما قام الأكل والشرب والزنا والسرقة بالعبد عادت أحكام هذه الأفعال إليه واشتقت له منها الأسماء، وامتنع عود أحكامها إلى الرب، واشتقاق أسمائها له. ولكن من أين يمنع هذا أن تكون معلومة للرب سبحانه مقدورة له، مكونة له، واقعة من العباد بقدرة ربهم وتكوينه ؟
قال القدري : لو كان خالقاً لها لزمته هذه الأمور.
قال السني : هذا باطل ودعوى كاذبة، فإنه سبحانه لا يشتق له اسم مما خلقه في غيره ولا يعود حكمه عليه، وإنما يشتق الاسم لمن قام به ذلك، فإنه سبحانه خلق الألوان والطعوم والروائح والحركات في محالها ولم يشتق له منها اسم ولا عادت أحكامها إليه. ومعنى عود الحكم إلى المحل الإخبار عنه بأنه يقوم ويقعد ويأكل ويشرب.
قال السني : ومن ههنا علم ضلال المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق خلقه الله في محل، ثم اشتق له اسم المتكلم باعتبار خلقه له وعاد حكمه إليه فأخبر عنه أنه تكلم به. ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات الأجسام وأعراضها وقواها فكيف جار أن يشتق له اسم مما خلقه من الكلام في غيره ولم يشتق له اسم مما خلقه من الصفات والأعراض في غيره؟
فأنت أيها القدري نقضت أصولك بعضها ببعض، وأفسدت قولك في مسألة الكلام بقولك في مسألة القدر، وقولك في القدر بقولك في الكلام، فجعلته متكلماً بكلام قائم بغيره وأبطلت أن يكون فاعل الفعل قائماً بغيره. فإن كنت أصبت في مسألة الكلام فقد نقضت أصلك في القدر، وإن أصبت في هذا الأصل لزم خطأك في مسألة الكلام، فأنت مخطئ على التقديرين.
قال القدري: لما تقول أنت في هذا المقام ؟
قال السني : لا تناقض في هذا ولا في هذا، بل أصفه سبحانه بما قام به، وأمتنع من وصفه بما لم يقم.
قال القدري : فالآن حمي الوطيس، فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقاً ورازقاً ومميتاً. والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق والمرزوق والميت، إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه فالخلق إما قديم وإما حادث. فإن كل قديماً لزم قدم المخلوق لأنه نسبة بين الخالق والمخلوق، ويلزم من كونها قديمة قدم المصحح لها. وإن كان حادثاً لزم قيام الحوادث به، وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر فلزم التسلسل، فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه، وقد اشتق له منه اسم.
قال السني : أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيراً من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب سبحانه، فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق، فإن إثبات خالق بلا خلق إثبات اسم لا معنى له، وهو كإثبات سميع لا سمع له، وبصير لا بصر له، ومتكلم قادر لا كلام له ولا قدرة، فتعطيل الرب سبحانه عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:02 AM

والتعطيل أنواع: تعطيل المصنوع عن الصانع، وهو تعطيل الدهرية والزنادقة.
وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات.
وتعطيله عن أفعاله، وهو أيضاً تعطيل الجهمية، أصل إنبائه- ودب فيمن عداهم من الطوائف، فقالوا: لا يقوم بذاته فعل لأن الفعل حادث وليس محلا للحوادث كما قال إخوانهم لا تقوم بذاته صفة لأن الصفة عرض وليس محلاً للأعراض، فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيراً من تعطيل صفات الرب وأفعاله.
فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة، ومعطلة الصفات خير من معطلة الذات، وإن كان التعطيلان متلازمين لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا توصف بصفة. فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج.
ومعطلة الأفعال خير من معطلة الصفات، فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل وإخوانهم نفوا صفات الذات.
وأهل السمع والعقل وحزب الرسول والفرقة الناجية براء من تعطيل هؤلاء كلهم فإنهم أثبتوا الذات والصفات وحقائق الأسماء الحسنى إذ جعلها المعطلة مجازاً لا حقيقة له، فشر هذه الفرق لخيرها الفداء.
والمقصود أنه أي قول لزمه الملتزم كان خيراً من نفي الخلق وتعطيل هذه الصفة من الله وإذا عرض على العقل السليم مفعول لا فاعل له، ومفعول لا فاعل لفعله، لم يجد بين الأمرين فرقاً في الإحالة، فمفعول بلا فعل كمفعول بلا فاعل لا فرق بينهما البتة.
فليعرض العاقل على نفسه القول بتسلسل الحوادث، والقول بقيام الأفعال بذات الرب سبحانه، والقول بوجود مخلوق حادث عن خلق قديم قائم بذات الرب سبحانه، والقول بوجود مفعول بلا فعل، ولينظر أي هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع وأيها أقرب إليهما.
ونحو نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال.
فقالت طائفة: نختار من هذا التقسيم والترديد كون الخلق والتكوين قديماً بذات الرب سبحانه، ولا يلزمنا قدم المخلوق المكون كما نقول نحن وأنتم: إن الإرادة قديمة ولا يلزم من قدمها قدم المراد. وكل ما أجبتم به في صورة الإلزام فهو جوابنا بعينه في مسألة المكوم، وهذا جواب شديد، وهو جواب جمهور الحنفية والصوفية وأتباع الأئمة.
فإن قلتم: إنما لا يلزم عن قدم الإرادة قدم المراد، لأنها تتعلق بوجود المراد في وقته فهو يريد كون الشيء في ذلك الوقت، وأما تكوينه وخلقه قبل وجوده فمحال.
قيل لكم: لسنا نقول، إنه كونه قبل وقت كونه، بل التكوين القديم اقتضى كونه في وقته، كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته.
فإن قلتم: كيف يعقل تكوين ولا مكون ؟
فإن قلتم: قيل: كما عقلتم إرادة ولا مراد.
فإن قلتم: المريد قد يريد الشيء قبل كونه ولا يكونه قبل كونه.
قيل: كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده [لا] في الإرادة التي لا تستلزم المراد، وإرادة الرب سبحانه ومشيئته تستلزم وجود مراده. وكذلك التكوين، يوضحه أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين، وذلك كله قديم ولم يلزم منه قدم الكون.
قالوا: وإذا عرضنا هذا على العقول السليمة وعرضنا عليها مفعولاً بلا فعل بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا. فهو جواب هؤلاء.
وقالت الكرامية : بل يختار من هذا الترديد كون التكوين حادثاً. وقولكم: يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الرب سبحانه فالتكوين هو فعله وهو قائم به، وكأنكم قلتم: يلزم من قيام فعله به قيام به، وسميتم أفعاله حوادث وتوسلهم بهذه التسمية إلى تعطيلها كما سمى إخوانكم صفاته أعراضاً وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيها عنه، وكما سموا علوه على مخلوقاته واستواءه على عرشه تحيزاً وتوسلوا بهذه إلى نفيه، وكما سموا وجهه الأعلى ويديه جوارح وتوسلوا بذلك إلى نفيها.
قالوا: ونحن لا ننكر أفعال خالق السموات والأرض وما بينهما، وكلامه، وتكليمه، ونزوله إلى السماء، واستواءه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، ونداءه لأنبيائه ورسله وملائكته، وفعله ما شاء بتسميتكم لهذا كله حوادث. ومن أنكر ذلك فقد أنكر كونه رب العالمين، فإنه لا يتقرر في العقول والفطر كونه رباً للعالمين إلا بأن نثبت له الأفعال الاختيارية، وذات لا تفعل ليست مستحقة للربوبية ولا للإلهية، فالإجلال عن هذا الإجلال واجب، والتنزيه عن هذا التنزيه متعين. فتنزيه الرب سبحانه عن قيام الأفعال به تنزيه له عن الربوبية وملكه.
قالوا: ولنا على صحة هذه المسألة أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والعقول، وقد اعترف أفضل متأخريكم بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه، وذكرها شبهة شبهة وأفسدها، والتزم بها جميع الطوائف حتى الفلاسفة الذين هم أبعد الطوائف من إثبات الصفات والأفعال. قالوا: ولا يمكن إثبات حدوث العالم، وكون الرب خالقاً، ومتكلماً، وسامعاً، ومبصراً، ومجيباً للدعوات، ومدبراً للمخلوقات، وقادراً ومريداً، إلا بالقول بأنه فعال وأن أفعاله قائمة به، فإذا بطل أن يكون له فعل وأن تقوم بذاته الأمور المتجددة بطل هذا كله.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:03 AM

فصل: ذكر رد الكناني على القدرية
وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في حيدته، فقال في سؤاله للمريسي: بأي شيء حدثت الأشياء؟
فقال له: أحدثها الله بقدرته التي لم تزل.
فقلت له: أحدثها بقدرته كما ذكرت، أو ليس تقول: إنه لم يزل قادراً.
قال: بلى قلت فتقول إنه لم يزل يفعل؟
قال: لا أقول هذا.
قلت: فلا بد أن نلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة، لأن القدرة صفة. ثم قال عبد العزيز: لم أقل: لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع.
فأثبت عبد االعزيز فعلاً مقدوراً لله هو صفة ليس من المخلوقات، وأنه به خلق المخلوقات. وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث، لأن الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، كما حكاه البغوي إجماعاً لأهل السنة.
وقد صرح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به، وأنه خلق به المخلوقات، كما صرح به البخاري في آخر صحيحه، وفي كتاب خلق الأفعال، قال في صحيحه باب ما جاء في تخليق السموات والأرض غيرها من الخلائق، وفعل الرب وأمره: فالرب سبحانه بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق. وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون.
فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه. وجميع جند الرسول وحزبه مع محمد بن إسماعيل في هذا.
والقرآن مملوء من الأدلة عليه كما دل عليه العقل والفطرة، قال تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم
ثم أجاب نفسه يقول: بلى وهو الخلاق العليم
فأخبر أنه قادر على نفسه فعله وهو أن يخلق، فنفس أن يخلق فعل له وهو قادر عليه، ومن يقول: لا فعل له، وإن الفعل هو عين المفعول، يقول: لا يقدر على فعل يقوم به البتة، بل لا يقدر إلا على المفعول المباين له الحادث بغير فعل منه سبحانه.
وهذا أبلغ في الإحالة من حدوثه بغير قدرة، بل هو في الإحالة كحدوثه بغير فاعل، فإن المفعول يدل على قدرة الفاعل باللزوم العقلي، ويدل على فعله الذي وجد به بالتضمن، فإذا سلبت دلالته التضمنية كان سبب دلالته اللزومية أسهل، ودلالة المفعول على فاعله وفعله دلالة واحدة، وهي أظهر بكثير من دلالته على قدرته وإرادته. وذكر قدرة الرب سبحانه على أفعاله وتكوينه في القرآن كثير، كقوله:
قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم
و أن يبعث هو نفس فعله، والعذاب هو مفعوله المباين له. وكذلك قوله:
أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له، وكلاهما مقدور له. وقال تعالى:بلى قادرين على أن نسوي بنانه فتسوية البنان فعله واستواؤها مفعوله.
ومنكرو الأفعال يقولون: إن الرب سبحانه يقدر على المفعولات المباينة له ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه لا لازم ولا متعد.
وأهل السنة يقولون: الرب سبحانه يقدر على هذا وعلى هذا وهو سبحانه له الخلق والأمر.
فالجمهية أنكرت خلقه وأمره، وقالوا: خلقه نفس مخلوقة، وأمره مخلوق من مخلوقاته، فلا خلق ولا أمر. ومن أثبت له الكلام القائم بذاته ونفى أن يكون له فعل فقد أثبت الأمر دون الخلق، ولم يقل أحد بقيام أفعاله به ونفي صفة الكلام عنه فيثبت الأمر دون الخلق.
وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من الخلق والأمر، فالخلق فعله والأمر قوله، وهو سبحانه يقول ويفعل.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:05 AM

وأجابت طائفة أخرى من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل، وقالوا: ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي دوام فاعلية الرب سبحانه وتعاقب أفعاله شيئاً قبل شيء إلى غير غاية كما تتعاقب شيئاً بعد شيء إلى غير غاية، كما تتعاقب شيئاً بعد شيء إلى غير غاية، فلم تزل أفعالاً.
قالوا: والفعل صفة كمال، ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل. قالوا: ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا، ومن زعم أن الفعل كان ممتنعاً عليه سبحانه في مدد غير مقدرة لا نهاية لها، ولا يقدر أن يفعل ثم انقلب الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل، فقد نادى على عقله بين الأنام.
قالوا: وإذا كان هذا في العقول جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير فاعل، وإن امتنع هذا في بداهة العقول فكذلك نجد إمكان الفعل وانقلابه من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب. وأما أن يكون هذا ممكناً وذاك ممتنعاً فليس في العقول ما يقضي بذلك.
قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق ولا سنة متبعة، فيجب مراعاة لفظه. وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن، كالتسلسل في المؤثر محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثران كل واحد منها استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية.
والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم لهم نعيماً آخر لا نفاد له. وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرق الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلماً إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت بالفعل.
ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال. وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال. ولم يكن ربنا سبحانه قط في وقت من الأوقات المحققة أو المقدرة معطلاً عن كماله عن الكلام والإرادة والعقل.
وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما يتسلسل في طرف الأبد. فإنه إذا لم يزل حثاً قادراً مريداً متكلماً، وذلك من لوازم ذاته، فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل. ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدم [من] لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.
قالوا: ولك قول سوى هذا فصريح العقل ويرده ويقضي ببطلانه. وكل من اعترف بأن الرب سبحانه لم يزل قادراً على الفعل لزمه أحد الأمرين، لا بد له منهما: إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكناً، وإما أن يقول لم يزل واقعاً، وإلا تناقض تناقضاً بيناً حيث زعم أن الرب سبحانه لم يزل قادراً على الفعل والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له، وهذا قول ينقض بعضه بعضاً.
وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركب على جميع التقادير. فقالوا: تسلسل الآثار إما أن يكون ممكناً أو ممتنعاً، فإن كان ممكناً فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعاً لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به، فإنه نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق، قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه.
ولهذا كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، مع قولهم ببطلان التسلسل، مثل كثير من اتباع الأئمة الأربعة، وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين. ثم من هؤلاء من يقول: الخلق الذي هو التكوين صفة كالإرادة، ومنهم من يقول: بل هي حادثة بعد أن لم تكن كالكلام والإرادة، وهي قائمة به سبحانه، وهم الكرامية ومن وافقهم أثبتهم حدوثها وقيامها بذاته وأبطلوا دوامها فراراً من القول بحوادث لا أول لها.
وكلا الفريقين لا يقول: إن ذلك التكوين والخلق مخلوق، بل يقول: إن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة.
قالوا: فإذا كان القول بالتسلسل لازماً لكل من قال: إن الرب تعالى لم يزل قادراً على الخلق يمكنه أن يفعل بلا ممانع، فهو لازم لك كما ألزمته لخصومك، فلا ينفردون بجوابه دونك.
وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق فهو لازم لك وحدك.
قالوا: ونحن إنما قلنا الفعل صفة قائمة به سبحانه وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه فلا يلزم أن يكون معه مخلوق في الأزل إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل المتعدي، وأن التعدي يستلزم دوام نوع المفعولات، ودوام نوعها يستلزم أن يكون معه سبحانه في الأزل شيء منها، وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك إني الاستدلال على ثبوتها كلها.
وحينئذ فنقول: أي لازم لزم من إثبات فعله كان القول به خيراً من نفي الفعل وتعطيله.
فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام الحوادث به كما يقوله كثير من الناس بطل قولكم.
وإن لزم من إثبات فعله قيام الأمور الاختيارية به والقول بأنها مفتتحة ولها أول فهو خير من قولكم، كما يقوله الكرامية.
وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة فهو خير من قولكم. وإن لزم تسلسل الآثار وكونه وسبحانه لم يزل خالقاً، كما دل عليه النص والعقل، فهو خير من قولكم.
ولو قدر أنه يلزم أن الخلق لم يزل مع الله قديماً بقدمه كان خيراً من قولكم، مع أن هذا لا يلزم ولم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل ولا أهل الملل، فكلهم متفقون على أن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق بعد عدمه وليس معه غيره من المخلوقات لكان وجوده مساوياً لوجوده. فما لزم بعد هذا من إثبات خلقه وأمره وصفات كماله ونعوت جلاله وكونه رب العالمين وأن كماله المقدس من لوازم ذاته فإنا به قائلون وله ملتزمون، كما أنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه حياً عليماً قديراً سميعاً بصيراً متكلماً آمراً ناهياً فوق عرشه بائناً من خلقه، يراه المؤمنون بأبصارهم عياناً في الجنة وفي عرصات القيامة ويكلمهم ويكلمونه. فإن هذا حق ولازم الحق مثله. وما لم يلزم من إثبات ذلك من الباطل الذي تتخلله خفافيش العقول فنحن له منكرون، وعن القول به عادلون، وبالله التوفيق.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:05 AM

قال القدري : كون العبد موجداً لأفعاله وهو الفاعل لها من أجل الضروريات والبديهيات. فإن كل عاقل يعلم من نفسه أنه فاعل لما يصدر منه من الأفعال الواقعة على وفق قصده وداعيته، بخلاف حركة المرتعش والمجرور على وجهه، وهذا لا يتمارى فيه العاقل ولا يقبل التشكيك والقدح في ذلك، والاستدلال على خلافه استدلال على بطلان ما علمت صحته بالضرورة، فلا يكون مقبولاً.
قال السني : قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا بأن العاقل يعلم من نفسه وقوع الفعل مقارناً لقدرته ولا يعلم من نفسه واقع بقدرته، والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات.
وهذا الجواب مما لا يشفي عليلاً، ولا يروي غليلاً، وهو عبارات لا حاصل تحتها، فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته، والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات.
وهذا الجواب مما لا يشفي عليلاً، ولا يروي غليلاً، وهو عبارات لا حاصل تحتها، فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإرادته وداعيته، فإن ذلك هو المؤثر في الفعل، ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة القدرة والداعية للفعل ومقارنة طوله ولونه وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل، ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة، والله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي لا بهما. وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقتراناً مجرداً.
ومعلوم أن هذا قدح في الضروريات، ولا ريب أن من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضاً وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصل له الواقع بقدرته وإرادته.
ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة، ويحتالون عليه بكل حيلة، فيعطونه تارة ويزجرونه تارة ويخوفونه تارة ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة، ويقولون: قد فعل فلان كذا فما لك لا تفعل كما فعل، وهذا أمر مشاهد بالحس والضرورة، فالعقلاء ساكنو الأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع وبه يحصل، ولو حرك أحدهم أصبعه فشتمت المحرك لها لغضب وشتمك، وقال: كيف تشتمني؟ ولم يقل: لم تشتم ربي.
وهذا أوضح من أن يضرب له الأمثال أو يبسط فيه المقال. وما يعرض في ذلك من الشبه جار مجرى السفسطة.
وقد فطر الله العقلاء على ذم فاعل الإساءة ومدح فاعل الإحسان. وهذا يدل على أنهم مفطورون على العلم بأنه فاعل لأن الذم فرع عليه، ويستحيل أن يكون الفرع معلوماً باضطرار والأصل ليس كذلك، والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلاً يكتب إذا أراد ويمسك إذا أراد، وكذلك الباني والصانع، وأنه إذا عجزت قدرته أو عدمت إرادته بطل فعله، فإن عادت إليه القدرة والإرادة عاد الفعل.
وقولك: لو كان ذلك أمراً ضرورياً لاشترك العقلاء فيه، جوابك أنه لا يجب الاشتراك في الضروريات، فكثير من العقلاء يخالفون كثيراً من الضروريات لدخول شبهة عليهم، ولا سيما إذا تواطئوا عليها وتناقلوها، كمخالفة الفلاسفة في الإلهيات بيسير من الضروريات، وهم جمع كثير من العقلاء.
وهؤلاء النصارى يقولون ما يعلم فساده بضرورة العقل وهم يناظرون عليه وينصرونه.
وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين، ولم يزالا عدوين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصدين لقتله، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام علياً على رؤوس جميع الصحابة وهم ينظرون إليه جهرة وقال: وهذا وصيي وولي العهد من بعدي فكلكم له تسمعون، وأطبقوا على كتمان هذا النص وعصيانه.
وهؤلاء الجهمية ومن قال بقولهم يقولون ما يخالف صريح الفعل من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق. وهؤلاء الفلاسفة وهم المدلون بعقولهم يثبتون ذواتاً قائمة بأنفسهم خارج الذهن وليست في العالم ولا خارجة عن العالم، ولا متصلة به ولا منفصلة عنه، ولا مباينة له وملا محايثة، وهو ما يعلم بصريح العقل فساده.
وهؤلاء طائفة الاتحادية تزعم أن الله هو هذا الوجود، وأن التعدد والتكثير فهي وهم محض.
وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها، ولا رطوبة في الماء يروى بها، وليس في الأجسام أصلاً لا قوى ولا طبائع، ولا في العالم شيء يكون سبباً لشيء آخر البتة.
وإن لم تكن هذه الأمور جحداً للضروريات فليس في العالم من جحد الضروريات. وإن كانت جحداً للضروريات بطل قولكم: إن جمعاً من العقلاء لا يتفقون على ذلك.
والأقوال التي يجحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ما ذكرناه. فهم أجحد الناس لما يعلم بضرورة العقل، وكيف يصح في عقل سليم سميع لا سمع له، بصير لا بصر له، حي لا حياة له.
أم كيف يصح عند ذي عقل مرئي يرى بالأبصار عياناً لا فوق الرائي ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا خلفه ولا أمامه.
أم كيف يصح عند ذي عقل إثبات كلام قديم أزلي لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلاماً يكتب به لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم يفن ذلك الكلام، ومع هذا فهو معنى واحد لا جزء له ولا ينقسم، وهو والنهي فيه عين الأمر، والنفي فيه عين الإثبات، والخبر فيه عين الاستخبار، والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن، وذلك كله أمر واحد إنما يختلف بمسمياته ونسبه، وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء وكفروا من خالفهم فيه واستحلوا منهم ما حرمه الله.
وهؤلاء الجهمية يقولون: إن للعالم صانعاً قائماً بذاته ليس في العالم ولا هو خارج العالم، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا خلفه ولا أمامه، ولا عن يمينه ولا عن يسرته، ولا هو مباين له ولا محايث له، فوصفوا واحد الوجود بصفة ممتنع الوجود وكفروا من خالفم في ذلك واستحلوا دمه وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل، ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات لطال الكاب جداً.
وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض وغربها وهم من أعظم الناس جحداً للضروريات.
وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات وهم من أكثر الناس جحداً للضروريات. فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا يدل على [عدم] مخالفتها لصريح العقل. وبالله التوفيق.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:06 AM

فصل: قول الله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" ومذهب القدرية والجبرية فيها، وبيان الصواب في ذلك
قال القدري : قال الله سبحانه: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
وعند الجبري أن الكل فعل الله وليس من العبد شيء.
قال الجبري : في الكلام استفهام مقدر تقديره: أفمن نفسك، فهو إنكار لا إثبات. وقرأها بعضهم: فمن نفسك؟ بفتح الميم ورفع نفسك، أي: من أنت حتى تفعلها، قال: ولا بد من تأويل الآية، وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها:
وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك قل كل من عند الله
فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعاً من عنده لا من عند العبد.
قال السني : أخطأتما جميعاً في فهم الآية أقبح الخطأ. ومنشأ غلطكما أن الحسنات والسيئات في الآية [ليس] المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري، وهذا وهم محض في الآية. وإنما المراد بها النعم والمصائب.
ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذه تارة وهذا تارة. فقوله تعالى:
إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
وقوله: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل
وقوله: وبلوناهم بالحسنات والسيئات
وقوله: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور
وقوله: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
وقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
المراد به في هذا كله النعم والمصائب وأما قوله:
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها
وقوله: إن الحسنات يذهبن السيئات
وقوله: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
فالمراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها.
وهو سبحانه إنما قال ما أصابك ولم يقل: ما أصبت وما كسبت، فما يفعله العبد يقال فيه: ما أصبت وكسبت وعملت، كقوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن
وكقوله: من يعمل سوءا يجز به ومن يكسب خطيئة أو إثما
وقول المذنب التائب: يا رسول الله أصبت ذنباً فأقم علي كتاب الله. ولا يقال في هذا: أصابك ذنب وأصابتك سيئة.
وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه: أصابك، كقوله وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم
وقوله: وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل
وقوله: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها
فجمع الله في الآية بين ما أصابوا بفعلهم وكسبهم وما أصابوا مما ليس فعلاً لهم.
وقوله: ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده
وقوله: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة
وقوله: فأصابتكم مصيبة الموت
وقوله: ما أصابك من حسنة
هو من هذا القسم الذي يصيبه العبد لا باختياره. وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية. قال أبو العالية : وإن تصبكم حسنة . هذا في السراء، وإن تصبهم سيئة هذا في الضراء.
قال السدي : الحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وأنعامهم ويحسن حالهم فتلد نساؤهم الغلمان. قالوا: هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة، قال: الضر في أموالهم، تشاءموا بمحمد، وقالوا: هذه من عنده. قالوا: بتركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا ما أصابنا، فأنزل الله سبحانه رداً عليهم:
قل كل من عند الله الحسنة والسيئة.
وقال الوالبي عن ابن عباس : ما أصابك من حسنة فمن الله قال: ما فتح الله عليك يوم بدر. وقال أيضاً: هو الغنيمة والفتح، والسيئة ما أصابه يوم أحد، شج في وجهه وكسرت رباعيته. وقال: أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها. وقال أيضاً: ما أصابك من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم.
وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس : إن تصبك حسنة: الخصب، وإن تصبك سيئة الجدب والبلاء. وقال ابن قتيبة في هذه الآية: الحسنة النعمة والسيئة البلية.
فإن قيل: فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي عن أبي العالية أنه فسر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية وهو من أعلم التابعين.
فالجواب أنه لم يذكر بذلك إسناداً ولا نعلم صحته عن أبي العالية. وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته أن ذلك في السراء والضراء، وهذا هو المعروف عن أبي العالية ، ولم يذكر ابن أبي حاتم عنه غيره، وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه.
وقد يقال: إن المعنيين جميعاً مرادان باعتبار أن ما يوفقه الله من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله، كما قال: وما بكم من نعمة فمن الله
فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا، وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله وإن كان سببها منه. والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله: وما أصابك من سيئة فمن نفسك
فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه، فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه وسيئة الجزاء من نفسه. ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاء وقدراً، ولكن هو من الله عدل وحكمة ومصلحة وحسن، ومن العبد سيئة وقبيح، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأها وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا قدرتها عليك وهذه القراءة زيادة بيان، وإلا فقد دل قوله قبل ذلك: قل كل من عند الله

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:07 AM

على القضاء السابق والقدر النافذ، والمعاصي قد يكون بعضها عقوبة بعض، فيكون لله على المعصية عقوبتان عقوبة بمعصية تتولد منها وتكون الأولى سبباً فيها، وعقوبة بمؤلم يكون جزاءها، كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً .
وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى، وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى. فالأول كقوله تعالى:
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً* وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً* ولهديناهم صراطاً مستقيماً
وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
وقال: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم
وأما قوله: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم* سيهديهم ويصلح بالهم
فيحتمل أن لا يكون من هذا، وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة، فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم.
ويحتمل أن يكون منه، ويكون قوله: سيهديهم ويصلح بالهم
إخباراً منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن يقتلوا. وأتى به بصيغة المستقبل إعلاماً منه بأنه يجدد له كل وقت نوعاً من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئاً بعد شيء. فإن قلت: فكيف يكون ذلك المستقبل خبراً عن الذين قتلوا؟
قلت: الخبر قوله: فلن يضل أعمالهم . أي: أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها. وهذا بعد أن قتلوا.
ثم أخبر سبحانه خبراً مستأنفاً عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنه سيقتلون في سبيله وأنهم بذلوا أنفسهم له، فلهم جزاءان جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد، وجزاء في الآخرة بدخول الجنة، فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه، وهو في القرآن كثير، والله أعلم.
وقد قال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء
وقال: ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين
وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
وقال: وإن تطيعوه تهتدوا
وقال: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن
فضمن التمام معنى الإنعام فعداه بعلى، أي: إنعاماً منا على الذي أحسن. وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات. وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله:
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
وقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم
وقوله:ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون
وقوله: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا
وقوله: وقالوا: قلوبنا غلف، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون
وقوله: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين
وهو كثير في القرآن.
وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات، أعني: المصائب والمعايب، من نفس الإنسان، وكلاهما بقدر الله، فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته المعروفة: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . فشر النفس نوعان: صفة وعمل، والعمل ينشأ عن الصفة، والصفة تتأكد وتقوى بالعمل، فكل منهما يمد الآخر. وسيئات الأعمال نوعان - قد فسرهما الحديث-
أحدهما: مساويها وقبائحها، فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه، وهي إضافة بمعنى من، أي: السيئات من أعمالنا.
والثاني: أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله، فيكون من إضافة المسبب إلى سببه، وتكون الإضافة على معنى اللام.
وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها، وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيء المترتب على ذلك، فتمنت الاستعاذة ثلاثة أمور: الاستعاذة من العذاب، ومن سببه الذي هو العمل، ومن سبب العمل الذي هو الصفة.
وقد يرجح الثاني أن شر النفس يعم النوعين كما تقدم، فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها.
ونبه بقوله: سيئات أعمالنا على أن الذي يسوء من الجزاء إنما هو بسبب الأعمال الإرادية، لا من الصفات التي ليست من أعمالنا، ولما كانت تلك الصفة شراً استعاذ منها وأدخلها في شر النفس.
وقال الصديق رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة. رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم. قله إذا إصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك . ولما كان الشر له مصدر يبتدىء منه وغاية ينتهي إليها، وكان مصدره إما من نفس الإنسان وإما من الشيطان وغايته أن يعود على صاحبه أو على أخيه المسلم تضمن الدعاء هذه المراتب الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأبينه.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:07 AM

فصل: بيان فساد استدلال القدرية بقوله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله" الآية على مذهبهم
قال السني : فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها لمذهبك، لوجوه أحدها: أنك تقول: فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله، بل الله سبحانه أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات، ولكن هذا أحدث من عند نفسه إرادة فعل بها الحسنات، وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات، وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الرب سبحانه البتة ولا أوجبتها مشيئته. والآية قد فرقت بين الحسنة والسيئة وأنتم لا تفرقون بينهما، فإن الله عندكم لم يشأ هذا ولا هذا.
قال القدري : إضافة السيئة إلى نفس العبد، لكونه هو الذي أحدثها وأوجدها، وإضافة الحسنة إليه سبحانه لكونه هو الذي أمر بها وشرعها.
قال السني : الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة وأضاف إلى نفسه ما أصاب العبد من حسنة. ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به، والأمر لم يقم بالعبد وإنما قام به المأمور وهو الذي أصابه، فالذي أصابه لا تصح إضافته إلى الرب عندكم، والمضاف إلى الرب لم يقم بالعبد، فعلم أن الذي أصابه من هذا وهذا أمر قائم به. فلو كان المراد به الأفعال الاختيارية من الطاعات والمعاصي لاستوت الإضافة ولم يصح الفرق، وإن افترقا في كون أحدهما مأموراً به والآخر منهياً عنه. على أن النهي أيضاً من الله كما أن الأمر منه، فلو كانت الإضافة لأجل الأمر لاستوى المأمور والمنهي في الإضافة لأن هذا مطلوب إيجاده وهذا مطلوب إعدامه.
قال القدري : أنا أجوز تعلق الطاعة والمعصية بمشيئة الرب سبحانه، وإحداثه على وجه الجزاء لا على سبيل الإبتداء، وذلك أن الله سبحانه يعاقب عبده بما شاء ويثيبه، فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوءه وخلق الثواب الذي يسره، ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة، فإن هذا يكون عدلاً منه. وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب فمعاذ الله من ذلك.
قال السني : هذا توسط حسن جداً لا يأباه العقل ولا الشرع، ولكن متى ابتدأ الأول وليس هو عندك مقدوراً لله ولا واقعاً بمشيئته فقد أثبت في ملكه ما لا يقدر عليه وأدخلت فيه مالا يشاء ونقضت أصلك كله، فإنك أصلت أن فعل العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ومشيئته له. وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي.
قال القدري : فالقرآن قد فرق بين النوعين وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء على الأول، فعلم أن الأول من العبد قطعاً وإلا لم يستقم جعل أحدهما عقوبة على الآخر. وقد صرح بذلك في قوله:
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً
فأضاف نقض الميثاق إليهم وتقسية القلوب إليه. فالأول سبب منهم والثاني جزاء منه سبحانه.
قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون
فأضاف عدم الإيمان أولاً إليهم إذ هو السبب وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء.
ومثله قوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
والآيات التي سمعتموها إنما تدل على هذا.
قال السني : نعم هذا حق، لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه مقدوراً للرب سبحانه واقعاً بمشيئته. ولو شاء لحال بين العبد وبنيه ووفقه لضده، فهي البقية التي بقيت عليك من القدر، كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها لمسبباتها وترتبها عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضاً. وكلاكما مصيب من وجه مخطئ من وجه. ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت عليه لوجدتما روح الوفاق. واصطلحتما على الحق، وبالله التوفيق.
قال القدري : فما تقول أنت أيها السني في الفعل الأول إذا لم يكن جزاء فما وجهه؟ وأنت ممن يقول بالحكمة والتعليل وتنزه الرب سبحانه عن الظلم الذي هو ظلم، لا ما يقوله الجبري إنه الجمع بين النقيضين؟
قال السني : لا يلزمني في هذا المقام بيان ذلك، فإني لم أنتصب له، إنما انتصبت لإبطال احتجاجك بالآية لمذهبك الباطل، وقد وفيت به، ولله في ذلك حكم وغايات محمودة لا تبلغها عقول العقلاء ومباحث الأذكياء، فالله سبحانه إنما يضع فضله وتوفيقه وإمداده في المحل الذي يصلح له، وما لا يصح له من المحال يدعه غفلاً فارغاً من الهدى والتوفيق فيجري مع طبعه الذي خلق عليه:
ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون
قال القدري : فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة والمشيئة المستلزمة لوجود الفعل كان ذلك إيجاداً منه سبحانه لذلك فيهم، كما أوجد الهدى والإيمان في أهله.
قال السني : هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم، والله سبحانه أعطى العبد مشيئة وقدرة وإرادة تصلح لهذه ولهذا، ثم أمد أهل الفضل بأمور وجودية زائدة على ذلك المشترك. أوجب له الهداية والإيمان وأمسك ذلك الإمداد عمن علم أنه لا يصلح له ولا يليق به فانصرفت قوى إرادته ومشيئته إلى ضده اختياراً منه ومحبة لا كرهاً واضطراراً.
قال القدري : فهل كان يمكنه إرادة ما لم يعن عليه ولم يوفق له بإمداد زائد على خلق الإرادة.
قال السني : إن أردت بالإمكان أنه يمكنه فعله لو أرادته فنعم، هو ممكن بهذا الاعتبار مقدور له. وإن أردت به أنه ممكن وقوعه بدون مشيئة الرب وإذنه فليس يمكن، فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده.
قال القدري : فقد سلمت حينئذ أنه غير ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن يفعله فصار غير مقدور للعبد، فقد عوقب على ترك مالا يقدر على فعله.
قال السني : عدم إرادة الله سبحانه للعبد ومشيئته أن يفعل لا يوجب كون الفعل غير مقدور له، فإنه سبحانه لا يريد من نفسه أن يعينه عليه مع كونه أقدره عليه. ولا يلزم من إقداره عليه وقوعه حتى توجد منه إعانة أخرى. فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج الفعل عن كونه مقدوراً للعبد، فإنه قد يكون قادراً على الفعل لكن يتركه كسلاً وتهاوناً وإيثاراً لفعل ضده، فلا يصرف الله عنه ترك الواقع، ولا يوجب عدم صرفه كونه عاجزاً عن الفعل. فإن الله سبحانه يعلم أنه قادر عليه بالقدرة التي أقدره بها ويعلم أنه لا يريده مع كونه قادراً عليه، فهو سبحانه مريد له ومنه الفعل، ولا يريد من نفسه إعانته وتوفيقه. وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج الفعل عن كونه مقدوراً له وإن جعلته غير مراد. وسر المسألة الفرق بين تعلق الإرادة بفعل العبد وتعلقها بفعله هو سبحانه بعده. فمن لم يحط معرفة بهذا الفرق لم يكشف له حجاب المسألة.
قال الجبري: إما أن تقول: إن الله علم أن العبد لا يفعل أو لم يعلم ذلك، والثاني محال. وإذا كان قد علم أنه لا يفعله صار الفعل ممتنعاً قطعاً إذ لو فعله لانقلب العلم القديم جهلاً.
قال السني : هذه حجة باطلة من وجوه:
أحدها: أن هذا بعينه يقال فيما علم الله أنه لا يفعله وهو مقدور له فإنه لا ينفع البتة مع كونه مقدوراً له، فما كان جوابك عن ذلك فهو جوابنا لك.
وثانيها: أن الله سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه، فهو يعلم أنه لا يفعله لعدم إرادته له لا لعدم قدرته عليه.
ثالثها: أن العلم كاشف لا موجب، وإنما الموجب مشيئة الرب، والعلم يكشف حقائق المعلومات.
عدنا إلى الكلام على الآية التي احتج بها القدري وبيان أنه لا حجة فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قال: أصابك ولم يقل: ما أصبت.
الثاني: أن المراد بالحسنة والسيئة النعمة المصيبة.
الثالث: أنه قال قل كل من عند الله
فالإنسان هو فاعل السيئات ويستحق عليها العقاب، والله هو المنعم عليه بالحسنات عملاً وجزاءً، والعادل فيه بالسيئات قضاءً وجزاءً. ولو كان العمل الصالح من نفسه العبد كما كان الشيء من نفسه لكان الأمران كلاهما من نفسه، والله سبحانه قد فرق بين النوعين. وفي الحديث الصحيح الإلهي: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:08 AM

فصل: قول الجبري: إنّ أول هذه الآية محكم وآخرها متشابه، وقول القدري: إن آخرها محكم وأولها متشابه، وبيان أن كلا الفريقين على خطأ
قال الجبري : أول الآية محكم، وهو قوله كل من عند الله
وآخرها متشابه، وهو قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
قال القدري : آخرها محكم وأولها متشابه.
قال السني : أخطأتما جميعاً. بل كلاهما محكم مبين، وإنما أوتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره، فليس بين اللفظين تناقض لا في المعنى ولا في العبارة، فإنه سبحانه وتعالى ذكر عن هؤلاء الناكلين عن الجهاد أنهم إن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك، أي: بسبب ما أمرتنا به من دينك وتركنا ما كنا عليه أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها، فالسيئات ههنا في المصائب، والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها. وقولهم في السيئة التي تصيبهم: هذه من عندك، تتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من الهزيمة والجراح وقتل من قبل منهم، وتتناول مصائب الرزق على وجه التطير والتشاؤم، أي: أصابنا هذا بسبب دينك. كما قال تعالى عن قوم فرعون: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
أي: إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم، قالوا: نحن أهل ذلك ومستحقوه، وإن أصابهم ما يسوءهم قالوا: هذا بسبب ما جاء به موسى.
وقال أهل القرية للمرسلين: إنا تطيرنا بكم
وقال قوم صالح له عليه الصلاة والسلام اطيرنا بك وبمن معك :
وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب: هذا منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له، وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو، وهذا أيضاً منك، أي: بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا والدخول في طاعتك.
وهذه حال كل من جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم سبباً لشر أصابه من السماء أو من الأرض. هؤلاء كثير من الناس وهم الأقلون عند الله تعالى قدراً الأرذلون عنده. ومعلوم أنهم لم يقولوا: هذه من عندك بمعنى أحدثتها. ومن فهم هذا تبين له أن قوله تعالى:
ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
لا يناقض قوله تعالى: قل كل من عند الله
بل هذا تحقيق له، فإنه سبحانه بين أن النعم والمصائب كلها من عنده فهو الخالق لها المقدر لها المبتلي خلقه بها، فهي من عنده، ليس بعضها من عنده وبعضها خلقاً لغيره فكيف يضاف بعضها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبعضها إلى الله تعالى؟ ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثها. فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها، إما في الجملة كحال أهل التطير وإما في الواقعة المعينة كحال اللائمين له في الجهاد، فأبطل الله سبحانه ذلك الوهم الكاذب والظن الباطل وبين أن ما جاء به لا يوجب الشر البتة، بل الخير كله فيما جاء صلى الله عليه وسلم به، والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم، كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية: طائركم معكم ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه طائركم عند الله وقوله تعالى عن قوم فرعون:
وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله
بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل.
فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضاً، فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد فهو على جهة السبب الموجب، أي الشر والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومعكم، فإن أسبابه قائمة بكم، كما تقول: شر منك وشؤمك منك، يراد به العمل، وطائرك معك. وحيث جعل ذلك كله من عنده فهو لأنه الخالق له المجازي بد عدلاً وحكمة، فالطائر يراد به العمل وجزاءه، فالمضاف إلى العبد العمل، والمضاف إلى الرب الجزاء، فطائركم معكم طائر العمل، وطائركم عند الله الجزاء.
فما جاءت به الرسل ليس سبباً لشيء من المصائب، ولا تكون طاعة الله ورسوله سبباً لمصيبة قط، بل طاعة الله ورسوله لا توجب إلا خيراً في الدنيا والآخرة، ولكن قد يصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة الله ورسوله كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين، وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ليس هو بسبب نفس إيمانهم ولا هو موجبه، وإنما امتحنوا به ليخلص ما فيهم من الشر فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص من غشه. والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعهاـ فالامتحان يمحص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه، كما قال تعالى وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين
وقال: وليبتلي الله ما في صدوركم
فطاعة الله ورسوله لا تجلب إلا خيراً ومعصيته لا تجلب إلا شراً.
ولهذا قال سبحانه: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا
فإنهم لو فقهوا الحديث لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله على رسوله ما يوجب شراً البتة، ولعلموا أنه سبب كل خير، ولو فقهوا لعلموا أن العقول والفطر تشهد بأن مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول، فلو فقهوا القرآن علموا أنه أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر، وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم حسنة بالعقل، وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة وإحسان.
بخلاف ما يقوله كثير من أهل الكلام الباطل، إنه سبحانه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه بل يأمرهم بما فيه مضرة لهم. وقول هؤلاء تصديق وتقرير لقول المتطيرين بالرسل.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:09 AM

فصل: فائدة قوله تعالى: "وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً" عقب قوله: "ما أصابك من حسنة فمن الله"
ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه تعالى لما قال:
ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
عقب ذلك بقوله: وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً
وذلك يتضمن أشياء: منها: تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره.
ومنها: أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله، فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم يكن ظالماً لهم في ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما يجلبها لهم، وما فيه مضرتهم وما يجلبها لهم، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ومنها: أنه سبحانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه وأنه رسوله حقاً. فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته و[هو] من شهد له رب السموات والأرض.
ومنها: أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتهم حجة على إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافية. فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم: إن المصائب من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وإثبات أنها من عند أنفسهم بطريق الأولى.
ومنها: إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في قولهم: إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب.
ومنها: إبطال قول القدرية الذين يقولون: إن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من العبد.
ومنها: ذم من لم يتدبر القرآن ولم يفقهه، وأن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه.
ومنها: إثبات الأسباب وإبطال قول من ينفيها ولا يرى لها ارتباطاً بمسبباتها.
ومنها: أن الخير كله من الله والشر كله من النفس، فإن الشر هو الذنوب وعقوبتها، والذنوب من النفس وعقوبتها مترتبة عليها، والله هو الذي قدر ذلك وقضاه، كل من عنده قضاء وقدراً وإن كانت نفس العبد سببه، بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره.
ومنها: أنه سبحانه لما رد قولهم: إن الحسنة من الله والسيئة من رسوله وأبطله، بقوله قل: كل من عند الله
رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلاً، بقوله:
ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
وخاطبه بهذا تنبيهاً لغيره كما تقدم.
ومنها: أنه قال في الرد عليهم: قل كل من عند الله
ولم يقل: من الله، لما جمع بين الحسنات والسيئات، والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه، والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدراً وخلقاً، وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة، فلهذا قال: قل: كل من عند الله
وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة، بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد، وتضاف إلى النفس [من جهة] كونها سيئة.
ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ما أصابك من حسنة فمن الله
ولم يقل: من عند الله، فالخير منه وإنه موجب أسمائه وصفاته، والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلاً منه وحكمة.
ثم قال: وما أصابك من سيئة فمن نفسك
ولم يقل: من عندك، لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها، والجميع من عند الله.
فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب، والحسنة من الله بلا ريب، وكلاهما من عنده سبحانه قضاءً وقدراً وخلقاً.
ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده.
والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبة ولا فعلاً ولا وصفاً ولا اسماً. فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شراً ولا يوصف به ولا يسمى باسمه. وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:10 AM

فصل: ذكر الاختلاف في كافة الخطاب في قوله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله" الآية
وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله:
ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
هل هي لرسول الله، أو هي لكل واحد من الآدميين.
فقال ابن عباس - في رواية الوالبي عنه-: الحسنة ما فتح الله عليه يوم بدر من الغنيمة والفتح، والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته.
وقالت طائفة: بل المراد جنس ابن آدم كقوله:يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم
روى سعيد ، عن قتادة : ما أصابك من سيئة فمن نفسك
قال: عقوبة يا ابن آدم بذنبك، ورجحت طائفة القول الأول، واحتجوا بقوله وأرسلناك للناس رسولاً
قالوا: وأيضاً فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه، وإنما تقدم ذكر الطائفة. قالوا: ما حكاه الله عنهم، فلو كانوا هم المرادين لقال: ما أصابهم، أو ما أصابكم على طريق الالتفات. قالوا: وهذا من باب السبب لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهكذا حكمه فكيف بغيره.
ورجحت طائفة القول الآخر، واحتجت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة. قالوا: والخطاب وإن كان في الصورة فالمراد به الأمة، كقوله: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء
قالوا: ولما كان أول الآية خطاباً له جرى الخطاب جميعه على وجه واحد، فأفرده في الثاني والمراد به الجميع، والمعنى وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم، فالأول له والثاني لأمته، ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم
وقال: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم
وقال: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين* ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم وإعجابهم، وأن النصر بما أنزل على رسوله وأيده به إذا لم يكن منه من سبب الهزيمة ما كان منه.
وجمعت طائفة ثالثة بين القولين، وقالوا: صورة الخطاب له صلى الله عليه وسلم، والمراد العموم كقوله: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين
ثم قال: واتبع ما يوحى إليك من ربك
ثم قال: وتوكل على الله
وكقوله: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين* بل الله فاعبد وكن من الشاكرين
وقوله: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك
قالوا: وهذا الخطاب نوعان: نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى: كقوله يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك
ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
ونوع يكون الخطاب له وللأمة، فأفرده بالخطاب لكونه هو المواجه بالوحي، وهو الأصل فيه، والمبلغ للأمة، والسفير بينهم وبين الله. وهذا معنى قول كثير من المفسرين الخطاب له والمراد غيره. ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلاً ولم يرد به البتة، بل المراد أنه لما كان إمام الخلائق ومقدمهم ومتبوعهم أفرد بالخطاب وتبعته الأمة في حكمه، كما يقول السلطان لمقدم العساكر اخرج غداً، وانزل بمكان كذا، واحمل على العد وقت كذا.
قالوا: فقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك خطاب له، وجميع الأمة داخلون في ذلك بطريق الأولى، بخلاف قوله:
وأرسلناك للناس رسولاً فإن هذا له خاصة.
قالوا: وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع بل تربط الجزاء بالشرط، وأما وقوع الشرط والجزاء فلا يدل عليه، فهو مقدر في حقه محقق في حق غيره، والله أعلم.
قال القدري: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم فرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم والسيئات التي هي المصائب، فجعل هذه سبحانه، وهذه من نفس الإنسان، والجميع مقدر؟
قال السني : بينهما فروق:
الفرق الأول: أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع بلا كسب منهم أصلاً، بل الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق والنصر وإرسال الرسل وإنزال الكتب وأسباب الهداية، فيفعل ذلك من لم يكن منه سبب يقتضيه وينشئ للجنة خلقاً يسكنهم إياها بغير سبب منهم ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة بلا عمل. وأما العقاب فلا يعاقب أحداً إلا بعمله.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:17 AM

الفرق الثاني: أن عمل الحسنات من إحسان الله ومنه وتفضله عليه بالهداية والإيمان، كما قال أهل الجنة:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
فخلق الرب سبحانه لهم الحياة والسمع والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي اهتدوا به وإلهامهم الإيمان وتحبيه إليهم وتزيينه في قلوبهم وتكريه ضده إليهم، كل ذلك من نعمه كما قال تعالى:
ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون* فضلاً من الله ونعمةً والله عليم حكيم
فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا والآخرة هو نعمة محضة بلا سبب سابق يوجب ذلك لهم، ومن غير حول وقوة منهم إلا به، وهو خالقهم وخالق أعمالهم الصالحة وخالق جزائها، وهذا كله منه سبحانه، بخلاف الشر فإنه لا يكون إلا بذنوب العبد، وذنبه من نفسه. وإذا تدبر العبد هذا علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فشكر ربه على ذلك فزاده من فضله عملاً صالحاً ونعماً يفيضها عليه، وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه وبذنوبه استغفر ربه وتاب فزال عنه سبب الشر، فيكون دائماً شاكراً مستغفراً فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه.
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: الحمد لله فيشكر الله، ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه على طاعته ونستغفره من معصيته ونحمده على فضله وإحسانه، ثم قال: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا لما استغفره من الذنوب الماضية استعاذ به من الذنوب التي لم تقع بعد، ثم قال: ومن سيئات أعمالنا فهذه استعاذة من عقوبتها كما تقدم، ثم قال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
فهذه شهادة للرب بأنه المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه، وأنه يهدي من يشاء ويضل من شاء، فإذا هدى عبداً لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد.
وفي ذلك إثبات ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد وأساسه.
وكل هذا مقدمة بين يدي قوله: وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته واستغفاره واللجوء إليه والإيمان بأقداره. والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد أن جمع بينهما في قوله كل من عند الله
فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو اجتماعها في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه، ثم فرق بينهما الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه فاشكروه عليه يزدكم من فضله ونعمه، وهذا الشر والسيئة بذنوبكم فاستغفروه يرفعه عنكم، وأصله من شرور أنفسكم فاستعيذوا به يخلصكم منها.
ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله وحده، وهو الذي يهدي ويضل، وهو الإيمان بالقدر، فادخلوا عليه من بابه، فإن أزمة الأمور بيده، فإذا فعلتم ذلك صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فهذه الخطبة العظيمة عقد نظام الإسلام والإيمان.
فلو اقتصر لهم على الجمع دون الفرق أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه والتوبة من ذنوبه والاستعانة من شرها وقام في قلبه شاهد الإحتجاج على ربه بالقدر وتلك حجة داحضة تبع الأشقياء فيها إبليس.
وهي لا تزيد صاحبها إلا شقاء وعذاباً كما زادت إبليس طردا وبعداً عن ربه، وكما زادت المشركين ضلالاً وشقاء حين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا
وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة: لو أن الله هداني لكنت من المتقين حسرة وعذاباً. ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر واللجوء إلى الله في الهداية والتوفيق والإستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل والإفتقار التام إلى إعانته وفضله. وكان في الجمع والفرق بيان حق العبودية. وسيأتي تمام هذا الكلام على هذا الموضع العظيم القدر إن شاء الله بإثبات اجتماع القدر والشرع وافتراقهما.
الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله سبحانه وينميها ويكتبها للعبد بأدنى سعي ويثيب على الهم بها، والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها ولا يضاعفها ويبطلها بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفرة، فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه تعالى، والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس.
الفرق الرابع: أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة يحبها ويرضاها، فهو سبحانه يحب أن يطاع ويحب أن ينعم ويحسن ويجود، وإن قدر المعصية وأراد المنع فالطاعة أحب إليه والبذل والعطاء آثر عنده، فكان إضافة نوعي الحسنة له وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى.
ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا الأدب فأضافوا إليه النعم والخيرات وأضافوا الشرور إلى محلها، كما قال إمام الحنفاء: الذي خلقني فهو يهدين* والذي هو يطعمني ويسقين* وإذا مرضت فهو يشفين فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه. وقال الخضر: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها
ثم قال: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما
وقال مؤمنو الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا
الفرق الخامس: أن الحسنة مضافة إليه، لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة فهو سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمته، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه.
فإن الرب سبحانه لا يفعل سوءاً قط كما لا يوصف به ولا يسمى باسمه، بل فعله كله حسن وخير وحكمة، كما قال تعالى: بيدك الخير
وقال أعرف الخلق به: والشر ليس إليك فهو لا يخلق شراً محضاً من كل وجه، بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة وإن كان في بعضه شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى منزه عنه وليس إليه.
الفرق السادس: أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي أمور وجودية متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته وليست أموراً عدمية تضاف إلى غير الله بل هي كلها أمور وجودية، وكل موجود حادث والله محدثه وخالقه. وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور أو ترك محظور، والترك أمر وجودي، فترك الإنسان لما نهي عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب العذاب فبغضه له وكراهته له ومنع نفسه إذا هوته وطلبته منه أمور وجودية. كما أن معرفته بالحسنات كالعدل والصدق حسنة، وفعله لها أمر وجودي، والإنسان إنما يثاب على ترك السيئات إذا تركها على وجه الكراهة لها والإمتناع عنها وكف النفس عنها.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:18 AM

قال تعالى:
ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان
وقال تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى
وقال: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار
وقد جعل صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك، فقال: من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله .
وقال: من احب الله وأبغض الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان .
وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان، وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركة، فلم يترك الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة والبغض والامتناع والمنع لله، وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركاً محضاً بل تركاً صادراً عن بغض ومعاداة وكراهة. هي أمور وجودية، هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل، كما أن التصديق والإرادة والمحبة للطاعة من عبودية القلب يترتب عليها آثارها في الجوارح.
وهذا الحب والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. وهو إثبات تأله القلب ولله ومحبته، ونفي تألهه لغيره وكراهته، فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه ويتوكل عليه وينيب إليه ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره والتوكل عليه والإنابة إليه وخوفه ورجاءه ويبغض ذلك. وهذه كلها أمور وجودية، وهي الحسنات التي يثيب الله عليها.
وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة ولا يكرهها بقلبه ويكف نفسه عنها، بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه، فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم، ولا يثاب على هذا الترك، لكن قد يثاب على اعتقاد تحريمها وإن لم يكن له إليها داعية ألبتة.
فالترك ثلاثة أقسام: قسم يثاب عليه، وقسم يعاقب عليه، وقسم لا يثاب ولا يعاقب.
فالأول: ترك العالم بتحريمها الكاف نفسه عنها الله مع قدرته عليها.
والثاني: كترك من يتركها لغير الله لا الله، فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله، فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب، فإذا عبد به غير الله استحق العقوبة.
والثالث: كترك من لم يخطر على قلبه، علماً ولا محبة ولا كراهة، بل بمنزلة ترك النائم والطفل.
فإن قيل: كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق وإبقاء على جاهه بينهم وخوفاً منهم أن يتسلطوا عليه والله سبحانه لا يذم على ذلك ولا يمنع منه؟
قيل: لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك وإنما يعاقب على تقريه إلى الناس بالترك ومراءاتهم به وإنه تركها خوفاً من الله ومراقبة وهو في الباطن بخلاف ذلك.
فالفرق [بين] بين ترك يتقرب به إليهم ومراءاتهم به وترك يكون مصدره الحياء منهم وخوف أذاهم له وسقوطه من أعينهم، فهذا لا يعاقب عليه بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض يحبه الله من حفظ مقام الدعوة إلى الله وقبولهم منه ونحو ذلك.
وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أم عدمي، والأكثرون على أنه وجودي، وقال أبو هاشم وأتباعه: هو عدمي وأن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بقلبه. وهؤلاء رتبوا الذم والعقاب على العدم المحض.
والأكثرون يقولون: إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي يقوم بنفسه، ويعاقب تارك المأمور على ترك وجودي يقوم بنفسه، وهو امتناعه وكفه نفسه عن فعل ما أمر به.
إذا تبين هذا فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية، فهو سبحانه الذي حبب الإيمان والطاعة إلى العبد، وزينه في قلبه وكره إليه أضدادها.
وأما السيئات فمنشأها من الجهل والظلم، فإن العبد لا يفعل القبيح إلا لعدم علمه بكونه قبيحاً أو لهواء وشهوته مع علمه بقبحه. فالأول: جهل، والثاني: ظلم. ولا يترك حسنة إلا لجهله، بكونها حسنة، أو لرغبته في ضدها لموافقته هواه وغرضه.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:19 AM

وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو كان علمه تاماً برجحان ضررها لم يفعلها، فإن هذا خاصة الفعل، فإنه إذا علم أن إلقاءه بنفسه من مكان عال يضره لم يقدم عليه.
وكذلك لبثه تحت حائط مائل، وإلقاؤه نفسه في ماء يغرق فيه، وأكله طعاماً مسموماً، لا يفعله لعلمه التام بمضرته الراجحة، بل هذه فطرة فطر الله عليها الحيوان بهيمه وناطقه. ومن لم يعلم أن ذلك يضره كالطفل والمجنون والسكران الذي انتهى سكره فقد يفعله.
وأما من أقدم على ما يضره مع علمه بما فيه من الضرر فلا بد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة ولا بد من رجحان المنفعة عنده إما في الظن وإما في المظنون.
ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق ويذهب ماله لم يركب أبداً. بل لا بد من رجحان الإنتفاع في ظنه وإن أخطأ في ذلك.
وكذلك الذنوب والمعاصي. فلو جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم يقدم على السرقة، بل يظن أنه يسلم ويظفر بالمال.
وكذلك القاتل والشارب والزاني.
فلو جزم طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح لم يفعله، بل إما أن لا يكون جازماً بتحريمه، أو لا يجزم بعقوبته، بل يرجو العفو والمغفرة وأن يتوب ويأتي بحسنات تمحو أثره. وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة واستيلاء سلطانها على قلبه بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب والغفلة من أضداد العلم. والشهوة أصل الشر كله. قال تعالى
ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً
ينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل بفساد السيئات إلا مع الجهل، وإلا فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره ولا بد ضرراً راجحاً لانصرفت نفسه عن طاعته له بالطبع. فإن الله سبحانه جعل في النفس حباً لما ينفعها وبغضاً لما يضرها، فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ضرراً راجحاً. ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب.
فالبلاء مركب من تزيين الشيطان وجهل النفس فإنه يزين لها السيئات ويريها أنها في صور المنافع واللذات والطيبات ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها فتولد من بني هذا التزيين وهذا الإغفال والإنساء لها إرادة وشهوة، ثم يمدها بأنواع التزيين فلا يزال يقوى حتى يصير عزماً جازماً يقترن به الفعل، كما زين للأبوين الأكل من الشجرة وأغفلهما عن مطالعة مضرة المعصية، فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر، كما قال تعالى وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون
وقال: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً
وقال في تزيين الخير: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم
وقال في تزيين النوعين: كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون
وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة والمؤمنين، وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس، كما قال تعالى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم
وحقيقة الأمر أن التزيين إنما يغتر به الجاهل لأنه يلبس له الباطل والضار المؤذي صورة الحق والنافع الملائم، فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم.
ولهذا قال الصحابة: كل من عصى الله فهو جاهل .
وقال تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب
وقال: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم
قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن قوله: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب.
وقال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصى الله به فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن. وكل من عصى الله فهو جاهل.
وقال مجاهد : [من عصى] من شيخ أو شاب فهو بجهالة. وقال: من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته.
وقال هو وعطاء: الجهالة العمد.
وقال مجاهد : من عمل سوءاً خطأ أو عمداً فهو جاهل حتى ينزع منه. ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ، ثم قال: وروي عن قتادة و عمرو بن مرة و النووي نحو ذلك: خطأ أو عمداً. وروي عن مجاهد و الضحاك : ليس من جهالته أن لا يعلم حلالاً ولا حراماً، ولكن من جهالته حين دخل فيه.
وقال عكرمة : الدماء كلها جهالة. مما تبين ذلك قوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم. كما قال تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
وقال رجل للشعبي: أيها العالم: فقال: لسنا بعلماء، إنما العالم من يخشى الله.
وقال ابن مسعود : وكفى بخشية الله علماً، وبالاغترار بالله جهلاً؟

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:20 AM

وقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء
يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالماً إلا من يخشاه، فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم.
لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع، فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها، وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق، ونحو ذلك. فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه، وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس، فإنها كانت من علم لا من جهل، وبقوله: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
وقال: وآتينا ثمود الناقة مبصرة
وقال عن قوم فرعون: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً
وقال: وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين
وقال موسى لفرعون: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر
وقال: وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون
وقال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم يعني القرآن، أو محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقال: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون
وقال: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون
والجحود إنكار الحق بعد معرفته، وهذا كثير في القرآن.
قيل: حجج الله لا تتناقض، بل كلها حق يصدق بعضها بعضاً. وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب، ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء، فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله، أليس ذلك أجهل الجاهلين.
وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق.
وقال: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً
فالجاهلون هنا الكفار الذين علموا أنه رسول الله. فهذا العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل، بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد، كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون
فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار. وهذا نكتة المسألة وسر الجواب، فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل. وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد، يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل، وتقيم لصاحبه شبهاً وتأويلات تعارضه، فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن، ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه.
فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه، ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضاؤه وقدره.
ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجاً من الجنة عليهما ما جرى ما قرباها.
ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم. قال تعالى عن قوم فرعون:
ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر
وقال: وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب
وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عياناً:
وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون وقال: ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم
وقال: في قلوبهم مرض
وهو الشك، ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار، بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم، فالعلم يضعف قطعاً بالغفلة والإعراض واتباع الهواء وإيثار الشهوات. وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده. فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل. فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره، ويراد به المتقضى وإنه لم يتم بوجود شروطه وانتفاء موانعه. فالثاني يجامع الجهل دون الأول.
فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم. وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمراً وجودياً بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة. والعدم ليس شيئاً حتى يستدعي فاعلاً مؤثراً فيه، بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده. والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه. فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:20 AM

فصل: بيان أن الله تعالى قد أنعم على عباده بأمرين هما أصل السعادة
والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين هما أصل السعادة:
أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة، سالمة حتى يجدعها صاحبها. وثبت عنه أنه قال: يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً. فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئاً، ولم تشرك به، ولم تجحد كمال ربوبيته، وكان أحل شيء إليها وأطوع شيء لها وآثر شيء عندها ولكن يعدها من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه وإغوائه حتى ينغمس موجبها وحكمها.
الأمر الثاني: أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها، وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له. وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع من العلم يمكنه التوصل بها إلى سعادة الآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك، لكن قد يعرض العبد عن طلب علم ما ينفعه فلا يريده ولا يعرفه. وكونه لا يريد ذلك ولا يعرفه أمر عدمي، فلا يضاف إلى الرب لا هذا ولا هذا، فإنه من هذه الحيثية شر، والذي يضاف إلى الرب علمه به وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده، وإبقائه على العدم الأصلي. وهو من هذه الجهة خير فإن العلم بالشر خير من الجهل به. وعدم رفعه بإثبات ضده إذا كان مقتضى الحكمة كان خيراً، وإن كان شراً بالنسبة إلى محله. وسيأتي تمام تقرير هذا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله سبحانه.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:21 AM

فصل: بيان أن للقلب حياة كنسبة حياة البدن إليه
وههنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية نسبتها إلى القلب كنسبة حياة البدن إليه. فإذا أمد عبده بتلك الحياة أثمرت له من محبته وإجلاله وتعظيمه والحياء منه ومراقبته وطاعته مثل ما تثمر حياة البدن له من التصرف والفعل وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها بهذه الحياة. وهي حياة دائمة سرمدية لا تنقطع، ومتى فقدت هذه الحياة واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية كانت ضالة معذبة شقية، ولم تسترح راحة الأموات ولم تعش عيش الأحياء، كما قال تعالى: سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيا
فإن الجزاء من جنس العمل. فإنه في الدنيا لما لم يحيا الحياة النافعة الحقيقة التي خلق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتاً عديم الإحساس، كانت حياته في الآخرة كذلك، فإن مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه ولا يحصل به، فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات .
إذا عرف هذا فالشر من لوازم هذه الحياة وعدمها شر وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقاً. والله خالق كل شيء، فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة كان إمساكها خيراً بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شراً بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به. فالسيئات من طبيعة النفس ولم يمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها فصار الشر كله من النفس، والخير كله من الله، والجميع بقضائه وقدره وحكمته، وبالله التوفيق .

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:22 AM

فصل: بيان أن فساد قول القدرية: إن الله خلق الإنسان على خِلقة يُريد بها بالقوة والقبول، أي: خلقه قابلاً لأن يُريد هذا وهذا، وأما كونه مريداً لهذا المعنى فليس ذلك بخلق الله،ولكنه هو الذي أحدثه بنفسه
قال القدري : ونحن نعترف بها جميعها ونقر بأن الله خلق الإنسان مريداً ولكن جعله على خلقه يريد بها وهو مريد بالقوة والقبول، أ ي خلقه قابلاً لأن يريد هذا وهذا. وأما كونه مريداً لهذا المعنى فليس ذلك بخلق الله، ولكنه هو الذي أحدثه بنفسه، ليس هو من إحداث الله.
قال الجبري : هذا الإرادة حادثة فلا بد لها من محدث، فالمحدث لها إما أن يكون نفس الإنسان، أو مخلوق خارج عنها، أو ربها وفاطرها وخالقها. والقسمان الأولان محال فتعين الثالث.
أما المقدمة الأولى فظاهرة، إذ المحدث إما النفس وإما أمر خارج عنها، والخارج عنها إما الخالق أو المخلوق.
وأما المقدمة الثانية فبيانها أن النفس لا يصح أن تكون هي المحدثة لإرادتها. فإنها إما أن تحدثها بإرادة أو بغير إرادة، وكلاهما ممتنع، فإنها لو توقف إحداثها على إرادة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى، ويلزم التسلسل إلى غير نهاية، فلا توجد إرادة حتى يتقدمها إرادات لا تتناهى. وإن لم يتوقف إحداثها على إرادة منها بطل أن تكون هي المؤثرة في إحداثها إذ وقوع الحادث بلا إرادة من الفاعل المختار محال. وإذا بطل أن تكون محدثة للإرادة وأن يحدثها بغير إرادة تعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة أمراً خارجاً عنها. فحينئذ إما أن يكون مخلوقاً أو يكون هو الخالق سبحانه، والأول محال لأن ذلك المحدث إن كان غير مريد لم يمكنه جعل الإنسان مريداً وإن كان مريداً فالكلام في إرادته كالكلام في إرادة الإنسان سواء. فتعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة هو الخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
قال القدري : قد اختلفت طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام. فقال الجاحظ : العبد يحدث أفعاله بغير إرادة منه، بل مجرد قدرته وعلمه بما في الفعل من الملاءمة فإذا علم موافقة الفعل له وهو قادر عليه أحدثه بقدرته وعلمه، وأنكر توقفه على إرادة محدثة، وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد، ولم ينكر الميل والشهوة، ولكن لا يتوقف إحداث عليها، فإن الإنسان قد يفعل مالا يشتهيه ولا يميل إليه.
وخالفه جميع الأصحاب، وأثبتوا الإرادة الحادثة ثم اختلفوا في سبب حدوثها:
فقال طائفة منهم: كون النفس مريدة أمر ذاتي لها، وما بالذات لا يعلل ولا يطلب سبب وجوده. وطريقة التعليل تسلك ما لم يمنع منها مانع. واختصاص الذات بالصفة الذاتية لا يعلل، فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي لها، وبذلك كان نفساً. فقول القائل: لم أرادت كذا وما الذي أوجب لها إرادته كقوله: لم كانت نفساً، وكقوله: لم كانت النار محرقة أو متحركة، ولم كان الماء مائعاً سيالاً، ولم كان الهواء خفيفاً. فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو معنى كونها نفساً، فهو بمنزلة قول القائل: لم كانت نفساً وحركتها بمنزلة حركة الفلك، فهي خلقت هكذا.
وقالت طائفة أخرى: بل الله سبحانه أحدث فيها الإرادة، والإرادة صالحة للضدين، فخلق فيها إرادة تصلح للخير والشر، فآثرت هي أحدهما على الآخر بشهوتها وميلها فأعطاها قدرة صالحة للضدين وإرادة صالحة لهما، فكانت القدرة والإرادة من إحداثه سبحانه، واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها، فهي التي رجحته.
قالوا: والقادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مجح، كالعطشان إذا قدم له قدحان متساويان من كل وجه، والهارب إذا عن له طريقان كذلك فإنه يرجح أحدهما بلا مرجح. فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل ولكن الإرادة لا توجب المراد فأحدثها فيه امتحاناً له وابتلاء، وأقدره على خلافها وأمره بمخالفتها، ولا ريب أنه قادر على مخالفتها، فلا يلزم من كونها مخلوقة لله حاصلة بإحداثه وجوب الفعل عندها.
وقال أبو الحسين البصري : إن الفعل يتوقف على الداعي والقدرة، وهما من الله خلقاً فيه، وعندهما، يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه، فيكون هو المحدث له بما فيه من الدواعي والقدرة. فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ذكرتم.
قال السني : لم تتخلصوا بذلك من الإلزام ولم تبينوا به بطلان حجتهم المذكورة، فلا منعتم مقدماتها وبينتم فسادها ولا عارضتموها بما هو أقوى منها، كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم ولم يبينوا بطلان دليلكم، وكان غاية ما عندكم ما عندكم وعندهم المعارضة وبيان كل منكم تناقض الآخر، وهذا لا يفيد نصرة الحق وإبطال الباطل، بل يفيد بيان خطئكم وخطئهم وعدولكم وإياهم عن منهج الصواب.
فنقول وبالله التوفيق: مع كل منكما صواب من وجه وخطأ من وجه.
فأما صواب الجبري فمن جهة إسناده الحوادث كلها إلى مشيئة الله وخلقه وقضائه وقدره. والقدري خالف الضرورة في ذلك، فإن كون العبد مريداً فاعلاً بعد أن لم يكن أمر حادث. فإما أن يكون له محدث وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له محدث لزم حدوث الحوادث بلا محدث. وإن كان له محدث فإما أن يكون هو العبد أو الله سبحانه أو غيرهما. فإن كان هو العبد فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية كالقول في إحداث سببها ويلزم التسلسل، وهو باطل ههنا بالاتفاق، لأن العبد كائن بعد أن لم يكن، فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها.
وإن كان غير الله فالقول فيه كالقول في العبد، فتعين أن يكون الله هو الخالق المكون لإرادة العبد وقدرته وإحداثه وفعله. وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها. فمن قال: إن إرادة العبد وإحداثه حصل بغير سبب اقتضى حدوث ذلك، والعبد أحدث ذلك، وحاله عند إحداثه كما كان قبله، بل خص أحد الوقتين بالإحداث من غير سبب اقتضى تخصيصه، وإنه صار مريداً فاعلاً محدثاً بعد أن يكن كذلك من غير من جعله كذلك، فقد قال مالا يعقل، بل خالف صريح العقل، وقال بحدوث حوادث بلا محدث.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:22 AM

وقولكم: إن الإرادة لا تعلل كلام باطل لا حقيقة له. فإن الإرادة أمر حادث فلا بد له من محدث. ونظير هذا المحال قولكم في فعل الرب سبحانه: إنه بواسطة إرادة يحدثها لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها يكون مريداً بها للمخلوقات. فارتكبتم ثلاث محالات: حدوث حادث بلا إرادة من الفاعل، وحدوث حادث بلا سبب حادث، وقيام الصفة بنفسها لا في محل. وادعيتم مع ذلك أنكم أرباب العقول والنظر، فأي معقول أفسد من هذا، وأي نظر أعمى منه.
وإن شئت قلت: كون العبد مريداً أمر ممكن. والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح تام. والمرجح التام إما من العبد، وإما من مخلوق آخر، وإما من الله سبحانه. والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث كما تقدم. فهذه الحجة لا يمكن دفعها، ولا يمكن دفع العلم الضروري باستناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا. وإنا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة، وبالعكس. فهذه الحجة لا يمكن دفعها والجمع بين الحجتين هو الحق، فإن الله سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته وجاعلها سبباً لإحداثه الفعل فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة، وخالق السبب خالق للمسبب. ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله لما خلق له السبب الموجد له.
فقال الفريقان للسني: كيف يكون الرب تعالى محدثاً لها والعبد أيضاً؟
قال السني : إحداث الله سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عند قائمة بمحلها وهو العبد، فجعل فاعلاً لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة. وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به وحدثت بإرادته وقدرته، وكل من الإحداثين مستلزم للآخر، ولكن جهة الإضافة مختلفة، فما أحدثه الرب سبحانه من ذلك فهو مباين له، قائم بالمخلوق، مفعول له لا فعل. وما أحدثه العبد فهو فعل له قائم به، يعود إليه حكمه، ويشتق له منه اسمه.
وقد أضاف الله سبحانه كثيراً من الحوادث إليه وأضافها إلى بعض مخلوقاته، كقوله: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
وقال: قل: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم
وقال: توفته رسلنا
وقال: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب
وقال: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا
وقال: وأنزل الله عليك الكتاب
وقال: قل: نزله روح القدس من ربك بالحق
وقال: فأخذهم العذاب فأخذتهم الصيحة
وقال: فكلاً أخذنا بذنبه فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر وهذا كثير.
فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه. وأضافها إلى أسبابها إذ هو الذي جعلها أسباباً لحصولها بين الإضافتين. ولا تناقض بين السببين.
وإذا كان كذلك تبين أن إضافة الفعل الإختياري إلى الحيوان بطريق التسبب، وقيامه به ووقوعه بإرادته لا ينافي إضافته إلى الرب سبحانه خلقاً ومشيئة وقدراً.
ونظيره قوله تعالى: إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية
وقال لنوح: احمل فيها من كل زوجين اثنين
فالرب سبحانه هو الذي حملهم فيها بإذنه وأمره ومشيئته، ونوح حملهم بفعله ومباشرته.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:23 AM

فصل: الرد على قول الجاحظ: إن العبد يُحدث أفعاله الاختيارية من غير إرادة منه
وأما قول الجاحظ : إن العبد يحدث أفعاله الإختيارية من غير إرادة منه، بل بمجرد القدرة والداعي.
فإن أراد نفي إرادة العبد وجحد هذه الصفة عنه فمكابرة لا تنكر من طوائف هم أكثر الناس مكابرة وجحداً للمعلوم بالضرورة، فلا أرخص من ذلك عندهم.
وإن أراد أن الإرادة أمر عدمي، وهو كونه لا مغلوب ولا ملجأ، فيقال: هذا العدم من لوازم الإرادة لا أنه نفسها. وكون الإرادة أمراً عدمياً مكابرة أخرى، وهي بمنزلة قول القائل: القدرة أمر عدمي لأنها بمعنى عدم العجز. والكلام عدمي لأنه عدم الخرس. والسمع والبصر عدمي لأنهما عدم الصمم والعمى.
وأما قوله: إن الفعل يقع بمجرد القدرة وعلم الفاعل بما فيه من الملاءمة، فمكابرة ثالثة، فإن العبد يجد من نفسه قدرة على الفعل وعلماً بمصلحته ولا يفعله لعدم إرادته له لما في فعله من فوات محبوب له أو حصول مكروه إليه، فلا يوجب القدرة والعلم وقوع الفعل ما لم تقارنهما الإرادة.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:23 AM

فصل: الرد على قول من قال من القدرية: إن كون النفس مريدة أمر ذاتي لها فلا يُعلّل
وأما قول الآخر: إن كون النفس مريدة أمر ذاتي فلا يعلل، إلى آخره [فهو] كلام في غاية البطلان. فهب أنا لا نطلب علة كونها مريدة فكونها كذلك هو مخلوق فيها أم غير مخلوق، وهي التي جعلت نفسها كذلك أم فاطرها وخالقها هو الذي جعلها كذلك، وإذا كان سبحانه هو الذي أنشأها بجميع صفاتها وطبيعتها وهيآتها فكونها مريدة هو وصف لها، وخالقها خالق لأوصافها فهو خالق لصفة المريدية فيها. فإذا كانت تلك الصفة سبباً للفعل، وخالق السبب خالق للمسبب، والمسبب واقع بقدرته ومشيئته وتكوينه. وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:24 AM

فصل: الرد على قول من قال من القدرية: إن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدّين، فاختار أحدهما على الآخر، وبيان أن هذا الكلام حق لكن لا بدّ له من تتمة
وأما قول الطائفة الأخرى: إن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدين فاختار أحدهما على الآخر. ولا ريب أن الأمر كذلك، ولكن وقوع أحد الضدين باختياره وإيثاره له وداعيه إليه لا يخرجه عن كونه مخلوقاً للرب سبحانه مقدوراً له مقدراً على العبد واقعاً بقضاء الرب وقدره وإنه لو شاء لصرف داعية العبد وإرادته عنه إلى ضده، فهذه هي البقية التي بقيت على هذه الفرقة من إنكار القدر فلو ضموها إلى قولهم لأصابوا كل الإصابة، ولكانوا أسعد بالحق في هذه المسألة من سائر الطوائف.
وتحقيق ذلك أن الله سبحانه بعدله وحكمته أعطى العبد قدرة وإرادة يتمكن بها من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأعانه بأسباب ظاهرة وباطنة. ومن جملة تلك الأسباب القدرة والإرادة. وعرفه طريق الخير والشر ونهج له الطريق، وأعانه بإرسال رسله وإنزال كتبه وقرن به ملائكته، وأزال عنه كل علة يحتج بها عليه، ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم وكراهة ما يؤذيهم ويضرهم، كما فطر على ذلك الحيوان البهيم.
ثم كان كثير مما ينفعهم لا علم لهم به على التفصيل، والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين الحيوانات. وثم أمور عظيمة هي أنفع شيء لهم، لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة إلا بمعرفتها وطلبها وفعلها، ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، فعرفهم ما هو الأنفع لهم، وما فيه سعادتهم وفلاحهم، فصادفتهم الرسل مشتغلين بأضدادها، قد ألفوها وساكنوها وجرت عليها عوائدهم حين ألفتها الطباع فأخبرتهم الرسل أنها أضر شيء عليهم، وأنها من أعظم أسباب ألمهم وفوات أربهم وسرورهم، فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح، إذ الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الاستجابة.
فقام داعي الطبع والإلف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضاً له، يعد النفس ويمنيها ويرغبها ويزين لها ما ألفته واعتادته لكونه ملائماً له. وهو نقد عاجل، وراجة مؤثرة، ولذة مطلوبة، ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر.
وداعي الفلاح يدعو إلى أمر آجل في دار غير هذه الدار لا ينال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ومسراتها وتجرع مرارتها والتعرض لآفاتها وإيثار الغير لمحبوباتها ومشتهياتها، يقول: خذ ما تراه، وداع ما سمعت به.
فقامت الإرادة بين الداعيين تصغي إلى هذا مرة وإلى هذه مرة. فههنا معركة الحرب ومحل المحنة فقتيل وأسير وفائز بالظفر والغنيمة. فإذا شاء الله سبحانه رحمة عبد جذب قوى إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الكيبة، فأوحى إلى ملائكته أن ثبتوا عبدي واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي. كما قال تعالى:
إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرةً منه وفضلاً
وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته وخلى بينه وبين نفسه. ولم يكن بذلك مضلاً له لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة وعرفه الخير والشر وحذره طريق الهلاك وعرفه بها، وحضه على سلوك طريق النجاة وعرفه بها. ثم تركه وما اختاره لنفسه وولاه ما تولى، فإذا وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه.
قال القدري : فتلك الإرادة المعينة المستلزمة للفعل المعين إن كانت بإحداث العبد فهو قولنا، وإن كانت بإحداث الرب سبحانه فهو قول الجبري، وإن كانت بغير محدث لزم المحال.
قال السني : لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب حدوثها. بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريداً، فإن الإرادة هي حركة النفس، والله سبحانه شاء أن تكون متحركة. وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة مفردة فلا. وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفساً ولا يفتقر كل نفس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة يجري بها الماء، وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك وهبوب الرياح ونزول الغيث، وكذلك خطرات القلوب ووساوس النفس، وكذلك مشيئته أن يكون العبد متكلماً لا يستلزم أن يكون كل حرف بمشيئة غير مشيئة الحرف الآخر.
وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائياً مريداً، وتلك الإرادة والمشيئة صالحة للضدين، فإذا شاء أن يهدي عبداً صرف داعيه ومشيئته وإرادته إلى معاشه ومعاده. وإذا شاء أن يضله تركه ونفسه وتخلى عنه.
والنفس متحركة بطبعها لابد لها من مراد محبوب هو مألوهها ومعبودها فإن لم يكن الله وحده هو معبودها ومرادها، وإلا كان غيره لها معبوداً ومراداً ولا بد، فإن حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها، فإن لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره وعبدته، وإن لم تتعلق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلقت بما يضرها فيه ولا بد، فلا تعطيل في طبيعتها وهكذا خلقت.
فإن قلت: فأين مشيئة الله لهداها وضلالها.
قلت: إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها وخلى بينها وبين ما تختاره، وإذا شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه وصرف عنها موانع القبول، فيمدها على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي ويصرف عنها الموانع التي خلى بينها وبين غيرها فيها. وهذا بمشيئته وقدرته، فلم يخرج شيء من الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتة. لكن يكون ما يشاء بأسباب وحكم.
ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحكم لانحلت عنها عقد هذه المسألة. ولو أن القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات، مع إثبات الحكم والغايات المحمودة في أفعال في أفعال الرب سبحانه، لانحلت عنها عقدها. وبالله التوفيق.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:25 AM

الباب الحادي والعشرون : في تنزيه القَضاء الإِلهيِّ عن الشرِّ

قال الله تعالى: قل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير
فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله. وأنه هو سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء لا غيره. فالأول تفرده بالملك، والثاني تفرده بالتصرف فيه. وأنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز، ويذل من يشاء بسلب ذلك العز عنه. وأن الخير كله بيديه ليس لأحد معه منه شيء. ثم ختمها بقوله: إنك على كل شيء قدير
فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه وعموم قدرته. وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده، وأنها كلها خير، فسلبه الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شراً بالنسبة إلى المسلوب الذليل، فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا يخرج عن ذلك. وهذا كله خير يحمد عليه الرب ويثني عليه به كما يحمد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر، وأنه ليس إليه كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله: لبيك وسعديك، والخير في يديك والشر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت
فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه فهو خير. والشر إنما صار شراً لانقطاع نسبته وإضافته إليه. فلو أضيف إليه لم يكن شراً كما سيأتي بيانه.
وهو سبحانه خالق الخير والشر. فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله. وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله. ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه كما تقدم. فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله. والشر وضع الشيء في غير محله. فإذا وضع في محله لم يكن شراً، فعلم أن الشر ليس إليه. وأسماؤه الحسنة تشهد بذلك. فإن منها القدوس السلام العزيز الجبار المتكبر.
فالقدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير: هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به. وهذا قول أهل اللغة. وأصل الكلمة من الطهارة والنزاهة. ومنه بيت المقدس، لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب، ومن أمه لا يريد إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه. ومنه سميت الجنة: حظيرة القدس، لطهارتها من آفات الدنيا. ومنه سمي جبريل روح القدس لأنه طاهر من كل عيب.
ومنه قول الملائكة: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
فقيل: المعنى ونقدس أنفسنا لك، فعدي باللام. وهذا ليس بشيء. والصواب أن المعنى نقدسك وننزهك عما لا يليق بك. هذا قول جمهور أهل التفسير.
وقال ابن جرير : ونقدس لك ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس، ومما أضاف إليك أهل الكفر بك. قال: وقال بعضهم: نعظمك ونمجدك. قاله أبو صالح. وقال مجاهد: نعظمك ونكبرك. انتهى. وقال بعضهم: ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك.
واللام فيه على حدها في قوله: ردف لكم، لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله. قلت: ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم: نسبح بحمدك فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه عن كل سوء. قال ميمون بن مهران : سبحان الله كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوء. وقال ابن عباس : هي تنزيه لله من كل سوء. وأصل اللفظة من المباعدة. ومن قولهم: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها.
ومنه: كل في فلك يسبحون
فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه. ويقال: سبح الله وسبح له، وقدسه وقدس له.
وكذلك اسمه السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص. ووصفه بالسلام أبلغ من ذلك من وصفه بالسالم. ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم. فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر، ومن التسمية به، ومن فعله، ومن نسبته إليه. فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص، المسلم لخلقه من الظلم. ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام، والجنة بأنها دار السلام، وتحية أهلها السلام. وأثنى على أوليائه بالقول السلام. كل ذلك السالم من العيوب.
وكذلك الكبير من أسمائه، والمتكبر قال قتادة وغيره: هو الذي تكبر عن السوء. وقال أيضاً: الذي تكبر عن السيئات. وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء. وقال أبو إسحاق: الذي يكبر عن ظلم عباده.
وكذلك اسمه العزيز الذي له العزة التامة. ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة.
وكذلك اسمه العلي الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص. ومن كمال علوه أن لا يكون فوقه شيء. بل يكون فوق كل شيء.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:26 AM

وكذلك اسمه الحميد، وهو الذي له الحمد كله. فكمال حمده يوجب أن لا ينسب إليه شر ولا سوء ولا نقص لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في صفاته. فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه، مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء. فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم. والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء. والرب سبحانه هو الذي جعله فاعلاً لذلك. وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب، فجعله فاعلاً خير، والمفعول شر قبيح.
فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها. فهو خير وحكمة ومصلحة، وإن كان وقوعه من العبد عيباً ونقصاً وشراً. وهذا أمر معقول في المشاهد، فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء والحجر المكسور واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه كان ذلك منه عدلاً وصواباً يمدح به، وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يذم به المحل. ومن وضع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك منه حكمة وعدلاً وصواباً، وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها. فمن وضع العمامة على الرأس، والنعل في الرجل، والكحل في العين، والزبالة في الكناسة، فقد وضع الشيء موضعه، ولم يظلم النعل والزبالة إذ هذا محلهما.
ومن أسمائه سبحانه العدل والحكم الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه. فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في محله وهيأه له. وهو سبحانه له الخلق والأمر. فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما. وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده.
فإن قلت: فإذا كان وجوده خيراً من عدمه فكيف لا يشاء وجوده، وإذا كان عدمه خيراً من وجوده فكيف يشاء وجوده؟ فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية.
قلت: لا تنقضها، لأن وجوده وإن كان خيراً من عدمه فقد يستلزم وجوده فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى. وعدم المنهي وإن كان خيراً من وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسبباً إلى ما هو أحب إليه من عدمه. وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما إن شاء الله.
والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه وأراده وبينه، وهو لا يحب شيئاً إلا ووجوده خير من عدمه. وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه. وهو لا يبغض شيئاً إلا وعدمه خير من وجوده، هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا. وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر. ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم. فالأحسن هو المأمور به، وهو خير من المنهي عنه. وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره. فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيراً من أن لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس. وما كان عدمه خيراً من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله، بل هو منزه عنه، والشر ليس إليه.
فإن قلت: فلم خلقه وهو شر؟
قلت: خلقه له وفعله خير لا شر، فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه. والشر يستحيل قيامه به واتصافه به. وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه. والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيراً. والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر. فإن الشر كله عدم، وإن سببه جهل وهو عدم العلم، أو ظلم هو عدم العدل. وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات.
فإن قلت: كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه، والشر كله من العدم ولوازمه، والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا عدماً.
قلت: هذا اللفظ فيه إجمال، فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه، وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على عدمه ولا خير فيه، إذ لو كان فيه خير لفعله، فإنه بيده الخير فهذا صحيح. فالشر العدمي هو عدم الخير.
وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير، وكل ما يلزم العدم فهو شر، فليس بصحيح، فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح، والعدم قد يلزمه خير راجح.
مثال الأول: النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات، فإن هذا موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير. وكذلك المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما فيه الخير.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:27 AM

فصل: بيان أن تحقيق الأمر أن الشرّ نوعان
وتحقيق الأمر أن الشر نوعان: شر محض حقيقي من كل وجه، وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه.
فالأول: لا يدخل في الوجود، إذ لو دخل في الوجود لم يكن شراً محضاً. والثاني: هو الذي يدخل في الوجود.
فالأمور التي يقال: هي شرور، إما أن تكون أموراً عدمية أو أموراً وجودية. فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدماً لأمور ضرورية للشيء في وجوده، أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه، أو ضرورية له في كماله. وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله، وإن كان وجودها خيراً من عدمها.
فهذه أربعة أقسام:
فالأول: كالإحساس والحركة والنفس للحيوان.
والثاني: كقوة الإغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي.
والثالث: كصحته وسمعه وبصره وقوته.
والرابع: كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل وليست ضرورية له. وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال، كالأمراض وأسبابها، والآلام وأسبابها، والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله، كالمواد الرديئة المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به، وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب.
إذا عرف هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله. ولهذا العدم لوازم من شر أيضاً، فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية. وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي. وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط، والعلوم التي لا يضر الجهل بها، فليس بشر في الحقيقة، ولا وجودها سبباً للشر، فإن العلم من حيث هو علم: والغنى من حيث هو غنى لم يوضع سبباً للشر، وإنما يترتب الشر له في غناه بعدم هذه الصفات. وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه. وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك.
فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم. وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شراً ولا سبباً للشر. فالأمور الوجودية ليست شروراً بالذات بل بالعرض من حيث إنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة. فإنك لا تجد شيئاً من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور آخر.
مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ولهذا خلقت. فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده، بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة، فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه، أو ماله، أو تصرفه، وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث الغلبة والاستيلاء ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه. فعدل به من محله إلى غير محله. ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان ذلك خيراً، ولكن عدل به إلى غير محله فوضع القهر والغلبة موضع العدل والنصفة، ووضع الغلطة موضع الرحمة، فلم يكن الشر في وجود هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك، بل في إجرائها في غير مجراها.
ومثال ذلك ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها. فكماله في جريانه حتى يصل إليها. فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان الشر في العدول به عما أعد له وعدم وصوله إليه.
فهكذا الإرادة والغضب أعين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه. فإذا استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير. وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها، وهذه هي غير محلها، صار ذلك شراً إضافياً نسبياً. وكذلك النار كمالها في إحراقها، فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير، وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعين.
وكذلك القتل مثلاً هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن. فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير، وكون الآلة قابلة للتأثير خير، وكون المحل قابلاً لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه، والعدول به عن المحل اللائق به إلى غيره. وهذا بالنسبة إلى الفاعل، وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضاً، وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة، وقد يكون ذلك خيراً له من جهة أخرى خيراً لغيره. وكذلك الوطء، فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال. ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق. وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى.
فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر. وكذلك السجود ليس هو شراً من حيث ذاته ووجوده. فإذا أضيف إلى غير الله كان شراً بهذه النسبة والإضافة.
وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شراً بإضافته إلى ما جعله كذلك، كتعظيم الأصنام، فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه. فإذا كان تعظيماً لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيراً محضاً، وإن كان تعظيماً للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شراً كما أن إضافته السجود إلى غير الله جعلته كذلك.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:27 AM

فصل: مما ينبغي أن يُعلم: أن الأشياء المكوّنة من موادها شيئاً فشيئاً كالنبات والحيوان إما أن يعرض لها النقص الذي هو شرّ في ابتدائها، أو بعد تكوينها. وبيان الأمر الأول
ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئاً فشيئاً كالنبات والحيوان إما أن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها.
فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج ناقصة الاستعداد، فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب. وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمراً وجودياً به كماله، بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام، وعدم قبوله أم عدمي ليس بالفاعل.
وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل له كماله وتمامه ونقصه. والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي وبهذا يفهم سر قوله تعالى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت
فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه. وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله. وعدم القبول ليس أمراً مخلوقاً يتعلق بفعل الوجودي ليس فيه تفاوت، والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق، فإن الخالق له استعداداً فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق، فتأمله. والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق وأما العدم فليس هو بفاعل له. فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحمن ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت، وكذلك النبات.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:27 AM

فصل: الأمر الثاني، وهو الشرّ الحاصل بعد تكونه وإيجاده
وأما الثاني: وهو الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضاً:
أحدهما: أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات إمداده بالسقي، وعن الحيوان إمداده بالغذاء، فهو شر مضاف إلى العدم أيضاً، وهو عدم ما يكمل به.
الثاني: حصول مضاد مناف، وهو نوعان:
أحدهما: قيام مانع في المحل يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط رديئة تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به، وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم. فهذا الشر وإن كان وجودياً وأسبابه وجودية فهو أيضاً من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك المانع, فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه لم يتأثر المحل به. مثاله غلبة الأخلاط واستيلاؤها من عدم القوة المنضجة لها أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج، وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف قوة العفة والصبر، واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق لمعلومه. فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده، وعدم سبب ضده ليس فاعلاً له بل يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي.
الثاني: مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق والغرق، ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه الفساد. فهذا لا ريب أنه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي، ولكنه شر نسبي إضافي. وهو خير من وجه آخر. فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر بالنسبة إليها جزئي، فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شراً أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها، فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر. وهذا لو كان شرها حقيقياً فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه، وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس. فما قدرها الرب سبحانه سدىً ولا خلقها باطلاً.
وعند هذا فيقال: الوجود إما أن يكون خيراً من كل وجه، أو شراً من كل وجه. أو خيراً من وجه شراً من وجه. وهذا على ثلاثة أقسام: قسم خيره راجح على شره، وعكسه، وقسم مستو خيره وشره. وإما أن لا يكون فيه خير ولا شر. فهذه ستة أقسام. ولا مزيد عليها. فبعضها واقع، وبعضها غير واقع.
فأما القسم الأول: وهو الخبر المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما، فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها. وكل كمال وخير فيها فهو مستفاد من خيره وكماله في نفسه. وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها. وهي فقيرة إليه وهو غين عنها. كل منها يسأله كماله. فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا به، وإعانتها على ذكره وشكره وحسن عبادته وتنفيذ أوامره والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي والسفلي، وتسأله أن يغفر لبني آدم، والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته وتبليغها، وأن ينصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم. وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه ويسأله الدفع عنه. والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به. والكون كله يسأله إمداده بقاله وحاله:
يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن
فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال، ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال. يمينه ملأى لا يغيضها نفقة آناء الليل والنهار. وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار. له كل كمال ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وتبارك اسمه، وتبارك أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته. فالبركة كلها له ومنه، لا يتعاظمه خير سئله، ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله. فلو صور كل كمال في العالم صورة واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس.

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:28 AM

فصل: الكلام على بقية الأقسام، وأنه لا يدخل منها في الوجود إلاَّ ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة
وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة. والأقسام الأربعة لا تدخل في الوجود. أما الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو العدم المحض.
فإن قيل: فإبليس شر محض، والكفر والشرك كذلك، وقد دخلوا في الوجود، فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر؟
قيل: في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، كما سننبه على بعضه. فالله سبحانه لم يخلقه عبثاً ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم. فكم الله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة. وهو إن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان، ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها.
وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضاً في الوجود فإنه عبث، فتعالى الله عنه. وإذ امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع.
ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب، وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها، واللذات أكثر من الآلام، والعافية أعظم من البلاء، والغرق والحرق والهدم ونحوها- وإن كثرت- فالسلامة أكثر. ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب. وفوات الخير الغالب شر غالب. ومثال ذلك النار، فإن في وجودها منافع كثيرة، وفيها مفاسد، لكن إذ قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها. وكذلك المطر والرياح والحر والبرد. وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها، ولكن خيرها غالب. وأما العالم العلوي فبريء من ذلك.
فإن قيل: فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة؟ فإن قلتم: اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجاً فيه اللذة بالألم والخبر بالشر فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم العلوي، سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه، فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر ومتبعه وقدوة أهله فيه إبليس؟ وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر؟ وأي خير يغلب في نشأة يكو فيه تسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة؟ وأي غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى على الأولاد ما جرى، ولو داما في الجنة لارتفع الشر بالكلية.
وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أن صرف البهم عنها ووفق لها الأقل من الناس؟
وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي.
وأي خير في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين. فإن قلتم: فائدته التعويض، انتقض عليكم بإيلام البهائم.
ثم وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والإفتتان به؟ وإذا قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب؟
وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار؟
وأي خير في إلباس الخلق شيعاً وإذاقة بعضهم بأس بعض؟
وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها ؟
وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها، وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها؟ فإن كان وجود ذلك خيراً غالباً فإبطاله إبطال للخير الغالب.
دع هذا كله، فأي خير راجح أو مرجوح في النار، وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر؟ ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل، وإسناد الكون إلى محض المشيئة، أو القول بالإيجاب الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته.
هذه الأسئلة إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار، فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة فاختاروا أحد المذهبين، وتحيزوا إلى إحدى الفئتين. وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور؟
فالجواب بعد أن نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر: بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي:
ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون* فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم
الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما
صنع الله الذي أتقن كل شيء الذي أحسن كل شيء خلقه ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت
بل هو في غاية التناسب، واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة. فلم يكن تحصل تلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب والبدايات.
وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال: إني أعلم ما لا تعلمون
وأقروا له بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع أفعاله على صراط مستقيم. وقالوا:
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
ولما ظفر لهم بعض حكمته فيما سألوا عنه وأنهم لم يكونوا يعلمون، قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون

أحمد سعد الدين 15-06-2004 01:29 AM

فصل: في ذكر أصول مهمة يتبين بها الجواب على القول السابق
ونحن نذكر أصولاً مهمة نبين بها جواب هذه الأسئلة، وقد اعترف كثير من المتكلمين ممن له نظرة في الفلسفة والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا بالتزام القول بالموجب بالذات، أو القول بإبطال الحكمة والتعليل، وأنه سبحانه لا يفعل شيئاً لشيء ولا يأمر بشيء لحكمة ولا جعل شيئاً من الأشياء سبباً لغيره، وما ثم إلا مشيئة محضة وقدرة ترجح مثلاً على مثل بلا سبب ولا علة، وأنه لا يقال في فعله: لم، ولا كيف، ولا لأي سبب وحكمة، ولا هو معلل بالمصالح.
قال الرزاي في مباحثه: فإن قيل: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما خرج عنه- يعني كان ذلك هو القسم الذي هو خير محض ولا شر فيه.
قال: وبقي في الفعل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالباً على شره. وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجوداً.
قال: وهذا الجواب لا يعجبني، لأن لقائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله سبحانه وإرادته، فالإحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجباً عن النار، بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار. وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيراً ولا يختار خلقه عندما يكون شراً. ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلاً بالذات لا بالقصد والإختيار. ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث.
فانظر كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند الله، ومخالفة صريح العقل في أن خالق العالم سبحانه مريد مختار، ما شاء كان بمشيئته وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته، وأنه ليس في الكون شيء حاصل بدون مشيئته البتة.
فأقر على نفسه أنه لا خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأن الله لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أوجد العالم بعد عدمه، ولا يفنيه بعد إيجاده، وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته فلم يكن مختاراً مريداً للعالم.
وليس عنده إلا هذا القول، أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم والتعليل، أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل وأوجبوا رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه.
فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة.
والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال لمنافاتها العقل والنقل والفطرة.
والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام أضل الله عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة وهداهم إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة: أضل الله عنها من كان قبلنا، فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى . ونحن هكذا نقول بحمد الله ومنه: القول الوسط الصواب لنا، وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسل، وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية، وإنكار عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه من محبته وكراهته وموجب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية. ونحن نبرأ إلى الله من هذه الأقوال وقائلها إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم فنحن به قائلون، وإليه متفادون، وله ذاهبون.


الساعة الآن 08:22 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.