منتديات بوابة العرب

منتديات بوابة العرب (http://vb.arabsgate.com/index.php)
-   منتدى العلوم والتكنولوجيا (http://vb.arabsgate.com/forumdisplay.php?f=36)
-   -   تـاريـخ الاستـعـبـاد (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=493239)

مراقب سياسي4 17-08-2008 01:30 AM

تـاريـخ الاستـعـبـاد
 
تـاريـخ الاستـعـبـاد

حمدي شفيق



لم يكن الإسلام مسئولاً عن ابتداع الرق . هكذا تثبت حقائق التاريخ التي دوَّنَها المؤرخون من غير المسلمين . فالتاريخ المعروف للبشرية يشير إلى أن الرق ظاهرة عريقة في القدم ، تاريخها هو ذاته تاريخ الاستغلال وظلم الإنسان لأخيه الإنسان . وقد نشأت ظاهرة الاستعباد منذ عشرات الألوف من السنين ، وتحديدًا في فترة التحول من الصيد إلى الاعتماد على الزراعة المُنَظّمة كوسيلة لاكتساب الرزق .
يقول المؤرخ الكبير "ول ديورانت" في موسوعته "قصة الحضارة" :
(بينما كانت الزراعة تُنْشئ المدنيِّة إنشاءً فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية ، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفًا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص، لأن زوجة الصائد وأبناؤه كانوا يقومون بالأعمال الدنيئة , وكانت فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت تتعاقب في حياتهم مرحلة تضطرب بنشاط الصيد أو القتال، يتلوها مرحلة من فتور الاسترخاء والدعة بعد الإجهاد والعناء. ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ – فيما نظن – من هذه العادة . عادة الاستجمام البطيء بعد عناء القتال والصيد ، ولو أنها لم تكن عندئذ كسلاً بمقدار ما كانت راحة واستجمامًا ؛ فلكي تحوِّل هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد ، لابد لك من شيئين : العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم , وتنظيم العمل .
وأما تنظيم العمل فيظل مُنْحلَّ العرى لَدُنِّىَّ النشاط مادام الناس يعملون لأنفسهم، لكنهم إذا كانوا يعملون لغيرهم فإن تنظيم العمل لابد أن يعتمد في النهاية على القوة والإرغام ؛ وذلك أن نشأة الزراعة وحدوث التفاوت بين الناس انتهيا إلى استخدام الضعفاء بواسطة الأقوياء اجتماعيًا ؛ ولم يتنبَّه الظافر في القتال قبل ذلك إلى أن الأسير الذي ينفعه هو الأسير الحي ، وبذلك قلَّت المجازر وقلَّ أكل الناس بعضهم لحوم بعض كلما زاد نظام الرق اتساعًا. وإذن فقد تقدم الإنسان من حيث الأخلاق تقدمًا عظيمًا حين أقلع عن قتل أخيه الإنسان أو أكله ، واكتفى من أعدائه باسترقاقهم. وإنك لترى تطورًا كهذا يتم اليوم على نطاق واسع ، إذ أقلعت الأمم الظافرة عن الفتك بالعدو المغلوب ، واكتفت باسترقاقه عن طريق التعويض الذي تقتضيه إياه . ولما استقر نظام الرق على أسسه ، وبرهن على نفعه ، أخذ يزداد نطاقه بأن أضيف إلى الرقيق طوائف أخرى غير الأسرى ، فأضيف إليهم المَدِينُون الذين لا يُوفَون بالدَّيْن ،واللصوص, والمجرمون الذين يعاودون الإجرام ، هذا إلى جانب غارات تُشن عمدًا لإجتلاب الرقيق ؛ وهكذا كانت الحرب بادئ الأمر عاملاً على نشأة الرق ، ثم أصبح الرق عاملاً على شن الحروب .
ولعل نظام الرق حين امتدت به القرون قد أكسب الجنس البشرى تقاليده وعاداته من حيث العمل . فلن تجد بيننا أحدًا يُقدم على عمل شاق عسير إذا كان في مقدوره أن يتخلص منه بغير أن يتعرض لشيء من العقاب البدني أو الاقتصادي ، وإذن فقد بات الرق جزءًا من النظام الذي استعد به الإنسان للقيام بالصناعة ، هذا فضلاً عن أنه عمل على تقدم المدنيَّة بطريق غير مباشر ، بأن زاد من الثروة فخلق الفراغ لفئة قليلة من الناس ، ولما مضت قرون على هذا النظام ، جعل الناس ينظرون إليه على أنه نظام فطرى لاغنى عنه !!- واستوى في هذا الرأي أكابر الفلاسفة مع أجهل الناس،وبهذا قال أرسطو قبل الأديان، ثم بارك القديس بولس هذا النظام الاجتماعي الذي لابد أن يكون قد بدا لعينيه في عصره نظامًا قضى به الله)!! ولمن شاء مزيدا من التفاصيل أن يراجع كتاب ديورانت الهائل الذي طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب مترجما إلى اللغة العربية .
وقد عرفت كل الحضارات والأمم السابقة على الإسلام ظاهرة الاستعباد للآخرين على أوسع نطاق ممكن . فالرق كان موجودًا لدى الفراعنة .. إذ كان الملوك والكهنة وقواد الجيش المصري القديم يتخذون أسرى الحرب عبيدًا لهم ، يستخدمونهم فيما تحتاج إليه الدولة الفرعونية من أعمال كشق الترع وبناء الجسور والمعابد والأهرامات . وعلى خلاف المعروف لدى الأمم الأخرى في تلك الفترة - كما يلاحظ محمد عطية الأبراشى (1)- كان عبيد القصور يتمتعون بمعاملة إنسانية في مصر ، وكان مسموحًا للحرّ أن يتزوج جارية . وكان محظورًا على السادة قتل الرقيق ، ومن قتل عبدًا فإنه يُقتل به على سبيل القصاص .

الرق فى أشور
وكان الرق موجودًا على أوسع نطاق لدى الآشوريين. وقد كانت قصورهم مليئة بالعبيد والجواري للخدمة والمتعة في آن واحد. ومن أطرف الوثائق والعقود التي عُثر عليها وتعود إلى عهد الملك نبوخذ نصر – كما يقول ول ديورانت – تلك العقود المتصلة بالعبيد: (وكان مصدر هؤلاء العبيد أسرى الحروب ، والغارات التي يشنها البدو الرحل على الولايات الأجنبية، ونشاط العبيد أنفسهم في التناسل. وكان ثمن الأرقاء يختلف من عشرين ريالاً إلى خمسة وستين للمرأة ، ومن خمسين ريالاً إلى مائة ريال للرجل . وكان هؤلاء العبيد هم الذين يؤدون معظم الأعمال العضلية في المدن ، وتدخل في هذه الأعمال الخدمات الشخصية .
وكانت الجواري ملكًا خالصًا لمن يبتاعهن ، و عليهن أن يمهدن له فراشه ويطبخن له طعامه ، وكان المعروف أنه سيستولدهن عددًا كبيرًا من الأبناء . وكان العبد وكل ما ملكت يداه ملكًا لسيده : من حقه أن يبيعه أو يرهنه وفاء لدين ، ومن حقه أن يقتله إذا ظن أن موته أعود عليه بالفائدة من حياته. وإذا أبق العبد فإن القانون لا يبيح لأحد أن يحميه وكانت هناك جائزة لمن يقبض عليه. وكان من حق الدولة أن تجنده كما تجند الفلاح الحرّ للخدمة العسكرية, أو تسخّره للقيام ببعض الأعمال العامة كشق الطرق ، وحفر القنوات. وكان أكثر العبيد يقنعون من حياتهم بكثرة إنجاب الأبناء ، حتى صاروا أكثر عددًا من الأحرار. فكانت طبقة الأرقام الكبيرة تتحرك كأنها نهر تحتي جيَّاش يجرى تحت قواعد الدولة البابلية).(2).

عرب الجاهلية
ولم يختلف الحال لدى العرب قبل الإسلام عن غيرهم من الأمم في ميدان الرق. فقد كان مألوفًا أن تتخذ القبائل المنتصرة من أطفال ونساء القبائل المهزومة عبيدًا وجواري .
وكان بعض مشاهير مكة مثل عبد الله بن جدعان من تجار الرقيق(3). وتذكر كتب التاريخ أن عددًا من مشاهير الصحابة كانوا عبيدًا قبل الإسلام ، منهم زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي اختطف وهو صغير ، وباعه الخاطفون في سوق عكاظ, حيث اشتراه حكيم ابن حزام ثم وهبه لعمته السيدة خديجة رضي الله عنها . وكذلك اختطف بعض قطاع الطرق سلمان الفارسي رضي الله عنه أثناء رحلته إلى الشام ، وباعوه لبعض يهود يثرب قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها . وكان بلال بن رباح وعمار بن ياسر وذويهما عبيدًا بمكة المكرمة في الجاهلية ، وتعرضوا لتعذيب مروع من سادتهم لإجبارهم على ترك الإسلام . وكانت "سميّة" أم عمَّار رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام ، إذ قتلها أبو جهل لعنه الله بطعنة في قُبلها لرفضها الارتداد عن دين الحق . وكانت "ثويبة" إحدى مرضعات الرسول صلى الله عليه وسلم مولاة لعمه أبى لهب . وكانت حاضنته "أم أيمن" جارية لأبيه عبد الله بن عبد المطلب قبل مولده ، وانتقلت ملكيتها إليه بعد وفاة أبيه .

الرق في فارس
وفى بلاد فارس كان الأرقاء يُتخذون للرعي والزراعة ، ويستخدمون فيما تحتاج إليه البيوت من الزينة والعمل . وإذا ارتكب الرقيق ذنبًا عوقب عقابًا معتدلاً ، فإذا ارتكبه مرة أخرى فلسيده أن يعاقبه بما يشاء ، وله أن يقتله . وكان الأكاسرة ينظرون إلى كل من هو غير فارسي على أنه عبد مملوك لهم ، ولا حق له في أي شيء سوى الطعام والشراب كأي حيوان !! .

الرق عند الهنود القدماء
كان لدى الهنود القدماء طبقات أعلاها : طبقة الأشراف وهم البراهمة ، أما طبقة العمال، فهي الطبقة الدنيا التي تستخدم في الأعمال ، وتعامل معاملة بشعة . وللطبقة الأولى السيادة والسيطرة ، وعلى الطبقة الثانية – وهى طبقة الأرقاء – الطاعة والخضوع . ويستمر الرقيق خادمًا طوال حياته . وكانت القوانين التي يحاكم بها جائرة ، فإذا اعتدى رقيق على برهمي حكم على الرقيق بالقتل . وإذا شتمه بلفظ بذيء قُطع لسانه . وإذا احتقره عُوقب بوضع خنجر محمى بالنار في فمه . وإذا نصح لبرهمي نصيحة تتصل بواجبه أمر الملك بوضع زيت ساخن في أذنه وفمه . وإذا اغتصب برهمي شيئًا من الرقيق حكم عليه بدفع غرامة مالية أما إذا سرق عبد شيئًا من برهمي حكم عليه بالإحراق !!. وكانت الأعمال النجسة تترك للعبيد ليقوموا بها ، والأعمال المقبولة يقوم بها الخدم . كما كان في الهند طائفة أخرى منبوذة تُسَخَّر أيضا للخدمة كالعبيد .

الرق عند الصينيين
كان الفقراء من الصينيين القدماء يبيعون أبناءهم وبناتهم لشدة فقرهم وحاجتهم. وكان للسيد الحق فى بيع من لديه من الأرقاء وأولادهم . وقد عرف الصينيون بالذكاء والحكمة والرقة والمروءة والإنسانية . فالرقيق فى الصين كان يعامل بشكل أفضل كثيرًا من نظرائهم فى أوروبا(5) .

الرق عند الإغريق
وفى أثينا كانت هناك طبقات ثلاث : المواطنون والغرباء والعبيد . ويقدر سويداس عدد العبيد الذكور وحدهم بمائة وخمسين ألفًا , معتمدًا في تقديره على خطبة منسوبة إلى هيريدس ألقيت في عام 338 ق م، وإن لم تكن موثوقًا بصحتها . ويقول أثيديوس : إن تعداد سكان أتكا الذي أجراه دمتريوس فاليريوس حوالي عام 317 ق م يقدر المواطنين بواحد وعشرين ألف، والغرباء بعشرة آلاف، والأرقاء بأربعمائة ألف. ويقدر تيموس عبيد كورنثة بأربعمائة وستين ألفًا - حوالي عام 300 ق م - ويقدر أرسطو- - عبيد إيجينا بأربعمائة وسبعين ألفًا - حوالي 340 ق م- ولعل السبب في ضخامة هذه الأعداد أنها تشمل العبيد الذين كانوا يعرضون للبيع عرضًا مؤقتًا في أسواق الرقيق القائمة في كورنثة ، وإيجينا وأثينا .
وهؤلاء العبيد إما أسرى حرب ، أو ضحايا غارات الاسترقاق ، أو أطفال أنقذوا وهم معرضون للهلاك في العراء ، أو أطفال مهملون، أو مجرمون . وكانت قلة منهم في بلاد اليونان يونانية الأصل ؛ وكان الهيليني يرى أن الأجانب عبيد بطبعهم, لأنهم يبادرون بالخضوع للملوك ، ولهذا لم يكن يرى في استعباد اليونان لهؤلاء الأجانب ما لا يتفق مع العقل؛ لكنه كان يغضبه أن يسترق يوناني!! . وكان تجار اليونان يشترون العبيد كما يشترون أية سلعة من السلع، ويعرضونهم للبيع ، في طشيوز، وديلوس، وكورنثة، وإيجينا، وأثينا، وفى كل مكان يجدون فيه من يشتريهم. وكان النخاسون في أثينا من أغنى سكانها، وكان من المألوف في ديلوس أن يباع ألف من العبيد في اليوم الواحد، وأن يساوم على شرائهم في أي وقت من الأوقات، وعرض سيمون بعد معركة يوريمدون عشرين ألفًا من الأسرى في سوق الرقيق. وكان في أثينا سوق يقف فيه العبيد متأهبين للفحص وهم مجردون من الثياب ، وكان ثمن العبد يختلف من نصف مينا إلى عشرة مينات (من 50 دولارا أمريكيًا إلى ألف دولار) . وكانوا يشترون إما لاستخدامهم في العمل مباشرة، أو لاستثمارهم؛ فقد كان أهل أثينا الرجال منهم والنساء يجدون من الأعمال المربحة أن يبتاعوا العبيد ثم يؤجروهم للعمل في البيوت أو المصانع، أو المناجم. وكانت أرباحهم من هذا تصل إلى 33 في المائة. وكان أفقر المواطنين يمتلك عبدًا أو عبدين، ويبرهن إسكنيز على فقره بالشكوى من أن أسرته لا تمتلك إلا سبعة عبيد!! وكان عددهم في بيوت الأغنياء يصل أحيانًا إلى خمسين ، وكانت الحكومة الأثينية تستخدم عددًا منهم في الأعمال الكتابية وفى خدمة الموظفين، وفى المناصب الصغرى، وكان منهم بعض رجال الشرطة .
أما في الريف فكان العبيد قليلي العدد، وكانت كثرة الرقيق من النساء الخادمات في البيوت . ولم يكن الأهلون في شمالي بلاد اليونان وفى معظم الپلپونيز في حاجة إلى العبيد لاستغنائهم عنهم برقيق الأرض. وكان العبيد في كورنثا, ومجارا، وأثينا يؤدون معظم الأعمال اليدوية الشاقة، كما كانت الجواري يقمن بمعظم الأعمال المنزلية المجهدة، ولكن العبيد كانوا فوق ذلك يقومون بجزء كبير من الأعمال الكتابية وبمعظم الأعمال التنفيذية في الصناعة والتجارة والشئون المالية. ولم يكن هناك عبيد علماء كما في العصر الهلنستي وفى روما. وقلما كان يسمح للعبد بأن يكون له إناء ، لأن شراء العبد كان أرخص من تربيته، وكان العبد إذا أساء الأدب ضُرب بالسوط، وإذا طلب للشهادة عُذّب، وإذا ضربه حرّ لم يكن له أن يدافع عن نفسه ، لكنه إذا تعرض للقسوة الشديدة كان له فقط أن يفر إلى أحد الهياكل)!!. (6)
وكان فلاسفة اليونان يجاهرون بتأييدهم للرق !! ويرى أفلاطون أن العبيد لايصلحون لأن يكونوا مواطنين !! وعليهم فقط لزوم الطاعة العمياء لسادتهم أحرار أثينا !!.ولا ندرى أية مدينة فاضلة تلك التي يكون ثلاثة أرباع سكانها من العبيد!! أما تلميذه أرسطو فهو يرى أن بعض الناس خُلِقُوا فقط ليكونوا عبيدًا لآخرين!!! وبعضهم خُلِقُوا ليكونوا سادة، وهم الأحرار ذوو الفكر والإرادة والسلطان. فالعبيد خلقوا ليعملوا كأنهم آلات، والأحرار خُلِقُوا ليفكروا ويلقوا الأوامر لينفذها العبيد !! ويجب في رأى أرسطو أن يستمر هذا الاستعباد حتى يتوصل الإنسان إلى صنع آلات معدنية تحل محل الرقيق !! ومثل هذه الأفكار الشاذة لهؤلاء الفلاسفة - رغم عقولهم الجبارة- تثبت حاجة البشر إلى وحى السماء، وأن من اعتمد على العقل فقط فقد ضلّ.
وفى بلاد اليونان كان العبيد يعملون خدمًا في البيوت، ولا يسمح لهم بأن يكونوا كهنة في المعابد كما يؤكد بلوتارك المؤرخ اليوناني المعروف .
وقد اعتاد قدماء الإغريق السير في البحار، وخطف من يجدونه من سكان السواحل. وكانت قبرص وصفاقس وسامس و غيرها من المستعمرات اليونانية أسواقًا كأثينا يباع فيها الأرقاء ويشترون. وكان العبيد يعملون لمواليهم ، ويدفعون لسادتهم مقدارًا محددًا من المال كل يوم . وكان في كل منزل بأثينا عبد للقيام بالخدمة ، مهما كان صاحبه فقيرًا ، وكان المولى حرّ التصرف فيمن يملكهم من عبيد .
وكان الرقيق إذا أخطأ عوقب بالجلد بالسوط ،وكلف بالقيام بطحن الحبوب على الرحى ، وإذا هرب كوى على جبهته بالحديد المحمى في النار !!

الرق عند الرومان
إن تاريخ العبودية لدى الرومان هو- بحق- صفحات حالكة السواد في سجل البشرية، ولا سبيل أمام المستشرقين سوى الاعتراف به بدلاً من الافتراء على الإسلام.
فقد كان الرومان يحصلون عادة على الأرقاء من أسرى الحروب، وأولاد العبيد، وأولاد الأحرار الذين حكم عليهم القانون بأن يكونوا عبيدًا ، كالمدينين الذين صعب عليهم الوفاء بديونهم. وكان ثلاثة أرباع سكان الإمبراطورية الرومانية من الرقيق! وفى أثناء الحرب كان النخاسون الذين يتجرون في الرقيق يلازمون الجيوش، إذ كان الأسرى يباعون بأثمان زهيدة. و كان النخّاسون من الرومان يسرقون الأطفال ويبيعونهم ، ويسرقون النساء للاتجار بأعراضهن .
وكان الرقيق في روما يقف على حجر في السوق، ويدلل عليه البائع، ويباع بالمزايدة. وكان الراغب في الشراء يطلب أحيانًا رؤية العبد وهو عريان لمعرفة ما به من عيوب !!
وكان هناك فرق كبير في الثمن بين العبد المتعلم والعبد الجاهل، وبين الجارية الحسناء والجارية الدميمة. وكانت الجارية الحسناء تباع بثمن غال، ولهذا انتشر الفساد الخلقي، وانتشرت الرذيلة في روما. وكان الاتجار بالجواري الجميلات من أسباب الثراء.
وكان الأرقاء قسمين : قسم ينتفع به في المصالح العامة كحراسة المباني، والقيام بأعمال السجّان في السجن، والجلّاد في المحكمة للمساعدة في تنفيذ حكم القاضي، وحال هذا النوع أحسن من سواهم، وقسم ينتفع به في المصالح الخاصة كالعبد الذي يتخذه مولاه لقضاء الأعمال في البيت والحقل، والجارية التي يخصصها سيدها لتربية الأولاد .
وكان القانون ينظر إلى الرقيق كأنه لا شيء ، ليست له أسرة، ولا شخصية، ولا يملك شيئًا. والعبد وما ملكت يداه لسيده . ويتبع الرقيق أمه حين الوضع، فإذا كانت حرّة كان حرًّا ، وإذا كانت رقيقة كان رقيقًا .
وكان لمالك الرقيق الحرية المطلقة في التصرف في عبده كما يتصرف في الحيوانات التي يملكها(7). فإذا أخطأ العبد عاقبه سيده بأية وسيلة شيطانية تخطر له على بال ! فكان يقيده بالسلاسل ويكلفه مثلاً بحرث الأرض وهو مكبّل بالحديد، أو يجلده بالسياط حتى الموت ، أو يعلقه من يديه في مكان مرتفع عن الأرض وهو يربط أثقالاً برجليه حتى تتفسخ أعضاء جسمه !! أو يحكم عليه بمصارعة وحوش كاسرة – كالأسود والنمور – تم حبسها وتجويعها أيامًا طوال كي تكون أشد افتراسًا وفتكًا بالعبيد البائسين الذين قُدّر عليهم أن يلقوا حتفهم بهذا الأسلوب الذي يقشعر له بدن الشيطان !
ولم تكن هناك أية عقوبة في القانون الروماني تُطبّق على السيد الذي يقتل عبده أبدًا. فالقانون كان ينص على أن العبد هو أداة ناطقة !! وكانوا يعتبرون الرقيق مجرد "أشياء" وليسوا بشرًا ذوى أرواح وأنفس !! وكان منظرًا عاديًا لديهم أن يشاهدوا جثثًا مصلوبة على جذوع الأشجار لعبيد شاء سادتهم المجرمون شنقهم، أو تعليقهم هكذا بلا طعام ولا شراب حتى الموت ، أو حرقهم أحياء ، أو إجبارهم على العمل الشاق وأرجلهم مقيدة بالسلاسل عراة تحت أشعة الشمس الحارقة !! وكانت الفقرة المحببة لدى الرومان في الأعياد والمهرجانات هي المبارزات الحية بكل الأسلحة الفتَّاكة بين العبيد حتى يهلك الأعجل من الفريقين !! وتتعالى صيحات المجرمين الرومان إعجابًا أو تلتهب الأكف من التصفيق الحاد حين يتمكن أحد العبيد من تسديد طعنة نافذة في جوف القلب تقضى على غريمه !
ويقول م.ب تشارلز ورث في كتابه "الإمبراطورية الرومانية" : (كان هناك - دون شك – الحاكمون بأمرهم ، فقد أصر سيد على أن يقف العبيد حول المائدة صامتين ، وكان يعاقب من يسعل منهم أو يعطس بالجلد !! واعتادت إحدى السيدات أن "تعض" جواريها في نوبات غضبها ، وكانت أخريات يأمرن بجلد الجارية إذا لم تُحسن تصفيف شعر سيدتها !! وألقى أحد العبيد المعذّبين بنفسه من فوق سطح المنزل, فخرّ صريعًا, هربًا من السباب وإهانات سيده المتوحش، وطعن أحد العبيد الهاربين من الجحيم نفسه حتى الموت حتى لا يعود إلى الرق مرة أخرى. ومثل هذه الحوادث كثير (8).
وكان من الطبيعي أن تندلع ثورات عارمة احتجاجًا على وحشية السادة الرومان تجرى فيها دماء الطرفين أنهارًا ، لكنها للأسف كانت تنتهي بمقتل جميع العبيد الثائرين، والويل لمن يبقى حيًّا حتى ممن لم يشاركوا في التمرد !
ومازلنا نذكر الأعمال الفنية الرائعة التي خلدت ثورات العبيد المطحونين ، ومن أشهرها فيلم "سبارتاكوس محرر العبيد" وغيرها، وكذلك العشرات من الكتب والأبحاث العلمية والتاريخية التي دوّنت فظائع الاستعباد في أوروبا. والعجيب أن أولئك الذين يتطاولون على الإسلام يعتريهم الخرس التام ، ولا يعلّقون ببنت شفة على تاريخ آبائهم الأسود بهذا الصدد ! .

القرون الوسطى
في القرون الوسطى كان الأرّقاء في فرنسا وإيطاليا والجزر البريطانية وأسبانيا القديمة – يكلفون بالأعمال الزراعية من حرث وزرع وحصد؛ لأن الأعمال اليدوية في نظرهم كانت محتقرة لا يقوم بها الأحرار !! وكان الأرّقاء في ألمانيا يقدمون إلى سادتهم مقادير معينة من القمح أو الماشية أو الملابس . وكان لكل عبد مأوى يقيم فيه ، ويدبر أحواله كيف يريد .
وكان الفرنج – وهم الألمان الذين يقيمون على جانبي نهر الراين الأسفل – يعاملون الأرّقاء أقسى معاملة ، فإذا تزوج حرّ رقيقة صار رقيقًا مثلها، وإذا تزوجت حرّة رقيقًا أصبحت رقيقة، وفقدت الحرية التي كانت تتمتع بها .
وفى لمبارديا كانت الحرة إذا تزوّجت رقيقًا حكم عليهما بالإعدام .
ولدى الأنجلوسكسون – وهم الأمم الجرمانية التي تناسل منها الانجليز – كان الأرقاء ينقسمون قسمين : قسم كالمتاع يجوز بيعه ، وقسم كالعقار يقوم بحرث الأرض وزرعها ، ويباح لهم جمع مال يدفعونه لسادتهم .
وكانت نظرة الأوروبيين إلى العبيد حتى القرن التاسع عشر أنهم لا روح لهم ولا نفس ، ولا إرادة . فإذا اعتدى زنجي على سيده أو على حر من الأحرار ، أو سرق أي شيء كان القتل جزاءا له .
وإذا هرب عوقب بقطع أذنه في المرة الأولى، وكوى بالحديد المحمىِّ في المرة الثانية ، وقتل في الثالثة . وإذا قتل المالك رقيقه فللقاضي الحق في أن يحكم ببراءة المالك !
ولا يجوز لغير البيض كسب العلم والمعرفة . وكان القوط يحكمون على الحرّة التي تتزوج من عبد بالحرق معه !! وفى قوانين قبائل الأسترغوط يحكمون بالقتل على الحرة التي تتزوج بعبد(9) وأولادهم جميعًا يسترقون إن حدث إنجاب قبل قتلهم .

التزامات رقيق الأرض
كان وجود رقيق أمرًا سببه نشوء النظام الإقطاعي الذي تبلور في صورته المعروفة بأوروبا في القرن التاسع ، وبلغ ذروته إبان القرون الوسطى، وتحديدًا في القرن الثالث عشر . وكان الرقيق يمثلون الأغلبية الساحقة من سكان أوروبا باستثناء الملوك والنبلاء ورجال الدين .
بدأ نظام الإقطاع بمنح الملوك والأمراء مساحات من الأراضي لمن يدينون لهم بالولاء ، مدى حياتهم ثم أصبح ذلك أمرًا وراثيًا ، فأمير الإقطاعية هو الحاكم المطلق في إقطاعيته ، هو المالك لكل شيء والباقون عبيد ، ولا يملكون الانتقال من إقطاعية إلى إقطاعية .
ولم تكن مساوئ النظام الإقطاعي في الجانب المالي فحسب ، بل كان للإقطاعي سلطات أخرى . والمدهش حقًا هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك ، فضلا عن خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته و منها:
1- ثلاث ضرائب نقدية في العام .
2- جزء من محصوله وماشيته .
3- العمل سخرة كثيرًا من أيام السنة !.
4- أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه .
5- أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البرى ! .
6- رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك ! .
7- ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب .
8- يفتدى سيده إذا أُسر .
9- يقدم الهدايا لابن المالك إذا رُقى لمرتبة الفرسان.
10- ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق ! .
11- لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسه بأسبوعين ! .
12- يشترى بعض بضائع سيده وجوبًا .
13- غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة !! .
14- ضريبة مع إذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة !.
15- حق الليلة الأولى وهى أن يقضى السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى!! وكان يسمح له أحيانًا أن يفتديها بأجر، وقد بقى هذا في بافاريا إلى القرن الثامن عشر ! .
16- المالك هو الذي يرث كل ممتلكات الرقيق إذا مات .
17- ضريبة سنوية باهظة يدفعها الرقيق للكنيسة ، وأخرى يدفعها للقائد الذي يتولى الدفاع عن المقاطعة .

يتبع>

مراقب سياسي4 17-08-2008 01:41 AM

الديانات السابقة
كان الرق شائعًا في عهد أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام .. ومن المعروف تاريخيًا أن فرعون مصر أهدى السيدة "سارة" زوجة إبراهيم جارية هي "هاجر"، وهبتها بدورها لزوجها عليه السلام لعلها تلد له ابناً ، إذ كانت "سارة" عجوزًا عاقرًا. وولدت السيدة "هاجر" سيدنا إسماعيل على نبينا وعليه السلام . وإذا كان النصارى واليهود يؤمنون بإبراهيم عليه السلام مثلنا ، فلماذا يعيبون علينا السماح بملك اليمين فترة من الزمن إلى أن يتم لهم التحرر بوسائل شتى ، ولا يرون بذلك بأساً عند إبراهيم ثم أولاده وأحفاده ؟!! أم أنه الحقد و التعصب ضد الإسلام ؟!!
وكذلك عاشر " يعقوب " جاريتين ، أهدتهما إليه زوجتاه ابنتا خاله " لابان " - " ليا " و"راحيل "- بملك اليمين أيضاً ، وأنجب من الحلائل الأربع أولاده الإثناء عشر يوسف وإخوته .. ولا يجد المستشرقون هنا أيضاً أية غضاضة ، ولا في امتلاك داود وسليمان عليهما السلام لأعداد كبيرة من العبيد والجواري !! تقول مصادر أهل الكتاب أن سليمان عليه السلام كانت له 300 زوجة و 700 سرية ، فهل سبعمائة جارية بالعدد القليل ؟!! و كان الرق معروفًا في عهد يوسف عليه السلام.. إذ تعرض هو نفسه لمحنة الرق ، بعد أن ألقاه إخوته في الجُب صغيراً، وعثرت عليه قافلة ثم باعوه بمصر حيث اشتراه كبير وزرائها في ذلك العهد .كما كان استرقاق السارق موجودا في شريعة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام، واستخدم يوسف حيلة لإظهار أخيه بنيامين كسارق لاستبقائه معه. وقد بسط القرآن الكريم القصة كاملة في سورة يوسف.(10)

الرق عند اليهود
كان اليهود دائماً وأبداً من أكبر المتاجرين بالبشر في كل العصور . فالقوم ينطلقون من عقيدة أساسية عندهم هي أنهم شعب الله المختار، فمن الطبيعي –عندهم - أن يكون الآخرون من كل أجناس الأرض الأخرى عبيداً لهم ، يمارسون ضدهم أبشع أنواع القهر و الاستعباد و الاستغلال ، إن لم يفتكوا بهم بلا أدنى رحمة !! وهكذا حسم اليهود أمرهم مبكراً بتلفيق نصوص في التوراة الموجودة بأيديهم الآن ، لتعطيهم صراحة الحق إما في استرقاق الآخرين كما يحلو لهم ، وإما إبادتهم بالكامل إن أرادوا !!! حيث يزعم الإصحاح الحادي عشر من سفر الخروج في العهد القديم أنه :"لكي تعلموا أن الربَّ يُميِّز بين المصريين وإسرائيل ، فينزل إلىّ جميع عبيدك هؤلاء ويسجدون لي .." 7-8 (!!) . وطبقاً لهذه النظرية فإن اليهود كانوا دوماً من أكبر وأشهر التجار في أسواق النخاسة في كل أنحاء المعمورة ، فمعبودهم الأول والأخير هو الذهب ، الذي لا يتورعون- في سبيل الحصول عليه- عن امتصاص دماء الآخرين ، وبيعهم في الأسواق كالبهائم سواء بسواء !! وحتى الأطفال و البهائم والأمتعة لم تنج من بطش أحفاد القردة و الخنازير الذين يطبقون نصوص البطش و الإجرام الملفقة !!
تقول التوراة المحرفة التي بأيدي اليهود اليوم في الإصحاح العشرين من كتاب الثنية المزعوم :
(حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح . فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير وتستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة وكل غنيمتها فتغنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك . هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا . أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبقى منها نسمة ما بل تحرّمها تحريمًا...) . والويل كل الويل للمدن التي لا تعبد إله إسرائيل, فإنها كما جاء في الإصحاح الثالث عشر من سفر التثنية: "فضرباً تضرب بحد السيف وتحرّم بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف, تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها, و تحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، فتكون تلاً إلى الأبد لا تُبنى بعده.."!!!.
أما الإصحاح الحادي و العشرين من سفر الخروج فإنه ينص صراحة على جواز شراء العبيد : (إذا اشتريت عبداً عبرانياً فست سنين يخدم) ثم إن "أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين و بنات فالمرأة وأولادها يكونون للسيد ، وهو يخرج وحده ، ولكن" إذا قال العبد : أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حرّاً ، يقدمه سيده إلى الله ، ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة ، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد"، هذا إن كان عبرانياً. أما استرقاق غير العبراني فهو عن طريق الأسر والتسلط ، لأنهم يعتقدون أن جنسهم أعلى من غيرهم ، ويصطنعون لهذا الاسترقاق سنداً من توراتهم فيزعمون : إن حام بن نوح – وهو أبو كنعان – كان قد أغضب أباه ، لأن نوح سكر يوماً ثم تعرى و هو نائم في خبائه !! فأبصره حام كذلك فلما علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب ، ولعن نسله الذين هم كنعان ، وقال – كما في التوراة في سفر التكوين إصحاح 9/25 -26 – ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته ، وقال: مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم .!! وفى الإصحاح نفسه / 27 / :
"ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ، وليكن كنعان عبداً لهم". !!
وقد اتخذت الملكة "إليزابيث" الأولى – ملكة بريطانيا قديمًا - من هذا النص الملفق سنداً لتبرر تجارتها في الرقيق التي كانت تسهم فيها بنصيب الأسد .

موقف النصرانية من الرقيق
جاء الدين المسيحي فأقرّ الرق الذي أقرّه اليهود من قبل . فليس في الأناجيل المحرَّفة الموجودة الآن نص يحرمه أو يستنكره. والغريب أن حاقدا مثل المؤرخ "وليم موير" يعيب على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنه لم يبطل الرق حالاً ، مع تغاضيه عن موقف الإنجيل من الرق ، حيث لم ينقل عن المسيح ، ولا عن الحواريين ولا عن الكنائس شيئاً في هذه الناحية (!!!)
وزعم القديسون أن الطبيعة جعلت بعض الناس أرقاء !!
وفى المعجم الكبير للقرن التاسع عشر : "لا يعجب الإنسان من بقاء الرق واستمراره بين المسيحيين إلى اليوم ، فإن نواب الدين الرسميين يقرون صحته ويسلمون بمشروعيته" . وفيه "الخلاصة أن الدين المسيحي ارتضى الاسترقاق تماماً إلى يومنا هذا ، ويتعذر على الإنسان أن يثبت أنه سعى في إبطاله" .
وجاء في قاموس الكتاب المقدس للدكتور "جورج يوسف": إن المسيحية لم تعترض على العبودية لا من وجهها السياسي ولا من وجهها الاقتصادي ، ولم تحرض المؤمنين على منابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبودية ، حتى ولا ألمباحثه فيها ، ولم تقل شيئاً ضد حقوق أصحاب العبيد ، ولا حركت العبيد لطلب الاستقلال ، ولا تحدثت عن مضار العبودية ، ولا قسوتها ، ولم تأمر أبداً بإطلاق سراح العبيد حالاً!! وبالإجماع لم تغير النسبة الشرعية بين العبد والمولى بشيء ؛ بل على العكس أثبتت الرق وأيدته" (11). بل مضى المدعو "بولس" شوطاً أبعد في تكريس الاستعباد والظلم ، إذ أمر العبيد بطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح . فقال في رسالته إلى أهل أفسس :
"أيها العبيد ! أطيعوا سادتكم حسب الجسد ، بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح ، ولا بخدمة العين كمن يرضى الناس ، بل كعبيد المسيح عاملين بمشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس عاملين" . وأوصى مدعى الرسالة بطرس بمثل هذه الوصية ، وأوصى بها آباء الكنيسة ، لأن الرق كفارة عن ذنوب البشر يؤديها العبيد لما استحقوا من غضب السيد الأعظم !!!.
ولم يُنص على منع الاسترقاق ، لذلك أقرته جميع الكنائس على اختلاف أنواعها ولم ترفيه أقل حرج .
ولم ير من جاء من باباوات النصارى ولا قديسيهم حرجًا من إقرار الرق حتى قال باسيليوس في كتابه- القواعد الأدبية - بعد أن أورد ما جاء في رسالة بولس إلى أهل افسس : "هذا يدل على أن العبد تجب عليه طاعة مواليه تعظيمًا لله عز وجل". إن الطبيعة - هكذا قال بولس – قضت على بعض الناس بأن يكونوا أرقاء، واستشهد على نظريته – كما يرى هو- أي بولس - بالشريعة الطبيعية و الوضعية والإلهية (!!!) .
وقال القسيس المشهور بوسويت: " إن من حق المحارب المنتصر قتل المقهور فإن استعبده واسترقه فذلك منه ُمِنّة وفضل ورحمة" !!!.
وأما القدِّيس توما الأكوينى فإنه قد زكَّى "الرق" مثلما فعل أستاذه "أرسطو"-كما سبق- لأنه يزعم أنه حالة "فطرية" خُلق عليها فريق من الناس, لأن عقولهم أقل ذكاء من الأحرار، فهم مجرد "آلات ناطقة"!! ولا ندرى كيف يُسمون "توما" هذا "قديسًا" مع هذا الذي يقوله ؟!! وإذا كان هذا هو "القدِّيس" عندهم فمن يكون الشيطان؟!! وقد كان كبار الباباوات في كل العصور في أوربا وغيرها من كبار تجَّار الرقيق ، وكانت الكنائس نفسها تمتلك آلاف العبيد للخدمة فيها وزراعة المساحات الواسعة من الأراضي والحدائق التي تمتلكها تلك الكنائس .. وعلى سبيل المثال كان القس "لاس كاساس" أكبر تجار الرقيق في البرتغال ، وفضحه صديقه القس "فرناندو دى إليفييرا" في كتاب وضعه عام 1551 بعنوان "فن الحرب في البحر" أدان فيه صاحبه لاس كاساس باعتباره أحد مبتدعي جرائم "خطف" وتهجير ثم "بيع" الرجال الأحرار المسالمين كما تُباع وتشترى الوحوش والمواشي !!.
وكانت الكنائس الأوروبية على مر العصور تتقاضى عمولات عن صفقات النخاسة ، وتقوم بمباركة "خطف واسترقاق" الناس وتعميد العبيد بإسم ربهم المزعوم يسوع !!! "كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً" (الكهف : 5).
كما كان المقوقس كبير نصارى مصر يمتلك عدداً كبيراً من العبيد والجواري.. وتذكر كُتب السيرة أنه عندما أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام ، أجاب على الرسالة بلباقة وحسن أدب ، وبعث إلى النبي جاريتين مارية وسيرين وعبداً هو عمهما ، وقد ولدت السيدة مارية القبطية لنبينا ابنه المحبب إليه إبراهيم واعتقها ولدها بمجرد الولادة . أما الأخرى فقد استقرت عند حسان بن ثابت رضي الله عنه.
ويثبت كبار المؤرخين من غير المسلمين حقائق تاريخية تشكل وصمة – بل وصمات – عار على وجه الكنائس ورجالها الذين تجاهلوا كل تعاليم التقشف والزهد في الحياة الدنيا ، ليتحولوا هم أنفسهم إلى إقطاعيين كبار يمتلكون الأراضى ومن عليها من العبيد والرقيق !!!.
يقول ول ديورانت : "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا ، فقد كان "دير فلدا" مثلاً ، يمتلك [15000] من العبيد ، وكان دير "سانت جول " يمتلك ألفين من رقيق الأرض ، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة ، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين ، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية ... وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي . وقد أمعنت الكنائس الغربية في الغي والظلم والإجرام ، فأباحت - بل شجعت وساندت بكل قوتها - خطف واسترقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي !! وكانت آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يُوزعون عبيداً على الأديرة، وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضى الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوى من المال . فقد كان العبد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء، وحَرَّم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم ، وحَرَّم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة ، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر(12).
وهكذا كانوا- وما زالوا – يفعلون ، بإسم السيد المسيح عليه السلام ،وهو منهم براء .

أهم المراجع
1- محمد عطية الأبراشى - روح الإسلام - طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب - مكتبة الأسرة ص 162 وما بعدها .
2- ول ديورانت – قصة الحضارة-الجزء الأول-طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب - ص 356 .
3- أحمد شفيق باشا - الرق في الإسلام - ترجمه إلى العربية أحمد زكى باشا- الفصل الأول . وأيضاً دائرة معارف القرن العشرين - محمد فريد وجدي - حرف الراء مادة "رقق" .
4- محمد عطية الأبراشى – المرجع السابق ص 164 وما بعدها .
5- ول ديورانت- المرجع السابق - الجزء الثالث - حضارة اليونان ص64-67.
6- دائرة معارف القرن العشرين –حرف الراء مادة "رقق" وأيضاً أحمد شفيق باشا – الرق فى الإسلام – الفصل الأول.
7- م. ب . تشارلز – الإمبراطورية الرومانية – طبعة الهيئة المصرية للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة .
8- دائرة معارف القرن العشرين – وأحمد شفيق باشا سبقت الإشارة إليهما .
9- أنظر قصص الأنبياء لإبن كثير – و تفسير سورة يوسف فى تفاسير كل من الامام الرازى و الإمام القرطبى والشوكانى وابن جريرو الطبرى و النسفى وابن كثير.
10- الدكتور جورج يوسف – قاموس الكتاب المقدس ،وهو شهادة شاهد من أهلها فلا نحتاج إلى قول أكثر مما أثبته هناك بنفسه .
11- التفاصيل فى كتاب الزميلة عايدة العزب موسى " العبودية فى أفريقيا "- طبعة مكتبة الشروق الدولية – مصر ، وأنظر المراجع التى ذكرتها هناك .
12- ول ديورانت – المرجع السابق .


***

الاستعباد المعاصر

يتوهم البعض أن الرق قد اختفى من العالم في وقتنا هذا .. والواقع الكئيب في كل مكان يثبت عكس ذلك تماماً .. فأكابر المجرمين من "السادة البيض" لم ولن يقلعوا عن قهر الآخرين واستعبادهم وإذلالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً . وهكذا استعبدت بريطانيا مصر والسودان والهند وغيرها من بلاد العالم الفقير المسمى بالعالم الثالث ، كما استعبدت فرنسا الجزائر وتونس وبلاد الشام . وكذلك فعلت إيطاليا بليبيا والحبشة، والبرتغال وبلجيكا وهولندا بدول أفريقية عديدة . ومن العجب أنهم يستخدمون مصطلح "الاستعمار" بهذا الشأن، رغم أن الاحتلال الغاشم لم يُعَمِّر أياً من البلاد المنكوبة، ولهذا فالمصطلح المناسب هو "الاستعباد" وليس الاستعمار .
وقع هذا خلال القرنين الماضيين . بل حاولت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إعادة استعباد مصر عام 1956، لولا أن كَشَّر الدُبّ الروسي – القوي في ذلك الوقت – عن أنيابه، فوَلَّى الذئب الإنجليزي والضبع الفرنسي والثعلب الإسرائيلي الخبيث الأدبار .
ثم ابتليت فلسطين الحبيبة بالاستعباد الصهيوني اللعين منذ فترة أربعينات القرن الماضي وحتى اليوم!!
والاحتلال العسكري الغربي كان وما يزال يمارس ذات الأساليب الإجرامية التي مارسها أجداده ضد العبيد البؤساء، من قهر للشعوب – فرادى وجماعات – وقتل, وسحل, واعتقال, وتعذيب، واغتصاب للنساء، ونهب للثروات، وتخريب، وحرق للأخضر واليابس . ولن يستطيع الغرب محو تلك الصفحات حالكة السواد، فقد سطرتها أقلام نزيهة- من بني جلدتهم- كما أنها محفورة في ذاكرة الأمم ولا سبيل إلى محوها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . كذلك يتجاهل الحاقدون على الإسلام ما حدث في أوروبا وغيرها من القارات خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية .. لقد نشبت الحرب بسبب جنون القيادات السياسية والدينية المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فهي حرب مسيحية صرفة لا ذنب للإسلام والمسلمين فيها .. وسقط خلال الحربين ما يزيد على السبعين مليوناً من القتلى، وأضعاف هذا الرقم من المعوقين والمشوهين والمشردين . ودمرت خلالهما معظم المدن الأوروبية بالكاملً .. ويهمنا هنا التركيز على الجانب الذي يتعلق بموضوعنا وهو الرق .. لقد وقع الملايين من الجنود الأوروبيين في الأسر على الجانبين .. وكل من الفريقين – الألمان والطليان من ناحية، والانجليز والفرنسيين وحلفائهما من ناحية أخرى – ارتكب فظائع ضد الأسرى لا تقل إن لم تتجاوز ما كان يحدث للعبيد على مر العصور . وعلى سبيل المثال – وليس الحصر – كان مئات الألوف من الأسرى يساقون مكبلين بالأغلال كالبهائم، مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام، ومن يتكاسل عن السير أو يسقط من الإعياء، أو تبدر منه أية محاولة للهروب، يُقتَل على الفور رمياً بالرصاص . وكان الألوف من الأسرى لا ينالون أي طعام أو شراب عدة أيام، ومات كثيرون منهم جوعاً وعطشاً، فضلاً عن ملايين الجرحى الذين هلكوا متأثرين بجروحهم في ظل انعدام وجود أي علاج أو إسعافات . ومن نافلة القول الحديث عن تسخير مئات الألوف من الأسرى لشق الطرق وبناء الجسور والمعسكرات وكافة الأعمال الشاقة معظم ساعات اليوم والليلة بلا راحة . ولا حاجة بنا لاستعراض ألوان التعذيب المروع للأسرى من الجانبين – لانتزاع المعلومات أو الاعترافات – فالقارئ الذكي لن يحتاج إلى تذكير بهذا الصدد . ولقي مئات الألوف من الأسرى مصرعهم دفناً في الجليد، أو جلداً بالسياط، أو تركهم بلا مأوى أو طعام أو شراب في مناطق نائية لا حياة بها ولا شيء سوى الجليد الذي يغطي حتى جثث أولئك التعساء !! ونشير إلى أن بعض العبيد – في بعض الحضارات – كانوا يضمنون الطعام والشراب والمأوى ولو في حظائر الحيوانات على العكس تماماً من الأسرى لدى جيوش الدول الأوروبية صاحبة الحضارة المزعومة التي فاقت البرابرة في المعاملة الوحشية والفتك بالأسرى بوسائل لم تخطر لإبليس ذاته على بال !!.

إعدام الأسرى المصريين
ومن المؤكد أن المجرمين اليهود في الكيان الصهيوني قد تعلموا من أساتذتهم الأوروبيين هذه الأساليب الإجرامية في الفتك بالأسرى المصريين (شهداء حربي 1956 و 1967) فكانوا يتفننون في تعذيبهم تحت شمس سيناء الحارقة صيفاً . واعترف كثير من مجرمي الحرب الصهاينة بالاشتراك في قتل آلاف الأسرى المصريين دهساً بالدبابات، أو رمياً بالرصاص، أو بإجبارهم على حفر المئات من القبور الجماعية ثم رميهم فيها وإهالة الرمال عليهم بالرافعات الضخمة لتدفنهم فيها أحياء!! وهذا طبعاً بعد شهور طوال من الأسر مورست ضدهم خلالها أبشع ألوان التعذيب الشيطاني بكل السبل المحرّمة دولياً .. وحتى الآن أفلت الصهاينة من أي عقاب!! ورغم كل المناشدات المصرية فإن المنظمات الدولية- وخاصة الأمم المتحدة والمحكمة الدولية لمجرمي الحرب ومقرها لاهاي بهولندا – تصر على تجاهل الأمر، بينما حصل اليهود المجرمون على مئات البلايين من الدولارات تعويضاً عن مجرد مزاعم بتعذيب أجدادهم في محارق هتلر!!!

مأساة فلسطين
ولا ننسى أيضاً أن الشعب الفلسطيني كله يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني منذ أكثر من ستين سنة . شعب بأكمله يقاسى أهوال العبودية بأيدي أخس وأقذر عصابة إجرامية يعترف لها العالم المنافق بصفة الدولة !! وما يحدث للشعب الفلسطيني الحبيب لا يقل أبداً عما كان يعانيه العبيد في كل العصور .. الفارق فقط هو في تطور وسائل البطش والتنكيل باستخدام التكنولوجيا الحديثة !! وتقع مئات من جرائم إهدار الآدمية والقتل والاعتقال والتعذيب الوحشي وهدم البيوت والمدارس والمساجد بصفة يومية منهجية منتظمة تحت سمع وبصر كل العالم، ولا أمل يلوح في الأفق في نهاية قريبة لمحنة الأشقاء في فلسطين .. وكمثال يكفي أن نشير إلى استمرار وجود أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني لبناني في سلخانات – وليست سجون – سلطات الاحتلال الإسرائيلي! ولا حاجة لاستعراض ما هو معلوم للجميع من أساليب التعذيب الهمجي والإذلال في كل لحظة للأسرى العرب البواسل، في محاولات فشلت دائماً في كسر إرادة المجاهدين لتحرير الأراضي المقدسة والأقصى الشريف من أيدي أعداء الله .

جحيم بغـداد
ونتوقف هنا أمام واحدة من أبشع جرائم الاستعباد في العالم كله في التاريخ المنظور .. فمنذ اجتياح الصليبيين الجدد لبغداد التعسة سقط العراق كله في جحيم استعباد حقيقي من كل الوجوه .
(التعبير ليس من عندنا وإنما استخدمه بوش نفسه واصفاً حربه الإجرامية ضد العراق بأنها حرب صليبية جديدة!!)
تجاوز عدد القتلى من المدنيين – معظمهم من الأطفال والنساء – المليون حتى لحظة كتابة هذه السطور – أكتوبر 2007م- بينما تم تخريب معظم المساكن والمصانع والمدارس والمساجد والمزارع وكافة ما يمت للحضارة بصلة في هذا البلد العريق!!
وتم نهب نفط عراقي طوال أربع سنوات يُقَدَّر ثمنه بمئات المليارات من الدولارات .
ويقوم جنود الاحتلال الأمريكي والبريطاني في كل أنحاء العراق – تقريباً – وبصفة شبه يومية – بارتكاب كل الجرائم الوحشية المنصوص على حظرها في كل المعاهدات و الشرائع والقوانين بلا أدنى عقاب أو حساب (اللهم إلا بضعة أفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة جرى تقديمهم إلى محاكمة صورية ذراً للرماد في الأعين) وقد وقعت وما زالت تقع – عشرات الآلاف من جرائم التعذيب الوحشي للسجناء العراقيين، واغتصاب النساء، بل والاعتداء الجنسي على الرجال والأطفال أيضاً تحت تهديد السلاح. ويتم التعذيب المروع بكل ما لا يتخيله حتى الشيطان، ومنها العصي المكهربة والسياط والكلاب البوليسية وهتك العرض والاغتصاب اليومي والتعليق من الأيدي والأرجل كالذبيحة وإطفاء السجائر في الفم والدبر .. إلخ. وقد شاهد العالم كله الممارسات الوحشية التي ارتكبها السادة الأمريكان خاصة في سجن "أبو غريب" باستيل بغداد!!
و شاهدت بنفسي شريط فيديو صوره جنود أمريكان لبعض زملائهم وهم "يتسلون" بإطلاق النار عشوائياً على السيارات المدنية والمارة من المدنيين بشوارع بغداد لمجرد "المتعة"!! وكانت قهقهات الجنود تتعالى كلما شاهدوا سقوط عراقي بائس ساقه قدره للمرور لحظة وجود أولئك الوحوش المسعورة .. وهناك أيضا شرائط الفيديو والصور التي التقطت خلسة داخل سجن "أبو غريب" . والآن نتساءل : هل هناك فارق كبير بين ما فعله هؤلاء الجنود الأمريكان والانجليز بالشعب العراقي وما كان يفعله أجدادهم بالعبيد الأفارقة المساكين ؟!! هل هناك فوارق جوهرية بين ممارسات هؤلاء وأسلافهم من الرومان ؟!! إذا كان الرومان في الماضي يتسلون بإطلاق الأسود الجائعة لتلتهم العبيد البؤساء، فإن الأمريكان في "أبو غريب" يطلقون الكلاب المدربة على المعتقلين العراقيين العراة تماماً – حتى من ورقة التوت- لتلتهم أجسادهم كما شاهد العالم بأسره بالصوت والصورة، وثبت أثناء محاكمة بعض الجنود الأمريكان!! وإذا كان السادة الرومان قد حصلوا على المتعة الشيطانية بمشاهدة المبارزات الدامية حتى الموت بين العبيد بعضهم البعض، فإن أحفادهم من "المسيحيين البيض" "يتمتعون" باصطياد المدنيين المساكين في شوارع عاصمة الخلافة والبصرة وغيرها من المناطق المنكوبة بالاحتلال الأنجلوأمريكي !!. وإذا كان الرومان قد نهبوا كل خيرات البلاد الخاضعة لإمبراطوريتهم، فإن أحفادهم الأمريكان والإنجليز ينهبون نفط العراق – بمئات المليارات من الدولارات – ولا يتركون للشعب العراقي الجائع سوى فتات الموائد!!!

يتبع>

مراقب سياسي4 17-08-2008 01:55 AM

اعترافات أمريكية
وفيما يلي نورد نص تقرير أمريكي خاص عن مأساة شعب العراق نشرته وسائل الإعلام المختلفة :"أكد تقرير أمريكي تدهور
الأوضاع الإنسانية في العراق بصورة بالغة الخطورة منذ الغزو الأمريكي . وتحت عنوان " اغتيال مجتمع " أشار التقرير الذي أعدته مجموعة من المنظمات غير الحكومية المناهضة للحرب إلى أن العراق الذي كان في طليعة دول المنطقة هبط اقتصادياً واجتماعياً إلى نفس مستوى الدول الأفريقية الأكثر فقراً جنوب الصحراء . !!
ومن المؤكد أن عمليات العنف والجرائم والتدمير المنهجي للمجتمع العراقي لم تحدث بهذا الشكل في أي مكان بالعالم منذ الاجتياح النازي لدول أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية .
وأشار التقرير إلى المسئولية المباشرة للجيش الأمريكي عن قتل أعداد كبيرة من العراقيين . واستشهد في ذلك بالتقرير الرسمي الذي أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية " البنتاجون " ، ويتضمن نتائج استطلاع أجري بين الجنود قال أغلبهم فيه إنهم لا يعتقدون أن من حق المدنيين العراقيين أن يعاملوا بتقدير أو احترام!! . كما اعترف 10% من الجنود بأنهم ارتكبوا أعمال عنف ضد عراقيين بلا سبب قوي بما في ذلك تدمير الممتلكات .
و أهم ما جاء في تقرير البنتاجون هو اعتراف 14% من الجنود الأمريكيين بأنهم شاركوا بشكل مباشر في قتل أحد "المقاتلين الأعداء" !!.
وقال تقرير الجماعات المناهضة للحرب أنه يمكن تقدير العدد الهائل من العراقيين الذين قتلهم الجنود الأمريكيون بالنظر إلى حجم القوات وهو 170 ألف جندي ، بالإضافة إلى أن إجمالي عدد الجنود الأمريكيين الذين خدموا لمرة واحدة أو أكثر في العراق طيلة السنوات الأربع الماضية هو 650 ألف جندي .
وأكد التقرير أن الكثيرين من الضحايا سقطوا برصاص عشرات الآلاف من المرتزقة الأمريكيين ، وهم المقاتلون المدنيون الذين تطلق عليهم السلطات الأمريكية اسم " المتعاقدين " ، وهؤلاء لا يخضعون لأي قانون عراقي أو أمريكي .
وأشار التقرير إلى مؤشر آخر لحساب عدد القتلى, وهو استطلاع مجمع شاركت في أعداده هيئة الإذاعة البريطانية " بي بي سي " والتلفزيون الألماني "أي آر دي" وشبكة "إيه بي سي" التلفزيونية ، وصحيفة "يو أس إيه توداي" الأمريكيتان، وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 53% من العراقيين لهم قريب أو صديق مقرّب قُتل أو أُصيب منذ الغزو .
وتحدث التقرير عن مأساة أخرى هي حالات الاختفاء, والتي تماثل جرائم الاختفاء التي كانت النظم الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية ترتكبها ضد المعارضين السياسيين . وأوضح أن منظمات حقوق الإنسان العراقية تؤكد اختفاء ما لا يقل عن 15 ألف عراقي ، وأن هناك ما بين 40 إلى 60 حالة اختفاء يومياً, بينما تشير التقديرات المحايدة إلى أن عدد المختفين يبلغ نحو 20 ألف شخص سنوياً . وفيما يتعلق بالمعتقلين أوضح التقرير أ ن وزارة حقوق الإنسان العراقية أعلنت في مارس الماضي أن سلطات الأمن العراقية تحتجز نحو 38 ألف شخص ، بينما تعتقل القوات الأمريكية أكثر من 19 ألفاً ، وهذا العدد من المعتقلين أضعاف عدد الذين كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين يعتقلهم قبل الغزو . و يتوقع زيادة عدد المعتقلين مع استمرار الخطة الأمنية الحالية . وتحدث التقرير كذلك عن مأساة اللاجئين والمهجرين والنازحين والذين يقدر عددهم بنحو أربعة ملايين شخص . وقال إن 15% من سكان العراق تركوا منازلهم منذ بداية الغزو ، وأن هناك ما بين 40 إلى 50 ألف نازح جديد أسبوعياً وفقاً لإحصائيات المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة .
انتهى التقرير الأمريكي .. ولا يحتاج إلى أي تعليق(1) !!!.

جزيرة الشيطان
عندما اجتاحت الحملة " الصليبية " المعاصرة- كما وصفها جورج بوش – الأراضي الأفغانية، بدأ القوم في ارتكاب فظائع ضد المدنيين تكاد لا تختلف عما كان يفعله أسلافهم بالعبيد الأفارقة أو الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين !! كان القتل الجماعي لكل من يشتبه في تعاطفهم مع حركة " طالبان " أمراً عادياً جداً ويحدث – حتى الآن – بصفة يومية. فقد قصفت الطائرات والبوارج الحربية الأمريكية معظم المدن والقرى الأفغانية عشوائياً، ودفنت مئات الألوف من سكانها أحياء تحت الأنقاض، فضلاً عمن مزقتهم القنابل والصواريخ " الذكية " المزعومة، وما هو إلا " الذكاء الإجرامي" في تحويل أجساد الأطفال والنساء والعجائز إلى أشلاء لا سبيل إلى التعرف على هوية أصحابها!!
وتمت تسوية آلاف المدارس والمساجد والمنازل بالأرض في هذا البلد الذي هو أصلاً من أفقر بلاد العالم ، إضافة إلى آلاف من جرائم اغتصاب النساء بواسطة الأمريكان وحلفائهم، والتعذيب المروع للمعتقلين. وقد شاهد العالم بأسره عبر وسائل الإعلام عمليات "السحل" في الشوارع جهاراً نهاراً لكل من يوقعه قدره في قبضة أولئك "الوحوش الآدمية" مع الاعتذار طبعاً لوحوش الغابات!! ثم لم يكتف الأمريكان بذلك، بل نقلوا آلاف المعتقلين مكبلين بالسلاسل، ومكممين بأقنعة تفقدهم الرؤية أو السمع, ولا تسمح لهم بغير التنفس فقط، في طائرات شحن البضائع العملاقة كالمواشي، إلى جزيرة الشيطان "جوانتانامو" !!!.
تماماً كما نقل أسلافهم من قبل ملايين العبيد الأفارقة بسفن شحن البضائع !!، هذه الجزيرة الكوبية التي استولت عليها الولايات المتحدة الأمريكية وحولتها إلى سجن رهيب، يعتبر "باستيل" فرنسا السابق، بالمقارنة معه، من الفنادق ذوات النجوم الخمسة !!.
في جحيم "جوانتانامو" تمارس – حتى الآن – أخس سبل التعذيب الإجرامي للمعتقلين وأكثرها إهداراً للآدمية . وإلى الآن لا يعرف أعداد المعتقلين هناك بالضبط ؛ ولم تسمح السلطات الأمريكية أبداً لمنظمات حقوق الإنسان بدخول وكر الشيطان هذا . أما الحديث عن حقوق الإنسان، وضرورة السماح للمعتقلين بمقابلة المحامين أو ذويهم، أو كفالة محاكمة عادلة .. إلخ، فهو من قبيل الرفاهية التي يثير مجرد ذكرها قهقهات الزبانية في جحيم "جوانتانامو" !!!.
ويبدو أن بعض هؤلاء القوم مازالت عندهم بقايا من الإنصاف .. فقد ثارت ثائرة قلة من الصحفيين والمفكرين الغربيين ذوي الضمائر الحية، ونادوا بإغلاق هذا المعتقل البربري فوراً، ووقف كل سبل التعذيب الوحشي للمعتقلين، وضمان محاكمة عادلة لهم، والإفراج الفوري عن كل من لم تثبت إدانته بأدلة قانونية قاطعة . وبالطبع لا حياة لمن تنادي!! وما تزال جزيرة الشيطان تستقبل كل يوم وافدين جددا " يستمتعون " مع إخوتهم الموجودين هناك بكرم الإدارة الأمريكية المعهود!!!

سجون سرية في أوروبا !!
وفي واحدة من فضائح العصر أكد ديك مارتي ، رئيس اللجنة الأوروبية للتحقيق في تقارير تحدثت عن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة عدد من السجون السرية في أوروبا، أن وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، أدارت بالفعل سجوناً سرية في كل من بولندا ورومانيا خلال الفترة ما بين عامي 2003 و 2005 . واتهم "مارتي" بريطانيا وألمانيا والسويد وإيطاليا ومقدونيا بالتورط مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في جرائم احتجاز وتعذيب المتهمين بسجون سرية .
ونقل التقرير، الذين أعلنه مارتي، عن مصادر بـ CIA- لم يذكرها- قولهم إن عدداً من القياديين البارزين بتنظيم " القاعدة "، من بينهم المدعوان أبو زبيدة وخالد شيخ محمد، قد خضعا للسجن والاستجواب في أحد السجون التي تديرها الاستخبارات الأمريكية في بولندا .
التقرير الذي صدر بعنوان " مزاعم حول اعتقالات سرية وعمليات نقل بين الدول لمعتقلين تشمل الدول الأعضاء في مجلس أوروبا "، يعد الثاني من نوعه في هذا الصدد .
وأكد التقرير أن كبار المسئولين في كل من بولندا ورومانيا، " كان لديهم علم كامل " بما يجري داخل هذه السجون، فيما اتهم مارتي كل من ألمانيا وإيطاليا بأنهما يضعان كثيراً من العقبات أمام لجنة التحقيق في التقارير الخاصة بتلك السجون السرية، وفقاً لما نقلت أسوشيتد برس وشبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية .
وكان مقرر الجمعية البرلمانية الأوروبية، وهو مدع عام سابق في سويسرا، قد ذكر في تصريحات سابقة أن الولايات المتحدة الأمريكية "أرادت أن تفرض حرباً على الإرهاب، لا قيود فيها، عبر السجون السرية لوكالة الاستخبارات المركزية، والتي تبين لاحقا إنها كارثة" .
وقال مارتي، البالغ من العمر 62 عاماً، في مقابلة مع صحيفة " لوفيجارو " الفرنسية، إن هذا التعامل من الباطن، المقام في دولنا، يشهد على انعدام الاحترام حيال الشركاء الأوروبيين "، واصفاً الأمر بأنه "تصرف مهين" .
وأضاف : "لقد حصلنا على أدلة ، وفقاً لمعلومات، تفيد بوجود سجون غير قانونية في دول تعمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة مثل بولندا" ، مؤكداً مرة أخرى وجود اتفاقيات مبرمة بهذا الشأن بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية .
وفي تقريره الأول كشف مارتي، عن 14 دولة أوروبية، قال إنها ضالعة أو متواطئة في قضية الرحلات السرية للاستخبارات الأمريكية، والتي كانت تقل معتقلين تحتجزهم CIA في سجون سرية فى الدول الأوروبية .
وأوضح قائلاً : "نملك تفاصيل حول البرنامج الذي وضعته CIA والخطة التي تم تعليق العمل بها في أوروبا، وكانت تهدف إلى تصدير مكافحة الإرهاب إلى خارج حدود الولايات المتحدة، لتفادي القيود القانونية التي يفرضها القانون الأمريكي" .
واعتبر التقرير أن " الإرهابيين المحتملين الذين خُطفوا لا يستفيدون من أية حقوق مدنية أو الحقوق في زمن الحرب، فضلاً عن ثبوت تعرضهم للتعذيب الوحشي لإجبارهم على الإدلاء بمعلومات .
وأوضح مارتي أن تقريره الأول يتعلق أساساً بعمليات النقل غير الشرعية لمعتقلين بين دول، وعمليات الاسترداد الاستثنائية، أما تقريره الثاني فإنه يتعلق بالجانب الآخر من مهمته وهو عمليات الاعتقال السرية والتعذيب(2).
وكانت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية قد كشفت بدورها وجود سجن سري آخر للمخابرات الأمريكية في إحدى دول الاتحاد السوفيتي السابق، يحتجز فيه الأمريكان عدداً من أهم معتقلي تنظيم القاعدة، ويتم استجوابهم فيه بأساليب تعذيب همجية . وأضافت الصحيفة أن السجن المذكور هو حلقة واحدة من سلسلة واسعة النطاق تضم عدداً من السجون السرية المشابهة في 8 دول على الأقل بأوروبا فضلاً عن معتقل جوانتانامو الشهير بكوبا !! وأكدت الصحيفة علم الرئيس بوش، وكبار مسئولي إدارته وكبار قادة الدول المشار إليها بوجود السجون التي يطلقون عليها "المواقع السوداء" !! إنها فعلاً "بقع سوداء" تضاف إلى مثيلاتها المشينة في "الثوب" الغربي المتهتك!! ولا يوجد لدينا ما يمكن أن نضيفه إلى ما ذكره التقريران الأوروبيان والصحيفة الأمريكية سوى تساؤل بسيط : أين هذا "الإجرام الغربي" من "نبل" الإسلام وإحسانه إلى الأسرى ؟!! .

دماء على صدر القوقاز
ليست دول الغرب وحدها هي التي تمارس الاستعباد العسكري المعاصر . فقد أبت روسيا إلا أن تشارك بدورها في قهر المسلمين، واستغلالهم والفتك بهم ، ولا عجب فالقوم كلهم – شرقاً وغرباً – لا يطيقون إسلاماً ولا مسلمين . والمثال الصارخ هنا هو ما يحدث في جمهورية "الشيشان" ذات الأغلبية المسلمة . تقع الشيشان في منطقة القوقاز التي تعوم على بحر هائل من النفط والغاز الطبيعي، وهذا يفسر أحد أهم أسباب الصراع المحموم على احتلال المنطقة وبسط السيطرة عليها من قبل الروس وغيرهم. وقد ساند الغرب المسيحي دول البلطيق الثلاث "لاتفيا" و "أستونيا" و "مولدافيا" للحصول على الاستقلال بعد انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، لكنه لم ير أهمية لمساندة الشيشان المسلمة لكي تتحرر بدورها . وهذا مثال آخر للنفاق الغربي وازدواجية المعايير في كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين من قضايا .
وهكذا افترس الدب الروسي "الشيشان" الصغيرة في ظل التواطؤ الرهيب من جميع الدول والهيئات العالمية وعلى رأسها الأمم المتحدة .
خلال الحرب الأولى استشهد أكثر من 120 ألف مسلم شيشاني ، وإذا أضفنا إلى هذا الرقم ضحايا الحرب الشيشانية الثانية – الدائرة حتى الآن – فإن الرقم يرتفع إلى أكثر من 200 ألف شهيد يمثلون ربع تعداد الشيشان !! هل يتخيل أحد فداحة الكارثة ؟ كل أسرة مسلمة في الشيشان فقدت ربع أعضائها في الحرب المجنونة التي يشنها الروس عليهم، فضلاً عن عشرات الألوف من المعتقلين الذين تمارس أجهزة القمع الروسية ضدهم أبشع أساليب التعذيب والبطش والتصفية الجسدية . ومن لم يقتل أو يعتقل حتى الآن، يجري اغتصابه وإذلاله وتركيعه. نشرت الصحف البريطانية مؤخراً مأساة قرية شيشانية مسلمة تعرضت لحملة مداهمة روسية . وقام الروس باعتقال كل السكان في الساحة الرياضية بالقرية . و أصدر القائد الروسي أمراً لعدد من جنوده بنزع ثياب النساء بالكامل، ثم اغتصابهن أمام رجالهن وأطفالهن!! وعندما تعالت صيحات الرجال المكبلين بالأغلال استنكاراً للاعتداء على أعراض نسائهن، أمر القائد المجرم باغتصاب الرجال أنفسهم !! ترى هل هذا أقل مما كان يحدث للعبيد في عهود قياصرة روسيا أو أباطرة الرومان ؟ !! نترك التعليق للقارئ ..

عولمة الرق!!
يقوم نظام العولمة الحالي على تحكم النظام الاقتصادي الأمريكي الرأسمالي في العالم . هذا النظام تنتج عنه سلبيات عدة، من أهمها عدم ضبط مسألة تضخيم الأرباح ولو كانت على حساب موت الآخرين جوعًا . فوفقاً لقوانين هذا النظام ليس هناك ما يمنع أن تلقي دول الغرب الفائض من إنتاجها في البحر حتى تحافظ على سعر المنتج، بينما يموت آخرون بسبب فقده!! كما أن النظام الاقتصادي العالمي الجديد تحكمه الشركات متعددة الجنسيات العملاقة ومعها الشركات المحلية . و لا مجال فيه لتشريعات سمحة تمهل المدين إلى ميسرة، أو تأخذ صدقة من أغنيائهم فتردها إلى فقرائهم، أو تبطل بيع ما لا نفع فيه، أو تمنع ما لم ينضبط جانب الغنم أو الغرم فيه، أو تفسد من المعاملات ما كان فيها جهالة أو غرر، أو تحرم سلعاً لمفسدتها فتمنع من التعامل بها .. إلخ .
ومما لاشك فيه أن السنوات العشرين الأخيرة شهدت تحولات ضخمة على الصعيد العالمي كله نتيجة لهذا النظام, فأصبحت المؤسسات المائة الكبرى في العالم تتحكم بـ 20% من إجمالي أموال العالم . كما أن 51% من أكبر قوة اقتصادية تسيطر عليها مؤسسات كبرى ، بينما لا تسيطر الحكومات سوى على الـ 49% الباقية فقط . ويبدو في الإطار نفسه أن مبيعات شركات (جنرال موتورز) و (فورد) مثلاً تفوق الناتج القومي الإجمالي لجميع دول جنوب الصحراء في القارة الإفريقية، وتتجاوز ممتلكات شركات (آي . بي . إم) و (بي . بي) و (جنرال إليكتريك) الإمكانيات الاقتصادية التي تمتلكها معظم البلدان الصغيرة في العالم!! كذلك فإن دخل بعض محلات (السوبر ماركت) الأمريكية قد يزيد على دخل معظم دول وسط أوروبا وشرقها بما فيها بولندا، والمجر ورومانيا .
وهذه الشركات الضخمة لا تتورع عن إبرام أية صفقات مشبوهة وارتكاب كل المحظورات من أجل تعزيز نفوذها المالي والاقتصادي، لتكون النتيجة بالتالي التحكم في كل ما يحتاجه الإنسان العادي حتى في أبسط حاجات حياته اليومية . وهذا ما يسميه بعضهم بـ (الاستملاك الصامت)، أو قل بتعبير أدق (الاستعباد الصامت) حيث أصبحت الحكومات مغلولة الأيدي، والشعوب مقيدة بشروط تفرضها المؤسسات الكبرى التي تحدد قواعد اللعبة حسب مصالحها الذاتية ، والتي لا تملك الحكومات سوى تنفيذها. فهذه الحكومات غدت ترى أن من واجبها الأول تهيئة الظروف المواتية لازدهار المؤسسات المعنية، وتوفير البنية الأساسية التي يحتاجها رجال الأعمال بأرخص التكلفة لحماية نظام التجارة الحرة في العالم .
وبذلك تضطر حكومات الدول النامية- في نهاية المطاف- إلى الانصياع الكامل لشروط (اللوبي) الدولي، وهو ما أدى إلى ظهور تيارات احتجاجية قوية لا يربطها شيء ولا تجري في إطار حدود جغرافية معينة . فالمنادون بها لا تربطهم صلات ثقافية أو تاريخية مشتركة، فهم جماعات وجمعيات أهلية متنوعة يجمعها هدف واحد محوره استعادة الشعوب لحقها في الاختيار وفي تقرير مصيرها، وكلها يحذر من مغبة المضي في هذا الطريق الوعر الذي سيكون من نتيجته تكرار الكوارث الاقتصادية والاجتماعية في كافة أنحاء العالم .
ومن بعض كوارث هذا النظام دخول أكثر من 75 دولة القرن الحادي والعشرين وهي خاضعة ، كلياً أو جزئياً، لمشيئة البنك الدولي، مستسلمة لإرادته، منفذة لسياسته، تجنباً لإعلان إفلاسها . وبموجب ذلك تلتزم هذه الدول بتخفيض الإنفاق، ووقف الدعم للمواد الاستهلاكية التي تقدمها لشعوبها الفقيرة .
فلا عجب إن تثبت دراسات الأمم المتحدة أن 12 مليون طفل تحت سن الخامسة، يموتون سنوياً نتيجة أمراض قابلة للشفاء، وهذا يعني أنه فى كل يوم يموت 33 ألف طفل لأسباب يمكن تجنبها بما فيها سوء التغذية . وتشمل هذه الدراسة أطفالاً من العالم الإسلامي من بنجلاديش حتى موريتانيا، فحكوماتها- تحت وطأة تضخم ديونها- لا تستطيع توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الطبية والوقائية .
ومن ثمار ذلك أيضاً أن ثلث سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر، بينما تمتلك بعض المؤسسات والشركات ما لا تمتلكه عشرات الشعوب مجتمعة !!!.
ولا يخضع النظام العالمي الاقتصادي لأي تشريع إلهي، فما قضي به الرأسماليون هو التشريع سواء خالف الوحي المُنَزَّل أو وافقه، والدراسات الاقتصادية أو التجارية أو الإحصائية والاجتماعية التي تمثل مصالح القطاع المالك هي التي تحكم، وليست النصوص والقوانين الإلهية المقدسة . وهكذا تسبب الرأسمالية حتماً تحكماً للقلة الغنية (الغرب) في رقاب مئات الملايين من البشر في العالم الفقير المطحون !
وهذه عبودية أخرى باسم العولمة . فالعبودية في رأينا لا تقتصر على الصورة التقليدية- وهى تملك الإنسان بالخطف أو الشراء – بل تتحقق كذلك في كل علاقة تتسم بالسيطرة والاستغلال والإذلال من شخص أو جماعات أو دول للآخرين الأضعف شأناً . بذلك يكون الاحتلال العسكري- كما رأينا ونرى – هو من أشد حالات الاستعباد لشعوب بأكملها .
و تكون العولمة استعباداً اقتصادياً من أبشع ما يكون .
ومن أِشد أنواع الاستعباد المعاصر الآن تلك الهيمنة الاقتصادية وإذلال الشعوب الفقيرة بالديون الباهظة .. والدين كما قيل بحق "همٌ بالليل وذلٌ بالنهار" .
فقد لجأت دول الغرب الرأسمالية إلى أسلوب خبيث في امتصاص دماء البلاد النامية ونهب خيراتها بدون اللجوء إلى القوة العسكرية التي لن تكفي لاحتلال كل تلك البلاد، وهكذا استغلت الوحوش الرأسمالية فقر وتخلف معظم شعوب أفريقيا وآسيا- بالإضافة إلى فساد معظم حكامها – لترهق كواهلها بألوف البلايين من الدولارات كديون ذات فوائد ربوية فاحشة، وصلت بحجم الديون إلى أرقام فلكية مستحيلة الدفع !! وهنا يبدأ الشياطين الرأسماليون الغربيون في إملاء كل الشروط المجحفة، ومنها الحصول على المواد الخام من الدول المطحونة كالنفط وغيره بأبخس الأثمان، و قبول وجود قواعد عسكرية - اللفظ المهذب البديل للاحتلال العسكري – على أراضيها .
ولا تقتصر الشروط الظالمة على هذا بل تمتد لتشمل إملاء كل السياسات الاقتصادية، مثل الإجبار على بيع معظم شركات ومرافق الدول المدينة للقطاع الخاص، وطبعاً يدخل وحوش الغرب لشرائها بأقل الأسعار. وينتهي الأمر بالضحايا إلى اكتشاف أن كل شيء في دولهم البائسة أصبح فعلياً " مملوكاً " للغرب!! وبطبيعة الحال تفقد الدول المطحونة الإرادة السياسية تماماً, كما تخضع لرغبات " السادة " الجدد في تغيير كل الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والتعليمية .. والمثال الواضح ما جرى مؤخرا في العديد من دول الشرق الأوسط من تغيير للمناهج التعليمية بها نزولاً على أوامر "السيد" الأمريكي التي لا تُرد !!.
وإذا لم يكن هذا كله "عبودية" من أبشع طراز فما عساها تكون ؟!! وإذا كنا نندد بهذا الاستعباد الرأسمالي فإننا لا ننكر أن الشيوعية استعبدت شعوباً كثيرة أيضاً بأساليب مختلفة .. ويكفي أن نذكر كمثال هنا إبادة أكثر من عشرين مليون مسلم وتشريد الباقين على يد الطاغية الروسي جوزيف ستالين، كما دهس الطاغية اليوغسلافي "تيتو" آلاف المصلين في المساجد بالدبابات، وما زال أكثر من ثلاثين مليون مسلم في تركستان الصينية، يئنون تحت وطأة القهر والاستعباد الشيوعي الصيني .. نشير أيضاً إلى إجبار مئات الملايين في الدول الشيوعية على التخلي عن الدين، وتحويل المساجد إلى مباني للحزب الشيوعي أو اصطبلات للخيول، واعتقال الملايين ممن يعارضون الطغيان الشيوعي وتعذيبهم وتصفيتهم جسدياً من أجل ترسيخ " سيادة " طبقة العمال "البروليتاريا" . فالاستعباد هنا جماعي يتم بواسطة طبقة العمال التي تمارسه ضد باقي طبقات المجتمع .. كما إن إجبار عشرات الملايين من الناس على مغادرة أوطانهم لإحلال آخرين محلهم، وإجبار الجميع على العمل في الأماكن والمجالات التي تحددها السلطة الشيوعية بلا أجر، هو في حد ذاته من أشد الممارسات إذلالاً للناس كما كان يحدث للعبيد من قبل . والمجال لا يتسع لذكر كل ألوان الفظائع الشيوعية, ولكن هل جاءت الرأسمالية الغربية المعاصرة بشيء أفضل من الشيوعية ؟! أم أن أساليب قهر الناس وإذلالهم ونهب أموالهم هي وحدها التي تغيرت، بينما جوهر الاستعباد واحد لدى الجميع ؟ !
إننا نشعر بالفخر والاعتزاز عندما نعلن أن الإسلام العظيم قد حرم كل هذا الظلم والقهر والإذلال والاستغلال من إنسان لأخيه الإنسان .
الإسلام العظيم هو النظام الوحيد الذي يكفل الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر . إنه الإسلام الذي صاح خليفته العادل عمر رضي الله عنه بواليه- عمرو بن العاص - يوماً :
"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" ؟!(4) .

المراجع
1- جريدة "الأهرام" المصرية عدد 28 / 5 / 2007م – صفحة الشئون العربية .
2- عن موقع سي إن إن باللغة العربية
3- عن موقع "المسلم" على النت – كتاب رسالة المسلم في حقبة العولمة
4- انظر سيرة عمر بن الخطاب في الكتب الآتية : سير أعلام النبلاء للذهبي – الطبقات الكبرى لابن سعد – حلية الأولياء لابي نعيم – أسد الغابة في معرفة الصحابة – مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي – عبقرية عمر لعباس محمود العقاد – البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي .


***
يتبع >

مراقب سياسي4 17-08-2008 02:02 AM

التاريخ الأسود للاستعباد في أمريكا


شاء القدر أن يبتلى الهنود الحمر بالقسط الأوفر من الإبادة والاستعباد .. فقد كان اكتشاف الأمريكتين- بالتزامن مع الثورة الصناعية – كارثة كبرى حلت بعشرات الملايين من سكان أمريكا الأصليين . والذي حدث هو أن عصابات البيض التي وصلت أمريكا وجدت مساحات هائلة من أخصب أراضى العالم البكر بحاجة إلى عشرات الملايين من الأيدي العاملة التي تعذَّر عليهم تدبيرها من أوروبا ، ولذلك فكَّر الغُزاة في السيطرة على الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين ،لكنهم فشلوا في استعبادهم,فلم يتورعوا عن القضاء عليهم!! وهكذا وقعت واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ .. ويقدر الباحث منير الحمش(1) أعداد السكان الأصليين الذين أبادهم الغزاة الأوروبيون بأكثر من مائة مليون هندي أحمر!!! ولم "يتورع" السادة البيض الذين أسسوا ما يسمى الآن بالولايات المتحدة الأمريكية عن استخدام أحط الوسائل وأخس السُبل للقضاء على الهنود الحمر ، ومنها تسميم آبار المياه التي يشرب منها السكان الأصليون ، وحقنهم بالفيروسات وجراثيم أشد الأمراض فتكاً مثل الطاعون والتيفود والجدري ومسببات السرطان …إلخ. ويحاول المؤرخون الأمريكيون التقليل من أعداد الضحايا زاعمين أنهم حوالي مليونين فقط ، وفى إحصاء عام 1900م قللوا الرقم إلى مليون لا غير!! وهل قتل مليون نفس أمر هَيِّن ؟!!! ويشير المفكر الإسلامي على عزت بيجوفتش – رئيس البوسنة الأسبق – إلى القانون الأمريكي الذي ظل ساري المفعول حتى عام 1865م ، وكان ينص على حق الأمريكي الأبيض في الحصول على مكافأة مجزية إذا قدم لأي مخفر شرطة بالولايات المتحدة "فروة رأس هندي أحمر"!!! هذه هي حضارتهم الغربية المزعومة ، وهذه هي الكيفية التي تأسست بها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتشدق اليوم بالحريات وحقوق الإنسان !! ويضيف منير الحمش أن 80% من هنود "كاليفورنيا" مثلاً أبيدوا خلال عشرين عاماً فقط ، وهلك الباقون بسبب العمل الشاق حتى الموت "بالسُخْرة" في سبيل رفاهية "السادة" البيض أجداد "جورج بوش"!! وكان اكتشاف مناجم الذهب والمزارع الشاسعة في كولورادو وغيرها من ولايات الذهب وبالاً على الهنود المساكين ، إذ دفعت رغبة البيض المجرمين في الحصول على أيدي عاملة رخيصة إلى تنشيط أخس وأقذر تجارة في التاريخ بأمريكا، وهى خطف الأطفال والشباب لاستعبادهم ! وهكذا نشطت تجارة خطف أطفال الهنود من مختلف مناطق أمريكا .وكانت صحف تلك الفترة تمتلئ بصور الشاحنات المكتظة بأطفال الهنود الحمر المتجهة عبر الطرقات الريفية إلى أسواق العبيد في "سكرامانتو" و "سان فرانسيسكو" ليتم بيعهم إلى أصحاب المناجم والمزارع . ومع نهاية القتال في سنوات الاحتلال الأولى ، زاد الإقبال على خطف الفتيات - بصفة خاصة – فَهُن يقدمن خدمة مضاعفة " للسادة البيض" العمل الشاق نهاراً ، والجنس الإجباري ليلاً(!!) .. وأما الآباء الهنود المساكين فإن الغضب والأسى ، الناجم عن خطف واغتصاب واستعباد فلذات أكبادهم ، كان معناه أنهم - في نظر الأسياد البيض - "عناصر شغب" تستحق الإعدام فوراً وبلا محاكمة!! وبذلك تحول الخاطفون إلى "أبطال وطنيين أمريكيين" يساهمون في التخلص من "المشاغبين الهنود" الذين يشكلون خطراً داهماً على "أمن الدولة" الأمريكية الناشئة !!! ويقول المؤرخون أن هذه القرصنة وجدت من "يقننها" ويضفى عليها الشرعية التامة عبر قانون أصدره برلمان ولاية كاليفورنيا في أول جلسة تشريعية له في عام 1850م !!! وأصبح خطف الهنود الحمر واستعبادهم بموجب ذلك التشريع عملاً قانونياً يستحق فاعله الثناء والتكريم !!! وبموجب تعديلات أضيفت عام 1860م تم إجبار عشرة ملايين هندي أحمر على قيام بأعمال "السخرة" حتى الموت !! ولم تمض سنوات على هذا التشريع الإجرامي حتى ضاق حاكم الولاية بيتر بيزنت ذرعاً "بالسُخْرة"، فوجه رسالة إلى المجلس التشريعي قال فيها : "إن الرجل الأبيض الذي يعتبر الوقت من ذهب ، والذي يعمل طوال النهار ، لا يستطيع أن يسهر طوال الليل لحراسة أملاكه. وليس أمامه خيار آخر سوى شن حرب إبادة !!! إن حرباً قد بدأت فعلاً ، ويجب الاستمرار فيها حتى "ينقرض الجنس الهندي تماماً" !!!
وهكذا أباد "السادة البيض" 112 مليون هندي أحمر ، وأُبيدت معهم حضارات "المايا" و "الأزتيا" و "البوهاتن" وغيرها لإقامة أمريكا زعيمة النظام العالمي الجديد!!!

تعـليق
من أكثر المناظر إثارة للسخرية أن زائر الولايات المتحدة الأمريكية بحراً- عندما تقترب به السفينة من ميناء "نيويورك" – يرى تمثال "الحرية" الشهير خارج جزيرة مانهاتن !!! ويعتبر الأمريكيون البيض تمثال " الحرية " هذا رمزاً لبلادهم !! ويود كاتب هذه السطور أن يسأل هؤلاء : هل أُقيم هذا التمثال رمزاً للحرية التي ُأسبغت على 122 مليون هندي أحمر ؟! أم أنه رمز لحرية عشرات الملايين من الأفارقة المساكين الذين جرى خطفهم وجلبهم بالقوة إلى "الجنَّة الأمريكية" للعمل الشاق حتى الموت من أجل تحقيق "الحلم الأمريكي" ؟!! إنها لمهزلة كبرى أن يُقام تمثال "الحرية" على جثث وجماجم عشرات الملايين من البشر تمت إبادتهم جماعياً بشكل لم يحدث مثله لحيوانات الغابات .. بل لو حدث معشار هذه الإبادة أو 1% منها فقط ضد الحيوانات ، لأقامت جمعيات الرفق بالحيوان في الغرب الدنيا ولم تقعدها !! أما إبادة مائة مليون هندي أحمر فهو أمر "يؤسف له" - على حد زعمهم- ولكنه كان "ضروريًا" لأمن البلاد !!! بل كان أبو "الحرية" الأمريكية المزعومة- جورج واشنطن- نفسه يملك ثلاثمائة عبد وجارية في مزرعته الخاصة ، ولم يحرر منهم واحداً قط !!

قنص الهنود !!
يحكى المؤرخون الأوربيون المنصفون قصصاً يشيب لهولها الولدان . فقد كان الغزاة البيض يشعلون النار في أكواخ الهنود ، ويقيمون الكمائن حولها ، فإذا خرج الهنود من أكواخهم هاربين من الحريق ، يكون رصاص البيض في انتظار الرجال منهم ، بينما يتم القبض على الأطفال والنساء أحياء لاتخاذهم عبيداً واغتصابهم جنسياً أيضاً ! وكتب أحد الهولنديين قائلاً : "انتزع البيض بعض الأطفال الهنود الصغار من أحضان أمهاتهم وقطعوهم إرباً أمام أعينهن, ثم ألقيت الأشلاء في النيران المشتعلة أو النهر !! وربطوا أطفالا آخرين على ألواح من الخشب ثم ذبحوهم كالحيوانات أمام أعين الأمهات" !! إنه منظر ينفطر له قلب الحجر – كما يقول الهولندي الراوي نفسه – كما ألقوا ببعض الصغار في النهر ، وعند حاول الآباء والأمهات إنقاذهم لم يسمح لهم الجنود بالوصول إلى شاطئ النهر ، ودفعوا الجميع - صغاراً وكباراً – بعيداً عن الشاطئ ليغرقوا جميعاً !! والقليل جداً من الهنود كان يمكنه الهرب ، ولكن بعد أن يفقد يداً أو قدماً ، أو ممزق الأحشاء برصاص البيض.. هكذا كان الكل إما ممزق الأوصال ،أو مضروباً بآله حادة أو مشوهاً بدرجة لا يمكن تصور أسوأ منها (2) وتم نقل أعداد هائلة من العبيد الهنود إلى جزر الهند الغربية للعمل بالمزارع الشاسعة هناك أو لبيعهم لآخرين . كما شُحن مئات الألوف منهم شمالاً إلى نيوانجلند و "نيويورك" حيث مقر الأمم المتحدة ، وتمثال "الحرية" المزعوم !! وكان المؤرخ "لاس كاساس" الذي فضح جرائم الأسبان في أمريكا الجنوبية بكتابه الشهير "تدمير الهنود الحمر" قد أثار القضية أمام المحاكم الأسبانية .. فلجأت الحكومة هناك إلى تهدئة الرأي العام الثائر بإصدار قانون يمنع استعباد الهنود بشكل شخصي ، لكن "النصوص"- كما يقول لاس كاساس- لم تعرف سبيلها إلى التطبيق الواقعي أبداً في الأمريكتين . وانتشر في كل أمريكا الجنوبية كذلك نظام بمقتضاه يسيطر المالك الأبيض لقطعة أرض على كل الهنود الذين يعملون فيها ، أي رقيق الأرض بدلاً من الرق الشخصي .. كالمستجير من الرمضاء بالنار (3)!!!

محنة أفريقيا
اكتشف البيض – بعد إبادة معظم الهنود الحمر– أنهم لن يتمكنوا من استصلاح وزراعة عشرات الملايين من الأفدنة في القارة الجديدة – أمريكا – بدون جلب الملايين من الأيدي العاملة الرخيصة . وتفتقت أذهان الشياطين عن خطة جهنمية بدأت كل دول أوروبا الغربية تقريباً تنفيذها . إن الزنوج الأفارقة هم من أقوى أنواع البشر وأكثرهم جلداً وصبراً وتحملاً للمشاق والأجواء القاسية ، ولهذا استقر رأى المجرمين على" اصطياد " أكبر عدد ممكن منهم !! وهكذا تكالبت الوحوش البيضاء المسعورة على الفريسة المسكينة- أفريقيا – تنهش فلذات أكبادها بلا ذرة من رحمة أو إنسانية .. آلاف السفن الأوروبية المحملة بالجنود المسلحين بالبنادق والمدافع تقاطرت على الساحل الغربي للقارة السوداء حاملة الموت والخراب لأغلب سكانها ، والخطف والاستعباد والإذلال مدى الحياة لمن بقى منهم على قيد الحياة !! تقول المصادر الأوروبية ذاتها أن جيوش إنجلترا وبلجيكا والبرتغال وألمانيا وفرنسا وهولندا وأسبانيا – ذات التسليح المتقدم الذي لا يمكن مقارنته بالسيوف والحراب التي لا يملك الأفارقة غيرها – لم تجد صعوبة كبيرة في السيطرة على الساحل الغربي لأفريقيا المطل على المحيط الأطلنطي ..وخلال خمسين عاماً فقط تم خطف وترحيل ما بين 15 إلى 40 مليوناً من الأفارقة حيث تم بيعهم كعبيد في أسواق أمريكا وأوروبا . ونلاحظ أن المصادر الغربية ذاتها تؤكد أنه من بين كل عشرة أفارقة كان يتم أسر واحد فقط واستعباده ،بينما يلقى التسعة الآخرون مصرعهم إما برصاص الغزاة البيض ، وأما جوعاً و عطشاً أو انتحارًا من على ظهر السفن التي كانوا يحشرون فيها كالماشية ، وكثير منهم كان يلقى حتفه اختناقاً بسبب تكديس المئات منهم في أقبية السفن في مساحة عدة مترات بلا تهوية أو طعام أو مراحيض !! (3)
وكثيراً ما كان البحارة يقتلون المئات من الضحايا ويلقون بجثثهم في البحر. وعلى ذلك فإن ما لا يقل عن مائة مليون أفريقي قد لقوا حتفهم في 50 عاماً فقط خلال ملاحم "اصطياد العبيد" من القارة المنكوبة . تقول دائرة المعارف البريطانية في مادة "العبودية"slavery : أن الإنجليز كانوا يشعلون النيران في الأحراش والأشجار المحيطة بأكواخ الأفارقة ، فيضطر هؤلاء المساكين إلى الخروج من مساكنهم هرباً من النيران ، فتتلقفهم رصاصات القناصة لقتل الرجال, بينما يتم أسر الأطفال والنساء، ثم ترحيلهم إلى مراكز لتجميع العبيد على طول الساحل الغربي الأفريقي تمهيداً لنقلهم بالسفن عبر المحيط الأطلنطي في رحلة بلا عودة !! ونلاحظ أن هذا هو الأسلوب ذاته الذي جرى استخدامه "لاصطياد الهنود الحمر ، كما يصطادون الوحوش والحيوانات غير الأليفة من الغابات" !!
ونحن لا نعرف بالضبط الأرقام الحقيقية للضحايا سواء من القتلى أو ممن سقطوا في فخاخ الاستعباد حتى الموت . ولكن من المؤكد أن الأرقام الحقيقية هي أعلى بكثير مما تذكره المصادر الغربية .
ويكفى أن كاتباً غربياً كبيراً ذكر أن عدد القتلى في دولة واحدة هي الكونجو بلغ عشرة ملايين إفريقي في عهد الطاغية الملك "ليوبولد" الذي دمر شعباً بأكمله ، وعرقل مسيرة الكونجو لمئات السنين بسبب نهمه وجشعه وإجرامه .
يقول آدم هو تشيلد في كتابه "شبح الملك ليوبولد" أن هذا الطاغية قتل كل هؤلاء خلال 23 عاماً فقط حكم خلالها الكونجو التي كان يدعيها مستعمرة مملوكة له شخصياً بكل ما عليها من بشر وثروات وحيوانات !!! وقد كان الأوروبيون مثل "ليوبولد" في الكونجو ، والفرنسيون في مناطق أخرى ، والبرتغاليون في أنجولا ، والألمان في الكاميرون ، والإنجليز في دول أخرى عديدة قد وضعوا نظاماً إجرامياً للسخرة لاستخراج المطاط والذهب وغيرها من كنوز القارة السوداء التي نهبها المجرمون، كما سرقوا فلذات أكباد الأفارقة ,وعطلوا مسيرتهم مئات السنين، ولم يتركوا لهم سوى الموت والخراب الشامل والتعاسة التي لم يفلت منها أحد !! ويعدد "هوتشيلد" وغيره من المؤلفين الغربيين الفظائع التي ارتكبها الأوروبيون في أفريقيا، فقد كان الشنق وتعليق الجثث على الأشجار, وقطع الأيدي والأقدام والأذن والعضو الذكرى أمراً شائعاً مارسه المحتلون على اختلاف دولهم وهوياتهم . وكان من المألوف أيضاً الإجبار على العمل المتواصل تحت الشمس الحارقة بلا ماء أو طعام كاف، والربط بالسلاسل الحديدية ، وحرق قرى بأكملها عقاباً على أية بادرة تذمر . وكان هناك نوع من الكرابيج يصنعه الجلادون خصيصاً من جلد الخرتيت بعد أن يتم تجفيفه وتقطيعه بطريقة تترك أطرافه حادة وقاطعة . ويقول هوتشيلد أن عشرين جلدة بهذه الكرابيج كانت كافية ليفقد "المجلود" الوعي تماماً ، فإذا ارتفع عدد الضربات إلى مائة جلدة بتلك الكرابيج الشيطانية فإن المجلود يلقى حتفه فوراً . وإذا كان زبانية "ليوبولد" يستخدمونها ضد التعساء في الكونجو, فقد كان الفرنسيون يستخدمونها بضراوة أشد في "برازافيل" !! ولم تكن ألمانيا بعيدة عن الميدان ، فقد أباد الألمان شعباً بأكمله هو قبائل "الهيريرو" فيما يعرف الآن بـ "ناميبيا" . وتكفى قراءة فقرة واحدة من تعليمات القائد الألماني لجنود الاحتلال عام 1904م لإدراك هول ما حدث ووحشية السادة البيض الذين يتطاول أحفادهم الآن على الإسلام : (كل "هيريرو" – أفريقي – يوجد يجب أن يُقتل سواء كان يحمل سلاحاً أم لا وسواء كانت لديه ماشية أم لا .. ولا يجوز اعتقال أي رجل ، يجب فقط أن يُقتل") ونحسب أن الأمر لا يحتاج منا إلى أدنى تعليق !! وقد كانت البرتغال كذلك من أكثر دول أوروبا تورطاً في الرق ، بل تصفها الزميلة عايدة العزب موسى بأنها "مبتدعة الرق" ، وتنقل عن القسيس البرتغالي فرناندو دى أليفيرا فقرات خطيرة من كتابه " فن الحرب في البحر" تتبع فيه كيف كان تُجار الرقيق من البرتغاليين بقيادة صديقه القس "لاس كاساس" أكبر النَخّاسين في عصره ،يقومون بترحيل مئات الألوف من العبيد الأفارقة عبر المحيط الأطلنطي بعد خطفهم وانتزاعهم من أسرهم وتقييدهم بالسلاسل(4).

الحاقدون على الإسلام
وكما أشـرنا في ختام الفصل الأول ، كان يصاحب كل سـفينة قسيس ليقوم – حسبما ذكر إليفيرا- بتنصير العبيد مقابل مبلغ مالي يتقاضاه عن كل رأس ! وهكذا يسلبون الضحايا الحرية والدين أيضاً !! وحققت الكنائس الأوروبية ثروات هائلة من تلك الرسوم التي تتقاضاها من النَخَّاسين !! وشاركت هولندا أيضاً في تجارة العبيد ، حيث طافت مئات من السفن الهولندية موانئ أفريقيا الغربية منذ القرن السادس عشر لنقل ملايين من العبيد إلى أوروبا وأمريكا . بل كانت جزيرة "جورى" التي يجمعون فيها العبيد تمهيداً لنقلهم عبر الأطلنطي تحت سيطرة الهولنديين إلى أن باعوها للإنجليز عام 1872م . وكانت بعثات التبشير "التنصير" الهولندية متورطة فى أخس تجارة عرفتها البشرية ، ويبدو أنهم اكتشفوا أن خطف واصطياد الأفارقة المساكين واستعبادهم يدر من الأرباح أضعاف العمل على تغيير عقائدهم باسم الرب الذي يزعمون!!
ويكشف"هيوتوماس" سبباً أخر لاختطاف الأفارقة واستعبادهم وهو الانتقام البربري .
يقول "هيوتوماس" : الحقيقة أن البرتغاليين وغيرهم كانوا يصطادون الإفريقيين ويحولونهم إلى عبيد محض انتقام من الأفارقة المغاربة بسبب سيطرتهم على أسبانيا والبرتغال (دولة الأندلس الإسلامية) فقد كان أسلاف هؤلاء المغاربة من المسلمين قد سيطروا على أسبانيا والبرتغال لمئات من السنين"
ومن الواضح كما شهد هيوتوماس أن القوم لم ينسوا أحقادهم رغم أن المسلمين - كما شهد مؤرخو الغرب – قدموا للغرب وللعالم كله أياد بيضاء طوال حكمهم للأندلس .فقد نشروا العلوم والمعارف والحضارة في تلك العهود ،وعاملوا غير المسلمين بالأندلس بكل عطف ورحمة !! ويؤيد ما قاله هيوتوماس أن البابا يوجينياس الرابع أعلن رعايته لحملات الاستعباد التي يقوم بها الملك هنري في أفريقيا !! وفى الفترة من1450 حتى 1460 عقد البابا نكولا الخامس وكالكاتاس الثالث صفقة لاسترقاق الأفارقة مقابل "تعميد" – تنصير – العبيد ودفع 300 كراون للكنيسة عن كل رأس !! بل أرسل أحد الأساقفة سفينة لحسابه في إحدى الحملات !! وبعد كل هذه الفضائح يجدون الوقاحة الكافية للتطاول على الإسلام !!! وقد كانت التفرقة العنصرية – البغيضة – وما تزال حتى الآن – سبباً في تحول كثير من الأمريكيين السود ونظرائهم في أوروبا إلى الإسلام . إذ أن طوفان المظالم والاستعباد والقهر دفعهم إلى البحث عن سفينة النجاة ، فلم يجدوا أي سبيل آخر سوى الإسلام الذي يحظر تماماً كل أنواع الظلم والتفرقة بين الناس . الإسلام وحده هو الذي يرد إليهم الاعتبار والآدمية ، ويساوى بينهم وبين الطغاة البيض، ولا يوجد شيء كهذا في ديانة سماوية أخرى أو أية فلسفة وضعية أو أي نظام آخر .

تعـليق
نلاحظ أن مظاهر التفرقة العنصرية مازالت موجودة حتى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية . إذ توجد حتى اليوم أحياء في كبريات المدن الأمريكية يتكدس فيها السود بلا مرافق أو خدمات ، كما أن معظم المشردين بلا مأوى Homeless هم من السود والملونين,وعددهم يفوق الثلاثين مليونا. وفى أمريكا يوجد أكبر عدد من السجناء في العالم كله -2 مليون سجين- ثلاثة أرباعهم من السود (!!!) . ومازلنا نتذكر أحداث لوس انجليوس، حيث ثار السود احتجاجًا على الممارسات البوليسية الإجرامية ضدهم ، وسحل مواطن أسود بواسطة رجال الشرطة البيض حتى الموت .واندلعت مظاهرات صاخبة في أكتوبر 2007 م احتجاجا على اعتقال 6 تلاميذ سود وتلفيق تهمة لهم هي الشروع في قتل تلميذ ابيض, لأنه علق أحبالا ومشانق بالمدرسة, إشارة إلى ما كان يحدث من إعدام للعبيد السود بلا محاكمات.وأكدت منظمة حماية الملونين إن السود هم الفئة الأكثر تعرضا للسجن وتلفيق الاتهامات والتعذيب في السجون الأمريكية.
وقد اعترف الرئيس السابق بيل كلينتون بأن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك أوروبا والصين . وتناولت شبكات تلفاز عالمية مثل CNN ظاهرة اعتناق الملايين من الأمريكيين والأوروبيين للإسلام منذ أحداث 11 سبتمبر الشهيرة . وتبين أن أعداداً كبيرة جداً من البيض اعتنقوا الإسلام كذلك ، ومن بينهم أساتذة جامعيون وأطباء وعلماء ومهندسون ومحامون ورجال أعمال ، وفتيات في عمر الزهور قبلن طواعية ارتداء الحجاب – و النقاب في بعض الحالات - ورفضن حياة الشهوات والخلاعة والانحلال على النحو السائد في كل دول الغرب . وهكذا فإن المُنَصِّرين الذين حاولوا تغيير ديانة الأجداد السود الذين امتحنوا بالاستعباد ، يجدون أنفسهم عاجزين الآن تماماً عن وقف اعتناق الملايين من أحفادهم للإسلام الدين الحق والدين الأصلي للمُسْتَعْبدَين الأوائل ! وصدق الله العظيم : " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " يوسف الآية (21) . بل إن بعض الحاقدين يحاول التقليل من أهمية سرعة انتشار الإسلام في أمريكا قائلاً : أن الزنوج هم الذين يُسلمون ، ولا يعلم هؤلاء الأغبياء أنه حتى لو صدقوا في هذا – وهم كاذبون – فإن هذا يحسب للإسلام وليس ضده . لأن الأسود يعلم أن الإسلام هو وحده الذي يضمن له كل الحقوق والعدالة والمساواة مع الآخرين ، وتلك شهادة لصالح الإسلام وضد الغرب في ذات الوقت .

جـذور
ومازلنا نتذكر المسلسل العالمي "جذور" عن رائعة الكاتب الأمريكي الكبيرأليكس هيلي الذي حكى محنة الزنوج المستعبدين ، ونال عنها جائزة "بوليترز" العالمية. وقد عُرض المسلسل الرائع في معظم أنحاء العالم, وشاهده مئات الملايين من البشر مصحوباً بترجمة إلى أغلب لغات الأرض . ويقول ألكس هيلي أن القصة حقيقية ، وبطلها هو جده الذي اختطفته عصابات البيض من قريته الإفريقية ، حيث تعرض للضرب والتعذيب وأوثقوه بالسلاسل ، ثم ألقى به مع مئات غيره في سفينة عبرت الأطلنطي, ليجد نفسه بعد أسابيع معروضاً للبيع في الأرض الجديدة "أمريكا" . وحكى "هيلي" نقلاً عن جده – الذي حكى لابنته وعلم هيلي بالتفاصيل من جدته التي هي تلك الإبنه – الأهوال والفظائع التي تعرض لها الملايين من العبيد المساكين منذ اختطافهم والزج بهم مقيدين بالسلاسل في قلعة "جيمس" إلى أن تم شحنهم مكدسين في سفينة كالبهائم . وكانوا يكوونهم بأسياخ الحديد المحمى بلا رحمة ليضعوا على ظهر كل منهم علامة السفينة التي ستنقله إلى أمريكا. وخلال الرحلة إلى الجحيم ألقى بعض المساكين بأنفسهم في الماء هرباً من سياط الجلادين . وعانى الباقون من ندرة الطعام والمرض والتعذيب, حتى وصلوا إلى الشاطئ الأمريكي، حيث تم بيع "كونتا كنتى" جد "هيلي" بمبلغ 300 دولاراً . وحاول الفتى المسكين الهرب لكنه فشل وتعرض لتعذيب مروع ليكف عن الهرب، وفى المرة الثانية قبضوا عليه وأوثقوه إلى جذع شجرة ليقطع أحد البيض نصف قدمه اليمنى بفأس حتى لا يستطيع الجري أو الهرب مرة أخرى !!.. وتحكى الرواية الجبارة تفاصيل حياة البؤس والشقاء التي عاشها "كونتا" وعشرات الملايين غيره في ظل الاستعباد . وقد نال الكتاب والمسلسل المأخوذ عنه رواجاً عالمياً فاق كل تصور . ولكن الأمريكان لا يعرفون شيئاً اسمه الحياء ، فدأب بعضهم كالعادة على التشكيك في الرواية, رغم أن أحداً لا يمكنه إنكار وقوع هذه الجرائم المروعة ضد ملايين السود على يد "الشيطان الأكبر" .

القانون الأسود
وقد لجأ البيض إلى أساليب شيطانية لقمع العبيد وقهرهم والسيطرة عليهم .. وقننوا هذا كله بتشريعات تشكل وصمة عار لأي نظام قانوني في التاريخ . يقول العَلاَّمة محمد فريد وجدي : "كان القانون الذي يتناول أحوال الرقيق يُعرف في كل أمة من الأمم المعاصرة بالقانون الأسود . وعلى سبيل المثال كان القانون الأسود الفرنسي الذي صدر سنة (1685) ينص على أن الزنجي إذا اعتدى على أحد الأحرار أو ارتكب جريمة السرقة عوقب بالقتل أو بعقاب بدني آخر ، أما إذا أبق العبد فإن نص القانون أن الآبق في المرة الأولى والثانية يتحمل عقوبة صلم الأذنين والكي بالحديد المحمى ، فإذا أبق الثالثة قتل . وقتل الآبق كان معمولا به أيضاً في انجلترا، فقد نصت شريعتهم على أن من أبق من العبيد وتمادى في إباقه قتل. وكان غير مسموح لذوى الألوان أن يحضروا إلى فرنسا لطلب العلم . ودام الحال على هذا في فرنسا حتى ظهرت ثورة 1848 فسعت فى أبطال الاسترقاق . أما في أمريكا فكان القانون في غاية الشدة والقسوة ، وكان مقتضى القانون الأسود أن الحر إذا تزوج بأمة صار غير جدير بأن يشغل وظيفة في المستعمرات . وكانت القوانين تصرح بأن للسيد كل حق على عبده حتى حق الاستحياء والقتل
وكان يجوز للمالك رهن عبده وأجارته والمقامرة عليه وبيعه كأنه بهيمة(!!) . وكان لا حق للأسود فى أن يخرج من الحقل ويطوف بشوارع المدن إلا بتصريح قانوني . ولكن إذا أجتمع فى شارع واحد أكثر من سبعة من الأرقاء ولو بتصريح قانوني كان لأي أبيض إلقاء القبض عليهم وجلدهم!!(5) .
وهذه النصوص كانت مطبقة في كل أنحاء الأمريكتين .

ينبع>

مراقب سياسي4 17-08-2008 02:15 AM

اعتذار بعد فوات الأوان !!
في عام 2006م قدمت كنيسة إنجلترا اعتذاراً رسمياً علنياً عن دورها المشين في الإتجار بالرقيق ، واقتناء عشرات الألوف من العبيد ظلوا يعملون حتى الموت في المزارع الواسعة التي تمتلكها الكنيسة في منطقة الكاريبي . وقد شاركت في قنص وترحيل العبيد 2704 من السفن البريطانية . وفى مارس 2007م قاد الدكتور روان ويليامز رئيس أساقفة كانترى- كنيسة إنجلترا- مسيرة حاشدة شارك فيها عشرات القساوسة والشخصيات العامة ، طافت شوارع لندن ، اعتذاراً عن "تورط الكنيسة في التاريخ البشع للعبودية في العالم" على حد قول وليامز نفسه. وأضاف رئيس أساقفة بريطانيا :" أنه ليس الندم فقط ، بل يجب إعلان التوبة عن مشاركتنا في هذه الوصمة التي كلفت الملايين ، من العبيد البؤساء أرواحهم وممتلكاتهم ، ودمرت اقتصاديات العديد من دول أفريقيا" (6) غير أن رأس الكنيسة الإنجليزية لم يجد في نفسه قدراً آخر إضافياً من الشجاعة ليطالب بتعويض أحفاد الضحايا عما حل بآبائهم وأجدادهم من إذلال وقهر وخراب شامل !! بل إن جون ميجور رئيس وزراء بريطانيا الأسبق علّق على المطالبات القضائية بالتعويض عن جرائم الاستعباد قائلاً بسخرية وقحة : "آه .. سوف ندفع للأفارقة تعويضات بشرط أن يثبتوا أن ثمة ضرر قد لحق بهم بسبب كون أجدادهم عبيدا لنا" !!! وكأنه يظن أن استعباد الغرب للأفارقة كان " تشريفاً" لهم و "وساماً" على صدورهم !! ولا يختلف "بنديكت" بابا الفاتيكان عن "ميجور" في هذه الجزئية . فرغم اختلاف مذهب الفاتيكان – الكاثوليكي- عن المذهب السائد في انجلترا ، إلا أنهم جميعاً – مع نظرائهم الأمريكان وباقي أوروبا – يتفقون في شئ واحد : لا تعويضات عن الاستعباد مئات السنين لمئات الملايين من البشر !! مع أنهم جميعاً تسابقوا لإرضاء "إسرائيل" بمئات البلايين من الدولارات تعويضاً لليهود عن "مزاعم غير ثابتة" بالتعرض للتعذيب في محارق "هتلر" !!! أما التي يعترفون هم أنفسهم بها فلا !!! وقد اعترف بابا الفاتيكان بارتكاب أسلافه لجرائم بشعة في الأمريكتين خلال القرن الخامس عشر وما بعده ضد السكان الأصليين ثم الأفارقة السود .. ورغم اعترافه هذا ، فقد رفض الاعتذار عن تلك الجرائم التي لم ينكرها !!! وهو ما جعل رئيساً أمريكياً نصرانيًا- "هوجو شافيز" رئيس فنزويلا- يشن هجوماً لاذعاً على البابا المنافق .. وقال شافيز : إن البابا يكذب بإدعائه أنهم نشروا المسيحية في الأمريكتين بالسلام والمحبة ، في حين كانت "بنادق البيض الغزاة تحصد السكان الأصليين بالملايين ..(7) فهل هذه هي المسيحية التي يتشدق بها ؟!!
واستنكر شافيز تبجح البابا الذي رفض مجرد كلمة اعتذار للضحايا لن تكلفه "سنتاً" واحداً ، وطالبه بالتحلي بقدر أكبر من الأمانة والموضوعية !! والذي يراه كاتب هذه السطور أن شخصاً مثل "بنديكت" الذي كان عضواً في الحزب النازي في شبابه ، لن يعتذر عن جرائم فعل مثلها هو نفسه في عهد زعيمه هتلر !! فهو يرى أن هذه "أمور طبيعية الوقوع" من المنتصر"الأبيض" ضد السود والهنود الأمريكيين "الأقل شأناً" !! لكن الشاذ حقاً أن شخصاً كهذا يتطاول على الإسلام الحنيف ، ويتهمه بالإرهاب ، رغم السجل الإجرامي الأسود لممثل الإدعاء الكاثوليكي !! ويبدو أن "بنديكت" يتناسى كذلك السجل الأسود لكنائس الغرب في "محاكم التفتيش" ، وإحراق ملايين المخالفين ليس فقط في الدين ، بل حتى في مجرد " المذهب" أو "الطائفة " داخل المسيحية ذاتها !! وكذلك أحرقوا علماء كبار مثل "جاليليو" لأنه تجرأ وأعلن الحقيقة العلمية وهى أن الأرض تدور وأنها كروية !!! حقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت وأزعم ما شئت !!(8) .

المراجـع
1- منير الحمش – أمريكا والكنانيون الحمر – دراسة منشورة بمجلة أخبار الأدب – دمشق – 9/6/2002م – بتصرف .
2- الحمر والبيض والسود – جارى ناس – ترجمة مصطفى أبو الخير – سلسلة الألف كتاب – مصر – بتصرف .
3- المرجع السابق – بتصرف .
4- عايدة العزب موسى – العبودية في أفريقيا – مكتبة الشروق الدولية – مصر – طبعة 2004م – مواضع متفرقة من الكتاب بتصرف – وأنظر أيضاً المراجع الهامة التي ذكرتها هناك .
5- محمد فريد وجدي – دائرة معارف القرن العشرين – طبعة دار المعرفة – بيروت – المجلد الرابع – حرف الراء "الرق" ص 277-278 وأنظر أيضاً "الرق في الإسلام" لأحمد شفيق باشا
6- موقع شبكة BBC باللغة العربية على الإنترنت – 24 مارس 2007م . بتصرف
7- موقع قناة الجزيرة على الإنترنت باللغة العربية – 24 مايو 2007م . وانظر أيضا الموقع الاسلامى الممتاز : صيد الفوائد
8- كلمة بتصرف تعنى أننا حصلنا على المعلومة من المصدر المشار إليه ، لكن الصياغة والتعليق عليها بواسطة كاتب هذه السطور ، وربما أضفنا إليها معلومة أخرى من عندنا .


أنتـهى...

****


ملحق

مراقب سياسي4

الـرِّق


هو كون الإنسان مستعبدًا لغيره مملوكًا له، فاقد التصرف بذاته ومكاسبه. أما الاسترقاق فهو: الإدخال في الرق. ويقال للواحد وللجمع: رقيق، وللجمع فقط أرقّاء.

نشأة الرِّق وتاريخه
أسرى الحرب كانوا المصدر الرئيسي للرق في روما القديمة وغيرها من المجتمعات التي كانت تمارس الرق.
نشأ الرِّق في أوقات مبكرة من التاريخ، وتعود نشأته في الغالب إلى الحروب والصراعات التي كانت منتشرة بين الأمم والشعوب من بدايات الخليقة.
وفضلاً عن الرِّق بسبب الحروب، فقد كان من الأساليب المعهودة والمنتشرة في أحداث الرق: سرقة الأطفال، أو خطف النساء والرجال في حوادث قطع الطرق، والغارات المحلية المتبادلة التي كانت تشنها القبائل البدائية بعضها على بعض، وكذا استعباد الأشخاص المذنبين كاسترقاق السارق المعمول به عند العبرانيين وغيرهم والمذكور في قصة يوسف ﴿ قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ¦ قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه﴾ يوسف : 74، 75.

الرِّق عند الأمم القديمة
كانت أحوال الرق عند الأمم القديمة في أسوأ صورة وأفظعها، فقد اتصفت معاملة السيد لرقيقه بالقسوة والجبروت ومجافاة الإحساس الإنساني والمشاعر الآدمية، حيث كان يتعامل معهم كما يتعامل مع الأثاث والأدوات والآلات الجامدة.
ولم يكن للرقيق وقتئذ أدنى حق إنساني، بل كان لمالكه تمام الحرية في إبقائه على قيد الحياة، أو تجويعه وتعذيبه والتنكيل به.
وقد منعت أكثر القوانين الزواج بالرقيق، وكثيرًا ما عاقبت الطرفين المتزوجين بالحرق في النار معًا وهم أحياء، في حين كانت تسمح للرجال وبخاصة العسكر أن يقضوا شهواتهم الجنسية مع من يشاؤون من النساء الرقيق.
وقد بالغ القدماء أيضًا في إجبار الرقيق على أداء أشق الأعمال، تحت ضربات السياط الملهبة، وكان جزاء من يمتنع عن ذلك تعليقه من رجليه، ووضع الأجسام الثقيلة في يديه، وضربه أو كيّ مواضع حساسة من جسمه، وقد يعمدون إلى ملء فمه وأذنيه بالزيت المغلي، أو قطع لسانه وأعضائه والتمثيل به، أو قتله بأفظع الصور.
وأما عند النصارى فقد أقرّت جميع الكنائس النصرانية على اختلاف مذاهبها فكرة الرِّق، ولم تر ما يمنع من استمراره حتى إن القسيس الفرنسي المشهور بوسويت قال: ¸إن من حق المحارب المنتصر قتل المقهور، فإن استعبده واسترقه فذلك منّة منه وفضل ورحمة·.
بقي الرِّق أمرًا مشروعًا لدى النصارى إلى القرن التاسع عشر الميلادي، حيث جاء في دائرة معارف لاروس أن رجال الدين الرسميين وقتئذٍ أقرّوا بصحة الرِّق وسلّموا بشرعيته.

الرِّق عند الأمم الحديثة
استمر الرِّق شائعًا أيضًا، عند الأمم والشعوب والدول التي عايشت النهضة الأوروبية، منذ أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. غير أن كل دولة من هذه الدول وضعت ـ في زمن ما يُسمى عصر المدنية والنهضة ـ قانونًا خاصًا يرتقي بأحوال الرقيق ويفصل حدود معاملتهم، وعرف هذا القانون بالقانون الأسود، لكونه مختصًا بمعالجة أحوال الأرقاء السود وبيان الأحكام المتعلقة بهم. إلا أن تلك القوانين لم تحدث تغيرات جذرية في الطريقة التي يعامل بها الرقيق. فعلى سبيل المثال كان من مقتضى القانون الأسود الفرنسي، أن الزنجي إذا اعتدى على أحد الأحرار أو ارتكب جريمة السرقة، عوقب بالقتل، أو بعقاب بدني آخر شديد.
أما إذا أبق ـ أي هرب ـ الرَّقيق من سيده مرة أو مرتين، فإن القانون يسمح للسيد بقطع أذني رقيقه وكيّه بالحديد المحميّ في النار، فإذا أبق الثالثة قُتل.
وكان قتل الرَّقيق الآبق معمولاًً به أيضًا في إنجلترا، حيث نصّ القانون الأسود فيها على أن من أبق من الرَّقيق وتمادى في إباقه قُتل.
وكان غير مسموح للملونين، أن يحضروا في فرنسا لطلب العلم والثقافة.
وظل الحال في فرنسا على الوصف السابق حتى قيام الثورة الفرنسية في سنة 1789م حيث لم تجرؤ على إلغاء الرق، بل منحت صفة المواطنة لكل مقيم على أرضها مهما كان لونه أو عرقه، وفي عام 1791م أصدر مجلس الثورة الفرنسي قرارًا بإلغاء الرق في جميع المستعمرات الفرنسية، ومساواة جميع من فيها في الحقوق والواجبات مع تمتعهم بالجنسية الفرنسية.
لكن حين تولى نابليون الحكم، لاحظ انخفاض صادرات المستعمرات الفرنسية التي تعتمد على اليد العاملة الزنجية، فأصدر قرارًا عام 1802م بالعودة إلى استرقاق الزنوج، فثار الزنوج في المستعمرات وقاوموا مدة ثلاث سنوات فقضى نابليون على ثورتهم وأعادهم إلى الرق.
وفي عام 1884م صدر قرار في فرنسا بإلغاء الرق في المستعمرات الفرنسية ـ مرة أخرى ـ تماشيًا مع قرارات مشابهة اتخذتها قبل فترة وجيزة كل من بريطانيا ثم البرتغال، فتبعتها هولندا والدنمارك عام 1860م.

أما في أمريكا: ففي العصر الأول من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية كان كثير من سكانها ـ وبخاصة أهل الجنوب ـ يملكون الرقيق، إذ كان تجار الرقيق من أهل الجنوب يقومون بحملات منظمة ومسلحة إلى القارة الإفريقية ويختطفون الرجال والنساء في مداهمات وغارات مفاجئة على قراهم ومساكنهم، ويجلبونهم قسرًا إلى المدن الأمريكية ـ وبخاصة الجنوبية ـ ليبيعوهم في أسواق الرقيق.
وكانت معاملة هؤلاء المختطفين المغصوبين في منتهى الفظاعة والقسوة والهمجية، وكان من مقتضى القانون الأسود الأمريكي أن للسيد كل الحق في الإبقاء على رقيقه حيًا أو إماتته، بل صرّح قانونهم بأنه ليس للرقيق روح ولا عقل وأن حياته محصورة في ذراعيه، كما أنه ليس له حق الخروج إلى الشوارع ـ وقت شدة الحرّ ـ إلابتصريح قانوني، وإذا شوهد أكثر من سبعة أرقاء مجتمعين في شارع واحد، كان لكل رجل أبيض الحق في إلقاء القبض عليهم وجلدهم، ولو كان خروجهم إلى الشارع بتصريح قانوني. وكان القانون أيضًا يجيز للسيد رهن رقيقه وإجارته وبيعه، بل والمقامرة عليه.
وظل الأمر على هذا الحال حتى شهر يناير من عام 1863م حين أصدر أبراهام لنكولن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إعلانًا بتحرير الرَّقيق في ولايات الجنوب الأمريكي، وكان هذا القرار من أسباب اغتياله عام 1865م.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقّعت الدول المشتركة في عصبة الأمم عام 1926م اتفاقية تقضي بملاحقة تجارة الرق والمعاقبة عليها، والعمل على إلغاء الرقيق بجميع صوره، وفي عام 1948م أصدرت هيئة الأمم المتحدة إعلانًا عالميًا تضمن حظر الرِّق وتجارة الرقيق، وقد التزمت بهذا الإعلان أكثر دول العالم.

موقف الإسلام من الرِّق
جاء الإسلام ـ في القرن السابع الميلادي ـ والرق منتشر في العالم، متفشٍ بين العرب، وكان الرقيق يعرفون بموالي العتق، أو موالي العتاقة وهم الرقيق الذين تفك رقابهم بعتقهم مقابل عمل يعينه لهم من يشتريهم من الرجال. ويجوز للرقيق أن يختار غير سيّده مولى له بعد عتقه وهناك موالي المكاتبة وهو أن يكاتب الرَّقيق على نفسه بثمنه، فإذا سعى وأداه عتق. وهناك شكل آخر للمكاتبة هو أن يكاتب الرّجل رقيقه أو أمته على حال يؤديه إليه عند بداية أي شهر. والأصل عن ولاء المكاتبة، أنّ من أعتق رقيقًا كان ولاؤه له، فينسب إليه. والموالي كانوا أقل شأنًا في مجتمعهم من غيرهم. إذ نظر إليهم على أنهم دون العرب الأحرار في المكانة. ولهذا قلما زوج الأحرار بناتهم للموالي أي الرَّقيق. حتى ضرب بهم المثل في القلة والذلة. وعندما جاء الإسلام عمل على إبطال الرِّق بأساليبه التشريعية الهادئة المتدرجة، نظرًا لأن الرق أمر متعارف عليه عند جميع الأمم وقتئذٍ، بل هو متمكن في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث كان الرقيق يقومون بالدور الذي تقوم به أدوات الإنتاج وآلات التصنيع المعاصرة. وأراد الإسلام من التدرج في تحريم الرق ترويض الناس على نظام إنساني إسلامي كان غريبًا على تصوراتهم القديمة، فمثلهم مثل من يخرج من الظلام إلى النور، إذ لابد أن يفرك عينيه قبل أن يسترد بصره تمامًا.
ومما يدل على هذا أن الإسلام قام في وقت مبكر جدًا من تاريخه بالدعوة إلى تحرير الرَّقيق، قال الله تعالي: ﴿ فلا اقتحم العقبة ¦ وما أدراك ما العقبة ¦ فكّ رقبة ﴾ البلد : 11-13.
ومن المعلوم أن هذه الآيات نزلت في مكة مع بداية دعوة الإسلام، قبل أن يُصبح له دولة وكيان سياسي. ولما صار للإسلام دولة وكيان، وقام يدافع عن حقه في الوجود والاستمرار كان الأعداء يعمدون في حروبهم معه، إلى أسر بعض المسلمين واسترقاقهم، وليس من المنطق ـ والحال هكذا ـ أن يحرم الإسلام الرِّق من جانب واحد، فتكون النتيجة أن يصبح المسلمون مهددين بالاسترقاق من قبل أعدائهم المخالفين لهم في الدين، دون أن يتمكنوا من تطبيق نظام الرِّق عليهم من باب المعاملة بالمثل.
ولمجموع ما تقدم، أقر الإسلام مبدأ الرِّق على سبيل الجواز ـ لا الاستحباب والوجوب ـ للحاجة إليه، من غير حضّ على تنفيذه ولا استحسان لفعله، واعتبره عجزًا حكميًا مؤقتًا، نتيجة حرب مشروعة اتباعًا لمبدأ المعاملة بالمثل إذا استرق العدو أسرى المسلمين، جاز للمسلمين أن يسترقوا أسراهم. وطبَّق الإسلام هذا المبدأ وأحاطه بأحكام وتوصيات إنسانية وأخلاقية، يقصد بها في النهاية تصحيح المسيرة الخاطئة ـ التي سلكتها الأمم والشعوب في تعاملها مع موضوع الرقيق ـ تصحيحًا لم يمارسه واضعوا القوانين السوداء، الذين جاءوا بعد الإسلام بأكثر من ألف عام.

منهج الإسلام في معاملة الرقيق
لم تفعل شريعة ولا نظام ولا قانون ما فعله الإسلام في رد الاعتبار الإنساني والاجتماعي إلى الرقيق، بل لقد انفرد الإسلام قبل عدة قرون ـ من بين كل النظم السابقة والمعاصرة له ـ في الارتقاء بالتعامل مع الرقيق، والدعوة إلى تحريرهم، ليمارسوا حياتهم الخاصة والعامة بحسب ما يشاءون.
ويمكن تلخيص منهج الإسلام في تعامله مع الرقيق في ثلاثة أمور: الأمر الأول حصر مصادر الرِّق وتضييقها. الأمر الثاني فرض أنماط من العلاقات الإنسانية المهذبة في التعامل مع الرقيق، ومنحهم حقوقًا لم تكن لهم من قبل. الأمر الثالث فتح أبواب تحرير الرقيق على مصاريعها، إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الندب والحفز.

أولا
تضييق مصادر الرِّق. حصر الإسلام مصادر الرِّق في أسر وسبي الأعداء الكافرين الذين يحاربون المسلمين، معاملة لهم بالمثل، إن رأى الحاكم في ذلك مصلحة. وهو بهذا الحصر يكون قد أبطل مشروعية أي مصدر آخر للرِّق مما كان شائعًا وقتئذ،كاستعباد الأشخاص المذنبين، وسرقة الأطفال، وخطف النساء والرجال في النزاعات والحروب المحلية وحوادث قطع الطرق ونحوها.
وقد حرّم الإسلام استرقاق الأحرار بغير طريق الحرب المشروعة، وحذّر من فعل ذلك وعدّه من أشنع وأفظع التصرفات الخاطئة، قال النبي ³: ( قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ـ يعني عهدًا ـ ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ).

ثانيا
حقوق الأرقَّاء في الإسلام. منح الإسلام الأرقاء حقوقًا لم تكن لهم من قبل. حيث دعا إلى تحسين وضع الرقيق والارتفاع بمعاملتهم إلى المستوى الإنساني الكريم، وألزم المسلمين عامة ـ بمن فيهم مالكو الرقيق ـ بأنماط من العلاقات الإنسانية والاجتماعية المهذبة في معاملتهم مع الرقيق.
فقد أعلنت تعاليم الإسلام في صراحة متناهية: أن النَّاس جميعًا خُلقوا من أصل واحد وهم إخوة في الإنسانية، ليس لأحد فضل على الآخر إلا بمقدار ما يرضي الخالق وينفع الناس، قال الله تعالي: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ﴾ الحجرات : 13.
وحينما تنازع أبو ذر ـ وكان عربيًا ـ مع بلال ـ وكان حبشيًا أسود ـ احتدّ أبو ذر وعيّر بلالاً بأمه، وقال له: يا ابن السوداء، فغضب النبي ³ لذلك لما بلغه الخبر، واستدعى أبا ذر، وقال له: (إنك امرؤ فيك جاهلية ـ أي فيك صفات أهل الجاهلية في التمييز العنصري والعرقي ـ وتابع يقول: هم ـ أي العبيد ـ إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم ـ أي لخدمتكم ـ فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمه من طعامه، وليُلبسه من لباسه) (متفق عليه). فتأثر أبو ذر بكلام النبي ³ وقصد بلالاً يعتذر إليه، وألقى بجسمه على الأرض، ووضع خدّه ـ ردّ اعتبار له ـ لكن بلالاً أبى هذا، وأخذ بيد أخيه أبي ذر وتصافحا وتعانقا وتسامحا.
وقد حض الإسلام المالكين والأحرار على دعوة الرَّقيق إلى مجالستهم والأكل معهم، قال النبي ³ : ( إذا أتى أحدكم خادمُه ـ أي رقيقه ـ بطعامه قد كفاه علاجه ودخانه فليجلسه معه، فإن لم يُجلسه معه، فليناوله أكلة أو أكلتين ) (متفق عليه) . وإلى هذا المعنى ونحوه أرشد النبي ³ أبا ذر وقال له ـ في الحديث السابق: فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه ).

كما حرص الإسلام على انتزاع فكرة الاستعلاء والتجبّر نهائيًا من نفوس ومشاعر المالكين، ولو كانت غير مقصودة، فنهاهم عن مناداة ومخاطبة الرَّقيق ببعض الألقاب والألفاظ، وأمرهم بضبط ألفاظهم ومراقبتها ومناداة الأرقّاء بألقاب مهذّبة ترشح بمعاني الإنسانية والرحمة وحسن الصلة، قال النبي ³ : ( لا يقولنّ أحدُكم عبدي ولا أمتي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي) . بل إنه صلى ليه وسلّم زاد على هذا فقال: ( ألينوا القول لهم ).

وتتوالى تعاليم الإسلام وأحكامه التي تمنع تعذيب الرقيق والإساءة إليهم والقسوة عليهم وضربهم ظلمًا. وعن أبي مسعود البدري قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: (اعلم أبا مسعود)، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله ³، فإذا هو يقول: ( اعلم أبا مسعود أن الله عزّ وجل أقدر عليك منك على هذا الغلام ). فقلت: ¸لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا·.
هذا، وقد حثّ الإسلام على العفو عن الرقيق حين إساءتهم، والتجاوز عن ذنوبهم، وأخطائهم، وأرشد المالكين الذين يضنّون ببذل الخير ويبخلون بعتق رقيقهم، إلى بيع رقيقهم الذين لا يوائمونهم، استبعادًا لظلمهم إياهم وتجنيهم عليهم.
أما المسؤولية الجنائية الملقاة على الرقيق فقد تسامح بها الإسلام بعكس الذي تقدم في معاملة الرقيق عند غير المسلمين ـ حيث شرع معاقبة الأرقّاء الذكور والإناث بنصف العقوبة المقررة على الأحرار، قال الله تعالى: ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ النساء : 25.

كما دعا الإسلام المالكين إلى تعليم الرقيق وتأديبهم والسعي في تزويجهم والارتقاء بمستواهم الثقافي والاجتماعي، بل سمح للأحرار وللمالكين بالزواج من إمائهم، قال الله تعالى: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ﴾ النساء : 25. كما حث الإسلام على تزويج الرقيق، قال تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾ النور : 32. وحث أيضًا على تحرير الإماء والزواج بهنّ، قال النبي ³: ( ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ³، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدّبها فأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران ) (متفق عليه).

سار المسلمون في ضوء هذه التوجيهات النبوية، فعلّموا أرقاءهم وأدّبوهم، ومكنوهم من أسباب الثقافة والمعرفة، وتبوأ كثير منهم مكانة عالية، بل بلغ كثير منهم أعلى المراتب العلمية والاجتماعية، وغدوا مشاعل نور وهداية وتوجيه للناس، مثل بلال بن رباح مؤذن الإسلام الأول، وسلمان الفارسي الذي روى مسلم في صحيحه ـ بشأنه ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النبي ³ إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ . قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله! فلم يراجعه النبي ³ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثًا، قال: وفينا سلمان الفارسي قال: فوضع النبي ³ يده على سلمان ثم قال: (لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء) . ونافع ـ مولى عبدالله بن عمر بن الخطاب ـ أحد فقهاء الإسلام وعلمائه، وطارق بن زياد فاتح الأندلس، ومكحول الهُذلي المتوفى سنة 112هـ الذي قال: ¸كنت عبدًا لسعيد بن العاص، فوهبني لامرأة من هذيل بمصر، فلم أدع بمصر علمًا إلاحويته فيما أرى، ثم أعتقت فأتيت العراق، فلم أدع بها علمًا إلا حويته، ثم أتيت المدينة فكذلك، ثم أتيت الشام فغربلتها، وما سمعت شيئا إلا استودعته في صدري..·، حتى صار مكحول هذا إمام أهل الشام وعالمهم المقدّم.

ولعل من أروع ما وصل إليه حال الرقيق في الإسلام ما ذُكر من أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يتبادل ركوب الناقة بالتساوي بينه وبين عبده، أثناء سفره من المدينة إلى بيت المقدس، ليعقد مع صاحبها معاهدة الصلح، فلما وصل كان العبد هو الراكب، وأمير المؤمنين هو الماشي، فخشي أبو عبيدة ـ قائد الجيش في الشام ـ أن يحتقر المستقبلون أمير المؤمنين عمر، فكشف له عما في نفسه، مما يأنف منه أهل هذه البلاد، ورغب إليه أن يُنزل العبد ليجر الناقة وهو راكب عليها، فأبى الخليفة هذا وقال: ليت غيرك قالها يا أبا عبيدة! نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. وعمر بن الخطاب هو الذي قال لعامله على مصر، عمرو بن العاص ¸متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا·.

وتجدر المقارنة والموازنة بين الحقوق والأساليب الإنسانية التي شرعها الإسلام في قضية الرقيق، وبين ما كان مقررًا ومعمولاً به في المجتمعات القديمة، بل الحديثة في عصور النهضة، حيث كان الرقيق يعيشون حالة مزرية منحطة، حتى إن فرنسا كانت تمنع الملونين ـ فضلاً عن الرَّقيق ـ من القدوم إلى أراضيها لطلب العلم والثقافة والمعرفة، ومثل ذلك في التمييز العنصري الذي عجزت بعض دول العالم اليوم عن تخطّي حواجزه بين أفراد شعبها الذين يعيشون معًا. قال غوستاف لوبون في كتابه: تمدّن العرب: ¸إن لفظة الرق إذا ذكرت أمام الأوروبي ... وَرَدَ على خاطره استعمال أولئك المساكين المثقلين بالسلاسل، المكبلين بالأغلال، المسوقين بضرب السياط، الذين لا يكاد غذاؤهم يكفي لسد رمقهم، وليس لهم من المساكن إلا حبس مظلم... أما الحق اليقين فهو: أن الرق عند المسلمين يخالف ما كان عليه النصارى تمام المخالفة·.


يتبع >

مراقب سياسي4 17-08-2008 02:50 AM

ثالثًا
تحرير الرقيق هدف إسلامي. حرص الإسلام على فتح أبواب تحرير الرقيق على مصاريعها، بطريقة تشريعية هادئة ومتدرجة: إما على سبيل الفرض والوجوب الذي لا خيار للمكلف في تنفيذه، وإما على سبيل الحضّ والندب، والوعد الصادق من الخالق لمن يعتق عبدًا، بعظيم المنزلة وكريم التعويض في الدنيا والآخرة.

وقد حوّل الإسلام بعض أنواع العتق الذي كان اختياريًا إلى فرض لازم، يجب الوفاء به، مادام صاحبه قد باشر أسبابه.
ومن النوع الأول الذي هو تحرير الرقيق على سبيل الوجوب: ما تعلّق بسبب صادر عن المكلف نفسه، كالحنث في اليمين والقتل الخطأ وظهار الزوجة ـ أي تشبيه الزوج لها بأمه في الحرمة ـ قال تعالى: ﴿ ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبه مؤمنة ﴾ النساء : 92. وجاء نحو هذا في اليمين والظهار.
ومن هذا النوع أيضًا: نذر الإنسان أن يعتق عبدًا تقربًا إلى الله تعالى، إذ يجب عليه الوفاء بالنذر التزامًا بما صدر منه مع أن أصل النذر مباح واختياري.
ومن ذلك أيضًا: المكاتبة، وهي: قبول السيد من رقيقه تحرير نفسه مقابل مبلغ من المال يدفعه إليه على أقساط فيجـب على المـالك الالتزام بـها وعتـق رقيقـه بموجبـها، مع أنهـا في الأصـل مباحة واختيـــارية، قــال الله تعــالى: ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا ﴾ النور : 33.
ومن ذلك أيضًا: التدبير، وهو: وعد السيد رقيقه بأن يُمنح الحرية بعد وفاته، فإذا مات السيد صار الرَّقيق حرًا على سبيل الوجوب الشرعي الذي ليس له ردّ، مع أن الأصل في التدبير الإباحة والاختيار.
ومنه أيضًا: ما كان سببه احتراما لحكم الشرع المراعي للفطرة البشرية السوية، من مثل ما يعرف بالاستيلاد، وهو: ولادة الأَمة ولدًا من سيدها، حيث تصبح حرة بعد موت سيدها، ومن مثل: ما يعرف بملك المحارم، وهو: تحرر الرقيق بمجرد أن يملكه محرمه، كمن ملك خالته أو عمته، فإنهما تُصبحان حرتين بمجرد تملكه لهما.
ومن هذا النوع الأول أيضًا: العتق بإساءة المعاملة، حيث يحق للمحاكم إجبار السيد على تحرير رقيقه إذا جوّعه أو عذّبه أو أضرّ به.

أما النوع الثاني الذي تبناه الإسلام للتخلّص من الرق، فهو: دعوته المسلمين إلى التقرب إلى الله تعالى بعتق الرقيق استحبابًا وإنسانية ورفقًا بهم، وتمكينًا لهم من التصرف بأنفسهم كما يشاؤون ليعيشوا أحرارًا كبقية الناس، قال النبي ³: ( أيّما رجل أعتق امرأً مسلمًا، استنقذ الله بكل عضو منه، عضوًا منه من النار ). و( أيما امرئ مسلم، أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فِكاكه من النار ). قال سعيد بن مرجانه: فسمع بهذا الحديث علي بن الحسين، وكان له عبد أُعطي فيه ـ أي دفع له فيه ـ ألف دينار ـ وكانت الدنانير من ذهب ـ فأعتقه ولم يبعه.
كما دعا الإسلام إلى بذل أموال الزكاة في عتق الرقيق وتحريرهم ومنحهم حق الحياة الكريمة، قال الله تعالى: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ﴾ التوبة :60.
وفي مواقف أخرى دعا النبي ³ إلى تحرير الرَّقيق اعتذارًا لهم عما يقع عليهم من سوء معاملة، قال النبي ³: ( من لطم مملوكًا له أو ضربه، فكفارته أن يُعتقه ).
هذا منهج الإسلام وهذه تعاليمه في احترام حياة الرقيق ومنحهم حقوق الإنسان والسعي في تحريرهم، وقد اهتم الرسول محمد ³ بحال الأرقّاء وهو في غمرات الموت، فقد كان آخر كلامه وهو يودّْع الدنيا في مرضه الذي توفي فيه: ( الصلاة، وما ملكت أيمانكم ). فمازال يقولها حتى ما يفيض لسانه، أي توقف لسانه عن الحركة.
***

براوْن، جون (1800-1859م).
أمريكي عُدَّ متطرفًا بسبب دعوته إلى إلغاء تجارة الرقيق. كلَّفت دعوته كثيرًا من الأرواح نتيحة دفاعه المستميت عن العبيد. كما مهدت محاولاته هذه لوقوع الحرب الأمريكية الأهلية بطريقة غير مباشرة وذلك في الفترة (1861-1865م). أبحر أسلافه إلى أمريكا في أوائل فترة الاستعمار. ولد في تورينجتون بولاية كونكتيكت، بالولايات المتحدة الأمريكية، وعاش مرحلة طفولته في ولاية أوهايو. بلغ عدد أولاده 20 طفلاً من زواجه مرتين. قام بكثير من الأعمال المتعددة وكانت له تجارب تجارية متعددة غير ناجحة. وعاشت أسرته حياة غير مستقرة.

براون وإلغاء الرِّق.
كره براون منذ صباه الاستعباد، وساعد العبيد المشردين في الهروب إلى كندا. عاش في سبرينجفيلد، بولاية ماساشوسيتس في الفترة ما بين عامي 1846 و1849م. بعد تركه سبرينجفيلد كوَّن منظمة من العبيد لحمايتهم من عصابات الخطف. انتقل عام 1849م إلى شمال إيلبا بنيويورك في منطقة مليئة بالسود حيث دُفن براون بعد وفاته.
استقر خمسة من أولاده في ولاية كِنْساس ووسعوا فيها نشاطهم لكي لا تتحول هذه الولاية إلى ولاية عبيد. هاجم براون المؤيدين للاستعباد وتجارة الرقيق وأحرق مدينة لورانس. بعد يومين من هذه الحادثة، قاد براون حملة إلى خليج بوتاوتومي، وهناك قام رجاله بقتل خمسة من مؤيدي الاسترقاق الأصليين بأسلوب وحشي. حدثت عدة معارك دموية صغيرة بين الولايات الخالية من العبيد والمؤيدين الاسترقاق. اشتهر براون بلقب براون أوسواتومي القديم، وذلك بعد دفاعه عن أوسواتومي نتيجة للهجوم الذي شنَّه عليها مؤيدو الاسترقاق عام 1856م.

مَعْبر هاربر.
فكر براون في شن هجوم على الجنوب، وبدأ في جمع الأسلحة والرجال لهذا الهدف عام 1857م. وبالرغم من انتهاك براون للمبادئ والقوانين إلا أنه تلقى التأييد العاطفي والمساعدة من البعض. لم يكن الأفراد الذين قاموا بمساعدة براون ملمِّين بخطته التي أُعدَّت لغزو مستودع الأسلحة والذخيرة الحربية بالولايات المتحدة. وعند معبر هاربر، بفرجينيا (وهي الآن غربي فرجينيا)، بدأ براون تنفيذ خططه وعمليات المشاغبة محتميًا بالجبال لتشجيع العبيد على التمرد والثورة.
تمكن براون و18 من تابعيه من الاستيلاء على مستودع الأسلحة في 17 أكتوبر عام 1859م ولكنه فشل في الهرب. حاصر الجيش المحلي براون ورجاله، وقامت قوة بقيادة الكولونيل روبرت بالهجوم على الحصن وفتحه بالقوة، واستسلم براون للسلطات لمحاكمته، بعد أن تصرّف بشجاعة وذكاء. وقد أجرى الشماليون عدة محاولات لإنقاذه واعتباره غير مذنب. ولكنه أُدين وأُعدم في 2 ديسمبر من العام نفسه. وعندما بدأت الحرب الأهلية الأمريكية تغنَّت قوات الاتحاد بهذه الكلمات تخليدًا لذكراه، فكانوا يقولون:
"جسد جون براون يتحلل في القبر، ولكن روحه لازالت تخطو إلى الأمام".

قوانين الرقيق الهارب
سنت لإعادة العبيد الفارين من أي ولاية أمريكية إلى أخرى. فقد خولت مادة في قانون إقليم نورثوست لعام 1787م إعادة الرقيق الهارب من إقليم نورثوست الحر. وفي عام 1793م وافق الكونجرس الأمريكي على قانون الرقيق الهارب الذي سمح للملاك باستعادة عبيدهم بمجرد تقديم إثبات ملكيتهم أمام قاض. وكان يستصدر بعد ذلك أمر للقبض وإعادة الرقيق الهارب الذين لم يسمح لهم في المحاكم بمحلفين أو الحق في تقديم بينة لصالحهم. وبناءً على هذا القانون كان يخطف أحيانًا بعض السود الأحرار من الشمال ويؤخذون رقيقًا في الجنوب. ولهذا السبب أصدرت بعض الولايات الشمالية أمرًا بعدم المساعدة في إعادة الرقيق الهارب.
فرضت تسوية عام 1850م عقوبات شديدة على الذين يساعدون الرقيق على الهروب أو يتدخلون لاستعادتهم. وأصدرت بعض الولايات الشمالية قوانين الحرية الشخصية التي منعت أحيانًا موظفي الولاية والمناطق المحلية من الالتزام بقوانين الرقيق الهارب.


مصدر الملحق :

http://www.mawsoah.net/theme0/images/water_logo.gif
الموسوعة العربية العالمية
الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Reserved



الساعة الآن 12:09 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.