المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرمزية في النصوص الأدبية


صبا
28-01-2010, 10:56 PM
أسرد هنا أقول عدة عن ماهية الرمزية وحقيقتها لأقوال بعض النقاد في عصرنا الراهن"
الرمزية قضية باتت تشغل عقول كثير من الناقدين نظرا لظهور كتابات كثيرة تسيء بشكل أو آخر لمفهوم الرمز من حيث وظيفته الرئيسة التي تتمثل في الإيحاء، أي التعبير غير المباشر، عن النواحي النفسية المستترة التي لا تقوى اللغة على أدائها أو لا يراد التعبير عنها مباشرة.
1/يتحدث أحد الدكاترة *النقاد في العصر الحالي عن حقيقة الرمزية قائلا:" تحدث الدرس السيميولوجي عن الرمز اللغوي في الكلام ونبه إلى قيمته، فاللغة عند علماء اللغة تنقسم إلى مستويين، اللغة وهي نظام مجرد، والكلام وهو تحقق للغة، لذا فالمعتمد عليه هو الكلام، وهو قائم على النظام السيميائي، أي على وجود علامات "دوال" وهذه الدوال هي بمثابة رموز تتعارف عليها أمة اللسان الواحد، وهذه الرموز هي المفتاح التواصلي بين أفراد هذه الأمة، فحين يسمح هذا النظام بالتواصل والتفاهم بين الناس فإنه يتحقق للغة مستواها الوظيفي -المعجمي- بحيث يكون لكلّ دالّ لغوي مدلوله المحدد. ونقصد بالمستوى المعجمي أي أن الكلام لا يتجاوز الأبعاد المعجمية للدوال المتعارف عليها بين أبناء اللسان الواحد، وهو ما يطلق عليه "درجة الصفر"، إلا أن هذا لا ينطبق على المستوى الشعري، فالمستوى الشعري يجب أن يتجاوز هذه الأبعاد من خلال الإيحاء المنوط بالحدس، وحين يتجاوز الشعر هذه الأبعاد فإنه في الوقت نفسه يتجاوز الدلالات الجاهزة المألوفة بين الناس، ومن هنا كان الفرق بين الرمز اللغوي والرمز الشعري، بين الكتابة في درجة الصفر وبين الكتابة ما فوق درجة الصفر. إلا أن القضية التي يجب أن تطرح هي مدى العلاقة بين الرمز اللغوي والرمز الشعري، أي بين الدلالتين اللغوية والشعرية، فالرمز الشعري حين ينطلق في سياقه إلى مسافات دلالية من الترميز يجب عليه ألا ينبتّ عن الدلالة المعجمية أو يلغيها، لأنه يحدث قطيعة بينه وبين المتلقي ويؤدي إلى الإبهام والتعمية، ويصبح الرمز عائما فاقدا لأي خصوصية تضبط المقصدية التي يحملها، ولذا سيكون من الصعب الاطمئنان إلى تأويل الرموز في النص، وتحميلها قضايا ومواقف معينة، وإذا ما حاولنا ذلك سيكون عملنا هذا بمثابة "ليّ عُنُق النص"، لذا لا بدّ أن تظلّ العلاقة بين الدلالة المعجمية والدلالة الشعرية قائمة مهما أوغل الشاعر في الترميز، لأن الدلالة المعجمية هي الخيط الذي يقود إلى الدلالة الشعرية. فكما أن الرمز اللغوي وحده لا يقدّم شيئا، ولا يمنح نفسه زيادة أو نقصانا في الدلالة، فكذلك الرمز الشعري لا يمكنه أن يكشف عن دلالته الشعرية وهو منبتّ عن العلاقة بدلالته المعجمية، ومن هنا كان الإبهام والتعمية عند بعض الشعراء، خاصة عند شعراء قصيدة النثر، بسبب قطع العلاقة بين الدلالتين في السياق الشعري. وقد قصدت الإبهام هنا وليس الغموض، إذ إن الغموض سمة أساسية في الفن بشكل عام، ولولا الغموض الذي يفتح للمتلقي الباب على مصراعيه من التأويلات في النص الشعري الحديث، لما كان للنص أية قيمة حقيقية، لأن النص المباشر الذي يستدعي الدلالات المعجمية وحدها هو نصّ آني مستهلك. ومن جانب آخر لا بدّ للشاعر أن يشحن رمزه بالمشاعر الخاصة لموقفه الشعري. فالرمز ليس صورة دلالية ثابتة في كل السياقات الشعرية، إذ إن "الليل"، على سبيل المثال، ليس بالضرورة أن يرمز إلى الظلم والقهر... وغيرها من الدلالات التي تظهره عنصرا سلبيا، فلابدّ من شحنه بالمشاعر الخاصة والأبعاد النفسية التي تشي بهذه الدلالة في السياق الشعري "فالقوة في أيّ استخدام خاص للرمز لا تعتمد على الرمز نفسه بمقدار ما تعتمد على السياق". ولعلني أقول أخيرا إن اللغة الشعرية هي -كما قيل- عقد شراكة ولا يمكن فسخ الشراكة من طرف واحد.
ــــــــــ
"بتصرف"
* من مقالات الدكتور الفاضل حمود الدغيشي رئيس قسم اللغة العربية وآدابها.

"تحية طيبة ودعوة ثقافية إلى كل مهتم للنقاش النقدي "
من هنا نلاحظ عدم فهم الكثير للشعر الحر في وقتنا الراهن

<*papillon*>
29-01-2010, 02:59 AM
شكرا لك أخي صبا على اختيارك لهذا الموضوع
فكثيرا ما يقع اللبس في تصنيف النص
ومن هنا تبدأ الصورة تتضح رويدا رويدا

اللغة رمز للعالم الخارجي، وللعالم النفسي غير المحسوس لما هو معهود أصلاً عند الإنسان، فعندما أقول ـ على سبيل المثال ـ نخلة يتبادر إلى ذهنك رأساً تلك الشجرة السامقة العالية ذات العسب المرخية، وهذه اللفظة اللغوية تنوب في الدلالة وفي أداء المقصود فيما لو أخذت بيدك وأطلعتك عليها عياناً مكتفيا بالإشارة دون النطق، وحينما أقول: عاطفة يتبادر إلى ذهنك ذلك الشعور الخفي الذي يأخذ بمجامع قلبك من حب.. أو غيرة.. أو كره، واللغة لهذا السبب يسرت أمامنا سبل التفاهم وأوجزتها، ولكن لابد من فهم الدلالات والمعاني التي ترمز إليها الكلمات، وإلا لاحتجنا في فهمها إلى وسائل ـ كالمعاجم ـ مثلاً.
والرمزية لم تظهر مذهباً أدبياً إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن الباحث يجد لها بذوراً وأصولاً موغلة في القدم، ويذهب "الدكتور محمد مندور(2)، إلى أن الرمزية تستند بعض الشيء إلى "مثالية" أفلاطون، ومن مذهب المثالية الأفلاطونية هذه إنكار الحقائق المحسوسة للأشياء، وليست ـ في حقيقتها ـ إلا رموزاً للحقائق المثالية البعيدة عن عالمنا المحسوس.
دون ان ننسى ذكر أن الدراسات الفلسفية والنفسية العميقة السائدة في أوروبا وجو الصراع الفكري الأدبي بين المذاهب الأدبية كل ذلك قد هيأ الجو الملائم لظهور الرمزية.

وللرمزية في حقل الأدب ـ ولا سيما الشعر ـ رواد كثيرون، يأتي في مقدمتهم الشاعر الفرنسي شارل بودلير "1821 ـ 1867م" ، وقد كان في مبدأ حياته الأدبية معجباً بمدرسة "الفن للفن" ومن أنصارها المتحمسين، ويرى رائدها تيوفيل جوتييه أستاذاً وموجها. ومن روادها الشاعر بول فيرلين "1844 ـ 1896م"، ورامبو "1854 ـ 1891" ، ومالارميه "1842ـ 1898م" ، وتدعو هذه المدرسة الرمزية إلى الاهتمام بالموسيقى اللفظية في الشعر، فلابد من العناية بالصورة الشعرية عناية فائقة، حتى تستطيع أن تستشف منها معاني الجمال.
واللغة الشعرية ـ نفسها ـ ما هي إلا وسيلة إيحاء توحي بالخواطر والمشاعر والأحاسيس والرؤى والأحلام والحالات النفسية من الكاتب إلى القارئ، إذ اللغة ـ في نظر الرمزيين ـ قاصرة وعاجزة عن أن تنقل لنا حقائق الأشياء، وبالتالي ليست بوسيلة لنقل المعاني المحددة، أو الصور المرسومة الأبعاد، ولابد من أن تبدأ الصور التعبيرية من الأشياء المادية المحسوسة ليستوحى ظلالها وأثرها العميق في النفس وفي منطقة اللاشعور، أو العقل الباطن، وهي منطقة لا يدركها العقل الواعي ولا يسلم بها، ولا تبرز مخزوناتها إلا في الأحلام، وأحلام اليقظة، وفي حالات التنويم المغناطيسي، وفي هذا المجال تصير اللغة الشعرية رمزاً لا تعبيراً ، وعملية إيحاء لشتى الصور والأخيلة، وفي منطقة اللاشعور لا تهتم بالعالم الخارجي إلا بمقدار ما تتمثله وتتخذه منافذ للخلجات النفسية الدقيقة التي يصعب التعبير عنها.
ولابد لتكامل عملية الإيحاء للصور من اللجوء إلى ما يسمى بـ "تراسل الحواس"، أي أن تستعير حاسة وظيفة أو صفة حاسة أخرى، فتعطي المسموعات ألواناً، والمشمومات أنغاما، وتصبح المرئيات عاطرة، ويشم الأنف من الورد الأصفر نغماً حزيناً، ومن هذا القبيل قول الشاعر علي الجارم "1881 ـ 1949م" :
أسوانُ تعرفُهُ إذا اختلطَ الدجى
بالنبرةِ السوداءِ في أنَّاتِهِ(3)
وصف النبرة وهي صوت بالسواد وهو لون، ولا شك أن وصف النبرة بالسواد في هذا المقام أقدر على الإيحاء بالجو النفسي الذي يحسه الشاعر ويريد أن ينقله إلينا(4).
ولا شك أن تقارض الحواس لصفاتها فيما بينها يساعد كثيراً على نقل الأثر النفسي، وبما يفتحه أمام القارئ من عالم التخيل، والتصور، وممن دعا إلى الاستعانة بتراسل الحواس لكمال التعبير بالصور الشاعر الفرنسي بودلير في قصيدته التي عنوانها "تراسل"، وفيها يقول(5): "الطبيعة ذات دعائم حية، وأحياناً تنطق هذه الدعائم، ولكنها لا تفصح، ويجوس المرء منها في غابات من رموز تلحظه بنظرات أليفة، وتتجاوب الروائح والألوان والأصوات كأنها أصداء طويلة مختلطة آتية من بعيد، لتؤلف وحدة عميقة المعنى، مظلمة الأرجاء، رحيبة كالليل أو كالضوء".
فتبادل الحواس لصفاتها يجعل من العالم الواقعي مثالياً صوريا تتمازج فيه الخيالات مع الحقائق.
والرمزيون ـ بالإضافة إلى هذا ـ يمقتون في الصورة الأدبية اللهجة البيانية الخطابية بأساليبها الواضحة المشرقة ذات المعنى الظاهر؛ لأنهم يريدون الغوص والتعمق في تصوير المعاني المستعصية على التعبير القابعة في خفايا النفس وأعماق الضمير(6)، ويرون أنه لابد من إضفاء شيء من الغموض والخفاء والإبهام على الصورة الشعرية لتتوافر أمام القارئ فرصة التأمل والتفكير؛ ليستوحي من الصورة معاني وخواطر جديدة، إذ إن الوضوح لا يترك للقارئ فرصة إعمال الذهن وكد العقل، ويزيل ما في الصورة من جمال ولذة وفائدة، بالإضافة إلى أن اللغة فيها شيء من القصور عن أن تنقل لنا المعاني المحددة والأجواء النفسية فيما لو أردنا إبرازها والتعبير عنها، على أنه لابد أن يكون في هذا الغموض والخفاء شيء من الإيحاء وانثيال الخواطر، لا أن يكونا من نوع الأحاجي والألغاز، ولعل هذا ما يعبر عنه الشاعر بول "فرلين" في قوله : "أحب شيء إليّ هو الأغنية السكرى، حيث يجتمع المحدد الواضح بالمبهم اللامحدود"، ويقول أيضاً تتمة لهذا المعنى: "الأهمية الأولى للظلال لا للألوان، كما تتراءى العيون الساحرة من خلف النقاب"، فعبر بالظلال عن الصور الشعرية الغامضة الموحية، وبالألوان عن الصور الشعرية الواضحة.
يضاف إلى ذلك أن الرمزيين يعنون بصياغة الصور الشعرية المهموسة المشوبة بالغموض، ويتأنقون في اختيار الألفاظ الموحية المشعة المصورة، بحيث توحي اللفظة بأجواء نفسية خاصة وانفعالات عاطفية رحيبة، فمثلاً لفظة الربيع توحي لك بمنظر المياه الدافقة والخضرة اليانعة والأشجار المورقة الباسقة، وتسمعك خرير الماء، وزقزقة العصافير، وتغريد البلابل، وصدح العنادل، وتشعرك بالمتعة والانبساط والارتياح وانشراح النفس ونقاوة الضمير.
ولهذا لا يسمى الشعر ـ عند الرمزيين شعراً ـ إلا إذا كان غامضاً مبهما موحيا شافا عن أجواء نفسية غريبة متنوعة.
ولعلنا نستطيع أن نلم بمنهج الرمزية إذا رددنا النظر في قصائد الرمزيين، وأورد فيما يلي قصيدة للشاعر الفرنسي الرمزي "ستيفان مالارميه" ، وفيها يقول(7):
"لقد طرد الربيعُ الشاحب في حزن
الشتاء ـ فصل الفن الهادئ ـ الشتاء الضاحي
وفي جسمي الذي يسيطر عليه الدم القاتم
يتمطى العجز في تثاؤب طويل
إن شفقا أبيض يبرد تحت جمجمتي
التي تعصبها حلقة من حديد وكأنها قبر قديم
وأهيم حزينا خلف حلم غامض جميل
خلال الحقول التي يزدهر فيها عصير لا نهاية له
ثم آخر منهوك العصب بعطر الأشجار
وأحفر برأسي قبراً لحلمي
وأعض الأرض الساخنة التي تنبت النرجس
ومع ذلك فزرقة السماء تبتسم فوق سياج الشجر المستيقظ
حيث ترفرف العصافير كالزهر في ضوء الشمس" .
يعبر لنا في هذه القصيدة عن الحالة النفسية التي يعيشها بسبب المال الذي أنهكه، والسأم الذي يكظم جوانحه، ويقتنص من مظاهر الطبيعة صوراً رمزية توحي لنا بحالته النفسية. والشعر فيه شيء من غموض، ولكنه غموض يوحي لقارئه بإدراك المعنى والجو النفسي الذي يعيشه الشاعر، وليس بغموض أولئك الشعراء الناشئين المقلدين الذين يتنطعون ويتقعرون، ويجعلون من ذلك الغموض شيئاً أشبه بالألغاز حتى هم أنفسهم لا يدركون معناها، وإنما يقصدوها ستراً لعجزهم وإيهاماً للناس بشاعريتهم.
وبعد هذا كله ربما يتبادر إلى ذهن القارئ أن الرمزية لم تظهر إلا في الشعر، والشعراء وحدهم هم الذين اهتموا بها نظراً لما فيها من الغموض الذي بطبعه يناسب الشعر، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن الرمزية لم تقتصر علي الشعر الغنائي الذاتي فحسب، وإنما تعدته إلى الأدب الموضوعي الذي يهتم بالمشاكل الإنسانية، والأخلاق الاجتماعية العامة، تعالجها بوساطة الأخيلة والصور، ولكن يجب ألا يغرب عن البال أن الرمزية لا تأخذ نفسها في معالجة هذه المشاكل والأخلاق وتحليلها ونقدها كما في الكلاسيكية ـ مثلاً ـ بل تأخذ في تجسيم الأفكار النظرية المجردة، وإلباسها شيئاً من الحوادث والأفعال، لتصبح ديناميكية متحركة، ونلمح من خلالها الحقائق الفلسفية والخلقية.
وكثيراً ما يلجأ الرمزيون في علاج هذه الموضوعات إلى الأساطير القديمة، بل إنهم ينحون نحوها في ابتكارهم للحوادث والأعمال عند عرض أو مناقشة قضية إنسانية عامة، كما يلاحظ ذلك في القصص والمسرحيات التي ابتكرها الرمزيون من أخيلتهم كمسرحية "الأشباح" لأبسن، ومسحية "صفقة الشيطان" لجيروم، وقد مثلت الأخيرة في دار الأوبرا المصرية سنة 1945م، وتعرض المسرحية الأولى من خلال الوقائع مشكلة إنسانية لم يبت فيها أحد وهي مشكلة توارث الخطيئة، على نحو يكاد يكون عضوياً لا دخل للوعي ولا للإرادة فيه، إذ ترى في هذه المأساة أبا يفسق بخادمته ثم يرث ابنه منه هذه الخطيئة، فيهم هو الآخر بأن يفسق بخادمته على الرغم من أنه لم يعش في جو أسرته ولم يعش في جو الخطيئة، بل أرسلته أمه بعيدا عن المحيط الملوث ليتعلم ويتثقف، ولكنه هَمَّ بفعلته تلك بعد عودته، فكأنها غريزة فيه وصفة فطرية ورثها من والده لا يستطيع عنها فكاكاً.
وتصور المسرحية الثانية قضية صفقة تجارية يجريها شيخ شرير مع شاب خير، فيتبادل كل منهما روح صاحبه، ولكن كلا من الروحين لا يستقر في جسم الآخر، فكأن هناك تلازما بين الجسم والروح.
وقد أخذت الرمزية ـ كمذهب أدبي ـ تغزو الأدب العربي المعاصر، ولكن قبل أن نلم بهذه القضية يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل عرف الأدب العربي القديم الرمزية ولو في شكل من الأشكال أو أسلوب من الأساليب ؟ وجواباً على هذا السؤال يقال دون تحفظ أن الأدب العربي القديم لم يعرف الرمزية كما هي عند بودلير وإدجار ألان بو، ومالارميه، ولكنه عرف الرمزية في أسلوب الكناية، وهناك علاقة وثيقة بين الرمزية الحديثة والكناية، الكناية التي نعرفها في علم البيان، وهو أحد علوم ثلاثة في البلاغة العربية، ولكن لن أدخل في تعريف الكناية لغة واصطلاحاً وعلاقة اللازمية والملزومية، والقرينة وأقسام الكناية، فكل هذا مبسوط موضح في كتب البلاغة، وإنما يعنيني أن أورد بعضا من أمثلة الكناية، لننظر إلى أي حد يمكن لها أن تكون صورا رمزية أو قريبة منها في الإيحاء، عندما أقول: "فتى رياضي" فإنني هنا أكني عنه بأنه ذو قوة وعضلات مشدودة، ولو وضعت لفظة "أرمز" بدل أكني، لاستقام المعنى واستقامت الدلالة.
وحينما يقول العربي "قلبت له ظهر المجن" ـ والمجن هو الترس الذي يستتر به المحارب من وقع السهام والرماح ـ فإن هذا التعبير رمز أو كناية عن تغير المودة. وحينما يقول الغربي "ذاب بينهم الجليد" ، فإن ذلك التعبير رمز أو كناية عن رجوع أواصر المحبة أو علاقات التعاون بعد أن كانت مقطوعة. بل إن في الكناية قسما يسمونه "الرمز"، وكثيرا ما يمثل له البيانيون بقول العرب: "فلان عريض الوسادة" ، يرمزون إلى بلاهته وبلادته، إذ يترتب على عرض الوسادة عرض القفا، ويعتقد العرب أن عريض قفا الرأس يكون ـ عادة ـ بليداً، كما أن واسع الجبين عريضه يكون ـ عادة ـ نابها ألمعيا ذكيا. وحينما يقول مالارميه "إن شفقا أبيض يبرد تحت جمجمتي" ، فإنه يكني عن المخ، ويرمز إليه، والكناية هنا عن موصوف.
فالكناية رمز يأتي في صور قصيرة موجزة، مثل هذه الأمثلة. ولم تتخذ الكناية شكلا أدبيا أو موضوعيا كما في الرمزية الحديثة، ولكنها تدل على أن الذهن العربي ولود مفكر سبق الغرب في أشياء كثيرة.
أما الرمزية الحديثة فدخلت الأدب العربي الحديث عن طريق لبنان، ولبنان دائما هو السباق في الأخذ عن الغرب فيما يتصل بالأدب والفكر، وفيما يتصل بعالم الأزياء والموضات بحكم اتصاله بالغرب، وبحكم موقعه، وبحكم إجادة أهله للغات الغرب، وبخاصة لغة الفرنسيين، والفرنسيون لديهم معامل تنتج المذاهب والمدارس في الفكر والأدب والأزياء والأطرزة والموضات، ولا يكاد يجاريهم أحد من الأوروبيين والأمريكيين.
فلا عجب إذاً أن تظهر الرمزية في شعر اللبنانيين قبل أي قطر عربي آخر، ولا عجب أن يكون لها رواد كثيرون هم من شعراء لبنان، منهم على سبيل المثال، بشر فارس، وألبير أديب صاحب مجلة الأديب، وأديب مظهر، وخليل شيبوب، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ولنزار قباني بعض قصائد رمزية، ولكن فيها شيئا من الوضوح، ويلاحظ الدارس لشعر هؤلاء أنهم تأثروا إلى حد كبير في شعرهم بمعطيات الرمزية وتعاليمها واتجاهاتها، ووقفوا على آثارها في لغاتها الحية، واستطاعوا بكل سهولة أن يضمونها شعرهم، ونورد فيما يلي بعض أمثلة من الشعر الرمزي العربي من ذلك قصيدة مرسلة للأستاذ ألبير أديب بعنوان حياتنا.. يقول فيها(8):
حياتنا شباب وفكر أخضر
وعواطف من عمل الربيع
وقلوب من ندى الفجر
نجمعها ونغسل بها أرض الأزقة
أو نروي رمال الصحراء
ثم هي ليلة وضحاها
فإذا الزوبعة تذهب بنا
فنأخذ معنا كل أحلامنا وأمانينا
ونحن على قدم من الهاوية أو أقل
مازلنا نؤسس، ونبني، ونقيم
فما أسخفنا..!
لا نجعل أيامنا ابتسامة
ونقيم علينا ربا
يعرف كيف يجعلنا نبتسم
حتى لأنفسنا
شعر فيه شفافية وفيه شيء من غموض ومن إيحاء ولكنه غير عميق، فيه شيء مما يسمى بـ "تراسل الحواس" عند الرمزيين، وصف الفكر بالاخضرار، وعواطف من عمل الربيع، وقلوب من ندى الفجر.
ومن ذلك قصيدة للشاعر أديب مظهر بعنوان "نشيد السكون".
وفيما يبدو أن أكثر الشعراء الشباب ينصرفون الآن إلى معالجة الشعر الرمزي، ولكن أكثر إنتاجهم من هذا الشعر يبدو مجرداً عاريا من معطيات الرمزية وتعاليمها، بل إن بعض القصائد لا يأخذ من الرمزية إلا غموضها، ولكنه في أغلب الأحايين غموض يطمس المعنى، ولا تكاد تدركه إلا إذا كان فكرك أشعة رونتجن.
ولا ريب في أن معالجة الشعر الرمزي الجيد تحتاج إلى مهارة فائقة وموهبة مسعفة وقريحة وقادة، وقبل كل شيء دراسة واعية متعمقة، وإذا لم يطبق شيء من ذلك، فسنعيش مع شعرنا الجديد في عالم مفعم بالألغاز والأحاجي والصور الشعرية الضحلة.

المصادر:
1 ـ الأدب ومذاهبه : 108 ـ 131.
2 ـ معالم النقد الأدبي : 179 ـ 182 .
3 ـ الإسلامية والمذاهب الأدبية : 113 ـ 114.
4 ـ النقد الأدبي الحديث : 419 ـ 424.
5 ـ دفاع عن البلاغة : 170 ـ 176.
6 ـ نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد : 66 ـ 71.

صبا
29-01-2010, 11:34 PM
أختي الغالية الفراشة
أشكرك على المعلومات الثرية فقراءتها مرة واحدة لا يكفي
ولهذا لا يسمى الشعر ـ عند الرمزيين شعراً ـ إلا إذا كان غامضاً مبهما موحيا شافا عن أجواء نفسية غريبة متنوعة.

وفي هذه أختلف الكثير من النقاد سأعود لهذا مرة أخرى.

<*papillon*>
30-01-2010, 12:30 AM
أشكر لك قراءتك أختي الكريمة
لك أن تتفقي مع النقاد وأن تختلفي عنهم
فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية
أنتظر عودتك حتى نستفيد

تقبلي تقديري واحترامي
وشكري
الفراشة

عبدالله الفالح
31-01-2010, 12:15 AM
صبا
السلام عليكم ,
هذا بحث رائع , في الرمزية , التي يجب الا تجنح بنا نحو الغموض المبهم الذي يعتمده أدونيس ( ألذي لا تحبونه ) .
شكرا .

صبا
31-01-2010, 09:27 AM
صبا
السلام عليكم ,
هذا بحث رائع , في الرمزية , التي يجب الا تجنح بنا نحو الغموض المبهم الذي يعتمده أدونيس ( ألذي لا تحبونه ) .
شكرا .
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة
أدونيس خاض في الغموض والإبهام لدرجة أن الكثير لم يستطع فهم قوله.

قرأت عنه مساء أمس في كتاب "شعرنا القديم والنقد الجديد" لدكتور أحمد وهب رومية وهو يتحدث عن الثقافة العربية ويمثل الخنوع الجاثم المستسلم فوق أرواح الناس وقلوبهم ونفوسهم ويكشف في نفس الوقت غربة المثقف في هذا العصر بأبيات نالت الاستحسان:
لا أحد يعرف أين الباب؟
لا أحد يسأل أين الباب؟
هذا السؤال يعبر عن أحساس صادق عميق بالمشكلة ويمثل نصف الطريق إلى المعرفة أو الحل ,فأين الباب يا ترى؟؟
لا نكثر الحديث عن الثقافة العربية وأين مصيرها لنطرحها في موضوع آخر نقف على أبعاده وينال حقه.

هدانا الله وأدونيس

صبا
31-01-2010, 10:05 AM
أما د. سعيد الظفري والذي يقول بهذا الصدد: الرمز في الشعر العربي بمثابة "أحد وجوه الإبداع الفني، فهو أسلوب من أساليب التعبير التي يلجأ إليها الشاعر في مواطن مختلفة من قصيدته، ومن ثم فإن الرمزية يجب أن تبقى في إطار التعبير الجمالي الذي يوحي من خلاله الشاعر لقارئ قصيدته بمعنى قد يصعب عليه الإفصاح به، تلك الصعوبة التي في الغالب لا تعكس عجز شاعرية الشاعر، وإنما تعكس قيدا اجتماعيا أو نفسيا أو سياسيا وضع على حبر الشاعر دون أن يرضى الشاعر، وقد يحس الشاعر أنه من دون استخدام الرمز إما أن يضع نفسه موضع المساءلة، أو أنه يعبر عن مقصوده بشكل مخل بمعناه، فيرى متنفسه في استخدام الرمز، وبالتالي فإنه يتجلى من خلال هذا الدافع، أن استخدام الرمز لا بد أن يضفي على القصيدة أبعادا جمالية يتذوقها القارئ، ويضفي على كلمات الشاعر متنفسا من خلاله يحقق مأربه في الصور الشعرية المستخدمة، أما عندما تطيش هذه الرمزية وتنحرف عن مقصدها فإنها تصبح كمواد مجهولة وضعت على طريق من يمشي، فهو لا يستطيع تجاهلها، ولكنه لا يعرف محتواها هل هي تضره أم تنفعه، وهكذا تجد الأمر لدى من يميلون إلى الإغراق في الرمزية، يكاد القارئ البسيط بل والقارئ المتخصص لا ينعم بما يقرأ، فتجد معناه مقطوعا ومبتغاه مجهولا، فإما أن يتظاهر بفهم المعنى العام، وبالتالي تغيب قيمة الصور البيانية التي استخدمت والتي ضيعها الغموض، أو أنه يحجم عن فهم أي شي ويطرح القصيدة جانبا.
والناظر إلى الأدب العربي في مراحله المبكرة وفي فترات ازدهاره في العصور الإسلامية المختلفة، يجد أن شعراء العربية وظفوا الرمز أيما توظيف، ولكن لم يكن الرمز الذي استخدموه غريبا ولا غامضا، وإنما كان بمثابة قارب يبحر بفكر المتذوق للشعر في آفاق جمالية بليغة ومتناهية في البساطة والإتقان.
الغموض الموحي
....................
ونهاية قولي تظل الرمزية لها أسباب تجعلها ترقى بالفكر وتحث القاريء على البحث ليصل للحقيقة المبهمة لا الغموض المستعصي الذي يكهل الكاهل...

عبدالله الفالح
02-02-2010, 01:35 AM
السلام عليكم
تحياتي , وشكري على هذه الفوائد الجديدة

صبا
02-02-2010, 11:42 AM
السلام عليكم
تحياتي , وشكري على هذه الفوائد الجديدة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الشكر موصول
والتزود بالعلم غاية نسعى إليها

عبدالله الفالح
02-02-2010, 01:09 PM
السلام عليكم
بين الرمز والغموض والإبهام , أحيانا , حدود خطرة وغير مرئية , إذا عرف الشاعر أو الكاتب معالمها أتقن فنه
الشكر لله ثم لكم

صبا
02-02-2010, 01:17 PM
تلك ميزة في الأديب الجيد ,أما إذا أعطانا الشاعر أبياته مكشوفة المعنى والمضمون سنمر عليها مرور الكرام لعدم حاجتنا في الوقوف على ما خلف السطر أو ما خلف فكر الشاعر...

عبدالله الفالح
02-02-2010, 02:03 PM
بارك الله فيكم , ولكم , بما تفضل به عليكم .

سلطان sssالصبحي
10-03-2010, 11:26 PM
[SIZE="5"]تألق مدهش من صبا والفراشة

شكراً لهذا الكم من المعلومات عن الرمزية

وسأشارك في هذا المتصفح الجميل[





الشعر الرمزي من أنواع الشعر الذي عشقته

في بداياتي،وابحرت فيه وقرأت ماكتب عنه

وما الف فيه من قصائد .

وقد كتبت فيه العديد من القصائد التي ضاعت

كغيرها من شعر ،وقصّه.

ورغم ذلك وجدت قصيدتين..من هذا النوع في مذكراتي

مشبّعة بعواطف جيّاشه..ولغة..لم أتعّمد فيها الغموض كثيرا..

وأجدني بعد فترة من الإنجرار نحو هذا الفن

الاّ أنه يبقى بعيدا عن جمال لغتنا العربية التي

أحبها..وأذوب في كلماتها..وأعشقها ايمّا عشق

وللفائده حول هذا المسمى(الشعر الرمزي) انقل اليكم

ما جاء في المعجم الوسيط-الذي انصح بوجوده في مكتباتكم

"الرمز"الإيماء والإشاره. والعلامه..

في علم البيان:الكنّاية الخفّية

"الرمزية" الطريقة الرمزية:مذهب في الشعر

سأنشر لكم احدى القصائد لتّقربه من أذهانكم



وهذه قصيدة أخرى طبعاً من قصائدي الرمزية



في الزمن الأثيم

إحترق الربيع

والزهر يشكو من الصقيع

وعيون جاحظة..

وسهول جاعدة

جف لها صروف الدهر

الآم السنين

وقشرة الأرض يكسوها الجفاف

والرمال ليست ناعمة

باطن الأرض بركان يثور

قد حوى كنز ثمين

وثمار يانعة

سلطان sssالصبحي
10-03-2010, 11:30 PM
طبعاً مدارس الشعر عديدة لنذهب الى المدرسة الرومانسية


حينما نتحدث عن المدارس الأدبية، والفنية نوّد أن نوضح أنّ هذه المدارس

بدأت في الغرب،وتم وضع قواعدها،وأصولها هناك ثم انتقلت مع بداية

النهضة العربية إلى لبنان، وسوريا، ومصر، والعراق ثم انتشرت في بقية

دول العالم العربي..

وحقيقة نجد في الفنون التشكيلية مدارس كالواقعية، والتجريدية، والسريالية وغيرها

وهناك مدارس أدبية كثيرة، ومتعددة، ولكن ما يهمنا هي المدارس الشعرية

وأشهرها المدرسة الرومانتيكية(الرومانسية) والمدرسة النثرية،والمدرسة الرمزية

و مدارس الوزن والقافية، وشعر التفعيلة، الشعر الحر..

طبعاً الإطلاع على هذه المدارس مهم جداً لتشكيل هويّة الشاعر والكتابة

على أصول، وقواعد عالمية معترف بها..

سنتحدث أولاً عن المدرسة "الرومانتيكية" أي الرومانسية وأنقل لكم أهم ما

كتب في هذا الجانب ثم أحاول تلخيص هذه المذاهب الأدبية..

ونحن لايمكن أن نفهم دقائق هذه المدارس حتى نقرأ لها وخاصة لروادها

من الغرب،ورواد الحركات الشعرية في الشرق..

سلطان sssالصبحي
10-03-2010, 11:32 PM
إعداد"منار محمد المصيلحي"

الـمـدرســة الرومـانـتـيـكـيـة
نشـأتها ، وتطـورها ، وأهـم أعـلامـها
مـقـدمـة:

لكل مرحلة زمنية خصائص وملامح وحدود تميزها عن بقية المراحل و تفصلها عنها حتى وان تداخلت فيما بينها و أدى بعضها لنشوء بعض ، و الأدب كغيره له مراحله التي ينمو فيها تدريجيا والتي من خلالها نستطيع لمس هذا المبدأ ، وأوضح مثال يمكن ضربه هو المدارس الأدبية فالمدرسة الكلاسيكية وهي أول مذهب أدبي ، نشأ في أوروبا بعد الحركة العلمية والنهضة الأدبية التي سادت أوروبا إبان القرن الخامس عشر من الميلاد جاءت بعدها المدرسة الرومانسية تهدم مبادءها وتجدد في معتقداتها ، إن الموضوعية والبعد قدر المستطاع عن مشاعر الكاتب وأحاسيسه والاهتمام بالصياغة اللغوية وتمجيد العقل التي اشتهرت بها المدرسة الكلاسيكية أدى كل ذلك في النهاية لولادة المدرسة الرومانسية على الرغم من وجود أنصار كثر للمذهب الكلاسيكي كبوالو ، وديكارت ، وباسكال ، ولكن هذا لا يعني أن المدرسة الكلاسيكية لا يجوز إتباعها أو أن معتقداتها خاطئة ، إنما هو نقص في مدرسة يتممه نشوء مدرسة جديدة لها هي الأخرى أوجه نقص وأوجه جمال .. يقول المفكر : ألفريد دي موسيه . " لاحـقـيقـة سـوى الجـمال ، ولاجـمال بـدون حـقـيقة " إن الجمال وحده عند الرومانسيين هو مرآة الحقيقة التي يريدون والغاية التي يسعون اليها ، فالرومانتيكيون في أدبهم لاينشدون الحقيقة التي تواضع عليها الناس وأقرها المنطق السائد ، فالحقيقة التي ينشدها الكاتب الرومانتيكي ذات طابع ذاتي ، أسيرة لخيال الكاتب وعاطفته المشبوبة وتتبدى في ثوب جديد ثائر .

مفهوم المدرسة الرومانسية وبدايتها :

الرومانتيكية ، الرومانطيقية ، الرومانتية ، كلمات تؤدي الى معنى واحدا تنبع منه وهو الرومانسية ، وعند الوقوف على معنى محدد للحركة الرومانسية نجد ان الأدباء والمفكرين اختلفوا في ذلك ، إلا أنهم أجمعوا أنها مذهب أدبي أخذ في الظهور في أوروبا بعد قرن ونصف من ظهور الحركة الكلاسيكية ، وكانت تهدف إلى التخلص من سيطرة الآداب الإغريقية والرومانية، وبخاصة حينما بدأت أقطار أوروبا تأخذ نفسها نحو الاستقلال في اللغة والأدب والفكر والاستعداد لدخول عصر النهضة ... وتشتق الرومانسية من لفظة "رومانيوس" وهو لفظ سويسري أطلق على اللغات والآداب المتفرعة عن اللغة اللاتينية القديمة .

إن ما نادت به المدرسة الرومانسية وما قامت به من تغيير في بعض مبادئ وأركان المدرسة الكلاسيكية وهدمها للبعض الأخر جعل منها أهم حركة أدبية في تاريخ الأدب العالمي و أخطر مذهب أدبي عرفته الحياة الأدبية العالمية سواء في فلسفته العاطفية ومبادئه الإنسانية ، أم في آثاره الأدبية و الإجتماعية .

خصائص المدرسة الرومانتيكية:

بالبحث عن أهم خصائص هذه المدرسة نجد أن الأدب الرومانتيكي اتصف بعدة صفات أهمها : انه يجحد العقل ، ويتوج مكانه العاطفة والشعور ، ويسلم القياد للقلب . هو أدب ثورة وتحرر ، و عاطفة يكثر فيه الشعر الوجداني والافضاء بذات النفس في قوة تشي بطابع الفرد وتعبر عن آلامه فهو أدب ذاتي يشوبه عدم الرضا بالواقع ومحاولة التمرد عليه ، و التغني بالألم والهروب من الحياة المدنية والقلق على المجتمع ومايعج به من أحداث و الحزن الغالب على النفس في كل حال وبدون سبب و التمرد على عقلانية عصر التنوير ، كما اقترنت هذه الحركة بالحنين إلى الشرق ، هذا العالم الغريب الغامض المليء بالأسرار الذي وجد الرومانتيكيون في فروسيته ونورانية مشاعره وقودًا للخيال و مصدر خصب للتعبير عن العاطفة أوفر حرارة وحيوية من نور العقل والمادية وحب السلطة التي هام بها فلاسفة الغرب ...

الطبيعة في أدب الرومانتيكيين:

كانت النشوة بين أحضان الطبيعة هي طابع الرومانتيكيين فكانت مشغلة لعقولهم ، وجانباً هاماً من جوانب شخصياتهم ، وموضوعاً خصباً لفلسفتهم وكتاباتهم .لكن على الرغم من ذلك لم تكن فصول الطبيعة ومناظرها سواء عند الرومانتيكيين ، بل فضلوا بعضها على بعض ، فمن بين فصول السنة فضلوا فصل الخريف ، لا ليتغنوا بثماره أو ليسرحوا بخيالهم في جمال حقوله ويتأملوه كلوحة خلابة ، إنما ليتغنوا به كفصل تتجرد فيه الغصون من أوراقها بينما تعصف بها الريح ، ويقف نبض الحياة في الطبيعة .
وهذه المناظر توحي بالذبول والتحلل والفناء ، وتتجاوب مع المشاعر الحزينة للرومانتيكيين التي كانوا يهيمون بها و تسيطر على تفكير هم . و اتخذ الرومانتيكيين من الليل رمزا للانطلاق والتحرر ، لأن النهار تتجلى فيه الموجودات محددة المعالم ، وفي وجود مقيد ، لكن الليل يمحو هذه الحدود ، ويرفع ستار الأسرار عن النفس ، ويفضل الرومانتيكيون كذلك مناظر العواصف وأمواج البحر المترامية فهي قريبة من أنفسهم بما يصوره تلاطم الأمواج من تلاطم أفكارهم ومشاعرهم .

وإذا أردنا أن نصف علاقة الرومانسيين بالطبيعة يمكننا القول أنهم كانوا ينشدون فيها السلوان فيبثونها حزنهم ويناظرون بين مشاعرهم ومناظرها لأن لها صلات بخواطرهم ومصائرهم ، ويتخيلون في المخلوقات أرواحاً تحس مثلهم ، فتحب وتكره وتحلم ، فيشركونها مشاعرهم ولذا تجدهم يخاطبون الأشجار والنجوم والورود والصخور و أمواج البحار. ولا يختلي الرومانتيكيون في الطبيعة ليفكروا ويستخلصوا حجج أو يحلوا مشكلات ، و إنما ليحلموا ويستسلموا لمشاعرهم .


الكاتب الرومانتيكي :

الإنسان الرومانتيكي هو الانسان الرومانسي الذي تغلب عليه العاطفة ، الحالم ذو المزاج الشـاعري ، ،المنطوي على نفسه ،ثم امتد معناها إلى مايمثل شـبوب العاطفة ، والاستسلام للـمشاعر و أحاسـيس الـنفس و دفـقات الروح ، والكاتب الرومانتيكي هو شخصية رومانسية ذا نفس سريعة التأثر ، وعقل جسور مولع بالجري وراء المتناقضات ، وقلبه عامر بعواطف إنسانية عمادها الوطنية أو الحرية أو الحب القوي الذي يعلو بنفوس ذويه ، وسعيه للتميز عمن يحيطون به في خلقه وعاداته ومبادئه ، بل وفي ملابسه ولهجته جعل من أدبه مرآة لعكس لذلك التفرد وتلك الأصالة .

وفي وسط هذه المشاعر القوية نلمح نفس الرومانتيكي ثائرة لا تهدأ ، متوقدة لاتخمد ، ناقمة لا ترضى ، فقد تدعو إلى تحمل الوجود بآلامه في تسام عن الشكوى وترديد الآهات ، ولكن في اعتداد يدل على مايعاني من لواعج العذاب ... و يعتقد الرومانتيكيون أن الشاعر له عالمه الخاص به حيث تلعب التجارب دوراً أقل مما يقوم به الشعور الذاتي ، ويرى الرومانتيكي الألماني نوفاليس : أن " الشـعر تـمثيـل للشـعور ولـعالم الـنفـس واحاسـيـسـها فـي مـجـموعـه كلمات" .

وكلما كان الشعر فردياً وذا طابع محلي وصبغة حاضرة ذاتية كان أقرب إلى صميم الشعر الوجداني . وعند البحث سنجد ان كثير من الرومانتيكيون يعتصمون من الواقع بالانطواء على أنفسهم ونشدان مثال لهم ، فتتسع الهوة بينهم وبين الواقع وماينشدون من مثال . وقد يتعرضون لتحديد ذلك المثال الذي ينشدون، ولكن تحديدهم له يكون مكلل بالغموض وتعوزه العناصر المنطقية والعملية. وهذا ما يجعل منهم فريسة ألم مرير بسبب الجفوة بينهم وبين مجتمع لا يقدر ما فيهم من نبل الاحساس لذا كان الحزن طابع الرومانتيكين وهو حزن يدل على عزلتهم الروحية ونفورهم من المجتمع ، وقد يحلم الرومانتيكيون بمجتمع مثالي تنال فيه الحقوق دون بذل مجهود في أداء الواجبات .

وكان الرومانيكيون يؤمنون بالفرد ومشاعره وقريحته .. ويؤمن الكثير منهم بأن الإنسانية تسير قدماً إلى الأمام ، فأحلوا مثلهم الأعلى في المستقبل لا في الماضي ، وتحرروا من نير الآداب القديمة ، بما فرضت على الأديب من قواعد أو موضوعات رأوا فيها مساساً بحرية الكاتب وتقييداً لمواهبه ، وإن ظلوا مع ذلك لا يحقرون شأن تلك الآداب القديمة ، بل كانو يستوحون بعض معانيها وصورها ...

أبرز مفكريها وأدبائها الغربيين :

1. المفكر والأديب الفرنسي جان جاك روسو 1712-1788م
2. شاتو بريان 1768- 1848م
3. توماس جراي 1716-1770م
4. وليم بليك 1757-1827م
5. شيلي 1762-1822م
6. كيتس 1795-1821م
7. بايرون 1788-1824م.
8. جيته 1749-1832م الشاعر الألماني ، مؤلف رواية " آلام فارتر" و "وفاوست" التي تظهر الصراع بين الإنسان والشيطان .

الرومانتيكية في الأدب العربي :

و لم يكن العرب بعيدين كثيراً عن هذه المدرسة، فظهرت الحركة الرومانتيكية أولاً في سوريا، و تبعتها بقية بلاد الشام ، ثم واصلت هذه الحركة تقدمها إلى أن غزت العالم العربي بأجمعه و أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مسيرة الأدب العربي .
ورغم أن الرومانتيكية العربية كانت في بادئ نشأتها انعكاسا للرومانتيكية الغربية ، فإنها لم تصل في جميع مراحلها إلى ما وصلت إليه الرومانسية الغربية من إلحاد وأعمل سيئة غير أخلاقية أضفت عليها طابع التشاؤم ، وألقت بأدبائها إلى بؤرة الجريمة ، لقد بقيت الرومانتيكية العربية محصورة في حدود الدعوة إلى الرجوع للذات ، ووصف تجارب الأديب الفردية والإنسانية في حدود ما يشعر به أو يصل إلى تفكيره ؛ فوجدت بذرة الرومانتيكية في الحضارة العربية تربة صالحة لنموها وترعرعها ، حيث اتسعت دائرة المثقفين ، وبرزت ملامح الطبقات الاجتماعية 0

أبرز أدبائها ومفكريها العرب :

غزت الرومانسية الشعر العربي على أيدي شعراء المهاجر الأمريكية ثم بعد اتساعها ضمت عددا كبيرا من شعراء الوطن العربي ومن أبرزهم :
على محمود طه .،. أحمد عبد المعطى حجازي .،. فرح انطون .،. أمين الريحاني .،. إبراهيم ناجي .،. جبران خليل جبران .،. ميخائيل نعيمة .،. إيليا أبو ماضي .،. أبو القاسم الشابي .،. خليل حاوي .،. يوسف الخال .،. محمود درويش .،. سميح القاسم .،. صلاح عبد الصبور .،. شعراء مدرسةالديوان : العقاد والمازني وشكري .. خليل مطران ( أبو الرومانسية ) ..

وقد سار على نهج هذه المدرسة الشعرية من شعراء الخليج كل من : ( إبراهيم العريض ، وأحمد محمد خليفة ، وغازي القصيبي ، وأحمد العدواني ) في بعض قصائده التجديدية وغيرهم .

ثم اتسعت دائرتها وتشعبت لتشمل جمعا غفيرا من جيل الشعراء الشباب في الوطن العربي .

نموذج من الشعر الرومانتيكي من الشعر العربي

قـصيدة (الـفراق) للـشاعر إبراهـيم ناجـي:



يا ساعة الحسرات والعبرات
.............. أعصفت أم عصف الهوى بحياتي ؟
ما مهربي ؟ ملأ الجحيم مسالكي
................. وطغى على سُبُلي وسد جهاتي
من أي حصن قد نزعت كوامنا
................ من أدمعي استعصمن خلف ثباتي
حطمت من جبروتهن فقلن لي
................ أزف الفراق فقلت ويحك هاتي

أأموت ظمآناً وثغرك جدولي ؟
............... وأبيت أشرب لهفتي و ولوعي ؟
جفت على شفتي الحياة وحلمها
................ وخـيالها من ذلك الينـبوع
قد هدني جزعي عليك وادعي
................ أني غـداة البين غير جـزوع
وأريد أشبع ناظريّ فأنثني
................. كي أستبـينك من خلال دموعي




الخاتمة:
وهكذا نرى أن المدرسة الرومانتيكية هي مدرسة أدبية كبيرة قدمت خدمات جلية للأدب
ونقلته نقلة لا يستهان بها من مرحلة كان أخر ما يثار في الأدب لمرحلة أخرى
أصبح الإنسان ومشاعره هما من تسلط عليهما الأضواء باعتبارهما أساس الحياة .


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

قائمة المراجع .

أولاً: المراجع المطبوعة.

مذاهب الأدب الغربي، د. عبد الباسط بدر/ نشر دار الشعاع – الكويت.
المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية، د. نبيل راغب – القاهرة.
الأدب المقارن، د. محمد غنيمي هلال –دار العودة- بيروت.

صبا
11-03-2010, 01:14 AM
[SIZE="5"]تألق مدهش من صبا والفراشة

شكراً لهذا الكم من المعلومات عن الرمزية

وسأشارك في هذا المتصفح الجميل[





الشعر الرمزي من أنواع الشعر الذي عشقته

في بداياتي،وابحرت فيه وقرأت ماكتب عنه

وما الف فيه من قصائد .

وقد كتبت فيه العديد من القصائد التي ضاعت

كغيرها من شعر ،وقصّه.

ورغم ذلك وجدت قصيدتين..من هذا النوع في مذكراتي

مشبّعة بعواطف جيّاشه..ولغة..لم أتعّمد فيها الغموض كثيرا..

وأجدني بعد فترة من الإنجرار نحو هذا الفن

الاّ أنه يبقى بعيدا عن جمال لغتنا العربية التي

أحبها..وأذوب في كلماتها..وأعشقها ايمّا عشق

وللفائده حول هذا المسمى(الشعر الرمزي) انقل اليكم

ما جاء في المعجم الوسيط-الذي انصح بوجوده في مكتباتكم

"الرمز"الإيماء والإشاره. والعلامه..

في علم البيان:الكنّاية الخفّية

"الرمزية" الطريقة الرمزية:مذهب في الشعر

سأنشر لكم احدى القصائد لتّقربه من أذهانكم



وهذه قصيدة أخرى طبعاً من قصائدي الرمزية



في الزمن الأثيم

إحترق الربيع

والزهر يشكو من الصقيع

وعيون جاحظة..

وسهول جاعدة

جف لها صروف الدهر

الآم السنين

وقشرة الأرض يكسوها الجفاف

والرمال ليست ناعمة

باطن الأرض بركان يثور

قد حوى كنز ثمين

وثمار يانعة

تحية طيبة
الشكر موصول لكَ وعلى الإضافة التي تكرمت بها...
ومن نص قصيدتك الرمزية
كون الرمز يحتاج إلى تحليل للكلمات حتى يفهم المعنى
فها أنا أتحدث عن نصك
نستطيع القول إن :
في الزمن الأثيم

إحترق الربيع

والزهر يشكو من الصقيع
......
........


ربما وصفك هنا لتغير حال الواقع وإنقلابها على بعضها من سوء الملاحظ لها وكأنك تجسد ما يحدث من دمار على مظاهر الطبيعة,حتى وإن كانت حقيقة
وأما إنها جزء من قصة حياة كاتبها تنعكس على الطبيعة...
من هنا لست بصدد تحليل النص من سابق قولي إنما هي الرؤية التي يتركها القاريء للنص الذي أمامه
لذا تظل الرمزية سمة رائعة في النص الأدبي...

صبا
11-03-2010, 01:31 AM
أبرز أدبائها ومفكريها العرب :

غزت الرومانسية الشعر العربي على أيدي شعراء المهاجر الأمريكية ثم بعد اتساعها ضمت عددا كبيرا من شعراء الوطن العربي ومن أبرزهم :
على محمود طه .،. أحمد عبد المعطى حجازي .،. فرح انطون .،. أمين الريحاني .،. إبراهيم ناجي .،. جبران خليل جبران .،. ميخائيل نعيمة .،. إيليا أبو ماضي .،. أبو القاسم الشابي .،. خليل حاوي .،. يوسف الخال .،. محمود درويش .،. سميح القاسم .،. صلاح عبد الصبور .،. شعراء مدرسةالديوان : العقاد والمازني وشكري .. خليل مطران ( أبو الرومانسية ) ..

جبران خليل ربما هو المتسيد في السريالية الأدبية فحياته في الغرب وكثرة قراءته للفلاسفة الغرب أثرا كبيرا على أدبه خاصة ل(نيتشيه) في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" لهذا نرى كتابه "النبي" ما هو إلا ثأثر بكتاب نتشيه السابق الذكر ,وطغت الصور الرمزية على النص التفصيلي ..
فمن اطلع على كتاب نيتشيه ماوراء الخير والشر المكمل لكتابه هكذا تكلم زرادشت ولكتابي جبران النبي المكمل للأجنحة المتكسرة يلاحظ الفلسفة الدارجة بالصور الرمزية بصورة جليه فهو يحمل اللفظة فوق ما تتحمل حمله من معنى...
حيث إنه يزاوج بين متناقضات ليستخرج منها صور يوحي بإحساس ذاتي ولا يفسر أو يقرر وكذا يصور ولا يحدد نهجه....
فله الحق حينما قال:"لا أريد أن أكتب اسمي بماء على سفر الوجود بل بأحرف من نار"

أم بشرى
11-03-2010, 11:31 AM
]السلام عليكم

فعلا رحلت بنا " أخي سلطان " إلى عالم المدارس الادبية التي كانت شفيعة الأدباء ينهالون من خصائها ويتزاحمون على أبوابها لنيل الريادة

الأدبية ، وما تواجدت هذه المدارس إلا بتواجد قهر العصور وارهاصات الفكر البشري وخاصة الأروربي منه الذي شهد عصورا مظلمة

ومجحفة في حق الإنسان فتحرك الفكر ونبض الشعور بضرورة رمي كابوس هذا الواقع المرير وبدأ التدرج الأدبي في شكله الشعري

والروائي يفرز لعاب الرفض ومن ثمّة بدأت الرحلة ..ولن أغوص أكثر بل استوقفني حديثك عن الرمزية ووجدتُ الشاعر الفرنسي

" شارل بودلير Charles Baudelaire ق19." يُشْهر قلمه في هذا الصدد ويعلنها حربا على واقع انطلق فيه من نفسه وراح يدقق

النظر في العالم الخارجي فكان ..

المؤسس للمدرسة الرمزية [le symbolisme ] التي عرفت أوجها خاصة مع [Mallarmé ] تعدّ قصيدة < les correspondances < <التطابقات < البيان المؤسس للمدرسة الرمزية. ففي هذا القصيد قدّم بودلير أسس هذه المدرسة و أبعادها و حدّد دور الشاعر. فلقد ذكر فيه بودلير أنّ الطبيعة هي مشهد مليء بالرموز التي تخفي وراءها دلالات عميقة و دور الشاعر إذن هو التمكن من الولوج إلى تلك الحقائق و الدلالات المخفية وراء الرموز ليكتشفها و يعطيها بعدها الشعري، فالشاعر يصبح حسب بودلير و كذلك المدرسة الرمزية: مفكّكا للرموز.

و لكن ثمّة شيء مهمّ تجدر الإشارة إليه هو أن الشاعر الرمزي ينظر إلى الطبيعة على أنّها فضاء التناظر والالتقاء و كذلك التطابق. فالشاعر يكتسب تلك الرؤية المتبصّرة التي تمكنه من اكتشاف التطابق بين العالم المرئي و العالم اللامرئي.

بودلير كان مهووسا بالبحث عن المجهول [l’inconnu ] فالمتأمل في كتاباته يرى أنّ هذا الشاعر كثير الشكوى من ذلك السمّ الذي سمي بمرض العصر في القرن 19 بالنسبة للشعراء ألا وهو < الروتينية والملل <.[l’ennui].

لذلك كان متقطعا بين الهوة [ le gouffre] و عالم المثل [l’idéal ] شخص بودلير كان يتراوح بصفة متناقضة و في شكل متقاطع بين ثنائيات ممزّقة و مؤلمة وهي: (الإله عالم المثل + الهوة الشيطان)

فهذه الثنائيات المتناقضة و المتقاطعة تمثّل الموضوع الرئيسي لديوانه الشعري> les fleurs du mal < < أزهار الشرّ <. فبودلير يذكّرنا بالمسعدي حيثما يقول أن الأدب مأساة أو لا يكون، مأساة الإنسان المتراوح بشكل متناقض بين مرتبة الحيوانية و مرتبة الألوهية. كذلك كان بودلير، فهو يؤكد أنّه يجد نفسه تارة منجذبا إلى الشيطان و تارة أخرى نحو الإله، وهو يؤمن بالحضور المتوازي للإله و الشيطان في النفس البشرية.

طرافة بودلير و ثراء تجربته كالبحر المترامي الأطراف تراه و لكنّك تعجز عن استيعابه بكلتا يديك. ولكننا سنركّز على بعض النقاط الهامة في تجربته الشعرية و نترك البقية للقارئ حتى يكتشفها و يستمتع بجمالها الخلاب.

أوّل هذه النقاط ديوانه < les fleurs du mal < أزهار الشرّ، هذا الديوان قلب موازين الجمال والجمالية. ففيه تكشف لك القصائد عن الجمال المتأتي من اللاجمال أي من كلّ ما هو عكس الجمال المتعارف عليه، إلى حدّ يجعل بودلير يتغنى في قصيدة < la charogne < بجثة هامدة لحيوان و يعبّر عن المتعة التي يحسّ بها لدى رؤيته لهذه الجثة الناطقة جمالا على حدّ تعبيره. < أزهار الشرّ < يجب أن تفهم على أنّها < حصاد الشرّ < أي حصاد لهذا الشرّ الذي سمّم حياة بودلير ألا وهو < الملل « « l’Ennui » < . فكان التعبير عن التجربة المريرة للملل في قصائد بودلير آية في الجمال. فهو إنّما يعبّر عمّا يشعر به من ملل في أبيات شعرية راقية ليواسي نفسه.



بودلير اكتشف إذن أن الحياة تافهة ليس لها أي معنى، كلّ ما فيها مملّ و مقرف لذلك أعلن عن رحلة حاول فيها وجود المهرب من هذه الرتابة و التفاهة بل العبثية التي تميّز الوجود الإنساني لذلك حاول أن يقتل هذا الشعور السّام بالملل بالخمر ثمّ السفر و الحبّ .. إلخ. لكنّه اكتشف في نهاية الأمر أن لا شيء في هذا الوجود يمكن له أن يرقى إلى مستوى تطلعاته و يمحو آثار هذا الشعور بالملل و عبثية الوجود ، والسبب في ذلك أنّه فهم أنّ كل ما هو في علاقة بالعالم المادة و الزمن إنّما هو آيل للزوال، و بودلير يقول في هذا الصدد: < الزمن عابر الفنّ وحده خالد <

أما في خصوص تراوح النفس الشاعرة لبودلير بين الإله و الشيطان فيقول في ذلك:



- الشيطان دائم الحضور إلى جانبي.

- يسبح حوالي كالهواء اللامحسوس

- يأخذني هكذا بعيدا عن الإله.

- حيث هضاب الملل القاحلة



إنّه يتألم من وجود هذا الشيطان إلى جانبه لأنّ هذا الأخير يقود نفس الشاعر إلى الدمار الداخلي، و لكن هنالك شيء آخر أكثر بشاعة من الشيطان يحبك خيوطه على نفس الشاعر كالعنكبوت ليخنقه، إنّه الملل. و يقول في ذلك :



< هنالك ما هو أبشع من الشيطان بل أكثر مرارة و أكثر قبحا منه فرغم أنّه لا يتحرك و لا يصرخ

فإنّه قادر على جعل الأرض مقبرة قاحلة.

إنّه الملل

ومن الأفكارالعبقريّة التي جاء بها خيال هذا الشاعر الفريد:

نظرية الحداثــــــــة



[La modernité] التي يعرّفها كما يلي:

الحداثة هي القدرة على الوصول أو الولوج إلى ما هو خالد أي ثابت عبر ما هو متغيّر.

الحداثة إذن هي التعبير عن القيم الإنسانية الخالدة ، بل هي كما يعرفها بودلير القدرة على اقتناص المعاني الخالدة وسط الأوضاع المتقلبة و الدائمة التغيّر التي تميّز العالم البشري، الحداثة هي التعبير عن المعاني و القيم الصالحة لكلّ زمان و مكان و هذا ما يقودنا إلى الفكرة التالية وهي أن الحداثة لا تعني الآثار الفنية المعاصرة لقرن معيّن. فالحداثة توجد في كتابة أفلاطون و الجاحظ و موليير و بالزاك وديكانز. لنأخذ على سبيل المثال الجاحظ أو موليير أو بالزاك ثلاثتهم لا ينتمون إلى نفس الفترة التاريخية و على الرغم من ذلك فهم تناولوا بالتحليل و النقد موضوعا أدبيا واحدا ألا وهو < ظاهرة البخل < وانتقدوه بشدّة. تلك هي الحداثة من زاوية بودلير فكلّ من يتحدّث عن ظاهرة إنسانية أو طبع إنساني أو مشاعر إنسانية توجد في كلّ العصور و في كلّ الأزمنة هو أديب حديث.

إذن الرمزية غرقت في أفكار وتوجهات غريبة عن المجتمع العربي والفكر الإسلامي ولذلك لم يُرَ لها تعايشا بين الإنتاج العربي ولم يملْ

إليها أداباؤنا لأنها لا تخدم واقعنا ...

والكلام لازال آتٍ إن شاء الله خاصة وأنّك تطرقت لموضوع الحديث فيه واسع ومتشعب وأكيد سيُثرى بالمعلومات

بارك الله فيك ..[/SIZE]

صبا
11-03-2010, 11:53 AM
تحية طيبة لأم بشرى
مداخلاتك تزيدنا شوقا للمعرفة
وأود أن أطرح سؤال هنا..
إذن الرمزية غرقت في أفكار وتوجهات غريبة عن المجتمع العربي والفكر الإسلامي ولذلك لم يُرَ لها تعايشا بين الإنتاج العربي ولم يملْ

إليها أداباؤنا لأنها لا تخدم واقعنا ...



إذا كانت الرمزية لا تعايش النتاج الأدبي فكيف نفسر ظهور الرمزية في كتابات العرب سواء في رواياتهم أو أشعارهم أوحتى كتبهم ؟؟
وجبران ألم تظهر الرمزية واضحة في كتاباته؟
وكذا محمود درويش وأخص هنا قصيدة "نسر"
وغيرهم من أدباء المهجر بصورة خاصة؟؟؟