المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات وآراء وحوارات سياسية


castle
26-01-2007, 11:43 PM
مقالات وآراء وحوارات سياسية

مقالات وآراء وحوارات سياسية مختلفة ومتعددة عربية وإسلامية وإقليمية ودولية لسياسيين ومفكرين وكتاب ومعلقين ومهتمين بالشئون السياسية ..

تنويه هـام: * ما يطرح هنا من مقالات وآراء وحوارات سياسية، إنما تعبر عن وجهات نظر اصحابها، ولاتعبر بالضرورة عن رأي المنتدى أوشبكة بوابة العرب.
* بالإمكان التعليق على مايطرح هنا من مقالات وآراء وحوارات ، في مشاركة مستقلة بالمنبر السياسي.
[line]
أحلام مواطن عربي في عام جديد
http://www.islammemo.cc/media//2.jpg

السيد أبو داود

مفكرة الإسلام :

كثيرة هي الإحباطات التي تجثم على صدر الإنسان العربي والمسلم، والتي تكاد أن تخنقه وتقتله.

هذه الإحباطات ناتجة من الهزائم المتتالية على المستويات القومية والقطرية، بل وعلى مستوى الإنسان البسيط في حياته اليومية، وفي أحلامه المشروعة.

ووسط هذا الجو الخانق من الهزيمة والإخفاق لا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من الحلم والأمل، وهاديه في هذا كله تعاليم دينه التي تنهاه عن اليأس وتحسه على معانقة الأمل ما بقيت فيه حياه.

ومن هذا المنطلق استأذن القارئ الكريم أن يسمح لي بهذا الحلم المشروع، وألا يعد ذلك سذاجة، فللحلم فوائد، والمهم أن يحاول الإنسان من خلال السعي الدءوب أن يحققها لا أن يستمر في الحلم فقط دون السعي لتحقيقه.

أول أحلامي أن تتحرر بلادي من الاحتلال الأجنبي الكافر الذي يسعى إلى إطالة أمد وهن الأمة، وإضعافها، ونهب ثرواتها، ومنع وحدتها، وتفكيك إمكاناتها، حتى لا تتضافر جهودها للقضاء على عدوها.

وما أشبة الليلة بالبارحة، فها نحن الآن في عام 2007م، وكأني أسمع أخي العربي منذ قرن من الزمان، أي منذ مائة عام وهو يحلم نفس الحلم.

ففي هذا الوقت كان الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي قائما لمعظم بلادنا العربية، لكن ويا للحسرة، فبعد مائة عام كاملة وبعد أن اعتقدنا أن الاحتلال الغربي الكافر قد أجليناه عن أرضنا نجد أنه عاد من جديد في العراق والصومال وأفغانستان وهاهو يهدد سوريا وليبيا والسودان.

وألمح هنا أن نظمنا السياسية في الفترة القومية وفي فترة التحرر قد حملت معها بذور ضعفها ونهايتها، وليتنا بعد أن نحقق الاستقلال الوطني نقيم نظما سياسية مفتوحة فيها من القوة والمتانة والمنعة ما يحفظ استقلال بلادنا.

نحو نظم سياسية قوية

إننا نريد أن نؤسس نظما سياسية بالمقاييس العالمية ولا يهمنا أن تكون هذه النظم جمهورية أو ملكية دستورية، المهم أن تكون قائمة ونابعة من إرادة شعبية تعمل لصالح الأمة كلها وليس لصالح قلة من نخبة الأمة فقط. نريد أن نحقق مبادئ الشورى الإسلامية التي تجعل السلطان للأمة والسيادة للشرع الحنيف، ونعنى بالسلطان للأمة أن تكون هذه الأمة قادرة على اختيار حكامها ومحاسبتهم وعزلهم إذا انحرفوا، ومعنى السيادة للشرع أن تكون القوانين والدساتير الحاكمة نابعة من القران والسنة.

نريد نظماً سياسية تحفظ للإنسان العرابي كرامته وتعامله معاملة آدمية وتحترم حقوقه.

نريد أن تنتهي سياسة الاعتقالات وإلقاء الناس في السجون وأن تنتهي ظاهرة "زوار الفجر".

نحلم بأن يتم احترم كرامة الإنسان العربي داخل أقسام ومراكز الشرطة ومديريات الأمن المختلفة، لا أن يتم تعذيبه وضربه وإهانته وتهديده باغتصاب زوجته إذا هو لم يعترف بجريمة لم يرتكبها .

نحلم بأن يتعلم الطالب في كليات الشرطة كيف يحافظ على حقوق الإنسان ويحترمها، وكيف يسهر على أمن الناس وحل مشاكلهم ومطاردة اللصوص، لا أن يتعلم كيف يعتقل إخوانه المواطنين ويعذبهم.

وأحلم بان يكون في بلادي برلمانات حقيقية ناتجة عن انتخابات حرة نزيهة، وأحلم أن تختفي ظاهرة تزوير الانتخابات والالتفاف على إرادة الأمة، وأن تختفي معها البرلمانات التي ليس لها من الديمقراطية إلا مبنى كبير وفخم، وقنوات تليفزيونية تنقل المسرحيات الكلامية التي تتم تحت القبة.

متى نملك إعلاماً حراً؟

وسوف يترتب على هذا الحلم السياسي حلم إعلامي، وهكذا فإنني أحلم بإعلام مهني محترم يحترم عقلية القارئ والمستمع والمشاهد العربي، وليس إعلاما يذيع وينشر الأكاذيب ويزيف وعي الإنسان العربي ويقلب الحق باطلا والباطل حقا.

أحلم بإعلام ينقل قضايانا كما هي ولا ينقل ما يعجب الحكام فقط ويحجب مالا يعجبهم.

أحلم بإعلام يحرص على الفضيلة وينشرها وينحاز للأخلاق والحق وليس إعلاما ينشر الرذيلة، وتكون من أهدافه الرئيسية مهاجمة الحجاب.

أحلم بإعلام وطني مستقل ينحاز للاستقلال الوطني، والتنمية الوطنية، والثقافة الإسلامية الأصيلة، وليس إعلاما يردد ما يقوله الإعلام الغربي ويكون امتدادا له.

أحلم بأن يكون امتلاك وسائل الإعلام متاحاً لكل أحد وفقا لقوانين عادلة، وليس إعلاما يتم الترخيص به من أجهزة الأمن لمن ترضى عنه هذه الأجهزة ويتم منعه عن المعارضين المغضوب عليهم، وخاصة إذا كانوا من التيارات الإسلامية.

أحلم بإعلام مستقل بعيدا عن التدخلات الحكومية، إعلام قومي يعبر عن هوية الأمة كلها بكل طوائفها ولا تسيطر عليه فئة خاصة لتحارب به فئات أخرى.

حلم التنمية الحقيقة

ولازالت أحلم بمسئولين وطنيين لا يملكون إلا منازلهم ومرتباتهم، يفكرون في هموم الفقراء والبسطاء ولا يجعلون أنفسهم أدوات لمساعدة الأثرياء ورجال الأعمال والمستثمرين.

أحلم بمسئولين ببلادي لا يستسلمون لمطالب واشنطن ومعها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أجل إقرار سياسات رأسمالية تنحاز للأغنياء ضد الفقراء، مسئولين يفكرون في إقامة اقتصاديات وطنية مستقلة تعتمد أنماط التنمية التي تتناسب مع ظروف بلادنا ومواردنا.

أحلم بأن أرى رجال المال والاقتصاد في بلادي لا يسعون للعمولات والسمسرة وإقامة توكيلات السلع المستوردة، وإنما يسعون لإقامة صناعات وطنية، ويعملون على توطين التكنولوجيا المتقدمة في بلادي، ويحاربون البطالة ويوفرون فرص العمل الحقيقية.

أحلم أن أرى المسئولين في بلادي همهم الأول هو الأسواق العربية والإسلامية والتكامل معها، وليس الهزيمة والانسحاق أمام الأسواق الغربية وكل ما هو غربي.

كما أحلم بعدالة حقيقية في بلادي تنصف المظلوم وتنحاز له وتضرب على يد الظالم مهما كان حاكماً أو مسئولا كبيراً.

عدالة توفر الاطمئنان للإنسان البسيط حتى لا يقع فريسة في فم حيتان لا ترحم.

حلم الوحدة

وها أنا قد وصلت إلى ذروة أحلامي وهي أن نرى وعيا عربيا تجاه قضية الوحدة، وأن يتم محاصرة ثقافة التجزئة والقطرية والتفتيت.

وإذا كانت تجربة الجامعة العربية فشلت فشلا ذريعا، فإنني أحلم بأن يبذل المخلصون جهودا حثيثة للوصول إلى أفكار جديدة وشكل جديد من أشكال الوحدة، يضرب بيد من حديد على كل حاكم لا يحترم النظام الجمعي العربي ويخرج عليه.

أحلم بشكل وحدوي عربي إسلامي تكون قرارته ملزمة يحترمها الجميع، وتكون هذه القرارات بالأغلبية وليست بالإجماع، وأن ينتج عن ذلك أن ينتقل الإنسان العربي في أنحاء العالم العربي بدون تأشيرة دخول، وأن تكون هناك حرية لحركة رؤوس الأموال بين الدول العربية كذالك، وأن يتطور الأمر حتى يصل إلى سوق عربية مشتركة وبرلمان عربي مشترك وجيش عربي مشترك.
[line]

castle
27-01-2007, 12:12 AM
مايكل شوير في حوار: العالم الإسلامي هزم القوتين العظميين
مفكرة الإسلام

ترجمة: محمد السيد:


عمل مايكل شوير في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمدة 22 عامًا. وكان مسئولاً خلال ست سنوات من عمله بـCIA بالبحث عن زعيم القاعدة أسامة بن لادن.

وأثناء فترة عمله في وكالة المخابرات الأمريكية، ألف شوير كتابين يحملان انتقادات للطريقة التي شنت بها الحكومات الغربية "الحرب على الإرهاب".

واستقال شوير من CIA في 2004, ويعمل حاليًا محللاً لشئون "الإرهاب" لشبكة "سي بي إس" الأمريكية الإخبارية.

وقد أجرى مراسل إذاعة "أوروبا الحرة" مقابلة خاصة مع شوير طرح خلالها مجموعة من الأسئلة لمعرفة تقييم المحلل الأمريكي للحرب الأمريكية على ما تسميه واشنطن "الإرهاب" ومعركة الولايات المتحدة ضد القاعدة. وفيما يلي نص الحوار:


* لعدة سنوات كنت رئيسًا لوحدة CIA المكلفة بأسر أسامة بن لادن، كيف تقيّم الجهود الحالية للعثور عليه؟!

شوير:
أعتقد أن الجهود الأمريكية الحالية لاعتقال ابن لادن ربما تعد أفضل ما يمكننا تقديمه، ولكن في ظل وضع يكاد يكون من المستحيل معه توقع النجاح. فابن لادن يعيش في منطقة تتضمن أصعب تضاريس الأرض، وبين أناس مخلصين جدًا له، كبطل في العالم الإسلامي.

ولكن أعتقد أن الأكثر أهمية، أن تكثف القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان جهودها للتأكد من بقاء حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أكثر من تركيزها في مطاردة ابن لادن. التيار تحول حقًا ضدنا في أفغانستان, ويبدو لي أنه من غير المعقول أن نتوقع أسر أو قتل أسامة بن لادن في المستقبل القريب.


* لسنوات وصف الرئيس جورج دبليو بوش أسر ابن لادن بأنه نصر مهم في الحرب على الإرهاب؟!

شوير:
حسنًا، هو بالتأكيد رمز الحرب، الحرب التي هي فعلاً لا علاقة لها بالإرهاب.

الزعماء السياسيون الأمريكيون على كلا الجانبين لم يستوعبوا بعد خمس سنوات ما هي هذه الحرب. لقد استمروا في القول: إن ابن لادن والقاعدة وحلفاءها يركزون على تدمير أمريكا وديمقراطيتها وحريتها ومساواتها بين الجنسين.

والحقيقة أن تلك الحرب لا علاقة لها بأي من (هذه الشعارات). فهي تتعلق بما يفعله الغرب والولايات المتحدة في العالم الإسلامي.

وبسبب سوء فهمنا لدافع ونوايا "العدو"، قللت واشنطن من صعوبة مهاجمة (ابن لادن) والقضاء عليه قبل تعرضنا لهجوم مرة أخرى.


* إن الأمر يبدو كأنك تعتقد أن إدارة بوش ارتكبت بعض الأخطاء الخطيرة في كيفية شنها للحرب على "الإرهاب" وملاحقة كبار الشخصيات في القاعدة، مثل ابن لادن.

شوير:
حسنًا، أعتقد أن الحرب بأكملها حتى الآن كانت خطأً، لكوننا أصبحنا مثل "إسرائيل"، من حيث إن الخيارات الوحيدة التي وضعناها لأنفسنا هي العمليات العسكرية والاستخبارية.

ابن لادن لم يركز أبدًا على الحضارة الغربية، في حد ذاتها. قدرته على حشد المسلمين وراءه تعتمد فقط تقريبًا على إدراك في العالم الإسلامي أن السياسة الخارجية الغربية هي بمنزلة هجوم على الإسلام والمسلمين.


* هل خلقت الولايات المتحدة أكثر من هدف بغزوها للعراق؟!

شوير:
بالتأكيد، وليس بشكل متعمد. لست أنا الذي أعتقد أن لدينا القادة الذين يتوقون لهذه الحرب. ولكن ليس لدينا قادة يتمتعون بشجاعة للوقوف وفهم أن وجودنا في العالم الإسلامي هو الذي يحفز العدو أكثر من أي شيء آخر، والعراق فعلاً نقطة تحول في الحرب على القاعدة وحلفائها.

أنا لست خبيرًا بشأن العراق أو بحجم التهديد الذي كان يشكله صدام حسين. ولكن الحقيقة المحزنة هي أن غزو العراق حوّل القاعدة وأسامة بن لادن من منظمة ورجل إلى فلسفة وحركة. والآن نواجه التشدد الإسلامي في أنحاء العالم بشكل أكبر بكثير مما كان عليه في 11 سبتمبر، ويكاد يكون من المؤكد أنه راسخ بما يكفي لتعويض الخسارة النهائية لأسامة بن لادن أو أيمن الظواهري.


* هل تتوقع مزيدًا من الهجمات على الولايات المتحدة أو في الغرب بحجم هجمات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن؟!

شوير:
أعتقد أنها ستكون أكبر من 11 سبتمبر. ولا أعتقد أنها ستحدث في أوروبا، ولكن أعتقد أنها ستقع في الولايات المتحدة. لقد كان ابن لادن واضحًا جدًا في أن هجمات القاعدة على أمريكا ستكون أكبر من السابقة، وأعتقد أن السبب الوحيد في عدم مشاهدتنا لهجوم حتى الآن، هو أنه لم يعد هذا الهجوم. ولكن عندما يعده، سوف ينفذه. فمحاولة إقصائنا، هي بالطبع هدفه الرئيس.

أمريكا ليست عدو ابن لادن الرئيس. أعداؤه الرئيسيون هم عائلة آل سعود في السعودية ومبارك في مصر و"إسرائيل".


* حدثني عن الكتاب الذي تعمل فيه، والذي يسمى "مفاجآت غير سارة.. أمريكا والإسلام المتشدد بعد العراق" ماذا يعني هذا العنوان؟!

شوير:
حسنًا، إدارة بوش ووسائل الإعلام والديمقراطيون تحدثوا كثيرًا عن نتائج غير متوقعة لغزو العراق. والكتاب يمثل جهدًا بشكل رئيس للقول: نعم، هناك نتائج غير متوقعة - ولكنها لم تكن عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

ما أحاول وصفه في الكتاب هو أننا لدينا إخفاق بسيط هنا (في واشنطن) لفهم عدونا والعالم الذي نتعامل معه.


* واستخدام عبارة "بعد العراق" تشير إلى التوقيت عندما لا تكون الولايات المتحدة في هذا البلد؟!

شوير:
كُتب الكتاب لأنني أعتقد أننا نُهزم في العراق. أعتقد أننا نبحث عن طريق لطيفة للخروج، ولكنه سيكون واضحًا جدًا لأعدائنا في العالم الإسلامي أنهم هزموا القوة العظمى الثانية.

لقد هزموا الاتحاد السوفيتي في أفغانستان؛ وهزمونا في العراق، ويبدو من المحتمل جدًا أنهم سيهزموننا في أفغانستان. لذلك فإن غزو العراق، بكل أغراضه وأهدافه، وبقدر اهتمام أعدائنا لمعرفة ذلك، قد انتهى.


* كيف تنظر لدور باكستان؟! فمن الواضح أن الرئيس برفيز مشرف يعتبر حليفًا للغرب وأحد الأشخاص المقربين من بوش، ولكن العديد من المراقبين يقولون: إن هناك عدة أمور تجري في باكستان يغض مشرف الطرف عنها.

شوير:
أحد الأمور الكبيرة التي يُساء فهمها في الولايات المتحدة - وفي الحكومات الأوروبية الغربية والحكومات الأوروبية بوجه عام – هو الاعتقاد في أن كل المصالح القومية للبلاد متطابقة معنا. بالتأكيد هذا داء في واشنطن.

أعتقد أن الحقيقة هي أن أمريكا على الأرجح ليس لديها حليف أفضل من برفيز مشرف. ما فعله حتى الآن فيما يتعلق بالسماح لنا بتوسيع وجودنا في باكستان والسماح بتحليق الطائرات الأمريكية (في المجال الجوي الباكستاني) ومساعدته لـCIA، وخصوصًا في اعتقال أعضاء كبار في القاعدة في مدن باكستانية، وللمرة الأولى في تاريخ باكستان إرسال قوات مسلحة تقليدية إلى المناطق الحدودية لمحاولة اعتقال بعض مقاتلي القاعدة – الذي عرض باكستان لحافة الحرب الأهلية – يعد سجلاً مذهلاً من الدعم لأمريكا.

لم يفعل مشرف بشكل أساسي – أي شيء في مصلحة باكستان. وأعتقد أنه يقوم بذلك حتى هذه اللحظة – وأعتقد من وجهة نظري – أننا بقينا طويلاً جدًا في أفغانستان، ولم نحقق هدفنا. وعليه أن يبدأ البحث عن المزيد من المصالح الوطنية لباكستان وبقائها ككيان سياسي مستقر.


* أود الانتقال لموضوع مختلف في الحرب على الإرهاب. لقد وافقت على برنامج التسليم، هل هذا صحيح؟!

شوير:
نعم، إلى حد ما، كنت أحد معدي البرنامج، وأعتقد أنها كانت على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة، العملية الوحيدة الأكثر نجاحًا وإيجابية، التي نقوم بشنها، على الأقل في السنوات الـ30 الماضية.


* هل تقول ذلك بسبب نوعية المعلومات التي حصلت عليها الولايات المتحدة من الأفراد الذين تم نقلهم إلى دولة ثالثة لاستجوابهم؟!

شوير:
لا. هذه واحدة من أكبر المسائل الرئيسة التي يسيء الإعلام فهمها. فالبرنامج أنشئ بصفة أولية للتأكد من نقل الأفراد الذين يشكلون تهديدًا للولايات المتحدة أو حلفائنا وسجنهم.

الهدف الثاني هو الاستيلاء منهم في لحظة اعتقالهم على أية وثائق ورقية أو إلكترونية بحوزتهم، أو في سكنهم أو في عربتهم في الوقت المناسب. هذان هما الهدفان.

ولكن التحقيق لم يكن الهدف المهم للمخابرات الأمريكية. لأننا نعرف أن مقاتلي القاعدة مدربون على فبركة المعلومات أو إعطائنا العديد من المعلومات الصحيحة التي يتبين أنها قديمة, ولذلك فهي غير مفيدة بعد التحقيق فيها.

إن السبب في نقل المعتقلين الأجانب إلى مكان آخر بخلاف الولايات المتحدة ليس من أجل التحقيق، ولكن بسبب أن الرئيس كلينتون، في ذلك الوقت، إلى جانب مساعديه لشئون الأمن الوطني، ريتشارد كلارك وساندي بيرجير، لم يريدوا إحضار هؤلاء المعتقلين للولايات المتحدة، وأمروا CIA بنقلهم إلى أماكن مطلوبين فيها لارتكاب أعمال غير قانونية، في مصر أو دول عربية أخرى.

ولكن الوكالة نفسها فضلت دائمًا اقتياد المعتقلين الأجانب إلى سجن أمريكي. وعلمنا في نهاية المطاف أن ذلك البرنامج سيصبح برنامجًا لا يحظى بتأييد شعبي بسبب المكان الذي يتم نقل المعتقلين إليه.


* إذن القرار الأمريكي بفتح مراكز اعتقال سرية في الخارج واحتجاز المعتقلين فيها لفترات غير محددة – هل هذا الأمر تم وضعه بعد إعداد برنامج التسليم الاستثنائي؟!

شوير.
نعم.. إن ذلك كان قرار إدارة بوش بعدم وضع هؤلاء الأشخاص ضمن النظام القضائي الأمريكي العادي.

وحقيقة الأمر أنه بالنسبة لكل من إدارة كلينتون وبوش، يجعل القانون الأمريكي من الصعب جدًا وضع هؤلاء الأفراد في نظامنا القضائي، لأنه في أغلب الأوقات، يتم اعتقالهم من جانب حكومات أجنبية...

ولذا فإني أعتقد أننا نرى في واشنطن انعدام الإرادة لدى السياسيين الأمريكيين لإيجاد طريقة لاستيعاب هذه العملية في النظام القضائي الأمريكي.


* أنت قررت أن تنهي عملك في وكالة المخابرات المركزية في وقت مبكر من الذي قررته. هل كان من الصعب الاستقالة؟!

شوير:
لقد استقلت من الوكالة مع الأسف الشديد، كنت أنوي العمل هناك لمدة 30 عامًا ثم أتقاعد، أو لمدة أطول. وليس لديّ شكوى بخصوص الوكالة. وفي الواقع طلبت مني الوكالة البقاء عندما قررت الاستقالة.

لقد استقلت من منصبي لأني اعتقدت أن لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر فشلت تمامًا في إيجاد أي شخص مسئول عن أي شيء قبل 11 سبتمبر. كما برأت اللجنة تمامًا حجم الإهمال الفردي واستحقاقية توجيه اللوم عند أعلى المستويات في الحكومة الأمريكية. واستقلت لأني أردت أن أتكلم بوضوح عن هذه القضايا.

إن شعوري منذ تركت الوكالة هو أنني ليس لديّ أي تأثير على الإطلاق في ذلك النقاش. أعتقد أنني كان لي قليل من التأثير من خلال كتبي وكتاباتي إزاء محاولة إقناع الأمريكيين أن الحرب التي نخوضها ضد القاعدة مشكلة أكثر خطورة مما نتصوره حتى الآن. وأنها تتعلق بشكل أكبر بالدين أكثر من أي شيء يرغب الزعماء في الحديث بشأنه. ويتراءى أن هناك عددًا من المنتقدين لي على اليمين وعلى اليسار (في إشارة إلى الجمهوريين والديمقراطيين)، وربما هذا يوحي إلى أنني قلت على الأقل شيئًا ما نال بعض الاهتمام.


* هل يمكنني أن أسألك.. ما انتماؤك السياسي؟!

شوير:
إنني جمهوري كل حياتي. لم أصوّت أبدًا للديمقراطيين. أعتقد أن والدي سيخرج من القبر إذا فعلت ذلك وسيقوم بخنقي. ولكن ذلك ليس له أية صلة على الإطلاق بالأمن الأمريكي.. لا أعتقد أن إدارة بوش لديها ناقد حاد أو شغوف أكثر مني.
[line]
العلاقة مع إيران: رحلة في حقل ألغام

أحمد ماهر ( وزير الخارجية المصر السابق )

الشرق الاوسط :

رغم أن الأمور تتجه الى مزيد من التصعيد في لبنان، رغم إعلان وقفة مؤقتة في محاولات المعارضة متعددة الاتجاهات إقصاء الحكومة، ورغم إصرار الرئيس بوش على الاستمرار في سياسته في العراق مع بعض «الماكياج» الذي لا يخفي تجاعيد الفشل، فإني أريد أن أتناول في هذا المقال موضوع ايران والعلاقات معها، إذ ان هناك من يحملها عن حق أو باطل مسئولية الكثير مما يجري من اضطرابات في المنطقة. واقول عن حق أو باطل لأنه بينما ليس هناك شك في ان ايران تتحمل بعض المسؤولية في بعض ما يحدث، فانها تبدو أحيانا كشماعة تعلق عليها (مع حقائق) أمور أخرى لتبرير أو تمرير بعض الأوهام أو الادعاءات. وأنا اعرف أني اذ اتناول هذا الموضوع، قد أكون أسير في حقل من الألغام بعضها حي وبعضها فقد الفاعلية، وبعضها من بقايا عصور ماضية، والبعض الآخر من الأوهام التي تزرع في العقول قبل الحقول لأغراض تتباين وتختلف. وأود بادئ ذي بدء أن أقرر اني لست من المعجبين بالنظام الإيراني من حيث انه يعتمد على حكم الملالي، وإني لست قطعا ممن يرون ان حل المشاكل هو في اقامة دولة دينية، بل أرى في ذلك خطرا كبيرا على السياسة وعلى الدين ذاته وعلى العلاقات بين المواطنين. وأنا أرى أن الدين هدفه بناء المواطن الصالح الذي لا يكذب ولا يغش، ويجتهد في عمله وفي فكره دون ان يحاول فرضه على الآخرين أو التعامل معهم بالأسلوب الذي اندس عبر بعض الكتب الصفراء والأفكار السوداء. وأرى أن هذا المواطن الصالح اذا وجد، كفيل بأن يبني المجتمع السليم الذي يقوم عليه الوطن المتماسك القوي القادر على أن ينهض ويعيش في عصره. ولعلي في هذا الصدد أن أشير الى اتجاهات ـ ليست في الإسلام فقط ـ تخلط بين الدين والسياسة كما يبدو واضحا لدى من يسمون في الولايات المتحدة بالمحافظين الجدد الذين يتمسحون بالدين المسيحي باعتباره «الحل» الذي يملي عليهم سياساتهم باعتبارهم مالكي الحق المطلق، بينما من يعارضوهم هم «محاور الشر المطلق»، ويذهبون في ذلك الاتجاه الى درجة أن بعضهم ـ عندما سئل عن مصدر النصائح التي يتلقاها ـ لم يتورع عن القول بما يفيد انه يتلقى إلهاما من السماء.

هذه نقطة، أما النقطة الأخرى، فهي أن إيران سواء أحبها البعض أو كرهها أو خشيها البعض ـ وهناك فعلا خشية حقيقية لدى بعض دول الخليج التي تعرضت وتتعرض لأطماع يرجع بعضها الى عصور امبراطوريات غاربة، والبعض الآخر الى عهد الشاه رضا بهلوي، الذي كان يريد احياء امبراطورية توسعية، والبعض أيضا الى محاولة فرض مفهوم للدين على الآخرين.

اقول إن إيران رغم أي موقف منها أو لها، دولة هامة تعيش على طرف الإقليم العربي الذي نعيش فيه. وانا هنا لا أريد ان ادخل في موضوع حساس هو موضوع السنة والشيعة، فذلك خلاف أعتقد ان زمانه قد ولى، وأن البعض يحاول احياءه وإشعاله حتى في الدول التي لم يعد حتى فيها رماده ـ مثل مصر ـ لأسباب لا تمت الى الحرص على الدين بصلة بل تستهدف بث الفرقة في هذا الشأن علاوة على شئون أخرى بغرض إضعاف الدولة وتقسيم الأمة وزيادة المشاكل التي تعاني منها وتكفيها. ولعلي فقط أذكر بشيوخ أجلاء عملوا على التقريب بين المذاهب بعيدا عن محاولات التنفير والتكفير.

أعود الى موضوعي الأصلي وهو أن ايران دولة اقليمية هامة، وان لها دورا مهما في المنطقة بدليل حضورها اجتماعات الدول المجاورة للعراق، واذا كان الأمر كذلك فليس هناك ما يدعو أو يبرر عدم الدخول في حوار معها لوضع أسس سليمة للعلاقات معها بما يحقق مصالح جميع الأطراف ويتجاوز المخاوف أو القلق وهو ـ كما ذكرت ـ له ما يبرره في بعض الحالات ولعله مبالغ فيه في حالات اخرى. واذا كانت الولايات المتحدة ـ رغم وضوح مقترحات لجنة بيكر/هاملتون ـ ترفض الحوار مع إيران، بل تهددها بالأساطيل والصواريخ وتستصدر القرارات من مجلس الأمن ببدء سلسلة لاشك انها ستحاول تصعيدها من العقوبات، فان لذلك أسبابا تتعلق بها ومنها طبعا التغطية على فشل سياساتها في العراق التي جرت على ذلك البلد الشقيق ويلات التشنج والتعصب العنصري الذي يسقط بسببه مئات الضحايا وتسيل دماء كثيرة. وبالمناسبة فاني لا أعتقد أن الحكومة الامريكية ـ بما تواجهه من مشاكل سياسية داخلية، ومن ورطة خارجية، ومن الضغط الشديد على قدراتها على نشر مزيد من القوات في الخارج مستعدة لدخول مغامرة عسكرية جديدة غير مضمونة العواقب لأنها حتى اذا استطاعت تحقيق ما تتصوره نصرا كبيرا أو صغيرا فإنها ستفجر مشاكل واضطرابات وتشعل نيرانا قد تزيد من الإضرار بمصالحها الذاتية، كما تنشر القلاقل في مناطق ذات اهمية استراتيجية لها. كما لا أعتقد أن ايران راغبة في الوصول في علاقاتها بواشنطن الى نقطة الانفجار حتى اذا كانت تصل بها أحيانا الى ما يشبه حافة الهاوية. وهناك دول غربية حليفة للولايات المتحدة رأت ان من مصلحتها ومصلحة اصدقائها أن تدخل في حوار مع طهران، ومن ذلك قرار الرئيس شيراك ايفاد وزير خارجيته الى طهران ، وهو القرار الذي تعاونت قوي كثيرة فيما يبدو لإجهاضه مع انه كان يمكن ان يعني استئناف حوار يفتح الباب لتسوية الكثير من المشاكل المطروحة.

ومن باب أولى ان تدخل الدول العربية في حوار مع طهران لتحديد جوهر العلاقة التي يمكن ان تقوم بين الطرفين، من دون المساس بأمن أو مصلحة طرف من الأطراف. ولقد كانت هناك حوارات بين مصر وايران كادت تؤدي إلى نتائج ايجابية لولا بعض القوى في طهران، ولكن هذا لا يعني عدم استمرار المحاولة. كما أن دولا عربية بينها وبين ايران مشاكل محدودة لا تمتنع عن الحوار مع طهران، لأن هذا هو الأسلوب الأمثل لتجاوز النزاعات والهواجس والخلافات والمخاوف، كما أن من شأنه الاسهام في تصحيح مسارات تأخذها احيانا السياسة الايرانية، ومن الممكن تطويعها لصالح القضايا العربية التي تبدي طهران اهتماما بها حتى اذا كانت تسلك أحيانا في إبداء هذا الاهتمام وهذا التأييد مسالك يمكن تطويرها بما يضمن مصالح الجميع. ومن المؤكد انه ليس لنا مصلحة في معاداة ايران، وليس لها مصلحة في معاداة العرب، وهذه نظرية استراتيجية يجب الا تصطدم باعتبارات اخرى غير المصلحة العربية.

وتبقى المسألة النووية، ولعل كل ما يقال عن النشاط الإيراني في هذا الشأن لا ينسينا النشاط والخطر الإسرائيلي الذي أخذ يتحجج بأسلوب يجمع بين الغموض الواضح والوضوح الغامض. واذا كنت أتفهم القلق من السلاح النووي في المنطقة، سواء كان اقليميا أو دوليا أتى الينا على بوارج وصواريخ قادمة من بعيد ـ فان الخطر الأكبر هو الخطر الإسرائيلي لأنه يقترن بسياسات عدوانية توسعية. واذا كانت ايران تذكر أنها تسعى للطاقة النووية لأغراض سلمية قد يكون لها ما يبررها فيما قرأناه أخيرا حول حقيقة مخزون مصادر الطاقة الايرانية، وإذا كانت دول أخرى منها مصر التي لحقت بها الأردن تتجه الى الاستخدام السلمي للطاقة النووية ـ وهو قرار سديد تأخر كثيرا ـ فان المنطقي ان تصنع دول المنطقة نظاما اقليميا ـ في اطار انظمة وكالة الطاقة الذرية يشمل ايران ويضمن أن يظل ذلك الاستخدام سلميا. وفي نفس الوقت نصر ونبذل جهودا اكثر مما بذلناه حتى الآن ـ وهو كثير ـ حتى نواجه التهديد النووي الإسرائيلي الذي نعرف أهدافه التهديدية والعدوانية.

خلاصة القول أني أرى أهمية حوار عربي ـ ايراني متعمق لصالح المصالح العربية ولرسم الحدود التي نقبلها لدور إيراني يصبح في هذه الحالة اضافة وليس انتقاصا من الأمن القومي العربي، وليس دورا يستغل كقميص عثمان لأغراض خبيثة سواء من جانب بعض العناصر داخل إيران أو من بعض العرب أو بعض القوى الدولية التي لا تهمها مصالح العرب ولا الإيرانيين لأن عينها الراضية لا تتجه إلا نحو إسرائيل.
[line]

castle
27-01-2007, 06:46 AM
مجادلة مع الوزير غالب مجادلة

ماجد عزام

العربية نت

أثار قرار وزير الدفاع الإسرائيلي زعيم حزب العمل عمير بيريتس تعيين النائب العربي غالب مجادلة وزيراً للعلوم والرياضة جدلاً حاداً في الساحة السياسية الإسرائيلية في شكل عام وفي صفوف المواطنين العرب في الأراضي المحتلة عام 1948 في شكل خاص. فالقرار الذي أريد له أن يعبر عن المساواة وأن يواجه العنصرية المتفشية في المجتمع الإسرائيلي فجّر انقساماً سواء بين العرب أنفسهم أو بين العرب واليهود وأدى الى مزيد من المواقف العنصرية ضد العرب وممثليهم السياسيين لدرجة أن زعيم حزب ميريتس اليساري يوسي بيلين الذي تبنى عموماً مواقف لينة ومتسامحة تجاه العرب قال ان جلوس مجادلة جنباً الى جنب الوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان يجعل من التعيين جزءاً من تراجيديا المواطنين العرب في اسرائيل.
ان قراءة متعمقة ومتأنية في قرار توزير غالب مجادلة تأخذ في الحسبان المواقف وردود الفعل تقدم الخلاصات الآتية:

أولاً: من حيث الشكل نجد أنفسنا مرة جديدة أمام السياسة الإسرائيلية المتجذرة الخاصة بالتمييز بين المواطنين العرب في الأراضي المحتلة عام 1948 لتحاشي التعامل معهم كأقلية عرقية موجودة، وهكذا قيل ان خطوة توزير غالب مجادلة هي خطوة تاريخية بامتياز باعتباره أول وزير عربي مسلم يدخل الحكومة الإسرائيلية على رغم أن ثمة وزيراً عربياً اسمه صالح طريف شارك في حكومة آرييل شارون الأولى في العام 2001، غير أن المؤسسة الإسرائيلية لا تتعاطى مع الدروز كعرب بل كدروز فقط كما مع البدو كبدو والمسلمين كمسلمين والمسيحيين كمسيحيين من دون أي اعتبار للإطار القومي والوطني الذي يجمعهم. على ذلك فإننا أمام خطوة تعمّق الانقسامات بين صفوف المواطنين العرب على أساس ديني وطائفي بما يخدم السياسة الإسرائيلية التقليدية في التفريق بينهم وربطهم منفردين بالمؤسسة الحاكمة.

ثانياً: يظهر قرار التوزير حجم النفاق والانتهازية الذي يطبع العمل السياسي في شكل عام والساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية في شكل خاص. فعلى المستوى الشخصي، فإن غالب مجادلة قبل بالحلول محل الوزير أوفير بينس الذي استقال من الحكومة احتجاجاً على انضمام أفيغدور ليبرمان اليها وهو لا يخفي مواقفه العنصرية تجاه النواب والسياسيين ومجمل المواطنين العرب في فلسطين المحتلة. وما يثير الاستغراب والاستهجان أن مجادلة صوّت شخصياً مع انسحاب حزب العمل من الحكومة وضد الجلوس جنباً الى جنب ليبرمان ودعم في هذا الخصوص مواقف الوزير بينس الذي تصرف بشجاعة وخرج من الحكومة، بينما وافق مجادلة على الجلوس جنباً الى جنب ليبرمان في خطوة تتناقض مع تصويته السابق ولا يمكن تفسيرها إلا بالسعي وراء المكاسب الذاتية والامتيازات التي يوفرها منصب الوزير بغض النظر عن أي تداعيات سلبية أخرى.
ثالثاً: سعى زعيم حزب العمل عمير بيريتس الذي لم يوزّر أياً من الأعضاء العرب في حزبه عند تشكيل الحكومة في أيار (مايو) الماضي وراء أصوات أعضاء حزب العمل العرب في الانتخابات الى زعامة الحزب والتي من المقرر اجراؤها نهاية أيار (مايو) المقبل. والاستطلاعات تشير الى وضع جد متردٍ لبيريتس في صفوف منتسبي الحزب بحيث ان 18 في المئة فقط ينوون التصويت له مقابل 24 في المئة لعامي أيلون و 24 في المئة لإيهود باراك. وبيريتس الذي أصر على تمديد فترة تنسيب أعضاء جدد للحزب الى الواحد والثلاثين من كانون الثاني (يناير) الحالي يسعى الى الفوز بأية وسيلة ممكنة وهو يحاول استمالة العرب للتصويت له ولا يمكن فهم خطوة توزير مجادلة إلا في هذا الاتجاه.

رابعاً: لا يخرج موقف رئيس الحكومة إيهود أولمرت من قضية توزير مجادلة عن السياق السالف الذكر. فعلى رغم اشارته الى أن الأمر خطوة سياسية مهمة جداً آن أوانها، إلا أنه عمل على عرقلتها وتأجيلها مدة أسبوع على خلفية اجرائية بروتوكولية. فأولمرت يرغب في التنغيص على بيريتس في ظروف شبه القطيعة القائمة بينهما، كما أن أولمرت لا يرغب في دعم بيريتس في الانتخابات الداخلية على زعامة حزب العمل وهو أعلن صراحة أنه يدعم ايهود باراك كزعيم للحزب وكوزير للدفاع، ويريد أن يرفع عن هذا الأخير حرج تأييد منتسبي حزب العمل من العرب وهم أضحوا في الفترة الأخيرة عاملاً مهماً ومؤثراً في الانتخابات الداخلية للحزب.

خامساً: اذا أراد عمير بيريتس ومن ورائه المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة الإيحاء عبر قرار توزير مجادلة بانتفاء السياسة العنصرية تجاه العرب، فإن ردود الفعل الإسرائيلية بشقيها السلبي الإيجابي كرست هذا الأمر. فالنائبة عن حزب «اسرائيل بيتنا» المتطرف استبرينا طارطمان اعتبرت ان بيريتس ألقى بفأس ضخمة على الصهيونية والدولية اليهودية ليضمن بقاءه السياسي، غير أنها بلغت قمة العنصرية في اشارتها الى ان حزبها لن ينسحب من الحكومة انما سيحارب الوباء من الداخل، أي أن مجادلة سيجلس جنباً الى جنب حزب يعتبر العرب وباء يجب التخلص منه ومحاربته، وحتى عندما أراد النائب عن حزب «الليكود» ميخائيل إيتان الدفاع عن القرار فعل ذلك من باب القول ان «الصهيونية رفعت دائماً لواء دمج مواطنين عرب مخلصين للدولة من أمثال مجادلة في مؤسسات الحكم المختلفة»، أي أن «الليكود» لا يمانع في وجود مسؤولين عرب في المؤسسات الرسمية طالما انهم يخلصون للدولة التي تنكّل بهم وتنتقص من حقوقهم الإنسانية الأساسية.

سادساً: قد يمر قرار توزير غالب مجادلة وقد لا يمر، غير أن وجوده في الحكومة سيكون حضوراً تجميلياً فقط ولن يستطيع التأثير الجدي في السياسات، خصوصاً مع رغبة أولمرت المعلنة بعدم طرح أي موضوع سياسي أو أمني على الحكومة الموسعة في حضور مجادلة ونقل كل ذلك الى المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر. كما أن فرص فوز بيريتس وحتى مع دعم مجادلة له في انتخابات حزب العمل ضئيلة جداً، ما يعني ان مجادلة لن يبقى في كرسيه أكثر من شهور قليلة، فالعد التنازلي للائتلاف الحاكم بدأ عملياً مع نهاية حرب لبنان، وستجرى انتخابات مبكرة في نهاية المطاف سيفوز فيها اليمين بالتأكيد وسيعود حزب «العمل» عبر أحد جنرالاته البارزين لممارسة سياسته المفضلة في العقد الأخير بتجميل الوجه القبيح للسياسة الإسرائيلية والتنكيل بالفلسطينيين والعرب وفي الوقت نفسه الصراخ على السلام والتسوية مع العرب. وفي مثل هذه الظروف قد تكون ثمة حاجة لمجادلة من يتبنون مواقفه، لكن ليس الى درجة توزيرهم وانما الاكتفاء بحضورهم في الصفوف الخلفية لحزب العمل والمؤسسة الإسرائيلية في شكل عام.
[line]
قبل أن يحترق العالم الإسلامي.. وحكامه وعلماؤه شهود
زين العابدين الركابي

الشرق الاوسط

ما هو أكثر الاسلحة تدميراً في (تفجير المجتمعات العربية والاسلامية)، ونسف استقرارها، وتعطيل تنميتها ونهضتها؟

هو (السلاح الايدلوجي الذاتي: المذهبي والطائفي)، أي سلاح (استغلال الدين) في الألاعيب السياسية.

ويبدو أن مبتكري نظرية (الفوضى الخلاقة) ومهندسيها قد سجلوا (هدفا) في هذا المجال.. بدهي انهم لم يصنعوا (اللغم) المزلزل القاتل، ولكنهم وظفوه في خدمة نظريتهم، والا كيف تكون الفوضى؟. وبم يتحقق التفجير؟.. ويتمثل تحقيق هدف تطبيق الفوضى الخلاقة في أكثر من بلد ـ كنماذج ـ: فلسطين.. والعراق.. ولبنان.. ولنجعل البلدين الاخيرين: مثلين للتحرش المذهبي. والفتنة الطائفية.

في العراق فتنة مذهبية وطائفية. وكاذب من ينكر ذلك، وغير أمين من يحاول ابعاد الاعين عن رؤية هذا الواقع المر الحزين، ذلك ان الحرب الطائفية في العراق قد نشبت فعلا بدليل (القتل) على اساس (الهوية الطائفية).. والغزو والاحتلال «!!» على اساس (جغرافي أو مناطقي).. وبدليل الجثث المجهولة المشوهة التي يعثر عليها بالعشرات كل يوم.

وفي لبنان تحرشات مذهبية وطائفية، اشتعلت شرارتها التي نأمل ألا تتحول الشرارة إلى حريق.. ومما يتعين فتح العين عليه: أن (التدبير الشرير) يريد (فتنة نوعية) في لبنان هذه المرة، أي فتنة لا يكون عمادها الصراع الدامي بين مسيحيي لبنان ومسلميه ـ كما حدث عام 1975 ـ، وانما يكون عمادها الصراع الدامي بين (السنة) و(الشيعة).. لماذا؟.. لكي يهلك الطرفان فيخلو وجه الأرض ـ من ثم ـ لآخرين.. أو لكي تطبق نظرية الفوضى الخلاقة في هذه الصورة على الأرض اللبنانية وليس ثمة تعارض بين الهدفين.

ونحن نسأل الشيعة والسنة ـ في المنطقة والعالم ـ: نسأل الحكام والعلماء والقيادات السياسية والفكرية للسنة والشيعة: هل هناك (ضرورات) ملجئة لهذه الفتنة؟.. ولهذا الصراع والاقتتال؟

إن الحروب مع (الاعداء انفسهم) لا تنشب الا لـ (ضرورة قصوى).. وتعريف الضرورة ـ باختصار ـ هو: (الموقف الذي اذا لم يباشره المرء أو تباشره الدولة هلك أو هلكت) فأي ضرورة من هذا النوع تضطر الشيعة والسنة إلى الصراع والاقتتال؟

لا توجد ضرورة قط.

ونفي (الضرورة) موقف سلبي، بمعنى أن هناك ـ بين السنة والشيعة ـ ما يوجب التعاون والتآخي.. أو المهادنة والتعايش ـ على الأقل ـ.

1 ـ كل من شهد إن لا إله الا الله وان محمداً رسول الله فهو مسلم.. والسنة والشيعة يشهدون بذلك فهم (مسلمون).

سئل شيخ الاسلام ابن تيمية: عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة (أي الشيعة)؟ فأجاب: «الحمد لله. كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به، وان كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم».

ومن قال: إن آل البيت ـ الذين يتولاهم الشيعة ـ: ليسوا سنة؟: بمعنى أنهم متبعون لسنة جدهم العظيم نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، مقتدون بهديه: إنفاذا لقول الله عز وجل «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا».. وقوله: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا».. وبمعنى أنهم كانوا يترضون على صحابته الكرام كما ثبت ذلك عن الأئمة علي بن ابي طالب، الحسين بن علي، وعلي زين العابدين، ومحمد الباقر وجعفر الصادق.

ومن قال إن آل البيت ليسوا (أئمة) لأهل السنة؟.. ان اهل السنة والجماعة يؤدون الركن الخامس من اركان الاسلام وهو (الحج). ويتعبدون الله بهذه الشعيرة الجليلة: بموجب حديث رواه إمام كبير من أئمة آل البيت وهو: جعفر بن محمد.. روى مسلم ـ في صحيحه ـ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسحاق بن ابراهيم جميعا، وعن حاتم. قال ابو بكر: حدثنا اسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد عن ابيه قال: «دخلنا على جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ. فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب. فقال مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته ـ وهو أعمى ـ فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بيده، فعقد تسعا فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة..» ثم روى جعفر بن محمد حديث حجة النبي: بطوله وتمامه.. وهذا الحديث هو (العمدة) في حج أهل السنة والجماعة، وفي نسكهم: من الإهلال إلى الوداع.

وهذا (فقه جعفري)!! يؤدي أهل السنة نسكهم في الحج بمقتضاه. ولتمام الفكرة وجلائها ينبغي أن نعرف من هو جعفر بن محمد؟.. هو: جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.. وثمة ضمائم لطيفة في السياق: فجد جعفر الصادق لأمه هو أبو بكر الصديق. فأُم جعفر هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر الصديق.. وأم القاسم هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ولذلك كان جعفر يقول: «وَلَدَنِي الصدّيق مرّتين».. ومن هذه الضمائم اللطيفة أيضاً: أن جماعة من أعيان أهل السنة رووا عن جعفر الصادق.. من هؤلاء: يحيى بن سعيد. وابن جريج. ومالك بن أنس. والثوري. وابن عيينة. وأبو حنيفة. وأبو أيوب السجستاني.

2 ـ ومن موجبات التعاون أو التعايش: أن الحجيج ينادون بـ (وحدة المسلمين).. وبدهي أن وحدة المسلمين لا تقوم على التحريش والتحريض والتهييج والصراع الدامي.. إنهم جميعاً يؤمنون بـ (القرآن) ـ أَوَلَمْ يسمعوا الله وهو يقول ـ في كتابه المجيد ـ: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، وهو يقول: «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم».. وهم جميعاً يؤمنون بالرسول.. أَوَلَمْ يسمعوا الرسول وهو يقول: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».

3 ـ ومن موجبات التعاون أو التعايش: انه اذا كان الحجيج ـ السنة والشيعة ـ يقولون: نريد نصرة الإسلام، فإن هذه النصرة لا تتحقق في ظل الصراع والاحتراب.

4 ـ ومن هذه الموجبات أو المقتضيات ان (العدو المشترك) يريد نفي الإسلام ذاته، وضرب الأمة كلها: على اختلاف عناوينها المذهبية.. نعم.. قد يقتضي ترتيب أولويات العدو: البدء بهذا الفريق أو ذاك. لكن الهدف الكبير هو قصم ظهر الأمة. وسحق حياتها أو نبذها خارج الحاضر والمستقبل والتاريخ ومن المفيد تصور السيناريوهات الآتية.

أ ـ سحقوا العراق: دولة وشعبا ومؤسسات.

ـ يتلمظون الآن على ايران ـ لهذا السبب أو ذاك ـ.. بهذه التعلة أو تلك.

جـ ـ السؤال الذي يتوجب على ساسة المنطقة وأجهزة أمنها الوطني: الجواب عنه هو: ومن بعد ايران؟.. على من يأتي الدور في قائمة التفجير والقضم والقصم؟. مهما كان الجواب، فإن الحساب السياسي المسؤول.. والأمانة الوطنية المرهفة.. والتبصر العقلاني الضروري. كل ذلك يقضي بـ «التحرر الكامل» من خداع الذات: خداع الذات الذي يجعل الجواب عن ذلك السؤال الكبير: نعم.. ان ضرب ايران ـ اذا وقع ـ سيكون هو ختام الزلازل والتفجير والقضم والقصم.. نعم.. بعد ضرب ايران ستنعم المنطقة باستقرار مكين، وأمن وطيد، وسلام شامل.. وراحة مطلقة.. ان التحرر الشجاع من اغلال مثل هذا السؤال لا تمليه عبرة التاريخ السياسي البعيد، وانما تمليه عبرة حاضرة لا تزال المنطقة تتلظى بنارها المستعرة.. لقد قيل: ان غزو العراق واسقاط نظام صدام حسين: عملان استراتيجيان تاريخيان سيجلبان الامن والاستقرار والراحة للمنطقة وأهلها، فهل صدقت هذه المقولة؟.. ان الوقائع على الارض كذبتها وأخزت قائليها. فها هو العراق بشهادة الفاعلين أنفسهم: أصبح مصدر تهديد لمحيطه الاقليمي بما يدور فيه من صراع طائفي ومذهبي رهيب يوشك ان ينتقل الى خارج العراق، بل ان البعض حاول مد شواظه الى لبنان في هذه اللحظات العصيبة.

5 ـ ومن موجبات التعاون ـ أو التعايش ـ: ان الجميع ـ شيعة وسنة ـ يريد ان يبني نفسه وينميها وينهض نهوضا يعتقه من خزي التخلف واصفاده، ويكهرب خطوه للحاق بمن سبقه في حقول المعرفة والتكنولوجيا والتنظيم الاداري والاستثمار الاقتصادي.. وهذا النهوض المبتغى يستحيل ان يتحقق بينما تهدر طاقات البناء والنهوض في معارك صغيرة بائسة: معارك التناحر والصراع الدامي على أسس طائفية.

6 ـ ومن هذه الموجبات: ان هذا الكوكب الارضي قد وسع الناس من كل ملة. فهناك اليهود.. والنصارى.. والبوذيون.. والشيوعيون.. وعبدة الأوثان.. والكوكب الذي وسع هؤلاء جميعا ـ ونظائرهم ـ أفلا يسع الشيعة والسنة؟.. ان الله تعالى يقول: «الأرض وضعها للأنام».. ونحن ندري: ان الشيعة والسنة من الأنام، أي الناس.. أم أن هناك من عنده رأي آخر؟!.

مهما يكن من أمر، فإن العالم الاسلامي لم يبلغ درجة (الغرغرة) أي الثواني التي تسبق الموت.. وكما ان التوبة مقبولة قبل هذه اللحظة، فإن (العمل الفكري والسياسي) أمر ممكن ايضا. ومن هذه الممكنات أو (المستطاعات):

أ ـ التفكير الجاد والمسؤول في هذه القضية ـ كأسبقية فكرية وسياسية وأمنية ـ. ونعني بذلك: ألا يستهين أحد ـ سياسي او عالم او مفكر ـ بهذه الالغام الخطرة المدمرة التي ان لم تحاصر وتكبت وتعالج، فإنها ستُبقي الأمة كلها ـ عقودا متطاولة في المستقبل ـ في ظلمات التخلف بمعنييه: المعنوي والمادي.. فالخصم لا يعادي عقائدنا فحسب، بل انه يعادي (نهضتنا المادية) ايضا.. ورج الأمة بالزلازل الطائفية والمذهبية هو سبيله الى تعطيل النهضة.

ب ـ التوسع العلمي في دراسة هذه الظاهرة المرضية (ظاهرة التعصب).. والدراسة توطئة للعلاج الجذري الصحيح.. فالتعصب ـ علميا ـ هو: التفكير السيئ عن الآخرين دون وجود دلائل كافية، وهو اتجاه انفعالي متصلب نحو جماعة معينة، وهو كراهية تقوم على اساس تعميم خاطئ، وهو العوامل التي تقود الاشخاص الى تكوين اتجاهات تعصبية ترتبط بصورة وظيفية بالعملية التي يصبح الفرد بمقتضاها عضوا في جماعة.. فالمتعصب بعيد ـ من ثم ـ عن حقائق الديانة، وصفاء التدين وسماحته ورقيه: وان صلى وصام وحج وزعم انه مسلم.

ج ـ تفجير انهار رائقة من (ثقافة التسامح) والتقبل المتبادل.. ولهذه الثقافة جذورها الراسخة في الأمة.. مثلا: لم نقرأ ولم نسمع ان أحدا معتدا به من اهل السنة: ينال من آل البيت او يسيء اليهم، بل الكل يحبهم ويصلي عليهم.. وهذا مدخل جميل ينبغي ان يتفهمه الشيعة، وان يقابلوا ذلك بالترضي على اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين زكاهم القرآن.

د ـ التواطؤ الصدوق والجاد على التوجه برسالة الاسلام الى (غير المسلم)، طالما أن السنة والشيعة داخلون في دائرة الإسلام، وليسوا في حاجة الى الدعوة الى (دين جديد). فإذا قبل غير المسلم دين الاسلام: باقتناعه الحر، واختياره المستقل: ظفر السني او الشيعي بخير كثير، وان لم يقتنع: جوزي من قام بالبلاغ بالمثوبة والأجر.. هذا أولى وأفضل من (التبشير البيْني) المثير والمهيج.
[line]

castle
27-01-2007, 07:12 AM
حوار مع المشير/ عبد الرحمن سوار الذهب

مجلة المجتمع – العدد: 1673 ( أجرى الحوار: محسن عبد الفتاح )

أكد المشير عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس الأسبق للسودان الشقيق، والرئيس العربي الوحيد الذي تنازل طواعية عن الحكم وسلم القيادة سلميًا لغيره.. أن العالم الإسلامي يمر بمرحلة حرجة تعتبر من أخطر المراحل التي تمر بها الأمة.. ذلك أن ما كان يحاك في الخفاء ضد الإسلام أصبح يتم علنًا بكل صلف وتبجح.. وأنه رغم هذه الصورة القاتمة للواقع الإسلامي والمظالم التي ترتكب في حق المسلمين، فهناك صحوة ووعي ونهضة للإنسان المسلم تلوح بشائرها في الأفق.. وأضاف في حواره أنه يعتقد أن ولاة الأمر الإسلامية وقادتها يدركون حقائق الأمور وما يحاك من الغرب ضد عالمنا الإسلامي.

كما تطرق المشير سوار الذهب إلى متطلبات نهضة الأمة، والدور المطلوب من أجل تحقيق ذلك من الحكام والمحكومين.. وتحدث عن الانسحاب الصهيوني من غزة وما استتبعه من دعاوى لتطبيع مع العدو من قبل البعض. وهذا نص الحوار:

· يمر العالم الإسلامي هذه الأيام بفترة حرجة غير مسبوقة تمثلت بالدرجة الأولى في هجمة شرسة على المسلمين وألصق البعض بديننا الإسلامي السمح صفة الإرهاب! .. هل لكم أن توضحوا أسباب ذلك؟

حقيقة وكما هو واضح أن الإسلام يمر بمرحلة حرجة تعتبر من أخطر المراحل التي مرت بأمتنا! ومرد ذلك لأسباب عدة.. أولها ما يبيت للإسلام منذ فترة بعيدة، وإذا ما رجعنا إلى مطلع التسعينيات من القرن الماضي وتحديدًا مع انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي وجدنا أن هذا الحدث الكبير كان من نتائجه زوال حلف وارسو القوة العسكرية الكبرى .. وكان من المنتظر أن يزول بعد حلف الأطلسي (القوة المقابلة له في الجانب الآخر)، وهو المعسكر الرأسمالي الغربي .. وعندما تم سؤال قادته العسكريين لماذا بقي الحلف رغم زوال الأسباب التي دعت لقيامه قيل بالنص: إن الحلف باق ليواجه الخطر القادم وهو الإسلام!!

إذن هناك نوايا مبيتة منذ فترة بعيدة وحتى يومنا هذا، تمثلت في حملات وافتراءات مستمرة ضد الإسلام .. والإسلام كما هو معروف لكل منصف أنه دين السلام، وتاريخ الإسلام الممتد على مدى أكثر من ألف وأربعمائة عام؛ يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإسلام والمسلمين لم يرتكبوا أية جرائم في حق أي شعب أو عرق أو قومية، أو كما يطلق عليها حاليًا جرائم جماعية ضد الإنسانية؟ لقد واجهوا المسلمين في معارك وخسروها.. فما انتصر الإسلام والمسلمين ضد عدوهم إلا وأمَّن للطرف الآخر المهزوم حقه في الحياة بكل السبل الإنسانية .. وليس كما يرتكب الغير – من المنتصرين من الديانات الأخرى – كل أنواع جرائم الحرب ضد الآمنين العزل من غير العسكريين. والتاريخ القديم والحديث والمعاصر شاهد على ذلك .. بل إن هناك الكثير من الأحداث التي ذكرها تاريخ الإنسانية لجرائم وإبادة وقعت بين المتحاربين من أصحاب الدين الواحد من غير المسلمين.

فمنذ فترات والإسلام يتعرض لهذا المخطط، وتحاك المؤامرات ضد المسلمين، وإذا ما أضفنا إلى ذلك المظالم التي وقعت في عصرنا الحاضر ضد المسلمين .. خاصة قضية فلسطين التي اغتصبت أرضها وشرد شعبها، وذبح أبناؤها، ولم ينصفها المجتمع الدولي، أو ترد الأمم المتحدة حقوقها التي تضمنتها عشرات القرارات الصادرة عنها - خاصة في استخدام حق الفيتو من قبل الولايات المتحدة الأمريكية – لتأكد لنا من خلال هذه المواقف غير المبررة أن المستهدف هو الإسلام والعدو هم المسلمون!

ولن نذهب بعيدًا ونستشهد بأحداث تاريخية.. يكفي أن نستحضر أحداث 11 سبتمبر المشؤومة التي وقعت عام 2001م، وكيف أن جميع الدولي الإسلامي استنكرتها وأدانتها الشعوب العربية، ورغم ذلك تم توجيه الاتهامات لنا ووصم الإسلام بالإرهاب زورًا وبهتانًا، وراح المجتمع الغربي والأمريكي تحديدًا يتعامل مع كل ما هو إسلامي بالشك والريبة، وأننا العدو الوحيد والأوحد للإنسانية، وأصبح ما كان يحاك ضد المسلمين في الخفاء يمارس اليوم في العلن، دون حياء أو خجل، بل وبكل صلف وتبجح وكذب وافتراء.. وراحت الولايات المتحدة تحارب المسلمين تحت دعوى محاربة الإرهاب، ورفع رئيسهم شعار "من ليس معنا فهو ضدنا!". بل إن الاجتماعات التي عقدت في سبتمبر الماضي بمناسبة العيد الستين لميلاد المنظمة الدولية تجاهل ممثلي الدول العربية، بل أستطيع أن أقول إنهم تعمدوا عدم تعريف معنى الإرهاب حتى يخلطوا الأوراق ويصبح الجهاد ومقاومة المحتل إرهابًا. وممارسة الإرهاب من قبل دول بعينها دفاعًا عن النفس! ... وهذا ما يحدث اليوم من طرف الدولة العبرية ضد الشعب العربي في فلسطين أمام المجتمع الدولي، بل نجد من يكفل لهذه الممارسات الإرهابية الحماية باستخدام حق الفيتو إذا ما حاول بقية الأعضاء الشجب أو الإدانة!

ورغم هذه الصورة القاتمة والمظالم التي ترتكب في حق شعوب عربية وإسلامية مثل ما يقع اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان وعدم الإنصاف من قبل البعض في العالم الغربي لهذا الواقع، إلا أننا أعلنا رفضنا لبعض الأحداث التي وقعت بدول أوروبية ضد أناس مدنيين، ولم يمنعنا ظلمهم لنا أن نقول الحق ونشجب هذه الأفعال التي تطال أبرياء لا ذنب لهم، ومع ذلك تحامل الغرب ضدنا وألصق تهمة الإرهاب بالمسلمين جراء هذه الأفعال التي قام بها أفراد قلة!

في نفس الوقت نجد بعض المسيحيين بالعالم الغربي يقوم بمثل هذه الأفعال مثلما كان يحدث في بريطانيا من قبل أعضاء من الجيش الجمهوري الأيرلندي ولم تلصق تهمة الإرهاب بالمسيحية أو من يدينون بها!

كذلك ما نراه هذه الأيام من السلطات الفرنسية بخصوص إبعاد بعض الأئمة دون أية تهمة أو إدانة استنادًا لقوانين جائرة صيغت وفصلت تفصيلاً ضد المسلمين المقيمين في فرنسا.

أقول: رغم هذه الصورة القاتمة والهجمة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين فهناك صحوة إسلامية ووعي ينتشر بين شعوب العالم الإسلامي جراء هذه المظالم وتلك الافتراءات التي توجه ضدنا من الغرب، وبدأت بشائر هذه الصحوة وذلك الوعي تلوح في الأفق المنظور وسوف تؤتي ثمارها قريبًا إن شاء الله.

·كيف نواجه هذه التحديات حكامًا ومحكومين؟

أعتقد أن ولاة أمر الدول الإسلامية خاصة في أمتنا العربية يدركون حقائق الوضع الذي يجري الآن ضد الإسلام والمسلمين، وأتصور أن عددًا منهم يتفهمون بصورة طيبة ما يحاك ضد المسلمين من أعمال لا تتفق ومنطق العدالة، ومن هذا المنطلق أتصور أن قادة الأمة يدركون ما ترمي إليه هذه الهجمة الشرسة من الغرب ضد العالم الإسلامي، وقد شاهدنا من المواقف الرافضة لهذه المظالم من المسؤولين في الوطن العربي والعالم الإسلامي ما يؤكد أن هؤلاء القادة ينظرون إلى هذه القضايا برؤية دقيقة، وإذا استثنينا بعض الحالات التي لا تحسب على الأمة فإنني على يقين أن منطق الأحداث وتجارب التاريخ يؤكد أن النصر دائمًا للشعوب صاحبة الحق، إذا واصلت كفاحها وضحت من أجل استرداد حقوقها وأولها حقها في حياة حرة كريمة.. وهذا ما عنيته في إجابة سابقة أن هناك صحوة ووعيًا ويقظة تعم الشعوب الإسلامية جراء هذه الهجمة الموجهة إلينا من الغرب.

من هنا يجب على الحكام والمحكومين التكاتف والتلاحم من أجل درء هذه الهجمة التي من الممكن أن تصيبنا بأبلغ الضرر إذا لم نواجهها بكل ما نملك من قوة متكاتفين ومتعاونين.

· ذكرتم المؤامرات تحاك ضد الإسلام من قديم.. فكيف هي الأوضاع بعد أحداث سبتمبر وازدياد ضراوة الهجمة ضد المسلمين؟

كما ذكرت فإن هذه الحملة الجائرة التي انطلقت ضد عالمنا الإسلامي بعد أحداث سبتمبر، لم تعد خافية على أحد حتى على الإنسان المسلم البسيط، وبنفس القدر نجد أن حكامنا يتفهمون خطورة هذه الأوضاع، لكن التعامل معها يتطلب نوعًا من الحكمة في التعامل معها خاصة أن هناك دولاً عربية وإسلامية لها ارتباطات وتعاملات مع العالم الغربي من الصعب الانفكاك منها بين يوم وليلة مثل قضية استيراد المواد الغذائية، خاصة القمح والأسلحة وخلافه.. وهذه الحاجة يستغلها الغرب ولا شك ويضعها في حسابه عند تعامله معنا ويملي شروطه علينا.. من هنا يجب علينا التخلص شيئًا فشيئًا من اعتمادنا على الغرب في توفير احتياجاتنا والاعتماد على أنفسنا، لأن ذلك مرتبط بقرارنا السياسي في أمور كثيرة. وكما تقول الحكمة: من لا يملك غذاءه لا يملك قراره.. في نفس الوقت نحن كدول عربية لدينا الأراضي الزراعية التي لم تستغل بعد ولدينا وفرة في الأيدي العاملة، كذلك لدى البعض الفائض المالي الذي يتحتم عليه كمسلم أن يستثمره لمصلحة أهله وبني وطنه.. من هنا وقياسًا على بقية المجالات يجب علينا التنسيق فيما بيننا لتوفير احتياجاتنا الضرورية لنتحرر من قيود الغرب واستغلاله لحاجتنا التي تتزايد يومًا بعد يوم.

· يرى بعض المسؤولين أن الوقت مناسب لإقامة علاقات رسمية مع العدو ويشجع البعض الآخر تطبيع العلاقات الشعبية معه خاصة بعد انسحاب غزة.. ما رأيكم في هذا؟

أنا أتصور فيما يخص قضية التعامل مع العدو الصهيوني وباستثناء بعض الدول العربية التي اضطرت لسبب أو لآخر لتوقيع اتفاقيات سلام – أنه ليس هناك مبرر للدول الأخرى أن تقيم علاقات مع هذا الكيان الذي لا يزال يغتصب أراضي عربية لأكثر من دولة فضلاً عن احتلاله لمدينة القدس، وتكبيله للمسجد الأقصى بسلاسل وقيود الاحتلال العسكري.. فليس من الحكمة الآن إقامة أية علاقات أو تطبيع أو تعاملات مع الكيان الصهيوني على المستوى الرسمي أو الشعبي، ومن السابق لأوانه الإقدام على مثل هذه الخطوات الآن.

· مؤخرًا وبعد احتلال دام قرابة أربعين عامًا تم إجلاء العدو من غزة .. فماذا بعد غزة؟!

أنا أتصور أن القيادة الفلسطينية تدرك تمامًا أن انسحاب العدو من غزة لم يكن من باب رد الحق لأصحابه، بل يرجع إلى مقاومة الشعب الفلسطيني وتضحيات شهدائه.. قرابة أربعة عقود من الاحتلال والتضحيات الجمة.. في نفس الوقت لابد على الفصائل الفلسطينية أن تبقى موحدة وأن تأخذ حذرها مما يحاك لها من جانب العدو الذي يعمل على تغذية الخلافات وزرع الفرقة فيما بين أبناء الشعب الواحد، وأن تتعاون مع السلطة الشرعية حتى لا تقع المواجهات – لا قدر الله – بين السلطة ممثلة في أجهزتها الرسمية وبين فصائل المقاومة، ولا يجب أن يوجه سلاح فلسطيني إلى فلسطيني آخر، فهذا ما يتمناه العدو ويعمل من أجله!

وعلى الأخوة في فلسطين – وأنا متأكد من وعيهم لذلك – تفويت الفرصة وعدم الوقوع في هذا الشرَك القائم، وعليهم ادخار قوتهم للعمل على تحرير بقية الأرض الفلسطينية المحتلة.. فهناك التزامات دولية لابد من الوفاء بها واتفاقات عربية تم قبولها من جميع الأطراف الفلسطينية، فلا يجب أن ينجرَّ البعض لمعارك أو تصرفات خاطئة تحسب على القضية وتعطل المسيرة السلمية ونخسر الضغوط الدولية التي تعمل لصالح القضية .. ولا ننسى أن عدونا ماكر ولا يجب أن نأمن جانبه.. وهكذا قال لنا التاريخ وأكده قرآننا الكريم.[line]
ماذا إن أخفقت جهود الأمريكيين في العراق؟‏!‏

بقلم: مكرم محمد أحمد

جريدة الاهرام

لم تنجح جهود اللحظة الأخيرة التي تضمنها خطاب حالة الاتحاد السنوي‏,‏ الذي ألقاه الرئيس الأمريكي بوش في الجلسة المشتركة لمجلسي الكونجرس يوم الأربعاء الماضي‏,‏ في كسر حدة معارضة الأغلبية الديمقراطية لاستراتيجيته الجديدة في العراق‏,‏ أو ترميم حالة الانقسام التي طرأت علي حزبه الجمهوري نتيجة لهذه الاستراتيجية‏,‏ ولم تفلح محاولاته توسيع نطاق تعاونه مع الديمقراطيين حول عدد من القضايا الداخلية المهمة المتعلقة بإصلاح النظام التعليمي‏,‏ بحيث يضمن مكانا لكل تلميذ في المدرسة‏,‏ وتوسيع خدمات التأمين الصحي التي لم تزل مقصورة علي الوصول الي أكثر من‏48‏ مليون مواطن أمريكي‏,‏ وتبني سياسة مشتركة للطاقة يعتمدها الحزبان الجمهوري والديمقراطي توفر نسبة من الجازولين تصل الي حدود‏20‏ في المائة علي مدي السنوات العشر المقبلة‏..‏

لم تفلح كل هذه الجهود والخطط المشتركة التي تضمنها خطاب حالة الاتحاد‏,‏ في تغيير موقف الديمقراطيين واصرارهم علي استصدار قرار غير ملزم يجري التصويت عليه في مجلس الشيوخ‏,‏ يمكن أن يكون له وقع أدبي ضخم علي الرأي العام الأمريكي‏,‏ يرفض ارسال قوات اضافية الي العراق‏,‏ ويحمل الرئيس الأمريكي المسئولية الكاملة عن فشل سياساته في العراق‏.‏

وجاء رد الفعل الأول لخطاب الرئيس بوش‏,‏ الذي ناشد أعضاء مجلسي الكونجرس اعطاء استراتيجيته الجديدة فرصة أخيرة للعمل في العراق لعلها تجلب النصر وتظهر توحد الديمقراطيين والجمهوريين وتصميمهم المشترك علي هزيمة الراديكالية الإسلامية‏,‏ التي تضم ـ من وجهة نظر الرئيس الأمريكي ـ تحالف قوات القاعدة وجماعات المقاومة السنية وبقايا أنصار صدام حسين والميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران وحزب الله اللبناني‏,‏ جاء رد الفعل الأول مخيبا لآمال الإدارة الأمريكية‏,‏ عندما أصدر رئيسا مجلسي النواب والشيوخ فور انتهاء الرئيس بوش من خطابه‏,‏ بيانا مشتركا‏,‏ يتهم الرئيس الأمريكي بتجاهل ارادة الشعب الأمريكي بإرسال قوات اضافية الي العراق‏,‏ ويؤكد اصرار غالبية المجلسين علي عدم تجاهل سياساته الفاشلة في العراق‏,‏ في الوقت الذي واصلت فيه أغلبية اعضاء المجلسين انتقاداتها للتعديلات التي اقترحها الرئيس الأمريكي علي سياساته الداخلية بهدف ايجاد ارضية مشتركة للتعاون بين الديمقراطيين والجمهوريين‏,‏ بدعوي أنها تتجاهل أس الفساد في سياسات الرئيس الأمريكي الداخلية التي تكمن في سياسة ضريبية فاشلة تعفي الطبقات العليا من المجتمع الأمريكي علي حساب عجز الموازنة‏,‏ وفي ايديولوجية خاطئة‏,‏ تخاصم النظرة العلمية والموضوعية‏,‏ قتلت مصداقية الولايات المتحدة لمصلحة رئيس همه الأول والأساسي برغم فشل سياساته أن يستحوذ علي المزيد من السلطة‏!.‏

فشلت جهود الرئيس بوش في خطاب حالة الاتحاد في تحسين موقفه الصعب داخل الكونجرس‏,‏ أو إشعار المعارضة أنه لن يقبل بمكانة البطة العرجاء علي امتداد العامين الباقيين من فترة حكمه‏,‏ كما فشلت في استعادة ثقة الجمهور الأمريكي‏,‏ الذي انخفضت مساندته لسياسات الرئيس الأمريكي الي حدود‏27‏ في المائة فقط‏,‏ علي حين يعارضها أكثر من ثلثي الشعب الأمريكي برغم التحذيرات الضخمة التي وجهها الرئيس بوش في خطابه‏,‏ وهو يحث الديمقراطيين علي مساندة مبادرته الاستراتيجية‏,‏ مؤكدا أن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق النصر في العراق سوف يدمر العراق ويحيله الي قاعدة تنشر الإرهاب والفوضي في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع‏,‏ وسوف يشجع قوي الإرهاب علي ملاحقة الأمريكيين في عقر ديارهم حتي الولايات المتحدة‏.‏

وما يعنينا من خطاب الرئيس بوش الأخير عن حالة الاتحاد‏,‏ هو الأخطار المتفاقمة التي يمكن أن تهدد أمن الشرق الأوسط‏,‏ اذا فشلت استراتيجية بوش الجديدة في وأد الفتنة الطائفية في العراق‏,‏ وتحقيق المصالحة الوطنية بين السنة والشيعة‏,‏ وتجريد ميليشيات الشيعة من السلاح‏,‏ وإعادة الأمن الي العاصمة بغداد‏,‏ وتعديل الدستور العراقي بما يضمن الحفاظ علي حكومة مركزية قوية تحافظ علي وحدة العراق‏,‏ ووضع حد للنفوذ الإيراني المتزايد في العراق وأثره علي الاستقرار الإقليمي‏,‏ وكلها مخاطر واردة‏,‏ لأن غيبة مساندة الشعب الأمريكي لخطط الرئيس بوش الجديدة‏,‏ وعدم حماس الديمقراطيين للالتقاء مع الرئيس الأمريكي في نقطة وسط‏,‏ وغياب يقين معظم الأطراف بإمكان أن تفي حكومة نوري المالكي بالتزاماتها بما يضمن المحافظة علي أمن العراق ووحدته‏,‏ يجعل تحقيق النصر في العراق مهمة صعبة وأمرا قد يبدو متعذرا‏,‏ خصوصا أن القوات الإضافية تأتي في وقت جد متأخر‏,‏ كما أن حجمها المحدود قد لا يكون كافيا لإعادة الأمن الي العاصمة العراقية‏,‏ التي تضم ثمانية ملايين نسمة معظمهم يكرهون الوجود العسكري في العراق‏,‏ ويستعر في احيائها الآن صدام مسلح بلغ ذراه بين الميليشيات الشيعية التي تسعي الي تطهير أحياء بغداد من السنة والمقاومة السنية التي تدافع عن شعبها‏,,‏ وجميع ذلك يمثل مخاطر ضخمة تفرض علي العرب ضرورة أن يسألوا أنفسهم‏,‏ الي متي سوف يظل اعتمادهم علي خطط أمريكية قد لا يتوافر بها ظروف النجاح‏,‏ خصوصا أن العرب سوف يكونون أكثر الجميع تأثرا باحتمالات الفشل‏,‏ لأن انهيار أمن العراق سوف يؤدي الي انتشار أعمال الارهاب في كل منطقة الشرق الأوسط‏,‏ وربما يوسع من نطاق الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة خارج العراق لتهدد أمن دول عربية تضم بين سكانها خليطا من الشيعة والسنة ويزيد من قوي النفوذ الإيراني الي حد يهدد استقرار التوازنات الإقليمية‏!‏

وفي زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس الأخيرة الي المنطقة‏,‏ حاولت ادارة بوش أن تستثمر هذه المخاطر لترغم الدول العربية المعتدلة علي أن تقف الي جوار مجمل سياساتها الراهنة في الشرق الأوسط‏,‏ لكن كوندوليزا رايس لم تتحصل علي أي التزام يجعل مصر جزءا من هذه الورطة‏,‏ علي العكس حمل المصريون ادارة الرئيس بوش مسئولية كل الذي يمكن أن يحدث للعراق‏,‏ اذا لم تتمكن ادارته من الوفاء بوعودها‏,‏ وحافظت علي وحدة العراق‏,‏ وأعادت التوازن المفقود بين مصالح طوائفه الثلاث ـ السنة والشيعة والأكراد ـ ووضعت نصب عينيها ضرورة نزع أسلحة الميليشيات الشيعية في العراق‏,‏ وتداركت مخاطر الاستقطاب الإقليمي‏,‏ وبذلت جهدا مضاعفا لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏.‏

صحيح أن اعتراف الإدارة الأمريكية بجسامة الأخطاء التي ارتكبتها في العراق جاء متأخرا‏,‏ عندما سرحت ـ بأوامر من بريمر أول مسئول أمريكي في العراق ـ الجيش العراقي والقوات الأمنية بعد الغزو‏,‏ وناصرت عملية اجتثاث البعثيين الي حد إفراغ المؤسسات الأمنية والعسكرية من عشرات الآلاف من المحترفين الذين كان بوسعهم الحفاظ علي أمن العراق‏,‏ واغمضت عينها عن التنامي المتزايد في قوة الميليشيات الشيعية‏,‏ وعن الخلل الجسيم الذي يمكن ان يطرأ علي التوازنات الاقليمية نتيجة إلحاق العراق بسياسات طهران‏,‏ لكن الأمريكيين يؤكدون أنه لاتزال هناك فرصة لتصحيح هذه الأخطاء‏.‏وأستطيع أن أؤكد استنادا الي مصادر دبلوماسية مصرية موثوقة‏,‏ أن كوندوليزا رايس قدمت خلال زيارتها الأخيرة وعودا محددة بالحفاظ علي وحدة العراق ومنع تقسيمه‏,‏ واجهاض سياسات إيران للسيطرة علي مستقبله‏,‏ وتشجيع محاولة دمج العراق مرة أخري في عالمه العربي‏,‏ ونزع أسلحة الميليشيات الشيعية‏,‏ واستكشاف طرق جديدة لتطبيق خريطة الطريق‏,‏ تتجنب متاهة الربط بين ضرورة حل منظمات المقاومة الفلسطينية وازالة نقاط الاستعمار غير القانونية في الأرض المحتلة‏,‏ من خلال سعي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تعاونهما الولايات المتحدة الي استكشاف الآفاق السياسية الممكنة لطبيعة الحل النهائي ومحتواه قبل الدخول في تفاصيل تطبيق بنود خريطة الطريق‏,‏ بما يمكن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من إعادة ترتيب مراحل تنفيذ الخريطة في ضوء اطمئنان الطرفين الي طبيعة الحل النهائي المتفق عليه‏.‏

ولا أظن أن المصريين أو العرب المعتدلين قد اخطأوا بمساندة الأهداف التي التزمت بها كوندوليزا رايس‏,‏ بدعوي أن غالبية الأمريكيين وغالبية الكونجرس الأمريكي لا تمنح خطة بوش الجديدة التأييد الذي يمكن أن يضمن نجاحها‏,‏ لأن تحفظات الكونجرس والجمهور الأمريكي علي خطة بوش الجديدة تنبع من موقف جد مختلف‏,‏ يتعلق بمخاوف أمريكية عميقة من احتمال زيادة أعداد الضحايا الأمريكيين كلما زاد عدد القوات الأمريكية في العراق‏,‏ بينما يسعي الجهد العربي الي إضاءة جدول أعمال واضح لعمل هذه القوات في العراق خلال الفترة المقبلة‏.‏

وقد لا يكون في وسع العرب أو غيرهم ضمان التزام الأمريكيين بتحقيق هذه الأهداف‏,‏ لأن أحدا لا يستطيع أن يجزم بطبيعة المسار الذي سوف تمضي فيه العمليات العسكرية أو يتأكد من نتائجها النهائية‏,‏ لكن العرب ملزمون أكثر من غيرهم بالبحث عن البدائل المختلفة التي يمكن أن تقلل من الآثار السلبية‏,‏ التي سوف يتعرضون لها اذا ما وقع المحظور‏,‏ وفشل الأمريكيون في تحقيق هذه الأهداف‏.‏

ولأن الآثار المتوقعة لهذه الانتكاسة يمكن أن تكون فادحة تزلزل أمن الشرق الأوسط واستقراره‏,‏ وتعصف بأمن دول عربية عديدة‏,‏ يصبح من الضروري ألا يأخذ العرب موقف الانتظار الي حين وقوع المحظور‏,‏ أو يكتفوا بتحميل الأمريكيين مسئولية ما يمكن أن يقع‏,‏ لأن مسئولية النظم والدول العربية إزاء شعوبها سوف تجب مسئولية الآخرين ولأن آثار هذا الزلزال المخيف وتوابعه يمكن أن تتواصل إلي حد إشاعة الفوضي العارمة في الشرق الاوسط ودوائره القريبة والبعيدة ولأن الأمريكيين برغم خطورة الشرق الأوسط وأهميته الاستراتيجية يمكن أن يعودوا الي سياسة الانطواء علي الذات تاركين دول المنطقة لمصيرها اعتمادا علي القوة الإسرائيلية‏.‏

ومع الأسف لا تشغل مراكز الدراسات الاستراتيجية العربية المتعددة في المنطقة نفسها بهذا الاحتمال‏,‏ ولا يوجد الحد الأدني من التوافق العربي حول الخطط والحلول البديلة‏,‏ علي العكس تشتعل الحرائق في كل مكان‏,‏ في فلسطين ولبنان والصومال والسودان لتشتت الجهد العربي‏,‏ ويتلهي كل قطر عربي بمشكلاته بينما الخطر المحدق بالجميع يكاد يكون أقرب من حبل الوريد‏. [line]

castle
27-01-2007, 07:24 AM
انكسار النظام العربي!

عيد بن مسعود الجهني
مفكر سعودي .. رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية

الحياة - 27/01/07//

الواقع يقول إن تاريخنا الحديث يحكي قصة انتكاس العرب، فقد شهدت الخمسينات الصراع بين ما سمي بالقوميين العرب، واليساريين العرب، فتدخّل كل فريق في الشؤون الداخلية للآخر، وانشطر الفريقان الى قسمين، احدهما تعلق بأهداب الاتحاد السوفياتي السابق، والآخر يمّم صوب الرأسمالية وعلى رأسها أميركا.

دارت الدوائر على العرب فشنّت بريطانيا وفرنسا والدولة العبرية حربها على مصر بما عرف بالعدوان الثلاثي ثم جاءت حرب 1967 التي كانت بما يشبه العاصفة بعدوان إسرائيلي على ثلاث دول عربية في آن واحد، مصر والأردن وسورية، ولا تزال بعض الأراضي العربية في سورية ولبنان تحت الاحتلال بعد ستة حروب إسرائيلية خططت بدقة على العرب.

وإنْ كان العرب قد انتصروا عام 1973، فقد تلا ذلك تمزّق شديد في صفوفهم بعد زيارة السادات لإسرائيل، وتعرضت مصر للعزلة لأكثر من 12 عاماً، ثم اشتعلت الحرب العراقية - الإيرانية لثماني سنوات استنزفت القدرات والثروات العربية وخسرت العراق والعرب وكسبت إسرائيل.

وتعمقت فجوة الانكسار العربي بشكل غير مسبوق بالغزو العراقي للكويت الذي قضى على بارقة الأمل البسيط ووميضها الخافت في آخر النفق الطويل، وأهدرت أموال طائلة وأصيبت الآلة العسكرية في مقتل، وأصبح ميزان القوى بلا منازع لمصلحة إسرائيل والنهوض من هذه الكبوة يحتاج الى زمن طويل.

للأسف هذه هي حالنا، ضعف مخجل، وخور مذل، ولكن بدلاً من محاولة النهوض، انشغلنا بالكيد لبعضنا بعضا، والتآمر مع أعدائنا على أمتنا، وتدبير المؤامرات الدنيئة من الأخ تجاه أخيه، وغزو الجار لجاره في عقر داره! فماذا نتوقع بعد ذلك غير مزيد من الضعف والهوان والذلة؟ ولو كانت الدموع تحيي أمواتاً لذرفنا بدلها دماً، ولكن متى أحيت الدموع ميتاً؟!

لم يدخل الأعداء من ثغورنا، ولكنهم دخلوا من عيوبنا فاحتلوا الأرض، واعتدوا على العِرْض وسيطروا على مقدرات الأمة، وأصبحت أمة الإسلام التي كانت تمسك بزمام العالم وتقوده فينصاع لها، ويتبع خطاها طوعاً أو كرها... أصبحت هذه الأمة أمة ضعيفة متخلفة تُقاد ولا تقود، وتتأثر ولا تُؤثر، ومن ضعفها وخورها وتشتتها تداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وهي لا حول لها ولا قوة، لماذا؟ لأنها تخلت عن أسباب سؤددها وعزتها يوم أن تخلت عن التمسك بدين الله القويم، ومنهجه السليم.

وماذا بعد عن حال الأمة المتدهورة؟ تفتحت عين من جاءوا لتحرير (النفط) على خور هذه الأمة التي ابتعد بعض قادتها، وتبعهم المؤيدون والمستفيدون، عن مبادئ وقيم الدين التي ساد بها سلفنا الدنيا فاتحين أكثر بلاد العالم في زمانهم، هذه الأمة التي تمتلك مفاتيح أغلى كنوز الأرض (النفط والغاز) ناهيك عن غناها بالموارد الأخرى، وموقعها في قلب العالم استراتيجياً حيث المضائق والقنوات والممرات المائية المهمة تكشف للعم سام شتاتها وضياعها وجاهزيتها (للاغتصاب) من دون أدنى مقاومة!

النظام العربي أصبح هزيلاً ضعيفاً فاقد التوازن لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه، لقد أصبح حبيس الإرادة الدولية ورهن إشارتها، لا يستطيع الفكاك عن سطوتها، ومع انكسار الاتحاد السوفياتي (السابق) السريع مع نهاية عام 1991 والتحول العالمي من الثنائية القطبية الى القطبية الأحادية انهارت معنويات بعض الأنظمة العربية التي تعلقت بأهدابه ولم يكن أمامها بديل سوى أميركا التي انفردت بالنظام الدولي تديره من البيت الأبيض كما تشاء.

ومع هيمنة الادارة الأميركية على العالم بعد أفول الاتحاد السوفياتي أخذت تعيد ترتيبه بما يتفق ومصالحها، ليتسنى لها التهام الفرائس واحدة تلو الأخرى، (الفريسة) الاولى النظام العربي (المريض) برمته وسط التناقضات العجيبة وتعمق بذور الفرقة والتعصب المذهبي، التي لم تكن غريبة على هذا النظام الذي تفككت وحداته السياسية وفقد ما تبقى من حركته الديناميكية الإقليمية وتشتتت جهوده وسط الخلافات الداخلية بين بعض الدول العربية.

وعلى مدى عشر سنوات روّضت الادارة الأميركية هذا النظام المنكسر أصلاً، وعملت على جاهزيته، لامتصاص أي حدث كبير، بل ومشاركة البعض في خلق ذلك الحدث مع غياب دور القمم العربية وموت الجامعة العربية السريري.

وكانت الطامة الكبرى احتلال العراق بعد أفغانستان بغزو أميركي - بريطاني بعيداً من مظلة الأمم المتحدة الذي انتهى معه استقلال بلد عربي كبير كان رصيداً قوياً في منظومة الأمن القومي العربي، وأصبح العراق اليوم عرضة للنهب والسلب من أميركا وبريطانيا وللاختراق من إسرائيل اضافة الى تدخُّل إيراني فاضح في شؤونه الداخلية ومنها الأمنية، فبعض الميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران تنفذ أجندة تخدم المصالح الإيرانية ضد مصلحة بلاد الرافدين التي أعادها الاحتلال الى القرون الوسطى.

وأصبح العراق بوابة العرب الشرقية، مطمعاً للمحتل بثرواته وعين ايران عليه، التي قال رئيسها نجاد الأسبوع الماضي ان بلاده ماضية لتصبح دولة نووية عظمى حتى ولو صدرت عشرات القرارات الدولية لِلَجْم طموحاتها، والتي لا شك ان في مقدمها السيطرة على العراق الذي قدمه لها سيد البيت الأبيض هدية هذا القرن المشحون بالأحداث الجسام.

وجاء انقضاض أميركا وإثيوبيا على الصومال (الضعيفة) في زمن لا يعترف إلا بالقوة والعرب للأسف فاقدو (القوة) (والحيلة)، سلاحهم الشعارات الفارغة والخطب الرنانة والتهديدات الزائفة (قذف إسرائيل في البحر... حرق نصف إسرائيل - اللي مش عاجبه يشرب من البحر).

ولكن ونتيجة للتفكك والضعف كان العرب هم من شربوا من البحر حتى امتلأت بطونهم فقد تمت السيطرة عليهم وخضعوا مكرهين لقوى الاستكبار وتلاشت أوهامهم وماتت أحلامهم التي كانت مجرد أمانٍ بعيدة المنال، وتخلوا عن المواجهة وانصرفوا للتبعية للغرب وعلى رأسه أميركا لزمن لا يُعرف مداه، يحمل معه غموض مستقبل الأجيال المقبلة.

العرب اليوم يجهلون تماماً أو يتجاهلون أن هذا العصر هو زمن (القوة) والعالم لا يصغي إلا للقوي (والقوة) هي التي كسرت شوكة العراق ارض الرافدين، زمن سطوة أميركا على السياسة الدولية بعد ان تبنت السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس بوش الابن مبدأ القوة من منطلق ان أميركا (القوية) تعيش في عالم خطير على نمط نظرة توماس هوبز للحياة، وكأنها حرب (الكل ضد الكل) لتصبح القوة هي الأداة المهمة في التعامل.[line]

castle
28-01-2007, 09:54 PM
ثلاثون عاماً على «تظاهرات الخبز» في مصر

محمود عوض

الحياة - 28/01/07//

بين وقت وآخر تكتسب بعض وقائع التاريخ عند إعادة فحصها أهمية ودلالة ربما كانت خافية في حينها، ثم أهمية أكبر في الحاضر على ضوء الاستمرار في تكرار الأخطاء نفسها، وبالعقلية نفسها. والحدث الذي أتوقف عنده هنا هو ما سمي تاريخيا «تظاهرات الخبز» في مصر في مثل هذا الشهر قبل ثلاثين سنة، وسماه أنور السادات «انتفاضة الحرامية» متمسكا بتلك الرؤية حتى رحيله.

الحدث قد يبدو لأول وهلة محليا، بل وحتى مألوفا بين وقت وآخر في دول عديدة. وشرارة الحدث انطلقت أساسا من قيام الحكومة في مصر برفع أسعار خمسة وعشرين سلعة أساسية، منها الأرز والخبز والسكر والسجائر والغاز وبنزين السيارات... إلخ. الرفع المفاجئ لتلك الأسعار أشعل غضبا شعبيا في مصر عبر عن نفسه في تظاهرات عارمة ضد الحكومة والنظام بما فاجأ الجميع وأولهم الرئيس أنور السادات، وفي بعض الروايات دفعه إلى التفكير بالفرار بالطائرة لجوءاً إلى صديقه الشاه حاكم إيران في حينها. لكن هذا لم يحدث لأن إلغاء زيادات الأسعار وفرض حظر التجول وإنزال الجيش إلى الشوارع أعادت الأمن المختل في الشارع المصري، وهي لحظة استثنائية تماما. فلم تحدث مثل تلك الإجراءات في مصر قبلها مطلقا منذ حريق القاهرة في مطلع سنة 1952.

من المنظور التاريخي تكتسب أحداث 18 و19/1/1977 في مصر أهمية مضاعفة انطلاقا من مجموعة حقائق.

فأولا: لم يحدث في التاريخ المصري الحديث، ربما منذ ثورة 1919، أن خرج الشعب بمجموع طوائفه معلنا غضبه العارم ضد السلطة الحاكمة، وطوال 48 ساعة متصلة، امتدت فيها التظاهرات الغاضبة من الإسكندرية شمالا إلى أسوان جنوبا، حيث كان السادات يقضي وقته في مشتاه واستراحته المفضلة هناك.

ثانيا: ان حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 لم يكن مضى عليها سوى ثلاث سنوات وبضعة اشهر. وهي الحرب التي أعطت السادات شعبية غير مسبوقة في الشارع المصري وحتى في الشارع العربي، بما سمح له أن يبشر الجميع بالسلام مع اسرائيل المقبل على الأبواب ومعه الرخاء الاقتصادي للمصريين جميعا بعد طول تقشف والانفتاح على أميركا والغرب بعد طول مواجهة، والمعونات العربية المقبلة إلى مصر بمليارات الدولارات بعد القفزة الكبيرة في أسعار البترول كنتيجة مباشرة لحرب أكتوبر واستعادة البترول العربي لبعض حقوقه الضائعة.

ثالثا: استعداداً لاستقبال مليارات الدولارات الهابطة من السماء صدرت في مصر قوانين جديدة تعطي امتيازات غير مسبوقة للاستثمارات الأجنبية والسماح لأول مرة منذ عقود بوجود بنوك أجنبية في مصر، وأميركية تحديدا افتتحت لها فروعاً في مصر عقب زيارة ريتشارد نيكسون سنة 1974، كأول رئيس أميركي يجيء إلى مصر زائرا. إنها الزيارة التي عبأ أنور السادات لإنجاحها كل أجهزة الدولة المصرية، احتفالا بالرئيس الأميركي الذي بشر بعهد جديد مع مصر عنوانه الاستثمارات الفورية والالتزام بمساعدة مصر على بناء مفاعلات نووية ضخمة لتوفير الطاقة الكهربائية استعدادا لقفزة اقتصادية كبرى تلوح في الأفق.

رابعا: استعادة مصر علاقاتها الحميمة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهي العلاقة التي أصبحت سلبية تماما منذ سحب البنك الدولي عرضه في سنة 1956 بالمشاركة في تمويل مشروع بناء السد العالي في مصر، الذي كان بالغ الحيوية للاقتصاد المصري تاليا. بعد ذلك أصبح روبرت ماكنمارا رئيس البنك الدولي يكرر زياراته لمصر، ولأنور السادات تحديدا، مبشرا بأن البنك اتعظ من اخطاء الماضي ويسعى لفتح صفحة جديدة من التعاون مع مصر تؤدي بدورها إلى تشجيع قدوم الاستثمارات الأجنبية إلى مصر بمليارات الدولارات.

خامسا: ان اتفاقيتي فض الاشتباك اللتين أبرمهما أنور السادات مع اسرائيل بمشاركة أميركية سمحتا لمصر بإعادة فتح وتشغيل قناة السويس وباسترداد بترولها المنهوب في سيناء، وهما موردان حيويان تماما كان الاحتلال الإسرائيلي حرم مصر منهما منذ نكسة حزيران (يونيو) 1967. فوق هذا وذاك كانت استجدت منذ 1974 تحويلات مالية متزايدة من مئات الآلاف من المصريين العاملين في دول البترول العربي للحاجة إليهم والى غيرهم في المشروعات الضخمة الجارية نتيجة للطفرات في الموارد بعد ارتفاعات متوالية في أسعار البترول. ارتفاعات زادت من إيرادات تلك الدول بنسبة أربعمئة في المئة في سنة واحدة، بما جعل العالم يتحدث عن بزوغ العرب كقوة اقتصادية عالمية سادسة لأول مرة.

في مثل هذا المناخ المبشر المتفائل داخل مصر وخارجها، وإضافة موارد جديدة إلى الاقتصاد المصري مع موارد قديمة، ثم موارد طارئة من المعونات العربية، أصبح من الطبيعي أن يتوقع المواطن المصري العادي تحسنا ملموسا في مستوى معيشته، وفرص عمل أوسع أمام شبابه، خصوصا بعد أن قضى مليون شاب مصري معظمهم متعلمون سبع سنوات مجندين للمجهود الحربي، واخذ أنور السادات يبشرهم بالسلام والانفتاح والرخاء في لحظة تجلٍ تودع نهائيا سنوات التقشف وربط الأحزمة.

والآن بإعادة فحص تلك الحقائق في 2007 - وبأثر رجعي - فإن كل هذا كان ممكنا فعلا، فقط لو جرى التخطيط للتنمية الاقتصادية المستجدة والملحة بنفس الهمة والمعرفة والإصرار الذي اتسم به التخطيط لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية بالكامل عقب نكسة حزيران (يونيو) 1967 وصولا إلى حرب تشرين الأول (أكتوبر). فبحسن التخطيط والتنظيم وتعبئة الموارد المتاحة كان الاقتصاد المصري نجح في تحمل أعباء الهزيمة في حزيران 1967 ثم إعادة بناء القوات المسلحة بالكامل وخوض حرب الاستنزاف لثلاث سنوات ثم حرب تشرين الأول من دون أن يعاني المواطن المصري ليوم واحد من غلاء أو تضخم أو أزمة في أي من السلع الأساسية.

بالطبع لم تكن حياة المصريين في تلك السنوات مرفهة. كان التقشف وربط الأحزمة هو السائد والحصص التموينية من السلع الأساسية مقررة سلفا ببطاقات تموينية تساوي في الأعباء بين الجميع. لكن في نفس الوقت لم تكن هناك بطالة ولا أزمات غذائية ولا سوق سوداء ولا مظاهر استفزازية للمواطن الصابر المتحمل المضحي عن قناعة بالأولويات محل الإجماع الشعبي. كانت هناك مصانع تتسع وإنتاج منتظم وسد عال جنوب أسوان يتم استكماله لضبط مياه النيل وتوفير طاقة كهربائية إضافية لازمة لصناعات عديدة مستجدة... من مصانع الأسمدة في أسوان إلى مجمع الألومونيوم في نجع حمادي و... و...

ثم نقفز إلى الارهاصات التي سبقت مباشرة أحداث كانون الثاني (يناير) 1977 في مصر. لقد بدأت تظهر لأول مرة شريحة مستجدة من السماسرة العشوائيين. سماسرة الاستيراد الترفي والانفتاح الـ «سداح مداح» والاستهلاك غير المنضبط والأولويات المقلوبة رأسا على عقب. في البداية كان هذا يجري على استحياء وبعيدا عن الصفحات الأولى. لكن بالتدريج تحول الاستحياء إلى تبجح وتوحش يعتمد بالدرجة الأولى على «الفهلوة» من جانب والعلاقات المستجدة بين المال والسلطة من جانب آخر، بما جعل المصريين يتحدثون علنا عن «القطط السمان» عنوانا لمن لا تعرف بدقة مصادر ثرواتهم المستجدة ولا السر في توجههم بالكامل إلى الاستيراد بدل الإنتاج.

وفي شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1976 وجه ممثل صندوق النقد الدولي (الذي أصبح مقيما في القاهرة) مذكرة سرية إلى وزير الاقتصاد المصري يصارحه فيها بأفكار لازمة لإصلاح مسار الاقتصاد المصري. وخلال أسابيع قليلة تحولت الأفكار إلى طلبات والطلبات إلى شروط وأول الشروط كان رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية مقابل توفير قروض ميسرة لمصر في مقدمها مئتا مليون دولار من البنك الدولي.

الطلبات أثارت الفزع، بل الرفض، داخل الحكومة في البداية. لكن الرد كان هو أن علاقة طيبة لمصر مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ستكون إشارة خضراء لقدوم الاستثمارات الأجنبية إلى مصر بما يحول العجز إلى فائض والبطء في التنمية إلى قفزات متتالية والتقشف إلى رخاء.

وأصبحت تلك الكلمات هي المسيطرة على أنور السادات حتى في أحاديثه الخاصة، بما جعله يفوض «المجموعة الاقتصادية» في الحكومة، وهي تسمية مستجدة لوزراء المال والاقتصاد برئاسة عبد المنعم القيسوني، سلطة التفاوض والتصرف والتعاون الوثيق مع صندوق النقد والبنك الدولي. وتلقت مصر إخطارا من صندوق النقد الدولي بأن مديره التنفيذي سيصل إلى القاهرة في 17/1/1977 مع خمسة من كبار معاونيه لتدشين المباحثات الهادفة إلى عقد اتفاق طويل الأجل مع مصر.

واستعداداً لتلك الزيارة أعدت المجموعة الاقتصادية حزمتها من القرارات فتحمس لها أنور السادات فوراً وكلف الحكومة وقتها برئاسة ممدوح سالم بالشروع في التنفيذ بينما سافر هو إلى أسوان في جنوب مصر مستمتعا بشمسها في ذلك الوقت من الشتاء.

كان ممدوح سالم أصلاً ضابط شرطة وأمن. وحينما استشار وزير داخليته وأجهزة أمنه حذره الجميع من رد الفعل الشعبي المتوقع حتما. لكن الأوامر أوامر. وصحا الشعب المصري ذات صباح ليفاجأ بأنه - باسم الانفتاح الاقتصادي والحصول على شهادات من صندوق النقد والبنك الدولي بحسن السير والسلوك - تقرر رفع أسعار 25 سلعة أساسية في التو واللحظة، تبدأ بالخبز والأرز والسكر وتنتهي باسطوانات البوتاغاز وبنزين السيارات. ومن الصباح الباكر يوم 18/1/1977 اشتعلت التظاهرات الشعبية الغاضبة في الإسكندرية، وبسرعة البرق امتدت إلى جميع مدن مصر حتى أسوان جنوبا حيث يستريح السادات في مشتاه المفضل. وفي الرابعة عصرا كان السادات جالسا في شرفة الاستراحة مسترخيا وهو يدلي بحديث إلى صحافية لبنانية. ووسط اندماجه في الحديث عن الانفتاح والسلام والرخاء المقبل على الأبواب لاحظ عمود دخان متصاعدا من بعيد في قلب مدينة أسوان، فتساءل مستغربا: ما هذا؟ ردت عليه الصحافية القادمة لتوها بالطائرة من القاهرة: ربما امتدت التظاهرات إلى هنا. سألها السادات باستغراب: مظاهرات؟ أي مظاهرات؟

خلال دقائق وصل محافظ أسوان فجأة إلى الاستراحة طالبا مقابلة رئيس الجمهورية فوراً. وفي المقابلة ألح المحافظ على الرئيس بما جاء لأجله: عليك بمغادرة أسوان فوراً لأن التظاهرات قادمة إلى هنا تحديداً يا سيادة الرئيس بعد أن اكتسح غضبها كل قوات الأمن.

لم يكن هناك وقت حتى ليبدل الرئيس ملابسه، فاستقل طائرة الهليكوبتر القريبة فوراً متجها إلى القاهرة ومن هناك أمر بإعلان الأحكام العرفية ونزول قوات الجيش إلى الشوارع بعد فشل الشرطة في وقف التظاهرات. لكن قبل هذا وذاك تقرر الإعلان فورا عن إلغاء الزيادات في الأسعار. وبعدها بأيام بدأ السادات هجومه المضاد. غير صحيح أنها انتفاضة شعبية وإنما هي «انتفاضة حرامية». غير صحيح أن الشعب ينقلب على النظام وإنما هم حفنة من الشيوعيين الذين تحركهم موسكو. غير صحيح أن الرخاء بعيد وإنما الرخاء قادم تحديدا في سنة 1980. غير صحيح أن الوضع الاقتصادي يحتاج إلى تنمية جادة وإنما فقط إلى المزيد والمزيد من شهادات حسن السير والسلوك من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. غير صحيح أن علاقات السادات العربية محتاجة إلى مراجعة وإنما الصحيح أن كلمة أميركا هي الطريق إلى الأموال العربية. وأخيرا، غير صحيح أن السادات انفصل عن الواقع.. والدليل أنه سيفاجئ الجميع بمبادرة الصلح المنفرد مع اسرائيل.

التاريخ موجود حيث هو. لكن ما يبقى هنا ثلاثة أمور. أولا: إن السادات تسلم السلطة وديون مصر تحت السيطرة، بل حتى حرب تشرين الأول (أكتوبر) وإلى نهاية سنة 1974 كانت كل ديون مصر الخارجية هي 4.2 مليار دولار. وتسلمها ونسبة البطالة في مصر صفر في المئة. الآن - في 2007 - نسبة البطالة عشرين في المئة والديون الخارجية ثلاثين مليار دولار. ثانيا: إن الرخاء الذي وعد السادات بقدومه إلى مصر تأكيدا لم يتحقق في 1980 ولا بعدها، لسبب بسيط هو أن التنمية الاقتصادية الجادة، المعتمدة على الذات أساساً، هي وحدها الطريق إلى الرخاء الحقيقي وليس المفتعل أو الوهمي.

ثالثا: إن الانفصال عن الواقع هو أسوأ نذير للسياسة. وعكسه هو فقط المقدمة لفهم هذا الواقع ثم العمل على تغييره.

أما الباقي.. فهو تفاصيل.

كاتب مصري[line]
المسؤولية العربية عن السياسة الأميركية الشرق أوسطية
بقلم: ماجد كيالي

ميدل ايست اونلاين

عدم نجاح الولايات المتحدة لا يعني أنها باتت في أزمة مستعصية، ذلك لأنها تستطيع تأزيم غيرها، وتصدير الأزمات لغيرها.

على خلاف التوقعات لم يأت خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش (11/1)، والمتعلق بتوضيح السياسة التي ستعتمدها الإدارة الأميركية، في العراق والمنطقة، بأي تغيّر نوعي جديد في هذا المجال.

فقد أكد الرئيس بوش في خطابه المذكور على السياسة التي تنتهجها إدارته لجهة مكافحة الجماعات الإرهابية المتطرفة، ولجهة إصرار الولايات المتحدة على استخدام قوتها العسكرية لعدم السماح لها بالانتصار بالعراق، وجعله مركزا لتقويض الاستقرار في عموم المنطقة، مع ما يتطلبه ذلك من تعزيز الوجود العسكري الأميركي في العراق وفي المنطقة. كذلك أكد الرئيس بوش في هذا الخطاب على الاستمرار بدعم الحكومة العراقية، ونقل المسؤولية إليها بشكل متدرج، وتوفير إطارات دولية وإقليمية لتدعيمها سياسيا وماديا، منوّها بدور دول الجوار في تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في العراق. كما ركز بقوة على احتواء النفوذين الإيراني والسوري فيه، بمختلف الوسائل.

هكذا يمكن الاستنتاج بأن هذا الخطاب، الذي شكّل استمرارية للسياسة التي انتهجتها إدارة بوش في الشرق الأوسط، خيّب آمال البعض بشأن امكان حدوث تغيير ما في الاستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة، على خلفية التوصيات المتضمنة في تقرير بيكر ـ هاميلتون، وخصوصا تلك التي دعت إلى تخفيض عديد القوات الأميركية في العراق، وجدولة الانسحاب منه، وفتح الحوار مع كل من إيران وسورية بما يتعلق بملفات المنطقة، وبذل مزيد من الجهود لفتح مسارات لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي على مختلف الجبهات.

ولعل مشكلة تلك الآمال، التي تعلّق على تغييرات مفترضة في السياسة الأميركية، أنها غالبا ما تنطلق من رؤية تبسيطية متسرّعة ورغبوية وآنية.

وفي الحقيقة فإن السياسة الأميركية، التي يصوغها البيت الأبيض، محكومة بصفة الثبات في القضايا التي تمس المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، وهي بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، تتمثل بالجوانب التالية: أولا، الحفاظ على المصالح النفطية، من المنابع إلى الممرات إلى أماكن التكرير والتسويق. ثانيا، الحفاظ على أمن إسرائيل واستقرارها وتفوقها النوعي في المنطقة. ثالثا، الحفاظ على الهيمنة الأميركية في المنطقة، بوجه أية قوة دولية أو إقليمية منافسة. رابعا، دعم الأنظمة الصديقة والمعتدلة. وبعد حدث 11 سبتمبر (2001)، في الولايات المتحدة، أضيف لهذه الثوابت التاريخية المعروفة بندين أساسيين: أولهما، مكافحة الإرهاب والقوى المتطرفة. ثانيا، وضع حد لطموحات إيران تعزيز نفوذها الإقليمي، وخصوصا الحؤول دون تملكها للسلاح النووي.

على ضوء ذلك لم يكن من المفيد انتظار تغيرات جوهرية في السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، لأن أي تغير (من وجهة نظر الإدارة الأميركية)، لاسيما لجهة الانسحاب من العراق، في هذه الظروف والمعطيات، يعني تركه للفوضى، وكلقمة سائغة للإرهابيين والمتطرفين، وللنفوذ الإيراني، ويعني التخلي عن أصدقائها وحلفائها في هذه المنطقة، وتركهم يصارعون أقدارهم في مواجهة قوى التطرف الإسلاموي والنفوذ الإيراني؛ ما يعني إقرارا من الولايات المتحدة بهزيمتها في العراق، وتخليها عن مصالحها فيه وفي المنطقة (النفط ـ إسرائيل ـ النفوذ الإقليمي ـ مكافحة الإرهاب ـ الحد من نفوذ إيران)، وهذا ما رفضه بوش في خطابه.

عموما كان ثمة تسرع وتبسيط في التعويل على تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة لأميركية، بدعوى هزيمتها (على ما يرى البعض)، بمجرد تخبطها في العراق، وإخفاقها في مشاريعها التغييرية في عموم المنطقة (نشر الديمقراطية ـ الإصلاح السياسي ـ الشرق أوسطية ـ مكافحة الإرهاب).

وفي الحقيقة فإن عدم انتصار الولايات المتحدة، في ما قدمناه، لا يعني بالضرورة هزيمتها. فقد أحدثت الولايات المتحدة تغيرات كبيرة ونوعية في المنطقة، من أفغانستان إلى العراق، بغض النظر عن رأينا أو تقييمنا لهذه التغيرات والسياسات.

كذلك فإن عدم نجاح الولايات المتحدة لا يعني أنها باتت في أزمة مستعصية (على ما يروّج البعض)، ذلك لأن الولايات المتحدة هذه تستطيع تأزيم غيرها، وتصدير الأزمات لغيرها، كما أنها مازالت تمتلك الكثير من مقومات القوة ومن عوامل التغيير، التي تستطيع عبرها إحداث المزيد من التغيرات والتحولات في العراق وفي عموم المنطقة. وفوق كل ذلك فإن الولايات المتحدة، وهي بعيدة بآلاف الأميال عن الشرق الأوسط، لا تتأثر كثيرا بتأزم الأحوال عندنا، برغم الخسائر المادية والبشرية التي تتكبّدها.

المعنى فإننا نحن (خصوصا في العراق) الذين نمر بمرحلة من التفسخ والتدهور والتأزم الأمني والسياسي والاجتماعي (لاحظ أيضا الأوضاع في لبنان وفلسطين والصومال والسودان..)، في حين أن الولايات المتحدة الأميركية تتطور وتزدهر وتقوى برغم كل شيء، أي برغم سياساتها الخارجية، وهذا هو الفارق البيّن بيننا وبينهم؛ وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه جيدا صانعوا القرارات والمحللون في المنطقة.

بديهي أن السياسة التي انتهجتها الإدارة الأميركية في المنطقة، في السنوات القليلة الماضية، خصوصا المتمثلة في، أولا، استخدام القوة لفرض سياسات الولايات المتحدة؛ ثانيا، تجاهل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، دعما لإسرائيل. ثالثا، فرض مشاريع التغيير بدعوى "نشر الديمقراطية" و"الشرق الأوسط الكبير" ومحاربة الإرهاب، أخفقت في تعزيز مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، وعززت من واقع عدم الاستقرار السياسي والأمني فيها. أما السياسة الأميركية التي تم انتهاجها في العراق، والمتمثلة خصوصا بتقويض هياكل الدولة، وحل الجيش العراقي، والاتكال على البعد الطائفي، والتعويل على القوة العسكرية، وتغييب الدور العربي، فقد جلبت الكثير من المصاعب والتعقيدات للولايات المتحدة، في العراق، وأضعفت من صدقيتها، على الصعيدين العربي والدولي.

مع كل ذلك حري بنا الاعتراف بأنه ثمة مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الأطراف العربية، وخصوصا العراقية، في كل ما جرى. مثلا، منذ البداية استنكف العرب عن إيجاد حال من الإجماع السياسي فيما بينهم إزاء ما يجري في العراق، واختلفت مواقفهم تجاه المساهمة في رسم مستقبله، تاركين للولايات المتحدة وحدها القيام بهذه المهمة. ولاشك أن غياب الدور العربي الفاعل في العراق هو الذي فتح المجال أمام تعاظم النفوذ الإيراني فيه، وبالتالي في عموم المنطقة. ولا شك أيضا أن هذا الأمر ساهم في تسعير النعرات الطائفية الكامنة في العراق، وحدوث هذه الفوضى الأمنية والسياسية فيه؛ الذي لا تدفع الولايات المتحدة ثمنها، بقدر ما يدفعه شعب العراق، من دموعه ودمه ومعاناته واستقراره ومستقبله، كما تدفعه الأمة العربية.

هكذا فإن المدخل لإحداث تغييرات في السياسة الأميركية في العراق والمنطقة، يتطلب إعادة الاعتبار للاجماعات السياسية العربية، وتفعيل الدور العربي، أولا، بما يخص تحقيق الاستقرار في العراق، وإيجاد وضع يسهم في تخليصه من الاحتلال، ويعزز وحدته الجغرافية والوطنية. وثانيا، بما يخص بذل الضغوط على الولايات المتحدة الأميركية لتحريك ملف تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي على مختلف الجبهات، باعتبار ذلك مدخلا مهما لتسهيل لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة؛ بغض النظر عن وجاهة الجدل بشأن ربط هذه المسألة بوضع العراق من عدم ذلك. ثالثا، ترشيد العلاقات مع إيران وبعث رسائل واضحة لها بشأن وضع حد لطموحاتها الإقليمية غير المشروعة، والتي تتعارض مع المصالح العربية.

باختصار فإن المطلوب بإلحاح توافق عربي استراتيجي، على مختلف الملفات السياسية العالقة والساخنة والمعقدة، بعيدا عن الحساسيات والحسابات الآنية الضيقة. وهذا التوافق وحده هو الذي يسمح باستعادة الدور العربي، وتفعيله، لتمكين العرب من تقرير مصيرهم في هذه المنطقة، بدلا من جعلها منطقة يجري التصارع عليها، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما، وكأن العرب لا شأن لهم فيها! [line]

castle
28-01-2007, 10:06 PM
ما قبل الإيديولوجيا

أسماء الزهراني

الوطن السعودية

(إيديولوجيا)، يستخدم بعض الكتاب هذه المفردة معبرين عن الدين، وهذا قد يصح جزئيا إذا ما عرفنا الإيديولوجيا ideology بأنها " كل مجموعة منظمة من الأفكار تشكل رؤية متماسكة comprehensive vision و طريقة لرؤية القضايا و الأمور التي تتعلق بالأمور اليومية " لكن الإيديولوجيا تمتد لـ" تتعلق بمناح فلسفية معينة، سياسية بشكل خاص . أو قد تكون مجموعة من الأفكار تفرضها الطبقة المهيمنة من المجتمع على باقي أفراد المجتمع" أي أن دلالات مفردة "إيديولوجيا" أوسع من دلالة الدين وحدها.
ونتيجة لهذا الربط المغلوط، الذي يحصر الإيديولوجيا في مكونها الديني، يتم الخلط بين التوجه الديني والأهداف السياسية والحوافز الاجتماعية، في كثير من المواقف، فعلى سبيل المثال، كثيرا ما نقرأ عن القاعدة وإيديولوجيتها، حيث يتم ربط الإيديولوجيا التي تحكم القاعدة بالدين، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك، إذ لا يمكن إرجاع كل تحركات القاعدة للدين، وغير خاف على الجميع الإطار السياسي الذي تتحرك بدافعه وفي حدوده القاعدة . ومن جهة أخرى، لا يمكن إرجاع كل الظواهر الاجتماعية في مجتمعنا للدين، على الرغم من كونه رمزا قويا للتدين، في نظر العالم، وفي نظر نفسه، فمجتمعنا بطبيعة الحال "مؤدلج" من قبل أن يدخل في الإسلام، وعلى الرغم من التأثير الكبير للإسلام، إلا أن المجتمع يحتفظ بمعظم القيم العروبية، ومن أهمها تقديس تراث الآباء، ورفض التغيير والخوف منه .
وعلى صعيد الربط المغلوط بين الدين والإيديولوجيا، يتم أحيانا تجريم كثير من طلبة العلم الشرعي، على سبيل المثال، بتهمة الإيديولوجيا ، ومن الملفت أننا هنا نتعامل مع الكلمة بطريقة تحصرها في دلالة سلبية، فإذا أراد أحد إلقاء التهمة على أحد، أو التشكيك في قيمه،قال عنه إنه "مؤدلج"، وإذا تفاخر أحدنا، زعم أنه بريء من الإيديولوجيا، مع أن الإيديولوجيا كلمة محايدة . فلا يمكن لفرد طبيعي، العيش بدون إيديولوجيا تشكل وجوده وتصبغه بصبغتها، حتى وإن زعموا أننا في عصر ما بعد الإيديولوجيا . وهكذا، يذهب الكاتب السعودي تركي الحمد على لسان بطله اليوتوبي سميح الذاهل، في روايته (شرق الوادي)، الذي كان يتنقل بين حائط المبكى وكنيسة القيامة والصخرة، إلى أن المذهب الإنساني أو العالمية المطلقة، لا تتحقق إلا بالبراءة من المعتقدات الدينية، بينما على العكس من ذلك، تصرح جوليا كريستيفا المفكرة الأوروبية، بأن بوسع الدين وحده، تحقيق المذهب الإنساني الذي يوحد بين البشر، ويجمع شتاتهم (جدل العقل، كيرني) . وتعتمد في قولها هذا على الجذور المشتركة بين الأديان، التي تتضمن موقفا إيجابيا من الآخر، ومن الكون .
والإيديولوجيا بما هي موقف وجودي من العالم، ترتبط بالتراث، والثبات، وبهذا المعنى يستعملها (ريكور) في كتابه (الوجود والزمان والسرد)، ويقابلها اليوتوبيا، وهي نظرة مستقبلية للعالم، فإذا كانت الإيديولوجيا عمل الذاكرة، وبها يحفظ المجتمع هويته، فاليوتوبيا عمل الخيال، وبها يستطيع المجتمع الاستمرار في الوجود، والعلاقة بينهما ينبغي أن تكون علاقة تفاعل لا انشطار، والحاضر هو القناة التي يتصل عبرها الماضي بالمستقبل، وهذه السيرورة الزمنية تتضمن التغيير والحركة .
وما أردت التركيز عليه هو المفارقة التي تشوب استعمالنا لهذه المفردة، فبينما يستعملها كثير منا في إطار الدين، نجدها تعمل في الخفاء تحت ثياب أخرى، بشكل سلبي، فتنتج قيما سلبية، منها رفض التغيير ورفض الآخر، وهما قيمتان متداخلتان، فالتغيير هو تحول طبيعي، ينتج عن التوتر بين قيم الماضي وقيم الحاضر، وهو تفاعل صحي، يستطيع المجتمع أن يمارسه من دون أن يفقد هويته، لكنه قد يتحول إلى انشطار كما في النزعة الحداثية التي تطالب بالانقطاع عن التراث وموته، وكلا الموقفين: الثبات في الماضي، والانقطاع عنه ناشئ من تصور انشطاري للذات، تصور يفصل الذات عن نفسها، بحبسها في الزمن الماضي أو المستقبل، وترك ذات أخرى معلقة في الحاضر وتائهة بلا وجود فاعل .
تصوران يحكمان تعاملنا مع الإيديولوجيا ، تصور واعٍ بها وعيا مغلوطا، وفقه لا يدرك حضور الإيديولوجيا في غير الدين، فيغفل عن حضورها السلبي في مناح أخرى من الحياة الاجتماعية، وتصور غير واع بالإيديولوجيا، فلا يدرك حضورها ولا يتنبه لها . وكلا التصورين، غافلان عن عمل الإيديولوجيا الخفي، المنتج لكثير من القيم السلبية، أو الحافز لها، وفق تلك القيم السلبية، وبسبب منها، ما زلنا نعيش تحت سطوة الطبقية العرقية والمادية، بعد أربعة عشر قرنا من العيش تحت مظلة الإسلام الوارفة، بحيث يتم التفريق بين زوجين بينهما أربعة أطفال، في قاعة محكمة تحكم بشريعة الإسلام المجيدة . ووفق تلك القيم، يذهب بعض شبابنا ضحية التنظيمات السيئة، سواء الإجرامية منها - في زمن انتشرت فيه ظاهرة العصابات التي لم يكن يعرفها مجتمعنا- أو تلك التي تمارس الإرهاب باسم الإسلام، ونحن غافلون عنهم لأننا نعتقد أنهم في أمان بعيدا عن الدين، أو في حياض الدين .
الإيديولوجيا إذن مفردة محايدة، وهيكل يمكن تعبئته بأي شيء، فإذا كانت الحركات الإرهابية تحمل إيديولوجيا العنف والتدمير، وتدين بها تجاه العالم، فإن الجمعيات الإنسانية تجمعها إيديولوجيا البناء والتعمير، وفي جميع الأحوال، لا ينبغي الربط بين ديننا الحنيف، وبين ما يشوب مجتمعنا من ظواهر خاطئة، أو ما يفعله بعض الأفراد أو بعض الجماعات من تجاوزات باسمه وهو منها بريء .

كاتبة سعودية[line]
الاتحاد المغاربي: الأمن والسياسة

محمد الاشهب

الحياة - 28/01/07//

لم يفلح الانطباع الذي أبانت عنه التطورات السياسية في منطقة شمال افريقيا يوم اهتدت لتشكيل الاتحاد المغاربي العام 1989، في تأكيد أنها كانت على موعد حاسم مع المتغيرات التي أنهت نظام القطبين وفرضت هيمنة العولمة والانفتاح واقتصاد السوق. وقتها ساد اعتقاد في أن الاتحاد المغاربي بداية فترة جديدة من التعايش والتعاون والتكامل تذوب في ايجابياتها كل عناوين التناقض والفرقة والصدام. غير أن مرور حوالي 18 سنة على انبثاق الوعي المغاربي المتجدد في أبعاده التاريخية والحضارية والمستقبلية كان اكثر من كاف لاستيعاب الفرق بين الأحلام والوقائع. وسيأتي السابع عشر من الشهر المقبل، ذكرى تأسيس الاتحاد، خالياً من أي دلالات مشجعة تنهي حال القلق حول مصير البناء المغاربي الذي عجز قادته عن مجرد عقد قمة عادية أو طارئة لأكثر من 13 عاما، ومع ذلك فإن أياً منهم لا يترك الفرصة تمر من دون الثناء على الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي لا بديل عنه.

وحدها الاكراهات الخارجية كانت سبباً في الابقاء على القيمة المعنوية لوجود إطار سياسي واقتصادي واجرائي يمكن أن يحاور الشركاء الأوروبيين تحديداً في نطاق منظومة 5+5 أو مسلسل برشلونة المتوسطي، أو الاستحقاقات الأمنية والدفاعية لحلف الناتو، غير أن هذا المسار العمودي الذي يصب في خدمة مصالح دول الضفة الشمالية لبحر المتوسط، لا يكاد يوازيه أي توجه أفقي في الانفتاح على مجلس التعاون الخليجي والانشغال بالأزمات العربية في الشرق الأوسط والعراق، على رغم أن الأمل في الاتحاد المغاربي ان يشكل، إلى جانب مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، محوراً ثلاثي الاضلاع يختزل للهموم المشتركة.

فرضية فصل السياسة عن الأمن لا تكتمل مهما اتخذ التنسيق والتعاون الأمنيان أبعاداً ملحة وضرورات مفروضة. بيد أنها يمكن أن تشكل أحد المداخل الرئيسية للإمعان في قراءة الملفات المنسية أو المغيبة. وقد يكون من المفارقات أنه في الوقت الذي ما زالت فيه الدول المغاربية تفرض الحواجز أمام تنقل الأشخاص والبضائع والممتلكات، طالما أن كل دولة تلتزم قوانينها الخاصة في هذا المجال، تنزع حركات متطرفة الى اختراق تلك الحواجز من خلال التنسيق واستقطاب المناصرين، كما في حال «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» الجزائرية التي تطمح لأن تصبح «قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي».

ومنذ أن كشفت تحريات أمنية قرار تشكيل «القاعدة في بلاد المغرب العربي» على غرار تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، اضافة الى استشراء ظواهر مثل الهجرة غير الشرعية وتهريب الأسلحة والسجائر والبضائع. وقد اخطأت البلدان المغاربية التي تتوافر جميعها على امتدادات صحراوية عميقة نتيجة عدم الاهتمام بهذا المتنفس الجغرافي للارهاب والتهريب. ولو أن ملفات من قبيل الشعور بمخاطر التصحر وغزو الجراد وندرة المياه ألقت بظلالها على الهواجس الانمائية لبلدان المنطقة لتمكنت في أقل تقدير من التغلب على المخاوف الأمنية.

لن تحتاج دول الشمال الافريقي بعد اليوم الى من يزين لها فضائل التعاون المغاربي، أقله في الجانب الأمني الذي تكبر تحدياته عن طوق الخلافات السياسية. فقد كانت تؤاخذ الشركاء الأوروبيين انهم يغلبون البعد الأمني عن المتناول الانمائي، وبدت في غضون ذلك أكثر انصاتاً الى الاستراتيجية الاميركية في المنطقة. الا انها ما زالت تتوقف عند الجوانب الاجرائية في التعاون الأمني على مستوى تسليم المطلوبين وتبادل المعلومات. واذ ما فتئت تطالب بمقاربات انمائية أشمل في التعاطي وتحديات الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة والتهريب والارهاب، فلا أقل من أن تقيم الدليل على تجنبها مؤاخدة الآخرين عن طريق تقديم المثل. وما عجز عنه الاتحاد المغاربي سياسياً قد يبدأ في انجازه أمنياً، شرط ان يرتبط الأمن بالسياسة والاقتصاد ومعاودة انبثاق الدور الغائب لمنطقة سيقارب سكانها مئة مليون قريباً.[line]
هل يستحق المصريون حقوق المواطنة ؟

بقلم: د‏.‏ طه عبدالعليم

الاهرام المصرية

كانت رواية القاهرة الجديدة‏-‏ المعروفة بالقاهرة‏1930-‏ للمبدع نجيب محفوظ‏.‏ موضوع مشاركتي في ندوة قبل يومين بمعرض القاهرة للكتاب‏,‏ وقد كانت زاوية القراءة المطلوبة للرواية هي آثار الأزمة الاقتصادية علي المجتمع المصري في بداية الثلاثينيات‏.‏ وهذه الأزمة الشاملة‏,‏ التي عاشتها مصر‏-‏ بأسبابها الداخلية والخارجية‏-‏ في تلك الفترة‏,‏ نقرأ انعكاساتها في صفحات الرواية‏.‏ وأكتفي هنا بمحاولة الإجابة عن سؤال طرحته الرواية والأزمة‏,‏ وهو‏:‏ هل يستحق المصريون حقوق المواطنة ؟

وقد أملي علي هذا السؤال حوار بالرواية بين شباب يردد بعضهم‏,‏ وهو يستمتع بالخمر والرقص في زمن الأزمة خلال أمسية علي يخت أحدهم فوق صفحة النيل‏:‏ إن مصر يستطيع أي حاكم أن يستبد بها دون خطر كبير‏!‏ وأي نظام من أنظمة الحكم يستحيل ديكتاتورية إذا طبق في مصر‏!‏ وهذا وطن‏:‏ ضربك شرف يا أفندينا‏!‏ ولن تظفر مصر باستقلالها أبدا‏!‏ واستبدت بها عادة الحكم الأجنبي‏!‏ والشعب‏(‏ المصري‏)‏ غير جدير بالاستقلال‏!'.‏ وحين ينبري بطل الرواية محجوب عبد الدايم‏,‏ الذي سأعود إليه‏,‏ متسائلا‏'‏ ألا يسوءك هذا القول عن قومك ؟‏'‏ يرد قائلهم متفاخرا‏:'‏ لا تجري في عروقي نقطة دم مصرية واحدة‏!',‏ وينفي عن والده تذكير بطل الرواية بخطبة له رنانة دفاعا عن الفلاح‏,‏ معلنا‏:'‏ هذا في مجلس الشيوخ‏,‏ أما في البيت فكلانا متفق‏-‏ أنا ووالدي‏-‏ علي أن أنجع سياسة مع الفلاح هي‏:‏ السوط‏!'.‏ ولنتذكر أن الفلاحين هم جل المصريين آنذاك‏!‏

وليس متوقعا علي أية حال أن يرد نجيب محفوظ علي هذه المزاعم علي لسان محجوب عبد الدايم‏,‏ الشاب المصري‏,‏ الذي جسد نموذجا تجرد من أي ضمير وقيم ومباديء وأخلاق‏,‏ ولم يكن موقفه في الحوار سوي محاولة لإحراج محدثه ونزعة من نزعات حقد طبقي وشخصي جاهل وغشوم‏.‏ لكن مبدعنا لم يبخس الشعب المصري حقه في عمله الأدبي‏,‏ فأشار في ذات الرواية إلي استغراقه في الكفاح من أجل الجلاء والدستور‏.‏ ونقرأ علي لسان أحدهم‏:'‏ ما جدوي الدعوة إلي الإصلاح الاجتماعي في بلد لا يشغله شاغل عن الدستور والمعاهدة‏',‏ و‏'‏ إن الأذهان قد استغرقت في‏:‏ القضية المصرية‏,‏ ودستور‏1923,‏ ومقاطعة البضائع الأجنبية‏'.‏ لكننا نعرف من قراءة التاريخ علي أية حال أن العدالة الاجتماعية لم تكن منفصلة عن الحرية السياسية‏,‏ وأن الأخيرة كانت السبيل للأولي‏.‏

فقد انتزع المصريون بنضالهم وإعلائهم حقوق المواطنة دستور‏1923‏ الديموقراطي‏,‏ وتمكنوا من فرض انتخابات حرة أسفرت عن فوز حزب الوفد قائد ثورتهم بأغلبية ساحقة‏,‏ وأجبروا بريطانيا المحتلة علي إصدار تصريح‏28‏ فبراير‏1922‏ باستقلال مصر وإن كبلته التحفظات‏.‏ ونعرف من قراءة تاريخ مصر‏,‏ لماذا ربط المصريون في نضالهم بين شعاري الجلاء والدستور ؟ باختصار‏,‏ ولأن دستور‏1930‏ الانقلابي جاء منحة‏'‏ مفروضة‏'‏ من الملك‏,‏ ومكن حكومة أقلية‏-‏ بقبضة ثقيلة للأمن والإدارة‏-‏ من تزوير واسع للانتخابات‏,‏ لم يخف زيفها اصطناع حزب‏'‏ الشعب‏'‏ وجريدة‏'‏ الشعب‏'!‏ وقد تضافرت إرادة الملك الطامع في استرداد حكمه المطلق‏,‏ مع رغبة الاحتلال المتواطيء سعيا إلي تركيع الحركة الوطنية‏.‏ ووظف الحليفان قبضة إسماعيل صدقي باشا من أجل عبور الأزمة الاقتصادية الطاحنة عبر مزيد من إفقار الفلاحين والعمال ومضاعفة أرباح الرأسمالية الأجنبية المسيطرة‏,‏ كما يبين الرافعي في مؤلفه‏'‏ في أعقاب الثورة‏'.‏ لكن كفاح المصريين من أجل الحرية لم يتوقف حتي استردوا دستورهم الديموقراطي‏,‏ وانتزعوا معاهدة‏1936‏ التي أعلنت إنهاء الاحتلال‏,‏ ثم عاودوا كفاحهم‏,‏ حتي فرضوا انتخابات حرة أعادت حزب الأغلبية إلي الحكم فألغي معاهدة الاستقلال المنقوص‏,‏ وبدأ الفدائيون كفاحهم ضد المحتلين بقاعدة قناة السويس‏.‏

ولا يخفي أن السؤال المطروح بمطلع المقال‏:‏ هل يستحق المصريون حقوق المواطنة ؟ وثيق الصلة بالنقاش الراهن حول الدستور‏,‏ طالما أن حقوق المواطنة محور جوهري معلن للتعديلات الدستورية المطروحة‏.‏ لكن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن بالقطع فيما اقتطفته من مزاعم الحوار أعلاه‏,‏ إذ تدحضه الرواية كما بينت‏.‏ بيد أن السؤال ذاته يواجهنا في مؤلف جمال حمدان‏'‏ شخصية مصر‏'‏ وفي مؤلف الأب هنري عيوط‏'‏ الفلاح‏'‏ وفي غيرهما‏,‏ بل يطل علينا بإلحاح لدي قراءة تاريخنا ذاته‏!‏ وقد أزعم أنه من المنطقي أن يكون شعب مصر بعيدا عن النقاش الدستوري‏,‏ ببساطة لأن حقب إقصائه عن أمور الحكم تفوق سني مشاركته في اختيار نظام حكمه حتي في العهد الليبرالي‏!‏

لكن الأهم‏,‏ أن تفسير قبول المصريين نظم الحكم الوطنية الاستبدادية من العهد الفرعوني إلي العهد الناصري يكمن إلي حد بعيد في أن قيم الحياة والعدل والدين تفوق قيمة الحرية في وجدان الشعب المصري‏.‏ وهكذا‏,‏ كانت ثورات المصريين حين عجز نظام الحكم عن توفير وسائل الحياة بحسن تنظيم الري وعن توطيد العدل‏,‏ بدءا من الثورة الاجتماعية مع نهاية الدولة القديمة‏,‏ ومرورا بهباتهم في عصر البطالمة المتأخر‏,‏ وترحيبهم بالفتح العربي للتحرر من القهر الروماني‏,‏ وانتفاضتهم ضد وطأة الجزية والخراج في عهد الخليفة المأمون‏.‏ ولم تنقطع ثورات المصريين ضد المحتلين الأجانب من الهكسوس والفرس والفرنسيين والانجليز‏,‏ وإن خدعتهم المزاعم الدينية وقهرتهم القوة الباطشة‏-‏ شأن غيرهم من الشعوب‏-‏ فرضخوا لحكم البطالمة الأوائل وأباطرة الرومان‏,‏ الذين ادعوا الإيمان بمعتقدات المصريين‏,‏ ورضوا بحكم الأمويين والعباسيين والعثمانيين والمماليك‏,‏ الذين زعموا الحكم باسم الإسلام‏!‏

والمؤسف أنه رغم ثورات المصريين الوطنية الثلاث في أعوام‏1882‏ و‏1919‏ و‏1952-‏ حين استردوا وعيهم الغائب بهويتهم الوطنية‏-‏ حرموا من الحكم الديموقراطي‏.‏ وحين يتضافر هذا مع‏:‏ الخوف من عواقب المشاركة وسطوة الشعوذة في السياسة‏,‏ وقصور الوعي بتكامل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للمواطنة‏,‏ يمكننا فهم أسباب عزوف الشعب المشاركة الفعالة في النقاش النخبوي حول التعديلات الدستورية‏.‏ لكن شعب مصر كما يكشف تاريخه القريب‏-‏ وبعد التحرر مما أضفته إدارة السيطرة علي النهر من قدسية علي الحاكم المستبد فرعوني الطراز‏-‏ سيكون له موقف آخر إن أثمر حصاد التعديلات الدستورية عن إهدار للعدل يكرسه إهدار للحرية‏.‏ [line]

castle
29-01-2007, 07:35 AM
يا أهل القبلة: تعالوا إلى كلمة سواء

الصادق المهدي

الشرق الاوسط

ما من ديانة اجتمعت لأمتها عناصر الوحدة مثلما اجتمعت للأمة الإسلامية. فكتابها واحد نصه محفوظ، ورسولها واحد ثابت تاريخيا، وتاريخها مدون لا مثل ديانات أخرى غارقة في الضبابية. ومع ذلك فالأمة مفرقة.

تفرق المذاهب نتيجة حتمية للاجتهاد لاستنباط الأحكام، اجتهاد كان ولا زال وسيظل دليل عافية. والمذاهب الأشهر: حنفي ـ مالكي ـ شافعي ـ حنبلي ـ جعفري ـ زيدي ـ ظاهري ـ وأباضي، متقاربة وباختلافاتها رحمة للأمة.

أهم جدليات الاختلافات الفكروية: جدلية الظاهر والباطن ـ والنقلي والعقلي ـ والسنة والشيعة. الجدليتان الأوليتان أدتا لنشأة فرق ومدارس كثيرة وستتكاثر اجتهاداتها مع الحرية. ولكن الثالثة مصدر تفرق اختلط بصراع السلطة والسياسة، وببدايته أدى لأوائل المعارك التي فرقت كلمة صحابة النبي، صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم جميعا، وأورثت فتنة ما زالت قابلة للاشتعال.

همّ النبي، صلى الله عليه وسلم، لدى احتضاره بكتابة وصية كما روى بعض الصحابة، ولكنهم اختلفوا حول ذلك. وهنالك روايات أنه بغدير خم وقبل ذلك، وبعده أوصى لابن عمه علي. صحابة آخرون أنكروها.

وبسقيفة بني ساعدة همّ الأنصار بمبايعة سعد بن عبادة، ولكن عمر بايع أبا بكر الصديق فصار الخليفة الأول، وأعقبه عمر ثم عثمان. وبعد مقتل عثمان وقعت الفتنة الكبرى وما تلاها من أحداث أفرزت موقفين:

أهل السنة أقروا بشرعية حادثة السقيفة وما تلاها من ولايات وعهود (الأموي، والعباسي، والعثماني) أو سلموا لواقع العهود على أساس ولاية المتغلب.

الموقف الآخر رفض هذا التسلسل، واعتبر الخلافة الوحيدة الصحيحة لعلي بن أبي طالب. معتبرا عترة النبي، صلى الله عليه وسلم، أساساً لشرعية الولاية، وآل البيت هم علي وولداه من فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وسلم، والولاية إمامة مسلسلة من علي لابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم ابن الحسين علي زين العابدين للحفيد السابع عند السبعية. وللحفيد الثاني عشر عند الاثني عشرية: محمد الحسن العسكري الذي اختفى ويعود مهديا. وهناك فرقة شيعية ثالثة: الزيدية. هذا أقام ولاءً روحيا لأئمة بلا سلطة زمانية، فخلق توترا مستمرا بالمجتمع المسلم. وحاول المأمون إزالته باختيار الإمام الشيعي علي الرضا خليفته، ولكن المعادلة واجهت معارضة فأخفقت.

الاتجاه الشيعي قام بدور معارضة للسلطة بالبلدان التي تغلب فيها السنة. وبالمغرب أسس السبعية الدولة الفاطمية التي تمددت وتمركزت بمصر وأسست أول جامعة إسلامية: الأزهر الشريف. والزيدية أقامت دولة باليمن. أما الاثنا عشرية، فقد كان لها وجود مهم بعدد من البلدان العربية وتبنتها الدولة الصفوية بإيران.

وفي القرن الخامس عشر الميلادي تعاصرت دولتان عظميان: العثمانية السنية بتركيا، والصفوية الشيعية بإيران، وتنافستا ودخلتا في حروب ساخنة وباردة وواصلتا النزاع الموروث بصورة حادة، ورسخت بالأذهان والثقافة والسياسة تسميات إقصائية، فالشيعة لدى أهل السنة روافض، والسنة لدى الشيعة نواصب. والأمة ضحية سجال ساخن بينهما!.

هكذا ارتبط التسنن، والتشيع برؤى فكرية مرتكزة على خلافات الصدر الأول التاريخية ومتنافسة على السلطان.

الدول التي غلب عليها السنة اضطهدت مواطنيها الشيعة، والعكس صحيح. وكانت العلاقة بينهما قائمة على التنافر والتخوين والتكفير، تنافر في الكيانات والدول استقر على توازن بارد حينا وساخن أحيانا. ومنذ سبعينيات القرن العشرين مال التوازن نحو الشيعة الاثني عشرية للآتي:

أولا: الثورة الإسلامية الإيرانية وضعت المؤسسة الشيعية بقيادة آية الله الخميني في السلطة.

ثانيا: انطلقت حركة تحرير وتمكين للشيعية بلبنان بقيادة حركة أمل ثم بقيادة حزب الله.

ثالثا: اليد العليا بسوريا ذات الأغلبية السنية للطائفة العلوية. وبرغم اختلافها مع الشيعة، إلا أنها أقرب لهم منها للسنة.

رابعا: كانت الغلبة بالنظام العبثي العراقي للسنة، ولكن التطورات بعد إطاحته صارت للشيعة.

احتل الانبعاث الشيعي مكانة شعبية إسلامية عامة بسبب التصدي الإيراني للولايات المتحدة وإسرائيل والأداء الجهادي المميز لحزب الله بمواجهة إسرائيل.

هذه العوامل أثارت مخاوف لدى بعض الدول السنية، مخاوف استغلتها الولايات المتحدة بحملتها ضد البرنامج النووي الإيراني واستغلتها إسرائيل.

صحيح الدول والكيانات السياسية بالمنطقة ليست مستغرقة في الصفة السنية أو الشيعية، فالأمر أكثر تعقيدا. ولكن أحداث العراق ولبنان حاليا أبرزت هذا الاصطفاف أكثر من أي وقت مضى. اصطفاف يدمر مصالح الأمة الإسلامية الحيوية ويفرض على المنطقة أولويات تطغى على قضاياها الحيوية مثل قضية الاحتلال، والقضية الفلسطينية وترهن حاضر الأمة ومستقبلها نهائيا لبقع سوداء بماضيها.

هذه طامة كبرى توجب اهتمام أصحاب القرار والعلماء والمفكرين والتصدي لها بجدية وإحاطة، بدءا بإبرام ميثاق كالآتي:

أولا: كتابنا واحد ونبينا واحد، ونلتزم بقطعيات الوحي التي نقر جميعا بها. وما دون ذلك أمور اجتهادية لا تلزم بعضنا بعضا. ويكون النقد المتبادل على سنة المقولة العمرية: رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي. بلا سب أو تجريح.

ثانيا: الخلافات التي ضربت الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حقيقة تاريخية نقر بوجودها وباختلافنا حول حيثياتها وتفسيراتها ونعذر بعضنا الآخر حولها ونرفع أمرها لله: «اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ».

ثالثا: عقيدة المهدي محل خلاف نعذر بعضنا الآخر فيها ونرفع أمرها لله «ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ». ومع ذلك نتفق جميعا أن بالأمة خيرًا باقيا وتطلعا مشروعا يبسط العدل والرخاء والرضا بسطاً شاملا وعدا حقا: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ».. هذه المهمة أو الوظيفة تجتمع فيها أشواق الأمة.

رابعا: نلتزم جميعا بكفالة كرامة الإنسان وحريته وحرمة نفسه وماله وبالسعي لإقامة الحكم على العدالة، والمشاركة، والمساءلة فهذه من مقاصد الشريعة.

خامسا: التنمية الهادفة للاستثمار والتعمير وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس من مقاصد الشريعة الملزمة للكافة.

سادسا: أهل الاديان الأخرى أخوتنا في الإنسانية ونلتزم معهم بالاحترام المتبادل والتعاون لدعم المعاني الروحية والخلقية المشتركة ونخاطبهم بالتوجيه الرباني «ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ».

سابعا: نقيم العلاقات مع الدول الأخرى على أساس «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ»، ونواجه من يعادينا على أساس «إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ». بهذه الضوابط الربانية نسعى لتعاون أممي شامل يدعم السلام العادل، والتعاون الدولي، في ظل الإخاء الإنساني.

الفتنة المطلة علينا معادلة صفرية فيها خسارة لطرفيها وليس فيها رابح. هذا النداء لدرئها واجب ديني ووطني، بل وإنساني نأثم جميعا إذا تركنا الفتنة تدمر مصيرنا. وسأقدم اقتراحا عمليا بآلية للميثاق ولمتابعته.[line]
(«بعد بدها غَلْوِة»)

جهاد الخازن

الحياة - 29/01/07//

كتب شلومو بن عامي، وزير الخارجية في حكومة إيهود باراك كتاباً بعنوان «ندوب الحرب، جروح السلام» أنصف الفلسطينيين الى حد كبير، ومع ذلك وجد فيه المؤرخ اليهودي الأميركي نورمان فنكلستين ما ينتقد أو يضيف شارحاً، وأكمل اليوم بحوار المؤرخين مع الصحافية ايمي غودمان عبر برنامجها الذائع «الديموقراطية الآن».

فنكلستين يركز على مفاوضات كامب ديفيد وطابا، ويقول ان بن عامي يردد الموقف الاسرائيلي الرسمي القائل ان اسرائيل قدمت تنازلات هائلة، فالحقيقة هي أن التنازلات تصبح هائلة من وجهة نظر ما كانت تريد اسرائيل، غير أنها من وجهة نظر القانون الدولي لا تزيد على صفر من التنازلات.

فنكلستين يقول: كانت هناك أربع قضايا اساسية في كامب ديفيد وطابا هي: أولاً المستوطنات، وثانياً الحدود، وثالثاً القدس، ورابعاً اللاجئون.

بالنسبة الى المستوطنات يذكّر فنكلستين المستمعين بأن ميثاق جنيف الرابع يمنع نقل دولة الاحتلال سكانها الى الاراضي المحتلة. ومحكمة العدل الدولية سنة 2004 أصدرت قراراً بأن جميع المستوطنات غير شرعية.

المبدأ الذي يشمل الحدود واضح أيضاً، وفنكلستين شكر بن عامي لأنه سجل ذلك في كتابه، فالقانون الدولي يمنع الاستيلاء على أرض بالحرب، والضفة الغربية وقطاع غزة أراضٍ محتلة فيجب على اسرائيل الخروج منها. ثم أن المحكمة الدولية قررت في تموز (يوليو) 2004 أن الضفة والقطاع أراض محتلة، وبن عامي يوافق على هذا.

النقطة الثالثة هي القدس، والقانون الدولي والمحكمة الدولية لا يعطيان اسرائيل ذرة سيادة على القدس، لكن الفلسطينيين كانوا مع ذلك مستعدين لتقسيم القدس بينهم وبين الاسرائيليين.

ويكمل فنكلستين بالنقطة الرابعة وهي اللاجئون، ويقول ان القانون الدولي واضح لا خلاف فيه، وقد أصدرت منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الانسان خلال مفاوضات كامب ديفيد سنة 2000، تقديرات للاجئين الفلسطينيين راوحت بين خمسة ملايين نسمة وستة ملايين، يحق لهم جميعاً العودة الى بلادهم، لا الى واحد في المئة من الأرض التي تقايضها اسرائيل التي قبلت عودة عدد بحدود مئتي ألف.

أكد فنكلستين بعد هذا العرض أن جميع التنازلات جاءت من الفلسطينيين، غير أن الجميع، بمن فيهم بن عامي، تحدثوا عما كانت اسرائيل مستعدة أن تتخلى عنه، وهذا خطأ، فالمرجع هو القانون الدولي والصورة هنا مختلفة تماماً.

ينتقل الحديث بعد ذلك الى الثلث الأخير من الكتاب، ويقول بن عامي ان كامب ديفيد لم تكن فرصة فوّتها الفلسطينيون على أنفسهم، ولو كان هو فلسطينياً لرفض المعروض، إلا أن المشكلة هي في أطُر بيل كلينتون ومفاوضات طابا.

ويشرح بن عامي الأطر فيقول انها نصت على أن يسترد الفلسطينيون 100 في المئة من قطاع غزة، و 97 في المئة من الضفة الغربية، ويجري تبادل أراضٍ ويحصل الفلسطينيون على ثلاثة في المئة من أرض اسرائيل ليسكن فيها اللاجئون.

يقول فنكلستين ان هذا الشرح صحيح، ولكن الذي حدث بعد ذلك أن الاسرائيليين اشاعوا أنهم قبلوا أطر كلينتون، وأن أبو عمار قال انه قبلها إلا أنه لم يقبلها بالفعل. غير أن بياناً صدر عن البيت الأبيض في 3/1/2001 أعلن أن الاسرائيليين والفلسطينيين قبلوا الأطر مع بعض التحفظات. ويسجل فنكلستين شيئاً أهمله بن عامي، فالتحفظات الاسرائيلية ملأت رسالة في عشر صفحات لم تترك نقطة إلا وعلّقت عليها. وفي النهاية، توقفت مفاوضات طابا لأن الحكومة الاسرائيلية سحبت وفدها.

أتوقف هنا عن النقل عن المقابلة بين غودمان وبن عامي وفنكلستين، لأكمل بإضافات من عندي، غير أنني قبل ذلك أسجل على نفسي أن عندما يسمح وقتي سأرسل تفاصيل هذه الاضافات التي أرويها هنا مختصرة الى نورمان فنكلستين آملاً أن تزيد الى معرفته الموسوعية عن الموضوع.

كنت في جناح أبو عمار في فندق في دافوس يوم 28/1/2001 عندما وصل كبير المفاوضين الفلسطينيين الدكتور صائب عريقات من طابا حاملاً خرائط عرضها علينا، وقال ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي اتفقا على كل شيء، بما في ذلك ممر عبر الحي الأرمني من حائط المبكى الى القدس الغربية، ولم تبقَ سوى «رتوش» غير مهمة والتوقيع ينتظر الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية بعد أيام. وقد سجلت التفاصيل في حينها وعدت اليها فأكتفي بالعناوين اليوم خوف التكرار.

وكنت قبل سنتين في فندق في آسبن، في ولاية كولورادو، مشاركاً في مؤتمر نظمته مجلة «فورتشن» وشارك فيه بيل كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت، وبقينا أربعة أيام في فندق واحد، وسألت الرئيس الأميركي السابق عن اتفاق الأطر، فقال ان أبو عمار حاول المساومة، إلا أن كلينتون أصر على أن هذا آخر عرض عنده. وعندما قال أبو عمار انه يحتاج الى مشاورة مساعديه، حذره كلينتون من أنه ينتخب آرييل شارون رئيس وزراء اسرائيل. وحاول أبو عمار أن يقدم حججاً لموقفه، إلا أن كلينتون حذره من جديد أن موقفه سيؤدي الى فوز شارون في الانتخابات الاسرائيلية.

قال كلينتون ان أبو عمار قبل في النهاية اتفاق الأطر كما عرضه عليه، وعاد الى غزة.

أعرف من المفاوضين الفلسطينيين أن بعض مساعدي عرفات قال له «بعد بدها غَلْوِة»، وهذه عبارة تقال عن القهوة المغلية، وواضح مما حدث لاحقاً أن القهوة فارت وانسكبت خارج الابريق، وضاعت الفرصة على الجميع.

كتاب شلومو بن عامي جيد على رغم ملاحظات نورمان فنكلستين عليه، وهو إن دل على شيء فعلى وجود مسؤولين اسرائيليين يمكن عقد سلام معهم.[line]
الآفاق العربية‏..‏ في أتون الضبابية الدولية

بقلم : محمود شكري

الأهرام

كلما مر بنا نحن العرب عام ودعناه غير آسفين وتوسمنا خيرا في العام المقبل‏00‏ وكنت أتصور ان هذا الموقف يعكس نمطا من التواكلية التي درج عليها الفكر العربي الذي عاش في نير الاستعمار ردحا من الزمن‏00‏ إلا ان الحقيقة أن هذا النمط التفكيري العربي هو نهج لازال يلازم الفكر العربي رغم جلاء المستعمر الأجنبي عن أرضه‏00‏ فالذات العربية لازالت ترزخ تحت عباءة الاستعمار الذي يهدف لإلغاء الذات العربية وتبديل الهوية العربية من محتواها الفكري والثقافي والاجتماعي ليفرض هوية مستوردة تعيش علي طحالب ثقافية سامة وتقاليد غربية محرفة ومضمون حياتي لا ينسجم مع الشخصية العربية‏00‏ وأصبح الرداء العربي واللغة العربية المحرفة هما مجرد غلالة تختبئ في داخلها ذات عربية ناقصة‏0‏
وإستعرضت أحداث العام السابق فتبينت أن الأمس كان أسوأ من سابقه‏!!‏

فالعراق الذي كان يعد العمود الفقري للصمود العربي وركيزة التوازن الاستراتيجي الإقليمي قد تمزقت أوصاله وبات من الصعوبة بمكان أن تتواصل أطرافه بعد ان تجزأ الانتماء العراقي إلي انتماء مللي وطائفي كردي وشيعي وتكريتي وسني وخلافه‏0‏

وفلسطين التي كانت تعد يوما قلب العروبة النابض‏00‏ قد أصبحت الآن ملاذا تحتمي خلفه اسرائيل فهي تلقي في حلبته المتصارعين ليتقاتلوا وتبقي هي في موقف المتفرج‏0‏ اكثر من هذا فقد تكرست قناعة أن القضية الفلسطينية قد أصبحت حالة مزمنة حتي من العرب ذاتهم‏-‏ وان التعامل معها صار يعتمد علي المزايدة وليس علي منطق المفاوضة التي تعتمد علي ابجديات واضحة المعالم‏00‏ فقد تضاءلت أسانيد الموقف التفاوضي الاستراتيجي للقضية الفلسطينية‏:‏ فتجزئة القدس قد أصبحت منطقا مستقرا ومقبولا‏00‏ وعودة اللاجئين الي أراضيهم قد تحولت من حق إلي وهم ثم الي طرح مستبعد وأخيرا إلي فرضية تاريخية تجاوزها الزمن وحلت محلها فرضية تعويضهم دون تحديد معالم واضحة للطريق‏00‏ وقناعتي ان قضية التعويض سوف تبرد وتتحول الي مجرد ورقة في ملف القضية شأنها شأن اللاجئين أو عطفة في شوارع خريطة الطريق في المستقبل المرئي‏00‏ أما عن حدود دولة فلسطين المنتقصة فقد تحولت الي جدار أمني رفضته محكمة العدل الدولية في حكم تاريخي‏-‏ يحد ما يطلقون عليه الحدود المؤقته لدولة فلسطين والتي سترتهن بما سيتم عليه الاتفاق بعد ان يكرس الكنيست الاسرائيلي ضم الاراضي خلف هذا السور الي دولته الأم‏0‏
ولبنان وقد ركدت في داخله مياة الانقسامات الطائفية الآسنة وأصبح خروج هذا الوطن من متاهات التشرذم مسألة مرهونة بخيوط يحركها الخارج قبل الداخل‏0‏

ثم نأتي الي لب المشكلة التي نعيشها وهي حقيقة الاحساس بالاستقلال الذاتي من جانب الدول العربية‏00‏ فالخريطة الجغرافية السياسية العربية قد قسمت الي‏:‏ دول كبري وأخري مارقة وثالثة معتدلة ورابعة مهمشة وخامسة لاوزن لها‏00‏ فأما عن الدول الكبري فهي تلك الدول التي يمكن أن يكون لها إشعاعا يجتذب أنظار الدول العربية‏:‏ وعليه فإنه يلزم إحتواء هذه الدول داخل سياج تجعل حركتها مرهونة بمصالحها المباشرة وليست الاقليمية‏0‏ وأما عن الدول المارقة فهي تلك التي لا زالت تحاول أن تكون عنصرا مقلقا لكي تبقي علي الخريطة السياسية الاقليمية ليمكنها أن تطالب بحقوقها المستلبة‏:‏ وتلك الدول يجب أن تقهر أو تعزل بل وأن تصفي وتتحول الي مجرد اشلاء لدولة كانت يوما قوية أما سياسيا أو استراتيجيا ومنها علي سبيل المثال لا الحصر العراق‏0‏ وأما عن الدول المعتدلة فهي تلك الدول التي لا تعترض ولا تقاوم المد الاستعماري الأمريكي الاسرائيلي في المنطقة العربية‏0‏ وأما عن الدول المهمشة أو التي لاوزن لها فهي تلك الدول التي لا يمكنها أن تفرض نفسها علي الخريطة السياسية العربية‏00‏ وهنا تبقي حقيقة واحدة تفرض نفسها علي أرض الواقع وهي أن تلك التصنيفات ترتبط بصورة أاسية ومباشرة بالوضعية الاقليمية للنفوذ الأمريكي والصهيوني الذي بات يمثل ما يمكن أن يطلق علية بالاستعمار الجديد للوجود العروبي والعربي في المنطقة العربية‏0‏

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو‏:‏ ثم ماذا والي أين يسير الشراع العربي في وسط بحر الأهوال وهل هناك فنار يمكن أن تهتدي به سفينة الدول العربية حتي لا تضل الطريق ؟

وكنت أتصور يوما أنه يم اذكاء ما يسمي بالارادة العربية لتتوحد وتشكل صاريا علي بحر القهر العربي‏00‏ وتصورت أن الجامعة العربية هي الملاذ الأخير الآمن للابقاء علي فكرة العروبة متقدة في ضمير العروبة إلا أن الممارسة قد أقنعتني بأن الجامعة العربية هي قاطرة بلا وقود فقوة الموقف العربي لا يمكن أن تشحن إلا بوجود ارادة عربية تشع أهدافا مشتركة يسعي العرب الي تحقيقها‏00‏ فقد استنت التشريعات لإلغاء الرسوم الجمركية بين الدول العربية بالكامل عام‏2005‏ والمفروض أن الدول العربية تتمتع الآن بما يطلق عليه منطقة تجارة حرة ولعمري ما قامت لهذه السوق قائمة فمعدل التجارة البينية لم ترتفع هامته حتي نقتنع بوجود تجارة عربية حرة‏00‏ كما أن هناك منظمات عربية مشتركة‏:‏ منها منظمة العمل العربية واليونسكو العربي واتحاد المحامين العرب واتحاد رجال الأعمال والمستثمرين والمقاولين والاطباء العرب واتحاد الكتاب والصحفيين العرب وغيره وغيره من الكيانات العربية الورقية المشتركة والتي لا نجد لها وجودا فعليا إلا من خلال مقارهم الرسمية وإجتماعاتهم وبياناتهم الرسمية التي تجف فور إعلانها‏0‏

ووسط هذا الهوان فلا زالت هناك ارادة خارجية تخطط للامعان في تفتيت ما تبقي من الارادة والوعي العربي‏00‏ فهل بقي ما يمكن أن يسمي العام العروبي القادم أم الأفضل أن نقول‏:‏ ما أشبه اليوم بالبارحة ؟ [line]

castle
29-01-2007, 07:52 AM
آثار حرب يوليو بين "إسرائيل" ولبنان ... الياس سحّاب

الياس سحّاب

الخليج الاماراتية

إذا عدنا إلى الأيام الثلاثة والثلاثين التي استغرقها العدوان “الإسرائيلي” على لبنان في صيف العام المنصرم، فسنذكر حتما كيف أن خشية العرب على لبنان من وحشية وشمول العدوان “الإسرائيلي”، الذي تفرغ فيه الجيش “الإسرائيلي” (أحد أقوى جيوش العالم) بكل أسلحته الجوية والبرية والبحرية لجعله عدوانا ساحقا ماحقا لكل لبنان، وليس للمقاومة فيه فقط، هذه الخشية العربية كانت في ذروتها في الأيام الأولى للعدوان. لكننا سنذكر أيضا أن هذه الخشية تحولت بعد خروج أنباء وصور الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية، والتخبط الذي سيطر على الجيش “الإسرائيلي”، من قواته إلى قيادته العسكرية إلى قيادته السياسية، تحولت عربيا إلى فخر واعتزاز وشعور طاغ باسترداد نسبة عالية من الإحساس القومي العام بالكرامة.

لكننا إذا عقدنا الآن، بعد مرور خمسة أشهر على توقف العدوان وانكساره، مقارنة لمشهد آثار الحرب على المجتمع العسكري والسياسي في الدولة التي هزم جيشها وقياداتها العسكرية والسياسية (“إسرائيل”)، ومشهد آثار الحرب على المجتمع الذي انتصرت مقاومته في صمودها وإفشالها خطة العدوان العسكري - السياسي “الإسرائيلي” - الأمريكي، فإننا نكاد نصاب بالهلع، ونكاد نفقد معظم او كل المشاعر التي زودتنا بها تلك الأيام الثلاثة والثلاثين.

السبب بسيط جدا، ومفهوم جداً، ويمكن صياغته في عبارة واحدة، قبل الغوص في بعض تفاصيله، وهو أن الفشل (أو الهزيمة) قد وقع هناك على مجتمع عصري بكل معنى الكلمة، بينما وقع النجاح (أو النصر) هنا، اي عربيا وليس لبنانيا فقط، على مجتمع متخلف بكل معنى الكلمة.

في المجتمعات العصرية (كمجتمع الدولة العدو) أصبحوا يمتلكون منذ قرن على الأقل، وبعد قرن قبله من المخاض الصعب المليء بالحروب الأهلية والدولية، بنية اجتماعية - سياسية صلبة ومتكاملة، أصبحت فيها العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة السلطة المحكومة بالقانون، والمواطن الذي يعتبر وحده صاحب الوطن، بينما يعتبر كل أعضاء الطبقة السياسية الحاكمة موظفي مؤسسات عامة) يقدمون الحساب عند الخطأ، وقد يعاقبون، أو يعزلون ويستبدلون بسواهم على الأقل، في عملية محاسبة سياسية دورية، تسمى الانتخابات.

وفي سياق هذا التطور، تحولت كثير من الأنظمة الملكية في أوروبا إلى أنظمة جمهورية، تسهيلا لتطبيق التطور الاجتماعي- السياسي الذي تحدثنا عنه. أما المجتمعات الأوروبية التي ارتأت ان تحتفظ بالنظام الملكي، باعتباره رمزا وطنيا تاريخيا يستحسن الحفاظ عليه، فقد قامت بتحويل كل الأنظمة الملكية في قارتها إلى ما سمي “الملكية الدستورية”، التي تحول فيها الملك، وذريته من بعده، إلى رمز حقيقي شديد الاحترام، لكنه لا يملك مقاليد سلطة الحكم. وتحول الزعيم السياسي في هذا النوع من الأنظمة، إلى زعيم الحزب الفائز في الانتخبات النيابية الدورية، أي أنه سلطة سياسية قابلة للمحاسبة على اي خطأ يرتكبه، وقابلة للتبديل بسلطة سياسية اخرى، يختارها الشعب بالانتخاب إذا رأى في ذلك مصلحة للوطن والمواطنين.

ولأن موجات المهاجرين اليهود التي اغتصبت فلسطين وأسست “إسرائيل”، جاءت في معظمها من صميم تلك المجتمعات الاوروبية المتطورة، فقد نقلت معها هذا التطور الاجتماعي - السياسي بكل زخمه وجوهره، وليس بشكله الخارجي فقط.

أما نحن العرب، فمع أننا خرجنا من حطام الإمبراطورية العثمانية منذ قرن من الزمن، فما زلنا في كل بلادنا العربية (بما في ذلك لبنان المميز نسبيا وشكليا عن بقية المجتمعات العربية) نعيش العصر الحديث ونواجه مشكلاته المتراكمة فوق كواهلنا، بالبنى الاجتماعية- السياسية المتخلفة التي ورثناها عن القرون الوسطى وما قبلها.

وفيما حولت المجتمعات المتقدمة أنظمتها الملكية التي احتفظت بها إلى “ملكية دستورية”، لا يملك فيها الملك ولا يحكم (الوطن ملك المواطن وليس ملك الملك)، فإننا بدل السير قدما في هذا الاتجاه، ابتكرنا اختراعا عربيا سياسيا لم يسبقنا إليه أحد، فحولنا الأنظمة الجمهورية التي استحدثناها في القرن العشرين (ويبدو أننا ندمنا على استحداثها)، حولناها إلى أنظمة جمهورية- ملكية، يملك فيها القابض على السلطة الوطن، ويحكم منفردا، ويورث الحكم لذريته من بعده.

بوسعنا طبعا أن نتخيل، بعد هذه المقارنة الاجتماعية - السياسية بيننا وبين العدو “الإسرائيلي”، أن أي هزيمة أو خطأ أو فشل يقوم به مسؤول “إسرائيلي”، يقع في شبكة من صمامات الأمان التي يوفرها هناك النظام السياسي - الاجتماعي العصري.

ها هو قائد الجيش عندهم يدفع الثمن، وها هما رئيس الوزراء (الزعيم الحاكم) ووزير دفاعه، يسيران نحو محاسبة سياسية مؤكدة، لن تكتفي بجعلهما يدفعان ثمن الأخطاء والهزيمة، من مستقبلهما السياسي، لكن حزبيهما سيدفعان ثمنا مؤكدا أيضا في الانتخابات القادمة.

اما نحن، فإن الإنجاز المشرف الذي حققته المقاومة، وقع في مجتمع ذي بنية سياسية - اجتماعية موروثة مما قبل القرون الوسطى، فلم يفقد هذا الانجاز فقط كل لمعانه وبريقه، وكل قوته الإيجابية التي كان يفترض ان تدفع المجتمع اللبناني وسائر المجتمعات العربية إلى الأمام، بل سقط في مستنقعات التخلف المذهبية، حتى يكاد يتحول بين أيدينا إلى مشكلة، أو كارثة، وليس إلى إنجاز، في مواجهة القوة العسكرية “الإسرائيلية” التي لا تقهر، والغطرسة السياسية “الإسرائيلية”، التي ما زالت تصر على تصفية القضية الفلسطينية، بدل أن نجبرها بتماسكنا على الدخول في مسار حل عادل ومتوازن ودائم.

إن المشاهد اللبنانية المؤسفة التي غطت شاشات الفضائيات العربية في الأيام الأخيرة، هي في الحقيقة مشاهد معبرة عن عمق التخلف الاجتماعي - السياسي الذي ما زال العرب يواجهون به العصور الحديثة وتحدياتها.

لهذا بالضبط، يتحول النصر لدينا قوة سلبية، تدفع للخلف، وتتحول الهزيمة لديهم، قوة إيجابية، تدفع للأمام.[line]
كوارث الولايات المتحدة في العراق

روبيرت كايزر
عكاظ السعودية

بعد مرور 4 سنوات تقريباً على خوض حرب غير لازمة ولا فعالة، وبعد انهيار التأييد المحلي للرئيس بوش وسياساته، وبعد ازهاق آلاف الأرواح وإنفاق مئات المليارات من الدولارات، لا يبدو أنه من الممكن تفادي الخلاصة القاتمة التالية: لقد أصبح العراق فيتنام أخرى للولايات المتحدة!
ولحسن الحظ أنه بينما مجمل عدد القتلى في العراق مرتفع حتى الآن، فإنه مازال أقل بكثير من قتلى الحرب الفيتنامية، ولكن قد يكون الفرق الأكثر أهمية بين الحربين أنه من المحتمل أن تحدث الهزيمة في العراق عواقب كارثية وخيمة لذلك البلد ولجيرانه وللولايات المتحدة أيضاً.
وبالنسبة لصحافي عجوز تضمنت مهنته 18 شهراً قضاها في تغطية حرب فيتنام لصحيفة واشنطن بوست، فإنه من دواعي الاستغراب والدهشة الإدراك بأن بلدي فعلها مرة أخرى
في العراق.
لقد خاطرنا مرتين بأمل التمكن من التنبؤ بالأحداث والسيطرة عليها في بلدين لا نعرف شيئاً عن تاريخهما ولا يتحدث الكثير من الأمريكيين بلغتيهما ولا نفهم شيئاً بالصراعات الداخلية في كل منهما، ونجهل تماماً توقعاتهما وطموحاتهما في الحياة والسياسة والاقتصاد.
وفي كل من العراق وفيتنام وضعنا مصيرنا في أيدي سياسيين محليين لا يتبعون ولا ينفذون أوامر الولايات المتحدة.
كما أنهم لا يرون مصير بلديهما بالطريقة التي نراها.. ولا يحظون بتأييد العدد الكافي من مواطنيهما لتحقيق النتيجة التي تريدها واشنطن.
وفشلت القوة العسكرية الأمريكية بتحقيق الأهداف السياسية المرجوة في كلا البلدين!
وكيف حدثت كل هذه الأمور في العراق وفيتنام؟ أعتقد أننا نحن الأمريكيين واقعيون نعرف كيف ننجز الأمور.. أو كما يحلو لنا اعتقاد ذلك. ولكن الحقيقة أننا لا نعترف بأخطائنا ومتأكدون من تفوقنا ومقتنعون من أن الآخرين يروننا كما نرى أنفسنا، ضاربين عرض الحائط باختلاف حقائق فيتنام والعراق الدينية والثقافية والسياسية والتاريخية عن حقائقنا وواقعنا. وتساعد هذه العيوب الأمريكية على تفسير كوارث الولايات المتحدة في العراق وفيتنام أكثر من أي من أخطائها التكتيكية أو الاستراتيجية في هذين البلدين.
ولن تحقق خطة الرئيس بوش الأخيرة ولا خططه السابقة أية نتائج سياسية مرجوة، لأن الأمريكيين لن يتمكنوا من تحقيق أهداف سياسية في العراق.
الأمريكيون غرباء ومحتلون بكل معنى الكلمة، العراقيون وحدهم القادرون على إيجاد حل سياسي لانقساماتهم.
ومن ثم، فإن الحل والمخرج ليسا في أيدينا، وسيكون من قبيل الجنون الرهان على أننا سنحب الطريقة التي سيؤول إليها الصراع في العراق.

* صحافي أمريكي - نقلاً عن «واشنطن بوست»

ترجمة: محمد بشير [line]
وجه جديد لسياسة الاحتواء

ديفيد أغناتيوس
الشرق الاوسط

ما هي استراتيجية الولايات المتحدة في العراق؟

رسمت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس هذا الأسبوع، إطارا على أساس ما تعتبره مجموعة دول تريد احتواء إيران والجهات المتطرفة التي تعمل لها بالوكالة.

وفي لقاء اجري معها يوم الثلاثاء، لخصت كوندوليزا رايس الاستراتيجية الجديدة التي بدأت تتشكل ملامحها خلال عدة شهور سابقة. وعلى الرغم من أن معلقين ألقوا الضوء على الكثير من عناصر هذه الاستراتيجية، مثل غاري سيك الأستاذ بجامعة كولمبيا، فإن تعليقات كوندوليزا كانت بمثابة توضيح عام مفصل للمساعي الاميركية الجديدة، لتشكيل تحالف أمر واقع بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة في مواجهة التطرف الإيراني.

كوندوليزا رايس قالت من جانبها أن منهج واشنطن الجديد تجاه هذه القضية يعكس القلق العربي المتزايد إزاء محاولات إيران لفرض قوتها وسلطتها عبر الجهات التي تعمل لها بالوكالة، وقالت في هذا السياق: «بدأ يتضح في الشرق الأوسط عقب الحرب في لبنان، وجود حلف متطرف مع إيران يتضمن سوريا وحزب الله وحركة حماس. هناك أيضا الأهداف التي يتهددها خطر هذا التطرف، اللبنانيون والعراقيون والفلسطينيون، والأطراف التي تريد أن تقاوم هذا التوجه، مثل السعودية ومصر والأردن».

محاولة الولايات المتحدة الأخيرة للتلويح بالقوة ضد إيران، اعتقال عناصر إيرانية في العراق، وإرسال سفن حربية إضافية إلى الخليج، جاءت ضمن هذه الجهود الواسعة لطمأنة دول بالمنطقة، على أن واشنطن ستظل حليفا موثوقا به في مواجهة إيران على الرغم من الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق. رايس نفسها قالت لي انه يتعين على الولايات المتحدة أن تظهر من جانبها أنها «موجودة في الخليج وستظل موجودة فيه».

مجموعة الدول التي تحدثت قالت إن كوندوليزا رايس تريد احتواء إيران والقوى التي تعمل لصالحها بالوكالة ترتبط بالمساعي الاميركية الجديدة الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك بتشجيع كليهما على استكشاف «القضايا ذات الصلة بالوضع النهائي»، مثل الحدود ووضع القدس وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، بدلا عن الاستمرار في حالة الجمود في إطار خطة خارطة الطريق.

المساعي الرامية إلى احتواء الضغوط اتخذت بعدا جديدا هذا الأسبوع في الوقت الذي أدت فيه حملة حزب الله ضد حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى حدوث أعمال عنف خلفت عددا من القتلى والجرحى. وكانت الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية قد رتبت على عجل مشروع إنقاذ مالي بقيمة 7.6 مليار دولار للسنيورة، إلا أن ذلك لم ينجح في اجتثاث التوتر الطائفي المتزايد في لبنان بين المسلمين السنّة، الذين يؤيدون حكومة السنيورة، ومؤيدي حزب الله الشيعة.

ويرى معارضون أن استراتيجية احتواء إيران، من جانب الولايات المتحدة ومجموعة الدول التي تحدثت عنها كوندوليزا رايس، لا تعدو أن تكون محاولة أخرى عالية المخاطر من جانب إدارة بوش في منطقة تعاني أصلا من حالة استقطاب حاد بسبب حرب العراق والنزاع الطائفي.

والى ذلك حذر مسؤول رفيع ومطلع من أن بعض العرب سينظر إلى هذا الأمر بعين التشكيك، ويرى أيضا أن تعميق الخلافات بين المسلمين السنّة والشيعة خطأ فادح. إلا أن مسؤولي وزارة الخارجية الاميركية سيردون من جانبهم على هذه النقطة بحج أن ناتجها هو أن إيران هي التي تعمل على تعميق هذه الخلافات من خلال تشجيع السلوك الاستفزازي لحزب الله في لبنان.

ويمكن القول هنا أن تفكير إدارة بوش في حث بعض دول المنطقة للمساعدة في احتواء إيران، يوضح السبب وراء رفض واشنطن فكرة إجراء محادثات مع طهران ودمشق، وفق ما جاء في توصيات لجنة «بيكر ـ هاميلتون».

كوندوليزا رايس ترى من ناحيتها أن ثمة تحالفا وسط دول المنطقة، وتقول أيضا إن هذا التحالف بلورته الحرب في لبنان ولا يمكن تركه بهذا البساطة، وإذا انصب التركيز، كما تقول، على إجراء محادثات مع كل من سوريا وإيران، فإن هناك احتمالا لخسارة تشكيل محور يضم الدول ذات المصلحة في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وفيما يتعلق بسوريا قالت كوندوليزا رايس إن إدارة بوش تسعى إلى تغيير في السياسات بدلا عن تغيير النظام. وردا على سؤال حول تصريح أدلى به وزير الخارجية السوري وليد المعلم في لقاء أجريته معه الشهر الماضي، عرض خلاله تقديم سوريا للمساعدة اللازمة للولايات المتحدة لبسط الأمن في العراق، قالت كوندوليزا رايس: «إذا أراد السوريون استتباب الأمن في العراق، لماذا لا يفعلون ذلك؟»

أما فيما يتعلق بمصلحة إسرائيل في استكشاف المبادرة السورية، أشارت رايس إلى أحاديث الجانبين السوري والإسرائيلي في الآونة الأخيرة، وأضافت في ذات السياق أن الجانب الإسرائيلي إذا توصل إلى أن هناك جانبا مهما، فإنه سيواصل جهوده فيه.

ثمة مراقبون يرون أن موقف الإدارة الاميركية المتشدد تجاه إيران، أدى مسبقا إلى بعض النتائج. إذ أن الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد قد دخل في مشكلة فيما يبدو مع رجال الدين في مؤسسة الحكم، بسبب أحاديثه المتهورة التي أدت إلى إثارة استياء مسلمين آخرين. ومع ذلك فالنفوذ الأقوى ضد إيران، يتمثل فيما يبدو في الائتلاف الدبلوماسي الغربي الموحد. وترى كوندوليزا رايس ان قرار مجلس الأمن القاضي بـ«إدانة المشروع النووي الإيراني وتطبيق عقوبات غير متشددة ضدها»، كان أكثر تأثيرا مما كانت تتصور، على حد قولها.

أثارت استراتيجية مجموعة من الدول لاحتواء إيران كثيرا من الأسئلة بقدر ما قدمت بعض الإجابات. ومن ضمن هذه التساؤلات مسألة تأييد المقاومة السنيّة تجاه إيران في نفس الوقت الذي تقدم فيه الولايات المتحدة دعمها للحكومة العراقية ذات الغالبية الشيعية. ولكن كما هو الحال في أي استراتيجية، فإن فكرة كوندوليزا رايس الخاصة بمحورة الدول لاحتواء إيران، له جانب ايجابي يتمثل في تشكيله لقاعدة نقاش وحوار وتفكير متأن حول منطقة تجلس على حافة بركان.

* خدمة «واشنطن بوست» ـ (خاص بـ«الشرق الأوسط»)[line]

castle
30-01-2007, 07:07 PM
متاهة اللعبة الأمريكية في المنطقة .

بشير البكر

الخليج الاماراتية

تساءل ديبلوماسي غربي على هامش “مؤتمر باريس 3”: ما الذي يوحد الولايات المتحدة وفرنسا، من حول لبنان اليوم إلى هذا الحد؟ الجواب بالطبع ليس فقط القرار ،1559 الذي شكل نقطة لقاء دبلوماسية بين البلدين، بعد الافتراق من حول الحرب على العراق. فهناك ما هو جديد وراهن. ويرى الديبلوماسي الغربي ان الروحية التي دفعت الإدارة الأمريكية للتفاهم سنة 2004 من حول القرار 1559 الخاص بلبنان، انطلاقا من العراق، تعيد انتاج نفسها اليوم من حول إيران.

لايحتاج المرء إلى براهين كثيرة للتأكيد على ان العراق مايزال يقسم الطرفين، لكن الخوف من إيران يوحدهما، رغم الاختلاف في بعض زوايا النظر.

ليس مصادفة ان تكون وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، في الصف الاول لجبهة الحرب على محور “مؤتمر باريس 3”. إن المراقب لحركة الوزيرة طيلة يوم المؤتمر يخرج بانطباع وحيد لاغيره، وهو ان الولايات المتحدة شريك اساسي في هذا الحدث، ليس فقط بتقديم التبرع المالي السخي، بل بالسياسة قبل كل شيء. هي شريك في الترتيبات والنتائج، ولم تكن مجرد دولة مانحة، وإلا لما كانت رايس تحتل مقعدا على المنصة، التي اعلنت من عليها الحصيلة النهائية للمؤتمر، إلى جانب فرنسا ولبنان والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة والسعودية. لو لم يكن المؤتمر يعني واشنطن من الألف إلى الياء، لما بدأت الوزيرة يومها باجتماع مع رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة قبل افتتاح اعمال المؤتمر، واختتمته بالشهادة على النتائج.

في هذا الجو لايعفي المراقب نفسه من طرح سؤال جوهري:من الذي يقف وراء غياب إيران وسوريا عن المؤتمر، وما السبب الفعلي، هل هو المال أم السياسة؟.

لم تغب سوريا وإيران كما يعتقد البعض لأن باريس لم توجه إليهما الدعوة فقط. بل لأن توجيه الدعوة في حد ذاته هو العقدة الاساسية في الموضوع. والاعتقاد شبه المسلّم به هنا هو ان عدم دعوة سوريا، يرجع إلى استمرار جو الجفاء العميق، الذي يخيم على العلاقات الفرنسية السورية، ورفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك الحديث مع الحكم السوري، الذي شن عليه هجوما فريدا من نوعه عشية عقد المؤتمر. واذا كان هذا هو الحال بين باريس ودمشق، فهو ليس كذلك بين باريس وطهران، فكل شيء يوحي بأن القنوات سالكة بين البلدين، إلى حد ان الرئيس الفرنسي كان يود قبل وقت قريب ارسال وزير خارجيته فيليب دوست بلازي إلى طهران، ثم عدل عن ذلك بحجة ان الإيرانيين لايثمنون جيدا الاشارات الايجابية التي تصدر عن باريس. وعلى ابواب انعقاد مؤتمر باريس كان هناك حديث بصوت عال، عن ايفاد مبعوث فرنسي خاص إلى طهران لبحث الوضع في لبنان. ولكن المشروع تم تجاوزه بذريعة ان دول المنطقة لم تحبذ الفكرة. وعدا هذا هناك سبب اضافي يستدعي دعوة إيران، وهو يتعلق بدخولها على خط مؤتمر باريس قبل انعقاده، من خلال دورها في التعويض على خسائر التدمير “الاسرائيلي”. لقد كانت هذه النقطة تستدعي التفاهم مع الإيرانيين، على وضع هذا الدعم في نفس مسار قناة الدعم الدولي، لكن لايخفى على أحد بأن المال الإيراني مرفوض في لبنان وفلسطين رسمياً.

ببساطة يمكن القول ان عين واشنطن المفتوحة على لبنان ترى أبعد من ذلك، وتذهب نحو العراق وفلسطين وافغانستان وحدود أخرى. ومن هنا لايمكن فصل حضورها بقوة في المؤتمر، عن استراتيجيتها الجديدة التي اطلقتها في العاشر من كانون الثاني /يناير الحالي، القائمة على الوعد بتدمير “الشبكات الارهابية”، التي تدعمها إيران وسوريا ومنعها من عبور الحدود. وقد نشرت صحيفة “واشنطن بوست” في الايام الماضية تفاصيل اكثر عن هذه الاستراتيجية، تتحدث عن اوامر اصدرها الرئيس جورج بوش لتفعيل عمليات طابعها سري ضد “عملاء إيران” في العراق وحزب الله في لبنان. واللافت في الامر هو ان خطة بوش للحد من التأثير الإيراني “من بيروت إلى كابول”، تهدف إلى “اضعاف التزام إيران جهودها النووية”. وتشير إلى ان “النشاط النووي الإيراني يصبو إلى تطور ما، وحلفاء الولايات المتحدة، يرفضون عقوبات شديدة ضد الحكومة الإيرانية”. وتقول الصحيفة، انه “خلال الصيف الماضي، قرر المسؤولون في الإدارة ان مقاربة مبنية على المواجهة اصبحت ضرورية، في وقت ازداد فيه التأثير الإيراني الاقليمي، وضعفت جهود واشنطن لعزل طهران”.

إن السياسة الجديدة مبنية على نظرية تفيد بأن طهران سوف تخفف من طموحها النووي، إذا قامت واشنطن بضربها بقسوة في العراق ومناطق اخرى، وبالتالي سيوجد هناك احساس بالهشاشة لدى قادة إيران. وقد صرح البيت الابيض بتوسيع “متاهة اللعبة الزرقاء” بحسب الادبيات الاستخبارية، وهي مجموعة من العمليات، المسموح بها، الممكن شنها على حزب الله، والعمل للاعداد لعقوبات دولية على إيران، واتخاذ اجراءات لإعاقة التمويل الذي تقدمه إيران المجموعات الفلسطينية المتطرفة (حماس) ولخفض المصالح الإيرانية مع الشيعة في جنوب افغانستان.

وسط هذه التطورات المتسارعة تتضح اكثر فأكثر مسألتان: الأولى، هي ان جهود الولايات المتحدة للحد من النشاط الإيراني في العراق لم تأت ثمارها، وبالتالي لا بد من توجيه الضغط مباشرة نحو طهران، أي ان الأسلوب الاجدى هو مواجهة طهران مباشرة، الأمر الذي يفسر الحشد الأمريكي البحري الكبير في المنطقة. والأمر الثاني هو ان هناك قناعة شبه ثابتة في الأوساط السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة وأوروبا، ومفادها انه إذا لم يتم التحرك الآن لوضع حد لطموحات إيران النووية وغير النووية، سوف يكون الامر متأخرا جدا، وعليه فإن تكاليف اي مواجهة تترتب على ذلك اليوم، هي اقل من تأجيلها.

إن المفارقة المثيرة للاهتمام هي ان بوش عاد من جديد ليعوض فشل استراتيجيته في العراق، على حساب بوعد النجاح في إيران. [line]
جرائم ورد نص عليها في المعاهدات والإتفاقيات الدولية

أعالي البحار ألغت الإستعباد وحثت علي معاقبة سفن تجارة العبيد

محمد صالح امين .. محام وأكاديمي

الزمان

نستعرض هنا بعض الجرائم التي تضمنتها الاتفاقيات الدولية والتي يتعين علي الدول الاعضاء فيها تقنينها في قوانينها الجنائية الوطنية. وقد ورد ذكر هذه الجرائم في الاتفاقيات الدولية حسب ترتيب قدمها وظهورها التاريخي في النطاق الدولي, كما يلي:

القرصنة:

في الواقع يبدو ان جريمة القرصنة هي من اقدم الجرائم التي خصص لها القانون الدولي كل اهتمامه , وعلي الصعيد الدولي فأن القرصنة كانت في بادئ الامر من خلق القانون الدولي العرفي , وبموجبه كان القرصان يستخدم في اعالي البحار السفن التي كانت تحت قيادته وامرته لارتكاب اعمال بالقوة ضد الاشخاص او الاموال وبدون ترخيص او موافقة من اية حكومة او سلطة معترف بها.. وفي تعريف اخر فأن القراصنة هم الذين يقومون في اعالي البحار بواسطة سفنهم باعتداءات غير مشروعة ضد تجارة جميع الدول بدون استثناء. وذلك بهدف الكسب او لمجرد الاتيان باعمال الشر والإرهاب ..
ووفقا لراي بعض الكتاب، فأن القرصنة يمكن ان ترتكب ايضا في المياه الاقليمية، ولكن يري البعض الاخر، ان القرصنة يجب ان تكون نقطة بدايتها في الاقل في اعالي البحار، ثم تمتد الي المياه الاقليمية او الي الخلجان والسواحل ايضا..والقرصنة في الانهار لايمكن اعتبارها جريمة ضد الانسانية.. وقد اتسعت اعمال القرصنة اليوم فشملت قطع الطرق او السرقة بالاكراه والقتل او خطف الاشخاص واتلاف الاموال ... الخ . ويكفي محاولة القيام بهذه الاعمال لوصف السفينة بأنها معدة للقرصنة .. ووفقا للراي الراجع فأن اعمال العنف التي ترتكب علي ظهر سفينة في اعالي البحار لا تشكل قرصنة ، مالم تبدأ من سفينة اخري .. وكذلك فأن اعمال العنف كالعصيان في سفينة او الاستيلاء علي سفينة بواسطة الركاب والتي ترتكب بهدف سياسي فقط لاتعتبر ايضا من اعمال القرصنة، ومع ذلك ان الفقهاء الانكليز يعترضون علي وجهة النظر هذه ويميلون الي وصف بعض الاعمال التي ترتكبها السفن الحربية والغواصات خلافا لقوانين الحرب باعمال القرصنة وقد وجدت هذه النظرة قبولا في بعض الاتفاقات الاقليمية والدولية والنتائج المترتبة علي القرصنة هي ان القراصنة يعتبرون بأنها اعداء للجنس البشري، وبالتالي يحق لكل دولة ان تستولي علي سفن القراصنة، وان تحاكمهم وفقا لقوانينها الوطنية.. واعمال القرصنة ورد ذكرها وتضمينها في اتفاقية اعالي البحار الموقعة في (جنيف) في 29 ابريل سنة 1985، وطبقا للمادة (14) منها يجب علي جميع الدول ان تتعاون بقدر الامكان، علي منع اعمال القرصنة في اعالي البحار، او في أي منطقة اخري لا تخضع لسيادة وسلطان أية دولة، ويعد ذلك التزاما قانونيا يقع علي عاتق جميع الدول الاعضاء في الاتفاقية .. ووفقا للمادة (15) تتكون القرصنة من الاعمال الاتية:

_ كل عمل غير مشروع مصحوب بالعنف او الاستيلاء، او كل عملية سلب او نهب ترتكب لاغراض خاصة من قبل طاقم السفينة او الركاب او من قبل طائرة بحرية توجد في اعالي البحار ضد سفينة اخري او طائرة بحرية او اشخاص او اموال توجد في منطقة غير خاضعة لسلطة أية دولة.

_ كل عمل من اعمال المساهمة الاختيارية باستخدام سفينة او طائرة بحرية، اذا علم ان مرتكبيها بأن الاعمال التي تقوم بها هذه السفينة او الطائرة البحرية تتصف بطابع القرصنة.

_ كل عمل يهدف الي تحريض علي ارتكاب اعمال ورد النص عليها في الفقرتين الاولي والثانية من هذه المادة، او بهدف تسهيل ارتكابها .. ويلاحظ ان هذا التعريف يشبه كثيرا في جوهرة الفكرة التقليدية للقرصنة، كما وجدت في القانون الدولي العرفي، ومع ذلك فان الاتفاقية المذكورة قد توسعت في هذه الفكرة وشملتها الطائرات الحربية، وكذلك امتدت لتشمل اعمال التحريض علي القرصنة والاعمال التحضيرية بدون تحديدها، هذا وتؤكد الاتفاقية في المادة (16) ان اعمال القرصنة كما نصت عليها المادة (15) التي تقوم بارتكابها سفينة حربية او سفينة دولة او طائرة بحرية تابعة لدولة ما، والتي قام طاقمها بالعصيان والاستيلاء عليها، هي بمثابة الاعمال التي ترتكبها سفينة خاصة في هذا الخصوص.

الاستعباد:

تعتبر هذه الجريمة الدولية منافية لكرامة الشخص الادمي ، وهي بالتأكيد من ابشع الجرائم والتي تتمثل بالاحتفاظ بشخص في العبودية وتجارة الرقيق وتوصف احيانا بأنها جريمة العيب في الذات الانسانية، ولم يبدأ القانون الدولي معركته ضد هذا البلاء الا خلال القرن التاسع عشر وقد كانت تجارة الرقيق قبل هذا التاريخ تتم تحت رعاية الدول وحكوماتها، وكانت بعض الاتفاقيات كمعاهدة (اوترشيت) في سنة 1713 تعطيها الطابع المشروع، ولكن حدث تغير جوهري في هذا المضمار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والذي عرف بعصر النور.. وفي مؤتمر فيينا سنة 1815 صدر اعلان يدين الاتجار بالرقيق بصورة عامة واصبحت هذه التجارة بعد ذلك موضوعا للادانة والتجريم في تشريعات الدول وفي معاهدات ثنائية متعددة، وفي سنة 1841 عقدت في لندن معاهدة بين خمس دول اوروبية وهي (انكلترا، وفرنسا، والنمسا، وبروسيا، وروسيا) وبموجبها اعترفت هذه الدول بحق متبادل في التفتيش علي سفن أي من هذه الدول، وتم الاتفاق علي وصف تجارة الرقيق بالقرصنة.. وفي القرن التاسع عشر تقريبا لاحظت الدول المتعاقدة ان تجارة الرقيق لايمكن القضاء عليها عن طريق اعاقة المواصلات البحرية فقط، فاتجهوا الي الغاء اسواق الرقيق وطرق عبورها في الاراضي حتي الموانئ البحرية.. فكانت اتفاقية (الكونجو) التي وقعت من 15 دولة في برلين سنة 1885 وبمقتضاها اعلن ان حوض الكونجو لا يمكن ان يستخدم كسوق او كطريق عبور لبيع الرقيق .. وكانت الخطوة التالية هي الاتفاقية العامة في مدينة بروكسل في سنة 1890 في المؤتمر الدولي المناهض للاستعباد وقد وضعت هذه الاتفاقية شروط تفصيلية من اجل الغاء تجارة الرقيق علي الارض وفي البحار.. وكان هدف اتفاقية (سان جرمان) الموقعة في سنة 1919 هو توسيع وتجديد الشروط والاعمال السابقة المتفق عليها.. واخيرا وفي نطاق (عصبة الامم) تم توقيع الاتفاقية الخاصة بالاستعباد في (جنيف) يوم 25 سبتمبر سنة 1926، واعلن ان موضوعها هو الالغاء التام للاستعباد وتجارة الرقيق، وتم تعديلها ببروتوكول لاحق في 7 ديسمبر سنة 1953 .. ومع ذلك وبالرغم من ان اتفاقية جنيف المذكورة والخاصة بالغاء الاستعباد وتجارة الرقيق قد تضمنت علاوة علي ذلك بعض اشكال من الاعمال الشاقة والسخرة، فقد وجد انها غير كافية لمحاربة اشكال اخري من العبودية توقع ضحايا اكثر في الوقت الحاضر من الاستعباد العلني، وكان ذلك هو هدف ومهمة الاتفاقية الاضافية المتعلقة بالغاء الاستعباد وتجارة الرقيق والاعمال المشابهة لها والتي وقعت في 7 سبتمبر سنة 1956. وتعرف باتفاقية جنيف المذكورة (الاستعباد) بأنها (( حالة انسان يمارس عليه كل مواصفات او اشكال حق الملكية او بعض منها )) (مادة 1 فقرة اولي)، وتعرف الاتفاقية تجارة الرقيق بأنها (تشمل كل عمل من اعمال القبض والحجز والحيازة والتنازل عن كل فرد من اجل اخضاعه للعبودية. وكل عمل او اجراء لحيازة عبد لغرض بيعه او مبادلته، وبصورة عامة كل عمل من اعمال التجارة او نقل العبيد)(مادة 1 / فقرة ثانية) .. وقد تعهدت الدول الاعضاء بالإتفاقية بمنع ومعاقبة تجار الرقيق، ومتابعة الالغاء التام للاستعباد بجميع صوره واشكاله، واتخاذ كافة الاجراءات الحاسمة لمنع وعقاب شحن وتفريغ العبيد في المياه الاقليمية، وبصورة عامة فوق ظهر جميع السفن التي ترفع اعلام هذه الدول (مادة 3، 2) وكذلك تعهدت الدول الاعضاء باتخاذ جميع الاجراءات الفعالة لتفادي ان تؤدي الاعمال الشاقة او الاجبارية الي ايجاد ظروف مشابهة للاستعباد (مادة 5) كما تعهدت الدول الاعضاء ايضا ان تتبادل فيما بينها وبين السكرتير العام للامم المتحدة التشريعات واللوائح التي تصدرها لتطبيق نصوص الاتفاقية (مادة 7) وطبقا للمادة (6) تعهدت الدول الاعضاء التي لازالت تشريعاتها غير كافية لتطبيق اهداف الاتفاقية بأتخاذ الاجراءات الضرورية والمناسبة لعقاب هذه الجرائم بعقوبات قاسية.
ووفقا للبروتوكول الاضافي فان الدول الاعضاء تعهدت بأتخاذ كافة الوسائل التشريعية وغيرها من الوسائل التي يمكن اتخاذها للوصول بصورة تدريجية وفي اقرب وقت ممكن الي الالغاء التام للانظمة والتطبيقات التالية، سواء كانت من ضمن تعريف الاستعباد او لم تكن.

_ العبودية وفاء للدين وذلك من جراء حالة او وضع ناجم من تعهد المدين ضمانا لدين، بأن يقدم خدماته او خدمات شخص اخر تحت امرته او سلطته، اذا كانت القيمة الكلية لسفينته لا تكفي للوفاء بالدين او اذا كانت مدة تقديم هذه الخدمات ومواصفاتها غير محددة.

_ الرق وهو أي ظرف او وضع للشخص يجيز القانون او العرف او الاتفاق علي العيش او العمل في ارض شخص اخر وان يقدمها لهذا الشخص نظير مكافأة او مجانا بعض الخدمات دون ان يكون بامكانه تغيير وضعه المعيشي.

_ حق الزوج او العائلة او القبيلة التنازل عن الزوجة او المرأة لشخص اخر بمقابل او بدونه.

_ جواز انتقال المرأة بالميراث الي شخص اخر عند وفاة زوجها.

_ جواز انتقال طفل او حدث يقل عمره عن الثامنة عشر سواء بمعرفة والديه او احدهما او بواسطة وليه الي شخص اخر مقابل دفع مبلغ من المال او مجانا بهدف استغلال عمل الطفل او الحدث.. ووفقا للمادة (3) من الاتفاقية فأن نقل او محاولة نقل العبيد من بلد الي اخر وبأية وسيلة كانت او كان الشخص شريكا في ذلك يشكل جريمة بموجب قوانين الدول والاطراف في الاتفاقية الاضافية والاشخاص الذين يثبت ارتكابهم لمثل هذه الاعمال توقع عليهم عقوبات قاسية والمادة 4 تنص علي ان كل عبد يلجأ الي سفينة تابعة لدولة طرف في الاتفاقية تمنح له الحرية حتما، وتنص المادة 5 علي ان بتر عضو من الجسم او الوشم او الكي او اية علامة دالة علي حالة الرق او الاشتراك في مثل هذه الاعمال يعتبر جريمة والاشخاص المسؤولون عنها توقع عليهم العقوبات المحددة، ووفقا للمادة( 6) فقرة (1) فأن اخضاع شخص للعبودية او تحريض شخص للتخلي عن حريته او حرية فرد يعيله يعتبر جريمة وتوقع علي المسؤولين عنها العقوبات اللازمة، والحال كذلك بالنسبة للشروع او الاشتراك في مثل هذه الافعال.

واخيرا فأن من المناسب ان نشير ان اتفاقية اعالي البحار المنعقدة في سنة 1958 قد خصصت ايضا نصا لالغاء الاستعباد، ووفقا للمادة (13) منها علي كل دولة ان تتخذ الاجراءات الفعالة لمنع ومعاقبة نقل العبيد علي السفن المصرح لها برفع علمها وكل عبد يلتجئ الي سفينة مهما كان عملها يعتبر حرا.

zzaman International Newspaper - Issue 2605 - Date 29/1/2007

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 5260 - التاريخ 29/1/2007

AZP07[line]

castle
30-01-2007, 07:21 PM
الحماية الدولية لتراث الشعوب

التكامل الإعلامي التربوي ركيزة لفاعلية العمل الثقافي العربي

عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي .. محام

الزمان

استقر في القانون الدولي العام ان للانسان حقوقاً (ثقافية) الي جانب حقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كما استقر في القانون المذكور، ان لكل شعب ولكل امة في العالم هوية ثقافية متميزة، وتراثاً ثقافياً خاصاً، وممتلكات ثقافية هي جزء من كيان البلاد ومن مكونات شخصيتها المستقلة، تجسد عبقريتها وتمثل ثمرة نتاج ابنائها المادي والمعنوي علي امتداد التاريخ الانساني. ومثلما حرص القانون الجنائي علي حماية حقوق الانسان فأنه حرص علي حماية الممتلكات الثقافية للشعوب.
وكان من أهم اسباب إنشاء (المنظمة العالمية للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) القناعة الاممية بأن الثقافة وسيلة من وسائل تعزيز السلم في العالم، وكان سوء الفهم المتبادل بين الشعوب دوما وعلي مدار التاريخ مصدرا للشك والريبة بين الامم، ومن ثم تطور الخلافات الناشئة بينها الي جانب اندلاع الحروب في الكثير من الاحيان، وان الحروب تبدأ اولا في عقول الناس ونفوسهم، لذلك يجب ان تقوي الثقافة وسائل الدفاع عن السلام في تلك العقول والنفوس.(جوليان هكسلي - فلسفة اليونسكو- مجلة رسالة اليونسكو العدد 178/ 1976 صفحة 6). واعطي الفكر الانساني للتراث الشعبي (الفولكلور) إهتماماً خاصاً، بوصفه، بمعناه الواسع، المعتمد دولياً (نوع من الابداع يصدر عن جماعة معينة وينهض علي التقاليد وتعبر عنه الجماعة او بعض افرادها، ويكون هناك إقرار بأنه يستجيب لتطلعات المجتمع بوصفه تعبيراً عن الذاتية الثقافية والاجتماعية لذلك المجتمع، وتنتقل معايير الفولكلور وقيمه شفاهة او بطريق المحاكاة او بطرق اخري. وتتضمن اشكال الفولكلور، فيما تتضمنه اللغة والادب والموسيقي والرقص والالعاب والاساطير والطقوس والاعراف والحرف والمعمار وسائر الفنون). ففي عام 1973 بدأت (اليونسكو) بدراسة إمكانية اعداد بروتوكول جديد يلحق بالاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف ، يهدف الي (صون الفولكلور وإحيائه ونشره)، فوجدت ان الامر يستوجب دراسة شاملة، شرعت باعدادها في عام 1981، واستقصت فيها آراء الدول الاعضاء ، كان من ثمارها تعاون (اليونسكو) مع المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية (الويبو) في إصدار (الاحكام النموذجية للتشريعات الوطنية لحماية الفولكلور) أقرت في حزيران 1982. وفي كانون الثاني - يناير عام 1985 عقدت لجنة خبراء حكوميين اجتماعاً في مقر (اليونسكو) في باريس لمواصلة بحث (حماية الفولكلور). وكان من نتائج اعمال تلك اللجنة، إصدار مجموعة توصيات، ومما توصلت اليه تلك اللجنة (ان الوقت لم يحن بعد لإعتماد اتفاقية دولية خاصة بحماية الفولكلور، وانما يعتمد في هذا الشأن علي القوانين الوطنية). (مجلة رسالة اليونسكو - نيسان 1985 صفحة 27). ولا شك ان لجنة الخبراء الحكوميين المشار اليها، عندما اتفقت بأن الوقت لم يحن لإعتماد اتفاقية دولية خاصة لحماية الفولكلور، لم تكن غافلة عن حقيقة كون الفولكلور مشمول بحماية اتفاقيات دولية عامة عديدة، منها علي سبيل المثال:

- الاتفاقية الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (اتفاقية لاهاي لعام 1954).
- الاتفاقية الدولية لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطريق غير مشروع. (اتفاقية اليونسكو لعام 1970).
-الاتفاقية الدولية لصيانة التراث العالمي والطبيعي (اليونسكو-1972).
- الاتفاقية الدولية لاسترجاع الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة (اليونسكو- 1995).
وتتعاون في الوقت الحاضر، ومنذ سنوات سابقة، منظمات دولية عديدة لحماية عموم الممتلكات الثقافية للشعوب، ومنها التراث الشعبي (الفولكلور) ومن تلك المنظمات علي وجه الخصوص:
- المنظمة العالمية للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) ومقرها باريس.
- المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية (الويبو) ومقرها جنيف.
- منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الانتربول) ومقرها باريس.
- المنظمة الاسلامية للتربية والعلم والثقافة (الايســـــــــيسكو) ومقرها الرباط.
- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليسكو) ومقرها القاهرة.
-الفرع الاقليمي العربي للمجلس الدولي للوثائق ومقره بغداد واهم اهدافه تعزيز وتشجيع صون تراث العالم من المحفوظات والانتفاع بتراثه. (انظر دراستنا عن (العناية الدولية والعربية بالوثائق والتوثيق)- مجلة الحكمة - بيت الحكمة - بغداد - العدد 34/ ايلول / 2003 الصفحات 98-105)

ولا خلاف في ان التراث الشعبي لا بد ان يأخذ احدي صور ما يعد مشمولاً بمصطلح (الممتلكات الثقافية) كالمرويات عن التاريخ الاجتماعي وحياة الزعماء والمفكرين والعلماء والفنانين الوطنيين، والاحداث الهامة في البلاد، وما يعد من الآثار والصور واللوحات والرسوم المصنوعة باليد، او المحفوظات الصوتية والفوتوغرافية والسينمائية، والمخطوطات النادرة.(للمزيد من التفاصيل عن تعريف الممتلكات الثقافية ، تراجع رسالة علي خليل إسماعيل الحديثي- حماية الممتلكات الثقافية في القانون الدولي- كلية القانون - جامعـــة بغداد- - 1997 - صفحة 5-6).
ولتأمين الحماية الامنية والجنائية للتراث الثقافي للشعوب، إعتنت مؤتمرات الامم المتحدة لمنع الجريمة بمناشدة الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة باتخاذ العديد من التدابير القانونية والادارية بهذا الصدد منها علي سبيل المثال:

- التوعية الجماهيرية بأهمية الحفاظ علي الآثار والتراث الثقافي للشعب، لأن اقوي ما يمكن ان يواجه به مرتكبو الجرائم الثقافية هو وجود مواطنين علي علم ويقظة دائمة لحماية الممتلكات الثقافية في بلدهم.(مؤتمر الامم المتحدة الخامس لمنع الجريمة - جنيف- 1975).

- وضع تدابير ترمي الي عرقلة الاتجار غير المشروع عبر الحدود الوطنية بالممتلكات الثقافية المنقولة سواء كانت مسروقة ام لم تكن. وفرض عقوبات إدارية وجزائية مناسبة وفعالة علي مرتكبي جرائم التعدي علي التراث الثقافي للشعوب.(مؤتمر الامم المتحدة الثامن لمنع الجريمة - هافانا- 1990).

- ربط جرائم إنتهاك التراث الثقافي للشعوب بالتعاون الدولي والاقليمي لمكافحة الاجرام الدولي وشمول (الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وسرقتها) ضمن مصطلح (الجريمة المنظمة). (مؤتمر الامم المتحدة التاسع لمنع الجريمة - القاهرة - 1995).
وإستجابت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الانتربول) لتلك الدعوة، حيث ناقشت في اجتماعها الذي عقد في سيئول خلال شهر تشرين الثاني 1999، موضوع (الإتجار في الاعمال الفنية المسروقة) لتصعيد جهود الشرطة في مختلف دول العالم في مكافحة تلك الجريمة الماسة بالتراث الثقافي للشعوب.
ومما لاشك فيه، ان تظافر جهود مختلف مؤسسات العدالة الجنائية في دول العالم، من اجل التنفيذ الجاد لمعاهدة الامم لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 2000 والاتفاقيات الثلاث الملحقة بها في سنتي 2000 و2001 سيسهم في الحد من جرائم الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية او سرقتها. (انظر دراستناعن خطة العمل العالمية لمكافحة الجريمة المنشورة في جريدة الثورة بعددها الصادر في 2002/12/26). وعلي المستوي العربي، كان من مقررات المؤتمر الاول للوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في البلاد العربية الذي عقد في عمان بالمملكة الاردنية الهاشمية في كانون الاول 1976، وصدر عنه (بيان عمان)، ضرورة الاهتمام بثقافة الامة كونها قوام شخصيتها، والمعبر الاصيل عن تطلعاتهاوأمانيها، وضرورة الحفاظ علي تراث الامة، وانتقاله بين اجيالها المتعاقبة. كما تناولت توصيات المؤتمر المذكور مختلف مجالات الثقافة الجماهيرية والمأثورات الشعبية وضرورة دراستها من منظور قومي حضاري إنساني يركز علي عناصرها المشتركة، وانتهي (بيان عمان) الي اهمية تدعيم الدور الحضاري العالمي للامة العربية وتطويره، وضرورة وضع سياسة ثقافية عربية موحدة تكون سبيلا للتنمية وركيزة لخطة عامة للتنمية الشاملة، كما اكد البيان المذكور ضرورة تحقيق التكامل والتنسيق بين عمل اجهزة الثقافة واجهزة التعليم واجهزة الاعلام في الاقطار العربية لضمان مزيد من فاعلية العمل الثقافي وتوسيع نطاق الخدمات الثقافية للمواطنين إسهاما في تكوين المواطن العربي تكوينا سليما معاصرا نابعا من اصول عروبته وقيمه الدينية.(بدر الدين ابو غازي- المؤتمر الاول للوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في البلاد العربية- مجلة الثقافة العربية- إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - القاهرة العدد الخامس 1977 - صفحة 179 وما بعدها).

وكان من النشاطات الثقافية العربية المتجاوبة مع (بيان عمان):

1- الحلقة الدراسية التي عقدت في الدوحة / ايلول/ 1985 بدعوة من (مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي) لدراسة موضوع (تأصيل التراث الشعبي لدي الطفل العربي في الخليج).

2- المؤتمر الحضاري لعـــــــــــــــلوم الانسان والتراث الشعبي الذي عقد في كلية الآداب في جــــــامعة المنصورة في مصر العربية للمدة من 19-21 تشــــــــرين الثاني 1999 لبحـــــــــــــث موضوع (الثقافة الشعبية والتنمية).

3- تصاعد عناية وزارات الثقافة في عدد من الدول العربية بتوثيق التراث الشعبي فيها، ومقارنته بتراث الامم الاخري ، ونشر دراسات علمية راقية عن مختلف جوانب علم الآثار الشعبية (الفولكلور) في مجلات تخصصت بموضوع (التراث الشعبي) وفي مقدمتها مجلة (التراث الشعبي) التي تصدرها وزارة الثقافة العراقية بانتظام منذ عام 1969.

4- تطور العناية الاكاديمية بدراسة التراث الشعبي في البلاد العربية، ليس فقط باعداد رسائل جامعية عن موضوعات حقو ق الملكية المعنوية وحماية الممتلكات الثقافية ومنها التراث الشعبي، وانما باهتمام اساتذة جامعيين ومؤرخين مرموقين ومثقفين بارزين باعداد دراسات راقية عن مختلف موضوعات التراث الشعبي.(انظر علي سبيل المثال، العدد الثالث - السنة الخامسة والثلاثون- 2004 في مجلة التراث الشعبي العراقية - (عدد خاص بكتابات الرواد-) ونال التراث الشعبي في البلاد العربية عناية المستشرقة البولوندية الدكتورة كريستينا جينيسكا استاذة الادب العربي في جامعة وارشو، وتوصلت بعد إنجازها بحثاعلمياً ، إستقصت به ميدانياً التراث الشعبي في مصر والعراق وتونس ومدن عربية اخري، نشرته في اوائل الثمانينات من القرن الماضي الي ان التراث الشعبي العربي مدخل تاريخي الي وحدة الوطن العربي.(أسامة فوزي- حوار مع الدكتورة كريستينا سكار جينيسكا- مجلة شؤون عربية - جامعة الدول العربية- العدد 22 / 1982 صفحة 164 وما بعدها).

5- تصاعد التعاون الثقافي العربي بإطار جامعة الدول العربية من خلال ابرام اتفاقيات، وانشاء ادارات ، وتنظيم اجتماعات، وتنفيذ مشاريع عنيت بمختلف جوانب العمل الثقافي، ومنه حماية الممتلكات الثقافية ومنها التراث الشعبي.(للمزيد من التفاصيل انظر دراستنا المنشورة في عدد مجلة الحكمة - بيت الحكمة - بغداد رقم 41 لسنة 2006 علي الصفحات 34- 39 بعنـــــــوان (التعاون الثقافي بين دول الجامعة العربية).

6- إهتمام مؤتمرات قادة الشرطة والأمن في البلاد العربية بالعديد من موضوعات الحماية الامنية للممتلكات الثقافية.. ومنها:
-دور الشرطة في حماية الآثار- المؤتمر الثاني عشر- الاردن- 1987م
- الشرطة العربية أمام تحديات عولمة الجريمة- المؤتمر الرابع والعشرون - تونس 2000م.

zzaman International Newspaper - Issue 2603 - Date 27/1/2007

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2603 - التاريخ 72/1/2007

AZP07[line]
اختبار سعودي لإيران ..

د. محمد السعيد إدريس

الخليج الاماراتية

قطعاً لم تكن مصادفة أن توفد الرياض الأمير بندر بن سلطان الأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي إلى طهران حاملاً رسالة من الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز بدلاً من أن توفد الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية للقيام بهذه المهمة. قد يكون السبب في ذلك أن الأمير سعود كان يمثل بلاده في ذلك الوقت، بمؤتمر “باريس 3” الخاص بدعم لبنان في العاصمة الفرنسية، وقد يكون السبب هو الرد على المستوى نفسه، لمبادرة سابقة للسيد علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، عندما أرسل علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني حاملاً رسالة منه إلى الملك عبدالله، ولم يرسل وزير الخارجية منو شهر متقي. وقد يكون هناك سبب ثالث وهو الأهم وهو أن أوراق الملفات الساخنة بين الرياض وطهران وخاصة الملف اللبناني والملف العراقي والملف النووي الإيراني أضحت مسؤولية مجلس الأمن الوطني السعودي وليس وزارة الخارجية، وهنا يمكن أن نشير إلى قدر من التشابه بين الموقفين الإيراني والسعودي بهذا الخصوص.

ومعنى ذلك أن هذه الملفات أضحت لها علاقة مباشرة بالأمن، بمفهومه الاستراتيجي للبلدين. وهذا له دلالة إذ إن نجاح أو فشل التنسيق الإيراني السعودي الراهن في هذه الملفات يمكن أن يؤدي إلى أحد احتمالين: إما إلى تقارب إيراني سعودي في حال نجاح هذه المساعي، وإما إلى تباعد إيراني سعودي في حال فشلها ولكلا الاحتمالين تداعياتهما شديدة الأهمية.

اللافت للانتباه هنا أن باريس دخلت على الخط بين طهران والرياض ابتداء بالملف اللبناني، وقد يتطور هذا الدور الفرنسي إذا نجح هذه المرة نتيجة تدعيم تفاهم إيراني سعودي بالنسبة للأزمة العراقية وبما يتعارض مع التوجهات الأمريكية الجديدة. واللافت أيضاً أن الأمير بندر بن سلطان كان قريباً من هذه المساعي الفرنسية، وفق معلومات تشير إلى أنه “يقوم بدور أساسي بين فرنسا وإيران”، وأنه زار باريس منذ أكثر من شهر بالتزامن مع تحرك المعارضة اللبنانية في الشارع. الدور الفرنسي الجديد مع إيران، وبدعم سعودي، كان يستهدف خلق إجماع وطني لبناني لإنجاح “مؤتمر باريس 3” الذي رعته فرنسا.

من جهته حرص وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل على نفي وجود أي مبادرة سعودية باتجاه إيران تخص لبنان أو أي قضية أخرى. وقال إن رسالة خامنئي حملت عرضاً للتعاون تحقيقاً للتضامن بين المسلمين، وجاء الرد السعودي ليقول “إذا كانت هذه هي النية، فإن الأفعال هي التي يجب أن تتحدث وليس الأقوال، وأنه إذا كانت إيران تستطيع عمل أي شيء، لتهدئة أنصارها في المنطقة فإن هذا سيكون أفضل خدمة يمكن أن تؤديها من أجل التضامن بين المسلمين”.

قد لا تكون هذه الخلافات في الرؤى هي العائق الوحيد أمام إمكانية حدوث تقارب إيراني سعودي يقود إلى إعادة ترسيم خريطة التحالفات الإقليمية، الأهم هو عقبة التحالفات الإقليمية والدولية، فمن دون تقارب سعودي سوري يصعب تصور نجاح حدوث تقارب سعودي إيراني نظراً لوجود شراكة قوية سورية إيرانية، حيث تعتمد كل من دمشق وطهران على هذه الشراكة لتحقيق مصالح لكل منهما، أيضاً تقف العلاقات الأمريكية السعودية حائلاً دون نجاح تقارب سعودي إيراني. لكن في كل الأحوال فإن إيران أمام اختبار قوي الآن مع المبادرات السعودية.[line]

castle
31-01-2007, 11:31 AM
كيث رينهارد: هكذا نغير صورة "الأمريكي القبيح"

تقرير واشنطن: كارا بانتلي

لم تكن وجهة النظر السلبية التي ظهرت على مدى السنوات القليلة الماضية حول الحكومة الأمريكية مجرد وجهة نظر عالمية فقط، بل كانت وجهة نظر مواطنين أمريكيين وأصحاب أعمال أيضا. يهدف كيث رينهارد Keith Reinhard لإيجاد حل لمشكلة صورة الولايات المتحدة عالميا يعتمد على خدمة المصالح الاقتصادية عبر منظمته المعروفة باسم بيزنيس فور ديبلوماتيك أكشن أو اختصارا باسم (بي دي أيه). وبحكم عمله كرئيس للمنظمة يقترح رينهارد تحسين صورة الولايات المتحدة العالمية عن طريق تعليم المواطنين الأمريكيين كيف يكونوا أكثر حساسية تجاه الأمور الثقافية عندما يسافرون إلى الخارج، وبناء شراكات أكبر بين الأمريكيين وأصحاب الأعمال الأجانب. ومن ضمن إنجازات المنظمة منذ تأسيسها عام 2004 ابتكارها "لبرنامج دليل المواطن العالمي" لإعطاء المسافرين الأمريكيين إرشادات ثقافية قبل مغادرة البلاد، كذلك إنشاء مجموعات تبادل تجريبية تابعة للقطاع خاص في كل من ألمانيا والشرق الأوسط، كما أشركت المشرعين في النقاشات الدائرة حول السياسات الخاصة بالحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة، التي جعلت السفر أكثر صعوبة بالنسبة لمندوبي الأعمال الأجانب. وقد التقى تقرير واشنطن رينهارد، مدير الإعلانات التنفيذي السابق، وصاحب فكرة حملات مطاعم ماكدونالدز وشركة ستايت فارم للتأمين على الحياة، ليوضح لماذا يجب على أصحاب الأعمال اتخاذ منهج نشط لتغير الصورة الأمريكية في الخارج، وخطة دي بي أيه الموضوعة والمكونة من خمس نقاط للقيام بذلك.

تقرير واشنطن

كيف أصبحت صورة "الأمريكي القبيح" المسيطرة بشدة حاليا بهذه القوة على مدار السنوات العدة الماضية؟

رينهارد

كما تعلم فإن هذه الصورة ترسم منذ وقت طويل إذ يعود الأمر إلى زمن بعيد. فالاستياء من الولايات المتحدة نمى بشكل خاص على مدار العقود القليلة الماضية، منذ سقوط الشيوعية، عندما ظهرنا كقوة عظمى. وفجأة لم يكن على الناس أن يكونوا مدينين لنا بالفضل لأننا كنا نحميهم من "إمبراطورية الشر"، أو أين كان المسمى الذي أطلقه الرئيس ريغان، ثم بدأ الاستياء في الصعود بعد ذلك. وبدأ يتفاقم لعدة أسباب منها الامتداد الاقتصادي الأمريكي وحركة العولمة التي قادها الأمريكيون والتي نظر إليها على أنها تترك البعض خارج إطارها، لقد شعروا أننا كنا مستغلين. أعتقد أيضا أن مجتمع الأعمال الأمريكي، بامتداده العالمي، يؤكد الصورة المتغطرسة التي التصقت بنا، "إننا الأكبر في هذا العالم وهذا هو أسلوبنا في عقد الصفقات التجارية، ومن ثم عليك أن تسلك نفس الطريق بالضبط". ثم جاء الاتجاه السريع نحو الحرب على العراق الذي أشعل بعض تلك المشاعر الواضحة. يمكنك الآن القول بأن أحد جذور مشاعر العداء ضد الأمريكيين هو الاختلاف مع سياستنا الخارجية الذي فاقم من مشاعر الغضب الناجمة عن إدراك استغلالنا. كما أن صورة "الأمريكي القبيح" أصبحت شهيرة، ففي استراليا حاليا إذا أردت أن تقول عن شيء أنه غبي بالفعل، تقول "إنه أمريكي حقا" وهكذا، حيث تظهر حاليا تلك المشاعر، التي كانت دفينة، على السطح وبوضوح، وبدأت في الاقتراب من طبيعة التحيز، أعني أنه عندما تكون في موقف تحيزي لا يمكنك فعل شيء، فالصواب والخطأ قد يكون صوابا. أعتقد، وربما قد تكون قرأت، أن رئيس الوزراء الاسترالي هوارد دين قد خصص مؤخرا 19 مليون دولار من ميزانيته الخاصة المحافظة لتحسين صورة أمريكا في بلاده. كما أعلن روثر مردوخ أيضا أنه سيضيف مبلغ 50 مليون دولار للمساعدة على تحسين صورة أمريكا في استراليا، ويقول إنه يساهم بهذا المبلغ لتحسين صورة أمريكا التي لم تصل بعد إلى حد العداء ضد الأمركة في أوروبا، لكنها قد تصل، حيث بدأت تصير كالعداء ضد السامية، وبدأت تتجه نحو الانحياز.

تقرير واشنطن

هل يمكنك إعطاء تفاصيل أكثر حول محاولتك لمواجهة مفهوم أن صفقات الأعمال الأمريكية مستغلة، أو انتشار الثقافة الأمريكية في كل مكان؟

رينهارد

لدينا إستراتيجية مكونة من خمسة أجزاء،

والجزء الأول يرمي إلى جعل الجمهور الأمريكي الرئيسي حساس تجاه حقيقة صحة الأمر. فالعديد من الأمريكيين لا يعلمون الأمر، أو سمعوا به وينكرونه، أو سمعوا به "ولم يبالوا". لذا نحاول من خلال موقعنا الإلكتروني، ومن خلال الإعلام أن نوصل تلك الرسالة إلى قطاع الأعمال والجامعات والمؤسسات الرئيسية الأخرى. أما محاولتنا التالية لإيصال تلك النقطة إلى الضمير العام فهي التأكد من أن كل مرشح رئاسي لانتخابات العام 2008 سوف يجيب على الأقل على أسئلتنا مثل: ماذا ستفعل تجاه حقيقة فقدنا للأصدقاء حول العالم؟ فإذا استمر الاتجاه الحالي، قد نفقد الأصدقاء المستعدين للهمس في آذاننا عندما يكون هناك من يحاول تفجير طائراتنا، وإذا حدث ذلك فسيكون هناك من يقوم بتفجير طائراتنا. لذلك فإن أحد الأشياء التي قمنا بها هو مقابلتي لأحد كبار رجال الأعمال في داي مواني، بولاية أيوا، وبعض طلاب الجامعات قبل أسبوعين. كما سيحضر جميع المرشحين للرئاسة مؤتمر أيوا الحزبي، وسوف نوجه إليهم الأسئلة ونقول لهم حسنا سيدتي المرشحة وسيدي المرشح، ماذا ستفعل حيال ذلك؟ وبعدها سنعمل مع الإعلام لرفع الأمر إلى الضمير العام، لذلك إذا وضعوا المسألة على الأجندة القومية، وهو الأمر الذي يجب أن يتم، فسوف يحصلون على بعض الأصوات.

أما الجزء الثاني فهو المحاولة وتغيير ما يخص سياساتنا، وليست السياسة الخارجية، إنما سياساتنا العامة مثل إجراءات الحصول على تأشيرة الدخول، والطريقة التي نتعامل بها مع من يأتون إلى بلادنا على الحدود. وقد نشأت منظمتنا على أنها قطاع خاص، لذا نستطيع أن نعمل على إحداث تغيير. وقد عينتي وزارة الأمن القومي ووزارة الخارجية في لجنة مكونة من 18 شخص، وهي لجنة استشارية معنية بتأمين الحدود وفتح الأبواب. ونحن نحث على إحداث إصلاح في القوانين الخاصة بتأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة، التي أثارت غضب العديدين، حيث ينظر إليها مرة أخرى على أنها نوع من الغرور والتكبر، فنحن نأمل في تغيير الطريقة التي يعامل بها بعض ضباط الجمارك والهجرة الناس بعد أن يحصلوا في النهاية على التأشيرة. أما الشيء الآخر الذي يحتاج إلى تغيير فهو صورة "الأمريكي القبيح"، فهل تعلم أننا نقوم بستين مليون رحلة خارج الولايات المتحدة سنويا، إنها ستين مليون فرصة للحصول على انطباع جيد، ثم اضربها في عدد الأشخاص الذين نقابلهم في تلك الرحلات، أو ستين مليون فرصة لترك انطباع سيء. سألنا أشخاص في 100 دولة لإعطاء 10 مقترحات للأمريكيين الذين يسافرون للخارج، واقترح البعض أن يبقوا في بلدهم، لكننا حصلنا فيما بعد على ردود أفعال جيدة. لقد وعدناهم بمشاركتهم تعليقاتهم والاهتمام بها، ووفينا بالوعد الذي تحول إلى دليل مواطني العالم للطلاب الذي لاقى نجاحا، ثم بعد ذلك خصصنا دليلا آخر لمدراء الأعمال، وبالأمس فقط عقدنا في واشنطن دورة تجريبية مكثفة لمدة يوم واحد حول الدبلوماسية العامة لمدراء الأعمال. وإذا أصبح لدينا مالا لتكرار تلك التجربة على المسافرين العاديين، ربما أصبح بإمكاننا البدء في التأثير على سلوك الناس بالخارج. فإذا بدأ الآن رجال الأعمال التصرف بحساسية شديدة، فستكون النتيجة أفضل.

أما الجزء الثالث من استراتيجيتنا فهو التركيز على الأشياء التي ما زال الناس يحبونها ويعجبون بها في بلادنا، وحتى الآن فإن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هو جلب الناس إلى الولايات المتحدة. فإذا استطاعوا تخطي الأفظاظ على الحدود فسوف يحبوننا عندما يتذوقوا البضاعة. وقد أوضح ذلك بحثا أظهر أن هناك تباين هائل في درجات الاستجابة بين من زاروا الولايات المتحدة ومن لم يزوروها. لذا نعمل مع جمعية السفر لجمع الأموال لدعوة الناس لزيارتنا، فالسفر من خارج الولايات المتحدة إلى الداخل قليل جدا، ولم تتخذ الحكومة الفيدرالية قرارا في هذه الشأن، فليس لدينا وزارة للسياحة حتى الآن ونحن الدولة المتقدمة الوحيدة التي لم تنشأ هذه الوزارة، أعتقد أنه تعبير آخر عن غرورنا. "حسنا، بالطبع يرغب الجميع في الحضور إلى الولايات المتحدة" وقد خصصت الحكومة الفيدرالية مبلغ 4 ملايين دولار هذا العام على عكس استراليا التي خصصت 125 مليون دولار للترويج للسياحة في استراليا. وسألنا الناس في 23 دولة ما هي أكثر الأماكن التي يرغبون في زيارتها في حال عدم وجود عائق مادي، وكانت الإجابة استراليا، تخيل، لقد أتت الإعلانات ثمارها.

الجزء الرابع هو بناء والوصول إلى بناء جسور مع الجماهير الرئيسية في الخارج، ونركز هنا على الشرق الأوسط، وقد حصلنا على أموال من شركات إكسون وموبيل وبيبسي لإجراء بحث على 231 شاب عربي، وكانت عبارة عن لقاءات فردية في محاولة للتعرف على آمالهم، وأحلامهم وتطلعاتهم. وكانت نتيجة البحث هي رغبة 48 بالمائة من العينة في العمل في مجال الأعمال. فما هو العائق أمام طموحاتهم؟ الافتقار إلى التدريب والتعليم والمهارات. ومن أين سيحصلون على تلك المهارات؟ في الشركات الأمريكية. ويتيح ذلك فرصة لفتح أبوابنا للتدريب والمساعدة. ومرة ثانية لدينا قادة أعمال سوف يبدؤون برنامج مع 10 إلى 15 شاب عربي وسيحاولون ضمهم إلى أعمالهم، التي هي في الأساس عبارة عن خدمات مالية، وأيضا ضمهم إلى مجتمعاتهم ومراقبة تأثير ذلك، ثم سنتوسع من تلك النقطة. فنحن نعمل مع قادة شباب العرب، ولدينا فروع في 10 دول عربية.

أما الجزء الأخير من استراتيجيتنا فهو العمل كحلقة وصل قطاع خاص بالحكومة الفيدرالية. فلدينا العديد والعديد من الأشياء التي يجب أن نقوم بها ولا يوجد شيء يمكن أن يحل تلك المشكلة، لكننا نعتقد أنه إذا تحركنا بقوة في تلك الاتجاهات الخمس قد يمكننا التأثير، وبالتالي مع حلول عام 2008 قد يكون لنا تأثير سياسي.

تقرير واشنطن

كيف تقيس أدائكم؟ وما هي ردود الأفعال التي تلقيتها حول المشاريع حتى الآن؟

رينهارد

القياس صعب جدا في هذه المرحلة، فعلى سبيل المثال، نعلم عدد النشرات التي قمنا بتوزيعها، ونعلم عدد الشركات: حيث قامت 800 شركة بتوزيع دليلنا التنفيذي. كما نعلم عدد المدارس: إذ قامت 300 مدرسة بتوزيع دليل الطلاب. ونعلم أيضا كم دليل علاقات إعلامية أجنبية قمنا بتوزيعها، لكن ما نأمل في القيام به حاليا هو، ما ورد في الجزء الأول على سبيل المثال، وهي استراتيجية الحساسية، والحصول على المال للقيام ببحث دراسي يكون الأساس في الولايات المتحدة. لكن كم عدد الواعين بتلك المشكلة؟ وماذا يعتقدون؟ وبعد ذلك وبحلول العام 2008 نستطيع قياس التقدم الذي أنجزناه. ومع ذلك فإن السؤال عن القياسات سؤال جيد جدا وفي غاية الأهمية، ونحن بحاجة إلى تحديد كيف سيكون باستطاعتنا الإفصاح عن "عدد الشباب العرب الذين استطعنا أن نحضرهم إلى الولايات المتحدة." لكن فيما يتعلق بالنتيجة الفعلية حول صورة أمريكا لا يمكننا القول بأننا نجحنا حتى تنخفض أعداد (المعادين لأمريكا)، أو تتعادل مع المؤيدين لها، أو تبدأ أعداد المؤيدين في الارتفاع. [line]
لا ضربة عسكرية أمريكية لإيران!

عبد المنعم سعيد
الشرق الاوسط

رغم كل الشواهد فإنني اختلف مع الذين يقولون إن الولايات المتحدة سوف تقوم بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية بهدف القضاء على قدراتها النووية، ومنعها من الوصول إلى مرحلة التسلح النووي. والحقيقة أن من يقولون بذلك لديهم عدد من الأدلة ذات الوزن يبرهنون بها على وجهة نظرهم. أولها أن الولايات المتحدة لديها رغبة دفينة في ضرب إيران، فمنذ الثورة «الإسلامية» الإيرانية فإن الولايات المتحدة اعتبرت أنها خسرت واحدة من أهم أرصدتها الكونية، فإيران تحت حكم الشاه الذي لم يكن مجرد حليف أمريكي مخلص، ولكنه كان واحدا من الأرصدة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي والثروة البترولية.

وثانيها أن الثورة «الإسلامية» الإيرانية لم تأل جهدا في إهانة الولايات المتحدة خاصة عندما قامت بخطف الدبلوماسيين الأمريكيين في مطلع الثمانينيات وهي الحادثة التي مرغت سمعة الولايات المتحدة في الوحل.

وثالثها أنه بعد فترة من الهدوء النسبي في الثورة «الإسلامية» الإيرانية إبان حكم محمد خاتمي وسعيها إلى «حوار الحضارات» بدلا من صراعها، فإن إيران عادت مرة أخرى إلى صيغتها الثورية مع تولي أحمدي نجاد للحكم حيث قالت تصريحاته بإلغاء الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل من على الخريطة الدولية وأعاد التشكيك بالمحرقة النازية، وكلها تمس أعصابا حساسة في السياسة والثقافة الأمريكية وحتى الغربية.

ورابعها أن إدارة الرئيس جورج بوش كانت لديها طموحات آيديولوجية للعصف بالثورة الإيرانية، وفي كتاب الصحفي الأمريكي بوب وودوورد «حالة الإنكار» أشار إلى قصة جاي جارنر الذي كان أول حكام أمريكا على العراق بعد غزوها في مارس 2003 عندما عاد إلى واشنطن حيث أراد الرئيس جورج بوش تكريمه في البيت الأبيض. وفي نهاية اللقاء سأله عما إذا كان يريد الذهاب إلى طهران في المرة القادمة، وكان رد جارنر أنه يفضل الذهاب إلى كوبا! ورغم أنه يمكن حساب القصة على سبيل المزاح إلا أنها تظل عاكسة لأحلام وطموحات ورؤى.

وخامسها أن الولايات المتحدة فشلت ـ حتى الآن على الأقل ـ في عملية غزوها للعراق، وهي تحمل إيران جزءا من المسؤولية عن الفوضى والعنف والفتنة السارية في بغداد. فإيران من ناحية احتفظت بجسور مالية وتسليحية مع كافة القوى العراقية بما فيها «المقاومة» السنية، كما أنها بصفة خاصة ظلت سندا تسليحيا وماليا وسياسيا للقوى الشيعية المختلفة ـ جيش بدر ومليشيا المهدي ـ ومن ثم أدت إلى تصلبها في المفاوضات مع القوى السياسية والطائفية الأخرى في العراق ومشاركتها في أعمال العنف والانتقام المتبادل.

وسادسها أن هناك خوفا أمريكيا حقيقيا معززا بخوف غربي عام من أن تختلط الثورة الإيرانية بالسلاح النووي، وهذه المرة فإن الولايات المتحدة تشعر بأن لها صحبة قوية من الدول الإقليمية ودول العالم الكبرى القلقة من الحالة الإيرانية في وقت أصبحت فيه أشكال مختلفة من الأصولية الإسلامية ـ السنية والشيعية ـ تبدو كما لو كانت مصدرا رئيسيا لتهديد النظام الدولي.

وسابعها أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد باتوا يعتقدون أن إيران أصبحت واحدا من الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال تعزيز القوى الأصولية مثل حماس في فلسطين، التي شلت قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على السير في طريق التسوية، وحزب الله في لبنان الذي شن حربا بالإنابة عن إيران مع إسرائيل، كما أنه يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في الدولة اللبنانية إلى ما كانت عليه قبل الانسحاب السوري من لبنان، الذي اعتبرته واشنطن واحدا من أهم منجزاتها الإستراتيجية في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.

وثامنها أن عددا من المصادر العسكرية الأمريكية قد بدأت بالفعل في الترويج لإمكانية حل المسألة الإيرانية النووية من خلال ضربات جوية «جراحية» على الطريقة التي قامت بها إسرائيل مع المفاعل النووي العراقي عام 1981 بحيث يتم شل كل قدرات إيران النووية. وفي الأسبوع الماضي تردد الحديث عن خطط تفصيلية ليس فقط لضرب المنشآت النووية الإيرانية وإنما تمهيد الطريق لها بتدمير كل القدرات العسكرية الإيرانية سواء ما تعلق منها بالدفاع الجوي أو السلاح الجوي أو كل ما له علاقة بالمنشآت الذرية أو يفتح الطريق لها.

وتاسعها أن الحديث عن هجمات أمريكية «جراحية» على إيران قد صاحبه حركة لحاملات الطائرات الأمريكية إلى مناطق قريبة من إيران بحيث تصير كل الأهداف الإيرانية جزءا من مرمى حركتها العسكرية. وصاحب ذلك تعزيز القوات الأمريكية في منطقة الخليج وفي العراق تحديدا.

وعاشرها أن الإدارة الأمريكية رفضت بازدراء توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون التي قالت بضرورة الحوار مع إيران، واعتبرت ذلك نوعا من اللغو الدبلوماسي الذي لا يصلح في التعامل مع دولة ثورية مصممة على تحقيق أهدافها الطموحة في السيطرة على منطقة الخليج من ناحية، وقيادة العالم الإسلامي على أسس ثورية من ناحية أخرى.

كل هذه الأسباب العشرة تقول بأن الولايات المتحدة سوف توجه ضربة عسكرية لإيران خلال الفترة المقبلة لأسباب تاريخية تتعلق بها، ولأسباب إستراتيجية خاصة بالشرق الأوسط، وأسباب تكتيكية تخص وضعها في العراق. ومع ذلك فإن الحسابات المنطقية تقول إن الولايات المتحدة لن تفعل ذلك ليس لنقص في الدوافع، أو قلة في الأهداف، وإنما لأنه لا يوجد لديها قدرات كافية للقيام بهذه المهمة. وفي بلد مثل الولايات المتحدة فإنها لا تستطيع أولا القيام بعملية كبيرة للتدخل العسكري التي نتحدث عنها دون تأييد شعبي كبير وهو التأييد غير المتوافر لا في الكونجرس بمجلسيه أو الرأي العام الذي أصبح لا يعطي من التأييد إلا أقل القليل للإدارة الأمريكية الحالية.

وثانيا أن كل الخبراء العسكريين في الولايات المتحدة يعلمون أن فكرة الضربة الجوية «الجراحية» لا وجود لها في الواقع العملياتي العسكري إلا في خيال المراهقين من الخبراء، فالقوات الجوية لا تستطيع حسم معركة بهذا الاتساع ما لم تؤيدها في النهاية قوات برية كافية، بل أن هناك خطرا كبيرا في حالة الضربة الجوية أن يؤدي ذلك إلى تسريع إيران لعملية إنتاج السلاح النووي فتكون النتيجة عكسية تماما لما تريده الولايات المتحدة. وفي الحقيقة فإن الضربة الجوية الإسرائيلية للمفاعل النووي العراقي لم تؤد إلى القضاء على البرنامج النووي بل أدت إلى استئنافه بوسائل أخرى. وعندما انتهت حرب تحرير الكويت ثبت أن صدام حسين كان أقرب إلى إنتاج السلاح النووي مما كان عليه عام 1981.

وثالثا أنه يوجد لدى إيران أوراق كثيرة للرد على الهجوم الأمريكي، فهي ليست دولة لها عمق استراتيجي كبير، ولكن لديها القدرة على مد أذرعها العسكرية والثورية إلى آبار النفط في الخليج كله، كما أن لها القدرة على تكبيد الولايات المتحدة خسائر فادحة في العراق نفسه إذا ما انقلب حلفاء إيران من الشيعة على أصدقائهم الأمريكيين.

ورابعا انه لا يوجد لدى الولايات المتحدة هدف الآن قدر تحقيق نوع من النجاح النسبي في العراق يحقق فيها الاستقرار ومعها الشرق الأوسط ويسمح لها بالانسحاب المشرف، ومن أجل ذلك لن يوجد هدف آخر إلا ذلك الذي يخدم الهدف الاستراتيجي، وبالتأكيد فإن ضرب إيران لا يخدم هذا الهدف بل انه سوف يعمق المعركة الأمريكية في العراق والمنطقة لسنوات قادمة.[line]
سباق محموم بين التصعيد الجديد وخيط الأمل الرفيع

معارضون يبحثون في إمكانية شلّ الوزارات والإدارات

عماد مرمل

السفير

«لن نستسلم ولن ننجر الى الفتنة». هذا ما تؤكده اوساط المعارضة التي ستحاول في الفترة المقبلة ان تستثمر كل متر من المساحة الفاصلة بين حدّي هذه المعادلة التي رسمها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، بحيث تسعى الى مواصلة تحركها الاحتجاجي بأشكال مختلفة من غير ان تنزلق الى مواجهة أهلية. إنه السير على رؤوس الاصابع فوق حافة الهاوية من دون الانزلاق اليها. لن تكون المهمة سهلة كما أظهرت التجربة حتى الآن، ولكن لا بديل أمام المعارضة من المحاولة.
وبموازاة ما يحكى عن مشاهدة بصيص ضوء في آخر نفق الأزمة، تواصل المعارضة التحضير الهادئ لجولة جديدة «وموجعة» من المبارزة مع السلطة، لن تتأخر كثيرا في حال لم تتمكن المساعي التي تتم في الكواليس من تحقيق التقدم المنشود.
وعُلم في هذا السياق ان اجتماعا لقوى المعارضة سيعقد يوم غد الاربعاء او بعد غد الخميس لاستكمال البحث في الخطوة التصعيدية التالية التي ستُعتمد قريبا، وحسب المعلومات فان أطرافا في المعارضة طلبت تجميع كل المعطيات المتاحة حول التركيبة الداخلية للوزارات والادارات بغية استكشاف حجم حضور المعارضة فيها وبالتالي درس إمكانية اتخاذ قرار بـ«شل» هذه المواقع الرسمية من داخلها، وإلا فان هناك اتجاها قيد التداول لمحاصرتها من الخارج وتعطيلها بحكم الأمر الواقع، ولكن أي قرار نهائي وحاسم لم يُتخذ بعد في هذا الصدد بانتظار انتهاء المشاورات.
والمتحمسون للتصعيد في صفوف المعارضة يعتقدون انه لا يجوز لها ان تتوقف او تتردد الآن، لان أي تهاون او تراخ في هذه اللحظة من شأنه ان يعطي انطباعا بانها غير قادرة على «الحسم» وبان ميزان القوى قد اختل لصالح خصومها، وهذا يعني ان حكومة فؤاد السنيورة لن تسقط بعد اليوم وان التسوية المحتملة لن تكون وفق الشروط المعلنة للمعارضة التي ستضطر الى تخفيض سقف مطالبها، ويرى هؤلاء انه لو لم يتوقف التحرك الكبير في الشارع الثلاثاء الماضي لكانت «شوكة» الفريق الحاكم قد انكسرت وجرى بالتالي منع «الخميس الاسود».
وفي اعتقاد أصحاب هذا الرأي داخل المعارضة، فان الوقت لا يعمل لصالحها، وعليه لا بد من استثمار المهلة الفاصلة عن منتصف آذار المقبل بأفضل وأفعل طريقة ممكنة قبل ان يفوت الأوان، ذلك أن هناك دورة عادية لمجلس النواب يجب ان تنطلق في هذا التوقيت والرئيس نبيه بري سيكون محرجا آنذاك في عدم دعوة المجلس الى الانعقاد لان حجته في الرفض ستصبح ضعيفة مع وجود نص دستوري مُلزم، والاخطر هو الوصول الى شهر نيسان في ظل المراوحة الحالية، إذ في هذه الحال سيكون «الموضوع» قد انتهى عمليا وسيغدو من المتعذر إجراء انتخابات نيابية مبكرة كما تطالب المعارضة لان الوقت يصبح غير كاف لوضع قانون انتخاب ودعوة الهيئات الناخبة الى الاقتراع قبل الانتخابات الرئاسية التي سيبدأ عدها العكسي مع الربيع.
ولا يرى هذا الفريق في المعارضة ان هناك أسبابا موجبة تدعو الى التفاؤل الفعلي في إمكانية التوصل الى تسوية منصفة قريبا، لافتا الانتباه الى ان موقف الرئيس الاميركي جورج بوش من «حزب الله» والمندرج في سياق حملة منظمة ضد من تسميهم واشنطن «شيعة إيران» في العراق ولبنان، بديلا عن استهداف إيران ذاتها، إنما هو موقف لا يشجع على التفاؤل لانه يوحي بان المعارضة ما تزال في دائرة التصويب وبانه ليس مقبولا أميركيا ان يشارك «حزب الله» في السلطة مشاركة حقيقية وأساسية.
وعدا عن ذلك، فان أنصار هذا التوجه في المعارضة ينصحون بالقراءة المتأنية للموقف الذي كان السيد نصرالله قد أعلن عنه منذ فترة قصيرة حين أكد بان اتفاقا إقليميا ما، إذا حصل، لا يلزم المعارضة بشيء في حال لم يأت متلائما مع مطالبها، معتبرين ان هذه الاشارة الاستباقية هي ذات دلالة ويجب عدم إهمالها.
في هذه الاثناء، يتمسك مطلعون على «الجهود المستترة» في الكواليس بخيط الأمل الرفيع الذي برز خلال الاتصالات الجارية على أكثر من خط إقليمي ومحلي، ويؤكد هؤلاء ان مقاربة المسائل الخلافية تتم هذه المرة بطريقة مختلفة عن المرات السابقة، سواء من حيث الشكل او المضمون.
ولئن كان «المطلعون» يسارعون الى الاستدراك بالقول ان المؤشرات الايجابية الملتقطة لم تبلغ بعد مستوى صياغة الحلول النهائية، إلا انهم يلفتون الانتباه الى ان هناك «مادة» جدية تشكل منصة انطلاق للمشاورات الجارية بعيدا عن الاضواء والضجيج من أجل محاولة ابتكار مخارج من النفق الذي حوصر فيه البلد، ويكشف المواكبون للاتصالات عن ان العمل جار على «اختراع» آلية توفيقية توفر التطمينات للجميع ولا تجعل أحدا يشعر بانه خرج من هذه الازمة الطاحنة مهزوما، ويبدو ان الامور لامست مرحلة انتظار اجوبة واضحة من الاطراف المعنية على طروحات محددة أبلغت بها، إنما ضمن مهلة ليست طويلة، حسب المعطيات المتوافرة بحوزة «المواكبين». [line]

castle
31-01-2007, 05:58 PM
السعودية من الترجيح الى التغيير

داود الشريان

الحياة - 31/01/07//

من الاراء السائدة والمشهورة عن السياسة الخارجية السعودية، والتي يجدها الانسان حتى في بعض المطبوعات الرسمية السعودية، فضلاً عن مقالات ودراسات تنشرها الصحافة السعودية، «ان السياسة الخارجية السعودية تمسكت على الدوام بصفة الثبات وعدم التغير، وبقيت محافظة على نهجها منذ تأسيس الدولة السعودية على يد الملك عبدالعزيز وحتى اليوم». هذا الرأي في السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية هدفه في الاساس الثناء على هذه السياسة وتأكيد صفة الاستقرار السياسي الذي تعيشه السعودية منذ تأسيسها، لكنه في واقع الامر يسلب هذه الدولة وسياستها الخارجية حقاً مهماً وهو النمو والتطور، فالمراقب للسياسة الخارجية للمملكة يجد انها شهدت في السنوات الاخيرة نقلة نوعية في استراتيجيتها وصلت مداها في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فانتقلت السياسة الخارجية السعودية من اسلوب الانتظار والترجيح الى المبادرة والتغيير، وتبعاً لهذا التغير الجوهري تغير تعاطي الآخرين مع هذه السياسة، ففي السابق كان السؤال الذي يطرح عند كل ازمة اقليمية هو «ماذا نريد من الرياض؟» كأن السعودية مجرد ممول لحل الأزمات، اما اليوم فالسؤال اصبح «ماذا تريد السعودية؟»، وهذا الزهد في النزول الى ساحة المبادرة والتغيير لم يكن ناتجاً عن غياب عناصر هذا الدور، وانما لأن الدور المطلوب من السياسة الخارجية في الماضي كان يتطلب هذا النوع والقدر من التحرك.

هذا ليس كل شيء فانتقال السياسة الخارجية السعودية من الترجيح الى المبادرة والتغيير لم يكن التغيير الوحيد الذي طرأ على السياسة السعودية الهادئة، فهذا التحول فرضه تحول اشمل واوسع هو اتساع وتطور نظرة السعودية الى دور السياسة الخارجية. ففي السابق لم تكن الرياض تتعاطى مع سياستها الخارجية من منظور امني داخلي، واقصى ما تصل اليه السياسة الخارجية في مسألة الامن هو أمن الحدود، لكنها اليوم اصبحت تتقاطع مع الامن الداخلي في شكل جلي، بل ان هذا الاخير هو الذي يفرض معظم تحركاتها، ولهذا لم تعد السياسة الخارجية معزولة عن متطلبات الداخل، وهذا التغير في دور السياسة الخارجية ليس حكرا على السعودية، لكنه في الحالة السعودية اوجد ارتحالاً من منطقة التأمل والانتظار الطويل الى سرعة الحركة وان شئت المباغتة، ولعل تعاطي الرياض مع الازمة اللبنانية سابقاً وحالياً يبين بوضوح هذا التغير. صحيح ان ظروف المنطقة والفرق بين نوعية الازمة السابقة والراهنة له تأثير على طبيعة هذا التحرك، لكن الذي لا شك فيه هو ان السياسة السعودية الراهنة بدأت تستشعر خطورة ما يجري على أمنها الداخلي، ومن هنا تغيرت استراتيجيتها وادواتها، فضلاً عن انها تنازلت عن شيء كثير من طبيعتها الميالة للانتظار واستخدام عامل الزمن في حلحلة القضايا.

لكن رغم هذا التغيير في السياسة الخارجية السعودية، الا ان المقولة التقليدية حول الثبات موجودة في بعض ملامح هذه السياسة رغم الارتحال والانتقال، ولعل احد اهم عناصر الثبات التي بقيت هو قدرة هذه السياسة على الموازنة بين المصالح والمبادئ، فالسعودية من الدول القليلة التي تحترم حسابات هذه لتلك، وهي دفعت ثمن هذا الوفاء لقضية المبادئ في علاقاتها مع الدول الغربية في شكل عام والولايات المتحدة على نحو خاص، ولهذا يمكن الاطمئنان الى دوافع السياسة الخارجية السعودية التي تشهد هذه المرحلة تحركاً اقليمياً نشطاً، فالرياض لا تتحرك في العراق او لبنان او فلسطين من زاوية المصالح فحسب، ولا تدير علاقاتها مع ايران بمعيار واحد، وتجاوب طهران الأخير مع مبادرات الرياض لحل الأزمة اللبنانية مدفوع بفهم الايرانيين لأهداف السياسة الخارجية السعودية.[line]
مجلس الشورى وإفرازات منظومة العمل الحكومي

وهيب عبد الفتاح صوفي*

الوطن السعودية

يستند مجلس الشورى السعودي على المادة الخامسة عشرة من نظامه لإبداء الرأي في السياسات العامة للدولة والتي تحال إليه من رئيس مجلس الوزراء ومنها مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات، والأجهزة الحكومية الأخرى. وغالبا ما يدعى الوزير المختص لمناقشة التقارير السنوية الخاصة بوزارته. وأعتقد أن هذا الدور الذي يقوم به المجلس دور فاعل يضع أعضاء المجلس في الصورة بشكل جيد لما يواجه الوزير من معوقات وصعوبات أثناء تنفيذه لسياسة الدولة. رغم ذلك، أجد أننا لا ننتبه كثيرا لأسباب المعوقات والصعوبات الحقيقية التي يواجهها الوزير وبقية المسؤولين الحكوميين أثناء تأديتهم واجباتهم وأرى أن مجلس الشورى إنما يناقش مشاكل طفت على السطح )دون التوغل في مسببات هذه المشاكل( بفعل الضغوط الهائلة التي تفرزها "منظومة العمل الحكومي".
ولأكون أكثر دقة، أقول إن هذه الإفرازات (أو جزءاً كبيراً منها) إنما تشكلت نتيجة تقادم الأنظمة الحكومية في بلادنا وعدم تحديثها بل ونتيجة الاكتفاء بالـ "المخارج النظامية" كوسيلة لتسيير الكثير من الأعمال اليومية دون الاهتمام بتحديث الأنظمة وصيانتها. وفي يقيني أن صياغة النظام وإصداره لا يكفي، بل يجب وضع آلية تضمن الرقابة المستمرة لهذا النظام أثناء التطبيق للتأكد من جدواه وعمله والآثار الجانبية التي أحدثها ومدى التعارض والتضارب الناشئ من تطبيقه، وهل يساهم هذا النظام في النهاية في تحقيق الأهداف العامة للدولة أم لا. هنا أتحدث عن عملية "صيانة" ... تماما كما نقوم بصيانة أي جهاز. ولعل "السيارة" التي نقودها اليوم هي أفضل مثال لتوضيح ما أقول. السيارة عبارة عن نظام متكامل من القطع والأجزاء التي تم تركيبها بشكل متكامل ومحدد لتؤمن مجموعة الوظائف المطلوبة منها. وأثناء قيادتنا لها تتعرض هذه السيارة لمشاكل الطرق وتستهلك بعض قطعها نتيجة العمل المتواصل وبعض القطع تبلى مع مرور الزمن حتى لو لم يتم استهلاكها. كل قطعة في هذه السيارة لها عمر افتراضي متى تجاوزناه أصبحت هذه القطعة مصدر خطر على السيارة ومن فيها، وبناء عليه لا بد من تغييرها أو صيانتها والمحافظة على تغيير الزيوت الموجودة فيها بانتظام. متى ما فعلنا ذلك توفرت لنا وسيلة مواصلات جيدة تعيش لفترة طويلة دون منغصات. تصور أن أحد الإطارات في سيارتك قديم جدا وأنت تسير بدون إطار احتياطي وتصور أنك لم تغير زيوت السيارة لفترة طويلة ولم تقم بتغيير الفلاتر ولديك ضوء أمامي محروق وتشتكي من عدم استجابة مكابح السيارة لظروف السير. لا شك أن هذا الوضع غير مطمئن لسيارة تتنقل فيها أنت وأسرتك من مكان لآخر.
بنفس المنطق أنظمتنا التي نعايشها مثل السيارة. تمت صياغتها قبل عشرات السنين ومرت بفترة طويلة من التطبيق دون تعديلات وتغييرات جوهرية أو صيانة جذرية. هذه الأنظمة المتقادمة تعود الناس عليها وكل مسؤول حكومي أصبح ملما وخبيرا بالقيام بعمله من خلال هذه الأنظمة القديمة والالتزام بها رغم عدم قناعته بها. لكنها توفر له مساحة جيدة من التحرك حولها من خلال ما يسمى بـ "المخارج النظامية" التي وجد أنها أفضل كثيرا وأسرع من تغيير النظام. مساحة الحرية هذه أوجدت طبقتين من الموظفين، الأولى الموظفون الأذكياء المتخصصون في معرفة الثغرات والدهاليز الخلفية للنظام. والطبقة الثانية الموظفون المنضبطون الذين وجدوا أنفسهم في خانة لا يحسدون عليها غير متمكنين من تحقيقهم لأي منجزات تذكر لا لشيء سوى أنهم يتمسكون بالمقولة المشهورة "لا تغلط يحتار عدوك فيك". وجود هاتين الطبقتين دفع الموظف المنضبط للدخول في صراع مع الموظف الذكي لا لشيء سوى لأن الموظف الذكي يستطيع تسلق السلم الوظيفي بشكل أفضل منه. إنجازات الموظف الذكي، في كثير من الأحيان، ساهمت في ترقيته وصعود نجمه فوجد نفسه لا يستطيع التعامل إلا مع مرؤوسين من طينته استطاعوا بقدرة قادر تحويله إلى رهينة لرغباتهم لأنه لا يقدر على تسيير دفة الأمور إلا من خلال دهاليز النظام وليس من خلال نصوص النظام. هذا جانب واحد فقط من الجوانب السلبية التي نراها في مؤسساتنا الحكومية، فهل هذه هي بيئة العمل التي نتوقع أن ترفع بلادنا من مصاف الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة.
في نظري أن نظامي المالية والخدمة المدنية يحتاجان إلى إعادة نظر. هذان النظامان يتسمان بنزعة وميل شديد لتقسيم العمل واتباع خطوات تشغيلية ثابتة أفرزت أعدادا كبيرة من الوحدات الفرعية الداخلية والتي تحولت بقدرة قادر إلى جزر معزولة متناثرة مفككة لا تلتزم بالهدف الرئيسي للتنظيم. هذا الوضع سهل للموظفين في هذه الوحدات تسخير القوانين واللوائح وتفسيرها بما يكفل لهم المحافظة على مناصبهم وتعظيم مصالحهم. ليس ذلك فقط بل أصبحت الخطوات التشغيلية الثابتة لتنفيذ المهام هي أساس التعامل في المنظمة ككل بغض النظر عن تحقيقها للهدف الرئيسي للمنظمة وبالتالي ارتبطت المكافآت والترقيات بمدى تمسك الموظف بـ "ثقافة التنظيم" المستحدثة رغم معرفة الجميع بأنها لا تحقق الأهداف الرئيسة للتنظيم. مجمل هذا الوضع تسبب فيما نراه اليوم من فقدان الإدارة العليا القدرة على السيطرة والتكيف مع المتغيرات الخارجية وعدم قدرتها على إشباع الاحتياجات الإنسانية المتجددة للعاملين داخل التنظيم.
مجمل مشاكلنا في الأجهزة الحكومية تنبع من تقادم هذين النظامين (النظام المالي ونظام الخدمة المدنية) وبقائهما بشكلهما الحالي دون تعديلات جوهرية سيجعلهما معرقلا للكثير من الإنجازات التي تتمناها الدولة لهذا الوطن والمواطن ، ومجلس الشورى بكل الخبرات التي تقبع تحت سقفه يمكن أن يسهم بشكل فعال في تجهيز "العربة" المناسبة التي تستطيع أن تنقلنا لمصاف الدول المتقدمة.

* كاتب سعودي[line]
تخرج العدالة من رحم الظلم

فاطمة الفقيه

الوطن السعودية

ما ينعم به الفرد في أوروبا الآن من حرية التعبير وديموقراطية الأنظمة واحترام لحقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة ومستوى خدمات صحية واجتماعية وتعليمية تعتبر في القمة مقارنة بدول العالم وبالدول العربية على وجه الخصوص هذا الحال هو وليد فترة مخيفة استمرت لألف سنة تقريبا سميت بالعصور الوسطى عانت فيها شعوب أوروبا من التخلف والفقر والمرض والأمية كما تعاني معظم الشعوب العربية حاليا.
ومن أكثر سمات تلك الحقبة أن الإنسان لم يكن عقلانياً يميل لتصديق الخرافة والسحر وسريع الانفعال ينفجر لأي خلاف ديني أو لمجرد رأي ولم يكن إنتاجه العقلي يتعدى الدوران حول نفس الأفكار فينتج شروحات دينية ثم يلخصها ثم يلخص ملخص الشروحات وهكذا يدور في حلقة من التكرار دون أن يجرؤ على الخروج من الفكر اللاهوتي السائد، والاكتفاء ببطون الكتب الصفراء كمصدر أساسي للعلم دون إعمال العقل والتجريب مما جعل ملكة التفكير الحر والنقد العقلاني مفقودة، حتى وصل بهم الحال إلى أن يؤمنوا أن العلم كله متضمن في الإنجيل.
ومع كثافة ممارساتهم الدينية على حساب إنتاجهم العلمي والعملي إلا أنه ساد معتقد بأن الآفات التي تصيبهم كالفقر والمرض سببها بعدهم عن الدين وتمسكهم بالدنيا وأن ما يفعله الفرد من عبادة لا يكفي ولا بد من بذل المزيد ليدخل الجنة وليتوقى كيد الشيطان الذي يتربص به في كل حين أما إذا أصيب بالمصائب فهذا ليس دافعا للبحث و العلم ولكنه بلاء دافع للاستغفار للإله لتطهير ذنوبه المتراكمة وزيادة أجره.
ساد الظلم والاستبداد بالرأي والسلطة والثروة، فلم يكن هناك من يحمي الناس وحقوقهم من سطوة الأغنياء فالفساد استشرى في كل الأنظمة، وكل ذلك تحت تقنين ودهاء رجال الدين وبما عليهم من هالة صلاح وتقوى سيطروا بالفكر اللاهوتي على أهم المجالات خاصة التشريع والتقنين مع احتكار المعرفة بالكتاب المقدس بحيث لم يسمح للعامة شرح نصوصه بحجة أن تفسيره يخص أهل العلم به، مما جعل رجل الدين هو المشرع والقاضي والمنفذ فيتمتع بحق إصدار الأحكام والعقوبات في كافة الشؤون الأخلاقية الهامة كالعلاقات غير الشرعية والسرقة والسحر وكل ما يتعلق بالزواج دون رقابة أو محاسبة لأنهم هم الأعلم بشؤون الأمة، ففي تلك الحقبة لم تكن القوانين و الأنظمة مكتوبة (وهذا سبب تباينها) بحيث لا يمكن أبدا أن يتوقع أهل الضحية ما الذي سيحدث للمجرم فقد تكون عقوبة فاجعة لجريمة صغيرة والعكس.
والتعليم هو أهم ما سيطر عليه رجال الدين بالكامل فرسخوا عبره الشك بقدرة العقل في نقد النقل و مع شيوع الأمية زادت سلطة رجال الدين، الذين نشروا ثقافة هيبة النصوص الدينية وقدسيتها والتعلق بالماضي واعتبار أي محاولة للتجديد بدعة شيطانية وأي فكر لم يكن له مصدر في الكتب القديمة يعتبر خطراً على العقيدة مما خلق نمط التعليم الببغائي المعتمد على الحفظ و التكرار ومن يحاول التغيير أو التكلم بغير آرائهم يسمى فعله بالهرطقة أي أنه يهرف بما لا يعرف حتى إن أي إنتاج أدبي أو فني أو علمي مخالف لما أملاه رجال الدين يتهم صاحبه بالإلحاد و يعاقب بإهدار دمه ففي تلك العصور قد يقتل الإنسان لمجرد رأي، ومن الطريف ذكره أن رجال الدين في القرن الثالث عشر الميلادي في أوروبا كان هاجسهم الأول منع دخول الفكر المسلم المستنير ذلك الوقت وسمي الغزو الفكري الكافر وأطلق على المسلمين اسم الكفار أما من يتشبه بهم فهو مثلهم.
وما يميز تلك الحقبة هو استعمال سلاح التكفير لكل مخالف وكذلك الحروب الطائفية الدموية المتأججة وخاصة الكاثوليك والبروتستانت علما بأن كليهما يؤمن بنبوة عيسى عليه السلام وكذلك بالبعث والحساب والجنة والنار وهكذا كان حال أوروبا قبل النهضة فالحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه على ما نحن فيه .أخيرا أتمنى أن يدرس كل تلميذ عربي وضع أوروبا في العصور الوسطى ووضعهم حاليا لنعرف كيف تحولوا من أكثر الأمم تخلفاً وهمجية لأمم يتمتع أفرادها بوضع يحسدون عليه. [line]
الديمقـــراطية المراوغــــة والدولة الفاشــــلة‏!‏

بقلم : صلاح الدين حافظ

الأهرام

لا نحتاج لكثير من الجهد لنثبت كيف أن دعاوي الديمقراطية مقرونة بنماذج فشل الدولة‏,‏ في هذه المنطقة من العالم‏,‏ قد أدت فيما أدت إليه إلي شيوع العنف جنبا إلي جنب مع انتشار الفقر والإحباط والتطرف‏..‏

ولا نحتاج لمزيد من البراهين والأدلة‏,‏ لنؤكد أن ما نعانيه من هذه النتائج‏,‏ قد جاء بأيدينا في الداخل‏,‏ مصحوبة بأيديهم من الخارج‏,‏ وكلها في النهاية أياد تحالفت علينا‏,‏ دفاعا عن مصالحها المشتركة‏,‏ مصالح من يريد الاستمرار قابضا علي صولجان الحكم متحكما في الثروة‏,‏ جامعا بين زهو السلطة وبريق المال‏,‏ ومن يريد الحفاظ علي مصالحه الحيوية العديدة‏,‏ في ظل الهيمنة الكونية الجديدة‏!‏

هكذا وجدنا أنفسنا محاصرين بين خيارين أحلاهما مر‏,‏ العنف المحتمي بالديمقراطية‏,‏ بل بدعاواها‏,‏ أو ادعاءات الديمقراطية المتسامحة مع العنف‏,‏ وهو ما يثبت لنا أن كل ما قيل ويقال من جانب أمريكا وحلفائها‏,‏ عن اجراء اصلاحات ديمقراطية في البلاد العربية‏,‏ بداية بمصر‏,‏ لتكون مقدمة رمح لمحاربة العنف والارهاب والتطرف‏,‏ إنما هو كذب بواح‏,‏ ومخادعة وتدليس ومخاتلة‏,‏ إن كانت قد انطلت علي البعض في فترات سابقة‏,‏ فهي قد انكشفت الآن بأجلي صور الفضيحة‏!‏

ومنذ أن تبنت ادارة الرئيس الأمريكي بوش حملة نشر الديمقراطية في بلادنا‏,‏ في عام‏2002,‏ وحتي الآن‏,‏ مقرونة بحملة الحرب المقدسة ضد الارهاب‏,‏ ونحن لا نكاد نلمح تقدما حقيقيا في أي اصلاح ديمقراطي حقيقي في أي دولة من دول المنطقة‏,‏ مثلما نتأكد الآن أن وتيرة العنف قد ازدادت حدة‏,‏ منتقلة بحرية واضحة من افغانستان إلي العراق‏,‏ ومن العراق إلي السودان‏,‏ ومن فلسطين إلي الصومال‏..‏ الخ‏.‏

فبأي حجة يعاود الرئيس بوش حديثه الممل عن الديمقراطية في الشرق الأوسط‏,‏ وعن الانتصار في الحرب ضد الارهاب الاسلامي‏!!‏

ففي خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه بوش الاسبوع الماضي‏,‏ لم يتوقف طويلا أمام خطته في فرض الإصلاحات الديمقراطية علي الدول العربية‏,‏ كما كان يجاهر في الماضي القريب‏,‏ بل إنه عبر هذا المأزق سريعا‏,‏ واكتفي بالقول بما معناه إن اقتناع الدول المعتدلة مثل مصر والسعودية تحديدا‏,‏ بالديمقراطية‏,‏ سيؤدي إلي مقاومة العنف ويساعد في مواجهة الارهاب‏...‏

وفي تفسيره لذلك‏,‏ قال متحدث باسم الخارجية الامريكية إن ادارة الرئيس بوش لن تغير اتجاهها بدعم التحولات الديمقراطية في البلاد المذكورة‏,‏ ولن تتوقف عن مساعدة هذه النظم في الاستجابة لمطالب شعوبها دون تدخل مباشر من جانب امريكا‏...‏

ولعلنا نضيف إلي ذلك استشهادا آخر‏,‏ يؤكد ما ذهبنا إليه منذ سنوات‏,‏ من أن امريكا غير جادة في مسألة نشر الديموقراطية ومقاومة نظم الفساد والاستبداد الحاكمة‏,‏ لأنها تفضل في كل الأحوال الحفاظ علي مصالحها الحيوية في المنطقة‏,‏ حتي لو تحالفت مع نظم تراها استبدادية وفاسدة‏!‏

والاستشهاد هو ببساطة المقارنة‏,‏ بين الحديث المحاضرة الشهير للسيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية‏,‏ في الجامعة الامريكية بالقاهرة‏,‏ خلال عام‏2005,‏ الذي ألقت خلاله بمجموعة من الصواريخ الموجهة حول اصرار واشنطن علي اجراء اصلاحات ديمقراطية في مصر والبلاد العربية‏,‏ وصولا للتهديد بوسائل الضغط الخشن‏,‏ الأمر الذي أثار ابتهاج المتأمركين العرب الذين أدمنوا استعداء امريكا حتي علي بلادهم‏,‏ ثم نقارن ذلك مع التصريحات الهادئة النبرة الناعمة الملمس لنفس الوزيرة‏,‏ التي أدلت بها عن تباطؤ الاصلاحات الديمقراطية في مصر‏,‏ خلال زيارتها الأخيرة للأقصر قبل أيام‏...‏

لا شك أن البون شاسع بين الموقفين لنفس الادارة ولنفس المتحدثين باسمها‏,‏ فالعبرة هنا ليست مصر أو غيرها من الدول المعنية‏,‏ وليست الديمقراطية ولا غيرها من المبادئ والقيم‏,‏ ولكن العبرة بحماية المصالح الحيوية الامريكية‏,‏ وبكيفية تجنيد ما تسميه مجموعة الدول العربية المعتدلة مصر والاردن ودول الخليج الست‏,‏ للمساعدة الفعالة في انقاذها من المقتلة الدائرة في العراق‏,‏ وللاحتشاد معها ضد ايران وسوريا وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين‏,‏ الذين تراهم محور الشر ومنتجي العنف والارهاب‏!‏

وبالتالي فإن عصا الديمقراطية الغليظة التي رفعتها واشنطن علي مدي السنوات الماضية‏,‏ ضد النظم الحاكمة في المنطقة‏,‏ كان هدفها تخويف هذه النظم وإرباك سياستها‏,‏ ودفعها إلي مزيد من الانصياع والخضوع للاستراتيجية الامريكية‏,‏ دون تبرم أو حتي تململ‏,‏ وحتي لو أدي هذا الانصياع إلي التضحية ببعض المصالح والأهداف العربية‏,‏ وأهمها الاستقلال والسيادة الوطنية‏!‏

ومن الواضح أن طرفي شد حبل الديمقراطية‏,‏ النظم العربية الحاكمة والادارة الامريكية‏,‏ قد اكتشفا في وقت واحد نقاط القوة والضعف عندهما معا‏,‏ ووجدا أن العنف والإرهاب هدف مشترك يجمعهما في صف واحد ويجند قواهما في خندق واحد مما يدفعهما إلي التعاون والتنسيق الأكبر‏,‏ فتخلت الادارة الامريكية عن ورقة الاصلاح الديمقراطي‏,‏ وتخلت النظم العربية عن ترك امريكا تغرق في المستنقع العراقي الدامي‏...‏ وقررا العمل المشترك في هذا الإطار‏,‏ وضمن استراتيجية بوش الجديدة‏,‏ التي إن قوبلت بترحيب محور الاعتدال العربي صراحة‏,‏ فإنها للغرابة قوبلت بمعارضة أمريكية واسعة داخل الكونجرس وفي الشارع وفي الإعلام وبين جماعات المصالح‏!!‏

وبقدر ما اعتبر المعارضون الأمريكيون لاستراتيجية بوش هذه‏,‏ أن التأييد الصارخ للمعتدلين العرب لهذه الاستراتيجية‏,‏ هو بمثابة نفاق وانتهازية سياسية‏,‏ يحتمي بها المستبدون المعادون للديمقراطية في الشرق الأوسط‏,‏ بقدر ما أن ادارة بوش توصلت لصياغة جديدة‏,‏ قوامها أن من يؤيدها في المنطقة هم الديمقراطيون والليبراليون الحقيقيون‏,‏ بصرف النظر عن كل ما تقوله شعوبهم عنهم‏,‏ بل عن كل ما قالته هي عنهم من قبل‏!‏

هكذا وقعت قضية الاصلاح الديمقراطي‏,‏ ضحية بين طرفي شد الحبل‏,‏ بعد أن تحالفا معا ضدها‏,‏ وباتت هذه القضية متراجعة من حيث الفكر والتطبيق‏,‏ من حيث الوعود والعهود التي تبتلع وتنقض‏,‏ ومن حيث الخطوات والاجراءات التي تتلكأ ثم تجهض نهائيا‏,‏ رغم كل مطالب الشعوب وتطلعها للحرية والسيادة‏,‏ ولم يحدث ذلك بسبب تخلي امريكا عن ضغوطها‏,‏ بقدر ما حدث نتيجة المقايضة المشبوهة‏,‏ وتيقن الحكام من أن عصا الديمقراطية الامريكية‏,‏ لم تكن غليظة ولن تكون‏!!‏

ونظن أيضا أن طرفي شد الحبل‏,‏ قد توافقا أخيرا علي أن تبعات الديمقراطية ونتائج التحول الاصلاحي الحقيقي‏,‏ هي تبعات ونتائج معادية لهما ومضادة لمصالحهما المشتركة‏,‏ وهاهو النموذج الفلسطيني يقدم الدليل‏,‏ ففي ظل الديمقراطية والانتخابات الحرة الشفافة‏,‏ نجحت حماس الموسومة بالراديكالية الاسلامية‏,‏ مثلما تمكنت التيارات الاسلامية السياسية‏,‏ في اثبات وجودها‏,‏ عبر صناديق الانتخابات في مصر والاردن والكويت والبحرين والمغرب واليمن وغيرها‏,‏ بما قدم للطرفين مبررا للانقضاض‏,‏ ليس فقط علي هذه التيارات‏,‏ ولكن علي كل مقولات الاصلاح الديمقراطي‏,‏ حتي وإن ظلت عمليات التجميل الاصلاحي والتزويق الديمقراطي قائمة ومستمرة‏!‏

في امريكا مفكر مشهور عالميا هو نعوم تشومسكي ليبرالي الفكر يهودي الديانة‏,‏ معاد للصهيونية ولعدوانية اسرائيل‏,‏ بقدر ماهو معاد لغطرسة القوة الأمريكية المنفلتة‏,‏ أصدر أخيرا كتابا مهما بعنوان الدولة الفاشلة‏,‏ ولم يجد بالطبع نموذجا للدولة الفاشلة‏,‏ أفضل من الولايات المتحدة الامريكية‏,‏ لأنها تطبق المعايير المزدوجة‏,‏ وتتحدث بلسانين‏,‏ أولهما أخلاقي عن قيم الحرية والعدالة والمساواة‏,‏ وثانيهما انتهازي برجماتي يمارس العنف المفرط‏,‏ ويشن الحروب الدامية غير المبررة أخلاقيا‏,‏ ويرتكب الجرائم والفظائع والمذابح‏,‏ باسم الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية‏,‏ والمحصلة هي أن هذه دولة فاشلة‏,‏ لأنها بفضل هذه المعايير المزدوجة والممارسات الانتهازية‏,‏ تجلب للشعب الامريكي عداوات الآخرين وكراهيتهم‏,‏ وتعرض الأمن القومي الامريكي للاعتداءات والدمار‏,‏ وتستفز الآخرين لمقابلة عنفها بعنف مضاد‏.‏

يضيف تشومسكي‏,‏ أنه باسم العدالة والقيم الاخلاقية ومبادئ الحرية‏,‏ شنت امريكا وتشن أسوأ الحروب ضد الآخرين‏,‏ وتستخدم قوتها الطاغية في فرض الحق الذي تدعيه وتنتهك حقوق الانسان‏,‏ مثلما تنتهك سيادة الدول واستقلال الشعوب‏,‏ وتمارس العنف والارهاب علانية باسم الشرعية الدولية‏,‏ وهي حين تفعل ذلك لا تمل الحديث الممل عن فرض الديمقراطية وترويج قيم الحرية الامريكية‏!!‏

ثم يتنبأ تشومسكي‏,‏ بقرب نهاية العالم وقيام القيامة‏,‏ نتيجة المبالغة الامريكية في زيادة النزوع العسكري واعتماد القوة المسلحة‏,‏ سواء عن طريق ترسانتها النووية‏,‏ أو عن طريق عسكرة الفضاء‏,‏ أو عن طريق تلويث البيئة الذي تتحمل امريكا المسئولية الرئيسية عنه‏,‏ باعتبارها اكبر دولة صناعية واكثر دولة استخداما للمحروقات‏,‏ والمتسبب الأول في انبعاث الغازات وبالتالي حدوث الاحتباس الحراري‏.‏

ليس هذا فقط‏,‏ ولكن تشومسكي‏,‏ يؤكد أن السياسات العدوانية والممارسات الخاطئة‏,‏ التي تمارسها الادارة الامريكية الحالية بقيادة بوش‏,‏ خصوصا سياسة شن الحروب في العالم‏,‏ وتحديدا في افغانستان والعراق‏,‏ فضلا عما تفعله اسرائيل بالفلسطينيين‏,‏ قد أدي إلي زيادة العنف وصعود التيارات الدينية الراديكالية‏,‏ بل وإلي تحويل الارهاب إلي هدف يرتجي‏,‏ لكي يقاوم الارهاب الامريكي‏,‏ أما حكاية الاصلاحات الديمقراطية فلا مجال لها في عرف الدولة الفاشلة‏!!‏

تشومسكي لا يتحدث للامريكيين فقط‏,‏ ولكني اعتقد أن حديثه هذا في كتابه المهم‏,‏ مهدي إلي الحكام العرب جميعا‏,‏ والي جماعة المتأمركين العرب تحديدا‏...‏ لعلهم يقرأون ويستوعبون ويفهمون‏!!‏

**‏ خير الكلام‏:‏ يقول ابراهيم ناجي‏:‏
إن يكن حلما تولي مسرعا
أجمل الأحلام ما ولي سريعا[line]

castle
01-02-2007, 09:46 AM
حجر ثقيل في ماء راكد ..

تداعيات مستمرة للتعديلات الدستورية في مصر

د. أحمد الصاوي :

الشرق القطرية

التعديلات الدستورية التي بادر الرئيس المصري حسنى مبارك بطلب إجرائها، باتت الشغل الشاغل للشارع السياسى في مصر، ويبدو انها ستظل تحكم اجندة أعمال الأحزاب والتيارات السياسية في البلاد لأمد ليس بالقصير.

وليس بمستبعد ان تسهم هذه التعديلات التي تشمل 34 مادة من مواد الدستور المصري في إعادة فرز الخريطة السياسية في البلاد، لا سيما ان الانقسامات باتت جلية ليس فقط بين الأحزاب الرئيسية التي سبق ان اتفقت في عام 1997 على ضرورة إجراء تعديلات دستورية ولكن ايضا داخل أروقة الأحزاب وفيما بين قياداتها، بما فيها الحزب الوطنى الحاكم.

ان أول ما يلفت النظر في سياق الخلافات المتصاعدة على الساحة السياسية ان الأحزاب والقوى السياسية التي وجهت في عام 1997 " نداء إلى الأمة " يتضمن برنامجا للاصلاح السياسى والدستورى كانت على وعي بأن التعديلات الدستورية لن تكون محل اتفاق شامل فيما بينها ولذا اختارت ان تتبنى تسعة مبادئ لهذه التعديلات دون خوض في تفاصيل قد تعمق اسباب الخلاف فيما بينها.. فقد ضمت قائمة هذه الأحزاب والقوى كل متناقضات الخريطة السياسية في البلاد من ادنى اليمين إلى اقصى اليسار شاملة أحزاب الوفد والتجمع والناصرى والعمل والاحرار وجماعة الاخوان المسلمين والحزب الشيوعى المصري.

وقتها كان باديا ان الحزب الناصرى يقف وحده في موقف ينحاز اليه فيه بعض قيادات حزب التجمع والحزب الشيوعى المصري، وهو موقف المتحفظ من امتداد التعديلات الدستورية إلى المساس باسس " النظام الاشتراكى " و" تحالف قوى الشعب العامل" و"الملكية العامة " فيما كانت بقية الأطراف ترى ان التعديلات الدستورية من المنطقى أو الضرورى ان تمتد إلى الغاء كل ما يتصل بآليات الحزب الواحد والنظام الاشتراكى من أجل الوصول إلى دستور يرعى صيغة ليبرالية للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

مواقف الاحزاب

ووقتها ايضا كان حزب التجمع، بحكم تركيبته الجبهوية، منقسما بين من يرون اهمية مبدئية وتاريخية في الا يكون الحزب من المطالبين بحذف كل ما يمت بصلة للاشتراكية من الدستور وبين من يعتقدون انه لا معنى لمثل هذه الرؤى في ظل التغيرات الجارية على ارض الواقع وان الآوان قد حان للتخلص من رأسمالية الدولة التي انتحلت صفة الاشتراكية والسعى لاقامة نظام ديمقراطى وطنى يؤدى إلى قيام نظام اشتراكى في مرحلة لاحقة من مراحل التطور وفقا لرؤية الايديولوجيا الماركسية.

ووقتها ايضا كان حزب العمل وكذلك جماعة الاخوان المسلمين، يتحسسان من تلميحات ليبرالية وعلمانية بشأن إجراء تعديلات دستورية تطول بصورة جوهرية ما استقر عليه الدستور الحالى من اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع المصري.

في ظل هذه التخوفات كان من المنطقى ان تركز مطالب المعارضة على روح التعديلات الدستورية، خاصة من زاوية حماية الحريات الأساسية وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب والفصل الفعلى بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ولكن رياح التعديلات التي ارخى الرئيس مبارك عقالها اتت بما لم تشته سفن المعارضة وربما رأى بعض الخبثاء انها جاءت متعمدة لتفريق صف المعارضة وإرباك حساباتها.. ومهما يكن من أمر النوايا والبواعث أو التوقعات والطموحات لدى كل من الحكومة وأطراف المعارضة فان فرزا عميقا يجرى فعليا في الحياة السياسية وربما اسهم في تشكيل ملامح المرحلة القادمة.

ان ابرز التصدعات في الصف المعارض هو ذلك الذى ادى إلى تباعد ملحوظ بين جماعة الاخوان المسلمين وبقية الشركاء في الحياة السياسية، ففيما وافقت القوى السياسية المختلفة على حظر قيام الأحزاب السياسية على أساس دينى، وقفت جماعة الاخوان وحدها لتدافع عن حق اقامة أحزاب لها مرجعية دينية.

كتلة المستقلين

ومن اللافت للنظر في هذا السياق ان كتلة المستقلين بمجلس الشعب " 10 اعضاء " التي صوتت مع ممثلى جماعة الاخوان المسلمين " 88 عضوا " على رفض التعديلات الدستورية، قد اصدرت بيانا اعربت فيه عن موافقتها على عدم انشاء أحزاب على أساس دينى فيما كان نواب الاخوان المسلمين يخوضون نقاشا فكريا داخل المجلس حول هذه القضية.
فقد اكد د. حمدى حسن النائب عن كتلة الاخوان انهم يرفضون قيام الأحزاب على أساس دينى، ولكنهم يؤيدون انشاءها على مرجعية دينية وان الاخوان المسلمين يريدون انشاء حزب مدنى ذى مرجعية إسلامية.

ولكن احدا من قوى المعارضة لم يشارك في الجدل الفكرى الذى احتدم بين نواب الاخوان ونواب الحزب الحاكم ففي مواجهة مقولات الطرف الأخير من انه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة اكد نواب الاخوان ان "الإسلام كله سياسة" وان من يرد دينا بلا سياسة فعليه ان يبحث عن دين غير الإسلام، "وتركزت حجج الاخوان على ان الأحزاب يمكن ان تؤسس وفقا لمرجعيات دينية وان حظر النشاط السياسى على خلفية دينية يتعارض مع المبدأ الدستورى الذى يعتبر ان الإسلام هو دين الدولة وان الشريعة هى المصدر الرئيسى للتشريع.

وزيادة على ذلك فقد ألمح بعض نواب كتلة الاخوان إلى ان التعديلات لن تؤدى إلى زيادة حالة الاحتقان في الشارع السياسى.
والتصدع الثانى ادى لانقسام مألوف في الحياة السياسية المصرية، تباعدت معه مواقف " اليمين " عن " اليسار " والموضوع في هذه المرة هو التعديلات التي ستطول عددا من المواد التي تتحدث عن النظام الاشتراكى والملكية العامة.

فبينما توافقت مواقف الحكومة والوفد والاخوان بشأن تعديل هذه المواد، انفرد حزب التجمع ومعه الناصريون " الحزب والمستقلون" بمعارضة هذه التعديلات.
ابدى ضياء الدين داود رئيس الحزب الناصرى اعتراضه المبدئي على التعديلات فيما اكد حمدين صباحى النائب المستقل " رئيس حزب الكرامة تحت التأسيس " انه يرفض التعديلات الدستورية لانها تعد ردة عن المكاسب السياسية والدستورية التي حققها الشعب.

اما حزب التجمع فقد اصدر بيانا مطولا عن موقفه من التعديلات وانفرد فيه بإبداء تمسك الحزب بمرجعيته الاشتراكية معتبرا ان مبادرة الحكومة بحذف كلمة " الاشتراكية " من مواد الدستور انما تهدف إلى " اضفاء الشرعية على مخالفتها للدستور لسنوات طويلة وتنفيذ سياسات معاكسة لنصوص الدستور باقامة نظام رأسمالى مشوه يكرس التبعية للاقتصاد الرأسمالى العالمى وسيطرة الاحتكارات على الاقتصاد الوطنى ".

واكد التجمع معارضته لتعديل المادة 33 من الدستور التي تنص على ان للملكية العامة حرمة وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وتمسكه بما جاء في المادة 37 من تحديد حد اقصى للملكية الزراعية وبنصوص المواد الدستورية التي تتضمن حماية الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية للمواطنين بما في ذلك مجانية التعليم والعلاج وحق العمل وغيرها.. ولا جدال في ان الموافقة المبدئية التي ابداها حزب الوفد تجاه التعديلات الدستورية قد أضفت تغيرات واضحة على خريطة توزيع القوى السياسية، اذا بدأ الحزب، وربما للمرة الأولى منذ إعادة تأسيسه على يد فؤاد سراج الدين، ابعد ما يكون عن أحزاب المعارضة واقرب بدرجة أو باخرى إلى الحكومة، وهو أمر يمكن تفهم بواعثه من زاوية ان التعديلات الدستورية تلبى مطلبا جوهريا لحزب الوفد فيما يتصل باجتثاث كل ما له علاقة بالاشتراكية التي جاء بها انقلاب يوليو حسب التعبير الوفدى.

وعلى الرغم من ان رفض الاخوان للتعديلات قد يعطى انطباعا بتقارب موقف الجماعة مع أحزاب اليسار، الا انه فيما يتعلق بهذه الجزئية فان ثمة توافقاً بين التعديلات الدستورية والموقف المعلن لجماعة الاخوان التي تؤيد منذ إطلاق مبادرتها للاصلاح ردا على مبادرة كولين باول للاصلاح في الشرق الاوسط قيام نظام اقتصادى حر لا اثر فيه البتة لكلمة اشتراكية، ناهيك عن الخصومة التاريخية المزمنة مع " ضباط حركة يوليو " ونهجهم السياسى.. ومما يؤيد ذلك ان الاعتراضات التي أبداها 44 نائبا اخوانيا تناوبوا الحديث في جلسات البرلمان لم تشمل بحال من الاحوال ما يمكن ان تشتم منه اى معارضة لطلب الرئيس مبارك حذف كل ما له صلة بالنظام الاشتراكى من مواد الدستور. بيد ان هذا " التشظى " الذى اصاب موقف المعارضة من مطلبها العتيق بإجراء اصلاحات دستورية لم يمتد بحال من الاحوال إلى اجماعها بشأن عدد من القضايا الأساسية.

وفي مقدمة هذه القضايا التأكيد على ضرورة اشراف القضاء على الانتخابات بصورة كاملة وفعالة ولذلك حظيت تعديلات المادة «88» من الدستور بانتقادات واسعة من كل أطراف المعارضة بما في ذلك اعضاء حزب الوفد الذى ابدى موافقة مبدئية على التعديلات فقد شن احمد ناصر هجوما حادا على تعديل هذه المادة بينما حرص النائب الوفدى مصطفى شردى على ان يذكر الحكومة بضرورة عدم المساس بالاشراف القضائى على الانتخابات فمن جهتهم اعتبر نواب كتلة الاخوان المسلمين ان تعديلات المادة "88" من شأنها تقليص الاشراف القضائى على الانتخابات، وايدهم في ذلك النواب المستقلون ايضا.. كما اشار البيان الذى اصدره حزب التجمع إلى ان تعديل هذه المادة قد جاء بغرض الانتقاص من الاشراف القضائى على الانتخابات واعتبر ذلك ردة عن المكاسب التي حققتها المعارضة واحتلت قضايا الحريات موقعا مهما لدى أحزاب المعارضة ونوابها في البرلمان، وشدد اغلبهم على انه لاينبغى المساس لاى سبب بالحريات الأساسية للمواطنين تحت زعم تعديل الدستور لافساح المجال امام اصدار قانون لمكافحة الإرهاب مقابل الغاء حالة الطوارئ.. وفي ذلك السياق تشابهت اعتراضات نواب الوفد ونواب كتلة الاخوان والمستقلين ايضا واكد بيان حزب التجمع انه لا يجوز الانتقاص من الحقوق والحريات السياسية للمواطنين خاصة المواد 41 و44 و45 التي قد يؤدى تعديلها إلى إطلاق يد الاجهزة الأمنية في تفتيش المساكن وحبس المواطنين احتياطيا والتنصت على اتصالاتهم ومراقبتها دون حاجة لاذن من النيابة العامة ولأمد غير محدد تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

وجاءت المادة "77" الخاصة بإطلاق مدة شغل موقع رئيس الجمهورية دون حد اقصى في مرتبة تالية من حيث الاجماع لدى أحزاب المعارضة ففيما اغفل الوفد الاشارة اليها اصرت أطراف المعارضة الاخرى على ضرورة ان يمسها تعديل بحيث تحول دون ابدية شغل الموقع، ليصبح عدد المدد مدتين بواقع خمس سنوات للمدة الواحدة.

ولحق بذلك موقف تقليدى من تعديلات مقترحة على المادة «76» المعدلة قبل عامين تقريبا، اذ ترى المعارضة " باستثناء الوفد الذى لم يفصح بعد عن موقفه " ان التعديلات المقترحة لن تجعل لانتخابات الرئاسة صفة التنافسية لانها تعطى وضعا استثنائيا للأحزاب لفترة من الزمن كما انها تحرم واقعيا المستقلين من الترشح لهذا الموقع وهو ما اعتبره حزب التجمع في بيانه مناقضا للمادة «40» من الدستور التي تقر بالمساواة بين المواطنين.. وطالت الافتراضات ايضا التعديل الدستورى الذى سيصبح بموجبه من حق رئيس الجمهورية حل مجلس الشعب دون الحاجة إلى إجراء استفتاء شعبى على قرار الرئيس.

انتقادات المعارضة

وتتبقى في هذا الاطار الاشارة إلى ان بعض الانتقادات التي وجهتها المعارضة جاءت عامة وخاصة في خضم المناقشات البرلمانية بينما حرص حزب التجمع الذى لا يملك سوى نائب واحد بالبرلمان على ان يوثق موقفه تفعيلا في بيان مستقل.

فنواب كتلة الاخوان بمجلس الشعب اعترضوا على التعديلات لانها تهدر مبدأ المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص وتضع القيود على انشاء الأحزاب السياسية كما انها لا تحقق الفصل بين السلطات الثلاث.
واشار بيان حزب التجمع إلى ان التعديلات تظل منقوصة ومبتسرة لانها لا تحقق الغاية المرجوة منها خاصة ما يتصل منها باستقلال السلطة القضائية، معتبرا ان إلغاء المجلس الاعلى للهيئات القضائية الذي يترأسه رئيس الجمهورية - والذى يبدو تعديلا مهماً ان افرغ من مضمونه بإصرار التعديل الجديد على انشاء مجلس أعلى للقضاء برئاسة رئيس الجمهورية ايضا وهكذا فلن يكون هناك تغيير حقيقى بالنسبة لوضع رئيس الجمهورية وهو ممثل السلطة التنفيذية على القضاء.

وبالاضافة إلى ذلك كله فقد لاقت الطريقة التي تدار بها التعديلات الدستورية انتقادات واسعة لدى أطراف المعارضة.. فالحزب الناصرى على لسان رئيسه ضياء الدين داوود يرى ان التعديلات تتم بصورة احادية دون ان يتم اخذ رأى احد، ولذا فانه يطالب بلجنة خاصة منتخبة وتضم جميع التيارات السياسية لإجراء هذا التعديل.

وطالب بعض نواب حزب الوفد بان تجرى التعديلات الدستورية بواسطة جمعية تأسيسية تمثل فيها كل التيارات السياسية.. أما حزب التجمع فقد شدد على اهمية اشراك القوى السياسية واوسع دائرة من المواطنين في مناقشة عامة حول التعديلات الدستورية من خلال الاذاعة والتليفزيون والصحافة القومية مع احترام وجهات النظر المختلفة والأخذ بالآراء موضع الاجماع حتى لا ينفرد طرف واحد بقرار التعديلات.

واذا كانت قنبلة التعديلات الدستورية قد كشف دوى انفجارها عن تصدعات في صفوف المعارضة وتقلص واضح لمساحة الاتفاق فيما بين أطرافها بشأن الإصلاح السياسى والدستورى فانها ايضا قد بينت بجلاء ان ثمة مقادير مختلفة من التباين حتى داخل صفوف الحزب الواحد تجاه هذه التعديلات وهذا شأن آخر يستحق حديثا مفردا. [line]
عمق الجرح الإسرائيلي - (1/2)

د. فوزي الأسمر

الرياض

في الوقت الذي يتفاقم فيه الصراع السياسي في لبنان، في محاولة من بعض الجهات تحويل الانتصار الأول على الجيش الإسرائيلي، إلى هزيمة، نشاهد العكس تماماً في إسرائيل، اعتراف واضح بالهزيمة، ومحاولة جادة لدراسة الأسباب التي أدت إلى هذه الهزيمة النكراء.
وتداعيات هذا الانتصار لازالت مستمرة، وكان آخرها استقالة رئيس أركان الجيش، دان حلوتص، بعد مرور خمسة أشهر على تلك الحرب هذه الاستقالة التي وصفتها صحيفة "يدعوت أحرونوت" (2007/1/17) بأنها عبارة عن "هزة أرضية عنيفة في الشبكة العسكرية".

وتوالت الدراسات الاستراتيجية عن هذه الحرب، حيث جاء في تقرير عن حرب لبنان الأخيرة صدر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" التابع لجامعة تل - أبيب، بأن هذه الحرب ألحقت ضرراً بالغاً في قوة الردع الإسرائيلية بأعين "العالم العربي، والغربي على حد سواء" كما أظهرت: "ضعفاً واضحاً في المقدرة على اتخاذ القرارات" (يدعوت أحرونوت)

2007/1/2.كما يقول هذا التقرير، أن الحرب برهنت على فشل إسرائيلي على الجبهتين العسكرية والسياسية، بل ان هذا الفشل قد يساعد إيران على استكمال وتحقيق مقدرتها النووية دون أن تأخذ بحسابها ردعاً إسرائيلياً لخطواتها.

وبعد يوم من صدور هذا التقرير، اعترف رئيس أركان الجيش، حالوتص، بأن الحرب في لبنان كانت فاشلة، ولكنه لم يرتفع إلى مستوى القول بأنها كانت هزيمة (صحيفة معاريف 2007/1/3).

وقد أعربت المجموعة التي تشكلت بعد الحرب، من جنود وضباط ومدنيين إسرائيليين، مطالبة باستقالة حالوتص، ورئيس الوزراء ايهود أولمرت، ووزير الدفاع عمير بيرتص، عن ارتياحها لاستقالة حالوتص إلا أن متحدثاً باسمها قال "سنستمر في ملاحقة أولمرت وبيرتص حتى يستقيلا"..

ويبدو أن مطالبهم في طريقها إلى التنفيذ، حيث تبين من استطلاع للرأي العام الإسرائيلي، تناقلته وسائل الإعلام هناك (2007/1/18) ان أكثر من سبعين بالمائة تؤيد استقالة وزير الدفاع بيرتص وأكثر من خمسين في المائة تؤيد استقالة أولمرت وحوالي ستين بالمائة يؤيدون اجراء انتخابات مبكرة. وتبين انه إذا ما جرت مثل هذه الانتخابات فإن حزب "كاديما" الذي يترأسه أولمرت سيخسر الكثير من المقاعد التي يحتلها اليوم في الكنيست.

وقد أدت نتائج الحرب اللبنانية إلى زيادة عدد المنتحرين في الجيش الإسرائيلي. فقد شكل هذا الجيش لجنة خبراء لدراسة الموضوع. والوصول إلى حلول لهذه الظاهرة الخطيرة، حسب ما جاء في صحيفة "معاريف" (2007/1/4).

السبب في ظاهرة الانتحار هذه، حسب ما تقول الصحيفة، تعود إلى الحالات النفسية التي يمر بها بعض الجنود الذين شاركوا في حرب لبنان. وقد توصل الجناح الطبي في الجيش إلى حل، وهو: "ان الجنود الذين يطلبون مساعدات في حالاتهم النفسية، يجتمعون كل في معسكره أمام شبكة تلفزيونية محدودة الدائرة، ويقومون بالاجابة على اسئلة ضابط نفساني". تقول الصحيفة. وتضيف أن المسؤولين في الجيش يعتقدون أن ظاهرة الانتحار: "ظاهرة خطيرة ويجب أن تكون على رأس قائمة الأوليات لدى قيادة الجيش ووزارة الدفاع".

عمق الجرح الإسرائيلي (2/2)

ولم تقتصر هذه الظاهرة على الجنود الإسرائيليين، بل تبين من دراسة شاملة قام بها مركز "ميشافيم" في مدينة "تل - حي" في الجليل الأعلى أن: "ثلث سكان المناطق الشمالية يعيشون صدمة نفسية، في أعقاب الحرب اللبنانية" (يدعوت أحرونوت 2007/1/2) وتقول الصحيفة أن نسبة المصابين بين السكان اليهود أكثر بكثير من نسبتهم لدى السكان العرب.
وجاء في هذا البحث أيضاً، أن السبب الرئيسي لهذه الحالة يعود إلى أن ثمانين بالمائة من المصابين كانوا شهود عيان لسقوط الصواريخ عليهم وجاء في هذا البحث أن 62بالمائة من السكان طالبوا انه في حالة نشوب مثل هذه الحرب أن ينقلوا فوراً إلى أماكن آمنة مع عائلاتهم.

ورغم أن هناك تعتيماً على الهجرة المعاكسة، إلا أن "الوكالة اليهودية" اعترفت ضمنا أن الهجرة من إسرائيل مستمرة، حيث قالت في تقرير لها (2007/1/1) ان نسبة اليهود الذين يهاجرون سنوياً إلى إسرائيل من أنحاء العالم قد انخفضت بعد حرب لبنان، بشكل يثير الانتباه والقلق.

فحسب هذا التقرير، فقد وصل مستوى هذا الانخفاض إلى درجة لم يكن لها مثيل خلال الثمانية عشرة سنة الأخيرة. فقد وصل عدد اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل في عام 2006، إلى حوالي عشرين ألف شخص فقط.

ومن خلال التعتيم على الهجرة المعاكسة، تطل علينا صحيفة "هآرتص" (2007/1/7) بمقال إخباري يقول إن: "العقول المفكرة والخبراء والباحثة تفر إلى خارج البلاد".

وتضيف الصحيفة أنه حسب دراسة قام بها "مركاز شالوم" (مركز السلام) في القدس، فقد أصبحت إسرائيل: "الدولة رقم واحد في تصدير العقول إلى الولايات المتحدة قياساً بالنسبة السكانية.

وقد قال البروفيسور عومر مؤاف، الذي أشرف على هذه الدراسة، انه من الخطأ قبول الاصطلاح الشائع، أن هذه العقول تسافر إلى الولايات المتحدة لمدة سنتين أو ثلاث سنوات ثم تعود. الواقع، يقول مؤاف أن الأغلبية الساحقة من هذه العقول تبقى خارج البلاد. وتشير الأرقام التي وردت في هذه الدراسة أن: " 96بالمائة من العقول المهاجرة قد بقيت في الخارج". وأضافت أن نسبة الهجرة هذه قد زادت في أعقاب حرب تموز/ يوليو من العام الماضي.

وقد كانت هناك محاولة لإقناع هذه العقول بعدم ترك البلاد، وأخرى دعت إلى تجنيد أموال لإقناع الذين تركوا بالعودة، إلا أن صحيفة "هآرتص" (2007/1/8) قالت في مقال لها إن: "وزارة الخزانة رفضت طلباً بتخصيص عشرين مليون شيكل لإعادة 45باحثاً متميزاً إلى البلاد، مقابل عشرة ملايين شيكل تبرع بها يهودي أمريكي غني بشرط أن تشارك الحكومة بضعف هذا المبلغ".

والواقع أن مراقبة وسائل الإعلام الإسرائيلية، تعطي صورة واضحة للتخبط الذي يحدث في ذلك الكيان، نتيجة الهزيمة العسكرية، والتخبط بالمحاولات المستمرة للخروج منها، وبناء الثقة مجدداً في الجيش المهزوم.[line]

castle
01-02-2007, 10:00 AM
من دافوس الى واشنطن...

شبح الجرعة المرة

ناثان غاردلز

الشرق الاوسط

يؤكد موضوع هذا العام في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي «معادلة انتقال السلطة»، رأي النخبة العالمية، التي اجتمعت هذا الأسبوع في دافوس بسويسرا، من أن تلك القوة راحت تبتعد عن الولايات المتحدة باتجاه مراكز متعددة، حيث انتقلت لدول تمتد من البرازيل إلى الصين عبر حالة السوق «الناشئة» إلى تأسيس نفسها، باعتبارها من اللاعبين الرئيسيين على المشهد الدولي.

ويعترف موضوع المؤتمر أيضا بالذعر في أوساط البزنس التقليدية من جراء انتقال السلطة من المنتجين إلى المستهلكين بفضل الانترنت وثورة التوزيع الرقمي.

وبعيدا عن بعض أنماط المؤامرة من جانب النخبة العالمية التي ترسم العالم وهي تتحرك على منحدرات الألب، فان دافوس في الواقع معيار داعم لوجهة نظرهم العالمية المتغيرة تدريجيا. انها لا تحقق اختراقا في التقدم وإنما تعزز الرأي. وهي لا تخلق اتجاهات جديدة، وإنما تضعها في إطار الحكمة التقليدية، وتلك هي قوتها وأهميتها.

وعادة ما يكون دافوس على حق لأن شعاره، الذي يمكن أن يوصف باعتباره «لاحقوا المال وليأتي الضمير بعدئذ»، هو ما يكشف إلى حد كبير عن الطريقة التي يعمل بها العالم.

وخلال السنوات العشرين الماضية، ظللت أحضر مؤتمر دافوس كعضو في نادي زعماء الإعلام، وشهدت في كثير من المرات كيف أنه يقدم صورة لعلاقات القوة في العالم في مرحلة معينة.

وأذكر أنه بعد أن أطلق سراح نيلسون مانديلا من السجن، ولكن قبل أن يصبح رئيسا، على سبيل المثال، كان هناك على المسرح مع أف. دبليو. دي كليرك، يؤذنان بالانتقال السلمي للسلطة بعد الأبارثيد. وفي تلك الأيام وقبل أن يتحول منتدى دافوس من اجتماع لنخبة مفكرين، إلى مؤتمر واسع، كان بوسعك التوجه إلى أي مشارك والتحدث إليه. وفي احدى هذه المناسبات تناولنا أنا ورئيس تحرير «أن آر سي اندلسبلاد» الغداء مع مانديلا، الذي كان يدافع عن زوجته في ذلك الحين ويني مانديلا، التي تحملت أعباء كثيرة خلال سنوات سجنه.

ولم يأت ميخائيل غورباتشوف إلى دافوس أبدا. أولا لأنه كان مشغولا بالبيريسترويكا في بلاده، وبعد الانقلاب الفاشل والمدمر سياسيا كان اعتباره غير جدير بالدعوة، فيما جاء، ولكن ليس بعد وقت طويل، بوريس يلتسن إلى السلطة فبدأ انتشار رجال الأعمال الروس وهم محاطون بأتباعهم في قاعات الفنادق. ومن المعروف أن هؤلاء الرأسماليين البدائيين التقوا في دافوس لضمان ولاية ثانية ليلتسن.

وربما في السنة ذاتها قدم لي الرئيس البولندي المنتخب حديثا ألكسندر كفاسنيفسكي جرعات كبيرة من الخمر وهو يؤكد بين حين وآخر قائلا: «أم تي في،MTV أكثر أهمية من الناتو».

وكانت تلك اللحظة في آخر عهد إدارة كلينتون عندما كان المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون قد توصلوا إلى اتفاق في طابا، وترك لشيمعون بيريز وياسر عرفات أن يحددا التفاصيل في دافوس. والقى عرفات، محذرا من مجيء الكارثة، خطابا مروعا قرأه من ورقة كان يحملها بيدين مرتعشتين وهو يدين «العدو الصهيوني». أما بيريز فقد ترك ليعلق قائلا: «اعتقدت إنني قادم إلى زفاف وبدلا من ذلك واجهت طلاقا».

وكنا زوجتي وأنا منكمشين خوفا ونحن نشهد محادثة عام 2004 في حفل استقبال بين محمد البرادعي رئيس اللجنة الدولية للطاقة الذرية ونائب الرئيس ديك تشيني، فيما كان الأميركيون والبريطانيون قد عقدوا في حينه صفقة مع القذافي من أجل التخلي عن قنبلته النووية. وبطريقة جدية سأل البرادعي تشيني عن الوقت الذي يمكن أن تقدم فيه معلومات إليه حتى يتمكن من التوثق من نزع أسلحة ليبيا. وبطريقته الانفرادية رفض تشيني هذا الطلب المقدم من جانب أكبر مسؤول نووي، عبر إجابة مثل «عندما يحين الوقت»، ومضى متجنبا المزيد من الحديث. وعلى غداء في وقت لاحق مع تشيني لم احظ بجواب عندما سألت تشيني عن الكيفية التي يتوافق بها دعم الولايات المتحدة أغلبية شيعية في العراق متحالفة مع إيران مع مصالح واشنطن.

وفي السنة نفسها قال ابن القذافي، المرجح لخلافته، في مقابلة معه إنه قبل بـ«الحقيقة التاريخية» للهولوكوست، لأن «السوفيات هم الذي حرروا تلك المعسكرات ونحن نثق بما قالوه». كذلك أشار إلى حاجة العالم العربي للديمقراطية، لأن غيابها جعل الجيوش العربية أقل شأنا مما لدى إسرائيل. ففي إسرائيل، حسب قوله، يعتبر رئيس الوزراء المنتخب مسؤولا في حالة الفشل. لذلك هم يحصلون على أفضل الجنرالات، اما في العالم العربي فإن أعلى الجنرالات يتم اختيارهم على أساس الأقل استعدادا للتخطيط لانقلاب عسكري ضد الزعيم».

وحينما وصل الإصلاحيون في إيران إلى نقطة الانهيار، قبل وصول أحمدي نجاد إلى الحكم، فشل لقاء كان مخططا له مع كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني في فندق بلفدير، بعد عدم قدوم المسؤول الإيراني إليه. مع ذلك كان السيناتوران جوزيف بايدن وبيل ريتشاردسون يلتقيان به صدفة، حينما كان ممثلا لبلده في الأمم المتحدة، فيجلسان معه ومع عدد من المسؤولين الإيرانيين في المقاهي الممتدة على شارع دافوس لتبادل الآراء.

وفي عام 2000 حضر الرئيس بيل كلينتون افتتاح «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، وبذلك يكون أول رئيس أميركي يشارك في مؤتمر كهذا. وقد كتبتُ آنذاك: «من المفارقة أن حضور كلينتون أعاد صياغة ما كان يعرف لعقود بـ«حلقة الإدارة الأوروبية الدراسية»، باعتبارها وسيلة تساعد زعماء البزنس الأوروبيين كي يتكاتفوا في الرد على ما سماه المؤلف الفرنسي جان جاك سيرفان شرايبر بـ«التحدي الأميركي».

ومن هنا وفي رؤيتي لرحى المعركة الاقتصادية كتبت آنذاك أن «العولمة هي ظاهرة تقودها الولايات المتحدة. وأولئك الذين يجتمعون في دافوس هم خائفون جدا من اقتصاد الولايات المتحدة في غمرة اتساعه تاريخيا، مع غياب كامل للبطالة ومستوى منخفض من التضخم، وهذا بفضل التجارة الحرة والتقدم في مجال تكنولوجيا المعلومات، فيما تجلس كبريات الشركات الصناعية من أوروبا وآسيا وهي تحاول سد الثغرة، بينما ظل صاحب «ميكروسوفت» بيل غيتس وصاحب «أيه أو أل» ستيفن كيس وسمر ريدستون صاحب «فياكو» يقدمون طريقتهم في جمع المليارات من الدولارات ضمن الاقتصاد العالمي الجديد.

كذلك فإن هناك ثورة أخرى بدأت في مجال علم الوراثة، وقد راح الأميركيون يهيمنون عليها في مجال العلماء ومجال واضعي الضوابط لها.

«من قمم الألب يمكن مشاهدة ملامح المستقبل. والمستقبل، إذا كان لندوة دافوس لهذه السنة أي استنتاج، فهو بدون أي شك استنتاج أميركي».

فخلال سنوات التدخل، ابتداء من سياسة بوش الانعزالية، إلى الحرب في العراق، إلى التعذيب في سجن أبو غريب، إلى التنصت غير الشرعي، إلى ظهور العنصرية وعدم المساواة بعد إعصار كاترينا، إلى السياسة العدوانية التي اتبعها اليمين الديني، كل هذه الظواهر شاركت في تشويه صورة أميركا.

نعم تمتلك الولايات المتحدة اليوم زعامتها في مجال التكنولوجيا، فما زال اريك شميت صاحب شركة غوغل وتكنولوجيون أميركيون آخرون يسيطرون على مناقشات دافوس. كذلك هو الحال مع هوليوود حينما تدخلت شارون ستون في إحدى الجلسات قبل عامين، وهذا ما أحرج الأثرياء الحاضرين، حينما أعلنت عن بدء جمع التبرعات للشبكات المعنية بمحاربة الملاريا حينما كانت أفريقيا موضوعا شعبيا رائجا جدا. لكن العولمة، مثلما تشير أجندة دافوس لهذه السنة، توشك أن تقول لنا إن أميركا ما عادت ظاهرة قيادية. وتنتمي العولمة الآن إلى كل شخص يستطيع أن يستفيد من فرصها ويقلل من تنقل الأيدي العاملة. وقد تكون التكنولوجيا الأميركية هي القابلة التي تقوم بتوليدها، لكن الأميركيين ما عادوا الآباء الوحيدين. هذا تحول كبير في مراكز القوى. ومن هنا وحينما تغادر النخبة العالمية دافوس وتحزم حقائبها ستكون هناك رؤية جديدة.

* رئيس تحرير «غلوبال فيوبوينت» والمقال مأخوذ من حوارات له في منتدى دافوس خاص بـ «الشرق الأوسط»[line]
... إلا الدولة المفلسة

زهير قصيباتي

الحياة - 01/02/07//

لم يكن نائب وزيرة الخارجية الأميركية جون نيغروبونتي ضحية زلة لسان وهو يعلن امام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس ان «ايران لن تفلت من دون محاسبة»، «ولا حوار مباشراً معها أو مع سورية». ولم يكن بالتأكيد في معرض المزايدة على استراتيجية الرئيس جورج بوش «الجديدة» في العراق والمنطقة، بل يدشن مهماته نائباً للوزيرة كوندوليزا رايس، بعدما أدى قسطه في العراق سفيراً لفترة، ثم خبيراً في شؤون الأمن القومي للولايات المتحدة، على رأس الاستخبارات الوطنية.

وللذين شككوا في جدية تلك الاستراتيجية، وتشددها مع طهران انطلاقاً من ورطة بوش في العراق، ومع دمشق على خلفية تحالفها مع الجمهورية الإسلامية وتجديد الاتهامات الأميركية لسورية بتسهيل عبور مسلحين الى الأراضي العراقية، والتدخل في شؤون لبنان، تأتي شهادة نيغروبونتي امام الكونغرس لتعلن ان عهد الصقور في الإدارة الأميركية لم ينته بعد، وأن لا مجال لإنهائه قبل نحو سنتين من مغادرة الجمهوريين البيت الأبيض. فسيده الغارق حتى أذنيه بمعضلات بلاد الرافدين، لا يمكنه الاستسلام سريعاً لارتدادات عودة الديموقراطيين الى الإمساك بزمام الكونغرس، وقدرتهم على تعطيل سياساته، متسلحين خصوصاً بما يتكبده الجيش الأميركي في العراق، من دون أي عائد يمكّن بوش من ادعاء تحقيق إنجاز، لا على صعيد وقف أنهار الدم، ولا إنقاذ مشروع «الدولة الديموقراطية»، أو حتى إنقاذ المنطقة من حروب اهلية طاحنة، بدأ بعض الجيران يستعد لها باعتبارها احتمالاً «واقعياً».

لا احد من جيران العراق عموماً يتمنى ذاك المصير – السيناريو، لا سيما ان الجميع يدرك استحالة محاصرة الحريق الكبير. والسبب ذاته يوحدهم – ربما باستثناء ايران – في عدم تشجيع فكرة انسحاب اميركي سريع، بانتظار ان تتمكن قبضة بغداد من التحكم بالحرائق المتنقلة بين احيائها، وبين الشمال والجنوب ووسطهما.

والحال ان الانسحاب السريع للاحتلال والذي تكرر طهران انه المصل الوحيد لاستعادة العراق عافيته، ونقله الى غرفة إنعاش «وطنية» صرفة، هو ما يُقلق المنطقة الى الحد الذي يرسم مشاريع سوداً، تدرك دولها ان الأميركي لن يتحمل معظم ضريبتها.

ولأن عهد الصقور لم يُطوَ بعد في الإدارة الأميركية، ولو تراجعوا الى الصفوف الخلفية، يتضاعف القلق، حتى من خطة عسكرية لضرب ايران، على رغم ان معظم الدول العربية تتملّكه هواجس من نياتها ومن أهداف برنامجها النووي الذي تواكبه برامج لتطوير الصواريخ، وتهديدات بالقدرة على تعطيل الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز.

بين اولئك الصقور الذين لم يحظوا بسمعة الديبلوماسي حتى في الأمم المتحدة، السفير الأميركي السابق لدى المنظمة الدولية جون بولتون المعروف بقربه الى بوش وميله الدائم الى ترجيح ديبلوماسية القوة. وهو لا يخفي اسفه لأن إطاحة النظام الإيراني ليست ضمن اهداف البيت الأبيض الذي فضّل «رسالة» العقوبات على تكرار السيناريو العراقي، مرحلياً على الأقل. ولن يجد بولتون ولا بوش في صفوف الديموقراطيين الذين يضيّقون الخناق على جموح الجمهوريين، من يصفّق لمشروع كارثة اخرى تنزلق إليها الولايات المتحدة في المنطقة، وهذا بالتحديد ما تراهن عليه طهران، فتزداد تصلباً في رفض التراجع عن مشاريع برنامجها النووي، ولا تطمئن في آن الى النيات الإسرائيلية.

لكن ما لا يقوله الديموقراطيون يبوح به بولتون الذي لا يبخل بـ «نصيحة» على الرئيس الأميركي. فما داموا هم يؤثرون السلامة، لا يبقى الهدف الاستراتيجي إنقاذ وحدة العراق «الديموقراطي»، أو مؤازرة جيشه الى ان يتمكن من وقف المذابح المذهبية، ومسلسل القتل الجنوني. ببساطة، اكتشف السفير السابق ان «ليست للولايات المتحدة أي مصلحة استراتيجية في ان يكون هناك عراق واحد أو ثلاثة (لا فارق)... مصلحتنا في ضمان عدم نشوء دولة مفلسة، تتحول دولة ارهابية، او ملجأ للإرهابيين».

إذاً، جديد «مدرسة الصقور» ان كل شيء في المنطقة قابل للقسمة على ثلاثة، وليريح بولتون ضميره «يعترف» بأنه ليس منحازاً الى هيمنة الشيعة أو غيرهم في العراق، فالأمر سيان.

وإذا كان ذلك البلد العربي المنكوب بالاحتلال والإرهاب، والأصابع الطويلة التي تمتد إليه من الخارج، مجرد نموذج، اين تنتهي تلك القسمة، بعدما نعى التعريب ذاته في بلاد الرافدين؟[line]

castle
02-02-2007, 04:45 AM
مختار لماني : كنت في حماية الأكراد.. ورسائلي تعرضت لتدخلات

ممثل الجامعة العربية يكشف لـ«الشرق الأوسط» أسرار استقالته من رئاسة بعثتها في بغداد * لا تصدقوا قصة الطائفية فالعشائر الجنوبية الشيعية تشكو من التغلغل الإيراني * أقمت بالمنطقة الحمراء وحين طلبت جهاز فاكس للاتصالات المأمونة لم يصلني حتى لحظة المغادرة

عبد المنعم مصطفى

كشف مختار لماني، ممثل جامعة الدول العربية في العراق، عن تفاصيل مثيرة وخطيرة عن الوضع الداخلي في العراق محذراً من غياب الدور العربي، وتحويل عدة أطراف خارجية للأرض العراقية كساحة للاقتتال والاحتقان الطائفي. وتقدم لماني باستقالته للأمين العام لجامعة الدول العربية قبل يومين، بعد عمل استمر في العراق نحو سنة كاملة، تمكن خلالها من إجراء اتصالات مع كافة الأطراف العراقية، وأكد أن الإدارة الأميركية ارتكبت خطأ فادحاً بحل مؤسسات الدولة واجتثاث حزب البعث وحل الجيش، مشيراً إلى أن تقرير بيكر ـ هاملتون، لا يخدم في النهاية غير المصالح الأميركية، وقال إن الحالة في العراق معقدة ومرشحة لمزيد من التعقيد، إذا استمرت دول الجوار في تغذية الطائفية على حساب مصلحة الشعب العراقي، مشيراً الى ان أعمال التهجير والقتل على الهوية لم تعد بين طائفة وأخرى بل امتدت إلى الاقتتال داخل الطائفة الواحدة وبعضها البعض.. «الشرق الأوسط» التقت بـ«لماني» في القاهرة أمس وأجرت معه هذا الحوار:
* كيف تركت الوضع في العراق؟

ـ الوضع في العراق وضع مأساوي.. لم أر أزمة في العالم وصلت تعقيداتها للتعقيد الحالي الذي وصلت إليه الحالة في العراق.. عندك ثلاثة مستويات أساسية.. المستوى الأول هو علاقات العراقيين بين بعضهم البعض وخطورتها.. العراقيون غير متفقين حتى على تشخيص ما هية المشاكل بينهم.. ثاني شيء هناك حالة انعدام ثقة تامة بين كل العراقيين.. وقضيت الشهور الأربعة الأولى هناك كمستمع لأفهم الوضع في العراق.

* هل يمكن أن نقسم تلك المستويات على الأرض؟

ـ قسمت الناس الذين استمعت إليهم لأربعة مستويات.. سياسيون وعلماء دين ورجال العشائر والمجتمع المدني بما فيه الأكاديميون والمفكرون .. السياسيون كانوا أيضاً ينقسمون إلى قسمين.. السياسيون الذين آمنوا بالعملية السياسية ودخلوا فيها وشاركوا في الانتخابات والدستور، والسياسيون الذين رفضوا هذه العملية السياسية.. في فترة الأربعة أشهر الأولى لاحظت بعدما استمعت لكل الأطراف العراقية.. انهم مشغولون بما يريدون أن يأخذوه من العراق.. وليس بما يريدون أن يقدموا له.. ولاحظت ايضا وبصفة خاصة لدى السياسيين ان شعور كل طرف بطائفته أو قوميته أقوى من الشعور بعراقيته.

* هل يستطيع العراقيون تحصين بلدهم بتوافق داخلي؟

ـ أنا مقتنع أنهم لا يستطيعون لأنهم الان في حالة احتقان وردود فعل.. ولا توجد ثقة.. كل واحد يرد فعل على الثاني.. أكيد يحتاجون مساعدة من الخارج.. وحدهم لن يستطيعوا.. على الأقل في الظروف الحالية، وأعتقد أنني كنت من القلائل إن لم أكن الوحيد في العراق الذي له اتصالات مع كل الأطراف العراقية من المقاومة للحكومة لهيئة علماء المسلمين..

* هل هناك مقاومة عراقية حقيقية بالمعنى الذي نعرفه؟

ـ نعم فيه مقاومة..فيه..

* ماذا تستهدف هذه المقاومة .. الاحتلال.. أم أنها تستهدف طائفة أم تستهدف ماذا ؟

ـ هناك مقاومة قدمت من البداية على أساس أن البلد محتل.. دخل فيه جيش محتل وتريد أن تقاوم هذا الاحتلال..

* وهل هي مقاومة إسلامية أم قومية أم ماذا..؟

ـ فيها كل شيء لأن هناك منظمات عديدة ومتعددة.. هناك الأسلحة كثيرة.. أحياناً تجد مجموعة من عشرة أشخاص.. وبعض المجموعات عبارة عن عشرات أو مئات من الأشخاص.. لن أذكر أسماء، لكن هناك مجموعات كبيرة منظمة انخرطت في المقاومة نتيجة الأخطاء الرهيبة التي ارتكبها ممثل الإدارة الأميركية خلال فترة بريمر، الذي حل مؤسسات الدولة وموضوع اجتثاث البعث وحل الجيش، فالناس لم تجد أمامها حلا إلا أن تقاوم.. بلدهم يعرفونها جيدا، نوعية الأسلحة فيه موجودة.. المقاومة موجودة وموجود غيرها هناك عصابات وموجودة كذلك ميليشيات.

* هل هذه المقاومة تحارب بأسلحة صدام؟

ـ ليست لدي معلومات دقيقة لكن أبسط شيء في العراق ممكن تحصل عليه هو الأسلحة.. تشتري من أي سوق عبوات ناسفة ومسدسات.. هذا موجود..

* ما هي اكثر جماعات المقاومة تنظيماً وفاعلية هل هي البعثية.. أم القومية.. أم الإسلامية؟

ـ أعتقد هناك قدماء الجيش وهناك السلفيون كذلك، وهذه مقاومة في المناطق الغربية أساساً.. وأعتقد أن ما يوحدهم هو أن هناك هدفا لديهم، لكن ما يخيفني أنا هو أن المشكلة الآن في العراق ليست فقط في وجود الاحتلال، وانما التداعيات التي حصلت.. بالذات ما يخص الاحتقان الطائفي والتهجير القسري والقتل على الهوية وهو ما ذكرته في رسالتي للأمين العام (للجامعة العربية).. كل طائفة من طوائف العالم أو كل دين أو كل قومية، هناك أغلبية طيبة تريد أن تعيش ويوجد متطرفون دائماً في الأطراف.. لما الغلاة يكونون في الأطراف هذه مسألة صحية.. وبالرغم من كمية التطهير العرقي وغيره، إلا أن الشيعي والسني المتجاورين المتعايشين يدافعان عن بعضهما كجيران.. من يأتي للتطهير العرقي، سواء من هذا الطرف أو ذاك، يأتي من الخارج.. هذا نوع من أنواع الانتقال بالغلاة من الأطراف إلى المركز وهذا خطر جدا..

* هل كان للقادمين من الخارج مثل الزرقاوي السلفي المتشدد وعناصر الحرس الثوري الإيراني التي تسللت الى العراق.. هل هاتان الجماعتان ساعدتا على التطرف الشيعي المسلح والتطرف السني.. يعني هل ورطا أتباع المذهبين داخل العراق؟

ـ أكيد الجهات الخارجية لها دور.. يعني الزرقاوي أو غيره .. لكن الآن هناك منظمات عراقية متطرفة جداً سواء لهذه الطائفة أو تلك، وصار التهجير حتى داخل نفس الطائفة، وبعض عناصر «القاعدة» يهجرون من المقاومة لأنهم بعثيون يقولون علمانيون.. ونفس الشيء ظهور جند السماء في النجف.. وهذه هي الخطورة لأن الأمر يبدو كأنه بين سنة وشيعة لكن هذا مقدمة.. الشيعة سيأكلون السنة والسنة سيأكلون الشيعة وتعم الفوضى إذا لم يتم تدارك هذا الموضوع.. والعراقيون يحتاجون الى المساعدة لتدارك هذا الأمر.. يجب على العراقيين ودول الجوار أن يفهموا أن تحصين العراق هو من الداخل ويكون خطأ قاتلاً إذا اعتقد كل طرف أن يحصن طائفته فقط..

* إلى أي مدى تعتبر دول الجوار مسؤولة عما يحدث في العراق؟

ـ لاشك أن هناك مسؤولية سواء لتورطها وتغلغلها، أو لتخندقها، أو لتفرجها.. المتفرج يتعامل خلال السنين الماضية وكأن العراق موجود على سطح القمر.. أما الذي تغلغل فقد تغلغل، وفق أجندات سوف تحرقه هو نفسه.. يحتاج العراق إلى وقفات من نوع مختلف.. دعك من المؤتمرات والكلام الفاضي.. والبيانات الجميلة.. مطلوب وقفات إقليمية ودولية لمساعدة العراق..ويجب على أطراف كثيرة أن تراجع مواقفها. ومن هذه الأطراف الولايات المتحدة الأميركية.. أميركا لها مسؤولية خاصة..

* في أي اتجاه يتعين أن تكون مراجعة أميركا لمواقفها برأيك؟

ـ قابلت بيكر ولجنته وتحدثنا مطولاً.. وما أتخوف منه الآن أن الملف العراقي صار ملفا مركزيا لأميركا وانتخاباتها لكن اكثر ما يخيفني هو أن مراجعته تكون وفق مصلحة أميركا وليست المصلحة العليا للعراق حتى بالنسبة لعملية الانسحاب أو عدم الانسحاب تكون لأن بعضهم يقول إن أولادنا (أي الأميركيين) يموتون هناك، ولا يطرح أحد المأساة في العراق..

* دعنا ننتعل حذاء الرئيس الأميركي بوش ونتحدث عن المصلحة الأميركية كما تراها أنت كإنسان عاش في العراق وراقب عن كثب كافة عناصر المعادلة العراقية في السلم والحرب؟

ـ مما لاحظته وكنت شاهداً عليه بعد انتخابات الكونغرس الأميركي، لا أعتقد أن المشكلة ستحل من خلال إضافة جنود أميركان، لسبب بسيط جداً هو أنه إضافة 21 ألف جندي إلى الـ 130 ألف جندي الموجودين في العراق أي نحو 150 ألفا لن تغير في الامر شيئاً، وبمقارنة عدد قوات التحالف عام 2005 كانوا 160 ألفا وكان الوضع أسوأ من هذا.. أميركا تتحمل مسؤولية كبيرة جداً..

* هل تعتقد أن تقرير بيكر ـ هاملتون كان قريبا من تصورك هذا ؟

ـ التقرير تضمن عناصر إيجابية كثيرة جداً لكن المنطلق الأساسي فيه هو المصلحة العليا لأميركا.

* بالنسبة للأطراف الإقليمية.. العرب وايران كيف ترى مواقفهم ؟

ـ اكتفاء العرب بالتفرج اللامسؤول بهذه الطريقة شيء مشين وليس لمصلحتهم، وإيران نفس الشيء يجب أن تراجع موقفها لأنها تستثمر حالة الفراغ في العراق للتغلغل بهذا الشكل وتريد أن تقيم علاقات مع بعض الأطراف بهذا الشكل وتلعب دورا.. هذا ليس في مصلحتها، وقد ابدى عدد كبير من الناس ومن العشائر من المناطق الجنوبية ممن كانوا يزورونني تذمرهم الواضح من التغلغل الإيراني وطريقته.. هذا لأن العراق مستباح نوعاً ما ، ولا توجد أية مراقبة للحكومة، إضافة للمشاكل الموجودة داخل الحكومة نفسها.. لا يوجد تناسق حكومي.. وهذه المحاولات التي كانت تهدف لإنشاء أغلبية معتدلة.. كل محاولات الإصلاح مالت للترقيع سواء على الصعيد الداخلي بين العراقيين أو على المستوى الإقليمي، وأعتقد أن انهيار العراق سيحرق الأخضر واليابس.

* كيف بدأت مهمتك في العراق؟

ـ مكثت نحو 3 أشهر متنقلاًً في كل أرجاء العراق لأفهم الوضع. ولم تكن لدي أوهام بأنه ستكون هناك إمكانيات.. كانت البعثة تتكون من شخصين، أنا وآخر، مقارنة ببعثة الأمم المتحدة التي لها 4 مراكز في أربيل وبغداد وفي عمان 500 موظف وطائرات وإمكانيات.. يعني لا يمكن أن تقارن ما بين هذا وبين وضع بعثة الجامعة، إضافة إلى أنني اخترت أن أقيم في المنطقة الحمراء التي تشمل كل العراق ما عدا المنطقة الخضراء..لتسهيل التواصل مع كل الأطراف العراقية حيث لا أمن ولا أي شيء.. السيد هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي قام مشكورا بتوفير حراسة خارجية للبيت من قوات البشمرجة (عناصر مسلحة كردية)، لأن المنطقة كلها.. كنا نسكن في حي اسمه منطقة السكك في الصالحية، هي منطقة وزارة الخارجية.. في العراق لكل وزير جماعة حراسة خاصة به من جماعته.. المنطقة التي كنا بها كلها كان يحميها البشمرجة.. «حاجة مليحة» أن تكون ممثل العرب وفي حماية الأكراد. كانت تجربة جديدة تماما بالنسبة للجامعة العربية فهي المرة الاولى التي يكون لها موفد دائم الى منطقة نزاع، وعلى مدى ما يقرب من عام امضيته تحت الخطر لم تكن لدي سيارة مصفحة في بلد تقتل فيه التفجيرات عشرات الابرياء كل يوم وتعمل فوق ارضه عشرات التنظيمات المسلحة المتنافسة، طلبت سيارة مصفحة ولم اتسلمها الا بعد سبعة أشهر، ايضا لم تكن لدي أية وسيلة آمنة للاتصال بالجامعة العربية، وكانت العديد من الرسائل التي أحاول إرسالها لمقر الجامعة في القاهرة تتعرض لتدخلات من عناصر مختلفة.. احذف هذه ولا ترسل هذه الفقرة، وهكذا.. طلبت فاكس مشفر يتيح لي إرسال المكاتبات بدون تدخل من الآخرين، لكن الجامعة لم تتمكن من إرساله حتى لحظة عودتي، كنت اعيش تحت الخطر ولا أبالي، تعرضت لتحرشات مسلحة وتهديدات لكن المخاوف الأمنية لم تكن أبدا سببا لعودتي والا لعدت قبل شهور من الان.

* في المذكرة التي أرسلتها للجامعة العربية كانت لك ملاحظات معينة، هل يمكن أن نستعرض هذه الملاحظات؟

ـ لا أعرف لماذا هذه الضجة الإعلامية ولا كيف تم تسريبها، هي مذكرة منطلقة من القلب عما كنت شاهداً عليه.. شعور بأننا في مفترق طرق ما أنا مطالب بتقديمه ليس في يدي ولا أريد أن أكون متفرجا، الامر الذي ترك لدي شعورا بالقهر.. استعرضت فيها كيف أرى الوضع في العراق.. مشاكل أهل العراق.. والظروف التي ذهبت فيها.. وأبلغت السيد عمرو موسى الأمين العام أنه للأسباب المذكورة لا أرى أي توجه حقيقي لمعالجة الموضوع، وبالأساس أنا ركزت على الوضع العربي بحكم أنني ممثل الجامعة العربية وأنني قررت أن أنسحب من هذه المهمة.

* يعني المذكرة كانت استقالة مسببة؟

ـ لا كان قرارا نهائيا بألا أبقى.. حصلت استقالات من قبل.. أخذ ورد في مرات عديدة، لكن العلاقات كانت طيبة مع كل الأطراف العراقية..

* لو افترضنا أن فيه شروطا محددة لتعود إلى العراق، فما هي هذه الشروط؟

ـ أعتقد أن الذهاب للعراق وخدمة العراق بالشكل الذي كنت عليه شرف لي وإذا أتيحت لي الفرصة أذهب مرة ثانية وثالثة.. لكن بشرط وحيد أن تكون الأمور في اتجاه المساعدة الحقيقية لأهل العراق لمساعدة بلدهم من الداخل. وكما تعرف فان علاقتي بالعراق بدأت منذ 1991 واتمنى ان استطيع ان اقدم شيئا لكننى لن اذهب من اجل ان اصب الماء فوق الرمال ليضيع سدى، فالعراق في اللحظة الراهنة ربما وصل الى طريق مسدود وبات ساحة صراع بين قوى خارجية على ارضه وهذا خطير جدا.

* هل ترى ثمة أمل في اللحظة الراهنة ام ان الصورة قاتمة والطريق مسدود؟

ـ هناك مشروع سياسي فاشل.. لا مصالحة نجحت ولا أي شيء ناجح.. وهناك من الاطراف الاقليمية من تخندق وهناك من تغلغل وهناك من اكتفى بالفرجة وكأنه بمنجى عن آثار ما يحدث في العراق ..وهذا واقع.. وضع أمني كارثي، وكارثي ووضع معيشي كارثي.. سكان بدون كهرباء بدون مياه بنيان المجتمع العراقي مضروب في العمق.. معدلات الناس التي تهاجر يومياً 3 آلاف عائلة.. لكن أن يصل الأمر إلى الأقليات الصغيرة كالمسيحيين.. الكل يعاني.. وأن تصل الأمور إلى مثل هذه الدرجة يصعب أن تعود إلى ما كانت عليه.. وهذا مع الوضع الأمني ومع المشروع السياسي مع إعادة البناء.. ما يحزنني هو أن الوجود العربي لم يكن على المستوى.. حتى أنني ذهبت إلى هناك بدون أية إمكانات..القرار الذي ذهبت بموجبه للعراق ينص على الوجود الدبلوماسي العربي، وخلال سنة رأيت الكثير من الدول عينت دبلوماسيين لكن طلب منهم الإقامة في عمان، رغم أن لديهم إمكانات أمنية ومادية.. لم يكن هناك أي شيء في حقيقة الأمر يمكن تقديمه.. وقناعتي أن علاقاتي الطيبة مع كل الأطراف العراقية لن تحل المشكلة لأنني أصبحت مثل الراهب الذي يقدم النصح، لكن الأمر يحتاج إلى المشاركة في المفاوضات وهذا ليس بيدي بل بيد الدول، ولم يكن يلوح في الأفق أن تلك الدول ستلعب دوراً في التقريب بين العراقيين، ولدي قناعة أن هذا لن يحدث.

* كنت موفداً عربياً لجامعة عربية في بلد عربي وتتحدث عن أنه ينبغي أن نعمل الكثير من أجل الأمن والحوار والمصالحة.. لكن هل هناك آلية عملية يمكن أن تحقق الحوار والمصالحة والأمن؟

ـ هناك مشاكل كثيرة وكبيرة ولا توجد عصا سحرية لتجميع كل تلك المشاكل وحلها دفعة واحدة، لكن يمكن بالتركيز على المشاكل الأقل صعوبة.. وتحقق فيها نجاحا ميدانيا ينعكس بالإيجاب على إعادة بناء الثقة بين الأطراف، وتجميعهم، لأنك ستتعامل مع كل الأطراف وحولك أجندات محيطة بك سواء داخلية أو خارجية، على أساس أن يكون الخط الأساسي هو تحصين العراق من الداخل، وترحب بكل من يمشي في هذا الاتجاه بما في ذلك إيران وتركيا والدول العربية، وأن يكون الفيصل في العلاقات مع الأطراف الخارجية والداخلية هو التحصين الداخلي، لأن الخطوة بهذا الشكل ستحمي العراق من الاتجاه الذي يسير فيه الآن وهو اتجاه سيصبح فيه العراق أكثر فأكثر ميداناً لصراعات الآخرين، فيجب عكس هذا التوجه.. النيات الطيبة بالأمانة العامة (للجامعة العربية) للتعامل مع العراق لن تمكن وحدها من عمل شيء، وعندنا أمثلة كثيرة في التاريخ على نتائج العمل بالنيات. إذا لم تكن هناك عزيمة سياسية قوية من الدول، وأذكرك بأخينا الأخضر الإبراهيمي في لبنان، في إطار الجامعة العربية، لم يستطع أن يعمل شيئا في لبنان إلا بعد قمة الدار البيضاء، التي شكلت له هذه الآلية حيث كان لديه تفويض كامل من الدول العربية والتي كانت مشكلة من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد والملك الراحل الحسن والرئيس الشاذلي بن جديد، وأعتقد أنه بعد تشكيل هذه اللجنة لم تأخذ المشكلة اللبنانية من الأخضر الإبراهيمي إلا نحو تسعة شهور، لإنهاء الحرب الأهلية.. العراق معقد عشر مرات أكثر من لبنان.. الأبعاد الدولية.. طبيعة الجوار.. الأطراف العراقية ذاتها.. كل ذلك يتطلب وقتا أكثر وإمكانيات أكثر.. خاصة الارادة السياسية والتباحث مع الآخرين.. لم يكن يمر أسبوع إلا ويأتيني استرالي أو إيطالي يريد الاطلاع على الوضع في العراق، أما العرب.. فلم يأت منهم أحد ولم يسأل أحد، إلا منذ نحو أسبوع تلقيت طلبا من دولة الإمارات..

* هل تعتقد ان ثمة مشكلة في الإجابة عن سؤال مع من نتحدث في العراق.. سواء من قبل الحكومة أو الفصائل الاخرى؟ ربما كانت هناك بعض الرموز والفصائل التي تعوق الحوار؟

ـ هذه مشكلة بسبب تعدد المصالح والبرامج والفصائل.. هناك نحو 400 أو 500 حزب سياسي مسجلة في العراق 99% منها لا يزيد عدد اعضاء كل منها عن 3 أشخاص.. وكان قد طلب مني تنظيم بعض اللقاءات بين هيئة علماء المسلمين والسفير الأميركي زالماي خليل زادة ، ووافق الشيخ حارث الضاري بشرط ان اكون حاضرا في هذه اللقاءات، لكنهم عادوا وقالوا بعد أن غادرت العراق إنهم لن يقيموا أية اتصالات مع السفير الأميركي.

* وهل تعتقد ان هناك رموزا للعمل السياسي في العراق حالياً على موعد مع لحظة تاريخية لإنجاز سلام حقيقي في بلادهم؟

ـ للأسف الشديد ما كنت شاهداً عليه هو أن كل طرف لا يفهم ما يحدث.. رغم أن هناك شخصية محترمة في المشهد السياسي.. رأيت كفاءات عالية جداً من كل الأطراف، وهم أنفسهم يعانون.. لكن داخل كل طرف فيه تشرذمات، وداخل كل شرذمة تشرذمات أخرى. الميليشيات على سبيل المثال أعمار معظمهم تتراوح بين 17 و18 سنة، وأذكر حين قتل أحد الأشخاص بعدما قيل إنهم ضبطوه وكان يحاول تفجير مرقد احد الائمة، تم قطع رأسه، وتسليمها للاطفال للعب كرة القدم بها لعدة ساعات..! فكيف سيكبر هذا الجيل بمثل هذه المشاهد.. ميليشيات توقف الناس في الشارع وتقتل على الهوية، رغم أن العائلات من السنة والشيعة المتزاوجة من بعضها البعض لا تقل عن 30% وهي نسبة كبيرة.

* هناك قمة عربية، وبصفتك المسؤول السياسي العربي الوحيد الذي عاش داخل بغداد على مدى عام، فما وصفة العلاج التي يمكن ان تقدمها للقمة العربية؟

ـ هناك بعض الخطوط العريضة، أول شيء هو تغيير طريقة التعامل مع العراق.. لا توجد طريقة عربية للتعامل مع الوضع العراقي منذ 2003 حتى الآن، وأخشى أن يكون الوجود هناك لمجرد مجابهة طرف آخر، وحتى الآن لا توجد قناعة عربية بوضع استراتيجية للتعامل مع الوضع العراقي، ومن الصعب ان توجد مثل هذه القناعة، لأن الأمر يتطلب النظر إلى العراق على أنه جزء لا يتجزأ من المنطقة بما فيها من فسيفساء عرقية ومذهبية.. الأمر لا يحتاج فقط للعمل العربي الرسمي لا بد من تحرك على كافة المستويات.

castle
02-02-2007, 05:17 AM
يا فخامة الرئيس

د. عائض القرني

الشرق الاوسط

على إسرائيل أن تطمئن ولا تخاف من مفاعلات إيران النووية، فلن تكون إيران أغْيَر من العرب على أرض العرب، ولن تكون أحرص على أرض الإسلام من سلالة المهاجرين والأنصار، وما دام العرب عجزوا عن فتح بيت المقدس، فإيران أذكى من أن تورّط نفسها في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. وبيت المقدس في التاريخ الإسلامي فُتِح مرتين على يد قائدين مسلمين عظيمين صالحين هما: عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي تجمعهما التقوى والزهد والعدل والشجاعة، ولن يفتح بيت المقدس إلا قائد تقي زاهد عادل شجاع، ولا يفتحه قائد جاء على دبابة الاستعمار فلا بد للفتح من نكاح لا سفاح، وفي الحديث الصحيح: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وغالب الرؤساء تولّوا برتبة عريف، فكان أول مرسوم لهم أن ترقوا إلى رتبة فريق، اقتباساً من الآية (فريق في الجنة وفريق في السعير)، أما الجيوش العربية فغالبها متهيئة للانقلابات في بلادها، فكل دولة عربية في الغالب تتربص بجارتها وتتوعّدها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، وغالب الشوارع العامة في الدول العربية مرفوعة فيها أقواس النصر وصور القائد الرمز الملهم الضرورة، حتى أني دخلتُ بلداً عربيّاً، وإذا صورة الرئيس القائد على الجسور وعليه النياشين والنجوم، وعيناه كعيني الصقر، وهو يشير بيده للجماهير كأنه ليث كاسر وتحت قدميه عبارات سر بنا إلى الأمام، يا حبيب الملايين، ويا نصير المستضعفين، مع العلم أن ثلث الشعب من المشرَّدين، والثلث الآخر من المسجونين، والثلث الباقي يبيع الحلقوم والجوارب على طريق السالكين:


* وحـدويّون والبلاد شظايـا ـ كل جزء ... من جسمهـا أجزاءُ
* ناصريّون نصـرهم أين ولَّى ـ يوم داست على الخدود الحذاءُ؟
* ماركسيّون والجماهير جوعى ـ فلمـاذا.. لا يشبـع .. الفقـراء؟

والعرب مشغولون بذكرى أعياد كبرى، مثل ثورة 7 تموز، يوم أكل الناس قشر الموز، وثورة 9 كانون يوم ذاق الشعب النون وما يعلمون، و5 آب يوم سفَّت الجماهير التراب، وهذه الثورة المجيدة تمّت بمؤامرة لاغتيال الرئيس السابق في آخر الليل، وبهذه الطريقة صار العرب نكرة في المحافل الدولية:

* ولا يجوز الابتداء بالنكره ـ ومن أجاز ذاك فهو بقره.

والعرب شجعان في الحروب الأهلية أو مع جيرانهم العرب، ففتح وحماس، في كرب وباس، كل يحطّم رأس أخيه بالفأس، وحزب الله وعدنا بنصر الله في القدس، فإذا القتال في بيروت تحت شعار (إذا جاء نصر الله والفتح)، والسودان يفور، من الخرطوم إلى دارفور، كأنه على دافور، وقادة الجهاد السبعة في أفغانستان تقاتلوا في ما بينهم، وكل منهم مجاهد شهيد، وخصمه منافق رعديد، والسلاح العربي غالبه (خردة) انتهت صلاحيته؛ لأنه بيع في عهد برجنيف وبعضه من عهد ديغول، والجماهير تصفّق بمناسبة افتتاح مستوصف في قرية من القرى وفتح طريق مسفلت طوله 3 كم، وكثيرٌ من الشباب عاطل عن العمل بعدما أكمل دراسته إلى رابعة ابتدائي ليلي من محو الأمية، وأخذ كل شاب هراوة بيده، وهم يرقصون ويرددون (الحسود في عينه عود)، وما أدري من هو هذا الحسود الغبي الذي حسد العرب ولم يحسد أهل الاختراعات والاكتشافات، والذين احتلوا المريخ وعطارد بعدما احتلوا البحار والقفار، وأنزلوا حاملة الطائرات (إيزن هور) في مياه الخليج لتحمل مائة طائرة وكل مسمار من مساميرها كتمثال فخامة الرئيس، إذاً فعلى إسرائيل أن لا تخاف حتى يظهر مثل عمر وصلاح الدين؛ لأن الماركة مسجّلة والبضاعة لا بد أن تكون من شركة مكّة الربانيّة النبوية، عليها دمغة: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) تربّوا في (بيوت أذن الله أن تُرفع) وهم من كتيبة (يحبهم ويحبونه) العلامة الفارقة (سيماهم في وجوههم)، والأمة التي رُزِقت عادل إمام سترزق بإمام عادل. [line]
واشنطن كانت تراهن على إستراتيجية معزولة عن الواقع ...

مذكرات ضابط أمريكي درب الشرطة العراقية تكشف ما لم يعلنه البنتاجون

واشنطن - أحمد محسن :

الجمعة ,2 فبراير 2007

الشرق القطرية

نشرت صحيفة «بوسطن جلوب» الأمريكية على حلقات أجزاء من مذكرات كتبها الكابتن في الجيش الأمريكي فيليب كارتر أثناء وجوده في العراق حتى منتصف 2006، وكارتر سبق ان عمل في الشرطة العسكرية ثم حصل على شهادة في القانون من جامعة ولاية نورث كارولينا بعد انتهاء خدمته، وحيث إنه كان ضمن قوائم القوات الاحتياطية فإنه تلقى عرضا من وزارة الدفاع بالعودة الى الخدمة، والذهاب الى العراق لتدريب قوات الشرطة العراقية، وقبل كارتر وذهب الى العراق حيث حرص ان يسجل ملاحظاته يوما بيوم، وتميزت مذكرات الضابط بأنها تبتعد عن الشعارات الخرقاء عن تفوق الولايات المتحدة ومهمتها النبيلة في العراق، وانها تنقل صورة دقيقة لما يحدث داخل قوات الشرطة العراقية التي باتت جزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل كما تدل أوضاع العراق الراهنة.

ويقول كارتر في هذه الشهادة المهمة التي قدمها للتاريخ ان المشكلة الأساسية عن تناول قضية تدريب قوات الأمن العراقية هي النظر الى هذه المهمة بمعزل عن بقية معطيات الموقف العام في العراق، ذلك ان هذا الفصل بين الأمرين ادى الى انتشار افتراضات لا علاقة لها بالواقع تتلخص في امكانية تدريب قوات الشرطة في جزيرة معزولة والدفع بها لإنجاز مهمتها وكأن أفرادها غير مستمدين اصلا من المجتمع العراقي، وفيما يفسر ذلك في تقدير الضابط الأمريكي تسلل الاستقطابات الطائفية والسياسية التي تتفاعل خارج جهاز الشرطة الى داخل صفوفه، فإن الأمر كما يراه لا يقتصر على ذلك الاستنتاج المنطقي، ولكنه يتجاوزه الى أمور أخرى منها فهم جهاز الشرطة لوظيفته وفهم أفراد المجتمع خارجه لهذه الوظيفة قبل الحرب وبعدها، بل وفي بلدان أخرى بالمنطقة.

ويقول كارتر ان العلاقة بين القانون وحدوده واحترام هذه الحدود من جهة وجهاز الشرطة من الجهة الأخرى كانت دائما علاقة باهتة ذلك ان الشرطة في تقديره لم تكن ابدا تقيد نفسها بحدود تطبيق القانون، وهي الحدود التي ينبغي ان يفرضها النظام العام للمجتمع، إلا أن هذه الحدود لم تفرض كما ينبغي في أي وقت، ومع غياب النظام العام للمجتمع، بل الانقسامات الطائفية التي بدأت تشق هذا المجتمع، كان من المستحيل اصلا حمل الشرطة على احترام وظيفة لم ترسخ في أي وقت سابق بالعمق الكافي في الوجدان الاجتماعي وفي نظرة رجال الشرطة الى دورهم الاجتماعي.

ويسوق كارتر في معرض تدليله على وجهة نظره قصصا متعددة منها ما حدث ذات يوم حين كتب في مذكراته: بدأ هذا الصباح بمهمة بدت سهلة في الليلة السابقة حين بدأنا تخطيطها، وكانت تلك المهمة هي اصطحاب مجموعة من المجندين الجدد لجهاز الشرطة من بعقوبة الى السليمانية حيث يقع مركز تدريب رجال الامن.

ويضيف: كان علينا «أي أفراد القوة الأمريكية» ان ندرب رجال الشرطة العراقيين على كيفية حماية ركب المجندين الجدد الذي كان عليه ان يقطع رحلة تقل قليلا عن 200 كيلو مترا وفي الصباح استيقظنا لأداء المهمة الا ان رجال الشرطة العراقيين ظلوا نائمين، وقرر السيرجانت المرافق ألا يوقظهم وان علينا نحن ان نؤدي المهمة، كان هذا القرار تعبيرا عن الاستياء بعد انتظارنا لهم لمدة قاربت الساعة، وهكذا انطلقنا نحن لمرافقة موكب المجندين الجدد، بعد ذلك استيقظ الجنود العراقيين وسارعوا للحاق بالركب وكانت قد مرت قرابة 30 دقيقة على بدء رحلته، ويقول كارتر حين وصل العراقيون اكتشفنا انهم نسوا ان يحضروا معهم الوقود الضروري لاحتياج الرحلة وسألت قائدهم ان كان قد احضر معه المال الذي صرف له أمس لشراء الوقود فهز رأسه بالنفي، الا انه ابتسم بعد ذلك قائلا: لا تقلق، ويتابع كارتر: وحين صادفنا اول بائع للوقود فوجئت برجال الشرطة العراقيين يحاصرونه هو ورجاله، ثم استولوا على ما معه من وقود تحت تهديد السلاح، ووضعوا صفائح الوقود فوق سياراتهم، ثم ما لبث الضابط أن أتى لي مبتسما وهو يقول: معنا الآن ما يكفي ويزيد من الوقود ولم أرد»، وكان الرهان الذي ردده وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد هو امكانية تدريب القوات العراقية بقدر يسمح لها بتولي مهام اعادة الامن ومن ثم رفع العبء عن القوات الأمريكية، ويقول كارتر انه كان يشعر بالدهشة الشديدة كلما سمع ذلك، إذ بدأ له أن الوزير لا يعرف شيئا عما يحدث بالفعل على الأرض، ويوضح الضابط ذلك بقوله انه ترك العراق وهناك 188 الف ضابط وجندي عراقي ممن تلقوا التدريب على أيدي الأمريكيين، وان هذا العدد الإجمالي موزع على 27 كتيبة من كتائب الشرطة، إلا أنه يضيف: من هذه الكتائب اثنتان فقط بوسعهما العمل ميدانياً وهناك كتيبة تم تجميدها بسبب تورطها في أعمال قتل طائفي، اما بقية الكتائب فإننا كمدربين نعرف انها غير جاهزة للعمل، وانها لو ذهبت الى الشارع فقد تسبب اضرارا بالأمن لا ان تعمل على استعادته. ويقص كارتر واقعة أخرى حدثت خلال عمله في محافظة دياله حيث تمكنت قوات الشرطة من اعتقال كولونيل سابق بالشرطة العراقية عرف عنه فساده وعنفه وعدم احترامه ليس فقط للقانون ولكن ايضا لأبسط القواعد الأخلاقية والإنسانية.

ويتابع: كانت سمعة هذا الشخص أنه شديد السفه، وجاء مدنيون كثيرون ليشكروننا على اعتقاله، وحين رأيته بدا انه يستحق هذه السمعة، فقد كان وقحا وشرسا، وبعد ايام روعنا جميعا حين جاء أمر من أحد القضاة بنقل الكولونيل الى وحدة الجرائم الخطيرة في بعقوبة، ذلك اننا كنا نعرف ان شقيقه هو الذي يدير هذه الوحدة، ولم يكن بوسعنا نحن ان نوقف تنفيذ امر القضاء وهكذا اضطررنا الى نقله هناك، وقال لي جنود عراقيون ان القاضي تلقى تهديدا بالقتل اذا لم يصدر الحكم، ووعدا بمكافأة سخية إذا أصدره، وكان الكولونيل ينظر الينا جميعا بشماتة ساخرة خلال عملية نقله التي نفذتها بوجه محتقن.

ويقول كارتر انه كان يشعر بسخف ما يفعل اثناء قيامه بتلقين افراد الشرطة العراقية نصوص الدستور العراقي الجديد والقوانين الاساسية لبلادهم، وشرح ذلك بقوله: كان هذا يدور في قاعات مغلقة، الا ان الحياة في الواقع خارج تلك القاعات لم يكن لها علاقة بما أقول، وكان علي دائما ان أقاوم شعوري باليأس والإحباط لاسيما حين نجد الجنود الذين انتهينا من تدريبهم غير قادرين على القيام بمهمة واحدة وفق القواعد التي يتعين على أي جهاز للشرطة ان يحترمها.

ويواصل كارتر قصصه قائلا: ذات يوم من ديسمبر 2005 كان علي أن أوزع سيارات بيك آب شيفروليه جديدة خصصت للشرطة العراقية، وشعرت آنذاك وكأنني أدير وكالة لتأجير أو بيع السيارات، فقد كان ضباط الشرطة المحظوظون الذين وقع عليهم الاختيار يصلون الى موقع التوزيع ويفحصون السيارات ثم يوقعون الأوراق ويأخذون سياراتهمه وينصرفون، وبعد ايام قال لي ضابط عراقي كان يشعر بالاستياء لأن رؤساءه لم يدرجوا اسمه في قائمة من ستوزع عليهم السيارات الجديدة ان تلك السيارات التي خصصت لمحطات الشرطة في المحافظة ظهرت فجأة في سوق السيارات بمدينة بعقوبة حيث كانت تعرض للبيع، وذهبت معه لمشاهدتها حيث وجدتها تتنقل بين أيدي المشترين والباعة في السوق.

ويفسر كارتر ذلك بأنه ناجم عن الغياب شبه الكامل لتطبيق القانون لاسيما في صفوف المكلفين بتطبيقه، ويقول ان هذا كان بدوره انعكاسا لحالة الفوضى التي يمر بها العراق، وللعقلية التي تحكم المجتمع لاسيما فيما يتعلق بجنود الشرطة والجيش، إذ ينظر اليهم الجميع باعتبارهم حماة السلطة وليسوا حماة المواطنين من الجريمة ومن تعسف هذه السلطة أحيانا.

ويوجه كارتر نقدا ساخرا الى البيروقراطية الأمريكية ايضا قائلا ان قيادته وزعت عليه برنامجا إلكترونيا لتقييم عمل وحدات الشرطة المختلفة، واضاف: تضمنت عملية التقييم ضرورة ملء استمارات بما في ذلك الاجابة على 794 سؤالاً لكل وحدة على حدة، وبدا للحظة ان علينا ان نتوقف عن عملنا وان نتفرغ لملء هذه الاستمارات، وحين انتقدت البرنامج تلقيت مكالمة هاتفية فظة من أحد الرؤساء، وقال لي إن جنرالا شعر بالاستياء من تقديري، وكررت طلبي بتعديل صيغة التقييم وجعلها أكثر بساطة، الا ان احدا لم يستجب لي، ويقول كارتر انه رغم كل شيء كانت هناك لحظات جيدة، ويضيف: «اعرف اننا تركنا اثرا، ولكنه ليس الأثر الذي تتحدث عنه الإدارة او وزارة الدفاع، انك لن تستطيع ابدا ان تفصل جهاز الشرطة عما يحدث في المجتمع المحيط به، كان هذا هو الدرس الأهم الذين تعلمته.[line]
الدولة العربية في مفترق الطرق

بقلم : السيد يسين

‏الجمعة 14 محرم 1428 هـ 2 فبراير 2007


الاهرام

ندرك تماما أنه لا يجوز تعميم الحديث عن الدولة العربية المعاصرة‏,‏ نظرا للتباين الشديد في طبيعة النظم السياسية السائدة فيها‏,‏ والاختلافات في رؤي النخب السياسية الحاكمة‏,‏ وللفروق الجسيمة في عدد السكان‏,‏ وللتنوع الشديد في الملل والأعراق‏.‏

وبالرغم من ذلك كله فإن هناك عوامل أساسية تدعو إلي التعميم علي الدولة العربية المعاصرة‏.‏ ولعل أهمها جميعا سيادة العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية‏.‏ والتجليات السياسية للعولمة أبرزها ثلاثة‏:‏ الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان‏.‏ وأصبحت كل دولة‏-‏ بما فيها الدولة العربية المعاصرة‏-‏ مطالبة بالتحول إلي الديموقراطية حتي لو كان نظامها السياسي شموليا أو سلطويا‏.‏ وهذا التحول يتم الآن في العالم العربي تحت عنوان التحول الديمقراطي بدرجات متفاوتة من السرعة والبطء‏,‏ وبدرجات مختلفة من الفاعلية والإنجاز‏,‏ في ضوء مقاومة واضحة للنخب السياسية العربية الحاكمة للإصلاح‏,‏ بعد أن تعودوا علي ترف الحكم المطلق‏.‏

وهذا التحول الديمقراطي يتم بتأثير ضغوط خارجية هائلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والمجتمع المدني العالمي‏,‏ وأيضا نتيجة المطالب المشروعة التي ترفعها جماهير كل دولة عربية بدون استثناء‏.‏

المعادلات العشر

وقد سبق لنا في المقال الماضي أن أشرنا بإيجاز شديد إلي المعادلات العشر التي يقترحها المفكر اللبناني المعروف الدكتور غسان سلامة‏,‏ لتكون أساسا لعقد عربي جديد‏.‏

ولعل نقطة البداية تتمثل في ضرورة أن تتخذ الدولة العربية المعاصرة قرارا استراتيجيا لا رجعة فيه بضرورة الانتقال من الأوضاع الشمولية والسلطوية إلي الآفاق الديمقراطية‏.‏ ويتطلب ذلك أولا وجود دستور يحدد العلاقة بين الدولة والمواطنين‏,‏ ويؤكد الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية‏,‏ في ضوء التزام دقيق بمبدأ سيادة القانون والذي يقضي بالضرورة بتأسيس نظام قضائي حديث متعدد المراحل‏,‏ يكفل حق التقاضي لكل مواطن أيا كان دينه أو جنسه‏,‏ ولا ننسي في هذا المقام أن هناك دولا عربية ليس فيها دستور حتي الآن‏.‏

غير أن وجود الدستور وإن كان شرطا أساسيا لأي دولة حديثة‏,‏ إلا أنه لا يكفي بذاته‏,‏ بل لابد من مراجعة الدساتير العربية القائمة‏,‏ لأن عديدا منها وضع في ظل نظم سياسية شمولية أو سلطوية أعطي السلطة كل السلطة للحكام‏,‏ ولم يعط أي سلطة للشعب‏,‏ بل حتي في الدساتير العربية التي أقامت توازنا بين السلطة والمواطنين في ضوء مبادئ دستورية واضحة وقاطعة‏,‏ لم يتم في التطبيق تفعيل هذه المبادئ وظلت‏-‏ بتعبير علم الاجتماع القانوني‏-‏ نصوصا ميتة تحتاج لمن ينفخ فيها روح الحياة‏.‏

ومن ثم يمكن القول إن هناك مشكلة دستورية عربية متعددة الجوانب وتحتاج‏-‏ كما أشرنا‏-‏ إلي حسم‏,‏ في ضوء بناء جسور جديدة من الثقة بين السلطة والجماهير‏.‏

ولعل النقطة الثانية في مجال الإصلاح والجديرة بأبلغ الاهتمام هي ضرورة تأسيس نظام عربي مشترك‏,‏ لا تعتبره أي دولة تهديدا لمصالحها المشروعة‏,‏ وترد أهمية هذا الموضوع إلي أن العالم يعيش في ظل عمليتين تاريخيتين أساسيتين‏:‏ العولمة والإقليمية‏.‏ العولمة تحدثنا عنها كثيرا من قبل‏,‏ والتي أصبحت ظاهرة مؤثرة علي كل الدول‏,‏ أما الإقليمية فهي تعني تجمع الدول في إقليم جغرافي محدد في اتحاد اقتصادي قد يتحول ـ كما حدث في الاتحاد الأوروبي‏-‏ إلي اتحاد سياسي‏.‏

والفكرة هنا أن تحقيق التنمية المستدامة أصبح يفوق طاقة الدول القطرية مهما اتسعت إمكاناتها الاقتصادية‏,‏ ولذلك هناك حاجة شديدة للتكتلات الإقليمية التي أصبحت الآن هي أساس التعامل بين أقاليم العالم المتعددة‏.‏ ولعل النقطة‏,‏ الثالثة جديرة بأن تثير حساسيات متعددة لأنها تتعلق بالعلاقات بين الدول العربية النفطية الغنية والدول العربية غير النفطية‏.‏ ويمكن القول ابتداء إنه يسجل للدول العربية النفطية أنها أسهمت بشكل ايجابي في دعم عديد من مشاريع التنمية في دول عربية غير نفطية متعددة‏.‏ غير أن إهدار المال العام والفساد قللا في بعض الأحيان من فاعلية هذا الدعم‏.‏ ونحن في حاجة اليوم ليس إلي مجرد دعم ولكن في صياغة رؤية استراتيجية عربية مشتركة‏,‏ تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية‏.‏ ولعلنا نشير هنا إلي أن الرؤية المشتركة للأبعاد الثقافية لا تقل أهمية إطلاقا عن الرؤي السياسية والاقتصادية‏.‏ وهانحن نشهد اليوم بوادر شقاق بين السنة والشيعة‏,‏ بدأ في العراق ويخشي أن يمتد لباقي أنحاء الوطن العربي‏.‏

والسؤال المطروح من بعد هو‏:‏ هل ضرورة الاتفاق علي نهج عربي للإصلاح تتناقض بالضرورة مع خصوصية كل دولة؟ والاجابة أنه لاتناقض بشرط ألا يرفع شعار الخصوصية الثقافية لكي يكون ذريعة لإعاقة الإصلاح السياسي المرغوب‏.‏

وتبقي النقطة المحورية حقا التي ينبغي أن تكون واسطة العقد الاجتماعي العربي الجديد‏,‏ وهي التوازن بين واجبات الدولة وحقوق المواطنين وقد لوحظ أن عديدا من الدول العربية تحت تأثير العولمة وضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي‏_‏ أخذت في الاستقالة التدريجية من أداء وظائفها التنموية‏,‏ وتركت لحرية السوق أن تقود عملية خصخصة واسعة المدي أثرت بالسلب علي حقوق العمال والعاملين‏.‏ بل إن هناك دولا عربية أخذت تتراجع في مجال الرعاية الاجتماعية بإلغائها برامج أساسية‏,‏ أو تقليص عدد آخر من البرامج‏.‏

ويرتبط بالنقطة السابقة أهمية إقامة التوازن بين الدولة والسوق‏.‏ وهذه ليست بالضرورة دعوة للعودة مرة أخري إلي تخطيط الدولة أو إلي اقتصاد الأوامر الذي ثبت في كثير من الأحيان سلبياته‏,‏ ولكن هي دعوة لكي تقوم الدولة بواجبها في رعاية المواطنين‏,‏ ولا تتركهم فريسة سهلة لقوي السوق الرأسمالية المتوحشة‏.‏ وفي إطار الإصلاح الاقتصادي لابد من الالتفات إلي وجود سوق غير رسمي في كل البلاد العربية‏,‏ يسهم بشكل أساسي في جزء من الناتج القومي‏.‏ تنظيم هذه السوق وإتاحة الفرصة أمامها للفاعلية في ضوء ضوابط مرنة مسألة أساسية‏.‏ ولعل أهم المبادئ الإصلاحية هو تحقيق معني ومضمون التنمية المستدامة والتي ينبغي أن تصوب نظرها للمستقبل في مجال حفظ حقوق الأجيال القادمة في الثروة القومية‏,‏ وفي مجال مشاريع التنمية المختلفة‏.‏ كل المبادئ السابقة لايمكن تطبيقها إلا في إطار المساواة الكاملة بين الرجال والنساء‏.‏ ولسنا في حاجة في النهاية إلي تأكيد ضرورة الحفاظ علي هويتنا الحضارية في ضوء رؤية للعالم تتسم بالانفتاح والحرص علي الحوار مع الآخر‏.‏[line]

castle
03-02-2007, 08:16 PM
السبـت 15 محـرم 1428 هـ 3 فبراير 2007

بلير: ليس كلبا ولا ظبيا.. إنه مفكر

ديفيد أغناتيوس

الشرق الاوسط

أطلق المحافظون على توني بلير، عند وصوله إلى الحكم لقب «بامبي»، بسبب مظهره الشبيه بصغار الظباء، والآن وبعد عشرة أعوام من شغل منصب رئيس الحكومة البريطانية، أطلق عليه خصومه السياسيون لقب الكلب المدلل الصغير «بودل»، بسبب ولائه الكبير لجورج بوش وحربه في العراق.

يمتلك بلير كلتا الغريزتين الحيوانيتين الخاصتين بالظبي والكلب، لكنه يتمتع بمواهب سياسية رائعة كانت ستساعده على أن يكون رئيس حكومة عظيما، وواحدا من أكثر القادة السياسيين تميزا في عصره. وهذا ما يجعل حكايته حزينة جدا: هذا السياسي الموهوب جدا، ابتلعه العراق. وبدعمه للرئيس الأميركي، استمر في التفكير بطريقة خاطئة، اعتقد معها أن بوسعها أن تثني بوش عن الوقوع في الخطأ.

بمراقبة الخطاب الوداعي، الذي ألقاه بلير في ندوة الاقتصاد الدولي بدافوس في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وجدت أنه قدم خطابا رؤيويا حول قيم الاعتماد المتبادل على المستوى العالمي، وكم سيكون ذلك ضروريا بالنسبة للقرن الواحد والعشرين من أجل بقاء العالم. وكان الخطاب بالنسبة لي إعلانا عن الاستقلال عن الرئيس بوش، الذي أخذ الكثير من بلير ولم يعطه مقابل ذلك سوى القليل جدا.

من حيث سمعة بلير، لن يساعد إعلانه العالمي على تحسين صورته، لأنه جاء متأخرا جدا. وحينما يغادر منصبه كرئيس وزراء، ربما في هذا الصيف، فإن تركته ستختصر بكلمة واحدة: العراق. لكن قد يجد بعض المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، الذين تنقصهم الأفكار، أن من المجدي الإلتفات إلى ما قاله بلير في دافوس.

حاول بلير أن يعالج الفصل المهم في العالم الحديث ما بين الاقتصاد العالمي، الذي راح يندمج ببعضه البعض، والنظام السياسي العالمي، الذي أصبح في حالة تفكك وعجز مستمرين. وهو تناول جوهر هذه المشكلة للإدارة العالمية والمتمثل بهذا السؤال: كيف يمكن إصلاح المؤسسات، بحيث تتمكن من مواجهة الأكثر أهمية في القرن الواحد والعشرين، مثل تغير المناخ والفقر في أفريقيا والنزاعات في الشرق الأوسط؟

اقترح رئيس الوزراء البريطاني حلولا محددة تبتعد عن السياسة الأميركية الحالية. فلتقوية مجلس الأمن الدولي، اقترح إضافة ألمانيا واليابان والبرازيل والهند، وربما بلد مسلم أو أفريقي من خلال «آلية بناء الجسور» وهذا سيوفر وضعا شبه دائم لا يتطلب فرض الفيتو. ولجعل الأمم المتحدة أكثر فعالية، حث على تعزيز وكالاتها المختلفة، بحيث تتمكن من التحدث بصوت واحد في كل بلد. واقترح دمج صندوق النقد الدولي مع البنك الدولي، وتحسين فعاليتهما. وحث على توسيع «مجموعة الثماني» لتضم دولا أخرى، مثل تلك التي برزت اقتصاديا بقوة حاليا: الهند والصين.

وقال بلير: «نحن بحاجة إلى التعددية التي تكون قوية»، فالعالم لا تنقصه الإرادة الطيبة، بل غياب آليات فعالة لتطبيق الأهداف التي يوافق عليها الجميع. وذكّر بالإبادة الواقعة في دارفور، التي وصفها بأنها «فضيحة؛ لا مشكلة، إنها فضيحة». كذلك حاجج لصالح اتفاقية ملزمة جديدة حول الاحتباس الحراري على مستوى الأرض لإحلالها محل اتفاقية كيوتو، وحث العالم على الوصول إلى الهدف، الذي حددته بريطانيا لنفسها، بتخفيض الكربون بنسبة 60% قبل انتهاء عام 2005. وفي كل هذه الأمور بدا أنه زعيم يحتاج العالم بشدة إلى أمثاله.

إنه أمر غريب أن يصبح شخص مثل بلير، يؤمن بعمق بالتعددية، مدافعا عن الأجندة الأحادية الخاصة بإدارة بوش في التاريخ المعاصر. يقول أنصار بلير إنه لم يجد بديلا بعد 11 سبتمبر 2001 سوى الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة. وفي كل خطوة هبوط داخل العراق، كانت شكوكه – مثل مطالبته بقرار ثان من مجلس الأمن الدولي لتوفير الشرعية للحرب. لكن حينما فشل التصويت لصالح هذا القرار، وبعد أن حاول ثني الإدارة الأميركية عن المضي في تنفيذ سياستها الخاصة بالشرق الأوسط، اتبع بوش بضعف. وجاءت الإهانة الأخيرة حينما وقف صامتا بجانب بوش في ديسمبر الماضي، بعد رفض الرئيس الأميركي لاقتراحاته الجديدة الهادفة إلى التحاور مع سورية وإيران. وكان بلير محقا حينما أجاب عن سؤال بعد خطاب دافوس، قال فيه إن لحديث الغرب اللطيف عن الديمقراطية والحرية معنى ضئيلا، إذا لم يكن مستندا إلى مبدأ العدالة. وبدون قيم وطيدة كهذه لن يكون لأهداف حلف الأطلسي أي معنى. إنه لمن المحزن أن يكون هذا القول شبيها بنقش على قبر: زعيم عظيم وضع في الغالب قيمه جانبا لإرضاء رئيس أميركي.

* خدمة «واشنطن بوست» ـ خدمة «الشرق الأوسط»[line]
لماذا تتحول «الديموقراطية» العربية إلى «فوضى»؟

خليل العناني, ورضوان زيادة

الحياة - 03/02/07//

هل ثمة علاقة بين الديموقراطية والفوضى في العالم العربي؟ مرد السؤال هو حال الفوضى التي تعم ثلاثة من البلاد العربية التي شهدت جميعاً انتخابات تشريعية قبل عام أشاد الجميع بنزاهتها وهي لبنان والعراق وفلسطين. وبدلاً من أن تنتج هذه الانتخابات نظماً سياسية قوية ومتناغمة، استناداً للفكرة الديموقراطية، تحولت هذه البلدان إلى ساحات صراع وقتال ودخل أطرافها في أجواءٍ من التناحر السياسي لا يدري أحد متى ستنتهي.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي دلالات هذا الترابط الغريب والشاذ بين الديموقراطية والفوضى في العالم العربي؟ وهل يعني ذلك أنه من العسير على المجتمعات العربية أن تحقق ثنائية الديموقراطية والاستقرار؟

يبدو الأمر كما لو أن المنطقة العربية، في ظل التداعي المستمر لتجاربها الديموقراطية، لن تشهد فرصة قيام تجربة ديموقراطية «حقيقية» يمكن البناء عليها لتأسيس نظام «إقليمي» عربي ينعم بقيم الديموقراطية.

وإذا كان من نافلة القول أنه من الصعوبة بمكان اختزال أي عملية ديموقراطية في مجرد صناديق اقتراع، أو الاعتقاد بإمكانية تحول بلد ما بين عشية وضحاها إلى نموذج ديموقراطي لمجرد وجود تعددية حزبية أو سياسية، إلا أن التجربة الديموقراطية في العالم العربي تبدو كما لو أنها كانت «أضعف» من أن تتأسس على ما هو أدنى من ذلك، ممثلاً في غياب ثقافة «الوفاق الوطني» داخل الثقافة العربية. وهو ما من شأنه أن يحول أي تجربة ديموقراطية عربية إلى شكل من أشكال الديموقراطية «المعيبَة» تلك التي تراوح مكانها بين النموذجين الاوتوقراطي والديموقراطي دون القدرة على حسم خياراتها.

إن منبع «المرض» في الحال العربية، ليس فقط انعدام ثقافة الاختلاف، وعدم إنجاز الحد الأدنى من الوفاق الوطني، وإنما أيضا سيطرة ثقافة «الهيمنة» والرغبة في احتكار التجربة لمصلحة فصيل بعينه، من دون اكتراث للفكرة الديموقراطية، أو الاحتكام لقواعدها.

وثمة مفارقة غريبة تعيشها حالات البلدان الثلاثة المشار إليها آنفاً، تتمثل في أن الحاجة للديموقراطية من المفترض أن تزداد كلما زادت درجة الاختلاف وحدته، فتأتي الديموقراطية كي تلطف مواقف الفرقاء وتعيد صياغة تقديراتهم وحساباتهم حتى يتم التوصل في النهاية إلى عملية التوافق Compromise، في حين حدث العكس في هذه الحالات.

فهل كان لأحد أن يتصور قبل عام من الآن أن يتحول قطاع غزة إلى ساحة اقتتال بين الفرقاء الفلسطينيين؟ وكأن كلا الطرفين المتصارعين يعاقب الشعب الفلسطيني على اختياره في الانتخابات الماضية. وهل كان لأحدٍ أن يتخيل شيوع مفردات العمالة والتخوين والتحريض على القتل داخل الساحة الفلسطينية؟

هل كان لأحد أن يتصور أن تنقلب الساحة اللبنانية رأسا على عقب، وأن تصل العلاقة بين الفرقاء اللبنانيين إلى حائط مسدود، في حين باءت جميع مبادرات التهدئة والتصالح بالفشل، ولم يتبق سوى أن تنزل الموالاة إلى الشارع كي تتم إعادة إنتاج الحرب الأهلية الأليمة التي استمرت لأكثر من عقد ونصف؟

وفي العراق توهم البعض أن البلاد دخلت عصر الديموقراطية التوافقية، وأن عراق ما بعد صدام سوف يشهد نقلة نوعية باتجاه قيم المواطنة وقبول الآخر، بيد أن ما يحدث منذ أكثر من ثلاث سنوات وحتى الآن حرب أهلية وقتال طائفي عنيف لا تجدي معه أية حلول ديموقراطية، طالما أن الفرقاء لم يصلوا إلى مرحلة «النضج» السياسي، ولا تزال ولاءاتهم «الأولية» تتحكم بخياراتهم السياسية.

واقع الأمر أن من الصعوبة بمكان تحرير العقل العربي في نظرته للديموقراطية وقيمتها من دون تهذيب الطبائع القبلية والعصبية، واعتبارها ضرورة «حياتية»، ومن دون تغيير النظرة لمسألة الحداثة برمتها، وما تنتجه من أنساق قيمية وفكرية.

وأقل ما يقال هنا إن انفصاماً كبيراً يشكّل الموقف العربي من قيم الحداثة، ففي الوقت الذي يتم التعاطي مع المنتجات «المادية» للعقل الحداثي، من تكنولوجيا واتصالات وثورة معلوماتية، يجري التهرب (وربما التنكر) للمنتج «العقلي – الفكري» للحداثة، الذي يصطدم بحائط كبير ممثلاً في النسق العقيدي للعقل العربي.

وهنا لا مكان للتمايز بين الأطر الأيديولوجية والعقائدية للقوى السياسية في العالم العربي، فهي حالة عامة يشترك فيها الجميع، وإن بدرجات متفاوتة. وكثيراً ما تجد اضطراباً لدى البعض في فهمهم لقيم الحرية والمدنية وتوزيع الثروة وانتشار السلطة. وذلك على غرار ما فعلته النخب القومية والعلمانية التي ورثت تركة الاستعمار الأجنبي، واسمترأت وجودها في السلطة دون أن تعير اهتماماً لهذه القيم.

من جهة أخرى تنغمس المجتمعات العربية ذاتها في حالة من العبث القيمي، لا يمثل بناء «سوسيولوجيا» متناسقاً، وإنما يبدو في بعض الأحيان متعارضاً مع ذاته. ذلك أن الإقبال الشديد للمجتمعات العربية على «استهلاك» المزايا العينية للحداثة، والرغبة «النرجسية» في امتلاك أحدث منتجات العقل «التقني»، يقابلهما رفضٌ قوي للعقل الذي أنتج هذه المزايا، ويواجَه بصعوبات كبيرة في إدراك الأبعاد القيمية والثقافية التي يستند إليها.

لذلك يمكن أن نتساءل عن مدى قدرة المجتمعات العربية على الدخول في عملية التحول الديموقراطي، ويعود ذلك إلى عدد من الإشــكاليات التاريخية والفكرية:

أولاها: ارتباط الفكرة الديموقراطية بثنائية مركبة تقوم على الوطني اللاديمــــوقراطي والخارجي الديموقراطي، وقدومها الدائم على المنطقة العربية عبر ما يعتبر مشاريع خارجية تحمل أجندة ديموقراطية غير بريئة، فغالباً ما ينتقص من الفكرة الديموقراطية وطنيتها ويجعلها تختلط مع أفكار أخرى تعتبر مضادة لها في تلك اللحظة كالاستقلال والقرار الوطني وهو ما حدث في لبنان، على سبيل المثال، بعد ما سمي انتفاضة الاستقلال وما يحدث يومياً في العراق، وهو ما يشغل المشهد السياسي السوري اليوم أيضاً عبر ثنائية الداخل الاستبدادي والخارج الديموقراطي.

ثانيها: العلاقة بين الإسلام والديموقراطية، إذ يحاجج البعض في أن رفض العالم العربي والإسلامي للديموقراطية إنما ينبع من خصوصية ثقافية في العالم الإسلامي ورثها عن ممارسة الحكم منذ العهد العباسي، لكن هذه القراءة الأنثروبولوجية تجعل الثقافي هو الأصل وتهمل السياسي والاجتماعي على اعتبار أنهما فرع للإشكال الثقافي من دون أن تستذكر أن الثقافة بمعناها العام هي نتاج الحراك السياسي الاجتماعي، وبالتالي فتأزم هذا الحراك سينعكس بالضرورة على الحياة الثقافية.

السؤال الذي يجب أن تطرحه المجتمعات الإسلامية على نفسها هو قدرتها على ابتكار نموذجٍ للديموقراطية منسجم مع سياقاتها التاريخية والاجتماعية، من أجل تحقيق حراك سياسي واجتماعي، يفسح المجال لمشاركة أوسع وأكثر عمقاً بين الشرائح والفئات المختلفة، لكن من دون الوقوف أبداً عند انغلاق المجتمعات على نفسها، وإنما بالانخراط في مشروع النهضة المستديمة والمتكاملة.

نموذج الديموقراطية البديل المنسجم مع الإرث التاريخي الإسلامي لن يتم اختراعه أو تطويره إلا من خلال البناء على نموذج الديموقراطية القائم الذي يفسح المجال لصيرورة تاريخية خلاقة. لا شيء يفسح النقاش حول ماهية الديموقراطية وآليات تطبيقها في المجتمعات المسلمة غير فتح باب الحرية واسعاً أمام النقاش الحر والمفتوح. فالديموقراطية هي المفتاح الرئيسي والوحيد للتنمية التي تنشدها المجتمعات المسلمة، فهي التي تفتح المجال واسعاً أمام التحول والتغير في المجتمع، إذ من الصعب أن يشهد المجتمع تنمية حقيقية من دون أن يمر بتحولات وتغييرات عدة يشكل تراكمها نهضة المجتمع. كما أن الديموقراطية هي شرط الاستقرار، فالديموقراطية ضرورية من أجل الاستقرار، والاستقرار ضروري من أجل الديموقراطية، بل إنها تحقيقٌ عميق لمعنى الاستقرار وليس ذلك الاستقرار المؤمّن بالخوف والقهر والاستبداد.

يجب أن ينظر الى الديموقراطية، كما عبر أوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي السابق، باعتبارها الناتج النهائي لعمليات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية مديدة وليس كنتيجة لتحول فوري، إذ ان الديموقراطية ليست قهوة سريعة التحضير، إلا أن التوجه نحو التحول الديموقراطي يشكل بداية تأسيس الوعي الديموقراطي الذي هو الضامن الوحيد لأن تسير العملية الديموقراطية وفق خطها السليم.

* كاتب مصري

* كاتب سوري[line]
أيديولوجيات الصف الثاني

إبراهيم شرفي أبو ساق*

الوطن السعودية

يُحكم على مدى تقدم وتحضر بلدٍ ما من خلال الطبقة الوسطى التي عادةً ما تكون المحور الأساسي في تحقيق التوازن والاستقرار لذلك البلد أو المجتمع. تتميز هذه الطبقة بقيامها بجل الأعمال التطبيقية والتنفيذية لما يحتاجه البلد أو المجتمع من خدمات رئيسية حددت أهدافها بواسطة الطبقة الحاكمة التي تعلوها مكانة وتفوقها اطلاعاً ومعرفةً وخبرةً ولهذا فهي تعنى برسم السياسات والاستراتيجيات الرئيسية للدولة. تعود أهمية الطبقة الوسطى إلى احتوائها على الخبراء والمتخصصين والعاملين في طب وهندسة وتدريس وإدارة وغيرها من المهن التي تمثل عصب الحياة ونبضها الإنتاجي والخدماتي. بدون هذه الطبقة لن يكون البلد قادراً على تحقيق البنية الأساسية المطلوبة لبناء وتطوير هذا البلد لأن هذه الطبقة هي المستفيد الأول والمنفذ الأول لخطط البناء والتطوير، ولهذا فإن ما تقوم به من عمل أو تصرفات أو اتجاهات فكرية أو ثقافية يكون له عواقب كبيرة، ليس على نوعية الخدمات المقدمة فقط، بل وعلى طرق تفاعل أعضاء هذه الطبقة مع بعضهم البعض ومع مجتمعات البلدان الأخرى وبالتالي يكون مقياساً ومؤشراً لمدى تحضر وتقدم هذا البلد عاكساً مدى قوته وترابطه وتكاتفه أو العكس.
يستدل على مدى تحضر وتقدم المجتمعات من خلال سلوك وتصرفات أفرادها والتي عادةً ما تكون مدفوعة ومتأثرة بالثقافة السائدة. تساهم الثقافة السائدة في تشكيل العقلية المشتركة لأفراد تلك الثقافة التي على أساسها يتكوّن لديهم معنى الأشياء ومفهومها. أي أن القيم الثقافية المشتركة تعطي أفرادها القدرة على تمييز الصح من الخطأ، أو تمكنهم من معرفة المقبول من اللامقبول، لهذا فهي تعطيهم اتجاها في حياتهم، محددة بهذا طرق تفكيرهم وسلوكهم. يكتَسب أفراد المجتمع هذه القيم من خلال تنشئتهم مروراً بمؤسسات ومنظمات مجتمعهم المختلفة بدايةً بالبيت والأسرة، والمدرسة، والجامعة، إلخ. متأثرين بالأنظمة الاجتماعية والسياسية والتعليمية، إلخ. في الدولة. لهذا فإن تماسك وترابط وتناسق وتوافق منظمات المجتمع وأنظمته المختلفة تنتج عنه سلوكيات متقاربة ومتوافقة يقدّرها ويحترمها ويسعى للحفاظ عليها أفراده. في البلدان التي يمكن القول عنها إنها متحضرة ومتقدمة يكون أفراد الطبقة الوسطى فيها متقاربين في اهتماماتهم وسلوكهم وأفكارهم مركزين جهودهم ومستغلين وقتهم في إتقان أعمالهم الإنتاجية والخدمية. في حين نجد أن البلدان التي تقل عنها تقدماً وتحضراً يفتقد سلوك أفرادها التقارب والتلاؤم والتماسك الثقافي بسبب الفجوات الإنشائية أو التربوية وعدم توافق المنظمات الاجتماعية وأنظمتها، أي أن مشاربهم الثقافية تنوعت واختلفت وأحياناً تناقضت بشكل جعل أفراد هذه المجتمعات عرضة لأيديولوجيات اليمين واليسار أو ما بينهما.
الأيديولوجيا هي الأفكار والمعتقدات التي تلقن لمجموعة من الأفراد أو مجتمع معين على أنها الحقيقة التي ليس بعدها حقيقة، صدّق جوهرها وقدّس سموها، فلا يشك في غايتها أو نفعها، ولا يسمح به، تخمد العقول منتجةً تفكيراً وسلوكاً أُحاديين لا يسمح بالمرونة. في بادئها، تأسست الحضارات على أيديولوجية معينة إما سياسية أو دينية... ولكنها سرعان ما تواجه تحدي التحضر والتقدم الذي يتطلب الابتعاد عن مثالية الأيديولوجيا المهيمنة لأن التحضر والتقدم يتطلبان واقعاً مختلفاً لا تقدر المثالية الأيديولوجية أن تلامسه، لهذا فإن الأيديولوجيا المسيطرة تعتبر عائقاً أمام تقدم الشعوب وتحضرها. من هنا نجد أن البلدان المتقدمة تمكنت من تقليص تأثير الأيديولوجية التي تأسست هذه البلدان عليها، محققةً تقدماً من خلال تركيز أفرادها على واقعهم الحياتي والشخصي غير عابئين بالمثالية التي يرون أنها 'غير مفيدة' أو 'غير ممكنة التحقيق'، فلم يبقوا أسرى لها، لهذا استثمروا وقتهم في تحسين وتطوير أدائهم لأعمالهم، مهتمين بشؤونهم الشخصية والتعاملية التي توافق تغيرات الوقت من حولهم. لهذا فهذه البلدان محصنة، إلى حدٍ كبير، ضد الأيديولوجيات التي قد تعيق التحضر والتقدم الذي تسعى للحفاظ عليهما من خلال مؤسسات ومنظمات مجتمعها المتناسقة والمتماسكة مكونةً ثقافة تفاهم وتكاتف.
الطبقة أو الشريحة الوسطى في مجتمعنا السعودي تحكمها أيديولوجيات متعددة ومتباينة إلى درجة أن المجتمع أصبح مكوناً من انشطارات أيديولوجية وأخرى تحضّرية نتج عنها مزيج ثقافي وسلوكي متباين، تاه الفرد مابين سمو المثالية الأيديولوجية التي يحلم بتحقيقها وبين الواقع وتحدياته، فلم يتقن عمله ولم يتحمل مسؤوليته، بل أعطى جل وقته لمثالية الفكر وسرابها. من أخطار عواقب هذا الوضع الثقافي الانشطاري هو احتمالية عدم تماسك وترابط فئات المجتمع بالشكل المطلوب وهذا له انعكاسات أمنية لا بد من الاحتراس لها. اهتمام الطبقة الوسطى في مجتمعنا بالأيديولوجيا، دينية كانت أو لبرالية أو سياسية أو قومية أو غيرها، يدل على مدى هشاشة منظمات المجتمع المختلفة وأنظمتها وعدم تأثيرها على عقلية أفراد المجتمع. انشغال أفراد مجتمعنا بالأيديولوجيا لن يخدم تقدمنا وتحضرنا، بل سيقود إلى تخلفنا، فلن تفيدنا فقاعات التحضر الأيديولوجي، فسلوكنا وتصرفاتنا وأفعالنا مليئة بالتناقضات المخلوطة بمثالية الأيديولوجيا وحقيقة الواقع.
يجب مراجعة دور منظمات مجتمعنا، الرسمية وغير الرسمية، وأنظمتها خاصةً التعليمية منها. التعليم الهادف إلى تعزيز وتقوية حضور أيديولوجيا معينة في أذهان أجيالنا لم يعد مناسباً، فقد مضى على تأسيس المملكة أكثر من مئة عام، وهي فترة تخطت المملكة خلالها مرحلة التأسيس. مرحلة التطوير التي نمر بها لا تتطلب التركيز على الأيديولوجيا لأنها لا تخدم التطوير والتقدم والتحضر والاستقرار التي تسعى الدولة لتحقيقها. تغيير المناهج والبرامج والخطط والمشاريع المؤدلجة مهم جداً لإنشاء أجيال غير مؤدلجة، قادرة على تحقيق التقدم والتحضر المأمول. هذا التغيير قد يساعد، أيضاً، في تقليص التنافس الأيديولوجي في الصف الثاني، الطبقة الوسطى. التحدي الكبير يتمثل في كون هذا التنافس الأيديولوجي بين فئات الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التنفيذية، عائقاً أمام تنفيذ أي إصلاح، فعندما تخطط الدولة لاتخاذ تغييرات أو إحداث تطوير معين لقطاع معين يتسابق أفراد الصف الثاني إلى تفسيرها ومحاولة التأثير فيها وتعديلها بما يضمن توافقها مع أيديولوجية الفئة الفائزة، بهذا يبقون الأمل في ملامسة مثالية أيديولوجيتهم مستمراً ولكن في نفس الوقت يحرمون الوطن من تحقيق الخطوة التطويرية التي يطمح لها. من هنا نجد أن أيديولوجيات الصف الثاني سجون لا باب لها، قل من يعرف كيفية الخروج من بين قضبانها الفكرية. هي معضلة اختيار، وعلينا نحن السعوديين الاختيار، بين التخلف والجاهلية وبين التقدم والتحضر!

* أستاذ جامعي/جامعة مانشستر[line]

castle
04-02-2007, 04:29 AM
السفير القطري:

قوة العلاقات الأمريكية القطرية لا تستهدف السعودية
http://www.taqrir.org/images/575.jpg

3 فبراير 2007

تقرير واشنطن- يحيى عبدالمبدي

توصف العلاقات بين قطر والولايات المتحدة لدى كثير من المراقبين على أنها من أكثر العلاقات تناقضا وإثارة للجدل، فمن ناحية تتبنى قطر مواقف قومية عربية وإسلامية من خلال مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية ومن ناحية أخرى توفر قواعد عسكرية للقوات الأمريكية على أراضيها. ويعتبر البعض أن طموح قطر المتنامي يهدف إلى استبدال دور المملكة السعودية سواء في محيطها الإقليمي أو في علاقتها بالولايات المتحدة. توجه تقرير واشنطن إلى الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة سفير دولة قطر لدى واشنطن بمجموعة من الأسئلة حول عدد من الملفات الساخنة في العلاقات القطرية الأمريكية. وفيما يلي نص المقابلة التي أجريت ظهر الأربعاء 24 يناير بمقر السفارة القطرية بواشنطن:

تقرير واشنطن

سعادة السفير، هناك جدل حول طبيعة العلاقات القطرية الأمريكية، فما هو جديد تلك العلاقات؟

السفير القطري

علاقتنا بالولايات المتحدة لا تختلف عن علاقة أي دولة عربية أخرى بها. الفرق الوحيد هو أننا لا نخفي شيئا في إطار هذه العلاقة. بعض الدول العربية لديها علاقات مع الولايات المتحدة أعمق من علاقة قطر بها ، لدرجة أن بعضهم بدأ يلعب الدور الذي لا ترضى الولايات المتحدة أن تلعبه، وخاصة في قضايا استجواب وتعذيب المواطنين الأمريكيين من أصل عربي على خلفية قضايا الإرهاب. قطر لم تلعب هذا الدور ولن تلعبه، فالعلاقة بين قطر والولايات المتحدة نظيفة وواضحة.

تسمع كلاما ولغطا كثيرا من مصادر وجهات مختلفة حول العلاقات بين قطر والولايات المتحدة، ولكن المهم أن تأخذ الكلام والتصريحات من المعنيين سواء كان القطريين أو الأمريكيين. العلاقة الأمريكية القطرية هي علاقة إستراتيجية طويلة الأمد بين دولتين صديقتين، ليست علاقة تعتمد على انتهاز الفرص. هناك تعاون كبير بين الدولتين في مجالات مختلفة،في الاقتصاد مثلا تجد أن أكثر الاستثمارات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات العشر الماضية كانت في قطر. الشركات الأمريكية استثمرت أكثر من أربعين بليون دولار، وهناك مشاريع مستقبلية مشتركة مع الجانب الأمريكي تقدر قيمتها خلال السنوات الخمس القادمة بسبعين بليون دولار، خاصة في الطاقة. وهذا يدل على أن العلاقات ممتازة.

تقرير واشنطن

إذا كانت الولايات المتحدة حريصة على التعاون الاقتصادي والتجاري مع قطر، فلماذا لم توقع معها اتفاقية التجارة الحرة؟

السفير القطري

بالنسبة لاتفاقية التجارة الحرة، كان هناك إطار للتفاوض مع قطر ومع دول خليجية أخرى ، يمكن أن يتم التوقيع في المستقبل عندما يبدأ التفاوض الفعلي ، وعندما يتم الاتفاق على القضايا ، لأن هناك قضايا كثيرة.

تقرير واشنطن

هل هناك قضايا خلافية؟

السفير القطري

لا. هناك قضايا كثيرة، فكما تعرف أن دول المنطقة ومنها قطر والإمارات والكويت هي دول ناشئة تستورد اليد العاملة، يعني ليس لديك عمالة وطنية، ولكن لو نظرت إلى عمان والبحرين فهناك عمالة موجودة وهم يحتاجون إلى استثمارات من الخارج. وبدأت هذه الدول المفاوضات مع الولايات المتحدة منذ زمن طويل، كما أن بينهم وبين الولايات المتحدة اتفاقيات قديمة سهلت الدخول مباشرة في التفاوض. قطر جاذبة للاستثمارات سواء من جانب الولايات المتحدة أو من غيرها، وخاصة في المجالات التي تتميز بها قطر اقتصاديا. وكما تعرف أن الشركات الأمريكية لا تنتظر التعليمات من الإدارة، فهي تبحث عن مصالحها، لأن الولايات المتحدة تعتمد السوق الحرة. ولذلك ليست لدينا مشكلة أن يتم توقيع أي اتفاقية. على كل الأحوال لا أجد شخصيا داعيا للاستعجال على أساس أن كل منهما عضو في منظمة التجارة الدولية.

تقرير واشنطن

في المقابل سعادة السفير، ما هو حجم الاستثمارات القطرية في الولايات المتحدة وفي أي مجال ؟

السفير القطري

ليس لدينا استثمارات كبيرة ، هناك استثمارات في مجال الطاقة ، فلدينا مشروع مع شركة أكسن موبيل ، وعندما سيتم البدء في تنفيذ هذا المشروع ، فسوف تصدر قطر للولايات المتحدة ثلث حاجة الأخيرة من الغاز. وهذا مشروع استراتيجي كبير .

تقرير واشنطن

لكن لا يوجد استثمارات لرجال الأعمال القطريين في أمريكا؟

السفير القطري

هناك استثمارات شخصية، أغلبها ليس في أي مشاريع إنتاجية، فهي في المجالات التي الخسارة فيها ليست كبيرة والربح مضمون خاصة في قطاع العقارات، فهناك استثمارات لأشخاص ولكن ليس لدي معلومات وأرقام عن هذه الاستثمارات. بل أن هناك استثمارات للدولة تدار من قبل المجلس الأعلى للاستثمار القطري.

تقرير واشنطن

إذا انتقلنا إلى الملف العسكري والأمني ، قطر تستضيف القوات الأمريكية في قاعدة السيلية ومطار العيديد ، وهناك تعاون أمني ، وفي الوقت الذي تنأى دول خليجية أخرى بنفسها عن استضافة القوات الأمريكية ، ترحب قطر بذلك . هل تسعى قطر إلى استبدال دور المملكة السعودية في المنطقة ، خاصة في إطار التعاون مع الولايات في مجالات الطاقة والأمن والتعاون العسكري ؟

السفير القطري

للأسف هذا الحديث من أنواع السفه في عالمنا العربي، عالمنا العربي في بعض الأحيان ، خاصة من قبل المدعيين على الإعلام أو على السياسة ، فلدينا مشكلة وهي أن لدينا شلة ، للأسف تحاول أن تفسر أي حركة تقوم بها دولة من أجل تأمين مصالحها أو علاقتها بدولة أخرى ، وكأنه موجه ضد دولة أخرى.

هذا ليس صحيحا قطر تهمها مصلحة المملكة العربية السعودية كما تهمها مصلحة قطر، وأنا سفير دولة قطر في الولايات المتحدة أؤكد لك أن هذه هي توجيهات المسؤولين القطريين. ثانيا، لا يمكن لقطر أن تأخذ مكان المملكة السعودية، ولا يمكن للمملكة أن تأخذ دور قطر، فهما مكملان لبعضهما البعض. ثالثا، أن الناس تنسى أن كل ما تم بين قطر والولايات المتحدة، تم بتوافق في البداية في التسعينات من القرن الماضي وبتشجيع من الدول العربية الخليجية الشقيقة ، كلهم يعرفون وكلهم على علم وكلهم باركوا بما فيهم المملكة السعودية ، وخاصة بعد غزو دولة الكويت واحتلالها من دولة عربية شقيقة ، فأصبح هناك حاجة لحماية مستقبل كل دولة في المنطقة. الولايات المتحدة ليست طامعة في قطر أو في دول الخليج . هي لها مصالح إستراتيجية، ونحن لنا مصالح استراتيجيه، ومصالحها ومصالحنا تلتقي في حماية منطقة الخليج التي هي أهم منطقة إستراتيجية في العالم نتيجة لوجود النفط والغاز. ونحن كأصحاب ثروة يهمنا حمايتها وحماية شعوبنا وبلداننا.

وتوجه قطر واضح لن نسمح لأحد الإساءة إلى المملكة السعودية. أنا أقرأ في بعض الصحف الصفراء التعيسة كلاما ليس معقولا ينم عن جهل كبير بطبيعة تكوين منطقة الخليج والروابط بين سكانها.

تقرير واشنطن

كيف حال علاقة سفير قطر في واشنطن بسفير المملكة السعودية؟

السفير القطري

هي علاقة قوية، والأمير ترك الفيصل أخ عزيز وزميل قدير وهو من خيرة السفراء الذين تعاملت معهم، وأنا صاحب 30 سنة من العمل الدبلوماسي. وفي واشنطن سفارات دول مجلس التعاون الخليجي تعمل وكأنها سفارة دولة واحدة. وعلاقتنا جيدة بجميع السفارات العربية بغض النظر عما يحدث في العالم العربي.

تقرير واشنطن

قناة الجزيرة، هل يوجد تنسيق بين السفارة ومكتب القناة في واشنطن، هل يتم التنسيق في اختيار مضمون وضيوف البرامج؟

السفير القطري

ليس بين سفارة قطر في واشنطن أو في أي عاصمة أخرى علاقة بقناة الجزيرة ، إلا إذا كان هناك علاقة بين السفير البريطاني في واشنطن وإذاعة الـ BBC . ليس لنا أي علاقة، الجزيرة محطة عملت ثورة في الإعلام العربي، فيها الصالح وفيها بعض الأحيان هناك القضايا الخلافية، ولكن هذه طبيعة الأشياء، فهذه تجربة جديدة. فالجزيرة حتى لو تختفي من الوجود اليوم، فهي خلقت ثورتها. وإذا نظرنا إلى محطات التلفزيون في العالم العربي الآن أصبحت تتمتع بحرية. ولا يعني ذلك أنني على علاقة بها ، فعلاقتي بها مثل علاقتي بـ CNN.

تقرير واشنطن

وماذا عن علاقتك بصحيفة الشرق الأوسط وقناة العربية؟

السفير القطري

علاقتي بكافة وسائل الإعلام العربية بما فيها هؤلاء، هي علاقة مهنية، عالية الأداء، في إطار وسائل الإعلام أحيانا تتفق معها أو تختلف. ونحن لا نرد على أي حملات من أي جهة، حيث إن الموضوع لا يعنينا.

تقرير واشنطن

كيف تشعر بالفرق بين الجزيرة والنسخة الجديدة بالإنجليزية " الجزيرة انترناشونال" ؟

السفير القطري

يكفي الجزيرة انترناشونال أن كثير من إعلاميين الشرق والغرب ومن الشمال ومن الجنوب انضموا إليها ، ومعنى هذا أن الناس تريد أن تسمع رأيا أخرا. ليس الرأي المقولب ، ليس الرأي الذي تتحكم فيه المصالح السياسة أو أيدلوجية . فهنا في الولايات المتحدة هناك كثير من المحطات الإخبارية لا تولي مناطق كثيرة في العالم أي اهتمام، وأصبح لا يوجد فرق في التغطية بين CNN و فوكس نيوز. ورغم أن استقبال الجزيرة انترناشونال غير متاح في الولايات المتحدة حتى الآن، فإن الكثير من الأمريكيين يسألون السفارة كيف نحصل على بث الجزيرة انترناشونال.

تقرير واشنطن

ماذا فعلت السفارة لحل هذه المشكلة ؟

السفير القطري

هذه مشكلة قناة الجزيرة وليست مشكلة السفارة. ورغم ذلك كان ردنا على هؤلاء السائلين أن عليهم أن يتصلوا بممثليهم في الكونغرس للاستفسار عن أسباب هذا المنع.

تقرير واشنطن

فيما يتعلق بالكونغرس، كيف يمكن وصف علاقة السفارة بالكونغرس، وهل سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس الجديد ستغير من طبيعة العلاقة؟

السفير القطري

نحن والحمد لله، رغم كوننا دولة ناشئة حصلت على الاستقلال في السبعينات ورغم أن بعض الدول العربية لها وجود في واشنطن من مائتي سنة، فلدى دولة قطر أحد أكبر التجمعات "أصدقاء قطر في الكونغرس" ولدينا أصدقاء من الحزبين. وليس لدينا أي مشكلة في الكونغرس. لدينا علاقات جيدة مع أعضاء وقيادات الكونغرس سواء السابق أو الحالي، لأن كثيرا من أعضاء الكونغرس السابق مازالوا في الكونغرس الجديد، حيث أعيد انتخابهم. ولا فرق لدى قطر بين كونغرس ديمقراطي وكونغرس جمهوري. وهؤلاء الأعضاء هم أصدقاء للمسئولين في قطر وأصدقاء شخصيين لنا في السفارة ،خاصة بعد أن زاروا قطر وشعروا بالتغييرات الجارية في قطر.

تقرير واشنطن

وصفت أن العلاقات شخصية، هل يقوم أعضاء من الكونغرس بزيارات شخصية في بيتك؟

السفير القطري

العلاقات شخصية، ونتبادل الزيارات، ويتم استدعائي للكونغرس أحيانا لاستبيان رأيي في مسألة ما سواء كانت متعلقة بقطر أو بشكل عام.

تقرير واشنطن

هل تسعى قطر لتقوية هذا اللوبي أو جماعة الضغط في الكونغرس؟

السفير القطري

قطر لا تحتاج إلى السعي لتكوين لوبي، حيث أن شركات الطاقة تسعى للبحث عن مصالحها، خاصة أن قطر تقدم للولايات المتحدة مصادر طاقة بديلة. وهناك علاقات قوية بشركات إنتاج الطاقة كما ذكرت مثل أكسن موبيل Exxon Mobil وشيفرون Chevron وغيرها. الدول التي تحتاج إلى معونات ومساعدات تسعى إلى تكوين لوبي في الولايات المتحدة.

تقرير واشنطن

ولكن إسرائيل وهي دولة قوية تمتلك واحدا من أقوي جماعات الضغط والمصالح؟

السفير القطري

إسرائيل لديها أكبر جالية من منطقة الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، وأغنى جالية ودعني أقولها بصراحة أنها أذكى جالية. بمعنى أنهم يعملون بتعاون دون أن يضربوا بعضهم البعض.

تقرير واشنطن

إذا انتقلنا إلى قضايا الديمقراطية والمجتمع المدني، قطر تشهد العديد من مؤسسات المجتمع المدني وفروع لجامعات أمريكية. ولا يكاد يمر شهر إلا وهناك منتديات ومؤتمرات... الخ هل يأتي هذا التحرك كاستجابة لخطة الولايات المتحدة للتغيير أو نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط؟

السفير القطري

أولا قطر تجذب هذه المؤسسات بسبب المناخ السائد هناك ، ولا أخد يجبر تلك المؤسسات على اختيار الذهاب لقطر دون غيرها. هناك دول كبيرة وذات اقتصاديات كبيرة ودول لديها عشرات ملايين السكان ينفقون مئات الملايين هنا من أجل الدعاية لأنفسهم ولا أحد يعرف عنها أي شيء. أما فيما يتعلق بالإصلاح وخطط الولايات المتحدة، فأقول إن الإصلاح بدأ عندنا منذ عام 1996، قبل حتى أن تأتي هذه الإدارة إلى الحكم. ليس لنا علاقة بما تقوم به الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط من خطط ديمقراطية.

تقرير واشنطن

هل توجد علاقة بين السفارة القطرية ونظيرتها الإسرائيلية في واشنطن، أو مع جماعة الضغط اليهودية"إيباك"؟

السفير القطري

أخي العزيز، ليس لدي أي علاقة بالسفارة الإسرائيلية، لأنه ليس بيننا علاقات دبلوماسية معلنة، هناك مكتب إسرائيلي في الدوحة. وهم من هناك يتعاملون.. وهذا كان توصية من توصيات مؤتمر مدريد للسلام. أما عن علاقتنا بجماعات الضغط اليهودية، فنحن في هذه السفارة لا نبحث عن دعم أي مؤسسة. لكن في ذات الوقت لدينا الاستعداد للتعاون مع أي مؤسسة أمريكية من اليمين إلى اليسار.

تقرير واشنطن

هل يوجد سعادة السفير أي معتقلين قطريين في غوانتانمو أو أي سجن أمريكي أخر؟

السفير القطري

لدينا اثنان من المعتقلين القطريين، واحد فقط في غوانتانمو. كما أن لدينا عدد محدود من المعتقلين في قضايا غير سياسية معظمهم من الطلاب صغار السن الذين يجهلوا تفاصيل القوانين الأمريكية. ونسعى لدى السلطات الأمريكية لحل هذه المشاكل.

تقرير واشنطن

فيما يتعلق بالجالية القطرية والمجتمع الطلابي في الولايات المتحدة، هل يوجد تقدير لعدد الطلاب القطريين ومجالات دراستهم؟

السفير القطري

عدد الطلاب القطريين في الولايا المتحدة في تزايد، فعندما بدأت عملي في السفارة كان العدد حوالي 200 طالب، الآن يوجد حوالي 400 طالب غالبا ما يدرسون الهندسة وعلوم الحاسوب. [line]

castle
04-02-2007, 03:05 PM
الاحـد 16 محـرم 1428 هـ 4 فبراير 2007

موسكو وطهران: أنظمة يسقطها الإدمان

توماس فريدمان


الشرق الاوسط

ربما يوجد أمر أكثر غباء من الإدمان على استهلاك النفط كدولة ـ وهو الإدمان على بيعه. فالإدمان على بيع النفط يمكن أن يجعل بلدك غبيا. لأنه وإذا ما انخفض سعر النفط فجأة، فيمكن ان يجعل شعبك ثوريا.

وهذه هي القصة الحقيقية لصعود وهبوط الاتحاد السوفياتي ـ فقد تعاطى جرعة زائدة من النفط ـ وهو ما يمكن أن يصبح القصة الحقيقية لإيران، إذا ما كنا أذكياء.

فقد أصبح من الصعب الحضور لموسكو وعدم ملاحظة ما الذي فعله ارتفاع سعر النفط في السنوات الخمس الماضية للطبقة الوسطى هنا. فقبل خمس سنوات، استغرق الأمر 35 دقيقة للوصول من الكرملين الى مطار موسكو.

ويوم الاثنين الماضي، استغرقت الرحلة ساعتين ونصف الساعة، لأن المدينة التي شيدت لثلاثين ألف سيارة، وكان بها قبل عشر سنوات 300 ألف سيارة وأصبح بها الآن 3 ملايين سيارة ومجموعة من الضواحي الجديدة تحيط بها.

وستصبح قضية كبيرة مسألة كيف تتعامل روسيا مع المداخيل الهائلة من النفط والغاز. ولكنني أود التركيز اليوم على كيف قتل الاتحاد السوفياتي، بعدة وسائل من بينها إدمانه على النفط، وكيف يمكن أن يصبح لدينا نفوذ على إيران، من منطلق إدمانها.

لقد درس الاقتصاديون هذه الظاهرة منذ أمد بعيد، ولكني ركزت عليها هنا في موسكو بعدما تبادلت أطراف الحديث مع فلاديمير ماو، رئيس الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني. وقد ذكرت له انه من المؤكد أن الاتحاد السوفياتي مات بسبب انخفاض أسعار النفط الى10 دولارات للبرميل الواحد بعدما تولى ميخائيل غورباتشوف مقاليد السلطة، وليس بسبب أي شيء فعله رونالد ريغان. وقد ذكر ماو أن «أسعار النفط المرتفعة هي التي قتلت الاتحاد السوفياتي. فالزيادة الحادة في أسعار النفط في السبعينات دفعت الكرملين الى مد الدعم في الداخل وغزو أفغانستان في الخارج ـ ثم ساهم انهيار الأسعار في الثمانينات إلى انهيار الإمبراطورية الممتدة.

والآن الى الأحداث: أوضح ماو أن الاقتصاد السوفياتي غير الكفؤ استمر في العقود المبكرة بسبب الزراعة الرخيصة، من الفلاحين الذين أجبروا على العمل في المزارع الجماعية، واستخدام السجناء في العمل، وحتى هذه العمالة الرخيصة لم تكن كافية، واضطر الكرملين إلى الاستيراد، بدلا من تصدير الحبوب الغذائية. ولكن مع حظر تصدير النفط العربي عام 1973 والارتفاع الحاد في أسعار النفط ـ أصبحت روسيا ثاني اكبر منتج للنفط بعد السعودية ـ فقاد ذلك إلى تطويل أمد الاتحاد السوفياتي لمدة 15 سنة من مصدر ثالث للموارد الرخيصة «النفط الغاز» كما ذكر ماو.

والى ذلك منحت عائدات النفط الزائدة حكومة برجنيف أموالا لشراء تأييد مختلف مجموعات المصالح، مثل الزراعيين، واستيراد بعض البضائع وشراء المجمع الصناعي العسكري. وكان أن ارتفعت «حصة النفط من جملة الصادرات من 10 ـ 15 في المائة الى 40 في المائة، الأمر الذي جعل الاتحاد السوفياتي أكثر تصلبا.

وقال ماو أيضا إن روسيا صدرت خلال عقد السبعينات من القرن الماضي كميات من النفط والغاز و«استخدمت هذه العائدات في استيراد الأغذية والسلع الاستهلاكية ومعدات لاستخراج النفط والغاز». ولكن بنهاية فترة مطلع الثمانينات بدأت أسعار النفط في التراجع. ومن ضمن البدائل التي كانت متوفرة للسوفيات خفض الاستهلاك، إلا أن الكرملين لم يستطع أن يفعل ذلك، وبدأ الاستدانة من الخارج واستخدم الأموال في الغالب للاستهلاك ودعم بعض السلع والمنتجات بغرض استمرار الاستقرار والتأييد الشعبي. استمرت أسعار النفط في التراجع عندما حاول غورباتشوف إصلاح الشيوعية، إلا أن الوقت كان متأخرا.

ويقول ماو إن وجه الشبه مع إيران أن الشاه استخدم العائدات الزائدة للنفط بعد عام 1973 في دفع التحديث في المجتمع الإيراني الذي لم يزل تقليديا. وجاءت ردة الفعل الاجتماعية برجال الدين عام 1979 الذين استخدموا عائدات النفط في تثبيت أقدامهم في السلطة.

أوردت «بلومبيرغ دوت كوم» عام 2005 أن الحكومة الإيرانية حصلت على عائدات نفط تقدر بما يزيد على 44.6 مليار دولار أنفقت 25 مليارا منها على شراء مجموعات المصالح وخدمات وقطاعات مثل الإسكان والوظائف والأغذية، علما بأن سعر غالون الغازولين يعادل 34 سنتا. كما ان الرئيس احمدي نجاد زاد من دعم البضائع والخدمات.

لذا، فإن أسعار النفط إذا تراجعت مرة أخرى، فسيتعين على النظام الإيراني سحب الدعم من كثير من الإيرانيين، مثلما فعل السوفيات في السابق. والبنسبة لنظام حاكم لا يحظى بتأييد واسع من غالبية الناس، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى حدوث كل أنواع المشاكل وينتهي بظهور شخصية مثل غورباتشوف في إيران، والجميع يدرك ما حدث بعد ظهور غورباتشوف.

باختصار، يمكن القول إن أفضل وسيلة لدينا لكبح النفوذ الإيراني ليست الاحتواء أو التواصل، وإنما العمل على خفض أسعار النفط على المدى الطويل، مع تبني استراتيجية تهدف إلى استخدام مصادر الطاقة البديلة. فلنستغل إدمان نفط إيران بإنهاء إدماننا نحن.

*خدمة «نيويورك تايمز»[line]
غياب كفاءة الإنفاق

بقلم: حازم عبدالرحمن

الاهرام

تسرع النواب الأفاضل الأعضاء في مجلس الشعب عن الحزب الوطني باعلان تجديد الثقة في حكومة الحزب نتيجة للموقف المحرج الذي واجهته هذه الحكومة أمام البرلمان بسبب قضية تلوث مياه الشرب‏..‏ ويظهر من البيان الذي صدر عن نواب الأغلبية ان القضية‏,‏ هي ان هناك‏37‏ مليار جنيه اضافية سوف تخصص لهذا الموضوع في السنوات المقبلة‏,‏ في حين ان كل ذي عينين واذنين تابع الجلسة النيابية سوف يتضح له ان المسألة ليست في وجود بنود الانفاق ولكن في كفاءة الانفاق‏.‏

والحقيقة أن كفاءة الانفاق هي أحد الأوجه البارزة لازمة الادارة التي تعانيها البلاد‏.‏

‏(1)‏ كان من الاوثق للحزب الوطني ولسمعته في الشارع السياسي ان يتراجع إلي الخلف قليلا‏,‏ ويسمح لوسائل وأدوات الرقابة البرلمانية ان تتخذ مجراها كاملا غير منقوص‏,‏ فاذا استقر الرأي في المجلس بكامل هيئته علي تكوين لجان تقصي حقائق فليكن‏,‏ وعلي ضوء نتائج تقرير تقصي الحقيقة يتحدد موقف النواب‏.‏

والقضية التي كانت مطروحة ليست غير ذات أهمية بالعكس‏,‏ مع قضية مياه الشرب وهل هي ملوثة أم لا؟ وعدد الوفيات التي تتسبب فيها كل عام‏,‏ وعدد الأمراض التي تصيب كل انسان منا في العام‏,‏ وطبعا فانه يترتب علي هذا عدد أيام غياب عن العمل نتيجة المرض‏,‏ وماهي هذه الأمراض وهل يتحول بعضها ليصبح أمراضا مزمنة أم انها تظل أمراضا تظهر وتختفي كل حين أو مايسبب التخلف الذهني بسبب التسمم الناتج من تناول مياه شرب ملوثة بالمعادن الثقيلة‏.‏

عند هذا الحد كنا نتوقع ان المجموعة البرلمانية للحزب الوطني ستدعو لعقد اجتماع عاجل تناقش فيه التقرير المنتظر وتذيعه بنصه الكامل علي العامة ثم تتخذ قراراتها‏.‏

للأسف الشديد ان شيئا من هذا كله لم يقع‏,‏ ولقد صادر بيان السادة النواب الافاضل علي هذه الفرصة التاريخية التي كانت سانحة للحزب الوطني لكي يعلن جهارا انه منحاز للمواطن البسيط بالاجراءات العملية وليس بالكلام ولكي يتبرأ من أي شبهة فساد صاحبت عمليات اقامة أو تجديد شبكات ومحطات تنقية المياه‏,‏ ان اسوأ ما في البيان بكل مرارة ودون مواربة انه يحاول ان يغلق القضية‏,‏ لماذا؟ لقد أوضحت الاستجوابات وطلبات الاحاطة والاسئلة التي زاد عدد مقدميها علي‏170‏ نائبا بمعني ان نصفهم علي الأقل من الحزب الوطني ان هناك اموالا قد أهدرت لاتقل عن‏50‏ مليار جنيه‏.‏ ظهر ايضا ان المياه الملوثة تتسبب في وفاة عشرات الالاف كل عام‏,‏ كذلك جري التلميح والتصريح ان خطط وقرارات تجديد شبكات مياه الشرب ومحطاتها يشوبها الكثير من الشبهات‏.‏

اللافت للنظر انه حتي نواب المعارضة لم يطرحوا المسألة من زاوية ان بنود الميزانية لم توفر الاموال اللازمة‏,‏ كلا طرحوها من زاوية انعدام كفاءة الانفاق‏,‏ وهذا هو الداء اللعين الذي نعاني منه في مصر‏,‏ فاذا سمع المواطن ان هناك ملايين أو مليارات سيتم انفاقها علي تطوير خدمة معينة‏,‏ فانه فورا يبدأ في البحث عن الاشخاص الذين ستظهر عليهم علامات الثراء الفاحش ولسوف يكون واضحا تماما في يقينه ان هناك علاقة تلازم سببية بين هذا الثراء الطاريء وذلك الانفاق السييء‏.‏

‏(2)‏ بالصدفة البحتة وبينما كان مجلس الشعب المصري يبحث موضوع مياه الشرب وتأثيره الخطير علي صحة الناس ومستقبل البلد‏,‏ صارت في بريطانيا قضية ربما لاتكون علي هذا القدر من الخطورة‏,‏ لكن دعونا ننظر إلي طريقة تعاملهم معها في بريطانيا‏,‏ القضية هي انه يحدث في كل سنة ان تقرر الحكومة هناك اعداد قائمة شخصيات تمنحها الملكة القابا لتكريمهم جزاء علي خدماتهم التي قدموها للبلاد‏,‏ المهم انه في هذا العام سارت تساؤلات قوية حول وجود شبهات فساد في إعداد القائمة‏,‏ وان توني بلير رئيس الوزراء وضع فيها أسماء بعض من كبار ممولي الحملات الانتخابية لحزب العمال‏.‏

في بداية التحقيقات‏,‏ مثل لورد ليفي وهو مستشار بلير أمام الشرطة وأدلي بأقواله‏,‏ ثم تطور الأمر حتي ان بلير نفسه تم استجوابه اكثر من مرة امام شرطة سكوتلانديارد‏,‏ ومازالت القضية مستمرة‏,‏ المهم في الموضوع ان أحدا من أعضاء المجموعة البرلمانية لحزب العمال في مجلس العموم لم يجرؤ علي اصدار بيان يجدد الثقة في بلير‏.‏

فلو أعلن الحزب هذا وثبت ان هناك فسادا فلن يكون لهذا إلا معني واحد هو ان الحزب يستخدم وزنه السياسي لكي يتستر علي فساد أو علي عمل لايتسم بالكفاءة الضرورية‏,‏ ان الحزب يستطيع ان يتحمل فساد أحد زعمائه ولو كان واحدا بحجم بلير يكفي انه الوحيد الذي قاده لثلاثة انتصارات انتخابية متتالية‏,‏ فكل سياسي معرض للخطأ المهم ان هذا السياسي مهما كان تتم محاسبته‏.‏ ففي السياسة ليس المهم ان السياسي لايخطيء المهم هو ان يتم محاكمته اذا أخطأ‏.‏

الأهم من كل هذا لننظر فقط إلي تلك القوة‏,‏ والنفوذ‏,‏ والاستقلالية‏,‏ والاستقامة التي تتمتع بها الشرطة البريطانية فلا أحد يجرؤ علي الاقتراب منها أو الادعاء بانه يملك التأثير فيها فهذه الشرطة لاتعمل نتيجة تلقي أوامر تليفونية من جهات عليا‏.‏

‏(3)‏ أعرف ان المسافة بيننا وبين بريطانيا كبيرة جدا وفي باب محاسبة المسئولين بالذات والذي يلفت النظر أن بلدا مثل مصر محدود القدرات والموارد والامكانات يبدي استعدادا عجيبا وغريبا للتسامح مع وجوه انعدام الكفاءة حتي اننا لانحقق في اين تم انفاق‏50‏ مليار جنيه مخصصة لمياه الشرب النقية‏,‏ وكيف انه بعد انفاق كل هذا المبلغ الضخم مازالت أوضاع مياه شرب تعيسة وبائسة ليس فقط في الأرياف ولكن حتي في المدن الكبري وضواحي القاهرة والاسكندرية والمنصورة‏.‏

كيف نفعل ذلك؟ في حين ان بريطانيا تحقق مع بلير في قضية قد تكون هايفة من وجهة نظرنا‏,‏ لكن ترتب علي هذا التباين بيننا وبين بريطانيا ان الاخيرة تتسم بأعلي مستوي في كفاءة الانفاق ولذلك فإنها تعلو باستمرار‏,‏ أما نحن‏...‏ ولا أريد أن أزيد‏.‏[line]
الوطنية حين تصير دعاية

ديفيد إدواردز *

الخليج الاماراتية

في أعقاب وفاة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في يونيو/ حزيران عام ،2004 أورد موقع “فير” (الإنصاف والدقة في إعداد التقارير الصحافية)، وهو إحدى العيون الرقابية الساهرة التي ترصد نشاط الآلة الإعلامية الجبارة في الولايات المتحدة، أن صحفاً أمريكية كبرى استخدمت عبارة “فرق الموت” خمس مرات فحسب فيما يتعلق بريجان، منها اثنتان وردتا في رسائل إلى رئيس التحرير. أما الشبكات التلفزيونية الأمريكية الكبرى الثلاث فلم تتطرق لا هي ولا شبكة ال “سي. ان. ان” ولا “فوكس نيوز” لفرق الموت لا من قريب ولا من بعيد.

والتاريخ يسطر مع ذلك بحروف حمراء أن الأعوام الثمانية من ولاية ريجان تمخضت عن حمامات دم، فيما عكفت واشنطن على ضخ الأموال والأسلحة إلى الطغاة من زبائنها، وإمدادهم بفرق التدريب وكافة مقومات البطش والجبروت، ودأبت على تزويد فرق الموت المرعبة من الأجنحة اليمينية المتطرفة في كافة أنحاء أمريكا الوسطى بكل ما يلزم لضمان أن تكون لها اليد العليا في هذه الصراعات الدموية التي افتعلتها. وأما العواقب فكانت كارثية بكل المقاييس، وجاءت ثمار هذه التدخلات غاية في المرارة، وحصدت عمليات القتل والتصفيات السياسية أرواح 70 ألف شخص في السلفادور، ومائة ألف ضحية في جواتيمالا، وأزهقت أرواح ثلاثين ألف شخص في حرب الكونترا الأمريكية التي شنتها الولايات المتحدة ضد نيكاراجوا التي يصفها الصحافي آلان فيرن بأنها “إحدى أضخم وأشرس حملات القتل الجماعي المروع في التاريخ الحديث”.

ومر الزمن سريعاً إلى أن وصلنا إلى حدث وفاة الرئيس الأسبق جيرالد فورد يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول 2006. وعثر بحث مستفيض لقواعد المعلومات الإعلامية (ميديا لينس 2 يناير/ كانون الثاني) بعد جهد جهيد على ذكر لمرة واحدة يتيمة في الصحافة الأمريكية بقضها وقضيضها تناول فيها مسؤولية فورد عن مذابح جماعية في تيمور الشرقية.

ورد هذا في رسالة إلى رئيس تحرير جريدة “سان فرانسيسكو كرونيكل” بتاريخ 28 ديسمبر/ كانون الأول حيث تطرق كاتب الرسالة إلى هذا الموضوع بقوله: “في عام 1975 أعطى جيرالد فورد الضوء الأخضر لسوهارتو، الذي كان رئيساً لأندونيسيا آنذاك لغزو تيمور الشرقية. وأسفر هذا الغزو لبلد كان يتمتع بالسيادة عن مقتل ثلث سكان تيمور الشرقية، وأفرز ربع قرن من المقاومة والمآسي والفظائع قبل أن تظفر هذه البقعة من العالم باستقلالها، وإن كان صورياً في عام 999ھ. وأما الأسلحة التي استخدمتها أندونيسيا فقد أمدتها بها الولايات المتحدة في انتهاك للقانون الأمريكي الذي ينص على أن إمداد الدول الأجنبية بالأسلحة والعتاد العسكري لا بد من وقفه إذا استخدم هذا السلاح لمهاجمة بلد آخر”.

وعلى نحو مماثل، ثمة إشارة يتيمة في الصحافة البريطانية وردت بقلم كريستوفر هنشينز على صفحة “الميرور” اللندنية قال فيها: “كان كيسنجر وفورد هما اللذين منحا الإذن لجنرالات اندونيسيا ليقوموا بهذا الضم غير القانوني لتيمور الشرقية، وهي العملية التي سرعان ما تحولت إلى إبادة جماعية على نطاق واسع فنحن هنا إذن أمام صمت إعلامي وصحافي مطبق مريب.

وعلى النقيض من ذلك، في أعقاب قتل عصابة من الغوغاء الذين انفلتت غرائزهم وتفجر حقدهم لصدام حسين بصورة وحشية في 30 ديسمبر/ كانون الأول، انبرى الإعلام البريطاني والأمريكي لنبش قصص فظائع صدام من مرقدها، وغص هذا الاعلام بوصف ما ارتكب من شنائع: فالهجوم الكيماوي بالغازات على حلبجة وحده تطرقت الصحافة الأمريكية إلى ذكره 74 مرة والبريطانية 29 مرة.

وكما أتينا على وصفه في هذا العمود في نوفمبر الماضي، فإنه في حين ركز الإعلام الغربي على تضخيم جرائم صدام بشكل مكثف ومبرمج تجاهل في ذات الوقت تواطؤ الولايات المتحدة وبريطانيا في هذا كله. فمنذ اعدام الرجل لم يرد أي ذكر في الصحافة البريطانية والإعلام لدعم ال”سي. آي. ايه” لصدام حسين، ولا لتزويد أمريكا وبريطانيا له بأسوأ أنواع الأسلحة. ففي النعي الذي بثته هيئة ال “بي. بي. سي” على الشبكة بتاريخ 30 ديسمبر/ كانون الأول، لم يرد في النبذة عن حياته أي ذكر على الاطلاق لدعم الغرب له. وفي مقال طويل عن حياة صدام نشر في “النيويورك تايمز” اقتصر جون. اف. بيرنز في تعليقاته على هذه البقعة السوداء على جملة واحدة: “في حقبة الثمانينات دعمت الولايات المتحدة العراق تحت حكم الرئيس صدام حسين في حربه ضد إيران”.

ولطالما انهمكت آلة الدعاية المتعصبة في وطنيتها الشوفينية في المزيد من التعزيز والترسيخ لهذه الصورة المشوهة.

ففي 24 ديسمبر أبرزت صحيفة “الاندبندنت” على الصفحة الأولى من عدد يوم الأحد صورة جندي بريطاني يحدق في الفضاء البعيد بنظرة مستغرقة تنضح بالبؤس والاكتئاب والحزن. ونقرأ في الترويسة التذكارية التي طبعت بأحرف ضخمة ممتدة على عرض الصفحة ما يلي: “إصدار تذكاري بمناسبة الكريسماس مهدى إلى جنودنا على جبهات القتال. رسائل من الجبهات، ص 8 15”.

وثمة مشكلة أخرى هي من سمات هذا الإعلام الوطني المتعصب والشوفيني، ألا وهي أنه يهرب من النقاش النزيه الجاد وينأى بنفسه عن التفكير السديد المسؤول.

فهل يكفي في نهاية المطاف إن نقول عن القوات المسلحة البريطانية: “قواتنا تفلح في تأقلمها مع الظروف وتحرز المزيد من النجاح في هذا السبيل، ولطالما نجحت في ذلك في الماضي. ولسوف تنجح دائماً في المستقبل”؟

وفي الحقيقة، فإنه وفقاً للبنتاجون، رفض نحو ستة آلاف فرد من أفراد القوات المسلحة الأمريكية، بين جنود وضباط البقاء في مواقعهم العسكرية، وأبوا الاستمرار في الخدمة الفعلية منذ أن بدأت الحرب (خلال حرب فيتنام رفض قرابة 170 ألفاً من المطلوبين للتجنيد الإجباري الانخراط في صفوف الجيش، وذلك بتسجيل أنفسهم باعتبارهم رافضين للخدمة بوازع من ضمائرهم).

لكن هذا هو في الحقيقة ما لا تفتأ حتى أفضل وسائل وأجهزة إعلامنا أن تفعله إذ تنقع عقول وأذهان الرأي العام وتغرقها في بركة آسنة من الأفكار التي تنأى بالناس عن القدرة على المحاكمة العقلية، وتتنكب بهم عن العقلية الانتقادية والتفكير التحليلي المتبصر، وتبعدهم عن الإحساس بالمسؤولية الشخصية.

* كاتب صحافي محلل وناقد سياسي
يشارك في تحرير ميديا لينس.[line]

castle
05-02-2007, 05:49 PM
الاثنيـن 17 محـرم 1428 هـ 5 فبراير 2007

زلة لسان تكشف المستور

بثينة شعبان

الشرق الاوسط

من القواعد الإعلامية الأساسية أن يلتزم الصحافيون بقرار المتحدث فيما يريد نشره، وما يتحدث به فقط للإحاطة والإضاءة. وكثير من الصحافيين يفضلون لقاء للإحاطة عن لقاء للنشر، إذا كانوا يرغبون بفهم خلفيات ما يحدث وأسبابه البعيدة وملابساته الخفيّة. وتحدث أحياناً أن لا يستطيع الإعلامي إخفاء ما يثير من معلومات أصبحت بحوزته فينقض العهد وينشر ما تمّ الاتفاق على أنه للعلم والإحاطة فقط.

وعلّ هذه هي الحال مع الإعلاميين الذين قابلوا الرئيس شيراك منذ أيام والذي تحدث عن «محو طهران» وأن الخطر الحقيقي ليس القنبلة التي ستمتلكها إيران بل مساعدتها الممكنة لدول أخرى: «سوف تساعد الآخرين على القيام بذلك «الحصول على القنبلة النووية».

لماذا لا تقوم السعودية ببناء واحدة؟ لماذا لا تساعد مصر على بناء واحدة أيضاً؟ هذا هو الخطر الحقيقي».إذاً الخطر الحقيقي لا يكمن في الفرق بين السنة والشيعة، أو في الخطر الذي تمثله إيران على العرب، كما يقال في المقابلات المسجلة، بل الخطر الحقيقي هو امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية واحتمال تسريب هذه التكنولوجيا إلى دول إسلامية أخرى، وتقويض احتكار إسرائيل لهذه التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أنّ كلّ الدراسات تشير إلى أنّ الطاقة النووية السلمية ستكون المصدر الأساسي للطاقة خلال العقود القادمة.

ما نشر على لسان شيراك، وإن سارع إلى نفيه بعد يومين، يعني أن المعاملة التي تلقاها إيران من الغرب هي المعاملة ذاتها التي كانت ستواجه مصر أو السعودية أو أي دولة مسلمة تحاول أن تحصل على قدرات نووية حتى، إن كانت سلمية، أو أن تتجرأ بأن تضع نفسها في مصاف الدول التي يُحسب لها حساب.

وهذا الاستنتاج ليس بحاجة إلى برهان، إذ ما هو السبب الذي دفع بالغرب لشنّ هذه الحرب المدمّرة على العراق؟ أوليس، أولاً وقبل كلّ شيء، امتلاك العراق للتكنولوجيا التي مكنته من تصنيع وتطوير وإطلاق الصواريخ، والأهم وصوله إلى المرحلة النووية، مما دفع بإسرائيل، وبموافقة الدول الغربية، دون استثناء، إلى شن الهجمات لتدمير مفاعلاته النووية، وهو يخوض حرباً بالوكالة عن الغرب ضدّ إيران الخمينية!!

واستكملت هذه الهجمات بالحصار والحرب الأميركية الحالية على العراق من أجل تدمير البنية التحتية لأي إنجاز تقني أو علمي، وقتل العلماء العراقيين وتهجيرهم بحيث لن يصل العراق إلى المرحلة العلمية التي كان يتمتع بها في الثمانينيات لمائة عام قادمة.
وواكبت هذه الخسارة الهائلة مآسي إنسانية واجتماعية تشكل محرقة حقيقية جارية حالياً للملايين من العراقيين على يد الغربيين الذين ارتكبوا محارق أخرى في الجزائر وهيروشيما وألمانيا وفيتنام دون وازع من ضمير.[line]
الجديد في مؤتمر هرتسليا‏2007‏

بقلم د‏.‏ سمير غطاس

الاهرام

بتأخير لأقل من أربعة اسابيع فقط‏,‏ عاد فانعقد أخيرا المؤتمر السنوي لتفحص ميزان المناعة والامن القومي في اسرائيل‏,‏ ويعرف هذا المؤتمر باسم مؤتمر هرتسليا نسبة للمدينة التي ينعقد فيها سنويا شمالي مدينة حيفا علي ساحل المتوسط‏,‏ والتي تحمل اسم مؤسس فكرة الدولة الصهيونية تيودور هرتسل‏.‏ويعد هذا المؤتمر السنوي واحدا من اهم الاحداث السياسية‏,‏ أن لم يكن أهمها علي الإطلاق في إسرائيل‏.‏

وكان قد تأسس في عام‏2000,‏ بمبادرة من المفكر الاستراتيجي عوزي أراد‏,‏ وهو ضابط موساد سابق‏,‏ وشغل من قبل منصب المستشار السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو‏,‏ وكانت المحافل العلمية في اسرائيل قد تجاوبت مع هذه المبادرة خاصة جامعة حيفا والمعهد المتعدد المجالات في هرتسليا‏,‏ ويتبني كبار رجال الاعمال والاقتصاد في اسرائيل تمويل هذا المؤتمر الذي يتم التحضير له بكل دقة وجدية طوال العام

ويدعي لحضوره حوالي‏400‏ شخصية تضم كل رجالات السياسة هناك‏,‏ خاصة رئيس الوزراء الحالي وكل رؤساء الحكومات السابقة وزعماء الاحزاب والمفكرين الاستراتيجيين في المجالات المختلفة فضلا عن كل قادة المؤسسة العسكرية والامنية بكل فروعها‏,‏ وكبار رجال الاعمال والاقتصاديين حتي انه يقال انه ليس من النخبة في اسرائيل من لم يكن هناك في هرتسليا‏.‏

ولهذا كله يعتبر هرتسليا بمثابة العقل الجماعي الاستراتيجي المفكر للدولة الاسرائيلية كما يقال عنه هناك‏.‏

ويمكن القول أولا بأن مؤتمر هرتسليا السابع‏,‏ انعقد هذا العام في ظل تصدر المسألة الايرانية لقائمة التهديدات الاستراتيجية التي تواجهها اسرائيل‏,‏ وأيضا في ظل التأثير القوي لتداعيات الحرب علي لبنان‏,‏ والتي لاتزال تتفاعل بقوة علي جميع المستويات الاسرائيلية‏.‏ ومن التقاليد الاساسية لمؤتمر هرتسليا أن يتم إجراء فحص سنوي شامل لقياس المنعة القومية للدولة والمجتمع الاسرائيلي‏,‏ ويقوم بهذا الفحص مركز بحوث الامن القومي في جامعة حيفا باشراف برفيسور متخصص يدعي جبرائيل بن دور‏.‏

وقد أجري البحث هذا العام لقياس تأثير الحرب التي جرت في الصيف الماضي علي المناعة القومية للمجتمع الاسرائيلي‏,‏ واعتمد البحث علي عينة واسعة تمثل‏26‏ ألف يهودي وعربي‏,‏ وأظهرت النتائج التي بحثها بعناية مؤتمر هرتسليا المؤشرات التالية‏:‏

‏1‏ ـ أن هناك ارتفاعا ملحوظا في مستوي خوف الجمهور في اسرائيل من هجوم إحدي الدول العربية‏,‏ ويقدر هذا الارتفاع بنسبة تصل إلي‏15%‏ عن العام الماضي‏.‏

‏2‏ ـ أنه لم يحدث أي تغيير جوهري في الروح العسكرية للاسرائيليين‏,‏ بمعني أن الجمهور هناك لا يطلب‏,‏ بعد الحرب‏,‏ من الحكومة المبادرة الي اعمال عسكرية أكثر تشددا‏.‏

‏3‏ ـ أن الشعور الوطني‏,‏ بعد الحرب‏,‏ بقي ثابتا ولم يشهد تصاعدا كما كان متوقعا في العادة في عقب الحروب أو الازمات‏.‏

‏4‏ ـ أن ثقة الجمهور بالمؤسسات‏,‏ بعد الحرب‏,‏ استمرت في الانخفاض بنسبة تصل الي‏14%‏ عما كانت عليه قبل‏6‏ سنوات عندما انعقد مؤتمر هرتسليا الأول‏.‏

‏5‏ ـ كما انخفضت ثقة الاسرائيليين في الكفاءة القتالية للجيش وفي قدرته علي الحسم‏,‏ ووصلت نسبة هذا الانخفاض الي‏9%‏ عما كانت عليه قبل الحرب الأخيرة‏.‏

ورغم خطورة هذه المؤشرات فإن الباحثين في هرتسليا مع ذلك زعموا بان الحرب لم تحدث تأثيرا عميقا في قناعة الجمهور هناك بقوة المناعة القومية للدولة وللمجتمع الاسرائيلي‏,‏ ولكنها مع ذلك أضرت علي نحو كبير بثقة الجمهور هناك في قدرة اسرائيل علي مواجهة التهديدات الخارجية‏.‏

وفي سياق متصل‏,‏ كان مؤتمر هرتسليا هذا العام خصص جلسة مهمة للنظر في مستقبل الجيش والقوة العسكرية‏,‏ وجرت هذه الجلسة تحت عنوان‏:‏ الجيش الاسرائيلي ـ اتجاهات للتجدد وزيادة القوة‏,‏ وكانت هذه الجلسة شهدت علي نحو خاص جدلا مثيرا حول تقويم دور الاذرع العسكرية للجيش في الحرب‏,‏ وجرت من جديد المفاضلة بين الاعتماد الواسع علي الحرب الجوية‏,‏

أو العودة لرد الاعتبار لصالح المعارك بالقوات البرية‏,‏ كما تطرقت هذه الجلسة لضرورة اعتماد الجيش علي التكنولوجية العسكرية المتقدمة وعدم الاستهانة تحت أي دعوي باهمية هذه المسألة‏,‏ فضلا عن ضرورة الاعتماد علي أفضل المعلومات الاستخباراتية‏,‏ وشهدت هذه الجلسة أيضا ميلا متزايدا للدفاع عن كفاءة الجيل الشاب من المقاتلين في الجيش الاسرائيلي‏,‏ وان المشكلة لا تكمن في كفاءة هؤلاء الجنود‏,‏ وانما تكمن في تدني المستويات الاعلي من القادة والضباط في الجيش‏.‏

وخلافا للوضعين الاستراتيجي والعسكري‏,‏ كانت جلسات مؤتمر هرتسليا قد شهدت أيضا جدلا عميقا حول الموضوع التعليمي والتربوي‏,‏ خاصة بعد أن اقترح البرفيسور شمشون شوشاني خطة جريئة للغاية تدعو الي احداث ثورة في العملية التعليمية هناك‏,‏ كأن تبدأ الدراسة في سن الرابعة‏,‏ وأن يتم حصر التلاميذ حتي سن‏12‏ سنة في مدارس صغيرة وفي صفوف متعددة الاعمار‏,‏ وأن يتم ربط مجانية التعليم بالتقدم العلمي لكل تلميذ مع تعديل المناهج وتعميم استخدام الكمبيوتر وغيره‏,‏

وقد أنقسم النقاش حول هذه الخطة بين من أتهموها بتشجيع التمييز الاجتماعي والثقافي والتعليمي‏,‏ وبين من اعتبروا أن الخطة يمكن أن تحدث ثورة حقيقية في مجال التعليم‏,‏ وأن هذا هو رهان الاستثمار الحقيقي لكسب تحدي حجز مقعد في الصفوف الأولي مع الدول الاكثر تقدما في العالم‏.‏

وعلي الصعيد السياسي‏,‏ كانت مداخلة شمعون بيرس في هرتسليا قد اتسمت كعادته بقدر مفرط في التفاؤل‏.‏

أما عمير بيرتس زعيم حزب العمل ووزير الدفاع‏,‏ فقد استغل الفرصة في هرتسليا ليعرض خطته السياسية المتدرجة التي يقترحها للسلام مع الفلسطينيين‏,‏ وهو يزعم أنها تدمج مابين خريطة الطريق والمبادرة العربية للسلام التي اعتمدتها قمة بيروت العربية عام‏2002‏

وتعمد بيرتس التأكيد علي أن خطة الانطواء لأولمرت لم تعد قائمة تماما‏.‏ وكان من الطبيعي أن تستحوذ كلمة رئيس الوزراء أولمرت علي الاهتمام الاكبر في مؤتمر هرتسليا‏,‏ رغم أنه ذهب الي هناك هذا العام وشعبيته توالي تدهورها‏,‏ وبجعبة خاوية من أي مبادرة أوخطة أو رؤية مثيرة للاهتمام‏,‏ ومع ذلك كله أحدثت كلمة أولمرت في الموتمر ردود فعل صاخبة داخل اسرائيل ربما لأنه تعمد أن يكرس القسم الاكبر من كلمته لما يسمي بالتهديد الاستراتيجي الايراني‏,‏ ومن أبرز ما قال إن لدينا حقا في حرية العمل الكاملة للدفاع عن مصالحنا الحيوية‏,‏

لن نتردد في عمل ذلك لكن أولمرت‏,‏ حرص في الوقت نفسه علي أن يهدأ من روع ومخاوف الاسرائيليين عندما قال‏:‏إنه رغم خطورة التهديد فليس علي إسرائيل تهديد قريب لهجوم بسلاح نووي

وعلي صعيد آخر كان المسار الاسرائيلي ـ الفلسطيني‏,‏ أحتل مكانته البارزة سواء في الاوراق والدراسات أو علي صعيد المداولات والمدخلات التي شهدها مؤتمر هرتسليا ومع ذلك لوحظ‏,‏ هذا العام‏,‏ أن الاستخلاصات التي قدمها كبار المحللين الاستراتيجيين في المؤتمر كانت قد غلبت عليها التقديرات التي استبعدت تماما إحراز أي تقدم أو تسوية محتملة علي هذا المسار‏.‏

وقد حاول البعض هناك أن يرجع هذه الرؤية الي ماأعتبره انسدادا في افق التسوية نتيجة تحول الصراع من الطابع القومي الي الطابع الديني في اطار تصاعد مد الاسلام السياسي والاصولي‏.‏

وقد تكون مثل هذه المزاعم الخطيرة سببا إضافيا لحثنا علي مزيد من الاهتمام بمؤتمر هرتسليا‏,‏ لأنه مع كل اختلافنا مع موضوعاته وافكاره ومواقفه‏,‏ فإنه مع ذلك يبقي الحدث السياسي الاكثر أهمية في إسرائيل‏.‏ [line]
وقفة إجلال .. للعاهل السعودي

محمود المبارك

الحياة

الدعوة الكريمة التي أطلقها العاهل السعودي لجمع شتات البيت الفلسطيني في مكة المكرمة تستحق أكثر من وقفة تقدير، وإن عمي أو تعامى عنها الإعلام العربي المؤثر.

فقد جاءت هذه الدعوة المباركة موفقةً من حيث الزمان والمكان. فأما الزمان فهو بدء ما يخشى أن ينتهي إلى حرب أهلية فلسطينية، والذي إن لم يتم احتواؤه في بدايته، ربما جر إلى ما لا تحمد عقباه، ليس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على المنطقة برمتها. وأما المكان، فهو المسجد الحرام الذي هو بداية مسرى رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، والذي له علاقة مباشرة بالمسجد الأقصى المبارك حيث نهاية المسرى النبوي الكريم، الذي ورد ذكره في سورةٍ، موقعها في قلب القرآن الكريم لتبقى تنبض في قلب كل مسلم.

المملكة العربية السعودية دولة من الوزن الثقيل بالمعايير السياسية والاقتصادية الدولية. فإضافة إلى كونها تحتضن القبلة الدينية للمسلمين جميعاً وقبر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، تمتلك السعودية ميزةً إضافية تتمثل في كونها أكبر مصدر لعصب الحياة العصري وتطفو على بحيرة من مخزوناته الأرضية، الأمر الذي يؤهلها لأن تكون طروحاتها السياسية محل اهتمام إقليمي ودولي.

من هذا المنطلق، تأتي أهمية دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لِلَمِّ شمل الأطراف الفلسطينية المتناحرة، كدعوة من وسيط غير منحاز ومن حكومة عرفت بوسطيتها وعقلانيتها ومحبتها للجميع.

ليست اللفتة الحانية الأولى من الدولة العربية الكبيرة لأشقائها في البلدان العربية والمسلمة. فقد قامت الحكومة السعودية بوساطة نزيهة في حل عدد من الأزمات العربية في الماضي، ما جعلها محل ثقة الأطراف المتنازعة على اختلاف مشاربها. من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الوساطة السعودية – المصرية المشتركة في حل الخلاف العراقي - الكويتي عام 1973، حين اجتازت القوات العراقية الحدود الكويتية في ما عرف لاحقاً بقضية «الصامتة» عند الكويتيين، كون هذا الخلاف عولج بكتمان سياسي حكيم. ومثل ذلك أيضاً الوساطة السعودية التي وضعت حداً للحرب الطائفية في لبنان عام 1989، بعد أن جمعت الفرقاء اللبنانيين على الأرض السعودية، حيث تمخض عن ذلك اللقاء، الدستور اللبناني الحديث المعروف بـ «اتفاق الطائف».

تأتي هذه الوقفات التاريخية للحكومة السعودية متماشيةً مع تاريخ طويل من العمل الدؤوب لتحقيق وحدة عربية وإسلامية. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض القيادات العربية تستغل سلطتها ونفوذها لتحقيق انشقاقات داخلية في شكل «ثورات» أو انقلابات عسكرية ضد أنظمة عربية آمنة، كانت نداءات المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز تدعو إلى توحيد الصف الإسلامي برمته في ما عرفه التاريخ بدعوته إلى «التضامن الإسلامي».

وفي الوقت الذي يتدخل فيه عدد من الدول العربية والإسلامية في شؤون دول أخرى لمصالحها الخاصة المتعارضة مع مصالح شعوب تلك البلدان، تسارع الحكومة السعودية في مد يد العون إلى عدد من الدول المحتاجة، لا لشيء سوى تحقيق مصالح وطنية بحتة لشعوبها.

اليوم، حيث يعيش العالم العربي والإسلامي حالة من فقدان الزعامة السياسية، تتجه أنظار الملايين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية إلى المملكة العربية السعودية بصفتها تمتلك القدرة على التأثير في السياسات الدولية، بسبب قربها من مراكز اتخاذ القرار الإقليمية والدولية، ووسطيتها التي هيأت لها قبولاً دولياً، إضافةً إلى مكانتها الدينية والاقتصادية والسياسية، لكي تلعب الدور القيادي المنتظر منها في لم شتات الأمتين العربية والإسلامية.

ولعل بداية هذا الدور القيادي للمرحلة المقبلة، يتألق غداً (الثلثاء) حين تجمع الوساطة السعودية النزيهة، القيادات الفلسطينية تحت رعاية وإشراف الأب الحاني الذي ينتظره دوره التاريخي لحل الأزمات العالقة، ليس في فلسطين وحدها، بل في لبنان والعراق والصومال أيضاً.

فالعاهل السعودي الذي يتمتع بشعبية عارمة داخل وخارج بلاده لم يعد ملكاً لشعبه فحسب، بل أصبح ملكاً للشعوب العربية جمعاء التي أعرب كثير من أبنائها عن ذلك الشعور. فعلى الصعيد الداخلي، ابتدأ الملك عبدالله عهده بعفو عن المعتقلين السياسيين من مواطنيه، وإطلاق سراح المسجونين من المديونين بعد سداد ديونهم، وتوزيع مساكن للفقراء، ثم أتبع ذلك بزيادة في رواتب موظفي الدولة هي الأولى في بلاده منذ ربع قرن، قرنها بتخفيضات في أسعار الوقود والطاقة، تزامنت مع أكبر موازنة شهدتها المملكة العربية السعودية.

وعلى الصعيد الدولي، طالت اليد الكريمة للعاهل السعودي كل قطر عربي وإسلامي، وما زال صدى صيحات نداءاته للمصالحة وجمع الكلمة وتوحيد الصف العربي والإسلامي يدوي في كل أذن واعية.

ونتيجة لتلك المكانة المرموقة، فإن دوراً ريادياً لا يزال ينتظر الملك العربي الذي اعتاد شعبه العربي من حكومته المواقف القيادية الحازمة، التي أجبرت العالم أجمع على احترامها، كتلك التي عبر عنها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، أثناء حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، حين أعرب عن إكباره للملك فيصل بن عبدالعزيز الذي تجرع من أجل لقائه ساعات الانتظار الطويلة في الرياض المرة تلو المرة.

ومن يدري، فقد يكون الملك عبدالله بن عبدالعزيز هو رجل المرحلة المقبلة، وقد يخبئ له القدر مكانه التاريخي حين تنجح الوساطة بين الفلسطينيين، بعد أن يتولى بنفسه الإشراف على سير المفاوضات في مكة المكرمة. وقد تتبعها وساطة ناجحة أخرى بين الفرقاء اللبنانيين ليتمخض عنها «اتفاق الطائف 2» وهو أمر أظن أن العاهل السعودي ينتظر الوقت المناسب للدعوة إليه ولعله قد حان. ثم يتبع ذلك صلوات ودعوات بأن يكون بدء حل الأزمة العراقية على يد الرجل المبارك، حين يعطي أطراف النزاع العراقي مواثيقهم وعهودهم في المدينة المنورة أو في مكة المكرمة على إيقاف الجرح العراقي تحت سمع وبصر العاهل السعودي الذي سيقف العالم إجلالاً له.

حقوقي دولي.[line]
ويسلي كلارك عندما يُتهم بمعاداة السامية

ماثيو يجليسياس

الخليج الاماراتية

يؤرق الجنرال المتقاعد ويسلي كلارك، كما يؤرقني ويقضّ مضجعي، مضيّ إدارة بوش في غيّها واعتزامها شن حرب على إيران. وكانت اريانا هافينجتون قد حاورته في بداية شهر يناير/ كانون الثاني وسألته عن سبب ما يساوره من قلق بشأن أن الإدارة قد ذهبت في هذا الاتجاه. وحسب ما استقرأته هافينجتون من أفكار كلارك وضمنته مقالتها في 4 يناير/ كانون الثاني، فإن الجنرال قال: “ما عليكم سوى أن تقرأوا ما تزخر به الصحافة “الإسرائيلية”. فالمجتمع اليهودي منقسم، غير أن هناك ضغطاً هائلاً يمارسه كبار أثرياء نيويورك على المتلهفين على المنصب والسّاعين للفوز به”.

وهذا صحيح بالطبع، فأنا يهودي، ومع ذلك فلا أرى أنه ينبغي على الولايات المتحدة شن الحرب على إيران وقصفها بالقنابل. إلا أنني كنت أتحدث ليلة الخميس الى صديقة لي يهودية، وكانت توافقني الرأي وتعتقد أنه يجب على الولايات المتحدة ألا تضرب إيران بالقنابل.

وباختصار، فإن المجتمع اليهودي منقسم بشأن هذه القضية. كما أن من الصحيح أيضاً أن معظم المنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسية تنحاز الى وجهات نظر كبار مانحي الأموال الواسعي الثراء الذين تميل آراؤهم السياسية بتطرف نحو اليمين في وسط اليهود الأمريكيين، وهم من الفئات العرقية الأكثر ليبرالية في الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، يصح أيضاً القول إن المنظمات اليهودية الكبرى تحاول دفع البلاد الى إيقاد حرب ضد إيران. وأخيراً، فإن الصحيح أيضاً أنك إذا قرأت الصحافة “الإسرائيلية” سوف ترى أن أرباب السياسة “الإسرائيليين” من الجناح اليميني يتوقعون، بل ويرجّحون نشوب مواجهة عسكرية مع إيران، وهنا على سبيل المثال مقال عن توقيت اختيار قائد أعلى جديد لجيش الحرب “الإسرائيلي” وغالباً ما يستشهد المراقبون بقول بنيامين نتنياهو إن القائد الجديد “ينبغي عليه أن يصلح شأن الجيش ويعزز

قواته ويزيد عدد جنوده ويعيد بناء قوة الردع “الإسرائيلية” ويهيئ مقومات الدفاع ضد المخاطر، وعلى رأسها إيران”.

وباختصار أيضاً، فإن كل ما قاله كلارك صحيح. وعلاوة على ذلك، فإن الجميع يعلمون أنه صحيح. وأسوأ ما يمكن قوله، بحق وصدق عن كلارك، إنه عبّر عن نفسه بطريقة غريبة نوعاً ما. وعلى ما يبدو بوضوح، فإنه إنما فعل هذا لأن هذه القضية حساسة، لذا ينتابه القلق من أنه إن تحدّث بصراحة فسوف يُتهم بأنه يروّج للفكر والثقافة المعادية لليهود (للسامية). لذا لجأ الى التحدث بمواربة تفتقر الى الوضوح، ولسوء حظه رَموه بأنه يعادي السامية.

وشبّه جيمس تارانتو، الذي يكتب عمود “أفضل ما على الشبكة”، الذي يضاهي افتتاحية “الوول ستريت جورنال”، آراء كلارك بشأن هذه القضية بكتاب بروتوكولات حكماء صهيون المعادي لليهود. ويجادل سكوت جونسون، الذي يشارك في تحرير موقع “باور لاين” بأن تعليقات كلارك ليست مجرد كلام “معادٍ ل “إسرائيل”. وتساءل جونسون: أهو قلق أبوي محض على يهود أمريكا من أن يوصموا بصفات تقليدية شنيعة، مثل اتهامهم بإيقاد الحروب، وهي التهم التي كانت تؤدي أحياناً الى طردهم من كنف المجتمع المهذب المتمدن، صدر عن شخصية محورية في الحزب الديمقراطي؟

وغني عن القول، إن كلارك لم يَصِمْ يهود أمريكا بأوصاف شنيعة ولم يغمز من قناتهم، إلا أنه شطح في الكلام فذكر أن المجتمع اليهودي منقسم بشأن هذه القضية. وأما هجوم مايكل بارون الساخر على كلارك فقد أفلح، عن طريق الصدفة، في الكشف عن فهم بارون لملاحظات كلارك على أنها صحيحة في جوهرها. ولاحظ بارون أن “من الممتع والطريف أن نرى مرشحاً ديمقراطياً رئاسياً يأمل في إدانة أثرياء نيويورك الذين لا حد لثرائهم، والذين أمضى كلارك بعضاً من الوقت معهم في الفترة من عام 2003 الى 2004.

وفي الحقيقة، ومن المثير للاهتمام، حين التصدي لتبيان القواعد الغريبة للطريق في خضم نقاش سياسة أمريكا تجاه “إسرائيل”. فإذا كنت تدلي بتعليقات تدعم مواقف القوى الأمريكية التي تزعم أنها موالية ل “إسرائيل”، كما كان الشأن بالنسبة لبارون، فإن من المقبول أن نلاحظ أن هذه القوى آنفة الذكر، هي قوى مؤثرة في الحزب الديمقراطي، ويعود السبب جزئياً في هذا الى أنهم يتبرعون بمبالغ طائلة من المال للسياسيين الديمقراطيين الذين يبدون استعداداً للانضمام الى الجوقة والتناغم معها وعدم السباحة عكس التيار. والمفارقة هنا أن المرء حين يبدي ملاحظته بشأن هذه الحقيقة عن طريق انتقاد تأثير القوى “الموالية ل”إسرائيل”” فسرعان ما تدان وتتهم بأنك معادٍ للسامية.

وما أودّ قوله هو ان هذا الموضوع يثير القلق، ف”إسرائيل” ليست على قلب رجل واحد، فهناك فئة من “الإسرائيليين” تدفع باتجاه إشعال فتيل الحرب ضد إيران. وقبل أن تهبّ “وكالة فوكس” لتحاصرني وتشدد الخناق عليّ صحافياً فلا بد لي من القول، إن موقع جماعة الضغط اليهودية الأمريكية الكبرى “إيباك” يزخر بالمقالات التي تخوّف من إيران وتحذّر من تنامي التهديد الذي تمثله. والكتّاب لا يتوقفون عن قرع أجراس الخطر محذرين من صعود قوة إيران النووية. وهناك جماعة تدعى “المشروع “الإسرائيلي”” تدأب على التهويل والتخويف من الخطر النووي الإيراني متعامية عن حقيقة أن “إسرائيل” ترفض بتعنّت الانضمام الى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وإذا شئنا مثالاً آخر فبين يدينا الجائزة التقديرية التي كرّم بها المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي السيناتور جون ماكين فمنحه جائزة جاكسون في ديسمبر. وفي الكلمة التي ألقاها بعد قبوله الجائزة جادل ماكين قائلاً “إن السبيل الى إحراز “إسرائيل” لنجاحات في المستقبل لن يكون درباً سهلاً معبّداً. وسيكون هناك عدد من القضايا العسيرة، وعلى رأسها، بالطبع إيران”. وهي عبارات تحرّض على الحرب.

وبهذه الجزئية الأخيرة، نحن لا نكتشف مدى ما تتسم به عبارة كلارك من دقة فحسب، بل نلمس كذلك مرة أخرى نفاق تلك الفرق المناهضة لمعاداة السامية.

وبما أن كلارك يطمح الى مستقبل زاهر في اللعبة السياسية انتهى به المطاف الى التراجع عن الملاحظات التي أدلى بها، وراح يوضح أنه لم يكن يعني ما قال. لقد أنجز أولئك الذين شوهوا سمعته مهمتهم وحققوا مآربهم. ولكن هل يوحي كلامي من قريب أو بعيد أن الديمقراطيين كانوا جبناء بصورة مفرطة وغير لائقة فيما يخص القضية الإيرانية لأنهم يخشون تخطي “مؤسسات قوية موالية ل”إسرائيل””، واستثارة سخطها؟ كلا على الإطلاق، ولا يذهب الى مثل هذا الاعتقاد سوى أولئك الذين يعادون السامية.

* كاتب صحافي ومحلل سياسي، والنص منشور على موقع “ذي أمريكان بروسبيكت انكوربوريشن”[line]

castle
06-02-2007, 03:22 PM
الثلاثاء 18 محـرم 1428 هـ 6 فبراير 2007

العروبة الحقيقية مسؤولية المثقفين والمفكرين العرب

جورج رجّي
الحياة

انها انسانية في أي حال ومع كل حال، والمشهد العربي العام الظاهر في هذه المرحلة بين المشرق والمغرب، وعلى الامتداد الأوسع الذي يمارس به العرب حضورهم الخارجي، سواء على صعيد حكوماتهم وممثليها لدى بقية الدول والمنظمات الدولية أم على صعيد انتشار المواطنين العرب، للهجرة أو السفر من أجل التحصيل العلمي، ومن أجل العمل والاستثمار وحتى السياحة، هذا المشهد العربي الشامل للصورة العربية مع مطلع القرن الحادي والعشرين، يضاعف مأساة التباعد بين المجتمعات العربية، ومعها الكثير من المجتمعات الاسلامية، وبقية المجتمعات الغربية، وانتقالاً الى الشرق الأقصى حيث يصعب تعريف الشعب الصيني أو الشعب الهندي بشكل عام، بالعرب والعروبة، وحيث يجد العرب أنفسهم حائرين بين الغرب من ناحية، والشرق البعيد من ناحية ثانية، بينما هم أنفسهم، واقعون تحت وطأة النزاعات الطائفية والمذهبية، يغذيها التدخل الأجنبي في شؤونهم بالطبع، ويمارسها المنفعلون منهم بغباء التعصب المنافي للدين والإيمان، او المكلّفون بمهمات خارجية مشبوهة يصب تنفيذها دوماً في مصلحة أعداء العرب الطامعين بهم وبثرواتهم الطبيعية لا في مصلحة بلدانهم وتقدم شعوبهم.

والأخطر، في تفاعلات الحركات الطائفية والمذهبية، بين قطر عربي وآخر، وفي التخلف الفكري الذي تنشره في صفوف المواطنين حيث يطغى أتباع التطرف الأعمى على غالبية المواطنين، لعزل الحكماء والعقلاء المترفعين عن الأحقاد الفئوية، والميول العنصرية التي حفل التاريخ الانساني العام بمساوئها، في كل منطقة من العالم... ان الأخطر، هذا، يتمثل في مظهرين متوازيين، منذ سقوط الشيوعية، وانفراط النظام السوفياتي.

المظهر الأول هو تفرد الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية بالرغبة في قيادة العالم، ولو من خارج منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، على رغم الأخطاء والمآسي التي تسبب هذ الانفراد بها، في افغانستان ثم في العراق، وبعدهما، إذا استمرت السياسة نفسها، في لبنان وفلسطين، وربما في سورية وايران، على اتساع المخاطر الكبرى المسيئة لشعوب الشرق الأوسط، بمقدار ما هي مسيئة، للولايات المتحدة الاميركية ومصالحها الحيوية، فيقع العالم بأسره، لا العرب والمسلمون وحدهم - وبالتالي اسرائيل الضائعة حالياً بين الاقرار بوجوب عقد سلام عادل مع العرب أو الاستمرار في سياسة الأطماع العدوانية - ويظل من احتمالات هذا المظهر الأول ان تتعقد الأزمات بإشعال الفتن الطائفية والمذهبية والعنصرية توهماً خادعاً يقوم على الاعتقاد بأن إغراق العالم العربي والاسلامي تدريجياً في هذه المتاهة الاجرامية المعيقة لتقدمه والتي تنزل الكوارث يومياً بأبنائه الأبرياء، ستخدم الغرب ومعه اسرائيل.

والمظهر الثاني يرتسم فكرياً وسياسياً على صعيد العقائد والأحزاب التي انشلت و حلت نفسها، من خلال تبدل قياداتها ومنظّريها، فصار من العجيب المذهل أن يتحول الثوريون المنادون بالتغيير للوصول الى السلطات الرسمية في بلدانهم، أيام الكتلتين العظميين من أبطال كفاح يملأون الجامعات والشوارع بالشعارات والهتافات، الى معزولين منصرفين للتأمل والمراجعة بغية استخراج العبر وتفهم الصواب في النظرة الى الحياة والكون، أو الى انهزاميين يتعلقون بأي سياسة كانوا يحاربونها سابقاً، وينادون بإسقاطها ثم لجأوا اليها، وباتوا بعد ذلك، من المبالغين بالتزلف لقادتها، فزادوا على انهيار الكتلة الشيوعية شكلاً آخر من اشكال الفساد وصارت الانتهازية الناشطة أهم ما يعبرون به عن المواقف المستحدثة التي يتجرأون ويقون انها نابعة من حقهم بالتغيير، علماً بأن التغيير الذي سيقفز فجأة، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، من الانضواء تحت المادية الديالكتيكية، والماركسية - اللينية والإلحاد، الى الانخراط في صفوف الأحزاب والتجمعات الطائفية البالغة الأذى على وحدة الشعب ووحدة المصير، جعل الواقع الثقافي والأدبي الملوث بهذه النكبة العربية المعاصرة أسوأ من واقع الانتهازيين التقليديين الذين عرفهم القرن العشرون بين أيام الانتداب والحماية، من جهة، وأيام الاستقلالات العربية الشريفة العاملة لأجل الغد العربي الأفضل، والتي اخترقتها من جهة ثانية، عوامل الفرقة والمطامع السياسية المشبوهة والكاذبة.

والعروبة الحقيقية قبل هذين المظهرين وبعدهما، يتيمية بين أهلها، غريبة بين دول العالم التي تجهلها فتخافها وتحاربها، وتنظم المؤامرات والخطط لطمسها تارة باسم النظام الدولي الجديد، وطوراً باسم الشرق الأوسط الكبير، أو الشرق الأوسط الجديد، أو قبل ذلك، باسم ما تسعى اليه اسرائيل من شرق أوسط اقتصادي تعتقد من خلاله أنها تحل مشاكلها مع العرب لتكون هي الكاسبة عليهم.

وعندما تجمع العروبة في صفاتها ما لم يمارسه العرب أنفسهم كلياً، من مزايا وقيم ومآثر انسانية يعود تاريخها المتنامي ايجابياً الى ثلاثة آلاف سنة على الأقل، فالسؤال الأكبر المطروح يبقى التالي:

أين ظهرت مبادئ الحق والعدل والمساواة في العالم قبل بزوغها مع العروبة؟

أين عرفت البشرية الكرم والوفاء والضيافة ومساعدة الضعفاء قبل أن تتجسد هذه الفضائل بالعروبة؟

أين ظهر الشعر الانساني الراقي المتكامل في العالم قبل الشعر العربي، والتدقيق في تذوقه والاحساس به، وادراك المستوى الفني العالمي الذي وصل فيه الى الحفظ والتدوين، يؤكد ان ألف عام من التطور الانساني ربما كانت ضرورية حتى يمتلك العرب، والعالم معهم، مثل هذا الشعر، الذي توالت تطوراته لتؤكد ايضاً ان العروبة كانت من الينابيع الأولى للحضارة وأن التمسك بها والالتزام بهويتها كفيلان بجعل حسان بن ثابت، والسموأل وامرئ القيس أمثلة بارزة قابلة للحياة الدائمة من أجل أن يلتقي أبناء الديانات التوحيدية الثلاث تحت لوائها متحررين من رواسب الخلافات التاريخية، وفخورين بمعانيها السامية التي مهدت لطموحات النهضة الغربية، وتنطوي على أفضل مدلولات السياسة الديموقراطية، منذ العهد اليوناني حتى الأزمنة المعاصرة.

ان المطلوب من العرب، قبل كل شيء أن يعودوا للعروبة الصافية التي لا تفسدها ممارسات الأنظمة السيئة والفاشلة، لكي تستقيم نظرتهم لتاريخهم وتاريخ العالم، فيحلوا مشاكلهم الذاتية، ويبعدوا عن شعوبهم تهم العنف والارهاب التي يلصقها أعداؤهم بهم، سعياً لاضعافهم واخضاعهم وتفرقتهم وتشريدهم بعد ابادة ما يمكن ابادته من مواطنيهم.

وهذه المهمة من واجب المثقفين المتنورين الذين يستطيعون العمل بالتنسيق مع كل فئة واعية، حتى بين الذين تاهوا بعد سقوط الشيوعية وصار عليهم العودة من جديد الى المنطق الوسطي البناء القادر وحده على إبداع الأفكار المستقبلية الصالحة من دون تهور أو تناقض أو تراجع عن الاصلاح والتقدم.

وعندما تدرك غالبية المفكرين العرب، سواء المفكرين في السلطة الحكومية، أو خارجها، على اتساع الميادين الاكاديمية والإعلامية، ضرورة الالتزام بوعي الهوية العربية الصحيحة، والعمل على أساسها يصير بإمكان المجموعة العربية، وجامعة الدول العربية تحديداً، الاطلال على العالم الخارجي بسياسات جديدة للقضاء على التعصب والفرقة، ولخدمة الانفتاح انسانياً، ومحاورة بلدان العالم كبيرها وصغيرها، بشأن التركيز على تواصل الثقافات وتوحدها لانقاذ الحضارة الانسانية جمعاء من الصراعات والحروب التي تهددها، ما دام العقل أقوى من الاختلاف، والتسامح أقوى من الأحقاد، بلوغاً الى رسم سياسات متطورة للمصالح الدولية، تضمن تحسين أداء الأمم المتحدة، وحماية الكرة الأرضية من الأخطار المحيطة بالبيئة والأمراض التي تصيب المجتمعات النامية من دون أن تفي الدول المتقدمة بما تعدها به من مساعدات تكفيها للارتقاء ومجاراة التكنولوجيا الجديدة.

كاتب لبناني[line]
الزيارة الروسية للسعودية والمتغيّر الجيو سياسي المرتجى

فارس خشّان*

الوطن السعودية

نادرة هي الأحداث التي تستحق أن تُعطى صفة التاريخية، على اعتبار أن "العمل التاريخي" يجب أن يكون تغييريا. زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمملكة العربية السعودية تتلبس هذه الصفة.
ليس المهم التحدث عن نقاط التلاقي بين المملكة وبين روسيا الاتحادية-كالعدو الداخلي المشترك أي إرهاب المتطرفين الإسلاميين، وكالمصلحة المشتركة بين أكبر دولتين نفطيتين في العالم - للدلالة على تاريخية الزيارة الروسية، ذلك أن القواسم المشتركة بين كثير من الدول لا يمكن تعدادها في بعض الأحيان، ومع ذلك فقدر هذه الدول التباعد، وفي بعض الأحيان التقاتل.
ما الذي يجعل زيارة بوتين الرسمية للقيادة السعودية، والحالة هذه، تاريخية؟
الجواب باختصار:إنه التمعن في البعد الاستراتيجي المرتجى للتقرب بين هاتين الدولتين اللتين عادتا بقوة إلى مسرح تكوين القرار الدولي والإقليمي.
وفي هذا السياق، لم يعد سرا أن الشعوب العربية التي تُرمى وقودا لإنضاج طبخة المصالح الإقليمية، كما هي عليه حال اللبنانيين والفلسطينيين على وجه خاص، ينظرون إلى المملكة العربية السعودية كموئل خلاص من استغلال المحور السوري -الإيراني المتغلغل تمويلا هنا وعقيدة هناك.في المقابل، ليس سرا أيضا أن روسيا الاتحادية -حيث يتفق الجميع على أن الدب الروسي بدأ يفيق من ثبات دام منذ انهيار الاتحاد السوفيتي -تلعب دورا ظاهره دعم المحور السوري -الإيراني ونتاجه تخفيف وطأة الضغط الدولي عليه للتراجع عن مخططاته التي لا تنتج سوى التقهقر والموت والدمار والفقر لكثير من الشعوب العربية المعذبة.
في الآونة الأخيرة، بدت المملكة العربية السعودية حازمة في المسائل العربية.هي الوحيدة التي تحركت بشكل فعال على أمل أن تمنع الفلسطينيين من تصفية قضيتهم بالاقتتال الداخلي، وليس أدل على ذلك من دعوتها إلى اجتماع مكة الحواري.وهي الوحيدة التي كانت بالمرصاد لمحاولة إعادة لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات في صراع المحاور، وليس أدل على ذلك سوى رعايتها مع فرنسا لتوفير نجاح مؤتمر باريس-3 الذي كان وجوديا بالنسبة إلى لبنان.
والقيادة السعودية بالذات هي التي رفضت أن تدخل أوروبا على خط الأزمات التي تنتجها إيران وتابعتها سوريا، على اعتبار أنها تفضل أن تحل المشاكل بعيدا عن لعبة الأمم.أنتج قرارها، على سبيل المثال، تراجعا لدى الرئيس الفرنسي جاك شيراك بإرسال ممثل عنه إلى طهران للبحث مع المسؤولين الإيرانيين في تفاصيل التأزم اللبناني، وتولت هي هذه المهمة.
أما روسيا الجديدة، فتتحرك في الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحها.هي ضد امتلاك إيران للسلاح النووي.هذا قرار نهائي له صلة بأمنها القومي، على اعتبار أن الجغرافيا الروسية كالجغرافيا الخليجية أقرب إلى مخاطر "قنابل الموت"من تل أبيب وواشنطن.إلا أنها تفضل الاستفادة من "الوقت الضائع"-أي الفترة الفاصلة بين النية المبيتة لامتلاك إيران هذا السلاح الفتاك وبين القدرة على إنجاز ذلك -توفيرا لمصالح اقتصادية تربطها بموطن "الثورة الخمينية". كما أن روسيا تقف بقوة إلى جانب حق لبنان بالسيادة والاستقرار والقرار الحر، وترفض أن تتراجع عن تأييدها لتشكيل المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تفرع عنها من جرائم طالت نخبة من الاستقلاليين اللبنانيين، ولكنها في آن، وتوفيرا لموطئ قدم متوافر لها "بالإرث"، في الشرق الأوسط من جهة أولى ونزولا عند ضغوط "لوبي المصالح"من جهة ثانية، ترفض أن تفسح المجال أمام "ضغوط جادة"هادفة إلى دفع النظام السوري لتغيير سلوكياته المستمرة من عصور الظلام.
إذاً، وسط هذه الخارطة الجيوسياسية تأتي زيارة بوتين للسعودية في الحادي عشر من الشهر الحالي، لتطرح أسئلة واقعية عن تغييرات مرتقبة في حال نجحت محاولة عقد قران بين المصالح الروسية من جهة وبين التطلعات السعودية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يستحيل إهمال نقطة الوصل أو القطع، المتمحورة حول إمكان موافقة الرياض على الارتباط بسلة مشاريع مشتركة مع موسكو.في حال تحقق ذلك، فإنه من الطبيعي أن يجد بوتين بين يديه عوامل قوة للاندماج أكثر فأكثر بالتوجه الدولي الجديد، بحيث يوفر للروس بدائل أكثر أهمية وأكثر قابلية للاستمرار من تلك المتوافرة لهم حاليا من الإيرانيين والسوريين، ويأخذ في المقابل حرية في الوقوف في الصف الداعم لتنفيذ المبادئ الروسية المعلنة والتي لا تتعارض مطلقا مع المبادئ السعودية المعبّر عنها.
وفي حال تحقق ذلك، فإن طهران بداية ودمشق استتباعا، سوف تصبحان أكثر تواضعا في التعاطي الإيجابي مع المجتمع الدولي عموما ومع مصالح الشعوب العربية خصوصا.وفي هذا السياق، ما كان الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين قد اجتاح الكويت، لو تلمس فعلا أنه وحيد على الساحة الدولية، ولما كان قدم التبريرات لاجتياح بلاده، لو أنه رفض المراهنة على فيتو من هنا وعلى اعتراضات الصوت العالي هناك.
في إيران ودمشق ثمة مراهنة على ما سبق للرئيس صدام حسين أن راهن عليه، هذا يعني أن العالم العربي يواجه خطرا كبيرا، لأن كوابيس عراق جديد تنتابه ليلا نهارا.
ما يمنع الكوابيس من أن تصبح حقيقة هي رسالة دولية وعربية حاسمة إلى القيادة "المراهقة "في سوريا وإلى القيادة "المتألّهة" في إيران.
وهذه الرسالة في سباق مع الوقت.بدءا بالثالث والعشرين من فبراير الحالي تنتقل المسألة الإيرانية النووية إلى مرحلة جدية مع انتهاء فترة التسين يوما التي ينص عليها القرار 1737 الصادر عن مجلس الأمن.
لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز من شأنه أن يكوّن حبر هذه الرسالة.[line]
وثيقة مكة وإصلاح ذات البين

مصطفى الغريب

الشرق الاوسط

عندما يفكر أي كاتب مهتم بالشأن الفلسطيني، تتملكه الحيرة من أين يبدأ وإلى أين سينتهي، ولا سيما أن الأحداث أسرع من التفكير بالكتابة وأن الاقتتال الفلسطيني أصبح يأخذ أبعاداً إقليمية عربية ودولية، ولكن دعوة خادم الحرمين الشريفين لحركتي فتح وحماس خطفت الأضواء لتنهي هذه الحيرة وتحدد بداية ونهاية المسار، ولهذا لا بد أن نلقي عليها نظرة تأمل وتحليل لأهميتها من حيث مكان اللقاء وزمانه ومكانة المملكة العربية السعودية في نفوس المسلمين وما تتمتع به من المصداقية والنفوذ على المستوى العالمي، ولهذا نتمنى أن ينجح الدور السعودي في مسعاه الطيب والمبارك.

الغريب في الأمر أن جميع التصريحات وردود الفعل على المبادرة من القمة إلى القاعدة تؤكد أهمية وقف الاقتتال بين الفرقاء، ولكن لماذا الاقتتال بين الحركتين؟ ولمصلحة من هذا الاقتتال؟ وهل هو صراع على السلطة؟ وهل هو ترسيخ لثقافة الثأر؟

وسندع للقارئ الكريم يشارك الكاتب في التأمل والتدبر والتفكير في نصوص هذه المبادرة ومعاني كلماتها وما ترمي إليه، ولا سيما أن نص المبادرة السعودية فيه إجابات شافية وافية لأنها انطلقت من الدعوة الى تحكيم العقل وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح والدمار.

هذه الدعوة الكريمة التي انطلقت، جاءت لتلعب دورها الإسلامي والعربي والأخلاقي تجاه أمانة الكلمة والفعل، انطلاقا من شعورها بالمسؤولية نحو القدس وفلسطين والفلسطينيين، وهي تنظر بحزن وألم عميقين لما يدور على الساحة الفلسطينية والتزاما بالقيم والأخلاق والمبادئ والأعراف الدولية وقواعد القانون الدولي وشريعة السماء.

إن ما يحدث في أرض فلسطين لن يخدم غير أهداف أعداء الأمة الإسلامية والعربية ويضع ألف علامة استفهام أمام المجتمع الدولي الذي ينظر باحترام لعدالة القضية، ولكن ما الهدف من هذه المبادرة؟ لا شك في أن الهدف من هذه المبادرة هو وقف القتال واستئناف الحوار وفك الحصار وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ولكن ما هو موقف الطرفين؟

جاءت تصريحات الجانبين بالموافقة الفورية، ولكن هل تملك الحركتان قوة التأثير على العناصر المسلحة؟ إذا لم يتوقف القتال فهذا يعني أن كلاهما لا يملك قدرة التأثير على إيقاف القتال وأن ثقافة الثأر هي التي تسود على الأرض ولهذا لا بد من العمل على تغيير هذه الثقافة التي تعبر عن جهل بالدين والعقيدة وضعف الإيمان.

من هذه الحيثية ينبغي على الحركتين أن تقوما بواجباتهما تجاه الشعب الفلسطيني ووأد الفتنة في مهدها والعمل معاً لتشكيل محكمة دستورية عليا لمحاكمة المسؤولين عن تلك الجرائم بحق هذا الشعب الذي يناضل من أجل تحرير القدس والأقصى من براثن الاحتلال الصهيوني ونيل حقوقه المشروعة لتقرير المصير وعودة اللاجئين الى أرض الوطن.

ومن يدرس ردود الفعل على المبادرة يتساءل هل جاء دور الحكماء والعقلاء من قيادات الشعب الفلسطيني حتى يتوقف نزيف الدم الفلسطيني على الفور؟

إن هذه المبادرة جاءت كطوق نجاة منقذ لمن يتمسك به لينجوا من أمواج بحر الدم الفلسطيني العاتية والمتلاطمة وكأنها إعصار مدمر لبقايا مقدرات وإمكانيات هذا الشعب المتهالكة وحتى لا تبقى حالة الفلتان الأمني وطاحونة القتل والتناحر بين إخوة السلاح ودرب الكفاح لتطحن منجزات النضال والإرث التاريخي للبندقية الفلسطينية وغصن الزيتون الذي أفرز ثقافة الزيت والزعتر وتحول كل ما سبق إلى ثقافة الميليشيات والتحزب والثأر الذي يعيدنا الى الوراء أعواماً عديدة في الوقت الذي تتقدم فيه كافة الأمم وتتسابق في ما بينها نحو النمو الاقتصادي والتقني والرفاهية.

إن طوق النجاة هذا لا بد أن يمنع جميع الأطراف الإقليمية والدولية التي تخطط وتعمل لتصفية حساباتها في ما بينها في المنطقة العربية من خلال مشاريع تأجيج الصراع تحت مسميات الوساطة والمبادرات والديموقراطيات والشرق الأوسط الجديد والتي تهدف لتصفية القضية وتقسيم المنطقة برمتها لتدخل في بؤرة صراع طائفي جديد وحرب أهلية لا تبقي ولا تذر لتستمر في التخلف أو تبقى فوق برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، ولهذا لا بد أن يستشعر كل العرب أن الخطر محيط بهم جميعاً وأنهم في مركب واحد، فإما أن ينجوا جميعاً وإما أن يغرقوا جميعاً.

لقد أثبت تاريخ الصراع في المنطقة العربية أن الحرب تندلع من فلسطين وأن السلام يبدأ في فلسطين، وهنا نتساءل هل سينجح اللقاء والحوار بإصدار وثيقة مكة؟ وهل سيتم التوقيع عليها والالتزام بكل بنودها؟ أم سيعود كل منهما بخفي حنين؟

التوقعات تتجه إلى أن العناصر الأساسية للوثيقة التي ستصدر لن تخلو من أي من البنود التالية:

* تحريم ومنع إراقة الدم الفلسطيني واعتباره خطاً أحمر فوق كل المهاترات.

* إعلان فوري لوقف القتال بين الفلسطينيين والالتزام به ومعاقبة من لا يلتزم.

* استئناف واستمرار الحوار بين الفصائل الفلسطينية حول كافة المسائل الخلافية.

* توحيد الهدف الفلسطيني ورص الصفوف في مواجهة التحديات ببرنامج سياسي واضح ومحدد وبعيد عن كل أشكال المزايدات.

* فك الحصار الدولي عن الشعب الفلسطيني.

* تشكيل محكمة دستورية عليا للتحقيق في الجرائم التي حصلت ومحاكمة المسؤولين عنها طبقاً للقانون الفلسطيني.

* دعوة جميع الأطراف الإقليمية والدولية للوفاء بالتزاماتها، لوضع القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية موضع التنفيذ والكف عن دعم الأطراف المتنازعة.

* العمل على تفعيل المبادرة العربية وخارطة الطريق وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

* العمل منهجياً على تجاوز هذه الحالة المأساوية مهما استغرقت من وقت واستنفدت من جهد، أي تحقيق مصالحة وطنية فلسطينية شاملة.

* العمل على توحيد حركات المقاومة حتى لا تصبح جزءاً من المساومة ومتراساً للفاسدين والمفسدين ومحاسبة وملاحقة القتلة والمجرمين الساعين إلى تأجيج الفتنة.

* العمل على إعداد برنامج شامل للإصلاح في الميادين السياسية والاقتصادية والمالية والتربوية والثقافية والبنيوية.

* تفعيل دور مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها كإطار تمثيلي شامل للشعب الفلسطيني وطبقاً لبرنامج عمل توافقي الطابع حتى لا يكون احتكام الحركات إلى السلاح، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني بكل فئاته، بمن فيهم اللاجئين وكل من هو فلسطيني في الخارج.

في نهاية هذا المقال ندعو الله أن تتحقق أماني هذا الشعب المُعاني وأن يكلل جهود الوساطة السعودية بالنجاح، لتبقى كما كانت دائماً الداعم الرئيسي لهذه القضية المركزية والأساسية للأمة وللمنطقة، التي أضحت بؤرة التوترات، بسبب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، والتي ما زالت ترزح تحت نير الاحتلال الذي يتشفى من هذا الاقتتال.

*عضو اللجنة التنسيقية للجالية الفلسطينية في السعودية [line]

castle
08-02-2007, 10:25 PM
الخميـس 20 محـرم 1428 هـ 8 فبراير 2007

تشيني: مزّق هذا الجدار.. وإلا فلترحل

نيكولاس كريستوف

الشرق الاوسط

أبلغ ديك تشيني في المؤتمر القومي الجمهوري، الذي رشحه عام 2000 لمنصب نائب الرئيس، حشدا من الأشخاص بأن الديمقراطيين «سيقدمون مزيدا من المحاضرات والتعابير القانونية وحالات الإنكار المعتنى بصياغتها، أما نحن فسنقدم أشياء بطريقة أخرى، أفضل، وجرعة قوية من الحقيقة».

اذن، الآن، أيها السيد تشيني، وقد طرحت محاكمة سكوتر ليبي شكوكا حول مصداقيتك، فإنك مدين أمام البلاد بتقديم تفسير. واليك قليلا من الأسئلة للمساعدة في صياغة تفسيرك لنشاطاتك:

السيد نائب الرئيس، هل دفعت ليبي للتنقيب في خلفية جو ويلسون وتشويه سمعته؟ بذل ليبي جهدا كبيرا لجمع معلومات من وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية حول ويلسون، قبل وبعد أن أبلغته يوم 12 يونيو (حزيران) 2003، بأن زوجته كانت تعمل في وكالة المخابرات المركزية، بحيث انه يبدو من المحتمل بأنك وجهت ذلك الجهد. هل هذا صحيح؟

ما الذي كنت تعنيه عندما كتبت في ملاحظة إلى سكوت ماكليلان اعتبرت دليلا «عدم حماية الموظف والتضحية بالشخص الذي طلب منه الرئيس مواجهة المخاطر بسبب عدم كفاءة آخرين».

أولا كتبت ان «الرئيس» هو الذي طلب من ليبي ان يفعل هذا، ثم حذفت الكلمتين. هل طلب الرئيس بوش حقا أن يتولى ليبي مهمة تشويه سمعة السفير ويلسون؟ وهل صحيح، كما جرى التلميح في المحاكمة، أن البيت الأبيض حاول إعاقة نشر هذه الوثيقة؟ وعندما ناقشت موضوع جو ويلسون مع ليبي على متن طائرة سلاح الجو يوم 12 يوليو (تموز) 2003 أية توجيهات أعطيتها له؟

تشير دلائل المحاكمة إلى انه في تلك الرحلة، تفحص ليبي بعض الأسئلة التي كان صحافي قد أرسلها حول ويلسون ثم قال: «دعني أذهب وأتحدث إلى رئيسي وأعود إليك». وبعد التشاور معك، دعا ليبي الصحافيين لتزويدهم بنسخة مشوهة من رحلة ويلسون. ثم: وعلى متن تلك الطائرة هل أبلغت ليبي بأن يسرب إلى الصحافيين حقيقة ان زوجة ويلسون تعمل مع وكالة المخابرات الأميركية؟

شهدت ديبورا بوند من مكتب المباحث الفيدرالي بأن ليبي اعترف في واحدة من المقابلات معه في تلك الرحلة، بأنه ربما كان قد تحدث اليك، حول ما اذا كان يتعين إبلاغ وسائل الإعلام بشأن زوجة ويلسون، فاليري بلام. فهل فعل ذلك؟

وبما أن ليبي معروف بحذره، يبدو من غير المرجح أنه سرب المعلومات السرية مرتين لصحافيين، بعد أن تحدث إليك مباشرة، ما لم تكن قد وافقت على التسريب.

هل كنت خلال التحقيق بشأن التسريب على دراية بأن ليبي ابلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي بمعلومات كاذبة؟ كنت تتوجه معه إلى العمل كل يوم تقريبا بسيارتك الليموزين، ألم تتحدثا حول هذه القضية مطلقا؟ أم أنك طلبت من ليبي حمايتك، لأنك لا تريد أن يعرف الآخرون انك أنت الذي حدثته عن فاليري بليم؟ هل هناك أية معلومات أخرى تريد الإبقاء عليها سرية؟

هل كنت تحاول التغطية على اعتمادك على المعلومات غير الصحيحة، حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، بإلقاء المسؤولية على وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهات أخرى على نفس المستوى، مثل ويلسون؟

سيادة نائب الرئيس: ظللت تؤكد أكثر من أي شخص آخر قبل الحرب أن العراق يملك أسلحة للدمار الشامل. ويمكن أن نلاحظ انه في الاتهام والشهادة أمام المحكمة، انه بنهاية صيف عام 2003 كان هناك فزع في مكتبك، بسبب عدم العثور على هذا النوع من الأسلحة.

لذا، عندما تقدم السفير ويلسون وتحدث عن هذا الموضوع بدا عليك الغضب. حاولت توجيه المسؤولية واللوم لوكالة الاستخبارات المركزية، ثم حاول مكتبك التشكيك في ويلسون بالقول انه استمتع برحلة نظمتها زوجته.

قال روبرت غرينيار، وهو مسؤول بوكالة الاستخبارات، للمحكمة انه يعتقد أن البيت الأبيض «كان يحاول تفادي تحمل مسؤولية مواقف اتخذها فيما يتعلق بحقيقة ما إذا كان العراق قد حاول الحصول على يورانيوم من النيجر». ترى، هل جاء كل ذلك من محاولة تغطية؟ ومتى تعتزم الاعتراف بكل شيء؟

عندما اتهم ريتشارد نيسكون باستغلال التبرعات المالية للحملة الانتخابية عام 1952 ألقى خطابه المشهور بهذه المناسبة. عندما برزت الأسئلة حول مسلك سبايرو آغنيو عام 1973، أجاب عن هذه التساؤلات علنا. «انك تدخل في ورطة عندما تحاول الصحافة أن تطلب منك التحلي بنفس معايير الشفافية لدى نيكسون وآغنيو».

أنا لا اتهمك بارتكاب جريمة. ولكن هناك تساؤلات خطيرة وأنت مدين للناس بالحقيقة. اذا عزمت على الاستمرار في التسويف، فإنك يجب ألا تظل في موقعك، وينبغي عليك تقديم استقالتك.

* خدمة «نيويورك تايمز» [line]
بيان السيد السيستاني

حمزة قبلان المزيني*

الوطن السعودية

أصدر مكتب المرجع الشيعي البارز السيد علي السيستاني بيانا مهمًّا في 14/1/1428هـ مذيَّلا بختمه يتناول فيه الأوضاع المتفجرة بين الشيعة والسنة، في العراق وخارجه.
وكانت بعض التهم قد وُجِّهت للسيد السيستاني في بعض المواقع الإنترنتية وبعض وسائل الإعلام مفادها أنه يكفِّر المسلمين غير الشيعة. وهو ما أثار كثيرا من اللغط وقوبل بردود فعل قوية. ويبرئ هذا البيان السيد السيستاني من هذه التهم فيقول إن بعض وسائل الإعلام تنشر:"... بين الحين والآخر فتاوى غريبة تسيء إلى بعض الفرق والمذاهب الإسلامية وتنسبها إلى سماحة السيد دام ظله في محاولة واضحة للإساءة إلى موقع المرجعية الدينية وبغرض زيادة الاحتقان الطائفي وصولاً إلى أهداف معينة.
إن فتاوى سماحة السيد دام ظله إنما تؤخذ من مصادرها الموثوقة ـ ككتبه الفتوائية المعروفة الموثّقة بتوقيعه وختمه ـ وليس فيها ما يسيء إلى المسلمين من سائر الفرق والمذاهب أبداً، ويعلم من له أدنى إلمام بها كذب ما يقال وينشر خلاف ذلك".
وإن هناك من يسعى:"... لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين، وقد زادوا من جهودهم في الآونة الأخيرة بعد تصاعد الصراعات السياسية في المنطقة واشتداد النزاع على السلطة والنفوذ فيها، فقد جدّوا في محاولاتهم لإظهار الفروقات المذهبية ونشرها بل والإضافة عليها من عند أنفسهم مستخدمين أساليب الدسّ والبهتان لتحقيق ما يصبون إليه من الإساءة إلى مذهـب معين والتـنقيص من حقوق أتباعه وتخويف الآخرين منهم".
وأشار إلى:"... مواقف سماحته والبيانات الصادرة عنه خلال السنوات الماضية بشأن المحنة التي يعيشها العراق الجريح، وما أوصى به أتباعه ومقلّديه في التعامل مع إخوانهم من أهل السنة من المحبة والاحترام، وما أكّد عليه مراراً من حرمة دم كل مسلم سنياً كان أو شيعياً وحرمة عرضه وماله والتبرؤ من كل من يسفك دماً حراماً أيّاً كان صاحبه".
وتأتي أهمية هذا البيان من صدوره عن هذه المرجعية الشيعية العليا التي يقلدها كثير من المسلمين الشيعة في العالم. وهذا ما يوجب الترحيب به والعمل على جعله أساسا لبداية عمل مخلص جديد لوأد الفتنة بين المسلمين. كما يجب أن يُبرز ويُنشر على نطاق واسع لما يتضمنه من المبادئ التي يمكن أن تُرشِّد مواقف المسلمين الشيعة وتُدخل الاطمئنان على السنة وتضع الخلاف بين المذهبين في مساره الحقيقي.
وافتتح البيان بالفقرات الثلاث المهمة التالية:
"تمرّ الأمة الإسلامية بظروف عصيبة وتواجه أزمات كبرى وتحدّيات هائلة تمسّ حاضرها وتهدّد مستقبلها، ويدرك الجميع ـ والحال هذه ـ مدى الحاجة إلى رصّ الصفوف ونبذ الفرقة والابتعاد عن النعرات الطائفية وتجنّب إثارة الخلافات المذهبية، تلك الخلافات التي مضى عليها قرون متطاولة ولا يبدو سبيل إلى حلّها بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع، فلا ينبغي إذاً إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين، ولاسيما أنها لا تمسّ أصول الدين وأركان العقيدة، فإن الجميع يؤمنون بالله الواحد الأحد وبرسالة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وبالمعاد وبكون القرآن الكريم ـ الذي صانه الله تعالى من التحريف ـ مع السنة النبوية الشريفة مصدراً للأحكام الشرعية وبمودة أهل البيت عليهم السلام، ونحو ذلك مما يشترك فيه المسلمون عامة ومنها دعائم الإسلام : الصلاة والصيام والحج وغيرها.
فهذه المشتركات هي الأساس القويم للوحدة الإسلامية، فلا بدّ من التركيز عليها لتوثيق أواصر المحبة والمودة بين أبناء هذه الأمة، ولا أقل من العمل على التعايش السلمي بينهم مبنياً على الاحترام المتبادل وبعيداً عن المشاحنات والمهاترات المذهبية والطائفية أيّاً كانت عناوينها.
فينبغي لكل حريص على رفعة الإسلام ورقيّ المسلمين أن يبذل ما في وسعه في سبيل التقريب بينهم والتقليل من حجم التوترات الناجمة عن بعض التجاذبات السياسية لئلا تؤدي إلى مزيد من التفرق والتبعثر وتفسح المجال لتحقيق مآرب الأعداء الطامعين في الهيمنة على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها".
وتتضمن هذه الفقرات بعض المبادئ المهمة لردم الهوة بين المذهبين ومنها أن هذه الخلافات:
1ـ مضى عليها قرون متطاولة ولا يبدو سبيل إلى حلّها بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع.
2ـ لا ينبغي إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين.
3ـ أنها لا تمسّ أصول الدين وأركان العقيدة.
ويكفل هذا التوصيفُ القضاءَ على الأسباب الرئيسة التي ينطلق منها المغرمون بتأجيج النزاعات بين المذهبين.
ذلك أن هذه الخلافات ـ بحسب السيد السيستاني ـ لا تمس أصول الدين وأركان العقيدة. فالأساس الذي قامت عليه سياسي في طبيعته ويتلخص في التنازع في مسألة خلافة النبي صلى الله عليه وسلم.
فيرى الشيعة أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه أحق بالخلافة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى له بذلك. أما السنة فلا يرون ذلك، وهو ما جعلهم يختارون لها أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنهم أجمعين.
ويرى السنة أن ترتيب علي رضي الله عنه خليفة رابعا وعدم توليته الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديم الخلفاء الثلاثة عليه لا يتصل بموقف سلبي منه ولا يعني عدم حب السنة له ومعرفة فضله.
وكان هذا التنازع السياسي بطبيعته هو الأساس الذي تفرعت عنه القضايا الخلافية كلها، وهي التي زادت من احتقانها الأحداث الأليمة التي حدثت بعد ذلك ومن أهمها استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما.
ودام هذا الخلاف لقرون عديدة، كما يلاحظ السيد السيستاني، ولم يصل المسلمون إلى حل لهذه العقدة على الرغم من كثافة الاهتمام بها. وظل كل فريق يكرر حججه المعروفة التي يقابلها الفريق الآخر بحجج مضادة، وكانت النتيجة أن أحدا لم يُقنع أحدا.
ومحصلة كلام السيد السيستاني أنه ما دام أن المسلمين لم يصلوا طوال تاريخهم إلى حل لهذه المشكلة فإنهم لن يصلوا إليها الآن مهما اشتد الجدل بينهم. فالأَولى، إذن، أن يحتفظ كل فريق بموقفه ويكف عن محاولة إرغام الفريق الآخر على التخلي عن الموقف الذي يتمسك به.
ومما يسهل التعامل مع هذه المشكلة على المعاصرين من المسلمين أنهم ليسوا مسؤولين عنها، وليس بإمكانهم تغيير ما حدث. ومادام أنه من المستحيل الوصول إلى حل مرض لها الآن فمن الأفضل أن تظل قضية تاريخية يهتم بها المتخصصون في التاريخ.
ومما يساعد في معالجة هذه المسألة التي فرقت بين المسلمين طوال العصور وأسالت كثيرا من الدماء وخلَّفت كثيرا من المشكلات الفرعية تأكيد السيد السيستاني أنها ليست من صميم الدين، ويعني هذا أنه لا يحق لأي من المهيِّجين من الطرفين جعْلها سببا في تكفير المسلمين من المذهبين.
ويشير السيد السيستاني إلى أن المسلمين تجمع بينهم مشتركات أساسية تشهد بانتمائهم جميعا إلى الإسلام على الرغم من بعض الخلافات التي يجعلها بعض المتشددين من الطرفين حدا فاصلا يدخل هذا الفريق في الإسلام ويخرج الفريق الآخر منه. وتكفي هذه المشتركات لتمثيل الحد الأدنى الذي يمكن أن يؤسس عليه المسلمون جميعا علاقات سلمية بينهم بغض النظر عن اختلاف مذاهبهم.
ومن الواضح أنه لو ارتقى المسلمون جميعا إلى هذا المستوى لكان من السهل عليهم القضاء على جزء كبير مما يثير الفتنة بينهم.
ومن هنا يجب أن نمسك بهذه اللحظة التاريخية التي يمثلها صدور هذا البيان من هذه المرجعية المرموقة، ونعمل تبعا لذلك على تعميمه على أوسع نطاق، في العراق خاصة الآن، وأن يكون وثيقة يوعظ بها على منابر المساجد والحسينيات والمنتديات والصحف والندوات التلفازية والإذاعية حتى يصل إلى المسلمين جميعا من المذهبين بديلا عما تحفل به هذه المنابر كل يوم من الشحن الطائفي البغيض.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن يقابَل هذا البيان المؤسِّسُ ببيانات من علماء السنة، تماثله من حيث المرجعية والمحتوى. أما في غياب هذا التجاوب فإن كثيرا من المتطرفين على الجانبين سيستغلون الأحداث السياسية التي تمارس ضغطها الآن ليجعلوها ستارا يتخفون وراءه لتنفيذ مشاريعهم الإقصائية التي تتذرع بالإسلام ومحصلتها سفك الدماء وإدامة الفوضى والتخريب وتهديد مستقبل دول بأكملها ليس العراق إلا الضحية الأولى لها.
إن صدور مثل هذه البيانات من المراجع الدينية العليا للمذاهب الإسلامية هو البديل الوحيد الناجع في الظروف الحاضرة لمؤتمرات "التقريب" التي لم تؤد إلا إلى تأكيد الخلافات بدلا من معالجتها. ويجب أن تكون محصلة هذه البيانات أن الإسلام ليس حكرا على مذهب بعينه، وأن الواجب الأول على قادة المسلمين وأولي الرأي فيهم ألا يجعلوا من الخلافات التاريخية أسبابا لإبقاء جذوة العداء والتنازع حية مع أنهم لا يملكون الآن تغييرها.

* أكاديمي وكاتب سعودي[line]
المغتربون المصريون‏..‏ وحق الانتخاب

بقلم : د‏.‏ جمال حلمي حسين
رئيس نادي الجالية المصرية ـ اليونان

الاهرام

ملف المغتربين المصريين لاتقع أهميته فقط في كونه أكثر الملفات دعما لدخلنا القومي المصري‏,‏ لكنه أيضا له دور مهم في رسم صورة مستقبل وطننا‏,‏ خاصة ونحن قادمون علي تعديلات دستورية‏,‏ بعد اعلان الرئيس مبارك بتعديل‏34‏ مادة من الدستور المصري‏,‏ وكيف يمكن أن نحول ملف المغتربين إلي قوي مجتمعية فاعلة علي كل المستويات حتي وهي خارج الوطن ؟‏!‏

فمازالت النظرة السلبية للحكومات المتعاقبة وبالأخص في السنوات الأخيرة للمغتربين المصريين تتسم باللامبالاة‏,‏ وينعكس ذلك علي طبيعة المشاركة السياسية لهم‏..‏ وإقتصار دورهم علي تحويل مدخراتهم إلي الوطن علي الرغم من أن المغتربين المصريين هم أكثر انتماء وحبا لوطنهم‏,‏ مع أن معاناتهم من الغربة وآلامها كبيرة‏.‏

وما أن أعلن الرئيس مبارك في خطابه تعديل مواد في الدستور حتي أسرع رجال السياسة والقانون وفقهاء الفكر والثقافة بارتداء ثوب الخبرة والمعرفة وبدأت الأحزاب السياسية في القيام بصياغات مقترحة جديدة لهذه المواد‏..‏ إقتراحات بعضها يفيد الوطن والأخري مطابقة لأهوائهم السياسية لتحقيق أهدافهم ونسي الجميع أن تعديل الدستور يراه كل المصريين داخل الوطن وخارجه بأنه نقلة نوعية غير مسبوقة في حياتنا السياسية اراد بها الرئيس مبارك أن تحقق الأمن والأمان للإنسان المصري‏,‏

وأن المشاركة الوطنية علي مدي سنوات القادمة تؤمن لنا ولجيل المستقبل حياة آمنة‏,‏ وفي هوجة الاقتراحات والمناقشات نسي الجميع وبدون استثناء أن ابناءهم وأخوانهم المغتربين الذين قضوا سنوات حياتهم بعيدين عن الوطن جسدا لكن نبضات قلوبهم تدق فرحا لكل ما يسعد مصرنا‏,‏ وتنزف دما مع أحزانها وآلامها‏.‏

نسي فقهاء السياسة أن المصري المغترب أكثر انتماء وحبا لوطنه في غربته وهو شعور لا يحسه إلا من عاش الغربة ومرارتها‏,‏ كنا نتمني نحن المصريون المغتربون في بقاع الأرض أن تتصدي أمانة السياسات للحزب الوطني بمقترحاتها ونحن علي أعتاب التعديلات الدستورية بالبحث عن نص أو اقرار يشمله الدستور المقترح بمشاركة المغتربين المصريين في أحقية التصويت والانتخاب مؤكدين بذلك ما ردده الرئيس مبارك في جولاته العالمية

ولقاءاته بالجاليات المصرية أن المصريين في الداخل والخارج سواسية أمام القانون لهم حقوق وعليهم واجبات‏.‏

وأن أبسط حقوقنا ونحن في الغربة أن تكون لنا مشاركة سياسية فعلية في مسيرة وطننا مصر ولايجب أن نفصل عنها تماما‏.‏

ألستم معي أن هذه المشاركة ستزيد الانتماء الوطني أكثر وأكثر ألستم معي أن الحزب الوطني الحاكم وهو يتبني فكرة المواطنة والمساواة التي تطرحها التعديلات المقترحة لدستورنا الجديد أن يبدأ اتصالاته بالمغتربين في الخارج‏,‏ ولماذا لا يبدأ الحزب لوضع خطة لكيفية الاتصال بالمصريين المغتربين وأختيار ممثلين له في الخارج يكونون حلقة الاتصال بالمصريين المغتربين والحزب‏,‏ ولماذا لا ونحن بدأنا خطواتنا نحو الديمقراطية‏.‏

نعم‏..‏ نحن نعلم أن المشاركة الفعلية في التصويت والأنتخابات تحتاج إلي آليات فعالة للمشاركة وإحدي هذه الأليات الهامة توفير أدواتها وأولا أن يسجل المصريون بالخارج أسمائهم في جداول الأنتخابات لقنصليتنا بالخارج بالتنسيق مع وزارة الداخلية‏.‏

وثانيها كيفية استخراج بطاقات الرقم القومي بالسفارات المصرية بالخارج من خلال لجان من وزارة الداخلية كما يحدث من قبل القوات المسلحة وهيئة التنظيم والادارة لتصحيح أوضاع المتخلفين عن الخدمة العسكرية علي أن يتكفل المصريون بالخارج نفقات عمل هذه اللجان‏.‏

من دولة اليونان نوجه رسالة إلي كل رجال السياسة المصرية نؤكد فيها وبصوت عال أن شباب مصر في الخارج بخير وأن الظروف الراهنة التي يمر بها وطننا وأمتنا العربية تستدعي تضافر الجهود المبذولة من ابناء مصر ليكونوا خير دافع عن الوطن ولصعوبة الصلات بين المصريين في الخارج‏,‏ والمشاركة في حق التصويت والأنتخاب سوف يسهم في خدمة المصالح الوطنية خاصة ونحن نقف في قيادة وحكومة مصر وقدرتها علي العطاء وتحمل المسئولية‏.‏[line]

castle
09-02-2007, 09:38 AM
الجمعـة 21 محـرم 1428 هـ 9 فبراير 2007

الدبلوماسية الصادقة
http://www.asharqalawsat.com/2007/02/09/images/front.405640.jpg

الشرق الاوسط

نجـحـت الدبلومــاسية السعودية يوم أمس في أطهر البقاع، مكة المكرمة، في حقن الدم الفلسطيني، والخروج بالاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية. نجحت الدبلوماسية حين جمعت الفرقاء وجها لوجه، من دون تدخل، أو إملاء شروط.

نجاح قمة مكة المكرمة، أهم أسبابه الوساطة الصادقة التي لا تنطلق من استغلال للقضية. فالملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز كثيرا ما تحدث عن عار إهدار الدم الفلسطيني، واستغلال المعاناة الفلسطينية كقميص عثمان. من هنا نجحت الدبلوماسية التي كان هدفها حقن الدماء، وتجنيب الفلسطينيين مأساة سكب الدم الفلسطيني بأيد فلسطينية، حيث تسبب الصراع، وفقا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، في مقتل 87 شخصا منذ بداية العام الحالي. ولم يسبق أن اقتتل شعب تحت الاحتلال.

قمة مكة المكرمة دليل على أن العالم العربي في حاجة ماسة لجهد صادق، ودبلوماسية تبتعد عن الاستغلال. دبلوماسية هدفها إيقاف الصراع العربي ـ العربي، بكل أشكاله. فنحن اليوم بأمس الحاجة لتغليب مصالح شعوبنا العربية، وترتيب أجندة مختلفة تراعي النهوض والنجاح.

شعوب العالم العربي في حاجة ماسة للعمل الدؤوب من قبل قياداتها من أجل تحقيق طموحات أبنائه. ودولنا في أمس الحاجة إلى أن لا تكون أوراق لعب سياسي. فلا شيء يساوي الأوطان.

لذا فقمة مكة المكرمة، دليل قوي على أن الدبلوماسية الصادقة هي المطلب الرئيسي اليوم في وقت تحول فيه العالم العربي إلى ساحة صراع بين العربي والعربي، ومنطقة مناورات لأطراف خارجية، وباتت الجماعات فيه تأكل الدول، فتقزم مفهوم الدولة أمام منطق الطائفة، والجماعات، وبدلا من الحديث عن الجيوش العربية، بات الحديث عن ميليشيات مسلحة.

قبل الديموقراطية، وهي خير للشعوب، نحن في عالمنا العربي، في أمس الحاجة إلى الاستقرار. وهذا يبرر حاجة منطقتنا الماسة للدبلوماسية الصادقة. [line]
نشرة الأخبار

د. عائض القرني

الشرق الاوسط

كنتُ في صباي أعيشُ بقرية جملية جنوب السعودية. تنام هذه القرية في سفح جبل أخضر، وكنتُ استمع لهيئة الإذاعة البريطانية (B.B.C) صباح مساء فكان يتردد على مسمعي اسم ماجد سرحان وهدى رشيد المدفعي وحسن الكرمي في برنامج «قول على قول»، والذي كنتُ أسجله وأحفظ أكثر أبياته و«السياسة بين السائل والمجيب»، وسماع أقوال «الغارديان» و«الصاندي تايمز» و«الديلي ميرور»، وغيرها من الصحف البريطانية، فكانت مدرسة إعلامية رائعة، فلما كبرنا ودلفت الفضائيات أمطرنا في العالم العربي بنشرة الأخبار الطويلة الثقيلة والتي تحمل فصولاً وأبواباً، فيبدأ المذيع بالأخبار السياسية منذ وصول الضيف إلى أرض المطار وفتح باب الطائرة والنـزول من السلم وعزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف وتناول القهوة العربية وأحياناً «النسكافي» وفي المغرب العربي الشاي الأخضر ثم مرافقة الضيف إلى المكان المعد، ثم الأخبار المحلية كافتتاح مدرسة ابتدائية ليلية لمحو الأمية وذكر فقرات الحفل والقصائد التي أُلقيت بهذه المناسبة العالمية وافتتاح سوق الخضرة في قرية، وترميم مستوصف أهلي بالبادية، ثم أخبار الرياضة وخروج المنتخب مبكراً من أرض الملعب مهزوماً ثمانية صفر لرداءة الجو وهطول الأمطار، ثم سباق الخيل والهجن والمزايين، ثم حالة الطقس وحالة البحر والريح والجبال والسهول والوديان وطلوع الشمس وكسوفها وخسوف القمر.

ويُروى أن مذيعاً ضيّع ورقة حالة البحر فارتجل من رأسه غيباً وقال: البحر هائق ومائق ويطيش على الناس أي هائج ومائج،.

ومذيع آخر كانت دولته في حالة حرب فترك النص أمام عينيه وارتجل من الحماس وقال: «زمرة التشطير والانفصال قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون».

ومذيع آخر توفيَّ ابن رئيس دولته في حادث سير فبكى المذيع في الأخبار وأخذ يقول: «إلى جنة الخلد أيها الفقيد الشهيد».

والمذيع العربي هو الوحيد الذي لا يستطيع الحياد حينما يقرأ الأخبار بل تغلبه عواطفه، فتجده إذا خُفض سعر الغاز في بلده تهلل وجهه وتبسم وغمرته الفرحة.وإذا مات مدير مدرسة متقاعد بكى وغلبته دموعه.

ونشرة الأخبار غالباً تأتي بعد تناول طعام العشاء فتجد بعض المذيعين يتجشأ، وهو يقرأ الخبر ويقول: «عفواً عفواً».

وبعضهم يشير بيديه، وهو يقرأ الأخبار من شدة الحماس والانفعال كأنه يلقي قصيدة في سوق عكاظ.

ويُروى أن أحد المذيعين فاتته الصيدلية المناوبة تلك الليلة، فقال مرتجلاً: صيدلية العيدروس خلف الدوار العام أمام الجامع الكبير.

ونشرة الأخبار في العالم العربي أطول نشرة في العالم، مع العلم أنها في العالم الغربي بلد الصناعة والإنتاج لا تأخذ إلا دقائق معدودة.

وأنا اقترح أن توزع نشرة الأخبار على سائر اليوم حتى يخف على المشاهد متابعتها ولا يضيق صدره وتنطمس بصيرته من طولها، فحبذا أن تكون نشرة الأخبار السياسية بعد الظهر إلى قبيل العصر؛ ليتمكن الناس من الغداء والقيلولة وبعد العصر الأخبار المحلية، أما أخبار الرياضة فبعد صلاة المغرب وبعد العشاء حالة الطقس،
ثم يُترك الناس لتناول طعام العشاء، ثم نشرة الصيدليات المناوبة، وبهذا يأخذ المتلقي الكريم الأخبار على دفعات ويتناولها على جرعات «يتجرّعه ولا يكادُ يُسيغه ويأتيه الموت من كل مكان»
وإذا لم يُعمل بهذا الرأي فسوف تبقى التلفزيونات المحلية كما هو الحال مهجورةً لا يشاهدها إلا من رزقه الله الصبر وسعة البال ليكفر الله عنه الخطايا بحلمه وسعة باله.

متى نعيش روح العمل والإنجاز على حساب القول والابتزاز؟
متى نودع الهذيان والإسهال اللفظي والإسهاب الخطابي ونعيش المعرفة الصادقة والوضوح مع النفس والناس؟

أربعون سنة ونشرة الأخبار في العالم العربي على وضعها الأول وبحالها، تحمل النشرة الخبر والبشرى والعزاء والمديح والهجوم المضاد ومعايشة التفاصيل اليومية التي تجري في كل شارع وقرية.

قال: عبد الله البردّوني:


* وقاتلتْ دوننا الأبواقُ صامدةً --- أما الرّجالُ فماتوا ثمَّ أو هربُوا

* وأطفئتْ شهبُ الميراجِ أنجمنَا --- وشمسَنا وتحدّتْ نارَها الخطبُ

* نحن أمة البيان فأين إيجاز وإعجاز القرآن، لقد سمع أعرابي قوله تعالى: «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين»، فاندهش الأعرابي وصاح: «الله أكبر في آية واحدة أمران ونهيان وبشارتان».

كتب الرسول ( إلى هرقل فقال: «أسْلِمْ تَسْلَمْ"». وكتب سليمان إلى بلقيس: «أنْ لاَ تَعلُوا عليَّ وأتوني مسلمين». وكتب خالد إلى عياض بن غنم «إيّاكَ أُريد». وقال راكان بن حثلين: ما قلَّ دلَّ وكثرةْ الهرجْ نيشانْ والهرجْ يكفي صاملهْ عن كثيره.

وقال الأول:


* قالوا خذ العين من كلٍّ فقلتُ لهم: --- في العينِ فضل ولكنْ ناظرُ العينِ
[line]
قراءة قومية في الأحوال العربية

احمد ماهر

الشرق الاوسط

يبدو أن ما يجري في عالمنا العربي جعل البعض يكفرون بالقومية العربية، الى درجة انهم يطلقون على من لا يزالون على إيمانهم بها تعبير «قومجية». وهو تعبير مليء بالسخرية، التي ليست في محلها، ولا يليق بأحد ينتمي الى هذه الأمة. إذ أنه مهما تردت أوضاعنا، ومهما أساء البعض منا في تصرفاته، تبقى الرابطة بين دولنا حقيقة لا تقتصر على كونها تاريخية أو جغرافية أو حتى عاطفية، بل انها حقيقة تؤثر على الأمن الوطني لكل دولة من الدول المرتبط ـ شاء البعض أم أبى ـ بالأمن القومي. وأذكر أني في إحدى المحاضرات مؤخرا قلت إني لا أعترض على الشعار الذي يرفعه البعض، وهو «مصر أولا»، بشرط ان نكون واقعيين فنستكمل الجملة بإضافة «في محيطها العربي». ولست أدري لماذا اذا كان الآخرون يصنفوننا جميعا عربا، رغم انهم يرون بعضهم معتدلا والبعض الآخر متطرفا، والبعض يستحق الرضا والبعض الآخر الإدانة والعداء، ولكنهم يعاملونهم جميعا معاملة تقوم على الشك والتمييز «العنصري»، الذي لا يتوقف عند فروق يرونها لا تمس الجوهر.. اذا كان هذا موقف الآخرين، فما بالنا لا ندرك هذه الحقيقة، التي لا سبيل الى انكارها، وهي أن ما يجمعنا اكثر بكثير مما يفرقنا، وان علينا ـ اذا أردنا أن يعيش كل منا في أمان ورخاء ـ ان نتجاوز التناقضات الفرعية والتنافسات الوهمية، التي اضرب بها مثلا لعله صغير في حد ذاته، ولكني اخترته كدلالة على مقدار الانحدار الذي يصيبنا عندما ننسى الجوهر، وهذا المثل هو ما حدث من اعتداء في ليبيا على فريق كرة القدم الخماسية لمصر. واذا كنا عاجزين عن معالجة مثل هذا الأمر الصغير، أفلا يدل هذا ويفسر عجزنا عن مواجهة المشاكل التي نتعرض لها، والتي يرجع بعضها الى مؤامرات ومحاولات خارجية للوقيعة، ولكن الكثير منها ينبع من أنفسنا أو من فعل من كفروا بالقومية العربية، لا لخطأ فيها، بل لخطأ بعض من مارسوها على غير متطلباتها الحقيقية، فأعطوا المتربصين بها ـ من صفوفنا ومن خارجها ـ الفرصة لكن يروجوا بدلا منها لمفاهيم تتلون احيانا وفق أهداف خبيثة تهب علينا رياحها، أو تتستر زورا وبهتانا وراء مفهوم للدين، بعيدا عن مقاصده وجوهره.

وعلينا جميعا أن نتخلص من هذه الظواهر، التي تؤدي الى كره الذات، الى درجة أن يذهب البعض منا بقدميه الى المذبح، الذي ينتظرنا فيه من لم تخمد أطماعهم ولم تهدأ كراهيتهم.

لقد آن الأوان لنفيق وندرك جميعا أن استمرار الأوضاع في فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال لا يمكن ان تستمر، وأن الجهود العربية والأفريقية التي تبذل في هذا الشأن يجب ان تتضاعف وتزداد حزما وحسما، من أجل تسويات توحد الصفوف على أساس تهدئة للنفوس تنعكس على القدرة على مواجهة نوازع الشر الداخلية والخارجية، وصولا الى التسويات العادلة لصالح الجميع.

وفي هذا الصدد فإن استمرار جهود جامعة الدول العربية ـ مدعومة من جانب الدول العربية بجهود فردية أو جماعية مساندة ـ في لبنان والعراق يجب ان تستمر لتحقيق المصالحات والاتفاقات بين الأطراف، لمواجهة عواصف التفرقة والتجزئة ولإنهاء الوجود والتدخل الأجنبي، الذي يتذرع بكل الذرائع الممكنة النابعة من الأوضاع المتردية الحالية لكي يستمر ـ عمدا أو جهلا ـ في نشر سمومه التي تسري في الجسد العربي كله. ففي لبنان من الضروري أن تتوصل الأطراف كلها الى اتفاق، على الرغم من رواسب الماضي، التي لا يمكن بالطبع الغاؤها، بل يمكن تطويعها أو تهدئتها ليمكن معالجتها بطريقة تعيد الى لبنان وجهه الحقيقي القائم على توازنات لا تفرق ولكن توحد. وفي هذا الصدد فإنه من العاجل ان يستأنف امين عام جامعة الدول العربية ما بدأه خلال زياراته لبيروت، مدعوما بمساندة فعالة من الدول العربية، بما فيها سوريا، التي أعتقد انها تدرك ان ذلك في مصلحتها لمواجهة رياح الكراهية التي توجه إليها من الخارج، مستغلة بعض المواقف التي تغذي شكوكا عن حق أو عن باطل.

وفي العراق فإنه من الواضح ان الخطط المسماة بالأمنية لا يبدو انها قادرة على معالجة الموقف، الذي يحتاج الى تناول سياسي يستند الى اقتناع كل الأطياف بأنها جزء من كل ـ هو العراق الموحد ـ الذي اذا سلم سلم الجميع، واذا تحطم على صخرة أوهام وأطماع تستجيب لمخططات داخلية أو خارجية، فإنه لن يكون هناك منتصر، بل سيكون الجميع من الخاسرين. ولذلك فمن الحيوي استئناف المساعي العربية للمصالحة الوطنية حتى يمكن الخروج من المأزق الحالي، الذي يدعمه الوجود الأجنبي، الذي يجب خلق الظروف المناسبة لإزاحته. وأتصور انه ما زال هناك في الولايات المتحدة من يدركون خطورة استمرار الوضع الحالي، الذي تستحيل معالجته بالقوة والانحياز لطرف ضد آخر، وانعكاسات ذلك على المصالح الأمريكية ذاتها، ولعل هذه القوى أن تكون مستعدة ـ رغم عناد الآيديولوجيين الضالين والمضللين ـ للتعاون على إيجاد حل يخرج الجميع من الورطة.

أما فلسطين ذلك الجرح الغائر في قلب كل عربي ـ فإن عدم توصل الجهود الخيرة ـ مصرية وسعودية وغيرها ـ الى تجميع كل المنظمات الفلسطينية حول كلمة سواء، معناه ضياع كل رصيد النضال المستمر في مجال المقاومة والسياسة، الذي كان قد قربنا من تحقيق قيام الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة. ان قيام حكومة الوحدة الوطنية ـ وهو ما يبدو انه يلقى مقاومة من عناصر لدى كل طرف من أطراف المعادلة الوطنية ـ هو امر ضروري وملح يجب عدم التسامح فيه، ولا يعقل أن يستمر الوضع الحالي الذي اراق الدماء، بينما اسرائيل تستغل الانقسامات، بل تعمل على تعميقها لكي تستمر في عدوانها واستفزازتها، وآخرها ما يجري في المسجد الأقصى، الذي أحاطته بأفعال ودعايات اختارت وقتها لتستغل وتعمق الانقسامات. واذ اكتب هذا فإن لقاء مكة المكرمة يوشك أن يبدأ ولا أريد أن أشك في أن الجهود السعودية مضافة الى الجهود المصرية وغيرها سوف تؤتي ثمارها، بعد أن رأى الفلسطينيون عن قرب أبواب جهنم الحرب الأهلية البغيضة.

ويجب أن يقترن هذا بجهود مع مختلف القوى الدولية، لكي يتوقف بعضها عن محاولة فرض شروط تعجيزية، تستهدف في حقيقتها ابقاء الانقسام الفلسطيني، الذي يصب في صالح اسرائيل وسياساتها العدوانية التي تعوق التوصل الى تسوية حقيقية. ويجب على الرباعية أن تتخذ مواقف أكثر حزما مما رأيناه في اجتماعها الأخير في الثاني من فبراير، حيث اكتفت بالإعراب عن آمال طيبة، سبق أن كررتها أكثر من مرة، وأدانت العملية الانتحارية الأخيرة من دون أن تدين اعمال العنف الاسرائيلية المستمرة، وتكرر اقتحامها غير القانوني للمدن الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من قتل وتدمير.

أتمنى ان نرى اليوم، الذي تتجاوز فيه الرباعية مرحلة الأماني والترحيب بكذا وإدانة كذا الى اتخاذ مواقف حقيقية وجادة تعبر عن رغبة حقيقية في دفع الأمور بقوة في الاتجاه الصحيح، فتضاف جهودها الى جهود عربية نراها تتزايد، ولكنها تحتاج الى ان يساندها جهد دولي فعال، لا يتراجع أمام انحيازات بعض العناصر المؤثرة ـ رغم تكرار فشلها ـ في الدولة العظمى. ولعلي اشير في هذا الصدد كمثال على الدور التخريبي لتلك العناصر، ما سمعته من مصدر ثقة من أن مسؤولا كبيرا في الادارة الامريكية معروفا بإنحيازه التام لإسرائيل، اكد انه لو أرادت اسرائيل الدخول في مباحثات مع سوريا، ردا على نداءات سوريا باستئناف المفاوضات، فإن واشنطن سوف تعترض على ذلك وتحاول منعها لأنها ترى في ذلك دعما لنظام تتمنى تغييره. [line]
قبل أن يضرب المنطقة‏..‏ زلزال استراتيجي مدمر‏!‏

مـرسي عطـا اللـه

الاهرام

حتي لاتضيع الحقيقة في ضباب الوهم ينبغي علينا أن نهيئ أنفسنا لاستحقاقات خطر جديد تشير كل الدلائل إلي أنه ربما يكون أشد وأعنف زلزال استراتيجي تشهده منطقة الشرق الأوسط التي تتجمع فيها ـ الآن ـ نذر صراعات مدمرة من ناحية وبوادر الاتجاه نحو حرب مهلكة من ناحية أخري‏.‏

وأغلب الظن أن دقات العد التنازلي للحرب المهلكة وأعني بها الحرب ضد إيران توشك علي الانطلاق في شكل تكرار غبي ومخيف لسيناريو ضرب العراق وإن اختلفت التفاصيل علي ضوء مايتسرب من معلومات وتقارير صحفية حول نشوء توافق جديد بين المحافظين الجدد في واشنطن وصقور التطرف في تل أبيب تحت مظلة الإحساس بأن إيران أصبحت تشكل تحديا جديا وجديدا لرغبات الهيمنة لدي أمريكا ورغبات التفرد الإقليمي لدي إسرائيل‏.‏

وهنا يكون السؤال الضروري هو‏:‏
هل بمقدورنا أن نفعل شيئا لتجنيب المنطقة مخاطر زلزال استراتيجي جديد ربما تفوق قوته التدميرية كل ما تعرضت له المنطقة من زلازل في السنوات الأخيرة؟

وجوابي يجئ هنا علي شكل سؤال أهم هو‏:‏
هل يمكن أن تكون لنا أية مصلحة ـ ولو محدودة ـ في حدوث هذا الزلزال الاستراتيجي في المنطقة؟

إذا قيل والقول صحيح بأن هناك خطرا متزايدا علي المصالح العربية من زيادة واتساع النفوذ الإيراني فإن علينا أن نتعامل مع هذا الأمر من أرضية الإدراك بخطر مواز هو خطر ازدياد واتساع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي أيضا وأن المصلحة العربية تحتم العمل باتجاه رفض كل أشكال الهيمنة والنفوذ سواء كانت من قوي إقليمية أو من قوي دولية من خارج المنطقة‏!‏

واذا قيل ـ والقول غير دقيق ـ بأن أوضاع العالم العربي لم تعد تسمح لنا بإمكانية الرفض الصريح لمشاريع الهيمنة خصوصا إزاء الولايات المتحدة الأمريكية فإنني أري أنه مع التسليم بأوضاع العجز والحيرة والتردد التي تغطي سماء السياسة العربية في السنوات الأخيرة إلا أننا أمام متغير جديد يفتح لنا باب الأمل في إمكانية بناء إرادة رفض مؤثرة لسياسات التهور الأمريكي في المنطقة‏!‏

أريد أن أقول بوضوح‏:‏ إن إدارة الرئيس بوش الحالية لم تعد مطلقة اليد في السياسة الخارجية كما كان عليه الحال علي مدي السنوات الست السابقة بعد أن انتزع الديمقراطيون السيطرة من جديد علي الكونجرس وظهرت من جانبهم إشارات حازمة يمكن لنا التقاطها والتوافق معها‏.‏

بوضوح أكثر أقول‏:‏ إنه مهما قيل عن صلاحيات واسعة يملكها الرئيس الأمريكي في قرارات الحرب والسلم فإن إدارة بوش لايمكنها ان تغامر بالدخول في ورطة جديدة ضد إيران علي غرار ورطتها الراهنة في العراق دون أن تتوافر لها موافقة صريحة من الكونجرس الذي تتعزز مصداقيته الآن بما هو أبعد من أغلبية التصويت التي يملكها الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ وأعني ذلك تنامي قوة التيار المعارض للحرب في العراق ولأية نيات لضرب إيران في صفوف الرأي العام الأمريكي‏.‏

وأجد نفسي أمام سؤال يفرض نفسه بإلحاح وهو‏:‏

هل تكفينا أمنيات التوافق مع توجهات الكونجرس لكي نبني رهانا صحيحا علي إمكانية تجنيب المنطقة خطر تعرضها لزلزال استراتيجي رهيب يسعي المحافظون الجدد في واشنطن وصقور التطرف في إسرائيل لإحداثه؟

وجوابي هو‏:‏
إن من السذاجة السياسية أن يقول أحد بذلك ومن ثم فقد آن الأوان لكي يقدم العالم العربي دليلا بشأن قدرته علي التحرك الصحيح لحماية مصالحة وتأمين أوضاعه‏.‏

إن من الخطأ البالغ أن نكرر مع متغيرات الكونجرس الأمريكي الراهنة تجربة الرهان الخائب علي قدرة الاتحاد السوفيتي في الماضي لكي يتولي حماية مصالحنا ونحن قاعدون في مواقعنا‏!‏

لابد لنا أن نتحرك وبسرعة علي طريق إثبات جدية قدرتنا علي أن نكون رقما صحيحا في المعادلة الإقليمية وبما يمكننا من إسقاط الدعاوي التي تتحدث عن فراغ في المنطقة تتأهب إيران لملئه لحساب أهدافها ومقاصدها في الهيمنة وبسط النفوذ‏.‏

إن علينا أن نسرع الخطي باتجاه إطفاء كل الحرائق المشتعلة داخل ديارنا سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان أو إقليم دارفور‏,‏ لأن استمرار هذه الحرائق يغذي من قوة الحجج التي يتذرع بها دعاة الحرب الضرورية لحرمان إيران من حلمها في ملء الفراغ الناجم عن عجز النظام العربي وتشتت وتبعثر قواه في حروب وفتن وصراعات عرقية ومذهبية وطائفية‏!‏

واذا سئلت ـ والسؤال له وجاهته ـ عن نقطة البداية لإطفاء هذه الحرائق المشتعلة ومحاولة كسب القوي المعارضة لنشوب حرب جديدة تحدث زلزالا استراتيجيا مرعبا في المنطقة فإنني أقول إن علينا أن نثبت كشعوب وزعامات في هذه البؤر المشتعلة أننا مؤهلون لحكم أنفسنا بأنفسنا‏,‏ وأن زمن الصراعات العرقية والمذهبية والطائفية قد ولي وحل محله تقويم جديد يقوم علي التوافق الوطني داخل كل قطر عربي محصنا بجبهة داخلية قوية من ناحية واحترام يصل إلي حد الالتزام بعدم التدخل في شئون بعضنا البعض من ناحية أخري‏!‏

وما لم نكن قادرين علي أن نفعل ذلك وبأقصي سرعة ممكنه فإننا نساعد ـ بوعي أو بدون وعي ـ أصحاب الحجج المتصاعدة هذه الأيام بأن معظم الأقطار والشعوب العربية تفتقر إلي الرشد السياسي الصحيح الذي يمكنها من مجاراة العصر وأنها بذلك تتحرك في اطار خيارين كلاهما مر‏..‏ خيار الحكم الدكتاتوري المتسلط علي غرار النظام العراقي السابق الذي كان يحمد له ـ برغم كل اخطائه وخطاياه السياسية والاستراتيجية ـ قدرته علي ضبط الأمن والحفاظ علي وحدة وتماسك الوطن العراقي‏...‏ أو خيار استدعاء الهيمنة والوصاية الأجنبية تحت مسميات وأقنعة متعددة سواء بمعطيات اقليمية يجسدها طموح ايران في النفوذ والسيطرة‏,‏ أو بمعطيات دولية تجسدها أهداف ومقاصد القوي الدولية الكبري من نوع ما ترمي اليه أمريكا لرسم خريطة جديدة للمنطقة يتراوح مسماها بين الشرق الأوسط الكبير أو الشرق الأوسط الجديد‏!‏

باختصار شديد أقول إنه قد آن الأوان لحسم كل الملفات الشائكة والعالقة في بؤر التوتر والفتنة بدءا من الملف البغيض للمحاصصة الطائفية في العراق ومرورا بتعقيدات وحساسيات المحكمة الدولية للكشف عن مرتكبي جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ووصولا الي مهزلة الاقتتال بين حركتي حماس وفتح بسبب العجز عن تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون بمثابة إشهار للمجتمع الدولي بوجود شريك فلسطيني قادر علي التفاوض وقادر علي تحمل مسئولية الحكم للدولة المرتقبة‏!‏

وأظن أن مصالحنا العليا ومتطلبات أمننا القومي تفرض علينا قوة وجدية الاسهام في تهيئة المسرح الاقليمي للعودة الي لغة التفاوض والحوار بأقصي سرعة ممكنه لأن هناك علي الجانب الآخر من يسابقون الزمن لتهيئة المسرح الاقليمي لحرب جديدة قد ينجم عنها زلزال استراتيجي مرعب ومخيف ورهيب‏!‏

ولكي لايكون هناك مجال لسوء فهم فإنني اعتقد أن منظار الرؤية الذي ينبغي أن نضعه علي أعيننا ينبغي أن يكون منظارا كاشفا لضباب الوهم‏...‏ وفرق كبير بين أن نرفض سياسة ايران وأن نقاوم رغباتها في الهيمنة والنفوذ‏,‏ وبين أن نتوهم للحظة أن ضربها ـ كما يتردد بقوة هذه الأيام ـ لن يعود علينا بالضرر‏!‏

بالقطع سوف نتضرر كثيرا من نشوب حرب جديدة في المنطقة‏..‏ ومن ثم فإن علينا ان نسعي بكل الوسائل للحيلولة دون نشوبها أو إبداء أي قدر ـ ولو محدودا ـ من الفهم لمبرراتها التي بدأت عملية تسريبها للعقول والآذان تتزايد بقوة هذه الأيام‏!‏

‏attalla@ahram.org.eg‏ [line]

castle
09-02-2007, 09:47 AM
أكد أن مصر مستهدفة سياسياً وفكرياً واقتصادياً وأيديولوجياً

أنور عبدالملك: الظاهرة القومية إلى صعود نتيجة الغطرسة الأمريكية والإجرام الصهيوني

الخليج

الدكتور أنور عبد الملك أحد كبار المفكرين في مصر والوطن العربي، يتمرد على كل ما هو تقليدي في الكتابة بشكل عام والسياسة بشكل خاص، ويشغله تكوين التفكير العقلاني لدى المواطن المصري والعربي، تتلمذ د. عبد الملك على يد الفيلسوف المصري الراحل عبد الرحمن بدوي، وأثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات منها: “مدخل إلى الفلسفة” و”ريح الشرق” و”تغيير العالم” و”القومية الاشتراكية” و”في أصول المسألة الحضارية” و”الصين في عيون المصريين”.

“الخليج” التقت د. أنور عبدالملك وكان الحوار التالي:

حاوره في القاهرة: خالد بيومي

أنت مفكر كبير ومع ذلك تقاطع الحياة الثقافية وتبتعد عن الأضواء.. لماذا؟

أحضر الندوات والمؤتمرات الجادة فقط أما التي تهدف إلى المجاملات والاحتفاليات فلا أشارك فيها ولها موضوع محدد وغير ذلك فلا أحضر.

بدأ نشاطك السياسي في بداية الأربعينات فما الدور الذي لعبه الشيوعيون في الحركة الوطنية ولماذا وقع الصدام مع ثورة يوليو 1952؟

كان للشيوعيين دور كبير في ثورة مصر في الأربعينات في نهاية حريق القاهرة وكانوا القوة الرئيسية في الجبهة الوطنية المتحدة مع شباب الوفد وكان هناك الحزب الوطني وحزب مصر الفتاة وقوى أخرى كبيرة جدا، وهذا تم التعبير عنه في اللجنة الوطنية لاتحاد الطلبة والعمال، ونقاباتهم وكانت أي لجنة تعتبر حكومة موازية للحكومة الموجودة آنذاك من فبراير/ شباط إلى يوليو/ تموز 1946 وكان دور الشيوعيين ليس في الشكليات وإنما في صياغة الخط العام للحركة الوطنية والمصرية، وبعد الثورة ظهر هذا الدور في الميثاق الوطني بشكل واضح جدا، وحتى اليوم ستجد أن معالم هذا الميثاق العام هي التي تحدد الفرق بين القوى الوطنية والقوى غير الوطنية.

وبخصوص الصدام بينهم وبين الثورة، هناك من يقول إن الضباط الأحرار كان وسطهم أغلبية تعادي الاشتراكية وكان أول إجراء اتخذوه هو إعدام خميس والبقري وهما عاملان كانا يعملان في كفر الدوار ولم يكونا شيوعيين .وفي رأيي أن الصدام الحقيقي سببه موضوع الديمقراطية داخل الثورة في العام 1954 عندما طالب الشيوعيون باستعادة الديمقراطية بأشكالها المختلفة من تشكيل أحزاب وصدور الصحف، كما أن مستشاري عبد الناصر بدأوا التمييز بين أهل الكفاءة وأهل الثقة وكان أغلب السياسيين من أهل الكفاءة وهم ليسوا أصحاب فكر، وبالتالي كانت فكرة الديمقراطية مرفوضة من مختلف القوى السياسية في مصر في الفترة من 1954 حتى 1956. وكل شيء أصبح ملكا للجهاز الحاكم وليس هناك تبادل للآراء وهذه جريمة من التفوا حول عبد الناصر وانتهى الصراع عام 1965. وبدون شك فإن حرب السويس كانت لحظة تمثل التوجه الاستقلالي في مصر فالتف الشعب بكل طوائفه حول عبد الناصر، وأبرز دليل على ذلك رفض الشعب قرار التنحي وهذا لم يحدث في تاريخ العالم كله.

تحالف السادات مع الإخوان لإضعاف اليسار فكيف تفسر صعود الإخوان في الانتخابات التشريعية الأخيرة؟

لم يصعد الإخوان على حساب اليسار وإنما على حساب ضعف أحزاب المعارضة الذي جاء نتيجة سياسات السادات وحسني مبارك وهي قمع كل أنواع المعارضة، حيث وضعوهم في مكاتب ولم يسمحوا لهم إلا بإصدار الصحف فقط والخاسر في هذا الموضوع هم الذين همشوا أحزاب المعارضة وهم أعضاء الحزب الحاكم.

لكن هذا النجاح للإخوان هو تعبير عن رأي الشارع المصري الذي انتخب الإخوان بكامل حريته؟

الشارع المصري انتخب المعارضة الممكنة عندما قمعت كل المعارضات فلم يبق إلا تيار الإخوان فانتخبه.

أسامة أنور عكاشة قال إن المواطن المصري غير نقي الهوية هل تتفق معه؟

أي بلد شخصيته القومية تندرج في دوائر مختلفة.. الفرنسي مثلا أوروبي لاتيني ثم غربي ثم مسيحي بوجه عام والمصري مصري في الدائرة العربية والإفريقية والشرقية الإسلامية لكن المشكلة أين ولاؤه؟ ولاؤه لمن؟ فالمشكلة في النهاية هل هذا التوجه لمصلحة الوطن أم ضده.

هل تعتقد أن مصر مستهدفة؟

هذا السؤال في محله فمنذ حرب أكتوبر بدأ العد التنازلي لمحاصرة مصر ولسان حالهم يقول: مهما أنجزتم من دولة عصرية على غرار محمد علي مثلا سنضربكم، هذا كلام المفكرين في الغرب عندما أجلس معهم ويقولون حتى لو أقمتم دولة ليبرالية برلمانية مثل أيام الخديو إسماعيل أو الوفد سنضربكم، دولة عسكرية نضربكم، إسلامية سنضربكم، لن نترك قيام دولة فيها تحرك نهضوي في مصر لأن مصر في أدق مركز جيوسياسي في العالم وقيام أي دولة قوية بها سيؤثر في منطقة الاتصال بين الشرق والغرب بين أوروبا وآسيا وإفريقيا ومنطقة التحكم البترولي ومصر باستمرار مستهدفة لزعزعة هويتها وتهديد استقرارها. وما زاد الطين بلة أن الاستهداف ليس خارجيا فقط وإنما من الداخل أيضا ما بين القيم الأمريكية من ناحية والسلفية من ناحية أخرى دخلت في نخاع الشعب المصري، وهذا الجديد، أما قبل حرب أكتوبر فكان الاستهداف سياسيا من الخارج، واليوم أصبح استهدافاً سياسيا وفكريا وأيديولوجيا ونفسيا وماليا.

لماذا تراجع دور النخبة الثقافية رغم مساحة الحرية المتاحة في الصحف؟

لأن اتساع مساحة الحرية في الصحف يقابله انعدام مساحة الحرية بشكل مطلق في الشارع والهيئات العامة. منذ عام 1952 هناك حجر على الحياة السياسية للشعب المصري، هناك مساحة كبيرة من الحرية في الصحف لكن الحرية ليست في التنديد والتجريح وإنما الحرية أن تعرض رأيا مخالفا بعمق وجدية بحيث تقنع غريمك به، ويحسب للنظام وجود هذا الحيز من الحرية في الصحف وهذا لن يذهب هدرا.

كيف ترى سقوط الاتحاد السوفييتي بما يعني ذلك انهيار الشيوعية؟

لم يتهاو الاتحاد السوفييتي الذي حارب وكسر شوكة النظام النازي ودحر شعوب أوروبا لكنه أنهك نتيجة نزيف الدم في الحرب العالمية الثانية 27 مليون قتيل والاتحاد السوفييتي كان مجموعة أمم حيث كان يتكون من 16 دولة. والخطأ الأكبر الذي وقع فيه هو دخوله في صراع سباق التسلح وهذه أكبر نكبة جيوسياسية في القرن العشرين كما قال الرئيس بوتين، ونحن حتى اليوم ندفع ثمن هذا الانهيار لعدم وجود قوة توازن القوى الأمريكية، والذي يقود حركة النمو في العالم هو الدول الاشتراكية مثل الصين وفيتنام و80% من أمريكا اللاتينية تطبق الفكر الاشتراكي ماذا تريد أكثر من ذلك؟ بالإضافة إلى آسيا الشرقية كلها. أنا لم أشعر بمدى نجاح الفكر الاشتراكي أكثر من اليوم.

سادت أفكار مثل العلمانية والاشتراكية والشيوعية خلال القرن العشرين برأيك ما الأفكار التي سيتمحور حولها النقاش في القرن الحادي والعشرين؟

هناك تشكيلة جديدة بدأت تظهر الآن وهي عودة القومية إلى الوجود نتيجة الغطرسة الأمريكية والإجرام الصهيوني، هناك صعود للظاهرة القومية والوطنية إلى عنان السماء مثل حزب الله في لبنان والمقاومة في العراق في كل مكان سنجد دولا قومية شامخة في الصعود ستعود القومية بقوة بعد مرحلة تنحسر فيها العولمة.

كما ستسود القيم خلافا للقرن العشرين الذي كان التركيز فيه على النظام الاقتصادي واليوم ستتحرك الدول الوطنية في إطار معنوي حضاري هناك بلاد ستأخذ شكلا دينيا وهناك بلاد ستأخذ شكلا حضاريا فالصين مثلا ستتحرك في إطار الحضارة الكونفشيوسية، وسيتحرك العالم الإسلامي في الإطار الإسلام بالمعنى الواسع، وانظر كيف يعامل الغرب تركيا فمنذ 16 عاما وهم يماطلون في طلبها للانضمام للاتحاد الأوروبي لأن هويتها إسلامية.

يعاني الفكر العربي من أزمة في تقديم نفسه أين تكمن هذه الأزمة، وما ملامحها في الواقع؟ وكيف يمكن الخروج منها؟

السؤال في غاية التعقيد، هناك مدخلان الأول أن تجديد الفكر العربي الذي بدأ منذ عصر محمد علي واستمر لم يؤد إلى تراكم وطني والسبب اصطدامه بنظرة سلفية إلى الإيمان رفضت كل ما لا يتفق مع ما كان موجودا منذ زمن، فالإيمان موجود في القلوب أما الجديد فهو موجود في كل المجتمعات.

الثاني، قطاع كبير من المثقفين والعلماء هاجر للغرب فمصر قبل كامب ديفيد كانت تملك عشرة من أكبر علماء الذرة في العالم وكنا على بعد خطوات قليلة جدا من إنتاج الطاقة النووية بكل أبعادها في مفاعل أنشاص، هذا الكلام أخفي ترضية لأمريكا وتأميناً ل “إسرائيل” وقتل أحد كبار العلماء (الدكتور يحيى المشد) في باريس وتم تفتيت هذا الطاقم واليوم نعود إلى الخطوات التي اتخذناها منذ ربع قرن ضمن السبب في توقف هذا المشروع.

إذن هل أنت موافق على امتلاك مصر للطاقة النووية؟

إلى متى سنظل قابعين في مكاننا وإيران على سبيل المثال لا تستطيع أية قوة في العالم أن تنال منها ولا الدولة الصهيونية فإذا لم تفرض قوتك ستهان، ومن مصلحتنا كشعب مصري إنتاج الطاقة النووية وهو حق مشروع لكل الدول وأتساءل لماذا نحن خائفون من الإقبال على مثل هذه الخطوة ولو شعر العدو بأنك خائف ستضرب على الفور.

يلاحظ أن المفكرين العرب يواجهون أقدارا تختلف عن أقدار نظرائهم في العالم.. إلى أي مدى تشعر بأنك ملزم بهذا القدر؟

أتفق معك أن المفكرين يؤذنون في مالطة وهذا الأذان يدخل في كل قلوب المصريين والنظام كمم أفواها كثيرا ويعتقدون أن كلام هؤلاء المفكرين “كلام في الهواء” والعكس هو الصحيح أنهم على هامش الدنيا.

بدأت كل من مصر واليابان والصين الدخول في عصر النهضة في توقيت زمني موحد.. لماذا تقدمت اليابان والصين وتأخرت مصر؟

لأن هناك إصرارا من الدولة اليابانية، وإصراراً من الحزب الحاكم في الصين “حزب الثورة” تحت شعار شهير هناك “فليأت من كل ما هو عجمي كل ما هو وطني” وقد فعل محمد علي ذلك فاستقدم بعثة لتطوير الجيش المصري وعندما تكون الجيش أرسل جيشه بقيادة إبراهيم باشا ليعيد المجد للخلافة العثمانية.

= كيف تقرأ تصريحات البابا الأخيرة؟

البابا الجديد ينتمي إلى أصولية دينية عريقة كاثوليكية وقد تحدث في لحظة نجحت فيها القوة الإمبريالية المرجعية الصهيونية في أن تستثير الرأي العام الغربي ضد الإسلام والعرب وهذا جزء من كل، والإسلام مفرد وهذا يعكس ذلك إلى حد ما، فالنية غير سليمة وهذا الرجل ليس له قيمة عندهم وأتساءل لماذا لم يفوض الغرب كبار الأعلام في الفكر المسيحي الغربي ليتحدث مثل توماس الأكويني واليسوعيين الكبار فهم قد زجوا به ليكون بالونة اختبار، فالبابا ليس له أي وزن هناك كما أن توجه البابا سلفي والأخطر من ذلك أن الأحداث تدفع بقوة في هذا الاتجاه ويظهر هذا من خلال قراءة الصحف في الغرب، وعزز ذلك تصريحات بوش الأخيرة عندما أشار إلى ما يسمى بالفاشية الإسلامية بالرغم من أن كلتا يديه ملطخة بالدماء وبرغم ذلك هناك صمت تام من العرب والمسلمين إزاء تلك الاستفزازات.

إلى متى سيستمر الشد والجذب بين الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية؟

دعنا من التواكل إذا أردت أن يكون لك مكانة مرهوبة الجانب لابد أن تبني قوتك الأساسية وحدد مواقفك بوضوح ولا تهتز، وأتساءل هل يستطيع أحد أن يهدد الصين أو إيران أو اليابان فالسياسة العالمية تقوم على الصراع في المقام الأول فالغرب لا يرضى إلا بالقوي، ومن يضعف ويسعى إلى رضا القوي سيداس بالأقدام.

قلت إننا نعيش تحت وطأة الاحتلال منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد.. كيف ذلك؟

المسألة مركبة من شقين: الأول: الالتجاء إلى فض الاشتباك بتوقيع صلح مع “إسرائيل” والاعتراف بها وهذا الأمر مرفوض في رأيي طالما هناك احتلال للأراضي الفلسطينية مع احترامي للسادات في حرب أكتوبر الذي نسلبه مكانته في السياسة ولكن في نفس الوقت لا نعطيه أكثر من حقه.

ولكن إذا نظرنا إلى الناحية الاقتصادية سنجد أن الاقتصاد المصري يشكل وحدة قائمة تعتمد على النيل الذي يروي الزراعات التي يقتات منها الشعب وجزء منها يتحول إلى الصناعة ويتم تصديره ولكن بدأ طوفان المديونيات يجتاح مصر منذ توقيع هذا الصلح المشؤوم الذي بدأ يوقف الإنتاج وإلغاء القطاع العام من ناحية واستبداله بعوائد العمالة المصرية في الخارج والاستيراد من الخارج من ناحية أخرى ما ألجأنا إلى المنح ومد الأيدي والوقوع في شرك الأفكار السلفية وهذا قمة الاحتلال.

أنت تلميذ نجيب ومخلص للدكتور عبد الرحمن بدوي.. ما الذي بقي من أفكاره؟

كان صاحب رسالة وكون أجيالا من المفكرين العرب والمصريين وأفكاره تمثل خلاصة جيل كامل من العلماء والفلاسفة والأكاديميين في عموم الحياة المصرية والعربية.

لماذا نجح في الخارج وفشل في الداخل؟

لأن القوى الحاكمة في العالم العربي لا تؤمن بجهود هؤلاء الأفراد الذاتية، وعندما يأتي من يؤمن بهذه القوى الذاتية مثل محمد علي والخديو إسماعيل أو عبد الناصر ووجود مصر قوية يعتبر نكبة للقوى الاستعمارية الكبرى ولا يقوم بمساعدتك إلا القوى غير الاستعمارية وكان هذا موعد الاتحاد السوفييتي سابقا واليوم هو شأن الصين واليابان، ومن هنا كانت أهمية زيارة الرئيس مبارك إلى دول منظمة شنغهاي الاقتصادية ونحن في حاجة إلى من يصادقنا.[line]

castle
10-02-2007, 06:09 AM
السبـت 22 محـرم 1428 هـ 10 فبراير 2007

ماذا جري في البلاد التي ألغت عقوبة الإعدام؟

بقلم: ‏د‏.‏ حافظ يوسف‏
الاهرام

في القرن الثامن عشر كان الفكر الأوروبي الذي يعطي قيمة كبري لإنسانية الفرد قد انتشر متأثرا بفلسفة مفكرين مثل مونتسكيو وفولتير وآدم سميث‏,‏ وامتد هذا إلي معاملة المسجونين وأحكام الإعدام علي أساس أن الإعدام هو في النهاية قتل لا يليق أن يمارسه المجتمع في عصر التنوير‏.‏ وفي القرن التاسع عشر بدأت بعض الدول الأوروبية إلغاء عقوبة الإعدام وانتقل الاتجاه إلي الولايات المتحدة‏,‏ فقد ألغت بلجيكا العقوبة عمليا عام‏1863‏ وهولندا‏1870‏ وإيطاليا‏1890‏ والنمسا‏1918‏ وألمانيا والدنمارك‏1930,‏ ثم انتشر هذا السلوك في بقية الدول الأوروبية‏,‏ وقد أصدرت انجلترا قانون إلغاء الإعدام بصفة تجريبية عام‏1964‏ لمدة خمس سنوات ثم أقرته نهائيا عام‏1969‏ رغم أن جرائم القتل زادت من‏59‏ جريمة عام‏1963‏ إلي‏69‏ جريمة عام‏1968,‏ وأصبح إلغاء عقوبة الإعدام يعد علامة علي التمدن‏.‏

وقد تكونت جمعيات وهيئات كثيرة تدعو لإلغاء عقوبة الإعدام‏,‏ والملاحظ هو أن أصحاب هذه الدعوة كانوا عادة أعلي أصواتا‏,‏ كما أن الملاحظ أنهم يدعون إلي إلغاء هذه العقوبة علي إطلاقها لا فرق بين معتادي الإجرام وغيرهم‏,‏ وهو ما اهتم به الإسلام‏.‏

والدول التي أخذت بالإلغاء بدرجاته المختلفة تجد فيها أمرا أو أكثر من الأمور الآتية‏:‏
‏(1)‏ العودة أحيانا إلي توقيع عقوبة الإعدام عند تفشي الإجرام أو عندما تستثار الجماهير بقضية كان سلوك المجرم أو المجرمين فيها وحشيا‏.(2)‏ الاحتفاظ بالعقوبة لحالات معينة مثل قتل ضباط الشرطة وحراس السجون والخيانة العظمي ورؤساء الدول‏,‏ وهذا اعتراف ضمني بضرورة العقوبة‏,‏ وهو نوع من التمييز وعدم العدالة‏,‏ فما ذنب الجمهور العادي في عدم الاقتصاص له‏.‏ وقد أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة عام‏1972‏ قرارا بأن عقوبة الإعدام غير دستورية ولكنها تركت الباب مواربا أمام إمكان الموافقة علي استخدامها في أحوال معينة‏.(3)‏ الحكم بالإعدام مع عدم تنفيذه‏,‏ ففي سجون هذه الدول طابور طويل من المحكوم عليهم بالإعدام دون تنفيذ لسنوات طويلة‏.(4)‏ استبدال عقوبة الإعدام بالسجن مدي الحياة‏,‏ وهو ما أدي إلي ازدحام السجون وقد لوحظ أنه قد انخفض متوسط سن مرتكبي الإجرام إلي‏20‏ ـ‏35‏ سنة‏.‏

كما لوحظ أن بعض البلاد مثل انجلترا قد زادت فيها جرائم السرقة المصحوبة بالعنف وجرائم الاغتصاب‏.‏

ويمكن للقارئ أن يفهم تعليل هذه الزيادة بسهولة‏,‏ فإن هذه الجرائم ترتكب عادة تحت تهديد السلاح أو القوة المتفوقة للجاني الذي يعلم أنه إذا اضطر للقتل وإذا كرر هذا النوع من الإجرام فلن يفقد حياته‏,‏ بينما الضحية تعلم أيضا هذا الأمر فتستسلم‏.‏

والواقع أن الإحصاءات التي يأتي بها المعارضون والمحبذون لعقوبة الإعدام لم يكن ممكنا استخراج نتائج نهائية منها في كثير من المراجع السابقة‏,‏ وكان لابد من انتظار مراجع أحدث حتي تكون الدراسة قائمة علي حقائق لا تغمطها الأصوات العالية لمعارضي العقوبة‏,‏ فقد أمكنهم أن يقنعوا الكثيرين بأن توقيع العقوبة علي مدي التاريخ لم يمنع الجريمة‏,‏ وهذا القول فيه كثير من المغالطة‏,‏ إذ إن العقاب مقابل الذنب مطلوب ليستقيم أمر المجتمع‏,‏ ثم نأتي إلي نتائج نشرت في عامي‏1996,1995:‏ ففي عام‏1995‏ ذكر جون ديؤليو تحت عنوان الجريمة في أمريكا‏..‏ هل تسير إلي أسوأ؟ بمجلة ريدرز دايجست أنه بعد عشر سنوات من دراسة الجريمة في أمريكا توصل إلي ما يلي‏:‏ ـ ثلث من أدينوا بجريمة القتل في الولايات المتحدة كانوا من معتادي الإجرام الذين أفرج عنهم تحت نظام التعهد أو تحت الرقابة‏.‏

ـ الذين أفرج عنهم عام‏1992‏ ممن أدينوا بجريمة القتل قضوا في المتوسط‏5.9‏ سنة فقط من متوسط أحكام‏12.4‏ سنة‏.‏
ـ في نيويورك أفرج مبكرا عن رجل اعتاد اغتصاب النساء لحسن سلوكه‏.‏

ـ تضاعفت فرصة الفرد ليكون ضحية لجريمة عنيفة عدة مرات خلال السنوات الثلاثين الأخيرة‏.‏
ـ رغم أن معدل الجريمة في أمريكا حاليا سييء بما فيه الكفاية إلا أنه يزداد سوءا‏.‏ وفي ديسمبر‏1996‏ أصدرت هيئة العدالة للجميع الأمريكية علي شبكة الإنترنت تقريرا نجتزئ منه ما يلي‏:‏

ـ خلال‏30‏ عاما‏(1966‏ ـ‏1995)‏ ارتكب‏570‏ ألف‏(‏ أكثر من نصف مليون‏)‏ جريمة قتل لم ينفذ حكم الإعدام إلا في‏300(‏ ثلاثمائة‏)‏ منها‏,‏ بنسبة‏0.053%.‏
ـ حكم بالإعدام علي‏5700‏ شخص بين عامي‏1973‏ و‏1995‏ نفذ الإعدام علي‏320‏ شخصا منهم فقط‏.‏

ـ وينتهي التقرير إلي أنه لو عم تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم التي تستحقها لكان فيها الردع الحقيقي للقتلة ولأنقذت الحياة البريئة للكثيرين‏.‏
‏[‏ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون‏](‏ البقرة‏:179).‏

لقد كانت فكرة إلغاء عقوبة الإعدام تحمل بعض البريق قبل أن تدرك آثارها‏,‏ ولكن العودة إلي الحق ظهرت في حساسية الجماهير‏,‏ فقد أظهر استقصاء قام به معهد جالوب في الولايات المتحدة عام‏1991‏ أن‏76%‏ من الجمهور يحبذون عقوبة الإعدام في حين يعارضها‏18%,‏ بينما كانت هذه النسب عام‏1966‏ كما يلي‏:‏ المحبذون‏42%‏ والمعارضون‏47%.‏[line]
دلالات استمرار اسرائيل في تهويد القدس

مهدي الدجاني
الحياة

يعد بناء كنيس يهودي من قبل منظمة «عطيرت كوهنيم» بجوار قبة الصخرة برعاية الإدارة الاسرائيلية التي منحت الرخص لتلك المنظمة واحدا من أشد الأحداث خطورة في إجراءات تهويد القدس وانتهاك حرمة المسجد الأقصى. ولهذا المسلك دلالتان حاسمتان:

الدلالة الأولى هي فساد الاستدلال ببناء الجدار العنصري على توجه اسرائيل نحو رسم حدودها على أرض فلسطين المحتلة العام 48 التي يحيطها الجدار وكذلك فساد الاستدلال ببناء الجدار العنصري على انحسار الأطماع اليهودية في الضفة الغربية عامة والقدس خاصة.

فغداة تشييد الجدار العنصري روجت اسرائيل أنها تفكر في رسم حدودها النهائية. واستخلص كثير من المراقبين بل وكثير من الفاعلين السياسيين، أن اسرائيل تريد أن يكون الجدار حائطاً حدودياً لها. ويُذكر أن البعض أرجع التوجه المزعوم نحو رسم حدود دائمة للدولة العبرية إلى طبيعة الفريق الجديد الذي تسلم قيادة دفة الحكومة فيها. فمن قائل إن التكوين القانوني لرئيس الوزراء أولمرت دفعه إلى إثارة فكرة رسم الحدود دفعاً، إذ أن ذلك التكوين القانوني واعتياد صاحبه على التكييف المحدد للمفاهيم والتأطير القانوني الحاسم للظواهر الجغرافية تجعل صاحبه إذا ترأس وزارة كيان بلا حدود يسارع إلى رسم حدود كي يتوافق الواقع السياسي الذي يواجهه مع النظرة القانونية المفاهيمية التي يحملها. وفي خضم الاحتجاج بذلك ساق أولئك المراقبون المقابلة بين تكوين أولمرت القانوني وتكوين سلفه شارون العسكري ومن سبقه من كثيرين من قادة اسرائيل العسكريين فقالوا إن التكوين العسكري هو الذي كان يدفع الجنرالات السابقين للتمادي في التوسع انطلاقا من رغبتهم الجامحة في توسيع حدود اسرائيل إلى أقصى مدى.

ومن قائل إن الأمر مرجعه أيضا تكوين بقية فريق أولمرت الجديد الذين ينتمي معظمهم إلى جيل أصغر سناً يتبنى التصورات التي تدرسها الجامعات الحديثة عن النظم السياسية والتي تُجمع على أن من سمات الدولة الحديثة أن تكون لها حدود مستقرة.

لكن متابعين آخرين، قالوا إن الزعم بأن الجدار العنصري جزء من حدود اسرائيل النهائية هو زعم فاسد. كما ان إرجاع هذا التوجه المزعوم إلى التكوين القانوني لرئيس الوزراء أو إلى طبيعة الفريق الجديد الذي يساعده هو إرجاع غير سديد. وهناك آراء مختلفة في مسألة الجدار ورسم حدود اسرائيل: الرأي الأول، أن الغرض من الجدار هو توفير الأمن المطلق داخل البقعة التي يحيط بها وما ألحق به من أراضي الضفة الغربية، ليس لأن هذه البقعة يرادُ لها أن تكون وحدها أرض اسرائيل المزعومة. بل لأن الذهن الإسرائيلي الاستراتيجي كان يظن عند بدء تشييد الجدار - وقبل سقوط صواريخ المقاومة اللبنانية العام 2006 على أي حال - أن البقعة الوحيدة التي يمكن تحقيق مفهوم الأمن المطلق داخلها ومنع وقوع عمليات استشهادية داخلها هي أرض فلسطين المحتلة العام 1948 مضافاً لها شريط من الضفة الغربية. ولا يعني ذلك زهدا من المحتل الاسرائيلي في أمنه داخل البقعة الثانية وهي الضفة الغربية. بل يعني أن يسعى قدر استطاعته إلى توفير أكبر قدر ممكن من الأمن في الضفة الغربية مع إدراك أنها ستكون بالتأكيد أقل أمنا من أرض فلسطين المحتلة عام 1948 نظراً الى كونها مأهولة بكتلة سكانية فلسطينية أكبر والى وجود بعض أجنحة المقاومة داخلها. ولا يعني ذلك أيضا زهداً من اسرائيل في أمنها داخل البقعة الثالثة وهي غزة. بل يعني أن يسعى قدر استطاعته إلى توفير أمنه فيها بأسلوب مخالف من خلال تحويلها إلى سجن كبير وإذكاء الاقتتال فيها، وذلك انطلاقاً أيضا من أن غزة لا مفر ستكون أقل أمناً من كل من الضفة الغربية وأرض فلسطين المحتلة عام 1948 نظراً الى كونها مأهولة بكتلة سكانية فلسطينية أكبر ومليئة بأجنحة المقاومة. أما أرض فلسطين المحتلة العام 1948 التي أصبح الجدار يحيط بها فهي القطاع الذي يسكن داخله عدد أقل من أبناء شعب فلسطين حيث طرد الصهاينة منها مئات الآلاف من أبناء شعب فلسطين عبر العقود السبعة الماضية، كما أن قدرة المقاومة الموجودة فيها أقل من نظيرتها داخل البقعتين الأخريين. القول الثاني في مسألة الجدار ورسم الحدود - الذي هو مرتبط عضوياً بالقول الأول - ان الجدار يهدف على المدى البعيد إلى جعل المنطقة التي يحيط بها - نقصد أرض فلسطين المحتلة العام 48 ومعها شريط من الضفة - بقعة يهودية السكان على نحو خالص. وقلنا إنه بالنسبة لاستراتيجية المحتل الديموغرافية، فقوامها جعل أولويته في هذه المرحلة تسريع إيقاع تفريغ أرض فلسطين المحتلة العام 48 من أبناء شعب فلسطين تفريغاً متدرجاً. لذا لم يكن مستساغاً الاقتصار على تسمية الجدار بـ «جدار الفصل العنصري». إذ أنه في الحقيقة «جدار التطهير العرقي» يهدف الى الوصول بهذه البقعة إلى أن تكون «خالصة» للمحتل الصهيوني. ولا يعني هذا القول زهداً بالضفة الغربية - بما فيها القدس. كل ما في الأمر أن اسرائيل تولي وزناً نسبياً أكبر في هذه المرحلة لتفريغ أرض فلسطين المحتلة العام 48 من الوزن النسبي الذي توليه لتفريغ الضفة الغربية بما فيها القدس. لكن هذا الاختلاف في الوزن النسبي لم يمنع اسرائيل من الاستمرار في الأخذ بأسباب تفريغ الضفة الغربية أيضا من أبناء شعب فلسطين. ومما يشهد على ذلك إجراءات التفريغ السكاني التي ما انفك يأخذ بها وأبرزها خلال الآونة الأخيرة منع مواطني القدس الذين يقضون في الخارج أكثر من فترة معينة من العودة إلى القدس وإسقاط الهوية عنهم. ومما يؤكد استمرار طمع اسرائيل في استلاب الضفة الغربية استمرار تهويد الخليل بعد اغتصاب القسم الأكبر من الحرم الخليلي. وها هو بناء الكنيس اليهودي على مقربة من قبة الصخرة - أي داخل إطار حرم المسجد الأقصى - يأتي ليؤكد بقاء الأطماع الصهيونية في الضفة الغربية والقدس.

القول الثالث في مسألة الجدار ورسم الحدود إن إرجاع التوجه الاسرائيلي المزعوم نحو رسم الحدود إلى علل تتصل بتكوين الحكومة الاسرائيلية الجديدة أو أعضائها (أي إلى أسباب شخصية) هو إرجاع يجافي حقائق التاريخ وينافي ضوابط النظر المنهاجي. فأما عن مجافاته حقائق التاريخ فإن مراجعة بسيطة لحركة منحنى السعي الصهيوني لاستلاب القدس وباقي الضفة الغربية وتهويدها تكفي لتأكيد ذلك. فمنذ العام 1949 حتى اليوم لم تتوقف الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة عن إصدار القوانين والقرارات التي تكرس إخضاع القدس وأجزاء من الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية. وبجانب القوانين والقرارات تتالت الإجراءات العملية لتهويد القدس وبقية الضفة الغربية وكان أبرزها توسيع حركة بناء المستوطنات وزيادة البؤر الاستيطانية، خصوصاً في محيط حرم المسجد الأقصى.

ولا يتوجب أخذ كل تصريح يصدر عن إدارة جديدة مأخذ الجد والسعي لتبريره بتفسيرات سطحية. بل الواجب أن تؤخذ التصريحات السياسية لأي حكومة اسرائيلية جديدة بحذر شديد والنظر في احتمال أن يكون هدفها جعل أعين الغير غافلة عن النيات الاستراتيجية لهذه الإدارة. والواجب كذلك عرض هذه التصريحات على سوابق المسؤولين الذي أطلقوها. ولو أن بعض المندفعين عرض تصريحات أولمرت ذي الخلفية القانونية على سوابقه كعمدة للقدس قبل وصوله إلى رأس الحكومة لوجدوا أن فترة رئاسته لبلدية القدس شهدت واحداً من أعلى معدلات تهويد القدس. لذا كان الأولى أن تؤخذ تصريحات رسم الحدود على أنها أداة لتمرير الإيحاء بوجود توجه نحو رسم الحدود من أجل أن تنشغل الديبلوماسية في التعويل على هذه التصريحات وفي التهيؤ لملاقاتها بتنازلات مقابلة.

أما الوجه الثاني فهو أن العامل الأكثر حسماً في توجيه دفة أي نظام سياسي هو «محصلة السياسات المتراكمة». نقصد القوة المنبثقة عن جملة السياسات المتراكمة عبر العقود السابقة. فمحصلة السياسات المتراكمة تتحول بمرور الوقت إلى قوة دافعة للقرار الجديد ومحددة لوجهته مهما تبدلت وجوه صناع القرار.

أما الدلالة الثانية للاستمرار في تهويد القدس والذي عاد ليظهر من خلال بناء الكنيس اليهودي داخل نطاق حرم المسجد الأقصى - فهي صيرورة خيار الدولتين ضرباً من المحال على مستوى السياسات ومستوى الوضع على الأرض. فإصرار المستلب الصهيوني على الاستمرار في تهويد الضفة الغربية قاطبة ودرتها القدس هو بمثابة منع مبكر لقيام أي أساس على مستوى «السياسات» وعلى مستوى «الوضع على الأرض» يمكن أن يؤسس عليه تطبيق حل الدولتين. فأنى لتلك الدولة أن تنشأ وأين لها أن تؤسس مع استمرار التهويد المطرد؟

من هنا لا يكون من العبث الاستمرار في المراهنة على خيار الدولتين وحشد الطاقات في سبيل تحقيقه وخفض وتيرة المقاومة من أجله وتسابق قيادتي «فتح» و «حماس» كل بلغتها الخاصة تجاه إبداء الاستعداد للالتزام بحل الدولتين بما يتيح للمحتل توظيف ذلك كله في كسب الوقت واستهلاكه بينما هو يغير الوضع على الأرض بسرعة تشد انتباه كل ذي بصر وبصيرة.

ثم ألا يكون من العبث عدم مواجهة هذا المسعى الاسرائيلي بإصرارٍ على خيار التحرير والذي قد يراه البعض بعيدا - بالمقارنة بخيار الدولتين - ونراه قريبا في ضوء حالة التصدع الكبرى التي يتعرض لها الكيان الاسرائيلي خلال الآونة الأخيرة، خصوصاً مع اشتداد آثار إخفاقه في لبنان؟

كاتب فلسطيني[line]
أفغانستان: الحرب المستعصية على النصر

باتريك سيل
الحياة

ما الذي يفعله حلف شمال الاطلسي (الناتو) في أفغانستان؟ ما الذي يسعى الى تحقيقه؟ سيتصارع وزراء دفاع حلف الأطلسي، في اجتماعهم في مدينة اشبيلية الاسبانية هذا الأسبوع، للاجابة عن هذه الأسئلة، ولن يكون اجتماعهم سهلا، اذ ستتعمق الخلافات بينهم حول أمور عدة. لقد تحولت مهمة «حفظ السلام» في أفغانستان، خلال السنة الماضية، الى مجابهة حربية شاملة: وكم كانت دهشة المسؤولين عن الناتو كبيرة حين اكتشفوا العمليات الانتحارية والقنابل المزروعة في الطرقات، وتزايد المواجهات العسكرية المسلحة ضد قوات الناتو والقوات الأفغانية معا، التي وصلت اليوم الى مستويات قياسية.

لقد وسعت حركة «طالبان» التي حصلت على أسلحة وتجهيزات عسكرية حديثة، ورفعت من مستوى تنظيمها، نطاق عملياتها، وتمت تصفية الفين من أفرادها، في السنة الماضية، في عمليات عنف، اتهمت «المقاومة الأفغانية» بارتكابها. ومن المتوقع أن تقوم «طالبان» بهجوم كبير في الربيع القادم، يهدف الى السيطرة على الأقاليم الجنوبية من افغانستان، مثل قندهار وهلمند، حيث كانت تقاتل القوات البريطانية في الأشهر الأخيرة، بعد أن جرى دعمها بقوات اضافية.

اذن ما العمل؟

لقد تسلم القيادة في أفغانستان هذا الأسبوع، الجنرال الأميركي دان ماكتيل الذي يحمل أربع نجوم، ليحل مكان الجنرال البريطاني ديفيد ريتشاردز. وتروج اشاعات بأنه سيتبنى نهجا أكثر قسوة وشدة مع المتمردين، وسيكون تحت امرته 35 الفاً من العسكريين. لقد فشل الاتحاد السوفياتي في السيطرة على أفغانستان، على الرغم من زجه ما يقارب مئة الف جندي في المعركة عام 1980، وأرغم على الانسحاب، ثم ان الامبراطورية البريطانية لم تنجح في احتلال أفغانستان على الرغم من احتلال القوات البريطانية لمدينة كابول عام 1839، وخسرت 16 الفاً من جنودها، في مجابهة المقاتلين الأفغان. فهل ستلقى قوات الناتو المصير ذاته؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل بال زعماء الناتو العسكريين والسياسيين الذين سيجتمعون قريبا.

من الواضح ان قوات الناتو ستواجه قوات محلية متمرسة على حرب العصابات القاسية، وقادرة على ان تشن عمليات عسكرية طويلة الأمد، لأنها معبأة بمزيج من عقدة كراهية الأجانب، والتزمت الديني، والتضامن القبلي. ومن المؤكد ان تزايد وتيرة العمليات العسكرية سيتسبب، لا محالة، في احداث الكثير من «الأضرار الموازية»، أي المزيد من القتلى بين صفوف الأفغان الأبرياء، وتدمير عدد كبير من المنازل والحقول، وزيادة الكراهية للأجانب، مما سيجعل السؤال التالي أكثر الحاحا: هل الوسائل العسكرية، في غياب الوسائل السياسية، هي الأسلوب الأفضل لتأمين الاستقرار في بلاد دمرتها الحروب؟

لقد تناوبت على السيطرة على قلعة موسى، وهي قرية في الجنوب الأفغاني، أطراف متنازعة، وفي الصيف الماضي تمكنت القوات البريطانية من طرد حركة «طالبان» منها، ووضع زعماء القبائل المحلية في واجهة السلطة، وما حدث مؤخرا - وان لم تتحدث عنه وسائل الاعلام - هو ان القرية قد دمرت بقسوة في القتال الدائر، وارغم معظم سكانها - ويتجاوز عددهم 10 آلاف - على الفرار.

حين انسحب البريطانيون عادت «طالبان»: ففي قصف جوي في الاسبوع الماضي، قتل قائد محلي من الحركة، هو الملا عبدالغفور، ولكن أي ثمن فادح كبده هذا الزعيم لسكان القرية؟ ومهما يكن من أمر، فان القوات الغربية، في عملياتها العسكرية تعتمد على أسلوب «فتش ودمر!» وقد شقت طريقها داخل المنازل التي لها حرمتها واغتصبت حصانة النساء المسلمات، وهذا ينطبق على ما يجري في أفغانستان والعراق معا، مما دفع السكان المحليين الى الاستنكاف عن تأييد القوات «الصديقة»! بعد أن كان المتوقع أن تساندها.

على ان العمليات العسكرية في أفغانستان تواجه اشكالات هائلة، فالحكومة المركزية ضعيفة جدا، وطبيعة الأرض وعرة، ولا توجد بنى تحتية قادرة على تجنيد جيش حديث. لقد دمرت البلاد بفعل الحروب المتعاقبة، والسكان مصابون بالاحباط وخيبات الأمل، ومهما يكن، فان الأفغان عموما معادون للأجانب، ومتعلقون بمظاهر الشرف والكرامة، ومتمسكون بدينهم.

على ان هناك صعوبتين تواجهان الجيوش الأجنبية لا يمكن تذليلهما بسهولة: الأولى هي اعتماد الاقتصاد الأفغاني على زراعة الحشيش والأفيون، وعلى تجارة المخدرات. ان التخوف من أن تكون القوات الأجنبية، أو المسؤولون الأجانب مصممين على اتلاف هذه الزراعة، وتدمير هذه التجارة المزدهرة، كاف وحده لجعل سكان أفغانستان معادين للأجانب.

والصعوبة الثانية هي طبيعة الحدود الأفغانية التي تسهل تسرب الجماعات الباكستانية التي لا تخضع لسيطرة حكومة اسلام أباد. ان الجبال الوعرة المتعرجة، مثل جبال وزيريستان تؤمن لـ «طالبان» «ملاذا آمنا»، حيث بوسعهم أن يستريحوا، وأن يتجمعوا، وأن يجندوا المقاتلين، وأن يخططوا لهجمات جديدة عبر الحدود.

وكما يجري في العراق – فقد يكون آن الأوان - ان لم يكن قد فات - لاجراء حوار بين كل الأطياف والجماعات القبلية الأفغانية، سواء أكانت من الباشتون أو لم تكن، وخاصة بين الرئيس حميد كارزاي المدعوم أميركياً، و «طالبان». وكما هو الحال في العراق، فان التوصل الى حل اقليمي يحتاج الى اشراك الدول المجاورة لأفغانستان، ومثل هذا الحوار سيكون مفيدا أكثر من المغامرة بحملة عسكرية مكثفة.

ولكن حلفاء الناتو منقسمون حول عدد من القضايا الجوهرية:

* يطالب القادة العسكريون بالمزيد من القوات في ساحة المواجهة، ولكن السياسيين، في البلدان الأوروبية الاساسية، يترددون في قبول هذا الحل: ففي ايطاليا، مثلا، يخضع رئيس وزرائها رومانو برودي، لضغوط مكثفة من اليسار الراديكالي في تحالفه، لسحب قواته من أفغانستان كليا، ثم ان حكومته تتمتع بأكثرية مقعد واحد في البرلمان الايطالي، ويمكن اسقاطها بسبب هذا الموضوع. وواقع الحال ان معظم القوات الأجنبية في أفغانستان تأتي من الولايات المتحدة (26000) ثم من بريطانيا (5200) على ان تدعم بخمسمئة جندي قريبا جدا، وألمانيا (3000) وكندا (2500)، وهولندا (2200)، وهناك دول أخرى في حلف الناتو تساهم بقوات صغيرة، بالاضافة الى قوات أخرى ما تزال تتردد في المجيء الى أفغانستان.

* وهناك خلاف آخر بين الحلفاء حول الأفضليات، هل الأفضلية لإعادة الإعمار ام للعمليات العسكرية؟ ان العاملين في حقل المساعدة الاجتماعية في أفغانستان يطالبون العسكريين بأن يقتصر عملهم على توفير الأمن، على أن يترك موضوع اعادة الاعمار والمساعدات الانسانية الى الصناديق العالمية والى الحكومة الأفغانية حصرا. ان التخوف القائم هو في أن يؤدي اختلاط الحدود الفاصلة بين الأهداف العسكرية والتنمية الاجتماعية والانسانية الى خلق مناخ من عدم الثقة عند الأفغان، وأن تتعرض حياة العاملين في الحقل الانساني للأخطار، كما هو حاصل عند طواقم «اعادة الاعمار المؤقت» الذين ينقسمون الى عسكريين ومدنيين.

* وهناك خلاف بين الحلفاء حول «هل ينبغي على الناتو أن يخوض حربا شاملة في أفغانستان؟» لقد تبنى الحلفاء القوة المسماة «قوة الاسناد الأمني الدولي» بقيادة الناتو، (I.S.A F)، وامتداداتها خارج كابول، حين كان الاعتقاد السائد هو أن تنحصر مهمة هذه القوة بحفظ السلام، ولكن بعض الحلفاء غيروا وجهة نظرهم في ما بعد، وتحولت مهمة هذه القوة الى تحقيق أهداف عسكرية مكثفة، تستهدف اخضاع المقاومة الأفغانية.

* وهناك خلاف جوهري بين أعضاء الناتو حول الأهداف الاستراتيجية والادارية للتدخل في أفغانستان: يبدو ان الولايات المتحدة تعمل الآن من أجل خلق «ناتو جديد»، قادر على تنفيذ مهمات خارج الساحة الأوروبية التقليدية، أي في آسيا الوسطى وافريقيا والشرق الأوسط، دعما لاستراتيجية الولايات المتحدة العالمية، ولأهداف السياسة الخارجية الأميركية. ولكن بعض حلفاء أميركا من الأوروبيين لا يقاسمونها هذه الرؤية. انهم لا يتعاطفون مع رغبة أميركا في تحويل أفغانستان الى دولة «تابعة» تحت علم الناتو، يمكن أن تنطلق منها الولايات المتحدة الى آسيا الوسطى، والخليج، وجنوب آسيا، والى أبعد من هذه المناطق.

ان القضايا والخلافات ستصبح أكثر حدة، اذا ما نظر اليها في ضوء حرب الولايات المتحدة على العراق، وفي ضوء مقاربتها العدائية لايران. لا بد من الاعتراف أيضا، أن هذه القضايا هي سبب النزاع الحاد بين حلفاء الولايات المتحدة من الأوروبيين.

ان النتيجة التي تم التوصل اليها هي ان مهمة الناتو في أفغانستان هي امتحان قاس للارادة السياسية، وللقدرات العسكرية للتحالف، على ان الأقوال المتداولة تؤكد انه «اذا فشل الناتو، فسيتقوض التحالف».

لقد صرح جب دوهوب شيفر الأمين العام للناتو: «ان مهمة الناتو في أفغانستان هي من أكثر المهمات الصعبة التي واجهها التحالف حتى الآن، ولكن هذه المهمة هي اسهام جوهري في حفظ الأمن الدولي...».

هل هذا صحيح؟ ام ان العكس هو الصحيح؟ أي ان الناتو يدمر أكثر مما يبني، وانه ينشر الفوضى في سعيه الى تحقيق أهداف استراتيجية غير واقعية.

يقول بعض الخبراء: ان تحقيق الاستقرار في أفغانستان يتطلب خمس سنوات، فهل سينجح الناتو - او الولايات المتحدة - في مجابهة هذا التحدي؟ ان ميزانية البنتاغون تبلغ 625 مليار دولار، وهي أكبر من اجمالي الانفاق الفيديرالي الأميركي بنحو الخمس، فإلى متى سيتحمل الكونغرس والشعب الأميركي مثل هذا الهدر والتبذير، في وقت هناك حاجة ماسة للانفاق على الداخل الأميركي وعلى مشاريع الاعمار في الخارج.

* بريطاني متخصص في قضايا الشرق الأوسط.[line]

castle
16-02-2007, 07:42 PM
الجمعـة 28 محـرم 1428 هـ 16 فبراير 2007

باكستان: تناقضات استراتيجية مشرّف

هل أصبحت باكستان ساحة معركة جديدة للحرب على الإرهاب؟

امير طاهري

الشرق الاوسط

لم يعد هذا السؤال نظريا إذا أخذنا في الاعتبار تزايد الهجمات الإرهابية في الآونة الأخيرة، بما في ذلك ستة تفجيرات انتحارية على الأقل خلال الأسبوعين الماضيين

يضاف إلى ذلك، أن ثمة تقارير تشير إلى أن جماعات مسلحة تستخدم اسم «طالبان الباكستانية» لتنفّذ عمليات خارج المخبأ التقليدي لها في مناطق القبائل في وزيرستان. وبما أن باكستان قد نشرت مسبقا قوات قوامها 70000 جندي وضابط في وزيرستان لاحتواء الإرهابيين، بات من الواضح أن ثمة حاجة الآن لموارد أكثر، سواء كان في مجال القوة البشرية أو السلاح، بغرض مواجهة حملة إرهابية في البلاد

بعض المحللين يوجه اللوم إلى السياسة غير الحاسمة للرئيس برويز مشرّف في مواجهة حركة طالبان، إذ ينظرون إليها كخطر يتهدد نظامه

إسلام أباد من جانبها كانت قد توصلت في سبتمبر (ايلول) الماضي إلى اتفاق مع «طالبان الباكستانية» على أمل تهدئة بعض عناصرها على الأقل. إلا أن هذه الخطوة أفرزت نتائج عكسية. فقد صدرت بعد الاتفاق مباشرة فتاوى من رجال دين متطرفين يدعون إلى «الجهاد» ضد نظام مشرف. ويرى بعض المحللين أن الحكومة الباكستانية لم تتخذ الإجراءات اللازمة ضد رجال الدين الذين أصدروا تلك الفتاوى

ثم أصبح الوضع أكثر سوءا عند ظهور مجموعة طالبان «حقيقية» جديدة بقيادة حاجي عمر في الساحة لتهاجم الاتفاق كونه من عمل «المجاهدين المتقاعسين». وادعى الحاجي عمر، وهو صاحب سجل إجرامي في دبي وبيشاور، انه حلقة وصل بين حركة طالبان الأفغانية وبقايا «القاعدة». إلا أن هذا المدعي لا يواجه مشكلة في ما يبدو في التواجد في مدينة وانا بمنطقة وزيرستان، التي من المفترض أن تكون خاضعة لسيطرة الجيش الباكستاني

ترى، هل يلعب مشرّف لعبة مزدوجة بالتظاهر باتخاذ موقف متشدد ضد «الأفغان العرب»، والتعامل برفق مع المجاهدين الأفغان والباكستانيين؟

الإجابة: نعم ولا

مشرّف ليس متعاطفا مع الإرهابيين الذين يستخدمون الدين كايديولوجية، لكنه يأمل في نفس الوقت في استمرار طالبان لاستخدامها كورقة ضغط في أفغانستان عقب مغادرة الولايات المتحدة وحلفائها. وهذا، بدوره، يجعل من المستحيل على مشرّف اتخاذ إجراءات مشددة ضد طالبان الباكستانية التي تشكل العمود الفقري لدعم بقايا جيش الملا محمد عمر في أفغانستان.

قد تكون حسابات مشرف منطقية ضمن سياق لعبة الصراع التي شملت استخدام رؤساء القبائل والزعماء الدينيين باعتبارهم قطع شطرنج ضد خصوم حقيقيين أو افتراضيين. وهذا الحساب لا يحمل أي معنى ضمن سياق استراتيجية مشرف البعيدة المدى

فما هي تلك الاستراتيجية إذن؟

كما أفهمها، يأمل مشرف ضمان عمق جيو-سياسي داخل أفغانستان ووسط آسيا وتحويل بلده إلى آصرة مهمة على المستوى التجاري العالمي. ولتحقيق ذلك قام بإزالة التوتر حول كشمير وبذلك حرر بلده من أن تكون رهينة لنزاع محدود بينما تتم تقوية الأواصر التقليدية مع الصين. وتمكن مشرف من تجديد التحالف مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة ووسع العلاقات التي تربطه بالقوى العربية في المنطقة

وجوهر هذه الاستراتيجية يتمثل في خطة لتطوير غاوادار المتخلفة لتحويلها إلى أعظم ميناء آسيوي على بحر العرب

سيكون الميناء رابطا بروسيا وكازخستان ووسط آسيا وأفغانستان عبر خط حديدي يوصل إلى المحيط الهندي. وسيكون النقطة النهائية لأنابيب الغاز والنفط القادمة من منطقة بحر قزوين إلى السوق العالمية.

على مشرف أن يعرف أن استراتيجية بهذا الطموح لا يمكنها أن تنجح إذا كان شخص مثل ملا عمر يحكم في كابل. والطريقة الوحيدة لنجاح استراتيجية من هذا النوع هو أن يكون في باكستان وأفغانستان نظام تعددي وقريب للغرب، وقادر على جلب رؤوس الأموال والتكنولوجية لبناء البنية التحتية ، فيصبح العنصر التجاري مربحا.

ففي الوقت الذي حاول أن يبقي طالبان طليقة ، راح يربت على ظهر أمثالهم في باكستان، بينما استخدم مشرف القبضة الحديدية ضد البلوش في باكستان. ففي أغسطس الماضي تم قتل المسن نواب أكبر خان بوغتي رئيس التمرد البلوشي الذي بدأ منذ الستينات من القرن الماضي، بغارة جوية على بيته، ويبدو الإجراء بأنه قتل مستهدف. ويأتي التخلص من بوغتي الذي يعد قوميا يساريا. وكل هذا لن يؤدي إلا إلى تقوية الإسلاميين المتطرفين الذين فشلوا حتى الآن في التوسع داخل بلوشستان.

كذلك لم ينه قتل بوغتي التمرد هناك. فما زال رجال القبائل المسلحون الذين يقودهم نواب خير بخش القوات الحكومية في منطقة كوهلو. كذلك عادت قبيلتان كانتا متمردتين إلى القتال، وهما بينزينجو ومانغال.

وبدلا من الاعتراف بخطأ سياسة اليد الحديدية، فإن إسلام اباد تحاول تحميل جماعات خارجية مسؤولية ازدياد التوتر. فإيران مسؤولة لأنها لا تريد مد خط أنابيب بحر قزوين لنقل النفط خارج أراضيها. ودبي مسؤولة لأنها من المفروض أن تخشى ضياع وضعها باعتبارها ميناء المنطقة الرئيسي لحساب غاوادر

وحتى إذا كانت إيران ودبي وراء التمرد في بلوشستان، وهو أمر غير محتمل، فإن التوتر الحالي يرجع إلى تناقضات سياسة مشرف

ولا يمكن النظر إلى استراتيجية مشرف الكبرى نظرة جدية بدون القاعدة العرضية لباكستان الجديدة. وهو يتطلب رفع الحظر على التيارات السياسية الأساسية في باكستان، بما في ذلك حزب الشعب والرابطة الإسلامية

ما تحتاج اليه باكستان هو جبهة وطنية موحدة من الأحزاب السياسية والقوات المسلحة الباكستانية ضد الإرهاب والتطرف تحت أي اسم. مثل هذه الجبهة لا تحتاج إلى مغازلة الملا عمر ولا رشوة حاجي عمر أو معاملة بلوشستان كمنطقة حرب ، فيما يمكن للجماعات الجهادية الراديكالية والانفصاليين البولوش الازدهار في ظل نظام شمولي، ولكنها ستتلاشى في ظل حكومة شعبية.

ومن المتوقع أن تعقد باكستان انتخابات عامة قبل نهاية هذا العام، الأمر الذي سيقدم فرصة ممتازة لإلغاء الحظر على الأحزاب السياسية، والشخصيات السياسية، والسماح بتبلور صورة دقيقة عن الرأي العام الباكستاني.

وللأسف، لم تظهر أية إشارة على مثل هذا التوجه، بل على العكس، توجد سياسة ترهيب ، بل والقضاء على النشطاء السياسيين غير الدينيين. فقد «اختفى» أكثر من 400 ناشط سياسي في ظروف تذكرك بالأرجنتين وتشيلي تحت حكم الديكتاتورية ، فيما تم اغتيال 6 من المسؤولين المحليين في حزب الشعب وتلقى العديد تهديدات بالقتل.

وعندما اجبر مشرف على الوصول إلى قمة السلطة قبل 8 سنوات، كان العديد يعتبرونه حاكما مؤقتا. ولكنه اثبت أن مثل هذه التكهنات خاطئة. وبالرغم من ذلك، من الواضح انه في حاجة إلى تغير التكتيكات، ويمكنه أن يحقق الأفضل، بل ويجب عليه ذلك.[line]
الحاجة الى هندسة جديدة

باتريك سيل

الحياة

من المبادئ المعترف بها، في العلاقات الدولية، ان توازن القوى يصون السلام، في حين ان عدم التوازن يتسبب في الحروب، وهذا عائد الى ان الأقوياء يخضعون لاغراء فرض ارادتهم على الضعفاء بالقوة. ويجمع الناس، مثلا، على ان توازن القوى، في ما عدا مناسبة أو مناسبتين، كأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، هو الذي صان السلام بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، طوال سنوات الحرب الباردة، لأنه قائم على «توازن الردع». وهناك مثال آخر يُستشهد به كثيرا هو السلام الذي ساد بين الهند وباكستان، بعد أن حصل البلدان على السلاح النووي، اذ، وعلى الرغم من أن البلدين خاضا ثلاث حروب في 1947، و1965، و1971، فان قدرتهما الهائلة على التدمير قد دفعت بهما الى تفضيل تسوية خلافاتهما حول كشمير سلميا، ولم تعد الحرب خيارا واقعياً. هناك سوابق مشجعة أخرى يمكن الرجوع اليها، والاستشهاد بها.

لكن العالم قد تغير وتحرك، ونشأت تحديات جديدة. لقد تداعى الاتحاد السوفياتي، وبرزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، فانتشرت الحروب، واستشرى العنف، والقتل الجماعي، وبدأ العالم يشكو من حالة شاذة هي أقرب ما تكون الى الفوضى، ولعل مايجري حاليا في الشرق الاوسط هو أحسن شاهد. ويمكن ارجاع جزء كبير من المشكلة الى تصاعد الاستفراد الأميركي في عهد الرئيس بوش، وبروز مايسمى «بالقطبية الأحادية» وهذا معناه بكلمات أبسط، ان الولايات المتحدة، خلال السنوات الست الأخيرة،وكانت قادرة على ان تفعل ماتشاء، دون أي كابح يقلل من غلوائها: كانت قادرة على أن تغزو، وأن تعذب، وأن تقتل، وأن تدمر، متجاهلة القوانين والمواثيق الدولية.

ان غياب أية قوة أخرى تقف في وجه طغيان الولايات المتحدة، قد شجعها على غزو أفغانستان والعراق، وعلى تدمير حياتهما الاجتماعية، وقلب نظامهما، وقتل عدد كبير من سكانهما. وحينما وجدت نفسها مثقلة بالمسؤولية عما اقترفته، اكتشفت انها غير قادرة على اعادة اعمار هذين البلدين المسحوقين المدمرين.

ولم تكتف الولايات المتحدة بهذا كله، اذ بدأت تشن حملة شرسة على ايران، وتحرض حلفاءها على فرض عقوبات دولية ضدها، ساعية الى تعطيل نظامها المصرفي، وحرمانها من التكنولوجيا الحديثة المتقدمة، بل انها تهددها بشن الحرب عليها. والولايات المتحدة تشن حربا لا وادة فيها على «الارهاب»، ولا تتردد في الاعتداء على سيادة الدول الصديقة والعدوة على حد سواء، وتجيز لنفسها أن تعتقل المشتبه بهم بأعداد كبيرة، وأن تنقلهم الى سجون سرية، حيث يعذبون وينكل بهم، كما لا تجد غضاضة في احتجازهم من دون محاكمة لعدة سنوات في مراكز اعتقال بائسة وغير شرعية، مثل غوانتانامو.

وانعدام توازن القوى قد دفع باسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، الى انتهاج ذات الأسلوب الأرعن، والاستمرار في احتلالها العسكري للأراضي الفلسطينية، والى ممارسة الاضطهاد والتنكيل والقتل العشوائي بالسكان الفلسطينيين، واغتصاب حقوقهم المشروعة، وتدمير منازلهم، ومصادرة أراضيهم، والى اعتقال ما لا يقل عن 10000 فلسطيني في السجون الاسرائيلية، بينهم نساء وأطفال، في ظروف اعتقال غير انسانية، كما تفعل الولايات المتحدة. ثم ان انعدام توازن القوى، بسبب غياب قوة عربية رادعة، قد منح الدولة العبرية الحق في غزو الدولة المجاورة، لبنان، أكثر من خمس مرات في 1972، و1982، و1993، و1996، و2006، وفي قتل الآلاف من اللبنانيين، والحاق الأضرار المادية التي لا تقدر بثمن بالممتلكات والمرافق العامة اللبنانية.

ان المبدأ الذي تتحصن به الولايات المتحدة واسرائيل معا لتبرير كل هذه الاعتداءات والخروق، والتجاوزات هو «حماية الأمن» والتأكيد على ان هذا الأمن له الأفضلية القصوى، ولا قيمة لأي اعتبار آخر، حتى ولو سببت حماية هذا الأمن الاعتداء على أمن الآخرين جميعا. ذلك ان المبدأ الذي يقول ان الأمن الدولي كل لا يتجزأ هو مبدأ لاقيمة له ولا يمكن الأخذ به بالنسبة لاسرائيل وللولايات المتحدة.

ان أهم تطور يبعث على الأمل، على المسرح الدولي المضطرب حاليا، هو ظهور تباشير أولية توحي بأن هذا الوضع الممزق الخطير سوف يزول قريباً.

لم ندهش عندما لمسنا ان روسيا تحاول أن تسترجع نفوذها وهيبتها كما كانت في أيام الاتحاد السوفياتي، الدولة العظمى الفعالة، بحيث تصبح قوة موازية للولايات المتحدة، وقادرة على مجابهتها. لقد بدأ الرئيس بوتين بحملة ديبلوماسية شخصية في الشرق الأوسط، ولم يتردد في أن ينتقد بقسوة الولايات المتحدة، وأن يتهمها بأنها تساهم في نشر عدم الاستقرار والفوضى في العالم. ومبادرات بوتين السياسية، وتهجماته اللفظية الضارية تعتبر تطورا خطيرا جدا، بالنسبة الى الولايات المتحدة، الدولة القوية المتعجرفة التي تعودت على ان تملي ارادتها على العالم. وما أدلى به في مؤتمر الأمن الذي عقد في ميونيخ في بدايات هذا الشهر، يقدم دلالات واضحة على أن هناك استراتيجية روسية جديدة تقوم على تحدي الاستفراد الأميركي. لقد أعلن بوتين في المؤتمر ان «الاستقطاب الأحادي الأميركي غير مقبول، بل انه مستحيل في عالم اليوم»، وأضاف: «لا يمكن أن يكون هناك مركز ثقل واحد، سلطة واحدة، مركز قوة واحد، يتخذ القرارات، وهذا معناه ان هناك حاكما واحدا يتحكم بالعالم»، ومضى قائلاً: «هذا النظام الاستقطابي نظام ضار، لا على الذين يعيشون داخله فحسب، وانما هو ضار على الحاكم نفسه، لأنه يدمره من الداخل ».

طبعا لا يوجد ما هو أكثر ايلاما من هذه الأقوال، بالنسبة للكبرياء الأميركية. ولم يكتف بوتين بهذا المقدار من التحدي، بل ذهب أبعد، وقال: «اننا نشهد استخداما مفرطا للقوة، ونغرق العالم في هوة من الصراعات الدائمة، هناك استخفاف متزايد بمبادئ القانون الدولي الأساسية»، وأضاف: «هناك دولة واحدة هي الولايات المتحدة، تتجاوز حدودها الدولية في كل الاتجاهات...». وأعلن بوتين أن الهيمنة الأميركية قد شجعت عددا من الدول على الحصول على أسلحة الدمار الشامل – كان على الأرجح يشير الى كوريا الشمالية وايران – مما أدى الى انتشار الارهاب «الذي اتخذ اليوم طابعا شموليا». وكان يعلن، فعلا، ان الولايات المتحدة، بسياستها الخرقاء، قد حرضت على انتشار الارهاب، أكثر من المساعدة على التخلص منه.

وكانت النتيجة التي توصل اليها بوتين هي التالية: «اننا على قناعة تامة بأننا قد وصلنا الى اللحظة الحاسمة التي تدفعنا الى التفكير جديا بهندسة الأمن الشامل من جديد، علينا أن نباشر بالسعي الى ايجاد توازن معتدل بين مصالح كل المشاركين في الحوار الدولي ». وينبغي أن تتدارس العواصم الغربية أقوال بوتين لأنها ستضرب على وتر حساس في العالم الثالث، بل حتى في الدول الثرية النفطية، والمتحالفة مع الولايات المتحدة التي بدأت تتخوف من الطريقة التي تتحرك فيها حليفتها المتهمة بأنها فقدت عقلها بعد أحداث 11 أيلول، وشنت حملة واسعة ضد أعداء حقيقيين ووهميين معا.

لقد فسر المعلقون الأميركيون خطاب بوتين على انه مؤشر على العودة الى الحرب الباردة، وهذا هو الخطأ! الأرجح، ان يقال بأنه دعوة الى اقامة نظام دولي صحي ومتعدد الأقطاب، يتأسس على توازن في القوى لا على توازن في الردع، حيث يمكن أن تسوى النزاعات لا ان تزداد تعقيدا، وحيث يتم احتواء الأقوياء، والتعايش مع الضعفاء دون خوف. وبعض دول الشرق الأوسط، مثل سورية وايران، سوف تشعر بالاطمئنان بعد الاطلاع على موقف بوتين، ولن يكون موقف المملكة العربية السعودية ودول الخليج مختلفا، لأنها تسعى الى تنويع علاقاتها الدولية كيما تقلل من اعتمادها على مواقف الولايات المتحدة المتقلبة بخطورة.

ان ديبلوماسية المملكة العربية السعودية النشيطة – في فلسطين ولبنان، والعالم العربي – تشير الى ان هناك رغبة عند حكام الدول العربية أن تتحمل أقدارها ومسؤولياتها بيديها، وأن تؤمن حماية مصالحها الحيوية بالاعتماد على قواها لا على القوى الخارجية. والزيارة التي قام بها الى الرياض السنة الماضية الرئيس الصيني هو جينتاو هي تطور هام على مسرح الشرق الأوسط، وكذلك الاتفاق الاقتصادي الذي تم التوقيع عليه بين الصين والسعودية، وليست الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي الى المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع بأقل أهمية.

ثم ان ايران – واصدقاءها المحليين، سورية، وحزب الله، وحتى حماس – القلقة على أمنها، تحاول أن تتحدى وتحتوي القوة الأميركية والاسرائيلية. انها تقول: «اذا اعتديتم علينا فاننا سنرد عليكم»، وهذا حق مشروع، وقد حققت هذه الدول بعض النجاح في تحركها، ولكن لايجوز أن تبالغ هذه الدول في تحدياتها، ولا أن تذهب بعيدا فيه. اذ عليها أن تعترف بأن للعالم الغربي مصالح حيوية، مثل التدفق الحر للنفط، مثلا، أو بقاء النظام التعددي في لبنان. ان توازن القوى يعني احترام مصالح كل طرف، لا الاقتصار على احترام مصالح طرف واحد فحسب.

كاتب بريطاني متابع لشؤون الشرق الأوسط.[line]
رعاية الطفولة والانتماء الوطني‏(5)‏

رجائي عطية

الاهرام

يغدو الحديث عن معالجة الفقر حديثا بلا معني أو عائد إذا لم يقترن بالتفات واع وفاهم لكارثة‏'‏ البطالة‏'‏ التي زادت معدلاتها إلي حد مخيف‏!. البطالة غول يصب في زيادة تفشي الفقر ويعدم أي وسيلة مشروعة وصحية لمقاومته والخروج من شرنقته‏.‏ لا تأتي البطالة فقط علي الفقراء وإنما تأتي أيضا علي المستورين وعلي الطبقة المتوسطة بعامة‏.

لامصدر لأي من هؤلاء إلا العمل للحصول علي أسباب الحياة وإعالة الأسرة يافعيها وأطفالها‏.‏ حين ينغلق هذا الباب لا تقتصر عوادمه علي المزيد من تفشي الفقر والحاجة وإنما يفتح أبوابا لا تنغلق للبحث عن مصادر بديلة لسد الجوع‏.

تطول الأسرة وتطول بالبداهة أطفالها‏.‏ لا قدرة لآدمي بل لأي كائن ـ علي مقاومة الجوع حتي بات شائعا في الأمثال عبارة‏:'‏ الجوع كافر‏'!.‏ حين يجوع الحي ويفقد القدرة علي استيجاد وسيلة لكف نداء الجوع يفقد مع إلحاح وضغط هذا النداء اتصاله بالحياة والمجتمع والناس ويصير كتلة غرائز تعوي طالبة ما يمسك رمقها فإن لم تجده بوسيلة صحية ومشروعة بحثت ـ بالغريزة ـ عن أي بدائل‏!.‏ لا تسلها ماذا اختارت وماذا تركت‏!

فلم يكن أمامها ما تتركه وإنما هي ألجئت إلجاء إلي ولوج المسلك ـ أي مسلك‏!‏ ـ الذي هيأه لها كفرها بالمجتمع والمحيط‏!..‏ ماذا قدم لها المجتمع حتي تحترم وتلتزم بقوانينه‏!. وماذا سوف يعطيها القانون إذا التزمت به واحترمته‏!.‏ ألم تكن ملتزمة به حين التهمها الجوع وضن المجتمع أو عجز عن إيجاد مصدر مشروع تعمل فيه وتقتات منه‏!‏ وماذا بوسعها أن تفعل حين يلح نداء الجوع ولا تجد الكفاف وحين يمرض أطفالها ويعز العلاج والدواء

وحين تعجز الأسرة عجزا تاما عن توفير أبسط وأضأل الاحتياجات الإنسانية‏! تدرك المجتمعات العاقلة أن مواجهة‏'‏ البطالة‏'‏ واجب عام يقع علي المجتمع بأسره فإن ضاقت رؤيته وضاق خياله وتصوره ونضب معينه وعجز عن توفير وخلق ما يعمل فيه أفراد الناس عملا صحيا ومشروعا ـ بات واجبا عليه أن يتساند تساندا عاما يتحمل فيه المحيط برمته واجب كفالة وإعالة المعدمين‏.‏ هذا الواجب ليس فقط واجبا إنسانيا مرده الدين والتراحم والقيم الأخلاقية وإنما أساسه أيضا العقل والحكمة والعدالة في أن يتحمل المجتمع برمته ما عجز عن تدبيره لبعض أفراده ثم هو‏'‏ الوقاء‏'‏ الوحيد لتداعيات أمراض الفقر والبطالة التي تفتح أبوابا لا تنغلق للانحراف والجريمة وتدفع بالأطفال ـ مع تفكك الأسر ـ إلي الشوارع والأزقة وإلي التسول والجنوح وتلتهم أجيال المجتمع التهاما يصيبه في قابله بعقم لا نجاة منه‏!

لا معني لأي حديث عن علاج مشكلة أطفال الشوارع ـ إذا كان بمعزل عن استشراف وعلاج الجذور والأسباب الرئيسية التي صبت وتصب في وجود هذه الظاهرة واستشرائها‏..‏ جميل ومطلوب أن نتحدث عن دور الدولة ومنظمات المجتمع المدني بعامة ولكن هذا الحديث يغدو ضجيجا بلا طحن إذا لم يقدر المجتمع علي الالتفات وعلاج‏'‏ أس‏'‏ المشكلة الناجمة عن الفقر المدقع الذي تزيده البطالة تفشيـا واستشراء‏!‏ أمام كثرة الإنتاج في ألمانيا النازية وحدود إمكانيات التصدير نادي هتلر نداءه المشهور‏:‏ التصدير أو الموت‏!.‏ بتراجع التصدير يتراجع الإنتاج وبتراجع الإنتاج يشيع الفقر وبشيوع الفقر تتفاقم مشاكل وتداعيات لا حصر لها ولا يمكن إيقافها‏!‏ لا سبيل للمجتمع المصري للخروج من عنق الزجاجة إلا بالتنادي بالإنتاج‏.‏ الإنتاج يعني‏'‏ عمالة‏'‏ جادة والعمالة تستلزم عملا واستيجاد هذا العمل يحل أزمة البطالة المستحكمة‏.

وهي أزمة ذات انعكاسات وتداعيات بعيدة الغور علي الأسرة وعلي أفرادها وأطفالها‏.‏ إذا كانت إقامة المشروعات لتحديث الصناعة وتشغيل العمالة وزيادة الإنتاج تستلزم وقتا وأموالا كبيرة وإمكانيات ضخمة فما الذي يغفر أو يبرر لنا تزايد أكوام البطالة المهددة بالانفجار مع انتشار الفضلات والقاذورات المبعثرة في كل مكان وتصاعد تلال القمامة ومحاصرتها مع طفح المجاري والبرك والمستنقعات ـ للمدارس والمستشفيات وأحياء المدن وربوع القري ومداخل ومخارج المدن وفي الشوارع والميادين والطرقات في الحواري والأزقة وفي بقع عزيزة من بلادنا‏. تصيب صحتنا وتنشر القبح والدمامة وتسحب من البهاء الذي يجب أن نوفره لوطننا‏!

لماذا لا يمتد خيالنا بدلا من شركات النظافة الأجنبية وأعبائها الثقيلة علي المواطن الذي يئن من تراكم الغلاء ـ إلي مشروع قومي مستمر يستوعب تلال العاطلين لإزالة تلال القبح وتنظيف وتطهير بلادنا وتجميل وجهها ونشر خضرة الحدائق والزهور في ربوعها‏! لماذا لا ننشئ جهازا قوميا للنظافة وتطهير وتجميل بلادنا ونوفر له إدارة كفئا واعية حازمة مؤمنة بهذه الرسالة لإعادة النظافة والجمال إلي بلدنا بأيدي أبنائنا‏! فنقي العاطلين غول البطالة ونعيد الجمال مخصب الانتماء إلي كل جنبات وطننا‏!‏

محاربة الفقر ووقف زحفه لا تأتي بمحض التمني ولا بالتماس المساعدات الفردية أو الجمعية وإنما سبيلها الوحيد وعي المجتمع وتحوله ـ بالعمل الدؤوب الجاد ـ إلي مجتمع منتج‏.‏ هذه الإنتاجية الجمعية هي حصاد الإنتاجيات الفردية وكلاهما حصاد الجد الذي لا شيء سواه لإنهاض الأفراد والأمم‏. غريب وموجع حتي النخاع أننا مازلنا نمنح‏'‏ الإجازات‏'‏ بالأيام وبالأسبوع ونتلمس أياما تعويضية إذا صادفت المناسبة يوم إجازة غير متفطنين إلي أن الإنتاج حصاد عمل والعمل حصاد وقت وأن هذا الوقت يذهب بددا إن لم نشغله بعمل جاد نابع عن عادات سلوكية غابت وجنحت وينبغي استعادتها وإعادة زرعها وتنميتها في الوجدان المصري ليفهم الفرد والجماعة أن الحياة معركة لا مكان فيها للمتخاذلين والمستنيمين والخاملين‏,‏ عمار الحياة سباق حقيقي مع النفس ومع الغير لجعل الفرد ذا قيمة لنفسه وأسرته وللمجموع العام‏!‏

‏Email:rattia@ragaiattia.Com‏ [line]

castle
18-02-2007, 07:38 AM
الاحـد 30 محـرم 1428 هـ 18 فبراير 2007

شيرين عبادي والتأويل المستنير للإسلام

هاشم صالح

الشرق الاوسط

قرأت بنهم ودون توقف تقريباً الكتاب الأخير الصادر بالفرنسية للسيدة الإيرانية شيرين عبادي. وقد طبقت شهرتها الآفاق بعد ان نالت جائزة نوبل للسلام عام 2003 واصبحت بذلك أول امرأة مسلمة تحصل على هذا الشرف الرفيع. وقد رأيتها أكثر من مرة على شاشة التلفزيون الفرنسي وبدت لي من خلال كلامها امرأة محترمة فعلاً وتستحق التقدير.

فهي لا تتنكر لأصولها الإيرانية ولا لتقاليدها الاسلامية العريقة. ولكنها في ذات الوقت ترفض التزمت أو الانغلاق الفكري الذي يشيعه الجناح المتعصب في إيران ويريد فرضه على المجتمع بالقوة باعتبار انه هو وحده الاسلام الصحيح!

وهنا تكمن العقبة الكأداء التي تواجه كل المجتمعات العربية والاسلامية. فالجماهير تعتقد (بل وحتى الكثير من المثقفين يعتقدون) بأن هناك تفسيراً واحداً للإسلام: هو هذا التفسير المسيطر والسائد منذ القدم وحتى اليوم. ولا يستطيعون ان يتخيلوا وجود تفسير آخر غيره لسبب بسيط: هو ان الدراسات العقلانية والتنويرية عن الاسلام غير منتشرة في مجتمعاتنا بالشكل الكافي. بل إن المنتشر هو العكس تماماً.

فهم يختزلون الاسلام الى بعض الممنوعات والمحظورات في الأكل والشرب والملبس والفصل بين الجنسين وتحجيب المرأة وغير ذلك، وينسون ان الاسلام هو اولاً وقبل كل شيء ثقافة وحضارة وقيم روحية واخلاقية عليا.

ان كل المشاكل التي واجهتها شيرين عبادي بعد اندلاع الثورة الاسلامية عام 1979ناتجة عن هذا الفهم المتخلف والبالي للإسلام. فبعد ان تحمست للثورة وانخرطت في المظاهرات العارمة لتحقيق نجاحها، كان جزاؤها الفصل من عملها كقاضية!

ويبدو انها كانت أول امرأة تصل الى منصب القضاء في ايران عام 1970 وفي ظل الشاه. وبالتالي فما سمح به النظام «العميل» المستغرب رفضه النظام الوطني الاسلامي! هنا تكمن المعضلة المحيرة التي تواجهنا جميعاً. فنحن نقع بين فكي كماشة: إما الأنظمة الفاسدة الممالئة للغرب ولكن التي تسمح بنوع من الحرية والليبرالية في السلوك، واما معارضاتها الاصولية المعادية للغرب ولكن التي تضيق الخناق على الجميع رجالاً كانوا أم نساء.. في العمل؟ فقلت هما أمران احلاهما مر..

شاه ايران الذي يتضور شعبه في الأرياف أو الأحياء الفقيرة جوعاً يصرف مبلغ ثلاثمائة مليون دولار عام 1971 لإرضاء طموحاته الامبراطورية وعظمته الفارغة.

ومعلوم انه دعا آنذاك ما لا يقل عن خمس وعشرين ألف شخصية عالمية للاحتفال بالذكرى الألفين وخمسمائة على تأسيس الامبراطورية الفارسية والتبجح بأمجاد كسرى انوشروان واظهار نفسه وكأنه أعظم الملوك على وجه الأرض لأنه وريث كل هؤلاء. وقد استقدم كل انواع الزخرفة المترفة بل وحتى وجبات الطعام والشراب بالطائرات من باريس لكي يرضي ضيوفه الأجانب.

وكانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد استغل الخميني هذا الاحتفال الكبير الفاحش الثراء للتنديد بآل بهلوي وتأليب الشعب الإيراني عليهم للإطاحة بهم.

وهذا ما كان. ولكن ماذا حدث بعدئذ؟ لقد حلت طبقة جديدة محل طبقة قديمة في نهب ثروات إيران وظل الشعب جائعاً كما كان.. صحيح ان رجال الدين الكبار الذين يتحكمون بمقاليد الأمور في طهران لا يذهبون الى كازينوهات باريس وروما لصرف المبالغ الطائلة هناك كما كان يفعل الشاه وحاشيته وبعض وزرائه، ولكنهم استولوا على الثروة هم وعائلاتهم وأتباعهم وبنوا القصور في إيران. وتقول شيرين عبادي بأن الشخص الفقير المتواضع الذي قاد سيارة الخميني من المطار الى العاصمة الإيرانية بعد عودته من باريس مظفراً فاتحاً، قد اصبح من أغنى الأغنياء لاحقاً. وقس على ذلك.. وهكذا تشكلت طبقة من المنتفعين حول قادة النظام الجديد وعاد نظام المخابرات الى سابق عهده حتى ترحم الناس على السافاك وما أدراك ما السافاك!. وبالتالي فلم يتغير شيء تقريباً. بلى تغير، لقد عادت الأمور الى الوراء، وضاقت الحريات وكممت الأفواه وساد الإكراه في الدين..

فالشاه على الأقل كان يسمح بأن تصبح المرأة قاضية وان تتعلم وتتوظف وتخرج من بيتها حاسرة الوجه، فأصبحت الآن مقيدة بالسلاسل والأغلال! أعتقد شخصياً أن التجربة الإيرانية أعطتنا، نحن العرب والمسلمين الآخرين، درساً لا ينسى: وهو ان النظام الثيوقراطي الأصولي لرجال الدين لا يمكن ان يكون حلاً ولا أن يشكل مستقبلاً. وبالتالي فالشعب الإيراني دفع الثمن عنا جميعاً وجنبنا بذلك مغبة المرور بنفس التجربة المريرة التي مر بها ومن لا تزال لديه أوهام اسطورية حول الأنظمة الأصولية فليذهب الى إيران لكي يرى حقيقة الأمر على ارض الواقع. ولكن ألم تكن تجربة «طالبان» كافية لإقناعنا بذلك مرة واحدة وإلى الأبد؟!

الشيء الذي أرعبني في كتاب السيدة شيرين عبادي هو ما ذكرته في البداية فبعد ان منعوها من ممارسة القضاء بحجة انها امرأة ناقصة العقل اصبحت محامية.

وراحت تناضل من اجل قضية المرأة والأطفال والسجناء السياسيين. واكتشفت ان الجناح الأصولي الظلامي في السلطة الإيرانية كان قد أمر بتصفية عشرات المثقفين في نهاية التسعينات من القرن الماضي. بعضهم خُنِق في الشارع مباشرة، والبعض الآخر قتل بالسكاكين في الزوايا المظلمة هنا أو هناك. وكل ذلك بتهمة الانحراف عن الاسلام وقيمه. ولكن اي اسلام؟ بالطبع الاسلام بحسب ما يفهمونه هم بكل عقليتهم الضيقة المتزمتة. وكُلِّفت السيدة عبادي من قبل العائلات بالدفاع عن الحقوق المهدورة لهؤلاء المثقفين المغتالين بعد ان اضطرت السلطة للاعتراف بمسؤوليتها عن قتلهم. وهذا تقدم كبير يسجل لصالح الجناح المعتدل او العقلاني في السلطة الإيرانية. فقد كان بإمكانها ان لا تعترف بأي شيء وان تمارس القمع على طول الخط. والواقع انه يوجد تيار مستنير في إيران وليس فقط تيار متزمت او محافظ وان كان لا يزال ضعيفاً. مهما يكن من أمر فإن المشكلة ليست هنا. المشكلة هي ان السيدة عبادي وقع بصرها وهي تتصفح الملفات والأضابير على العبارة التالية: الشخص المقبل على اللائحة والذي تنبغي تصفيته يدعى: شيرين عبادي!! لم تكد تصدق عينيها عندما قرأت العبارة، زاغت عيناها، جفَّ حلقها، توقف عقلها عن التفكير ولو للحظة، دخلت في وجوم عميق.. وإذن فهي ايضاً مرشحة للاغتيال!.. ولكن لحسن حظها فإنها نجت من عملية الاغتيال للسبب البسيط التالي: عندما ذهب القاتل الى وزارة الاستخبارات لأخذ رخصة بتنفيذ العملية قال له الوزير: لا، ليس في شهر رمضان! فرد عليه القاتل: ولكن هؤلاء الناس، اي المثقفين العلمانيين، لا يصومون، انهم كفَّار يحلّ ذبحهم.. فمنعه الوزير من ذلك وأصر على موقفه. وكان ان نجت من العملية.. ثم تشير المؤلفة الى صدور فتوى شرعية عن احد الشيوخ الكبار قبل كل عملية قتل لأي مثقف. وبالتالي فالفتوى الدينية التي تُحِلّ القتل هي أخطر من الشخص الجاهل الذي ينفذ عملية القتل.

هنا نصل إلى جوهر الأمر وبيت القصيد. فصاحبنا كان يريد «أن يتقرب الى الله» بقتل سيدة محترمة وأم وزوجة لانها تفهم الاسلام بطريقة اخرى مخالفة لطريقته. والواقع انها مسلمة ومؤمنة بالله عن قناعة حقيقية داخلية، وتناضل من اجل الفقراء والمضطهدين اينما كانوا. وهذه هي جريمتها في نظر الجهلة المتطرفين الغلاة.[line]
تجدد الحرب الباردة وسط الأزمات الساخنة

بوش: أنا بخير! لكن هل العالم بخير؟

عادل مالك

الحياة

إذا أردنا أن نعرف ما يمكن أن يحدث في بيروت أو في طهران أو في بغداد، علينا أن نعرف ما يحدث في بيونغ يانغ، خصوصاً بعد توصل الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى اتفاق حول برنامجها النووي، خلال الاجتماعات والمداولات المكثفة التي انعقدت في بكين.

ووصف الرئيس جورج بوش هذه الخطوة بأنها «فريدة ومهمة في الاتجاه الصحيح. وقال إن كوريا الشمالية وافقت على المحادثات السداسية وعلى إجراءات محددة ستقربنا من إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية».

لكنه شدّد على أن هناك الكثير من العمل الواجب القيام به لتحويل هذه الالتزامات إلى واقع، في إشارة إلى موافقة بيونغ يانغ على تفكيك منشآتها النووية مقابل حصولها على مساعدات وحوافز مختلفة، بعضها في مجال الطاقة.

هذا الاتفاق يؤكد، في جملة ما يؤكد، ضرورة اعتماد مبدأ التحاور والتشاور مع دول «محور الشر»، وحتى مع الشيطان لتفادي مخاطر التصعيد النووي من جهة، وعدم اللجوء إلى الحلول العسكرية التي تحفل بالكثير من العواقب غير «المأمونة» ولا «المضمونة».

واللائحة التي تؤكد صوابية هذا المبدأ عبر التاريخ المعاصر على الأقل طويلة، نتوقف عند أبرز المحطات في هذا المجال:

الرئيس السابق لكوريا الجنوبية كيم داو يونغ نصح الرئيس جورج بوش العام 2002 أن المصلحة القومية تتطلب الحوار «إذا كان ضرورياً حتى مع الشيطان. ومع كوريا الشمالية».

والرئيس الأميركي السابق دوايت ايزنهاور أجرى حواراً مع كوريا الشمالية عام 1953 خلال الحرب الكورية وتم في حينه التوصل إلى هدنة وعم السلام شبه الجزيرة الكورية خلال الخمسين عاماً الماضية.

الرئيس الأميركي السابق رتشارد نيكسون ذهب إلى الصين الشعبية على رغم وصفه لها بأنها «مجرم حرب»، بسبب مشاركتها في الحرب الكورية، وأجرى نيكسون في حينه حواراً تاريخياً مع ماوتسي تونغ.

مثال آخر، ذهبت أميركا إلى الحرب مع فيتنام الشمالية، لكنها الآن تتمتع بأفضل العلاقات معها، ومنذ فترة زارها بوش، ولقي استقبالاً حاراً، وعقد اتفاقات مع أعداء الأمس. والمقصود من تذكر بعض هذه النماذج أن أمام بوش الكثير من أساليب التعاطي الناجح مع الدول «المعادية»، غير اللجوء إلى «الحروب الاستباقية» التي عادت على أميركا والعالم بنتائج كارثية.

والسؤال الذي طرح فور الاعلان عن التوصل إلى الاتفاق مع كوريا الشمالية: ما مصير التعاطي الأميركي مع إيران لحل «العقدة النووية»؟ وهل تنحى الأمور نحو مواجهة عسكرية أم يمكن أن تنتهي بتسوية ما؟

ولوحظ في الآونة الأخيرة لجوء عدد من الزعماء البارزين في الحزب الديموقراطي إلى التحذير من مخاطر لجوء الإدارة الحالية إلى حل عسكري مع طهران، ومن عواقب الإقدام على مثل هذه الخطوة، خصوصاً مع الصعوبات القاسية التي تعانيها القوات الأميركية في العراق.

واضطر بوش أكثر من مرة خلال الأيام القليلة الماضية، إلى نفي وجود خطط عسكرية للمواجهة مع إيران. لكنه استبعد إجراء محادثات مباشرة معها في الوقت الحاضر. قال إنه «قد يفكر في إجراء مثل هذه المحادثات في المستقبل». وفي محاولة للاحتفاظ بالمبادرة، أضاف: «ان أميركا والحلفاء يحققون تقدماً نحو حل خلافاتهم مع إيران بخصوص برنامجها النووي سلماً لكن المحادثات المباشرة مع طهران من غير المرجح أن تنجح في الوقت الحاضر».

ويتزامن ذلك مع وجود خلافات بين الولايات المتحدة والحلفاء في أوروبا حول أسلوب التعاطي مع إيران في الشأن النووي.

ويقول وزير الخارجية الفرنسية فيليب دوست - بلازي إن باريس على قناعة بأن الديبلوماسية بإمكانها حسم الأزمة النووية الإيرانية. ويضيف: لا أعتقد أن الولايات المتحدة تخطط لمهاجمة إيران.

وفي المقابل يراهن الغرب الأميركي والغرب الأوروبي على وجود انقسامات في الرأي بين الزعماء الإيرانيين حول الطريقة التي يعالج فيها الرئيس محمود أحمدي نجاد الملف النووي الأمر الذي يرى فيه الغرب «إمكان تفاوض يمكن أن يؤتي ثماره في نهاية المطاف».

ودخلت السيناتور الديموقراطي هيلاري كلينتون على خط الأزمة القائمة، محذرة من شن هجوم عسكري على إيران من دون موافقة علنية من الكونغرس؟

والسيدة كلينتون دخلت السباق الرئاسي الى البيت الأبيض بقوة، وهي تحاول بتصريحاتها هذه إزالة رواسب تأييدها للحرب التي أعلنها بوش على العراق، ويلاحق شبحها ترشيح سيدة البيت الأبيض السابقة - وربما اللاحقة، للانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفيما تعكف طهران على معالجة الموقف في غير اتجاه، وعلى أكثر من جبهة ولا ينفك «الموفد النووي» علي لاريجاني من التجول في عواصم الشرق والغرب، بحثاً عن حلول للأزمة، قبل تفاقمها وقبل أن يسقط في يد الجميع، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إطلاق الانتقادات الجارحة ضد الولايات المتحدة، المؤتمر الخاص بالأمن الذي انعقد في ميونيخ ليعبر بشكل واضح عن حالة ضيق من السياسة الأميركية التي نعتها «بالأحادية والإغراق في التسلط والهيمنة والإقصاء».

وجاءت صرخة بوتين المفاجئة بعض الشيء، عشية زيارته التاريخية للمملكة العربية السعودية وقطر والأردن، الأمر الذي أوحى بوضوح باندلاع الحرب الباردة من جديد، وبعد فترة طويلة تميزت بالهدنة، عكف خلالها بوتين على تعزيز الأوضاع الداخلية في روسيا وتمكن من تحقيق انجازات (الدخل القومي عاد إلى المستوى الذي كان عليه عام 1990)، مع نمو اقتصادي تواصل على مدى السنوات الأخيرة وقد ساعده في ذلك عامل ارتفاع أسعار النفط والغاز والاستقرار السياسي. الأمر الذي جعل شعبيته ترتفع وأصبح: الرجل الآتي من قلب الاستخبارات في نظر مواطنيه يعمل على استعادة مجد روسيا. ولذلك لوحظ أن بوتين ركز هجومه على واشنطن عبر سياستها في الشرق الأوسط وتحديداً في العراق وفلسطين، وفي لبنان، إلى حد ما.

وهكذا يعود الدب الروسي ولو بحجم مختلف إلى المنطقة من البوابة العربية والإيرانية والسورية.

وعليه ينتظر أن تشهد المنطقة عودة التجاذب بين سياسات الدول الكبرى التي استأثرت بها الولايات المتحدة بمفردها، منذ حقبة التسعينات وسقوط الاتحاد السوفياتي. وقد يأخذ هذا التجاذب أشكالاً مختلفة خلال الفترة المقبلة. فهل يمكن أن تقود الشراكة الأميركية - الروسية بشكل من الأشكال إلى العمل ؟ أم أن بوش - وهذا مرجح - سيمضي في سياسته الأحادية؟

فيما يتريث في تصعيد موقفه ضد إيران مباشرة، أعطى الرئيس الأميركي أوامره بتعقب العناصر الإيرانية في العراق. ولوحظ خلال الأيام القليلة الماضية قتل أو اعتقال عدد من الإيرانيين في مختلف أنحاء العراق، فبدا الأمر كأنه «حرب اميركية - ايرانية على أرض العراق».

وفي ضوء كل هذه التطورات ما الذي ينتظر المنطقة؟

- إعلان الاستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق يواجه صعوبات كثيرة على صعيد ضبط الأمن واستعادة الهدوء والاستقرار. وفي تقدير المراقبين، ومنهم وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس، فإن أعمال الإرهاب والعنف لن تشهد انحساراً في العراق في وقت قريب.

- في ضوء عودة التوتر إلى العلاقات بين العراق وسورية بعد اتهامات بغداد الواضحة لدمشق أن ما يزيد على خمسين في المئة من الأعمال الإرهابية في العراق مسؤولة عنها، وما أعقب ذلك من إقفال للحدود مع سورية وإيران. لكن ألا يعلم الحكم في العراق أن إقفال الحدود لا يكفي لمنع وصول الممنوعات والمحظورات إلى قلب العراق وهي التي لا تتبع الطرق الشرعية بل لها منافذها وحدودها الخاصة؟

- يقول بوتين: «اننا نزود الإيرانيين أسلحة حتى لا تشعر طهران بأنها بمفردها ومحاطة بأجواء معادية». والسؤال: من سيدفع ثمن عودة سياسة التجاذب بين واشنطن وموسكو، خصوصاً من الدول الصغيرة غير القادرة على الدفاع عن نفسها وهي دائماً ضحية «لعبة الأمم»، سواءً في زمن ازدهارها، أو لدى سقوطها، أو مع عودتها من جديد؟

- هل يحتفظ محور دمشق - طهران بزخم تعاونه في غمرة محاولات لإحداث عملية فك ارتباط بينهما؟

أما لبنان فهو دافع الضرائب الدائم عن نفسه وعن الآخرين! فأي خلاف إيراني - سوري سيكون مسرحه لبنان. وأي تفاهم بين الجانبين ستكون للبنان «حصة الأسد» فيه.

- تشير المعلومات، على رغم أنها لا تزال في حدود ضيقة، الى أن المحادثات التي يجريها الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي مع علي لاريجاني سواءً في طهران أو في الرياض، حققت بعض التقدم، لجهة الأزمتين اللبنانية والعراقية. لكن لا يزال أمام الرجلين الكثير من الأمور لحلحلة العقد القائمة، منعاً لحدوث تدهور جديد يخرج عن السيطرة في المنطقة.

وفي جانب آخر يقول الأمير سعود الفيصل إن لا عوائق أمام التعاون في شتى المجالات بين المملكة العربية السعودية وروسيا، في التسلح من جهة، والطاقة النووية السلمية من جهة أخرى، لافتاً النظر إلى أن محادثات جرت حول الجانب التسليحي بين الرياض وموسكو، وفق ما تطلبه المملكة، ووفق ما يتوفر لدى روسيا مما تحتاجه المملكة.

- وفي العودة إلى الوضع في لبنان فإن ما تحقق من «تفاهم اقليمي» لا يكفي - حتى الآن - ليؤلف حلاً جاداً يخرج البلاد من المأزق القائم. وكان السيد عمرو موسى واضحاً بعد زيارته الأخيرة لدمشق عندما قال إن الوضع اللبناني مازال فيه الكثير من العقد وإنه يعمل على حلها واحدة واحدة!

وبعد أن مرت الذكرى الثانية على اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما رافق عشية الذكرى من تفجيرات كان ضحيتها هذه المرة المدنيون العاديون الأبرياء في المتن الشمالي، يطرح السؤال حول الأيام الآتية؟

- الذين يحملون بعض الطروحات والحلول لا يغامرون بالكشف عنها حتى لا ينهال عليها القناصون المتربصون. العاملون بكل «جد ونشاط» لإذكاء نار التوتر واتساع نطاق نيرانها.

- ونصح بوش الإبن والده بإغلاق جهاز التلفزيون حتى لا يشاهد الانتقادات الشديدة في نشرات الأخبار التي توجه الى سياساته في العراق، قائلاً رسالتي إلى والدي هي: لا تكترث بما يحدث فأنا بخير!

- لكن هل يكفي أن يكون بوش بخير ليكون العالم بخير؟

- الكثير من الآمال يُعقد في هذه الآونة على محاولة انتزاع بعض الألغام قبيل انعقاد القمة العربية في الرياض في الثامن والعشرين من آذار (مارس). وإذا لم يُكتب لهذه المساعي النجاح فإن التصعيد سيلازم الموقف للأشهر المقبلة الآتية.

* كاتب لبناني.[line]
إعادة انتاج النكسة‏!‏

حازم عبدالرحمن
الاهرام

في جلسة مجلس الشعب التي جري خلالها مناقشة أحداث المسجد الأقصي بمدينة القدس طالب السادة الأعضاء‏,‏ أو غالبيتهم العظمي‏,‏ بطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة‏,‏ وبقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل‏,‏ وقال أحدهم إن اسرائيل عدو ودعا آخر الي محوها من الوجود وإلغاء معاهدة كامب ديفيد‏!‏

وهنا يثور سؤال‏:‏ هل هذه سياسة تجلب المنافع العمومية وتجعلنا نتجنب المضار؟

‏(1)‏ للمرة الثانية علي الأقل‏,‏ يتورط الحزب الوطني والسادة النواب الذين يمثلونه‏,‏ في المزايدة علي نواب جماعة الإخوان المسلمين المحظورة‏,‏ وكانت الأولي أيام أزمة تصريحات وزير الثقافة حول الحجاب‏,‏ هل يمكن حل قضية القدس بمجرد الصراخ واقدساه؟ بل هل يمكن حل هذه المشكلة الشديدة التعقيد بمجرد النزوع الانتحاري بالقول مع السيد النائب المحترم‏,‏ افتحوا لنا الحدود ونحن نذهب لنحاربهم فنموت ونريحكم منا؟

فنحن لم نسمع تقريرا خلال الجلسة من وزارة الخارجية بطبيعة الاجراءات والوقائع الجارية علي الارض فعلا كنتيجة لاتصالات الخارجية المصرية بكل من الخارجية الاسرائيلية‏,‏ وهيئة الاوقاف الاسلامية التي يتبعها المسجد الأقصي‏.‏ كذلك لم نستمع إلي وجهة نظر خبير الخارجية المصرية المختص في هذا الموضوع وماهي أفضل السبل التي يمكن طرقها أو السير فيها حتي نحقق الهدف الذي نصبو اليه وهو حماية المسجد الأقصي من أي تلفيات أو اعتداءات؟ هذا الي حين أن نتمكن من تحريره بالكامل من السيطرة الإسرائيلية‏.‏

كذلك‏,‏ لم تفكر لجنة الشئون العربية‏,‏ أو لجنة الشئون الخارجية‏,‏ أو لجنة الشئون الدينية‏,‏ أو هي جميعا في تشكيل هيئة مشتركة لدراسة المسألة من جميع جوانبها‏,‏ واستدعاء بعض المؤرخين الثقاة من أقسام التاريخ في كليات الآداب للحديث أمامها عن تصوراتهم حول المسألة‏,‏ ولا حتي سمعنا عن استدعاء بعض خبراء القانون‏,‏ كذلك غاب عن الجميع فكرة تكوين لجنة لتقصي الحقائق بخصوص ما يحدث في الأقصي‏,‏ علي أن تذهب هذه اللجنة مثلا الي الأردن وأراضي السلطة الفلسطينية وإسرائيل وتلتقي إمام المسجد الشريف أو هيئة الاشراف عليه‏,‏ فضلا أيضا عن عقد لقاءات مع قيادات الحركة الاسلامية في إسرائيل الذين أثاروا الموضوع وبالذات الشيخ رائد صلاح‏.‏

لم نجد شيئا من هذا كله‏,‏ فقط كل ما وجدناه هو صراخ وسباب وهتاف ونداءات بقطع العلاقات‏,‏ ودعوات بالهلاك علي إسرائيل‏.‏

(2)‏ لقد بدا المشهد في قاعة المجلس الموقر‏,‏ وكأنه اعادة انتاج طبق الأصل للمشاهد الهزلية في أسوأ مراحل التاريخ المصري والتي أدت الي نكسة يونيو‏67,‏ فالنواب يهتفون‏,‏ ويتصايحون‏,‏ ولا يتحدثون إلا بكلمات تدغدغ المشاعر‏,‏ وتلهب الحماس لكنها لا تخاطب العقل‏,‏ وحتي العقلاء في المجلس الموقر‏,‏ آثروا السلامة‏,‏ وتجنبوا الاختلاف مع الاغلبية وسبحوا مع التيار أو التزموا الصمت‏.‏

فقط‏,‏ للحظة‏,‏ تصورت أنني سأفاجأ مرة ثانية بالسيد فوزي العمدة أمين الفلاحين في الاتحاد الاشتراكي العربي يحل عمته ثم يتحزم بها وهات يا رقص ثم يصعد علي البنش أمامه ويستمر في الرقص‏..‏ لماذا؟ لأن مصر غارقة في أسوأ هزيمة عسكرية في تاريخها وراح فيها آلاف القتلي والمصابين والأسري‏,‏ لكن كل هذا لا قيمة له‏..‏ فالمهم أن السيد الرئيس الزعيم المناضل قد تراجع عن قرار التنحي‏..‏ وهذا هو مصدر القلق الحقيقي‏..‏ فاذا كانت هذه هي طريقة النواب الأفاضل‏,‏ الذين هم أهل الحل والعقد‏,‏ أو أهل الشوري‏,‏ في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية الشديدة التعقيد والحساسية الآن وبعد مرور‏40‏ سنة علي يونيو‏1967,‏ فلماذا نستغرب مما جري في ذلك التاريخ القديم؟

ثم اذا كان السادة نواب الوطني يعتقدون أن هذا الأسلوب الفج يمكن أن يعود علي الشعب المصري بأي مزايا‏,‏ ألم يفكروا فقط للحظة واحدة فيما أنزلته الأساليب المماثلة لحركة حماس الفلسطينية‏,‏ ولحزب الله اللبناني‏,‏ من نكبات وهزائم ومصائب اضافية علي شعبي فلسطين ولبنان؟

(3)‏ هل مصر في حاجة الي حرب جديدة لكي يطالب هؤلاء بالغاء اتفاقيات كامب ديفيد والبدء فورا في حيازة أسلحة لمحو إسرائيل من الوجود؟ هل نبني مدارس لأطفالنا ومستشفيات لمرضانا ومساكن لشبابنا الذي لا يستطيع الزواج‏,‏ ومصانع لامتصاص البطالة وزيادة الانتاج وتحسين مستويات المعيشة حتي ينفتح امامنا طريق المستقبل؟ أم نجهز القبور لقتلانا‏,‏ والمآتم لتلقي العزاء‏,‏ ثم نسعي لاخراج أم كلثوم من جديد من قبرها لكي تبدأ في حملة جمع التبرعات من النساء والثريات في مصر والعالم العربي وتقيم حفلات للغناء يخصص دخلها للمجهود الحربي‏.‏

أرجو من السادة أعضاء مجلس الشعب ان يدركوا جيدا‏,‏ أن جماعة الاخوان المسلمين المحظورة هي جماعة بلا سياسة خارجية أو بمعني أصح لا تعرف معني ما تقول‏,‏ وأقصي ما يمكن توقعه منها هو أنها ستخرج علينا عندما تقع الفأس في الرأس‏,‏ لتقول كما قال صاحب الفضيلة حسن نصرالله‏:‏ لو كنت أعلم أن اسرائيل سترد بهذه الطريقة ما أقدمت علي خطف الجنديين الإسرائيليين‏.‏

لكن هذا التصريح لم يعد بناء ما تهدم ودمر في لبنان ولم يعد الحياة للآلاف من القتلي ولا أشفي المصابين‏..‏ ولا أطعم الجياع‏..‏ فقط استفاد فضيلته من هذه الحرب‏,‏ فصار له نفوذ طاغ في لبنان وأصبح هو بوابة ايران في المنطقة‏..‏ ولايبدو أيضا ان حماس حققت أي نتائج أفضل من ذلك في فلسطين‏..‏ فماذا يستطيع الاخوان ان يقدموا لنا في مجال السياسة الخارجية إلا الخراب والدمار؟‏!‏ فهل نستمر في المزايدة عليهم بهذه الطريقة؟[line]

castle
18-02-2007, 07:56 AM
مكافحة الفساد..عوائق وعقبات

محمد حسين الدوسري

الوطن

إن مبدأ المشروعية في فلسفة القانون قد أرسى أن الدستور له حق علو الرتبة والمنزلة من حيث هيمنته على أعمال أي حكومة أو سلطة مما يُرسخ احترام مبدأ المشروعية من حيث التدرج التشريعي للدستور وهو مبدأ إلزامي للسلطات في دولة القانون والمؤسسات لتحقيق مبدأ العدل والمساواة بين أفراد المجتمعات. ولقد وصل إلينا كثير من الأفكار السياسية والنظريات والمبادئ القانونية في شأن دور السلطة التشريعية والسلطة القضائية تحديداً في مكافحة الفساد واستغلال السلطة والنفوذ الذي يلعب دوراً كبيراً في العبث بمقدرات الأوطان وهدر مجهودات القوى البشرية المكونة لتلك الأوطان وبث روح اليأس والإنهاك الجسدي والفكري في السعي لنيل الحقوق وقتل الإبداع, مما يحتم على كل الدول في هذه المرحلة التي نعاصرها تجسيد مكافحة الفساد وإرساء مبدأ المساءلة والمحاسبة لمن يصدر منه خرق وانتهاك للدستور الذي يُجسد حقوق المواطنين في كل المجتمعات البشرية. إن الفساد بكل أشكاله وصوره وأنواعه لايشك عاقل في وجوده في جميع الدول بلا استثناء أو تقييد وبنظرة سريعة في تقارير منظمة الشفافية الدولية نجد أن كثيراً من الدول قد استفحل فيها الفساد الإداري والمالي في القطاعات الحكومية العامة مما جعل المنظمة تجعل مؤشرات لمدركات الفساد مثل مؤشر مدركات الفساد ويهدف إلى تقييم إدراك الخبراء لمستويات الفساد في الحكومات والقطاعات العامة في دول مختلفة ويعتبر ذلك المؤشر أداة قياس قوية لإدراك الفساد, وكذلك هناك وهو باروميتر مقياس الفساد العالمي باتجاهات وتجارب الناس, وإن الصحف المحلية والعالمية تطالعنا ليل نهار بكثير من أخبار وقصص الفساد، كذلك الإعلام العالمي المرئي والمقروء الذي يتمتع بالشفافية والمصداقية في الطرح والتعامل مع عقول المتلقين يجعلنا نُشاهد كبار موظفي الحكومات ورؤساء مجالس إدارات كبرى الشركات (فضيحة إنرون, وهاليبرتون وفضائحها المتتالية), وتتحفنا المحاكم الراسخة في تحقيق علو الدستور والقانون باقتياد كثير من رؤوس الفساد والعابثين بمقدرات الأوطان والجمهور من خلال شركات المساهمة الكبرى لإعادة حقوق المساهمين وإرساء الدور الحقيقي للقانون والنظام وكبح ذلك السرطان القاتل. وإن الاتجاهات المتنوعة في تعريف الفساد تتمحور في أنه خروج عن القانون والنظام وعدم الالتزام بهما واستغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للمتنفذين المستغلين لمقدرات الأوطان والمجتمعات، فهو سلوك منحرف يتعارض والواجبات الرسمية للمنصب العام تطلعا إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية. والاتجاه الدولي على تعريف الفساد كما حددته "منظمة الشفافية الدولية" بأنه "كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته". ولقد اهتمت تشريعات كثير من الدول المتطورة بمكافحة الفساد واستغلال السلطة وحماية من يُرشد على الفساد واستغلال السلطة بدعم تلك القوانين بالحماية فقد وجد تشريع أمريكي لحماية من ينبه السلطات إلى انتهاك مقدرات الوطن من عبث المتنفذين وإيذائهم كي تستقيم وتُصان منظومة القيم والمبادئ في المجتمع, وكذلك فقد صدر في دول عربية مثل الأردن واليمن قانون لمكافحة الفساد واستغلال السلطة, وإن تلك التشريعات تُشكل الدعامة الأساسية للوقوف أمام هيجان تصرفات الفساد الإداري التي تتمثل تارةً بالمحاباة وتتركز في تفضيل جهة على أخرى في الخدمة بغير حق للحصول على مصالح معينة, وتارةً بالشللية والمحسوبية والتي هي تنفيذ أعمال لصالح فرد أو جهة ينتمي لها الشخص مثل حزب أو عائلة أو منطقة دون أن يكونوا مستحقين لها, ومرةً عن طريق الواسطة التي تكاد لا تخفى على أحد سواءً كبيراً كان أم صغيراً, أو عن طريق الابتزاز وهو الحصول على أموال من طرف معين في المجتمع مقابل تنفيذ مصالح مرتبطة بوظيفة الشخص المتصف بالفساد, وأخرى بوسيلة الرشوة, وقمع الموظفين وإقصائهم والتلاعب في تقاريرهم وإلغاء ترقياتهم مما يُعد إلغاءً لكيان الموظف العام الفاعل والمؤثر, وغيرها من تصرفات وأفعال محددة في تلك القوانين الخاصة لكبح جماح ذلك السرطان المخيف, ولقد استبشرنا خيراً لدى قراءتنا في خبر مقتضب (ولم نجد له أي تفاصيل) عن رجوع مشروع مكافحة الفساد واستغلال السلطة من مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى وذلك لتعديل بعض المواد التي اعترض عليها مجلس الوزراء (وقد حاولت كثيراً معرفة تفاصيل ذلك الاعتراض بيد أن محاولاتي باءت بالفشل), ولا أعلم لماذا يضيق الصدر ويكثر الحرج من البحث عن المعلومات من قبل المتخصصين والإعلاميين فتذكرت حرجَ وضيقَ كثير ممن عاصر المفكر عميد الأدب العربي طه حسين عندما كان يوجه انتقادات علمية إصلاحية لاذعة لتصحيح مسار كثير من الخلل في عصره, ولعلي أقف عند تداخل الاختصاصات التشريعية بين مجلس الشورى ومجلس الوزراء, فإن اللبس في ذلك التداخل يكمن في عدم إعطاء مجلس الشورى السلطة التشريعية الكاملة في إصدار القوانين والأنظمة واللوائح, فإن قواعد ومبادئ الأنظمة الدستورية المتطورة تُقرر بلا أدنى شك أن السلطة التشريعية تتجسد في مجلس تشريعي تختلف وتتباين عن سلطة الحكومة التي هي في الأصل تنفيذية محضة, بل إن ما تصدره الحكومات من لوائح في ظل عدم انعقاد المجالس التشريعية لابد أن يُعرض على السلطة التشريعية ليُقرر مدى صلاحية ما صدر من قوانين ولوائح وأنظمة, وأظن أننا بحاجة للمطالبة لإعطاء مجلس الشورى كامل الصلاحيات التشريعية لوضع حد للتداخل التشريعي وإمداد مجلس الشورى بحق الرقابة على أداء الحكومة وسلطة فرض إجراءات صارمة على مخالفات الجهات الوزارية والمؤسسات العامة, مما يُعمق الثقة والاطمئنان لدى المواطنين ويُرسخ المواطنة الحقيقية في قلب المجتمع, وتصحيح ذلك المسار المهم من أجل التطوير والإصلاح المنشود من خادم الحرمين الشريفين, ولكي يكتمل ذلك الإصلاح والتحديث للأنظمة لا بد من جهة قضائية يُناط بها الرقابة على تلك القوانين والأنظمة واللوائح ولعلها تكون محكمةً عليا على رأس القضاء الإداري وذلك تماشياً مع إنشاء محكمة عليا سوف تحل محل المجلس الأعلى للقضاء لكي يكتمل التنظيم القضائي لدينا و حفاظاً على المشروعية القانونية وصوناً لأفراد المجتمع من احتمال تعسف بعض الأنظمة واللوائح التي تصدر من جهات تنفيذية ليس لها حق إصدار تلك اللوائح بل إن بعضها يتعارض مع بعض الأنظمة والقوانين المحلية فيحدث تداخل وتضارب في الصلاحيات والواجبات يمنع المختصين فضلاً عن أفراد المجتمع من معرفة الجهة المختصة وبالتالي ضياع معرفة الجهة المسؤولة عند وقوع الخلل والإهمال!, ولكي يجدوا ملجأً وملاذاً آمناً يحميهم من صور الفساد والتعسف باستعمال السلطة واستغلالها لأن تلك الصور نجدها بشكلٍ مخيفٍ في صحفنا المحلية فإن ما ذكرته الزميلة الأستاذة هالة القحطاني في "الوطن" يوم الجمعة 21/1/1428 هـ, من استغلال للسلطة واستهتار بالمواطنين, وكذلك تعلل المسؤولين منذ ستة أشهر والتباطؤ في اتخاذ إجراءات حازمة وصارمة تجاه تلك الخروقات والانتهاكات, وهذه حقيقة كثير من المسؤولين عند وجود تظلم أو شكوى من فساد أو تعسف في استخدام السلطة وسوء استغلالها إنهم يميعون القضية ويرهقون المتظلم ويرمونه في غياهب الانتظار ومحاربته نفسياً وجسدياً وتشويه سمعته وإثارة الشكوك حول شكواه حتى يرعوي ويعقد العزم على ألا يُظهر تلك الجرأة مرة أُخرى للمساس بفساد الجهاز أو استغلال مديري ذلك الجهاز؟. إن كثيراً من الموظفين والمواطنين يعانون معاناة حقيقية وتحتاج إلى سرعة اتخاذ قرار حازم لكبح جماح ذلك الفساد المستشري؟, وكذلك ما ذكره المصرفي أمجد البدره في مقال له في الزميلة الرياض 21/1/1428 هـ, من معاناة المساهمين والمرشحين لعضوية مجالس إدارات الشركات والبنوك و أنه واجه نوعاً من استغلال النفوذ من قبل محافظ مؤسسة النقد لإقصائه من العضوية, فلا يُعقل أن يمارس أولئك السلطة ويعطوا النفوذ ليكونوا رؤساء مجالس إدارات شركات كبرى مع بقائهم في مناصبهم التنفيذية التي يوجهونها إلى مصالحهم ومصالح ما يديرونه من شركات, (أحد المسؤولين الحكوميين مثالاً يرأس مجلس إدارة شركة كبيرة وهو مسؤول فاعل ومؤثر في البنوك المحلية بل إن تلك البنوك تراعي قراره ومصلحته وتخشاه أشد من خشيتها من غضب جمهور المتعاملين والمستثمرين لديها), علماً أن الوطن يزخر بكثيرٍ من المتخصصين وذوي الكفاءات في جميع المجالات سواءً المصرفية أو الإدارية أو القانونية فلم لا يتم اختيار من هو فاعل ومؤثر في القطاع الحكومي كي يرأس شركةً تتعلق بكثيرٍ من المواطنين وتمس حقوقهم ومدخراتهم، فمن لم يتقن كبح جماح الفساد الإداري في عمله الرئيس لا يستحق أن يُكافأ برئاسة شركات فاعلة ومؤثرة في حقوق المواطنين المساهمين, وكذلك معاناة الكثير ممن وقع في فخ لعبة التداول المزيف في سوق الأوراق المالية يتطلب تضافر الجهود الوطنية لوقف النزيف من ذلك الوباء القاتل لكثير من المواطنين, وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد واستغلال السلطة وإساءة استخدامها والإسراع بإصدار نظام مكافحة الفساد واستغلال السلطة.

* مستشار قانوني[line]

castle
19-02-2007, 05:40 AM
الاثنيـن 01 صفـر 1428 هـ 19 فبراير 2007

فلسطين السعودية .. ابناً عن أب

فؤاد مطر

الشرق الاوسط

من الطبيعي عندما يتأمل الملك عبد الله بن عبد العزيز في واقع الحال الفلسطيني ويستحضر رؤية والده المغفور له الملك عبد العزيز، واستباقه القلق على مصير بلد الحرم الثالث فلسطين، مسجلاً هذا القلق من خلال المذكرة الشهيرة الى الرئيس الاميركي الثاني والثلاثين تيودور روزفلت، المؤرَّخة 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1938 والمقابلة الشهيرة ايضاً التي اجرتها معه مجلة «لايف» الاميركية في 21 مارس (آذار) 1943 الى كلام له صفة التأملات ردده خلال ماضي السنين في مجلسه امام زوار هذا المجلس من سعوديين وعرب واجانب ... من الطبيعي ان يسجل الإبن الملك عبد الله ، وقد بات ملكاً للبلاد ، ما يضيف الى قلق والده المزيد من القلق حول فلسطين البلد والشعب، وهو ما سبق ان فعله من قبل الأخ الراحل الملك فهد بن عبد العزيز في القمة العربية في «فاس» في سبتمبر (ايلول) 1982، ثم اضاف اليه هو شخصياً في مرحلة توعُّك الأخ، من خلال افكار خطرت في البال ووجد فيها أهل القرار العربي ما يحقق التوافق المفقود حول الموضوع الفلسطيني فكان تبنِّيهم لها بالإجماع وهو أمر غير مسبوق من حيث الحماسة وتحاشي المناقشة وإسقاط المزايدة. ومنذ القمة الدورية في بيروت التي بدأت اعمالها يوم الاربعاء 27 مارس (اذار) 2002 واستغرقت ثلاثة ايام بالغة الصعوبة نتيجة محاولة جادة لم تثمر لمصالحة دول الخليج مع العراق الصدَّامي الذي تمثَّل في القمة بنائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزت ابراهيم الدوري، الذي ما زال حتى بعد اعدام صدَّام حسين طليقاً مع انه احد المطلوبين وفق اللائحة الاميركية الفولكلورية، باتت افكار عبد الله بن عبد العزيز تحمل تسمية «المبادرة العربية» وإن كانت التسمية العفوية اي «مبادرة الملك عبد الله» تسبق التسمية الرسمية اي «المبادرة العربية».

مع شديد الأسف لم يتعامل المجتمع الدولي مع «المبادرة العربية» بالمسؤولية التي تحتاج اليها مثل هكذا افكار لتصحيح مسار التعامل الدولي والعربي مع القضية الفلسطينية، ويتحمل وزر هذا السلوك في الدرجة الاولى الرئيس جورج بوش الإبن الذي اكتفى بالترحيب مرجئاً الضغط على اسرائيل لكي تتجاوب فلا تضيع فرصة الإجماع العربي للمرة الاولى على رؤية موضوعية، ثم يأتي العراك الكلامي ثم القتالي بين «فتح» المصدومة من نتائج الانتخابات و«حماس» المبهورة بفوزها في الانتخابات ليشكل الدرجة الثانية من تحمُّل الوزر . وزاد الوزر تعقيداً ان «حماس» المنتصرة لم توظِّف فوزها المبهر بإحراج المجتمع الدولي وذلك من خلال إبداء المرونة، وإنما عملت على توظيف الفوز بعقلية مَنْ يصر على تطبيق ميثاق غير ممكن التطبيق في ظل الظروف الدولية والعربية والاقليمية الراهنة، ومَنْ يرى ان الفرصة لتحجيم «فتح» وحشرها في الزاوية لن تكون متاحة في مرة اخرى. ولذا وقعت الواقعة. «فتح» بـ«السلطة الوطنية» التي تترأسها ويساندها معنوياً المجتمع الدولي واكثرية الانظمة العربية تريد من «حماس» التغريد معها لتحصيل ما يمكن تحصيله من حقوق. و«حماس» التي اتاحت «اللعبة الديمقراطية» الخالية من اي شوائب لها ترؤس الحكومة ترفض بـ«السلطة الثالثة» والاكثرية البرلمانية وسطوة الطرفين معاً «فتح» و«حماس» على ارادة الاطياف المستقلة، لا يتعاون رئيسها اسماعيل هنية مع رئيس السلطة بما من شأنه رفع الحصار المالي وحرية التحرك وبالذات على «فلسطين الحماسية» وإرباك «فلسطين العباسية» بغرض الضغط عليها وليس عدم الرضى عن توجهاتها وسلوكها وتعاملها الواقعي مع المجتمع الدولي والمشاريع المطروحة.

بطبيعة الحال، وفي ظل الوضع المعيشي الصعب الناشئ عن عدم التعاون بواقعية، ان تفور الاعصاب وتحدث المواجهات، ويتزامن مع ذلك رهان من «فتح» على واقعية طروحاتها يقابله رهان من «حماس» على الحليف السوري ـ الايراني وبذريعة ان الحصار يتزايد وان الاخوة العرب والمسلمين لا يكسرون هذا الحصار، الأمر الذي ولَّد ارتباكاً لا مثيل له في الوضع الفلسطيني. وتصل الحال بهذا الارتباك إلى حد أن الرئيس حسني مبارك يعرض المسعى الرئاسي الحميد الى جانب المسعى المخابراتي المكوكي المتواصل عن طريق اللواء عمر سليمان واحياناً نائبه في جهاز المخابرات لكن الجانبين لا يقرران سلوك صراط التعايش الأخوي داخل البيت الواحد. كما تصل الحال بأهل الحكم الايراني واهل الحكم السوري الى وضع «حماس» امام خيارين احلاهما مر: إما مقايضتها مع «البافالو» الاميركي الذي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل على العباد العرب والمسلمين، وإما خوض منازلة سياسية وعسكرية معهما ضد اميركا واسرائيل وعلى نحو ما فعل «حزب الله» في لبنان وكان الفعل غير محمود وغير مجد لا في ملة اللبنانيين ولا في اعتقاد العرب والمسلمين على حد سواء. وجاء الإغراء الايراني من خلال الدولارات التي حاول اسماعيل هنية ادخالها الى غزة بعد زيارة «ميمونة» الى ايران ومصادرة هذه الاموال وعلى نحو مصادرة السلطات اللبنانية قبل ايام شاحنة ملأى بأنواع السلاح والذخائر تابعة لـ«حزب الله»، تنبهت النخبة القائدة في «حماس» الى ان مصير هذا السلوك كارثي. ثم حدث الكر والفر في شوارع غزه وضمن استهدافات مدروسة وبغرض التحدي لينبه النخبة نفسها إلى ان الصحوة هي الافضل واتقاء مخاطر المبالغة في العناد هو الأسلم.

وسط هذه الاجواء اتى النداء المخلص من الملك عبد الله بن عبد العزيز ليس فقط في صيغة النصح والتمني وإنما ايضاً في صيغة دعوة كريمة الى الجانبين في رحاب مكة المكرمة عسى ولعل تلهم قدسية المكان ابناء القضية المتعثرة من شر تعاملهم معها فيقرر «إبن فتح» محمود عباس ومَنْ رافقه من حمائم وصقور ان «ابن حماس» خالد مشعل ومَنْ معه من صقور دون حمائم، هم من بطن ام واحدة هي «القضية الفلسطينية» وعلى هذا الاساس فالتفاهم هو الحل والاحتراب هو الكارثة والتعايش هو القدر الذي لا مفر منه.

ومن المؤكد أنه لو تُرك الأمر للطرفين لكي يحاولا التوصل الى التفاهم لربما كان ذلك لن يحدث وربما كانت الجولة الاولى ستعقبها ثانية وثالثة وجولات. ومِنْ هنا فإن قلق الملك عبد الله على القضية وخشيته من حدوث ما نشير اليه جعلتاه يقرر الإقدام على خطوة كريمة تمثلت بانتقاله على غير ما هو مألوف في برنامجه إلى جدة ومنها الى مكة وبدا ظله المعنوي المستحب يحيط بأبناء القضية الذين جاءوا متخاصمين يكاد الواحد منهم في غزة يأكل لحم اخيه نيئاً وخرجوا عقب فترة زمنية قياسية متصافين نابذين العنف وفكرة التفرد ورغبة الإلغاء، وإسقاط الحساسيات في شأن المناصب والتسميات والتي وصلت قبل المجيء الى مكة المكرمة ببضعة ايام الى حد أن اوساط الرئيس محمود عباس طلبت عدم إرفاق كلمة «الرئيس» عند ذِكر اسم اسماعيل هنية.

خيراً فعل ابناء القضية الواحدة، وخيراً سيفعلون اذا هم استمروا ثابتين على العهد وعلى الوعد، وخيراً سجلوا الشكر لمصر دون غيرها من الدول العربية والاسلامية في «بيان مكة». وأما الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي تأكد لنا كمتابعين للشأن السعودي ان اللقاء الفلسطيني ناجح لا شك في ذلك لمجرد انتقال خادم الحرمين الشريفين من الرياض الى مكة، فإنه اكثر ابناء الأمتين سعادة بما انتهى اليه اللقاء لأنه كما في كل خطوة من اجل القضية الفلسطينية يستحضر رؤية والده الملك عبد العزيز وبذلك فإن فلسطين الإبن الملك عبد الله من فلسطين الأب عبد العزيز وكل ابن وحفيد. ورؤية عبد العزيز هي الصادقة لأنها من الضمير تأتي ومن رب العالمين تبتغى المرضاة والرحمة. ونَخلُص الى القول ان لقاء مكة لم يكن فقط من اجل رأب الصدع بين «فتح» و«حماس» وإنما هو اولاً تحية من الحرمين الى الحرم الثالث الذي يقاسي الأهوال.. لكن الى حين، متمنية الأمتان ان يضع عبد الله بن عبد العزيز في ضوء مبادرتيه «العربية والفلسطينية» حداً لهذه الاهوال... وتأكيداً لقوله مخاطباً ضيفيه المتناحرين «لا تضيعونا ولا تضيعوا أنفسكم».

وبعد العلاج الناجع لأبناء فلسطين هنالك بقية علاجات للبنانيين والعراقيين... الذين هم على اهمية تضييع النفس والوطن.[line]
تحرير الإرادة العربية من المقولات الفاسدة

بقلم : وفاء محمود

الاهرام

رحبت الدوائر السياسية والشعبية محليا وعالميا باتفاق مكة المكرمة‏,‏ الذي وضع حدا للاقتتال الداخلي الفلسطيني‏,‏ ونجح في الاتفاق علي تشكيل حكومة وحدة وطنية‏,‏ لقيادة النضال الفلسطيني للوصول إلي الأهداف النهائية المشتركة‏,‏ وفق آليات مقاومة متفق عليها بين مختلف التيارات‏.‏

فهذا الاقتتال أحيا مقولة إن العرب غير قادرين علي حكم انفسهم التي استعملها الاستعمار مرارا تبريرا لاحتلال اراضينا وسيطرته علي ثرواتنا بمقولات متنوعة مثل عبء الرجل الأبيض في نشر الحضارة وسياسة ملء الفراغ وتفوق الحضارة الغربية وغيرها وقد أعلنت السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية صراحة شكها في قدرة الفلسطينيين علي حكم أنفسهم‏,‏ في حال تكونت لهم دولة‏!‏

ويتابع العرب تنفيذ اتفاق مكة علي أرض الواقع بنجاح وينتظر نجاح أعمق وأشمل في قمة الرياض الشهر المقبل لإعادة الروح للعمل العربي المشترك‏,‏ وفض النزاعات العربية ـ العربية‏,‏ والبحث عن القواسم المشتركة وساحات الاتفاق لبناء موقف عربي موحد علي أساسها لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية فمن نافلة القول ان الأمة تتعرض لهجمة شرسة خارجية‏,‏ وضعف بنيوي سياسي واقتصادي داخلي وقد اثبتت التجربة أن الخلاص الفردي لكل دولة بالمقولة الفاسدة التي تبحث عن مصلحة كل دولة أولا قد ثبت فشلها ولم تجلب إلا التراجع وتهديد الوحدة الداخلية وعدم القدرة علي مواجهة تحديات الأمن القومي لكل منها‏.‏

فعلي الزعماء العرب العمل بقوة في اتجاه تعاون عربي مشترك مهما تكن الصعاب والمشكلات وتجاوز المقولات المحبطة التي تقلل من شأن هذه اللقاءات وتعتبرها جعجعة دون طحين وتلك مقولات فاسدة‏,‏ هدفها تشتيت العرب وإفشال أي مشروع عربي موحد متماسك يفرض المفهوم العربي للسلام علي مختلف القوي الاقليمية والدولية‏.‏

ملف المقولات الفاسدة متخم‏,‏ وتحول أحيانا إلي أيديولوجيا صلبة جامدة تسقط أفكارها علي الواقع لتشويهه وتزييفه للبحث عن ذرائع خداعة لخطف الشعوب بتصوير أخطار وهمية لتبرير حروب استباقية لها أجندة مخفية لمصلحة قوي جبارة لا يصح فيها إلا قول جبران خليل جبران
والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا به ويستضحك الاموات لو نظروا
فالسجن والموت للجانين إن صغروا

والمجد والفخر والإثراء إن كبروا
وقاتل الجسم مقتول بفعلته
وقاتل الروح لا يدري به البشر

وإذا كان التاريخ كما يقول ابن خلدون ظاهره خبر وباطنه نظر‏,‏ فالنظر فيه يؤكد زيف هذه المقولات وانها تبطن من التضليل أكثر من الحقيقة فطوال الصراع العربي الإسرائيلي كان العرب هم الضحايا للاعتداءات الإسرائيلية ويدعمها الاستعمار البريطاني والفرنسي واخيرا الأمريكي واصبحت المعايير المزدوجة هي المقولة الحقيقية في التاريخ المعاصر لاعفاء إسرائيل من كل الاستحقاقات الدولية ويعترف بذلك المؤرخون الجدد في إسرائيل نفسها‏,‏ الذين يؤكدون أن العرب منذ بداية الصراع هم من كانوا يمدون أياديهم بالسلام وترفضه إسرائيل‏.‏

ايضا نـظرية المؤامرة مازالت اتهاما جاهزا يسلط علي كل من يفضح المخططات الاستعمارية التفكيكية للكيانات العربية‏,‏ فماذا يمكن ان نسمي ما يجري للعراق بعد غزوه بإدعاءات باطلة مزيفة بحجة محاربة الإرهاب؟‏!‏

أما مقولة صعوبة نشر الديمقراطية في العالم العربي والإسلام فالواقع يدحض ذلك لتقدم عدد كبير من الدول العربية والإسلامية علي طريق الديمقراطية ففكرة الديمقراطية ليست ثقافة لكنها آلية للحكم لتحقيق العدالة وتتعدد الطرق والهدف واحد ومن الظلم حصر الثقافة الإسلامية في تيار محدد أو مشروع محدد فالإسلام له عدة تطبيقات ومشاريع وتفسيرات وعلي الزعماء العرب التقدم بايجابية بخطي حثيثة في طريق الديمقراطية تأمينا لهم ولشعوبهم من القوي التي تستخدم الاستبداد وتقصيه بسهولة حسب مصالحها‏.‏

وعندما توافرت الإرادة العربية لتحويل الجعجعة إلي فعل ملموس علي أرض الواقع نجحوا في ذلك بجدارة فقهروا الجيش الذي لا يقهر في حرب أكتوبر عام‏1973,‏ واستردت الشعوب وعيها الكياني والتاريخي‏,‏ وانتجت مقاومة غير مسبوقة في لبنان والعراق‏,‏ واجهضت مقولة أن المقاومة إرهاب‏.‏

فعلي الزعماء ألا يلتفتوا إلي الاتهامات الجاهزة التي تنال من عزيمتهم‏,‏ واذكرهم بطرفة رواها المؤرخ الراحل نيكولا زيادة إنه في عكا عام‏1926‏ في اجتماع بجامع الجزار لمجموعة من المثقفين قال توفيق جدع الخطيب ردا علي مقولة اننا نري في العرب جعجعة بدون طحين إنهم ينسون عندما جعجعنا في قريش كان طحيننا في الاندلس‏.‏[line]
الحوار بين الحضارات

الراية - قطر

يمثل منتدي أميركا والعالم الإسلامي الذي افتتح جلسات دورته الرابعة مساء أمس بفندق الريتز كارلتون بالدوحة سعادة الشيخ حمد بن جاسم بن جبرآل ثاني النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والذي يستمر علي مدي ثلاثة أيام ويشارك فيه230 شخصية من 35 دولة إسلامية والولايات المتحدة الأميركية ركيزة أساسية من ركائز الحوار الإسلامي مع الغرب بهدف خلق بيئة صالحة لتواصل وتلاقح الحضارات لا تصادمها.

ومما لا شك فيه ان شعار المنتدي" مواجهة ما يفرقنا" يعطي دلالة هامة لأهمية القضايا التي سيناقشها المنتدي ولذلك فإن الطرح الذي قدمه سعادة النائب الأول في كلمته والتي جاءت تحت عنوان" كيف نتفادي صراع الحضارات" يمثل محور ارتكاز للنقاش حول القضايا المختلفة التي تقف في طريق مد الجسور بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي باعتبار ان هذه العلاقات ظلت يشوبها عدم الاستقرار وعدم الانسجام في مختلف المجالات بسبب عوامل داخلية وخارجية اقليمية ومحلية.

كان النائب الأول واضحا في طرحه لما يسمي بنظرية الصراع بين الحضارات بإشارته إلي النقد الواسع لهذه النظرية وتقديم وجهة النظر التي تنفي عنها وجاهتها في استهداف الحضارة الإسلامية بالصراع باعتبارها الأكثر خطورة علي قلب الحضارة المتمثل في الغرب وان هذه النظرية تمثل منهجا سياسيا محددا ، وتأكيده بالخيار البديل للجميع الذي يجب ان يكون" الحوار بين الحضارات" من اجل ابعاد أي نزعة نظرية أو مادية بين الشعوب علي أساس أي تصنيف حضاري موهوم.

لقد طرح سعادته بعضا من السياسات التي تساعد في خلق جو من التفاهم المشترك بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة من خلال الحوار الصريح والتشاور الدائم حيث أكد علي ضرورة الالتزام بشكل صادق بما تمليه أحكام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والاعلان العالمي لحقوق الانسان وأهمية تسوية القضية الفلسطينية وصراع الشرق الأوسط وجاء التركيز علي هذه القضية لتأثيرها البالغ علي العلاقات الأميركية الإسلامية.

ان مطالبة النائب الأول بالشروع بتنفيذ سياسة الاصلاح السياسي وبناء الديمقراطية حسب الثوابت التي تنسجم مع خصوصيات المجتمعات المختلفة والاهتمام ببرامج التوعية الهادفة لتعريف مجتمعاتنا مع بعضها علي قاعدة الاحترام المتبادل للخصوصيات واشاعة ثفاقة التعايش الإيجايي يشكل محورا هاما في العلاقات ما بين الغرب عموما والولايات المتحدة بصفة خاصة.

لقد تطرق سعادته أيضا لبعض القواعد التي تؤثر في العلاقات الأميركية الإسلامية ودعا إلي أهمية تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية الجادة والاهتمام الجاد بوضع برامج التعليم الفني والاهتمام بالشباب باعتباره جيل المستقبل ووضع الخطط الفعالة لاشاعة الإعلام الموضوعي المسؤول وتشجيعه والادراك بأن العالم المعاصر يتميز بطبيعة معقدة من الظواهر التي تجعل منه فاقدا للتوازن بسبب اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء والمتعلمين والجهلاء وبناء الجسور بين المجتمعات وتعزيز الحوار والتفاهم الذي يساعد علي تكوين الإرادة السياسية الكفيلة بحل الصراعات والنزاعات من خلال التفاوض اضافة إلي اجتثاث الفقر والتصدي للارهاب بسياسات تتناول تقصي الأسباب الكامنة وراء ارتكابه. [line]

castle
20-02-2007, 05:30 AM
الثلاثـاء 02 صفـر 1428 هـ 20 فبراير 2007

مفارقات أوكازيون المال والسياسة

جيم هوغلاند

الشرق الاوسط

إذا كان عالم البزنس على المستوى العالمي في حالة ازدهار، فالعالم السياسي العالي في حالة معاكسة تماما، فليس هناك سوى مشاعر الجزع والضيق والكراهية. وهذا يتماشى تماما مع مبدأ ديكنز: أفضل الأوقات وفق المقاييس الاقتصادية هو الأسوأ حينما نستمع إلى منظمي استطلاعات الرأي والسياسيين.

لماذا هذا التناقض بين العالمين؟ أو إذا وضعناها بصيغة أخرى: لمَ لا؟ فبيع الخوف هو أداة قديمة بيد السياسيين، بينما بيع الأمل والثقة هو جوهر عالم البزنس. فكلما زاد ما نكسبه زاد الخوف الذي يكسبه «الآخرون»، مثلما هو معرَّف من حيث العرق والدين والطبقة والأطراف المتنافسة ذات الانتماء الواحد.

لكن هناك شعورا هشا مختلفا لهذه «اللحظة الذهبية» الخاصة التي استخدمها جورج شولتز خلال حوار أجري معه في واشنطن. ومثلما كان وزير الخارجية والمالية الأسبق حذرا في مقابلته من أن غضب الجمهور من زعمائه، قد يؤول في الأخير إلى تهديد الوضع الاقتصادي الذي يجلب مليارات من العمال الجدد إلى أسواق العمل العالمية، ويحقق أرباحا هائلة لعدد قليل من المؤسسات المالية.

ويمكن تلمس التعارض المثير للنفور بسهولة. فأنا مثلا ذهبت في الفترة الأخيرة إلى واشنطن للاستماع إلى إريك شميت، رئيس غوغل التنفيذي، حيث تحدث عن رخاء الفرد وزيادة قوته مع مشاركة القرويين الصينيين والهنود في التواصل عبر الانترنت، وبعث ذلك الأمل في نفسي، ثم ذهبت للاستماع إلى سياسيين في مؤتمر ميونخ للأمن، حيث راحوا يؤكدون على تهديدات الإرهاب والدول الفاشلة والسياسة الأميركية الانفرادية وغياب القانون.

ولكن أكثر النقاط قوة كانت تلك التي أثارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث هزأ بشكل شخصي من الرئيس بوش أكثر من كونه رغب في إعلان عن العداء للولايات المتحدة. والأكثر من ذلك كان هدفه في ما بدا تعزيز موقع الروسي الآخر الموجود في المؤتمر، سيرغي ايفانوف.

وتحدث ايفانوف حول التعاون الروسي ـ الأميركي. وإيفانوف هو أيضا من ضباط الـ«كي جي بي» السابقين، وهو يتحرك الى موقع يؤهله لخلافة بوتين. وفي موسكو تم تقديمه باعتباره رجل دولة. وعزز بوتين حظوظ ايفانوف كي يخلفه في الرئاسة من خلال تعيينه نائبا لرئيس الوزراء بعد خمسة أيام على خطاب الرئيس الروسي في ألمانيا.

وتعكس مساعي الرئيس الروسي التحول الذي جرى داخل روسيا بحيث أصبحت الضرورات الأمنية القومية أكثر أهمية من القضايا الاقتصادية. وتستمر حاليا دورة نمو الاقتصاد العالمي بشكل قوي نسبيا ويتجاوز توقعات الخبراء، فيما بإمكانك أن تجادل لصالح أو ضد السياسات الاقتصادية. وفي هذه الفوضى تصبح قضايا السياسة الخارجية أكثر أهمية في الحملات الانتخابية في شتى أنحاء العالم. وكان من ضمن المستمعين لخطاب بوش في المؤتمر السيناتور جون ماكين وهو من المتنافسين الجمهوريين الأقوياء للوصول إلى الرئاسية، واعتبر ماكين ضربات بوتين بأنها «عدوانية»، لكنه أضاف بسرعة أن الأميركيين سيستمرون في العمل مع روسيا. لكن ذلك لا يشمل السيناتور هيلاري كلينتون، المتنافسة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية، إذ أنها قررت البقاء بعيدا عن مؤتمر كان خطابها فيه قبل عامين قد ترك صدى كبيرا. وفي هذه المرة فضلت ألا توضع في موقع تضطر معه انتقاد إدارة بوش أو المتنافسين الديمقراطيين حول العراق من منصة أجنبية.

وبدلا من ذلك ذهبت الى نيوهامبشاير لانتقاد إدارة بوش بشأن العراق، ومن أجل تحقيق تفوق على منافسيها الديمقراطيين. ويأمل الاستراتيجيون الجمهوريون أنها الآن «ستتعقب جون إدواردز الى اليسار» لمجابهة برامجه الاقتصادية الشعبوية، وبالتالي يضعف موقعها القوي في إطار المركز الانتخابي حول الأمن القومي.

وهذه الآلية مماثلة لما هو موجود في الديمقراطيات الأخرى. فرئيس الوزراء الفرنسي دومنيك دوفيلبان لا يحصل على الكثير في إطار مصداقيته السياسية، عندما يعلن أن البطالة انخفضت على نحو منتظم في فترة ولايته. وقلبت سيغولين رويال، المرشحة الاشتراكية للرئاسة، حملتها التي كانت في الطليعة إلى موقع ثان عبر تخبطات في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، تجعلها تبدو قليلة الخبرة وتتسم بالازدواجية. (في الثانية قد يتسامح معها الفرنسيون ولكن ليس في الأولى).

وأما في ألمانيا فالمستشارة الألمانية تقف على رأس تحالف يعاني من مأزق واقتصاد مزدهر على نحو مثير للدهشة. ولا حاجة بنا إلى أن نسهب في الحديث عن كأس توني بلير الاقتصادية الذهبية المسممة سياسيا في بريطانيا.

وقد أفرز التمويل الوافر في الأسواق العالمية، والثقة الواسعة في قدرة البنوك المركزية الحالية على السيطرة على التضخم، نظاما ماليا دوليا نشطا وقادرا على التعويم، فيما تخلق تقلبات أسعار النفط توترا وضغطا سيكولوجيا هائلا على المستهلكين الغربيين، ولكنها لم تخرج النمو عن مساره حتى الآن. والشاهد هنا أن هناك على الدوام قلقا بشأن تجاوز الأسواق أهدافها، خصوصا عندما يكون هناك شبح تتبخر معه مكافآت المخاطر. ولكن تجار اليأس السياسي يبالغون في ذلك، وهم يستغلون الأدوات الجديدة للاتصالات. ومن هنا تأتي نصيحتي لكم: خذوا نفسا عميقا وانظروا إلى ما يدور حولكم واقضوا وقتا في الحياة أطول من وقتكم على الانترنت، أو في صيغ أخرى من الواقع الافتراضي.

* خدمة «مجموعة كتاب
واشنطن بوست» ـ
خاص بـ«الشرق الأوسط» [line]
الأنا والآخر

إبراهيم شرفي أبو ساق

الوطن

في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، تحولت ألمانيا من دولة ديموقراطية إلى دولة دكتاتورية تلهث خلف تمجيد أيديولوجيتها النازية. لم يسمح النازيون لفئات المجتمع الألماني أن تخالف أو تعارض أيديولوجيتهم. أصبح الزي العسكري يميز النازي من غيره، مكّن هذا الزي الذي يرتدونه من تحقيق مكانة اجتماعية سريعة، بالإضافة إلى تملكهم لسلطة ونفوذ في المجتمع. أملت عليهم أيديولوجيتهم بأنهم أحسن البشر، وأفضل الأمم، فلم يعد يهمهم الآخرين من فئات مجتمعهم أو من شعوب وأمم الأرض الأخرى، بل استحقروها ونفوها وفي النهاية حاربوها. من غير الآخرين من شعوب الأرض وأممها، وقف النازيون أحاديي التفكير، اعتقدوا بصفاء جنسهم ونقاء هويتهم ورقِي فكرهم وسمو غايتهم دون غيرهم. عندما تخلت ألمانيا عن ديموقراطيتها فإنها تخلت عن منظومة أفكار ومبادئ وقيم تمثل بمجموعها ثقافة القبول بالآخر، غير مدركين بأهمية الآخر كمحدد من محددات تفكيرهم لمستقبلهم وهويتهم.
علاقة الأنا والآخر علاقة فلسفية معقدة لا يمكن أن تستعرض بشكلها الكامل في مقال محدود كهذا، ولكن يمكننا أن نلامس بعض جوانب هذه العلاقة التبادلية بين الطرفين. كأي علاقة بين طرفين، فإن علاقة الأنا والآخر علاقة لها سلبياتها كما أن لها إيجابياتها. ما يهمنا هنا هو معرفة كيفية تنشيط الجوانب الإيجابية ما بين الأنا والآخر كي لا تكون هناك سيطرة أيديولوجية أحادية التفكير ترفض الآخر وتنفيه وتقصيه وتقطع التعامل معه كما حدث لألمانيا النازية. عادةً ما يفسر الخاطئون من المتأدلجين فكرياً بأن علاقة الأنا والآخر هي علاقة تنافر، مستدلين بأن ماهية الأنا تختلف وتناقض ماهية الآخر، من هنا فإنهم لا يؤمنون بإمكانية تناسقهما وتلاؤمهما. حقيقة الأمر بأن هذه العلاقة ثنائية انسجامية وتكاملية، أي إن الأنا يمثل شرطا أساسيا لوجود الآخر، وكذلك يمثل الآخر شرطا أساسيا لوجود الأنا. لا شك بأن الاعتراف والإقرار بحق الاختلاف فيما بين الأنا والآخر يمثل تصديقا أخلاقيا يجب احترامه، ينبع منه قبولنا بالتعددية والتنوع في الأديان والأفكار والأعراق كمكونات رئيسية لمجتمع إنساني يتسم بالتطور والتجدد والتفاعل المستمر، أي إن التعددية والتنوع مصدر قوة لأي مجتمع، فقط عندما تكون علاقة الأنا والآخر علاقة انسجامية وتكاملية وليست علاقة تنافر وتعارض. من هنا نجد أن التعددية والتنوع الاجتماعي والقبول بهما (أي القبول بالآخر) تؤدي إلى ارتقاء الفكر والأداء الاجتماعي، فيصبح المجتمع ذا ديناميكية ابتكاريه متجددة تسمو بمستوى الحياة الاجتماعية وتملؤها ثراءً وتنوعاً. التنوع في الآراء وفي التعبير عنها (والقبول بها) لا يعني التناقض بل إن التباين بين فئات المجتمع يمثل عامل دفع وحافزا للحركة والتجديد المستمر وبهذا لن يكون المجتمع جامداً أو خامداً أو مأسوراً للأنا وأحاديتها.
إقصاء وإبعاد الآخر إما سياسياً أو دينياً أو ثقافياً... يعني عدم الاعتراف بوجوده وهذا يؤدي إلى صراع. من خلال هذا الصراع، يحاول الآخر أن يثبت وجوده للأنا، وتحاول الأنا أن تثبت عدم حاجتها للآخر، فالأنا مستعلية تؤمن بكمالها وتمامها. التفكير المتأدلج يرى أن الاعتراف بالآخر يعبر عن نقص الأنا، وهذا غير مقبول لدى أصحاب هذا الفكر. فحين أن أصحاب الفكر المعتدل يرون أن الاعتراف بالآخر شرطا ضروريا لاستمرار تطوره وتقدمه وتحضره. من هنا فإن الحفاظ على تواجدهما (الأنا والآخر) يعتبر البنية الأساسية لخلق مجتمع متوازن ومستقر، قادر على التقدم والتحضر. علاقة الأنا والآخر علاقة "وحدة مع تباين"، فعندما يفشل المجتمع في معرفة وتقدير "نعمة الاختلاف" ويفشل في معرفة "فضل التعددية والتنوع" فإن هذا يؤدي إلى فشل اجتماعي يؤدي بدوره إلى الصراع المتعمق في تاريخ الصراعات البشرية على مدى العصور والدهور وسوف يجد أن أسباب الكثير من هذه الصراعات يرجع في المقام الأول إلى فشل اجتماعي بين فئات المجتمع الصغير أو دويلات المجتمع الكبير، وعادةً ما تكون أحادية الأنا المؤدلجة وقوداً لهذه الصراعات وسبباً في تفريق المجتمعات.
عندما يفشل مجتمع ما في خلق علاقة تبادل ثقافية بين الأنا والآخر، وعندما لا تؤثر منظمات ذلك المجتمع الإنشائية والتربوية والتعليمية في تحقيق ثقافة التفاهم والتعايش مع المجتمعات الأخرى فإنه لا بد من العمل على خلق ثقافة حوار تهدف إلى تطوير بنيات المجتمع العقلية والثقافية كي لا يستمر ذلك المجتمع في تقوقعه. من الأسباب التي تؤدي إلى سيطرة الأنا ذات الأحادية التفكيرية تسويق وترويج وفرض أيديولوجية معينة لا يسمح لفئات المجتمع بمعارضتها أو الاختلاف معها، كما كان الحال مع ألمانيا. عندما ترفض الأنا الحوار وتتقوقع على نفسها وتنظر إلى ذاتها بنظرة لا يأتيها الباطل لا من خلفها ولا من أمامها، فإنها تسعى إلى الانفصال بذاتها أو السيطرة على الآخر من خلال مصارعةً الآخر وبالتالي فإنها سوف تقود المجتمع إلى التخلف والجهل والهلاك الثقافي. الحوار المستمر ومحاولة إدخال الأنا فيه يمثل أسلم الحلول وأفضلها، فمن خلال الحوار يتم تبادل الآراء والمجادلات والأفكار وبفضلها يتطور الفكر ويتحرك المجتمع نحو مستقبل آمن لكل أفراده.
علاقة الأنا والآخر السعودية علاقة حوارية تحت التأسيس، وهذا شيء طيب جداً إذا ما عرفنا بأن مجتمعنا لم يعرها اهتماماً إلا من سنوات قليلة. ولكن هذا لا يعني بأننا حققنا المستوى المطلوب في مجالات ثقافية وفكرية وتحاوريه متعددة. أي إننا لا نزال نحتاج سنوات طوالا من الحوار والتبادل المشترك بين الأنا والآخر السعوديين، وبيننا وبين الشعوب والثقافات الأخرى. حوارنا الوطني يمثل أحد أهم إنجازات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظة الله، يقف شاهداً على حكمته وإدراكه بأهمية خلق علاقة قوية بين أفراد وفئات المجتمع السعودي من أجل ضمان أمن واستقرار وتطور وتقدم هذا المجتمع. الحوار الوطني وسيلة فعالة إلى حد كبير ساهم في خلق فكر معتدل، من خلاله سوف تتقدم وتتحضر مملكتنا الغالية، لن تكون مأسورة لفكر أحادي، بل إن التعددية والقبول بها سوف تكون سمة تميز مجتمعنا، ففي الاختلاف نعمة، نشكر الله سبحانه عليها، وفي التباين حركة وتقدم.

* أستاذ جامعي/جامعة مانشستر[line]
رجاء وفروا علي كلمة "إرهابي"

روبرت فيسك

الوطن

إذا، فقد عادت نغمة الإرهاب، الإرهاب، الإرهاب هذا الأسبوع. حزب الله الذي يصفونه بـ"الإرهابي" كان يحاول تدمير "الحكومة المنتخبة ديموقراطياً" للسيد فؤاد السنيورة في لبنان. وحركة حماس التي يصفونها بـ"الإرهابية" لا يسمح لها بحكم فلسطين. و"الإرهابيون" الإيرانيون في العراق سوف تستهدفهم القوات الأمريكية.
العبارة المفضلة لدي هذا الأسبوع جاءت من "المصدر الأمني" - وما تزال الكيفية التي يصبح فيها المرء مصدرا أمنيا غير مفهومة بالنسبة لي- الذي صرح:"الإرهابيون يبحثون دائما عن طرق جديدة لإشاعة أعمال الإرهاب... وليس هناك حد للاحتمالات التي يمكن أن يحاول الإرهابيون من خلالها أن يتسببوا بأعمال إرهابية ضد أبناء الشعب." حسنا، كان بإمكان ذلك أن يخدعني.
لبنان مكان جيد مثل غيره لكشف مدى تفاهة الحديث الذي يصدر عن تجار "عن الإرهاب". فهنا يفترض أن يكون الوحش الإيراني كامنا في شوارع بيروت في إطار محاولته للقيام بانقلاب ضد السنيورة ووزرائه.
السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله، هو الرجل الذي حاولت إسرائيل عبثا أن تقتله طوال الصيف الماضي، وظهوره بلحيته السوداء وعباءته السوداء على قناة المنار التابعة لحزب الله يشكل مصدر غضب لكل من إيهود أولمرت و-هذه الأيام- لرجال السنيورة في الحكومة.
صحيح أن حسن نصر الله -وهو شخص ذكي كان قائدا عسكريا سابقا لحزب الله في الجنوب اللبناني- يرسم لنفسه صورة قائد لجماعة دينية. ملامحه الضخمة تهيمن على طريق مطار بيروت، ويده العملاقة تلوح للسائقين في كلا الاتجاهين. وهذه الأيام، بإمكان المرء أن يشتري قمصان خاصة بحزب الله وسلاسل مفاتيح خاصة بحسن نصر الله. ولكن بشكل ما فإن كلمة "إرهاب" ليست ما يقفز إلى الذهن.
هذا الأمر يعود إلى حقيقة أن عشرات آلاف الشيعة الذين يمثلهم حزب الله يقومون بثورة اجتماعية وليس بانقلاب، انتفاضة جماهيرية للفقراء الذين تم تجاهلهم تاريخيا من قبل العظماء والخيرين في المجتمع اللبناني.
الرجال الذين في مدينة الخيام وسط بيروت يمثلون رمزا قويا في لبنان. فهم يدخنون النرجيلة ويلعبون الورق وينامون بصورة عشوائية قرب المدينة الجديدة البراقة التي أعاد رفيق الحريري بناءها من وسط ركام بيروت - مدينة تثير إعجاب الأجانب ولكنها مدينة لا يستطيع الفقراء القادمون من جنوب لبنان أن يشتروا فنجانا من القهوة فيها.
نظرية الحريري - أو على الأقل هكذا شرحها لي قبل مقتله- هي أنه إذا أعيد بناء وسط بيروت فإن الأموال التي سيولدها ستمتد إلى باقي أنحاء لبنان.
لكن ذلك لم يحدث. كان الأثرياء فقط هم الذين يستمتعون بأضواء وسط بيروت الساطعة ويستطيعون شراء عقارات فيها، وكان أمثال جاك شيراك يبدون إعجابهم بها، لكن تلك الأضواء لم تكن للشيعة الفقراء. بالنسبة إليهم، كان حزب الله يقدم الخدمات الاجتماعية والأسس الاقتصادية للمناطق التي كانوا يعيشون فيها من لبنان، بالإضافة إلى رأس الحربة العسكري الذي يضرب إسرائيل ويطالب بإعادة مزارع شبعا.
ربما كانت الحكومة اللبنانية تمتلك جنودا اختلطوا مع قوات حفظ السلام الدولية الجديدة في الجنوب، ولكن لا أحد يشك أن حزب الله لا يزال في قراهم قويا وفعالا كما كان دائما. النظرية الحريرية فشلت على ما يبدو، والآن عاد صديق الحريري القديم فؤاد السنيورة - والذي بالمناسبة لم يتم انتخابه مطلقا (بل تم تعيينه في منصب رئيس الوزراء مع أن المرء لا يمكنه أبدا أن يعرف ذلك من مشاهدته للتلفزيون الغربي) - من باريس ليجلس مرة أخرى في منطقته الصغيرة الشبيهة ب "المنطقة الخضراء" في بغداد، محاطا بالأسلاك الشائكة والجنود، وخارج أبواب السراي يقف فقراء جنوب لبنان وضواحي بيروت الجنوبية.
شركاء حزب الله في الانتخابات مثيرون للاهتمام أيضا. الجنرال ميشيل عون - الذي لم يصل الأمر بالأمريكيين بعد لإطلاق صفة "إرهابي" عليه - هو الزعيم المسيحي الذي يسمح لنصر الله أن يدعي بأن المعارضة ليست طائفية. دخل أنصار عون في اشتباكات متفرقة مع أنصار سمير جعجع من القوات اللبنانية الأسبوع الماضي وكان من اللافت للانتباه مدى فقر بعض أنصار ميشيل عون أيضا. وفي الحقيقة فإن ميشيل عون نفسه كان قد ولد في نفس المناطق الفقيرة جنوب بيروت التي تعتبر معقل حزب الله، واتهامه الدائم للحكومة بأنها فاسدة بدأ يؤثر في المجتمعات المسيحية في بيروت الشرقية.
وبالطبع فإن الأزمة في لبنان تتعلق بإيران وسوريا أيضا، خاصة بتصميم إيران على إيذاء أو تحطيم أية حكومة في الشرق الأوسط كسبت صداقة الولايات المتحدة. في الأحداث المتصاعدة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران (وإسرائيل طبعا)، لبنان مجرد لعبة أخرى يستخدمها الجانبان. وهكذا انبرت أمريكا للدفاع عن ديموقراطية لبنان -مع أنها لم تبد أي اهتمام بها عندما قصفت إسرائيل البلد في الصيف الماضي- فيما تستمر إيران في دعم حزب الله الذي استقال وزراؤه من الحكومة السنة الماضية، مما أثار الأزمة الحالية.
يقال إن حسن نصر الله شخصيا فوجئ بحجم أعمال العنف والكراهية التي ظهرت في الحرب الأهلية المصغرة في الأسبوع الماضي التي استخدم فيها السنة والشيعة بنادق ضد بعضهم البعض للمرة الأولى. لكن أنصاره جاؤوا من أحيائهم الفقيرة لقتال إخوانهم في الدين أيضا وأعتقد أنه -عندما ينتهي هذا الصراع الأخير- سيكون هناك تقييم جاد للطبيعة المتفجرة لأحزمة الفقر في لبنان، إعادة دراسة لبلد يغسل أثرياؤه الأموال التي لا تصل إلى الفقراء مطلقا، والذي تفتح مطاعمه الفرنسية وبيوت الأزياء الإيطالية فيه أبوابها للسياح الأثرياء فقط، بلد تبدو حكومته -بغض النظر عن الديموقراطية التي أوصلتها للحكم- بعيدة عن فهم المجتمع الديني الكبير الذي يحيط بها.
ولكن فيما تستمر حكاية لبنان، أرجوكم أن توفروا علي كلمة "إرهابي".

*كاتب بريطاني، خدمة الإندبندنت (خاص/الوطن)[line]

castle
24-02-2007, 06:08 PM
السبـت 06 صفـر 1428 هـ 24 فبراير 2007

بين إيران وكوريا الشمالية : ضريبة التردد

توماس فريدمان

الشرق الاوسط

تذكرني مشاهدة فريق بوش وهو يتصارع مع إيران وكوريا الشمالية والعراق بشيء كان من المعتاد قوله عن إدارة ريغان: اليد اليمنى لم تعرف أبدا ما الذي كانت تفعله اليد اليمنى القصوى.

والحقيقة أن رهاني هو انه عندما يُكتب التاريخ الحقيقي لفريق بوش سنكتشف، على النقيض من الصورة المعتنى بها لعالم منضبط يعمل وفق مبادئ محافظة راسخة، أن إدارة بوش كانت في الواقع واحدة من أكثر الإدارات المنقسمة داخليا.

وعندما اعتبر جون بولتون، سفير بوش لدى الأمم المتحدة، صفقة الرئيس الأخيرة مع كوريا الشمالية «تمثيلية تحذيرية» فقد ألقى أضواء على الانقسام الداخلي الأكبر لكل فريق بوش المتعلق بكيفية التعامل مع أنظمة منبوذة، أي المفاضلة بين تغيير النظام أم تغيير السلوك.

وقال روبرت ليتواك، الذي نشر مؤخرا كتابا بعنوان «تغيير النظام: الاستراتيجية الأميركية عبر الحادي عشر من سبتمبر»، انه بشأن إيران وكوريا الشمالية فان «هذه الإدارة ليست لديها سياسات واضحة، وإنها تستخدم الدوافع، وشعارها هو أن كل الخيارات موضوعة على الطاولة، ولكن المأزق هو أن الكثير من الأهداف موضوعة على الطاولة أيضا».

وبسبب أن هذه الإدارة منقسمة منذ زمن بعيد بشأن إيران وكوريا الشمالية حول تغيير النظام أو تغيير السلوك، فإنها لا تستطيع السير في أي من الاتجاهين. وكل ما لديها هو أن إيران وكوريا الشمالية لديهما برنامج أسلحة نووية. والرئيس بوش يعترف بذلك ويحاول الآن معالجة الوضع. وقد واجه كلينتون انتقادات لأنه اتخذ عددا من قرارات «الغولف» المترددة أكثر من أي رئيس آخر. وسيجري تذكر بوش بسبب اتخاذه عددا من قرارات السياسة الخارجية المترددة أكثر من أي رئيس آخر.

وبشأن كوريا الشمالية قرر الرئيس أخيرا التركيز على تغيير السلوك. وتوصل إلى اتفاقية منطقية تماما الأسبوع الماضي مع كيم جونغ ايل لإخراج بلاده من قائمتنا للدول الإرهابية وتطبيع العلاقات شريطة أن يتخلى كيم عن برامجه النووية.

ولكن كان من الممكن التوصل إلى اتفاق مماثل قبل سنوات ـ عندما كانت كوريا الشمالية تملك قنبلتين فقط وخلال فترة الجدل شيد كيم ترسانة عسكرية، وأضاف 6 قنابل إلى 12 قنبلة أخرى. وإذا ما أمكن تطبيق ذلك الاتفاق، وهو أمر غير مؤكد حتى الآن، فإن السنوات الضائعة لن تصبح كارثة. وإذا لم ينفذ، فستصبح مكلفة للغاية. لماذا نعتقد انه بعد سنة من قول بوش لنا أننا «مدمنون على النفط» ليس لدينا خطة جادة لإنهاء هذا الإدمان؟ لأن أصوليي السوق في البيت الأبيض بقيادة ديك تشيني، الذين يعارضون أي جهود حكومية لفرض حد أقصى على ثاني اوكسيد الكربون أو ضرائب للترويج للطاقة لبديلة، على طريقة كاليفورنيا ـ يستمرون في عرقلة برغماتيي السوق الذين يفعلون ذلك. ولا يتدخل بوش.

المفارقة في العراق هي انه المكان الذي اختار فيه بوش تغيير النظام، ولكنه نفذه بطريقة في غاية السوء، وبقوات غير كافية، بحيث لم يصبح أمام العراق فرصة. وإذا ما قضى رامسفيلد وديك تشيني مزيدا من الوقت يخططون لإسقاط صدام حسين، مثلما فعلا لإسقاط كولن باول، لأصبح العراق اليوم سويسرا. ان زيادة القوات في العراق اليوم هي خطوة متأخرة ـ فالرئيس يحاول ان يفعل في العام الحالي ما الذي كان عليه القيام به في عام 2003. وبين التاريخين دفعنا الثمن. كيف يمكننا تجنب ذلك مع إيران؟ دعونا نضع اتفاقية واضحة على الطاولة: علاقات دبلوماسية كاملة، ضمانات أمنية وآلاف من تأشيرات الدخول للطلبة الإيرانيين، إذا ما وضعت إيران برنامجها النووي تحت إشراف الأمم المتحدة وتوقفت عن تأييد الإرهاب. وإذا لم يحدث ذلك المزيد من العقوبات والعزل. مثل هذا العرض سيمنحنا بعض القوة ويوحدنا مع حلفائنا خارج إيران، وينشط حلفاءنا داخلها ويجبر قادة إيران على خيارات صعبة.

ويقول ليتواك: «حل التناقضات في واشنطن سيؤدي إلى تعزيز التناقضات في طهران. وأعتقد أن علينا الامتنان لبوش في محاولته إصلاح بعض الأخطاء، ولكن دفعنا ثمنا ضخما غير ضروري. وذلك السبب الذي يجعل من الأفضل دائما اتخاذ القرار الصحيح منذ البداية.

* خدمة «نيويورك تايمز»[line]
الانسحاب البريطاني من العراق : ما له وما عليه

بارتل بريس بول

الشرق الاوسط

ربما يبدو قرار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بتخفيض بلاده لقواتها في العراق بنسبة 30% خلال الستة الأشهر القادمة، واحتمال الانسحاب الكامل في عام 2008، واستعداد القوة الدنماركية للعودة إلى بلادها، ربما تبدو نهاية «تحالف الراغبين» وضربة حادة للآمال الاميركية.

وبالرغم من ذلك ربما يتعلق قرار بلير، وأنا اعلم مدى عدم شعبية وجود القوات البريطانية في العراق بين ناخبيه، بالحكمة الاستراتيجية كما يتعلق بالسياسات الداخلية.

والحقيقة هي أن القوات البريطانية تخلت عن محاولاتها الفوز بالحرب في جنوب العراق منذ فترة طويلة، وربما حققت أكثر مما يمكنها تحقيقه. فعلى العكس من التذمر بين العديد من الاميركيين، نفذوا الكثير من الأعمال الجيدة في جنوب العراق. لقد شاهدت بنفسي دوريات القوات البريطانية في الاهوار والريف، كما شاهدت العراقيين الممتنين وهم يسرعون لطلب مساعدتهم في التوسط في الخلافات القبلية أو تقديم المزيد من الحماية من المليشيات.

وهنا لا بدّ من شكر للقوات البريطانية وحمايتها، فقد تم القضاء على جهود صدام حسين لتصفية الاهوار الجنوبية. فقد عادت الاهوار الى 40 في المائة من حجمها الأصلي مع سحب الدول المجاورة لـ 75 في المائة من مياه نهري دجلة والفرات قبل وصولها للعراق، فليس من المرجح أن الاهوار ستعود إلى ما كانت عليه في الماضي.

وعندما زرت بساتين النخيل بالقرب من البصرة في العام الماضي، ذكر لي المزراعون العراقيون أن الطائرات البريطانية رشت ما يقرب من 100 الف نخلة بالمبيدات الحشرية، مما ساعد في مضاعفة إنتاجها على ما كان عليه أيام حكم صدام حسين. وأصر واحد من الرجال على ضرورة زيارة المقبرة البريطانية القديمة في بغداد. وقال «لقد كانت مقبرة جميلة. وشواهد القبور سليمة. لقد أزلتها، حتى لا يمكن لأحد تدميرها».

والنجاح البريطاني نجاح سياسي أيضا. ففي الجنوب كانت الانتخابات والعمليات الدستورية أكثر نجاحا في إطار الأمن والحصيلة مما كان في أي مكان آخر في البلاد. ولم تكن هناك انتفاضة شعبية ضد الوجود البريطاني.

صحيح انه بعد اقتحام فوج الحراس (كولدستريم) لمركز شرطة في البصرة عام 2005 لتحرير اثنين من أفراد قوات العمليات الخاصة كانا أسيرين، احتلت صورة حارس على متن عربة مدرعة كانت تشتعل فيها النيران مكانها المميز في الصحف في مختلف أنحاء العالم، لتعطي الانطباع عن مدينة ومنطقة ملتهبة. ولكن الواقع مختلف تماما. ففي ذلك اليوم كان الحشد الغاضب لا يزيد على 200 شخص، وهذا في مدينة يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، بعد عامين من الحرب.

وحتى خلال الأشهر الـ 12 الأخيرة لم يكن وضع الجيش البريطاني في الجنوب سلبيا كما ينظر إليه على نطاق واسع خارج العراق. ففي إحدى الليالي في ديسمبر الماضي، وفي محاولة ناجحة للاستيلاء على مستودعات أسلحة واعتقال زعماء إرهابيين، نفذت قوات بريطانية يزيد عددها على ألف في البصرة، وباستخدام طائرة إنزال سريع، وعشرات من العربات المدرعة والدبابات، أكبر عملية هجومية لقوات التحالف منذ الغزو.

ولكن على الرغم من تلك النجاحات يبدو أن البريطانيين لم يخططوا لـ«النصر» في جنوب العراق. وبدأ الانسحاب البريطاني من العراق بعد الغزو مباشرة تقريبا. فالوجود البريطاني في الجنوب، الذي وصل إلى 46 ألف في ابريل 2003، بات بحدود عشرة آلاف منذ مايو 2004.

وهدف القوات البريطانية، غير المستعدة وغير القادرة على تطهير الشوارع، ومناطق الريف في ميسان وذي قار والمثنى والبصرة من المسلحين المتطرفين، الذين يشكلون التهديدات الرئيسية للنظام والقانون في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية، هدفها هو ضبط الأوضاع إلى أن تتوفر لها ظروف المغادرة. فلم تكن لديها الموارد أو التفويض للفوز بحرب ضد فيلق بدر المدعوم إيرانيا، أو جيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر. وإذا كان لهذه القوات الشيعية المنافسة أن تبدأ نزاعا، فهناك القليل مما يمكن للبريطانيين القيام به للتدخل في الأمر.

وعلى الأميركيين أن يتذكروا أن الوضع في الجنوب مختلف تماما عما هو عليه في بغداد والمثلث السني. ففي محافظة الأنبار الدموية تتبدل شروط اللعبة، ووجود الأميركيين يساعد على إقناع العشائر المحلية بالوقوف ضد «القاعدة». وفي بغداد يعبر سكانها باستمرار عن أمنيتهم بعودة الأميركيين إلى أحيائهم بعد تطهيرها، وتحركهم صوب مناطق أخرى. لكن ليس هناك منطقة كبيرة في البصرة تطالب ببقاء البريطانيين.

ولعل الحجة القائلة إنه كلما بقيت قوات التحالف في العراق لفترة أطول ، سمحنا للعراقيين بتجنب حل مشاكلهم في ما بينهم، صحيحة، كي تغادر قوات التحالف العراق تماما. ولحد ما هذه النظرة ساذجة للغاية: ففي بغداد والمثلث السني، المشاكل حادة جدا، بما يسمح بمغادرة العراق وإحلال قوات الأمن الحديثة العهد محلها، فيما القوات الموجودة في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية، أقل تهديدا من أي أماكن أخرى.

وعلينا أن نذكر هنا أن دولة العراق ظلت محكومة تاريخيا بالعنف الداخلي. وهي على عكس المزاعم التي تقول إن البلد هو مفهوم زائف أوجدته الإمبريالية الغربية، فهو قد ظل بلدا واحدا لأكثر من أربعمائة سنة ضمن الحدود الحالية. وكان خلال الحكم العثماني ذا طابع فيدرالي ضعيف.

والأسبقية الآن هي إعطاء العراقيين أفضل الشروط كي يحققوا أفضل ما يمكن لبلدهم: أن يكون موحدا وأن يعاني أقل من العنف الداخلي مما عاشه في السابق؛ وألا يكون عنصر تهديد لجيرانه أو لنا؛ وأنه من خلال أمثلة داخلية جيدة وبتوفر اليسير من الحكومة الممثلة للجميع، يكون هناك أمل وآليات لتحسين نفسها بنفسها.

هذه هي مقاربة يمكن تكييفها كي تناسب كل منطقة، وفي جنوب العراق يبدو واضحا أن الوقت قد حان كي يحاول العراقيون أن يجربوا إن كانوا قادرين على النجاح أم الفشل لوحدهم.

*خدمة «نيويورك تايمز»[line]
ضياع حدود الدولة الفلسطينية!

أحمد سعيد نوفل

الحياة

بعد لقاء كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في نهاية الشهر الماضي، شدد ابو مازن على رفضه الاقتراح الأميركي بإقامة دولة فلسطينية ذات حدود موقتة. ثم جاء اللقاء الثلاثي الأخير بين رايس والرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت، من أجل تنشيط عملية السلام في الشرق الأوسط بإعادة طرح مشروع الدولة الفلسطينية الموقتة من جديد. وتضغط الإدارة الأميركية في هذا الاتجاه، لأنه سيؤمن حدوداً دائمة لإسرائيل خلف الجدار العنصري الذي بدأت ببنائه منذ سنوات، مقابل إقامة دولة فلسطينية موقتة الحدود حاليا، كي تصبح تلك الحدود دائمة خلال السنوات الخمس القادمة. ومن أجل الإسراع في تنفيذ هذا المشروع، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارا بتعديل مسار جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، بإبعاد مرور الجدار عن الخط الأخضر وبعمق خمسة كيلومترات داخل الأراضي الفلسطينية بالقرب من رام الله والبيرة، وذلك كي يضم ثلاث مستوطنات إسرائيلية، اقيمت فوق أراضي خمس قرى فلسطينية، مما سيؤدي إلى محاصرة 20 ألف فلسطيني يقطنون في تلك القرى. وجاء تغيير المسار الذي أقره رئيس الحكومة الإسرائيلية، بعد شكوى تقدم بها سكان مستوطنتين يبلغ عددهم 1500 مستوطن، إلى أولمرت مطالبين بضمهما إلى داخل الجدار العنصري، قبل رسم الحدود الدائمة لإسرائيل.

وفي الوقت نفسه، اتخذت اللجنة الرباعية في اجتماعها الأخير في واشنطن قرارا بضرورة اعتراف الحكومة الفلسطينية بخريطة الطريق، التي تتناقض مع بناء الجدار العنصري. ومع أن محكمة العدل الدولية كانت قد اتخذت قرارا بعدم شرعية بناء الجدار وطالبت بهدمه، إلا أن الولايات المتحدة التي تطالب حركة «حماس» بالاعتراف بخريطة الطريق وقفت ضد تنفيذ قرار المحكمة الدولية الذي يتناقض معها.

والقرار الإسرائيلي الجديد في تغيير مسار الجدار العنصري يضاف إلى ما كانت إسرائيل قد بدأته في بناء الجدار في منتصف عام 2002، يرسم الحدود التي تريدها إسرائيل. والجدار العنصري عبارة عن منظومة أمنية وسياسية متكاملة. ويتكون من سلسلة من الجدران الإسمنتية بارتفاع ثمانية أمتار وطريق لدورية عسكرية باتجاهين وأبراج مراقبة محصنة، وأسلاك شائكة مكهربة وطرق لكشف أقدام العابرين وأجهزة الكترونية، ومناطق فلسطينية قريبة من السياج محظور على الفلسطينيين الاقتراب منها، تعلوه أسلاك شائكة وحواجز وخنادق بعمق أربعة أمتار على الجانبين وممر ترابي لاقتفاء الأثر، وسياج الكتروني داخل أراضي الضفة الغربية. وأدى الجدار إلى اقتلاع ثلاث وثمانين ألف شجرة زيتون، ومصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية بطول 126 كلم مربع. وتقول إسرائيل إن الجدار سيمتد من الشمال إلى جنوب الضفة الغربية بمحاذاة الخط الأخضر.

وطبقا للخطة التي أعدتها الهيئة الأمنية الإسرائيلية، فإن جدار الفصل سيشمل في الجزء الذي سيقام إلى الشرق من مدينة القدس مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية القريبة من القدس، كمستوطنة معاليه ادوميم، ومنطقة ميشور ادوميم ومستوطنة كفار ادوميم، إضافة إلى عدد من القرى الفلسطينية مثل عناتا وحزما. وسيمتد الجدار في طرفه الشرقي حتى «طريق الون» ومنطقة وادي القلط القريبة من أريحا، ومن الجهة الشمالية للقدس حتى بلدة الرام ومطار قلندية.

وحسب دراسة أعدها مركز المعلومات الوطني الفلسطيني التابع للهيئة العامة للاستعلامات الفلسطينية، فإن الجدار سيلتهم مساحة 1328 كلم2 أي ما نسبته 14.23 في المئة من مجمل أراضي الضفة الغربية، يعيش فيها 700 ألف فلسطيني أي حوالي 30 في المئة من سكان الضفة الغربية، منهم 276 ألف حول مدينة القدس وحدها. وسيخضع الفلسطينيون لرقابة إسرائيلية مشددة، كمنعهم من التحرك في الليل. أما في النهار فسوف يتحركون بعد الحصول على تصاريح إسرائيلية. وبسبب مساره المتعرج داخل الأراضي الفلسطينية، فإن الجدار سيتوغل في بعض المواقع في عمق الضفة الغربية، مما سيؤدي إلى أن يصبح طول الجدار عند انجازه أربعة أضعاف طول الخط الأخضر.

وتهدف إسرائيل من بناء الجدار الى تحقيق الأهداف التالية:

1- وضع أعداد كبيرة من اليهود في الضفة الغربية، مع أقل عدد من الفلسطينيين في الجانب الغربي من الجدار، لتحقيق تفوق كبير في عدد سكان اليهود في إسرائيل. لأن بعض التوقعات الإسرائيلية تخشى أن يصبح عدد اليهود 42 في المئة مقابل 58 في المئة من العرب في فلسطين التاريخية في عام 2020 من مجموع عدد السكان الذي سيصبح 15.2 مليون نسمة.

ولهذا فإن أنصار بناء الجدار يرون أن فصل سكان إسرائيل عن الفلسطينيين في الضفة الغربية والقطاع، سيحافظ على استمرار التفوق الديموغرافي اليهودي. ومن خلال تعرجات الجدار داخل الأراضي الفلسطينية، يلاحظ التفافه على الأراضي الفلسطينية كي تكون داخل حدود إسرائيل، وإخراج الفلسطينيين إلى خارج الجدار. بمعنى الاستيلاء على الأرض من دون الفلسطينيين.

2- تحويل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من صراع وجود إلى صراع على الحدود، لأن التركيز على قضايا الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية في المستقبل، بدلا من إثارة قضايا حساسة كقضايا القدس واللاجئين، سيكون لمصلحة إسرائيل. وهو ما طالبت به رايس من الرئيس الفلسطيني وما صرح به أولمرت بإقامة دولة فلسطينية ذات حدود موقتة للفلسطينيين. وإذا نجحت إسرائيل في مخططها، من الممكن أن يستمر الصراع بينها وبين الفلسطينيين عشرات السنين، ويكون صراعاً كبقية الصراعات الدولية على الحدود بين الدول.

3- تجزئة الدولة الفلسطينية، وتحويلها إلى كانتونات لا رابط بينها، لأنه مع انتهاء المرحلة الأخيرة من إقامة الجدار، ستتحول أراضي الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات، واحد في الشمال يتألف من نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية ويرتبط مع رام الله بمعبر قرب مستوطنة أرئيل، وتبلغ مساحته 1930 كيلومتراً مربعاً، وثان في الجنوب يتألف من الخليل وبيت لحم وتبلغ مساحته 710 كيلومترات مربعة، وثالث في أريحا ومساحته 60 كيلومتراً مربعاً. وتتحكم إسرائيل بالمعابر التي تصل بين الكانتونات الثلاثة.

ولهذا فإنه من المستحيل تطبيق خريطة الطريق التي يريدون اعتراف الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة «حماس» بها، مع وجود الجدار الفاصل، بسبب التناقض بين المشروعين. وهناك تناقض آخر في موقفي الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يؤثر على عملية السلام في الشرق الأوسط. فالموقف الفلسطيني يرى أن خريطة الطريق، وعلى الرغم من أنها لم تحقق كل حقوق الشعب الفلسطيني، إلا أنها خطة سلام ستؤدي إلى الوصول إلى دولة مستقلة كاملة السيادة. بينما يرى الإسرائيليون أن خريطة الطريق ستحقق لهم الأمن ومصادرة الأراضي الفلسطينية، والتفوق الديموغرافي على الفلسطينيين.

وفي الوقت الذي كانت إسرائيل تقوم ببناء الجدار الفاصل، الذي يبتلع مناطق شاسعة من أراضي الضفة الغربية التي من المفروض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية، أعلنت إسرائيل عن موافقتها على خريطة الطريق التي تنص على إقامة دولة فلسطينية كحل للصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، مما يعني تناقض الموقف الإسرائيلي المعلن مع ما تمارسه في الواقع.

وهذا ما اعترف به جورج بوش نفسه، إذ أكد أن «الجدار يثير مشكلة لأنه يجعل من الصعب قيام دولة فلسطينية». على رغم تناقض موقفه مع موقف بلاده في الأمم المتحدة التي استعملت حق النقض ضد مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن الدولي الذي اعتبر الجدار غير شرعي. وبالرغم من تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية ساحقة على قرار ضد بناء الجدار، إلا أن إسرائيل أعربت عن تصميمها على المضي في البناء وتوسيعه.

وكان من المفروض أن تقوم اللجنة الرباعية التي وضعت خطة خريطة الطريق، وليس الولايات المتحدة فقط، بمراقبة تنفيذ الخطة. لأن مهمة اللجنة الرباعية هي الرقابة على تنفيذ الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لبنود الخطة. إلا أن اللجنة لم تفعل ذلك، بل تركت للولايات المتحدة هذه المهمة، مما عرقل تنفيذها من الجانب الإسرائيلي، لعدم وجود ضغوط عليها للتنفيذ. كما أن على اللجنة الرباعية أن تلعب دور الحكم في انتقاد الطرف الذي لا ينفذ ما هو مطلوب منه في الخطة، ودور الوسيط في تذليل العقبات التي تعترض تنفيذها. ومن المفروض أن تكون اللجنة الرباعية هي التي تقرر الانتقال في تنفيذ الخطة من مرحلة إلى أخرى.

اسرائيل تستغل الضعف العربي والخلافات الفلسطينية والتأييد الأميركي لها، كي ترسم الحدود الدائمة لها فوق 90 في المئة من فلسطين. وتعرض على الفلسطينيين دولة ذات حدود موقتة، لن تكون سوى على 10 في المئة من أرض فلسطين التاريخية. محادثات رايس وأولمرت مع محمود عباس ستكون في هذا الاتجاه، والمطلوب منه أن يضغط على «حماس» كي توافق هي الأخرى على الحدود الموقتة للدولة الفلسطينية، التي لا يبدو أنه سيكون لها حدود. فحدود الدولة الفلسطينية ضاعت في زحمة الصراع على السلطة التي لا دولة ولا حدود لها.

أكاديمي وكاتب أردني[line]

castle
24-02-2007, 06:37 PM
بيان الحكومة وحقائق الواقع الاقتصادي في مصر

‏ أحمد السيد النجار

الاهرام

مر بيان الحكومة الأخير عن أدائها الاقتصادي ـ الاجتماعي‏,‏ ومرت النقاشات بشأنه‏,‏ وأصبح تقييم هذاالبيان وأداء الحكومة أمرا واجبا بهدف توضيح الوضع الاقتصادي الراهن وحقيقة الأداء الاقتصادي للحكومة من أجل دفع الحكومة والمجتمع نحو تحسين الأداء بما يليق بقيمة وقامة ومكانة مصر‏.‏

وقد أشار البيان إلي أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي قد بلغ‏6,9%‏ في العام المالي‏2006/2005‏ مقارنة بنحو‏5,1%‏ في العام المالي السابق عليه‏.‏ ولو صح هذا‏,‏ فإنه يعني أن الحكومة التي وعدت قبل عام مضي برفع هذا المعدل إلي‏6%‏ قد تجاوزت المستهدف‏,‏ لكن بيانات صندوق النقد الدولي المعتمدة علي بيانات حكومية مصرية‏,‏ تشير إلي أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي المصري قد بلغ‏5,6%‏ عام‏2006,‏ مقارنة بنحو‏4,9%‏ عام‏2005.‏

والحقيقة أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي يعتمد علي الناتج من الاستثمارات الجديدة‏,‏ وعلي تحسن الإنتاجية في المشروعات القائمة فعليا‏.‏ وترتيبا علي ذلك‏,‏ فإن معدل الاستثمار هو المؤشر الحاكم في تحديد معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي‏.‏ ويعد معدل الاستثمار في مصر واحدا من أدني معدلات الاستثمار في العالم‏.‏ وقد بلغ معدل تكوين رأس المال‏(‏ معدل الاستثمار الحقيقي‏)‏ في مصر نحو‏17%‏ وفقا للبيانات الرسمية المصرية‏,‏ وهي نفسها المعتمدة لدي البنك الدولي‏.‏ وللعلم فإن المتوسط العالمي لمعدل تكوين رأس المال‏,‏ أي معدل الاستثمار الحقيقي بلغ نحو‏21%‏ عام‏2005,‏ وبلغ المعدل نحو‏34%‏ في الاقتصادات السريعة النمو في شرق آسيا‏,‏ ونحو‏39%‏ في الصين في العام المذكور‏.‏

ومن المؤكد أن المعدل المتدني للاستثمار الحقيقي في مصر‏,‏ يضمن بالكاد تحقيق نصف معدل النمو الذي تحدث عنه رئيس مجلس الوزراء حتي بعد الأخذ في الاعتبار النمو الذي يفترض أن يتحقق في الإنتاج والإنتاجية‏.‏ وتشير البيانات الحكومية نفسها إلي أن الناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق الجارية قد بلغ‏617,7‏ مليار جنيه مصري عام‏2006/2005,‏ مقارنة بنحو‏538,5‏ مليار جنيه في العام المالي‏2005/2004,‏ بزيادة نسبتها‏14,7%,‏ وعند أخذ معدل التضخم في الاعتبار‏,‏ فإن معدل النمو الحقيقي لهذا الناتج لا يزيد علي‏3%.‏

وتشير بيانات النشرة الاقتصادية لوزارة التجارة الخارجية‏(‏ سبتمبر‏2006,‏ ص‏1)‏ إلي أن المتوسط السنوي لمعدل التضخم بلغ‏11,7%‏ في العام المالي‏2005/2004,‏ وليس‏7,1%‏ كما ذكر بيان الحكومة‏,‏ وبالتالي فإن رقم التضخم الأعلي عام‏2006/2005‏ وفقا لبيان الحكومة سيكون أعلي من‏11,7%.‏

وعلي صعيد آخر‏,‏ أشار بيان الحكومة إلي أن عدد المؤمن عليهم في القطاع غير الحكومي قد زاد بمقدار‏642,3‏ ألف في العام المالي‏2006/2005,‏ كما تم تعيين‏73,5‏ ألف في الجهاز الحكومي‏,‏ ومجموعهما معا‏715,8‏ ألف عامل‏.‏ وبالمقابل تشير بيانات البنك المركزي المأخوذة من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلي أن إجمالي عدد المشتغلين عام‏2006/2005‏ قد بلغ‏19,7‏ مليون عامل‏,‏ مقارنة بنحو‏19,3‏ مليون عامل عام‏2005/2004,‏

أي أن الزيادة التي حدثت في عدد المشتغلين في جميع قطاعات الاقتصاد هي‏400‏ ألف فقط‏(‏ البنك المركزي المصري‏,‏ النشرة الإحصائية الشهرية‏,‏ نوفمبر‏2006,‏ ص‏119),‏ وليس‏715,8‏ ألف كما أشار بيان الحكومة‏,‏ فمن نصدق؟ إن هذا التضارب بين جهتين رسميتين يحيط بيانات كل منهما بالشكوك‏.‏ وللعلم فإن برنامج الرئيس في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في سبتمبر‏2005,‏ وبرنامج الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ديسمبر من العام المذكور‏,‏ كان قائما علي الالتزام بإيجاد‏4,5‏ مليون فرصة عمل خلال الولاية الحالية للرئيس بواقع‏750‏ ألف فرصة عمل سنويا‏.‏

أي أن ما تحقق عام‏2006/2005(400‏ ألف فرصة عمل جديدة‏),‏ لا يزيد علي‏53,3%‏ من المستهدف وفقا للبرنامج المذكور‏.‏ وقد ارتفع معدل البطالة في مصر من‏10,3%‏ عام‏2004/2003‏ إلي‏11,2%‏ عام‏2005/2004.‏ وإذا كانت قوة العمل قد زادت من‏20,9‏ مليون شخص عام‏2004/2003,‏ إلي‏21,8‏ مليون عامل عام‏2005/2004,‏

بزيادة قدرها‏900‏ ألف شخص يمثلون الداخلين الجدد إلي سوق العمل حسب البيانات الحكومية‏,‏ فإنه من الطريف حقا أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المنشورة في النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي‏(‏ نوفمبر‏2006)‏ قد أشارت إلي أن تعداد قوة العمل المصرية من العاملين والمتعطلين معا‏,‏ بلغ‏21,8‏ مليون عام‏2006/2005,‏ وهو نفس مستواه عام‏2005/2004,‏ وكأنه لم يدخل لسوق العمل أي شخص‏,‏ وهو تلاعب صريح في البيانات يستهدف تقليل معدل البطالة من خلال إلغاء دخول ما يقرب من مليون عامل جديد إلي سوق العمل بحثا عن فرصة للعمل‏.‏

ولو أضيف الداخلون الجدد لسوق العمل عام‏2006/2005,‏ الذين حذفتهم البيانات الرسمية بغرابة شديدة‏,‏ إلي عدد العاطلين الذين اعترفت بهم في العام المذكور‏(2,1‏ مليون عاطل‏),‏ فإن عدد العاطلين يمكن أن يرتفع إلي‏3,1‏ مليون عاطل‏,‏ ويرتفع معدل البطالة إلي‏13,6%‏ من قوة العمل‏,‏ وهو معدل يقل عن نصف معدل البطالة في مصر وفقا لبعض الدراسات المستقلة‏.‏ ومن ناحية أخري‏,‏ أشار بيان الحكومة إلي أن أجور العاملين قد زادت وأن الحد الأدني للأجر ارتفع بنسبة‏24%,‏ لكنه لم يذكر هذا الحد الأدني للأجر البالغ التدني‏.‏ وتجدر الإشارة إلي أن متوسط أجر العامل في قطاع الصناعة التحويلية في مصر كان يبلغ‏2210‏ دولارات في العام خلال الفترة من عام‏1980‏ إلي عام‏1984,‏

في وقت كانت القيمة المضافة لكل عامل في هذه الصناعة‏,‏ نحو‏3691‏ دولارا‏.‏ وفي الفترة من عام‏1995‏ حتي عام‏1999,‏ انخفض متوسط أجر العامل في هذه الصناعة إلي‏1863‏ دولارا في العام‏,‏ رغم أن القيمة المضافة لكل عامل ارتفعت إلي‏5976‏ دولارا في العام ـ راجع‏:‏
‏WorldBank,WorldDevelopmentIndicators2006,p.66,‏

وهذا التغير يعكس التدهور الشديد في عدالة توزيع الدخل بين العاملين وبين أرباب العمل‏.‏ وهذا الخلل في التوزيع الأولي للدخل من خلال نظام الأجور‏,‏ يؤدي في النهاية إلي المزيد من انتشار الفقر في مصر‏.‏

ومن ناحية أخري‏,‏ أشار بيان الحكومة إلي أنه قد تم إنشاء‏116‏ مصنعا كبيرا‏,‏ و‏115‏ مصنعا متوسطا‏,‏ و‏329‏ مصنعا صغيرا‏.‏ وهذه البيانات تعني أن هذه الحكومة عجزت عن تحقيق ما وعد به البرنامج الانتخابي للرئيس وللحزب الوطني‏,‏ حيث وعد بإنشاء ألف مصنع كبير باستثمارات قدرها‏100‏ مليار جنيه خلال ست سنوات بواقع‏167‏ مصنعا باستثمارات قمتها‏16,7‏ مليار جنيه في العام‏,‏ ووعد بإنشاء‏2000‏ مصنع متوسط وصغير سنويا بتكلفة‏10‏ مليارات جنيه في العام‏.‏

وما تحقق بالفعل بفرض صحته وصدق بيان الحكومة لا يتعدي‏69,5%‏ من المستهدف بالنسبة للمصانع الكبيرة‏,‏ ونحو‏22,2%‏ من المستهدف بالنسبة للمصانع المتوسطة والصغيرة‏.‏ وقد بلغت قيمة الاستثمارات في هذه المصانع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة نحو‏12‏ مليار جنيه فقط حسب بيان الحكومة‏,‏ في حين أن المستهدف وفقا لبرنامج الرئيس والحزب الوطني هو‏26,7‏ مليار جنيه‏,‏ أي أن قيمة الاستثمارات فيما تحقق من مشروعات جديدة لا يتجاوز نسبة‏44,9%‏ من المستهدف‏.‏ وهناك الكثير من القضايا التي اثارها بيان الحكومة التي تستحق التناول‏.‏ لكن في كل الأحوال‏,‏ فإنه لن يضير الحكومة أن تذكر الحقيقة‏,‏ لأن الإقرار بالواقع هو حافز لتحقيق أداء أفضل بصورة حقيقية من خلال حشد الطاقات الحكومية والمجتمعية لتحسين الأداء‏,‏ أما طمأنة النفس ببيانات وردية مغايرة للواقع‏,‏ فإنه لن يؤدي إلا إلي المزيد من الأداء المتراخي‏.‏[line]
علوم يحظر دراستها

فهد عامر الأحمدي

الرياض

في الرابع والعشرين من يناير المنصرم قرأت تصريحا لمسؤول في الخارجية البريطانية يقول فيه إن سلطات بلاده تراجع الإجراءات المتعلقة بدراسة الطلبة الأجانب للمواد الحساسة في الجامعات البريطانية.. والمقصود ب"المواد الحساسة" الهندسة النووية وتكنولوجيا الصواريخ والدفع النفاث والتقنيات الكيميائية والجرثومية الذي يمكن أن تستفيد منها "الدول الخطيرة"..
وهذا التصريح يأتي كجزء من الحصار العلمي والتقني الموجه ضد إيران ودول عربية مهمة في المنطقة. وهو لا يختلف في هدفه النهائي عن القانون الشهير الذي أقره مجلس النواب الأمريكي عام 2002بخصوص حظر أو تشديد الرقابة على بعض التخصصات التي يدرسها طلاب سبع دول أجنبية (أربع منها عربية)!

ويعد هذا القانون تأصيلا للمهام المناطة ب( لجنة المتابعة الأكاديمية) التي تم انشاؤها بعد تفجيرات نيويورك لمنع طلاب بعض الدول من دراسة التخصصات الحساسة مثل تكنولوجيا الصواريخ والفيزياء الذرية وانظمة التوجيه واشعة الليزر والسبائك المتقدمة... وأذكر حينها أن احد الطلاب العرب اخبرني بأنه أصبح من المعتاد ان يطُلب من بعض الطلاب الأجانب مغادرة القاعة أو المختبر حين يتعلق الأمر بالتقنيات العسكرية الرائدة!

وغني عن القول ان الحكومات الغربية تحاول (من خلال هذا الحصار الأكاديمي) الحد من تسرب العلوم والتقنيات المتقدمة الى الدول المارقة حسب مفهومها. وهي بهذا القانون "تقنن" عادة قديمة بدأت مع قيام الثورة الكوبية حين منعت أمريكا الطلاب الكوبيين من دراسة التخصصات العسكرية الحساسة.. كما تكررت نفس المعاملة مع الطلبة الليبيين حين سرت في الثمانينات "حمى القذافي" وسعيه لامتلاك قنبلة نووية. ثم توسعت القائمة بعد ذلك لتشمل طلبة إيران وكوريا الشمالية ولبنان وسورية....!!

وكانت واشنطن قد تطوعت (بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينات) بدفع رواتب علماء الذرة الروس خوفا من هجرتهم إلى الدول العربية؛ كما حرصت على شراء التقنيات الروسية المنسية أو المجمدة خوفا من تسربها الى دول المنطقة (.. وكأن أمورا كهذه تشغل بالنا!)

... المعضلة الأخلاقية التي تقع فيها بعض الدول المتقدمة هي حين يتفوق أحد الطلاب "المشبوهين" رغم كل عوامل الحصار الأكاديمي.. فحين تتأكد من تفوق احد هؤلاء تأمل أولا ان يتكفل مجتمعها المترف بإقناعه للبقاء.. ثم تتدخل بطريقة غير مباشرة لدعوته للعمل في إحدى المؤسسات الحكومية أو الشركات المتعاقدة مع وزارة الدفاع.. أما الخطوة الثالثة فقد تتضمن اتخاذ "اجراءات استثنائية قاسية" لمنع عودته الى بلاده نهائيا...

فحسب نظرية المؤامرة يتم سجن أو اغتيال كل من يرفض البقاء بحيث يبدو الامر كحادث عرضي. وحتى اليوم ما تزال مصر تتذكر بأسى اغتيال عالمة الذرة سميرة موسى التي نالت درجة الدكتوراه في الفيزياء الذرية واغتيلت بسبب إصرارها على العودة لمصر وقيدت القضية ضد مجهول... ونفس المأساة تكررت مع عالم عربي آخر يدعى سمير نجيب كان متفوقاً في علوم الذرة وعمل في أمريكا لفترة طويلة قبل أن يقرر العودة فجأة فاغتيل قبل سفره بيوم واحد.. وهناك أيضا عالم الفيزياء سعيد بدير الذي رفض البقاء في المانيا وأمريكا فألقي من شرفة منزله (من قبل رجل مجهول) بعد وصوله للأسكندرية بيومين فقط..

وسواء صدقنا فرضية قتل النوابغ أم لا، المؤكد حاليا ظهور توجه رسمي في بريطانيا وأمريكا لمنع تصدير العلوم الحساسة لدول تراها "إرهابية" أو غير جديرة بالثقة![line]
حلف الـ"ماتو" وبراجماتية الأزمات الأمريكية

إميل أمين

الخليج الاماراتية

تبقى السياسة الأمريكية أبداً ضرباً من ضروب البراجماتية الذرائعية وعند السياسيين الأمريكيين لم تعد “النفعية” مرجعية من بين المرجعيات الأخرى المتعارف عليها في العمل السياسي بل أضحت الركيزة الأساسية التي اتخذتها عقيدة ثابتة.

أحدث ما يدور في منطقة الشرق الأوسط من سياسات نفعية أمريكية، حديث السلام الجديد الذي ينطلق بموازاته كلام عن حلف جديد تحت اسم ال “ماتو” على وزن الناتو... فماذا عن ذلك التوجه؟

يكتب “والتر ايسحاكسن” عبر مجلة “التايم” مميطاً اللثام عما يدور في كواليس الإدارة الأمريكية من مناقشات ومحاورات للخلاص من المستنقع العراقي من جهة وللقضاء على الأحلام الإمبراطورية الإسلامية الإيرانية من جهة ثانية. لكن التساؤل كيف وما الطريق؟

الإجابة تتمحور في دعوة واشنطن للإسهام في هذا الحلف ال “ماتو” الذي يعني “منظمة الشرق الأوسط لمكافحة الإرهاب”.

والأصل في الفكرة أنها تنطلق أيديولوجياً من ذات التوجه الذي قام عليه بناء حلف الناتو كحائط صد أمام انتشار الشيوعية في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وانطلاقا من أن صراعات الجهاديين والإسلاميين في العالم العربي والإسلامي اليوم تمثل الكفة الموازية أو الموازنة للخطر الشيوعي، فالحاجة ماسة إذن لنسخ فكرة حلف الناتو ولكن عربيا وإسلاميا.

والتساؤل، هل صحت إدارة بوش فجأة على فكرة الحلف المقترح أم أنها براجماتية الأزمات الأمريكية تلك التي تقودها على الدوام للبحث عن حلول لأزماتها؟

يعلم القاصي والداني اليوم أن الولايات المتحدة موحولة إلى أقصى حد ومد في العراق، وأنه ما من حل سريع ومنقذ يلوح في الأفق، وحتى أحاديث استراتيجية بوش الجديدة تبقى جعجعة من دون طحن، فيما التحدي الأكبر يتمثل في إيران التي قال عنها منذ أيام قلائل أحدث تقرير أوروبي إن الوقت تأخر كثيرا لوقف برنامجها النووي.

ماذا لواشنطن أن تفعل؟ الأساطيل التي تتحرك في عرض البحر تتكفل بالإجابة. غير أن المشهد لا يكتمل على هذا النحو ولا بد من تعاون وتعاطف إقليمي عربي إسلامي من الدول الصديقة التي ترى في إيران خطراً.

غير أن النظم الحاكمة لا يمكنها مساندة الولايات المتحدة جهارا نهارا في توجيه ضربة عسكرية لإيران لا سيما أن “إسرائيل” تبقى حاضرة إن لم يكن بالمشاركة الفعلية فبالتحريض الذي لا ينقطع، وهذا في حد ذاته يرغم كثيرا من الدول العربية والإسلامية على التراجع عن الدخول في تلك الشراكة المقترحة ال “ماتو” وبخاصة في ظل التعنت “الإسرائيلي” والبطش المعهود بالفلسطينيين ومحاولة الاستهزاء بمقدسات المسلمين من خلال مواصلة أعمال الحفر حول المسجد الأقصى المبارك.

والمؤكد أن واضعي تصور الحلف الجديد يدركون جيدا هذه الخلفية من خلال ما يعرف بتصور “محامي الشيطان” الذي يقدر ردود الأفعال قبل الأفعال، لذا جاء الحديث عن ضرورة قيام الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على “إسرائيل” للتوصل إلى سلام فلسطيني “إسرائيلي” وجلائها عن الضفة الغربية ومن ثم تطبيع العلاقات بينها وبين الدول العربية حسب ما نصت عليه مبادرة السلام العربية في عام 2002.

والمثير في قراءة خطوط الحلف الجديد انه ينفي علنا ما يشجع عليه سرا من تخليق ظروف تشيع وانقسام وحشد مذهبي وطائفي في المنطقة... كيف؟

يقول منظرو الحلف انه يدعو إلى تجنب تأجيج الخلافات المذهبية في العالم الإسلامي وتفادي ظهور حلف إسلامي سني يناوئ الشيعة، وان انضمام العراق إلى هذا الحلف قمين بنفي الطابع المذهبي عنه وهو يسعى لحماية المعتدلين سنة كانوا أو شيعة، وكذلك ضمان امن الأنظمة المعتدلة وفتح الباب لانتهاج الإصلاح والانفتاح.

والحاصل أن أمريكا اليوم تعيد تكرار تجربة سابقة لها، ذلك انه خلال عقد من الزمن امتد من 1979 وحتى 1989 كان الأمريكيون يضخون في آليات الإسلام السياسي حتى كادوا يلغون من تصوراتهم أن الأصل التاريخي هو في الإسلام الديني، وان الوجه الآخر هو وجه طارئ على التاريخ لكنهم أرادوا لوجه الإسلام السياسي الذي نحا لاحقا جهة الإسلام الجهادي والعسكري أن يسود خدمة لمصالحهم، وكان أن اعتبر الأمريكيون أن التحالف يمكن أن يكون تكتيكيا.

واليوم تنشد أمريكا حلفا سنيا في مواجهة شيعية إيرانية غير انه وان كانت اليوم تفعل ذلك فإن الغد ربما يقود إلى صورة عكسية، بمعنى انه إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي ما بين إيران والولايات المتحدة فمن يضمن لدول حلف ال”ماتو” المرشحة ألا تساند واشنطن طهران في سياستها وإن جاءت على حساب بقية دول الخليج والعالم العربي والإسلامي.

ويبقى تساؤل: من يثق في أي تحالف يقوم مع أمريكا؟

يكتب “ماكس بووت” الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي عبر صفحات “الواشنطن بوست” وتحت عنوان “على أمريكا ألا تضحي بحلفائها” يقول إن تاريخ أمريكا حافل ومخزٍ في التخلي عن الحلفاء في الأوقات الحرجة، ففي العام 1804 تخلت عن حليفها باشا طرابلس وعقدت اتفاقا مع أخيه وأضحى الرجل وعائلته رهائن. وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى كان ويلسون ينادي بحق تقرير المصير ومع ذلك فإن بلاده لم تعمل شيئا لنصرة الدول التي أرادت تحقيق هذا المبدأ، وبنفس الصورة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تقدم الإدارات الأمريكية المتعاقبة شيئا لمساعدة الألمان الشرقيين في انتفاضتهم في ،1953 والمجريين في ،1956 والتشيكيين في ،1968 وقس الأمر على ما جرى في كوبا ونيكارجوا وصولا إلى أكراد وشيعة العراق في أعقاب حرب عام 1991 عندما تخلى بوش الأب

عنهم وتركهم فريسة للنظام العراقي السابق.

والشاهد أن كافة الأطراف المرشحة لعضوية ال”ماتو” تدرك جيدا رؤية واشنطن البراجماتية الساعية لضرب إيران من جهة ولتحميل الحلف الوليد بمسؤوليات أمنية في العراق من جهة ثانية، فهل تنجح واشنطن في تسخير براجماتيتها المعهودة في الفكاك من زوايا التاريخ المظلمة التي باتت محشورة فيها، أم أن مصداقية واشنطن قد ذهبت إلى غير رجعة ما يفشل معها آمال ال”ماتو” وما عداه من أحلاف؟[line]

castle
25-02-2007, 03:00 AM
سفير فلسطين في واشنطن:

نحن مفتاح قبول وجود إسرائيل في المنطقة

تقرير واشنطن

في ضوء التطورات المتلاحقة على الساحة الفلسطينية والسعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية لإنهاء الاقتتال الداخلي بين فتح وحماس، وتأثير مقاطعة الولايات المتحدة لأي حكومة فلسطينية لا تعترف بإسرائيل على تقدم مسار المفاوضات والعملية السلمية في الشرق الأوسط، توجه تقرير واشنطن بمجموعة من الأسئلة والاستفسارات إلى رئيس بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة السفير عفيف صافي. وتطرق الحوار إلى موضوعات متنوعة من ميزانية البعثة إلى اتفاق مكة مرورا بعلاقات البعثة بالأوساط اليهودية والمسيحية الانغليكانية في الولايات المتحدة. وفيما يلي نص المقابلة التي أجريت في مقر البعثة في واشنطن يوم الجمعة التاسع من فبراير الجاري

تقرير واشنطن

ابتداء سعادة السفير، من تمثل؟ هل تمثل رئيس السلطة محمود عباس أم الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية؟

السفير عفيف صافي

أمثل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي نظامنا السياسي وفي العالم من المعروف أن السفراء يمثلون الرئيس. إذن، أنا أمثل منظمة التحرير التي تمثل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده في فلسطين أو في المهاجر والذين يبلغ عددهم حوالي عشرة ملايين نسمة. والسفير عادة يعتبر الموفد الرسمي للرئيس.

تقرير واشنطن

هل معنى هذا أنك لا تمثل الحكومة الفلسطينية المنتخبة ؟

السفير عفيف صافي

السلطة الوطنية الفلسطينية هي جزء من منظمة التحرير. وأنا سعيد جدا باتفاق مكة ، لأنه يوضح معالم النظام السياسي الفلسطيني. لا أخفي أننا في السنة ونصف الأخيرة عشنا وضع، بالنسبة لنا كان مستجدا. بمعنى أن المجتمع الفلسطيني شهد انتخابات رئاسية وانتخابات برلمانية غير متزامنة، ونتج عن ذلك أن الانتخاب تفاوتت نتائجها كما يعرف الجميع، الأمر الذي خلق مظاهر عدم الانسجام بين الرئاسة والحكومة. تاريخيا، الفرنسيون عاشوا نفس التجربة والتي أطلقوا عليها مصطلح التعايش
"Cohabitation"، حين فاز اتجاه سياسي ما بانتخابات الرئاسة بينما كانت نتيجة الانتخابات البرلمانية للاتجاه السياسي الأخر، وبالتالي علينا أن نجد صيغا للتعاون نتيجة هذا الوضع. أمريكا الآن تعيش موقفا مشابها، بمعنى أن هناك إدارة جمهورية، في الوقت الذي أعطت انتخابات نوفمبر الماضي الأكثرية في الكونغرس، ولكن النظام السياسي يستمر.

تقرير واشنطن

هل تجاوز اتفاق مكة هذه الوضع المعقد؟

السفير عفيف صافي

عشنا فترة كانت معقدة صعبة، ولكن اعتقد بعد اتفاق مكة والفرحة التي استقبل بها كافة المواطنين من كافة الاتجاهات السياسية الاتفاق في شوارع غزة، فإن مجتمعنا قد تجاوز الأزمة. وأتصور أنه من الآن فصاعدا سنرى تناغما مابين الرئاسة والحكومة، تناغما مابين سياسات منظمة التحرير وتوجهات الحكومة.

تقرير واشنطن

كيف سيتحقق هذا التناغم؟

السفير عفيف صافي

أحد بنود الاتفاق الذي أبرم في مكة المكرمة ينص على أن الحكومة القادمة التي سيشكلها السيد إسماعيل هنية أن الحكومة ملتزمة بقرارات منظمة التحرير الفلسطينية ، وملتزمة بقرارات القمم العربية ، بما يعني أيضا المبادرة العربية التي تم تبنيها عام 2002 . إذن، الآن هناك قفزة نوعية داخل النظام السياسي، وعلينا أن نعمل على هذا الأساس.

تقرير واشنطن

أفهم من ذلك أنك سوف تعمل وتنسق مواقفك في المستقبل مع وزير الخارجية في حكومة السلطة الفلسطينية ؟

السفير عفيف صافي

تعاملي سيكون مع الرئيس محمود عباس، سيكون مع السيد فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووزير الخارجية الذي هو في الواقع صديق شخصي لي، السيد نبيل أبو عامر وهو أكاديمي نزل كمستقل على قائمة حماس في الانتخابات الأخيرة ، كما نزل عام 1996 كمستقل على قائمة فتح، كما يعتبر من المقربين للرئيس محمود عباس. فأعتبر ما حدث نقلة نوعية لابد من التعامل معها بإيجابية وتفاؤل.

تقرير واشنطن

كم تبلغ ميزانية البعثة في واشنطن ومن أين تحصلون عليها؟

السفير عفيف صافي

مررنا بضائقة مالية ولا زلنا نعاني حتى يومنا هذا بضائقة مالية رهيبة ، وكون هذا المكتب وهذه البعثة الدبلوماسية مازالت موجودة وناشطة هو معجزة. فضلا عن القيود المالية التي عانى مها المجتمع الفلسطيني والمؤسسة الفلسطينية في السنوات الماضية، فلدينا وضع كبعثة له خصوصيته في الولايات المتحدة، حيث تعرضنا قبل المجيء بسنوات إلى عدة ملاحقات قضائية من اللوبي الصهيوني بسبب سقوط بعض المواطنين الإسرائيليين الذين يحملون أيضا الجنسية الإسرائيلية ، وأخذنا أيضا كمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية معا إلى المحاكم. وفي قضية واحدة عوقبنا بدفع 116 مليون دولار كتعويض. ونتيجة لذلك أغلق الحساب المصرفي الرسمي لمنظمة التحرير في واشنطن، وتم أيضا مصادرة بعض الممتلكات في بعض البنوك تابعة لمؤسسات فلسطينية. إذن، نعاني في هذه الساحة، بالإضافة إلى كل القيود ومظاهر التقشف التي فرضناها على أنفسنا نتيجة الأزمة المالية. لا أخفي أن الدبلوماسيين الفلسطينيين وعددهم خمسة ومن بينهم أنا لم يستلموا مخصصاتهم المالية لأشهر مثلهم مثل إخوانهم وأخواتهم في المؤسسة الفلسطينيين في الوطن. ورغم التحديات التي تواجهنا هنا ، فإننا نتحمل دون تذمر، فهذا واقعنا كشعب فلسطيني.

تقرير واشنطن

معنى هذا أن الضائقة المالية لا تسمح لكم بتحقيق أهداف البعثة الدبلوماسية؟

السفير عفيف صافي

الميزانيات التي تصلنا وهي قليلة وعادة ما تكون متأخرة لا تسمح لنا بأن نكون طموحين، مثلا أنا كنت أتمنى من أجل تفعيل وتنشيط هذه البعثة وأن تكون على قدر التحديات التي نواجهها والاستفادة من الفرص المتاحة في هذا المجتمع ، أن يكون ضمن الطاقم الموجود لدي شخص "لوبيست" يكون مكلفا من داخل البعثة للذهاب يوميا على الكونغرس ليقوم بعمل يومي دؤوب، وينسج علاقة واسعة ليس فقط مع أعضاء البرلمان ولكن مستشاريهم ومعاونيهم . ولكن للأسف بإمكانيتنا الحالية لا يوجد لدينا شخص مكلف بمتابعة البرلمان بشكل يومي وما عنده أي مسؤولية أخرى إلا متابعة البرلمان. كما كنت أتمنى أن يكون لدينا شخص مؤهل في تقنية المعلومات ولديه فهم ومعرفة سياسية عميقة لكي يكون عندنا موقع الكتروني راقي المستوى، لأن علينا أن نتأقلم مع متطلبات العصر. للأسف ، في ظل الظروف الحالية ما بإمكاني أحلم بتشكيل الطاقم المثالي الذي يحتاجه شعبنا في الساحة الأمريكية.

تقرير واشنطن

كيف تقرأ وتتفاعل مع السياسة الأمريكية والمجتمع الأمريكي؟

السفير عفيف صافي

بعد وجودي 15 شهرا هنا أشعر أن هناك متغيرات لم تشعر بها شرائح وقطاعات في عالمنا العربي تتمثل في التعاطف الكبير جدا لصالح الشعب الفلسطيني داخل الرأي العام في الولايات المتحدة.
والمثال على ذلك حجم مبيعات كتاب "فلسطين: سلام لا آبارتيد" للرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر ، بالرغم ما تعرض له من حملة شنيعة. واطن أن هذا يعكس تعاطفا كبيرا مع قضيتنا.

ثانيا، أننا منذ البداية قررت أن أتفاعل بالإضافة إلى الإدارة مع المجتمع الأمريكي وقبلت العديد من الدعوات ليس فقط من الجالية الفلسطينية العربية أو من لجان الصداقة ، وإنما مؤسسات رسمية سياسية ومجتمعية مثل World Affairs Council . وقد قمت خلال الـ 15 شهرا وهي فترة وجودي بزيارة ما لا يقل عن 25 ولاية . ونلاحظ أن رسالتنا يتم التجاوب معها بشكل إيجابي.

تقرير واشنطن

ما هي الرسالة؟

السفير عفيف صافي

الرسالة هي التالي: أولا في النظام السياسي الدولي الذي يوصف الآن بالأحادية، فإن سياسة عدم الانحياز يجب أن تكون هي السياسة الأمريكية، وذلك لاعتبارين أساسيين: الأول هو عندما تنحاز أمريكا في صراع إقليمي لصالح فريق دون الأخر ، فإنها تخسر وتستعدي كل الأطراف الأخرى بشكل غير ضروري. الاعتبار الثاني هو أن المجتمع الأمريكي مجتمع متنوع، وهي عندما تنحاز في سياستها الخارجية، فإنها تستعدي وتستفز جزء من نسيجها الوطني الداخلي وهم الفلسطينيون الأمريكيون (400 ألف ) والعرب الأمريكيون (4 ملايين) والمسلمون الأمريكيون (8 ملايين) الذين يشعرون أن دولتهم بالتبني غير حساسة بمعاناة شعوبهم وبلدانهم الأصلية.

تقرير واشنطن

كيف يمكن أن تستفيدوا من هذه الجاليات؟

السفير عفيف صافي

أنا فخور بأن جالياتنا العربية في الولايات المتحدة الآن تسعى إلى دور أكبر ، وبشكل بناء وتشارك أكثر في العملية السياسية والانتخابات ، وتخلى أبناء الجالية عن مواقفهم السابقة المتمثلة في الاهتمام والتركيز في قضية واحدة، وهي السياسية الخارجية الأمريكية، وبدؤوا بالاهتمام بقضايا التعليم والصحة والمواصلات والبيئة وغيرها. وأكبر مثال على أهمية تأثير الجالية العربية في الحياة السياسية الأمريكية ، قيامهم بدور مؤثر حسم نجاح المرشح الديمقراطي السيناتور جيم ويب في ولاية فرجينيا في انتخابات الكونغرس الأخيرة وهي الولاية التي حسمت الأغلبية لصالح الديمقراطيين في مجلس الشيوخ. كما أن هناك وجود عربي في 75 مقاطعة انتخابية من المقاطعات الـ 435.

تقرير واشنطن

هل تتعاملون وتتحاورون مع الجالية اليهودية ومؤسساتها القوية خاصة جماعة الضغط إيباك؟

السفير عفيف صافي

الجالية اليهودية في الولايات المتحدة ليست شيئا واحدا ، وليست متجانسة وفيها تعددية كبيرة ، وهنالك العديد من الأصوات داخل الجالية اليهودية التي تشكك في الصفة التمثيلية للـ" إيباك" التي اختارت لنفسها أن تنحاز إلى أكثر المواقف الإسرائيلية صقورية. واذكر أن رابين عام 1993 واجه صعوبات في إقناعهم بتبني والدفاع عن اتفاقية أوسلو ، بل أن شارون نفسه حتى بنهجه الميكافيللي واجه صعوبات في إقناعهم بخطة الانسحاب من قطاع غزة . ولكن أيباك ورغم كل المظاهر ليست في عصرها الذهبي وأود أن أقول لك أن نسبة اليهود الأمريكان المواليين لفكرة إقامة دولتين أعلى من نسبة المتوسط الوطني الأمريكي. ورسالتي للجالية اليهودي عامة هي أننا مفتاح قبول وجود إسرائيل في المنطقة.

تقرير واشنطن

كيف يمكن أن تصف علاقتك بالسفير الإسرائيلي في واشنطن؟

السفير عفيف صافي

في عام 2006 بشهر فبراير أي بعد انتخاباتنا البرلمانية بأسابيع شاركت في ثلاث لقاءات إعلامية ومحاضرات إلى جانب السفير الإسرائيلي السابق. اللقاءات لم تكن شخصية ولكن الطرفان تعاملا بأدب الحوار.

تقرير واشنطن

تحدثتم عن تعاطف الرأي العام الأمريكي مؤخرا مع الفلسطينيين، ولكن كافة المؤشرات تشير إلى تنامي التيارات المسيحية المحافظة المؤيدة لإسرائيل خاصة في الجنوب الأمريكي، كيف تواجهون هذا التحدي؟

السفير عفيف صافي

فيما يتعلق بالأوساط المسيحية - وأنا من أصل مسيحي وأكثر حساسية بالنسبة لهذه الظاهرة- فإن أهم أنصارنا في المجتمع الأمريكي هي الكنائس الأساسية والرئيسية، وقد أخذت هذه الكنائس قرارات ومواقف لصالح إنهاء الاحتلال وسيادة القانون الدولي ووقفوا ضد حائط العار، وهم يريدون صيغة الدولتين على أساس حدود 67. ولكن وفي نفس الوقت وللأسف فإن أشرس أعدائنا في المجتمع هم أيضا من أوساط مسيحية أصولية يمينية متطرفة.

تقرير واشنطن

هل تحاولون نقاش وحوار هذه الأوساط؟

السفير عفيف صافي

أنا في حوار مع هذه الأوساط وعادة ما أقول لهم إنني عندما اسمعهم ، أشعر بضرورة الدفاع عن براءة الله . وأقول لهم في وسائل الإعلام وفي المحاضرات بأن مفهومهم الديني الروحي مفهوم سطحي وعدائي.

تقرير واشنطن

هل تتواصل بشكل شخصي مع قيادات هذه الأوساط؟

السفير عفيف صافي

لدي اتصالات مع بعض الأشخاص من الكنسية الإنغليكينية، فليس كل الانغليكيين من أنصار إسرائيل. وأنا هنا معني بفتح حوار جدي مع بعض رموزهم ، لأني اعتبرهم ضالين ومصدر إحراج لنا مسيحيي الشرق الأوسط.

تقرير واشنطن

دائما كان مؤيدو القضية الفلسطينية الجماعات والمؤسسات الهامشية واليسارية في الولايات المتحدة، هل هذا الواقع ما زال قائما؟

السفير عفيف صافي

هذا تصور يعود إلى السبعينات، الآن داخل مختلف الأوساط والرأي العام الأمريكي على اختلاف توجهاته نجد تعاطف معنا فالتعاطف معنا خرج عن إطار المنظمات اليسارية، نحو وسط المجتمع. [line]
سفير المغرب:

الولايات المتحدة تراقب فقط العملية السياسية في المغرب

تقرير واشنطن- يحيى عبد المبدي

تشهد الولايات المتحدة اهتماما متزايدا بمتابعة التطورات السياسية في منطقة الشمال الأفريقي عموما والمغرب خصوصا في السنوات الأخيرة، وقامت الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع المملكة، كما يشهد التعاون الأمني والعسكري بين البلدين تطورا ملحوظا. الولايات المتحدة التي أقلقها فوز التيارات الدينية في الانتخابات العراقية والفلسطينية ونسبيا المصرية، لا تشعر بنفس القلق تجاه انخراط الإسلاميين في الحياة السياسية المغربية. حول هذه الملاحظات وغيرها توجه تقرير واشنطن لإجراء مقابلة مع السفير المغربي في واشنطن عزيز مكوار، وفيما يلي نص المقابلة التي أجريت يوم الخميس 8 فبراير 2007 بمقر السفارة في واشنطن:

تقرير واشنطن:

ما الجديد في العلاقات الأمريكية المغربية؟

سفير المغرب:

العلاقات المغربية الأمريكية علاقات قديمة، فالمغرب كانت أول الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة في عام 1777، ولدينا أقدم معاهدة توقعها الولايات المتحدة مع دولة أجنبية، إذن لدينا علاقات قديمة، وفي خلال الحرب الباردة كانت المغرب بخلاف معظم دول المنطقة أقرب للجانب الأمريكي نظرا لاعتمادنا نظام السوق الحر والتعددية السياسية وليس نظام الحزب الواحد واقتصاد الدولة الاشتراكي. أما مؤخرا وخلال السنوات الخمس الأخيرة، فقد حدثت تطورات ثلاث رئيسية في سياق العلاقة بين الدولتين، حيث وقعت الولايات المتحدة مع المغرب اتفاقية التجارة الحرة في يناير 2006، كما تم إعلان المغرب باعتبارها حليفا رئيسيا في عام 2004 ، كما تم اختيار المغرب في عام 2005 كواحد من متلقي معونات برنامج MCA الذي بدأته الحكومة الأمريكية عام 2002 .

تقرير واشنطن:

الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تحاول أن تنأى في سياستها الخارجية بمنطقة المغرب العربي خاصة المملكة المغربية عن محيطها الشرق أوسطي أو العربي ، بل إن المغرب لا تتبع القيادة العسكرية الأمريكية الوسطى ، هل هذا صحيح ، وكيف تفسره؟

سفير المغرب:

الولايات المتحدة تقوم بهذا التقسيم لأسباب عملية، خاصة في منطقة تقسيم مناطق القيادات العسكرية لقواتها، وبالمناسبة لم تكن المغرب يوما في إطار القيادة الوسطى ، بل كانت في إطار القيادة الأوربية. لكن الجديد هو أن الولايات المتحدة تقوم بتشكيل قيادة أفريقية، والتي ستشمل كافة دول القارة الأفريقية باستثناء مصر، نظرا للاهتمام المتنامي للقارة الأفريقية ، ولذا ستنتقل المغرب في التقسيم العسكري الأمريكي من القيادة الأوربية إلى القيادة الأفريقية.

تقرير واشنطن:

لكن هل تتفق معي في أن الولايات المتحدة تعامل المغرب مؤخرا معاملة خاصة، تمنحها معونات اقتصادية، توقع معها اتفاقية تجارة حرة، حتى أن مراكز الأبحاث بدأت تركز في الشأن المغربي، فمثلا مركز الدراسات السياسة والإستراتيجية CSIS يعقد منتديا شهريا لدراسة منطقة المغرب العربي؟

سفير المغرب:

هذا صحيح ، لأن الاهتمام كان منصبا لفترة طويلة في منطقة الشرق الأدنى ، ولقد حاولنا كثيرا لجذب الاهتمام بمنطقتنا في الشمال الأفريقي، والتي تمثل إقليم له صفاته وطبيعته الخاص المختلفة عن واقع الشرق الأوسط . وهذا لا يعني أننا غير مرتبطين بقضايا الشرق الأوسط ، وأنت تعلم أن العاهل المغربي هو رئيس لجنة القدس. ولكن ما يشهده المغرب من عملية تنمية اقتصادية وإصلاح سياسي يجعلنا مثارا للاهتمام.

تقرير واشنطن:

فيما يتعلق بالإصلاح والديمقراطية، يقدم المغرب نموذجا ناجحا لانخراط الإسلاميين في العملية السياسية، وعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة تراقب التجربة المغربية عن كثب، هل هناك أي ضغوط تمارس على المملكة في هذا السياق؟

سفير المغرب:

لا. التطورات في العملية السياسية المغربية مغربية مائة بالمائة وقد بدأت منذ ما يزيد على عشر سنوات، لا تدخل أو ضغوط تمارس على المغرب. الولايات المتحدة تراقب فقط ما يحدث هناك.

تقرير واشنطن:

عودة إلى الملف الاقتصادي، ما هي حجم الاستثمارات الأمريكية في المغرب، وفي أي مجالات؟

سفير المغرب:

هناك استثمارات أمريكية في قطاع الطاقة والكهرباء تعود إلى فترة التحول المغربي نحو خصخصة قطاع الكهرباء والخدمات، ففي عام 1997 أشرفا شركة CMS Energy ومقرها ولاية ميشيغان على إنتاج وتوزيع الكهرباء في المملكة، هناك استثمارات لشركة بوينغ والشركات التقليدية مثل بروكتر وغامبل وكولغيت وغيرها ، تقريبا يوجد 200 شركة أمريكية في المغرب. في الواقع الاستثمارات الأمريكية ليست كبيرة في المغرب، ولكن ما يميز المغرب، في سياق التعاون التجاري والاقتصادي هو وجود اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. كما أن المغرب لديه اتفاقية للتجارة الحرة مع تركيا وتونس ومصر، مما يسهل انتقال وبيع البضائع المغربية بدون رسوم جمركية إلى سوق عريض من المستهلكين.

تقرير واشنطن:

لماذا المغرب؟ دول كثيرة في منطقة الشرق الأوسط تحاول أن تبدأ محادثات اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة ولم تنجح، لماذا وقعت الولايات المتحدة الاتفاقية مع المغرب؟

سفير المغرب:

لا أعرف لماذا لم توقع الولايات المتحدة الاتفاقية مع الأخريين، اعتقد أن مسيرة الإصلاح الاقتصادي في المغرب والتي ترجع إلى بداية الثمانينات هي السبب ، وسهولة التعامل من حيث الإدارة الاقتصادية ونظام الجمارك والتسهيلات.

تقرير واشنطن:

هل يوجد سبب سياسي؟

سفير المغرب:

هناك أسباب سياسية كثيرة، لكن عليك أن تسأل الأمريكيين عن أسبابهم. بالنسبة لي فإن الاستقرار السياسي والإصلاح في المغرب شجع الولايات المتحدة. فلقد كنا مستعدين لهذا الارتباط الذي يتطلب الالتزام بالتعهدات. وذلك ما كان ليحدث إذا كنت كدولة تسيطر على الاقتصاد وتفتقر إلى الشفافية.

تقرير واشنطن:

تشهد العلاقات الأمريكية الجزائرية تحسنا وتعاونا في مجال الطاقة والمجال العسكري. هل يقلق المغرب ذلك؟

سفير المغرب:

مطلقا. بل على العكس يسعدنا ذلك، حيث إن هذا التعاون سيعود بالخير على كافة بلدان الإقليم. ونحن في المغرب نتمنى أن نرى بلاد الإقليم موحدة بدون حدود.

تقرير واشنطن:

كيف تصف علاقتك بالسفير الجزائري في واشنطن؟

سفير المغرب:

جيدة للغاية. لدينا بعض المشاكل، أقصد بعض المشاكل السياسية بين البلدين خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء. والتي يبنى الموقف المغربي فيها على احترام سيادة المغرب على الإقليم، ومنح حكما ذاتيا لأبناء الإقليم بسمح لهم بالحرية في تسيير أمورهم لا يرجع الحكومة المركزية في كل صغيرة وكبيرة مع الالتزام بسيادتها.

تقرير واشنطن:

ارتباطا بنفس الموضوع، اللوبي المؤيد لاستقلال الصحراء واحد من أقدم جماعات الضغط في واشنطن. هل لكم لوبي مغربي يعرض ويدافع عن وجهة نظركم؟

سفير المغرب:

هناك لوبي ومؤيدون للبوليساريو، ولكن هناك العديد من أعضاء الكونغرس يؤيدون سيادة المغرب على الإقليم ، وفي العام الماضي كان هناك 104 من أعضاء الكونغرس يؤيدون سيادة المغرب على الإقليم ، وعلاقتنا بالكونغرس طيبة.

تقرير واشنطن:

تقصد الكونغرس الجمهوري أم الكونغرس الديمقراطي الجديد؟

سفير المغرب:

بالنسبة للمغرب لا يوجد فرق بين الديمقراطيين والجمهوريين، لنا أصدقاء في كلا الحزبين.

تقرير واشنطن:

عودة إلى العلاقات بين الدولتين، تعتبر المغرب تاريخيا من مناطق النفوذ الأوربي، فهل يوجد أي تنافس على النفوذ بين الولايات المتحدة والدول الأوربية خاصة فرنسا في المغرب؟

سفير المغرب:

لا يوجد تنافس ، علاقتنا تاريخيا وجغرافيا قوية بدول أوربية مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا، ولكن زمن التنافس الدولي قد انتهى ، التنافس في عصر العولمة الاقتصادية بين الشركات بغض النظر عن جنسيتها.

تقرير واشنطن:

بعض الدول العربية متهمة باستقبال معتقلين من الولايات المتحدة لاستجوابهم باستخدام وسائل وأساليب يعاقب عليها القانون الأمريكي. وذكرت تقارير أن المغرب من بين هذه الدول.

سفير المغرب:

لا. هذا غير صحيح. كان هناك بعض الشائعات ولكن الحكومة المغربية قد نفت ذلك جملة وتفصيلا.

تقرير واشنطن:

هل يوجد معتقلين مغاربة في معتقل غوانتانمو؟

سفير المغرب:

كان. ولكن لا أعرف إن كان هناك معتقلين حتى الآن أم لا.

تقرير واشنطن:

المغرب رغم بعده الجغرافي عن مركز الصراع العربي الإسرائيلي، إلا يحاول إن يقوم بدور. هل السفير المغربي في واشنطن له اتصالات أو حوارات مع السفارة الإسرائيلية وجماعات الضغط اليهودية مثل إيباك؟

سفير المغرب:

علاقتنا جيدة مع الجميع ونحاول أن نقوم دائما بدور يساعد على إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، للمغرب دور تاريخي في صنع السلام في المنطقة. وعندما يكون لدينا أفكار يمكن أن تساعد على إحلال السلام، فإننا نتكلم إلى جميع الأطراف. وعندما تأتي القيادات الفلسطينية إلى واشنطن فإنها تزور سفارة المغرب.

تقرير واشنطن:

إذا انتقلنا للحديث عن الجالية المغربية التي تقدر نسبتها بحوالي 5% من إجمالي العرب الأمريكيين. ما هي الأنشطة التي تقوم بها السفارة من أجل الانخراط بأبناء الجالية؟

سفير المغرب:

لنا أنشطة بالتأكيد. ليست في واشنطن أو فرجينيا ولكم في أماكن متنوعة في الولايات المتحدة، وأنا شخصيا أقوم بزيارات مختلف الولايات والتقي بأفراد الجالية من نيويورك إلى تكساس مرورا بفلوريدا وكاليفورنيا. والجالية المغربية جالية ناجحة ونحافظ على علاقتنا بها من خلال التعاون مع المؤسسات والجمعيات التي تمثلها.

تقرير واشنطن:

الانتخابات التشريعية ستعقد خلال هذا العام، هل سيتمكن المواطنون المغاربة من الإدلاء بأصواتهم في الولايات المتحدة؟

سفير المغرب:

ليس بعد. ولكن نحاول أن نصل إلى تحقيق ذلك قريبا.[line]

castle
25-02-2007, 05:19 AM
النائب العراقي محمد الدايني :

يطلع «الحقائق» على وثائق تثبت تورط حكومة المالكي في فرق الموت

- مجلس النواب لم يطلع على تفاصيل الخطة الأمنية

- الصدر وقيادات ميليشيا جيش المهدي هربوا إلى خارج العراق بإيعاز من الحكومة العراقية

- مستشار علي حسن المجيد وزيراً في حكومة المالكي

عضوالبرلمان العراقي محمد الدايني قدم للبصائر أكثر من مذكرة تثبت دمج المئات من منتسبي منظمة بدر(الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) بوزارتي الدفاع والداخلية، وعرض التقارير الطبية - وهي بالعشرات ـ للمعتقلين في سجن ديالى الكبير والتي تثبت تعرضهم للإعتداء الجنسي،وكذلك مذكرة الاعتقال الصادرة بحق اللواء شاكرهليل قائد الفرقة الخامسة في ديالى، وغيرها من الحقائق،وأكد على تورط الكثير من البرلمانيين في فرق الموت سيئة الصيت.

«الحقائق» التقت الدايني في العاصمة الأردنية عمَّان، وأجرت معه الحوار التالي:

* الخطة الأمنية انطلقت قبل أيام ما هو تصوركم لهذه الخطة وهل هذه الخطة قانونية برأيكم باعتباركم عضو في البرلمان العراقي ؟

الحقيقة نتمنى أن تنجح أي خطة أمنية فيها فائدة للشعب العراقي المظلوم ،ونحن لدينا ملاحظات عن هذه الخطة التي انطلقت قبل أربعة أيام ، الخطة نعترض عليها بصفتنا برلمانيون نمثل الشعب العراقي لأنها لم تعرض علينا وسبق للمالكي أن تم استضافته من قبل البرلمان العراقي قبل أيام وطُّلب منه عرض آلية وهيكلية الخطة ؛ ومتى تبدأ ؟ ومن أين تبدأ ؟ وما هو التوقيت الحقيقي لبداية ونهاية هذه الخطة ؟ وقد تعهد المالكي قبل الخطة بجلب المعنيين بهذه الخطة ابتدءاً من وزيري الداخلية والدفاع وكبار القادة الميدانيين إلى البرلمان لكشف أبعاد الخطة إلا انه لم يف بوعده، إذاً هذه الخطة لا شرعية لها كونها لم تعرض بشكل مفصل على البرلمان العراقي .

* لكن الحكومة قالت: لقد نالت الخطة الأمنية المقترحة من السيد المالكي إجماع النواب عليها بالكامل.

من يقول إن الخطة الأمنية قد حصلت على إجماع بالقبول من قبل البرلمانيين العراقيين فهذا يكذب على نفسه وكنا من المعارضين حتى على التصويت من حيث المبدأ والحقيقة القرار لم يتم الإجماع عليه .

* الخطة إذاً لم تعرض بالكامل عليكم ولم يحضر قادة تلك العملية للبرلمان ؟

نعم ، هذا الذي جرى بالتحديد كان من المفروض أن تعرض تفاصيله وحصلت مباغتة وتضليل داخل البرلمان ، وتم تمرير الأمر، من جهات تريد تنفيذ هذه الخطة على الحساب المواطن العراقي .

* هل يمكن تحديد هذه الجهات؟

الأغلبية في الائتلاف العراقي إضافة إلى الكتلة الكردية. .ان هذه الخطة جاءت في ظروف غامضة جداً لغرض تنفيذها ومنذ اليوم الأول لتنفيذها قاموا بحملة عشوائية وغير مدروسة على العاصمة بغداد في الغزالية وحي العامل والجهاد والأعظمية وزيونة والعدل وحي الجامعة إضافة إلى مناطق أخرى ؛ حيث تقوم هذه القوات بنهب منظم وسرقة ما خف حمله وثقل وزنه وثمنه ومنها المخشلات الذهبية والأموال الشخصية التي تعود للمواطنين بالإضافة على قيامها بالاعتداء على النساء بالضرب والكلام غير اللائق ، واعتقال الرجال والشباب دون سن الرشد.

* هل يمكن إثبات هذه الدعوى بالأدلة ؟ وكيف عرفت ذلك ؟

أنا عضو في إحدى لجان شكاوي المواطنين ويتصل بي عشرات المواطنين قد حصل لهم هذا الآمر .

* ثم ما هو الإجراء بعد تلقيكم لتلك الشكاوى ؟

نحن وثقنا هذه الشكاوى ثم نعرضها على البرلمان ، وأنا اعتقد إن البرلمان لا يجد لها حلا ً.

* لماذا ؟

لأن الكثير من البرلمانيين متورطون في هذه الأجهزة وكما هو معروف إن لغة التصويت تلعب دوراً في البرلمان .

* إذاً ما هي فائدة الدخول في برلمانات في مثل هكذا حكومة تعمل على المباغتة والتضليل عند اتخاذ القرارات التي فيها مساس بالشعب مباشرة وانتم تمثلون الشعب، حسب ما ذكرت ؟

البرلمان العراقي معطل بشكل كامل وأي مشروع يحترم المواطن لا يصدر من البرلمان إلا القرارات التي فيها إيذاء للمواطن العراقي وخير دليل قرار استيراد المشتقات النفطية واستثمار المستشفيات الطبية العراقية .

أما بالنسبة لبقائي في البرلمان فأنا اعمل ضمن حالة وطنية ورؤية واضحة وانقل الحقائق مثل ما هي وأنا أجد نفسي الآن في حالة مرضية لله ولضميري .

* ما هو قرار استيراد المشتقات النفطية ؟

هذا القرار تمت المصادقة عليه من قبل البرلمان العراقي ، وبالذات من قبل الائتلاف لان لغة الأرقام هي الحاكمة في البرلمان ، وهذا القانون يضر بالشعب العراقي ، حيث إننا بلد نفطي ولدينا ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم ، ثم نستورد المشتقات النفطية. يجب أن يعرف المواطن العراقي أن هناك سرقة منظمة لثروات العراق ومنها الثروة النفطية .

* هل للخطة الأمنية تأثير على الوضع السياسي في البلاد ؟

الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً ونحن في البرلمان العراقي لا نمثل كافة شرائح الشعب العراقي ، البرلمان يمثل 40% فقط من الشعب ، أي هناك 60% من الشعب مغيب ولا يمكن أن يكون هناك استقرار في البلاد طالما هناك هذه النسبة المغيبة وبالرغم من إن أمريكا تريد إنجاح مشروعها في العراق ـ حتى ولو كان بقتل جميع أبناء الشعب العراقي ـ وهي معروفة بسياسية الأرض المحروقة أي تريد أرضاً بدون شعب وهذا ما فعلته بالهنود الحمر هذه الخطة أنا غير متفائل بها كون الأدوات العاملة بها أدوات ملوثة والجيش والشرطة مخترقة من فرق الموت وهذه عندها أجندات خارج الأجندة الوطنية وسيكون مصير هذه الخطة الفشل لا محالة

* هل فعلا الخطة الأمنية يقودها عبود قنبر ؟

ضمن الهيكلية الإدارية والميدانية تم تعيين هذا القائد وهو لديه القدرة على إدارة شيء من الأزمة الحالية لأنه ضابط قديم وقدير ولغاية مجيء الاحتلال كان مدير صنف المشاة في الجيش العراقي الباسل السابق ، وفوجئنا بأنه الآن قائد لخطة بغداد وفرحنا بهذا الأمر ، ولكن هناك تأثيرات داخلية وخارجية عليه من قبل الأحزاب وكتل سياسية مرتبطة بأجندة إيرانية إضافة لديه أدوات ملوثة وكان الله في عونه ، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيء بدون المالكي إذ هو مقيد وأسير للمالكي ، وأنا اعتقد انه سيفشل وسيخسر هذا الأمر الذي هو فيهٍ الآن . وسيخسر الكثير من تاريخه الوطني باعتباره كان قائداً في الجيش العراقي السابق وأتمنى له كل التوفيق وعليه أن يفهم هذا الأمر وان يحسب الأمور بدقة وأريد أن أقول له إن هذه الأمور لها بداية وليس لها نهاية .

* ما هي هذه الأمور التي لها بداية وليس لها نهاية ؟

مثلاً إصدار أوامر قبض بحق 4000 آلاف عراقي ومن ضمن هذه الأسماء وجوه ورؤساء عشائر وقادة ورجال شجعان لديهم أكثر من 20نوط خلال الحرب مع إيران ،وكذلك اللذين تبرعوا بالمال والذهب خلال الحرب.

* من أين حصلوا على هذه الأسماء ؟

نحن نعرف من الذي جاء بهذه المعلومات الكاذبة والذي جاء بهذه المعلومات الاستخبارية الكاذبة وزير لا يمتلك الشجاعة ولا يمتلك مؤهلات الوزير وكان يعمل لغاية الاحتلال مستشارا لعلي حسن مجيد ،المجيد يحاكم اليوم ومستشاره وزير في حكومة المالكي.

* ظهور قوائم باعتقال مسئولين كبار من البرلمانيين من قبل قوات الاحتلال ، كيف يمكن تفسير ذلك في هذه المرحلة الحرجة من تأريخ العراق ؟

في المرحلة الماضية ، القوات الأمريكية فتحت المجال لتغلغل كبير للمخابرات الإيرانية وهي سمحت لهم أن يدخلوا في جميع مفاصل الدولة وان يشكلوا فرق موت وميليشيات حرقت المساجد وقتلت الأئمة والخطباء وقتل العراقيين وسرقة أموال الشعب العراقي ، وهؤلاء أعلنوا الحرب على الشعب العراقي الجريح وخلال أعمالهم الإجرامية كانت قوات الاحتلال توثق لهم كل شيء ابتدءاً من القتل والذي تجاوز مليون شهيد منذ عام 2003 إلى اليوم ، ناهيك عن جرائم الاعتقال بلا مبرر قانوني والتهجير الطائفي وغيرها من الجرائم التي يحاسب عليها القانون ؛ ثم الأمريكان يعملوا على إستراتيجية تخدم مصالحهم وليس مصالح الشعب ؛وتم إصدار مذكرات اعتقال بحق أكثر من 150 من المسئولين في البرلمان والدوائر التابعة للدولة ، وقد بدئوا في هذا الأمر على ارض الواقع وذلك بالبحث عن النائب (جمال جعفر محمد) ، وهو نفسه (احمد المهندس) عندما قامت بإصدار مذكرة قبض بحقه بتهمة تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت وإدارته لفرق الموت وهو المشرف على خطف 250 شخصاً من وزارة التعليم العالي .

* هل محمد الدايني من ضمن هذه القوائم حيث إن الكثير من المسئولين في البرلمان والحكومة يتهمونك بعلاقتك بفرق موت وغيرها؟

الأمريكان لديهم أدلة كثيرة على هؤلاء الذين تم ذكرهم والدايني لم يتبوأ أي منصب خلال المرحلة الماضية ولم يستلم أي مبلغ من الحكومات الماضية وأنا لم أسرق ولم اقتل أحداً ، فلماذا اعتقل ؟ وهذا كله كلام باطل يراد منه إسكات محمد الدايني.

* ما مدى صحة الكلام بشأن هروب الصدر إلى خارج العراق؟

الأمريكان أعلنوا رسمياً هروب الصدر إلى خارج العراق وتحديدا صباح يوم 8/2/2007 ، مع كثير من قادة ميليشيات جيش المهدي .هذا الأمر كان بإيعاز من الحكومة العراقية وقد طلبت وأوعزت لقيادات جيش المهدي من الخط الأول المرتبط من حيث الهيكلية الإدارية بحرس الثورة الإيراني ، طلبوا منهم الخروج من العراق فوراً كون وجودهم يشكل خطراً على حياتهم لان الأمريكان سيعتقلون الكثير منهم.

* مَنْ مِنَّ الحكومة قام بتبليغ جيش المهدي بالهروب إلى خارج العراق ؟

الحكومة الحالية ما هي إلا جزء كبير من الميليشيات والأمريكان ليس لديهم ثقة بالحكومة كون أي معلومة من قبل الأمريكان لهم (أي للحكومة) سيتم تسريبها إلى الميليشيات وكثير من قادة الميليشيات في البرلمان والحكومة .

* المالكي قال نحن لا نفرق بين أبناء الشعب العراقي ؟ وأنت تقول عكس ذلك ؟

أتمنى أن يكون المالكي رئيس وزراء العراق إلا انه يتصرف على انه رئيس وزراء مدينة الصدر أو الشعب وهو يكيل بمكيالين .

* هل بإمكان المالكي في ظل هذا التداخل في عمل البرلمان والميليشيات أن يحجم دورها؟

قبل أيام تكلم كبير مستشاري البيت الأبيض بصراحة عندما قال إن المالكي لا توجد لديه أي مصداقية ولا رؤية واضحة تجاه الميليشيات، بل هو متورط وهو أسير للميليشيات وفرق الموت، فلا يمكن أن يعمل على محاربتها، والكلام الذي ينشر عن إلقاء القبض على عناصر الميليشيات غير صحيح فأجهزة الدولة العراقية تحول أكثر من 70% منها إلى يد الميليشيات.

* كيف تنظر إلى هذه المعادلة الغريبة والمتناقضة أمريكا تعرف كل شيء ؟ الحكومة تعرف ذلك أيضاً ؟ من المستفيد إذاً ؟

أمريكا تعرف كل شيء عن فرق الموت والميليشيات ، لكن لا يوجد لديها خيار إلا دعم حكومة المالكي ،والورطة الكبيرة التي وقعت فيها أمريكا في العراق أنها هي التي شنت الحرب على العراق ، لكن المنتصر فيها هو إيران عن طريق الميليشيات والتدخل المباشر حيث يوجد أكثر من 65 ألف جندي إيراني في بغداد وحدها.

* هل تعتقد أن ورقة المالكي قد انتهت ؟

الاحتلال وسياسته وتحديداً السياسة الرعناء التي يسير فيها بوش ليس أمامهم خيار إلا دعم حكومة المالكي وهو في اعتقاده إنها سوف تخرجه من المأزق الذي وضع فيه أمريكا ودول المنطقة وشعوبها .

* ما هي اعتراضاتكم أو انتقاداتكم على حكومة المالكي ؟

نحن لدينا اعتراضات كثيرة على سياسته وهي عاجزة على السيطرة على زمام الأمور في البلاد وعجز حكومته على توفير ابسط مقومات العيش للمواطن العراقي .

* هل يمكن أن تعطينا بعض الأمثلة ؟

الكهرباء مثلا تأتي ساعة واحدة فقط في اليوم ، وهذا الحال في جميع المحافظات العراقية اسطوانة الغاز أصبح سعرها 40000 دينار (أربعين ألف دينار عراقي) أي بحدود 30 دولاراً ، ونحن بلد الغاز والنفط حتى الدول التي تستورد الغاز والنفط سعر اسطوانة الغاز عندهم 5 دولارات فقط ..المالكي وحكومته أتحداهم أن يخرجوا في الشارع العراقي وان يزوروا أي مصنع أو مدرسة أو مستشفى وفي ظل حكومة المالكي والحكومة السابقة أصبحت المستشفيات بؤر لفرق الموت والإبادة والمسئولين في الحكومة قابعون في المنطقة الخضراء ، لا يعرفون أي شيء عن الشارع العراقي.

* هناك أخبار عن إمكانية تَسلُّم الدكتور أياد علاوي مهام حكومة تكنوقراط في بغداد ، ما تعليقكم على ذلك ؟

هذا الأمر لا يمكن أن يطبق على الأرض كون هناك لغة الأرقام في البرلمان ومن يمتلك لغة الأرقام يكون لديه الحظوة الكبرى .. مشكلة العراق ليست في قدوم أخي أياد علاوي ، مشكلة العراق معقدة وأنا أظن أن حلها سهل جداً .

* كيف ذلك ؟

المعروف إن أكثر من 60% من الشعب العراق مغيب تماماً عن العملية السياسية ومن يريد إيجاد حلاً للقضية العراقية واستقرار الوضع فيه عليه أن يعمل على جمع جميع العراقيين ضمن مشروع وطني عراقي أصيل وليس مشروع إيراني خطير خارج عن الأجندة الوطنية، وبالحوار يمكن حل جميع المشاكل وبدون إشراك المقاومة الشجاعة التي غسلت عارنا وعار الأمة العربية من براثين الاحتلال وأعطتنا دروساً كبيرة ولجميع حركات المقاومة في العالم بدون هذه المقاومة لا يمكن حل أي مشكلة في العراق .

* هل تعتقد انه من الممكن أن يقع انقلاب عسكري في العراق ؟

طالما هناك احتلال لا يمكن أن يقع أي انقلاب عسكري ولقد حاول جيش المهدي قبل فترة على القيام بانقلاب عسكري بالتنسيق مع آخرين في الحكومة ولم يتمكنوا من هذا الأمر كون هناك أكثر من 250 ألف جندي أمريكي بالإضافة إلى شركات الحماية وهذا رقم كبير وكبير جدا .

* الزركة ، مجزرة جديدة في تاريخ العراق الجديد ، ما حقيقة ما جرى في الزركة ، وهل لإيران دور فيها ؟

الأمريكان متفقون مع حكومة المالكي على إبادة الشعب العراقي إبادة جماعية وقبل النجف كانت إبادة لأهلنا في أماكن عدة من العراق في حديثة والفلوجة وسامراء وبلدروز والديوانية والسماوة وهذه المرة في الزركة بالنجف ، الحكومة متورطة في هذا الأمر وتم إبادة أكثر من 1200 عراقي وهذا الملف نحن نحتفظ فيه وسيأتي اليوم الذي نحاسب فيه من أجرم بحق أهلنا في النجف ومنهم المحافظ أبو كلل (وهو من أصول إيرانية) ؛ وكذلك سيتم محاسبة السلطة الموجودة في النجف وهناك تورط كبير لبرلمانيين في هذه الإبادة إضافة إلى مسئولين كبار في الحكومة الحالية ، وحينما طلبنا تشكيل لجنة تحقيقيه ، وجدنا معارضة من قبل الكثير من أعضاء البرلمان العراقي وقد أبلغونا بقولهم لماذا تدافعون عن النجف ؟ وكأن النجف محافظة إيرانية وليست عراقية؟..لكن نحن نحتفظ بملفات مهمة عن قتل النساء والأطفال وكيف هدمت المساكن على رؤوس ساكنيها إضافة إلى اعتقال 2000 مواطن وقسم منهم جرى ويجري التحقيق معهم في إيران وأنا اعتقد إن ما جرى هو ثورة من قبل العشائر العربية في الفرات الأوسط ضد التواجد الإيراني.

* ما هي تداعيات لقائكم الأخير في برنامج الاتجاه المعاكس ؟

هذا البرنامج أردنا أن نوصل من خلاله صورة كاملة عن الوضع في العراق الذي هو في ضبابية شبه كاملة لدى المحيط العربي والإسلامي ؛ كشفنا حقائق على الأرض منها جرائم قتل ،وكشفنا أسماء وجهات متورطة لإدارتها فرق الموت ؛والذي حدث بالتزامن مع البرنامج قيام القوات الأمريكية باستصدار مذكرة اعتقال بحق احمد المهندس ومداهمة مسجد براثا ووجدوا فيه 26 معتقل كانوا في قوائم الإعدام ، وأكثر من 17 جثة وقاعات لتعذيب المعتقلين وقاعة لاستقبال الضيوف الأجانب ومستودع للأسلحة الثقيلة ووثائق مهمة تثبت تورط دولة إقليمية بهذا الأمر.

* من هي هذه الدولة ؟

إيران.

* لكن هذه الأرقام التي ذكرتها بالنسبة للقتلى لم تذكر إلا منك ؟

الأمريكان يوم أمس أعلنوا عن قيامهم بمداهمة المسجد يوم 14/16 من هذا الشهر ،واعترفوا بعثورهم على كميات كبيرة من الأسلحة ومعتقلين وهذه الأرقام التي ذكرتها أنا مسئول عنها ، ولدي أدلة على كل هذه الأرقام والحقائق .

* اتهمت الشيخ جلال الدين الصغير بإيواء فرق الموت وتخزين أسلحة في مسجده هل لديك أدلة على هذا الرجل؟

لدينا كم هائل من الوثائق والملفات على تورط زميلي الشيخ جلال الدين الصغير بهذا الأمر ولدينا اعترافات من أناس قد فرو هاربين من جامع براثا وخير دليل أيضاً هو مداهمة القوات الأمريكية لهذا المسجد يومي 14/16 من الشهر الجاري والمعروفة في كافة وسائل الإعلام .

* الفضائح الكبيرة التي نشرت عن سجن بعقوبة الكبير والتي أسندت بتقارير طبية تبين تعرض المعتقلين فيه إلى تعذيب واغتصاب وقلتم حينها ـ في لقاء سابق مع البصائر ـ انه فتح تحقيق من قبل الحكومة والبرلمان في هذا الموضوع إلى أين وصلت التحقيقات ؟ وهل يمكن اطلاعنا عليها؟

لا نتائج تحقيق في أي انتهاكات قد اكتشفت في المرحلة السابقة ، هناك تستر كبير من الحكومة الحالية والسابقة كون كثير منهم متورط في هذه الاتهامات ، أين التحقيق في سجن الجادرية الذي وجد فيه أكثر من 224 عراقي ؟ وأين التحقيق في معتقل ساحة النسور الذي وجد فيه أكثر من 6000 آلاف عراقي؟ وأين التحقيق في معتقل لواء الذيب ـ سيء الصيت ـ حيث وجد فيه أكثر من 3000 آلاف عراقي ؟ وكذلك الحال في سجن بعقوبة الكبيرـ مقر مديرية شرطة بعقوبة ـ هناك أكثر من ـ 318 ـ اغتصبوا جنسياً ، وأنا أتساءل : لماذا هرب كثير من ضباط الداخلية ومحققيها في زمن صولاغ خسروي وآخرهم اللواء غسان الباوي قائد شرطة محافظة ديالى ؟ ولماذا لا ينفذ السيد المالكي مذكرات بأوامر قبض بحق مرتكبي هذه الجرائم أمثال غسان الباوي قبل هروبه والعميل شاكر هليل قائد الفرقة الخامسة الذي اصدر القضاء العراقي بحقه مذكرة قبض وفق المادة 421 قانون العقوبات وهي تنص على إبادة جماعية لأهلنا في ديالى وقتل أكثر من 3000 آلاف عراقي وأتهم من قبل الاحتلال بإدارة فرق الموت؟؟؟

* جولتكم الأخيرة في بعض البلدان العربية هل يمكن أن تحدثنا عنها باختصار؟

هذه الزيارات كانت مهمة لنا كعروبيين وقد اطلعنا الأخوة القادة العرب بحقيقة كانت شبه مغيبة عنهم وعن شعوبهم وطلبنا منهم أن لا ينظروا إلى الأخوة العروبيين وتحديداً أهلنا في الجنوب والفرات الأوسط بأنهم مع المشروع الإيراني .. نحن لا نزايد عليهم في وطنيتهم والكثير منهم يسلك طريق مقاومة الاحتلال الأمريكي والإيراني وهم يعانون الأمرين من خلال تواجد إيران والأحزاب الموجودة في الحكومة والتي كانت محتضنة من قبل المخابرات الإيرانية وعلينا أن نعمل ضمن حالة وطنية واحدة وأن لا ننسى تاريخهم المشرف سواء في ثورة الـ20 وغيرها من ثورات التاريخ العراق ، وقد أيد الكثير منهم هذا الكلام .

* كررت في وسئل الإعلام مؤخراً أرقام مخيفة عن بعض المسئولين العراقيين وتورطهم في كثير من الوقائع والحوادث في الشارع العراقي هل من الممكن أن تطلعنا على بعض هذه الأرقام ؟

أنا عندي وثائق وأرقام تثبت إن منظمة بدر تم زجها في وزارة الداخلية وتم منحهم رتب عالية ، وهناك أكثر من 17 فضائية إيرانية تعمل في العراق وأكثر من 25 ألف معتقل اختفوا من السجون العراقية ومليون تم قتلهم في ولاية أياد علاوي والجعفري ،وأكثر من 6 ملايين تم تهجيرهم منهم 3 ملايين إلى خارج العراق وهناك 300 ألف في عداد المفقودين و90 ألف في المعتقلات.

* العراق برأيكم إلى أين يتجه ، في ظل هذه الفوضى التي لا يمكن تلافيها بين ليلة وضحاها ، وعجز الحكومة عن فعل شيء ناهيك عن العجز الأمريكي الواضح ، برأيكم كيف ستكون الأمور في العراق ، باختصار العراق إلى أين ؟

العراق ذاهب باتجاه الهاوية وباتجاه إبادة شاملة للشعب العراقي وباتجاه فشل ذريع لكل المشاريع عدا المشاريع الوطنية فعلى العراقيين أن يتوحدوا وان يكونوا حالة واحدة للوقوف بشجاعة ضد المشاريع التقسيمية ومشاريع نهب ثروات العراق ومشاريع قتل المواطن العراقي البسيط وعدونا لا يهزم إلا من خلال وحدتنا وتماسكنا وهنا أحذر جميع الحكومات العربية والشعوب وأقول لهم عليكم أن تفهموا انه يوجد في كل بلد من البلاد العربية خلايا إيرانية نائمة وهذه الخلايا ربما تصحو في أي وقت إذا توفرت الظروف المناسبة لها وان يكونوا متيقظين من السياسة الإيرانية في المنطقة وهي تحلم بإمبراطورية فارس الكبرى وهي تعتقد إنها بدئت من العراق مروراً بالخليج العربي ثم إلى باقي البلدان العربية والإسلامية .[line]

castle
26-02-2007, 07:39 AM
الاثنيـن 08 صفـر 1428 هـ 26 فبراير 2007

أنا مواطن في دولة الأرق!

أنيس منصور

منذ أيام نمت هادئا حتى الصباح، فأدهشني ذلك تماما وجلست أمسك ورقة، وقلما أسجل كل ما فعلته وشربته وأكلته وقابلته من الناس، وحضرته من الاجتماعات،، لعلي أعرف الأسباب التي أدت بي إلى أن أنام ست ساعات متواصلة. فإذا عرفت: حاولت أن أكرر ذلك كل يوم. ولم أجد في كل ما فعلته شيئا غير عادي.

أولا: آكل المسلوق وأشرب الشاي بلا سكر ولا أدخن.

وثانيا: الذين قابلتهم هم الذين أراهم كل يوم.

وثالثا: قلبت في بعض الكتب التي وصلت أخيرا، وتوقفت عند بعض الصفحات ووضعت بعض العلامات بالقلم الرصاص.

ورابعا: أما المضايقات فعادية جدا سوف تحدث كل يوم.

وخامسا: كتبت مقدمة طويلة لكتاب ظل في المطبعة ستة شهور. الكتاب كله مطبوع تنقصه هذه المقدمة. ثم هناك ثلاثة كتب أخرى مطبوعة تنقصها المقدمات. ولا أعرف متى أكتبها!

لا شيء غير عادي، ورجعت إلى كتاب الزعيم العمالي هارولد ويلسون، والى الصفحة التي قال فيها: إن أهم الصفات التي يجب أن يتصف بها رئيس الوزراء لكي يكون ناجحا هي: أن يعرف كيف ينام، وأن يقرأ التاريخ. ومعنى ذلك أن أهم عنصرين لنجاح أي إنسان هو أن يعرف كيف يستريح بعمق، وأن يعرف تاريخ فنه أو تاريخ المهنة التي يمارسها. تاريخ الأدب أو تاريخ الحكم أو السياسة أو الإدارة. أي يجب أن يعرف ما الذي فعله الذين سبقوه. كيف نجحوا أو كيف لم ينجحوا. وكيف وقفوا ووقعوا؟! لعله يستفيد من تجاربهم.

أما النوم العميق فمعناه: أن يعرف الإنسان كيف يتعب بشدة ليستريح بعمق. أو كيف يستغرق في العمل، لكي تستغرقه الراحة من العمل.

ولا يزال النوم هو مملكة المعذبين في هذه الدنيا. ولكن عيوب هذه المملكة أنها بلا حدود.وأن تأشيرة الدخول إليها ليست لها شروط واضحة فيدخلها من لا يعمل شيئا. ولا يدخلها من يعمل أي شيء وكل شيء، ويدخلها المريض ويدخلها الصغير. ويحرم منها الكبير. ويدخلها الظالم ويطرد منها المظلوم.

إذن ما هو المطب الذي وقعت فيه أنا! أين هو التقصير في هذه الحكمة التي أعلنها الزعيم البريطاني!

اكتشفت أني مشغول جدا بتاريخ الذين عرفوا النوم العميق. عن تاريخ صناعة الكتابة والأدب والفن والفلسفة. ووجدت أن أكثر النائمين بعمق، فيما عدا بعض القادة القلائل في العالم، هم كل المتخلفين عن الحضارة وكل الحيوانات![line]
حقائق القوة الروسية وظلالها

محمود عوض

الحياة

بينما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي بكلماته العاصفة أمام المؤتمر الثالث والأربعين للأمن في ميونيخ في ألمانيا في 10/2/2007، استعاد قليلون في ذاكرتهم مشهدا عاصفا آخر كان شهده الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1960. في حينها وأمام الكاميرات العالمية وبحضور وفود كل الدول الأعضاء خبط الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف المائدة أمامه بقبضته وخلع حذاءه ملوحا به ايضا بينما تتدفق منه كلمات غاضبة خلاصتها: ان الاتحاد السوفياتي هو القوة العظمى التي لن تسمح للآخرين بالاستخفاف بها. فلاديمير بوتين في ميونيخ لم يكن هو نيكيتا خروتشوف في نيويورك. لا الزمن هو الزمن ولا روسيا هي الاتحاد السوفياتي. يكفي أن نتذكر أن مجمل الموازنة العسكرية لروسيا الاتحادية الآن - ضمن اعتبارات أخرى - لا يصل إلى واحد من ثلاثين من الموازنة المماثلة للولايات المتحدة.

قليلون أيضا ربما أعادتهم كلمات بوتين الغاضبة في ميونيخ - وبمفهوم عكسي - إلى كلمات الزعيم البريطاني الراحل ونستون تشرشل النارية في ولاية ميسوري الأميركية بالولايات المتحدة في سنة 1946 التي أطلق فيها شعار «الستار الحديدي» على الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية، فيما اعتبر تاريخيا إعلانا ببدء الحرب الباردة من الولايات المتحدة وحلفائها ضد الاتحاد السوفياتي ومعسكره. في حينه كانت تضحيات الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية سمحت له بالوصول إلى برلين في قلب ألمانيا وإقامة منطقة نفوذ مستجدة سمحت لموسكو بالتمدد عسكريا وإيديولوجيا واقتسام أوروبا مع المعسكر الآخر. الآن في 2007 مضت 16 سنة على تلاشي الاتحاد السوفياتي وانفراطه إلى 15 دولة مستقلة. والأهم من ذلك أن حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة هو الذي تمدد شرقا حتى حدود روسيا ذاتها. أما الحقيقة الأخرى فهي أن الدول الحليفة للاتحاد السوفياتي سابقا تحولت إلى عضوية حلف شمال الأطلسي وحتى نظم تسليحها تحولت إلى الترسانة الأميركية.

كلمات فلاديمير بوتين الغاضبة في ميونيخ لا تعني إذن العودة إلى مناطحة أميركا عسكريا، كما أنها لا تعكس رغبة أو قدرة على استعادة أجواء الحرب الباردة. في الواقع ان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس كان معبرا في رده على بوتين حينما قال إن حربا باردة واحدة تكفي. تلك كلمات حمالة أوجه فهي قد تعبر عن توصيف للحال بقدر ما تعبر عن إنذار ضمني لأن النظرة السائدة في أميركا تحديدا هي أن موسكو خرجت من الحرب الباردة مهزومة بينما واشنطن هي المنتصرة.

وبينما يقر فلاديمير بوتين بأن روسيا الاتحادية لم تعد قوة عظمى إلا أن رؤيته الغاضبة للمشهد الدولي المعاصر تشمل أبعادا أخرى. ففي مؤتمر ميونيخ شن بوتين هجوما عاصفا على «تجاوز الولايات المتحدة لحدودها الوطنية في كل المجالات وهذا أمر خطير جدا لم يعد يشعر معه أي شخص بالأمن لأنه لم يعد بإمكان أي كان أن يجد ملاذا في القانون الدولي». وحذر بوتين من أن «استخدام القوة هو غير شرعي إلا على اساس تفويض من الأمم المتحدة، وليس من حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي... وإلا فإننا ذاهبون مباشرة إلى طريق مسدود، وسيكون ذلك خطيرا جدا». وبكلمات الرئيس الروسي فإن «عالما أحادي القطبية لا يعني عمليا سوى أمر واحد وهو مركز سلطة ومركز قوة ومركز قرار يتحرك كسيد أوحد ولا علاقة لذلك بتاتا بالديموقراطية». وبالنتيجة فإن «وجود قطب وحيد في العالم الحديث هو أمر غير مقبول وغير ممكن» و «الأعمال المنفردة لم تحل الصراعات وإنما جعلتها اسوأ... وأدت إلى مآسٍ إنسانية جديدة وخلقت مراكز جديدة للتوتر». وحتى يكون المعنى صريحا ومباشرا فإن بوتين يقصد الولايات المتحدة تحديدا وتعبيرها عن «ازدراء أكبر وأكبر» للقانون الدولي وهو ما يشعل سباقا جديدا للتسلح ويدفع بعض الدول إلى حيازة أسلحة الدمار الشامل. وبالخلاصة فإن «العالم الأحادي الجانب» بقيادة الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة لم ينجح مطلقا في الحقيقة سوى في زعزعة الاستقرار أكثر وأكثر في العالم.

الرد الأميركي على كلمات بوتين العاصفة جاء في اليوم التالي وأمام المؤتمر نفسه في ميونيخ من روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي. فمع رفضه وجهة نظر الرئيس بوتين فإن الوزير الأميركي، الذي شغل سابقا منصب مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، اختار قالبا ساخرا حينما خاطب المجتمعين بقوله: «لدي مثل - بوتين - الذي كان المتحدث الثاني أمامكم أمس أساس مهني مختلف تماما. فقد عملت في الجاسوسية مثله، وأعتقد أن الجواسيس القدامى يعانون من عادة التحدث بفظاظة». لكن غيتس قال إنه دخل «معسكرا لإعادة التأهيل» حينما عمل رئيسا لجامعة أميركية حيث تعلم من خلال تعامله مع الكليات الجامعية أنه على المرء أن «يكون لطيفا... أو يرحل».

على هذا المنوال تواترت كلمات بعض المعلقين الأميركيين من الصقور، وخلاصتها أنهم لا يمانعون في أن يبث الرئيس الروسي شكاويه أمام الكاميرات... فقط عليه ألا يصيح. عليه ألا يرفع صوته. بالطبع هذا يعكس نشوة الإحساس التاريخي بالانتصار ويؤكد في الوقت نفسه الأساس الفكري للمحافظين الجدد، وهو أن زمن التعامل مع موسكو بندية انتهى وعلى موسكو الجديدة أن تتكيف مع الوقائع الجديدة. من تلك الوقائع مثلا تمدد حلف شمال الأطلسي إلى حدود روسيا وتحول حلفائها السابقين في أوروبا الشرقية إلى أعضاء في المعسكر الأميركي - الأوروبي، ثم التوجه الأميركي الرسمي منذ الشهر الماضي إلى نشر مظلة دفاع صاروخية أميركية في بولندا وتشيكيا في تصرف منفرد لم تستشر فيه أميركا حتى حلفاءها الأوروبيين.

لكن رد الفعل الآخر، والمفاجئ بحد ذاته، فقد جاء بعدها بأيام قليلة من وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير. المفاجأة هنا مزدوجة. فالوزير عضو في حكومة ألمانية هي الأقرب إلى الخط السياسي الأميركي منذ سنوات طويلة. كما أن كلمات الوزير ذاتها واضحة في تفهمها للقلق الروسي الغاضب من خطط واشنطن لنشر نظمها الصاروخية قرب الحدود الروسية من دون التفاهم مع موسكو. وأضاف الوزير الألماني أنه كان على واشنطن أن تبحث هذا الأمر مسبقا مع موسكو «بالنظر إلى الطبيعة الاستراتيجية لمثل هكذا مشاريع، كان من الأفضل اعتماد الحذر واللجوء إلى حوار مكثف مع كل الشركاء». بعدها كرر الوزير الألماني انتقاداته قائلا إنه «كان من الأفضل لواشنطن استخدام الشفافية والدخول في مفاوضات مع الأطراف المعنية بالأمر» ومن بينهم ألمانيا ذاتها.

كانت الحجة الدعائية الأميركية لتبرير سعيها لنشر نظامها الصاروخي الجديد في ألمانيا وتشيكيا هي أنه لن يكون موجها ضد روسيا ولكن للحماية من هجمات محتملة مستقبلا من دول مارقة بمستوى كوريا الشمالية وإيران. لكن مثل هذا التبرير استفز روسيا بدرجة أكبر، وهو ما جعل وزير الدفاع الروسي يرد علنا بقوله إن إيران لا تمتلك أصلا أية صواريخ عابرة للقارات ولا أي قدرة على إنتاجها. أما كوريا الشمالية فهي لا تستطيع ضرب المناطق التابعة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بالصواريخ الباليستية التي تمتلكها حالياً و «مجرد نظرة سريعة على أي خريطة أو نموذج مدرسي للكرة الأرضية ستكون كافية لإدراك أن أوروبا لا تقع في مسار طيران أي صاروخ يتم إطلاقه من كوريا الشمالية إلى الولايات المتحدة».

الأقرب إلى الواقع، وما هو فعلا على المحك من وجهة النظر الروسية، هو أن شبكات الصواريخ الأميركية الجديدة المعروضة على بولندا وتشيكيا هي بمثابة استكمال للطوق الصاروخي الأميركي لمحاصرة روسيا. وبحسب وزير الدفاع الروسي فإن هذا التطور يخل بميزان القوى في أوروبا. أما من منظور الجنرال نيكولاي سولفتسوف قائد القوات الاستراتيجية الروسية فإن وجود هذه الصواريخ في بولندا وتشيكيا يمثل إعلان حرب على روسيا «وحتى الآن لم نر شيئا. ولكن إذا قررت الحكومتان البولندية والتشيكية استضافة الدرع الصاروخي الأميركي فسوف تكون صواريخنا قادرة على استهدافها وتدميرها إذا تم اتخاذ قرار سياسي بهذا الشأن».

مع أن هذه الخشونة، والخشونة المضادة في التصريحات تبدو مفاجئة إلا أنها كانت تتراكم منذ سنوات. ربما نعود مبدئيا إلى التصريح الساخر من الرئيس فلاديمير بوتين في العام الماضي قاصدا أميركا حينما قال «إن الرفيق الذئب يعرف من يأكل، وهو يأكل بغير أن يستمع إلى الآخرين». لكن بعيدا عن التورية فإن الخلل يرجع أساسا إلى ملابسات انتهاء الحرب الباردة. فحسب ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي فإن موافقته على إعادة توحيد ألمانيا كانت مرتبطة بالتزام أميركي بعدم تمدد قواعد حلف شمال الأطلسي إلى ألمانيا الشرقية. وحسب غورباتشوف أيضا فإن مبادرة موسكو إلى فك حلف وارسو في 1991 كانت متلازمة مع وعد أميركي مماثل بتحول حلف شمال الأطلسي إلى منظمة مدنية. كلمات غورباتشوف تلك ترتبط قيمتها بغورباتشوف نفسه. هذا يعني أنها - حتى بافتراض صحتها - بلا قيمة لأن السياسات الدولية تصنعها الحقائق الصلبة وليس الكلمات الشفهية المعسولة داخل غرف مغلقة، بافتراض أنها قيلت أصلا.

في سنوات رئاسة بوريس يلتسين لروسيا الاتحادية لم يدعِ يلتسين لنفسه أي سياسة مستقلة عن الاستراتيجية الأميركية. تلك كانت سنوات النهب العظيم لموارد روسيا والانكماش الأكبر في مجمعها الصناعي العسكري، وهو الذي كفل لموسكو السوفياتية الوجود أصلا كقوة عظمى مناطحة للولايات المتحدة.

مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في موسكو حاول في البداية الانضمام إلى عضوية حلف شمال الأطلسي فرفضت أميركا طلبه في التو واللحظة. بعدها تمدد الحلف إلى دول البلطيق وبولندا وإلى البحر الأسود، في نقض أميركي صريح لتعهد حقيقي كانت قد أعطته لموسكو سابقا. وبعد أن فرغت الولايات المتحدة من إلحاق كل دول أوروبا الشرقية بحلف شمال الأطلسي بدأت تغازل أوكرانيا وجورجيا وترتب فيهما وغيرهما الثورات الملونة التي جعلت روسيا لا تعود خلفا تسعين سنة بل خمسمئة. وبعد أن تسامح بوتين مع قواعد عسكرية أميركية موقتة في المحيط المجاور شمال أفغانستان تحت عنوان محاربة الإرهاب وجد أن القواعد الموقتة تتحول إلى دائمة.

وبينما اشترطت أميركا على روسيا التحول الكامل إلى اقتصاد السوق من بين شروط انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية اعترضت أميركا فورا حينما فعلت روسيا هذا بالضبط بالنسبة لأسعار تصدير الغاز الروسي. كانت أوكرانيا وبيلاروسيا وحلفاء سابقون آخرون يحصلون على الغاز الروسي بأسعار سياسية مخفضة. لكن حينما طلبت روسيا التعامل بأسعار السوق قام الإعلام الأميركي والأوروبي بالتنديد بالسلوك الروسي، بل وأعلن ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي في ايار (مايو) الماضي ان روسيا تستخدم البترول والغاز كوسائل للتخويف والابتزاز.

وبينما تسعى أميركا إلى وضع يدها على بترول العالم بالضغط أو التهديد أو الغزو المسلح كما في حالة العراق، نددت أميركا بالرئيس الروسي حينما قام بإعادة تأميم كبرى شركات البترول الروسي. وبينما يجري الضغط على روسيا للتعجيل بسحب قواتها من جورجيا ومولدوفا يتقدم حلف شمال الأطلسي بقواعده إلى بلغاريا ورومانيا. وبينما تقوم روسيا بتوريد التكنولوجيا النووية السلمية إلى إيران تضغط أميركا على روسيا لوقف تعاونها مع إيران، بل وحتى الانكماش في صادرات الأسلحة التقليدية إلى العالم الثالث. وبينما لروسيا حق النقض في مجلس الأمن الدولي تسعى أميركا إلى الابتعاد عن مجلس الأمن والأمم المتحدة لتتصرف في المسرح الدولي منفردة أو - إذا ضاقت بها الحال - تحت مظلة حلف شمال الأطلسي بعيدا عن روسيا والصين وكل معترض آخر.

ما الذي جعل فلاديمير بوتين يعلو صوته غاضبا في ميونيخ؟ أسباب عديدة أهمها على الإطلاق نجاحه في استعادة قدر من الصحة والانضباط والنمو في الاقتصاد الروسي. في السنوات الأخيرة لم تسدد روسيا كل ديونها الخارجية فحسب، ولكنها سددت الجزء الأكبر منها قبل موعده. هذا ضمن لها توقف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية الغربية عن التطفل على سياساتها الداخلية والخارجية. وأكثر من ذلك نجحت روسيا في ادخار مئة مليار دولار من عائداتها الحالية من مبيعات البترول والغاز الطبيعي.

بموازاة التعافي الاقتصادي عوضت روسيا تراجعها الاستراتيجي بالسعي إلى علاقات جديدة مع دول بحجم الصين والهند. هذا الخط السياسي كان يتردد صداه في الفكر الاستراتيجي الروسي منذ سنوات يفجيني بريماكوف كرئيس للوزراء. لكن بريماكوف كان يعمل في ظل رئيس غائب عن الوعي معظم الوقت ومستسلم بالكامل لإملاءات صندوق النقد الدولي ومؤسسات المال الغربية ومقامر بدرجة أكبر على الكلمات المعسولة من أميركا. الآن وحتى نهاية الفترة الرئاسية الأخيرة لبوتين في العام القادم، من المؤكد أن روسيا سيعلو صوتها بدرجة أكبر. وبالتأكيد سيكون التاريخ رحيما بفلاديمير بوتين، بقدر قسوته على يلتسين وغورباتشوف.

* كاتب مصري[line]
(هيومن واتش) تغصُّ بالنملة وتبلع الجمل!

عبدالرحمن بن محمد السدحان

الجزيرة

* تُفاجئُنا منظمةُ (هيومن رايتس واتش) الأمريكية بين الحين والآخر بإشعال حرائق الغلّ ضد هذا البلد الأمين، متأثرة في ذلك ب(وصاية) الممولين لها من بعض صهاينة نيويورك وما حولها، وهي لا تكفّ ولا تعفّ عن ممارسة الافتراء المكشوف على بلادنا باسم الغيرة على (حقوق الإنسان)، وآخر ما صدر عنها دعوةُ المملكة إلى إطلاقِ سراح أشخاصٍ ثبت للجهات المسؤولة مؤخراً تورطُهم في جمع الأموال دَعْمَاً لنشاطات إرهابية، في الوقت الذي يزعمُون فيه أنهم دعاةُ إصلاح!

***

* وتعليقاً على هذا الموقف الجديد ل(هيومن رايتس واتش) أقول:

* أولاً: هل نسيَ رئيسُها التنفيذي، السيد كنيث رُث، ما سمعَه وشاهدَه وعلمَه في الرياض على مدى أيام خلال زيارته لها في أواخر العام الماضي من أنَّ حكومة المملكة تخوضُ حَرْبَاً شجاعة على الإرهاب بكل ألوانه وأشكاله وأسمائه وصفاته، وأنَّ من حقها شرعاً ونظاماً وعُرفاً أن تتخذَ من الإجراءات ما يمكّنُها من ممارسة دورها في هذا السبيل متى ثبت لها أن هناك من يتآمرُ على أمنِ الوطن وسلامته؟!

***

* ثانياً: كيف تتوقّع (هيومن واتش)، ورئيسها التنفيذي كنيث رث، من سلطات المملكة أن تجنحَ للسلم مع كل من يدعم الإرهاب تمويلاً له، أو مشاركة فيه، أو تعاطفاً معه؟! كيف تَتَسامح المملكةُ مع مَنْ يتظاهر عَلناً بدعم ذوي الحاجة، ويسْتمطرُ الأموالَ باسمهم، ثم يشْتري بها سِراً سلاحاً يقتلُ به الأبرياءَ، وييتِّمُ الأطفال، ويرمّل النساء؟!

***

* ثالثاً: كيف تمنح (هيومن واتش) نفسها حريةَ مهاجمة هذه البلاد الآمنة المطمئنة الساعية في دروب الإصلاح، لأنَّها تمارسُ حقّها الشرعي في الذود عن كيان الوطن وأهله ضد الإرهاب على أرضها، في الوقت الذي يعلم فيه سادة هذه المنظمة علم اليقين أن الحملة على الإرهاب التي تشنها المملكة تتخذُ أكثرَ من مسار، من بين ذلك محاولة (ترميم) العقول المنحرفة وتطهيرها من درن التضليل والضلال عبر آلية (المناصحة)، فمن صلُحتْ نيتُه وحسُن عملُه، أُخليَ سبيلُه ليلحقَ بأهلِه، مع مساعدة البعض على التكيّف من جديد مع نفسه وأسرته ومجتمعه، مادياً ومعنوياً؟!

***

* رابعاً: كيف تَجْرُؤ (هيومن واتش)، ورئيسها التنفيذي، كنيث رث، على توجيه الانتقادات الحادة بين الحين والآخر ضد هذه البلاد وأهلها، متدثرة ب(حقوق الإنسان) في الوقت تتناسى فيه الحديث، تصريحاً أو تلميحاً، عما يجري في مستنقعات (جوانتنامو)، ناهيك عمَّا يتعرضُ له العديد من الطلاب من أبناء هذه البلاد وسواها من تعسّفَات أمنية في بعض المدن الأمريكية لأسباب، بعضها هامشية جداً، ويأتي على رأس هذه الممارسات الغريبة مداهمة سكن الطالب العربي (بوليسياً) وسط الليل أو في رابعة النهار، بحجة أنه تغيب عن جامعته ثلاثة أيام أو أكثر، ادعاءً بأن غيابه هذا قد يكون مرتبطاً بمشروع إرهابي (يهدد الأمن القومي)؟! لماذا لا تعبّر (هيومن واتش) عن عجبها أو استغرابها من (بارانويا) الإرهاب التي تتحكم في سلوكيات بعض دوائر الأمن في بلدها أمريكا، ممّن (يحسبون كل صيحة عليهم)، ويزنُون الأمور بميزان الشك والريبة ترجيحاً لهاجس الإرهاب؟!

***

* خامساً: لماذا لا تنتقدُ (هيومن واتش) الإرهاب المنظم الذي تقوده حكومة إسرائيل، بكل أجنحتها وفصائل القمع فيها، ضد كل ما هو فلسطيني، فرداً أو جماعة، فتقتُلُ وتجْرحُ وتختطفُ وتهدمُ باسم (الأمن الوطني)، محمِّلة الأبرياء وعابري السبيل وزرَ فردٍ واحد أو أفرادٍ دفعهم نزيف القهر إلى ارتكاب أفعال عشوائية قد يذهبُ ضحيتَها أحياناً أبرياء، متذكِّرين في هذا الصدد أن القهر حين يبلغُ مداه، لا يفرِّق بين النور والنار، ولا بين الحقِّ والباطل أو البريء وضده؟!

* باختصار:

لماذا يا (هيومن واتش) تغصِّين بالنملة وتبلعين الجَمَل؟![line]

castle
01-03-2007, 11:45 PM
الخميـس 11 صفـر 1428 هـ 1 مارس 2007

وجهان لإسرائيل: الفساد والتقدم

توماس فريدمان

الشرق الاوسط

أجل، إنه لمن الصحيح أن صورة جديرة بألف كلمة، ولكن بعض الصور جديرة بقاموس بأسره. وقد شاهدت واحدة مؤخرا على موقع بي بي سي على الانترنت. وكان عنوان الخبر «وزير إسرائيلي في هفوة بصرية».

والى جانبها صورة تظهر وزير دفاع إسرائيل عمير بيريتس وهو يتفقد القوات في مرتفعات الجولان إلى جانب رئيس الأركان الجنرال غابي أشكينازي. وكلا الرجلين يحدقان بمسافة بعيدة عبر النواظير، ولكن بفارق واحد كبير: بيريتس كان يراقب المناورات عبر منظار كانت عدستاه ما تزالان مغلقتين بالغطاء.

وأشارت بي بي سي إلى أنه «وفقا للمصور كان بيريتس ينظر عبر المنظار المغلق ثلاث مرات ويهز رأسه موافقا، بينما كان الجنرال اشكينازي يفسر المشهد».

وتلك الصورة موحية ليس فقط لأن بيريتس، الزعيم النقابي السابق، قد انتقد مؤخرا بشدة لأنه لم يكن بمستوى منصبه كوزير دفاع. الأمر يعود أيضا إلى أن الكثير من الزعامات الإسرائيلية تبدو مؤخرا وقد أعمت بصرها بكل أنواع السلوك الجنائي والغريب.

وهنا كثيرا ما تساءلت: من أين ابدأ ؟

فمدير الشرطة في إسرائيل قدم استقالته مؤخرا بعد أن انتقدت لجنة تحقيق أفعاله في قضية عام 1999 فيما يخص عائلة إسرائيلية مجرمة. وجاءت استقالته في أعقاب مزاعم اغتصاب وجهت إلى الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف، وكذلك مزاعم فساد ضد رئيس الوزراء ايهود أولمرت، وايقاف مدير مكتبه عن العمل الذي تعتبر إقامته الجبرية جزءا من تحقيق موسع في هيئة الضرائب، التي استقال رئيسها مؤخرا أيضا وسط أجواء من الشكوك.

ويجري استجواب وزير المالية بشأن عملية اختلاس في مؤسسة غير ربحية، وأدين وزير العدل السابق بسلوك غير لائق لتقبيله جندية بالإكراه. وهناك الكثير ولكن الحيز لا يسمح.

وإليكم الشيء الغريب حقا: اقتصاد إسرائيل، خصوصا في قطاع التكنولوجيا، لم يكن أبدا أفضل مما هو عليه الآن.

وقال سفير بلوكر من صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وهو واحد من كبار كتاب الاقتصاد في إسرائيل، إن «الاقتصاد يزدهر، وقد بلغ نموه في الربع الأخير من عام 2006 ما يقرب من 8 في المائة. وتتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمعدل غير مسبوق بلغ 13.4 مليار دولار عام 2006. وبلغت صادرات قطاع التكنولوجيا المتطورة 18 مليار دولار، وسوق الأوراق المالية في أعلى مستوياتها. والعملة الإسرائيلية الشيكل أقوى من أي وقت مضى والتضخم غير موجود».

أسعار الفائدة اقل في الولايات المتحدة مقارنة ببريطانيا، كما ان العجز في الميزانية الاسرائيلية يقل عن 1 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، فضلا عن عدم وجود عجز في ميزان المدفوعات، الأمر الذي يعني أن إسرائيل حققت استقلالها الاقتصادي ولا تعتبر ضمن الدول المدينة.

«باختصار، لم يحدث أن كان الاقتصاد جيدا مثلما هو عليه الآن».

قال لي يوسي فاردي، وهو واحد من مؤسسي قطاع التكنولوجيا المتقدمة، انه باع خلال الشهر الماضي أربعة أعمال تجارية مبتدئة كان من المستثمرين فيها اثنتان إلى كل من «سيسكو» و«مايكروسوفت» واثنتان الى شركتين إسرائيليتين. وقال فاردي أيضا انه استثمر خلال الشهور التسعة السابقة في تسع شركات جديدة ابتدأها شباب تتراوح أعمارهم بين 25 و35 عاما.

مما تقدم، هل يمكن القول إن إسرائيل ليست في حاجة إلى أي وزراء؟

في الإجابة الأمر ليس بهذه البساطة. عندما تكون الحكومة ضعيفة ليس من المرجح أن يكون هناك اتفاق سلام مع الفلسطينيين، إذ ليس هنالك زعيم يتمتع بالقوة التي تمكنه من دفع هذه المسألة ـ وهذه قنبلة موقوتة. يضاف إلى ذلك أن قطاع التكنولوجيا الحديثة لا توظف الكثير من العاملين، وإذا اعترضت عمل الحكومة عراقيل، فإن هذه قنبلة موقوتة أخرى.

قال بلوكر إن نصف السكان لا يتمتع بالطفرة، في إشارة إلى الإحصائيات التالية: معدل البطالة يبلغ 8.3 بالمائة. معدل الفقر في إسرائيل لا يزال الأعلى في الغرب إلى حد كبير، جرى تصنيف 24.4 بالمائة من جملة السكان و32.2 بالمائة من جملة الأطفال ضمن شريحة الفقراء، ويعيشون تحت خط الفقر. وترتفع معدلات فقر الأطفال وسط العرب واليهود المتدينين، إذ تصل النسبة إلى ما يزيد على 50 بالمائة. كما ان الدخل الحقيقي وسط أكثر قطاعات الإسرائيليين فقرا اقل مما كان عليه قبل ست سنوات.

في هذا السياق كتب بلوكر ايضا: «ثمة شعور متزايد بأن شيئا فاسدا للغاية في النظام السياسي الإسرائيلي، ذلك أن هذا النظام غير قادر على توفير سياسة اجتماعية مقبولة تقلل من الفقر وعدم المساواة والبطالة، حتى في الأوقات العادية». كما قال أيضا انه لم يحدث أن رأى في الشارع الإسرائيلي احتقارا تاما للحكومة من جانب الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء، اليهود والعرب، اليمين واليسار والوسط المنهار. ويقول أيضا إن جوهر الوضع يتلخص في وجود اقتصاد جيد وحكومة سيئة، وعلى حد تعبيره: «هذا هو ربيع غضبنا. اعتذر للإسهاب، إلا أن الأمر مؤلم».

* خدمة «نيويورك تايمز» [line]
الحاجة الى علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع في مصر

خليل العناني

الحياة

عادة ما توصف مصر بكونها دولة مركزية، وأهم ما جسدته هذه السمة تاريخياً قيام الدولة بإدارة وتنظيم شؤون الأفراد، وإحكام قبضتها علي عملية توزيع الموارد الطبيعية وفي مقدمها مياه النيل، بشكل جعلها تمثل نموذجاً مثالياً لما تحدث عنه عالم السياسة الشهير هارولد لاسويل في تحديده للوظيفة الأساسية للنظام السياسي بكونها «توزيع الموارد على الأفراد أو من يحصل على ماذا وكيف». كما أنها جسدت أشهر أنماط الاستبداد التي عرفتها البشرية وهو «الاستبداد الشرقي» أو «الآسيوي».

وكان لهذه القاعدة مفعول السحر في صوغ كثير من قسمات الشخصية المصرية (حاكم ومحكوم) وأنتجت نمطاً خاصاً للعلاقة بين الدولة والمجتمع، قوامه تقديس السلطة واحترام هيبتها، حتى في أوقات الضعف والانحلال. وقد قامت هذه القاعدة، لقرون عديدة، على روافع ثلاث، أولها قدرة الدولة علي تحقيق الحد الأدنى من العدل الاجتماعي، بما ضمن للكثيرين العيش في كنفها والذود عنها ضد الأخطار الخارجية. وثانيها، حيازة الدولة المصرية على قدر من القبول والشرعية (بأوجهها المختلفة). وثالثها فن استخدام الردع بأقل درجات التدخل السلطوي. وما كان لذلك أن يتحقق إلا في وجود شرطيَن متلازميَن، الأول قيام الدولة بوظائفها الأساسية كمدخل لضمان الهيمنة «الشاملة». والثاني تناغم هذه الروافع في العمل سوية من دون غياب أي منها أو تغليب لأحدها على الآخر.

وكانت ثمرة هذه الخلطة نمطاً «فرعونياً» للحكم استمر لفترات طويلة، ولا تزال آثاره تطفو بين الفينة والأخرى، وذلك رغم اختلاف شكل الحكم ما بين ملكي وجمهوري، مدني أو عسكري، حسب اختلاف العصور، في حين أنتجت مجتمعاً مصرياً متطرفاً في الاعتدال، إلى حد السلبية والعجز، على حد وصف جمال حمدان، مجتمعاً ينظر للحرية باعتبارها «كلمة مستوردة لم تدخل قاموس السياسة المصرية منذ عصر الفرعونية وحتى اليوم إلا رمزاً أو شكلاً، في حين أن الرأي الآخر (المعارضة) لا يوجد إلا في نفس صاحبه فقط، قد يهمس به سراً أو يطلقه شائعات» ( كتاب «شخصية مصر» جزء 1، فصل 6).

لذلك لم يكن غريباً ألا تشهد مصر طيلة تاريخها القديم والحديث أي نوع من الثورات السياسية ضد أي من حكامها المصريين، في حين شهدت، ولا تزال، هبّات مجتمعية بدوافع اقتصادية وحياتية لا تلبث أن تهدأ بفعل المكاسب المادية الضئيلة (قارن ما حدث مع احتجاجات العمال في مصر أخيراً، بما حدث مع ثورات العمال في دول أميركا اللاتينية قبل خمس سنوات).

مثالب هذه القاعدة لا تكمن في تراثها السوسيولوجي الثقيل الذي لا يزال يهيمن على «العقل» المصري (بمستوييه الرسمي والشعبي) منذ أكثر من سبعة آلاف عام، والذي قد يحتاج لفترة مثلها كي يزول أثره، وإنما في تداعيات حدوث أي خلل في توليفة هذه القاعدة «الذهبية» على منوال العلاقة بين الطرفين، ذلك أن سقوط أحد أضلاعها لا بد أن يخل حتماً بسلامة التحليل القائم عليها، على غرار ما هو حادث حالياً. والأدهى ألا يدرك أي من الطرفين أن ثمة تغيراً قد حدث في تراتبية هذه العلاقة.

الآن ثمة سقوط مروع (وليس مجرد غياب) للأضلاع الثلاثة السالفة الذكر، بما ينسف القاعدة من جذورها، ويحيلها تراثاً من الماضي. ونظرة فاحصة على المشهد العام في مصر بجميع صوره (السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي) تكشف مدى الضعف والترهل الذي أصاب «جسد» الدولة وعقلها بشكل غير مسبوق وقضى على هذه المعادلة التاريخية.

فعلى المستوى السياسي، لم يعد هناك فرق بين الدولة ونظامها السياسي، فكل شيء بات متداخلاً، في حين حلت الطبقة الحاكمة (بنخبتيها الجديدة وبقايا القديمة) محل النظام السياسي ذاته، وبدأت تحتكر دوره في تحديد المهمات والواجبات المجتمعية.

وتبدو البلاد غارقة حتى أذنيها في شرنقة من «الحراك» السياسي «الكاذب» يمتد لأكثر من عامين، وكأنه سيرك عشوائي لا تحده أي قواعد منتظمة، فلا النظام الحالي قادر على التخلص من «نرجسيته» السياسية، والتسليم بقواعد اللعبة الديموقراطية، ويبدو كمن يتجرع «دواء» التحول الديموقراطي من دون رغبة حقيقية في التبرؤ من أمراض الجمود والتكلس التي استمرت لأكثر من ربع قرن. وتبدو تعديلاته الدستورية الأخيرة، كما لو كانت فرصة أخيرة لتجديد الشرعية، وإعادة بناء النظام على قواعد جديدة أكثر تسلطاً، تمنع أي منافسة حقيقية مع غيره من القوى «الحية» في المجتمع. وقد عطّلت هذه الحال مجتمعاً بأكمله ودفعت به إلى أقصى درجات التهميش السياسي، وأفسدت فرص تكوين نخبة سياسية قادرة على علاج أمراض الحقبة الماضية.

في حين تفتقد معظم أحزاب المعارضة الرئيسية مبررات البقاء كبنى سياسية قادرة على تجديد أدوارها وقياداتها، وهي التي لم تتوقع يوماً أن تدخل في منافسة جادة مع الحزب الحاكم، فآثرت البقاء في القيام بدور «الكومبارس» الذي يجري استدعاؤه كلما حان دوره، ولا يزال بعضها يراهن على النظام أكثر من رهانه على قواعده الشعبية. وهي في ردها على التعديلات الدستورية تبدو متطيّرة وغير قادرة (جماعة أو افرادأ) على بلورة بديل حقيقي للوضع القائم، ودخل بعضها في طور جديد من التشرذم والانشقاق، بما يؤكد انتهاء صلاحيتها السياسية.

ولا تزال جماعة «الإخوان المسلمين» تقبع في شرنقتها التاريخية من دون القدرة على التخلص من أمراضها المزمنة ما بين ضعف تراثها الفكري وفقر خيالها السياسي، وهي التي تنقض غزلها كلما أوشك على الاكتمال، وهي تجاهد حالياً من أجل البقاء. في حين تبدو القوى والحركات الجديدة عاجزة عن القيام بدورها المفترض في إلهام المجتمع وإعادته إلى الحياة السياسية، وانتقلت إليها أمراض الأحزاب من تشقق وشخصنة وانكفاء على الذات.

أما على المستوى الاقتصادي، فيبدو الوضع أكثر ألماً، حيث فقدت الدولة المصرية إحدى مزاياها التاريخية كمخزن «للفائض» كانت تجري إعادة توزيعه في إطار قيام الدولة بوظائفها وواجباتها التي تضمن لها الشرعية، وباتت أقرب الى سوق «استهلاكي» لا يكترث بقيم الانتاج أو التصنيع. وباتت موارد الدولة، وما تبقى من مؤسساتها البيروقراطية، مغنماً ومطمعاً لطبقة طفيلية نشأت مع دولة الانفتاح التي أسسها الرئيس الراحل أنور السادات قبل ثلاثة عقود.

في حين أُنتجت أنماط اقتصادية مشوهة ليس أقلها «مأسسة الفساد» واستنزاف مؤسسات البيروقراطية المصرية العتيدة وأحد ركائز الدولة المركزية، انتهاء بثقافة مجتمعية «موتورة» لا تعرف إلا الاستهلاك، ومروراً ببيع أصول الدولة عبر سياسات مزيفة ظاهرها الرخاء وباطنها الفقر والشقاء. وذلك من خلال توجهات نخبة «كومبرادورية» إقصائية لا تراعي سوى مصالحها، وتنازع المجتمع على ما تبقى من مداخيل عبر فرض مزيد من الرسوم والضرائب، وتركته فريسة لقوى السوق تنهشه بآلتها الدعائية.

أما اجتماعياً، فقد انقلب المشهد المجتمعي في مصر رأسا على عقب خلال السنوات الأخيرة، بحيث باتت مؤسسات الدولة في خدمة طبقة بعينها، مقابل التضحية بالمكون الرئيسي للمجتمع ممثلاً بالطبقة الوسطى، في حين ساهمت سياسات الخصخصة وتجسيد القيم الاستهلاكية كمحرك رئيسي للسوق الداخلي، في إشاعة أنماط أخلاقية «كارثية» تهدد المرجعية الأخلاقية للأمة المصرية، وتضرب ثوابتها التاريخية في مقتل، ويكفي أن تطالع ما تكتبه الصحف المحلية لتعرف مدى ما لحق بالذوق العام في مصر، وإلى أي حد انهارت منظومة القيم الجماعية.

وعطفاً على ما سبق، لم تعد الدولة المصرية قادرة على القيام بوظيفتها الأساسية كموزع للقيم والموارد، وكمنبع للفعل السياسي والاجتماعي، وتحللت العلاقة بين الطرفين، ووصلت إلى أكثر درجاتها ضعفاً، ومعها قلت درجة الشرعية وانعدمت الثقة في إمكانية جسر الفجوة بينهما من دون إعادة بناء لمفهوم الدولة من جديد. وكان منطقيا، والحال كهذه، أن يزول الاستخدام «الناعم» لأداة الردع، كسبيل لتثبيت هيمنة الدولة، وتصبح الحدة والخشونة أمراً طبيعياً في مواجهة الأزمات.

إذاً، انهارت الروافع الثلاث السابق الإشارة إليها (العدل، والشرعية، والردع)، ويُصار الآن إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق أسس جديدة لا يملك هذا الأخير أي قدرة على تحديد أطرها وتوجهاتها.

ولسوء الحظ فإن الانهيار لم يأت كثمرة للتنازع بين الطرفين ترجح كفة المجتمع، وذلك على غرار ما حدث في معظم تجارب الدول التي أرست التوازن التاريخي بين الطرفين، بقدر ما جاء نتيجة لترهل الدولة المصرية ذاتها، وعجزها عن إعادة تركيب «الخلطة» السرية لتلك الروافع. وكانت النتيجة المنطقية أن ضعفت الدولة والمجتمع معاً، وانعدمت قدرة الطرفين على تصحيح الخلل في هذه المعادلة التاريخية.

من يريد أن يفهم مصر الآن فليقرأ ما كتبه جمال حمدان قبل ثلاثة عقود، وذلك حين يقرر «إن مأساة مصر تكمن في نظرية الاعتدال، فلا هي تنهار قط، ولا هي تثور أبدا، ولا هي تموت مطلقاً، ولا هي تعيش تماماً.. وإنما هي في وجه الأزمات تظل فقط تنحدر.. تتدهور.. تطفو وتتعثر من دون مواجهة حاسمة تقطع الحياة بالموت أو الموت بالحياة.. منزلقة أثناء هذا كله من القوة إلى الضعف ومن الصحة إلى المرض ومن الكيف إلى الكم.. ومن القمة إلى القاع».

إن ما تحتاجه مصر، بحسب حمدان، هو ثورة نفسية، ثورة على نفسها أولاً، وعلى نفسيتها ثانياً. «إن مشكلة المشاكل هي قضية الديموقراطية.. إنها جماع مشكلة مصر، بل شخصية مصر، ومصير مصر، رخاء مصر وبقاء مصر.. شخصية المصري، كرامة المواطن المصري، إعادة بناء الإنسان المصري.. في كل ذلك فتش عن الديمقراطية أو غيابها» (جزء 1، فصل 6).

كاتب مصري[line]
الإعلام العربي التائه في دوائر المونولوج‏!‏

‏ مـرسي عطـا اللـه

الاهرام

إذا كنا نعتقد ـ وهذا الاعتقاد صحيح ـ أن التواطؤ الدولي والعجز العربي كانا من بين أهم الأسباب التي ساعدت الحركة الصهيونية علي تحقيق هدفها الاستراتيجي في اغتصاب فلسطين‏,‏ وإقامة دولة إسرائيل عام‏1948‏ كحجر أساس للمشروع الصهيوني الكبير‏,‏ فإننا لابد أن نكون صرحاء مع أنفسنا‏,‏ وأن نعترف بأن ما تحقق كانت وراءه في المقام الأول عوامل ذاتية تتمثل في قوة تنظيم الحركة الصهيونية ومؤسساتها المختلفة‏,‏ استنادا إلي برنامج سياسي وإعلامي ونفسي متكامل بمقدوره أن يجمع بين مهمة حشد كل يهود العالم وراء الفكرة‏,‏ وكسب تأييد المجتمع الدولي وتعاطفه‏,‏ فضلا عن اختراق العقل العربي وتسميمه بكل سموم العجز والإحباط‏.‏

وربما ساعد علي أهمية عنصر العامل الذاتي لدي اليهود أنهم نجحوا في استشعار حالة الاهتراء والضعف العربي في أواخر القرن التاسع عشر‏,‏ وبدايات القرن العشرين‏,‏ ولم يركنوا قط إلي ذلك الاستشعار‏,‏ وإنما عززوه بدرجة عالية من الالتزام والتنفيذ الدقيق لكل المهام المحددة بواسطة قيادة الحركة الصهيونية التي حالفها التوفيق في القدرة علي تغيير تحالفاتها مع القوي الكبري في تلك الفترة بما يخدم رغباتها في تحقيق أهدافها مقابل قدرتها علي عرض كل أنواع الخدمات لكل قوة استعمارية لها وجود في منطقتنا‏!‏

وهنا يتحتم علينا أن نعترف ـ دون أن نجلد ذاتنا ـ بأنه في الوقت الذي كانت فيه الحركة الصهيونية تعمل بجد وتعاون ومثابرة علي كل محاور العمل اللازمة لإنجاح منهج الاغتصاب للأرض الفلسطينية كان العالم العربي كله في حالة سبات سياسي وتمزق اجتماعي وتوهان فكري‏!‏

كانت الحركة الصهيونية تسعي ليل نهار للتحالف مع بريطانيا وضمان تأييد فرنسا‏,‏ وكسب عطف روسيا‏,‏ وضمان استمرارية الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري من جانب أمريكا‏,‏ بينما كان العالم العربي غائبا عن الوعي إلي حد العجز عن استثمار قرارات الشرعية الدولية في كسب الرأي العام العالمي الذي ظل لسنوات طويلة أكثر تعاطفا مع إسرائيل برغم كل جرائمها وتجاوزاتها ضد الشرعية الدولية‏,‏ وضد حقوق الإنسان‏.‏

وفي حين كان المفكرون والأدباء والساسة اليهود قبل مائة عام مشغولين بالحوار والنقاش حول سبل تحقيق منهج الاغتصاب لكي يتوافق في ظاهره مع مقولة هرتزل وطن قومي لليهود يضمنه القانون العام كان المفكرون والأدباء والساسة العرب مشغولين بقضايا هامشية تثير الشقاق بدلا من أن تصنع التوحد من نوع قضية الإصلاح الديني وقضية أسس المشاركة بين العرب والأتراك في ظل الدولة العثمانية‏,‏ وهل نحن بحاجة إلي العروبة أم أن مصلحتنا مع حركة التتريك التي كانت قد طفت علي السطح آنذاك كحركة تدعو إلي الأخذ بالمنهج التركي في شكل مميز للتعبير عن وحدة العالم الإسلامي والعربي تحت مظلة الحكم العثماني‏.‏

وهكذا ضاعت فلسطين ولا يمكن لها أن تعود إلا من خلال صياغة فاعلة لمنهج عقلاني ومتدرج يرد علي منهج الاغتصاب ويستند إلي مشروعية الاستعادة‏.‏

وربما يكون من أكبر الأخطاء العربية الفادحة أن البعض قد تصور في السنوات الأخيرة أن دوران عجلة عملية السلام قد ألغي الحاجة إلي الهوية العربية‏..‏ وبالتالي تنتفي الحاجة إلي وجود استراتيجية إعلامية عربية موحدة تجاه القضية الفلسطينية‏!‏

لعلي أكون أكثر وضوحا وأقول‏:‏ إن إعادة بعث روح الهوية العربية هي المدخل الأول نحو صياغة منهج الاستعادة المنشودة تحت رايات السلام‏,‏ وهو منهج لا يمكن له أن ينطلق إلا من خلال بوابة إعلام عربي يدرك حجم المخاطر‏,‏ ويؤمن بمشروعية استعادة الحقوق المغتصبة‏!‏

والذي يراجع الكتب والمراجع والمذكرات التي صدرت عن القادة الإسرائيليين‏,‏ سواء كانوا سياسيين أو عسكريين خلال الـ‏50‏ عاما الماضية يكتشف علي الفور أن الجيوش العربية لم تكن تمثل هاجسا مقلقا لإسرائيل بقدر هاجس القلق من فكرة الهوية العربية التي تصاعد زخمها في حقبة الخمسينيات والستينيات تحت رايات المد القومي العربي بقيادة جمال عبدالناصر‏.‏

ولعل مبعث تجدد هذا القلق الإسرائيلي ـ في الآونة الأخيرة ـ راجع إلي استشعار صحيح بأن بعث الهوية العربية من جديد يمثل بداية التحرك العربي علي طريق منهج الاستعادة كرد علي الحركة الصهيونية التي أنجزت منهج الاغتصاب‏.‏

***‏
وهنا يكون السؤال الضروري هو‏:‏
كيف يمكن للعرب أن يصنعوا برنامجا مؤثرا للمواجهة السياسية والإعلامية والنفسية مع المخططات الإسرائيلية التي أغلقت معظم الطرق المؤدية للسلام‏,‏ ونجحت بفعل التداعيات السلبية والخبيثة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام‏2001‏ في أن تشوه بعض صور النضال المشروع ضد الاحتلال‏,‏ وأن تدمغ الفلسطينيين بتهمة الإرهاب؟

والحقيقة أنني عندما أتكلم عن خطة المواجهة العربية‏,‏ فلست أقصد ما نكتبه لأنفسنا في إطار الحشد والتوعية الضرورية لشعوبنا لكي تفيق من سبات الغفلة‏,‏ وإنما أقصد خطتنا الإعلامية التي تقدر علي المواجهة في ساحة الصراع الحقيقية في قلب المجتمعات الأمريكية والأوروبية تحديدا‏,‏ التي عاشت لأكثر من نصف قرن ضحية للأكاذيب والمغالطات التي يروج لها طرف واحد بعينه‏.‏

و لكيلا يكون هناك أي مجال لسوء فهم بشأن ما أقول فإنني أؤكد أن هدفي ومقصدي أبعد ما يكون عن توجيه الاتهام لأحد أو إلقاء عبء ومسئولية التقصير الإعلامي علي زمن بعينه أو دولة بعينها‏!‏

إن هدفي ـ باختصارـ هو أن نعيد الاهتمام الواجب بمحور ضروري من محاور المواجهة وهو محور الإعلام‏,‏ لأن طبيعة ومتطلبات معركة السلام لا تحتاج إلي مواجهة بقوة السلاح فقط‏,‏ أو مواجهة بالحنكة الدبلوماسية فحسب‏,‏ وإنما تحتاج أيضا إلي مواجهة علمية وذكية علي امتداد المسرح العالمي‏,‏ وذلك لا يتأتي إلا بوجود إعلامي قادر علي الفعل والتأثير‏!‏

ولست أقصد هنا المعني الحرفي للإعلام في شكل مقالات نبعث بها للرد علي هذه الأكاذيب والمغالطات‏,‏ لأن ذلك يضعنا باستمرار في موضع الدفاع وكأننا نحن المتهمين وهم الضحايا والمجني عليهم‏,‏ لكن ما أقصده بالإعلام أن تتوافر لنا الآلية الفاعلة في قلب هذه المجتمعات بحيث تكون قادرة علي أن تنقل عنا ـ في التو واللحظة ـ ما نريد أن نقوله معبرا عن سياستنا المعلنة‏,‏ وممارساتنا الواضحة علي صعيد القضية‏.‏

وقد أقول ـ بأمانة ـ إنني أشعر بأن العالم العربي ينفق علي فضائيات ومطبوعات متعددة تصدر في هذه العواصم البعيدة دون أن تحقق أي هدف من أهداف المواجهة المطلوبة‏,‏ لأن هذه الفضائيات والمطبوعات العربية التي تتكلف المليارات سنويا‏,‏ عينها مركزة فقط علي المشاهد العربي والمستمع العربي والقارئ العربي‏,‏ سواء كان في دول المهجر‏,‏ أو من أفراد النخبة في الوطن العربي الذين يملكون القدرة علي التقاط هذه الفضائيات‏,‏ والاشتراك في هذه المطبوعات‏.‏

***‏
إن الذي أدعو إليه ليس حلما ولا خيالا‏,‏ لأن ما ينفق من خزائن العالم العربي الآن تحت مسمي الإعلام الخارجي يكفي لبناء الآلية الإعلامية المنشودة‏,‏ وبالكيفية المتطورة الملائمة لمهمة المواجهة‏.‏

نعم إن هذه المليارات التي ننفقها لكي نتحدث مع أنفسنا علي غرار المونولوج الإعلامي الذي يسود معظم أقطارنا‏,‏ تكفي وتزيد علي ما تحتاج إليه تلك الآلية الإعلامية العالمية الغائبة‏!‏

وربما يقتضي الأمر أن أسارع بإيضاح ضروري‏,‏ هو أن بناء وإقامة هذه الآلية الإعلامية العالمية ليس رهنا بالقدرة المالية والاقتصادية التي تملكها أمتنا‏,‏ وإنما هي رهن في المقام الأول بالعقول والكوادر التي تدير هذه الآلية علي الموجات الصحيحة‏,‏ وفي الاتجاه الصحيح‏.‏

ومن حسن الحظ أن العالم العربي مليء بمئات العقول والكوادر القادرة علي إنجاز هذه المهمة‏,‏ ثم إن من حسن الحظ أيضا أن هناك أقلاما ورموزا أجنبية شريفة تتعاطف مع الحق العربي‏,‏ لكنها لا تجد نافذة للتعبير عن أفكارها وتحمي ظهرها‏,‏ ولو وجدت مثل هذه الآلية الإعلامية العالمية الناطقة باسم العالم العربي لأمكن لهذه الأقلام والرموز أن تكشف عن مواقفها بجرأة وشجاعة‏.‏

وإذن فإن استمرار البكاء والنواح علي الأرض التي تغتصب‏,‏ والقدس التي يجري تهويدها لن يعيد لنا شبرا واحدا من حقوقنا العربية الضائعة مادام مسرح البكاء والنواح مقصورا علي شاشاتنا العربية وميكروفوناتنا العربية وصحفنا العربية فقط‏...‏ وأيضا فإن استمرار حبس أنفسنا في تصور أن إسرائيل تملك وحدها ناصية الإعلام العالمي‏,‏ وأن ذلك واقع يستحيل تغييره أو تعديل موازينه‏,‏ يمثل قصورا فاضحا وعجزا مهينا لا يتناسب وما نستطيع عمله إذا توافرت الإرادة‏,‏ وتوحدت الجهود‏,‏ وخلصت النوايا علي طريق الهدف المنشود‏.‏

ثم قد أقول غير مبالغ إن بناء مثل هذه الآلة الإعلامية العالمية ليس معضلة تقف أمام أمتنا مشلولة بالعجز وعدم القدرة علي الحركة‏,‏ وكل ما يحتاج إليه الأمر هو قرار ببدء الخطوة الأولي علي طريق الألف مثل شأن كل عمل صعب وعظيم‏!‏

إن علينا أن نعري هذه المغالطات والأكاذيب الإسرائيلية بأسلحة الحقيقة التي نملكها بين أيدينا ـ ولا نحسن استخدامها ـ لكي تصل رسالتنا إلي أهدافنا الصحيحة‏!‏

وأعتقد أن كل ما تحدثت عنه واجتهدت بشأنه ليس حلما ولا خيالا‏,‏ وإنما هو واقع قابل للتنفيذ‏..‏ فقط نحن بحاجة إلي نقطة البداية الصحيحة لكي يبدأ البناء الفعلي للجسر الذي يربط بين الحلم والواقع‏!‏[line]

castle
02-03-2007, 07:06 AM
الجمعـة 12 صفـر 1428 هـ -- 2 مارس 2007

العراق: ما يمكن أن يقدمه مؤتمر دولي للمأزق

هنري كيسنجر
الشرق الاوسط

حان الوقت للبدء بالتحضير لمؤتمر دولي لتحديد الحصيلة السياسية لحرب العراق. وأيا كان الحال فان المرحلة الدبلوماسية ضرورية فيما يتعين على العراق أن ينضم ثانية إلى المجتمع الدولي بحسبة معينة، واضعين في الاعتبار أن توتراته الداخلية ستقدم الإغراء لآخرين بتدخلات خارجية، ولا يمكن مقاومة هذه التوترات بصورة فعالة في ظل غياب بعض المبادئ المتفق عليها. هنا يجب كبح جماح المصالح المتصارعة لدول مختلفة عبر توليفة من توازن السلطة وشرعية متفق عليها من اجل توفير إقرار دولي.

ويمكن للدعوة إلى مؤتمر دولي أن تكون خطوة مهمة في التعامل مع الحالات الاستثنائية في القضايا السياسية الدولية المعاصرة. ولنا أن نذكر هنا أن اميركا ظلت تتلقى الإدانة على نطاق واسع على إدارتها للحرب في العراق، بينما لم يكن هناك أي بلد مستعد للمشاركة في استكشاف جدي للدلالات السياسية للنتائج المتوقعة. غير انه ما من أحد سيبقى بعيدا عن التأثير. فإذا ما أخفقت اميركا في تحقيق أهدافها المباشرة، واذا ما ظهرت معسكرات إرهابية أو أنظمة إرهابية على أرض العراق مدعومة بموارده النفطية الهائلة، فانه ما من بلد فيه عدد كبير من المسلمين سيكون قادرا على تفادي العواقب: لا الهند التي يوجد فيها ثاني اكبر عدد للمسلمين في العالم، ولا اندونيسيا التي تعتبر اكبر بلد إسلامي، ولا تركيا التي تشهد، في الوقت الحالي، غارات تنطلق من الجزء الكردي في العراق، ولا ماليزيا أو باكستان أو أي من دول أوروبا الغربية، أو روسيا التي يوجد مسلمون في جنوبها، ولا الصين في خاتمة المطاف.

وإذا ما بلغت الحرب في العراق ذروتها في إيران نووية (كنتيجة غير مباشرة) وأصولية إسلامية يمكن أن تزعم أنها أخرجت روسيا من أفغانستان وأميركا من العراق، فان فترة من الاضطراب المتطرف المؤدي إلى الفوضى تعتبر أمرا لا يمكن تفاديه، ولن يكون ذلك مقتصرا على الشرق الأوسط. وسيكون لتهديد إمدادات النفط العالمية تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، وخصوصا اقتصادات الدول الصناعية، علما أنه لم يطلب من أي من هؤلاء الضحايا المحتملين لهذه النزعات الإسهام حتى بأفكار أقل بكثير مما هو محدد في السعي إلى حل سياسي.

وبدلا من ذلك، فان ما يجري الجدل بشأنه غالبا هو ما إذا كان ينبغي تحفيز الدبلوماسية. ولمحت الإدارة التي اتبعت جهدا واحدا في إطار المواقف الأميركية تجاه الدبلوماسية، إلى أنها ليست مستعدة حتى الآن للتفاوض بشأن العراق، خصوصا مع إيران وسورية، اللتين تتهمان بتصعيد النزاع وإثارة العنف.

ولكن نقاد الإدارة الأميركية يؤكدون اللجوء العاجل الى الدبلوماسية من دون أن يحددوا ماذا يعنون بها. ويعكس كثير منهم النوستالجيا الأميركية لاستراتيجية عسكرية صرفة تبلغ ذروتها في النصر الحاسم، تعقبها دبلوماسية صرفة تعمل وفقا لقواعدها الداخلية. ويتعامل رفض القول المعروف لكلوزيفتز حول العلاقة بين القوة والدبلوماسية عملية الدبلوماسية باعتبارها عملية مميزة يحكمها منطقها الذاتي.

وبموجب هذه النظرة، فان الدبلوماسية يغذيها تجسيد الشعور الودي ويجب أن تتعزز عبر استعداد مستمر لتجاوز العقبات باقتراحات جديدة. ويجب تقليص أو إيقاف العمليات العسكرية كثمن للدخول إلى المرحلة الدبلوماسية. والتصعيد محظور حتى وإن كان مؤقتا. وهذا الموقف ادى بأميركا، في بداية مفاوضات لإنهاء الحربين الكورية والفيتنامية، إلى قبول وقف لإطلاق النار في كوريا ووقف للقصف في فيتنام. وكان المأزق المديد هو النتيجة. ومنذ بداية الخلاف عام 2002 حول استخدام القوة ضد العراق دعمت قرار الاطاحة بصدام، ولكنني جادلت أيضا بأنه ما من حصيلة وسط العالم العربي يمكن أن تعتمد على فرض القوة العسكرية وحدها. وكان يتعين أن يجري التعامل مع الدبلوماسية على الدوام باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية بشأن العراق.

والجدل المعاصر حول إنهاء حرب العراق اتخذ طابعا أسطوريا تقريبا تجاه الرغبة في مفاوضات ثنائية مع سوريا وإيران باعتبارها المدخل إلى التسوية العراقية. والرغبة في التفاوض لن تكفي إلا إذا أمكن إيصال مبادئ وأهداف الجانبين إلى مستوى التوازن المتسامح، وهي مهمة في غاية الصعوبة.

ويجب أن يفهم الدبلوماسي الحد الأدنى الذي تعرض فيه التسويات الأمن القومي للخطر، والحد الأقصى الذي تصبح فيه مضادة لإقناع الطرف الآخر بالتسوية، ومدى تعدي تلك القيود يعرض امن الولايات المتحدة للركود أو الفشل.

سورية وإيران دولتان ضعيفتان تجدان نفسيهما في موقف قوي مؤقت. وتبقى الولايات المتحدة قوى عظمى على الرغم من أنها وضعت نفسها في موقف في غاية التعقيد. ولكن لن يغير ذلك علاقات القوى على المدى الطويل. وهنا يحتاج القادة الحكماء في جميع الأطراف إلى وضع نظام دولي يقدم الأمن لكل المشتركين ويحترم كل الأديان.

ويمكن تحقيق بعض أهداف الولايات المتحدة وسورية وإيران عبر المفاوضات الثنائية. ودور سورية في العراق، أيا كان، يتسم بالمحدودية. وهدفها هي استعادة نفوذها المسيطر في لبنان واستعادة مرتفعات الجولان من إسرائيل. والولايات المتحدة بعدما أصبحت، في الآونة الأخيرة، الطرف الرئيسي في طرد القوات السورية من لبنان، ليست في وضع يمنح سورية وضعا مسيطرا في لبنان. ربما تشعر سورية بالقلق بخصوص التأثير المتنامي لحزب الله المدعوم من إيران في لبنان، ولكن إعجابها بالسيطرة الاميركية اقل، فهي تستخدم شحنات الأسلحة إلى حزب الله لإضعاف النفوذ الاميركي في لبنان. والولايات المتحدة لا تملك حوافز كافية أو تهديدات لإجبار سورية على التخلي علاقاتها الخاصة مع إيران، التي أصبحت عنصرا رئيسيا للسياسة السورية لمدة 20 سنة. وربما يساهم حوار سوري ـ اميركي في تسهيل إعادة هضبة الجولان، بما انه سيتطلب مفاوضات سورية ـ إسرائيلية، ربما تحت الإشراف الاميركي، مما يؤدي إلى اتفاقية سلام بين إسرائيل وسورية.

وتوجد قيود مشابهة فيما يتعلق بالمفاوضات الثنائية مع إيران بخصوص العراق. ولا يمكن حل مشكلة طموحات إيران النووية، إلا في إطار متعدد موجود، أو بعض البدائل التي تشمل القوى النووية الأخرى. إن أي أجندة لمفاوضات ثنائية حول العراق، لا تشمل السنة، ستبدو في العالم السني كاتفاق اميركي ـ إيراني مشترك، أو بداية تخلي الولايات المتحدة عن المنطقة. وربما يؤدي ذلك إلى تزايد السيطرة الإيرانية.

إن فائدة المحادثات الثنائية الاميركية ـ الإيرانية المشتركة هي بصفة أساسية استعادة العلاقات، التي انقطعت لأكثر من ثلاثة عقود، وتحديد مبادئ عودة الأمور إلى طبيعتها. ويجب أن تفهم القيادات الإيرانية أن الولايات المتحدة، حتى فيما يبدو فترة انقسامات داخلية، لن تسمح بسيطرة معادية على منطقة مهمة لوضع العالم الصناعي. إن توبيخ قوى عظمى أمر خطير، والبدائل البناءة موجودة إذا ما سعت إيران إلى أهداف وطنية بدلا من أهداف جهادية، فيما لم تتأثر التغييرات الأخيرة في اللهجة الدبلوماسية الإيرانية بتصميم اميركا وقوتها. وفي الوقت نفسه وفي اطار السعي لتكتيكاتها، تحتاج اميركا إلى أن تصبح أكثر حساسية لتعقيدات دول ضعيفة ذات ماض استعماري.

والى ذلك يتمثل أفضل السبل لاتباع دبلوماسية جادة تجاه العراق في عقد المؤتمر الدولي المشار إليه آنفا. فجيران العراق ليسوا على علاقة جيدة مع بعضهم بعضا على نحو يجعلهم قادرين على إقامة التوازن النفسي أو الأمني اللازم لمؤتمر إقليمي بأنفسهم. ويمكن القول هنا إن الإطار السياسي يجب أن تحدده الدول التي تهمها المحصلة النهائية. هذه الدول تشتمل على الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والدول المجاورة للعراق ودول إسلامية بارزة مثل الهند وباكستان واندونيسيا وماليزيا، وبلدان مستهلكة للنفط مثل ألمانيا واليابان. لهذه الدول مصالح متضاربة، ولكن لديها مصلحة مشتركة في منع التطرف الجهادي من جر العالم إلى نزاع متزايد باستمرار. يجب أن يصبح المؤتمر الدولي مناسبة أيضا للخروج من دائرة مجرد الفصائل المتحاربة إلى تأمين مصدر مستقر للطاقة. ربما يكون هذا أفضل إطار للانتقال من الاحتلال العسكري الاميركي. كما من الممكن أن يصبح هذا أفضل إطار لإجراء مناقشات ثنائية مع سورية وإيران.

يجب أن تكون السياسية العسكرية للولايات المتحدة في العراق مرتبطة بهذه الاستراتيجية الدبلوماسية. فالولايات المتحدة لا تتمتع بتحديد خطواتها بالكامل طبقا لانسجام هذه الخطوات مع الاعتبارات الداخلية. الانسحاب من جانب واحد وفقا لجدول زمني محدد، لا علاقة له بالأوضاع الداخلية لا يتماشى مع الدبلوماسية المشار إليها هنا.

وأخيرا، فنية الدول الأخرى في المشاركة في مثل هذه المساعي، تعتمد على تقييمها لميزان القوى في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب في العراق. والدبلوماسية الناجحة تتطلب أن تظل قوة الولايات المتحدة موجودة لدعم ومساندة سياسة إقليمية منسجمة.

بعد انتهاء حرب الثلاثين عاما، نظمت الدول الأوروبية مؤتمرا دوليا لوضع قواعد إنهاء الحرب، بعد أن أصيبت القارة بالإنهاك. هناك فرصة مماثلة أمام العالم الآن، فهل يستغلها، أم ينتظر إلى أن يفعل الإنهاك فعله ولا يترك خيارا آخر.

* وزير خارجية أميركا السابق،

خدمة «تريبيون

ميديا سيرفيسيز» ـ

خاص بـ«الشرق الأوسط»[line]
الفساد: التهاب حاد في الأخلاق.

علي الخشيبان

الوطن

في قضية الفساد هناك منطلقات كثيرة يمكن التحدث عنها ولكن من وجهة نظري الفساد لا يعني عمليات إهدار المال العام فقط أو استغلاله بطرق سلبية، الفساد عملية اختلال في الأخلاق يدفع المجتمع ثمنها غاليا وتكون نتيجتها إهدار المال العام."الفساد إساءة استخدام السلطة لغايات شخصية، أو استخدام سلطة الآخرين ونفوذهم في المؤسسات العامة لمساعدة أصدقاء أو أقرباء لينتفعوا على حساب الآخرين أو ممارسة سلوكيات تعتبر حسب القيم الاجتماعية شذوذا وإن لم تكن في بعض الأحيان ضمن المحرمات القانونية" الأكثر أهمية في تعريف الفساد هو الخلل في الأخلاق الذي يؤدي إلى استخدام مضطرب للسلطة يؤدي في النهاية إلى عمليات تخريب في القيم والمعايير الأخلاقية مما يؤدي في النهاية إلى عمليات فصل ملموسة بين تبني المعايير والأخلاق الإيجابية وبين الممارسة على الواقع.
الفساد ممكن الحدوث في كل المجتمعات ولكن تضيق إمكانية ظهور الفساد أو اختفائه بالكيفية التي يمكن أن يرى بها الفساد، فإذ كان الفساد في عرف أحد المجتمعات: هو كسر القوانين مهما كان نوعها وتطبيق الأنظمة الصارمة على مرتكبي عمليات الكسر فذلك غالبا ما يطال فئات اجتماعية دون أخرى وأقصد تلك الفئات غير القادرة على حماية نفسها، أما إذا كان الفساد في عرف المجتمع هو الحيلولة دون محاولات استغلال الأنظمة والقوانين والتخلي عن القيم الأخلاقية في سبيل تحقيق أهداف ومصالح شخصية فذلك غالبا يحقق المساواة بين فئات المجتمع بما يضمن تضييق الخناق على فرص الفساد بجميع أشكاله. التقليل من خطر الفساد عملية تبريرية يحصد المجتمع ثمنها تدريجيا كما أن التهويل في وجوده عملية تخلق التطرف والمبالغة حول وجوده، الأنظمة والقوانين الصارمة تحمي المال العام ولكنها ليست فعالة في حال كانت الإجراءات المحاسبية لا تحقق نموذجا دقيقا يحدد كيفية ومدى استغلال الفرد أو المجموعة لجزء من المال العام للدولة. أعتقد أنه كلما تعقدت إجراءات الصرف من المال العام بهدف الحد من الفساد كان ذلك مدعاة لنشوء وسائل سلبية وطرق استغلال المال العام ، بل إن ممارسة الفساد بجميع أشكاله المالية والأخلاقية في الأجواء القانونية الصارمة تزداد وتتعدد وسائله ولأنه يتم في الخفاء فيكثر ممارسوه بل ويسمح للأفراد بأن تنفصل قيمهم التي يعتنقونها عن واقعهم أثناء ممارسة عمليات الفساد سواء المالية أو الأخلاقية، لهذا السبب فإن أخلاقنا توجد في اتصال سببي مع المجتمع الذي توجد فيه، ونحن لن نستطيع أن نفسر لماذا يحدث الخلل في الأخلاق والقيم ما لم نعرف تلك العلاقة السببية. الفساد الذي يفصل بين قيم المجتمع ويستثمرها بشكل سلبي لديه من المبررات والأسباب التي تجعله يمارس قيما تختلف تماما مع واقع المجتمع بل حتى واقعه الفردي وخاصة إذا كان الأفراد الممارسون للفساد يرون أن العمل الذي يقومون به هو نوع من الذكاء والقدرة والتحايل على القوانين وهذا أيضا ينطبق تماما على شكل آخر من الفساد اسمه (الواسطة) وليس الشفاعة. الثقافة الاجتماعية لها قيمها الموجودة في عقولنا ولكن الأخلاق قيم تشبه النقود منها الحقيقي ومنها المزور، القيم المزورة هي القيم التي تبدو حقيقية ولكن تطبيقها يكشف مدى مصداقيتها فالواقع هو أداة كشف القيم المزورة كما جهاز كشف النقود المزورة. إذا كذب الأب وقال لابنه قل للشخص الموجود على الهاتف إنني غير موجود فهذه دلالة للأبناء على إمكانية تزوير القيم باستخدام قيمة مزورة هذه القيمة هي (الكذب مقابل-الصدق) الذي يبقي قيمة مزورة في عقلية الأبناء ويمتد تطبيقها على جميع المستويات. الفساد ووسائله يستخدم قيما مزورة تبدو وكأنها قيم حقيقية ولكن تطبيقها مر بنفس الظروف السابقة التي وردت في المثال، فإذا كان المال العام والحفاظ عليه قيمة حقيقية فإن القيمة المزيفة التي من المكن أن تكون قائمه هي الاعتقاد بأن المال العام مشاع وغير مرتبط بملكية الفرد المباشرة ولذلك يمكن التعرض له بسلبه بطرق محكمة. أخطر ما في قضية الفساد هو الحالة الأخلاقية التي فصلت بين القيم الفردية والقيم الاجتماعية مما أدى إلى ضياع المنطقة المشتركة بينهما فضعف قيم الفرد نحو المجتمع وقلة قيم المجتمع نحو الفرد يسهلان نشوء منطقة مشاعة قابلة لوجود وتكاثر القيم المزيفة وهذا سبب بروز عدم اكتراث الفرد بما يهم المجتمع والعكس. المجتمعات الأكثر التزاما بالقيم الدينية هي المجتمعات التي تفرض رقابة ذاتية تتسم بالضمير المرتبط بالإيمان بجانب القانون السائد وقد يكون من المستبعد أن ينشأ الفساد في مثل هذه المجتمعات وإذا وجد فلا بد من البحث عن الأسباب الحقيقية التي تدفع إلى وجود ظواهر الفساد بجميع أشكاله من خلال معرفة الأسباب التي تؤدي إلى ظهور القيم المزيفة وطرح سؤال جريء على القيم الدينية ولماذا لا تؤدي دورها بشكل سليم..؟. في فلسفة الفساد يجب التفريق بين قضايا أساسية تتناول الأبعاد السببية التي تحدثنا عنها فهناك من إذا قال "يحيا الوطن، فإنما يقول تحيا وظيفتي أو مصلحتي" وهناك من إذا قال يحيا الوطن فإنما يقول يحيا المجتمع ومصلحته التي أنا جزء منها، و العبارة الأخيرة هي التي تكشف عن المنطقة المشتركة التي يلتقي فيها الفرد بالمجتمع تحت مظلة ما نسميه الوطنية الحقيقية. الأخلاق أساسية لضبط عمليات الفساد بجميع أشكالها ولكن القوانين أساسية لكبح جماح المستغلين للمجتمع والطامحين بتحقيق المكاسب السريعة سواء الثروات أو المواقع الإدارية المتقدمة، وتحقيق القوانين ووضعها في حيز التنفيذ يتطلب دعما سياسيا كبيرا يمتد عبر مراجعة شاملة لقوانين المحاسبة وكيفية التصرف بالمال العام. في عملية الفساد وخاصة تلك التي تؤثر على المجتمع هناك جانبان الأول يتحمله الفرد ذاته وغالبا ذلك تكون تأثيراته محدودة على الفرد إذا كان يمارس في إطار الحدود الشخصية، المستوى الثاني هو الذي يتحمله المجتمع وهذا يتسع باتساع دائرة المجتمع ولكن الخطورة فيه أن الذي يحدثه فرد أو مجموعة من الأفراد يجنون منه أرباحا تختلف ماهيتها والذي يصاب بأثره المجتمع بأكمله وهذا ما يجعلنا نطرح تساؤلا حول ماهية القيم التي تؤدي إلى وجود الفساد وكيف يتم تزييفها؟.
قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أنه لا يوجد مجتمع يخلو من الفساد بشكل مطلق ولكن توجد الكثير من الطرق لمحاربة الفساد وعندما يعلن مجتمع بعينه حربا على الفساد فليس ذلك دلالة على أن هذا المجتمع يتعرض لموجة عارمة من الخلل التنظيمي ولكن ذلك في الغالب يخضع لعمليات مراجعة دائمة تتزامن مع تطور المجتمعات واتساع حاجتها إلى إعادة النظر في أنظمتها وقوانينها السابقة. محاربة الفساد بشتى أنواعها عملية لا تتوقف ليس لأنها تحتاج إلى مجاراة في القوانين ولكن لأنها ترتبط بقيمة أساسية في المجتمع تتمثل في النماذج الأخلاقية التي تسعى المجتمعات إلى ترسيخها على الواقع الاجتماعي. إن أنظمة مكافحة الفساد متوفرة في كل مكان حتى على الشبكة الإلكترونية ولكن الكيفية التي يتم بها تحقيق هذه الأنظمة هي المعضلة التي تواجه الكثير من المجتمعات، ومع أن الكثير من المجتمعات لديها من الأنظمة المحاسبية الصارمة إلا أن عمليات تطبيقها قد تواجه الكثير من العوائق المرتبطة بطبيعة المجتمع وثقافته فالأخلاق مهما كانت درجتها هي ترجمة لنوعية البيئة التي تنشأ فيها وهي تتميز بموصلات كتلك الموصلات المستخدمة في الأدوية والتي تضمن ذهاب الدواء إلى مكان الألم مباشرة، وهذه العملية يمكن مشاهدتها في القيم الأخلاقية بسهولة فبحسب الموقف والحالة التي يريد فيها الفرد ممارسة أخلاقه تتكون نوعية الموصلات من القيم التي يعتنقها الفرد وهذه الموصلات هي التي تعرض لعمليات التزييف بشكل دائم مما يجعلها لا تنقل القيم الأخلاقية بدرجة دقيقة ومتوافقة مع الحقيقة. الموصلات الأخلاقية تلعب فيها المصالح الشخصية دورا في تزييفها وكلما كانت مصلحة الفرد أطغى في الممارسة الفردية كانت القيم عرضة للاختلال وخاصة القيم ذات العلاقة بالمجتمع وكيانه. الحقيقة أن الفساد بجميع أشكاله هو العملية التي يمارسها الفرد بتأثير ذاتي وتأثير اجتماعي مشترك ولكن الأهم في القضية أنه كلما ازدادت الفرقة بين أهداف المجتمع وأهداف الفرد كانت فرصة نشوء الفساد أكبر.

كاتب وأكاديمي سعودي[line]
حرب باردة أم سباق تسلح . أحادية أم تعدد قطبي؟

رشيد قويدر

الحياة

ألقى خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونيخ الأمني العالمي، بدائرة من الضوء على الوضع الدولي والعلاقات بين أقطابه المختلفة، دفعت العديد من المحللين الى تبني تصورات تستعيد تاريخ الحرب الباردة، على رغم أن الخطاب لم يشر الى أن الأوضاع الدولية تسير الى حرب باردة جديدة، فدائرة الضوء محددة في هجومه العنيف على الولايات المتحدة، بسبب نهجها العسكري في مجال السياسة الخارجية، ومبرراتها لتوسيع عضوية معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) باعتبار الحلف من مخلفات الحرب الباردة، واستخدامه كحاجز ضد الصعود الروسي، وأفعالها التي تشجع على نشوء سباق تسلح. أما الحرب الباردة الجديدة فهي مرهونة باستمرار واشنطن على منوال أجندتها الخارجية الراهنة التي ستفضي الى فقدان الإمكانات المتوافرة لاستمرار شراكاتها ليس مع روسيا فحسب، بل مع أقطاب دولية عظمى وصاعدة، بالنظر الى مواجهة القلاقل الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، وفي سياق النظرة الروسية والصينية والأوروبية وغيرها للتعدد القطبي، في نطاق الشرعية الدولية ومؤسسات الحاكمية العالمية.

ان الشروخ في البنية الدولية القاطرة للحالة الدولية بادية للعيان، حتى في حلف الناتو ذاته بالنظر الى الدور والبرنامج، حيث يعاني أقطاب الاتحاد الأوروبي وقواه العظمى من أزمة أحادية الولايات المتحدة، بوصفها مشكلة مشروعية أولاً، والتي أضعفت المؤسسات الدولية وفي مقدمها الأمم المتحدة التي أرادت لها أن تذوي، المؤسسة المعبرة عن الإرادة الجماعية للمنظومة الدولية والاستقرار الاستراتيجي ثانياً، حين تكون الهيمنة والأحادية بالاعتماد على القوة العسكرية سبباً للتضحية بها، سيفضي الأمر بالتأكيد نحو سباق تسلح جديد غير منضبط، من دون أن يكون استعادة لحقبة زالت، وان حملت معها أطيافه. فهذا السباق مقدر له أن يتصاعد بعد أن فشلت الأمم المتحدة، خلال اجتماع قمتها في أيلول (سبتمبر) 2005 في نيويورك (قمة القرن الجديد)، في انجاز الإصلاح المطلوب لمؤسساتها باعتبارها المؤسسة الأكثر ملاءمة للتعاون خلال هذا القرن، من أجل الوفاء بالتوازن في مراكز الصراع وفي أجندة حقوق الانسان، وقضايا الفقر، والانحطاط البيئي، والحروب الأهلية والإرهاب، والأوبئة والكوارث الطبيعية، وأن تبقى عنصراً حيوياً في عمليات حفظ السلام وحماية اللاجئين، طالما أن عنوانها هو الوعاء العالمي المركزي للتعاون الدولي، ومن أجل الأمن العالمي والقرار الجماعي حول استخدام القوى المسلحة. بيد أن هذا الدور وعناوينه وآلياته هي التي تفتح على أجندة عالم ديموقراطي متعدد الأقطاب، وتتناقض بالتأكيد مع أجندة الأحادية الأميركية، والنتيجة المستخلصة هي سباق التسلح.

وتغدو الخلاصة الأخرى متمثلة بعد قرابة عقدين على انتهاء الحرب الباردة، وواشنطن ممثلة بإدارتها الراهنة، في حال حنين لذلك الماضي ممثلاً بالتهديد السوفياتي السابق غير المستعاد على أرض الواقع بالتأكيد، باعتباره الضرورة لدورها كقاطرة للعالم الغربي المسمى حينها بـ «العالم الحر»، هو الذي دفع النخبة الأميركية حينها الى رفع صروح أبنية المؤسسات الدولية والاقليمية المختلفة، ولعل أبرزها «الناتو». لقد انتهت تلك الحقبة ولم يجر أي تبديل في الأجندات والأولويات والأبنية المؤسسية، رغم التململات الأوروبية، ومنها محاولات بناء قوتها العسكرية الموحدة الذاتية، وفق مفهومها لدورها الأمني الموحد.

وتبرز الترجمة العملية لخطة واشنطن على صعيد روسيا، التي تشارك بمجلس «الناتو - روسيا» من دون أن تستطيع الاعتراض على القرارات، فهي ليست من الدول الأعضاء، لنشر تجهيزات عسكرية في بولندا وتشيخيا، والتمدد الى أوكرانيا والقوقاز وجورجيا وأذربيجان. وفي سياق التقديرات الروسية لوظيفة «الدرع الصاروخي» الأميركي في أوروبا الشرقية، فقد عبر عن ذلك بوضوح وزير الدفاع الروسي - ونائب رئيس الوزراء الحالي - قبل اسبوع واحد من مؤتمر ميونيخ، في جلسة حلف «الناتو» في أشبيلية بالقول: «لا يوجد سبب منطقي يدعو واشنطن لنشر راداراتها وصواريخها الاعتراضية المضادة للصواريخ» في الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق، والتي أصبحت الآن عضواً في «الناتو»، حيث بدأت واشنطن محادثات مع بولندا وتشيخيا لهذا الغرض. ورداً على المزاعم الأميركية قال إن «كوريا الشمالية لا تستطيع ضرب المناطق التابعة للناتو في القارة الأوروبية بالصواريخ الباليستية (...) كما أن مجرد نظرة سريعة على نموذج مدرسي للكرة الأرضية، كافية لإدراك أن أوروبا لا تقع في مسار طيران أي صاروخ يطلق من كوريا الشمالية الى الولايات المتحدة»

ويرى الخبراء ان روسيا غدت تمتلك قدرات متزايدة على انتاج أحدث الأسلحة، من خلال مجمع الصناعات الحربي ما بعد السوفياتي، ويولى عناية مباشرة من الكرملين، دفعت الى تعيين وزير الدفاع ايفانوف نائباً لرئيس الوزراء ومشرفاً على هذا الجانب، والاتجاه التسليحي القياسي الصاعد في موازنات الانفاق الدفاعي العام، ولعبه دوراً قيادياً عالمياً في مضمار تصدير الانتاج العسكري، وقد كشف ايفانوف - وزير الدفاع - عن برنامج إعادة تسليح الجيش الروسي الذي تصل كلفته الى 189 بليون دولار، يتم استبدال نصف المعدات في موعد لا يتجاوز عام 2015، وتجديد شبكة الانذار المبكر وأسطول الطائرات، والدخول في شراكة مع الهند لانتاج نسخة طائرة المستقبل نظراً لمواصفاتها التقنية من الجيل الخامس للطائرة الروسية الأغلى سعراً في العالم، فضلاً عن انتاج جديد من منظومة الصواريخ الروسية العابرة، «المنظومة القادرة على جعل منظومة الدفاع الصاروخي (الأميركي) عاجزة» وذلك بحسب ايفانوف.

يتبع >.[line]

castle
02-03-2007, 07:20 AM
كما تصطدم الأحادية الأميركية بالطموح الأوروبي بدور أكثر نشاطاً وقيادياً على مستوى عالمي، انعكس بخلافات داخلية بين أقطابه الرئيسية، بما فيها النظرة الى «الناتو» ذاته، كمعاهدة أمنية، تستخدمه واشنطن في تمييع التوجهات المستقبلية للاتحاد الأوروبي، من دون اغفال تجاهلها له بعد 11 أيلول (سبتمبر) حين بنت ادارة بوش حربها ضد الإرهاب على «تحالف الراغبين، ومن ليس معنا فهو ضدنا» بدلاً من الاتفاق على المنهج والمعالجة والأسلوب، لقد أعلن البنتاغون حينها «بأن كل مصادر قوة تحالفاتنا هي الآن قيد البحث»، أي إعادة التفكير في شراكاته الأمنية. والغياب عن العمل الجماعي الممأسس، المبني على الشرعية وتبادل المعلومات الفعلية المحققة بهذا الشأن، ونقله الى واقع أزمة في الصميم، ومنه الأضاليل المساقة في غزو العراق كنموذج سياسي لنظام الأحادية القطبية ومبدأها في «الحرب الاستباقية».

وبالنظر الى الشعوب الأوروبية وازدياد القلق الشعبي من الهيمنة الأميركية وبروز حركات مناهضتها، وعدم الشعور بالأمن الاجتماعي جراء العولمة الاميركية، على حساب تراجع الاشتراكية الأوروبية والسياسة المعتمدة على الطبقية ودور دولة الرفاه، ومستويات الغنى والبحبوحة والهجرة، العناوين التي تراها النخب الفكرية الثقافية الأوروبية حلمها التفاؤلي العالمي في الكوزموبوليتانية، ومنطق الخلل الوظيفي للأحادية المدفوعة برغبتها في الهيمنة والتصرف منفردة على حساب الهوية الجماعية الأوروبية، فالمنظور الأوروبي قام على ثقة تلك الشعوب في مواجهة المهمات الصعبة المتعلقة بإدارة الاقتصاد والرفاه الاجتماعي وتقليل نسب الجريمة، القائم على توفير آليات تعاونية وعمل جماعي ممأسس، الذي يزداد انخفاض منسوبه مع العولمة المتوحشة، فسياسة تحفيز التعاون الدولي في الغرب بمضمونه السابق، يتطلب الطموح الجماعي لسن القوانين والتعاون المتعدد الأطراف. لكن أزمة المؤسسات الدولية، بما فيها المؤسسة الأولى هيئة الأمم المتحدة، تلحقها أزمات مؤسسات العالم الديموقراطي المتقدم في الغرب، فهي تقع أيضاً بين منظورين مختلفين.

ان تناقض الأجندتين لم يصل الى الصراع المفتوح على كل الأصعدة، الذي تتطلبه الحرب الباردة، وان يجري استدعاء أشباحها المدفونة، فالقلق على الأمن والسلام يبدأ من حماية مشروعية الأمم المتحدة بدلاً من محاولات إضعافها ومعها مؤسسات وهياكل عالمية واقليمية. ان أجندة عالم متعدد الأقطاب لا تقتصر على روسيا وحدها، على رغم أنها تبرز في المقدمة في مواجهة الأحادية ومعضلة مشروعيتها وتحللها من المعاهدات الدولية.

كاتب فلسطيني.[line]
السودان والمحكمة الدولية

احمد عمرابي

البيان الاماراتية

أيهما أجدر بالنظر القانوني الدولي:

دارفور أم سجن أبو غريب ومعسكر غوانتانامو ومصرع 650 ألف عراقي قتل معظمهم بأسلحة الفتك بالجملة كالقنابل العنقودية؟

هذا واحد من عدة أسئلة بشأن المحكمة الجنائية الدولية واختصاصاتها في ضوء قرارها بتوجيه اتهام إلى وزير سوداني والى سوداني آخر قيل انه أحد قادة ميليشيا الجنجويد بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور.

المحكمة تحركت بناء على قرار من مجلس الأمن الدولي، وحيث إن مجلس الأمن هيئة سياسية فإن قراره بالدرجة الأولى سياسي أكثر منه قانوني، وهنا نجد أنفسنا إزاء مفارقة.

لقد كانت القوة التي حركت مجلس الأمن ضد السودان هي الولايات المتحدة لكن واشنطن كانت مضطرة للتحرك من وراء ستار.. وعلى نحو غير مباشر، فالولايات المتحدة هي في مقدمة الدول التي عارضت أصلا ـ وبشراسة ـ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وبالتالي فقد عزفت عن التوقيع على ميثاق إنشاء المحكمة.

السودان أيضا ليس من الدول المشاركة في ميثاق إنشاء المحكمة الذي يطلق عليه ميثاق روما، وبما أن الميثاق ينص على أن المحكمة لا تمارس سلطتها إلا على أراضي الدول المشاركة فان هذا هو ما اضطر الولايات المتحدة في سياق سعيها المحموم لتوريط السودان إلى رفع المسألة السودانية إلى مجلس الأمن الدولي ليفرض إرادة سياسية على المحكمة الدولية.

قد يصح أن يقال إن مجلس الأمن تصرف مع ذلك على نحو قانوني استنادا إلى بند في الميثاق ينص على أن من الممكن أن تمتد سلطة المحكمة إلى دول غير مشاركة فيه بناء على قرار من مجلس الأمن.

ولكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا انتقاء السودان وحده؟ لماذا لا تمتد سلطة المحكمة الجنائية الدولية إلى الولايات المتحدة تحت إدارة جورج بوش للتحقيق في جرائم الحرب الأميركية التي ارتكبت ولا تزال ترتكب على الأراضي العراقية بواسطة القوات الأميركية أو بتشجيع وتواطؤ منها؟

ميثاق المحكمة ينص أيضا على تخويل المدعي العام للمحكمة سلطة المبادرة إلى إثارة قضية ما يرى أنها تقع تحت الاختصاص الجنائي للمحكمة.. فلماذا لا يستغل لويس مورينو اوكامبو ـ المدعي العام الأرجنتيني الجنسية ـ ما لديه من سلطة لابتدار تحقيقات حول مسلك السلطات والقوات الأميركية في العراق مما يدخل في تصنيف مجازر الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب؟ ألم يتابع ما جرى في سجن غوانتانامو وفي معسكر غوانتانامو وروايات التعذيب الأسطورية التي لم يعرف لها مثيل في التاريخ المعاصر؟

الميثاق ينص ايضا على انه لا يمكن للمحكمة ان تتدخل في دولة ما إلا إذا كان القضاء الوطني غير راغب أو غير قادر في تقصي جرائم حرب وقعت في تلك الدولة. هنا نجد مفارقة أخرى، فقد سبق أن دافع المدعي العام للمحكمة في تصريحات صحافية عن الولايات المتحدة مشيرا إلى ما جرى من محاكمات داخل الأراضي الأميركية لجنود أميركيين ارتكبوا جرائم اغتصاب وقتل بحق مدنيين.

في السودان أيضا جرى تقديم أشخاص إلى محاكمات بموجب اتهامات مماثلة وأدين بعضهم وبرئ آخرون. لكن بينما «اقتنع» المدعي العام بالإجراءات الأميركية فانه لم يقتنع بالإجراءات السودانية. وبعد فإن المحكمة الجنائية الدولية ليست سوى مشروع سياسي يطبق على الضعفاء مع استثناء الأقوياء مثله مثل الهيئة الأم التي يطلق عليها «الأمم المتحدة».[line]

castle
03-03-2007, 06:26 AM
السبـت 13 صفـر 1428 هـ 3 مارس 2007

مستقبل القدرات النووية للدول العربية

مصطفى الفقي
الحياة

أصبح الحديث عن البرامج النووية القطرية هــــــو واحد من شواغل الشارع العربي وأصبح المواطن البسيط يـــــتساءل في عفوية متى يكون لدينا برنامج نــــــووي يجــــــعلنا فى وضع أفضل خصوصاً من الناحيتين العــــــلمية والاقــــــتصادية ويكـــــون أيضاً مصدراً للثقـــــة بالنـــــفس والشعــــــور بالأمــــــان والتـــــخلص من عــــقدة التخلف والتأخر التي تطاردنا دائماً؟ وواقع الأمر أن هذا الشعور ليس جديداً خصوصــــــــاً أن رجل الشارع غير المتخصص لا يفرق بـــــين البرنامج النووي للأغراض السلمية وحيازة سلاح نووي للأغراض العســـــكرية ولقد خلق هذا الشعور العربي الجديد أصداء قوية في العواصم الكبرى المـــــعنية خصوصاً واشنطن، حتى أنني استقبلت شخصياً فى الفترة الأخيرة مسؤولاً أميركياً بارزاً معنــــــياً بالشؤون النـــــووية الدولــــــية جاء إلى المنطقة يتحسس بين مثقفيها ومسؤوليهـــــــا ذلك الشعور الجديد ويشتم رائحة التفكير القادم لدى الاتجاهات السياسية المختلفة في اهتمام بالغ وحرص شديد على أمن إسرائيل بالدرجة الاولــــــى. ولقد كان مــــــــن الأســــــئلة التى طرحها المسؤول الأميركي قوله هل لو بدأت المملكة العــــــربية السعودية السعي لحيازة برنــــــامج نووي فستتجه إلى باكستان تحديداً؟ ولحسن الحظ أن إجابة الرياض جاءت قاطعة بعدها بأيام قليلة عندما زارها الرئيس الروسي بوتين وكان على أجندة اجتماعاته بالعاهل السعودي مسألة التعاون النووي، ولقد كان ذلك المسؤول الأمــــــيركي ذاته التقى بي منذ ثلاث سنوات بناء على طلبه أثناء زيارته للعاصمة المصرية متسائلاً يومها عن دوافـــــع مقال لي نـــــشرته بعـــــــض الصحف المـــــصرية والعربية تحت عنوان «نحو برنامج نووي عربي للأغـــــراض السلمــــــية» وكانت تساؤلاته فى تلك الـــــــمرة عن الأسباب التى أدت إلى فتح ذلك الموضوع ومدى انتشار الاهتمام به، خصوصاً وهو يعلم أنني كنت مندوباً مقيماً لبلادي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا عندما كنت سفيراً لمصر فى النمسا، ولقد شرحت له يومها أنه لا يمكن قبول المنطق الذي يسمح بوجود سلاح نووي لدى الدولة العبرية وحدها ويمنع مجرد التفكير في برامج نووية عربية للأغــــراض السلمية.

وأردفت إلى ذلـــــــك قولي للمسؤول الأميركي ان الدول العربية تحتاج إلى تلك البرامج الـــــنوويـــــة السلمـــــية كمصـــــدر رخيص للطاقة وذكرته بأن دولـــــة مـــــثل فرنسا تعتــــمد على الطاقة النووية في ثمانين في المئة من استهلاكــــها الــــــيومي وقلت له إن احـــــــــتياطي البــــــترول فى دولة مثـــــل مصر لا يملك عمراً افتراضــــــياً يزيد على خمسة وعــــشرين عاماً كما أن احتــــــياطيها من الغاز لا يزيد عمره الافـــــتراضـــــي هو الآخر على خمــــــسة وثلاثين عاماً وأضفت إليه أن هناك مشـــــروعــــات مـــلحة تحتاج إلى الطاقــــة الــــنووية مثـــل تحــــلية مياه البحر ومقاومة ذباب الفـــــاكهة وحفظ المواد الغذائية فضلاً عن الاستخدامات الطبية والأغــــراض العــــلمية، وأدهشني يومها أن الرجل كان يــــحمل معه تــــرجمة كـــــاملة لمقالي المشار إليه بــــــصورة توحي أنهم يرصـــــدون في واشنطن أي حديث علني أو حتى هامس حول المســـــائل النـــــــــووية وملـــــفاتها المختلفة خصوصاً في الدول العربية والإسلامية ويهمني لذلك أن أضع القارئ أمام الحقائق التالية:

أولاً: إن التطور الإنساني - وهو مزيج من الفكر والعلم - حمل معه اكتشافات هائلة غيرت مسار البشرية فاختراع العجلة والمطبعة والبارود هي أمثلة لتلك التحولات الكبرى في حياة الإنسان على الأرض تبدلت بها الأمور وتغيرت الحقائق واختلفت موازين القوى بين الأمم والشعوب نتيجة لحيازتها لتلك الاكتشافات قبل غيرها، لذلك فإن الــــــقرن العشرين يعتبر من وجهة نظر جمهرة الكتاب والمفكرين هو قرن الطاقة النووية لما حمله من آثار ضخمة حيث تبقى مأساة المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناغازاكي هي الستار الذي جرى إسداله على الحرب الكونية الثانية بأحداثها الدامية ومآسيها المعروفة.

ثانياً: يقول علماء الاجتماع إن الأرستقراطية هي تزاوج بين الثروة والثقافة أي أنها هي عملية توظيف المال في خدمة الفكر ويقول أساتذة العلوم التطبيقية على الجانب الآخر إن التكنولوجيا هي تزاوج بين العلم والصناعة أي أنها عملية توظيف البحث العلمي في خدمة التقدم الصناعي، ونحن نسلم بذلك تماماً ونرى أن المعرفة لا تتجزأ وأنه لا يمكن ارتياد طريق المستقبل من دون أن تكون هناك خريطة واضحة للبحث العلمي في مجالاته كافة، لذلك فإن حيازة برنامج نووي سلمي هي قضية حاكمة لا يمكن تجاهلها أو الإقلال من شأنها، ولقد لاحظت شخصياً من خلال خبرتي في ذلك الميدان من الناحيتين السياسية والدولية أن أوزان الدول واقدار الأمم تتحدد من خلال ما تملكه من تلك البرامج سلمية كانت أم عسكرية، ولست أنسى يوم استعادت جنوب أفريقيا مقعدها الدائم في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد ان شغلته مصر قرابة عشرين عاماً كانت هي سنوات تورط النظام العنصري في جنوب أفريقيا في جرائمه المعروفة وعزلته دولياً بما أدى إلى سحب المقعد الدائم منه وإعطائه للدولة الإفريقية التالية له في القدرات النووية وكانت هي مصر في مطلع الستينات من القرن الماضي.

ثالثاً: إنني أريد أن أضيف عاملاً مهماً لابد أن أضعه في الاعتبار عند الحديث عن الملفات النووية وأعني به أن البرامج النووية القطرية للاستخدامات السلمية تضع الجماهير العريضة في حالة من الثقة بالنفس والزهو الوطني والكبرياء القومي ولعلي أتذكر مع القراء شعور الشعب الباكستاني على مدى أسبوعين كانت هي المدة الفاصلة بين التفجير النووي الهندي والتفجير النووي الباكستاني حيث حبس الباكستانــــيون أنفاسهم وكأنهم يمشون على أطراف أصابعهم توتراً وقلقاً إلى أن تمكنوا من اللحاق بالتفجيرات الهندية بل زادوا عـــــليها تفجيراً إضافياً، وأنـــــا أتابـــــع هنا في مصر مشاعر المواطن العادي منذ أعلن رئيس الدولــــة وتــــبنى الحزب الحاكم الدعوة إلى إحياء البرنامج النــــــووي السلمي المصري وإقــــامة مـــــحطات نووية كانت مصر على وشك البدء في إنشائــــها منذ أكثر من عشرين عاماً لكنها توقفت بعد حادث تشيـــــرنوبل الشهير والحديث المبالغ فيه وقتها عن الأمان النــــووي ومخاطر التسرب الاشعاعي، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن مصر دخلت هذا المجال مبكراً عندما بدأت إنشاء مفاعل إنشاص في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين خصوصاً أنها تملك قاعدة عريضة من العلماء المتخصصين كان رائدهم الأول هو الدكتور علي مصطفى مشرفة باشا ثم توالت أفواجهم خصوصاً من خريجي قسم الهندسة النووية في جامعة الإسكندرية والذين تشتتوا بعد توقف البرنامج المصري ونكسة 1967 فمنهم من سعى ليكون مفتشاً في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنهم من استقطبته بعض الدول العربية مثل العراق ومنهم من قضى نحبه شهيداً لجرائم «الموساد» مثل الدكتور يحيى المشد.

رابعاً: إن البرنامج النووي الإسرائيلي الذي كان يعيش حالة من الغموض لعقود عدة أسفر عن وجهه بشكل علني من خلال التصريحات الرسمية لرئيس الوزراء ايهود أولمرت وغيره من كبار المسؤولين الإسرائيليين ومهما قيل عن زلات جاءت على لسان شيمون بيريز وغيره من المسؤولين الإسرائيليين في فترات متعاقبة إلا أن تصريح رئيس الوزراء الأخير هو بمثابة إعلان أفصحت به الدولة العبرية عن ترسانتها النووية في محاولة لإرهاب دول المنطقة وإعادة الثقة المفقودة للمواطن الإسرائيلي خصوصاً بعد الحرب على لبنان في تموز (يوليو) 2006، وما زلت أتذكر أنني كنت اسأل أحياناً مندوب الدولة العبرية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو غالباً ما يكون عالماً ذرياً وليس ديبلوماسياً تقليدياً عن احتمالات انضمام اسرائيل لاتفاقية منع الانتشار النووي والكشف عن برنامجها في شفافية كاملة وفتحه للتفتيش الدوري أمام الوكالة الدولية في فيينا، وكنا في ذلك الحين نعيش أجواء اتفاق اوسلو ولم تكن احتمالات السلام بين العرب وإسرائيل بعيدة على النحو الذي أصبحت عليه بعد ذلك وكان رد المندوب الإسرائيلي دائماً أن ذلك لا يتوقف على السلام مع الجيران العرب وحدهم إذ أن هناك إيران على الجانب الآخر، وكنت أضيف إليه أنكم ستقولون بعدها وباكستان أيضاً، ولن تعدموا الحجج للانفراد بوضع خاص في الشرق الاوسط تملكون فيه سلاحاً يجري تحريمه على كل دول المنطقة.. إنها سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين.

خامساً: لقد ذكر لنا هانز بليكس المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية لمدة تزيد على ستة عشر عاماً ورئيس فريق التفتيش الدولي حول السلاح النووي في العراق قبل الغزو الأميركي وهو بالمناسبة وزير سابق للخارجية في السويد ومعروف بموضوعيته وتوازنه واعتداله، لقد قال لنا على مائدة الغداء في كانون الثاني (يناير) 2007 في القاهرة إن لديكم القاعدة العلمية ونلتقي بعلمائكم في كل مكان والإمكانات المادية لا يمكن أن تكون عقبة امام انشاء المحطات النووية والتقدم نحو مشروع للاستخدام السلمي للطاقة النووية خصوصاً أن اتفاقية منع الانتشار النووي N.P.T. تدعو في مادتها الرابعة إلى تشجيع انتشار الاستخدام السلمي للطاقة النووية تحت مظلة المجتمع الدولي وإشراف الوكالة المعنية، ولذلك فإنه لا يوجد تجريم قانوني لهذا النوع من الاستخدام السلمي لطاقة فريدة هي نتاج العقل البشري المتألق في القرن العشرين قاده العالم اليهودي الشهير اينشتاين الذي عرضت عليه إسرائيل رئاستها الشرفية في مطلع الخمسينات من القرن الماضي.

هذه جولة سريعة حول عدد من الاعتبارات المحيطة بهذا الموضوع الشديد الحساسية والبالغ الخطورة والقوي التأثير في مستقبل المنطقة ككل وأنا اتذكر هنا تصريح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في هذا الشأن والحديث المهم الذي أدلى به الرئيس حسني مبارك في المؤتمر الصحفي عند زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت للقاهرة في كانون الثاني (يناير) 2007 وكان حديث الرئيس المصري حازماً وواضحاً وصريحاً تجاه المسألة النووية برمتها في المنطقة كلها، وانا لا أنكر هنا أن هناك عاملين أساسيين دفعا بالموضوع النووي إلى المقدمة في الشهور الأخيرة أولهما هو ذلك الجدل الدولي الصاخب حول الملف النووي الإيراني وثانيهما الإعلان الإسرائيلي المفاجئ عن وجود سلاح نووي لدى الدولة العبرية.

يبقى أن نشير إلى أن وجود شخصية عربية مرموقة من مصر على قمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ـ كأول مدير يأتي من خارج العالم الغربي ـ وهو ديبلوماسي مرموق وقانوني ضليع تعتز أمته بموضوعيته الكاملة وحياده الدولي الواضح وتوازنه الذي يثير الاحترام وأعني به الدكتور محمد البرادعي، أقول إن وجوده يجب أن يعطينا مزيداً من الثقة بالنفس والإحساس بأننا نعيش في قلب العالم ولا يجب أن نكون قوة هامشية في أطرافه النائية.

كاتب مصري[line]
مأزق اللجوء السياسي: بين إرهاب الأعداء.. وتجاوزات الأصدقاء

عادل درويش

الشرق الاوسط

خسر الأصولي عمر محمود محمد عثمان، وشهرته أبو قتادة، جولة جديدة (قد تكون الأخيرة) في معركة خمس سنوات لترحيله من بريطانيا، بعد ان رفضت المفوضية الخاصة بمراقبة واستئناف قرارات وزارة الداخلية المتعلقة بأمور الهجرة، يوم الثلاثاء، طعن محاميته في القرار الذي اتخذه وزير الداخلية بترحيل موكلها الى الأردن (موطنه القانوني)، كشخص غير مرغوب في وجوده، لتحريضه على الارهاب والقتل عبر خطب وفتاوى، وتمويل نشاطات اجرامية.

أبو قتادة، المطلوب لمواجهة تهم ارهابية في الأردن وبلدان اخرى كاسبانيا، الذي وصفه احد قضاتها بـ«سفير اسامة بن لادن لشؤون الارهاب في اوروبا»، بحكم انتمائاته الايديولوجية السلفية، يرفض الامتثال للقوانين الوضعية، بل ويكفرها، اذ لا يعترف الا بالشريعة كقانون الهي يصلح لكل زمان ومكان.

الملاحظ انه، ومحاميته غاريث بيرز، سافرا رحلة طويلة من النظر امام المحاكم، وتكاليف ملايين لدافع الضرائب، شهدت تعاقب ثلاثة وزراء داخلية (دافيد بلانكيت، وتشارلز كلارك، وجون ريد)، لم يستطع اي منهم تنفيذ قرار ترحيل ابي قتادة بعد احتماء الأخير بدرع القانون البريطاني «الوضعي».

وفور صدور قرار اللجنة، اشهرت محامية أبي قتادة سيف القانون «الكافر» استعدادا للطعن في الحكم امام محكمة النقض ولوردات القضاء في مجلس اللوردات، وربما محكمة العدل الاوروبية.

نجح محامو ابي قتادة، كل مرة، في اقناع القضاة بأن موكلهم قد (لاحظ كلمة «قد») يتعرض لسوء المعاملة في بلده الأصلي و«ربما» يواجه محكمة لا يماثل مستوى العدالة فيها مثيله في المحاكم الإنجليزية؛ وهو مبدأ يستند اليه القضاء الإنجليزي لرفض نقل متهم أجنبي ليواجه العدالة في مكان يشك في تدني مستواه القضائي، أو يطبق عقوبة الأعدام.

القضاء الانجليزي، وربما الأفضل عالميا، قائم على ثوابت كاستقلاله التام عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، واعتبار المتهم بريئا حتى تثبت ادانته بأدلة جنائية مادية وحسية لا يرقى اليها الشك، الذي يفسر دائما لصالح المتهم.

مسار دراسة المفوضية للطعن وحيثيات الحكم، لقيا اهتماما غير مسبوق من الصحافة وجماعات حقوق الإنسان والمحامين والساسة، كأول اختبار «لمذكرات التفاهم» كسلاح جديد للحكومة في نزالها مع المحامين لترحيل المشتبه في توريطهم في الإرهاب الى بلدان تطبق عقوبة الإعدام، أو أدانت المنظمات العالمية سجلها في حقوق الإنسان. فالمفوضية استندت الى مذكرات وقعتها لندن مع بلدان متهمة بانتهاك حقوق الانسان واستخدام اعترافات، وقعها المتهمون تحت التعذيب، كأدلة ادانة في محاكماتهم، تتعهد فيها حكوماتها بعدم إساءة معاملة المرحلين من بريطانيا والسماح للدبوماسيين البريطانيين بزيارتهم في السجون.

المحاكم الانجليزية، لا تسمح بإدراج اعتراف المتهم كدليل ادانة، الا بمصاحبة أدلة أخرى مادية لا يرقى إليها الشك، مما عرقل ترحيل لندن للتهمين بالتورط في الإرهاب بعد 11 سبتمبر. ولم تنجح الحكومة في اقناع قاض واحد باحتمال ان يكون أي شخص «ارهابي» مقدما، اي قبل ارتكابه الجريمة. وكيف تتمكّن الحكومة من جمع أدلّة تكفي لإقناع محكمة بإدانة امثال ابي قتادة من الأئمة والدعاة؟

القضاء الانجليزي لا يعترف بالأدلة الظرفية الا نادرا، شرط دعمها بأدلة مادية جنائية وشهود عيان، ولا يعترف بتقارير المباحث اذا بنيت على التجسس والتنصت على مكالمات تلفيونية، كما هو الحال مع ابي قتادة، الذي سجلت اتصلاته بالمنظمات الارهابية، لكن لم تستمع المحكمة للتسجيلات. اما اذا انتظر الأمن أدلة مادية تقنع المحكمة قبل التحرك باتجاه المشتبه فيهم، ربما تقع الجريمة في شكل تفجيرات تقتل العشرات كحوادث مدريد ولندن.

وهناك تناقضات أخرى تواجه محبي القانون والحرية، اذ نجد أنفسنا في مآزق اخلاقية وسياسية بتمسكنا بسيادة القانون وحقوق الإنسان والتسامح والليبرالية التعددية. ففشل الحكومة في اقناع القضاء بإدانة أبي قتادة، مدعاة للفخر للمجتمع البريطاني المتحضر في احترامه استقلال القضاء والقوانين وحقوق الانسان من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن انفتاح هذا المجتمع وترحيب البريطانيين بالغريب الذي لاذ بحمايتهم واحتضانهم له، يضعه امثال أبي قتادة وأبي حمزة في امتحان تاريخي صعب ويدخلونه مازق الموازنة بين المبادئ السامية للديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون، وبين واجب الدولة في حماية المواطنين.

أجابت حكومة بريطانيا طلب أبي قتادة للجوء بعد وصوله 1993، بدعوى تعرض سلامته للخطر اذا عاد للاردن. ويضعنا هذا النموذج في مأزق اخلاقي مزدوج في تمسكنا بالمبادئ التي جعلت من بريطانيا أمة عظيمة رائدة في مجال الدفاع عن حقوق الانسان.

فلأمثال أبي قتادة وأصحابهم نشاط دموي في بلدانهم (مثل نسف الأصوليين الإرهابيين لفنادق عمان)، لكن تجاوزات حكومات هذ البلدان الصديقة في مجال حقوق الانسان والقانون وسير العدالة، هو الوجه الآخر للمازق, فجدل اللحقوقيين، استنادا لسجلات هذه البلدان في مجال حقوق الانسان، له وجاهته في صعوبة تنفيذ شروط مذكرة التفاهم الموقعة عمليا، لغياب آلية تجبر البوليس وأجهزة الأمن هناك على احترامها.

المجتمع البريطاني المفتوح بطبيعته، دفع أجهزة الأمن للتغاضي عن نشاط ابي قتادة الأصولي وتمجيده التطرف والعنف ودعوته العلنية للإرهاب (بالافتراء على المسلمين وتسميته الإرهاب «جهادا»). وعثر في ديار منفذي عدوان 11 سبتمبر 2001 على تسجيلات تحريض أبي قتادة مسلمي بريطانيا على القيام بعمليات انتحارية، وعلى ادلة أخرى ربطته بزكريا موسوي (تثبت ادانته قضائيا بالتآمر لتنفيذ عدوان 11 سبتمبر) وبريتشارد ريد، صاحب الحذاء المفخخ، الذي حاول تفجير طائرة ركاب عام 2001.

كما اتضح أن عددا ليس بالقليل من المعارضين لحكومات بلدان صديقة، منحوا اللجوء السياسي، جلبوا معهم المشاكل والأخطار التي كانت سببا للقلاقل التي أدت لتركهم بلدانهم، بينما وضعت نشاطاتهم علامة استفهام على اسباب طلبهم اللجوء لبريطانيا.

اللاجئ «الهارب بجلده» يتنفس الصعداء بوصوله شواطئ بريطانيا كغاية تفرغه لتربية اولاده في نظام تعليم مجاني راقي المستوى. أبو قتادة وأبوحمزة واشباههم، لا يحمدون الله على سلامة عيشهم، وتحمل حكومة جلالة الملكة نفقات معيشتهم واولادهم، فلديهم «أجندة»agenda سرية خبيثة الهدف؛ فلجوؤهم وسيلة للهرب من رقابة مخابراتهم التي لا ترحم، واستغلال طيبة وتسامح المجتمع البريطاني المفتوح لتأسيس قاعدة للعدوان والإرهاب وافساد أدمغة الصغار بتحويلهم الى قنابل انتحارية.

الأدلة القانونية امامنا تقف ضد أبي حمزة وأبي قتادة في بريطانيا، والشيخ عمر عبد الرحمن في اميركا بتمويلهم للجماعات ارهابية وتحريضهم على القتل والإرهاب، وتجنيد الشباب من أجل إرسالهم إلى معسكرات تدريب الأرهابيين. الشيخ عبد الرحمن (صدر عليه حكم غيابي في مصر، فلجأ لأمريكا التي رفضت طوال الثمانينات تسليمه لمصر خشية سوء معاملته فيها)، يقضي عقوبة سجن في نيوجرسي بعد ادانته في التآمر والتخطيط لتفجيرات مركز التجارة العالمي عام 1993.

والدرس اذن انه مع تحسين حكومات البلدان الصديقة لسجلها في حقوق الانسان، واحترامها للقانون، يمكن لبريطانيا اقناع قضائها بترحيل امثال أبي قتادة، بينما يتعين على حكومتنا هنا، دراسة طلبات اللجوء بدقة لتجنب ان يصبح اللجوء، في وصف شيخ اخوانجي، «قبقابا لدخول الحمام» ـ فتتحول عاصمة العرب، لندن، لمكان تخلصهم من فضلاتهم.[line]

castle
05-03-2007, 03:37 PM
الاثنيـن 15 صفـر 1428 هـ 5 مارس 2007

موقف شجاع من برودي تجاه دور ايطاليا في افغانستان

انطونيو باديني

الحياة

قد لا يكون من العدل التقليل من الشجاعة السياسية والأمانة الفكرية التي أظهرتها في هذه الأيام حكومة رومانو برودي في التأكيد بثبات أمام مجلس الشيوخ على الابقاء على القوة العسكرية الايطالية في افغانستان. وكان وزير الخارجية ماسيمو داليما نفسه قد فضّل عشية التصويت المواجهة المفتوحة مع الفصائل الأكثر ميلاً الى اليسار في جبهة الغالبية بدلاً من الاكتفاء باتفاق سيئ.

وقد حسب بالطبع المخاطرة المتمثلة في غياب غالبية مجلس الشيوخ بشأن قرار الحكومة، مع السقوط المحتمل لهذه الحكومة. ولكنه كان يعلم أن الطابع الاستراتيجي للوجود الايطالي من أجل السلام في افغانستان يجعل وضوح الالتزام السياسي للحكومة لا يقل أهمية عن الموافقة نفسها. ولم تكن الموافقة المحتملة لمجلس الشيوخ، التي تمت ببعض التحايل، لتصمد بالفعل أمام الضربات المضادة لليسار المتطرف وكانت ظلال الشك ستحوم حول الالتزام الايطالي.

واليوم يعلم الجميع أن حل الأزمة السياسية المؤسسية قد تم على أساس التشديد على وجود القوة الايطالية في افغانستان بناء على القرارات الأخيرة التي اتخذت داخل الحلف الاطلسي. وهذا يعني أن تصويت الثقة الذي حصلت عليه الحكومة لتجديد قيادتها للبلاد سيكون أيضاً تأكيداً قاطعاً للمهمة العسكرية الايطالية في افغانستان ليحميها بذلك من مراجعات مجلس الشيوخ (فلا بد لتمرير أي قانون ايطالي من تصويت الغالبية سواء في مجلس النواب أو في مجلس الشيوخ، حيث ان غالبية الائتلاف التي تؤيد حكومة برودي محدودة جداً).

لذا، يجب ألاّ نثق في ما كتبته بعض الصحف حول انتكاسة ايطاليا في الألاعيب السياسية التي كانت تجعل الحكومات في الماضي غير مستقرة. وهي اتهامات موجهة من صحافة منحازة وعلى غير علم بالنقاش العنيف داخل الائتلاف الحكومي. وهو نقاش يحترم قواعد الديموقراطية ولكن تقوده الحكومة بجدارة أخلاقية وسياسية تحدّت بها المواقف القصيرة النظر لأقلية يسارية مرتبطة بمواقف تقليدية.

ومن المحتمل جداً الآن أن يكون موقف السياسة الخارجية للحكومة الايطالية قد خرج أشد قوة وتماسكاً بعد تجاوز الأزمة. وهذا مهم جداً لأن التزام ايطاليا في حالة افغانستان له قيمته بصفة خاصة إزاء السلطة الشرعية في البلاد، بداية من الرئيس الافغاني حميد كرزاي. ونحن لسنا هنا أمام الموقف ذاته الذي دفع الحكومة الايطالية للانسحاب من العراق (وهو انسحاب لم يكن مع ذلك مفاجئاً، بل تم بالاتفاق مع حكومة بغداد).

وفي حالة افغانستان، أرسلت القوات في إطار قرار للأمم المتحدة دعمته بعد ذلك مشاركة واسعة من الشعب الافغاني في الانتخابات الشرعية التي خرجت منها الحكومة الحالية. ولكن من الواضح أيضاً أن هناك وفاقاً اقليمياً غير محدود حول الدفاع عن السيادة الشرعية لأفغانستان، باستثناء أقلية من القوى المتطرفة، التي لم توضح بعد مشروعها السياسي. وبناء على المعلومات المتاحة، فإن التمرد الجديد لم يشرح لنا كيف ينوي تأمين التنمية للشعب الأفغاني في ظل القانون وكذلك تحسين الظروف المعيشية للمواطنين من دون تمييز، مع الاحترام المطلق للكرامة البشرية.

ومن المهم الحفاظ في افغانستان على درجة الاستقرار والديموقراطية التي سمحت بعودة الخمسة ملايين لاجئ، إضافة الى تحسين حماية حقوق الانسان والنساء بصفة خاصة. حقيقي أن التقدم في مجال الاقتصاد لم يكن على مستوى التوقعات، ولا بد من المشاركة بصورة أكبر مع ربط الالتزام باستقرار البلاد مع مزيد من الاسهامات من أجل تنمية السكان والتوزيع العادل للدخل، لكن يعتقد أيضاً أن الاصرار السياسي للحكومة الايطالية التي خاطرت بالخروج من المسرح السياسي من أجل الوفاء بالتزامها سيؤدي الى اضفاء الصدقية والقوة على عمل الرئيس كرزاي لمصلحة الشعب الأفغاني الصديق.

ومن ناحية أخرى، لا يزال هناك أيضاً اقتراح ايطاليا بعقد مؤتمر دولي بهدف الجمع بين العنصر العسكري للاستقرار وأدوات أخرى، مثل تنمية الاقتصاد، والمرافق العامة، وإعادة الاعمار التي ستنجح في تحسين الظروف المعيشية وستمكن الشعب من المشاركة بصورة أفضل في الحصول على الاستقلال والسيادة والعدالة.

سفير ايطاليا في مصر[line]
كم هو سهل وضع الكراهية على الخارطة

روبرت فيسك

الوطن

لماذا نحاول تقسيم شعوب الشرق الأوسط؟ لماذا نحاول تقطيعهم وجعلهم مختلفين وتذكيرهم بانقساماتهم وشكوكهم وقدرتهم على كراهية بعضهم البعض؟، هل هذا شكل من أشكال عنصريتنا غير الرسمية؟ أم إن هناك شيئا أكثر سوادا في أرواحنا الغربية؟. ألقوا نظرة على الخرائط، هل أنا الشخص الوحيد الذي يشمئز من ميولنا الصحفية لنشر خرائط طائفية للشرق الأوسط؟ أنتم تعرفون ما أعنيه، جميعنا الآن نعرف خريطة العراق التي ترمز فيها الألوان إلى تقسيمات محددة، الشيعة في الأسفل، والسنة في "المثلث" في الوسط - في الواقع هو يشبه شكلا ثماني الزوايا أكثر - والأكراد في الشمال.
أو انظروا إلى خارطة لبنان، حيث أعيش، الشيعة في الأسفل، والدروز شمالا، والسنة في صيدا والساحل الجنوبي لبيروت، الشيعة في الضواحي الجنوبية للعاصمة، والسنة والمسيحيون في قلب المدينة، والمسيحيون المارونيون إلى شمال العاصمة، السنة، في طرابلس، ومجموعة أخرى من الشيعة إلى الشرق. كم نحب هذه الخرائط، فهي تجعل الكراهية أمرا سهلا.
بالطبع، ليس الأمر في تلك البساطة أنا أعيش في منطقة درزية صغيرة في غرب بيروت، لكن بائع الخضار المحلي وسائقي هما من السنة، أعتقد أنهما يجب ألا يكونا في المنطقة الخاطئة حسب خرائطنا، إذاً هل أقول لسائقي عابد إن خريطتنا تظن أنه لم يعد بإمكانه أن يضع سيارته أمام منزلي؟ أم هل أقول للناشر المسلم للنسخة العربية من كتابي "حرب الحضارات الكبرى" إنه لم يعد بإمكانه أن يلتقي بي في مكان لقائنا المفضل، مطعم بول في بيروت الشرقية، لتناول الغداء لأن خريطتنا تظن هذه المنطقة على أنها منطقة مارونية مسيحية في بيروت؟
في طريق الجديدة (منطقة سنية) انتقل بعض الشيعة، إلى خارج منازلهم، مؤقتا، في إجازة مؤقتة، وتركوا مفاتيحهم مع الجيران الأمر دائما يجري بهذا الشكل - وهذا يعني أن خرائط بيروت التي لدينا أكثر نظافة وأسهل للفهم، الشيء نفسه يحدث بصورة كبيرة في بغداد، الآن بإمكان رموزنا الملونة أن تكون أكثر تحديدا، لم نعد نستخدم تلك الكلمة المربكة "مناطق مختلطة".
فعلنا الشيء نفسه في البلقان، كان وادي درنيا في البوسنة مأهولا بالمسلمين حتى مارس الصرب التطهير العرقي ضدهم، وماذا عن سريبريرنسكا؟ ألغوا كلمة "منطقة آمنة" وضعوا إشارة "صربية" عليها، وكارجينا منطقة صربية إلى أن استولى عليها الكروات، هل سميناهم "كروات" أم كاثوليك على خرائطنا؟ أم الاثنين معا؟
ذنبنا في هذه اللعبة الطائفية واضح، نحن نريد أن نقسم "الآخر"، عدونا المحتمل، ونبعدهم عن بعضهم البعض، فيما نحن - الغربيين المتحضرين بقيمنا العالية والمتحدة ومتعددة الثقافات - لا يمكن أن يمسنا أحد، بإمكاني أن أرسم خريطة طائفية لمدينة بيرمنجهام البريطانية مثلا، وأضع إشارات "مسلم" و"غير مسلم" لكن لن تنشرها صحيفة بريطانية واحدة، بإمكاني أن أرسم خارطة عرقية دقيقة للغاية لواشنطن، بما في ذلك شوارع جبهات بين الجاليات "السوداء" و"البيضاء"، لكن صحيفة واشنطن بوست مثلا لن تنشرها مطلقاً.
تخيلوا المتعة الملونة التي يمكن أن تقدمها صحيفة نيويورك تايمز وهي ترسم خرائط بروكلين وهارلم ووايست ريفر، سود، بيض، بني، إيطالي، كاثوليك، يهود، أو المتعة التي يمكن أن تقدمها صحف تورونتو جلوب وميل في كندا في تقسيم مونتريال إلى جزء فرنسي وغير فرنسي، أو في تقسيم تورونتو حيث يمكن تخصيص أجزاء للأوكرانيين واليونانيين والمسلمين. لكننا لا نرسم هذه الخرائط الهتلرية لمجتمعاتنا، سيكون ذلك أمرا لا يمكن التسامح معه، وذا ذوق سيئ، شيء لا نفعله "نحن" في حضارتنا الغالية.
لدى مروري أمام كشك لبيع الكتب في نيويورك هذا الأسبوع رأيت عددا من مجلة تايم وعلى غلافها - وهذا كان يمكن أن يكون حقيقة غلافا لمجلة نازية من الثلاثينيات - رجلان أحدهما يرتدي قلنسوة سوداء والآخر يرتدي عمامة ملونة، أما العنوان فكان (سنة مقابل الشيعة: لماذا يكرهون بعضهم البعض)، هذا بالطبع كان تعليقا على الحرب الأهلية في العراق، وهي حرب أهلية كان يتكلم عنها المتحدثون الأمريكيون في بغداد في أغسطس 2003، عندما لم يكن عراقي واحد يحلم في أسوأ كوابيسه أن يحدث الذي يحدث الآن.
وعلى الصفحة 30 من مجلة "تايم" الخبيثة، هناك عنوان "كيف تميز بين السنة والشيعة؟" هل هذا أمر نافع؟ وبعد ذلك هناك أعمدة من المعلومات المفيدة التي تميز بين السنة والشيعة، "الأسماء مثلا"، بعض الأسماء تحمل علامات طائفية، أبو بكر، عمر، عثمان.. رجال بهذه الأسماء هم بالتأكيد تقريبا من السنة، أما الذين يحملون أسماء عبدالحسين، وعبدالزهراء، هم على الأغلب من الشيعة"، ثم تأتي أعمدة تحت عنوان "الصلاة"، "المساجد"، "المنازل"، "اللهجة"، وحتى "السيارات"، وآخر هذه الأنواع - السيارات - يقول لنا أي ملصقات نبحث عنها (إذا كان هناك عبارة عن الإمام علي فإن السائق شيعي)، أو أي لوحة سيارة (السيارات المسجلة في الأنبار مثلا) تعني أن السائق من السنة.
شكرا مرة أخرى، لا أدري لماذا لا يشتري الجيش الأمريكي عدد هذا الأسبوع من مجلة تايم ويلقي بالكمية كلها فوق بغداد لمساعدة من لا يزال يجهل من القتلة المحليين تحديد أهدافهم بسهولة، ولكن هل ستساعدنا مجلة تايم في معرفة المجتمع المنقسم بحدة في أمريكا؟
أنا أيضا مذنب لممارستي هذه الألعاب الطائفية الصغيرة في الشرق الأوسط، أسأل أي لبناني أو لبنانية من أي منطقة هو، ليس لأتذكر الجبال والأنهار التي قرب منازلهم، ولكن لكي أضعهم حسب رموزهم الطائفية على خارطتي، لكنني أخفق بسهولة. الرجل الذي يقول لي إنه من الجنوب اللبناني (شيعة) يتضح أنه يعيش في القرية الدرزية الجنوبية (حاصبيا). المرأة التي تقول لي إنها من الجبيل (مسيحية) يتضح أنها من الأقلية الشيعية في البلدة.
وهكذا نستمر في تقسيم أراضي الشرق الأوسط، ونطبع المزيد والمزيد من خرائطنا العنصرية ونتساءل بجدية إذا كنا نرغب في التشجيع على حرب طائفية في هذا الجزء من العالم.
هل تعرفون ماذا؟ إنني أميل للاعتقاد أننا نشجع على ذلك.

كاتب بريطاني، خدمة الإندبندنت (خاص "الوطن")[line]
رسالة إلى إرهابي

علي عبيد

البيان

بعد يومين قضتهما المجموعة المكونة من 26 شخصا من الرجال والنساء والأطفال الفرنسيين والبلجيكيين في مدائن صالح بمحافظة العلا على بعد 380 كلم شمال المدينة المنورة توزعت المجموعة على فرقتين، حيث توجه البعض إلى الرياض، فيما فضل تسعة فرنسيين بينهم عائلة مسلمة التوجه إلى المدينة المنورة، ومن ثم إلى مكة المكرمة لتأدية العمرة، لكن يد الإرهاب أبت إلا أن تطالهم.

حيث فاجأتهم سيارة يستقلها ثلاثة أشخاص، سألوهم عن جنسياتهم، ثم قاموا بعزل النساء والأطفال عن الرجال الذين اقتادوهم إلى حيث رشقوهم بوابل من الرصاص فأردوا ثلاثة منهم على الفور بينما نازع الرابع حتى فارق الحياة في اليوم التالي بمستشفى المدينة المنورة.

من بين الأربعة الذين قضوا برصاص الإرهاب كان جون مارك الذي أسلم قبل ثلاثة أشهر، وكان يحب مناداته منذ أن أسلم باسم «يحيى». وكان من بينهم أيضا مبارك جون مارك ذو السبعة عشر ربيعا. ولأن أم مبارك ذات الأصول المغربية قد ألجمتها الفاجعة فلم تعد قادرة على التعبير، كانت هذه الرسالة التي نوجهها نيابة عنها:

سيدي الإرهابي،

وليعذرني كل من يقرأ رسالتي هذه لاستخدامي كلمة «سيدي» التي لا يصح أن تناديك بها زوجة وأم فُجِعت بفقد زوجها وولدها، لكن الواقع يفرض نفسه عليها، والواقع يقول إن الإرهاب أصبح في زمننا هذا سيد الموقف، وأنكم معشر السادة الإرهابيين قد اقتربتم من إدارة العالم وفرض إرهابكم عليه، لا فرق في ذلك بين إرهاب فرد وإرهاب منظمة وإرهاب دولة عظمى.

سيدي الإرهابي،

أعترف لك بأن المفاجأة قد أفقدتني تركيزي فلم أعد أعرف من أين أبدأ رسالتي، وربما لن أعرف أين وكيف سأنهيها. لكن الذي أعرفه جيدا أنك ورفاقك قد هدمتم بفعلتكم هذه ما بنيناه أنا وزوجي وابني، وشوهتم صورة جميلة عملنا على تكوينها عن الإسلام؛ دين المحبة والسلام الذي تحاولون تقويضه بوسائلكم البعيدة عن روح الإسلام وقيمه ومبادئه وتعاليمه.

سيدي الإرهابي،

كم كنا نتمنى - أنا وزوجي وابني اللذان أنهيتم حياتهما - لو أنك ورفاقك تخليتم عن بنادقكم ساعة وانضممتم إلى تلك المجموعة التي كنا معها لتسهموا معنا في تكوين الصورة الجميلة التي كنا نحاول رسمها عن الدين الذي جعلتمونا بفعلتكم هذه نشك في أنكم تدينون به مثلنا أو تفهمونه مثلما نفهمه نحن، دون أن ننتقص من الأديان الأخرى أو نزدريها، ودون أن نحقد على الذين يدينون بها ما بقي الاحترام قائما بيننا وبينهم، وما بقيت الحقوق مصانة ومحفوظة.

سيدي الإرهابي،

واضح أن قراركم إنهاء حياة بعض أفراد مجموعتنا كان قرارا انفعاليا وعصبيا وليد اللحظة التي شاهدتمونا فيها دون أن تتبينوا حقيقة أمرنا كما أمركم الخالق في كتابه عندما قال «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين»

لذلك لم تفكروا في حرمة دمائنا نحن المسلمين إخوانكم في العقيدة والدين، ولم تفكروا في حرمة دماء غير المسلمين الذين حرم الله دماءهم أيضا في غير قتال، وكفل لهم حرية العقيدة بنصوص واضحة في القرآن الكريم عندما قال وقوله الحق: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». فإذا كان المولى جل وعلا قد ترك حرية الاختيار للبشر ولم يكره أحدا على الإيمان به فكيف يحق لنا نحن البشر أن نكره الناس ونقتلهم بسبب اختلاف عقائدهم عن عقيدتنا؟

سيدي الإرهابي،

واضح أن أفكاركم مشوشة وأن المفاهيم عندكم ملتبسة، لأنكم لو بحثتم في نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة كلها فلن تجدوا فيها آية واحدة ولا حديثا يبيحان لكم دماء المدنيين من غير المسلمين ما داموا ملتزمين بالأحكام العامة التي ارتضوها مع المسلمين ولم يخرجوا عليها، وإنما أمر بقتال من اعتدى على المسلمين وحاربهم فقال «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»

ويشهد الله أن المجموعة التي كنا فيها قد أحبت بلدكم، بل وعشقتها كما يشهد بذلك أصدقاء وزملاء الضحيتين غير المسلمتين اللتين أنهت حياتهما رصاصاتكم الحمقاء التي استقرت في قلوب أصدقاء محبين لبلدكم وأرضكم فأطلقت العنان لشماتة أعدائكم وأعداء الإسلام الذين ما فتئوا يتحينون الفرص للنيل منكم ومن دينكم، وما فتئتم أنتم تمنحونهم الفرصة تلو الفرصة لتحقيق ذلك.

سيدي الإرهابي،

أعرف أن مبرراتكم كثيرة، لكنها مبررات لا رصيد لها من العقل والمنطق، ناهيك عن الدين الذي لا يقرها ولا يعترف بها. فإذا قلتم إن ما تفعلونه انتقام لما يحدث للمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من مناطق العالم رد عليكم القرآن الكريم قائلا «ولا تزر وازرة وزر أخرى» ورد عليكم رسول الإنسانية قائلا «من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير رضاه فأنا حجيجه يوم القيامة». وهؤلاء الذين أطلقتم النار عليهم إنما هم أهل عهد، قدموا إلى بلادكم ليسهموا معكم في إعمارها ونهضتها، فهل كان خياركم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حجيجكم يوم القيامة؟

سيدي الإرهابي،

أعرف أن كل حججي في نظرك باطلة وهي عندك مرفوضة سلفا، وأعرف أكثر أن الحوار معك لن يصل حتى إلى أذنيك اللتين سددتهما عن سماع الحق بعد أن آليت على نفسك أن تغلق عقلك فلا تسمح لغير التعصب بأن ينفذ إليه، وأن تغلق قلبك فلا تسمح لنفحة رحمة أن تتسلل إليه. ومع ذلك قررت أن أخاطبك امتثالا لقول الله تعالى «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين» هذا إن كان ثمة ذرة من إيمان حقيقي في قلبك.

سيدي الإرهابي،

سوف أنحّي جانبا أصدقائي من غير المسلمين عن الخطاب وأخاطبك خطاب مسلم لمسلم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم من على المنبر يوم عرفة بصون دمه فقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه» ونهاه عن ترويع أخيه فقال:

«لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» فأُشهِد الله ورسوله أنك قد استحللت دمي ومالي في البلد الحرام، وروعتني ثم فجعتني بقتل زوجي وابني، وسميت ما قمت به جهادا، فأي جهاد هذا الذي يجيز ترويع الآمنين ويبيح سفك دماء المسلمين؟ ومن ذا الذي أباح لك أن تحلل ما حرم الله وتفصِّل الدين على مقاسك ووفق هواك؟ ألم تقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه»؟

سيدي الإرهابي،

لو علمت مقدار الخدمة التي قدمتها لأعداء الإسلام لوضعت رأسك في الأرض خجلا ولامتلأ قلبك ندما على ما فعلت. فليت لك عقلا يعي فيخجل، وليت لك قلبا يحس فيندم. عزائي أن زوجي وابني قد ذهبا شهيدين عند ربهما، وسوف يبقى دمهما معلقا في رقابكم إلى يوم القيامة، ويوم القيامة (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)

وعزائي أنك وصحبك قد عدتم إلى العتمة كما تفعل الخفافيش التي نحسبها أفضل منكم لأنها ضعيفة البصر فقط، أما أنتم فضعفاء البصر والبصيرة معا. والسلام على من اتبع الهدى.

كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com

castle
09-03-2007, 06:15 AM
الجمعـة 19 صفـر 1428 هـ 9 مارس 2007

سؤال : متى يفرّق بوش بين القوة والدبلوماسية ؟

ديفيد أغناتيوس

الشرق الاوسط

للسفير الأميركي السابق تشاز فريمان كتاب أسماه «قاموس الدبلوماسي» يشتمل على عدد من التعريفات التذكارية بينها أن «الدبلوماسية تعني السماح لشخص آخر بأن يقتنع بمنهجك»، فيما إدارة بوش كانت تبدو وكأنها تفضل تعريفا آخر. ولكنها تبدو الآن وهي تنحني باتجاه الجواب الذي يعني «بوسعك أن تتبع طريقتك». وهذا الانتقال والتحول كانا متوقعين منذ فترة طويلة. ولكن يتطلب من الإدارة أن تفعل ما وجدته في بعض الأحيان أكثر صعوبة، والذي يعني تحديد أولويات أهداف سياستها الخارجية، لتتوجه إلى الهدف الذي تقرر أنه أكثر أهمية.

والمثال الأوضح على تجاوز الإدارة الجديد هو تحول موقفها بشأن المناقشات مع إيران وسوريا حول كيفية تحقيق الاستقرار في العراق. فقبل عام أعلن الإيرانيون (في رد على ما كانوا يعتقدون انه تمهيد اميركي) أنهم مستعدون لمثل هذه المحادثات، بينما انسحبت الإدارة من ذلك. وكان ذلك خطأ فادحا جعل فوضى العراق أسوأ.

وفي الوقت الحالي يغير بوش اتجاهه إلى حد ما، بالإعلان الأسبوع الماضي عن أن الولايات المتحدة ستشارك في مؤتمر إقليمي ببغداد. ولكن يجب أن لا تذهب الإدارة إلى هذه المحادثات وهي تحمل موقف الازدراء. وإذا ما كانت الإدارة جادة فان عليها أن تستخدم الاجتماع التمهيدي من اجل وضع الأساس لمناقشات اميركية إيرانية منتظمة بشأن العراق.

ويجب على الإدارة أيضا أن تبدأ حوارا حقيقيا مع سوريا، وفي هذه العملية تضع على الرف أية أفكار غير ناضجة بشأن تغيير النظام، فالسوريون يشكلون تهديدا مهلكا في لبنان، وذلك مبرر للحديث معهم. والشخص المناسب للشروع بهذه المحادثات هو جيمس بيكر الذي يعرف السوريين جيدا منذ أيامه كوزير للخارجية. وفي الحديث عن بيكر يبدو أن الإدارة تغير اتجاهها وتعود نحو توصيات مجموعة دراسة العراق، التي يبدو أن بوش كان قد رفضها في ديسمبر الماضي. وتوصل كبار مساعدي بوش إلى أنهم ارتكبوا خطأ في موقفهم الرافض لتقرير بيكر ـ هاملتون، وأعلنوا عن زيادة القوات بعد شهر من ذلك، كما لو كان بديلا. وبهذه العملية تخلوا عن أملهم في سياسة من الحزبين بشأن العراق، وهو أمر يشعر معه المسؤولون بالندم.

وفي هذا السياق أوضح مسؤول رفيع في الإدارة قائلا : «نحن نعتقد أن استراتيجيتنا في العراق تتوافق مع بيكر ـ هاملتون. نريد الوصول إلى المكان ذاته، ولكن ليس في الإطار الزمني نفسه. فقد قال بيكر ـ هاملتون إن استراتيجيتنا أضعفت في إطار الدبلوماسية. وما نقوله اليوم هو: نحن نسمعكم. نحن نختار سبيل التقدم في الدبلوماسية الإقليمية والعالمية».

من جانبي لا أستطيع أن اقبل الزعم بان الإدارة دعمت بيكر ـ هاملتون، ولكن من المؤكد أن هذا التغير موضع ترحيب. وسيكون اتخاذ خيارات دبلوماسية صعبة ضروريا تماما إذا ما كانت الإدارة جادة حقا بشأن التوسط لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وتتصرف وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أحيانا كما لو أنها لا تستطيع أن تحقق الكثير في هذه الدوامة، ولكن من اجل تحقيق تقدم يتعين عليها أن تقفز إلى العمق. وكوسيط فانه يقدر لها أن تثير غضب بعض الإسرائيليين والفلسطينيين.

والمجالات الأخيرة التي يمكن أن تعيد الإدارة اكتشاف الدبلوماسية فيها هي تعاملاتها مع الصين وروسيا. وقد لعب بوش ورقة الصين بصورة فعالة في محادثات الأطراف الستة مع كوريا الشمالية، وقررت الإدارة على نحو عقلاني أن تتوصل إلى اتفاق ناقص مع بيونغ يانغ، حتى وهو يثير نقدا من الجناح اليميني.

وفي المقابل قد تبرهن الدبلوماسية تجاه روسيا على أنها الأفضل من بين جميع الديبلوماسيات. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الحليف الأساسي في جهود الولايات المتحدة الهادفة إلى إيقاف البرنامج النووي الإيراني، ولكن بوتين أوضح في ميونيخ الشهر الماضي انه سيكون هناك ثمن لمساعدة روسيا. وبعد الخطاب سافر مستشار بوش للأمن القومي ستيفن هادلي إلى موسكو والتقى بوتين في ما وصفه مسؤول بأنه «لقاء احترام وحوار متبادل». وشاء مسؤول رفيع أن يضع الرسالة الروسية على النحو التالي: «نريد أن نكون شركاء لك. لدينا مصالح مشتركة. عليك أن تعاملنا باحترام، وان تتحدث إلينا مبكرا وتأخذنا بالحسبان».

وبعد بداية بطيئة أصبح الروس حقا شركاء يعتمد عليهم بشأن إيران. وقد ابلغوا مسؤولين في وزارة الخارجية الأسبوع الحالي بأنهم سيدعمون قرارا جديدا سريعا لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة يقضي بإدانة إيران، بل وعبروا عن استعدادهم لإيقاف العمل في المفاعل النووي الذي يقيمونه للإيرانيين في بوشهر.

ولكن السؤال القائم هنا يصبح : وما الذي ستقدمه واشنطن للروس مقابل تعاونهم بشأن إيران ؟ حسنا، ذلك هو فن الدبلوماسية.

* خدمة «مجموعة كتاب واشنطن بوست»

ـ خاص بـ«الشرق الأوسط» [line]
الطبقة الوسطى العربية من الريادة إلى الانهيار

توفيق المديني

الحياة

في المجتمع الرأسمالي، مثلما في جميع الثورات البورجوازية الأوروبية وتجربة الثورتين الروسيتين، وكذلك الأمر للتجربة السياسية لكل التاريخ المعاصر لجميع بلدان العالم الثالث، لعبت القوى الطبقية الوسطى (البرجوازية الصغيرة) دوراً مهماً، سواء في تطور الرأسمالية، بصرف النظر عن ميزان هذا التطور وخصائصه المتباينة جذرياً في بلدان العالم الثالث عن المركز الرأسمالي الأوروبي - الأميركي، أو في مجال الحياة السياسية.

فما هو تعريف الطبقة الوسطى؟

يؤكد لنا التحليل العلمي - انطلاقاً من دراسة الرأسمالية - معرفة قوانين تطورها، في كل مرحلة تاريخية يمر بها تطور المجتمع الرأسمالي، والكولونيالي، سواء بسواء، وانطلاقاً من قاعدة الاختلاف في بنية علاقات الانتاج السائدة في بلدان العالم الثالث المتميزة بفروقات مهمة عن الغرب الرأسمالي - يؤكد ان تعريف الطبقة الوسطى ليس تعريفاً واحداً، في المجتمعات الرأسمالية الغربية وفي مجتمعات العالم الثالث، ومن ضمنها المجتمع العربي. وهو تعريف فضفاض وهلامي نظراً لافتقاده الدقة العلمية.

من المعروف أن الطبقة الوسطى تشكلت تاريخياً في طور سابق لنشوء الرأسمالية، واحتلت موقعاً طبقياً متحدداً بين طبقة النبلاء وطبقة الفلاحين. وفضلاً عن ذلك، فالطبقة الوسطى طبقة محددة ارتبط تاريخها بانبثاق نظام الانتاج السلعي الحر، وبعملية التراكم البدائي للرأسمال. ومن هذا المنظار، فهي طبقة تشكلت تاريخياً في رحم المجتمع الاقطاعي عينه، بما أنها كانت تمثل القوى المنتجة الثورية في اطار علاقات الانتاج الاقطاعية نفسها. وأخذ مفهوم الطبقة الوسطى مدلولات سياسية واقتصادية واجتماعية جمة على أساس أن الطبقة الوسطى تشكل الغالبية الساحقة لمعظم مجتمعات دول العالم المتقدمة منها أو النامية، ولما عرفت به من دينامية وطموح وامتلاكها لإمكانات وقدرات متعددة، وساهمت بصورة واضحة في عمليات التغيير والتطوير في الكثير من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية حتى وصفها الباحثون بأهم العلامات الايجابية للتطور والنمو.

أما في ما يتعلق بالواقع العربي: علينا أن نرى الاختلاف الجذري الأساس في التكون التاريخي لمختلف شرائح الطبقة الوسطى. فالمجتمع العربي شأنه شأن كل مجتمعات بلدان العالم الثالث، يتميز بتعدد الأنماط الانتاجية فيه. «ومزايا أنماط العالم الثالث مرتبطة مع سمة مميزة أخرى وهي - تمازج وتناسب بعض الأنماط والوزن النوعي لكل منها، وحتى عدد هذه الأنماط ايضاً، والذي (أي التمازج) لم يكن مألوفاً لتاريخ دول الغرب المستقلة».

لقد عبر مورو برجر بوضوح عن الأهمية التاريخية لنشوء الطبقة المتوسطة الحديثة، التي تقوم بأعباء التحديث والنهضة الوطنية في «مصر الثورة»، في مؤلفه «البيروقراطية والمجتمع في مصر المعاصرة»، إذ جاء في ختام هذا المؤلف الصياغة التالية لمقولته: «وكثيراً ما يقال إن النظام العسكري القائم يحاول تمثيل الطبقة المتوسطة التقليدية من موظفي الحكومة وأرباب الأعمال الحرة وصغار التجار. وانما الحقيقة تكمن في أن النظام العسكري يحاول أن يكون ممثلاً للطبقة المتوسطة (الحديثة)، التي ما زالت في طور التكوين، والتي تقع على عاتقها مهمات تكنولوجية وإدارية وريادية في مجال تحفيز الاستثمارات. وعلى وجه التحديد، فإن النظام العسكري يحاول خلق طبقة جديدة ليمثلها».

وضمن هذا الاطار، طرح بعض اساتذة العلوم السياسية في الغرب، مثل مانفرد هولبرن، وجيمس بل، مقولة «الطبقة المتوسطة الجديدية»، لكي تقتصر على الفئات التكنوقراطية والمهنية والبيروقراطية المدنية والعسكرية العليا، والتي أصبحت في نظرهم محور السلطة الاقتصادية والسياسية ورمز الجاه الاجتماعي والإداري في بلدان الشرق الأوسط».

وهكذا، فإن الطبقة الوسطى تضم مختلف الشرائح الاجتماعية التي تعيش بشكل أساسي على المرتبات المكتسبة في الحكومة والقطاع العام، وفي قطاع الخدمات والمهن الحرة الخاصة. كما يمتلك بعض من شرائح هذه الطبقة وسائل الانتاج (مثل العقارات أو الأراضي الزراعية، أو أسهم بعض الشركات). ويمكن تقسيم هذه الطبقة الوسطى الى ثلاث شرائح تضم كل شريحة فئات متجانسة بقدر الإمكان.

الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، وتضم العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات والمعاهد العليا والمديرين وأصحاب المهن المتميزة كالأطباء والمهندسين والقضاة والمحامين والفنانين وكبار ضباط الجيش والمخابرات والفنيين العاملين في قطاع المعلوماتية، والمديرين العامين في القطاع العام. وعلى رغم ان هذه الشريحة العليا ليست مالكة لوسائل الانتاج وغير ذلك من الأصول الرأسمالية، إلا أن افراد هذه الشريحة القابعين على القمم المسيطرة على القرارات الاقتصادية وأنماط التحكم في الفائض الاقتصادي، خصوصاً في القطاع العام، راكموا ثروات هائلة من خلال سيطرتهم على قمم البناء البيروقراطي - التكنوقراطي للدولة، لا من خلال علاقات السوق وحقوق الملكية التقليدية. وأصبح لهم نفوذ مالي قوي، أعادوا استثماره في المجتمع، من خلال شراء ملكية وسائل الانتاج الزراعي والعقاري والصناعي. وتتمتع هذه الشريحة بنمط من الاستهلاك المتسم بالتنوع والغنى.

الشريحة المتوسطة من الطبقة الوسطى، وتضم عدداً أكبر من الأفراد بالمقارنة مع الشريحة العليا. وتتكون أساساً من الموظفين الذين يشغلون وظائف إدارية وفنية وإشرافية في الوزارات والأجهزة والمصالح الحكومية وإدارات الحكم المحلي، مثل الموظفين في القطاع العام، والاساتذة، والموظفين العاملين في البنوك.

الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، وتضم الموظفين الصغار العاملين في قطاعات الدولة المختلفة. وغالباً لا يتمتع افراد هذه الشريحة بمستوى تعليمي عال، وهم يمثلون غالبية الطبقة الوسطى، وقاعدتها العريضة. كما تضم أيضاً المعدمين وصغار المزارعين وصغار الحرفيين وصغار المشتغلين بتجارة التجزئة وغالبية عمال الزراعة والصناعة والمشتغلين بمختلف أنواع الخدمات الرثة.

ان الطبقة الوسطى بشرائحها الثلاث طبقة فضفاضة واسعة تستقبل يومياً مواليد جدداً من خارجها. وفي الوقت عينه تفرز في المراحل التاريخية المختلفة برجوازيين متوسطين، يصبح بعضهم برجوازيين تقليديين. ان في الطبقة الوسطى حركة مستمرة بين صعود وهبوط. البرجوازي المتوسط قد يصبح تقليدياً، ولكنه قد يصبح برجوازياً صغيراً فقيراً، لأن حركة الصراع داخل الطبقة الوسطى، وحركة الصراع العام، تؤدي الى إفلاس الكثيرين منهم وإفاقرهم.

التحولات التي عرفتها الطبقة الوسطى

عندما وصلت الطبقة الوسطى الى السلطة أرادت الشرائح العليا منها أن تستفرد بها فتضرب حتى الشرائح المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى، وتسحق حركة العمال والفلاحين وتشوهها، لأنها أصبحت حاكمة. ولما أصبحت في السلطة باتت ذات مصلحة في أن تقيم علاقات مع السوق الرأسمالية العالمية بطريقة جديدة. وبالتالي أخذت قرارات وقف الاستيراد، ومنع السفر، كما حدث في سورية سابقاً، ثم عندما أرادت أن تستفرد بالسلطة فتحت مجالات السفر ومجالات الاستيراد لأن لها مصلحة في ذلك، وأصبحت الشريحة العليا من الطبقة الوسطى طامحة في أن تقيم علاقات ودية وتحالفية وتنسيقية مع بقايا الطبقات المالكة للثروة في الداخل. ثم أرادت في الوقت عينه أن تنهي تحالفها مع الشرائح الثورية والديموقراطية من الطبقة الوسطى، ومع العمال والفلاحين، لأنها انشأت تحالفاً آخر مع بقايا كبار الملاكين العقاريين، وبقايا البرجوازيين التقليديين، ومع الدول والأنظمة التقليدية الموالية للغرب، ومع الدول والقوى الامبريالية ايضاً.

لقد انتجت رأسمالية الدولة التابعة في العالم العربي بقيادة الطبقة الوسطى بعد إخفاق التجربة الليبرالية، في حقيقة الأمر رأسمالية مشوهة، من خلال إنشاء القاعدة المادية الاقتصادية والاجتماعية، وايجاد القطاع العام، وعبر التدخيلة للدولة التي كانت مهمة وضرورية ومبرمجة بهدف تحقيق التعبئة المكثفة للموارد وتوظيفها في البناء التحتي لإيجاد وتائر قوية، لتراكم الرأسمالية لمصلحة البرجوازية القيمة والحديثة في ظل عجز رأس المال الخاص بسبب حجمه الصغير، ودرجة نضجه القليلة، والتعديل في البناء الطبقي.

إن هذه الطبقة الوسطى حين استكملت بناء الدولة البيروقراطية الحديثة تحول ممثلوها الطبقيون في السلطة السياسية - الحزب والحكومة والجيش وأجهزة المخابرات - الذين استخدموا ما توفر لهم هذه السلطة من امتيازات عديدة، الى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. ولذا فإن رأسمالية الدولة التابعة خلال عقود الستينات والسبعينات لم تكن خارج سياق علاقات الانتاج الكولونيالية.

وكانت في الوقت عينه عملية تاريخية معقدة ومزدوجة، فيه من ناحية تجددت في سيرورتها البرجوازية الكولونيالية التقليدية في عملية الاستبدال الطبقي السياسي، لمصلحة تحررها الاقتصادي، وهي من ناحية اخرى ولدت بالضرورة التاريخية فرزاً طبقياً داخل الطبقة الوسطى التي حلت في السلطة السياسية محل البرجوازية التقليدية، حيث انفصلت تلك الشريحة العليا منها، التي تمتلك السلطة وتسيطر على جهاز الحزب والحكومة، عن سائر شرائح الطبقة الوسطى، لتتحول في اطار من تجدد علاقات الانتاج الكولونيالية الى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. وكانت النتيجة التاريخية لهذه التجربة أن حصل التماثل الطبقي، بين البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية والبرجوازية الكولونيالية التقليدية، لتكون البرجوازية الكومبرادورية الجديدة.

العولمة الليبرالية وطحن الطبقة الوسطى

إذا كان القطاع العام، أو قطاع الدولة، الذي أوجدته الشريحة المهيمنة من الطبقة الوسطى، التي تمتلك سلطة الدولة بالفعل، قد مثل «صرح الصمود» الاقتصادي والسياسي في العديد من البلدان العربية في مرحلة الستينات ولغاية نهاية السبعينات، إلا ان هذا القطاع العام قام على اساس القاعدة المادية للسيطرة الامبريالية، اي قاعدة علاقات الانتاج الكولونيالية عينها، التي كانت تقوم عليها السلطة الاقتصادية الاجتماعية للبرجوازية التقليدية، لا على اساس فك الارتباك مع الامبريالية.

وهكذا حصلت تحولات طبقية في معظم البلدان العربية التي حكمتها الطبقة الوسطى، والمرتبطة أساساً بظهور الطبقة البرجوازية الكومبرادورية الجديدة، المضطلعة بقيادة القطاع العام، والمتكونة من قيادات الحزب الشمولي الحاكم، وكبار رجال الدولة، مدنيين وعسكريين الذين راكموا أموالاً طائلة من خلال سيطرتهم الكاملة على القطاع العام. وقد أتاحت السيطرة على النفظ وزيادة انتاجه وارتفاع اسعاره، فرصة تاريخية لتحول هذه الشريحة من الطبقة الوسطى شيئاً فشيئاً الى طبقة رأسمالية بيروقراطية، بل وطفيلية ايضاً. ذلك ان حركة التفاوت الطبقي التي حصلت داخل الطبقة الوسطى، التي امتلكت سلطة الدولة، قد بلورت فئة من طبقة جديدة تكنوبيروقراطية (من المدنيين والعسكريين) ما لبثت ان تحولت في ظروف الليبرالية الجديدة الى برجوازية كومبرادورية جديدة. والغريب ان هذه الطبقة الجديدة نفسها هي التي تنكرت بعد ذلك للسياسات الاشتراكية التي أعطت لها فرصة التمييز الاجتماعي، وهي التي أيدت سياسة الانفتاح الاقتصادي على أمل ان تتحول بها نحو مزيد من التوجه الرأسمالي.

وترافقت هذه التحولات الطبقية، مع إعداد خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أهم الشركات المتعددة الجنسية، وبنوك وول ستريت، والخزانة الفيديرالية للولايات المتحدة الاميركية (البنك المركزي) والمؤسسات المالية الدولية (البنك وصندوق النقد الدوليين) ما بات يعرف في كل العالم بـ «توافق واشنطن» الذي يقوم على مبدأين: الأول، حكومة الحد الأدنى، والثاني، الاسواق الحرة. ولعبت مجموعة الثماني دوراً ناشطاً في فرض عقيدة الطور النيوليبرالي للعولمة وفي تولي قيادته. والسياسة التي توجه سياساتها ترتكز على الانماط الثلاثية الابعاد المتمثلة في الاستقرار والتحرير والخصخصة.

وهكذا فإن تلبية وتحقيق احتياجات الطبقة المتوسطة القلقة عالمياً هي التحدي الاقتصادي الحقيقي الذي نواجهه في عصرنا الحاضر. وليست هناك حلول أو اجابات سهلة، فالمنطق الاقتصادي يقوم على حرية رأس المال وعولمة التكنولوجيا المتطورة والحديثة ما يؤدي الى تحويل المزيد من الثروات وتوجيهها الى الاغنياء وربما الى قلة أو شريحة صغيرة من أولئك الاشد فقراً في العالم، في حين يعني ذلك المزيد من الضغوط والتضييق على الطبقة المتوسطة.

ولعل المفارقة التي تشهدها المنطقة العربية اليوم تتجسد في ان التطورات الحاصلة في الاقتصادات الوطنية والنمو الذي حققته الكثير منها في السنوات الخيرة لا سيما في إطار «رسملة» المجتمع العربي (اي تحول مؤسساته الاقتصادية نحو الراسمالية) والاصلاحات الاقتصادية التي تضطلع بها، لم تفض إلا لمزيد من التهميش والانحسار للطبقة الوسطى وانحدار جزء مرموق منها الى طبقة دنيا تدور في حلقة مفرغة من انخفاض مستوى المعيشة والذي يتمثل بسوء الوضع السكني والصحي وانخفاض الخدمات الاجتماعية وبالتالي تدهور الرفاه الاجتماعي على نحو مخيب للآمال، الأمر الذي قاد الى وضع غريب وهو تحول المجتمعات العربية الى اقتصادات ثنائية الطبقة، الأولى هي الغنية التي تتصدر مسرح الحياة الاقتصادية والاجتماعية بوصفها تمتلك النصيب الأوفر من الثروة القومية وتتحكم بوسائل الانتاج وقريبة من السلطة، والثانية هي الطبقة الفقيرة التي تعتمد بغير حدود على الفرص التي توفرها لها الطبقة الغنية في علاقات عمل غالباً ما تبتعد عن الممارسات والتشريعات التي حددها المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة، وهو الوضع الذي قاد الى طحن الطبقة الوسطى.

في الحقيقة التاريخية لا يجوز ان نحمل العولمة الليبرالية المسؤولية الكاملة عن تدهور أوضاع الطبقة الوسطى في البلاد العربية، ذلك ان جانباً من هذا التدهور حصل بالفعل إبان الأزمة الاقتصادية التي سبقت الموافقة على تنفيذ برامج الاصلاح الهيكلي. ولما كانت الطبقة الوسطى طبقة غير متجانسة على صعيد شرائحها المختلفة بسبب التفاوت الواضح في مستويات دخولها ومستويات معيشتها ووزنها الاقتصادي والاجتماعي ووعيها الطبقي، فإن سياسات العولمة الليبرالية الجديدة قد أثرت على شرائحها بشكل متباين.

في ظل العولمة الليبرالية المتوشحة تزداد أوضاع الطبقة الوسطى في العالم العربي تدهوراً، وترتفع درجة حرمانها ومعاناتها، لا سيما ان أنظمة الطبقة الوسطى التي حكمت البلاد العربية عقب توالي الاستقلال السياسي والثورات الشعبية والانقلابات العسكرية، تحولت الى قوة قمعية وبات من الضروري بناء تكتل تاريخي جديد لمصلحة تحالف ديموقراطي أوسع بين الشرائح الراديكالية من الطبقة الوسطى وبقية الفئات الشعبية الاخرى من العمال والفلاحين. وهذا يوفر مرحلة متقدمة على الوضع العربي الراهن المأزوم، وعلى طريق المطالبة بالتغيير الديموقراطي في الوطن العربي، وانتزاع التنازلات الداخلية لمصلحة الشعوب العربية وبناء المجتمع المدني الحديث وضمان حرية الصحافة واستقلال القضاء وإشراك القوى الشعبية في السلطة.

كاتب تونسي[line]
الحقّ على الصقيع

حمود أبوطالب

الوطن

أيها المواطنون الذين تشتكون من الغلاء..

أيها الناس الذين تعانون من ارتفاع مؤشر سعر قوتكم..

أيها الذين تصرحون ليل نهار..

لقد ارتكبتم إثماً عظيماً وظلماً فادحاً حين اتهمتم الأبرياء الطيبين الذين لا ذنب لهم في معاناتكم. لقد تسرعتم حين حكمتم على التجار بالجشع وعلى وزارة التجارة بالتساهل في كبح هذا الجشع.

إنهم يحرصون على رخائكم وسعادتكم، ولكن لم يكن بالإمكان مساعدتكم لأن السبب أقوى من كل قدراتهم. سبب لم يكن في البال ولا في الخاطر. سبب عجيب غريب مفاجئ لا يتيح الاستعداد له.

إنه "الصقيع"..

نعم الصقيع، ومن يستطيع مقاومة الصقيع..

ولذلك لا بد أن تعذروا مسؤولي التجارة حين يتحدثون عن هذا السر ويناقشونه بعيداً عن الإعلام..

إنه سر خطير لو سمعه الإعلاميون فسوف يخلقون بسببه ضجة كبيرة لن تنتهي، وسوف يبدؤون مطالبة كل دول الصقيع بتعويضكم عن الخسائر التي تكبدتموها بسبب غلاء الأسعار، كما أن هذا السر سوف يتيح لأي عدو متربص استخدامه ضدنا لو أراد بنا السوء ونوى تجويعنا..

أسعارنا دافئة أيها السيدات والسادة، ولذلك لم تتحمل موجة الصقيع اللئيمة، لا سيما حين باغتتها وهي غير مستعدة بالملابس الثقيلة..

ولأننا لا نريد إفساد علاقاتنا مع دول الصقيع العزيزة فإن المسألة لم تعد غذائية بل سياسية، وبالتالي لا بد من مناقشتها في سرية تامة..

تحملوا، واصبروا وصابروا من أجل علاقات جيدة مع دول الصقيع.[line]

castle
10-03-2007, 05:15 AM
السبـت 20 صفـر 1428 هـ 10 مارس 2007

تشيني.. ماذا جرى لهذا الرجل ؟

«هل يفقد ديك تشيني نائب الرئيس نفوذه أو حتى عقله ربما ؟»..

جيم هوغلاند

الشرق الاوسط

هذا السؤال، حتى إذا جرت صياغته بطريقة أكثر شفافية، يزحف عبر وزارات الخارجية والمكاتب الرئاسية في الخارج، وأصبح عاملا في علاقات إدارة بوش مع العالم.

«ما الذي جرى لديك تشيني؟»..

هذا أيضا هو السؤال الدقيق والمقلق، لكن المباشر يأتي من رجل دولة أوروبي عرف نائب الرئيس لسنوات كثيرة. وقد طرحه علي قبل أيام، حتى قبل أن يكون اكتشاف تخثر الدم في ساق تشيني والإدانة باليمين الكاذب لسكوتر ليبي، الرئيس السابق لمكتب موظفيه، في العناوين الرئيسية التي تسلط الأضواء على حالة نائب الرئيس الجسدية والعاطفية والسياسية.

إنه لشيء جديد بالنسبة للأميركيين أن يتساءلوا عما إذا كان زعماؤهم قد أصبحوا واهمين وخائبي الآمال ومخيبين لها. ووجه المحررون في «واشنطن بوست» صحافيين لاكتشاف ما إذا كان جيمي كارتر قد عانى من انهيار عصبي عندما تراجع إلى كامب ديفيد عام 1979 قبل عشرة أيام، وفجأة أعفي خمسة من المسؤولين في الحكومة. هل تتذكرون الضجة حول ألكسندر هيغ «أنا المسئول هنا»، وملاحظات المابتن كويغش الأخرى، وحديث ريتشارد نيكسون إلى الصور الشخصية ؟

ما هو غير مألوف هو بالنسبة للأجانب أن يفكروا بنائب الرئيس على الإطلاق، ويتساءلوا ما التأثير الذي تمارسه أمزجة نائب الرئيس وهزائم السياسة الداخلية على موقف اميركا في العالم.

ولكن ما يرتفع إلى أعلى لا بد أن ينزل إلى أسفل أيضا. ففي الولاية الأولى اعتبر ديك تشيني نائب الرئيس الأكثر نفوذا في التاريخ، وملهم صناعة مزدهرة لأفلام رسوم متحركة وتلفزيونية.

ولم ينته الأمر. فهناك تقارير حول هزيمة جديدة للمتشدد في الموقف من إيران وسوريا، الذي يقترن بمكتب تشيني إذا ما أدى اجتماع اليوم السبت وفق ما هو مقرر في بغداد إلى تحقيق تقدم بشأن استقرار العراق. وابلغني دبلوماسيون أن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أقنعت تركيا باستضافة مؤتمر وزاري الشهر المقبل يضم جيران العراق والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة والدول الثماني الكبرى وأنها ستشارك في الاجتماع.

وقد أشارت مصادر في الإدارة إلى أن رايس أبلغت بوش في يناير الماضي بأن عليه أن يكرس عاميه الأخيرين في الإدارة الأميركية كجالس على البيت الأبيض للسعي إلى اتفاقيات دبلوماسية مع كوريا الشمالية وإيران واتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني.

ويؤكد التقرير أن رايس ببساطة لا تناور، وتطوق تشيني في معارك سياسية داخلية، وإنما أحرزت موافقة ودعما كاملين من الرئيس، بشأن الأهداف والمناهج الاستراتيجية التي تسعى إليها هي ودبلوماسيوها.

ولكن مثل هذا الزعم يبقى بحاجة إلى تأكيدات لجهة صحته عبر الأحداث. ولكن من الواضح أن بوش ظل على الدوام هو صانع القرار أكثر مما نقلته صورة تشيني عنه كمجرد كدمية، وبالتالي فليست هي الفترة الأخيرة فقط التي يمكن القول معها إن بوش اخفق في اتباع نصيحة تشيني.

فبشأن العراق قام بوش بتجاوز تشيني في الذهاب إلى الأمم المتحدة لاتخاذ قرار ثان بخصوص استخدام القوة، ثم أصغى بصورة أوثق (وأكثر كارثية) إلى توصيفات السياسة من السفير بول بريمر وآخرين. وبشأن إيران جاء تشيني إلى الإدارة الأميركية بمواقف أكثر استرخاء من مواقف بوش. وربما تكون مواقف تشيني قد تشكلت من خلال تجاربه كمدير تنفيذي لشركة «هاليبيرتون» وهي شركة خدمات نفطية سعت إلى عقود تجارية في ذلك البلد.

وهناك الكثير مما يحسب لصالح معارضات تشيني المتكررة بحيث أن الولاء المطلق لبوش أكثر أهمية لعلاقتهما من النصيحة السياسية التي يعطيها تشيني للرئيس. وهي نصيحة لم يكشف عنها أبدا لمساعدين في الحكومة أو دبلوماسيين قلائل يراهم.

ويقول احد السفراء هنا: «تشيني من الغموض بمكان بحيث أن تلميحاته المعلنة الأخيرة حول عدم ارتياحه من اتجاهات السياسة الجديدة تنعكس لنا مثل صرخات غضب مكبوت».

والى ذلك كشفت محاكمة ليبي عن انقسامات خطيرة بين تشيني وفريق بوش السياسي الذي قاده كارل روف، الذي لم يعان من عواقب قانونية بشأن دوره في الفضيحة. كما ان المحاكمة أدت أيضا دور تمرين آخر في إظهار كيف أن تشيني نفسه هو الذي مكن لنقاده في الداخل ولأعدائه في الخارج. فاهتمامه المفرط بالسرية والسيطرة من جانب السلطة التنفيذية، منحاه مصداقية جديدة وقدرة على جمع الأموال للديمقراطيين ولمنظمات الحريات المدنية هنا، وحصلت على التعاطف في مختلف أنحاء العالم بشأن السجناء الذين قد يكونون إرهابيين.

إذن أصغوا أيها الدبلوماسيون: مهما كان تشيني محاصرا فانه لن يستقيل بسبب رفض الرئيس أخذ نصيحته. والقوة الوحيدة التي يمكن أن تدفعه إلى تلك الخطوة الدراماتيكية يمكن أن تكون ذلك الإحساس الراسخ بالولاء لبوش، الذي يحتاج الآن بإلحاح نائبا للرئيس في صحة جسدية وعاطفية وسياسية مستقرة. تلك هي المعادلة التي ترغبون في النظر إليها.

* خدمة مجموعة كتاب «واشنطن بوست» ـ

خاص بـ«الشرق الأوسط»[line]
هل المطلوب قوات دولية للحجر على لبنان؟

د. عصام نعمان

الخليج

تَجَددَ التهديد بإقرار نظام المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع العلم أن القرارات التي يتخذها مجلس الأمن الدولي في ظل الفصل السابع تتعلق دائما بحالات “تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان”. ولمجلس الأمن ان يقرر، بادىء الأمر، “ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته” (المادة 41)، لكن، “إذا رأى مجلس الأمن ان التدابير المنصوص عليها في المادة (41) لا تفي بالغرض أو ثبت انها لم تفِ به، جاز له أن يتخذ بواسطة القوات الجوية والبحرية والبرية من التدابير ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدوليين او لإعادتهما إلى نصابه” (المادة 42).

هل في امتناع المؤسسات الدستورية اللبنانية أو عجزها لأسباب قانونية أو سياسية عن إبرام نظام المحكمة ذات الطابع الدولي المختصة بمحاكمة المسؤولين عن جريمة اغتيال المغفور له الرئيس رفيق الحريري ما يدل على حصول “تهديد للسلم والإخلال به ووقوع عدوان”؟ وهل الاعتبارات والظروف السياسية والمسوّغات الدستورية والقانونية تتطلب استخدام القوات المسلحة “لحفظ السلم والأمن الدوليين أو لاعادتهما إلى نصابه”؟

الجواب عن هذا السؤال ليس مطلوباً، على ما يبدو، من دولة لبنان أو حكومته أو شعبه، فقد نصّب المجتمع الدولي وهو الاسم الدبلوماسي الحركي للولايات المتحدة الأمريكية نفسه وصياً على لبنان وأجاز اللجوء إلى مجلس الأمن لإجراء ما يراه مناسبا لمصلحته.

بموجب هذا “الاجتهاد” قرر مجلس الأمن، الذي تسيطر عليه أمريكا وحليفاتها، في مطلع سبتمبر/أيلول من عام 2004 اعتبار لبنان مستلَب الإرادة ولا يستطيع ان يقرر من تلقاء نفسه، فناب عنه “ المجتمع الدولي”، أي أمريكا، في تقرير ما يعتقد أنه في مصلحته. في هذا المناخ، جرى اتخاذ القرار 1559 من دون أن يطلب لبنان ذلك. ويبدو أن ثمة اتجاهاً، أو بالأحرى تهديداً، بأن يتخذ مجلس الأمن مرةً أخرى من دون طلب رسمي من لبنان، قراراً جديداً بوضع نظام المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي في إطار أحكام الفصل السابع، لاسيما المادة (42) منه، فهل يحق له ذلك؟

الجواب: كلا لثلاثة أسباب، أولها أمني وثانيها قانوني وثالثها سياسي.

أمنيا، ليس ثمة ما يشير الى ان لبنان واقع، في الوقت الحاضر، تحت تأثير ظرف أو خطر يهددان السلم والأمن الدوليين او يعرّضان كيانه لعدوان.

قانونيا، ليس في ميثاق الأمم المتحدة ولا في العرف والممارسة الدوليين ما يسوّغ اتخاذ قرار في الموضوع سنداً لأحكام الفصل السابع. ففي حديث منسوب الى رئيس المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة البروفيسور فوستو بوكار، اجتهاد واضح بأنه “ لا يمكن لمجلس الأمن الدولي إقرار نظام محكمة مختلطة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لأن المحكمة الخاصة بلبنان كما وردت في صيغة النظام الذي اعتمدته الحكومة اللبنانية ووقعت عليه الأمانة العامة للأمم المتحدة، تلحظ إنشاء محكمة مختلطة لبنانية دولية تعمل بحسب القوانين اللبنانية لمحاكمة مرتكبي جرائم محلية ذات طابع غير دولي، فلا يمكن إنشاء محكمة مختلطة إلاّ بموافقة الدولة المعنية، وبالتالي فإنه حتى لو اعتمد مجلس الأمن نظام المحكمة الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع فإنه يتوجب على الدولة اللبنانية إبرام النظام والاتفاق الثنائي بحسب الأصول “الإجراءات” الدستورية اللبنانية. صحيح انه بإمكان مجلس الأمن، نظريا وبغية الالتفاف حول الآلية الدستورية اللبنانية، إنشاء محكمة دولية بدلا من المحكمة المختلطة المقترحة، لكن عاملين أساسيين يحولان دونها: الأول ان الجرائم “موضوع المحاكمة” ليست جرائم دولية، والثاني، أن الدول الأعضاء في مجلس الأمن، لاسيما دائمة العضوية منها، لا تشجع على إنشاء محاكم دولية جديدة، خصوصا وأن عدداً منها لم يبرم بعد نظام معاهدة روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية “كالولايات المتحدة مثلا!”.

سياسيا، ليس ثمة حاجة لتفجير أزمة سياسية تضاف الى ما يعانيه لبنان حالياً من أزمات واضطرابات، ذلك أن تنفيذ قرار مجلس الأمن المزمع اتخاذه في ظل أحكام الفصل السابع، يتطلب بالضرورة، وفي ظل الوضع الأمني السائد والمعارضة الوطنية الوازنة له، نشر قوات دولية إضافية في لبنان.

بل ثمة من يعتقد، في صفوف قوى المعارضة كما في خارجها، ان الدافع الأساسي لإقرار نظام المحكمة الخاصة بلبنان في ظل الفصل السابع هو لتبرير استقدام قوات دولية من اجل تسويغ نشرها على طول الحدود اللبنانية السورية بدعوى وقف تهريب السلاح للمقاومة اللبنانية “حزب الله”! وإذا ما تذكرنا أن سوريا أعلنت جهاراً نهاراً تصميمها على إغلاق حدودها مع لبنان في حال نشر قوات دولية عليها، فإن النتيجة المترتبة على القرار المتخذ في إطار الفصل السابع، ستكون الحجر الصارم على لبنان مع كل ما يعنيه ذلك من خسائر اقتصادية فادحة وآلام اجتماعية خانقة.

في ضوء هذه الحقائق والمخاطر والتحفظات، يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة، ومعها وربما قبلها فريق وازن من الشبكة الحاكمة، يستخدم لبنان ساحةً لتصفية حسابات إقليمية ومنصةً للضغط على سوريا وإيران في إطار الهجمة الشاملة التي تشنها لتكريس هيمنتها على دول المنطقة بالتعاون مع “إسرائيل”.

والسؤال الذي ينهض في هذا السياق: ما مصلحة لبنان واللبنانيين في أن يكونوا وقوداً لحربٍ مدمرة تقضي على ما تبقّى من إنسانه وعمرانه ومقوّمات بقائه؟[line]

castle
11-03-2007, 08:19 AM
الاحـد 21 صفـر 1428 هـ 11 مارس 2007

قوة أميركا التي لا تعرفونها

ديفيد أغناتيوس

الشرق الاوسط

عندما يفكر الناس في القوة الأميركية في العالم، فإنهم يذكرون عادة الطائرات القاذفة وناقلات الطائرات والقوات في هذا البلد أو ذاك. غير أن مصادر القوة الاستراتيجية الأعظم لأميركا في الوقت الحالي قد لا تتمثل في أسلحتها، وإنما في جامعاتها.

ويعتبر التعليم العالي آخر مجال تهيمن فيه الولايات المتحدة على العالم. ونحن نكتشف حدود القوة العسكرية في العراق، وضغوط المنافسة الاقتصادية من الصين والهند، وتعرض أسواقنا المالية إلى تغيرات مفاجئة في الخارج. ولكن في هذا العالم المعولم تبقى الجامعات الأميركية المعيار الذهبي. وبفضل رؤساء الجامعات الصارمين فإنها توسع دورها الطليعي.

وجامعات أميركا الكبيرة أصبحت، في الواقع، عالمية. إنها أسماء تدل على الامتياز، حيث تجتذب أذكى الطلاب وتمنحهم فرصا لا تضاهى. وهذه هي الأماكن التي يوفر لنا فيها الانفتاح والتنوع في الحياة الأميركية امتيازا هائلا مقابل الثقافات الأكثر صرامة وتجانسا. فنحن نمنح الناس الحرية في التفكير والخلق، وتحقيق الازدهار عبر ذلك، بطرق لا يمكن أن يضاهيها بلد آخر.

وقد تكون «قوة التعليم» هذه أفضل أمل بعيد المدى لمعالجة مشاكل أميركا في الخارج. وتشير استطلاعات الرأي العالمية إلى انه بعد عقبة العراق فان بقية العالم يرتاب في أميركا وقيمها. ولكن هناك استثناء واحدا مذهلا لنزعة مناهضة أميركا هذه، وذلك هو التعليم. فالجامعات والكليات والمدارس ذات الأسلوب الأميركي تنتشر في كل أنحاء العالم.

وبدأت أفكر بالتعليم الأميركي خلال زيارة إلى كلية جون كنيدي للدراسات الحكومية في هارفارد، حيث استمعت إلى اثنين من الباحثين البارزين، وكلاهما إيراني المولد، وهما ولي ناصر، وراي تاكيه، وهما يحاولان أن يوضحا ما الذي يجري في طهران. هذا وقد ظلت كلية كنيدي نفسها منذ تأسيسها عام 1978 مصدرا من مصادر العالم. وكان الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، بان كي مون، طالبا هنا في سنوات الثمانينات، وعندما وصل أعلن أن اسمه المستعار هو JFK وكان يعني به «من كوريا فقط».

ويقول غراهام أليسون، مؤسس الكلية «لا أستطيع أن أذهب إلى أي بلد ولا أجد بعضا من خريجي كلية كنيدي في الحكومة». وفي السنة الدراسية الحالية يوجد في هارفارد 3821 طالبا أجنبيا من 131 بلدا في كلياتها المختلفة، بينهم 403 من الصين، و269 من كوريا الجنوبية، و193 من الهند. وتتبع الجامعات الكبيرة الأخرى في أميركا رؤية مماثلة للنزعة الأممية. وقد زاد ريك ليفن، رئيس جامعة ييل، نسبة الدارسين الأجانب إلى ما يفوق الثلاثة أمثال منذ أن تولى منصبه عام 1993، وأسس برنامج تبادل ثقافي واسع مع اكبر جامعة في الصين. كما إن ليفن طلب من الكليات المتخصصة في ييل أن تعد برامج خاصة تساعد، على سبيل المثال، المسؤولين اليابانيين على دراسة الاتجاهات الديموغرافية، وتوجيه مسؤولين من الإمارات العربية المتحدة في الإدارة، وتعريف المسؤولين الصينيين بحكم القانون. وبحلول عام 2008 يريد من كل خريج متقدم من ييل أن يقضي بعض الوقت في الخارج في إطار برنامج مقر من الجامعة.

ويقول ليفن «إذا أردنا أن نفعل شيئا واحدا لتغيير الاتجاه السياسي لأميركا، فإن ذلك سيكون عبر خلق زعماء يتمتعون باستيعاب حقيقي لكون أن لدينا كوكبا مستقلا».

واعتمدت جامعة كولومبيا على جهدها الخاص في خلق جامعة عالمية فعلا. ففيها الآن 4634 طالبا أجنبيا، بما يشكل 18.6 في المائة من مجموع الدارسين فيها، وهو ثاني اكبر عدد في البلاد بعد جامعة ساوذرن كاليفورنيا. ويعد لي بولنغر، رئيس جامعة كولومبيا، مسودة خطة جديدة من اجل إقامة مراكز أبحاث في الأردن وتنزانيا والهند والصين وفرنسا وأميركا اللاتينية. وسيعمل أول مركز من مراكز كولومبيا، في الأردن، مع الحكومة الأردنية على إصلاح النظام التعليمي في البلاد، وتأسيس ما يمكن أن يكون نموذجا للعالم الإسلامي.

ويقول بولنغر إنها فرصة ذات اتجاهين، مضيفا أن «كل إنسان يدرك أنه ليست لدينا خبرة كافية بشأن العالم. ونحن، في الوقت نفسه، وفي الواقع، النور المشع في التعليم العالي» بنظام يشجع الإبداع والتفكير الحر.

وما يقلق رؤساء الجامعات هؤلاء انه في وقت يتوق فيه أذكى الناس في العالم إلى التعليم الأميركي، تجعل ضوابط الهجرة في الولايات المتحدة من الصعب جدا عليهم أن يأتوا إلى هنا.

ويتباهى جنرالات البنتاغون، على الدوام، بـ«قنابلهم الذكية، التي لا تصيب هدفها في بعض الأحيان. أما التعليم الأميركي فقنبلة ذكية تصيب هدفها بدقة. وعندما نفكر بجهودنا في التوجه إلى العالم عبر رؤساء الجامعات هؤلاء وعشرات غيرهم، يجب علينا أن ندرك أنهم مصادر أمن قومي، يجعلون العالم أكثر أمنا وكذلك أكثر حكمة.

* خدمة مجموعة كتاب «واشنطن بوست» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط».[line]
القومية‏..‏ عربيا‏..‏ وأوروبيا

عبده مباشر

الأهرام


‏27‏ دولة أوروبية يضمها الآن اتحاد واحد‏,‏ بالرغم من الدماء التي سالت أنهارا علي امتداد قرون من الصراع والحروب‏,‏ والميراث التاريخي من الكراهية والأحقاد والعداوات‏,‏ وتناقض الأهداف والمصالح‏,‏ وتعارض السياسات والتوجهات‏.‏

وهذه الدول تتحدث‏23‏ لغة رسمية‏,‏ وأكثر من‏225‏ لغة محلية‏,‏ ومع ذلك لم تجد في ذلك عقبة تحول دون التعاون المشترك من أجل المصالح المشتركة‏.‏

وعند مقارنة ما جري ويجري في أوروبا بما حدث ويحدث في العالم العربي‏,‏ تبدو المفارقة واضحة‏,‏ فدول العالم العربي تتحدث لغة واحدة‏,‏ ومع ذلك فشلت علي امتداد أكثر من نصف قرن في العثور علي صيغة جادة للتعاون المشترك‏,‏ بل وفشلت في تحديد المصالح المشتركة التي يمكن العمل معا من أجلها ومن أجل تعظيمها‏.‏ ويمكن القول إن الخطوة الأولي نحو التعاون بين الدول الأوروبية‏,‏ بدأت بعد انطواء صفحة الحرب العالمية الثانية‏,‏ التي اندلعت عام‏1939‏ واستمرت حتي عام‏1945,‏ وعلي امتداد هذه السنوات خسرت الدول المتحاربة أكثر من‏50‏ مليون قتيل‏,‏ كان نصيب الاتحاد السوفيتي وحده‏22‏ مليونا‏,‏ أما ألمانيا فخسرت‏8‏ ملايين‏,‏ وبجانب الخسائر البشرية‏,‏ خرجت هذه الدول فيما عدا الولايات المتحدة باقتصاد مدمر‏,‏ ومرافق خربة وبنية تحتية مهترئة‏,‏ وعلي ضوء استخدام الأسلحة النووية لأول مرة لقصف مدينتي هيروشيما ونجازاكي باليابان‏,‏ تبين الجميع هول المأساة‏,‏ وهول ما يمكن أن يحدث في أي صدام عسكري مقبل‏.‏

ولم يكن من الممكن القفز فوق واقع الدول الأوروبية مرة واحدة‏,‏ ولكن كان من الضروري البحث عن طريق لتجنب حرب عالمية ثالثة‏,‏ والعثور علي طريق للتعاون من أجل تحقيق المصالح المشتركة‏..‏ ولكن هل كانت هناك مصالح مشتركة بين هذه الدول بعد كل هذا التاريخ وهذه الدماء؟ وبدأت مراكز الدراسات والبحوث‏,‏ ونشط المفكرون في العمل‏,‏ وتعددت المؤتمرات والدراسات‏.‏

وسرعان ما انقسم العالم إلي كتلتين رئيسيتين‏,‏ الأولي تتزعمها الولايات المتحدة‏,‏ والثانية يقودها الاتحاد السوفيتي‏,‏ وأنشأت الكتلة الأولي حلف الأطلنطي‏,‏ وردت الكتلة الشيوعية بإنشاء حلف وارسو‏,‏ وبدأت الحرب الباردة‏,‏ وبعد أن تمكن السوفيت من تفجير قنبلتهم النووية الأولي‏,‏ والوصول إلي تفجير وتجربة القنبلة الهيدروجينية‏,‏ بدأ عصر الردع المتبادل بين العالمين‏,‏ الرأسمالي‏,‏ والشيوعي‏.‏

ولإنقاذ أوروبا الغربية‏,‏ بادرت الولايات المتحدة ببدء مشروع مارشال‏,‏ وبدأت أوروبا الغربية تستعيد عافيتها‏,‏ في حين سقطت أوروبا الشرقية في قبضة الاتحاد السوفيتي‏.‏ وفي هذا المناخ المتوتر‏,‏ واصلت مراكز الدراسات نشاطها‏,‏ ونجح السياسيون والاقتصاديون ورجال الصناعة في أوروبا الغربية في إنشاء اتحاد الصلب والفحم‏,‏ بعد انتهاء الحرب بـ‏10‏ سنوات‏,‏ بعد أن اقتنعت‏6‏ دول أوروبية بأن هذا الاتحاد يحقق لها مصلحة مشتركة‏.‏

وجاء إنشاء هذا الاتحاد بعد عشر سنوات من إنشاء جامعة الدول العربية‏.‏ وبعد عامين من إنشاء اتحاد الصلب والفحم تقريبا‏,‏ وقعت دول الاتحاد الست في عام‏1957‏ في روما اتفاقيتين رئيسيتين‏,‏ الأولي لتأسيس وحدة اقتصادية فيما بينها‏,‏ والثانية لإنشاء الاتحاد الأوروبي للذرة‏,‏ وقد عرف ذلك بمعاهدات روما‏.‏ وكانت معاهدات روما أول خطوة علي طريق إنشاء الاتحاد الأوروبي‏,‏ وكان الاقتصاد لا السياسة هو القاعدة التي انطلق منها البناء‏.‏

ومرة أخري‏,‏ يؤكد الأوروبيون قدرتهم علي اكتشاف أين تكمن المصلحة المشتركة‏,‏ وكيف يمكن العمل من أجل تحقيقها‏,‏ والأهم أن ذلك يتحقق علي أرض الواقع خطوة إثر خطوة‏,‏ ودونما عجلة‏,‏ وبعد إطلاع شعوب أوروبا علي الأهداف‏,‏ والطريق‏,‏ والنتائج‏,‏

فالقادة علي بينة من أنهم ليسوا أكثر من تعبير عن اتجاهات وإرادة الرأي العام التي تعكسها صناديق الانتخابات‏.‏

وفي عام‏1958,‏ دخلت معاهدات روما حيز التنفيذ‏,‏ وشاركت الدول الأعضاء في اتحاد الصلب والفحم والوحدة الاقتصادية واتحاد الذرة في المحكمة الأوروبية والتجمع البرلماني الذي أصبح اسمه البرلمان الأوروبي عام‏1962.‏

وفي عام‏1973,‏ نمت المجموعة الأوروبية‏,‏ وأصبحت تضم‏9‏ أعضاء بدلا من‏6‏ أعضاء‏.‏ ولكن ماذا عن الجامعة العربية ودول العالم العربي؟

كان الأمل بعد إنشاء الجامعة العربية‏,‏ أن يتحرك العالم العربي علي طريق الوحدة‏,‏ ولكن هذا الأمل لم ير النور بشكل جدي‏.‏

ففي حين كانت الدول الأوروبية تحاول استكشاف المصالح المشتركة فيما بينها‏,‏ وتتحرك بجدية وثبات وإصرار علي هذا الطريق‏,‏ كان العالم العربي ينتج الشعارات والهتافات‏,‏ ويسعي للقفز من فوق أسوار واقع الدولة الوطنية إلي الدولة القومية‏.‏

وعندما ظهر البترول‏,‏ وعرفت الدول البترولية الطريق إلي الثروة‏,‏ أضيف متغير رئيسي جديد‏,‏ ليعيد تشكيل العلاقات بين دول العالم العربي‏,‏ ولم يتمكن العالم العربي من هضم هذه المتغيرات‏,‏ ولم يستطع الحكام تجاوز اهتمامهم بتأمين نظمهم السياسية للاهتمام بالأهداف أو المصالح القومية‏.‏

وتحولت المجموعة إلي اتحاد باتفاقية ماستريخت عام‏1992,‏ وبانضمام النمسا والسويد وفنلندا‏,‏ أصبح عدد دول الاتحاد‏15‏ دولة‏.‏ وشهد عام‏1999‏ ميلاد العملة الأوروبية الموحدة‏,‏ ويبدأ تداولها عام‏2002‏ في‏11‏ دولة‏,‏ ويتوسيع الاتحاد الأوروبي مرة أخري في عام‏2004,‏ وفي يناير الماضي يصل رقم الأعضاء إلي‏27‏ دولة‏.‏ مسيرة هادئة وواثقة وعملية‏,‏ علي امتداد‏50‏ عاما‏,‏ حققت إنجازات هائلة‏,‏ دخلت بها القارة الأوروبية عصر ما بعد القومية‏..‏ أما العالم العربي‏,‏ ففشل في تحقيق وحدته القومية‏,‏ بل يمكن القول إن المشروع القومي قد سحقته هزيمة يونيو‏1967,‏ وأجهزت عليه قوات صدام حسين وهي تتقدم في بداية أغسطس‏1990‏ لاحتلال الكويت‏.‏

صوت القاهرة

منذ تسلم إبراهيم العقباوي مسئولياته كرئيس لمجلس إدارة شركة صوت القاهرة في نوفمبر‏2005,‏ وأنا أتساءل‏:‏ ماذا سيفعل الرجل في هذه التركة الثقيلة؟ وبما عرف عن الرجل من هدوء وقدرة علي المثابرة‏,‏ بدأ عمله بدراسة الواقع الذي لم يكن غريبا أو جديدا عليه‏,‏ ومن الدراسة انتقل لتطوير أساليب العمل وأهدافه‏,‏ وخلال عام واحد من مشواره مع الشركة‏,‏ تمكن من النهوض بها وإقالتها من عثراتها‏,‏ والأهم أنه حقق أرباحا قدرها‏7‏ ملايين جنيه‏,‏ وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الشركة منذ دخولها مجال الإنتاج المرئي عام‏1975.‏

وطوال هذه الفترة الممتدة من عام‏2005‏ وحتي الآن‏,‏ أثري الشاشة بأعمال درامية متميزة استحقت العديد من الجوائز‏,‏ ومنها علي سبيل المثال درب الطيب قصة وسيناريو وحوار بشير الديك وإخراج نادر جلال‏,‏ وولم تنس أنها امرأة قصة إحسان عبدالقدوس سيناريو وحوار مصطفي إبراهيم وإخراج أحمد يحيي‏.‏

ويمكن القول إنه في الوقت الذي عانت فيه معظم قطاعات الإنتاج من الخمول‏,‏ وعاشت تترقب التغييرات المتوقعة وخطط الهيكلة‏,‏ كانت شركة صوت القاهرة تتحرك وتنتج وتجيد اختيار الأعمال وتتجنب كل ما يمكن أن يصيبها بالشلل‏.‏[line]
حوار مع : رئيس الوفد الأمريكي المشارك في مؤتمر بغداد

هدف مؤتمر بغداد الإعداد للمؤتمر التالي

تقرير واشنطن

عادل الدقاقي

تتركز الأنظار باتجاه مؤتمر بغداد الذي يضم دول الجوار العراقي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى مصر والبحرين والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لبحث الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق وسبل وضع حد لدوامة العنف. وعلى الرغم من أن مؤتمرات دولية خاصة بالعراق ومؤتمرات أخرى لدول الجوار العراقي قد عُقدت في السابق، غير أن المثير للانتباه هذه المرة هو جلوس المسئولين الأمريكيين والإيرانيين والسوريين حول طاولة واحدة لمناقشة مسألة العراق والوضع الأمني فيه بشكل مباشر، علما بأن الولايات المتحدة تتهم إيران بتزويد جماعات شيعية مسلحة داخل العراق بمعدات يتم استخدامها في الهجمات وأسفرت عن مقتل عدد من الجنود الأمريكيين، وتتهم سوريا بغض الطرف عن تسلل المقاتلين الأجانب عبر حدودها إلى العراق للانضمام إلى حركة التمرد، فيما تقول طهران ودمشق إن السبب الرئيسي للمشاكل التي يعاني منها العراق هو الغزو الأمريكي واستمرار التواجد العسكري الأمريكي هناك.
وقد أجرى تقرير واشنطن لقاء مع السفير ديفيد ساترفيلد المستشار الرئيسي لوزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون العراق والذي يرأس الوفد الأمريكي المشارك في مؤتمر بغداد إلى جانب السفير زلماي خليل زاد.

تقرير واشنطن

هناك نقاش واسع وتكهنات عديدة بشأن مؤتمر بغداد الذي ستشاركون فيه، ونحن نعلم أن الولايات المتحدة تعتبر عنصرا أساسيا في قضية العراق ولها مصالح هناك. ما الذي تترقبون تحقيقه خلال المشاركة في هذا المؤتمر؟

السفير ساترفيلد

إننا وبكل تأكيد نأمل في أن يقوم العراقيون باستغلال هذا الاجتماع كوسيلة لعرض الجهود التي يقومون بها وتأكيد التزام الحكومة العراقية فيما يتعلق بتثبيت الأمن واعتماد أسلوب غير منحاز في التعامل مع جميع المنخرطين في أعمال العنف التي تستهدف العراقيين الأبرياء. بالإضافة إلى إبراز التقدم الذي تم إحرازه على مسار المصالحة الوطنية، والتقدم الذي تم إحرازه بشأن قانون النفط الذي صادقت عليه الحكومة العراقية، فضلا عن الخطوات الأخرى التي تعهد المسئولون العراقيون باتخاذها في المجال الاقتصادي وما قاموا به أصلا على هذا الصعيد.
وفي هذا المجال هناك خطوة رئيسية سيتم الانتهاء منها قريبا وهي الانتهاء من صياغة نص الاتفاق الدولي الخاص بالعراق في السادس عشر من مارس الجاري في نيويورك. لكن في الوقت الذي ستعرض فيه الحكومة العراقية الجهود التي تبذلها وتتعهد بمواصلة بذلها على جميع هذه المسارات الحساسة، لديها أيضا متطلبات واحتياجات للحصول على المساعدة والدعم من دول الجوار فيما يتعلق بالأمن والمسار السياسي وكذلك المجال الاقتصادي.

تقرير واشنطن

بعض تلك الدول المجاورة هي سوريا وإيران اللتين ستشاركان في مؤتمر بغداد، ولقد قلتَ في تصريحات سابقة إنه إذا حاول المسؤولون السوريون والإيرانيون الحديث معكم بشأن قضايا متصلة بالعراق وتثبيت الأمن فيه فإنكم ستستجيبون لذلك، لكن ماذا سيحدث إذا لم يتخذ السوريون والإيرانيون المبادرة للتطرق لتلك القضايا؟

السفير ساترفيلد

أنظر، لن أتطرق للمسألة المتعلقة بما الذي سوف يقومون به هم من جانبهم، وما الذي سنقوم به نحن من جانبنا، أو الكيفية التي سيتم التعامل من خلالها أثناء تواجدنا في مكان واحد. إننا نأمل أن يكون هذا الاجتماع عبارة عن جلسة تُسفر عن انخراط بناء بين جميع الأطراف المشاركة والحكومة العراقية بشأن تلك القضايا الحساسة.

تقرير واشنطن

لكن هناك عدد من القضايا التي تهم الولايات المتحدة مثل اتهامكم لسوريا بغض الطرف عن تسلل المقاتلين الأجانب عبر حدودها إلى العراق، ووجود أسلحة إيرانية يتم استخدامها في العراق ضد القوات الأمريكية، هل تعتزمون التطرق لهذه القضايا خلال اجتماعات بغداد؟

السفير ساترفيلد

القضية الحقيقية هي هل السوريون والإيرانيون مهتمون فعلا بالانخراط في تواصل بناء بشأن هذه القضايا. سيجدوننا على استعداد كامل لمناقشة تلك القضايا إذا كانوا مستعدين فعلا للتطرق إليها، وأعتقد أن هذا الأمر يتوقف على النهج الذي سيتبعونه ونأمل أن يكون ذلك النهج بناءً.

تقرير واشنطن

صدرت تصريحات بأنكم ستقومون على الأرجح بمواجهتهم (السوريين والإيرانيين) بتلك الاتهامات وستسعون للحصول على رد علني منهم خلال الاجتماعات على تلك الاتهامات. ما هو الجديد إذن في هذا النهج؟ علما بأنكم قمتم بذلك عبر وسائل الإعلام وخلال التصريحات الصادرة عن المسؤولين الحكوميين؟

السفير ساترفيلد

الجديد في الأمر، هو أن هذه الاجتماعات هي فرصة بالنسبة للحكومة العراقية، وأثناء حضور جميع الدول المجاورة ومشاركة دولية واسعة خلال جلسة واحدة مشتركة، لإلقاء نظرة على الجهود التي تبذلها وطبيعة المساعدة التي تحتاج إليها من الخارج بما في ذلك ما يتعلق بالأمن. وهذه هي رسالة موجهة لتلك الدول المجاورة التي انخرطت بشكل إيجابي مع العراق، وهي رسالة أيضا إلى الجارتين سوريا وإيران اللتين لم تنخرطا بشكل إيجابي.
وبطبيعة الحال لدى الولايات المتحدة رسالة واضحة وثابتة، كما إن أسباب قلقنا في هذا المجال معروفة، غير أنه في إطار مجموعة كبيرة من دواعي القلق بما في ذلك دواعي قلق الحكومة العراقية، نأمل في أن تكون هذه الاجتماعات وسيلة بناءة للتطرق لهذه القضايا.

تقرير واشنطن

لكن ماذا سيحدث لو كان ردهم هو أن التواجد العسكري الأمريكي هو السبب الرئيسي للمشاكل التي يعاني منها العراق، مثلما قالوا مرارا وتكرارا، هل ستتحول الاجتماعات إلى جلسة اتهامات واتهامات مضادة فقط؟

السفير ساترفيلد

حسنا، إن الحكومة العراقية ستكون حاضرة في الجلسة، وإننا موجودون في العراق بطلب من الحكومة العراقية، وتستطيع الحكومة العراقية التحدث بنفسها بشأن الأسس التي تتواجد بموجبها قوات التحالف في العراق. وإننا بكل تأكيد قادرون على التطرق مباشرة لدواعي القلق التي تعرض علينا.

تقرير واشنطن

ما هي المعايير التي ستعتمدونها لقياس مدى نجاح هذه الاجتماعات؟

السفير ساترفيلد

إننا نأمل أن تسفر هذه الاجتماعات عن إعداد الأرضية المناسبة والتحضير للاجتماع الذي سيُعقد على مستوى الوزراء وبمشاركة أوسع، وإننا نأمل أن يتم إجراء حوار بناء بين جميع الأطراف التي ستحضر الاجتماع وبين الحكومة العراقية، ونأمل أن يؤدي ذلك بدوره، أي هذا المسار والمحادثات، إلى إحداث تغيير فعلي على الأرض لمصلحة العراق.

تقرير واشنطن

لدي سؤال غير متعلق باجتماع بغداد لكنه خاص بالعراق، ما هو موقف الولايات المتحدة بشأن التحركات السياسية داخل العراق، خاصة الجهود التي يقوم بها رئيس الوزراء السابق إياد علاوي لتشكيل جبهة سياسية معتدلة، وبالتالي تشكيل حكومة جديدة محل حكومة نوري المالكي؟

السفير ساترفيلد

إننا نؤمن بأنه يجب أن يكون لدى جميع الجهات الملتزمة بالمسار السياسي في العراق وليس العنف، أن يكون لديها المجال للإعراب عن آرائها وتنظيم نفسها والمشاركة بشكل حر في المسار السياسي بموجب الإطار المحدد في الدستور العراقي.

تقرير واشنطن

سؤالي الأخير يتعلق بالسياسية الخارجية الأمريكية بشكل عام، يقول العديد من المراقبين إن مشاركتهم في مؤتمر بغداد بحضور إيران وسوريا، وطريقة تعاملكم مع ملف كوريا الشمالية وقضايا أخرى، تُظهر العودة إلى اعتماد نهج الواقعية السياسية في سياستكم الخارجية، كيف تردون على ذلك؟

السفير ساترفيلد

لا أنظر إلى ذلك على أنه تغير أو تحول، كما أنني لا أنظر إليه على أنه تغيير في الاتجاه، إن ما يجري يتطابق ويتوافق تماما مع أفعالنا وأقوالنا السابقة، إن لدينا اهتماما وقلقا بشأن مستقبل العراق، ويتعين على جيران العراق أن يكونوا منخرطين بشكل بناء مع العراق وليس العمل ضد العراق ومصالحه. إننا نرحب بالفرصة المتاحة، مثلما فعلنا في السابق، للانضمام إلى مباحثات متعددة الأطراف تتعلق بمستقبل العراق وتعمل على إيجاد أفضل السبل الكفيلة بمساعدة الحكومة العراقية للتقدم نحو الأمام وتحقيق النجاح.[line]

castle
13-03-2007, 09:03 AM
الثلاثاء 23 صفر 1428هـ الموافق 13 مارس 2007م

موسى لـ «الحياة»:

«الأسد تعاون بالقدر الذي يراه مناسباً»

واللقاء مع نصرالله كان «ممتعاً»

والحريري «من الدار إلى النار»

الكلام عن هجوم إيراني شامل تعبير غير دقيق والحل بالحوار

سجلنا تقدماً في ملف دارفور

وندعم الحكومة الصومالية للمصالحة والاستقرار

القاهرة - غسان شربل

الحياة

هذا رجل يجب ألا يحسده أحد على منصبه ومسؤولياته ومهماته. على طاولته ملفات عدة لحروب أهلية عربية بعضها مستعر والبعض الآخر يستعد. والسباحة في الملفات العربية تشبه السباحة بين الأشراك والركام والحساسيات القديمة والمستجدة. وفي الشهور الماضية استضاف مكتبه زائراً جديداً تحول هاجساً هو الفتنة السنية - الشيعية.

هذا ما شعرت به وأنا أدخل مكتب عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية في أسوأ وضع عربي منذ عقود. وكالعادة اتسع صدره لكل الأسئلة مع حرصه ألاّ تضر الإجابات بالقدرة على استكمال الوساطات. وهنا نص الحوار الذي شارك فيه الزميل محمد صلاح مدير مكتب «الحياة» في مصر:

هل تعتبر نفسك سيئ الحظ لأنك أمين عام الجامعة العربية في هذا المشهد العربي؟

- أنا أعتبر أننا جميعا سيئو الحظ لأننا نعيش مثل هذا العصر الأسوأ في تاريخ العرب حتى الآن، وليس لأنني أمين عام الجامعة العربية، ولكن لأني مواطن عربي مليء بالإحباط والغضب وكل المشاعر السلبية حيال ما أراه. لكن كوني أميناً عاماً للجامعة فهذا يضيف اليّ مسؤوليات كثيرة جداً لأنني أتعرض لهذه القضايا وأحاول فيها ألا أكون سلبياً رغم علمي بالتيارات العاتية التي تعصف بالعالم العربي سواء من داخله أو من أطرافه أو من الخارج.

كم حرباً أهلية موجودة على مكتبك؟

- كلمة حرب أهلية أصبحت مطاطة، هناك دم يسيل في العراق ويسيل في دارفور وسال في الصومال. وهناك دم يسيل في غزة والضفة المحتلة، نرجو ألا يسيل الدم في لبنان رغم أنه سال. بعضها تستطيع أن تقول عنها إنها مشاهد لحرب أهلية وبعضها يمكن أن يوصف بأنه حرب أهلية بالفعل وسواء أكانت أهلية أم لا، هناك دم عربي يسيل. هذه الملفات موجودة على مكتبنا، والسؤال كيف نتعامل مع كل هذه الامور ونوقف شلال الدم؟

إذا كتبت أنا الصحافي أن الوضع في العراق ينذر بنكبة أخطر من نكبة فلسطين، وقرأتَ أنتَ ذلك، هل توافق عليه أم تعتبره مبالغة؟

- لا يصح أن أوافق، وأرجو ألا تتم (النكبة) خصوصاً في العراق، لكن إذا استمرت السياسة الطائفية ولم تحارب ولم توقف عند حد ما عن طريق المصالحة الوطنية العراقية، وعن طريق تحريك العراق نحو عراق جديد فعلاً، فنحن نخشى على العراق، لكن الموضوع ليس العراق في ذاته أو فلسطين في ذاتها، هو موضوع الثقافة الجديدة الصاعدة، أنت في افتتاحيتك عن المتنبي اعطيتنا مثالاً يثير المخاوف. المسألة ليست أن هناك حزباً أو طائفة أو مجموعة أو جماعة أو غيره، بل أصبحت أن الشاب الصغير يسأل إذا كان المتنبي بجلالة قدره ليس على هوى السائل ليقرر ما إذا كان يجب أن يُشطب من التاريخ، تاريخ الإبداع العربي؟ المشكلة الكبيرة جداً، وأنت وضعت يدك عليها وأنا أعيها تمام الوعي. هناك في العراق - كما ذُكر لي - حالات طلاق بين شيعة وسنة لأنهم اصبحوا غير قادرين على التعايش، لماذا؟ بسبب الحقن الحاصل من هنا وهناك. المشكلة ليست فقط سياسية، ولا تكتيكية، بل هي مشكلة إنسانية، مشكلة مجتمعية، أصبح هناك فرق بين هذا وذاك، وطالما تكلمنا عن الشيعة والسنة فلا تستبعد المسلم والقبطي، وأن نذهب الى أبعد من ذلك. الخوف من النزاع السني - الشيعي صار جزءاً من النقاش الجاري حول كيفية التعامل مع الوضع القائم، أفهم أن هذا كان جزءاً من المحادثات التي جرت بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.


الانقسام الطائفي

هل لديك ما تقوله حول ما بلغك عن نتائج تلك القمة؟

- تحدث معي الأمير سعود الفيصل بشأن نتائجها ونحن في البدايات، المشكلة لا تزال مستعرة، والمنطلق من جانبنا جميعا هو: نحن في غنى عن صدام إقليمي بين العرب والإيرانيين، أو بين الشيعة والسنة، يجب وقف هذا بأسرع ما يمكن، إذا كانت هناك مشاكل مع إيران، فهناك الحوار ووسائل كثيرة نستطيع أن نتبعها لحل أي مشاكل قائمة، المشكلة القائمة هي جزء من طبيعة الحياة في منطقة الشرق الأوسط وأي منطقة أخرى، أن ننتقل بالخلافات إلى مرحلة صدام خصوصاً إذا كان هذا الصدام لا يخدمنا وإنما يخدم سياسات أخرى، هي مسألة غير مطلوبة قطعياً. ولذلك الحوار العربي - الإيراني مهم، واللقاء السعودي - الإيراني الأخير مهم.

هل تبلور قرار لجمع الإرادتين لمواجهة الفتنة السنية - الشيعية؟

- الإرادة قائمة، لكن هل تبلورت في قرار نهائي؟ لا أستطيع أن أقول إن ذلك حصل، لكن استطيع الحديث عن قرار استراتيجي، لا يمكن أن تستقيم الحياة السياسية في الشرق الاوسط إلا به، وأنا أعتقد أن هذا القرار يجب أن يتخذ جماعياً.

بمعنى؟

- بمعنى أن القمة العربية في الرياض ستتعرض لموضوع الانقسام الطائفي، وأنا أتصور أننا سنناقش هذا الأمر وغيره. القمة المقبلة لن تكون قمة بيانات، سنعقد جلسة افتتاحية ثم جلسة مغلقة على الملوك والرؤساء ووزاء الخارجية فقط في غرفة مثل تلك التي نجلس فيها الآن، وليس في قاعة كبرى، بدأنا هذا التقليد في الخرطوم، الأمور كلها بحثناها داخل غرفة مثل هذه. سنتكلم في كل شيء والتقرير الذي سنقدمه سيشير إلى هذا.


العراق

بعد اجتماع بغداد، ما الأفق، كيف ترى الوضع العراقي؟

- الوضع العراقي لا يمكن علاجه أمنياً ولا عسكرياً، ولا عن طريق تفكير طائفي. لا أقول علاجاً فهناك كلمة أدق من ذلك، لا بد أن يعاد الأمر إلى نصابه، نحن في القرن الحادي والعشرين، نحن في مرحلة انتقالية كبيرة، مرحلة انتقال من عصر الى عصر، العالم انتقل فعلاً من عصر إلى عصر، وعلى العالم العربي أن ينتقل من عصر الى عصر. إذا كنا سننشغل بموضوع الطائفية ومن هو شيعي ومن هو سني والمسؤولية على مَنْ، فهذا أمر لن يؤدي إلى خير إطلاقاً، ولذلك أعود فأقول إن العلاج في ما يخص الوضع في العراق لا يمكن أن يتم أمنياً فقط، لا بد من علاج سياسي، لا بد من الاتفاق على أنه لا يوجد تقسيم للعراق تحت أي ظرف وتحت أي مسمى. إذاً لا بد من إعمال المواطنة كأساس للتمتع بأي ثروة في العراق، أو بالوجود في العراق أو بالعمل في العراق أو بالعيش في العراق.. المواطنة لا فرق فيها بين شيعي وسني، بين كردي وعربي، بين مسلم ومسيحي. نحن نتكلم عن العراق الجديد، العراق الذي يجب أن يكون مثالاً للآخرين، هل هذا مثال للآخرين؟ الشكل الدموي يومياً لا يمكن أن يكون مثالاً إلا إذا كان الهدف هو إضافة الآخرين. أول شيء المواطنة، المقاربة الأمنية وحدها لا يمكن أن تكون حلاً، موضوع توزيع الثروة يجب أن يكون هناك توزيع عادل للثروة بين كل العراقيين ليستمتع الجميع بثروة العراق، وأيضاً موضوع الدستور ومراجعته طبقاً لما قرره مجلس النواب المنتخب، وموضوع الميليشيات، موضوع إعادة الإعمار، هناك نقاط عدة يجب العمل عليها كلها في الوقت نفسه لنحل موضوع العراق، إنما المفتاح هو في أن المقاربة يجب أن تكون مقاربة سياسية قائمة على نظرة مستقبلية وليس على نظرة عفا عليها الزمن.

هل يحتاج هذا الأمر الى حوار أميركي - إيراني وحوار أميركي - سوري؟

- نعم يحتاج، لأنه لا يمكن التعامل مع الوضع في العراق من منطلق أمني فقط، إنما لم استبعد الناحية الأمنية وكان هذا لب النقاش الذي جرى أمس. والأمر كله، في رأيي، يستدعي الحوار الأميركي - الإيراني، وبالدرجة نفسها من الأهمية يستدعي الحوار العربي - الإيراني، وأن نبني تصرفاتنا وسياساتنا على معلومات موثقة لأن العالم صار ممتلئاً بمعلومات مكذوبة ومعلومات غير صحيحة، رأينا ذلك بأنفسنا وعشناه، ولذلك يجب مقاربة الوضع في العراق بناء على معلومات صحيحة موثقة وعلى أن المقاربة ليست أمنية فقط، وإنما ايضاً سياسية.. العراق الجديد لا يمكن أن يكون عراقاً جديداً، وهو ممعن في القدم في الوقت نفسه.

هل ظهرت إشارات على ذلك في الاجتماع الذي اختتم أمس؟

- ذلك الاجتماع كان تحضيرياً لاجتماع وزاري يمكن أن يتم بعد ذلك، وأنا لست ضد عقد اجتماعات ومناقشة وحوارات بين العراقيين وجوار العراق والدول الخمس والدول الثماني، أي بين كل من له مصلحة سواء اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو عامة أو خاصة، يجب أن نكون هناك، ويجب أن نعاون العراقيين على الخروج من هذا النفق المظلم، هم في نفق مظلم، يجب أن نعاونهم على الخروج من هذا النفق المظلم، وأنا رأيت - مثلاً - أن هناك الآن توجهاً نحو بلورة قانون خاص بتوزيع الثروة، العنوان مضبوط، وهذه خطوة، إنما هل هي خطوة رئيسية، أم خطوة تم عليها توافق أم لا؟ هي خطوة، الذهاب الى العراقيين ومحاولة تطمينهم الى أننا جميعاً معهم هي أيضاً خطوة مهمة، هذه الأطر لا يجب أن نستبعدها، وفي الوقت نفسه يجب الحوار مع الأميركيين، لأن لهم 150 ألف عسكري في العراق. كيف لا نتكلم معهم؟ يجب أن نتكلم معهم لأن لهم وجوداً كبيراً، قلت أكثر من مرة إننا جميعاً الآن في قارب واحد، وكلنا متضررون من الوضع في بغداد.

تقصد مَنْ؟

- جيران العراق، الأميركان، كل العرب، العراقيون، المسلمون، الجميع متضررون من الوضع في العراق، والآن ليس وقت تبادل الاتهامات، إنما وقت تبادل المعاونات والمساعدات لعلاج الموقف في العراق. وقعنا في مطب في العراق وعلينا أن نبحث في كيفية الخروج منه.


ايران

كأمين عام للجامعة العربية، هل لديك شعور بأن إيران تقوم بهجوم شامل على المنطقة؟

- اعتقد أن التعبير ليس دقيقاً، إيران دولة كبيرة في المنطقة وتريد أن تثبت وجودها وأن تكون جزءاً من المعادلة الإقليمية العامة في المنطقة، فلماذا نلومها، لا ينبغي لوم إيران على تفتيشها عن مصالحها، لا أحد يلام على تفتيشه عن مصالحه، وبالتالي لا يجب أن يلام العرب لعملهم من أجل الحفاظ على مصالحهم، وأنا عندما أقرأ عن مصالح إيرانية، لا بد ان يقرأوا هم أيضاً عن مصالح عربية، وهذا ما تداولت فيه علناً مع الرئيس السابق محمد خاتمي في دافوس.. نعم هناك مصالح إيرانية، وهذا أمر مفهوم وإلا فإننا نعيش في زمن ليس لنا، انما أرجو أن تفهم إيران أيضاً أن هناك مصالح عربية، المصالح المتقابلة تطرح سؤالاً: هل يمكن أن تكون هذه المصالح متناسقة، هل يمكن أن تكون هذه المصالح متضادة؟ وفي مصلحة من أن تكون متضادة، وفي مصلحة من أن تكون متناسقة، هذا هو لُب الحوار الذي يجب أن يتم.

عندما تقرأ تعبير «الهلال الشيعي» ماذا يكون رد فعلك؟

- هذا الموضوع كان تحذيراً من احتمال أن يذهب الوضع في المنطقة إلى أسوأ مما هو عليه، نحن جميعاً نريد لهذه الأهلة كافة أن تتداخل وأن تتعاون. هذا تعبير عن مخاوف عربية ونتيجة للطائفية التي ظهرت، ولكنه أيضاً أساس اقتراح الحوار مع إيران، والحوار بين الشيعة والسنة، والحوار بين إيران والعرب، الهلال هو الهلال من حيث المعنى الرمزي، وأنا لا أزال على موقفي من أنه لا بد لنا من حوار استراتيجي.. حوار عميق وعاجل مع الإيرانيين، وأن يكون هذا بمطلب واقتناع منهم، وبمطلب واقتناع منا. وأرى أن اللقاء الأخير بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس نجاد يصب في هذا الاتجاه.

وأنت تدرس الملف العراقي هل يمكن أن ينتابك كعربي شعور بأنه ليت صدام حسين لا يزال على رأس الحكم في العراق؟

- هذا سؤال ملغوم جداً، أنا أحياناً استطيع نزع الألغام، لا شك أن العراق مر بأطوار مؤسفة، الحروب المتلاحقة لدولة نامية مثل العراق. من الصعب تصور الخروج من الحرب مع إيران ثم الدخول في حرب على الكويت، ثم حرب، هذه ليست سياسة وأدت إلى ما نراه. لا يمكن أن نمدح سياسة تؤدي الى النتائج التي نراها، إنما هذه النتائج والدم الذي يسيل لا يجعلنا نطمئن. ثم إن موضوع صدام حسين هو موضوع من الماضي، نتكلم وندردش فيه، إنما لا يتعلق بما هو قائم الآن ولا بالمستقبل، صدام انتهى، ونظامه انتهى، ولم يظهر بعد النظام العراقي الجديد، صحيح أن هناك مجلس نواب منتخباً وهناك دستورا ً وغير ذلك، إنما هذه مقدمة، نرجو أن تكون هي المقدمة السليمة والمنطقية للعراق الجديد.


طريق بيروت

متى ستذهب مجدداً إلى لبنان؟

- تحدثت كثيراً عن موضوع الطابق اللبناني، أنا قلت إن لبنان مثل مبنى من أربعة طوابق: لبناني وعربي وإقليمي ودولي، وان هناك مصعداً يتحرك بين تلك الطوابق، ومن ثم هناك تداخل بين ساكني هذه الطوابق الاربعة، لكن ذلك لا ينفي في نهاية اليوم أن اللبناني طابقه منفصل وكذلك العربي.. ان يجتمع الشيخ سعد الحريري والرئيس نبيه بري فإن ذلك يعد خطوة عظيمة، خطوة ايجابية، ربما سهل لها الاجتماع الذي عقد في الرياض بين خادم الحرمين والرئيس أحمدي نجاد إنما يظل الأمر الآن مسؤولية هذين الزعيمين والزعامات الأخرى. أنا أؤيد جداً التحرك اللبناني - اللبناني، ويجب تسهيله وطالبت مراراً بذلك، أنا لم أكن أفهم أبداً كيف أن ساكني الطوابق الاربعة لا يكلمون بعضهم بعضاً، أن يجلسوا معا، فتلك بداية طيبة، ليتدارسوا حزمة الأفكار التي تركتها لهم والأفكار الأخرى ومنها ورقة الرئيس نبيه بري والتعليقات عليها، كل ذلك أصبح الآن في يد أصحاب الأمر، وأدعو الله أن يتفقوا حتى يبعد الشر عن لبنان، وأقصد بذلك أن المنطقة كما تعلم على كف عفريت بفعل التداخلات. لا أريد أن يكون لبنان مسرحاً لتصفية الحسابات، مسرحا تُدفع نحوه الرياح بدلاً من ناحية أخرى، إنقاذ لبنان هو في يد اللبنانيين الذين ينبغي أن يحموا بلدهم من التأثيرات الضارة السلبية في هذا الموقف الخطير، وهذا لا يكون إلا على قاعدة: لا غالب ولا مغلوب.

حاولت توفير مظلة من بقية الطوابق للبنانيين.هل نجحت في بلورة مشروع مظلة عربية واقليمية للحل اللبناني؟

- المظلة العربية كانت موجودة، كان فيها بعض الثقوب. عندما قررت الذهاب الى لبنان تحدثت في القاهرة والرياض ودمشق. في القاهرة أتحدث مع كبار المسؤولين على الدوام.


الحزمة والعقدة

لماذا لم تنجح محاولتك جمع الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة؟

- ربما كان المطلوب أن تتم تدخلات اكثر وضوحاً، وخلال الفترة من كانون الاول (ديسمبر) الماضي وحتى آذار (مارس) الجاري جرت مياه اخرى تحت الجسور أدت الى تسهيل انطلاق الحوار، وربما ببعض التشاور مع الدولة المهتمة تم التعامل مع كل هذا، أنا تركت الحزمة وهناك أيضاً الاقتراحات التي ترد من هذه الدولة أو تلك أو نتيجة لمحادثات اخرى، العقدة لن تحل إلا بهذا اللقاء الذي أرجو له النجاح.

الحزمة تقول بالتوازي بين المحكمة والحكومة وعلى قاعدة لا غالب ولا مغلوب 19 /11 أو 19 /10.

- هي كلها 19 / 11 أي أن تكون للوزير الحادي عشر بعض المواصفات أو بعض الضمانات. اقترحنا اختيار الوزير من لائحة تضم عشرة أسماء ثم من لائحة تضم خمسة أسماء.

بمعنى أن تتفق عليه المعارضة والموالاة؟

- أن ترشحه المعارضة وتقبل به الموالاة، وهذا ما اقترحت أن يكون في عدد من الاسماء سواء قبل الذهاب أو بعد العودة، كنت أتواصل مع هذه الدول الثلاث، بالاضافة الى دول أوروبية عدة، لم أكن أعمل بصفة شخصية وإنما بتكليف من المؤسسة العربية.

في ضوء زياراتك الثلاث للبنان، ما العقدة، هل هي المحكمة؟

- المحكمة أولاً هذه المسألة لها جدول أعمال طويل، إذا اختصرنا كل شيء في المحكمة نكون مبالغين، وإذا اختزلنا كل شيء في الحكومة وتشكيلها نكون أيضاً مبالغين، فكما تعلم هناك استحقاقات متوالية كلها معقدة «معقربة»، ولذلك الحزمة التي تكلمت فيها كانت على المحكمة والحكومة بالتوازي الزمني، وكان هدفي أن يتم هذا قبل مؤتمر باريس - 3، ثم تحدثت عن الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية بحيث هذا اللقاء يمكن أن يؤدي الى القبول ببعض المقترحات المتضمنة في المبادرة التي اقترحتها أنا أو المقترحات الاخرى، المهم أن يتفقوا عليها.

هل هناك الآن أفكار أخرى؟

- لا، كلها في هذا المضمون.

ليس هدفنا بالطبع تعقيد الوساطات، لكن من المحاور الأصعب بالنسبة إليك؟

- الأمر مثل العملة له وجهان، الجميع شكلوا صعوبة في كثير من الأحيان، كما شكلوا سهولة في بعض الأحيان.

هل قابلت الأطراف كافة؟

- نعم، لم أترك أحداً لم أره.

هل كانت المرة الأولى التي تلتقي فيها الدكتور سمير جعجع؟

- اللقاء كان جديداً من نوعه لكننا التقينا من قبل، اعتنيت بأن اتحدث مع الجميع، وعندما كان يتعذر اللقاء المباشر في بعض المرات كنت استعيض عن ذلك بالاتصالات الهاتفية.

هل كان السيد حسن نصرالله صعباً؟

- التقيته في سهرة طيبة جداً، سهرة عمل ممتعة.

كيف؟

- كنا نتحدث ليس كطرفين وإنما كمواطنين عربيين، هناك آراء نتفق عليها، واخرى نختلف بشأنها، تكلمنا في هذا الأمر، وكان ذلك اللقاء من أهم لقاءاتي في لبنان، التقيت كذلك البطريرك لقاء مشبعاً، التقيت الزعامات كافة.

ماذا عن اللقاء مع وليد جنبلاط؟

- الحديث مع وليد بك جنبلاط يستدعي دائما عصفاً فكرياً.


تعاون الأسد

كيف كان اللقاء مع الرئيس بشار الأسد؟

- التقيت الرئيس الأسد في هذا الاطار ثلاث مرات، لا يمكن أن ننكر الصلة السورية - اللبنانية الخاصة والاهتمام الخاص بعناصر المشكلة في لبنان لكونها مرتبطة بسورية، وأنا لم أر منه إلا التعاون، طلبت منه تأييد المبادرة فأيدها، طلبت منه أن ندرس سوياً بعض العناصر القائمة فناقشها معي عنصراً تلو الآخر، وأخذنا وقتنا في هذا النقاش، إنما أنا لا أفرض على سورية سياسة ما، وفي الوقت نفسه أطلب منها التعاون، والرئيس الأسد تعاون معي بالقدر الذي يراه مناسباً في هذه الفترة، ولو أن المحادثات استؤنفت سأتكلم مجدداً مع الرئيس بشار الأسد، والأفكار وهي تتطور يمكن أيضاً أن تأتي بتطور في الحلول.

لم تجبني على السؤال بخصوص ما إذا كنت تنوي الذهاب مجدداً إلى لبنان؟

- لا أستبعد الذهاب الى لبنان قبل القمة، سيكون لذلك وقته وظروفه ومناسبته، الآن مثلاً لا داعي لأن أتدخل، فبري والحريري يتقابلان، لا داعي لأي تدخل لكننا نتصل ونتواصل ونطمئن ونهنئ... إلخ، لكن الأمر لا يحتاج إلى وجودي الآن في لبنان.

من المرجح أن تزور لبنان قبل القمة؟

- استطيع أن أقول إن تلك الزيارة مأمولة قبل القمة.


من الدار إلى النار

ما أن تنزل إلى مطار بيروت، تشعر أن بيروت ينقصها شيء بسبب غياب رفيق الحريري؟

- أنا من الناس الذين أحبوا رفيق الحريري، وربطتني به علاقة صداقة سليمة ومتينة كعربيين يلتقيان على المصلحة العربية ومناقشة القضايا العربية، كنت أزوره في بيروت ويناقشني وأناقشه حول فلسطين والعراق والسودان، وفي كل شيء، الله يرحمه كان شخصية فذة بلا شك. وأخيراً ذهبت الى بيته والتقيت سعد الحريري وتذكرت نقاشاتنا واجتماعاتنا على الغداء والعشاء سواء كنا وحدنا أو مع آخرين، تُذكرني كل زيارة للبنان برفيق الحريري.

متى عرفت رفيق الحريري؟

- منذ وقت مبكر، منذ أن كنت وزيراً للخارجية.

كيف وجدت سعد الحريري، وتعامله مع الإرث الكبير الذي يمكن أن يتحول عبئاً كبيراً؟

- هو إرث كبير وعبء كبير، اعتقد أن الشيخ سعد، خصوصاً الآن، وأنا أراه يتناقش ويجتمع ويتفاءل ويتفاعل مع الرئيس نبيه بري، أعتقد أن هذا يعطي زخماً كبيراً جداً لشخصية سعد الحريري وقدرته على التواصل خصوصاً مع إخواننا في لبنان ليس فقط من الأكثرية، بل من الأطراف كافة.

حظه سيىء، يتدرب على الساخن؟

- حظه السيئ يرجع إلى أنه فقد والده، وحظه سيء أنه جاء من الدار الى النار، ولكن لهذا أيضاً جانبه الايجابي، إنه يتعلم.. الخبرة الحياتية تفرض نفسها وكذلك الخبرة السياسية في كيفية الوصول الى الحلول الوسط والاستماع الى الآخرين، أنا مطمئن للشيخ سعد الحريري.

هل حاولت خلال الوساطة ترتيب زيارة للرئيس السنيورة للشام؟

- كان ذلك من ضمن الأمور التي طرحت، أريد أن أقول لك أنا أرتبط بصداقة وعلاقة طيبة جداً مع كل من الرئيس بري والرئيس السنيورة وهذا ما سهّل مهمتي، كنت أشد معهم وأضحك معهم، كنا نقضي سهرات جادة جداً يتخللها كلام لطيف مع كل منهما ولذلك فترة التفاوض على المبادرة العربية مع بري والسنيورة كانت فترة مهمة. ليس فقط الشباب هم الذين يتعلمون، أنا أيضاً أتعلم الفعل ورد الفعل والاقتراح ورد الاقتراح، سواء على هذا الجانب أو ذاك، كنت أشعر بالفجوة الموجودة وكنت اعتقد ان هذه الفجوة لا يمكن اجتيازها إلا باللقاء المباشر وهو ما يتم الآن، فحرارة مثل ذلك اللقاء تذيب بعض الصعوبات، وهذا أمر مهم.

إذاً زيارة لبنان قبل قمة الرياض مأمولة، والقمة السعودية - الايرانية انعكست ايجاباً على المنطقة عموماً وعلى لبنان خصوصاً؟

- نأمل أن تنعكس ايجاباً على المنطقة، إنما انعكاسها على لبنان بدأ يظهر في تسهيل أمور عدة، لا أقول إنها كانت سبباً مباشراً في لقاء بري والحريري، إنما أقول إنها أسهمت في «ترويق» المناخ.

على جدول اعمالك أيضاً أزمات عدة، بينها الملف النووي الإيراني، إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الازمة مخيفة إذا انتهت بحرب على إيران؟

- موضوع الملف النووي الايراني يجب أن تعاد صياغته ليكون الملف النووي في الشرق الاوسط. أما أن نثير الملف النووي الايراني من دون أن نثير موضوع الملف النووي الإسرائيلي، فإن المقاربة تكون أولاً معوجة وغير سليمة، وثانياً أصبح شبه ثابت أن هناك برنامجاً نووياً عسكرياً في إسرائيل، لم يصبح ثابتاً أن هناك برنامجا نووياً عسكرياً في إيران، ولا يوجد أي تقرير من الوكالة الدولية للطاقة النووية يؤكد ذلك أو يشير إليه، ثالثاً لا يجب أن نعتمد على معلومات مغلوطة. رابعاً من حق إيران الثابت القاطع أن تتوصل إلى الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بعناصر العلم النووي، وهذه شطارة من إيران.

يتبع > [line]

castle
13-03-2007, 09:04 AM
سلبيات إسرائيلية

هل تتوقع نجاح اتفاق مكة بين الفلسطينيين؟

- نعم، ما يقف ضده هو السياسة الإسرائيلية، وأكرر أنني رصدت ثلاث رسائل سلبية أخرى من إسرائيل، الرسالة الأولى هي معارضة اتفاق مكة، أي معارضة المصالحة. إذن سيفعلون كل ما هو ممكن لإفساد المصالحة، الرسالة الثانية تتعلق باستمرار سياسة فرض الأمر الواقع. مستوطنات تبنى وتنشر المناقصات الخاصة بها في الصحف. ناس يدفعون بهم إلى الأراضي المحتلة، حفريات في القدس، سياسة أمر واقع واضحة. الرسالة الثالثة تقول: يا عرب أنا أرى في مبادرتكم عناصر «مش بطالة» يمكن أن نقبلها لو حذفتم منها عنصرين: الحدود واللاجئين. هذه رسالة سلبية تماماً، كيف نستبعد موضوع الانسحاب، هل مطلوب أن نجعل إسرائيل هي التي تقرر أين هي الدولة الفلسطينية وحدودها، وكذلك موضوع اللاجئين ننتهي منه، وننسى موضوع القدس وغيره. فموضوع الحدود يشمل وضع القدس ايضاً، هذه الرسائل السلبية لا تطمئن أبداً، وهذا ما عرضته على مجلس وزراء الخارجية العرب وسأعرضه على قمة الرياض. أولاً تعديل المبادرة العربية غير وارد، فما مقابل ذلك التعديل؟ لا شيء إلا الرسائل السلبية، هل هذا معقول؟

هل تتوقع أن تضاعف الإدارة الأميركية اهتمامها بحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي؟

- وزيرة الخارجية الأميركية قالت لعدد منا وأنا منهم كذلك، قالت إن الإدارة الأميركية ستنشط في هذا الاتجاه، ذكرت لي شخصياً أنها ستجتمع مع أولمرت وأبومازن وأنها ستعود الى المنطقة للاجتماع بهما مرة أخرى، لكن وفقاً لأبومازن انتهت المقابلة معه الى لا شي، إذا كان الأمر مجرد مقابلات و «تلفزيونات» ومراسيل جيئة وذهاباً ومبعوثين واجتماعات وتقسيمات الى معتدلين ومتطرفين وغير ذلك، وفي نهاية اليوم لا شيء، فلا يجب أن نسكت. العام 2007 هو فرصة تنشيط العمل على حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وإلا سننتظر سنوات طويلة لا نعلم ماذا يمكن أن يتم خلالها.

هل ترى بُعداً إسلامياً من وراء اجتماع إسلام آباد للمبادرة العربية؟

- بُعد إسلامي داعم للمبادرة العربية، ولا يمكن قبول بُعد إسلامي يزايد على المبادرة العربية، لقد اطمأننت تماماً إلى أن اجتماع إسلام آباد هو اجتماع داعم ومؤيد للمبادرة العربية.


السودان

كيف ترى أزمة دارفور؟

- ربما تكون الأزمة العربية الوحيدة التي يشهد السعي لحلها تقدماً، وإن كان بطيئاً. أزمة دارفور لا يجب أن تختزل في قوات حلف السلام سواء كانت أممية أو أفريقية أو غير ذلك، هذا جانب، أما الجانب الآخر من اتفاق السلام في ابوجا، فإنه يتعلق بالتنمية في دارفور والمصالحة والتعويضات وضرورة انضمام المنظمات المتمردة كافة الى النظام، هناك أمور أخرى في «السوفت سايد» في ذلك الاتفاق.

ماذا عن الصومال، المريض العربي الدائم؟

- هو المريض العربي الدائم حتى الآن، ولكن أرجو أن ننجح في تحقيق الآتي: أولاً المصالحة القومية أو الوطنية الصومالية، ثانياً إقامة الدولة، ثالثاً الإعمار، وهذه مسؤولية كبيرة. الصومال بلد ثري، ليس بلداً فقيراً فعنده زراعة ومصايد أسماك هائلة ويمكن أن ينهض، لكنه يحتاج الى مساعدتنا، والمساعدة تحتاج الى استقرار والاستقرار يحتاج الى مصالحة. وهذا ما نتكلم فيه مع الصوماليين، هناك حكومة شرعية اتفقوا عليها فلنؤيدها، اليوم هناك قوات افريقية داخلة وقوات اثيوبية تخرج، ربما يؤدي هذا الى ما نسعى إليه، نحن نشطون جداً، للمرة الأولى تنظر الجامعة العربية جنوباً، كنا موجودين في محادثات أبوجا على مدى عامين من دون أن نغيب يوماً واحداً. لم نعد منظمة تنظر الى موضوع واحد، نهتم بالقرن الإفريقي لإيماننا بأنها منطقة حساسة مرتبطة ثقافة وامنا بالشرق الأوسط.

ماذا عن المقاطعة الليبية لقمة الرياض؟

- هناك اتصالات جارية، ونتمنى الوصول الى نتيجة ايجابية خلال الأيام المقبلة.

بعد منصبك الحالي إلى ماذا تطمح؟

- طموحاتي الآن تنصب على كيفية لملمة موضوع الانقسامات المذهبية والطائفية في المنطقة.[line]
الظواهري والاختلاف

ثامر محمد لميمان

الوطن
* ما الذي يريده الظواهري؟! نصَّب نفسه إماماً وحكماً وحاكما وقاضيا. وجعل من نفسه في الكثير من رسائله الصوتية كيميائياً يفسر تركيب وسر الأسلحة، واقتصادياً يقرأ الأسعار والتبادل وحركة تجارة الأرض، ثم فيلسوفاً سياسياً يلقي بنظرياته من مخبئه في كل اتجاه.

* نعم نحن في حاجة إلى أمة مسلمة موحدة قوية، ونعم نحن نعترف بأهداف ومقاصد الدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا.. ونعم الأمة الإسلامية في ضعف، ونعم الفقر والمرض والأمية تغطي مساحة كبيرة من الأرض المسلمة ولكن كيف يطالب بوحدة الصف وهو يسعى إلى التفرقة ويلقي بتهمه وادعاءاته جزافاً يمنة ويسرة ولم يبق نظاماً عربياً إلا وسدد إليه لعناته ودعواته واتهمه بالتخلف والتخاذل والتبعية فأين هو النظام الذي يعجبه؟ وهل يعقل أن كل الأنظمة العربية والإسلامية فاسدة؟

* وإن كان هذا فلماذا لا يستبعد مفردات الشتم من قواميس حديثة ولماذا لا يشير إلى مواقع الخلل والعلاج؟ بل لماذا يزيد السوء سوءاً بقناعته العجيبة بأن قلة من مقاتلين بأسلحة تقليدية بسيطة يعيشون في الجبال قادرون على (غزو) كل العالم الإسلامي وتأكيد قيام دولة الخلافة (الدولة الإسلامية الكبرى) وضرب أمريكا ومن يقف مع أمريكا.

بهذه البساطة؟! الظواهري ظاهرة ضعف أكيدة يحلم بأن يكون خليفة الله في الأرض في دولته التي يتخيل. ولو أنه تحدث بغير استشهاداته التي يرددها دائماً بطرح رؤية عصرية واضحة مؤمنة قوية عقلانية واقعية فقد يساهم هذا في معالجة الخلل الذي يتحدث عنه. هو ببساطة يثير أكثر من سؤال وأولها وماذا بعد؟! هل ستفاجئنا كل شهر بنفس الحديث عن الإمبريالية والعيب؟ لو أن الحديث سلاح لكانت أمريكا بعدنا بمراحل والظواهري بهذا ظاهرة صوتية تضاف إلى مسيرة الكلام.
ورزقي على الله..[line]المواطنة ‏.‏ والمواطن البسيط‏!‏

د‏.‏ وحيد عبد المجيد

الاهرام
عندما استقر مبدأ المواطنة في القرن التاسع عشر باعتباره أساسا للدولة الوطنية التي تقوم علي المساواة بين المواطنين‏,‏ لم يكن دعاة هذا المبدأ يتخيلون أن تبقي ثمة شكوك فيه حتي الآن‏.‏ كان التصور السائد لديهم هو أن هذا المبدأ سينتشر في العالم كله‏,‏ وأنه لن تمضي عقود حتي تكون المواطنة هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة‏..‏ أي دولة‏.‏

وقد حدث شيء من ذلك‏,‏ بل الشيء الكثير في مختلف مناطق العالم‏.‏ ولكن بقي عدد معتبر من بلاد الشرق الأوسط استثناء حتي يومنا هذا بدرجات مختلفة‏.‏ ويمكن تفسير هذه المفارقة بثلاثة عوامل‏.‏ أولها وأهمها هو أن الكثير من المواطنين العاديين البسطاء افتقدوا الحرية والعدل في دولهم الوطنية‏.‏ وإذا كانت المساواة ضرورة لتحقيق المواطنة‏,‏ فكذلك الحرية والعدل‏.‏

وثانيها موقف بعض اتجاهات الفكر الإسلامي‏,‏ ثم حركات الإسلام السلفي والإسلام السياسي‏,‏ تجاه الأقليات غير المسلمة‏.‏ أما العامل الثالث فهو موقف قسم من أنصار الفكر القومي العربي والتركماني والفارسي إزاء الأقليات‏.‏ وقد ساهمت هذه العوامل‏,‏ كل بمقدار‏,‏ في إضعاف وتيرة التحديث السياسي الذي بقي شكليا في الغالب الأعم‏.‏ فنشأت وتطورت هياكل الدولة الوطنية في كثير من بلاد المنطقة دون أن يستقر ويتجذر بعض من أهم مبادئها‏,‏ وفي مقدمتها مبدأ الموطنة‏.‏ فقد ظهر هذا المبدأ وبدأ يتنامي في سياقات مختلفة أهمها سياق النضال ضد الاستعمار‏,‏ ثم أخذ في التراجع في ظل الحكم الوطني لأنه لم يصل إلي الرسوخ الذي يحميه من الاهتزاز‏.‏

وكان هذا الموضوع واحدا من موضوعات كثيرة تطرق إليها النقاش في الحوار المصري‏-‏ التركي الأول الذي نظمه مركز الدراسات السياسية بالأهرام ومنتدي ابانت للحوار تحت عنوان‏(‏ الإسلام والغرب والحداثة‏).‏ صحيح أن مبدأ المواطنة يعلو الحداثة ويتجاوز أي خلاف علي نوع التنظيم الاجتماعي‏-‏ السياسي الأفضل‏,‏ أو هكذا ما يجب أن يكون‏.‏

ومع ذلك فلا يمكن أن يكون مثل هذا التنظيم حديثا بدون مساواة بين المواطنين جميعهم في الحقوق والواجبات‏.‏ وبالرغم من أن مصر وتركيا في وضع أفضل بكثير من بلاد أخري في المنطقة‏,‏ فهناك مشكلات تتعلق بالمواطنة فيهما بدرجات مختلفة‏.‏ ولكن يسجل لمصر أنها تتعامل مع بعض هذه المشكلات الآن في إطار التعديل الذي سيحدث في الدستور‏.‏ فقد طلب الرئيس حسني مبارك إلي البرلمان أن يتضمن التعديل نصا صريحا ومباشرا علي مبدأ المواطنة في المادة الأولي‏.‏

وعندما يكون في الدستور المصري منذ عام‏1923‏ نص واضح وقاطع علي المساواة بين المواطنين جميعا بغض النظر عن الأصل والدين والجنس‏,‏ يصبح الاتجاه إلي النص صراحة علي مبدأ المواطنة دالا علي وجود مشكلة في الواقع وشعور متزايد بها‏.‏ غير أن هذه المشكلة ليست مقصورة علي طبيعة العلاقة بين مسلمي مصر ومسيحييها والتي يجري التركيز عليها‏.‏ فهناك أيضا مسألة العلاقة بين المسلمين بعضهم البعض وكذلك المسيحيون‏,‏ خصوصا بين المواطن العادي البسيط الذي لا يملك قوة المال والنفوذ والجاه وقطاع من النخبة التي تستحوذ علي القوة بمصادرها المختلفة‏.‏

وإذا كان الأمر كذلك‏,‏ فقد لا يكون إضافة نص صريح علي مبدأ المواطنة إلي الدستور كافيا‏.‏ فإذا لم يتواكب النص الدستوري مع إصلاح فعلي‏,‏ ربما يتحول هذا النص من دواء شاف إلي مصدر إضافي للعلة خصوصا مع سعي بعض القوي السياسية‏-‏ الدينية إلي تشويه القصد من وراء ذلك النص‏.‏ فيروج بعض أنصار هذه القوي لفكرة أن الهدف من النص علي مبدأ المواطنة في المادة الأولي من الدستور المصري هو تفريغ المادة الثانية المتعلقة بالشريعة الإسلامية من مضمونها وفي هذا الخطاب تضليل مقصود‏,‏ ولكنه يمكن أن ينطلي علي البعض‏,‏ وربما علي الكثير من الناس‏,‏ في مجتمع تفوق الأمية السياسية فيه الأمية الأبجدية وفي ظل ضعف الثقة في المؤسسات السياسية‏.‏
ومع ذلك‏,‏ فليس صعبا كشف أغراض هذا الخطاب أو إضعاف تأثيره عبر إعادة صوغ مبدأ المواطنة في شموله‏,‏ وليس فقط في جانبه المتعلق بعدم التمييز علي أساس ديني ومنع استغلال الدين في السياسة‏.‏ فالمواطنة ليست ذات بعد واحد‏.‏ وإذا كان بعدها الخاص بأن أهل مصر هم مصريون أولا ولا تمييز بينهم علي أساس الدين مهما‏,‏ فكذلك الأمر بالنسبة إلي كرامتهم الشخصية ومراكزهم القانونية في الدولة والمجتمع‏.‏

فأحد أكثر ما يؤدي إلي تصدع مبدأ المواطنة هو شعور بعض المواطنين البسطاء بأنهم أقل شأنا وأدني كرامة من غيرهم لأنهم ضعفاء أو فقراء‏.‏ وهذا شعور ازداد في مصر من جراء التحول الاقتصادي‏-‏ الاجتماعي العشوائي الذي حدث في عهد الرئيس الراحل أنور السادات‏.‏ فقد أحدث هذا التحول تغييرا كبير في الخريطة الاجتماعية وفي التفاعلات بين الفئات المختلفة وفي أنماط القيم السائدة‏.‏ وأدي ذلك إلي تنامي شعور بعض‏'‏ كبار القوم‏'‏ بقوتهم في ظل ضعف القيم التي تعصمهم من الانزلاق إلي استضعاف غيرهم‏.‏ وترتب علي ذلك‏,‏ بطبيعة الحال‏,‏ ازدياد شعور بعض الضعفاء بهوانهم أمام جبروت السلطة والمال‏.‏

وينعكس ذلك علي الشعور بالمواطنة‏.‏ ولا سبيل إلي ترسيخ مبدأ المواطنة بدون إنهاء التمييز الفعلي حتي لو كان محدودا بين أصحاب القوة والنفوذ والمال من جانب والضعفاء والفقراء من جانب آخر‏.‏ وإذا لم نتخذ الإجراءات اللازمة للقضاء علي هذا النوع من التمييز‏,‏ قد يكون سهلا للقوي التي تسعي إلي تشويه النص علي مبدأ المواطنة في الدستور المصري ووضعه في مواجهة الإسلام أن تحقق أهدافها‏.‏ ومن أهم هذه الإجراءات المطلوبة آليات واضحة ومحددة ويسيرة يلجأ إليها المواطن الضعيف الذي يتعرض إلي ظلم أو قهر أو بطش من جانب أقوياء قادرين بنفوذهم علي أن يضعوا أنفسهم فوق القانون‏.‏

وفي هذه الحالة‏,‏ يكون الطريق إلي ترسيخ مبدأ المواطنة قد بات ممهدا يحرسه ويحافظ عليه مواطنون متساوون فعلا‏-‏ وليس فقط قولا أو نصا‏-‏ في الحقوق والواجبات‏.‏ فليس هناك ما هو أكثر ترسيخا لمبدأ المواطنة من أن يجد الناس مصلحة أكيدة لهم فيه وفي تطبيق ما يترتب عليه من حقوق وواجبات‏.‏ وهذه حالة لا يكفي لبلوغها نص دستوري أو نصح ووعظ أخلاقي وإفاضة في شرح مزايا المواطنة ومناقبها‏.‏[line] هل يؤدي ارتفاع الأسعار إلى الفقر والتطرف

محمد علي الهرفي

الوطن
مما ورد واشتهر أن الفقر كاد يكون كفراً وأنه - أي الفقر - لو كان رجلا لاستحق القتل، ومن هنا رأينا أن من أدبيات الإسلام دفع الفقر عن كل المسلمين عن طريق الزكاة والصدقة وبيت مال المسلمين - أي وزارة المالية - حسب المسميات المعاصرة، كل ذلك لأن الفقر يؤدي بالضرورة إلى سلبيات قاتلة تطال المجتمع المسلم إن لم يبادر هذا المجتمع إلى حلها.

وزارة التجارة من المفترض فيها أن تحارب الغلاء والذين يدفعون بالأسعار إلى الارتفاع بدون مبرر ولكننا لا نراها تفعل ذلك أو شيئا منه بل إنها في معظم أعمالها تبرر لهذا الغلاء وتسوغ لكل التجار الجشعين أن يستمروا في أعمالهم غير المشروعة وليتنا نعرف سبب هذا التصرف الذي لا مبرر له على الإطلاق.

كلنا يتذكر أن الدولة عندما رفعت رواتب الموظفين 15% تخوف الكثيرون من أن هذه الزيادة قد تذهب إلى جيوب التجار ولكن الوزارة آنذاك تعهدت بأن هذه المسألة لن تتم وأن عيونها ستراقب الوضع عن كثب وأن قوانينها الصارمة ستلاحق كل المتلاعبين، ولكن هذه التعهدات ذهبت أدراج الرياح ولم نر شيئا منها، وتحققت مخاوف الأكثرية فذهبت تلك الزيادة ومعها مثلها أو أكثر منها إلى جيوب التجار.

من اللافت للنظر أن وزارة التجارة دأبت ومنذ زمن طويل على نفي كل ما يقال عن وجود زيادة في الأسعار، ويحار العاقل - وغير العاقل - في معرفة سر هذا النفي المتكرر، فهل هؤلاء - النفاة - لا يذهبون إلى الأسواق ليعرفوا حقيقة ما يجري فيها، أم إن "النفي" أصبح سمة وهي سمة ليست جديدة في كل وزاراتنا سابقا وإن كانت معظم الوزارات اكتفت بالصمت إزاء ما يقال عنها في الغالب. لكن هذا النفي المتكرر لم يستطع الصمود طويلا وإن كان البديل عنه محاولة تبريره.
معالي وزير التجارة في حديثه أمام الشورى قال إن ارتفاع الأسعار ظاهرة عالمية وإن هذا الارتفاع أثر على أسواق المملكة، وقال معاليه أيضا: إن الأسعار تخضع لمسألة العرض والطلب وإن المواطن يستطيع أن يجد بدائل للبضائع ذات الأسعار المرتفعة.

أعتقد أن الوزارة لا تصلها تقارير دقيقة عما يجري في أسواقنا لأننا لو أخذنا بقول ارتفاع الأسعار عالميا فكيف نستطيع تصديق أن هذا الارتفاع العالمي يؤثر على بضائع يتم إنتاجها في بلادنا.
المواد الغذائية المنتجة محليا كلها مرتفعة بشكل كبير وبعضها ارتفع أكثر من الضعف ومثلها مواد بناء منتجة محليا أيضا، فكيف يسمح بارتفاع أسعار هذه المواد التي لا علاقة لها بالخارج؟.

الوزارة تقول إنها تقوم بمراقبة الأسعار بصورة دورية، وتقول كذلك إن هذه المراقبة المستمرة أكدت لها أن الأسعار الحالية ناتجة عن سلامة آليات العرض والطلب في السوق، أي بعبارة مختصرة أن كل شيء على ما يرام وأن على كل الأصوات الناشزة أن تصمت معتمدة على تقارير الوزارة المباركة.

ويبدو أيضا أن لجان الوزارة التي لم تتوقف عن مراقبة الأسواق مصابة برقة قلب نادرة المثال لأن هذه اللجان أكدت أن كل ممارسات التجار طبيعية ولا تستدعي تطبيق أي عقوبات عليهم؟ لكن المواطن (الغلبان) لا بأس أن يتلقى عقوبات رادعة كلما دخل السوق لأن آليات الوزارة لا تنطبق عليه.

أما طرائف ما حصل في مجلس الشورى أثناء الاستماع للوزير ومحاولة معرفة أسباب الغلاء وبعض ما يقال عن "الحلاوة الطحينية" بحسب ما ورد في بعض الصحف فمنها تحميل "الصقيع" لا بارك الله فيه مسؤولية الغلاء، ولعلي أطلب من الجميع أن يدعوا الله لإذابة ذلك الصقيع سريعا ولعل بوادر فصل الصيف تزيل الصقيع وتزيل ارتفاع الأسعار أيضا وسنرى.
ومنها أيضاً القول إن هناك موافقة على إنشاء هيئة لحماية المستهلك وكذلك وكالة لحمايته أيضاً!!

أعتقد أن "الهالك" لا يحتاج إلى كل هذه الهيئات لإنقاذه ففي الوزارة هيئات لهذا الغرض ولكنها لا تؤدي دورها كما يجب فما المصلحة إذن من زيادة هيئات قد لا تحقق شيئا؟ ولكن قمة الطرائف ما نسب إلى مسؤول في مجلس الشورى وهو استحسانه لما قاله الوزير وكأن مهمة المجلس تنحصر في سماع كلام جميل بليغ وإن لم يؤد إلى أي شيء في مصلحة المواطن!!
المواطن ليس في حاجة إلى أقوال فقد ملها من كثرة ما يراها ولكنه بحاجة إلى برنامج عملي ينقذه من واقعه.

نسبة الفقر تتزايد في مجتمعنا، والعاطلون عن العمل تتزايد أعدادهم، وهذا كله يقود ـ حتما ـ إلى انحطاط المجتمع وتزايد الجرائم فيه.
ولعله من المناسب أن أشير إلى ما ذكرته صحيفة الرياض في عددها الصادر يوم 18/2/1428هـ وهي تتحدث عن واقع المتهمين "عبدالله المحمدي" وناصر البلوي" فالأول كان جنديا ثم فصل من عمله لكسله والآخر كان سارق أغنام وعاطلا عن العمل.

أما البيئة التي عاش فيها المتهمان فهي بيئة فقيرة فمعظم أبناء الحي الذي عاشا فيه فقراء والمدرسة التي في الحي تفتقر لأدنى مقومات التعليم الحديث، هذا الوضع السيء وصفه مدير المدرسة المتوسطة التي درس فيها المتهمان بقوله: "إن هذا الوضع أدى إلى وجود شباب عاطل عن العمل أصبحوا من المجرمين ولصوصاً ومتطرفين".
الجريمة لا يمكن تبريرها ولكن يمكن ـ أحيانا ـ تفسير دوافعها وأسبابها، ويمكن أيضا القضاء على هذه الأسباب لتقليل حجم الجرائم ومحاصرتها.

الفقير قد يفعل أي شيء للحصول على لقمة عيشه، وقد يكون صيداً سهلاً لكل المتطرفين لكي يكون واحداً منهم، والخاسر في النهاية هو المجتمع بأكمله فهل يصح السكوت عن الظواهر التي تزيد من أعداد الفقراء في بلادنا؟.
ارتفاع الأسعار يساهم في تزايد أعداد الفقراء ويساهم أيضاً في دفعهم لارتكاب كل الموبقات إذا لم تتخذ خطوات إيجابية وسريعة لوقف ارتفاعها.

ومجلس الشورى مطالب أيضاً بالعمل على تحسين أوضاع المواطنين المادية بكل الطرق والوسائل. هناك مجالس في دول خليجية تطالب باستمرار بزيادة رواتب المواطنين وإعطائهم رواتب لأبنائهم وزوجاتهم وكذلك بدل غلاء وما شابه ذلك مما يحسن أوضاعهم، ومجلسنا مطالب بأن يعمل كما يعمل أولئك.

معاناة مجتمعنا من الجريمة والتطرف ربما لها علاقة مباشرة بالفقر ومن واجب الجميع كل بحسبه أن يحارب هذه الظاهرة ويسعى لحصرها في أضيق نطاق وأعتقد أننا قادرون على ذلك.

*أكاديمي وكاتب سعودي [line]مؤامرة أو لا مؤامرة؟

د. عزيزة المانع

عكاظ

من النغمات الجديدة في الخطاب السياسي العربي الحالي التوجه إلى إنكار وجود من يتآمر ضد المصالح العربية أو الإسلامية، ليس هذا فحسب بل إلى التهكم والسخرية بمن يقول بغير ذلك وتصويره ساذجاً غبياً.

ومن يتأمل في الواقع السياسي يُمكنه أن يلحظ بسهولة كيف أن الوقائع السياسية المضادة للمصالح العربية والإسلامية تتوالد ضمن خطط محكمة مدروسة ومعد لها من قبل بزمن طويل، مما يدل على أنها ليست عشوائية وليست فجائية وإنما هي تسير في خط منتظم يخدم مصالح أصحابها، التي أحيانا لا تتحقق إلا عبر الإضرار بالمصالح العربية، وهذا الواقع وحده كفيل بأن يجعل العين المراقبة تقتنع بأن هناك أهدافاً ترسم وخططاً تحاك، وأن إنكار ذلك ما هو إلا كإنكار ضوء الشمس.

يقول أحد المفكرين العرب منتقداً العقل العربي، إن من عيوب هذا العقل: «الخضوع لفكرة المؤامرة الغربية الأبدية على العرب والإسلام». فهذا المفكر وأمثاله يضع اللوم في تردي الوضع العربي على تراخي العرب في مواجهة ما يصيبهم من ويلات بسبب الاستناد إلى فكرة المؤامرة التي تجعلهم يشعرون أنهم معفون من مواجهة المشكلات والاجتهاد في القضاء عليها. وما يقوله هذا المفكر يتضمن أن العيب ليس في القول (بالمؤامرة) قدر ما أنه فيما يصحب ذلك القول من سلوك. حيث يؤدي إلى الاستكانة واليأس والركون إلى الاستسلام.

لكنه، حسب ما أرى، ليس دائماً يكون القول بالمؤامرة مُحبطاً، فأحياناً يكون الاعتقاد بوجود مؤامرة، حتى وإن لم تكن هناك مؤامرة، مفيداً في دفع أصحابه إلى أخذ الحيطة، والاستعداد، والعمل من أجل إفساد ما يُحاك. وعلى نفس المنوال، فإن القول بإنكار المؤامرة قد لا يكون بالنافع دائماً، بل إنه قد يؤدي إلى الثقة العمياء والى حسن الظن الموقع في الغفلة فيؤخذ العرب من مأمنهم.

وفي ظني، فإنه لا القائلين بالمؤامرة سذج، ولا القائلين بنفيها أذكياء، وإنه لا مزية لواحد منهما على الآخر سوى متى ترجم قوله ذاك إلى سلوك عملي يثبت صدق ما يقول.

كاتبة سعودية [line]

castle
18-03-2007, 08:32 AM
الاحـد 28 صفـر 1428 هـ 18 مارس 2007


شهر المتغيرات وقمة القرارات لمواجهة الانهيار الكبير

عادل مالك

الحياة

مجموعة أحداث وتطورات تسارع وقوعها في فترة زمنية متقاربة جداً أدت في مجملها إلى تحريك المياه الراكدة على غير صعيد وفي أكثر من اتجاه في المنطقة من لبنان إلى إيران مروراً بسورية والعراق ومصر وفلسطين أكدت كلها أن الفترة الراهنة هي مرحلة المتغيرات التي ليس بالضرورة أن يكون طابعها يتسم بالايجابيات الحتمية. ذلك أن الرياح والأعاصير عندما تعصف تجتاح معها الكثير باسم التغيير وتجديد الأمر الواقع.

ونتوقف عند بعض هذه المحطات.

• اجتماع بغداد الذي التقت فيه لأول مرة الولايات المتحدة ودول الجوار العراقي وسورية وإيران بالاضافة إلى ممثلي الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن. ولأن الديبلوماسية تكتسي أحياناً ثوب المراوغة والرياء فقد تم نفي حدوث أي اتصال مباشر بين السفير الأميركي وممثلي سورية وإيران، لكن السفير زلماي خليل زاد الذي ودّع بغداد بهذه المهمة وانتقل إلى موقعه الجديد كسفير في الأمم المتحدة كشف لصحافيين أميركيين فقط، ما الذي جرى، وسمحت وزارة الخارجية الأميركية بالمعلومات التالية: «التقينا وحيينا الوفدين السوري والإيراني وكان لدينا حديث قصير مع كل واحد منهما... ذكرت قضية التدخل وقضية الأسلحة التي تدخل البلد والأشخاص الذين يأتون عبر الحدود، وقضية الأموال والتدريب ودعم الميليشيات والجماعات المسلحة غير الشرعية».

ويضيف: «هناك تبادل للحديث أحياناً بشكل صريح وأحياناً أخرى بشكل ينطوي على المزاح».

ولم يكن متوقعاً من اجتماع بغداد التوصل إلى حلول سحرية للوضع المتفجر في العراق لكن الأهمية تكمن في حدوث هذا الاجتماع وبمن حضر حيث كانت واشنطن تعارض الأخذ بنظرية بيكر - هاملتون باعتبار دمشق وطهران جزءاً من الحل وليس فقط جزءاً من المشكلة.

وسيعقبه اجتماع آخر في اسطنبول الشهر المقبل لمتابعة مواضيع البحث الأمر الذي يؤكد من جديد المدى الذي بلغه الوضع في العراق من تدهور خطير.

وبعد فشل استراتيجية الهجوم التي تم اعتمادها أخيراً في بغداد وفي بعض المدن العراقية، تعكف الولايات المتحدة على تنفيذ ما يمكن تسميته باستراتيجية التراجع... واعادة التموضع، ومراجعة جدولة الانسحاب العسكري. ويتلاقى هذا التطور مع أمور أخرى. فقد أعلن القائد الجديد للقوات الأميركية الجنرال ديفيد بتريوس بكل وضوح أن لا حل عسكرياً للوضع في العراق مغلباً الحلول السياسية عن طريق مفاوضة الفصائل والأطراف والجبهات التي حولت العراق إلى جحيم وهي تهدد بما هو أعظم. وها هي الأرقام تعكس الصورة للخسائر الأميركية. عدد القتلى: ثلاثة آلاف وثلاثمئة جندي (حتى كتابة هذه السطور)، وعدد الجرحى يزيد على أربعين ألفاً. أما عدد الطائرات المروحية التي تم إسقاطها فقد تجاوز المئة بما أصبح يعرف «بمجزرة البلاك هوك». وهناك احصاءات لافتة حيث أن حرب العراق هي الحملة العسكرية الأولى الطويلة التي تخوضها الولايات المتحدة بجيش بأكمله من المتطوعين بالمقارنة مع 12 في المئة من العدد الاجمالي للسكان شاركوا في الحرب العالمية الثانية. كما شارك اثنان في المئة في حرب فيتنام. أما في حرب العراق وأفغانستان فلم يشارك سوى أقل من نصف في المئة من المحترفين.

وينعكس المأزق العسكري العراقي على أجواء الكونغرس في واشنطن حيث يقود الديموقراطيون حملة عنيفة لإرغام إدارة الرئيس جورج دبليو بوش على إعداد جدول متكامل بالانسحاب من العراق.

كل هذه التطورات تعني سقوط مبدأ الحروب الاقتحامية، وفشل سياسة الحروب الاستباقية التي قامت عليها نظرية الرئيس بوش. ويشير المتابعون عن كثب للشأن العراقي إلى ضرورة توقع المزيد من التطورات الدراماتيكية التي سترغم واشنطن على تسريع عملية سحب قواتها علماً أن المأزق يكمن في زاويتين: لا الانسحاب السريع يحل الإشكال، ولا البقاء الطويل في العراق سيوقف الحرب.

أي أن الحل العسكري سقط وأن الحلول الأخرى دونها صعوبات كثيرة.

* التطور الآخر اللافت، انعكاس القمة السعودية - الإيرانية على الوضع في لبنان. فبعد انقضاء اعتصام المئة يوم من قبل المعارضة ظهر التمني السعودي بضرورة التقاء الرئيس نبيه بري بالسيد سعد الحريري وهذا ما حدث. ومع كل ما يمثله هذا التطور من اختراق في الجدار المسدود فليس سهلاً تصور الوصول إلى حل للأزمات المتراكمة كافة، وأقصى ما يمكن التوصل إليه التفاهم على «سلة حلول» يبدأ تطبيقها على مراحل وتكون الأولوية لتأمين ترتيب متزامن بين الموافقة على المحكمة ذات الطابع الدولي، وعلى تفاصيل حكومة الاتحاد الوطني. وهناك رغبة ملحة في التوصل إلى «تسوية ما» قبيل انعقاد القمة العربية في الرياض في الثامن والعشرين من آذار (مارس) الحالي، إلا أن بلوغ مراحل الحل بعد «حلحلة» بعض العقد دونها الكثير من العقبات، لكن التفكير في تواصل الأزمة والتداعيات الخطيرة التي تترتب على ذلك توجب على الأطراف اللبنانية المختلفة تقديم تنازلات للوصول إلى حل، حتى لا يتحول تطبيق شعار «لا غالب ولا مغلوب» الذي يرفعه جميع الوسطاء إلى أزمة جديدة، إذ أن الأزمات الكبرى لا تنتهي في العادة إلا بشعور كل طرف بالحصول على مكاسب.

* ويتداخل مع حل الأزمة اللبنانية تطور آخر تمثل بزيارة خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية في المجموعة الأوروبية إلى دمشق بعد قطيعة تواصلت على مدى سنتين. ووجدت الأطراف الأوروبية أنه لا بد من محاورة النظام في سورية وطلب مساعدته في إخراج لبنان من الوضع الصعب والمعقد القائم حالياً.

وحتى لا تعتبر هذه الخطوة تراجعاً حرصت المصادر الأوروبية على وصفها بأنها كانت لممارسة «المزيد من الضغوط على الرئيس بشار الأسد»، فيما أكد الرئيس السوري أن الأمر يعود إلى اللبنانيين للتفاهم على حل ما بينهم... وأن سورية تؤيد ما يتفق عليه اللبنانيون.

فمن الذي يتذاكى على الآخر هنا؟

انه تحول أوروبي يتوقع البعض أن تلاقيه دمشق في منتصف الطريق مقابل الحصول على بعض «الحوافز».

وبانتظار ذلك ما زال الوضع في لبنان في عنق الزجاجة بانتظار ما ستسفر عنه ضغوط الساعات والأيام القليلة المقبلة حيث يبرر الفشل بالشيطان حيث التفاصيل.

* تطور آخر حدث وتمثل بزيارة نائب الرئيس السوري فاروق الشرع إلى القاهرة وتقديم بعض الايضاحات حول الأزمة التي نشبت إثر خطاب للرئيس الأسد تحدث فيه عن «أنصاف الرجال». فإذا به يبلغ الرئيس حسني مبارك أن القصد لم يكن يستهدف بعض الزعماء العرب، بل بعض زعماء الدول العربية الصغيرة!.. والواضح - حتى الآن - أن الرئيس بشار الأسد سيشارك في قمة الرياض ويجري العمل على ترتيب قمة ثنائية بينه وبين المضيف الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وكما أبلغ أمين عام الجامعة العربية السيد عمرو موسى الزميل غسان شربل أن قمة الرياض لن تكون «قمة بيانات» بل ان التركيز سيجري على الصراع المذهبي والطائفي الذي يجتاح المنطقة. وعليه يؤمل أن تكون قمة الرياض هي قمة القرارات الاستثنائية لا البيانات الرتيبة التي عهدناها في مؤتمرات القمم السابقة والتي لا تغني ولا تسمن من جوع!

* أما «الاختراق الآخر» فهو قيام حكومة الاتحاد الوطني في فلسطين تنفيذاً لمقررات لقاء مكة المكرمة. وأمام هذه الحكومة العديد والكثير من المهام الصعبة لانتشال الوضع الفلسطيني مما هو فيه وعليه. ورغم أن رد الفعل الإسرائيلي الفوري لم يكن مشجعاً من حيث القول بعدم الاعتراف بهذه الحكومة أو التعاطي معها، فان المراقبين المتابعين لهذا الشأن يعتقدون بأن حكومة ايهود أولمرت لن تلقي بأوراق التطرف التي تنادي بها بسهولة والدليل على التناقض في الموقف الإسرائيلي هو الإعلان الصادر عن أكثر من مسؤول - وتحديداً رئيس الحكومة ووزيرة الخارجية تسيبي لفني من أن «المبادرة العربية» التي ستعرض على قمة الرياض تتضمن «بعض الايجابيات»! وهذا يحدث لأول مرة مع استمرار إسرائيل في ممارسة الضغوط وطلب إسقاط حق العودة للفلسطينيين والوارد في القرار رقم 194.

ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت الذي تدنت شعبيته إلى إثنين بالمئة فقط يواجه ضغوطاً كثيرة. ومثال على ذلك ما نشر في صحيفة «هآرتس» بقلم الوف بن من «حيث ضرورة موافقة إسرائيل على المبادرة السعودية - العربية حتى ولو كأساس للمفاوضات، فان هذه الخطوة سيكون بوسعها أن تكون بداية لاستئناف المسيرة السياسية العالقة مع الفلسطينيين»، ومقال آخر في نفس الصحيفة يتهم أولمرت بالعودة إلى «أسلوب المناورة والطرق الالتفافية بدلاً من السير على سكة السلامة الواضحة التي شقها العاهل السعودي من مكة إلى الرياض»... فما الذي يوجد لديه حتى يخسر هذا الشخص مع 2 في المئة تأييداً شعبياً»؟

ونصل في شهر القرارات والمتغيرات في القضايا المفصلية والجوهرية إلى القمة العربية التي ستعقد في الرياض حيث تتجه الآمال العربية العريضة إليها نظراً لدقة وحساسيات الظروف التي تنعقد فيها. والواضح أن المملكة العربية السعودية لا تريد هذه القمة كسائر القمم الروتينية، بل تريدها بداية لعمل عربي مشترك ينقذ الأمة من المخاطر الكثيرة التي تتهددها. لكن استعداد المضيف يجب أن يقابله استعداد آخر من جانب المشاركين من الزعماء العرب.

حتى لا يُقال أن العرب فوتوا فرصة مهدورة من جديد. وحتى لا يبقى التهديد من المخاطر التي تواجه المنطقة من نوع القنابل الصوتية التي تحدث الجلبة والضوضاء لكنها لا تفيد في بلوغ الحلول الايجابية.

ومن بيروت إلى طهران مروراً بدمشق والقاهرة وبغداد وفلسطين والأزمات التي تعصف في كل مكان ما بطن منها وما ظهر يهدد بأوخم العواقب.

لذا يجب التحرك الايجابي والسريع حتى لا يضيع العرب فرصة جديدة قد لا تتكرر في المستقبل القريب لوضع حد للتدهور الخطير الماثل أمام الجميع الذي لن يوفر أحداً في حال استعار المزيد من الحروب والنيران.

مطلوب سقوط الأنانيات العربية، والسياسات الفردية، والارتقاء إلى مستوى حراجة وخطورة المرحلة وإلا سيلقى المقصرون عقابهم في هذه الدنيا وفي الآخرة بتهمة التقصير بحق البلاد والعباد والتخاذل في مواجهة الانهيار الكبير.

* كاتب لبناني.[line]
انقلاب تاريخي كبير (2)

"معاهدة بكين" بعد "معاهدة وستفاليا"

سعد محيو

الخليج

أية قوانين جديدة للعلاقات الدولية وللنظام العالمي متعدد الأقطاب، ستنبع ليس من ردهات كليات الحقوق ومن تحت أقواس محاكم العدل الدولية، بل من فوهة بورصات الاقتصاد المستند إلى العلم والتكنولوجيا.

والسبب واضح: القوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت تقاس بجبروت العقول لا بسطوة أقدام الجنود. المعرفة باتت هي السلطة. باتت المدخل الرئيسي إلى الثروة.

ولأن الأمر على هذا النحو، يبرز الدور الكبير الذي ستلعبه الصين والهند وبقية النمور الآسيوية في صياغة قوانين النظام العالمي الجديد.

كتب جيمس بولسن، المحلل الاستراتيجي الاقتصادي البارز: “العالم يشهد الآن أول انتعاش للاقتصاد العالمي تلعب فيه الدول النامية الدول المهيمن. وبرغم أن الصين تأتي على رأس هذه الدول، إلا أن حمى النمو والتوسع الاقتصاديين تجتاح كل أنحاء آسيا كبقعة الزيت، تماماً كما حدث في أوروبا في القرن التاسع عشر، حين انتشرت حمى الصناعة من بريطانيا إلى بقية أنحاء أوروبا”.

وكتبت مؤسسة الاستثمار الدولية “بريدجووتر انفستمنت فيرم”: للمرة الأولى في التاريخ الحديث، بات نمو الاقتصاد العالمي يعتمد ليس على توسع الاقتصاد الأمريكي أو الأوروبي أو حتى الياباني، بل على دول مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وبقية النمور الاقتصادية الجديدة.

هذا التطور الدولي المستجد له أسنان رقمية هذه بعضها:

الصين والهند تخرّجان مليون مهندس سنوياً، فيما الولايات المتحدة وأوروبا لا تخرّجان أكثر من 170 ألفاً.

حتى لو فرضنا أن نسبة المواهب العلمية في الغرب أكبر منها في الشرق، فهذا لن يغير من الأمر شيئاً، وسيبقى التفوق الآسيوي مستمراً بفعل العامل الديموغرافي الساحق لمصلحة الصين والهند وبقية الدول النامية الصاعدة.

كلفة تشغيل مهندس أو كيميائي أمريكي، توازي كلفة تشغيل خمسة في الصين وأحد عشر في الهند. والسبب لا يعود إلى الفرق في النوعية العلمية بل إلى اختلاف معدلات الأجور.

القوى الصاعدة الآسيوية لا تزال حتى الآن منهمكة في معضلاتها التنموية الاقتصادية، تاركة عبء إدارة العالم سياسياً لأمريكا. لكن هذه لن تكون سوى مرحلة مؤقتة ستليها حتماً أخرى ستطالب فيها هذه القوى بمقاعد بارزة في قمرة القيادة الدولية. وحينها سيعاد النظر في القانون الدولي المسير للنظام العالمي. حينها ستسقط نهائياً “معاهدة وستفاليا” 1648 التي تقاسم بموجبها الغرب العالم الثالث في إطار امبراطورياته الاستعمارية، لتولد مكانها معاهدة ربما سنطلق عليها قريباً “معاهدة بكين”.

علام ستنص هذه المعاهدة؟

على أحد أمرين: إما التأسيس لامبراطورية عولمة أمريكية آسيوية مشتركة، “تقوم بقذف اوروبا ودورها في العالم إلى أعماق المحيط الأطلسي” (على حد تعبير نعوم تشومسكي)، أو إرساء نظام تعددية قطبية جديدة من الثلاثي الأوروبي الأمريكي الآسيوي يستند إلى مفهوم توازن القوى القديم في القرن العشرين، بيد أنه يختلف عنه جذرياً كونه يرضع من حليب قرية اقتصادية عالمية موحدة.

لكن، وبغض النظر عن أي من هذين السيناريوهين الذي سيستقر عليه النظام العالمي، ثمة حقيقة لم يعد بالإمكان القفز فوقها: الانقلاب التاريخي في العالم بدأ ولن يعود إلى الوراء.

فلنحبس الأنفاس[line]
الكتاب الأسود لجرائم إسرائيل

رجـب البنـا

الاهرام

عندما أرسي القانون الدولي المبدأ المستقر الآن بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم‏,‏ كان يعبر عن ضرورة من ضرورات اقرار السلام بعد الحروب علي أساس صحيح‏.‏

واذا تمت محاسبة مجرمي الحرب علي جرائمهم فإن الشعوب تطمئن إلي صدق نيات الطرف الآخر‏,‏ وحرصه علي إقامة علاقات سلمية حقيقية‏.‏ من هنا فإن المطالبة بمحاكمة المسئولين عن جرائم الحرب الاسرائيلية لا تعني نكوصا عن السعي إلي السلام ولا مطالبة بإلغاء المعاهدات والاتفاقات‏,‏ ولكنها تعني الرغبة في إغلاق ملفات الحروب السابقة بعد تهدئة مشاعر الغضب الشعبي‏,‏ الذي لن يزول بالكلمات ولا بمرور الزمن وسيبقي حيا في الذاكرة القومية‏,‏ ولن تفيد محاولات التهدئة الاعلامية أو المناورات السياسية أو التصور الخاطيء بأن الشعوب يمكن أن تفقد الذاكرة بمضي الوقت وتنسي المآسي والجرائم‏.‏

ومواقف اسرائيل هي الدليل علي ذلك‏,‏ فقد ظلت تطالب بمحاسبة المسئولين عن المحرقة والمجازر الجماعية التي ارتكبها النظام النازي‏,‏ وشكلت الصهيونية العالمية فرق الموت التي اسموها صيادي النازي تعقبت كل من شارك في هذه الجرائم من القادة والجنود الالمان وقامت بقتل الجميع واحدا واحدا في المخابيء والملاجيء التي هربوا اليها في انحاء العالم وكان آخرهم في إحدي دول امريكا اللاتينية وكان قد شارف علي التسعين من عمره‏,‏ وظلت اسرائيل بعد ذلك وإلي اليوم تقدم ملف جرائم النازي في كل مناسبة وإلي كل هيئة دولية ومنظمة لحقوق الإنسان وتضغط علي الحكومات الالمانية المتعاقبة إلي أن حصلت علي تعويضات بلغت مليارات الدولارات‏,‏ وفرضت علي كثير من دول الغرب اقامة متاحف لجرائم النازي ضد اليهود‏,‏ بحيث لاتجد مدينة كبري في الولايات المتحدة وألمانيا وبقية دول أوروبا إلا فيها متحفا يضم صور القتلي بالحجم الطبيعي ومخلفات وآلات التعذيب والقتل وقصص المجازر والأفران‏..‏

والعالم كله ـ بما في ذلك ألمانيا ـ يقر بحق اسرائيل في عدم نسيان هذه الجرائم ومعاقبة من ينكرها‏,‏ ويدعم مطالبتها بمحاكمة المجرمين وبقيامها بالانتقام منهم دون محاكمة‏.‏

ولم تصدر من العالم العربي كلمة تطالب اليهود بنسيان هذه الجرائم أو بعدم إثارة المطالبة بالمحاكمة والتعويض حتي لاتفسد علاقة الصداقة القوية القائمة الآن بينها وبين ألمانيا الجديدة التي تدين حكم النازي‏.‏

بالمنطق نفسه يجب ان يتعامل العرب مع جرائم الحرب الاسرائيلية التي ارتكبتها القوات بأوامر من قادة معروفين بالاسم بعضهم مات وبعضهم مازال حيا‏,‏ والمطالبة بمحاكمتهم ليست إلا تطبيقا للقانون الدولي‏,‏ ومطالبة بحق من حقوق الانسان وحقوق الشعوب لايملك أحد انكاره‏,‏ وإلا فلماذا انشئت المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب‏,‏ ولماذا وقعت دول العالم اتفاقيات جنيف التي تنظم القواعد الأخلاقية والقانونية والانسانية للتعامل مع أسري الحرب‏,‏ فليس تجاوزا أن تقف الدول العربية وقفة رجل واحد وتطالب بمحاكمة هؤلاء المجرمين‏.‏

والبداية هي اعداد لائحة الاتهام وحصر جرائم الحرب التي ارتكبتها العصابات الصهيونية من قبل إنشاء دولة اسرائيل والتي اصبحت نواة لجيش الدفاع الاسرائيلي بعد ذلك‏,‏ واصبح قادة هذه العصابات قادة عسكريين وسياسيين لدولة اسرائيل‏,‏ بالاضافة إلي جرائم الحرب التالية‏,‏ وهذه الجرائم معروفة ومسجلة باعترافات قادة اسرائيل انفسهم في مذكراتهم وفي الافلام التسجيلية التي يعرضونها في أنحاء العالم منذ سنوات‏,‏ وفي كتب المؤرخين الاسرائيليين‏,‏ كما أنها مسجلة في تقارير دولية مثل الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الانسان وفي الأمم المتحدة‏.‏

ولأن هذه الجرائم طالت ابناء كل البلاد العربية‏,‏ ولكل بلد عربي ضحايا لها‏,‏ فإن مهمة اعداد الكتاب الاسود للجرائم الاسرائيلية تقع علي عاتق جميع الدول العربية‏,‏ واذا لم تقم الجامعة العربية بهذا العمل القومي فماذا يمكن ان تقوم به؟ [line]

castle
20-03-2007, 07:44 AM
الثلاثـاء 01 ربيـع الاول 1428 هـ 20 مارس 2007


سباق التسلح وإعادة عسكرة العالم: من يهدد من؟

مأمون الحسيني

الحياة

تصر الإدارة الأميركية التي تواجه مصاعب جمة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، نتيجة تراكم أخطائها القاتلة التي حولت العالم الى ساحة فوضى شاملة، على إعادة انتاج السياسة المتغطرسة ذاتها في تعاطيها مع الدول الأخرى، بما فيها تلك الكبرى التي تملك مؤهلات التحول الى مراكز قوة خلال العقد المقبل كالصين وروسيا، على رغم المؤشرات المتزايدة على اقتراب أفول هيمنتها وسطوتها التي توسلت القوة العارية والديبلوماسية الفجة خلال السنوات الست الماضية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). فبعد الإعلان عن نية واشنطن نشر منظومة صواريخ دفاعية مضادة للصواريخ في كل من بولندا وتشيخيا، وزعمها، على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، بعد تهديد قائد قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية نيكولاي سولوفتسوف بالرد الحازم على هذه التطور، بأن الخطوة تهدف الى تأمين الحماية من تهديدات الصواريخ الايرانية، ولا يمكنها أن تمثل تهديداً لروسيا، استدارت رايس مئة وثمانين درجة ووجهت تحذيراً واضحاً للصين من مغبة مواصلة تسلحها العسكري، ومن نقل هذا التسلح الى الفضاء الذي شهد يوم 11 كانون الثاني (يناير) الماضي تجربة صينية ناجحة استخدم فيها صاروخ من انتاج محلي لتدمير قمر صناعي قديم كان يستخدم في متابعة الطقس والأحوال المناخية.

التحذير الأميركي الذي عبّر عن قلق عميق، الى حد اعتبار البعض نجاح بكين في نقل تكنولوجيا التسلح الى الفضاء أكثر أهمية من حرب العراق، يتجاوز رزمة من المعطيات الشاخصة ذات الدلالة، ربما كان أهمها أن من حق الصين استخدام هذا النمط من التكنولوجيا، والزعم بأنها تقوم بحماية مصالح القومية بذات الأسلوب والطريقة التي سبق لإدارة بوش أن قامت بها عندما أقدمت على تدمير عدد من الأقمار الصناعية التابعة لها، وأعلنت في آب (اغسطس) الماضي عن معارضتها فرض حظر دولي، متفاهم عليه دولياً، على تسليح الفضاء، كما اعتمدت سياسة تفترض بجرأة حقوقاً وطنية للولايات المتحدة في الفضاء. وهو ما يعني، في حال عدم العودة من قبل الجميع ولا سيما الولايات المتحدة، الى الالتزام بالتفاهم الدولي الخاص بتحييد الفضاء، اتجاهاً نحو جولة جديدة من سباق التسلح في الفضاء شبيهاً بذلك السباق الذي أعقب اطلاق الاتحاد السوفياتي السابق للقمر الصناعي «سبوتنيك» في العام 1975، أو سباق التسلح الصاروخي في الثمانينات الذي قاد الى إفلاس الاتحاد السوفياتي، وتالياً الى انهياره، وذلك على رغم أن الصين لا تزال متخلفة عن الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا الفضائية التسليحية، من دون استبعاد ما يردده بعض المحللين من أن الخطوة الصينية ليست أكثر من تكتيك أريد به إظهار قدرات الصين المتنامية، ومساومة الولايات المتحدة على بعض الملفات الأخرى.

وللتذكير، فإن الرئيس جورج بوش كان قد رفض، في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، عقد أي اتفاقيات للسيطرة على التسلح تحد من قدرة الولايات المتحدة على تطوير أسلحتها والحفاظ على تفوقها العسكري، وهدد بالتصدي لأي دولة تسعى لتهديد المصالح الأميركية في الفضاء. وهو ما جعل الصين الدولة الأكثر تخوفاً من الهيمنة الأميركية على الفضاء، وكذلك من التحركات السياسية والعسكرية الأميركية في الشرق الأوسط ووسط وشرق آسيا. وتعززت هذه المخاوف بعد اتفاق التعاون النووي الأميركي مع الهند في العام الماضي، واطلاق اليابان عام 2003 أقماراً اصطناعية لأغراض عسكرية، كجزء من برنامج أميركي للصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية.

ومع ذلك، ثمة من يرى أن المفاجأة الصينية لا يمكن وضعها في اطار القوالب السابقة، ذلك أن بكين التي اعتمدت استراتيجية عقلانية صارمة يمكن الدفاع عنها قانونياً، مع استغلال أي ضعف أساسي في الدولة العظمى الطاغية في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ليست أكثر من تتويج لقراءة صحيحة لتطورات السباق الدولي للتسلح بقيادة الولايات المتحدة الأميركية التي كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أنها تعد العدة لانتاج جيل جديد ومتطور من الأسلحة النووية تبلغ تكلفته أكثر من مئة بليون دولار، ويتطلب إعادة هيكلة وتطوير شامل لمختبرات التصميم النووي، وذلك في مقابل اعلان وزارة الدفاع (البنتاغون) أن مبيعات السلاح الأميركي سجلت في العام الفائت رقماً قياسياً بلغ حوالي 21 بليون دولار، ومن المنتظر أن تتجاوز المبيعات هذا الرقم في العام الحالي 2007، ناهيك عن الضغط الذي تمارسه إدارة بوش على اليابان للسير في طريق التسلح العسكري، والاستعداد للإسهام في المجهود الحربي العالمي بقيادة الولايات المتحدة كما حدث في العراق، وتشجيع الحلفاء الأوروبيين على التسلح، ولا سيما ألمانيا التي قررت حكومتها، وفقاً لصحيفة «يونغه فليت»، زيادة موازنتها الدفاعية خلال العام الحالي 2007، ما يعني أن الجيش الألماني سيكون أكثر استعداداً لشن عمليات عسكرية هجومية، وسيصبح، خلال العام الحالي أكثر قدرة على الهجوم والقيام بالمهمات الصعبة في مختلف مناطق العالم، لا سيما تلك العمليات التي توكل إليه من قبل مجلس الأمن الدولي أو حلف شمال الأطلسي، وقد خصصت الحكومة الألمانية أكثر من 600 مليون يورو للعمليات العسكرية الألمانية خارج الحدود.

ما الذي يمكن ترجيحه بعد هذه المعطيات: استدارة نحو «العقلانية» وإعطاء الفرصة للحلول التي تتيح الخروج من مبارزة التسلح الجديدة التي تلوح في الأفق، أم الانجرار نحو حلبة السباق التي قادت العالم الى تبديد الموارد وتوتير بؤر الصراع وتوسيع مساحات القتل والفقر والاحتلال والاستبداد؟

عندما ألقيت القنبلة الذرية الأولى فوق مدينة هيروشيما اليابانية في العام 1945 وقتلت نحو 70 ألف نسمة، بدأ العد العكسي لسباق التسلح الذي وصل الى العتبات النووية والصواريخ العابرة للقارات، وحاملة الرؤوس النووية، وتلك المضادة للصواريخ وتجهيزات «حرب النجوم» وسواها. واليوم، يعود العالم الى السباق ذاته، على رغم حرص الدول الكبرى على نفي هذا الأمر وإعلان قادتها التزامهم بعدم العودة الى هذا الخيار المدمر الذي يسبب، وهنا اقتصادياً بنيوياً نتيجة تكلفته الأسطورية المتصاعدة بمتوالية هندسية، ويصبح عند مستوى معين عبثاً بلا معنى. إذ أن ما يجري راهنا هو أن الإدارة الأميركية تصر على نشر درعها الصاروخي في مناطق جديدة من أوروبا القديمة، وتسوّق لذلك بإثارة المخاوف من تهديدات مزعومة لأوروبا، وحلفاء أميركا تحت عنوان الصواريخ الذاتية الدفع في الشرق الأوسط، والصواريخ الاستراتيجية للدول «المارقة» مثل ايران وكوريا الشمالية واللتين لا تمتلكان، وفق معظم المعطيات ومراكز البحث الدولية ذات الصدقية، هذا النوع من الصواريخ الاستراتيجية.

وفي المقابل، تواجه روسيا هذه الخطوة الأميركية التي تستهلك بلايين الدولارات وتضع العالم على حافة الهاوية، بالتلويح، صراحة وعلى لسان الرئيس فلاديمير بوتين، بأن موسكو سترد على توسيع الدرع الأميركية، وسيكون الرد مكافئاً، أي من خلال صواريخ قادرة على اختراق وتجاوز هذه المنظومة، وهي متوافرة لدى روسيا، فيما تحمل الصين أسلحتها الى الفضاء منتظرة بيانات الشجب والتنديد الأميركية، ومن ثم البحث عن حلول واتفاقيات مقبلة أكثر عدلاً من واشنطن. وهو ما يرجح أن النظام العالمي الجديد الذي يتبلور على وقع الصراعات الدولية والاقليمية والمحلية، والذي تسعى واشنطن أن تكرس أحاديته القطبية، في مقابل سعي الأطراف الأخرى، وبالأخص روسيا والصين، الى تحويله الى متعدد الأقطاب، ستكون سمته الرئيسية هي العسكرة وسباق التسلح الذي سيعيد انتاج أزمات دولية وتاريخية ظن الجميع أنها تسير على طريق الحل الناجز والنهائي.

كاتب فلسطيني[line]
خفة دم فخامة الرئيس..

هايل العبدان

الوطن

عُرف عن الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني بأنه صاحب نكتة حاضرة، ويقال إنه كان يسأل أول رجل في الشارع يقابله عن آخر نكتة قيلت عنه!

شاهدت قبل فترة مقطعاً للرئيس الطالباني يتحدث إلى التلفزيون العراقي والمذيع يسأله في ختام البرنامج عن خفة دم فخامته، وهل ما يشاع عنه صحيح؟. ليفاجأ بإجابة "تطبيقية" للسؤال، إذ أورد له آخر طرفتين سمعهما قيلتا عنه!
يقول الطالباني إن أحدهم سأله عن رأيه بـ"عراقنا" - يقصد السائل هنا العراق الجديد - فأجابه الرئيس بأنه يفضل "آسيا تل"! (وهي شركة اتصالات منافسة لشركة عراقنا)!

ويسوق الرئيس طرفة أخرى عن نفسه إذ يقول إنه كلما مر من طريقه المعتاد كان يرى رجلاً يشرب، فسأل مرافقيه عن قصة هذا الرجل الذي ما يزال في مكانه، فلم يعرفه أحد منهم. عندها أخذ الفضول الرئيس بأن يعرف ما لدى هذا الرجل، فجلس بجواره وأعطاه الرجل كوبا ليشرب، فأخذه الطالباني وشرب، فلما انتهى سأله هل عرفتني؟ فأجابه بالنفي، فتعجب الطالباني لعدم معرفة الرجل له قائلاً: ألم تشاهدني في التلفزيون؟. فأجاب الرجل بأنه لا يشاهده، وعاد مجدداً: ألم تشاهد صوري في الصحف؟. فأجابه الرجل بأنه لا يقرأها. عندها قال له بزهو: أنا الرئيس جلال الطالباني.

فنظر إليه الرجل متهكماً وقال له: شربت كأساً واحدة وقلت إنك جلال الطالباني، بالتأكيد عندما تشرب كأساً أخرى فإنك ستقول إنك جورج بوش!

والتندر بالرئيس الطالباني شائع ومتعارف عليه لدى جميع الشرائح العراقية، وليس بأمر مستنكر أو محظور، فقد قيل إن زوجته سمعت صوت لص في منزلهم، وأيقظت زوجها الرئيس قائلة بأنها سمعت صوت لص في المطبخ، فرد عليها بالقول: لا تزعجيه، دعيه يأخذ ما يشاء فصوته سينفعنا بالتأكيد في الانتخابات القادمة!

ومما أشيع عنه اجتماعه بمستشاريه الاقتصاديين لبحث خطة تنمية العراق، فلما وصلوا إلى خطة الكهرباء عرضت على الرئيس الطالباني فكرة جعل الكهرباء أرضياً بدلاً من الأعمدة كما هو معمول به في الدول المتقدمة، فعارض الرئيس العراقي الفكرة بشدة، وعندما سألوه عن سبب معارضته لها أجابهم متسائلاً لو جعلنا الكهرباء أرضياً، فلن تكون هناك أعمدة، عندها أين ستقف العصافير؟!

حتى عندما خرج مؤخراً من مدينة الحسين الطبية بالأردن بعد وعكة صحية مفاجئة، حاصره الصحفيون بالأسئلة عن صحته، ولم تمنعه بوادر الإنهاك التي كانت ظاهرة عليه من أن يمارس هوايته مع الصحفيين. وعموماً فالبدناء - كالرئيس الطالباني - معروف عنهم الطرفة والمرح.

وبرغم خفة دم الرئيس العراقي إلا أنني أخشى أن يخرج علينا فخامته يوماً ليعلن لوسائل الإعلام أن احتلال العراق والذي أكمل عامه الرابع يوم أمس ما هو إلا مزحة "ثقيلة" من جانب فخامته شاركه في حبكها صديقه الظريف جورج بوش![line]
لامركزية‏..‏ بلا مراوغة

‏ د‏.‏ أحمد شوقي

الاهرام

من حقنا جميعا ان نشتكي من المركزية‏,‏ واقترانها الوثيق مع البيروقراطية‏,‏ والتوأم الذي يولد في المجتمعات التي تعاني منهما‏:‏ التخلف والفساد‏.‏ وقبل ان نتطرق إلي هذا الهم المحلي المؤكد‏,‏ أجدني مقتنعا بأن له تجلياته الكوكبية‏,‏ حيث تتخذ المركزية هنا شكل الأحادية القطبيةالتي تدير شئون الكوكب ومؤسساته‏,‏ مقترنة مع المصالح الضيقة لمجموعات الضغط بأقنعتها المختلفة‏,‏ مثل اللوبي الصهيوني وتجار السلاح واليمين المتطرف‏,‏ ومولدة الاندفاع إلي الحروب الإقليمية وتشجيع الطائفية والكراهية‏,‏ مع الممارسة المستمرة للمعايير المزدوجة‏,‏ والأهداف المكشوفة للتحكم في مصادر الطاقة ومحاصرة المخالفين‏(‏ المارقين‏).‏

نعود الي المركزية واللامركزية عندنا‏,‏ لنؤكد وجود زخم داعم للتوجه نحو اللامركزية‏,‏ نرجو الا تجهضه إدارته بطريقة مركزية‏.‏ ولا عجب في ذلك‏,‏ فنحن بلافخر أقدم دولة مركزية في التاريخ‏!!‏ وأخشي ما أخشاه بالنسبة للإدارة المركزية للتحول نحو اللامركزية‏,‏ مقولة كنا نحبها وندعو لها‏,‏ وإن كان من المفيد ان نلتفت إلي خطرها‏.‏ هذه المقولة تدعو إلي مركزية التخطيط ولامركزية التنفيذ‏.‏ إن الممارسة تؤكد أنها مفهوم ديناصوري بامتياز‏,‏ عقل صغير يخطط لجسد كبير‏,‏ ويرسل له التعليمات لتنفيذها‏.‏ صحيح أن قصص الخيال العلمي‏(‏ الحديقة الجوراسية مثلا‏)‏ تحكي عن إمكانية استخدام الهندسة الوراثية في إعادة الديناصورات إلي الحياة‏,‏ لكننا لانود أن نستلهمها في إدارة مستقبلنا‏,‏ وعلينا أن نقدم البديل‏,‏ دون الاقتصار علي الرفض مهما يكن واضحا ومبررا

إن مركزية التخطيط المذكورة لاعلاقة لها بمعاقل الفكر‏thinktanks,‏ التي لاتتبع أي جهة تنفيذية‏,‏ وتعمل بحرية وانطلاق علي تقديم الرؤي المستقبلية المستوعبة لكل ما في المشهد الكوكبي من تفاعلات وتوجهات‏,‏ يمكن في ضوئها صياغة أهدافنا الوطنية في مختلف المجالات الحيوية وفقا لتقديرات ومتطلبات أمننا القومي‏.‏ ومع توافر هذه الأهداف المتفق عليها يمكن لكل مؤسسة من المؤسسات‏,‏ الحكومية وغير الحكومية‏,‏ أن تقدم رؤيتها واستراتيجيتها وخطتها‏,‏ وأن تلتزم بآليات إقرارها والمحاسبة المجتمعية لها‏,‏ ضمانا للجودة والتطور‏.‏ ولأن المقترح الناجح يجب أن يكون قابلا للتطبيق الجيد‏,‏ فلابد أن نعترف بأن بعض مؤسساتنا تحتاج إلي تمكينها من القيام بذلك‏,‏ بالتدريب واكتساب المهارات وتشكيل كتلة حرجة من القادرين علي إدارة خطط واستراتيجيات التطوير في مؤسساتها‏.‏ ولا أبالغ إذا ما أكدت أن آليات التمكين المذكورة ستمثل قفزة واعية ومحسوبة علي طريق التوجه نحو اللامركزية الحقيقية‏,‏ دون اللجوء إلي مرواغات مركزية محكوم عليها سلفا‏,‏ لانخفاض سقف التطور والانطلاق الذي يمكن أن تؤدي إليه‏.‏

ولأن من المهم أن نقدم القدوة‏,‏ التي تؤكد إمكانية النجاح‏,‏ فمن واقع معرفتي بما تعرضت له الجامعات المصرية من اكتساب لابأس به لثقافة التطوير من خلال ما شاركت فيه من مشروعات في الأعوام الاخيرة‏,‏ بل ومن قيام بعضها فعلا بتجربة وضع استراتيجياته وخططه‏,‏ أرجو أن تقدم هذه التجربة بعد اكتمالها وتفعيلها للمجتمع المؤمن بأن الجامعة العصرية المتطورة هي قاطرة تقدمه نحو المستقبل‏,‏ ليطمئن أيضا بأنها ستقدم له النموذج الناجح للامركزية والمشاركة في إطار الأهداف الوطنية التي نحتاج صياغتها والاتفاق عليها بأكثر مما نحتاج القوانين التفصيلية أو التعليمات المركزية أو الاطر الجامدة التي تعيق الابداع والابتكار المجتمعي‏.‏ [line]

castle
21-03-2007, 05:54 PM
الأربعاء 2 ربيـ3ـع الأول 1428هـ ،، 21 مـ3ـارس 2007م


سنة حلوة يا مجلسنا

حمود أبوطالب

الوطن

إذا كانت الجفوة قد شابت علاقة مجلس الشورى بالإعلام ممثلاً بكوادره التي تغطي مداولات المجلس ولقاءاته ببعض الوزراء، فإن على المجلس ألا يضيق ذرعاً بآراء البعيدين عنه. ولا يملكون غير مساحات الورق متسعاً لآرائهم وملاحظاتهم التي لا تهدف إلا لرؤية المجلس في وضع أفضل يستطيع من خلاله خدمة المواطنين كما يجب..

لقد انتهت السنة الثانية من الدورة الرابعة للمجلس، وإذا أردنا استخدام لغة العموميات والمجاملة فسوف نقول إن المجلس قد تطور كثيراً في أدائه خلال هذه المدة، أما إذا أردنا الحديث بلغة الوضوح والمكاشفة فإننا لابد أن نقول إن الأداء الذي يقدمه المجلس الآن ليس كما يجب أن تتمخض عنه 14 عاماً من التجربة والعمل والمراجعة، خصوصاً في مجتمع كأنه أعاد اكتشاف نفسه من جديد ووجد أرتالاً من السلبيات المتراكمة التي لا بد أن يتخلص منها أولاً كي يستطيع تهيئة ذاته لمواجهة الحاضر بتعقيداته وإشكالاته، والمستقبل الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالتخطيط السليم والإدارة الفعالة الواعية.

خلال 14 عاماً تغير العالم كثيراً، وقفزت شعوب وأمم ودول قفزات كبيرة، بينما مجلسنا الموقر ما زال غير قادر على تشريح المشاكل كما يجب ولا مساءلة المقصرين والمتهاونين كما هو مفروض، ولا مراجعة الأنظمة والقوانين الصدئة واستبدالها بما هو أنفع وأجدى كواجب أساسي من واجباته. وإذا كنا قد بدأنا مراجعة الذات عبر مشروع إصلاحي شامل فإن مجلس الشورى لابد أن يقوم بالدور الكبير المؤثر في هذا المشروع. لقد حان الوقت لأن يتخلص المجلس من هذا الأداء الشكلي البروتوكولي، وعليه أن يضطلع بالمهمة التي ينتظرها منه المجتمع، ولتحقيق ذلك لابد من منحه الصلاحية الحقيقية لممارسة مهمته التشريعية والرقابية، وأن يتساوى الجميع تحت قبته.

إننا نعلق آمالاً كبيرة على حضور خادم الحرمين الشريفين للمجلس في بداية السنة الثالثة لضخ مزيد من الحراك والفعل في مجلس الشورى.[line]
يوبيلهم.. ويوبيلنا

عبدالله إسحاق

البيان الاماراتية

تحتفل أوروبا هذه الأيام بمرور نصف قرن على إقامة «الاتحاد الأوروبي» الذي بدأ مرحلته التأسيسية عام 1957 بعضوية ست دول فقط، بينما أصبح الآن يضم 27 دولة ويمثل أكبر تكتل تجاري على مستوى العالم. وحين يجتمع قادة الاتحاد في برلين هذا الأسبوع للاحتفال بيوبيلهم الذهبي فسيجدون أمامهم بالتأكيد الكثير من التحديات التي ما زال عليهم أن يواجهوها،

لكنهم في المقابل سيكون بين أيديهم سجل حافل بالانجازات على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي حولت هذه «القارة العجوز» من ميدان للصراعات والحروب الثنائية و«العالمية»، إلى بيت مشترك يضم نحو 400 مليون نسمة، ألغيت بينهم الحدود وأصبح لهم برلمان واحد وعملة موحدة وهيئة سياسية مشتركة تتكلم باسم الجميع على المستوى العالمي.

ورغم أن الدستور الأوروبي الموحد لم ير النور بعد بسبب اعتراض شعوب خمس دول فقط عليه، إلا أن العمل مستمر لتحقيق ذلك وكل المؤشرات تدل على أن الانتظار لن يطول كثيرا. وسواء تمت الموافقة على الدستور بالإجماع أو لم تتم، فالمسيرة مستمرة ومتواصلة في كل الجوانب الأخرى، اعتمادا على الكثير المشترك والمتفق عليه دون التوقف عند نقاط الاختلاف والتباين، ولكن في الوقت ذاته دون نسيانها أو تجاهلها.

وبالطبع لم يكن تحقيق هذا الاتحاد العملاق أمرا سهلا أو من دون عقبات، فلكل دولة تاريخها الخاص وتراثها الثقافي المختلف، بل إن عقبة اللغة وحدها كافية لشل الكثير من نشاطات الاتحاد وعرقلته، لولا الإرادة الواعية والرؤية المستقبلية لضرورات الاتحاد ومكاسبه في عالم متغير لم يعد فيه مكان للصغار والضعفاء.

هذا فضلا عن الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين الدول الأعضاء، حيث تبلغ الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في أوروبا نسبة 11 :1، لكن الكل ملتزم بتحمل واجبه ومسؤولياته تجاه الاتحاد، فالدول الأقل مستوى اقتصاديا ملتزمة بالإصلاحات الضرورية، بينما تتكفل الدول الغنية بمساعدتها للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب وفق معايير الاتحاد.

هذا عن اتحادهم ويوبيلهم، أما يوبيلنا «فيا قلبي لا تحزن»! لقد سبقناهم بإنشاء «جامعة الدول العربية» عام 1945، أي قبل اثني عشر عاما من قيام النواة الأولى للاتحاد الأوروبي، وبدأت جامعتنا بسبع دول بدلا من الست الأوروبية، ومجموع الدول الأعضاء في الجامعة العربية 22 فقط، حتى الآن على الأقل، وليس 27 كما هو حال أوروبا.

ولكن ماذا عن سجل إنجازاتنا؟ وكم خطوة قطعنا في اتجاه تحقيق جزء، ولو يسير، مما حققه الأوروبيون؟ بل هل وضعُنا اليوم كأمة عربية، ذات لغة واحدة وعقيدة تكاد تكون موحدة، أفضل مما كنا عليه قبل 62 عاما؟ هل ألغينا الحدود أو خففناها ولو جزئيا؟ وأين عملتنا الموحدة أو حتى عملاتنا المترابطة والمتداولة في النطاق المشترك بيننا؟ ومن منا يتذكر أن هناك معاهدة عربية للتعاون الاقتصادي عمرها أكثر من 56 عاما؟

أما «ميثاق الدفاع العربي المشترك» فقد أصبح، هو الآخر، شيئا من الماضي، وربما البغيض عند البعض، وليس المنسي فقط! ومع أن ميثاق الجامعة العربية ينص على أن «الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية.

والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها»، بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والمالية، وشؤون المواصلات، والشؤون الثقافية والاجتماعية والصحية وغيرها، إلا أن نظرة بسيطة للواقع العربي تكفي لمعرفة إلى أي حد تحققت الأغراض التي أنشئت من أجلها تلك «الجامعة» لفظا ليس له أي معنى في الحقيقة!

ولعل أبسط دليل على ذلك ما كشف عنه مؤخرا مؤتمر «تحديات محو الأمية في المنطقة العربية»، حيث أظهر أن 77 مليون عربي، أي ثلث السكان أو أكثر، يعانون من عاهة الأمية في عصر ثورة المعلومات و«ما بعد التكنولوجيا»، ناهيك عن باقي المجالات الأخرى!!

وبدلا من أن تسلك الجامعة مسار التطور الطبيعي، لتتحول دولها المتعددة إلى كتلة موحدة كما حصل في الاتحاد الأوروبي الذي يصغرها كثيرا، فإن بعض الدول العربية أصبحت كياناتها الذاتية ووحدتها الوطنية مهددة بالتفكك والانفراط.لكن الأمل يبقى، رغم كل ذلك، في أن تنتشر عدوى الوحدة الأوروبية لعلها تصيبنا ولو بعد حين، بدلا من تفشي العداوات والنزاعات بيننا أو انتشار انفلونزا الطيور.

ولعل القمة العربية المقررة الأسبوع المقبل في الرياض، عاصمة إحدى أهم التجارب الوحدوية العربية في العصر الحديث، وقلب الجزيرة العربية الموطن الأصلي لكل العرب، تكون الخطوة الأولى في استعادة الوعي واستلهام رمزية المكان وقربه من الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين جميعا ومأوى أفئدتهم. [line]
الحــــريات‏..‏ لغــــم تحــت مقـاعد القمــة‏!‏

‏ صلاح الدين حافظ

الاهرام

لا أعرف علي وجه اليقين‏,‏ هل سيحضر القمة العربية الوشيكة‏,‏ الجنرال علي ولد محمد فال بصفته رئيس موريتانيا العسكري‏,‏ بعد أن أوفي بتعهده بتسليم السلطة لحكام مدنيين جدد‏,‏ أم انه لن يحضر مفسحا الطريق للرئيس المنتخب الجديد‏!‏

وبافتراض أنه قد يحضر‏,‏ علي الأقل مودعا بريق القيادة‏,‏ لا أعرف علي وجه اليقين مرة أخري‏,‏ كيف سيعامله زملاؤه من القادة‏...‏ هل سيعاملونه علي أنه قائد انقلاب عسكري‏,‏ سلم السلطة طواعية الي رئيس مدني‏,‏ فاستحق اعجاب العامة والدهماء من أبناء الأمة‏,‏ أم سينظرون اليه علي أنه رئيس خائن لتقاليد الحكم‏,‏ ولتوارث السلطة‏,‏ فاستحق غضب زملائه ونقمتهم؟‏!‏

درس موريتانيا‏,‏ الدولة العربية البعيدة الفقيرة‏3.4‏ مليون نسمة بنسبة‏46‏ في المائة تحت خط الفقر و‏60‏ في المائة أمية‏,‏ تلك الواقعة عند أقصي الهامش العربي غربا‏,‏ في نجاحها بالانتقال السريع والديمقراطي من الحكم العسكري الي الحكم المدني المنتخب‏,‏ درس مثير‏,‏ ليس لأنه طازج وحديث فقط‏,‏ ولكن أيضا لأنه درس عميق ونافذ‏.‏

درس موريتانيا‏,‏ التي يتهكمون علي ديمقراطيتها‏,‏ ويصفون انتخاباتها الحديثة‏,‏ بالمسخرة‏,‏ سوف يطرح نفسه علي قمة الرياض‏,‏ دون أن يكون مدرجا رسميا علي جدول الأعمال‏,‏ وسوف يضع القادة العرب المجتمعين‏,‏ في موضع الحرج‏,‏ ويذكرهم بالسابقة المأساوية التي ارتكبها الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب في الثمانينيات‏,‏ حين تخلي طواعية عن حكم السودان‏,‏ وسلمه عبر الانتخابات للمدنيين‏!‏

أمثالنا من عامة القوم يتساءلون‏,‏ أليس غريبا أن تأتي السابقتان المأساويتان لتنازل العسكر عن الحكم للمدنيين‏,‏ من جانب دولتين عربيتين افريقيتين‏,‏ يعايرهما بعض السادة والقادة‏,‏ بالفقر والتخلف والبداوة‏,‏ ويسخرون من ارتكابهما هذه السوابق المشينة‏,‏ في حق تقاليد الحكم العربي العتيدة الموروثة منها والمنقولة‏,‏ الملكية منها والجمهورية‏,‏ المحافظة والثورية‏!!‏

ربما يتذكر قادتنا العرب‏,‏ أنهم يجتمعون هذه المرة في قمة هي الأولي علي جزء من أرض شبه الجزيرة العربية‏,‏ التي أنبتت قبل ألف وأربعمائة عام‏,‏ سيدنا محمد بن عبدالله اليتيم الفقير‏,‏ مبعوثا رسولا للكافة‏,‏ وسياسيا محنكا وقائدا شجاعا‏,‏ يشيع في البرية رسالة سماوية منزلة‏,‏ قوامها الحق والعدل والحرية‏,‏ ثم وضع خلفاؤه الراشدون‏,‏ قواعد الحكم بالشوري وحرية الاختيار‏,‏ من بين الأصلح والأعقل والأعدل‏,‏ لذلك جاء أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم جميعا‏.‏

لكن بالمقابل حتما يتذكر قادتنا العرب‏,‏ أنه من نفس الأرض هذه‏,‏ خرج معاوية بن ابي سفيان قاصدا الشام في الشمال‏,‏ حيث بهجة العيش ورغده مخلفا وراءه تقشف الصحراء‏,‏ ليقيم خلافة اسلامية مغايرة‏,‏ بقواعد وراثية للحكم سلطة وثروة‏,‏ غير قواعد الشوري وحرية الاختيار والعدالة‏,‏ ولينهي عهود الخلافة الراشدة‏,‏ ويبدأ عهود الحكم السلطوي الوراثي‏.‏

نتذكر ويتذكرون‏,‏ كيف حول معاوية دفة الحكم‏,‏ ليس فقط من الحجاز الي الشام‏,‏ ولكن أساسا من الشوري الي الفرض القسري‏,‏ ومن حرية الاختيار للأصلح‏,‏ الي الوراثة العائلية‏...‏ معاوية هو الذي جمع أهل الحل والعقد‏,‏ ليعلن قراره بتولية ابنه يزيد من بعده‏,‏ الخلافة لأول مرة في التاريخ الإسلامي‏,‏ وحين استشعر عدم الرضا علي بعض وجوه الحضور‏,‏ قال قولته الشهيرة‏:‏ من لم يرض بابني خليفة‏,‏ فليرض بهذا شاهرا سيفه‏!!‏

ومن يومها والحال في أمتنا كما نعرف وتعرفون‏,‏ يسير ذات المسير‏,‏ وربما بزواجر أشد عنفا وقسوة‏,‏ وهكذا فإن معاوية بالطبع غير سوار الذهب‏,‏ وولد فال غير يزيد‏,‏ استثناء من القاعدة العربية المتوارثة‏,‏ حيث معاوية الحالي هو معاوية السابق‏,‏ وحيث يزيد الماضي لايزال يحكم الحاضر‏,‏ والسيف هو السيف مشهر بتار‏!‏

وقد قلنا في مقال الأسبوع الماضي‏,‏ إن جدول أعمال القمة المقبلة‏,‏ مشحون بخمسة ملفات‏,‏ هي خمسة ألغام متفجرة‏,‏ تتمثل في أزمات كل من العراق وفلسطين ولبنان والسودان والصومال‏,‏ وقلنا إنه برغم اهتمام القمة بها إلا أنها لا تملك القول الفصل فيها‏,‏ لأن قرارها مستلب ودورها متراجع‏,‏ فتم تسليم هذه الملفات الملغومة الي الأيدي الأجنبية‏,‏ تديرها وتقرر فيها ماتشاء‏!‏

اليوم نقول‏,‏ إنه غير مطروح علي جدول أعمال القمة‏,‏ موضوعات رذيلة وثقيلة‏,‏ تعكر الصفو وتكدر المزاج وتنغص الأحوال‏,‏ من نوع اطلاق الحريات والإصلاح الديمقراطي‏,‏ واقامة العدل وتداول السلطة‏,‏ وإرساء دولة القانون والمؤسسات‏,‏ وقواعد الحكم الصالح الرشيد‏,‏ وترسيخ العدالة الاجتماعية وحسن توزيع الثروة بالعدل بين المواطنين‏,‏ ومحاربة الفقر والبطالة‏,‏ وزجر تحالف الفساد والاستبداد‏,‏ والامتناع عن أساليب القمع والقهر وتخفيف الازدحام في السجون والمعتقلات‏,‏ ومكافحة الأمية التي تشمل‏70‏ مليون عربي علي الأقل‏,‏ وتحرير حرية الصحافة والرأي والتعبير من قيودها الغليظة‏!‏

ولا نعرف متي ستركز القمة العربية علي مثل هذه الموضوعات الثقيلة الرذيلة‏,‏ متي تنظر في الأوضاع المتردية‏,‏ خصوصا موضوع الإصلاح الديمقراطي وإطلاق الحريات العامة‏,‏ مادامت انها قضت كل ما مضي من سنوات وعقود‏,‏ منذ اختراع حكاية القمم‏,‏ في التركيز علي الملفات الساخنة والقضايا القومية خصوصا فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي‏,‏ ثم كانت النتيجة أن الأمر كله لم يعد بيدها‏,‏ وإنما بيد غيرها‏,‏ مثل كل الملفات الساخنة والملغومة الأخري‏.‏

ولا نعرف أيضا الي أي مدي يطلع قادة القمة علي التقارير العربية والدولية الذائعة الصيت والشهرة‏,‏ التي تتحدث بأسي عن تدهور أوضاع الحريات العامة والخاصة في بلادنا‏,‏ عن تحالفات الفساد والاستبداد‏,‏ عن تفشي البطالة والأمية والأمراض في كيان الأمة‏,‏ بصرف النظر عن اختلاف النسبة من قطر الي آخر‏.‏

فإن كانوا يطلعون‏,‏ فإنهم قد عرفوا حتما ان أحد أهم هذه التقارير‏,‏ وهو التقرير العربي للتنمية البشرية‏,‏ قد أعلن بوضوح أن تخلف الأمة‏,‏ هو نتيجة طبيعية لنقائص واضحة فاضحة‏,‏ نقص الحرية ونقص المعرفة‏...‏ فإن غابت الحرية وحجبت المعرفة‏,‏ فلن يبقي إلا القهر والجهل‏,‏ الفقر والإحباط‏,‏ وكلها نواقص ونقائص لا تلد إلا التخلف والإرهاب والتطرف الفاشي‏.‏

وإن كانوا يقرأون‏,‏ فإنهم لا شك قد قرأوا أن التقرير السنوي لحقوق الإنسان في العالم‏,‏ الصادر قبل أسابيع عن وزارة الخارجية في أمريكا الصديقة الحليفة قد أدان جميع الدول العربية بسبب انتهاكات حقوق الانسان‏,‏ وتقييد الحريات‏,‏ وأن التقرير السنوي لبيت الحرية ذائع الصيت‏,‏ قد وضع جميع الدول العربية ضمن آخر خمسين دولة في العالم الأشد فقرا في احترام الحريات والحقوق‏,‏ وأن التقرير السنوي الأخير لمنظمة الشفافية الدولية‏,‏ قد وضع معظم الدول العربية في تصنيف الأكثر فسادا‏,‏ ضمن دراسة شملت‏159‏ دولة في العالم‏,‏ وأن تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة‏,‏ تؤكد أن‏23‏ في المائة علي الأقل من العرب يعيشون تحت خط الفقر‏69‏ مليونا من بين‏300‏ مليون وأن النسبة تتفاوت‏,‏ حتي تصل الي‏65‏ في المائة بين الفلسطينيين‏,‏ و‏60‏ في المائة بين الموريتانيين‏,‏ ومابين‏42‏ و‏48‏ في المائة بين المصريين والسودانيين والمغاربة‏!‏

وللتذكرة فقط فإن خط الفقر يعني من لا يمتلك إلا دولارين فقط في اليوم‏,‏ وأن معدل الدخل الفردي للأمريكي في السنة يصل الي‏25‏ ألف دولار والي‏18‏ ألف دولار للفرد الإسرائيلي‏,‏ في حين انه قد لا يصل الي ألف دولار في السنة للفرد في نحو نصف الدول العربية‏!‏

والخلاصة‏..‏ أن سجلنا في مجال الحريات والتنمية‏,‏ يظل سجلا فقيرا بشكل لافت للنظر‏,‏ يتشابه للأسف مع أفقر الدول الافريقية جنوب الصحراء‏,‏ برغم كل ماتمتلكه الأمة من ثروات هائلة‏...‏ لكنها مهدرة‏...‏ فإن كنا نهدر قيمة الحريات والحقوق‏,‏ فلماذا الإصرار علي إهدار الثروات‏,‏ وبهذا الإسراف‏!!‏

لا نعتقد أن أمام القمة العربية‏,‏ متسعا من الوقت أو الجهد أو الرغبة‏,‏ في التورط في مناقشة مثل هذه الأوضاع‏,‏ برغم انها أوضاع متفجرة‏,‏ ألغام قابلة للاشتعال والانفجار في أي لحظة وأي مكان‏,‏ لكنها لا تلقي إلا الإهمال والتجاهل‏,‏ حيث العين الزائغة لا تبصر إلا مايرضيها‏,‏ والعين البصيرة هي التي تري الحال علي واقعه‏,‏ بياضا أو سوادا‏...‏ فأين هي تلك العين التي تتمتع بالبصر والبصيرة معا‏.‏

‏**‏ خير الكلام‏:‏ قال عمر بن الخطاب‏,‏ متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا‏,‏ وقال علي بن أبي طالب‏,‏ لو كان الفقر رجلا لقتلته‏!!‏ [line]

castle
23-03-2007, 09:10 AM
الجمعة 4 ربيع الأول 1428هـ ،،، 23 مارس 2007م

بارزاني وحلم الدولة . واسرائيل

ماهر عثمان

الحياة

يقول رئيس اقليم كردستان العراقية مسعود بارزاني في حديثه الى «الحياة» المنشور في عدد يوم امس ان الحلم بدولة كردية حق مشروع وان دولة كردية ستصبح حقيقة يوماً ما. وهو يعتبر حدود الدول التي تقطع التواصل الجغرافي لاماكن وجود الاكراد حدوداً «مصطنعة». ورداً على سؤال عن تسرب الاسرائيليين الى كردستان امنياً واقتصادياً وعودة اسرائيل للعمل على موضوع الاقليات في المنطقة، يقول بارزاني: «(...) اجزم بأن لا وجود للنشاط الاسرائيلي في كردستان»

ان اعتبار بارزاني الحدود الدولية الاقليمية للعراق وايران وتركيا وسورية حدوداً «مصطنعة»، تحديداً لأنها تفرق بين الاكراد المواطنين في الدول المذكورة، يعني الاستعداد لخوض كفاح مسلح، كما فعلت البيشمركة في شمال العراق وحزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا، من اجل الانفصال سكانياً وجغرافياً عن هذه الدول الاربع. وقد اعطى الحكم المركزي في بغداد مواطنيه الاكراد حكماً ذاتياً لم ينالوه، مثلاً، في تركيا حيث يصل عدد الاكراد الى نحو 15 مليون نسمة.

اما في ايران فقد اظهر الاكراد الذين يبلغ عددهم نحو اربعة ملايين نسمة في المناطق المتاخمة للعراق وتركيا نزعة استقلالية منذ عهد الملك الصفوي الشاه عباس في القرن السابع عشر، وظلت مهاباد مركز التمرد على الحكم المركزي في ايران. ولكن بعد التمرد الذي اعقب الثورة الايرانية في العام 1979 استطاعت طهران ترسيخ سيطرتها على المنطقة الكردية.

وموقف تركيا من الاكراد يتلخص في محاربة اي نزعة انفصالية من جانبهم على اراضيها حرباً لا هوادة فيها. وقد بالغت انقرة في قمعها لمظاهر التمرد الى حد انها كانت تنكر على الاكراد استخدام لغتهم وابراز مظاهر ثقافتهم الغنية رقصاً وغناء وشعراً وغير ذلك.

في سورية لم تنظر دمشق في اي مرحلة من تاريخها الى الاكراد، وهم فيها الاقل عدداً مقارنة بأعدادهم في العراق وتركيا وايران، باعتبارهم مشكلة، ولم يكن هناك اي تمييز بل لقد تولى السلطة في سورية اكراد مثل حسني الزعيم واديب الشيشكلي وتبوأ اكراد كثيرون مناصب قيادية بارزة في سورية منهم على سبيل المثال زعيم الحزب الشيوعي خالد بكداش ومفتي سورية سابقاً احمد كفتارو.

وبعد الغزو الاميركي للعراق قبل اربع سنوات تولى رئاسة العراق كردي هو جلال طالباني وصار بارزاني رئيساً لاقليم كردستان ورفع العلم الكردي على المؤسسات الرسمية في اربيل. وفجأة اخذت الانباء ترد عن قلاقل في مناطق سكن الاكراد في شمال سورية، وتردد ان تلك الاضطرابات كانت نتيجة تخطيط وتشجيع جهات كردية في العراق.

ثمة بديل للتمرد المسلح وزعزعة استقرار الدول التي تضم اقليات كردية (وغير كردية) هو المواطنة الكريمة في هذه الدول بالتساوي مع جميع المواطنين الآخرين. ولكن هذا تحديداً هو البديل الذي ترفضه دولة عنصرية مثل اسرائيل، ترفض مساواة مواطنيها العرب بمواطنيها اليهود وتشجع اقليات في دول الجوار على الانفصال والتمرد. ولقد فعلت اسرائيل ذلك في جنوب لبنان من خلال الرائد سعد حداد ثم من خلال اللواء انطوان لحد.

وغريب حقاً ان رئيس اقليم كردستان لم يسمع بالتغلغل الاسرائيلي في الاقليم، رغم شيوع حقائق هذا التغلغل وكتابة صحافيين غربيين مرموقين مثل سيمور هيرش حول الموضوع. وكتب هيرش ان اسرائيل عندما ادركت ان اميركا اخذت تفشل في مغامرتها في العراق عملت على تحقيق فوائد لنفسها من وراء ذلك الغزو بتعميق علاقاتها مع الاكراد وتشجيعهم على اقامة دولة خاصة بهم تأمل بأن تكون صديقة لها. ويضيف ان اسرائيل تدرب قوات كوماندوس كردية وتستعين بعناصرها لادخال عملاء استخبارات اسرائيليين الى ايران لجمع معلومات عن المشروع النووي الايراني. ويقول ان من اهداف تدريب الكوماندوس ارسالهم لجمع معلومات استخبارية عن قادة المقاومة ضد الاحتلال الاميركي وتصفيتهم. وقد وسعت اسرائيل علاقاتها التجارية مع كردستان وفاقت قيمة صادراتها الى الاقليم 5 ملايين دولار سنوياً.

ان افضل ضمانة لاستقرار المنطقة وازدهار شعوبها هي عيش مواطني كل دولة من دولها في مساواة تامة بعضهم بعضاً وتجنب الانزلاق الى تجزئة المنطقة الى كيانات هزيلة.[line]
روسيا ونظام الدفاع الأمريكي المضاد للصواريخ

د‏.‏ محمد قدري سعيد

الاهرام

وسط أحداث العراق وأفغانستان وإيران‏,‏ ومشكلات الشرق الأوسط التي لا تنتهي‏,‏ طفت علي السطح مرة أخري أنباء جديدة عن نظام الدفاع الأمريكي المضاد للصواريخ الباليستية‏,‏ بعد أن نسيه الناس في خضم أحداث‏11‏ سبتمبر وما بعدها‏,‏ فلم يعد أحد يتحدث عنه ولا عن اخفاقاته الفنية أو تداعياته السياسية‏,‏ كان رامسفيلد من أكثر المتحمسين لهذا النظام خلال فترة رئاسة كلينتون وقبل أن يصبح وزيرا للدفاع في ادارة بوش‏,‏ وكان يري في انتشار الصواريخ الباليستية بعيدة المدي علي مستوي العالم التهديد رقم واحد القادر علي الوصول بدون عائق الي الأرض الأمريكية‏,‏ لكن الضربة في‏11‏ سبتمبر جاءت من طريق آخر غير متوقع‏,‏ ومن وقتها سحب خطر الارهاب البساط من تحت أقدام الخطر الصاروخي فلم يعد أحد يراه أو يتحدث عنه‏,‏ ولقد وصل الآن تطوير نظام الدفاع الأمريكي المضاد للصواريخ بعد مشقة الي مرحلة دخول الخدمة ولو علي مستوي محدود داخل وخارج الولايات المتحدة‏,‏ والمشكلة أن الولايات المتحدة تنوي نشر أجزاء مهمة من هذا النظام في عدد من دول أوروبا الشرقية‏,‏ الأمر الذي أثار حفيظة روسيا وجعلها تحتج علي الخطط الأمريكية‏,‏ وتهدد بمراجعة الاتفاقات الموقعة للحد من التسلح بين البلدين‏.‏

بدأت الارهاصات الفكرية لنظام الدفاع المضاد للصواريخ في عهد الرئيس ريجان‏,‏ بمبادرة الدفاع الاستراتيجي الشهيرة أو مبادرة حرب النجوم‏,‏ كما أطلقت عليها الصحافة ودوائر الإعلام‏,‏ لكن العمل لم يبدأ فيه إلا خلال فترة كلينتون الثانية تحت ضغوط كان أغلبها قادما من الجمهوريين في إطار اتهامهم المستمر لكلينتون بإهمال تطوير القوات المسلحة‏,‏ خاصة في مواجهة تهديد الصواريخ الباليستية المنتشرة في بلاد تكن عداء للولايات المتحدة ولا يسري عليها مفاهيم الردع المتبادل التي سادت خلال الحرب الباردة‏,‏ وقد تطلب السير في بناء نظم مضادة للصواريخ انسحاب أمريكا من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية‏,‏ التي كانت تحظر امتلاك كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لمثل هذه النظم الدفاعية‏,‏ وهو ما حدث بالفعل نهاية عام‏2001‏ في بداية عهد الرئيس بوش‏.‏

غير أن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ‏,‏ ثم شروعها في تطوير نظام دفاعي خاص بها ـ معادلات الدفاع بين روسيا وأمريكا بصورة جذرية ـ حيث اختفي من هذه المعادلات مفهوم الانكشاف المتبادل بين البلدين‏,‏ ولم يعد أمام روسيا ـ اذا كانت تري في أمريكا تهديدا لها ـ إلا أن تحمي نفسها ببناء نظام مماثل للنظام الأمريكي‏,‏ أو أن تتعاون مع الولايات المتحدة في نفس النظام وقد تلقت بالفعل عرضا بذلك‏,‏ أو أن تزيد من قدراتها الصاروخية الهجومية المتوسطة وبعيدة المدي‏,‏ وقد حرص الرئيس بوتين في خطابه الأخير أمام مؤتمر ميونخ للأمن‏,‏ علي توجيه انتقادات للسياسة الدفاعية الأمريكية وحلف الناتو‏,‏ كما خرجت من الدوائر العسكرية الروسية تهديدات بالانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدي الموقعة بين البلدين في‏1987,‏ والتي ازيل بموجبها من فوق الأرض الأوروبية كل الصواريخ النووية متوسطة المدي‏(‏ من‏300‏ ميل الي‏3500‏ ميل‏)‏ وصواريخ الكروز الأرضية‏,‏ وقد أدي انجاز هذه المعاهدة الي توقيع معاهدات أخري للحد من الأسلحة التقليدية خلفت وقتها مناخا غير مسبوق للتعاون المشترك علي مستوي القارة الأوروبية في مجالات الطاقة والفضاء حتي قبل سقوط حائط برلين وانتهاء الحرب الباردة‏.‏

نعود الي الخطوة الأمريكية ورد الفعل الروسي عليها‏,‏ ونقول إنه يعكس نوعا من الثقافة الأمنية المحلية للبلدين العاجزة عن قراءة الواقع‏,‏ وتحديد المصالح المشتركة بين البلدين وحجم الانجازات السابقة ومدي العزم علي السير بهذه الانجازات الي الأمام بشجاعة وحسم‏,‏ وهو نفس ما نعانيه نحن في الشرق الأوسط تجاه العلاقة مع أمريكا وأوروبا‏,‏ لقد تفجر الموضوع أمام روسيا عندما وافقت الحكومتان البولندية والتشيكية علي استقبال أجزاء من النظام الدفاعي الأمريكي في شكل رادارات متقدمة للانذار المبكر‏,‏ ووحدات من الصواريخ الاعتراضية لتدمير الصواريخ المهاجمة قبل أن تصل الي الأرض الأوروبية أو الأمريكية‏,‏ لقد نسيت الحكومة الروسية ان بولندا وجمهورية التشيك قد أصبحتا جزءا من حلف الناتو ومن الاتحاد الأوروبي‏,‏ وأن البلدين في سبيل تحقيق ذلك قد ناضلا بقوة لإحداث تغييرات عميقة في هياكلهما العسكرية والمدنية‏,‏ وأن نظام الدفاع الأمريكي قد تزامن تنفيذه مع مشاريع أخري مشابهة علي مستوي الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو‏,‏ ومن المتوقع أن يحدث تكامل بين هذه الأنظمة لتكوين شبكة دفاع أوروبية وعبر الاطلنطي ضد تهديد الصواريخ الباليستية‏.‏

لقد نسيت روسيا أيضا أنها قد اختارت الوفاق مع المعسكر الغربي والانفتاح عليه‏,‏ وبرغم خروجها مهزومة مفككة من الحرب الباردة إلا أن أحدا لم يفرض عليها قيودا في انتاج السلاح‏,‏ فمازالت تملك ترسانتها النووية والفضائية‏,‏ إلا أن أولوياتها قد تغيرت وأصبح التحول الاقتصادي والسياسي في مقدمة أهدافها‏,‏ وليس الدخول في حرب باردة جديدة مع الولايات المتحدة‏,‏ وحاليا تشارك روسيا حلف الناتو في مجلس خاص مشترك يسمح لروسيا بالجلوس مع وزراء دفاع الحلف والتنسيق معهم في الأمور الدفاعية‏,‏ ومن الواضح أن روسيا تعاني من نفس ما عانت منه دول أوروبا الغربية من قبل بما في ذلك بريطانيا فيما يتصل بقضية ادراك التهديد‏,‏ فمع نهاية التسعينيات كانت دول أوروبا غير مقتنعة تماما بوجود تهديد صاروخي موجه اليها‏,‏ كما أن قطاعا واسعا من مفكريها الأمنيين كان يري في وجود مكونات من النظام الدفاعي الأمريكي فوق أراض اوروبية يمثل دعوة الي اعداء الولايات المتحدة لضرب أوروبا انتقاما من أمريكا‏,‏ الآن توقف هذا النقاش بعد أن امتلأت السماء بتجارب الصواريخ الكورية الشمالية والباكستانية والهندية والايرانية في غيبة معاهدات ملزمة تنظم انتشار الصواريخ الباليستية أو تضع قيودا علي استخدامها‏.‏

الأوضاع أيضا تغيرت بالنسبة للولايات المتحدة مقارنة بما كان عليه الحال قبل أحداث‏11‏ سبتمبر‏,‏ وقتها كانت الادارة الأمريكية في قمة الاحساس بنشوة التفوق‏,‏ وكانت تري أنها ليست في حاجة للتمسك بمعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ وطرفها الآخر ـ الاتحاد السوفيتي ـ قد تفكك ولم يعد له وجود‏,‏ وقد جاءت أحداث‏11‏ سبتمبر لتقول بوضوح إن الخطر الحقيقي أكبر من الصواريخ الباليستية وأوسع منها انتشارا‏,‏ وأن التصدي له يتطلب تعاونا دوليا عريضا وليس موقفا أحاديا مغرورا‏,‏ لقد تعاملت الولايات المتحدة مع دول أوروبية محورية من حلفائها بنفس مستوي الغطرسة في تعاملها مع روسيا حتي أثبتت الأحداث الأخيرة في العراق وأفغانستان أن القوة الأمريكية لها حدود‏,‏ وأنها بمفردها لن تقوي علي التعامل مع تهديد الارهاب وعملائه‏,‏ ومعظمهم الآن في الطريق الي امتلاك صواريخ هجومية وأسلحة نووية‏,‏ ويضاف الي ما سبق عامل مهم لم تتعود عليه موسكو ولم تأخذه يوما في حسبانها‏,‏ وهو أن أغلبية الرأي العام البولندي والتشيكي ـ بعد أن أصبح هناك رأي عام حقيقي في هذه البلاد ـ ضد نشر هذه النظم الدفاعية علي الأرض البولندية والتشيكية برغم تحمس وترحيب الحكومتين في البلدين‏,‏ وهو عامل سوف يكون له أثر مهم في عرقلة السعي الأمريكي نحو نشر مثل هذه الأنظمة الدفاعية خارج الولايات المتحدة‏.‏ [line]
ما الذي يحقق الاستقرار. برنامج للحرب. أم للتنمية؟

د. محمد عاكف جمال

البيان

تعيش عدة دول شرق أوسطية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حالات استثنائية، فهي اما دول تم احتلالها من قبل الولايات المتحدة، مثل أفغانستان و العراق، أو دول تُنتهك أراضيها عن طريق الاحتلال أو القصف من قبل بعض دول الجوار كما هو الحال في فلسطين ولبنان والصومال.

إلا أنه في الحالتين، وعلى الرغم من أن زي الجندي والعلامة التي تحملها دبابته والعلم الذي يرفرف فوقها يختلف في هذا المكان عن ذاك، إلا أن هذا الجندي ينفذ أجندة وتعليمات دولة واحدة في العالم، وهي الولايات المتحدة. فبالنسبة لأفغانستان والعراق لم تجد الجيوش الأميركية صعوبة في إلحاق هزيمة سريعة بجيوش أو أشباه الجيوش في هذين البلدين محققة نصراً عسكرياً خاطفاً بسبب التفوق الهائل في القدرات العسكرية التي توظف أفضل المبتكرات العلمية والتكنولوجية المعاصرة التي تفتقر إليها جيوش الدول المهزومة.

ولم يجد الجيش الإسرائيلي ما يمنعه من تكرار اجتياح المدن الفلسطينية ليصبح احتلاله مزمناُ لها، ولا من يؤنبه عندما ينتهك سيادة لبنان بين الحين والآخر. أما الاحتلال الأثيوبي للصومال فهو احتلال بالنيابة عن الولايات المتحدة التي لها ذكريات لا تنسى في الصومال في تسعينيات القرن المنصرم.

يعتمد مستقبل دول مثل أفغانستان والعراق على توازن دولي وإقليمي ومحلي حساس، فالحكومات القائمة في هذين البلدين ضعيفة لا تستطيع الاستغناء عن وجود قوات الاحتلال لضمان قدر محدود من الأمن والنظام، ففي أفغانستان تتسع وتتصاعد أعمال المقاومة المسلحة ويزداد نفوذ لوردات الحرب وتنتعش تجارة المخدرات، والأخطر من ذلك تتسع دائرة الإحباط والغضب الشعبي بسبب الفقر السائد، فيضطر حلف الأطلسي إلى زيادة عدد قواته وإعادة النظر بخططه العسكرية لمواجهة تصاعد العداء للوجود الأجنبي.

وفي العراق وبعد مرور أربع سنوات على الاحتلال لم تشهد الساحة العراقية غير تردٍ مستمر في الوضع الأمني و تردٍ مستمر في مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة وزيادة مطردة في حجم الهجرة إلى دول الجوار طلباً للنجاة رغم عدم توافر القدرات على مواجهة تكاليف الحياة في الخارج لأغلبية المهاجرين.

ولم تجد الولايات المتحدة وسيلة لمواجهة ذلك سوى زيادة عدد قواتها العاملة في العراق على الرغم من المعارضة الشديدة التي تواجهها في الداخل. وفشل الإسرائيليون في تحقيق أهدافهم في فلسطين على مدى عدة عقود منذ هزيمة الجيوش العربية في حرب الخامس من يونيو عام 1967، و فشلوا في لي ذراع اللبنانيين الذين رغم التدمير الهائل الذي لحق بإقتصادهم في حرب يوليو من العام الماضي، إلا أن عودهم اليوم ليس أقل صلابة مما كان عليه أبان تلك الحرب، ولا أحد يراهن على مستقبل المشروع الذي يجري تنفيذه في الصومال إثر الاحتلال الأثيوبي.

تتكرر أمامنا مشاهد الجيوش المنتصرة المنتفخة الأوداج، قوات حلف الأطلسي التي تتبختر في أفغانستان، الجيش الأميركي المحصن ضد أية مساءلة قانونية مهما ارتكب أفراده من موبقات في العراق، الجيش الإسرائيلي الذي تسحق دباباته من تشاء في شوارع المدن الفلسطينية وتعربد طائراته في الأجواء اللبنانية، الجيش الأثيوبي في الصومال يسقط حكومة ليأتي بأخرى. جيوش حققت انتصارات عسكرية كاسحة وهزمت المقابل بمنتهى السهولة، وترتب على انتصاراتها استحقاقات سياسية تعيد ترتيب الأوراق الاقتصادية عبر اتفاقيات جديدة تعكس مقدار التراجع في الخيارات الوطنية للدول المحتلة لصالح الدول التي احتلتها.

في سياق الحديث عن النصر لنا أن نتساءل حول ما إذا كانت هذه الجيوش قد حققت فعلاً انتصارات حقيقية تطمئن إلى ديمومتها أم صنعت سراباً لا يلبث أن يزول؟ في عواصم الدول المحتلة وعلى مسافة بعيدة جداً، في العاصمة الأميركية واشنطن، يدعي سياسيون كبار ويصرح قادة عسكريون ويردد دبلوماسيون مخضرمون مقاطع معزوفة تخدش الأسماع بنشازها، يرددون بأن هنالك خططاً إستراتيجية لتحقيق النصر، وهنالك خطط أمنية تعيد الطمأنينة لمن ترك داره أو منطقته أو مدينته ليعود إليها قريباً.

والنصر الذي يتحدث عنه هؤلاء لا يتعدى السعي نحو تعزيز سلطة الحكومة التي تحتمي بقوات الاحتلال وليس غير ذلك، متناسين بأن من يمتلك معدات التدمير فقط للحوار مع الآخر لا يمتلك ما يؤهله لتحقيق النصر، فالذي ينتمي لمعسكر القوة التي تسحق الإنسان لا تطال قامته قامة من يصنع السلم انتصاراً للإنسان.

يتشابه السيناريو في معظم الحالات، يتم التدخل العسكري بذرائع شتى في هذا المكان أو ذاك، وتسهم الماكينة الإعلامية والأنشطة الدبلوماسية في إنجاز المهمة العسكرية هذه بأقل قدر من سخط الرأي العام العالمي، تنتهي الحرب في فترة زمنية قياسية و يتبنى مجلس الأمن الدولي صيغة قرار يصبح لقوات الاحتلال، في ضوئه، وجود شرعي.

عندها تنبري بعض الدول لتعقد مؤتمراً دولياً يحمل مسمى مؤتمر الدول المانحة يصدر في ختامه بيان يرسم صورة جميلة لما سوف تحدثه بلايين الدولارات التي وعد هؤلاء بمنحها لإعادة إعمار البلد المحتل، يبتسم رئيس الدولة الجديد مرتبكاً أمام كرم هؤلاء، ويتطلع إلى اليوم الذي سوف يستلم فيه هذه المنح، ويوجه الشكر للدول المانحة و للدولة المحتلة مثمناً دور قواتها.

تمر بضعة شهور يبدأ بعدها خبراء البنك الدولي في الوصول إلى هذا البلد المنكوب وينشغل واضعو سياسات صندوق النقد الدولي في وضع السيناريوهات لربط اقتصاده بماكينة الاقتصاد العالمي بطريقة لا تمكنه من الخلاص حيث تُرتهن ثرواته وتُقيد إرادته بالقروض المقدمة التي تفرض عليه الاستماع إلى املاءات الصندوق كشرط لا يمكن تجاوزه لتقديم القروض، ومع مرور الزمن نرى أن لا شيء قد تحقق على أرض الواقع.

هنالك حاجة ليس للبحث عن نصر عسكري في هذه البلدان بل للبحث عن فرص لكسب السلم، فالاستقرار فيها يتحقق فقط حين يزدهر الاقتصاد وتتوافر فرص العمل لجيوش العاطلين وتخضر الحقول بالمحاصيل الزراعية وتدور دواليب المصانع بسرعة تعويضاً عن الزمن الذي أهدر، وتزدهر السياحة ويتطور قطاع الخدمات ويعود الطالب لمدرسته ويجد الطبيب فرصته لأداء واجبه الإنساني اتجاه الأعداد الهائلة من الذين حرموا من الخدمات الصحية، وترتسم ابتسامات الأمل على شفاه الأطفال، وبدون ذلك يتحول أي نصر عسكري إلى رماد تذروه الرياح.

هنالك من يروج للاحتلال الأميركي بالقول ان الدولة المحتلة تعمل على إعادة بناء البلد المحتل بكفاءة عالية جداً، والدليل الذي يُسوق في هذا الصدد هو ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية حيث أعيد بناء أوروبا وفق مشروع مارشال. إلا أن هؤلاء يتناسون إن الدول التي أعيد إعمارها هي أصلاً دول متطورة اقتصاديا وعلمياً وتكنولوجياً، ومتطورة كذلك في ممارساتها السياسية، إذ أن الحزب النازي الألماني نفسه قد صعد إلى سدة الحكم في عام 1933 عن طريق صناديق الاقتراع.

كما أن مشروع مارشال لم يكن مشروعاً خيرياً صرفت فيه الولايات المتحدة ما قدره 29 بليون دولار، أي ما يساوي تقريباً 29 تريليون دولار في الوقت الحالي آخذين بنظر الاعتبار معدلات التضخم خلال الستة عقود الماضية. فمن يقلب صفحات التاريخ سوف يطلع على حقيقة الدوافع وراء ذلك المشروع.

فقد انتهت الحرب العالمية الثانية في أوربا في الثامن من مايو من عام 1945 حسب ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل، أما مشروع إعادة إعمار أوروبا فقد اقترحه جورج مارشال في عام 1947 ودخل مرحلة التنفيذ عام 1948 بعد أن توصلت الولايات المتحدة إلى القناعة بأن الخراب الذي حل بوسط أوروبا وخاصة في ألمانيا وسيادة الفوضى والفقر فيها قد يدفعها إلى الوقوع لقمة سائغة بيد المعسكر الاشتراكي الفتي الذي بدأ بمد نفوذه نحو الغرب. لقد صرفت الولايات المتحدة مبالغ طائلة في أوروبا واليابان مخافة زحف الشيوعية إليها بسبب الفقر والدمار الذي لحق بهما خلال سنوات الحرب.

فهل ترى الولايات المتحدة في التنظيمات الأصولية، مثل تنظيم القاعدة، خصماً حقيقياً ينازلها لانتزاع الهيمنة منها في الشرق الأوسط مستغلاً حالة الفقر والفوضى السائدة في الدول المحتلة ؟ إن واقع الحال لا يشير إلى ذلك، فليست هنالك رغبة حقيقية لدى الولايات المتحدة لإعادة إعمار الدول التي احتلتها وأسهمت في تخريب وتدمير اقتصادياتها، مما يعزز الانطباع بأن التلويح بمخاطر هذا التنظيم ليس سوى أداة تبرر الزيادة المستمرة في ميزانية البنتاغون لضمان بقاء النظام العالمي، ذي القطب الواحد، الذي انبثق بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن المنصرم.

كاتب عراقي[line]

castle
24-03-2007, 07:57 AM
السبـت 05 ربيـع الاول 1428 هـ ،،، 24 مارس 2007


المواطنة‏..‏ الولاء‏..‏ والاستفتاء

د‏.‏ ماهر جابر محمد

رئيس جامعة المنيا

ألاهرام

في حياة أي شعب من الشعوب لحظات فاصلة‏,‏ ومصرتشهد الآن واحدة من هذه اللحظات الفارقة في تاريخها وذلك عندما يتوجه أبناؤها يوم الاثنين المقبل إلي صناديق الاقتراع للاستفتاء علي التعديلات الدستورية التي أقرها مجلس الشعب والتي تشمل تعديل‏(34)‏ مادة من مواد الدستور‏,‏ من بينها المادة الأولي التي تستبدل فيها صيغة تحالف قوي الشعب العاملة التي كانت من بقايا الفكر الاشتراكي وذلك بصيغة المواطنة وهو تعديل يؤذن بميلاد فجر دولة عصرية علي الأراضي المصرية‏.‏

ان المواطنة تعني ببساطة ان المصريين جميعا‏(‏ مسلمين واقباطا‏)‏ متساوون في الحقوق والواجبات وانه لا تمايز بينهم بسبب الجنس او الدين اوالعقيدة اوالعرق‏,‏ كما أنها تعني اعتراف كل مواطن بحق غيره من الاخرين في الحرية والحياة الكريمة والمشاركة في بناء وتنظيم المجتمع وبهذا ستتلاشي تدريجيا تعقيدات كثيرة كادت تحول حياتنا إلي جحيم من جراء تدخل البعض في حياة الاخرين اواستعلاء الاغلبية علي الاقلية اورغبة الذكور في الهيمنة علي الاناث‏,‏ كما ستذوب الفوارق وتحل محلها الحقوق والحريات العامة‏.‏

ان المواطنة بمعني اخر تعني تكريس احترام مفهوم التعددية وتسقط الفوارق المتصلة بالدين اوالجنس اوالاصل بين البشر‏,‏ فهي تشمل المسلم والقبطي وغيرهما من اصحاب العقائد الروحية‏,‏ كما تشمل الرجل والمرأة علي حد سواء في دلالة عصرية علي نضج المجتمعات وبلوغها سن الرشد‏.‏

ونحن اذا نظرنا إلي المواطنة باعتبارها الانتماء إلي الوطن والذود عنه وحماية ثرواته والقطع بها وفق أسس الانصاف الاجتماعي والعدل الانساني‏,‏ فهي بهذا المعني تفرض علينا نحن المصريين جميعا حب هذا الوطن والذود عنه والتعاون فيما بيننا في مواجهة من يريد الشر بوطننا الذي ننتمي اليه ونفخر به وان نؤكد التحامنا ونثبت وجودنا ـ مسلمين واقباطا ـ وان يسود بيننا الحب والتماسك والتضامن‏,‏ ونرفع شعار الوحدة الوطنية‏.‏

وأول مظاهر الحب لوطننا والولاء اليه في نظري هو المشاركة في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية بعد غد‏,‏ فيجب علي كل مصري غيور علي وطنه محب له ان يسارع ويحث غيره إلي صناديق الاقتراع للمشاركة في التصويت علي التعديلات الدستورية المقترحة حتي لاتفلت منا لحظة تاريخية مهمة كما أفلت الكثير من غيرها‏,‏ لأن هذا التعديل يعد عرسا وطنيا يجب ان نحتفي به جميعا‏[line]
قالوا عن الإعلامية في مجلس الشورى السعودي؟!

ثريا الشهري

الشرق الاوسط
فاق عدد طالبي المداخلة في الجلسة الثانية لمجلس الشورى السعودي بتاريخ 12 من الشهر الحالي، الثلاثين عضواً خلال مناقشة التقريرين السنويين لوزارة الثقافة والإعلام، وطبعاً، وبارتباط الموضوع بهذه الوزارة فهي الفرصة لانتقاد المرأة، وإن كان الأمر طال «معرض الكتاب» الأخير أيضاً وبنفس المضمون الاعتراضي، فبعض الأعضاء، وكما جاء في مداخلاتهم، يرون أن عمل المرأة في وسائل الإعلام لا لزوم له، فالعالم لا ينتظر منا إخراج نساء متبرجات، متسائلين عن الإنجاز في دخول المرأة كقارئة للأخبار تحاور الأجانب، مطالبين بإعلام «متميز»، وبدعوة وزير الثقافة والإعلام إلى المجلس لمناقشته في المخالفات الشرعية والنظامية. هذا مجمل ما جاء عن بعض الأعضاء.

ولنبدأ هنا بسؤال بسيط: هل تعد المرأة إنساناً؟ فإن كان الجواب نعم، فهي ليست مخلوقة بأقل حال من الرجل، ولنكتف بهذه الآيات المكرمة لها: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.... لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، فمعيار التكريم عند الله هو العمل الصالح، وحين يقول عز وجل:«ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط...»، و«وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون...»، نفهم أن المسألة عند الله ليست ذكورة أو أنوثة، ولا هي حيض يمنع من الصلاة والصوم فينتقص الدين، فالله أعظم من أن يجعل من شيء ابتدعه هو في المرأة لغايات حفظ النوع سبباً لتحقيرها ونقصان دينها أو عقلها، بل ويكفي إلماحيته تعالى الرائعة إلى قدر المرأة حين يضربها مثلاً للذين كفروا، وأيضاً للذين آمنوا من ذكور وإناث، فإذا كانت هذه مكانتنا نحن النساء لدى من أراد لنا الحياة، فكيف يأتي العبد ويستكثرها علينا! ثم لا يتردد في التلحّف بالدين وكأن القرآن يستعصى فهمه إلى هذا الحد.

روي عن ابن الأحوص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «النساء عورة فاحبسوهن في البيوت»، فهل يتفق هذا الكلام مع حديث «استوصوا بالنساء خيراً»، الذي أورده البخاري! إلا إذا كان الخير عند النبي هو السجن، حاشاه حبيبنا وشفيعنا من شبهنا يوماً بالقوارير، ولكنه مجرد مثل لما تمتلئ الكتب به وبغيره، ولو اتسع المجال لأوردنا من الآيات والأحاديث أمام كل حشو ما يكفل رده.

باختصار، تم تغليب الروح الذكورية في علاقة الفقه الإسلامي بالمرأة وفي نظرته إليها، حتى تحولت العادات العربية المتعلقة بها إلى دين، فما الذي يمنع خروج المرأة للعمل حتى وإن رآها الرجل! وهل خروجها ورؤية الناس لها بمن فيهم الرجال في الشارع، أمر يمكن السكوت عنه، ولكن حين تظهر على شاشة فيراها الرجال أنفسهم نتشدد في رأينا! ثم ما يقلق المرء أكثر أننا وفي كل خطوة نقطعها في طريق التقدم، وحتى بعد أن تثبت التجربة تطورها كمثل عمل المرأة السعودية الإعلامي، نسمع صوتاً يعيدنا إلى الوراء، ويجد من يؤيده، فهل من وطنية هي! أم من أسلمة! أم ماذا بالضبط!

ومن الذي يقرر لزوم عمل المرأة الإعلامي من عدمه! وأين هي المخالفات الشرعية والنظامية! وإذا كان السؤال أين الإنجاز في محاورة المرأة للأجانب، وكأن المفروض أن تحاور محارمها، يكون الرد وأين الإنجاز في إلغاء وجودها أيضاً، ومن الذي أعاق توسعها في عملها أصلاً! ثم أين هو هذا التبرج! فلو أفردت لي الصحيفة مساحة لألحقت مقالي بصفحات تصنّف التبرج وتضعه في مكانه الصحيح، فكفانا لغطا، ولنكن أكثر نفعاً لديننا ونسأل أنفسنا: أيهما سيحاسبنا الله عليه أكثر، تقاعسنا عن العلم والعمل به لحاقاً بالركب أم الكحل المرسوم في العين؟ ولا أحسب إلا أن القيادة السعودية وعت الإجابة فآمنت بقدرة الرجل والمرأة معاً، فإن كانت هذه هي المخالفة النظامية التي قصدها الأعضاء، فمن الجائز أنهم لم يحسنوا القراءة من أول مرة، لأنهم لو فعلوا لما أصروا كثيراً على مناقشة الوزير، وهنا لي تساؤل آخر: لم نحن منقسمون فيما بيننا بهذا الشكل! وكأننا فريقان أو قل أكثر، هل من الصعب فعلاً أن نكون موحَدّّين! كم سيكسب الوطن حينها! ولو دققنا لوجدنا أن كل فريق يؤكد إيمانه بدينه وثقته بوطنه، فيأتي غيره ويخالفه وربما بنفس المبدأ! فمن يكون أحق الفريقين بالإتباع! إن قلت: من يكون في نهجه الخير والصالح العام، هل أكون موضوعية كفاية! وعليه: هل من مصلحة الوطن المضي، وفي عصر القوى العظمى، في النظر بعين حولاء والمشي بساق عرجاء! برجل من دون امرأة تبني معه! وهل إن حصلت تجاوزات، وهذا وارد في قانون الكون، يكون من الصحة والذكاء الحكم على التجربة بالفشل! لم سياسة الوأد ما زالت تسري في دمائنا إلى اليوم! ولا يبقى لنا ما نستخلصه مما يُتداول في مجلس الشورى وبالذات في شؤون المرأة، سوى ضرورة التركيز على أهمية وجود المرأة السعودية في هذا المجلس الموقر كعضو لها أحقيتها في الأخذ والرد، بتمثيل يشمل الشرائح المختلفة، والحجة بالحجة، ومن له اعتراض يقابله آخر وبمنطق.

إن الميراث الثقافي والفكري والروحي المتراكم داخل التراث الإسلامي، غالباً ما يغذي الحلم بوجود الإنسان المثالي الكامل، وبما أن الكمال لله وحده، فالأولى أن نكون أكثر تسامحاً مع النقص، وبدلاً من إنكاره، نحاول جاهدين دمج المتخيل المعقلن مع المتخيل الأسطوري، فالفكر العلمي يميل إلى اختزال الإنسان إلى عقل وطاقة، ولكننا كمسلمين لا نفصل الروح عنهما، فالتوازن هو المطلوب، وبذلك تطل المرأة على الشاشة باسم العصر، ويكون حضورها مراعيا للمسؤولية باسم الدين، أما أن نظل نحلم بالإنسان الكامل، ونحصره في الرجل، فهذا عبء يؤخر ويضخم صاحبه، حتى يظن في نفسه أنه المسؤول عن كل شيء، وقد يصل إلى سن القوانين التي تتماشى مع نظريته عن الكمال، كلمة في السياق: اعتزم عدد من العلماء والدعاة، فتح محلات للحلاقة بإعلان يشير إلى عدم حلق اللحى، والقصات «المحرمة»، كلمة بعد الأخيرة: إلى أين نحن ماضون! [line]
خمسة عشر اعتذاراً.. واعتذار

خيري منصور

الخليج

المطلوب من العربي الآن وفي ذروة الانتهاك الذي أسال نخاعه على مقعد في مقهى أو على السرير أن يقدم أحد عشر اعتذاراً.

تبدأ من اعتذاره عن كونه عربياً، باسم منحوت من الأبجدية ولون مدبوغ بالشمس كلون القمح، ثم يعتذر عن ذكائه ان كان ذا نصيب من الذكاء لأن هذا الذكاء يحول دون تمرير خرافات التفوق العرقي، والاحتلال من أجل الاستقلال وديمقراطية الموت التي توزع الأرامل والأيتام والأطلال بالتساوي بين العرب أجمعين.

ثم يعتذر عن تاريخه لأنه أقدم من شركة الهند الشرقية عام ،1620 ومن مستوطنة نيو بليموث، ثم يعتذر ديمغرافيا عن الربع مليار الذين يحملون الجنسية المطاردة ذاتها، والمطلوب منهم أن يرددوا مع المتنبي في شعب بوان أنهم غرباء القلب واليد واللسان.

وعليه أن يعتذر عن جغرافياه أيضاً لأنها رسولية، وعن صحرائه لأنها مهرت الوجود كله بحناء الشعر والنبوة والفروسية.

وعليه أن يعتذر عن سواد عينيه لأن سواه اكتشفوا الكحل من البارود والفحم كي يتشبهوا به.

وعليه ان يعتذر عن سيفه ورمحه وحصانه لأن الخريف العباسي أركبه على بغلة عرجاء وسمل عينيه.

وعليه أن يعتذر نيابة عن الأيوبي والمختار والحلبي والقسام وجول جمال ومحمد الدرة وسائر السلالة، لأنهم خرجوا في الليل عندما كان التجول ممنوعاً في شعاب التاريخ، وان كان مسموحاً في شعاب الجغرافيا.

وعليه أن يعتذر عن حليب أمه لأنه لم يرضع من زجاجة، وعن ضوء شمسه الفصحى لأنها ولدت قبل الكهرباء.

عليه أن يعتذر عن ديوان الشعر منذ الملك الضليل حتى آخر صعلوك لم يجد القوس والسهم فأطلق روحه.

وعليه أن يموت في رحم أمه لأن جولدمائير تتقلب في قبرها إذا سمعت القابلة تبشر الأم العربية بابن جديد.

وعليه أن يكرر المثل الأخرق وهو “الكف لا تلاطم المخرز” خمس مرات في اليوم، ناسياً أن الكف تصفع وتكتب وترسم وتنحت وتضغط على الزناد.. فتقاوم مخارز الدنيا كلها.

وعليه أن يتوضأ من ماء نهر السين أو التايمز أو المسيسبي كي يصلي لوثن جديد ليس من صميم عقيدته الخالدة أو سلفه النوراني الذي أشعل ذات برق رسولي ظلام الكون.

وعليه أن يخلع عينيه وأظفاره وأصابع يديه وقدميه في غرف التفتيش. لأنها أدوات ممنوعة خصوصاً إذا كانت في حوزة عربي اسمه محمد أو يوسف أو عبدالرحمن.. أو فاطمة أو خديجة أو أسماء.

وعليه أن يعتذر عن تعلمه القراءة والكتابة كي يضيف نقطة من دم إلى كلمة عرب فتصبح الغرب، وأن يضيف الراء إلى كلمة حب كي تصبح الحرب.

عليه أيضاً أن يعترف تحت السياط بأن بلجيكا أكبر من الكونجو، ومدغشقر أكبر من بريطانيا، وتل أبيب أكبر من نيويورك.

لا أعرف حتى الآن كم اعتذاراً أوردت. انها إذا لم أخطئ في الحساب خمسة عشر اعتذاراً، أما الاعتذار السادس عشر فهو عن كل ما ورد أعلاه.

لكن اعتذار الاعتذارات كلها هو اعتذار العربي الذي لم يخلع جلده وذاكرته ولم يترجم قلبه واسمه عن تقديم أي من تلك الاعتذارات.[line]

castle
25-03-2007, 06:39 PM
الأحد 6 ربيع الأول 1428 هـ ،،، 25 مارس2007


شيء يشبه الحلم

حمود أبو طالب

الوطن

الديموقراطية كما هي في قاموس السياسة وأدبياتها تختلف كثيرا في تعريفها ومعناها عن الديموقراطية التي تتبناها أمريكا في العالم العربي كواحد من أهم ملفاتها في الوقت الحاضر، إذ إن ديموقراطية التصدير هذه فضفاضة ومشوهة وهلامية وموبوءة بكثير من جراثيم النوايا التي أصبحت تملأ الفضاء العربي، إنها الديموقراطية المسخ التي كانت بشاراتها الدم والدمار والاستلاب وتحويل الأوطان بحكامها وشعوبها إلى إيقونات تحركها كما تشاء على ساحة مصالحها التي تمثل الهدف الوحيد لها، ومن أجله تبيح أي فعل وتصرف..

هذه الحقيقة تقودنا إلى سؤال جوهري لابد من طرحه هو: أليس بالإمكان أن تحقق الدول العربية ديموقراطية لشعوبها بمنأى عن التدخل والوصاية من أمريكا أو غيرها؟ أليست قادرة على تحييد أمريكا، على الأقل في هذا الجانب أو الذريعة التي لم تجد أفضل منها لتسريع تنفيذ مخططاتها التي لم يعد يستعصي فهمها؟.

ممكن ذلك، وممكن جدا، إذا توفرت الإرادة والنية الصادقة لمؤسسات الحكم مهما كان نوعها وتصنيفها، وما الضوء الذي سطع من أقصى الطرف الغربي للعالم العربي إلا دليل واضح على ما نقول..

موريتانيا، الدولة الصغيرة ذات الإمكانات والموارد المتواضعة التي عادة ما تكون مبررا للحكم الشمولي المستبد في كثير من دول العالم، ضربت مثالا غير مسبوق في عالمنا العربي بممارستها الأخيرة.
وإذا ما وضعنا جانبا مسألة العلاقة مع إسرائيل التي لا تنفرد بها موريتانيا وحدها، فإن ما حدث يمكن اعتباره أعلى درجات المسؤولية الوطنية في التجارب العربية، حيث إنه منذ تجربة عبدالرحمن سوار الذهب التي لها ظروفها الخاصة، لم يحدث أن يقوم انقلاب عسكري بأقل الأضرار من أجل تصحيح الأوضاع ثم يتعهد بالاحتكام لإرادة الشعب في وقت محدد لإدارة شؤونه من خلال سلطة مدنية تأتي نتيجة انتخابات خالية من الضجيج والمزايدة والاحتقان. ليس هذا فحسب، بل توجت موريتانيا تجربتها بتلك المناظرة التي جرت علنا وبطريقة حضارية بين مرشحي الرئاسة وتم خلالها طرح برامج كل منهما دون أن يعتدي أحد على الآخر أو يحط من قدره أو يسفهه.

إنها تجربة يجب الوقوف عندها احتراما لأنها تثبت أن الأوطان قادرة على تجنيب نفسها كثيرا من المآسي حينما تكون النوايا صادقة ونزيهة بين مؤسسات الحكم والشعوب.[line]
الملف الغائب في كل قمة‏!‏

رجـب البنـا

الاهرام

في جدول أعمال القمة العربية قضايا كثيرة وخطيرة‏,‏ ومن الممكن أن تستغرق الأحداث الملتهبة في العراق وفلسطين ولبنان والسودان كل الوقت فلا يتبقي أمام الزعماء وقتا لمناقشة أم القضايا وهي الاتفاق علي رؤية محددة أو استراتيجية موحدة لنقل العالم العربي من صف الدول المتخلفة أو النامية إلي صف الدول المتقدمة‏.‏

فمهما يكن في الحاضر من مشاكل ومخاطر فإنها تنتهي في التحليل النهائي إلي سببين هما‏:‏ التشرذم العربي واستمرار الخلافات والاختلافات في الرؤي والمواقف والولاءات‏,‏ والتخلف الذي يجعل العالم العربي غير قادر علي الاعتماد علي الذات أو الاندماج في النظام العالمي كما فعلت دول كانت اكثر تخلفا ولحقت بقطار التقدم بالارادة السياسية وباستراتيجية واضحة ومحددة مثل الصين والهند وكوريا وماليزيا وغيرها‏.‏

ومع تزايد الضغوط علي العالم العربي لم يعد مقبولا تكرار تلك الاعذار غير المنطقية التي تحولت إلي شماعة تعلق عليها اسباب العجز العربي للتهرب من المسئولية عن القيام بالتغيير الحقيقي‏.‏ وبلد صغير مثل كوريا الجنوبية خصص معظم انفاقه للتعليم لمدة سبع سنوات فكانت النتيجة ظهور جيل من العلماء سجلوا اكثر من‏1700‏ براءة اختراع لها قيمة عالمية في الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة بينما لم يسجل في جميع الدول العربية سوي‏170‏ براءة اختراع في عشرين عاما‏.‏

وفي كل حديث للدكتور احمد زويل يتساءل‏:‏ أين العرب من الثورة العلمية‏,‏ أين هم من القدرة علي النزول علي سطح المريخ البعيد عن الأرض بملايين الكيلو مترات‏,‏ ومن الانجاز العلمي التاريخي بحل الشفرة الوراثية والتحكم في الجينات مما يفتح الباب أمام الدول المتقدمة لتصنيع قطع غيار بشرية والقضاء علي الأمراض المستعصية قبل ظهورها‏.‏

قضية التقدم هي بالفعل أم القضايا لأن حالة الضعف في العالم العربي هي التي تجعل الآخرين يتطاولون عليه ويستسهلون غزوه أو الضغط عليه والتحكم في مصيره‏.‏ ومظاهر الضعف والتخلف كثيرة في الصناعة والزراعة والعلوم والتعليم ومتوسط دخل الفرد وانتشار الأمية والبطالة وحرمان المرأة من حقوق الانسان‏.
‏ واذا توافرت الارادة الحقيقية فإن الوصفة جاهزة‏,‏ وتتلخص في الاصلاح السياسي والاقتصادي‏,‏ والعدل الاجتماعي‏,‏ وتكافؤ الفرص‏,‏ وحكم القانون‏,‏ بذلك تتغير ثقافة الشعوب‏,‏ وتسود الثقة‏,‏ ويترسخ الشعور بالانتماء‏,‏ وتظهر القيم والاخلاقيات التي تساعد علي الانتاج والتقدم‏.‏

العقبة الكبري التي تعوق مشروع النهضة والتحديث أن قطاعا من المثقفين والنخبة في العالم العربي يعيشون في الماضي ـ إنهم لا يدرسون الماضي لاستخلاص الدروس ولكنهم يعيشون فيه ويضيعون جهدهم في محاولات لاعادة الحياة إلي الماضي الذي كان صالحا في عصر ولم يعد صالحا بنفس مواصفاته في عصر آخر‏.‏

وهذا ما جعل زويل يري ان هذه الظاهرة العربية ـ الاسلامية لا مثيل لها في العالم‏,‏ أن يبقي الماضي حيا في الوعي علي حساب الحاضر والمستقبل بل ان التفكير فيه اكثر من التفكير في المستقبل‏.‏ وجه العجب ان البعض يري ان المستقبل يجب ان يكون هو الماضي بينما يري الآخرون في الدول المتقدمة ان غدا يوم آخر ليس منقطع الصلة بالأمس ولكن لا يمكن عقلا وعملا ان يكون تكرارا له‏.‏ وهذه مشكلة‏,‏ بل هي معضلة‏..‏ والمؤسف ان تكون بين بعض المثقفين والنخبة‏.‏

وبعد الزعماء العرب يأتي دور المثقفين والنخبة الواعية القادرة علي حشد الرأي العام وراء مشروع النهضة واللحاق بالعصر‏,‏ وهؤلاء عليهم أولا التصدي للفكرة السائدة بين كثيرين من المثقفين العرب بأن العلوم والتكنولوجيا ليست للعرب وان العرب لهم الشعر والأدب‏,‏ وبعضهم يري أن الحديث عن النهضة العلمية ترف وإسراف ولا يمثل احتياجا أساسيا للمجتمعات العربية‏.‏

اليست هذه القضية جديرة بالبحث علي مستوي القادة والزعماء العرب‏.‏ [line]
استخدام السلاح النووي.. المفعول الخفي...؟!

د. صدقة يحي فاضل

عكاظ

يمكن تقسيم «السلاح» العسكري إلى نوعين رئيسين، هما: السلاح التقليدي: وهو الذي يعتمد في قدرته التفجيرية على متفجرات عادية (TNT)، وأسلحة «الدمار الشامل»: التي تعتمد قدرتها التدميرية على متفجرات هائلة التخريب، وكاسحة التدمير.

وتنقسم هذه الأسلحة (الاستراتيجية) بدورها إلى ثلاث فئات، هي:

الأسلحة الكيميائية، والبيولوجية، والنووية. والأخيرة هي أقوى وأفتك الأسلحة التي عرفتها البشرية، على الإطلاق. ولاشك، أن مجرد «وجود» أسلحة دمار شامل، في منطقة جغرافية ما، يجب أن يثير لدى أهلها الخوف والهلع، بل والرهبة.

فلأسلحة الدمار الشامل وظيفتان هامتان مفزعتان، أو لنقل: «فائدتان» عسكريتان – سياسيتان، هما الردع (Deterrence) في حالة عدم الاستعمال، وإنزال خسائر بشرية ومادية هائلة بالخصم (Mass Destruction) في حالة الاستخدام. فمن لا يملك هذا السلاح، بينما خصمه يمتلكه، يكون (في أكثر الأحيان) تحت رحمة ذلك العدو، وعرضة لابتزازه.

لقد قامت إسرائيل – بمساعدة أمريكا والغرب بعامة – بامتلاك ترسانة ضخمة من أسلحة الدمار الشامل. ولديها الآن مالا يقل عن مائتي رأس نووي، مع وسائل حمل وقذف هذه القنابل – صواريخ، طائرات، غواصات – ضد أهداف، تشمل كل المنطقة العربية. ولكن إسرائيل كانت لا تعترف (رسمياً) بامتلاكها هذا العتاد، وإن كانت دائماً تلوح به... مستخدمة فائدة «الردع»، ومستعملة ما لها من مردود إيجابي على سياساتها العدوانية.

وقد صرح رئيس وزراء إسرائيل أيهود أولمرت (يوم 11 /12/ 2006م) لإحدى محطات التلفزة الألمانية، بما معناه إن لدى إسرائيل سلاحاً نووياً. وكان ذلك اعترافاً إسرائيلياً، يصدر لأول مرة، بأن إسرائيل دولة نووية. أما رفضها – حتى الآن – الإقرار رسمياً وصراحة، بكونها «دولة نووية», فانه يرجع إلى عدة أسباب، لعل أهمها:-

1 – محاولة الظهور أمام الغرب والعالم بمظهر الدولة المسالمة، بل والمستضعفة، والمستهدفة... طمعاً في المزيد من الدعم الغربي والدولي.

2 – العمل على «إعاقة»العرب من تطوير أسلحة نووية خاصة بهم... والحيلولة دون إعطائهم الـ «مبرر» لهذا السعي. ومعروف ما فعلته – وتفعله – إسرائيل... لإعاقة ووقف أي تنمية نووية عربية، حتى وإن كانت لمجرد الأبحاث والاستخدامات السلمية، في أي قطر عربي. ومن المؤسف، أنها نجحت تماما في عمليات «الإعاقة» هذه... والدليل هو: هذا «الضمور» النووي العربي المشين...

3 – ضمان استمرار تدفق الدعم الأمريكي – العسكري والسياسي والاقتصادي – البالغ السخاء للدولة العبرية... والعمل على زيادة هذا الدعم. وإن اعتراف إسرائيل (رسميا ً) بامتلاكها وتطويرها للسلاح النووي يؤدي إلى: عرقلة هذا الدعم، وربما وقفه. حيث أن «القانون» الأمريكي يمنع تقديم مساعدة حكومية أمريكية مهمة لأي دولة تمتلك أو تنمي أسلحة نووية – عدا الدول الموقعة على اتفاقية حظر الانتشار النووي، والتي صنفت كدول نووية، في تلك الاتفاقية. هذا رغم أن إسرائيل هي في العرف الامريكى، كيان فوق القوانين... ومعروف، أن الحملة الأمريكية – البريطانية – الإسرائيلية الحالية ضد إيران تشن بحجة أنها تحاول امتلاك رادع نووي عسكري. وهذا في الواقع غير صحيح حتى الآن. ولا جدال، أن معظم الشعوب العربية تتمنى أن تمتلك دولة عربية أسلحة دمار شامل... لتواجه بها أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية. إنه أمر تقف الصهيونية والاستعمار دون مجرد التفكير فيه. إذ يبدو أن الصهيونية تأمل أن تستطيع حتى منع العرب من «الحلم» به.

ولكن الشعوب العربية تحتاج – منطقيا -«رادعاً»، مقابل «رادع»– على الأقل... إن من يظن أن إسرائيل لا «تستخدم» سلاحها النووي ضد العرب (وعلى مدار الساعة) يتجاهل الـ «مفعول» السياسي المزدوج لهذا السلاح. إنها تستخدمه... كعنصر ردع – فعال جداً، وفى اغلب الأحوال. فهي تحاول أن تكون الآمرة الناهية في المنطقة... تعمل ما تشاء... ولا يعمل ما لا ترغبه. وإن عارضها معارض قوي، فهناك رادعها النووي – إن عجز رادعها التقليدي...؟! صحيح، أن معظم المراقبين العرب والمسلمين، وغيرهم، لا يريدون أسلحة دمار شامل – بل ولا حتى أسلحة تقليدية عادية – سواء في يد أنظمة ديكتاتورية (أو غير ديكتاتورية) طائشة، أو غير طائشة. ولكن، لا احد من المنصفين يجب أن يقبل مبدأ: تفرد إسرائيل (هذا الكيان الاجرامى) بحيازة ميزة «الردع» النووي، ضد كل الأمة... فلابد – حماية للأمن القومي العربي، وضماناً لنجاح السياسات السلمية والتنموية العربية – أن يكون هناك، في مواجهة إسرائيل، رادع نووي عربي (أو اسلامى)... يحيد رادعها النووي المرعب.

ومن غير المنطقي، والحالة هذه، أن يلعب المستهدفون بأسلحة إسرائيل في ملعب الأخيرة، بالمطالبة بوقف التنمية النووية في بعض دول المنطقة... مع تجاهل الخطر النووي الاسرائيلى الداهم. فالبعض يفسر ذلك بأنه قبول بالهيمنة السياسية (النووية) الصهيونية، أو تسهيل لخطة السيطرة الكريهة هذه. [line]

castle
25-03-2007, 06:40 PM
الأحد 6 ربيع الأول 1428 هـ ،،، 25 مارس2007

شيء يشبه الحلم

حمود أبو طالب

الوطن

الديموقراطية كما هي في قاموس السياسة وأدبياتها تختلف كثيرا في تعريفها ومعناها عن الديموقراطية التي تتبناها أمريكا في العالم العربي كواحد من أهم ملفاتها في الوقت الحاضر، إذ إن ديموقراطية التصدير هذه فضفاضة ومشوهة وهلامية وموبوءة بكثير من جراثيم النوايا التي أصبحت تملأ الفضاء العربي، إنها الديموقراطية المسخ التي كانت بشاراتها الدم والدمار والاستلاب وتحويل الأوطان بحكامها وشعوبها إلى إيقونات تحركها كما تشاء على ساحة مصالحها التي تمثل الهدف الوحيد لها، ومن أجله تبيح أي فعل وتصرف..

هذه الحقيقة تقودنا إلى سؤال جوهري لابد من طرحه هو: أليس بالإمكان أن تحقق الدول العربية ديموقراطية لشعوبها بمنأى عن التدخل والوصاية من أمريكا أو غيرها؟ أليست قادرة على تحييد أمريكا، على الأقل في هذا الجانب أو الذريعة التي لم تجد أفضل منها لتسريع تنفيذ مخططاتها التي لم يعد يستعصي فهمها؟.

ممكن ذلك، وممكن جدا، إذا توفرت الإرادة والنية الصادقة لمؤسسات الحكم مهما كان نوعها وتصنيفها، وما الضوء الذي سطع من أقصى الطرف الغربي للعالم العربي إلا دليل واضح على ما نقول..

موريتانيا، الدولة الصغيرة ذات الإمكانات والموارد المتواضعة التي عادة ما تكون مبررا للحكم الشمولي المستبد في كثير من دول العالم، ضربت مثالا غير مسبوق في عالمنا العربي بممارستها الأخيرة.
وإذا ما وضعنا جانبا مسألة العلاقة مع إسرائيل التي لا تنفرد بها موريتانيا وحدها، فإن ما حدث يمكن اعتباره أعلى درجات المسؤولية الوطنية في التجارب العربية، حيث إنه منذ تجربة عبدالرحمن سوار الذهب التي لها ظروفها الخاصة، لم يحدث أن يقوم انقلاب عسكري بأقل الأضرار من أجل تصحيح الأوضاع ثم يتعهد بالاحتكام لإرادة الشعب في وقت محدد لإدارة شؤونه من خلال سلطة مدنية تأتي نتيجة انتخابات خالية من الضجيج والمزايدة والاحتقان. ليس هذا فحسب، بل توجت موريتانيا تجربتها بتلك المناظرة التي جرت علنا وبطريقة حضارية بين مرشحي الرئاسة وتم خلالها طرح برامج كل منهما دون أن يعتدي أحد على الآخر أو يحط من قدره أو يسفهه.

إنها تجربة يجب الوقوف عندها احتراما لأنها تثبت أن الأوطان قادرة على تجنيب نفسها كثيرا من المآسي حينما تكون النوايا صادقة ونزيهة بين مؤسسات الحكم والشعوب.[line]
الملف الغائب في كل قمة‏!‏

رجـب البنـا

الاهرام

في جدول أعمال القمة العربية قضايا كثيرة وخطيرة‏,‏ ومن الممكن أن تستغرق الأحداث الملتهبة في العراق وفلسطين ولبنان والسودان كل الوقت فلا يتبقي أمام الزعماء وقتا لمناقشة أم القضايا وهي الاتفاق علي رؤية محددة أو استراتيجية موحدة لنقل العالم العربي من صف الدول المتخلفة أو النامية إلي صف الدول المتقدمة‏.‏

فمهما يكن في الحاضر من مشاكل ومخاطر فإنها تنتهي في التحليل النهائي إلي سببين هما‏:‏ التشرذم العربي واستمرار الخلافات والاختلافات في الرؤي والمواقف والولاءات‏,‏ والتخلف الذي يجعل العالم العربي غير قادر علي الاعتماد علي الذات أو الاندماج في النظام العالمي كما فعلت دول كانت اكثر تخلفا ولحقت بقطار التقدم بالارادة السياسية وباستراتيجية واضحة ومحددة مثل الصين والهند وكوريا وماليزيا وغيرها‏.‏

ومع تزايد الضغوط علي العالم العربي لم يعد مقبولا تكرار تلك الاعذار غير المنطقية التي تحولت إلي شماعة تعلق عليها اسباب العجز العربي للتهرب من المسئولية عن القيام بالتغيير الحقيقي‏.‏ وبلد صغير مثل كوريا الجنوبية خصص معظم انفاقه للتعليم لمدة سبع سنوات فكانت النتيجة ظهور جيل من العلماء سجلوا اكثر من‏1700‏ براءة اختراع لها قيمة عالمية في الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة بينما لم يسجل في جميع الدول العربية سوي‏170‏ براءة اختراع في عشرين عاما‏.‏

وفي كل حديث للدكتور احمد زويل يتساءل‏:‏ أين العرب من الثورة العلمية‏,‏ أين هم من القدرة علي النزول علي سطح المريخ البعيد عن الأرض بملايين الكيلو مترات‏,‏ ومن الانجاز العلمي التاريخي بحل الشفرة الوراثية والتحكم في الجينات مما يفتح الباب أمام الدول المتقدمة لتصنيع قطع غيار بشرية والقضاء علي الأمراض المستعصية قبل ظهورها‏.‏

قضية التقدم هي بالفعل أم القضايا لأن حالة الضعف في العالم العربي هي التي تجعل الآخرين يتطاولون عليه ويستسهلون غزوه أو الضغط عليه والتحكم في مصيره‏.‏ ومظاهر الضعف والتخلف كثيرة في الصناعة والزراعة والعلوم والتعليم ومتوسط دخل الفرد وانتشار الأمية والبطالة وحرمان المرأة من حقوق الانسان‏.
‏ واذا توافرت الارادة الحقيقية فإن الوصفة جاهزة‏,‏ وتتلخص في الاصلاح السياسي والاقتصادي‏,‏ والعدل الاجتماعي‏,‏ وتكافؤ الفرص‏,‏ وحكم القانون‏,‏ بذلك تتغير ثقافة الشعوب‏,‏ وتسود الثقة‏,‏ ويترسخ الشعور بالانتماء‏,‏ وتظهر القيم والاخلاقيات التي تساعد علي الانتاج والتقدم‏.‏

العقبة الكبري التي تعوق مشروع النهضة والتحديث أن قطاعا من المثقفين والنخبة في العالم العربي يعيشون في الماضي ـ إنهم لا يدرسون الماضي لاستخلاص الدروس ولكنهم يعيشون فيه ويضيعون جهدهم في محاولات لاعادة الحياة إلي الماضي الذي كان صالحا في عصر ولم يعد صالحا بنفس مواصفاته في عصر آخر‏.‏

وهذا ما جعل زويل يري ان هذه الظاهرة العربية ـ الاسلامية لا مثيل لها في العالم‏,‏ أن يبقي الماضي حيا في الوعي علي حساب الحاضر والمستقبل بل ان التفكير فيه اكثر من التفكير في المستقبل‏.‏ وجه العجب ان البعض يري ان المستقبل يجب ان يكون هو الماضي بينما يري الآخرون في الدول المتقدمة ان غدا يوم آخر ليس منقطع الصلة بالأمس ولكن لا يمكن عقلا وعملا ان يكون تكرارا له‏.‏ وهذه مشكلة‏,‏ بل هي معضلة‏..‏ والمؤسف ان تكون بين بعض المثقفين والنخبة‏.‏

وبعد الزعماء العرب يأتي دور المثقفين والنخبة الواعية القادرة علي حشد الرأي العام وراء مشروع النهضة واللحاق بالعصر‏,‏ وهؤلاء عليهم أولا التصدي للفكرة السائدة بين كثيرين من المثقفين العرب بأن العلوم والتكنولوجيا ليست للعرب وان العرب لهم الشعر والأدب‏,‏ وبعضهم يري أن الحديث عن النهضة العلمية ترف وإسراف ولا يمثل احتياجا أساسيا للمجتمعات العربية‏.‏

اليست هذه القضية جديرة بالبحث علي مستوي القادة والزعماء العرب‏.‏ [line]
استخدام السلاح النووي.. المفعول الخفي...؟!

د. صدقة يحي فاضل

عكاظ

يمكن تقسيم «السلاح» العسكري إلى نوعين رئيسين، هما: السلاح التقليدي: وهو الذي يعتمد في قدرته التفجيرية على متفجرات عادية (TNT)، وأسلحة «الدمار الشامل»: التي تعتمد قدرتها التدميرية على متفجرات هائلة التخريب، وكاسحة التدمير.

وتنقسم هذه الأسلحة (الاستراتيجية) بدورها إلى ثلاث فئات، هي:

الأسلحة الكيميائية، والبيولوجية، والنووية. والأخيرة هي أقوى وأفتك الأسلحة التي عرفتها البشرية، على الإطلاق. ولاشك، أن مجرد «وجود» أسلحة دمار شامل، في منطقة جغرافية ما، يجب أن يثير لدى أهلها الخوف والهلع، بل والرهبة.

فلأسلحة الدمار الشامل وظيفتان هامتان مفزعتان، أو لنقل: «فائدتان» عسكريتان – سياسيتان، هما الردع (Deterrence) في حالة عدم الاستعمال، وإنزال خسائر بشرية ومادية هائلة بالخصم (Mass Destruction) في حالة الاستخدام. فمن لا يملك هذا السلاح، بينما خصمه يمتلكه، يكون (في أكثر الأحيان) تحت رحمة ذلك العدو، وعرضة لابتزازه.

لقد قامت إسرائيل – بمساعدة أمريكا والغرب بعامة – بامتلاك ترسانة ضخمة من أسلحة الدمار الشامل. ولديها الآن مالا يقل عن مائتي رأس نووي، مع وسائل حمل وقذف هذه القنابل – صواريخ، طائرات، غواصات – ضد أهداف، تشمل كل المنطقة العربية. ولكن إسرائيل كانت لا تعترف (رسمياً) بامتلاكها هذا العتاد، وإن كانت دائماً تلوح به... مستخدمة فائدة «الردع»، ومستعملة ما لها من مردود إيجابي على سياساتها العدوانية.

وقد صرح رئيس وزراء إسرائيل أيهود أولمرت (يوم 11 /12/ 2006م) لإحدى محطات التلفزة الألمانية، بما معناه إن لدى إسرائيل سلاحاً نووياً. وكان ذلك اعترافاً إسرائيلياً، يصدر لأول مرة، بأن إسرائيل دولة نووية. أما رفضها – حتى الآن – الإقرار رسمياً وصراحة، بكونها «دولة نووية», فانه يرجع إلى عدة أسباب، لعل أهمها:-

1 – محاولة الظهور أمام الغرب والعالم بمظهر الدولة المسالمة، بل والمستضعفة، والمستهدفة... طمعاً في المزيد من الدعم الغربي والدولي.

2 – العمل على «إعاقة»العرب من تطوير أسلحة نووية خاصة بهم... والحيلولة دون إعطائهم الـ «مبرر» لهذا السعي. ومعروف ما فعلته – وتفعله – إسرائيل... لإعاقة ووقف أي تنمية نووية عربية، حتى وإن كانت لمجرد الأبحاث والاستخدامات السلمية، في أي قطر عربي. ومن المؤسف، أنها نجحت تماما في عمليات «الإعاقة» هذه... والدليل هو: هذا «الضمور» النووي العربي المشين...

3 – ضمان استمرار تدفق الدعم الأمريكي – العسكري والسياسي والاقتصادي – البالغ السخاء للدولة العبرية... والعمل على زيادة هذا الدعم. وإن اعتراف إسرائيل (رسميا ً) بامتلاكها وتطويرها للسلاح النووي يؤدي إلى: عرقلة هذا الدعم، وربما وقفه. حيث أن «القانون» الأمريكي يمنع تقديم مساعدة حكومية أمريكية مهمة لأي دولة تمتلك أو تنمي أسلحة نووية – عدا الدول الموقعة على اتفاقية حظر الانتشار النووي، والتي صنفت كدول نووية، في تلك الاتفاقية. هذا رغم أن إسرائيل هي في العرف الامريكى، كيان فوق القوانين... ومعروف، أن الحملة الأمريكية – البريطانية – الإسرائيلية الحالية ضد إيران تشن بحجة أنها تحاول امتلاك رادع نووي عسكري. وهذا في الواقع غير صحيح حتى الآن. ولا جدال، أن معظم الشعوب العربية تتمنى أن تمتلك دولة عربية أسلحة دمار شامل... لتواجه بها أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية. إنه أمر تقف الصهيونية والاستعمار دون مجرد التفكير فيه. إذ يبدو أن الصهيونية تأمل أن تستطيع حتى منع العرب من «الحلم» به.

ولكن الشعوب العربية تحتاج – منطقيا -«رادعاً»، مقابل «رادع»– على الأقل... إن من يظن أن إسرائيل لا «تستخدم» سلاحها النووي ضد العرب (وعلى مدار الساعة) يتجاهل الـ «مفعول» السياسي المزدوج لهذا السلاح. إنها تستخدمه... كعنصر ردع – فعال جداً، وفى اغلب الأحوال. فهي تحاول أن تكون الآمرة الناهية في المنطقة... تعمل ما تشاء... ولا يعمل ما لا ترغبه. وإن عارضها معارض قوي، فهناك رادعها النووي – إن عجز رادعها التقليدي...؟! صحيح، أن معظم المراقبين العرب والمسلمين، وغيرهم، لا يريدون أسلحة دمار شامل – بل ولا حتى أسلحة تقليدية عادية – سواء في يد أنظمة ديكتاتورية (أو غير ديكتاتورية) طائشة، أو غير طائشة. ولكن، لا احد من المنصفين يجب أن يقبل مبدأ: تفرد إسرائيل (هذا الكيان الاجرامى) بحيازة ميزة «الردع» النووي، ضد كل الأمة... فلابد – حماية للأمن القومي العربي، وضماناً لنجاح السياسات السلمية والتنموية العربية – أن يكون هناك، في مواجهة إسرائيل، رادع نووي عربي (أو اسلامى)... يحيد رادعها النووي المرعب.

ومن غير المنطقي، والحالة هذه، أن يلعب المستهدفون بأسلحة إسرائيل في ملعب الأخيرة، بالمطالبة بوقف التنمية النووية في بعض دول المنطقة... مع تجاهل الخطر النووي الاسرائيلى الداهم. فالبعض يفسر ذلك بأنه قبول بالهيمنة السياسية (النووية) الصهيونية، أو تسهيل لخطة السيطرة الكريهة هذه. [line]

castle
27-03-2007, 06:34 AM
الثلاثاء 8 ربيع الأول 1428هـ ،،، 27 مارس 2007م

مجلس الشورى.. و"سوق عكاظ"

هايل العبدان*

الوطن
عندما أسمع تصريحات رئيس وأعضاء مجلس الشورى لوسائل الإعلام لا يخطر على بالي سوى المثل الشعبي "أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب".!

من تلك التصريحات ما ذكره رئيس المجلس من أنه ستتم مساءلة أي وزير في التلفزيون السعودي وعلى الهواء مباشرة، لنفاجأ في الجلسة التالية بمنع وسائل الإعلام من حضورها وتحويلها إلى جلسة مغلقة، وهي الجلسة التي استضاف المجلس فيها وزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم، بحجة وجوب أن تكون الجلسة مغلقة لتكون أكثر إيضاحا من قبل الوزير بعيدا عن الإعلام بحسب تبرير أمين المجلس المساعد أحمد اليحيى.

بل إن رئيس المجلس وخلال مناقشته لقرار نظام تحديد ساعات العمل في المحلات التجارية حذر أعضاء المجلس من تسريب معلومات عن الجلسات المغلقة إلى وسائل الإعلام، وكأن ما يدور في تلك الجلسات من نقاشات يقتصر شأنها على الأعضاء.!

معظم ما يطرح في مجلس الشورى من نقاشات محورها المواطن، ومن حقه أن يعرف ما يدور تحت قبة المجلس من أمور ترتبط بهمومه ومطالبه وتطلعاته، أما التعتيم الإعلامي والجلسات المغلقة فهي سياسة لن تسهم إلا في اتساع الفجوة بين المواطن والمجلس، وتعيدنا خطوات إلى الوراء مبتعدين أكثر عن الشفافية والمكاشفة التي تتطلع إليها القيادة مستهدفة الإصلاح الشامل.

حرص ولي الأمر على أن تعزز الثقة بالمجلس ليضطلع بدوره الاستشاري، ولا أدل على ذلك من صدور الأمر الملكي الكريم بتعديل المادتين (17 و23)، لتصبح صلاحياته أوسع وأشمل، وبذلك فلا عذر له أمام الجميع في النهوض بمسؤولياته وصولاً إلى الأهداف المنشودة.

من يقرأ السيرة الذاتية لأعضاء المجلس يجد أن معظمهم من الأكاديميين وينتمون لطبقة مجتمعية نخبوية، وبالتالي فغالبيتهم بعيدون عن استشعار هم المواطن ومعاناته في نواحي الحياة من نقص في الخدمات الأساسية وغلاء في المعيشة ومواكبة للضغوط المختلفة. فلماذا لا يشرك المواطن في وضع جدول أعمال المجلس بشكل رئيس؟

في برنامج "المجلس" الذي عرض في وقت سابق على قناة "الإخبارية" حاصرت اتصالات المشاهدين وأسئلة مقدمه الزميل "خالد مدخلي" ضيف البرنامج عضو المجلس الدكتور عبدالرحمن الزامل بالمطالب والاستفسارات، فأصبح في موقف لا يحسد عليه، ولم تفلح ابتساماته اللافتة في إنقاذه من سيل الانتقادات، وأجزم بأن أياً من زملائه الأعضاء لم يكن ليتمنى أن يكون في موضع زميله على ذات الكرسي.

من مشاهدة تلك الحلقة تبين مدى متابعة المواطن لما يدور في أروقة المجلس، وأترك الحكم على مدى رضاه من سخطه لمن شاهد البرنامج.

الشورى وهو يدخل هذا الأسبوع بنظامه الجديد عامه الـ15 أمام مفترق طرق، فإما أن يستعيد ثقة المواطن به بنقلة نوعية في أطروحاته، أو يفتقدها بطرحه لقضايا في واد فيما الشارع في وادٍ آخر، وتصبح بالتالي جلساته"سوق عكاظ" يتبارى من خلاله الأعضاء باستعراض مهاراتهم البلاغية وإلقاء خطبهم العصماء.[line]
الخلل في النزعة القومية اليابانية

فرانسيس فوكوياما *

الخليج
لم يكد يمر نصف عام منذ تولي شينزو آيب منصب رئيس وزراء اليابان حتى بدأ في استفزاز الغضب في كافة أنحاء آسيا والمشاعر المختلطة فيما يتصل بالحليف الرئيسي لبلاده، الولايات المتحدة.

ولكن هل تنجح إدارة بوش في استخدام نفوذها في دفع آيب بعيداً عن سلوكه الاستفزازي؟
كان جونيشيرو كويزومي سلف آيب زعيماً بارزاً نجح في تنشيط اقتصاد اليابان، وإصلاح نظام الادخار البريدي، وسحق نظام الفرق الحزبية المتنازعة الذي تحكم في الحزب الديمقراطي الليبرالي لمدة طويلة.

إلا أن كويزومي أضفى الشرعية أيضاً على نوع جديد من النزعة القومية اليابانية، وأثار خصومة وعداوة الصين وكوريا الجنوبية بسبب زياراته السنوية إلى ضريح ياسوكوني. والأمر المؤكد الوحيد هنا هو أن آيب أكثر عزماً وتصميماً على بناء يابان أكثر عدوانية وأقل استعداداً للاعتذار.

والحقيقة أن كل من يعتقد أن قضية ياسوكوني ليست أكثر من مسألة تاريخية مبهمة يستغلها الصينيون والكوريون لإزعاج اليابان سعياً إلى الفوز بفوائد سياسية، فلابد أنه لم يتعرف جيداً إلى ثقافة هذه البلدان. إن المشكلة ليست في مجرمي الحرب الاثني عشر المدفونين في الضريح؛ بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في متحف يوشوكان الحربي المقام إلى جانب الضريح.

فحين يمر المرء بطائرات الميتسوبيشي الزيرو (Zero)، والدبابات، والمدافع الآلية الرشاشة المعروضة في المتحف، يجد نفسه أمام تاريخ حرب الباسيفيكي الذي يجسد “حقيقة التاريخ الياباني الحديث”. وهذا المتحف يستخدم لغة أصحاب النزعة القومية الذين يزعمون أن اليابان، التي كانت ضحية للقوى الاستعمارية الأوروبية، لم تكن تسعى إلا إلى حماية بقية آسيا من هؤلاء المستعمرين. فالاحتلال الاستعماري الياباني لكوريا، على سبيل المثال، يوصف بأنه كان “شراكة”؛ وأي جهد للتوصل إلى الأرقام الحقيقية لضحايا العسكرية اليابانية في نانجينج أو مانيلا، هو في النهاية جهد عقيم.

قد يستطيع المرء أن يدافع عن المتحف باعتباره يمثل وجهة نظر واحدة بين العديد من وجهات النظر في ظل ديمقراطية تعددية. إلا أنه لا يوجد متحف آخر في اليابان يقدم وجهة نظر بديلة لتاريخ اليابان في القرن العشرين. فقد تخفت الحكومات اليابانية المتعاقبة خلف حجة إدارة المتحف من قِبَل منظمة دينية خاصة، لإنكار أي مسؤولية عن وجهات النظر التي يطرحها المتحف.

هذا الموقف بعيد تماماً عن الإقناع. والحقيقة أن اليابان، على النقيض من ألمانيا، لم تسع قط إلى تحمل مسؤولياتها عن حرب الباسيفيكي.

وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الاشتراكي توميشي موراياما اعتذر رسمياً للصين في العام 1995 عما ارتكبته اليابان أثناء تلك الحرب، إلا أن اليابان لم تشهد قط حواراً داخلياً حقيقياً بشأن تحديد مدى مسؤوليتها، ولم تبذل أي جهد حقيقي لبث وجهة نظر بديلة لوجهة النظر التي يبثها متحف يوشوكان.
كنت في أوائل التسعينات قد تعرضت لليمين الياباني، حين شاركت في بعض الهيئات في اليابان مع واتانابي سويشي، الذي اختير من جانب ناشري الياباني (دون علم مني) لترجمة كتابي “نهاية التاريخ والرجل الأخير” إلى اللغة اليابانية. وكان واتانابي، الأستاذ بجامعة صوفيا، مشاركاً للسياسي القومي شينتارو إشيهارا الذي ألف كتاب “اليابان التي تستطيع أن تقول لا”، والذي يشغل الآن منصب محافظ طوكيو.

ومن خلال مقابلتين معه سمعته يقص على جمهور ضخم كيف ذرف أهل منشوريا الدموع حين رحل جيش كوانتانج المحتل عن الصين، وكيف كان أهل منشوريا شاكرين لليابان. ويزعم واتانابي أن حرب الباسيفيكي تحولت في النهاية إلى حرب عنصرية، بسبب تصميم الولايات المتحدة على إخضاع الشعوب غير البيضاء. إن واتانابي بهذا يشبه من ينكرون وقوع الهولوكوست (محرقة اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية)، إلا أنه على النقيض من نظرائه الألمانيين، ينجح في اجتذاب جمهور ضخم متعاطف. (كثيراً ما أتلقى العديد من الكتب لكتاب يابانيين “يشرحون” فيها كيف أن مذبحة نانجينج ليست أكثر من محاولة احتيال ضخمة).

فضلاً عن ذلك فقد وقعت عدة حوادث مزعجة مؤخراً، حيث استخدم القوميون الإرهاب البدني ضد منتقدي زيارات كويزومي إلى ضريح ياسوكوني، مثل إلقاء قنابل حارقة على منزل المرشح السابق لرئاسة الوزراء كاتو كويشي. (ومن ناحية أخرى، هاجم ناشر الكاتب المحافظ يوموري شيمبون زيارات كويزومي إلى ضريح ياسوكوني، ونشر سلسلة رائعة من المقالات التي تحدثت عن المسؤولية عن الحرب).

كل هذا يجعل الولايات المتحدة في موقف صعب، ذلك أن عدداً من المنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين يتوقون إلى تطويق الصين بحاجز دفاعي شبيه بمنظمة حلف شمال الأطلسي، استناداً إلى المعاهدة الأمنية الموقعة بين الولايات المتحدة واليابان. ومنذ الأيام الأخيرة للحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة حريصة على دفع اليابان إلى إعادة تسليح نفسها، كما أيدت رسمياً اقتراحاً بتعديل الفقرة التاسعة من دستور ما بعد الحرب، والذي يحظر على اليابان إنشاء جيش أو شن حرب.

ولكن يتعين على أمريكا أن تتوخى الحذر في أمانيها. ذلك أن شرعية الموقف العسكري الأمريكي بالكامل في الشرق الأقصى تقوم على ممارسة الولايات المتحدة لوظيفة اليابان السيادية في الدفاع عن الذات.
والحقيقة أن مبادرة اليابان من جانب واحد إلى تعديل الفقرة التاسعة، إذا ما نظرنا إليها على خلفية النزعة القومية اليابانية الجديدة، من شأنها أن تعزل اليابان عن آسيا بالكامل.

كانت مسألة تعديل الفقرة التاسعة جزءاً من جدول أعمال آيب منذ مدة طويلة، إلا أن المتابعة على هذا المسار تعتمد إلى حد كبير على نوعية النصيحة التي يتلقاها من أصدقائه المقربين في الولايات المتحدة. لم يبد الرئيس بوش أي استعداد لمناقشة “صديقه المقرب جونيشيرو” بشأن النزعة القومية الجديدة في اليابان، وذلك من قبيل تقديره لجميل اليابان التي ساندته في العراق. أما الآن وبعدما سحبت اليابان قواتها الرمزية من العراق، فربما يتجرأ بوش على التحدث بصراحة إلى آيب.

* عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ورئيس مجلس إدارة “المصلحة الأمريكية” (The American Interest)، والمقال ينشر بترتيب مع “بروجيكت سنديكيت”.[line]
العفريت .. والدستور

علي إبراهيم

الشرق ألاوسط

في الأزمة التي نشبت بين نادي القضاة والسلطات في مصر على خلفية الانتخابات الاخيرة، والتي طبق فيها مبدأ قاض لكل صندوق او لجنة، وكان اهم معالمها حصد الإخوان المسلمين نسبة غير مسبوقة في المقاعد جعلتهم قوة المعارضة الرئيسية، ونسب الى احدهم قوله ان الذي استحضر العفريت او الجني عليه ان يصرفه بنفسه، ويبدو انه كان يشير بذلك الى ان الذي استحضر القضاة هي الحكومة، وبالتالي فانها هي التي عليها ان تتحمل مسؤولية صرفه.

مناسبة استحضار هذا الكلام هو التعديلات الدستورية التي توصف بانها الاوسع من نوعها وتشمل 34 مادة وجرى الاستفتاء عليها امس في مصر وسط انتقادات واحتجاجات من المعارضة وصلت الى حد الدعوة الى المقاطعة، وجزء اساسي من الخلاف هو مسألة اشراف القضاء على الانتخابات واستبدالهم بلجنة انتخابات يكون فيها قضاة وشخصيات عامة.

وهي واحدة من عدد محدود من المواد الـ 34 المراد تعديلها والتي كانت مثار خلاف شديد بين السلطات والمعارضة، وان كان ليس صعبا استنتاج ان المعركة في صلبها تدور بين طرفين رئيسيين هما الحزب الوطني الحاكم والإخوان المسلمين الذين يوصفون بانهم اكبر قوة معارضة منظمة، بينما صلب المعركة يدور حول المادة التي تحظر انشاء الاحزاب على اساس ديني، والباقي اما مجال مناورة او حواشي او اطراف تأثيرها ليس كبيرا.

وفي بعض الاحيان فان المراقبة من على بعد تتيح رؤية الاشياء في صورة قد تختلف قليلا عن المنغمسين في المشهد اليومي، الذين يصحون وينامون على ضجيجه وشعاراته، ويشعرون بسخونته.

ومن بعيد يمكن رؤية ان طرفي المعركة المؤيدين والمعارضين لديهم حججهم الوجيهة، وان كانت هناك جوانب يصعب الاختلاف معها مثل مقاربة الدستور بالواقع فليس هناك معنى لان يكون النص منفصلا عما يحدث على الارض كالشعارات الاشتراكية وملكية الشعب لوسائل الانتاج، بينما السياسة المعلنة منذ اواخر السبعينات هي اقتصاد السوق والملكية الفردية. كما ان فكرة منع الاحزاب الدينية وترسيخ مبدأ المواطنة تتناسب مع الحالة المصرية للحفاظ على الوحدة الوطنية واغلاق الباب امام رياح يمكن ان تقسم المجتمع. اما المواد التي اثارت انتقادات داخلية وخارجية ومن شأنها الغاء الاشراف المباشر للقضاة على الانتخابات والنص على قانون ارهاب فيمكن فهم حجة مؤيديها. فالافضل ان يكون هناك قانون يستند الجميع اليه من الاستمرار في الطورائ وهي حالة استثنائية في كل الاحوال رغم استمراريتها منذ الثمانينات، اما نظام اللجنة المشرفة على الانتخابات فهو نظام موجود في الكثير من الديمقراطيات لان دور القضاة هو الحكم في المنازعات، وطبعا المهم ان تكون اللجنة محايدة.

مخاوف المعارضين لها ما يبررها وتستند الى عقود طويلة من الممارسات، فهي حققت افضل نتائج في ظل اشراف القضاة على الانتخابات وتجاربها مع اللجان ليست سعيدة، اما قلقها من الطريقة التي ستطبق بها الصلاحيات الممنوحة في قانون الارهاب الجديد يستند ايضا الى تجارب مع عشرات الحكومات من بدايات القرن الماضي، وكما يظهر فان الخوف من العفاريت هو في حقيقة الامر يكمن في التطبيق.

بعبارة اخرى اثبتت التجربة ان المحك الاساسي في الاصلاح والتطوير السياسي وتوسيع ممارسة الحريات يعتمد في الدرجة الاولى على التطبيق والممارسة، فالبنود والقوانين توفر الاطار، لكن تطور المجتمع سياسيا يعتمد على ديناميكية حركة قواه الفاعلة ونخبته بكل اطيافها وازدياد الوعي بالحقوق الاساسية للفرد.

وقوانين التفاعل داخل أي مجتمع تقول ان فتح باب يؤدي الى فتح ابواب اخرى بالتداعي مستقبلا، وقد تحقق ذلك في الحالة المصرية في العقود الاخيرة. فواقع ممارسة الحريات الان ليس كما كان مثلا قبل عقدين او ثلاثة، رغم المطبات او منحنيات الصعود والهبوط او الجدل بانه كان يمكن السير بشكل اسرع. وفي كل الاحوال فان استبدال الطوارئ بقانون إرهاب افضل من البقاء في حالة استثنائية.

castle
31-03-2007, 05:26 AM
السبـت 12 ربيـع الاول 1428 هـ ،،، 31 مارس 2007

تعريف الاحتلال

سمير عطا الله

الشرق الاوسط
قال الملك عبد الله بن عبد العزيز إن الوجود العسكري الأميركي في العراق احتلال. واثار ذلك واشنطن. فعاد الأمير سعود الفيصل وكرر أن كل قوة عسكرية تدخل إلى بلد من غير دعوة من أهله هي قوة احتلال. واقترن ذلك بقول الرئيس العراقي جلال طالباني، إن تحرير العراق تحول إلى احتلال. لم يعد في استطاعة الإدارة الأميركية الدفاع عن بقائها في العراق، فيما ينقلب اقرب الناس الى جورج بوش الأب إلى دعاة للانسحاب العاجل. وإذا كانت الادارة تريد رأي الاعتدال العربي ولم تعرفه بعد، فثمة قضايا قومية لا يختلف فيها الاعتدال وغيره. لقد تحولت قضية العراق الى قضية انسانية وليست قضية قومية فقط. والملك عبد الله بن عبد العزيز تجاوز العنوان القومي، خلال لقاء الجنادرية، لكي يطرح القضايا تحت الشعار الانساني الشامل. وضمن هذا الإطار تطرح القضية الفلسطينية، فهي لم تعد قضية شعب يتعرض للقهر والاضطهاد، بل اصبحت قضية تعني الانسانية جمعاء.

لقد آن لنا ان نخاطب العالم على اننا جزء منه، ولسنا جسما يدور في فلك خاص خارج مدار الانسانية. وعندما تصبح الانسانية هي المقياس لا يعود من الصعب علينا طرح مسألة الاحتلال الاميركي للعراق او الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين.

وبموجب القاعدة، التي طرحها الامير سعود الفيصل، وهي ان كل جيش غير مدعو هو جيش احتلال، يجب ان يحدد لنا بأي صفة تقيم القوات الاميركية في قطر: هل هي هناك بالاكراه، وعندها يجب طرح القضية على العرب والعالم ومحكمة العدل الدولية، التي قاضت فيها قطر البحرين، وخصوصا على مجلس الأمن. أما اذا كانت القواعد الاميركية هناك بدعوة خاصة من الدوحة وحكومتها، فهذا قرار لا طعن فيه لانه منبثق من دولة مستقلة ذات سيادة، ترفع شعار الحرية والديموقراطية. وفي الانظمة الديموقراطية قد يضطر الابن احيانا الى الانقلاب على أبيه، لكن جميع المظاهر الديموقراطية الاخرى مصانة، كالانتخابات البلدية، مثلا.

انطلاقا من المقياس الذي وضعه الأمير سعود الفيصل، كل عسكري غير مدعو محتل، يجب إعادة النظر في قضية الاحتلال في كل مكان.

وها هي ايران تحتجز بضعة جنود بريطانيين لانهم اضلوا الطريق الى مياهها الاقليمية. فهل المياه مقدسة والارض مفتوحة لمن يرغب؟ وهل الذي يقصف ويضرب ويدمر في العراق، كقوة احتلال، قادم من المريخ أم من عطارد؟ بكلام أكثر بساطة وسذاجة وصراحة: هل يكون الاميركي محتلا في العراق، وقوميا عربيا في القاعدة التي انطلق منها؟

طالما حاربت الدوحة الازدواجية والمعيارين والمكيالين على موجات الأثير. لكن هل الأثير غير الاجواء والاجواء غير الأرض؟[line]
الأمــن القومي في قمة الريـــاض

مكرم محمد أحمد

الاهرام
انجزت قمة الرياض ما يجعلها واحدة من أهم القمم العربية التي ساعدت علي تعزيز التضامن العربي في مواجهة مخاطر التشرذم والتشتت‏,‏ وتمكنت من استنفاذ الإرادة السياسية العربية من حالة ضعف ووهن وتفكك‏,‏ اثرت علي قدرة العرب علي حماية امنهم القومي وجعلتهم نهبا للطامعين‏,‏ وساعدت علي صمود العرب تجاه ضغوط خارجية كثيفة‏,‏ تريد ان تستلب حقهم في سلام عادل وشامل وتفرض سلاما منقوصا لا يكفل للعرب الحد الأدني من حقوقهم‏,‏ كما ادت الي معالجة نقاط الضعف التي كادت تغيب الهوية العربية في رياح العولمة العاصفة أو تحت اغراءات مصالح قطرية آتية ومحدودة‏,‏ ووسعت من نطاق العمل العربي المشترك بما يكفل بناء بنية اساسية تربط الاقطار العربية‏,‏ تقوم عليها مشروعات مشتركة‏,‏ تستثمر فوائض الأموال العربية في الارض العربية لتوفير فرص عمل متعددة للاجيال العربية الجديدة‏,‏ بعد ان بلغت البطالة في معظم البلدان العربية حدا خطيرا جاوز‏15%.‏

واعتقد ان هذا هو ما تقوله بوضوح بالغ نصوص إعلان الرياض وبنود قرارات القمة التي تؤكد عددا من الانجازات المهمة تخاطب مطالب الأمن العربي في شروطه السياسية والاقتصادية والامنية‏,‏ وتصون استحقاقات السلام العادل‏,‏ وتحفظ لكل وطن عربي وحدته الداخلية‏,‏ وتحمي الأمة من مخاطر فتنة شريرة يمكن ان تعصف بأمنها ووحدتها إذا تطابق القول مع الفعل‏,‏ ولم تصبح القرارات مجرد حبر علي ورق‏,‏ وحسنت نيات الجميع بما يجعل في اتحادهم قوة‏,‏ وتفجرت لهذه القرارات آلية الهمم‏,‏ وتسارع بتصحيح الخطأ وتعرض اوجه القصور علي القمة الدورية في انعقادها السنوي كي تتمكن من تصحيحها اولا بأول‏,‏ في اطار مواجهة شفافة تقوم علي المكاشفة الصريحة‏,‏ تتجاوز المجاملات وتبويس اللحي‏,‏ لأن اي خطر يمس وطنا عربيا يتداعي له سائر الجسد العربي بالسهر والحمي‏,‏ لأننا لا نستطيع ان نلقي باللوم علي الآخرين ولا نستطيع ان نعلق اسباب الضعف العربي علي قوي الخارج لأن المسئولية تقع اولا واخيرا‏,‏ كما قال العاهل السعودي في الكلمة الافتتاحية لقمة الرياض‏,‏ علي كاهل العرب وقياداتهم فهم المسئولون عن حالة الضعف وهم المطالبون بتغييرها الي حالة قوة‏.‏

ولوا أن القادة العرب نجحوا في تحقيق ذلك لتمكنوا من اغلاق ملفات مشاكل عديدة اصبحت بنودا ثابتة علي جدول اعمال كل قمة عربية‏,‏ يتفاقم خطرها عاما بعد عام الي حد بات يهدد الأمن الوطني والقومي‏,‏ واصبحت عنصر استنزاف للجهد والوقت والمال‏,‏ يشغل العرب عن الواجهة الجادة لكثير من المشكلات الحادة التي تضعف كيانهم الوطني‏,‏ تتمثل في مشكلات البطالة وسوء الخدمات الصحية وانتشار الأمية‏,‏ وضعف حقوق الانسان وتلكؤ الاصلاح السياسي وغياب الحكم الرشيد وتحلل الهوية الوطنية وضعف روابط الانتماء الوطني والقومي وفساد نظم التعليم وغياب البحث العلمي‏,‏ واستسهال الاعتماد علي الخارج وهذا ما تقوله بوضوح الحالة العربية الراهنة‏,‏ ابتداء من العراق الذي يتهدده خطر التقسيم وحريق الفتنة الطائفية الذي مازال مشتعلا‏,‏ وغياب العدالة في تقاسم الثروة والسلطة بين ابناء الوطن الواحد‏,,‏ وتلكؤ المصالحة الوطنية‏,‏ وسيطرة الميليشيات الشيعية التي لا تريد نزع سلاحها في لبنان الذي يشن الخلاف بين فرقائه وكل مؤسسات الدولة لمدة تقرب من‏4‏ اشهر الآن‏,‏ لأن ضغط قوي الخارج اقوي من الالتزام بالصالح الوطني اللبناني‏,‏ الي السودان الذي لا يزال يعاني سوء ادارة مشكلة دارفور ويتعرض لخطر العقوبات الدولية‏,‏ الي الصومال الذي تحول الي اشلاء وطن لمصلحة امراء الحرب يدخلونه من حرب اهلية الي اخري‏,‏ بينما الشعوب العربية تجلس في مقاعد المتفرجين تتطلع بأسي بالغ الي هذه الحالة التي لا تسر احدا‏,‏ ينتابها الاحباط الي حد فقدان الامل في الغد‏,‏ وتسيطر عليها حالة من اللامبالاة وعدم الاكتراث من كثرة الوعود البراقة التي ذهبت مع الريح‏,‏ والقرارات المدوية التي ظلت حبرا علي ورق‏,‏ وخطط الاصلاح التي تذروها الرمال‏.‏

واظن ان ذلك ما دفع امين عام الجامعة العربية عمرو موسي الي ان يطرح في تقريره علي قمة الرياض عددا من الاسئلة الخطيرة‏,‏ تكاد تكون اجراس خطر تدق بعنف يخترق رنينها الآذان بدايتها‏,‏ هل يمكن للنظام العربي الراهن الوطني والجماعي‏,‏ ان يستقر ويتطور بعد ان ادت تراكماته السلبية الي الطعن في مصداقيته والتساؤل عن جدواه ؟‏!‏

وما الذي يمكن ان يتبقي من ثقة الشارع العربي في مفاهيم الأمن القومي بعد ان تداخلت الملفات واتسعت رقعة الازمات الي حد يكاد يغطي الساحة العربية واشتدت الضغوط والتدخلات واختلفت الاولويات ؟‏!‏ وهل يكون في وسع النظام العربي وسط خضم المعضلات الاقليمية والدولية التعامل مع الاخطار القائمة والتحديات المطروحة ؟‏!‏ بل لعل الامر وصل‏,‏ كما يقول عمرو موسي الي حد التساؤل عن مقدرة النظام العربي علي البقاء‏,‏ إذا ما ظل علي حاله الراهن من الضعف وغياب القدرة علي التأثير في مجريات عالمه بما يضمن صون المصالح العربية رغم اوراق القوة الجديدة التي يملكها‏!‏

وثمة شواهد واقوال ومواقف عديدة جرت في الرياض تؤكد بالفعل ان الجميع يستشعرون حالة الخطر المحدق بالأمن القومي العربي وأثرها السلبي علي النظام العربي سواء بسبب تهديدات جديدة‏,‏ افرزتها الظروف الدولية‏,‏ تتمثل في هيمنة دولية يدعمها فكر يميني متطرف حرفت حرب الارهاب عن اهدافها الحقيقية وحولها الي ما يكاد يكون حربا علي العرب والاسلام تتهم العرب والمسلمين بالارهاب والتعصب وغياب الفكر الديمقراطي دون ان تلقي بالا الي الظلم الفادح الواقع علي الحق العربي او بسبب تفجر النزاعات في الشرق الاوسط والمنطقة العربية‏,‏ وفي العراق والسودان والصومال ولبنان‏,‏ الامر الذي شكل مصدر إغراء لقوي دولية واقليمية‏(‏ إيران واثيوبيا‏)‏ كي تتدخل في هذه النزاعات لتوسيع شقة الخلاف بين الفرقاء الوطنيين في الداخل أو نتيجة المعايير المزدوجة بسبب انحياز قوي الهيمنة الدولية إلي اسرائيل والتباطؤ المتعمد في مسيرة التسوية السلمية بينما عمليات الاستيطان تجري علي قدم وساق لبناء امر واقع جديد في الارض المحتلة يجعل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة امرا يكاد يكون مستحيلا ويزيد علي هذه الاخطار خطر جديد مخيف يتمثل في احتمال ان يندلع حريق الفتنة الطائفية من داخل العراق الي المنطقة العربية والعالم الاسلامي ليهدد أمنه ووحدته‏,‏ وبرغم كثرة التهديدات وتفاقمها تكاد تكون اجندة الجامعة العربية خلوا من اية اجراءات او خطط تتعلق بحماية الأمن القومي‏.‏

والواضح في قمة الرياض ان الجميع يدركون الآن انه لا مناص من العودة الي التضامن العربي ووحدة الصف وتوسيع نطاق العمل العربي المشترك ومواجهة المشكلات علي نحو صريح صحيح‏,‏ وعدم التهرب من المسئولية والاعتماد علي الذات العربية واستخدام امكانات القوة الكامنة في عالمنا العربي لوجود آلية جديدة‏,‏ تتجسد في مجلس الأمن والسلم العربي يدخل ضمن مهامه اعداد استراتيجيات الحفاظ علي الامن والسلم العربي واقتراح التدابير الجماعية المناسبة ازاء اي اعتداء يقع علي اي دولة عربية‏,‏ وتطوير نظام للإنذار المبكر يستشعر خطر اندلاع اي ازمة في اي موقع عربي بهدف الاسراع الي حصارها وانهائها قبل أن تستفحل اخطارها‏.‏

ولا يعني قيام مؤسسة الأمن والسلم العربي والتي صدق عليها ثماني دول عربية واصبحت قائمة بالفعل كنواة لحلف عربي جماعي يمكن ان يكون له قوة حفظ السلام عربية ان العرب يشهرون سيوفهم لاقرار الحق العربي بالقوة ولكنه يعني معالجة قضايا الامن العربي من خلال منظور شامل يشارك في وضعه مجموعة من الخبراء الاستراتيجيين العرب‏,‏ ويأخذ في الاعتبار مصادر التهديد السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية للأمن العربي سواء ما يرد منها من الخارج او من داخل البلدان العربية‏,‏ لأنه ان كان الاحتلال الاسرائيلي للأرض العربية لا يزال يمثل مصدر تهديد اساسي للأمن العربي فإنه يصعب مقارنة مع جهود ايران لمد نفوذها الاقليمي الي ما يمكن اعتباره ساحة اختصاص عربي كما يصعب مقارنته بالدور الذي تلعبه اثيوبيا الآن في الصومال‏,‏ لأن ثمة مصالح ايرانية عربية مشتركة في منطقة الخليج‏,‏ كما ان هناك مصالح اثيوبية عربية مشتركة في منطقة القرن الافريقي يفرضان السعي الي تسوية هذه المشاكل من خلال الحوار وتأكيد علي المصالح المشتركة للجانبين‏.‏

والامر المؤكد ان مفهوم الأمن العربي كما ورد في مناقشات الرياض يتسع لكل ما يمكن ان يزيد من قدرة العرب علي بناء قوة اقتصادية متكاملة‏,‏ تنهض علي تقنية تحتية قوية من شبكات الاتصال والطرق البرية والبحرية وتوحيد الربط الكهربائي‏,‏ تصلح اساسا لبناء عدد من المشروعات المشتركة التي تخدم قضايا التنمية‏,‏ الامر الذي استدعي ضروررة الدعوة الي قمة اقتصادية يحضرها الرؤساء والملوك العرب‏,‏ تركز جهدها علي قضايا التنمية بما في ذلك تطوير التعليم وتشجيع البحث العلمي علي مستوي قومي‏,‏ والاستثمار الامثل للطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر‏,‏ كما يتسع مفهوم الأمن القومي لكل ما يمكن ان يساعد العرب علي تنمية ثقافة مشتركة تحفظ الهوية العربية من خطر التحلل والتفتت تحت رياح العولمة او بدوافع قطرية ضيقة تهمل عناصر البناء المشترك للشخصية العربية ابتداء من اللغة الي الثقافة والتراث حفاظا علي الهوية العربية‏.‏

لكل هذه الاسباب استطيع ان ازعم ان قمة الرياض شهدت ربما بسبب خطورة الوضع العربي او قوة التأثير السعودي علي دول عديدة بدايات عودة الروح الي الكيان العربي‏,‏ تمثلت في هذا الفهم الواسع والمتكامل لقضية الأمن القومي‏,‏ كما شهدت القمة بدايات نهوض لإرادة العرب السياسية تجسدت في مساندة القمة الواضحة لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واصرار العرب علي ضرورة كسر الحصار المفروض علي الشعب الفلسطيني‏,‏ ورفضهم القاطع تعديل المبادرة العربية واستعدادهم للتفاوض حول كل قضايا الحل النهائي للقضية الفلسطينية وحرصهم علي الربط بين خطوات تطبيع العلاقات مع اسرائيل وخطوات تنفيذ عملية التسوية في اطار جدول زمني واضح‏.‏

اضافة الي موقفهم الصريح من قضية العراق‏,‏ واصرارهم علي مصلحة وطنية عراقية حقيقية تستوعب كل السنة‏,‏ وتقاسم عادل للسلطة والثروة البترولية حاضرها ومستقبلها لكل ابناء العراق علي اسس متكافئة‏,‏ ووقوفهم الي جوار مطلب تغيير الدستور بما يضمن حكومة مركزية قوية تحفظ وحدة الوطن العراقي‏,‏ اضافة الي جهود القمة لإنجاز مصالحة عربية واسعة‏,‏ تستعيد دمشق من عزلتها وتساعد علي خلخلة الازمة اللبنانية‏.‏

لكن هذه البدايات لعودة الروح ونهوض ارادة العرب السياسية من جديد لن تستطيع استعادة ثقة المواطن العربي في وطنه وأمته‏,‏ إلا ان يتواصل الإصلاح السياسي لمؤسسة القمة العربية كي تكون اكثر فعالية وقدرة علي صون الحقوق العربية حفاظا علي ذاتها ومصالح امتها‏,‏ بحيث يصبح الاصلاح تيارا مستمرا يعززه حسن النيات واقتران الفعل بالقول كي لا يصدق فينا قول القائل‏,‏ العرب مجرد ظاهرة كلامية‏.‏ [line]

castle
08-04-2007, 08:21 AM
الاحـد 20 ربيـع الاول 1428 هـ ،،، 8 ابريل 2007


من يعرقل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية؟

بلال الحسن

الشرق الاوسط

الترحيب الذي لقيه اتفاق مكة، من الفلسطينيين اولا، ومن المشاركين بصناعته بالدرجة الاولى، لا يمكن اختصاره بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. حكومة الوحدة الوطنية إنجاز أساسي لا شك فيه، ولكنه إنجاز يطل على إنجازات أخرى، ولا يمكن الحفاظ على الإنجاز الأول (الحكومة) إذا لم يتم استكمال الإنجازات الأخرى، التي يطل عليها. إن الحكومة حجر في بناء، ولذلك فإن الحجر يبقى مجرد حجر إلى أن يتم إنجاز البناء كله.

لقد تم تشكيل الحكومة واختلفت آراء الآخرين حولها، من الولايات المتحدة الأميركية إلى إسرائيل إلى أوروبا، بينما برزت عبرها لغة فلسطينية جديدة تعبر عن التلاحم، وتخاطب العالم بلغة متلاحمة، وتجبر دول العالم على أن تأخذ هذه اللغة الفلسطينية الجديدة بعين الاعتبار. فعندما يتجول وزير الإعلام الفلسطيني (مصطفى البرغوثي) متحدثا باسم الحكومة ككل، ورافضا التفريق بين وزير من فتح أو وزير من حماس، وهو الذي لا ينتمي لأي منهما، فإن كلامه سيكون له تأثيره في كل الأوساط التي يتفاعل معها. وحين يستقبل وزير الخارجية الفلسطيني (زياد أبو عمرو) في باريس أو في فيينا، متحدثا باسم السلطة الفلسطينية، فإن حديثه يحمل مغزاه الجديد، حتى لو قال له أنداده إن على السلطة الفلسطينية أن تتجاوب مع هذا المطلب أو ذاك. أما حين تتقدم هذه الدولة أو تلك من النرويج إلى روسيا، ومن ماليزيا إلى الصين، مرحبة بحكومة الوحدة الوطنية، فإن الجبهة العالمية، التي حاصرت الشعب الفلسطيني وسعت إلى تركيعه عن طريق التجويع، تشعر أن حربها ضد الشعب الفلسطيني اهتزت مكانتها، وأن الحصار مهدد بالاختراق من هنا أو من هناك.

هذه هي البوادر الأولى لمنجزات حكومة الوحدة الوطنية، ولكنها بوادر أولى فحسب، وهي تحتاج إلى تكميل المشروع الأشمل، الذي وضعت لبناته في اتفاق مكة. ونسارع هنا ونقول إننا لم نلمس حتى الآن تحركا كافيا ومطمئنا باتجاه ترسيخ بناء لبنات المشروع الأخرى، حتى يتسامى البناء ويكتمل. نسارع هنا ونقول إننا على العكس من ذلك، نلمس حالة من البرود، حالة من التلكؤ، تهدد المشروع برمته. وما نريده، وما نأمل به، هو أن تتواصل حالة الحماس والنشاط والحيوية، التي رافقت تشكيل حكومة الوحدة، في التعاطي مع بنود اتفاق مكة الأخرى.

لنحدد أولا ما نقصده ببنود اتفاق مكة الأخرى.

إن المدماك الأساسي في اتفاق مكة هو مبدأ الشراكة، الشراكة بين حركتي فتح وحماس، هذه الشراكة التي لا تكتمل بينهما إلا حين تتسع لتشمل الفصائل الفلسطينية الأخرى، والقوى الاجتماعية الفلسطينية الأخرى. وقد كتبنا من قبل وقلنا إن فكرة الشراكة، التي تكرست هي تطور نوعي في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، يرتقي إلى مستوى الاتفاق الفلسطيني الذي تم عام 1968، وكرس العمل الفدائي قائدا لمنظمة التحرير الفلسطينية. وبما أن الشراكة السياسية، التي تمت عبر اتفاق مكة هي فعل بهذا المستوى، فإن مسؤولية تطويرها وتقويتها تصبح مسؤولية كبيرة. وهنا تتبدى أمامنا مهمتان كبيرتان:

المهمة الأول: توسيع مبدأ المشاركة السياسية من وزارات حكومة الوحدة إلى أجهزة السلطة بكاملها، وفي المقدمة منها أجهزة الأمن، إذ لا يمكن بناء شراكة سياسية من فوق، ثم يتواصل الصراع الفصائلي في إطار كل ما هو دون ذلك. ولا نقصد بالشراكة هنا توزيع القوى والمراكز والمناصب بين حركتي فتح وحماس، بل نتطلع إلى صياغة قواعد عمل داخل كل المؤسسات، تحولها إلى مؤسسات وطنية تعبر عن الجميع، وتخدم الجميع، وتحمي الجميع، ولا تكون مغلقة في وجه أحد، ولا يتم استعمالها من طرف ضد طرف آخر. وما لم تتم صياغة أسس هذه العملية التشاركية، فإن اتفاق مكة يبقى معرضا للخطر، وحكومة الوحدة الوطنية نفسها تبقى معرضة للخطر. إن الشراكة السياسية ليست بنود اتفاق فحسب، إنها عقلية عمل، وهي مجموعة من الأعراف والتقاليد يجري إقرارها وتنفيذها وتدريب الجميع على وسائلها. والذي يبدو واضحا حتى الآن، أن الانتقال في العملية التشاركية من وزارات الحكومة إلى أجهزة الدولة لم يبدأ بعد. والأخطر من ذلك أننا ما زلنا نسمع ونرى بعض الآراء، وبعض الإجراءات العملية، التي تتحدث بعيدا عن عقلية المشاركة السياسية ونقيضا لها. فهناك الاشتباكات التي تقع يوميا وتتنصل منها قيادات فتح وحماس، ومن دون أن يتم تحديد الجهات المارقة التي تقوم بها. وهناك الحديث عن مواصلة عمل (القوة التنفيذية) التي أنشأتها حكومة اسماعيل هنية الأولى، يقابله حديث عن مواصلة العمل في بناء قوة الرئاسة الفلسطينية وتوالي استيراد الأسلحة لها. وهناك الآراء والتصريحات والتسريبات التي تقول إن كل ذلك يجري من قبل حماس لمواجهة فتح، ومن قبل فتح لمواجهة حماس، والنتيجة هي البقاء في مستنقع أجواء المواجهة، والعجز عن التوجه نحو أجواء المشاركة.

المهمة الثانية الغائبة عن مواصلة بناء عملية المشاركة، هي كل ما يتعلق بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. إن المشاركة السياسية تبدأ بحكومة الوحدة، ولكنها لا تكتمل إلا بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة المشاركة. وكنا نتوقع، منذ اتفاق مكة حتى الآن، أن تكون اللقاءات من أجل وضع هذه المهمة موضع التنفيذ، قد بدأت وقطعت شوطا واسعا نحو الهدف، ولكن ما نشهده على الأرض هو التجاهل والتلكؤ وكأن هناك من لا يرغب بإنجاز هذه المهمة.

لقد بلور اتفاق مكة توجها يقضي بأن الرئيس الفلسطيني، وباعتباره رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، هو الذي يتولى عملية التفاوض مع إسرائيل حول التسوية السياسية. وهناك أوساط فلسطينية نافذة، تعتبر أن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية غير موجودة، وإن وجدت فهي غير مؤهلة، وأنها بوضعها الراهن لا تشكل مرجعية لأحد. والمقصود بذلك هو اللجنة التنفيذية للمنظمة والمجلس الوطني الفلسطيني، فكلاهما مؤسستان انتهى عهدهما، وانتهت صلاحيتهما، ولا بد من إعادة تكوينهما بصورة تضمن لهما شرعية الوجود، وشرعية التفاف الفلسطينيين حولهما، وشرعية أن يكونا مرجعية صالحة لمن يتولى عملية التفاوض.

وما ينتظره الفلسطينيون جميعا، وأينما كانوا، هو أن تبدأ اللقاءات لتناقش مسألتين: مسألة انضمام حركة حماس إلى عضوية المنظمة، ومسألة كيفية اختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني. لقد كانت القاعدة السابقة هي اختيار أعضاء المجلس بالتعيين، ومن خلال (كوتا) متفق عليها للفصائل الفدائية. والتوجه الشائع الآن هو ضرورة أن يتم اختيار أعضاء المجلس بالانتخاب، ومن خلال اعتماد قاعدة تمثيل القوى الاجتماعية بدلا من (كوتا) الفصائل، وبحيث يتم إحداث نقلة نوعية في إعادة بناء المنظمة.

إن مسألة اختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني حسب قاعدة الانتخاب، ليست مسألة رأي لهذا الطرف أو ذاك، لقد أصبحت مسألة رأي عام. وربما تشهد الأسابيع المقبلة مؤتمرات شعبية فلسطينية تناقش مسألة الانتخاب وتدعو إليها وتضغط باتجاه إجرائها. وقد أعلنت أطراف فلسطينية عديدة تأييدها لفكرة الانتخاب هذه، ولكن الرئاسة الفلسطينية لا تزال تحتفظ بالصمت إزاء هذا المسألة. وقد آن لها أن تخرج عن صمتها.

لقد وضع اتفاق مكة المسؤولية بين أيدي الفلسطينيين. وهم بادروا وساروا بالاتجاه الصحيح، ولكن المسيرة لا بد أن تتواصل، لأن المسيرة التي تتوقف تقضي على نفسها.[line]
أخطاء الحسابات الأمريكية

رجـب البنـا

الاهرام

في الولايات المتحدة الآن عملية نقد ومراجعة واسعة النطاق للسياسة الخارجية ـ والداخلية ـ للادارة الحالية التي تمثل تيار الأصولية الدينية والمحافظين الجدد‏.‏ ففي الكونجرس مواقف وقرارات تعارض هذه السياسية‏,‏ وفي الصحافة ومراكز التفكير والجامعات نداءات تطالب بالتراجع عن هذه السياسة‏,‏ وفي الشارع مظاهرات ومسيرات احتجاج للضغط علي هذه الادارة لتتراجع عن سياستها العدوانية وتلتزم بالقيم الأمريكية‏.‏ وتتجلي الديمقراطية الأمريكية في هذه التيارات التي تزداد قوة يوما بعد يوم‏,‏ وتنذر هذه الادارة بأن تاريخها سيكون الأسوأ‏,‏ وتهدد الحزب الجمهوري الحاكم بالفشل في انتخابات الرئاسة المقبلة‏.‏

وعلي سبيل المثال فإن البروفيسور مارك لينش استاذ العلوم السياسية الأمريكي يري أن الادارة الأمريكية الحالية تعمل في الشرق الأوسط بذات المبدأ الذي يعمل به أسامة بن لادن‏,‏ وملخصه أن الجميع يراهنون علي الحصان القوي‏,‏ ولذلك فإن علي أمريكا ان تظهر قوتها لكي يسير العالم تابعا لها ومنفذا لارادتها‏.‏ ومجموعة القيادة في البيت الأبيض جاءت بتصور جاهز هو أن مشكلات أمريكا في الشرق الأوسط ترجع إلي خطأ الادارات السابقة‏,‏ لأنها اتخذت ردود فعل ضعيفة في مواجهة الهجمات الارهابية علي المواقع والمصالح الأمريكية في الثمانينيات والتسعينيات‏,‏ وعليهم ان يعملوا علي إعادة الهيبة للقوة الأمريكية حتي يسلم العالم بهذه القوة‏,‏ وقد اختارت الشرق الأوسط ـ حيث توجد اسرائيل ـ لتقديم استعراضات القوة وفرض النفوذ‏.‏

ويصل استاذ العلوم السياسية الأمريكية مارك لينش من هذا التحليل إلي أن هذه العوامل‏,‏ بالاضافة إلي تدخلها الفج في الشئون الداخلية للدول ذات السيادة‏,‏ أدت إلي انتشار العداء لأمريكا لدي مختلف الفئات الاجتماعية بما في ذلك الليبراليون والمثقفون العرب المتأثرون بالفكر والثقافة الغربية‏,‏ ولم يعد للادارة الأمريكية من يستطيع الدفاع عن سياساتها العدوانية سوي قلة من المنتفعين‏.‏ وترتكب الادارة الامريكية خطأ آخر بالنظر إلي هذا الشعور بالعداء علي أنه بسبب اختلاف الثقافات‏,‏ كما يروج البعض‏,‏ كما ترتكب خطأ ثانيا بعدم ادراك أثر التأييد الأمريكي لسياسة اسرائيل العدوانية ـ التوسعية‏.‏ وترتكب خطأ ثالثا بسياستها التي تستهين بالمؤسسات الدولية وبالقانون الدولي وحتي بالاصدقاء والحلفاء‏,‏ وترتكب خطأ رابعا باتباع أسلوب فج في العلاقات الدولية وعدم الاستماع إلي آراء الآخرين‏..‏ وسلسلة الاخطاء مستمرة‏!‏

من هذه الافتراضات المضللة التي يعتنقها المحافظون الجدد أن العرب لا يحترمون الا القوة‏,‏ أما التعامل معهم بالعقل فإنهم يقابلونه بالاستهانة ويعتبرونه من علامات الضعف‏,‏ ولذلك فان الطريقة التي تناسبهم هي اكراههم واخضاعهم‏.‏ وتري هذه الادارة ان الرأي العام العربي ليست له قيمة‏,‏ وأن نظم الحكم القائمة قادرة علي السيطرة علي غضب الشعوب ويمكنها تجاهل الغضب الشعبي‏,‏ وأن مشاعر الكراهية والغضب يمكن اغفالها من حسابات السياسة الامريكية‏,‏ لأن الغضب وكراهية الآخر جزء من الثقافة العربية والاسلامية‏,‏ تعبيرا عن الحقد من الضعيف تجاه القوي والفاشل تجاه الناجح‏,‏ وهذا ما عبر عنه الرئيس بوش عقب احداث‏11‏ سبتمبر حين قال‏:‏ إنهم يكرهون ديمقراطيتنا ويريدون تدمير القيم الأمريكية‏.‏ ولدي المحافظين الجدد تفسير للغضب الشعبي العربي تجاه امريكا بأنه من صنع القادة الذين لا يتمتعون بالشعبية في بلادهم‏,‏ فيعملون علي صرف الانتباه الشعبي بعيدا عن عيوبهم ويوجهونه إلي أمريكا‏,‏ وبعض مفكري هذا التيار يلجأ إلي التبسيط الساذج فيقول إن العداء لامريكا ناتج عن سوء فهم للسياسة الأمريكية واهدافها‏,‏ ويمكن التغلب عليه بالاعلام والدعاية‏.‏ وهذه كلها اخطاء في الحسابات ليس من السهل معالجتها ولكن علي الادارة الامريكية ان تبدأ في العمل بسياسة جديدة لانقاذ ما يمكن انقاذه من مصداقية وهيبة أمريكا‏.‏

مارك لينش ليس وحده الذي ينتقد اخطاء الادارة الأمريكية في الشرق الأوسط‏,‏ ولكنه نموذج من المفكرين الأمريكيين الذين يعبرون عن القيم الديمقراطية الأمريكية بحق‏.‏ [line]
إشكاليات الديموقراطية والانتخابات في العالم العربي

ماجد كيالي
الحياة

تشيع عمليات الانتخاب والاستفتاء التي تجري بين الفينة والأخرى في العالم العربي، من مشرقه الى مغربه، وكأن هذا العالم أضحى بعافية وأنه بات يلج حقبة الديموقراطية من بابها الواسع، أي باب المشاركة الشعبية المباشرة، وعبر صناديق الاقتراع!

لكن واقع الأمر يفيد بأن عمليات الاستفتاء والانتخاب هذه، على تنوعها وتعددها، تحجب حقيقة تشوّه الحياة السياسية في العالم العربي، بمعنى النكوص من حال الدولة/ المؤسسة الى حال السلطة، كما تعكس حقيقة سيطرة السلطة على المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث باتت هذه العمليات مجرد عمليات فولكلورية أو تزيينية، تضفي نوعاً من الشرعية على السلطات القائمة، بعد أن باتت المجتمعات في حالة اغتراب عن الدولة، بالغياب والتغييب.

عموماً فإن الديموقراطية لم تكن يوماً، وفي مختلف التجارب الاجتماعية التاريخية، مقتصرة على ممارسة الشعب لحقه في الانتخاب والاستفتاء، على أهميتها، بالنسبة الى مسائل تداول السلطة وتكريس العلاقات الديموقراطية. فثمة سياق تاريخي (سياسي واجتماعي) لهذه العملية، تبدأ من احترام الحريات الفردية وحقوق الانسان أو المواطن (أي من مفهوم المواطنة)، مروراً بضمان الحق في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، ما يعني الحق في إنشاء الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وصولاً الى ضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وسيادة القانون، وفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتحييد جهاز الدولة/ المؤسسة، وأخيراً احترام مبدأ تداول السلطة، عبر صناديق الانتخاب والاقتراع.

في هذا الاطار فإن اجراء الانتخابات أو الاستفتاءات، لا يختزل لوحده عملية الديموقراطية، ولا يحل محلها، ولا يعتبر مؤشراً الى سلامة المشاركة السياسية، وانما ينبغي أن يأتي كتتويج لعملية سياسية/ اجتماعية تاريخية. وبديهي اننا هنا لا نتحدث عن الديموقراطية كعملية طوباوية و مكتملة أو ناجزة، بسبب أن هذه العملية ستظل مشوبة ببعض النواقص والعثرات، وبشكل متباين، بحسب كل تجربة، وبالنظر الى مستوى التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكل بلد.

ومن تفحص الوضع يمكن ملاحظة عديد من الاشكاليات التي تعاني منها عملية إرساء الديموقراطية في العالم العربي. الاشكالية الأولى، تتعلق بطبيعة تشكل الدولة في البلدان العربية، حيث أنها نشأت، على الأغلب، اما على كاهل المؤسسة العسكرية/ الأمنية (الجيش)، واما على خلفيات قبلية/ عشائرية. هكذا فإن هذه الأوضاع قادت الى تآكل الدولة (دولة المؤسسات والقانون) لصالح السلطة، وتهميش المجتمع، وبالتالي التحكم بمصادر الثروة والقوة والتشريع. على ذلك فإن وضعاً على هذه الشاكلة سيظل يعيق أي مسار حقيقي وواعد باتجاه ديموقراطية حقيقية وفاعلة، ولو بشكل نسبي. والحل في هذا الاطار لا يكمن فقط في إرساء تكريس الشرعية عبر الانتخابات والاستفتاءات، وانما هو يكمن بداية في إعادة الاعتبار للدولة (المؤسسات)، وفي إعلاء شأن القانون، وفصل السلطات، واحترام الحريات. فهذه هي المداخل الحقيقية اللازمة لإرساء التحول الديموقراطي في العالم العربي، وبعد ذلك تأتي قضية الانتخابات والاستفتاءات.

الإشكالية الثانية، تتعلق بمستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي، وهو عموماً مستوى متدنٍ وضاغط، ويحول دون قدرة الغالبية على الوصول الى وعي سياسي واجتماعي لائق، ويحد من قدرتها على الوصول الى مصادر المعلومات، ويضعف من إمكانية معرفتها لحقوقها ومصالحها، وبالتالي ممارستها حرياتها، بعيداً عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن ثمة دولاً ذات مستوى اقتصادي واجتماعي متدن تمارس عملية الديموقراطية وعملية تداول السلطة، إلا أن هذا الأمر يبقى في غاية الأهمية بالنسبة الى ضمان مشاركة سياسية حقيقية، وإرساء ديموقراطية فاعلة. ولا شك هنا بأن الانسان الأكثر تعليماً، والذي يحظى بحد مناسب من العيش بحرية وكرامة، هو أكثر قدرة على معرفة مصالحه والذود عن حرياته وعن حقوقه، في حين أن الانسان العربي، على الأغلب، يعيش في غربة عن مجتمعه وعن دولته، وهو بالكاد يدرك حقوقه ومعنى مواطنيته، فيما هو غارق في هموم تحصيل لقمة العيش، وتأمين مستلزمات المأكل والملبس والمسكن، فضلاً عن تكاليف التعليم والطبابة وغيرها.

الإشكالية الثالثة، وتتعلق بطبيعة البنية الاجتماعية والثقافية في البلدان العربية، وهي بنية قبلية، عشائرية وعائلية وطائفية ومذهبية واثنية، وهي تنتمي لمرجعيات دينية ومذهبية. وبديهي ان هذه الخلفيات تعيق عملية الاندماج المجتمعي في البلدان العربية، وتحد من الانتقال الى مسار الحداثة (مسار المواطنة والدولة والعقل)، وتساهم في إبقاء المجتمعات في حال من التفكك والاستنفار. اللافت ان السلطات السائدة تبدو مرتاحة لهذا الوضع القلق، وأنها استمرأت العيش على هذه التناقضات، ونصّبت نفسها حكماً لكل هذه الأحوال، وجعلت من وجودها الحل الأفضل لضمان الأمن والاستقرار، بدلاً من وضع أسس الاندماج المجتمعي عبر المواطنة والدولة!

الإشكالية الرابعة، وهي تتعلق بالاحتلالات والتدخلات والضغوط الخارجية، فلا شك أن قضية فلسطين والاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية، والاحتلال الأميركي للعراق، والسياسة الأميركية الرعناء في المنطقة، أسهمت في إعاقة الديموقراطية وأثارت الشبهات بشأنها، على اعتبار أنها عززت، ولو بشكل غير مباشر، نزعة السلطة في البلدان العربية، وكونها أعطت الصراع العربي - الاسرائيلي، الأولوية على قضايا التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كاتب فلسطيني[line]

castle
12-04-2007, 11:10 PM
«ايران لا تتدخل في كردستان العراق
واهتمامات السوريين تغيّرت»
بارزاني لـ «الحياة»: لسنا طرفاً في المواجهة السنيّة - الشيعية
لن نتنازل عن كركوك ولن نسمح بتمرير أجندة تركيا

عمان – غسان شربل

الحياة

مسعود بارزاني والى جانبه صورة والده الملا مصطفى (أ ف )
اعتبر رئيس اقليم كردستان الزعيم الكردي السيد مسعود بارزاني أن الانسحاب الأميركي من العراق في الظروف الحالية «سيؤدي الى كارثة ومأساة»، وربما «حرب أهلية طاحنة». وشدد في حديث الى «الحياة» على أن الاحداث في ذلك البلد بعد اسقاط صدام حسين «كانت لمصلحة كل العراق، لكننا نحن الكرد استفدنا من الفرصة واخواننا العرب من الشيعة والسنّة لم يستفيدوا، وهذا ليس ذنبنا».

وأقر بأن العراق يشهد مواجهة سنيّة – شيعية «الأكراد ليسوا طرفاً فيها»، كما حذّر من عرقلة الاستفتاء على مصير كركوك، قائلاً: «لن نسمح بتمرير أجندة تركيا في المدينة». وعرض ادارة مشتركة لكركوك «مع التركمان والعرب والمسيحيين»، منبهاً الى أن «لا كردياً يستطيع التنازل» عن المدينة. وانتقد «شوفينيين عرباً ومجموعة من التركمان المرتبطين باستخبارات الجيش التركي».

وسئل بارزاني هل ما زال لديه حلم الدولة، فأجاب أنه «حق شرعي لأمة (كردية) مختلفة عن الأمم الأخرى»، «وسيصبح حقيقة». وزاد أنه لا يعتبر العلاقة مع اسرائيل «جريمة»، لكنه لن يخالف الدستور العراقي.

ولمح الى فتور في العلاقات مع سورية قائلاً: «يبدو أن اهتماماتهم تغيّرت». ولفت الى أن التدخل الإيراني: «اذا وجد فهو في المناطق الأخرى» العراقية غير الكردية. وهنا نص الحديث الذي شارك فيه الزميل نبيل غيشان:

> ألا تزال خائفاً على الوضع العراقي؟

- ليست المسألة خوفاً، فالوضع مزعج ومقلق.

> ما سبب القلق، فشل بناء الدولة؟ أو فشل التفاهم بين العراقيين؟

- اكثر ما يقلقني أو اعتبره خطراً يهدد مستقبل العراق هو الصراع الطائفي، الذي تجذر في شكل خطير.

> هل يعيش العراق حرباً أهلية؟ الوضع الحالي هل يمكن ان نسميه حرباً أهلية سنّية - شيعية؟

- لا اعرف، لكن النتيجة مأسوية، أما العنوان فكيف تختاره، هو قتل على الهوية وعلى الأسم.

لا اعرف حقيقة ما هي الحرب الأهلية ، هي حرب مأسوية أو حرب طائفية.

> هل ما نشهده مواجهة سنية - شيعية؟

- نعم

> هل الأكراد طرف في هذا النزاع؟

- لا أبداً الاكراد ليسوا طرفاً، في هذا الصراع نحن جزء من الحل، نحن جزء من المشكلة ولسنا جزءاً من الصراع.

> عندك خوف من الانسحاب الأميركي؟

- في الظرف الراهن، الانسحاب سيؤدي الى كارثة.

> كارثة، هل يمكن ان توضح؟

- الوجود الأميركي يمنع أن يتدهور الوضع أو يتحول الى حرب أهلية طاحنة. وجودهم (الأميركيون) ضروري، يمنع التهديدات الخارجية الى حد كبير.

> من أي طرف؟

- من أي دولة إذا كانت لديها اطماع أو اجندة، او لديها نيّة في التدخل عسكرياً.

> اذاً، انت تعتقد بأن أي انسحاب أميركي قريب يحدث كارثة؟

- نعم، أي انسحاب من دون أن يترتب الوضع في العراق ومن دون أن تكون الحكومة العراقية جاهزة وقوى الجيش والأمن جاهزة للسيطرة على الوضع، سيؤدي الى مأساة.

> هل يُخشى ان تحصل اجتياحات كبيرة في حال انسحاب الأميركيين؟ مثل ان يحاول الشيعة السيطرة على بغداد؟

- كل الاحتمالات واردة، قد يحاول السنّة أوالشيعة، وقد تكون هناك حرب أهلية وحرب طاحنة بكل معنى الكلمة.

> في حال انسحاب من هذا النوع، ماذا سيفعل الأكراد؟

- سنحاول أن نمنع حصول هذه الحال، أما إذا فشلنا فلن نكون طرفاً فيها، ونتمنى ألا يحدث ذلك.

4 سنوات على الحرب

> بعد 4 سنوات على اندلاع الحرب على العراق، هل كانت هذه الحرب خطأ؟

- الأخطاء بدأت بعد الحرب. في تصوري ان قرار اسقاط النظام لم يكن خطأ، لأن التخلص من اي نظام دكتاتوري في أي بلد شيء جيد، لكن الأخطاء بدأت مع استصدار القرار 1483 من مجلس الأمن ومجيء (بول) بريمر كحاكم مدني للعراق.

> هناك وجهة نظر تقول ان الادارة الأميركية لم يكن لديها برنامج لإقامة مجلس حكم، لكن فشل المعارضة العراقية في الاتفاق على حكومة دفعها الى هذه الصيغة؟

- هذا غير صحيح، القرار 1483 هو الذي حول هذه القوات الى قوات احتلال، وبموجبه تم تنصيب بريمر بصلاحيات الحاكم المطلق للعراق، ولم تتوافر الفرصه لدى القوى العراقية لتشكيل الحكومة، ودخلنا في محادثات مع القوى لتشكيل الحكومة الموقتة الى ان فوجئنا بالقرار 1483 وإلغاء كل ما اتفقنا عليه سابقاً.

> من هناك بدأت الأخطاء؟

- نعم

> هل تعتقد بأن حل الجيش العراقي من سلسلة الأخطاء؟

- ليس فقط حل الجيش ، أولاً منع تشكيل حكومة موقتة، ومنع العراقيين من ممارسة حقوقهم. لم يكن ضرورياً حل الجيش بل اعادة تنظيمه، لأن العراق لا يحتاج مليون جندي، والثقافة التي لدى الجيش لا تصلح، فهي كانت لقمع الشعب العراقي. من هنا كانت ضرورة اعادة تنظيمه وتثقيفه ايضاً، لكن حل الجيش من دون أن يُحدد مستقبل (هؤلاء) ومن دون أن يوفر لهم العيش أو الحقوق المكتسبة لهم، وتركهم هكذا في الشوارع كان خطأ.

> ذهب قسم منهم الى المقاومة؟

- كل واحد اختار طريقة وحل الجيش كان خطأ وكنا في حاجة اليه لكن بأقل حجم وثقافة مختلفة ومعدات مختلفة.

> قرار اجتثاث «البعث» أيضاَ، كان خطأ؟

- في مؤتمر المعارضة في لندن عام 2002 قبل سقوط النظام، قلت للمشاركين، ان اسقاط النظام مسألة وقت، لكن المشاكل ستبدأ بعد سقوطه، لدينا تجربه ناجحة في كردستان أرجو أن تستفيدوا منها، على الصعيد الشخصي قتل 37 شخصاً من عائلتي، العشيرة التي انتمي اليها تكبدت 8200 قتيل والقومية التي انتمي اليها 180 ألف انسان، ومع ذلك لم نرفض السلام حتى مع صدام حسين، اصدرنا عفواً عاماً عن كل الذين تعاونوا مع النظام في انتفاضة 1991. هناك استعدادات للانتقام واذا اتخذناه وسيلة لتصفية الحسابات لن نتوصل الى اي نتيجة، لذلك دعوتهم الى الاتفاق على مجموعة اسماء من النظام السابق وهم المطلوبون للعداله، والبقية يبقون مواطنين والبعثي لا يكون في الواجهة، ولكن في الوقت نفسه يُعامل كمواطن عراقي، من دون أن يكون المجال متاحاً لحزب «البعث» للبقاء. كان من المفيد تحديد الأسماء المطلوبة واجتثات «البعث» طبّق بطريقة خاطئة.

> ماذا شعرت لحظة اعدام صدام حسين؟ وهو الذي تسبب في نكبة عائلتك وعشيرتك وقوميتك؟

- انا اعتبرت صدام ميتاً عندما أخرج من الحفرة من دون ان يقاوم، وعندما أُعدِم لم يكن الأمر مفاجئاً، وكنت اتمنى ألا يُعدم في يوم العيد.

> هل كنتم تعرفون موعد الاعدام؟

- لا

> ترك اعدام يوم العيد مرارات عند العراقيين؟

- بالتأكيد، لم يكن مستحباً، كان يجب مراعاة شعور المسلمين وألا يُعدم يوم عيد. أنا لست ضد الاعدام، ولكن ليس في يوم العيد.

> شعرت بالثأر؟

- لم افكر بالثأر في أي يوم.

> لم تفكر بقتل صدام؟

- عندما كان في السلطة، وكنا في قتال معه، فكرت في اسقاطه، ولكن ليس من باب شخصي، أنا عندي قضية شعب، قضية الديموقراطية في العراق، قضية حقوق الشعب الكردي، اعتبرته ضد هذه القضايا فحاولت اسقاطه ونظامه لكنني لم أفكر في قتله كشخص.

> أعلِن عن اعدام طه ياسين رمضان. ماذا تشعر، في تاريخ العراق، دائماً اعدامات وعنف؟

- التاريخ العراقي كله اعدامات، وكل من يأتي يعدم مَن قبله، كنت اتمنى ألا يكون هذا تاريخنا في العراق ، لكن هذا ما حصل.

> هذا التاريخ، هذا حاضرنا، عندك أمل في عراق مختلف؟

- نعمل من أجل ان يكون مختلفاً، ويجب ألا نفقد الأمل على رغم أن العملية ليست سهلة.

كركوك والاستفتاء

> نسمع كثيراً عن كركوك، والتعريب القسري والإزالة القسرية للتعريب القسري، ما حقيقة الأمر؟

- هناك فهم خاطئ للموضوع. كركوك مدينة عراقية هويتها كردية وكل الحقائق التاريخية والجغرافية تثبت هذه الحقيقة. وهي اول مدينة اكتشف فيها النفط، لذلك حرصت الأنظمة المتعاقبة على معاملة المدينة معاملة غير انسانية ، ثم حرمان الأكراد من كل حقوقهم، طردت 200 الف عائلة كردية والبقية أجبِرت على تغيير قوميتها الى القومية العربية، جلِبت عشائر عربية من الجنوب والوسط واسكِنت في كركوك، ومع ذلك فشلوا. بعد سقوط النظام جرى الاتفاق على حل المشكلة بموجب المادة 140 من الدستور، بحيث يعود المهجرون الى مناطقهم والعرب الوافدون يعودون الى مناطقهم مع تعويضهم، والعرب الأصليون والكرد الأصليون يبقون، وبعد التطبيع يجرى احصاء واستفتاء.

هناك تشويش كبير ويظهر كأننا نرفض وجود العرب ونطرد التركمان، لا. نحن مستعدون لتأسيس ادارة مشتركة في كركوك بعد التطبيع.

> ادارة مشتركة مع مَن؟

- مع التركمان والعرب والمسيحيين.

> متى موعد الاستفتاء؟

- المفروض ان تنتهي كل العملية في عام 2007.

> هل أثارت قضية كركوك توتراً مع التيار الصدري؟

- جزء منها، العشائر العربية التي جلبتها الحكومة من الجنوب تُحسب على التيار الصدري كما يقال، ولكن من خلال لقاءاتنا معهم، التيار الصدري موافق على تنفيذ المادة 140 من الدستور.

> ماذا يجري لو اختارت القوى غير الكردية تعطيل الاستفتاء؟

- اذا التزمنا الدستور، العملية تنتهي بسهولة، أما اذا كان هناك من يقف ضد الاستفتاء فالكل سيكون له موقف متشدد جداً من الطرف المعطل.
جسر في قلب مدينة كركوك (أ ب)

> من المسيطر عسكرياً في كركوك؟

- الأميركان

> هناك وجود للبشمركه...

- ليس لهم وجود، القوات الأميركية مع قوات من الجيش العراقي فقط.

> اذا حدثت حرب اهلية مع انسحاب القوات الأميركية، هل تتوقـع أن يدخــل البــشمركة كركــوك؟

- لماذا تندلع حرب أهلية، نحن لا نفكر في الحرب الأهلية والعرب الموجودون هم اخوتنا وأيضاً التركمان. هناك من يتوقع حرباً أهلية، والحقيقة لن تكون هناك حرب أهلية أبداً، وهؤلاء الذين يشيعون بأن الأكراد سيستولون على كركوك هم جماعات فاشلة من التركمان وبعض العرب»، ولا يمثلون غالبية العرب أو التركمان. هم جماعات فقدت مكاسبها بسقوط النظام وتريد التشويش لكنها لن تستطيع وقف العملية.

> هل مشكلتكم في كركوك مع تركيا؟

- لا كركوك مدينة عراقية لا دخل لتركيا فيها، ولا نسمح لتركيا بأن تتدخل في موضوع كركوك على الاطلاق، لأنها دولة أجنبية، ولن نسمح بتمرير أجندتها في المدينة... بأي حق تتدخل في شأن عراقي؟


> تركيا تقول ان قيام اقليم كردستان في ما يشبه الدولة هو تهديد لأمنها؟

- هذا مفهوم خاطئ، نحن لا نهدد تركيا.

> مسعود بارزاني، هل يستطيع التنازل عن كركوك؟

- ابداً.

> مَن هو المسؤول الكردي الذي يستطيع التنازل عنها؟

- لا يوجد اي كردي يستطيع التنازل عن كركوك.

> مثل القول أن ليس هناك فلسطيني يتنازل عن القدس؟

- لا أشبّه كركوك بالقدس، هناك فيه فرق كبير، ولكن لا يوجد كردي يتنازل عن كركوك.

> أنت لا يمكن ان توقع على اتفاق مهما كانت المغريات، يقول ان كركوك ليست جزءاً من كردستان؟

- بكل ثقة، أقول لك مستحيل أن نقبل بحل آخر.

> واذا لم تستطيعوا إلحاق المدينة بكردستان تبقون القضية معلقة؟

- نحن اتفقنا دستورياً على كيفية حل الموضوع، والمشكلة ليست فقط في كركوك. هناك مشكلة في حدود محافظة الأنبار مع بغداد، تكريت والنجف وكربلاء، هناك مشاكل بين محافظة بغداد والموصل، وهذه تشمل كل التغيرات التي اجراها النظام السابق لأسباب سياسية لإجراء تغيير ديموغرافي، ومن يريد ان يفجر الوضع في شكل خطير جداً يعطل تنفيذ المادة 140 من الدستور، ومن يريد مصلحة العراق وحل مشكلة كركوك في شكل نهائي، يجب ان يساعد في تنفيذ هذه المادة.

برميل بارود

> لماذا توصف قضية كركوك، بأنها برميل بارود؟

- هذا غير صحيح، هناك شوفينيون عرب ومجموعة من التركمان المرتبطين باستخبارات الجيش التركي، وليس بمقدورهم ان يفعلوا شيئاً لأن العرب لا يؤيدونهم ولا التركمان معهم، فالجميع مع الحل الدستوري، والتدخلات هي التي تثير مشكلة كركوك.

> الحكومة العراقية الحالية ملتزمة بالاتفاق؟

- نعم ملتزمه قانونياً.

> والقوى السياسية الكبرى؟

- والقوى السياسية ملتزمة.

> بما فيها التيار الصدري؟

- التيار الصدري ملتزم بالدستور، و(إزاء) أي جهة لا تلتزمه سيكون لنا الحق في اتخاذ قراراتنا.

> هل تريحكم كأكراد، الدعوات الى إقامة إقليم في الجنوب وآخر في الوسط؟

- نؤيد النظام الفيديرالي في كل المناطق وأما التفاصيل فنتركها لأبناء المنطقة.

> أنت على لائحة المطلوبين للإرهاب الدولي؟ هل تعرضت لمحاولة اغتيال وهل استهدفت مقرات حزبك؟

- بعد سقوط النظام في اربيل تعرض مقر الحزب (الديموقراطي الكردستاني) لعمليتين انتحاريتين، وألحقت بنا خسائر كبيرة، وحصلت عمليات متفرقة، ولكن منذ فترة طويلة لم تحدث أي عمليات، اما ضدي شخصياً فإلى الآن لم يفلحوا في الوصول اليّ.

> لديكم اجراءات امنية صارمة؟

- طبعاً.

> كم هو وجود تنظيم «القاعدة» في كردستان؟

- لا وجود له، لأن الشعب الكردي يرفض في شكل مطلق هذا النهج، والعمليات التي جرت نتيجة التسلل من الموصل الى اربيل، ولا وجود للقاعدة او التنظيمات المتحالفة معها في الاقليم.

> ألا يوجد أصوليون أكراد متحالفون مع «القاعدة»؟

- هناك عدد قليل لكنهم لم يستطيعوا البقاء في كردستان.

> ما مشكله حزب العمال الكردستاني؟

- المشكلة مع تركيا، وهي قضية سياسية واذا لم تحل بطريقة سياسية ستبقى المشكلة قائمة.

> الحزب موجود في مناطقكم؟

- على الشريط الحدودي ربما لهم مقرات لكنها في المناطق النائية والجبلية الوعرة.

> لفت انتباهي انك مولود في جمهورية مهاباد؟

- لتصحيح المعلومة، جمهورية كردستان في مهاباد، وهي تسمية خاطئة.

> كم عمرك؟

- أنا من مواليد 1946.

> هل تعتقد بأنك حققت جزءاً من أحلامك بأن يكون للأكراد وضع آمن في العراق، ويُحترموا في هويتهم وتراثهم؟

- نعم، الى حد كبير.

حدود «مصطنعة»

> وهل ما زال عندكم حلم الدولة؟

- انا اعتبره حقاً شرعياً لأن الكرد أمة مختلفة عن الأمم الأخرى، وليست أقل شأناً من الأمم الأخرى وحقها الشرعي أن تكون لها دولتها المستقلة، وأنا لا اعتبره حلماً.

> هل صار حقيقة إذاً؟

- سيصير حقيقة، ولكن لا ادري متى.

> ربما يحتاج عقوداً؟

- ربما في النتيجة ستكون لهذه الأمة التي تضم 40 مليون انسان دولة مستقلة.

> أهناك تواصل جغرافي؟

- طبعاً، هذه حدود مصطنعة، وهناك قرى مقسمة بين دول.

> وهل راودتك رغبة في اعلان استقلال كردستان؟

- أنا لا أجازف، سوف نعلنها أو يعلنها غيري في الوقت المناسب الذي يمكّنها من أن تصمد وتبقى، ولا أعرف متى يحين ذلك الوقت.

> هل لديك شعور بأنك حققت ما تعذر على الملا مصطفى بارزاني ان يحققه؟

- ما حققناه هو إدامة لما رسمه هو، ونحن تلاميذه.

كردستان واسرائيل

> هناك حديث عن تسرب الإسرائيليين الى كردستان، أمنياً واقتصادياً، وان اسرائيل عادت للعمل على موضوع الأقليات في المنطقة؟

- نحن جزء من الدولة العراقية ودستورياً لا يحق لنا اقامة علاقات مع أي دولة، واذا افتتحت اسرائيل سفارتها في بغداد ستفتح قنصليتها في اربيل. مع ذلك، لا اعتبر العلاقة معها جريمة، لكنني لن اخالف الدستور العراقي. اسرائيل لها علاقات مع كل الدول العربية.

> مع كل الدول العربية؟

- اعتقد مع كل الدول العربية منها علنية ومنها سرية ، فاذا اقامت تلك الدول العلاقة مع اسرائيل، لماذا نعتبرها جريمة بالنسبة الى الآخرين، لكنني أجزم بأن لا وجود للنشاط الاسرائيلي في كردستان.

> ألا توجد علاقات أمنية أو تسلح؟ ألا ينقصكم سلاح؟

- عندنا سلاح كثير ومن يريد سلاحاً نعطيه، (مازحاً) وإن شاء الله لا نحتاج سلاحاً.

> ماذا عن العلاقات مع ايران؟

- علاقتنا طبيعية، هناك علاقات اقتصادية، وفي كردستان لا مشاكل لدينا مع ايران.

> يحكى اليوم عن التدخل الإيراني في كرستان العراقية؟

- ليس في اقليم كردستان، التدخل الايراني اذا وجد فهو في المناطق الأخرى.

دور سورية وايران

> هناك حديث عن دورين خارجيين في العراق، الدور السوري والدور الايراني، هل كردستان في منأى عنهما؟

- لم تستطع اي دولة اقليمية ان تنفذ أجندتها في كردستان، بسبب رفض شعبها وبسبب عدم وجود ارضية لتنفيذ هذه الأجندة.

> علاقتكم مع سورية، كيف هي؟

- علاقتنا قديمة مع سوريا، ولكن في الفترة الأخيرة ليست بالحرارة السابقة.

> لماذا؟

- لا أعرف. ربما منهم، يبدو أن اهتماماتهم تغيرت.

> يقال إن الأكراد في كردستان العراق هم الرابح الأكبر من اسقاط صدام، لأن العرب ذهبوا باتجاه الفتنه السنيّة – الشيعية. عندك شعور بأن الأحداث كانت لمصلحتكم؟

- الأحداث كانت لمصلحة كل العراق، ولكن، نحن استفدنا من الفرصة واخواننا العرب من الشيعة والسنّة لم يستفيدوا منها وهذا ليس ذنبنا. نحن ما زلنا نعرض المساعدة ولكن اذا كانوا هم لا يريدون أن يستفيدوا من الفرصة، لماذا يعاقب الكرد؟

> داخل كردستان هناك الرئيس العراقي وهناك رئيس الاقليم. كيف هي العلاقة بينكما؟

- علاقات متينة وصفحة الخلافات طويت.

> على الأرض، هناك انقسام للمؤسسات...

- عملية التوحيد مستمرة وسائرة بنجاح وبقوة.

> والوضع في كردستان؟

- هناك تطور، وما زالت لدينا مشاكل كثيرة، مثل مشكله الوقود والطاقة الكهربائية. النظام السابق لم ينفذ أي مشروع يفيد المنطقة، لذلك نبدأ من الصفر.

> هناك اتجاه لدى المستثمرين للذهاب الى كردستان؟

- صحيح، الفرصة كبيرة جداً.

> الأمن لديكم، ما هو وضعه؟

- نشكر اجهزتنا الأمنية، وجماهيرنا للتعاون بين الجانبين، والأمن لدينا ممتاز.

> ماذا عن هجرة المسيحيين من بغداد باتجاه كردستان؟

- هذا صحيح، ولا يشمل المسيحيين فقط، بل كذلك العرب والمسلمين، ولدينا الآن حوالى 18 الف عائلة عربية هاجرت الى اقليم كردستان، ونحن نستقبلها بحفاوة.

> هل انت خائف على الوجود المسيحي في العراق كونه يسير نحو النهاية؟

- أنا لا أنصحهم بالهجرة الى الخارج.

> وهل حقوق غير الكردي مضمونة لديكم؟

- دستورنا قيد الدرس، وسيضمن حقوق كل المواطنين الذين يعيشون في الاقليم، أياً تكن قومياتهم او دياناتهم.

الانسحاب الأميركي

> هل ابلغكم الأميركيون عن انسحاب وشيك؟

- يؤكدون أنهم لن ينسحبوا قبل أن يرتب الوضع في العراق، لأن انسحابهم سريعاً سيؤدي الى كارثة.

> مَن يتولى الأمن في كردستان؟

- الشرطة.

> هل هناك وحدات من الجيش العراقي ترابط في الاقليم؟

- نعم، لدينا قوات تابعة لوزارة الدفاع وهناك البشمركة.

> هل أنت مرتاح؟

- أكون مرتاحاً عندما يكون الوضع في العراق مستقراً.

> عندك خوف من مجيء أعداد كبيرة من المهجرين الى الاقليم، في حال انسحاب القوات الأميركية؟

- كردستان مستعدة لأن تفتح قلوبها للأخوان العرب من أبناء العراق.

> ما هو احتمال ان يشارك الأكراد الذين معظمهم من السنّة، في الحرب الأهلية الى جانب السنّة؟

- لا أعتقد. اذا اندلعت حرب شيعية - سنيّة، لن نشارك فيها بل سنحاول وقفها.

castle
17-04-2007, 04:17 AM
الثلاثـاء 29 ربيـع الاول 1428 هـ ،،، 17 ابريل 2007


أوروبا والمسلمون: ناقوس الخطر القادم

برنارد لويس

الشرق الاوسط

معقدة هي قضايا المسلمين في المجتمعات الغربية، وفي مقدمة تلك القضايا بلا جدال مسألة استيعابهم في المنظومة الحضارية الغربية. ونعلم أن الاستيعاب قضية مطروحة هذه الأيام بسؤالها الحيوي وهو: ما مدى إمكانية أن يصبح مسلم مهاجر، استقر في أوروبا وفي شمال اميركا وفي أماكن أخرى، جزءا من تلك البلاد التي استقر فيها، مثلما فعلت العديد من موجات المهاجرين؟

للإجابة على هذا السؤال علينا مواجهة الاختلافات الأساسية لما يعنيه بالضبط الاستيعاب والقبول. وفي هذا المجال يوجد اختلاف فوري وواضح بين الموقفين الأوروبي والامريكي. فالمهاجر الذي يصبح أمريكيا يعني له تغيير الولاء السياسي. أما للمهاجر الذي يصبح فرنسيا أو ألمانيا فالامر يصبح تغيير الهوية الاثنية.

وتغيير الولاء السياسي أسهل بكثير، وعمليا أكثر من تغيير الهوية الاثنية، سواء في مشاعر الشخص أو في مقياس القبول. وتمارس في انجلترا الحالتان. فإذا تجنست تصبح بريطانيا ولكنك لا تصبح إنجليزيا.

وهناك أيضا خلاف هام فيما يعنيه الدين. بالنسبة للمسلم، قضايا مثل الزواج والطلاق والميراث تفرضها الشريعة. ومنذ العصور القديمة في العالم الغربي ـ العالم المسيحي ـ أصبحت تلك الأمور علمانية. والفصل بين الكنيسة والدولة وبين الدين والدنيا، والعلماني والاكليركي، هو مفهوم مسيحي ليس لديه مكانة في التاريخ الإسلامي وبالتالي يصعب شرحه للمسلم، حتى في الوقت الراهن. وحتى وقت قريب لم يكن لديهم عبارات للتعبير عنه. وأصبح لديهم الآن.

فما هو رد الفعل الأوروبي لهذا الموقف؟ في أوروبا كما هو في الولايات المتحدة رد الفعل المتكرر هو ما يعرف بالتعددية الثقافية والصواب السياسي. وفي العالم الإسلامي لا توجد مثل هذه القيود. فهم على وعي تام بهويتهم. ويعلمون من هم وما هم وما يريدون، وهي ميزة يبدو أننا فقدناها بشكل كبير للغاية، فيما هي مصدر للقوة لواحد وضعف للآخر.

وتمكن الراديكاليون الإسلاميون من العثور على بعض الحلفاء في أوروبا. فلديهم جاذبية يسارية بالنسبة للعناصر المعادية للولايات المتحدة في أوروبا، الذين حلوا، بشكل ما، محل السوفيات. كما لديهم جاذبية بالنسبة للعناصر المعادية لليهود في أوروبا بدلا من المحور. وتمكنوا من الحصول على دعم هائل من الجانبين. وبالنسبة للبعض في أوروبا، فمن الواضح ان كراهيتهم تتغلب على ولائهم.

وهناك استثناء مهم لذلك في ألمانيا، حيث معظم المسلمين من الأتراك. فهم يميلون إلى مساواة أنفسهم باليهود، ويرون أنهم خلفوا اليهود كضحايا للعنصرية الألمانية.

وأتذكر خلال لقاء في برلين عقد لمناقشة الأقليات الإسلامية الجديدة في أوروبا. وخلال المساء، سألتني مجموعة من المسلمين الأتراك الانضمام إليهم وسماع ما سيقال عن هذا الموضوع، وقد كان مفهوما للغاية. والنقطة التي بقيت في ذاكرتي من واحد منهم هي قوله «خلال ألف عام لم يتمكنوا (الألمان) من قبول 400 ألف يهودي. فما هو الأمل في قبول مليوني تركي؟»

وقد استخدم بعض الأتراك في ألمانيا ذلك بمهارة شديدة للتلاعب على الشعور الألماني بالذنب لمنع أي إجراءات فعالة لحماية الهوية الألمانية، التي يمكنني القول إنها مثل قوميات أخرى في أوروبا معرضة للخطر.

ونأتي لمسألة التسامح، وعلكم تتذكرون انه في نهاية المرحلة الأولى من الاسترداد المسيحي، بعد اسبانيا والبرتغال وصقلية، وضع المسلمون ـ وكان عددهم كبيرا في تلك البلاد ـ أمام ثلاثة اختيارات، التعميد أو النفي أو الموت. وفي الأراضي العثمانية السابقة في جنوب شرقي أوروبا، كان قادة ما يمكن أن نطلق عليهم قادة الاسترداد أكثر تسامحا بدرجة ما. وبقيت بعض الأقليات المسيحية في بعض دول البلقان، مع استمرار المتاعب حتى يومنا هذا في كوسوفو والبوسنة.

وبالرغم من ذلك أشير إلى تلك النقطة بسبب المقارنة الحادة لمعاملة المسيحيين وغيرهم من غير المسلمين في الأراضي الإسلامية في ذلك الوقت. فعندما حضر المسلمون لأوروبا، كانت لديهم توقعات معينة تتعلق بالتسامح. وشعروا أن من حقهم، على الأقل، درجة من التسامح مثل تلك التي حصل عليها غير المسلمين في الإمبراطوريات الإسلامية العظمية في الماضي. وكانت توقعاتهم وخبراتهم في غاية الاختلاف.

فبعد وصولهم إلى دول أوروبية حصلوا على المزيد واقل مما كانوا يتوقعون. فقد حصلوا على المزيد نظريا وعمليا أي على نفس الحقوق السياسية، وحق العمل، وكل فوائد دولة الضمان الاجتماعي وحرية التعبير، إلى آخره، فيما حصلوا أيضا على أقل بكثير مما أعطوا في الدول الإسلامية التقليدية. فخلال عصر الإمبراطورية العثمانية على سبيل المثال كانت للجاليات غير المسلمة منظمات منفصلة عن الدولة وكان أبناؤها يديرون شؤونهم بأنفسهم. فهم يجمعون الضرائب ويفرضون قوانينهم. وكانت هناك عدة جاليات مسيحية تعيش كل منها تحت زعامة شخص منها ومعترف به من قبل الدولة. وهذه الجاليات تدير مدارسها وأنظمة تعليمها، وتشرف على قوانينها الخاصة بها مثل قضايا الزواج والطلاق والإرث وما شابهها. واليهود كان يقومون بالشيء نفسه.

وهذا يعني أن ثلاثة أشخاص يعيشون في الشارع نفسه ويمكن أن يموتوا فيتم توزيع إرثهم وفق أنظمة قضائية ثلاثة مختلفة هي أنظمة مسلمة ومسيحية ويهودية. فمن الممكن لليهودي أن يعاقب من قبل محكمة حاخامية فيتم سجنه لخرقه تقاليد يوم السبت أو أكله في عيد الغفران، بينما يمكن للمسيحي أن يسجن إن هو اتخذ زوجة ثانية، إذ يعتبر ذلك جريمة لدى المسيحية، بينما بالنسبة للشريعة الإسلامية أو القانون العثماني لا يعتبر جريمة.

لا يمتلك المسلمون المهاجرون تلك الدرجة من الاستقلال في تسيير حياتهم الاجتماعية والقضائية بأنفسهم في الدولة الحديثة. إنه من غير المعقول أن يتوقعوا أمرا كهذا، عند الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الدولة الحديثة، لكنهم لا يرونها بهذه الطريقة. فهم يشعرون أنهم مخولون لتسلم ما أعطوه. وكما قال صديق مسلم لي في أوروبا واضعا صياغة لهذا الوضع: «نحن سمحنا لكم بممارسة نظام الزواج بامرأة واحدة فلماذا لا تسمحون لنا بتبني نظام تعدد الزوجات؟»

وأسئلة من هذا النوع ـ تعدد الزوجات بشكل خاص ـ تثير قضايا مهمة ذات طبيعة عملية. هل أن المهاجر الذي سمح له بالقدوم إلى فرنسا أو ألمانيا مؤهل كي يجلب أسرته معه؟ لكن من هم أفراد أسرته؟ إنهم يطالبون بشكل متزايد كي يجلبوا زوجاتهم المتعددات معهم، كما ان فرض الشريعة صعب، وهذه أصبحت قضية حساسة جدا. كذلك هناك قضية أخرى شديدة الحساسية تتمثل في وضع النساء الذي هو بالتأكيد مختلف بين المسيحية والإسلام. وهذا هو أحد الخلافات الأساسية ما بين المجتمعين.

وأخيرا نأتي للسؤال المحوري: هل ستنجح الموجة الثالثة؟

والأفضل أن نبدأ السؤال نفسه بسؤال آخر: أين نقف نحن الآن؟ للمهاجرين المسلمين ايمان وحماسة قوية وهذا غير متوفر بين أكثر أبناء الدول الغربية إن لم تكن ضعيفة، ولهم قناعة قوية بأنهم على حق في مطالبهم، بينما نحن نقضي معظم وقتنا نقلل من شأن أنفسنا وننتقدها. ولديهم ولاء والتزام وربما الأكثر أهمية أنهم يمتلكون عددا سكانيا كبيرا. وهذا المزيج من الزيادة الطبيعية والهجرة التي أفرزت تغيرات سكانية كبيرة، قادران أن يحققا في المستقبل القريب بروز المسلمين كأكثرية على الأقل في بعض مدن أوروبا أو حتى بلدانها.

لكننا نمتلك أيضا بعض الامتيازات، وأهمها المعرفة والحرية. فجاذبية المعرفة الحديثة الحقيقية في مجتمع كان له باع طويل في الانجازات العلمية لتكون قوية، ولكن المسلمين يعرفون ذلك ومعه تخلفهم النسبي حاليا، وهم يرحبون بتوفر الفرصة للتمكن من تجاوزها.

كذلك فإن الحرية هي عنصر جاذبية آخر. ففي الماضي كان العالم الإسلامي لا يستخدم كلمة الحرية بالمعنى السياسي. فالحرية كانت مفهوما قضائيا. أنت حر إذا لم تكن عبدا. وهم لم يستخدموا التحرر من العبودية باعتبارها مجازا عن الحكومة الجيدة أو السيئة، مثلما فعلنا نحن لفترة طويلة في العالم الغربي. وتشير المصطلحات التي استخدموها إلى اعتبار الحكومات السيئة والجيدة ظالمة وعادلة. والحكومة العادلة هي تلك التي تستخدم الشريعة بما فيها تحديد السلطة الدنيوية. والتقاليد الإسلامية من الناحية النظرية ترفض الحكومة المستبدة حتى قدوم العصرنة. والعيش تحت ظل العدالة هو أقرب شكل لما نسميه بالحرية.

لكن فكرة الحرية في التأويل الغربي لها ثقل كبير، فقد أصبحت مفهومة أكثر فأكثر ومرغوبة أكثر فأكثر. إنها ربما على المدى الطويل أفضل آمالنا، وربما تكون أملنا الوحيد، للبقاء ضمن هذا الصراع المتنامي.

* خدمة «غلوبال فيوبوينت» ـ خاص بـ «الشرق الأوسط»[line]
محنة الديمقراطية في الولايات المتحدة

د‏.‏ وحيد عبد المجيد

الاهرام

يحسبون الأيام‏,‏ واحدا بعد الآخر‏,‏ في انتظار وصول الإدارة الحالية إلي نهاية ولايتها‏.‏ هكذا يفعل الأمريكيون الذين لا تسعفهم آليات نظامهم الديمقراطي بأدوات تتيح لهم وقف الخسائر المتوالية المترتبة علي سياسة إدارة الرئيس جورج بوش الثانية‏.‏

واليوم‏,‏ مازال في عمر هذه الإدارة‏640‏ يوما بالتمام‏.‏ وكم من مواقع علي شبكة‏'‏ الإنترنت‏'‏ تسجل كل يوم ما يتبقي من هذا العمر فيما يشبه ساعة العد العكسي‏.‏ وهذا السلوك‏,‏ الذي يبدو أنه يتسم ببساطة مفرطة‏,‏ يمثل تكثيفا شديدا لأزمة الديمقراطية الأمريكية‏,‏ وتجسيدا فائقا لمفارقة تاريخية كبري‏.‏

فأما الأزمة فهي في عجز عدد متزايد من المواطنين‏,‏ الذين يعيشون في نظام يفترض أنه ديمقراطي‏,‏ عن حماية أنفسهم وأبنائهم من ثمن فادح يتكبدونه من جراء استمرار السلطة التي تحكمهم حتي نهاية ولايتها الدستورية‏.‏

وأما المفارقة فهي أن هذه السلطة الأكثر اهتماما بالمسألة الديمقراطية في تاريخ الولايات المتحدة هي نفسها الأشد إهدارا لتقاليد الممارسة الديمقراطية في هذا التاريخ‏.‏ وما إصرار الرئيس الأمريكي اليوم علي إلغاء دور الكونجرس في البحث عن مخرج من كارثة التورط في العراق إلا مظهر واحد من مظاهر هذه المفارقة وعرض واحد من أعراض تلك الأزمة‏.‏ فكثيرة هي مظاهر الأزمة في اللحظة الراهنة نذكر منها‏,‏ علي سبيل المثال فقط‏,‏ طرد ثمانية مدعين عامين لأسباب سياسية‏.‏

فقد أظهرت هذه القضية مدي إفراط الرئيس الأمريكي في إساءة استخدام سلطته من خلال فقرة تم دسها في قانون‏(‏ باتريوت أكت‏)‏ العام الماضي ولم يلحظها أحد في حينه‏.‏ ولكي يدرك القارئ حجم المحنة التي يعيشها الشعب الأمريكي في ظل إدارة متسلطة‏,‏ تكفي الإشارة إلي أن طرد المدعية العامة في إحدي الولايات يعود إلي إصرارها علي التحقيق مع عضو جمهوري في الكونجرس من أصحاب النفوذ في أوساط نخبة‏'‏ المحافظين الجدد‏'‏ التي مازالت مهيمنة علي الإدارة‏.‏

وخذ أيضا فضائح التستر السافر علي فساد أصبح هيكليا لمصلحة شركات عملاقة بعينها يعرف الجميع صلتها بهذا المسئول الكبير أو ذاك في الإدارة‏.‏

وإذا كان الاتجاه الرئيسي لوقائع إساءة استخدام السلطة‏,‏ والتوسع فيما يسمي في النظام الأمريكي‏'‏ الامتياز التنفيذي‏',‏ يرتبطان بالتورط في العراق‏,‏ فما كان لهذا التورط أن يبلغ مبلغه الراهن إلا لأن مجموعة جد صغيرة انفردت بإدارة عملية الغزو عسكريا وسياسيا‏,‏ استراتيجيا وتكتيكيا‏.‏ فقد صدرت قرارات كبري غاية في الخطورة خلال جلسات عمل صغيرة عقدها نائب الرئيس أو وزير الدفاع‏,‏ بمعزل عن أي مشاركة‏.‏ وهذه ممارسة‏'‏ عالمثالثية‏'‏ بامتياز‏.‏

ولم يحفل من انفردوا باتخاذ قرارات كبري‏,‏ بل مصيرية‏,‏ بهذه الطريقة بالاطلاع علي نصائح من يفوقونهم خبرة ومعرفة‏.‏ ويكفي‏,‏ هنا‏,‏ مثال واضح ولكنه صارخ‏.‏ فقد عني عدد من‏'‏ مراكز التفكير‏'‏ الرئيسية بعضها قريب للغاية من الجمهوريين برسم سيناريوهات للوضع في العراق في اليوم التالي لوقف العمليات العسكرية الرئيسية‏.‏ كما قدم بعضها توصيات محددة مدروسة حول كيفية تسيير الوضع في العراق عقب إسقاط نظام صدام حسين‏.‏

ومن أهم تلك التوصيات‏,‏ التي فعل أصحاب القرار في إدارة بوش عكسها علي طول الخط‏,‏ أن يتم الاعتماد علي الجيش النظامي العراقي في فرض النظام العام ومنع وقوع فوضي لابد أن يتوقعها كل من يفكر بجدية في تداعيات انهيار نظام حكم بلده بالحديد والنار‏.‏

غير أن النخبة الضيقة التي انفردت بإدارة الوضع في العراق قررت تسريح الجيش وضربت عرض الحائط بهذه التوصية‏,‏ وغيرها مما كان الأخذ به كفيلا بتجنب الكارثة التي انزلقت إليها الولايات المتحدة‏.‏

وهذا النمط في عملية اتخاذ القرار يقترب من أنماط حكم القلة‏(‏ الأوليجاركية‏)‏ الذي يتناقض مبدئيا مع أي تقاليد ديمقراطية‏.‏ ومازالت هذه القلة مصرة علي مواصلة انفرادها بالقرار وتحدي إرادة الشعب الأمريكي الذي عبر في انتخابات الكونجرس الأخيرة عن رغبته في وضع حد لهذا الإنفراد عندما أتي بأغلبية ديمقراطية‏.‏

ولعلنا نخطيء كثيرا إذا اعتبرنا الموقف الذي يتخذه الرئيس الأمريكي تجاه الكونجرس الآن صراعا طبيعيا كانت له سوابقه‏.‏ فمن الطبيعي فعلا أن يحدث مثل هذا الصراع في النظم السياسية الرئاسية‏,‏ وأن يتكرر من وقت لآخر‏.‏

غير أن ما يحدث اليوم ليس إلا حلقة واحدة في سلسلة متصلة من الممارسات المتعارضة مع التقاليد الديمقراطية‏.‏ وأهم ما يميز هذه الممارسات عن أي سوابق لبعضها‏,‏ هو أنها كاشفة لما يمكن أن نسميه حدود الديمقراطية في الولايات المتحدة وسقفها المنخفض الذي لا يجيز لأي أمريكي‏-‏ كائنا من كان مسئولا أو كاتبا أو أكاديميا‏_‏ أن يبدي ملاحظات علي الأوضاع السياسية في أي بلد آخر‏,‏ أو يتصدي للمطالبة بتغيير في هذا البلد أو ذاك قبل أن يبادر للعمل من أجل إصلاح النظام السياسي في بلده‏.‏

ولذلك ربما يكون الخير الوحيد الذي قد تتركه الإدارة الأمريكية الحالية‏,‏ وسابقتها‏,‏ هو أنها كشفت ما لا يصح إغفاله أو تناسيه بعد انتهاء ولايتها‏.‏ فلن تكون الإدارة القادمة في الأغلب الأعم علي شاكلتها‏.‏ ولكن الخطر علي الديمقراطية الأمريكية لن ينتهي مع انتهاء عهد هذه الإدارة‏,‏ لأن ممارساتها اللاديمقراطية هي من صنع تيار له قاعدته الواسعة في المجتمع الأمريكي‏.‏ ويمكن أن يعود هذا التيار‏(‏ المحافظون الجدد‏)‏ إلي الحكم في فترة تالية‏,‏ ليواصل انتهاكاته للتقاليد الديمقراطية انطلاقا من خلفيته الأيديولوجية التي لا تحفل بهذه التقاليد‏.‏

فهذا تيار يصدر عن ذهنية شمولية تقوم علي أساس احتكاري‏.‏ فهي تبدأ باحتكار الحقيقة‏,‏ ولا تنتهي باحتكار القرار والإنفراد بالسلطة‏.‏ وحين يصل النزوع لاحتكار الحقيقة إلي مستوي معين‏,‏ فهو يؤدي إلي إنكار الحقائق المعيشة أو الواقع الفعلي‏.‏ وتعيش الولايات المتحدة اليوم حالة الإنكار هذه‏,‏ والتي اتخذها الصحفي المعلم بوب وودوارد عنوانا لكتابه الأخير الذي يستحق عناية خاصة من جانب كل من يتطلع إلي معرفة ما يحدث في الولايات المتحدة الآن ومحنة الديمقراطية فيها‏.‏ [line]

castle
19-04-2007, 01:23 PM
الخميـس 01 ربيـع الثانـى 1428 هـ ،،، 19 ابريل 2007

برهم صالح:
نائب رئيس الحكومة العراقية لـ«الشرق الاوسط»:

-التهافت على اقتسام السلطة أدى إلى شرخ في الوضع السياسي العراقي
-أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية سيكون سابقة لتدخلات مقابلة
- بغداد لم تسقط في 9 أبريل (نيسان) 2003 بل في 17 يوليو(تموز) 1968
-العراق بحاجة الى تحالف المعتدلين من الشيعة والسنة والكرد والمكونات الأخرى
- من الأخطاء الفادحة تحويل عملية تحرير العراق إلى احتلال
-الحل الأمني مستحيل في غياب التوافق السياسي الوطني

معد فياض

يتفق غالبية من العراقيين هنا في بغداد وفي خارج العراق على ان الدكتور برهم صالح هو رجل دولة وسياسي من طراز خاص.
فهو أكاديمي يعمل بروح مهنية عالية، وسياسي يبذل أقصى ما بجهده من اجل ان تسير سفينة العراق باتجاه الاستقرار البناء.

وحسب تعريفه لنفسه فان صالح ديمقراطي يحرص على تكريس الوحدة الوطنية في بلد متعدد القوميات والطوائف والأديان. ووسط مسؤولياته المتشعبة كان من الصعب على الدكتور صالح نائب رئيس الحكومة العراقية ونائب رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي جلال طالباني، توفير وقت لإجراء حوار صحافي مطول وذلك لكثرة مشاغله وتشعب مسؤولياته. فبين اجتماع واجتماع هناك اجتماع، فهو المسؤول عن الملفات الاقتصادية المعقدة في العراق وعن ملف النفط الشائك، إضافة الى مسؤولياته عن ملفات سياسية اكثر تعقيدا.

مع هذا كله استطاعت «الشرق الاوسط» ان تحظى بوقت مناسب، وعلى مراحل، لإجراء هذا الحوار الذي تحدث خلاله صالح وبجرأته وصراحته المعروفة عن قضايا ساخنة عدة تهم العراق بعد اربع سنوات من سقوط نظام صدام حسين.

* لنبدأ أولا بوضع تعريف دقيق حول ما جرى قبل اربع سنوات، هل هو سقوط بغداد ام تحرير العراق؟

ـ استخدام مصطلح سقوط بغداد فيه مغالطة لغوية وفكرية. بغداد لم تسقط في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 بل سقطت صبيحة السابع عشر من يوليو (تموز) 1968 عندما سيطرت في غفلة من الزمن عصابة مجرمة تحكمت بمقادير العراق على مدى اكثر من ثلاثة عقود. التاسع من نيسان 2003 هو يوم سقوط النظام الاستبدادي وبداية عصر جديد للعراقيين وارجو ان يؤشر هذا التاريخ على انه بداية نهوض بغداد لا سقوطها. كنت أتمنى ويشاركني الكثير في ذلك ان نكون قد غيرنا النظام بقوانا الذاتية لكن القوى العراقية قد ضحت بالغالي والنفيس من اجل اسقاط الدكتاتورية ولم نتمكن من ذلك مما دفعنا للاستعانة بالمعادلات الدولية. دعني اذكر في هذا السياق ان المعادلات الدولية كانت قد خدمت النظام السابق وأبقته على رأس السلطة وكان النظام الصدامي قد استفاد كثيرا من هذه المعادلات لتعزيز قبضته على السلطة وادامة بقائه واضطهاده للشعب العراق. نحن الذين عارضنا وناضلنا ضد النظام السابق، ومنهم الحزب الذي انتمي اليه، لم نتغير بل ان المعادلات الدولية هي التي تغيرت لصالحنا، نحن لم نغير سياساتنا وافكارنا ومواقفنا بل ان الدول التي ساندت النظام السابق هي التي غيرت سياساتها ومواقفها الى معاداة ذلك النظام. لكنني اقول ان عملية اسقاط النظام السابق تختلف عن عملية بناء العراق الجديد الذي يجب ان تكون مسؤولية عراقية مباشرة ويجب ان تتحمل القيادات السياسية العراقية مسؤولية هذه العملية، وربما للمواطن العراقي ان يعتب على قياداته لعدم تلبية ما كان يطمح اليه وتنفيذ الوعود التي أطلقناها ذلك ان امامنا تحديات سياسية تجعلنا امام مشكلة تنفيذ هذه الوعود والتمتع بمصداقية امام المواطن العراقي لبناء هذا العراق الذي نريده ان يكون عراقا امنا مع نفسه ومع جيرانه.

* حسب اعتقادكم لماذا يتم التركيز فقط على الجوانب السلبية في عملية تغيير النظام؟

ـ كنت اتمنى ان تكون هناك جرأة لدى الاعلام العربي بالذات بعد سقوط النظام واكتشاف المقابر الجماعية والمآسي والمظالم التي تعرض لها شعبنا وان تكون مراجعة جدية وجريئة لتسليط الضوء على المظالم التي تعرضنا لها كعراقيين. سقوط النظام السابق يشكل انجازا كبيرا حيث تم التخلص من نظام استبدادي اودى بالعراق وبالعراقيين الى الهاوية، بل ان كوارثه ومصائبه ألحقت بالمنطقة العربية الكثير من الضرر. فتح سقوط النظام فرص جادة لبناء العراق الجديد لم تكن لتتحقق لولا التخلص من النظام السابق فلاول مرة في تاريخ هذا البلد، على الاقل منذ عام 1958، توفرت لنا الفرصة لبناء مؤسسات دستورية وان لم تكتمل بعد، الانتخابات انجاز غير مسبوق في تاريخ المنطقة، طبيعة النظام السياسي الجديد هو سابقة في تاريخ العراق، اضف الى ذلك حرية الصحافة والتحولات الاقتصادية التي ما تزال في بداياتها والتي ادت الى انعاش دخل المواطن العراقي حيث كان معدل دخل العراقي لا يتجاوز 800 دولار سنويا الان ارتفع الى 1800 دولار. وبالرغم من اننا نعيش ظرفا امنيا صعبا الا ان الكثير من مناطق العراق تنعم بالامن والاستقرار ونتوقع في وقت قريب نمو الاستثمار وتوسعه في المناطق الامنة وخير دليل على ذلك هو ما يجري من استثمار وبناء في اقليم كردستان. ومع هذا يجب ان نقر بوجود جوانب سلبية كثيرة وخطيرة لا يمكن تجاهلها.

* لكن الظروف الأمنية وبعد 4 سنوات من تغيير النظام ما تزال غير مستقرة؟

ـ لا شك ان التحديات الامنية السياسية لا تزال خطيرة وامامنا استحقاقات جسيمة لتجاوز المحنة التي يمر بها العراق اليوم. علينا ان نقر ان هناك خللا في العملية السياسية أدى الى انحسار المشروع الوطني الديمقراطي. لقد كان هناك تهافت وصراعات فئوية هادفة الى تقاسم الامتيازات والسلطة بين الاطراف المختلفة، كانت هناك ايضا اخطاء فادحة منها تحويل عملية تحرير العراق الى احتلال. ان تعليق السيادة العراقية وتبني فكرة الاحتلال اديا الى مشاكل كثيرة واحداث فراغ سياسي ندفع ثمنه الان. للاسف في بدايات العملية السياسية لم يكن هناك استيعاب لجميع مكونات الشعب العراقي بل كان هناك تهافت من اجل تقاسم السلطة ادى الى شرخ في الوضع السياسي مما اعطى للارهابيين من القاعدة والتكفيريين وأزلام النظام السابق فرصا ومساحات للتحرك اقلقت وما تزال الوضع الامني. ولا يمكن دحر الارهاب والتكفيريين والميليشيات المسلحة من دون اصطفاف وطني حقيقي من القوى الخيرة في هذا البلد، ولا اقول اننا وصلنا الى هذه الحالة من الاصطفاف الوطني ولكننا نتحرك من اجل دحر الارهابيين، والحل الامني يجب ان يكون جزءا من الاطار السياسي وضمن مشروع سياسي وطني عراقي يعطي لكل ذي حق حقه ويثبت مفهوم التوافق الوطني والمشاركة في شؤون ادارة الدولة.

نحن بحاجة الى توافق وطني بمثابة صفقة تاريخية لحل مشكلة السلطة في العراق يضمن المشاركة الحقيقية في بناء العراق الجديد والمشاركة في الوقوف بوجه الارهابيين والتكفيريين والميليشيات المسلحة وكل الخارجين عن القانون وبدون هذه الصفقة ربما تستمر دوامة في ظل غياب مثل هذا التوافق السياسي. ومن جملة اسباب الوضع الامني غير المستقر تحول العراق الى ساحة تصفية صراعات اقليمة ودولية تثقل كاهل العملية الانتفالية في العراق والتدخلات السافرة في الشان الداخلي العراقي تمثل مشكلة كبيرة. ان الدرس البليغ الواجب استخلاصه من تجربة السنوات الاربعة الماضية هو استحالة الحل الامني في غياب التوافق السياسي الوطني العراقي والمدعوم بتوافق اقليمي ودولي.

* لماذا لا تكون الحكومة جريئة في مواجهة الميليشيات لا سيما ان مرجعيات هذه الميليشيات سياسيا مشاركة في البرلمان وفي الحكومة؟

ـ ان خطة فرض القانون اقرت وبشكل حازم ضرورة مواجهة كل الخارجين عن القانون وعدم التهاون مع اي شكل من اشكال المظاهر المسلحة خارج اطار الدولة. هذه المسألة ليست سهلة وليست هينة في الظروف المعقدة التي نعيشها، الحكومة جزء من الحالة العراقية وليست كل الحالة العراقية، مع الاسف الشديد ربما ابرز المشاكل التي نعاني منها هي مسألة تعدد مراكز القرار وعدم قدرة الحكومة على الامساك بالمفاصل الاساسية لادارة الدولة وهناك العديد من المراكز التي تؤثر على صناعة القرار وتتجاوز المؤسسات الدستورية وهناك وضع سياسي معقد بل ان الحكومة نفسها هي نتاج هذا الوضع وان لم نجد حالة سياسية جديدة تعطي للحكومة الارضية السياسية الصلبة التي تمكنها من التحرك لتنفيذ مهامها فربما سنبقى اسرى للعديد من المشاكل التي نعاني منها اليوم. ان ابرز الحالات التي يجب ان نتجاوزها هي المسألة الطائفية والتخندق الطائفي الذي نعيشه. العراق بحاجة الى تحالف المعتدلين من الشيعة والسنة والكرد والمكونات الاخرى والاتفاق على تحالف يكرس سيادة القانون والمؤسسات الدستورية وبدونه ستبقى الحكومة اسيرة لهذه الاعتبارات السياسية، مع هذا فان الحكومة وفي ضوء المحددات السياسية فان هناك تصديات واضحة وحازمة في خطة فرض القانون لكل الجماعات المسلحة بغض النظر عن خلفياتها السياسية.

* ما هو أثر وجود السياسيين الأكراد في العملية السياسية العراقية في بغداد ؟

ـ القيادة الكردية كانت واضحة بعد تحرير اجزاء من كردستان عام 1991 اذ تبنينا مفهوم المصالحة الوطنية والتسامح وإلا لما استقرت الاوضاع في الاقليم. الوجود الكردي في بغداد مهم ويجب ان يقرأ بدلالاته السياسية والتاريخية المهمة، القيادات الكردية ترى العراق وطنا لكل المكونات العراقية، نريد ان نكون جزءا من عملية بناء وطن آمن خال من مآسي الانفال والتطهير العرقي وما الى ذلك من تجليات الاضطهاد وامامنا في ذلك مسؤولية كبيرة، نعم نحن متمسكون بحقوق الشعب الكردي ونرى ان العراق اذا اراد ان يكون آمنا مع نفسه فيجب ان يحافظ على هذه الحقوق وان يكون الاكراد قوة مضافة للحفاظ على البلد وجزءا من قوته، وان قوة العراق لا شك انها ستكون قوة للكرد. ارجو ان يكون الدور الكردي في بغداد دورا داعيا الى المصالحة الحقيقية مع الجميع والى الموازنة السياسية من اجل بناء مؤسسات قانونية ودستورية تكفل لكل العراقيين حياة مستقرة بغض النظر عن انتماءاتهم. الدور الكردي دور غير سهل ولا يزال هناك موروث من عهود الاستبداد تنظر بعين الشك والريبة الى الدور الكردي. املي انه من خلال العمل اليومي والاداء الكردي الجدي في خدمة المشروع الوطني العراقي ان يتم تجاوز هذه المفاهيم. هناك اطراف سياسة عراقية تريد ان تعكر الاجواء وقد نجحوا للاسف الشديد في خلق حالات من الاستقطاب الطائفي والان يعملون لخلق حالة من الاستقطاب القومي الشوفيني، وانا اقول بكل ثقة ان الغالبية الكبرى من الكرد يريدون ان يكونوا عاملا مساندا في عملية بناء العراق الاتحادي الجديد، وعندما نؤكد لهم اختيارنا للعراق الاتحادي فان في ذلك دلالات كثيرة، نحن اليوم نعمل من اجل عراق الوحدة الوطنية الحقيقية اعتمادا على مبادى الديمقراطية والاتحاد الاختياري والمشاركة في المصير والرؤى والمصالح وهذا هو الطريق الاسلم الذي سيكفل للعراق وحدته الوطنية المتينة التي ستمكننا من استكمال بناء هذا المجتمع خدمة للمشروع الوطني، الذي انشاء الله سيجعل من العراق وطنا لكل المكونات الدينية والطائفية والقومية من دون اي تمييز.

* مشكلة كركوك مستعصية .. كيف ترون الحل لها؟

ـ هذه المشكلة التي واجهت الدولة العراقية في زمن النظام السابق بسبب سياسته بتغيير الجغرافية السكانية واتباع سياسة التعريب القسري لأهالي المدينة والتي حولت كركوك من مدينة للتعايش السلمي الى ساحة للتناحر والتطهير العرقي. الموقف الكردي واضح، إننا نرى في كركوك مدينة عراقية بهوية كردستانية. هناك كم من الدلائل والوثائق ما يثبت وجهة نظرنا بان كركوك جزء من اقليم كردستان. لكن ما دمنا نعيش في العراق، يجب ان نقر بوجود تباين في وجهات النظر حول هذه القضية، فهناك وجهات نظر تركمانية وعربية مغايرة للرؤية الكردية. ومن هنا القبول بآلية دستورية وقانونية وعراقية، والمتمثلة بالمادة 140 من الدستور، لحل هذه المشكلة. لا يمكن فرض حل احادي الجانب من اي طرف، بل ان الحل حل عراقي لمشكلة عراقية وبدون وصاية أو قيمومة من اي طرف خارجي. وهذا بحد ذاته تطور مهم في الموقف الكردي باتجاه تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية العراقية. هناك اطراف خارجية تريد ان تفرض حلا معينا لمشكلة كركوك وترفض مفهوم الحل العراقي والمفروض من كل العراقيين ان يهبوا صفا واحدا ضد التدخل الخارجي الذي ينتقص من الارادة العراقية. أملي ان ينبري العرب قبل الكرد للاسهام بحل هذه المشكلة ومعالجة اثار سياسة التعريب القسري وتطمين الكرد والمكونات الاخرى بان العراق الجديد لن تتكرر فيه سياسات الاستبداد مرة اخرى ضمانا للوحدة الوطنية.

* ما هي رؤية الأكراد لحل مشكلة كركوك؟

ـ الكرد رؤيتهم بان كركوك ستبقى مدينة عراقية مثلما اربيل والسليمانية والبصرة والانبار ولكن هويتها كردستانية وانتماءها الاداري يكون ضمن اقليم كردستان وان تكون كركوك مدينة التعايش والتآخي بين المكونات العربية والتركمانية والكردية مثلما كانت قبل ان يقوم النظام السابق بتغيير خارطتها السكانية وتهجير اهلها. لكن القرار النهائي بيد اهل كركوك الاصليين ومن خلال آليات دستورية وديمقراطية وفق المادة 140.

* كيف تنظرون إلى التهديدات التركية بشأن موضوع كركوك؟

ـ تركيا جارة مهمة لنا ومن مصلحتنا إقامة أمتن العلاقات السياسية والاقتصادية معها على اساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ولكن اي تدخل خارجي ينتقص من السيادة العراقية مرفوض ونحن نذكر جيراننا الذين ما فتئوا يتحدثون وباصرار عن ضرورة الحفاظ على وحدة الاراضي العراقية بان الكرد جزء من العراق ومن العملية السياسية العراقية ومن وحدة هذا البلد وهم يطالبون بحل ضمن العائلة والخيمة العراقية لمشكلة كركوك. هناك مفارقة، ففي الوقت الذي يؤكد فيه جيران العراق ودول العالم على وحدة وسيادة العراق تأتي قوى خارجية تعطي لنفسها الحق في التدخل في شأن داخلي عراقي. أي تدخل في هذا الموضوع مرفوض ومردود وهذا موقف عراقي تتفق عليه كل القوى الوطنية العراقية الحريصة على وحدة واستقلال القرار العراقي وليس موقفا كرديا فحسب، وأية قوى عراقية تريد الاستعانة بالاجنبي لحل هذه المشكلة او اية مشكلة اخرى لن تنال الا الخيبة، واذكر ان اي تدخل خارجي في شؤون العراق سيكون سابقة للعراق لتدخلات متقابلة، هذا ليس مفيدا للعراق ولا للاخرين. نريد في العراق الجديد ان نكون في أمن ووئام مع جيراننا على أساس احترام السيادة والمصالح المتبادلة.

* إلى أين وصلتم في موضوع المصالحة الوطنية؟

ـ هناك من يريد عودة النظام الدكتاتوري السابق وهذا غير مقبول، وهناك ايضا من يريد وباسم الاغلبية ان يسيطر على مقاليد الحكم الامنية والاقتصادية وهذا غير مقبول ايضا. نحن بحاجة الى مشاركة جميع المكونات العراقية وان نحترم حقوق الاقلية والاغلبية ضمن هوامش التوافق الوطني. ما يجري في العراق من صراع هو من اجل السيطرة وتقاسم السلطات وكنا نتمنى ان يكون الصراع من خلال البرلمان والسياقات الديمقراطية ولكن مع الاسف ان المتطرفين يديمون حالة العنف والاحتراب. يجب ان يكون واضحا ونحن في السنة الرابعة من تغيير النظام بانه لن يسمح بعودة اي حكم ديكتاتوري فقد انتهى زمن الاستبداد والتحكم بمصائر هذا البلد من قبل فئة على حساب الفئات الاخرى، ويجب ان نفهم نحن القائمين على الحكم في العراق اهمية مشاركة اوسع في العملية السياسة وان نتبنى مبدأ التوافق في ما يخص المسائل المصيرية للبلد واستحالة استبعاد اي شريحة من شرائح المجتمع الاساسية. هناك اتصالات مع بعض المجاميع المسلحة وانا شخصيا من دعاة اي حوار من شأنه ان يحقن دماء العراقيين ولا نستكثر على شعبنا اي جهد من شأنه انهاء دوامة العنف. ولا مجال للتفاهم مع القاعدة والتكفيريين فهؤلاء اعداء لشعبنا وحريته ويجب ان نتمكن منهم وهذا يتطلب اصطفافا وطنيا حقيقيا يشمل كل من يتقبل اسس المصالحة الحقيقية القائمة على نبذ العنف.

* تحدثتم طويلا عن قانون النفط، ما هي المبادئ الاساسية لهذا القانون؟

ـ يمثل قانون النفط مسألة مهمة جدا في ما يتعلق برسم الملامح السياسية للاقتصاد السياسي للعراق الجديد. القانون يثبت ملكية الشعب العراقي للنفط ومبدأ التوزيع العادل لموارده على كل مكونات الشعب العراقي وهذا المبدأ مهم جدا كونه يجعل من النفط عاملا موحدا للعراقيين ويؤسس لاقتصاد سياسي موحد، كما ان هذا القانون يلغي الحالة المركزية الصارمة التي تحكمت بهذه الثروة الوطنية والتي جعلت من النفط ثروة بيد الاستبداد، وحسب هذا القانون تعاد هيكلة ادارة القطاع النفطي بما يؤمن سياسة ثروة وطنية واحدة للبلد وتبني اساليب مجدية اقتصادية والهدف هو تعظيم ورادات النفط وتسخيرها لخدمة المواطن. نحن نتعامل مع إرث كبير من المشاكل ومع اساليب خاطئة تعاملت مع موضوع النفط. العراق اليوم يصدر ما بين مليون ونصف المليون الى مليون و700 الف برميل يوميا ولو توفرت البيئة الاستثمارية الصحيحة لتمكنا من مضاعفة هذا الرقم خلال فترة استثنائية.

* كانت هناك مشاكل حول موضوع النفط مع حكومة كردستان؟

ـ نعم كانت هناك بعض المشاكل وتوصلنا الى حل وسط يبقي على المبادئ الدستورية وفي نفس الوقت يؤمن هامشا واسعا لحكومة اقليم كردستان في ما يتعلق بادارة مشاريع النفط في الإقليم والمشاركة في القرار الوطني لقطاع النفط.

* هل تعولون على نتائج إيجابية من اجتماعات مؤتمر شرم الشيخ الذي سيعقد بداية الشهر المقبل؟

ـ هناك مؤتمران، الاول هو مؤتمر العهد الدولي حول العراق والذي تدعى اليه كل المجموعة الدولية ونتوقع حضور مجموعة كبيرة لهذا المؤتمر وهو مشروع ضخم جاء بمبادرة عراقية لتحقيق الاصلاحات السياسية لتحقيق المصالحة الوطنية والاصلاحات الافتصادية المطلوبة لتحقيق الرخاء والازدهار الافتصادي. اما المؤتمر الثاني فيتعلق بدول الجوار وبحضور الدول الدائمة العضوية لمجلس الامن وايضا هذا المؤتمر تم بدعوة عراقية ونأمل بحضور جميع دول الجوار العراقي. هذان المؤتمران مخصصان لدعم العراق لا لفرض اجندات معينة على العراق ونامل من هذه الاجتماعات ان تخرج بنتائج ايجابية وواضحة ونشكر دولة مصر الشقيقة لاستضافتها المؤتمرين وهذا دليل اهتمامها بموضوع استقرار العراق بما فيه خير المنطقة.

ونأمل ان تتولد حالة جديدة في التعاطي مع الشان العراقي، فبدل ان يكون العراق ساحة تصفية الصراعات الاقليمية والدولية، ليكن استقرار العراق مصلحة مشتركة تتوافق عليها دول الجوار والولات المتحدة واوروبا.

* أصدرت الحكومة العراقية قانون الاستثمار لكن هذا القانون لم يتم تفعيله.. ما هي الأسباب ؟

ـ قانون الاستثمار مهم وقد صرفنا جهدا كبيرا من اجل انجازه ورئيس الوزراء أبدى توجيهاته من اجل تفعيله وتفعيل المؤسسات المرتبطة بهذا القانون وهناك ضغوط كبيرة من المحافظات المختلفة تدعو لتفعيل هذا القانون. الوضع الاقتصادي في العراق مرهون بتنفيذ شراكة حقيقية بين القطاع العام والخاص وبدون تحقيق هذه الشراكة لن يتطور الوضع الاقتصادي بالاتجاه المنشود.[line]

castle
22-04-2007, 12:52 PM
الاحـد 04 ربيـع الثانـى 1428 هـ ،،، 22 ابريل 2007

أمام تحدي المبادرة العربية:
إسرائيل دولة قوية ومشلولة وفاشلة

بلال الحسن

الشرق الاوسط

يتعاطى العرب مع إسرائيل انطلاقا من مشروع «مبادرة السلام العربية». ويتعاطى الفلسطينيون مع إسرائيل انطلاقا من مشروع بناء دولة فلسطينية. ويلقى المشروعان صدى إسرائيليا ملحوظا، فلا هم يقبلون المبادرة العربية بكل ما فيها من إغراء سياسي لدولة تبحث عن الاعتراف بها، ولا هم يقبلون المبادرة الفلسطينية حتى بعد أن قطعوا شوطا في التعامل معها عبر اتفاق اوسلو.

ويثور هنا سؤال: لماذا تعاند إسرائيل إلى هذا الحد؟ لماذا ترفض وتتعنت؟ وعند البحث عن الجواب يبرز الانطباع السائد منذ زمن طويل، وهو أن إسرائيل تفعل ذلك لأنها قوية ومتفوقة، وهي قادرة على فرض شروطها، وقادرة على العيش والاستمرار حتى إذا رفض العرب والفلسطينيون قبول شروطها. وفي هذا التصور كثير من الصحة، فالقوة العسكرية الإسرائيلية أمر لا شك فيه، وتحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة الأميركية أمر له نتائجه الكثيرة.

ولكن هناك جوابا آخر عن هذا السؤال، بدأ يكشف عن نفسه في السنوات الأخيرة، وهو أن إسرائيل تظهر كل هذا العناد لأنها فاشلة. إنها دولة قوية وفاشلة. قوية عسكريا وفاشلة سياسيا واجتماعيا وبنيويا. إنها كمن يبني بيتا من حجر صلد من أجل أن يسكن فيه وأن يتزوج وينجب، ثم يكتشف أنه اختار الزوجة غير الصالحة، فيبقى البناء ولكن المشروع ينهار. إن الفشل هنا لا يأتي من انهيار البنيان بل من السوس الذي ينخر في الداخل.

وبعيدا عن أي محاولات فكرية تضرب في عمق الفكر الصهيوني وجذوره، نستطيع أن نرى الشواهد على هذا الفشل في الظواهر السياسية السائدة، وهي عوامل يختبرها العرب والفلسطينيون بصورة شبه يومية.

أبسط هذه الشواهد أن إسرائيل تسيطر عليها الآن حكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرار. حكومة مشلولة، لا بسبب ضعف أفرادها، بل لأن توازن القوى السياسية والاجتماعية من حولها لا يمكنها من اتخاذ القرارات التي تتعامل معها أية حكومة عادية. ويشيع في إسرائيل القول بأن قرارا سياسيا واحدا تتخذه الحكومة، سواء في التفاوض مع الفلسطينيين أو في التفاوض مع العرب، يعني سقوطها. ولذلك فإنها تلجأ إلى أسوأ الحلول، إلى عقد الاجتماعات اللا مجدية، الاجتماعات التي تتوالى وتتكرر من دون أن تصل إلى نتيجة. وحين تشارك في هذه الاجتماعات دولة عظمى ممثلة بالسيدة كوندوليزا رايس، تصبح الأمور غريبة ومضحكة، وبخاصة حين تسعى السيدة رايس إلى تغطية الفشل الإسرائيلي بكلمات منمقة تكثر من تردادها في مؤتمراتها الصحافية، ومن نوع البحث في الأفق السياسي، والبحث في خطة التشجيع للطرفين، وما إلى ذلك من كلمات لا معنى لها.

حكومة إسرائيل الآن مشغولة بقضية واحدة، هي تقرير لجنة فينوغراد التي تألفت من أجل التحقيق في فشل الحرب الإسرائيلية على لبنان. أعضاء في اللجنة يريدون نشر شهادات المسؤولين الكبار بما فيها من اتهامات خطيرة تطيح بالرؤوس. وأعضاء آخرون يرفضون نشر الشهادات إلا بعد نشر نص التقرير لأنه يوضح الظروف والملابسات، فيخفف ذلك من وقع الصدمة على رؤوس المسؤولين. وتدخلت بسبب هذا الخلاف المحكمة الإسرائيلية العليا لتضغط باتجاه عدم النشر، وانتقلت القصة إلى الصحافة بين مؤيد لهذا ومؤيد لذاك.

المحكمة العليا في إسرائيل هي نفسها بين أخذ ورد. صلاحياتها كثيرة، وبكلمة منها يمكن أن يسقط هذا الوزير أو ذاك، وهي مستعدة لقول كلمة عن مسؤولية رئيس الوزراء ايهود اولمرت بشأن حرب لبنان أو بشأن الفساد، ويكون في ذلك نهاية حياته السياسية. ولكن السياسي هنا لا يستسلم، يستخدم صلاحياته، ويختار وزيرا جديدا للعدل بعد أن تمت تنحية الوزير السابق بتهمة التحرش الجنسي بقرار من المحكمة نفسها، ويوكل لهذا الوزير مهمة صياغة قانون جديد يحد من صلاحيات المحكمة العليا. وهكذا يتحول القانون إلى ألعوبة بين أيدي السياسيين، وينشغل الجميع بهذه المعارك، وتبقى القرارات التي يجب اتخاذها معطلة.

ويخرج الإعلام الإسرائيلي في كل يوم بقصة جديدة عن فساد هذا الوزير أو ذاك. رئيس الوزراء متهم بالفساد، ورئيس الأركان أيضا الذي استغل اطلاعه على أوضاع الحرب في لبنان فباع أسهمه في البورصة تاركا الخسارة للآخرين الذين لا يعرفون بقراراته هو بالذات. وحتى وزير المالية الذي يفترض فيه أن يكون حاميا للمال العام متهم هو أيضا بالفساد. ويقرأ المواطن الإسرائيلي كل هذه القصص فيشعر بالقرف من السياسيين، ويفقد الإعجاب بنظامه الاجتماعي ومتانته، ويبدأ هو أيضا بالتفكير بقرار يضمن له خلاصه الفردي، إما بممارسة الفساد كما يفعل الكبار، أو بالسلبية، أو بالهجرة إلى مكان آخر، بينما تسجل الإحصاءات أن نسبة الهجرة من إسرائيل إلى خارجها آخذة في الازدياد.

في قلب هذه الحالة من الشلل السياسي، ومن الفساد، ومن فقدان الأمل الفردي بالمستقبل، تنظر إسرائيل حولها فتكتشف أن الديمغرافيا الفلسطينية تشكل خطرا عليها، وتكتشف أن النضال الفلسطيني يشكل خطرا أمنيا عليها، فتلجأ إلى الحل العجيب، حل إحاطة نفسها بسور يفصلها عن الخطر الديمغرافي.

ثم تلقي إسرائيل على محيطها نظرة أخرى، فتكتشف أيضا وجود أقلية عربية بداخلها يمكن لها هي أيضا أن تشكل خطرا ديمغرافيا، فتقرر شن الحرب على مواطنيها من أصحاب الأرض الأصليين، تارة من خلال شعار الترانسفير، وهنا تتيح لحزبين يتبنيان الترانسفير أن يوجَدا داخل الحكومة، وتارة أخرى من خلال دعوة مواطنيها المسلمين والمسيحيين إلى ضرورة الاعتراف والإقرار بأن دولتهم يجب أن تكون دولة يهودية، وأن من لا يعترف بيهودية الدولة يشكل خطرا أمنيا. وقد يترتب على هذا الموقف طرد نواب الأقلية العربية من الكنيست وتقديمهم للمحاكمة الأمنية. والخطوة المنطقية التالية هي منع الأقلية العربية من تشكيل أحزابها الخاصة. والخطوة الثالثة هي منعهم من ترشيح أنفسهم لانتخابات الكنيست. أما الخطوة الرابعة والخامسة فهي الاضطهاد، وتقسيم المواطنين إلى درجات، وقيام نظام التمييز العنصري. والمظهر الأخطر من كل هذا الذي نذكره هو التوجه لمنع نخب الأقلية العربية من التفكير. فإذا أدلوا برأيهم حول ما يجب أن تكون عليه هوية الدولة، دولة يهودية أم دولة لكل مواطنيها، فهم إذاً أشخاص خطرون ويهددون الأمن الإسرائيلي، ويجب منعهم من ذلك بالاعتقال والمحاكمة، ثم عليهم، كما في محاكم التفتيش، أن يعلنوا ندمهم وتوبتهم، وأن يتعهدوا أمام قساوسة الأمن أنهم لن يمارسوا جريمة التفكير من جديد.

هل يضمن كل هذا الأمن لإسرائيل؟ للأسف فإن الجواب هو لا. وهو جواب يعرفه القادة الإسرائيليون، ومع ذلك فهم يمضون في مد منطقهم إلى آخره، فيعلنون بكلمات منمقة ما يسمونه «مشاريع التطوير». مشاريع التطوير في الجليل والنقب، وهما المنطقتان اللتان تعيش فيهما أغلبية الأقلية العربية. والتطوير هنا يعني خلخلة هاتين المنطقتين، أي مصادرة أراضي السكان، ودفعهم إلى الهجرة والعمل في مناطق أخرى، ثم جذب عدد من السكان اليهود ليحلوا محلهم. لماذا؟ لأن الفلسطينيين المحتشدين في هذه المناطق قد يطالبون بالحكم الذاتي الثقافي وغير الثقافي، أما حين يتشتتون هنا وهناك، فإنهم يفقدون صفة «التجمع» ويصبح من الصعب عليهم أن يطالبوا بما يتطلعون إليه.

في قلب هذا كله، يقول الإسرائيليون «لا» لعرض فلسطيني ببدء التفاوض. ويقول الإسرائيليون «لا» لعرض سوري ببدء التفاوض. ويقول الإسرائيليون «لا» لعرض عربي شامل ببدء التفاوض. وتنتصب كل هذه اللاءات بينما هم يقفون حائرين بسبب وضعهم العسكري الجديد بعد حرب لبنان، ولا يفكرون إلا بحرب أخرى ضد قطاع غزة، أو ضد لبنان، أو ضد سوريا، أو ضد ايران.

هل يمكن وصف هذه الحالة بشيء آخر سوى «الفشل» أو «التوهان» أو «العجز عن التفكير» أو «العجز عن اتخاذ القرارات»؟ وهل نغالي إذا قلنا بعد هذا كله، إن إسرائيل دولة قوية وفاشلة؟ وإنها دولة ذات بنيان قوي ولكنه بنيان مهدد بالانهيار؟ هل نغالي إذا قلنا إن القوة مع الفشل هي أخطر ما يهدد مستقبل الدول؟[line]
الكلفة الانسانية للغزو «الانساني» للعراق

محمود عوض

الحياة

منذ صدور التقرير النهائي الذي أعدته «مجموعة دراسة العراق» وجرى نشره قبل نحو أربعة أشهر والنقاش السياسي داخل أميركا مستمر صعودا وهبوطا مع تطور الأحداث. لقد عكس ذلك التقرير توافقا لأول مرة بين الحزب الحاكم والحزب المعارض، حيث ضمت اللجنة في عضويتها خمسة عن كل حزب، الجمهوري والديموقراطي. وبعد دراسة جادة لتطورات المشهد العراقي انتهت المجموعة إلى 79 توصية تقترح على إدارة الرئيس جورج بوش الأخذ بها كمجموعة متكاملة.

في حينه اختارت إدارة بوش المكابرة كالمعتاد مفضلة التصعيد العسكري في العراق، سواء بزيادة عدد الجنود الأميركيين أو بزيادة فترة بقاء العاملين في الخدمة هناك، وكذلك بطلب اعتمادات مالية إضافية من الكونغرس الأميركي، مع تهديد الرئيس جورج بوش مسبقا باستخدام حقه في النقض إذا ربط الكونغرس الاعتمادات المالية الإضافية بجدول زمني للانسحاب العسكري الأميركي من العراق. مجموعة دراسة العراق لم تطلب أصلا وضع جدول اعتباطي للانسحاب من العراق، بل لم تطلب أي جدول زمني محدد إلا ارتباطا بتقدم الوضع الأمني في العراق. وحتى في هذه الحالة فإن التفكير السائد هو أقرب إلى فكرة إعادة الانتشار العسكري أميركيا بأكثر مما هو أقرب إلى مبدأ الانسحاب الكامل من هناك.

لكن التطور الأهم الذي حققه التقرير هو أنه فتح لأول مرة نقاشا سياسيا شاملا للمشروع الإمبراطوري الأميركي في العراق من أساسه: هل كان صحيحا ولازما من الأساس؟ هل اعتمد على معلومات مغلوطة؟ هل تجاهل الوقائع الصحيحة واستبدلها بوقائع ملفقة؟ ومن الذين فعلوا ذلك وماذا كانت المصالح الحقيقية التي تحركهم؟ وأخيرا جاء السؤال الهائم من الأصل: من أضاع العراق؟

للسؤال أهميته في السياق التاريخي الأميركي لأنه يأتي على الوجيعة. فحينما نجح الشيوعيون في الاستيلاء على السلطة في الصين سنة 1949 كان هذا تحولا استراتيجيا جذريا في المشهد الآسيوي وفشلا بالقدر نفسه للسياسات الأميركية هناك، وهو ما بلوره النقاش السياسي الأميركي العام وقتها في سؤال جوهري: من أضاع الصين؟ التشابه في الحالتين - الصين والعراق - ينتهي هنا، فكل حالة تختلف جذرياً عن الأخرى. لكن تبادل اللوم والمسؤولية بعد فوات الأوان هو الذي يظل سائداً.

في الحالة العراقية قامت وزارة الخارجية الأميركية - خصوصاً أيام كولن باول - بإلقاء اللوم على وزارة الدفاع الأميركية حينما احتكر دونالد رامسفيلد لنفسه صياغة المشروع العراقي مع ديك تشيني نائب الرئيس. وزارة الدفاع - أيضا أيام رامسفيلد - ألقت باللوم على العسكريين الأميركيين، الذين ألقوا بدورهم باللوم على وزير الدفاع لأنه لم يوفر القوات اللازمة اعتمادا على تقدير خاطئ بأن الشعب العراقي سيقابل القوات الأميركية بالورود والأحضان. وكما لاحظ أحد الخبراء الأميركيين أخيراً فإن الإدارة الأميركية لم تذهب إلى غزو العراق من فراغ وإنما حصلت على تفويض كاسح بذلك من الكونغرس نفسه. تفويض جرى بأغلبية كاسحة من الجمهوريين والديموقراطيين معا بما لم يحدث حتى في حرب تحرير الكويت ولا في أي حرب أخرى في الصومال أو هايتي أو البوسنة أو كوسوفو. كذلك الإعلام الأميركي في مجمله احتشد وراء سياسة الإدارة، إما بحجب معلومات صحيحة عن الرأي العام أو بتضليله بمعلومات ملفقة روجت لها الإدارة. وحينما اعتذرت صحف كبرى لقرائها مثل «النيويورك تايمز» و «الواشنطن بوست» فقد كان هذا بعد الغزو بوقت طويل حيث أصبح الاعتذار غير مجد بحد ذاته ولم يعد مؤثرا على مجرى الأحداث.

الآن في 2007 أصبح الديموقراطيون يحمّلون الجمهوريين مسؤولية الفشل في العراق، بينما يقوم الجمهوريون بإلقاء اللوم على العراقيين. وفي ما بين هؤلاء وأولئك يلقي المحافظون الجدد باللوم على المحافظين التقليديين. بينما يلوم هؤلاء المحافظين الجدد على خضوعهم للنفوذ الإسرائيلي ومسايرتهم الكاملة لبرنامجه. وخرج اثنان من كبار الأكاديميين الأميركيين بدراسة رصينة يسجلان فيها المدى الذي بلغه النفوذ الإسرائيلي على «المؤسسة» السياسية الأميركية، وهو ما جعل اللوبي الإسرائيلي يلاحقهما بهدف خنق صوتهما وقطع الطريق على دراسات مماثلة في الطريق قد تدفع إلى مراجعة بعض جوانب العلاقة الأميركية - الإسرائيلية.

ما فجر كل هذه السلسلة من الأفعال وردود الأفعال، واللوم واللوم المضاد، لم يكن المشروع الإمبراطوري الأميركي في العراق من حيث المبدأ، ولكن ارتفاع تكلفته عما كان مخططا له. في أحاديث التكلفة، وبالمنطق العملي المعتاد، يتوقف الأميركيون أولا عند الجانب المالي المتصاعد. فبعد مرور أربع سنوات من الحرب في العراق - وحسب «تقرير واشنطن» - فإن التكلفة الاقتصادية للحرب بلغت 400 مليار دولار. ومع نهاية السنة الجارية من المفترض أن تصل التكلفة إلى 500 مليار دولار، بما يزيد عن تكلفة الحرب في كوريا، وما يوازي تقريبا تكلفة 12 سنة من حرب فيتنام. كما أن الحرب في العراق تكلف الاقتصاد الأميركي خسارة ما يقرب من واحد في المئة من قيمة نمو الإنتاج المحلي.

وعشية غزو العراق في سنة 2003 لم يتوقع الرئيس جورج بوش وإدارته أن تصل التكلفة حتى إلى ربع هذا المبلغ. بل إن الإدارة كانت قدرت موازنة الحرب بنحو 75 بليون دولار في مراحلها الأولى، لكنه بدأت منذ شهر نيسان (ابريل) 2003 في طلب موزنة إضافية تبلغ 54.4 مليار دولار، ثم بعدها بسبعة أشهر طلبت اعتمادا إضافيا آخر بـ70.6 مليار دولار، ثم اعتمادا آخر وآخر، إلى أن طلبت في كانون الثاني (يناير) الماضي مئة مليار دولار أخرى، ليصل إجمالي تكلفة غزو العراق إلى 400 بليون دولار ترتفع في نهاية السنة الجارية إلى 500 بليون دولار.

وبافتراض أن الغزو الأميركي للعراق توقف اليوم - وهو افتراض غير واقعي بالمرة - فإن التكاليف الإضافية مستمرة بما في ذلك تكاليف الرعاية الطبية وتكاليف العلاج للمحاربين المصابين في الحرب، وهو ما بدأت بسببه أزمة كبيرة بين وزارة الدفاع وجمعيات المحاربين القدامى. وفي دراسة حديثة شارك فيها جوزيف ستيغليتز أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل قدرت التكلفة الإجمالية للحرب في العراق بعد إضافة النفقات المستقبلية بـ2 تريليون دولار. هناك أيضا دراسة ثالثة تشير إلى أنه بالمتوسط فإن كل اسرة أميركية ستتحمل عبئا قدره خمسة آلاف دولار من نفقات الحرب في العراق، وهو عبء لا يزال الإعلام الأميركي يداريه عن النقاش العام.

هناك أيضا التكلفة البشرية الأميركية لغزو العراق وهي - حسب «تقرير واشنطن» مرة أخرى - تمثل 3223 جنديا أميركيا قتيلا حتى الذكرى الرابعة للحرب، اضافة الى 24042 جريحا حسب الإحصائيات الرسمية الأميركية، مع ملاحظة أن الضحايا من القوات الأميركية من غير حاملي للجنسية الأميركية لا يتم احتسابهم في هذه الأرقام الرسمية.

الجانب الملفت حقا في كل ما سبق هو أن البيانات الرسمية الأميركية لا تتطرق بالمرة إلى الضحايا من العراقيين أنفسهم. وحسب دراسة لجامعة جون هوبكنز جرى الكشف عنها في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي فإن عدد القتلى في صفوف العراقيين منذ بدء الحرب بلغ 655 ألف شخص مع أن وزارة الصحة في الحكومة العراقية القائمة بحماية الاحتلال لا تعترف إلا بمئة وخمسين ألف قتيل منذ آذار (مارس) 2003 وكأن هذا يخفف من فداحة المأساة المروعة. مع ذلك تظل كل تلك الأرقام - بأعلاها وأدناها - مجرد جزئية واحدة في التكلفة الإنسانية الشاملة التي يتحملها الشعب العراقي.

فمنذ الغزو الأميركي للعراق في آذار 2003 غادر العراق نحو أربعين في المئة من المهنيين كالأطباء والمهندسين والمدرسين والعلماء، وانخفضت نسبة طلاب المدارس والجامعات بصورة غير مسبوقة. ومع زيادة العنف الطائفي منذ شباط (فبراير) 2006 حينما جرى بفعل فاعل مجهول تفجير مزار شيعي في سامراء اضطر 425 ألف عراقي إلى مغادرة أحيائهم خشية الانتقام الطائفي. وقبل أيام قليلة تابعنا قيام مجهولين بتفجير جسر الصرافية في بغداد، وهو ما اعتبره البعض بداية مؤامرة أخرى لعزل شطري بغداد عن بعضهما البعض تحت شعارات طائفية.

لكن التكلفة الإنسانية الأكثر شمولا - وبالتالي الأكثر ترويعا -ـ فهي ما كشف عنه المؤتمر الدولي الذي عقد مؤخرا في جنيف في سويسرا وشارك فيه وزير الخارجية العراقي ووكيلة وزارة الخارجية الأميركية ومسؤولون أوروبيون و450 مسؤولا من 60 دولة. وحسب منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة فإن «حوالي ثمانية ملايين عراقي في حاجة ماسة للإغاثة الإنسانية لأنهم يعانون من أزمة بقاء داخل بلادهم».

ثم نأتي إلى ملف مستجد بالكامل، يتعلق بمن جعل الاحتلال الأميركي حياتهم مستحيلة فاضطروا إلى مغادرة العراق بحثا عن الأمن أو الرزق، أو كليهما معا. كانت الولايات المتحدة وعدت من قبل بقبول لجوء سبعة آلاف عراقي إليها، ثم رفعت الرقم مؤخرا إلى 25 ألفا. في التنفيذ لم تقبل حتى الآن سوى 420 لاجئاً عراقياً. أما بريطانيا، وهي الشريك الآخر في الغزو، فقد رفضت من الأصل قبول أي لاجئ عراقي.

في المقابل قبلت سورية حتى الآن مليون لاجئ عراقي، والأردن 750 ألفا، ومصر 150 ألفا، وإيران 54 ألفا، ولبنان أربعين ألفا. هذا يعني مليوني لاجئ خارج العراق اضافة الى مليون و900 ألف نازح عراقي داخليا، اضطروا إلى مغادرة مناطقهم الأصلية ونزحوا إلى مناطق أخرى داخل العراق، مع ملاحظة أن الأكراد في إقليمهم في الشمال يرفضون قبول غير الأكراد، ونصف الأقاليم العراقية الأخرى ترفض قبول نازحين إليها ما لم يثبتوا ارتباطهم السابق بالاقليم.

نحن إذن أمام تكلفة إنسانية مروعة للغزو الأميركي للعراق. وبحساب البشر فإن هذه التكلفة تتجاوز بمراحل ما جرى في فلسطين سنة 1948 بسبب الإرهاب والتهجير القسري. هذه التكلفة غائبة تماما عن البيانات الرسمية الأميركية. ولو حسبنا فقط تكلفة إعاشة مليوني لاجئ عراقي في دول الجوار حاليا فستتجاوز ألفي مليون دولار سنويا، وبدلا من ذلك تتحملها فعليا دول فقيرة أصلا بمستوى سورية والأردن. وكأنهما أصبحتا عمليا ضحيتين إضافيتين للغزو الأميركي للعراق.

وفي مؤتمر جنيف الأخير كان كل ما وعد به وزير خارجية العراق هو أن تساهم حكومته بخمسة وعشرين مليون دولار لدعم احتياجات اللاجئين العراقيين في الدول المجاورة ـ كل الدول المجاورة. أما السكرتير العام للأمم المتحدة فكل ما فتح الله به عليه هو أن يناشد الدول المجاورة للعراق فتح حدودها أمام المزيد من اللاجئين العراقيين. أما الغزاة أنفسهم - سواء بدأنا بالأميركيين أو انتهينا بالبريطانيين - فهم غير مشغولين بالمرة بهذه المأساة المروعة ولا يقتربون من سيرتها. هم مشغولون فقط بالغزو والذي منه: احتلوا العراق لأسباب ديموقراطية، ومستمرون في احتلاله لأسباب إنسانية. وقبل أيام قليلة أعلن روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي خلال زيارته للقاهرة انه لا يحترم أصلا من يعارض الوجود الأميركي في العراق.

هو حر في رأيه، لكن الحقائق المروعة في أرض الواقع تسلك مسارا آخر. وعلى حد تعبير معلق بريطاني مؤخرا: كان مفترضا بحرب العراق أن تنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط، لكن أكثر نتائجها وضوحا حتى الآن هو أنها نشرت العراقيين حول العالم.

هم منتشرون بحكم الضرورة وليس بدافع من الرغبة. فكأي مواطن آخر ليس في العالم كله ما يعوض المواطن العراقي عن بيته وأسرته ومدينته. إنما المشروع الإمبراطوري الأميركي كان واضحا من البداية: نريد العراق وليس العراقيين. وبتفكير المحافظين الجدد فربما يعتبرون هجرة ملايين العراقيين خارج بيوتهم ووطنهم إنجازا ملموسا أخذا بنظرية: بترول بلا شعب إلى شعب بلا بترول. مع أن لدى أميركا الكثير من البترول.

* كاتب مصري[line]

castle
23-04-2007, 08:24 AM
الاثنين 05 ربيع الثاني 1428 هـ ،،22أبريل 2007م،

قال للعربية.نت:

اتخذت قرار الرفض على مسؤوليتي

البلتاجي يؤكد محاولة قطريين شراء أراض بسيناء لحساب إسرائيليين

دبي- فراج اسماعيل

في أول حوار مع وسيلة إعلامية منذ خروجه من الحكومة، أكد الوزير المصري السابق د.ممدوح البلتاجي لـ"العربية.نت" أنه رفض بالفعل عندما كان وزيرا للسياحة طلبات من مستثمرين قطريين لشراء مساحات من الأراضي في سيناء بعد أن وصل لعلمه أنها تتم لحساب اسرائيليين.

وكشف د.البلتاجي الذي تولى بعد خروجه من وزارة السياحة، وزراتي الاعلام، والشباب والرياضة لـ"العربية.نت" عن ملابسات توقيعه بكلمتي "أرفض ويحفظ" على رسالة من رئيس الوزراء في ذلك الوقت عاطف عبيد ناقشه فيها في قراره برفض بيع الأراضي للمستثمرين العرب متسائلا: لماذا لا نستفيد من تدفقات رأس المال الأجنبي في تعمير سيناء؟ مشيرا إلى أن هذا الأمر مرّ دون أن يثير أزمة كما كان متوقعا، ولم يأته تعقيب جديد من رئيس الوزراء، وأكد أن المستثمرين القطريين لم يكرروا محاولة الشراء مرة أخرى.

وأضاف: أصدر الرئيس حسني مبارك بعدها قرارا بعدم بيع أراضي سيناء لغير المصريين، وهذا هو فكره الذي نستمده منه، وليس لأنه تأثر بقراري. الحقيقة أن هذا هو فكره الوطني الحميد، لأنه رجل قاد معارك وطنية كبيرة، وبالتالي يدرك جيدا قيمة سيناء وأهميتها من الناحية الاستراتيجية بالنسبة لمصر.

واستطرد: الرئيس مبارك يقف "اتوماتيكيا" ضد أن تباع الأرض المصرية وخاصة إذا كانت لاسرائيليين. هذا لا ينفع، فهل نفرط في التراب الوطني وحرب 1973 وكل الحروب في الفترات السابقة، من أجل أن بعض المستثمرين يريدون شراء قطعة أراض، مع كل احترامنا للمستثمرين أين كانوا؟..

وصلتني معلومات

سألته: كيف عرفت أن هؤلاء المستثمرين القطريين يريدون شراء الأرض لحساب اسرائيليين.. هل استنتجت ذلك بحاستك السياسية، أم من خلال معلومات تحصلت عليها؟.. قال وزير السياحة السابق د.ممدوح البلتاجي: اكتشفت ذلك بالحاسة السياسية وبالمعلومات. المصريون الموجودون في هذا القطاع (السياحة) أبلغوني بأن هذه الأرض في نهاية الأمر ليست للأخوة القطريين، وإنما ستكون للاسرائيليين، فكيف أسكت على شيء مثل هذا؟

وتابع البلتاجي: "كيف أسكت على أن الاسرائيليين يرغبون في شراء أرض مصرية، ولا يمكن بعدها اخراجهم منها.. لهذا السبب اتخذت القرار، وعلى مسؤوليتي الخاصة والله".
سألته: هل توقفت متابعة د.عبيد للموضوع لأن نفس هذه المعلومات وصلت إليه؟.. أجاب: لا أعلم إذا كانت قد وصلته أم لا. بالنسبة لي كل ما فعلته هي أنني "أشرت" على ورقته بالحفظ وانتهى الأمر.

وكان الصحفي مصباح قطب نشر في جريدة "المصري اليوم" الجمعة الماضية 20-4-2007 أن الشاعر فاروق جويدة كشف خلال تجمع ثقافي للاحتفاء بالدكتور ممدوح البلتاجي أن مستثمرين قطريين تقدموا بطلب لشراء مساحات واسعة من الأراضي في سيناء، غير أنه اتضح وجود علاقة بينهم وبين إسرائيليين وأن الشراء يتم لحساب الآخرين، مما جعل البلتاجي يرفض العرض القطري، وفوجئ بعد رفضه بخطاب من عاطف عبيد يقول له فيه: لماذا لا نستفيد من تدفقات رأس المال الأجنبي في تعمير سيناء؟. لكن البلتاجي أشَّر علي خطاب رئيس الوزراء بـ(أرفض ويحفظ).

ونقلت الصحيفة عن جويدة أن "البلتاجي دعاه في ذلك الوقت إلي فنجان شاي في مكتبه، وأخبره بتفاصيل هذه الواقعة، مما حفزه إلى كتابة مقالات تحذر من مخاطر بيع أرض سيناء للأجانب".

د.ممدوح البلتاجي جاء به الرئيس مبارك وزيرا للسياحة عام 1991 في أسوأ الفترات التي مر بها القطاع السياحي بسبب الارهاب الذي ضرب مصر بعنف في هذه المرحلة، ومع ذلك قفز بمعدلات السياحة إلى أعلى أرقامها طوال تاريخ هذه الصناعة التي تعد المصدر الأول للنقد الأجنبي في مصر.

لم تكن فترة سعيدة

وتولى البلتاجي بعد ذلك وزارة الاعلام حيث مكث بها شهورا قليلة وظهرت بصمته سريعا في التليفزيون المصري، ومع ذلك لا يعتبرها في حديثه لـ"العربية.نت" فترة سعيدة. ويداري على ذلك بضحكة، استنتجت منها شخصيا أنها تخفي ألما في نفسه، ثم عقب على حديثي عن التغيير الملحوظ الذي شهدناه كاعلاميين بقوله: الحمدلله.

سألته: عن الطموحات التي كان يريد تحقيقها للتليفزيون المصري ولم يسعفه الوقت القصير الذي قضاه في وزارة الاعلام لانجازها؟.. أجاب د.البلتاجي: إنها طموحات مشروعة وواقعية، الهدف منها أن يكون تليفزيونا للشعب وللدول الشقيقة والصديقة، وبدأنا بالفعل محاولات في ذلك وانجزنا بعض التقدم، وابتدعنا برنامج "البيت بيتك" الذي لا يزال حتى الآن يشهد اقبالا كبيرا جدا. بعدها انتقلت إلى وزارة الشباب والرياضة.

قلت له: هل كان في نيتك فعلا تخصيص بعض القنوات التليفزيونية أو بيعها لبعض رجال الأعمال؟.. رد: هذا كلام غير صحيح لا يتفق مع القانون الذي يقول بنص واضح جدا أنه لا يجوز إطلاقا التفريط في أي قنوات، ولم يحدث هذا الكلام إطلاقا. لقد ظلت القنوات مصرية تمارس دورها والأمر ما زال قائما حتى الآن بعد تركي الوزارة.

أفكر في كتابة مذكراتي

ورد د. ممدوح البلتاجي عن سؤال لي حول مذكراته التي نشرت "المصري اليوم" أنه يعكف على كتابتها فقال: "لا زالت في طور الفكرة التي لم تتبلور بعد". ولما سألته: قرأنا أنك انتهيت من 80 صفحة فتساءل: وهل هذا يكفي؟.. المذكرات تستغرق على الأقل مائتين أو مائتين وخمسين صفحة. هذه مجرد خطة عمل مستقبلية للمذكرات لم تنفذ على الأرض.
وأضاف: نعم أريد تأليف كتاب وبدأت أفكر فيه، وبدأت استعيد ذكرياتي التي أريد أن أطرحها على الناس وعلى القارئ بشكل عام. سيكون عبارة عن تجارب إنسانية وسياسية أتناولها بشكل هادئ وعميق.

سر نجاحي في السياحة

عن سر نجاحه الكبير في استمرار التدفق السياحي لمصري وتضاعفه في الفترات التي ضرب فيها الارهاب مصر يقول د.ممدوح البلتاجي لـ"العربية.نت": لأنني أدرت هذه الأزمات. هي موجودة في كل مكان ولكن المهم هل تدار وهل تتم مواجهتها أم لا؟.. وهل يتم طرح البدائل والحلول أم لا؟.

وتابع: السر في الحقيقة يكمن في طريقة إدارة الأزمات، وكل الأخوة السياحيين داخل وخارج مصر يعرفون أن إدارة أزمة الدير البحري بالأقصر (اثر تعرضه لعملية ارهابية كبيرة وقتل العشرات من السياح) كانت إدارة صعبة وتستوجب جهدا واتصالات واقناعا ومؤتمرات صحفية مع المراسلين الأجانب لكي نشرح لهم المسألة.

ومضى البلتاجي قائلا: نجاحي في إدارة الأزمات كان سببا في أن منظمة السياحة العالمية عندما كانت جمعيتها العمومية منعقدة في (سول) عاصمة كوريا الجنوبية، اتصل بي رئيسها وأبلغني أن الأعضاء اختاروا "العبد الفقير لله ممدوح البلتاجي" لرئاسة إدارة الأزمات السياحية العالمية.

وأضاف: بالفعل توليت هذا العمل ومارسته بعد أن استأذنت من الرئيس حسني مبارك، لأن ذلك نشاط دولي لابد من موافقته عليه، وبمجرد أن طرحته أعطاني الموافقة وقال إن هذا عمل لصالح مصر. لقد كانت مرحلة عندما استعيدها أشعر بكثير من السكينة والرضا عن النفس.
[line]

castle
23-04-2007, 08:45 PM
مقابلة خاصة: مع ديفيد ساترفيلد
كبير مستشاري وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون العراقية
العربية نت

الأوضاع السياسية والعسكرية في العراق

تركي السهلي:

سيد ديفيد يعني كيف ترى الأوضاع الآن في العراق في الفترة التي عقبت الاجتماع اجتماع دول الجوار والاجتماعات المرتقبة في شرم الشيخ، كيف ترى الأوضاع السياسية والعسكرية الآن في العراق؟

ديفيد ساترفيلد:

الوضع في العراق يشكّل تحدياً كبيراً فيما يتعلق بإمكانية الشعب العراقي على العيش بأمن وسلام وأن يضمنوا احتياجاتهم الأمنية ورفاههم، ويشكل تحدياً بالنسبة للدول المجاورة للعراق التي تشعر بالقلق حيال عدم الاستقرار في ذلك البلد، وتزايد العنف والإرهاب من القاعدة، وتزايد النفوذ الإيراني السلبي في العراق، والولايات المتحدة ملتزمة بالعمل مع الحكومة العراقية ورئيس الوزراء المالكي والقوات العراقية لتأمين الأمن الأفضل للشعب العراقي وبالتالي للمنطقة، لكن كما أوضحنا وكما قال الجنرال كيسي والجنرال بيتريوس فإن الإجراءات الأمينة وحدها لا يمكنها أن توفر الأمن والاستقرار على المدى الطويل للعراق أو المنطقة، وهذا يتطلب العمل من الحكومة العراقية ليكون الاستقرار مستمراً ودائماً، حيث يجب اتخاذ خطوات لتحقيق المصالحة الوطنية المبينة على التفاهم بين جميع العراقيين الذين سيعملون ضد العنف والإرهاب، ومن أجل توحيد البلاد والحكومة اتخذت خطوات للمصالحة الوطنية وقانون النفط قد استُكمل تقريباً وإصلاح قانون اجتثاث البعث الذي يفتح المجال أمام جميع الذين تم استثناءهم من الحياة السياسية، لأنهم كانوا في حزب البعث ولكنهم لم يرتكبوا الجرائم، ولكن الحاجة لفعل المزيد ومع تحرك العراق فهو بحاجةٍ لدعم من جيرانه العرب وهذا ما ناقشته هنا في المملكة وما سأناقشه مع بقية جيران العراق في الأسبوع القادم.

تركي السهلي:

لا زالت هناك عمليات الشد والجذب بين الأطراف السياسية في العراق ونقصد هنا السنة والشيعة، ما هي الإجراءات التي من الممكن أن تحد من عملية هذه التجاذبات خصوصاً في الفترة التي أتت بعد الخطة الأمنية؟

ديفيد ساترفيلد:

الخطتان السياسية والأمنية يجب أن تكونا متصلتين وأن تتحركا بشكل متوازن حيث يجب أن تعكس أجندةٍ وطنية والتزاماً وطنياً وليس التزاماً طائفياً وليس التزاماً لحزب واحد، أما من الناحية الأمنية فإن رئيس الوزراء المالكي والقوات الأمنية العراقية يتعلمون أو يتعاملون مع من يرتكب العنف بشكل متساوٍ أياً كانوا سنةً أو شيعة، وأن يواجهوا جميع أولئك الذين يهددون حياة العراقيين الأبرياء، ونحن سعداء جداً بالتقدم الذي تم إحرازه خلال الأشهر القليلة الماضية في هذا الشأن، ونحن أيضاً سعداء بالتقدم الأولي الذي تم إحرازه بشأن المسار السياسي، ولكن هناك حاجةً لفعل المزيد ونحن لا نرى مستقبل العراق على أساس سنة أو شيعة أو عرب أو أكراد الجميع لهم مكان في العراق، الدستور يوفر الحماية لجميع الطوائف ولكن يجب على الحكومة أن توضح للشعب أنها ملتزمة بأجندة الوطنية وليس بالأجندة الطائفية.

تركي السهلي:

سيد ديفيد يعني تحاول الحكومة العراقية وأيضاً بدعم من الإدارة الأميركية أن تضبط الأوضاع في العراق، لكن ما تلبث المسائل أن تنفجر من جديد أنا أقصد هنا أعمال العنف تتفجر بين وقت وآخر، برأيك هل هناك أطراف عديدة داخلية وخارجية تساهم في تزايد هذه الأعمال في العراق؟

ديفيد ساترفيلد:

الإجابة على سؤالك هو نعم نحن قلقون جداً أنه مع تقدم الحكومة العراقية للتخلص من العنف الطائفي وتحقيق النصر يتم مواجهتها من قبل القاعدة وقوات الإرهاب الذين يزيدون من وتيرة هجماتهم على الأبرياء المدنيين لتفجير الوضع واستحالة تأمين الوضع الأمني، وكذلك يتم تعقيد الأمر بسبب جهود إيران المستمرة لتفعيل العنف ضد قواتنا وقوات الائتلاف والأبرياء العراقيين وكذلك الموقف السلبي من قبل الحكومة السورية أو عدم اتخاذ موقفٍ فعّال من قبل الحكومة السورية لوقف تدفق الانتحاريين ليتسللوا عبر الحدود ويقتلوا العراقيين الأبرياء، ومن المشوّق للمعرفة أننا نعتقد وكذلك الحكومة العراقية تعتقد أن 90% من الانتحاريين هم من الأجانب وأن 90% من أولئك الأجانب لا يأتون عبر الحدود من المملكة العربية السعودية أو الحدود الأردنية، وإنما يتسللون عبر الحدود السورية وهذه مسؤولية يجب أن تتحملها الحكومة في دمشق.

كيف تواجه أمريكا الضغط الداخلي فيما يتعلق بالعراق؟

تركي السهلي:

يعني حتى في الولايات المتحدة سيد ساترفيلد هناك أطراف عديدة فيما يتعلق بالوضع في العراق أنا أقصد أطراف أميركية أميركية، هناك من يرى أن يجب أن تنسحب القوات الأميركية فوراً, وهناك مسألة جدولة الانسحاب وبالتالي نرى أيضاً زيادة في أعداد الجنود المتوجهة إلى بغداد, كيف تواجه الإدارة الأميركية هذا الضغط الداخلي فيما يتعلق بالعراق؟

ديفيد ساترفيلد:

أنت على حق فهناك عدة وجهات نظر مختلفة في النظام الأميركي وهذا حق أولئك المشرعين, ولكن الرئيس بوش عنده موقفٌ حازم فيما يتعلق بالانسحاب، نحن نعارض أي جدولٍ أو تاريخ لانسحاب القوات الأميركية أو تقليص عددها أو وضع القوات أو القوالب الجامدة التي يجب اتباعها والتي تحد من قدرتنا على تحقيق وتقديم المساعدة العسكرية أو الاقتصادية للحكومة العراقية، الوضع في العراق كما ذكرنا هو معقد ويشكل تحدياً كبيراً, ولا يمكنك القيام بحملة عسكرية أو دبلوماسية على أساس تاريخ محدد أو جدول محدد للانسحاب أو معايير جامدة يجب إتباعها.

تركي السهلي:

بالعودة إلى الوضع العراقي وأنتم أيضاً تعلنون بصراحة أنك تدعمون حكومة المالكي لضبط الأوضاع في العراق، فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية ووقف أعمال العنف ما هو الدعم أو ما هو الموقف الأميركي من المالكي تجاه هذه الخطوات بالذات؟

ديفيد ساترفيلد:

نحن نعتقد أن رئيس الوزراء المالكي هو زعيمٌ وطنيٌ ملتزمٌ بتحقيق التقدم لجميع أفراد الشعب العراقي ليس فقط لطائفةٍ أو فئةٍ معينة, ولكن التزامه ببرنامج وطني يجب تحقيقه من خلال إجراءات أكيدة على الأرض، لقد حقق رئيس الوزراء تقدماً كبيراً في الناحية الأمنية من خلال العمل معنا على أجندةٍ وطنية للقوات الأمنية العراقية الوطنية, ويجب تحقيق تقدم مماثل على الجانب الاقتصادي والسياسي كذلك, ويجب أن أكون واضحاً هنا نحن ندعم الحكومة العراقية الشرعية التي تم انتخابها ديمقراطياً في العراق حكومة رئيس الوزراء المالكي, ونحن نعتقد أن هذه الحكومة يجب دعمها من قبل الجميع في العراق وأيضاً من قبل جميع جيران العراق.

تركي السهلي:

تحيط بالعراق دول كبرى مثل إيران تركيا سوريا, ونحن نعلم أن الحال ليست على ما يرام بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران والولايات المتحدة الأميركية وسوريا, ولكن بالطرف الآخر أيضاً دخلت الآن تركيا في حالة التوتر مع العراق فيما يتعلق بكردستان, يعني كيف يمكن للولايات المتحدة الأميركية وهي التي تتواجد فعلياً في العراق أن تجمع هذه الأطراف الثلاثة لتهدئة الأوضاع في العراق؟

ديفيد ساترفيلد:

هناك حوارٌ ثلاثي مؤلف من الجبهة الأميركية والحكومة العراقية والسلطات الكردية في الشمال والحكومة التركية حول الخطوات الواجب اتخاذها للتخلص من التأزم الحاصل بين تركيا والقيادة الكردية, ونحن قلقون جداً في الولايات المتحدة من وجود منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية التي ترتكب أفعالاً إرهابية ضد مواطنين أكراد أبرياء, ونحن نفهم بشكل جيد وجوب تغيير الوضع فهو ليس مقبولاً من قبلنا أو قبل تركيا, والمسؤولية الأولى لحل هذا الوضع تقع على عاتق القيادة الكردية, فنحن في حوارٍ معهم نحن والأتراك حول هذه النقطة, ولكنني أود أن أؤكد شيئاً هنا تركيا هي دولة حليفة وصديقة للعراق, وصديقة وحليفة وخاصةً من الناحية الاقتصادية للشعب الكردستاني والسلطات الكردية, ولذا يتوجب على السلطات الكردية فعل المزيد لحل مشكلات العنف والإرهاب.

تركي السهلي:

أربعة أعوام مرت على الحرب أو التدخل الأميركي في العراق, هذه الأعوام الأربعة ساهمت بشكل كبير في تهجير العديد من العراقيين تجاه الدولة المجاورة أو حتى الدول الخارجية, ولكن في الدول المجاورة كما في الأردن وسوريا هناك أعداد كبيرة جداً تتواجد في الأردن عراقيين ويتواجدون في سوريا تشكل عبء كبير على هذه الدول, يعني ما هو الحل الذي تراه الولايات المتحدة الأميركية مناسب للتعامل مع هذه الحالات الإنسانية البحتة؟

ديفيد ساترفيلد:

نحن نعتقد أنه مبدئياً أفضل حل لمشكلة اللاجئين العراقيين في دول الجوار هو عودة العراق للاستقرار، نحن لا نعتقد أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا تعتقد بأن معظم اللاجئين في سوريا والأردن يريدون الاستقرار والبقاء في تلك الدول وهم يريدون العودة, ولكن بحاجةٍ للسلام لكي يعودوا, ونحن نأمل بأن الإجراءات الأمنية التي يتم اتخاذها حالياً ستحقق الأمن الذي يشجع هؤلاء اللاجئين على العودة هذا هو أفضل حلٍ للمشكلة, وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة الأميركية تقوم بعمل جاد مع هيئة الأمم وحكومة الأردن والحكومة السورية بشكل مباشر, حيث أرسلنا مساعد الوزير لشؤون اللاجئين مؤخراً لمعالجة الوضع الإنساني لأؤلئك اللاجئين, وسيتابع في تقديم الدعم الاقتصادي لهؤلاء اللاجئين, ولكن الحل الأمثل يكمن في عودة اللاجئين إلى بيوتهم في العراق.

تركي السهلي:

تدعم الولايات المتحدة الأميركية كل المؤتمرات والتجمعات الدولية التي تحاول أن تجد صيغة سياسية توافقية في العراق, بعد أيام سيكون هناك مؤتمر في شرم الشيخ من أجل العراق أُعلن أنه من أجل العراق, إذن ما هي الصورة التي ترونها لهذا المؤتمر؟

تركي السهلي:

هناك مؤتمران على مستوى وزاري سيُعقدان في شرم الشيخ في الثالث والرابع من الشهر القادم، المؤتمر الأول سيكون لإطلاق الميثاق الوطني من أجل العراق وهو وثيقة استثنائية تم نقاشها على مدى شهورٍ بين الحكومة العراقية والبنك الدولي ممثلاً للأمم المتحدة بدعم العديد من الدول في المنطقة بما في ذلك المملكة العربية السعودية, وهذه الوثيقة تلزم الحكومة العراقية باعتماد نظام اقتصادي تجاري منفتح وحر وانفتاح سياسي وبالمصالحة الوطنية وتأمين الاستقرار والأمن لجميع العراقيين, ونحن نأمل في أن إطلاق الوثيقة في شرم الشيخ سيقابل بدعمٍ دولي كبير للعراق بما في ذلك المملكة, ونحن نرحب بقيام المملكة العربية السعودية بإلغاء 80% من ديون العراق وهذه خطوةً هامة.. خطوةً من قبل صديقٍ وحليف للشعب العراقي, ونأمل أن ينعكس بالتزامات مماثلة من دولٍ خليجية أخرى، فيما يتعلق بالمؤتمر الثاني في الرابع من مايو فهو مؤتمر الجوار, وهو متابعة للحوار الذي تم في العاشر من مارس في بغداد لجلب الدعم للحكومة العراقية, وسيحضره ليس فقط دول الجوار ولكن سيحضره ممثلون للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ومجموعة الدول الثماني.

تركي السهلي:

هل لا زلت تتذكر تقرير بيكر هاملتون أم نسيته مثلي؟

ديفيد ساترفيلد:

نحن نأمل إلى حدٍ كبير بأن مجموع كل هذه العمليات ستأتي بتقدمٍ في العلاقات بين دول الجوار والعراق, والعراق وجيرانها والعراق والمجتمع الدولي فيما هو أبعد من الشرق الأوسط, ومن الضروري العودة إلى نقطة ذكرت عدة مرات أن ما يحدث في العراق من شأنه أن يفيد أو يأتي بالضرر على خارج العراق ليس فقط على المدى القصير وإنما على المدى البعيد, فهي من مصلحة المنطقة ومن مصلحة العالم بأسره أن يشاهد تحقيق التقدم في العراق.

تركي السهلي:

إذن هل ممكن أن نقول أن الولايات المتحدة الأميركية ترى أنه من المناسب الآن أن تجرى مباحثات مع إيران وسوريا في هذا الوقت بالذات؟

ديفيد ساترفيلد:

نحن على استعداد وقد عرضنا القيام بحوار مباشر في بغداد مع إيران على قضايا تتعلق بالعراق, ولكن الحكومة الإيرانية لم تتجاوب لهذا العرض ولكن ما زلنا مستعدين للقيام بمثل هذه المناقشات, أما فيما يتعلق بسوريا فقد أوضحنا أن هناك مصلحة أكيدة لسوريا والسوريين في تحقيق عراقٍ مستقر ومزدهر وآمن, ونحن لا نفهم لماذا هو في مصلحة السوريين أن يروا مزيداً من العنف في العراق وهي مسؤولية على السوريين ومسؤولية سيادية ليضبطوا حدودهم.

تركي السهلي:

لكن ألا تعتقد معي أن السيدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي عندما أتت إلى المنطقة حركت الكثير من المياه الراكدة فيما يتعلق بسوريا وزيارتها لدمشق ومقابلتها للسيد الرئيس بشار الأسد, طلبها الأخير الذي تقدمت به إلى إيران من أجل زيارتها, أيضاً هذه المسائل كيف يمكن أن نربطها داخل الإدارة الأميركية؟

ديفيد ساترفيلد:

الإدارة والرئيس أوضحوا سبب قلقنا لزيارة بيلوسي لسوريا حول الخلط فيمن يتحدث نيابةً عن السياسية الخارجية الأميركية, ونفس مصادر القلق قد تكون في أي زيارة محتملة لإيران, المتحدث وعضو مجلس النواب حرٌ يسافر كما يحلو له, ولكن نحن في الحكومة أوضحنا رأينا ومصادر قلقنا حول التبعات لهذه الزيارة.

إيران توفر الأسلحة والتدريب لبعض الجماعات العراقية

تركي السهلي:

سيد ديفيد بين وقت وآخر تعلن الولايات المتحدة الأميركية من خلال قواتها في بغداد أنها عثرت على أسلحة إيرانية الصنع أو دخلت عبر إيران, ولكن المسائل لا تتعدى كونها إعلان ونفي من الطرف الآخر, هذه المسألة عندما تتزايد ما هو الموقف الأميركي العسكري للحد من هذه المسألة التي تقول أميركا أن تساهم في العمليات العسكرية المضادة التي تحدث على الأرض في بغداد؟

ديفيد ساترفيلد:

بالنظر لمجمل الوضع نحن قدمنا ما نعتقد أنه دليل مقنع, دليل نملكه نحن والحكومة العراقية منذ فترة بأن إيران توفر الأسلحة والتدريب على هذه الأسلحة للجماعات العراقية, بعض هذه الأسلحة وخاصةً المتقدمة منها التي تستطيع أن تخترق المصفحات والتي استُعملت ضد قواتنا وقوات الائتلاف في العراق, ومن وجهة نظر عسكرية نحن لن نسمح بمهاجمة قواتنا بهذه الأسلحة الإيرانية دون الرد, وقد فكرنا كثيراً واتخذنا خطوات ضد أولئك العناصر الإيرانية الموجودة في العراق والذين شاركونا في هذه الأنشطة, سنتابع القيام بذلك ونحن نريد هذه الأفعال أن تتوقف, وكذلك الحكومة العراقية تريد نهايةً لهذه الأفعال لأن هذه الأسلحة لا تستعمل فقط ضد القوات الأميركية, وإنما تستخدم ضد القوات العراقية وضد الأبرياء العراقيين وهذا غير مقبول ولا يتناسب مع الوعود الإيرانية لدعم عراقٍ آمن يعيش بسلام.

تركي السهلي:

سيد ديفيد أنت كنت في بغداد وعملت هناك لفترة, يعني أريد رأي شخصي في هذه الحالة, من هم أصعب الجهات الذين لا يمكن أن يؤدوا إلى عملية استقرار في العراق أقصد الأشخاص أو الجهات السياسية وليست العسكرية؟

ديفيد ساترفيلد:

أكبر التحديات في العراق تواجه العراقيين والحكومة العراقية ومن يريدون رؤية الاستقرار في ذلك البلد كيف يمكن جمع كل الفئات الوطنية وتحقيق التقدم الوطني الذي يضم المجموعات العراقية مع بعضها, جميع أفراد الشعب العراقي يواجهوا العنف في الداخل والخارج والمحافظة على وحدة البلاد ضمن الشرعية الدستورية والتقدم, وتوفير الفوائد والفرص لجميع العراقيين في مجتمعٍ مستقرٍ آمن وديمقراطي وهذا هو أكبر تحدي وهذا هو التحدي السياسي.

تركي السهلي:

تطالبون دول الخليج دائماً أن تسقط ديونها وأن تقوم بعملية منح مادي للعراق, لكن هذه الدول تقول كيف نقدم على هذه الخطة ونقوم بعملية دعم مالي في العراق ولا زالت الأوضاع الأمنية منفلتة في العراق؟

ديفيد ساترفيلد:

بالتأكيد فإن الوضع الأمني في العراق يشكل صعوباتٍ للاستثمارات والأنشطة التجارية, ولكن في مصلحة العراقيين أن يروا الوعود التي قطعت في مدريد منذ عدة سنوات لتماثل نادي باريس, 80% من الإعفاءات هو نحن نرحب بالمبادرة السعودية ونأمل أن يحذو حذوها الآخرون في الخليج وخارجه، هذه الخطوات التي يمكن اتخاذها اليوم بغض النظر عن الوضع الأمني في العراق, فهناك مناطق في الجنوب والشمال آمنة للاستثمارات ونحن نأمل في أن يبدأ القطاع الخاص بالاستثمار, والحكومة ترحب بالاستثمار وهذا هو هدف الميثاق, صحيحٌ أنه في الأنبار وديالا وبغداد وصلاح الدين صعب أن يكون هناك أنشطة تجارية, ولكن هذا ليس صحيح في بقية مناطق البلاد.

تركي السهلي:

تعاظمت مسألة الطائفية في المنطقة وهي لم تأت أو لم تتعاظم إلا بعد أن دخلت الولايات المتحدة الأميركية إلى العراق, هل الولايات المتحدة الأميركية تخشى من هذا التعاظم الطائفي؟ أم أن المسألة ترى أنه أمر طبيعي للفسيفساء الاجتماعية الموجودة في الوطن العربي؟

ديفيد ساترفيلد:

نحن نفهم بشكلٍ جيد سبب قلق المنطقة وخاصةً المنطقة السنية فيما يتعلق بما حدث في العراق, ولكن أود أن أقول أن العراق تحت حكم صدام والبعث كان تهديداً مادياً وفعلياً لجميع جيرانه دول الخليج العربية والدول العربية الأخرى, ومع التخلص من حكم صدام حزب البعث فهناك فرصةٌ لانطلاق عراق آمن ومستقر, وليكون جاراً جيداً لجميع الدول في الشرق الأوسط العرب وغير العرب في المنطقة, ويجب الترحيب بهذه الخطوة وتشجيعها ودعمها من الجيران العرب، ويجب أن لا يكون هناك عداءٌ أو خوف فيما يتعلق بما حدث في العراق ونشوء الديمقراطية بالتأكيد، الإرهاب هو تهديد لجميع دول المنطقة, والتأثير الإيراني السلبي هو تهديد والتطرف والتعصب هو تهديد, فالمنطقة لها مصالح في العراق وخارجه في دعم جميع أؤلئك المهتمين برؤية تحقيق السلام في الشرق الأوسط والاستقرار الذي يلعب فيه العراق دوراً هاماً وإيجابياً.

تركي السهلي:

سؤال أخير سيد ديفيد هل لا زالت الولايات المتحدة الأميركية تتعامل مع مقربين وغير مرغوب فيهم سياسياً داخل العراق؟

ديفيد ساترفيلد:

نحن على استعداد للتعامل مع الجميع في العراق دون استثناء, مع جميع الملتزمين بالعملية السياسية السلمية بغض النظر عن آرائهم مع نبذ العنف, نحن لن نتعامل وسنعارض الذين يستخدمون العنف والتهديد والإرهاب كأداة لتحقيق القوة السياسية.

تركي السهلي:

شكراً لك.[line]

castle
29-04-2007, 07:47 AM
الاحـد 11 ربيـع الثانـى 1428 هـ ،،، 29 ابريل 2007

أكاذيب الإعلام الإسرائيلي من الأردن إلى عزمي بشارة

بلال الحسن

الشرق الاوسط
الأزمة شاملة في المنطقة، وعنوان الأزمة هو الشلل. يضرب الشلل الأزمة في العراق وفي السودان وفي الصومال، وبخاصة في ايران. وكل هذه الأزمات أزمات أميركية، وينتج عنها شلل في الأزمة الأم، أزمة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. والشلل في هذه الأزمة متعدد الأبعاد، عربي وإسرائيلي وفلسطيني ودولي، وتتداخل هذه الأبعاد مع بعضها بعضا بحيث يصعب فصل الواحدة عن الأخرى.

نموذج على هذا التداخل، ما حدث حول المبادرة العربية للسلام. لقد اتخذت الجامعة العربية قرارا يكلف مصر والأردن الاتصال بإسرائيل لشرح المبادرة العربية ومعرفة الموقف الإسرائيلي منها. وقد بادر الملك عبد الله الثاني إلى استقبال وفد إسرائيلي في عمان، وقدم الشروحات المطلوبة، وهي شروحات يفترض بها أن تكون محكومة بالقرار العربي وبالإجماع العربي حوله. وهذا يعني أن الأردن في شروحه للوفد الإسرائيلي لا يعبر عن موقف الأردن وفهمه للمبادرة، إنما يعبر عن الموقف العربي والتزاماته. ولكن المفاجأة كانت حين عاد الوفد الإسرائيلي إلى تل أبيب، وقدم هناك تصريحات للصحافة (هآرتس) حول ما جرى مع الملك عبد الله الثاني، وأثارت التصريحات الإسرائيلية عن مضمون اللقاء ضجة فلسطينية وعربية حادة، لأن مضمون ما قاله الإسرائيليون عن اللقاء يعني أن العرب مستعدون لتعديل المبادرة بما ينسجم مع المطالب الإسرائيلية، أي إلغاؤها عمليا.

لقد نسب الإسرائيليون إلى الملك عبد الله الثاني قوله إن حق العودة هو خيار من الخيارات، وبجانبه يوجد خيار التعويض، والعرب مستعدون لبحث التعويض، بل مستعدون للمساهمة فيه حتى لا يتم إلقاء العبء كله على عاتق الإسرائيليين، ونسب الإسرائيليون للملك أن العرب لا يصرون على عودة إسرائيل إلى حدود 1967، لأنه من الممكن تبادل الأراضي بين الطرفين. كذلك نسب الإسرائيليون للملك حديثا عن القدس يلتقي مع طروحات ايهود باراك في مفاوضات كامب ديفيد 2000، والتي رفضها الرئيس الراحل ياسر عرفات. وقد قيل كلام كثير غاضب بعد نشر هذه الأقوال الإسرائيلية. ونحن لا نريد التوقف عند ذلك الكلام الغاضب، إنما نريد أن نتوقف عند النفي الأردني، فقد صدر نفي أردني رسمي للكلام الإسرائيلي، وأنه غير دقيق، وتم وضعه خارج سياقه. ونحن نريد بقرار إرادي أن نعتمد الرواية الأردنية ولا نعتمد الرواية الإسرائيلية. ما دام الأردن ينفي فنحن نريد أن نصدقه، لأنه لا يعقل أن يكون الملك، وهو المكلف بالحديث باسم العرب أن يقول للإسرائيليين أنه يتحدث باسم جزء من العرب، ويعبر عن ذلك بصيغة «أنا ومجموعة من الدول العربية» نفهم المبادرة على هذه الصيغة، ويكون بهذا التصريح قد تخلى عن المهمة الموكلة إليه، مهمة التحدث باسم العرب جميعا. نقول هذا لأننا اعتدنا طويلا على الأكاذيب في الإعلام الإسرائيلي. وأريد هنا أن أستذكر أكذوبة إعلامية إسرائيلية كبيرة، وقعت قبل مفاوضات كامب ديفيد 2000 بفترة وجيزة. في تلك الفترة كلف الرئيس عرفات أحمد قريع (أبو علاء) بإدارة مفاوضات سرية مع الإسرائيليين في ستوكهولم، وبدأ الإعلام الإسرائيلي يكشف أسرار تلك المفاوضات، مبينا أن الفلسطينيين وافقوا على كذا وكذا وبما يشكل تنازلا عن كل المطالب الفلسطينية الأساسية في قضايا الحل النهائي. وثارت ضجة كبيرة ضد أبو علاء وضد تلك المفاوضات، ووجهت إلى أبو علاء اتهامات قاسية. ثم جاءت مفاوضات كامب ديفيد 2000، وبدا كل طرف يكشف عن مواقفه، وهنا ظهر أن كل ما أعلنه الإسرائيليون حول مفاوضات ستوكهولم كان اقتراحات إسرائيلية، بينما كان إعلامهم يقول إنه اتفاق الطرفين حول تلك الاقتراحات، وظهر ببساطة أنهم كانوا يكذبون، وبدليل أن الفلسطينيين رفضوا كل تلك الاقتراحات في كامب ديفيد. وأريد أن أعترف هنا بأنني كنت واحدا من الذين وقعوا في ذلك الفخ، وساهمت في توجيه الانتقادات الحادة لـ «أبو علاء». وهذه مناسبة لأقدم له اعتذاري عما كتبته ضده في تلك الفترة (فقط). وبناء على هذه التجربة مع الإعلام الإسرائيلي، أميل إلى الاعتقاد بأن السياسيين الإسرائيليين يكررون لعبتهم، وأنهم ينسبون إلى الأردن ما يرغبون هم بأن يكون هو الموقف المطلوب. لهذا أقول وأكرر إنني أميل إلى تصديق الأردن ما دام قد نفى ما نسب إليه. وأرفض بناء موقف لا يستند إلا إلى الأقوال الإسرائيلية.

والأمر نفسه يتكرر مع قضية الدكتور عزمي بشارة. وهنا لا يقتصر مصدر المعلومات على الإعلام فقط، بل تدخل على الخط أجهزة الأمن الإسرائيلية، والتي اشتهرت بأنها أسوأ الأجهزة، وأقسى الأجهزة، في التعامل مع الفلسطينيين وقضيتهم. إنها أجهزة الاعتقال، والتعذيب، والقتل المخطط للقادة، والقتل الجماعي، وتهديم البيوت، وتهجير السكان، ورعاية الاستيطان. وهذه الأجهزة هي المصدر الوحيد حتى الآن في توجيه التهم الأمنية للدكتور عزمي بشارة. وبحسب منطقها فإن الدكتور عزمي بشارة هو خائن، يتصل مع العدو كجاسوس، ويقدم له المعلومات، وهو يمارس ذلك برخص، إذ أنه يتلقى مالا مقابل المعلومات، ثم يمارس جريمة تبييض الأموال. ومجموع هذه التهم تدفع باتجاه محاكمة عزمي بشارة كمجرم، وهي كفيلة بزجه في السجن الإسرائيلي بأحكام مؤبدة.

أما الجانب الآخر من قضية الدكتور عزمي بشارة، الجانب السياسي، والجانب النضالي، والجانب الوطني، والجانب الفكري الديمقراطي، فإنه يضيع ويتلاشى أمام هذه الاتهامات. لقد مثل عزمي بشارة وحزبه ظاهرة جديدة في العمل الوطني الفلسطيني داخل دولة إسرائيل. حارب المؤسسة الإسرائيلية في عقر دارها، وحاربها بمنطقها ووسائلها. قال: تدعون أنكم دولة ديمقراطية، إذاً لماذا لا تكون إسرائيل دولة لكل مواطنيها؟ وهنا وقع الإسرائيليون في المصيدة، فلا هم يستطيعون قبول الشعار، بحيث ينال الفلسطينيون (مليون و300 ألف مواطن) حقوقهم كاملة، ولا هم يستطيعون رفض الشعار، بحيث يعلنون أن دولتهم دولة غير ديمقراطية. وحين تبنى آرييل شارون شعار (يهودية) دولة إسرائيل، وحين منحه الرئيس الأميركي جورج بوش الموافقة على هذا النهج (اللا ديمقراطي واللا علماني)، وجد الإسرائيليون ضالتهم المنشودة في مواجهة النهج النضالي ـ السياسي الذي أطلقه الدكتور عزمي بشارة وحزبه، فيهودية الدولة هي الأساس، وعلى كل سواء كان مسلما أو مسيحيا أن يقر بذلك، وأن يتنازل طوعا عن حقوقه الديمقراطية لأنه ليس يهوديا.

إن هذا المنطق كفيل بأن يحاكم دولة إسرائيل، وأن يحاكم مؤسسات دولة إسرائيل، ويوجه لها تهمة العنصرية، ونسف الديمقراطية، والتمييز بين المواطنين، والدعوة للتهجير العرقي. ولكن أجهزة الأمن تقلب الآية، فيصبح عزمي بشارة متهما وتصبح هي بريئة، وكل ذلك بالاستناد إلى أكاذيب الاتهامات الشبيهة بأكاذيب الإعلام في مرات سابقة.

ولكن ما يحزن هنا، أن بعض الإعلام العربي، يزاود على عزمي بشارة، فيلمح تارة إلى اتهامات إسرائيل له، وبأن قضيته جنائية وليست سياسية، أو يغمز من قناته قائلا إنه يسعى وراء وظيفة في هذا البلد أو ذاك. ما يحزن أن البعض يتجاهل أن المعركة ضد عزمي بشارة ليست سوى البداية، وبعدها سيتم تهديد زملائه بالصمت أو بمواجهة المصير نفسه، وبعدها سيتم تهديد الأحزاب العربية لتنصاع إلى الخطط الصهيونية فتقبلها أو يتم حلها واعتبارها خارجة على القانون، ثم يمتد الإرهاب إلى الجالية العربية لتصمت وتقبل وضعية المواطنين من الدرجة الثانية، في بلدهم وفي وطنهم الأم.

وعزمي بشارة قائد وطني يجب أن نفخر به، ونحن نثق بأن خياره سيكون خيارا وطنيا في خدمة قضيته وشعبه.[line]
الإسلام والسياسة في تركيا وفرنسا

باتريك سيل

الحياة
مكانة الإسلام في المجتمع هي الموضوع المتداول في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في بلدين مهمين هما فرنسا وتركيا، في الأيام القليلة القادمة.

لقد تمت تسمية وزير الخارجية عبدالله غل المحافظ المتدين التقي الذي يبلغ من العمر 56 عاماً، لمنصب رئاسة الجمهورية التركية، من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبات في حكم المؤكد أن البرلمان التركي سيصادق على هذه التسمية يوم الجمعة القادم، وقد أثارت هذه التسمية مخاوف الليبراليين الأتراك الذين يخشون على التراث العلماني الذي تركه مصطفى كمال أتاتورك من الاندثار.

إن القصر الرئاسي في تشانكايا الذي سكنه للمرة الأولى أتاتورك مؤسس الجمهورية بقي باستمرار «قلعة علمانية»،غير أن مجيء مسلم ملتزم، ومعه زوجته خير النساء التي ترتدي الحجاب، للإقامة في القصر، سيحدث ما يمكن أن يسمى «ثورة» في الحياة العامة التركية.

أما في فرنسا، فإن نيكولا ساركوزي الذي نال أعلى الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لا يتستر على كراهيته للإسلام السياسي، ولا على كراهيته للعرب والمسلمين عامة - هذا إذا شئنا أن نسمي الأشياء بأسمائها -، وبخاصة حينما يتجلى هذا الإسلام في تحركات الشباب الغرباء عن مجتمعهم والآتين من شمال أفريقيا والذين يسكنون ضواحي باريس والمدن الفرنسية الأخرى.

إن ساركوزي يعارض، غريزياً، دخول تركيا التي يشكل المسلمون 99 في المئة من سكانها إلى الاتحاد الأوروبي. وهو المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية الفرنسية الذي جاهر بموقفه هذا بمنتهى الوضوح والصراحة. وإذا فاز في الانتخابات الرئاسية فإن مفاوضات تركيا مع المفوضية الأوروبية في بروكسيل سوف تتعثر إلى حد كبير بسبب الرفض الفرنسي.

ومن المؤكد أن معاناة ساركوزي مما يسمى بـ «الخوف من الإسلام» أو «الإسلاموفوبيا» أثارت إعجاب غلاة اليمينيين من الناخبين. وحينما فجر أحد الاستشهاديين نفسه في وسط الجزائر في 11 نيسان الجاري طالب ساركوزي في مقابلة إذاعية «بشن حرب بلا هوادة على خلايا الإرهاب».

ولم يعد سراً أن ساركوزي امتدح الجيش الجزائري لإلغائه الجولة الثانية من الانتخابات الجزائرية العامة عام 1992، وحال ذلك دون وصول حزب إسلامي هو جبهة الإنقاذ الى الحكم، إذ نقل عنه قوله: «كانت الجزائر في منتهى الشجاعة حينما أوقفت العملية الديموقراطية، ولو أن الجيش لم يتحرك لقام نظام في الجزائر يشابه نظام طالبان» ولكن ساركوزي تناسى أن يذكر أن ما أقدم عليه الجيش الجزائري قد فجر حرباً أهلية استمرت عشر سنوات منذ عام 1990 وتسببت في مقتل ما يقارب المئة ألف شخص، وما العملية الانتحارية التي جرت هذا الشهر في العاصمة الجزائرية إلا الدليل القاطع على أن هذه الحرب لم تنته بعد.

وحين تتحدث مرشحة الحزب الاشتراكي سيغولين رويال عن فرنسا فتقول عنها بأنها بلاد متعددة الأجناس، يصرخ ساركوزي قائلاً «بأن المهاجرين الذين لا يحبون فرنسا ينبغي أن يرحلوا فوراً» إلى بلادهم وإذا ما تم انتخابه للرئاسة فسيعمد إلى استحداث وزارة جديدة هي «وزارة الهوية الوطنية والهجرة»، وتعتبر هذه الخطوة منه بمثابة تحذير موجه إلى مواطني أفريقيا الشمالية والأفارقة السود بأن الدخول إلى فرنسا لن يكون سهلاً كما كان في السابق.

لقد حصل ساركوزي، المرشح اليميني في انتخابات الرئاسة الفرنسية على 31.11 في المئة من الأصوات مقارنة بـ25.83 في المئة لمنافسته الاشتراكية رويال، في حين حصل مرشح الوسط فرانسوا بايرو على 18.5 في المئة فكان ترتيبه الثالث.

إن المرشحين اللذين فازا بالأكثرية - ويسميهما الفرنسيون ساركو وسيغو - سيتنافسان في الأيام القليلة المقبلة على اجتذاب ناخبي زعيم الوسط فرنسوا بايرو في الجولة الثانية من الانتخابات التي ستجري في 6 أيار (مايو) المقبل، وسيحاول ساركوزي أن يقتنص الأصوات من الجبهة الوطنية التي يترأسها جان ماري لوبن الزعيم اليميني المتطرف الذي لم يحصل إلا على 10.5 من الأصوات، بسبب مزاحمة ساركوزي له، وتأمل سيغولين أن تحصل على أصوات الناخبين الذين صوتوا للأحزاب اليسارية والذين تجاوزت نسبتهم 9 في المئة في الجولة الأولى من الانتخابات.

يجيد ساركوزي فن إدارة الحملات الانتخابية بمهارة وبراعة، ويمتاز بنشاطه المفرط، وبإتقانه فن الحوار والخطابة بسبب ممارسته للمحاماة، ولكنه سريع الغضب وحاد المزاج ويبالغ في طموحاته، وهذه كلها نقاط ضعف في شخصيته، في حين تمتاز سيغولين بجمالها ووداعتها وقدرتها الفائقة على التحكم بأعصابها ولكنها تفتقر في حملتها الانتخابية إلى طاقم حزبي متدرب كالطاقم الذي يعمل مع منافسها ساركوزي، ويبدو أن الاشتراكيين منقسمون وتكثر بين زعمائهم المشاحنات، بعكس حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» - وهو الاسم الجديد للحزب الديغولي - الذي يجمع بين صفوفه تمجيد قائده البطل ساركوزي.

إن المنافسة بين المرشحين، ساركوزي وسيغولين ما زالت مفتوحة، ولا يمكن التهكن بنتائجها منذ الآن، ولا الجزم بأن فوز ساركوزي مضمون، أو أن خسارة سيغولين مؤكدة. إن الناخبين الفرنسيين الذين لم يحسموا خيارهم بعد يخافون من وصول ساركوزي إلى الرئاسة، وهؤلاء يمكن أن ينتخبوا سيغولين في اللحظة الأخيرة.

ومما لا شك فيه أن تكريس صورة ساركوزي «كرجل أمن صلب» قد ساعدته كثيراً في التقدم والصعود. لقد نجح، كوزير للداخلية خلال السنوات الأربع الأخيرة في تكوين صورته الرهيبة كرجل قاس يدافع عن النظام والقانون، وكان شباب الضواحي «الجانحون» يهابونه ولا يتوقعون منه أي ليونة أو رحمة، وليس صدفة أن المهاجرين وأولادهم في الضواحي يعتبرونه عدوهم اللدود، وهذا ما دفعهم إلى التصويت لمنافسته سيغولين بكثافة.

ولكن سيغولين، رغبة منها في ألا تظهر أكثر ليونة من منافسها في مكافحة الجنوح والجريمة قد ارتأت بأن ترسل الشباب الذين يثيرون الاضطرابات إلى معسكرات التدريب العسكري، وفي ما عدا هذا الاقتراح تظل سيغولين حريصة على أن تبدو أكثر ليونة وأكثر اهتماماً بشؤون الناس ومعاناتهم من ساركوزي.

إن ساركوزي، في سعيه إلى النجاح في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة وزع صوراً له وهو يزور ضريح الجنرال شارل ديغول ولكن آراءه الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل بعيدة كل البعد عن الديغولية، بل إنها توحي، على العكس تماماً، بأنها ستكون متعارضة مع آراء الرئيس جاك شيراك الذي سيغادر قصر الاليزيه، وبهذا المعنى يمكن القول إن سيغولين رويال هي أكثر ديغولية من ساركوزي خاصة حينما صرحت أخيراً: «إننا لن نحني رؤوسنا، ولن نركع لجورج بوش!»

أما في تركيا، فإن المفارقة الكبرى تتجلى في كون حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية، والمتجذرة في التقاليد الإسلامية المحافظة، كانت أكثر انفتاحاً وتقدمية وفعالية في تحريك الاقتصاد والمجتمع التركيين من كل الحكومات العلمانية السابقة، وأثبت أردوغان أنه زعيم سياسي ناجح تمكن من تحقيق الازدهار للاقتصاد التركي ومضاعفة مردوده خلال السنوات الخمس من حكمه.

ومن المعروف أن أردوغان كان يطمح إلى أن يكون رئيساً للجمهورية ولكنه قرر في الأسبوع الماضي أن يتخلى عن هذا الطموح وأن يسمي صديقه وزميله القديم عبدالله غل للرئاسة، ويبدو أنه اتخذ هذا القرار بعد التظاهرة الحاشدة الكبيرة التي قام بها العلمانيون احتجاجاً على تسميته كرئيس للجمهورية والتي انتهت بالتجمع حول ضريح أتاتورك في العاصمة التركية.

ومن المحتمل أن يكون قد اتخذ قراره كي لا يستفز الجيش الذي يفاخر بأنه الحارس الأمين للتراث الأتاتوركي. وكان رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يسار بويوكانيت قد أعلن في تصريح جديد له أنه يأمل، كمواطن وجندي، «أن يتم اختيار رئيس جمهورية يلتزم بقيم الجمهورية الأساسية، بالأفعال لا بالأقوال»، وأضاف: «ومهما يكن من أمر فإن الجيش لن يتحرك إلا في حدود القانون».

وقد فسرت أقوال رئيس الأركان على أنها تعني «أن الجيش لن يقوم بانقلاب، كما فعل حينما أطاح رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان الذي كان أكثر وضوحاً في التزامه الإسلامي، وأن الجيش سيكتفي بمراقبة أداء الرئيس الجديد بعيون يقظة. وقد ذهب رئيس الجمهورية التركي الذي تنتهي ولايته أحمد نجدت سيزر أبعد من هذا، وهو معروف بعلمانيته الراسخة، حينما قال: «إن نظام تركيا العلماني يواجه اليوم أكبر تهديد له منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923».

ومن الواضح أن أردوغان قد تأثر إلى حد بعيد بالحملة القاسية التي لا تخلو من تهديد ضده، ومن الجائز أن يكون قد أراد أن يبقى في منصبه كرئيس للوزراء ليتمكن من أن يشرف على الانتخابات العامة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وأن يمكن حزبه من البقاء في السلطة.

وهكذا سيكون بوسع حزب العدالة والتنمية المعتدل الذي يسيطر على الحكومة والبرلمان أن يسيطر على رئاسة الجمهورية أيضاً، وهذا تطور يثبت احتكار الحزب الاستثنائي لكل مفاصل السلطة. إن أردوغان والموالين له مصممون على أن يبرهنوا للغرب أن مخاوفه باطلة، وأن هناك الكثير من المكاسب التي يمكن الحصول عليها من حكومة إسلامية معتدلة في بلد أساسي ومهم كتركيا.

* كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.[line]
رؤية مغلوطة عن العرب

رجـب البنـا

الاهرام

لمرة واحدة أتيح لي أن أجلس إلي رابين وبيريز في القاهرة مع مجموعة من الزملاء‏.‏ كان ذلك منذ سنوات‏,‏ وكان رابين وقتها رئيسا للوزراء وبيريز وزيرا للخارجية‏,‏ وسألت بيريز سؤالين‏,‏ وكان سؤالي الأول‏:‏ أنتم تطلبون من القادة العرب السلام قبل الأرض وهذا ما لايمكنهم تقديمه إليكم‏,‏ لأن الرأي العام لن يسمح لهم بذلك‏,‏ فلماذا تتجاهل السياسة الإسرائيلية الرأي العام في العالم العربي؟

وقال لي بيريز‏:‏ لأن القرار في كل بلد عربي في يد رجل واحد‏itisonemanshow.‏ واكتفيت يومها بأن قلت له‏:‏ هذا غير صحيح‏..‏ في العالم العربي رأي عام يجب أن يؤخذ في الحساب‏.‏

وكان سؤالي الثاني لبيريز‏:‏ هل تعتقد أنه سيأتي يوم ويتحقق حلمك بإنشاء الشرق الأوسط الكبير وتكون فيه اسرائيل قوة فاعلة؟

وأجابني‏:‏ أعتقد أن ذلك سيحدث‏..‏ أنتم تريدون أن تكونوا هونج كونج المنطقة ونحن ليس لدينا مانع‏,‏ نحن سنكتفي بأن نكون قاعدة لانتاج التكنولوجيا الحديثة والسوفت وير‏.‏

هذا هو الخطأ الأكبر في السياسة الإسرائيلية والأمريكية أيضا‏..‏ تجاهل قوة الرأي العام في العالم العربي‏..‏ وكأنه لايوجد فيه سوي الحكام وليس فيه شعوب لها تاريخ وإرادة وحق في تقرير مصيرها كسائر الشعوب‏.‏ وهذا الموقف الإسرائيلي ليس سوي امتداد‏,‏ أو انعكاس‏,‏ للموقف الأمريكي‏,‏ خاصة أن الإدارة الأمريكية الحالية لاتري الأمور إلا من زاوية واحدة‏,‏ ولاتدرك أن الرأي العام العربي ظاهرة معقدة بأكثر مما يعتقد أصحاب الأفكار التقليدية في الادارة الأمريكية‏,‏ فهم يرون أن الرأي العام في البلاد العربية ليس سوي نخبة من المثقفين أصحاب الايديولوجيات الفاشلة‏,‏ وأن الشارع العربي لاتتردد فيه إلا أصوات انفعالية يمكن أن تهتف دون وعي لأي شيء يثير انفعالاتها‏,‏ وكلاهما ـ المثقفون والجمهور ـ غير مؤثر في السياسات والقرارات‏..‏ إنهم لايرون ماحدث من تغير في المجتمعات العربية من حراك سياسي تتبلور فيه اتجاهات تؤثر علي سياسات الحكومة ولايمكنها تجاهلها‏..‏ ولايرون أيضا هذا التوافق الذي حدث في السنوات الأخيرةة بفعل الأحداث الضاغطة والمخاطر الماثلة بين آراء النخبة وآراء الطبقة المتوسطة مع رأي الشارع‏,‏ حول قضايا تبلورت وأصبحت تمثل قضايا المصير التي لايمكن التنازل عن شيء منها أو المساومة عليها مثل قضايا فلسطين والعراق ورفض التبعية الأجنبية مهما كانت وتحت أي مسمي‏,‏ والمطالبة بالاستقلال الاقتصادي واستقلال الإرادة الوطنية‏.‏

وفي الولايات المتحدة مراكز أبحاث ترصد هذه الحقائق وتنبه إلي ضرورة مراعاتها في التعامل مع الدول العربية‏,‏ ولكنها بعد ذلك تري أن أمريكا تستطيع التأثير علي الرأي العام في البلاد العربية وتغيير اتجاهاته وقناعاته بحيث يقبل غدا مايرفضه اليوم‏,‏ وهؤلاء يطالبون الادارة الأمريكية بأن تخوض مايسمونه حرب الأفكار وألا تكتفي بالغزو العسكري أو بالضغوط الاقتصادية والسياسية‏,‏ وهدف حرب الأفكار في رأيهم هو تحسين صورة أمريكا في المنطقة‏,‏ والاقناع بما تراه الادارة الأمريكية وماتعتبره اصلاحات داخلية‏,‏ وتحسين علاقات أمريكا مع النخبة السياسية‏,‏ ورجال الأعمال والاعلاميين واساتذة الجامعات‏..‏ الخ علي أساس أن هذا هو المحيط الذي يجب أن تحقق فيه الادارة الأمريكية الفوز في حرب الأفكار‏.‏

في رأي هؤلاء أن الاعلام في العالم العربي هو الذي كان يعوق نجاح أمريكا في حرب الأفكار‏.‏ ففي الخمسينيات أثارت الاذاعات الثورية المصرية الجماهير العربية ضد سياسة أمريكا وغيرت الأفق السياسي‏,‏ ولم تكن اللغة الحماسية والانفعالية الغاضبة التي كان يستخدمها الاعلام المصري والعربي عموما ممايساعد علي ايجاد مناخ مناسب للاستماع إلي ماتقوله أمريكا بدون نظرة الشك التي كانت سائدة في ذلك الوقت‏,‏ وبعد انتهاء هذه الموجة اتخذ الاعلام العربي ـ في رأيهم ـ مظهرا كئيبا بالاقتصار علي أخبار الاستقبالات الرسمية ونشر القرارات الحكومية‏,‏ وظلت الصحافة والاذاعة والتليفزيون في الدول العربية جميعها خاضعة لسيطرة الدولة التي حددت خطوطا حمراء واضحة تحكم الخطاب السياسي والاعلامي المقبول‏,‏ وبعد ذلك ظهرت موجات من الانفتاح والتحرر والنشاط المثير في صحافة بعض الدول العربية ولكن ذلك كان مقصورا علي القضايا المحلية الفرعية ولايمس السياسات العامة‏,‏ ويقول الباحث الأمريكي مارك لينش إنه حتي هذه الموجات سرعان ماخضعت لترويض نظم الحكم‏,‏ ولكن ظهر في النصف الثاني من التسعينيات تيار جديد من المناقشات في الفضائيات التي تتخطي الحدود وتحاول التأثير في الرأي العام‏,‏ ثم أصبحت الصحف متاحة عبر الحدود ومجانا علي الانترنت لتصل إلي جمهور عريض‏,‏ حتي أن رئيسا عربيا اعترف بأنه يشاهد المحطات الفضائية بأكثر ممايشاهد تليفزيون بلاده‏.‏ [line]

castle
29-04-2007, 07:50 AM
الاحـد 11 ربيـع الثانـى 1428 هـ ،،، 29 ابريل 2007

أكاذيب الإعلام الإسرائيلي من الأردن إلى عزمي بشارة

بلال الحسن

الشرق الاوسط
الأزمة شاملة في المنطقة، وعنوان الأزمة هو الشلل. يضرب الشلل الأزمة في العراق وفي السودان وفي الصومال، وبخاصة في ايران. وكل هذه الأزمات أزمات أميركية، وينتج عنها شلل في الأزمة الأم، أزمة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. والشلل في هذه الأزمة متعدد الأبعاد، عربي وإسرائيلي وفلسطيني ودولي، وتتداخل هذه الأبعاد مع بعضها بعضا بحيث يصعب فصل الواحدة عن الأخرى.

نموذج على هذا التداخل، ما حدث حول المبادرة العربية للسلام. لقد اتخذت الجامعة العربية قرارا يكلف مصر والأردن الاتصال بإسرائيل لشرح المبادرة العربية ومعرفة الموقف الإسرائيلي منها. وقد بادر الملك عبد الله الثاني إلى استقبال وفد إسرائيلي في عمان، وقدم الشروحات المطلوبة، وهي شروحات يفترض بها أن تكون محكومة بالقرار العربي وبالإجماع العربي حوله. وهذا يعني أن الأردن في شروحه للوفد الإسرائيلي لا يعبر عن موقف الأردن وفهمه للمبادرة، إنما يعبر عن الموقف العربي والتزاماته. ولكن المفاجأة كانت حين عاد الوفد الإسرائيلي إلى تل أبيب، وقدم هناك تصريحات للصحافة (هآرتس) حول ما جرى مع الملك عبد الله الثاني، وأثارت التصريحات الإسرائيلية عن مضمون اللقاء ضجة فلسطينية وعربية حادة، لأن مضمون ما قاله الإسرائيليون عن اللقاء يعني أن العرب مستعدون لتعديل المبادرة بما ينسجم مع المطالب الإسرائيلية، أي إلغاؤها عمليا.

لقد نسب الإسرائيليون إلى الملك عبد الله الثاني قوله إن حق العودة هو خيار من الخيارات، وبجانبه يوجد خيار التعويض، والعرب مستعدون لبحث التعويض، بل مستعدون للمساهمة فيه حتى لا يتم إلقاء العبء كله على عاتق الإسرائيليين، ونسب الإسرائيليون للملك أن العرب لا يصرون على عودة إسرائيل إلى حدود 1967، لأنه من الممكن تبادل الأراضي بين الطرفين. كذلك نسب الإسرائيليون للملك حديثا عن القدس يلتقي مع طروحات ايهود باراك في مفاوضات كامب ديفيد 2000، والتي رفضها الرئيس الراحل ياسر عرفات. وقد قيل كلام كثير غاضب بعد نشر هذه الأقوال الإسرائيلية. ونحن لا نريد التوقف عند ذلك الكلام الغاضب، إنما نريد أن نتوقف عند النفي الأردني، فقد صدر نفي أردني رسمي للكلام الإسرائيلي، وأنه غير دقيق، وتم وضعه خارج سياقه. ونحن نريد بقرار إرادي أن نعتمد الرواية الأردنية ولا نعتمد الرواية الإسرائيلية. ما دام الأردن ينفي فنحن نريد أن نصدقه، لأنه لا يعقل أن يكون الملك، وهو المكلف بالحديث باسم العرب أن يقول للإسرائيليين أنه يتحدث باسم جزء من العرب، ويعبر عن ذلك بصيغة «أنا ومجموعة من الدول العربية» نفهم المبادرة على هذه الصيغة، ويكون بهذا التصريح قد تخلى عن المهمة الموكلة إليه، مهمة التحدث باسم العرب جميعا. نقول هذا لأننا اعتدنا طويلا على الأكاذيب في الإعلام الإسرائيلي. وأريد هنا أن أستذكر أكذوبة إعلامية إسرائيلية كبيرة، وقعت قبل مفاوضات كامب ديفيد 2000 بفترة وجيزة. في تلك الفترة كلف الرئيس عرفات أحمد قريع (أبو علاء) بإدارة مفاوضات سرية مع الإسرائيليين في ستوكهولم، وبدأ الإعلام الإسرائيلي يكشف أسرار تلك المفاوضات، مبينا أن الفلسطينيين وافقوا على كذا وكذا وبما يشكل تنازلا عن كل المطالب الفلسطينية الأساسية في قضايا الحل النهائي. وثارت ضجة كبيرة ضد أبو علاء وضد تلك المفاوضات، ووجهت إلى أبو علاء اتهامات قاسية. ثم جاءت مفاوضات كامب ديفيد 2000، وبدا كل طرف يكشف عن مواقفه، وهنا ظهر أن كل ما أعلنه الإسرائيليون حول مفاوضات ستوكهولم كان اقتراحات إسرائيلية، بينما كان إعلامهم يقول إنه اتفاق الطرفين حول تلك الاقتراحات، وظهر ببساطة أنهم كانوا يكذبون، وبدليل أن الفلسطينيين رفضوا كل تلك الاقتراحات في كامب ديفيد. وأريد أن أعترف هنا بأنني كنت واحدا من الذين وقعوا في ذلك الفخ، وساهمت في توجيه الانتقادات الحادة لـ «أبو علاء». وهذه مناسبة لأقدم له اعتذاري عما كتبته ضده في تلك الفترة (فقط). وبناء على هذه التجربة مع الإعلام الإسرائيلي، أميل إلى الاعتقاد بأن السياسيين الإسرائيليين يكررون لعبتهم، وأنهم ينسبون إلى الأردن ما يرغبون هم بأن يكون هو الموقف المطلوب. لهذا أقول وأكرر إنني أميل إلى تصديق الأردن ما دام قد نفى ما نسب إليه. وأرفض بناء موقف لا يستند إلا إلى الأقوال الإسرائيلية.

والأمر نفسه يتكرر مع قضية الدكتور عزمي بشارة. وهنا لا يقتصر مصدر المعلومات على الإعلام فقط، بل تدخل على الخط أجهزة الأمن الإسرائيلية، والتي اشتهرت بأنها أسوأ الأجهزة، وأقسى الأجهزة، في التعامل مع الفلسطينيين وقضيتهم. إنها أجهزة الاعتقال، والتعذيب، والقتل المخطط للقادة، والقتل الجماعي، وتهديم البيوت، وتهجير السكان، ورعاية الاستيطان. وهذه الأجهزة هي المصدر الوحيد حتى الآن في توجيه التهم الأمنية للدكتور عزمي بشارة. وبحسب منطقها فإن الدكتور عزمي بشارة هو خائن، يتصل مع العدو كجاسوس، ويقدم له المعلومات، وهو يمارس ذلك برخص، إذ أنه يتلقى مالا مقابل المعلومات، ثم يمارس جريمة تبييض الأموال. ومجموع هذه التهم تدفع باتجاه محاكمة عزمي بشارة كمجرم، وهي كفيلة بزجه في السجن الإسرائيلي بأحكام مؤبدة.

أما الجانب الآخر من قضية الدكتور عزمي بشارة، الجانب السياسي، والجانب النضالي، والجانب الوطني، والجانب الفكري الديمقراطي، فإنه يضيع ويتلاشى أمام هذه الاتهامات. لقد مثل عزمي بشارة وحزبه ظاهرة جديدة في العمل الوطني الفلسطيني داخل دولة إسرائيل. حارب المؤسسة الإسرائيلية في عقر دارها، وحاربها بمنطقها ووسائلها. قال: تدعون أنكم دولة ديمقراطية، إذاً لماذا لا تكون إسرائيل دولة لكل مواطنيها؟ وهنا وقع الإسرائيليون في المصيدة، فلا هم يستطيعون قبول الشعار، بحيث ينال الفلسطينيون (مليون و300 ألف مواطن) حقوقهم كاملة، ولا هم يستطيعون رفض الشعار، بحيث يعلنون أن دولتهم دولة غير ديمقراطية. وحين تبنى آرييل شارون شعار (يهودية) دولة إسرائيل، وحين منحه الرئيس الأميركي جورج بوش الموافقة على هذا النهج (اللا ديمقراطي واللا علماني)، وجد الإسرائيليون ضالتهم المنشودة في مواجهة النهج النضالي ـ السياسي الذي أطلقه الدكتور عزمي بشارة وحزبه، فيهودية الدولة هي الأساس، وعلى كل سواء كان مسلما أو مسيحيا أن يقر بذلك، وأن يتنازل طوعا عن حقوقه الديمقراطية لأنه ليس يهوديا.

إن هذا المنطق كفيل بأن يحاكم دولة إسرائيل، وأن يحاكم مؤسسات دولة إسرائيل، ويوجه لها تهمة العنصرية، ونسف الديمقراطية، والتمييز بين المواطنين، والدعوة للتهجير العرقي. ولكن أجهزة الأمن تقلب الآية، فيصبح عزمي بشارة متهما وتصبح هي بريئة، وكل ذلك بالاستناد إلى أكاذيب الاتهامات الشبيهة بأكاذيب الإعلام في مرات سابقة.

ولكن ما يحزن هنا، أن بعض الإعلام العربي، يزاود على عزمي بشارة، فيلمح تارة إلى اتهامات إسرائيل له، وبأن قضيته جنائية وليست سياسية، أو يغمز من قناته قائلا إنه يسعى وراء وظيفة في هذا البلد أو ذاك. ما يحزن أن البعض يتجاهل أن المعركة ضد عزمي بشارة ليست سوى البداية، وبعدها سيتم تهديد زملائه بالصمت أو بمواجهة المصير نفسه، وبعدها سيتم تهديد الأحزاب العربية لتنصاع إلى الخطط الصهيونية فتقبلها أو يتم حلها واعتبارها خارجة على القانون، ثم يمتد الإرهاب إلى الجالية العربية لتصمت وتقبل وضعية المواطنين من الدرجة الثانية، في بلدهم وفي وطنهم الأم.

وعزمي بشارة قائد وطني يجب أن نفخر به، ونحن نثق بأن خياره سيكون خيارا وطنيا في خدمة قضيته وشعبه.[line]
الإسلام والسياسة في تركيا وفرنسا

باتريك سيل

الحياة
مكانة الإسلام في المجتمع هي الموضوع المتداول في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في بلدين مهمين هما فرنسا وتركيا، في الأيام القليلة القادمة.

لقد تمت تسمية وزير الخارجية عبدالله غل المحافظ المتدين التقي الذي يبلغ من العمر 56 عاماً، لمنصب رئاسة الجمهورية التركية، من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبات في حكم المؤكد أن البرلمان التركي سيصادق على هذه التسمية يوم الجمعة القادم، وقد أثارت هذه التسمية مخاوف الليبراليين الأتراك الذين يخشون على التراث العلماني الذي تركه مصطفى كمال أتاتورك من الاندثار.

إن القصر الرئاسي في تشانكايا الذي سكنه للمرة الأولى أتاتورك مؤسس الجمهورية بقي باستمرار «قلعة علمانية»،غير أن مجيء مسلم ملتزم، ومعه زوجته خير النساء التي ترتدي الحجاب، للإقامة في القصر، سيحدث ما يمكن أن يسمى «ثورة» في الحياة العامة التركية.

أما في فرنسا، فإن نيكولا ساركوزي الذي نال أعلى الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لا يتستر على كراهيته للإسلام السياسي، ولا على كراهيته للعرب والمسلمين عامة - هذا إذا شئنا أن نسمي الأشياء بأسمائها -، وبخاصة حينما يتجلى هذا الإسلام في تحركات الشباب الغرباء عن مجتمعهم والآتين من شمال أفريقيا والذين يسكنون ضواحي باريس والمدن الفرنسية الأخرى.

إن ساركوزي يعارض، غريزياً، دخول تركيا التي يشكل المسلمون 99 في المئة من سكانها إلى الاتحاد الأوروبي. وهو المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية الفرنسية الذي جاهر بموقفه هذا بمنتهى الوضوح والصراحة. وإذا فاز في الانتخابات الرئاسية فإن مفاوضات تركيا مع المفوضية الأوروبية في بروكسيل سوف تتعثر إلى حد كبير بسبب الرفض الفرنسي.

ومن المؤكد أن معاناة ساركوزي مما يسمى بـ «الخوف من الإسلام» أو «الإسلاموفوبيا» أثارت إعجاب غلاة اليمينيين من الناخبين. وحينما فجر أحد الاستشهاديين نفسه في وسط الجزائر في 11 نيسان الجاري طالب ساركوزي في مقابلة إذاعية «بشن حرب بلا هوادة على خلايا الإرهاب».

ولم يعد سراً أن ساركوزي امتدح الجيش الجزائري لإلغائه الجولة الثانية من الانتخابات الجزائرية العامة عام 1992، وحال ذلك دون وصول حزب إسلامي هو جبهة الإنقاذ الى الحكم، إذ نقل عنه قوله: «كانت الجزائر في منتهى الشجاعة حينما أوقفت العملية الديموقراطية، ولو أن الجيش لم يتحرك لقام نظام في الجزائر يشابه نظام طالبان» ولكن ساركوزي تناسى أن يذكر أن ما أقدم عليه الجيش الجزائري قد فجر حرباً أهلية استمرت عشر سنوات منذ عام 1990 وتسببت في مقتل ما يقارب المئة ألف شخص، وما العملية الانتحارية التي جرت هذا الشهر في العاصمة الجزائرية إلا الدليل القاطع على أن هذه الحرب لم تنته بعد.

وحين تتحدث مرشحة الحزب الاشتراكي سيغولين رويال عن فرنسا فتقول عنها بأنها بلاد متعددة الأجناس، يصرخ ساركوزي قائلاً «بأن المهاجرين الذين لا يحبون فرنسا ينبغي أن يرحلوا فوراً» إلى بلادهم وإذا ما تم انتخابه للرئاسة فسيعمد إلى استحداث وزارة جديدة هي «وزارة الهوية الوطنية والهجرة»، وتعتبر هذه الخطوة منه بمثابة تحذير موجه إلى مواطني أفريقيا الشمالية والأفارقة السود بأن الدخول إلى فرنسا لن يكون سهلاً كما كان في السابق.

لقد حصل ساركوزي، المرشح اليميني في انتخابات الرئاسة الفرنسية على 31.11 في المئة من الأصوات مقارنة بـ25.83 في المئة لمنافسته الاشتراكية رويال، في حين حصل مرشح الوسط فرانسوا بايرو على 18.5 في المئة فكان ترتيبه الثالث.

إن المرشحين اللذين فازا بالأكثرية - ويسميهما الفرنسيون ساركو وسيغو - سيتنافسان في الأيام القليلة المقبلة على اجتذاب ناخبي زعيم الوسط فرنسوا بايرو في الجولة الثانية من الانتخابات التي ستجري في 6 أيار (مايو) المقبل، وسيحاول ساركوزي أن يقتنص الأصوات من الجبهة الوطنية التي يترأسها جان ماري لوبن الزعيم اليميني المتطرف الذي لم يحصل إلا على 10.5 من الأصوات، بسبب مزاحمة ساركوزي له، وتأمل سيغولين أن تحصل على أصوات الناخبين الذين صوتوا للأحزاب اليسارية والذين تجاوزت نسبتهم 9 في المئة في الجولة الأولى من الانتخابات.

يجيد ساركوزي فن إدارة الحملات الانتخابية بمهارة وبراعة، ويمتاز بنشاطه المفرط، وبإتقانه فن الحوار والخطابة بسبب ممارسته للمحاماة، ولكنه سريع الغضب وحاد المزاج ويبالغ في طموحاته، وهذه كلها نقاط ضعف في شخصيته، في حين تمتاز سيغولين بجمالها ووداعتها وقدرتها الفائقة على التحكم بأعصابها ولكنها تفتقر في حملتها الانتخابية إلى طاقم حزبي متدرب كالطاقم الذي يعمل مع منافسها ساركوزي، ويبدو أن الاشتراكيين منقسمون وتكثر بين زعمائهم المشاحنات، بعكس حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» - وهو الاسم الجديد للحزب الديغولي - الذي يجمع بين صفوفه تمجيد قائده البطل ساركوزي.

إن المنافسة بين المرشحين، ساركوزي وسيغولين ما زالت مفتوحة، ولا يمكن التهكن بنتائجها منذ الآن، ولا الجزم بأن فوز ساركوزي مضمون، أو أن خسارة سيغولين مؤكدة. إن الناخبين الفرنسيين الذين لم يحسموا خيارهم بعد يخافون من وصول ساركوزي إلى الرئاسة، وهؤلاء يمكن أن ينتخبوا سيغولين في اللحظة الأخيرة.

ومما لا شك فيه أن تكريس صورة ساركوزي «كرجل أمن صلب» قد ساعدته كثيراً في التقدم والصعود. لقد نجح، كوزير للداخلية خلال السنوات الأربع الأخيرة في تكوين صورته الرهيبة كرجل قاس يدافع عن النظام والقانون، وكان شباب الضواحي «الجانحون» يهابونه ولا يتوقعون منه أي ليونة أو رحمة، وليس صدفة أن المهاجرين وأولادهم في الضواحي يعتبرونه عدوهم اللدود، وهذا ما دفعهم إلى التصويت لمنافسته سيغولين بكثافة.

ولكن سيغولين، رغبة منها في ألا تظهر أكثر ليونة من منافسها في مكافحة الجنوح والجريمة قد ارتأت بأن ترسل الشباب الذين يثيرون الاضطرابات إلى معسكرات التدريب العسكري، وفي ما عدا هذا الاقتراح تظل سيغولين حريصة على أن تبدو أكثر ليونة وأكثر اهتماماً بشؤون الناس ومعاناتهم من ساركوزي.

إن ساركوزي، في سعيه إلى النجاح في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة وزع صوراً له وهو يزور ضريح الجنرال شارل ديغول ولكن آراءه الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل بعيدة كل البعد عن الديغولية، بل إنها توحي، على العكس تماماً، بأنها ستكون متعارضة مع آراء الرئيس جاك شيراك الذي سيغادر قصر الاليزيه، وبهذا المعنى يمكن القول إن سيغولين رويال هي أكثر ديغولية من ساركوزي خاصة حينما صرحت أخيراً: «إننا لن نحني رؤوسنا، ولن نركع لجورج بوش!»

أما في تركيا، فإن المفارقة الكبرى تتجلى في كون حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية، والمتجذرة في التقاليد الإسلامية المحافظة، كانت أكثر انفتاحاً وتقدمية وفعالية في تحريك الاقتصاد والمجتمع التركيين من كل الحكومات العلمانية السابقة، وأثبت أردوغان أنه زعيم سياسي ناجح تمكن من تحقيق الازدهار للاقتصاد التركي ومضاعفة مردوده خلال السنوات الخمس من حكمه.

ومن المعروف أن أردوغان كان يطمح إلى أن يكون رئيساً للجمهورية ولكنه قرر في الأسبوع الماضي أن يتخلى عن هذا الطموح وأن يسمي صديقه وزميله القديم عبدالله غل للرئاسة، ويبدو أنه اتخذ هذا القرار بعد التظاهرة الحاشدة الكبيرة التي قام بها العلمانيون احتجاجاً على تسميته كرئيس للجمهورية والتي انتهت بالتجمع حول ضريح أتاتورك في العاصمة التركية.

ومن المحتمل أن يكون قد اتخذ قراره كي لا يستفز الجيش الذي يفاخر بأنه الحارس الأمين للتراث الأتاتوركي. وكان رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يسار بويوكانيت قد أعلن في تصريح جديد له أنه يأمل، كمواطن وجندي، «أن يتم اختيار رئيس جمهورية يلتزم بقيم الجمهورية الأساسية، بالأفعال لا بالأقوال»، وأضاف: «ومهما يكن من أمر فإن الجيش لن يتحرك إلا في حدود القانون».

وقد فسرت أقوال رئيس الأركان على أنها تعني «أن الجيش لن يقوم بانقلاب، كما فعل حينما أطاح رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان الذي كان أكثر وضوحاً في التزامه الإسلامي، وأن الجيش سيكتفي بمراقبة أداء الرئيس الجديد بعيون يقظة. وقد ذهب رئيس الجمهورية التركي الذي تنتهي ولايته أحمد نجدت سيزر أبعد من هذا، وهو معروف بعلمانيته الراسخة، حينما قال: «إن نظام تركيا العلماني يواجه اليوم أكبر تهديد له منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923».

ومن الواضح أن أردوغان قد تأثر إلى حد بعيد بالحملة القاسية التي لا تخلو من تهديد ضده، ومن الجائز أن يكون قد أراد أن يبقى في منصبه كرئيس للوزراء ليتمكن من أن يشرف على الانتخابات العامة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وأن يمكن حزبه من البقاء في السلطة.

وهكذا سيكون بوسع حزب العدالة والتنمية المعتدل الذي يسيطر على الحكومة والبرلمان أن يسيطر على رئاسة الجمهورية أيضاً، وهذا تطور يثبت احتكار الحزب الاستثنائي لكل مفاصل السلطة. إن أردوغان والموالين له مصممون على أن يبرهنوا للغرب أن مخاوفه باطلة، وأن هناك الكثير من المكاسب التي يمكن الحصول عليها من حكومة إسلامية معتدلة في بلد أساسي ومهم كتركيا.

* كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.[line]
رؤية مغلوطة عن العرب
رجـب البنـا

الاهرام
لمرة واحدة أتيح لي أن أجلس إلي رابين وبيريز في القاهرة مع مجموعة من الزملاء‏.‏ كان ذلك منذ سنوات‏,‏ وكان رابين وقتها رئيسا للوزراء وبيريز وزيرا للخارجية‏,‏ وسألت بيريز سؤالين‏,‏ وكان سؤالي الأول‏:‏ أنتم تطلبون من القادة العرب السلام قبل الأرض وهذا ما لايمكنهم تقديمه إليكم‏,‏ لأن الرأي العام لن يسمح لهم بذلك‏,‏ فلماذا تتجاهل السياسة الإسرائيلية الرأي العام في العالم العربي؟

وقال لي بيريز‏:‏ لأن القرار في كل بلد عربي في يد رجل واحد‏itisonemanshow.‏ واكتفيت يومها بأن قلت له‏:‏ هذا غير صحيح‏..‏ في العالم العربي رأي عام يجب أن يؤخذ في الحساب‏.‏

وكان سؤالي الثاني لبيريز‏:‏ هل تعتقد أنه سيأتي يوم ويتحقق حلمك بإنشاء الشرق الأوسط الكبير وتكون فيه اسرائيل قوة فاعلة؟

وأجابني‏:‏ أعتقد أن ذلك سيحدث‏..‏ أنتم تريدون أن تكونوا هونج كونج المنطقة ونحن ليس لدينا مانع‏,‏ نحن سنكتفي بأن نكون قاعدة لانتاج التكنولوجيا الحديثة والسوفت وير‏.‏

هذا هو الخطأ الأكبر في السياسة الإسرائيلية والأمريكية أيضا‏..‏ تجاهل قوة الرأي العام في العالم العربي‏..‏ وكأنه لايوجد فيه سوي الحكام وليس فيه شعوب لها تاريخ وإرادة وحق في تقرير مصيرها كسائر الشعوب‏.‏ وهذا الموقف الإسرائيلي ليس سوي امتداد‏,‏ أو انعكاس‏,‏ للموقف الأمريكي‏,‏ خاصة أن الإدارة الأمريكية الحالية لاتري الأمور إلا من زاوية واحدة‏,‏ ولاتدرك أن الرأي العام العربي ظاهرة معقدة بأكثر مما يعتقد أصحاب الأفكار التقليدية في الادارة الأمريكية‏,‏ فهم يرون أن الرأي العام في البلاد العربية ليس سوي نخبة من المثقفين أصحاب الايديولوجيات الفاشلة‏,‏ وأن الشارع العربي لاتتردد فيه إلا أصوات انفعالية يمكن أن تهتف دون وعي لأي شيء يثير انفعالاتها‏,‏ وكلاهما ـ المثقفون والجمهور ـ غير مؤثر في السياسات والقرارات‏..‏ إنهم لايرون ماحدث من تغير في المجتمعات العربية من حراك سياسي تتبلور فيه اتجاهات تؤثر علي سياسات الحكومة ولايمكنها تجاهلها‏..‏ ولايرون أيضا هذا التوافق الذي حدث في السنوات الأخيرةة بفعل الأحداث الضاغطة والمخاطر الماثلة بين آراء النخبة وآراء الطبقة المتوسطة مع رأي الشارع‏,‏ حول قضايا تبلورت وأصبحت تمثل قضايا المصير التي لايمكن التنازل عن شيء منها أو المساومة عليها مثل قضايا فلسطين والعراق ورفض التبعية الأجنبية مهما كانت وتحت أي مسمي‏,‏ والمطالبة بالاستقلال الاقتصادي واستقلال الإرادة الوطنية‏.‏

وفي الولايات المتحدة مراكز أبحاث ترصد هذه الحقائق وتنبه إلي ضرورة مراعاتها في التعامل مع الدول العربية‏,‏ ولكنها بعد ذلك تري أن أمريكا تستطيع التأثير علي الرأي العام في البلاد العربية وتغيير اتجاهاته وقناعاته بحيث يقبل غدا مايرفضه اليوم‏,‏ وهؤلاء يطالبون الادارة الأمريكية بأن تخوض مايسمونه حرب الأفكار وألا تكتفي بالغزو العسكري أو بالضغوط الاقتصادية والسياسية‏,‏ وهدف حرب الأفكار في رأيهم هو تحسين صورة أمريكا في المنطقة‏,‏ والاقناع بما تراه الادارة الأمريكية وماتعتبره اصلاحات داخلية‏,‏ وتحسين علاقات أمريكا مع النخبة السياسية‏,‏ ورجال الأعمال والاعلاميين واساتذة الجامعات‏..‏ الخ علي أساس أن هذا هو المحيط الذي يجب أن تحقق فيه الادارة الأمريكية الفوز في حرب الأفكار‏.‏

في رأي هؤلاء أن الاعلام في العالم العربي هو الذي كان يعوق نجاح أمريكا في حرب الأفكار‏.‏ ففي الخمسينيات أثارت الاذاعات الثورية المصرية الجماهير العربية ضد سياسة أمريكا وغيرت الأفق السياسي‏,‏ ولم تكن اللغة الحماسية والانفعالية الغاضبة التي كان يستخدمها الاعلام المصري والعربي عموما ممايساعد علي ايجاد مناخ مناسب للاستماع إلي ماتقوله أمريكا بدون نظرة الشك التي كانت سائدة في ذلك الوقت‏,‏ وبعد انتهاء هذه الموجة اتخذ الاعلام العربي ـ في رأيهم ـ مظهرا كئيبا بالاقتصار علي أخبار الاستقبالات الرسمية ونشر القرارات الحكومية‏,‏ وظلت الصحافة والاذاعة والتليفزيون في الدول العربية جميعها خاضعة لسيطرة الدولة التي حددت خطوطا حمراء واضحة تحكم الخطاب السياسي والاعلامي المقبول‏,‏ وبعد ذلك ظهرت موجات من الانفتاح والتحرر والنشاط المثير في صحافة بعض الدول العربية ولكن ذلك كان مقصورا علي القضايا المحلية الفرعية ولايمس السياسات العامة‏,‏ ويقول الباحث الأمريكي مارك لينش إنه حتي هذه الموجات سرعان ماخضعت لترويض نظم الحكم‏,‏ ولكن ظهر في النصف الثاني من التسعينيات تيار جديد من المناقشات في الفضائيات التي تتخطي الحدود وتحاول التأثير في الرأي العام‏,‏ ثم أصبحت الصحف متاحة عبر الحدود ومجانا علي الانترنت لتصل إلي جمهور عريض‏,‏ حتي أن رئيسا عربيا اعترف بأنه يشاهد المحطات الفضائية بأكثر ممايشاهد تليفزيون بلاده‏.‏ [line]

castle
01-05-2007, 06:44 AM
الشيخ الضاري يكشف أسرارا خطيرة في حديث لـ "أخبار الخليج":

أزمة بين "القاعدة" والمقاومة العراقية

أدعو بن لادن إلى التدخل. والالتزام بضوابط الجهاد الشرعي
عبدالـمالك سالـمان - محمد الساعي

كشف رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور الشيخ حارث الضاري حقائق هامة بشأن ما يجري في الساحة العراقية في ظل الاحتلال الأمريكي، وقال في حديث خاص لأخبار الخليج: ان جريمة التفجير الإرهابي لمرقدي الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام في سامراء تمت بعملية تآمرية نفذتها وزارة الداخلية لحكومة إبراهيم الجعفري تشاركها مخابرات دولة مجاورة للعراق بعلم من سلطات الاحتلال، والدليل على ذلك انه تم تجاهل الجريمة ولم يتم التحقيق فيها على الرغم من أهميتها وتبعاتها التي أسفرت عن مقتل ألفي عراقي وتدمير 180 مسجدا خلال ثلاثة أيام فقط.

ومن جانب آخر أقر الضاري بوجود خلافات بين فصائل المقاومة العراقية وتحديدا بين تنظيم القاعدة وفصائل المقاومة الأخرى، حيث طالب التنظيم بتزعم المقاومة بالعراق، ووجه الضاري نداء للشيخ أسامة بن لادن للتدخل تجنبا لاستفحال الوضع. وفيما يلي نص الحوار الخاص الذي أجرته أخبار الخليج مع الشيخ حارث الضاري:

* في تقديرك، ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه المؤتمر القومي العربي في دعم المقاومة العراقية؟.

** أود أن أشير بداية إلى ان المقاومة هي كل ما يستهدف الاحتلال وأعوانه، وأن ما يسمى الإرهاب هو ذاك الذي يستهدف الأبرياء من العراقيين، ومن المؤمل على المؤتمرات الشعبية الوطنية والقومية العربية والإسلامية أن يكون لها دور هام في إذكاء المشاعر الوطنية وفي تنبيه الشعوب العربية والإسلامية بمآسي الأمة وما تتعرض له من استهداف وتحديات من قبل القوى المعادية لها على مر التاريخ ولا سيما في هذه الأيام التي أبانت للقريب والبعيد، للقاصي والداني، مدى العداء الذي تكنّه هذه القوى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة بإدارتها الهوجاء الحالية، وخير مثال على ذلك هو العدوان على العراق وما تلاه من أعمال إجرامية وبربرية ترتكبها يوميا قوات الاحتلال في هذا البلد العربي المسلم الذي غُزي ودُمر بناء على ادعاءات كاذبة وذرائع مختلفة أثبت الأمريكيون أنفسهم ذلك، وأصبح بحثهم عن أسلحة الدمار الشامل هو عملهم الحثيث على التدمير الشامل للعراق ومقدراته وحضارته، لذا أقول أنه يجب على الأمة أن تتحرك من خلال قواها الشعبية الممثلة في هذه المؤتمرات وغيرها للوقوف إلى جانب إخوتهم في العراق وفي البلاد العربية الأخرى المستهدفة مثل فلسطين والصومال والسودان وغيرها، إذ أن المستهدف واحد، ففي العراق أمريكا وحلفاؤها، وفي فلسطين أمريكا تدعم الاحتلال الصهيوني في ممارساته الإجرامية، وفي الصومال تدعم الحكومة العميلة والحكومة المعتدية الأثيوبية، وفي السودان تقف وراء المشاريع الأجنبية الصهيونية وغيرها لتفتيت هذا البلد العربي المسلم باستغلالها وتضخيمها لمشكلة دارفور المفتعلة والتي يعلم كل الناس أن من يزج الصراع فيها أو من يقف وراء هذا الصراع هو الولايات المتحدة وبريطانيا والصهاينة. انقسامات في المقاومة

* تحدثت بعض التقارير عن وجود انقسامات في صفوف المقاومة العراقية خاصة بعد بيان تنظيم القاعدة الذي طالب بتزعمه المقاومة العراقية، ما مدى صحة ذلك وما تأثير هذه الانقسامات على المقاومة؟.

** يوجد شيء من الخلاف بين القاعدة وبقية فصائل المقاومة، وهذا للأسف الشديد من قبيل الإفرازات التي افرزها الاحتلال وضغوطه واختراقاته واعتماده على كثير من العملاء الذين استعان بهم بعد يأسه من صد المقاومة أو كسر شوكتها، فلجأ الى استخدام العملاء والوسطاء لبث بذور الفتنة بين صفوف المقاومة، لكن المقاومة والحمد لله قد صمدت في وجه كل هذه المحاولات والاختراقات الفاشلة، غير أن هذا لا يلغي وجود الخلاف الذي أعلن مؤخرا من خلال بعض جهات المقاومة بين المقاومة العراقية ككل وبين تنظيم القاعدة، فالقاعدة وبعد أن أعلنت دولتها في العراق بدأت تتعامل مع بقية فصائل المقاومة بشكل أدى إلى خلافات بينها وبين المقاومة، وأدى في كثير من الأحيان إلى خصومات ومواجهات، ولا سيما بينها وبين الجيش الإسلامي وبينها وبين كتائب ثورة العشرين وغيرهما من الفصائل الأخرى بعد مطالبة القاعدة هذه الفصائل بالانضمام إليها والبيعة لأميرها.

رسالة إلى ابن لادن

* وكيف تنظرون إلى هذا المطلب من تنظيم القاعدة؟.

** نحن ندعو قادة القاعدة إلى اللجوء الى الحكمة والى الاعتبار بالواقع، وأن تعلم أنها جزء من المقاومة العراقية وليست كلا، وأن المقاومة الأخرى شريك لها، بل هي الأكثر من حيث العدد، والأكثر في الميدان ولأنها أيضا تحظى بتأييد الجماهير الحاضنة للمقاومة، لذا على القاعدة أن تعمل لمصلحتها ومصلحة المقاومة بوجه عام مصلحة العراق والأمة، لأن في المصالحة سد الباب على المخربين والمرجفين وتيئيس للاحتلال في أن يجد خرقا يدخل فيه إلى صفوف المقاومة ليتنفس الصعداء من ضرباتها وضغطها عليه. وبهذه المناسبة أدعو عقلاء القاعدة والمتعاطفين معها أن يدعوها إلى عدم السير في طريق الخلاف والإقصاء لغيرها لأن البلد لأهله، ولأن في العراق رجال لا يمكن أن يُتجاوَزوا بأي حال من الأحوال، بل أدعوا الشيخ أسامة بن لادن وأناشده بالإسلام الذي جاهد من اجله وتحمّل ما تحمل في سبيله أن يتدخل في الموضوع وان يوصي القاعدة بأن تلتزم بضوابط الجهاد الشرعي الصحيح وان تحترم أهل البلد الذي تقاتل فيه والذين احتضنوا القاعدة وغيرها من المجاهدين في بداية الأمر، وإذا لم يكن لديه تأثير على القاعدة في العراق فليوضح للعراقيين ذلك حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم في التعامل معها ومع غيرها ممن قد يسيئوا إلى العراق والى قضيته الأولى وهي تحرير العراق، أو يسيئوا إلى المخلصين من أبنائه وفي مقدمتهم أبناء المقاومة الباسلة، وإن الله يقول الحق ويهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. عن أي مصالحة يتحدثون؟!

* الاستعدادات جارية على قدم وساق لمؤتمر شرم الشيخ حول العراق، هل تعتقدون أن هذا المؤتمر من الممكن أن يقدم شيئا للقضية العراقية؟.

** لا نأمل من هذا المؤتمر شيئا، فهذا المؤتمر سيُعقد لمصلحة الاحتلال ومصلحة الحكومة الحالية التي تؤازره.

* في رأيكم، لماذا تفشل جهود الوفاق الوطني بالعراق؟ وعلى من تلقون المسئولية في ذلك؟.

** في الحقيقة لا توجد جهود حقيقية للوفاق أو المصالحة الوطنية، نعم. حصلت هناك لقاءات ومؤتمرات برعاية جامعة الدول العربية وتوصلنا إلى نتائج تعتبر جيدة يمكن أن تكون بداية لمصالحة وطنية حقيقية، ولكن الأطراف الحاكمة لم تلتزم بها، وتكررت هذه المؤتمرات وآخرها مؤتمر مكة الذي صدرت عنه (وثيقة مكة)، وأيضا اتفقت الأطراف ولكن لم تلتزم، لذلك أقول: كل الأطروحات التي تصدر من الحكومة العراقية الحالية هي مجرد دعوات إعلامية وغير جادة لأنها لا تقدم حلولا للمشكلة العراقية، إذ تخلو من أية التزامات حكومية بما يمكن أن يساعد على إزالة الكثير من العقبات أمام هذه المعالجة. فمن العقبات الموجودة: كيف تكون المصالحة وهناك دستور قسّم أبناء العراق وأقصى كثيرا من مكوناته؟، ونص فيما نص عليه بتقسيم العراق وثرواته وإلغاء دور الدولة المركزية وإعطاء صلاحيات سياسية واقتصادية للأقاليم والمحافظات أكثر من دور العاصمة!، وغير ذلك من الأمور في الدستور، فكيف تكون المصالحة بهذا الدستور؟ وكيف تكون المصالحة ولم يتفق العراقيون في النظرة نحو الاحتلال هل هو احتلال أم تحرير!، ولم يتفقوا على مشروعية المقاومة! كيف تكون المصالحة وهناك عشرات الآلاف من العراقيين المحتجزين يلقون عذابا لم يره أحد، ففي سجون الميليشيات والاحتلال هناك آلاف العراقيين يقتلون ويغيّبون من غير محاكمة أو مساءلة، كيف يغمض العراقيون أعينهم أمام كل هذه الأمور ويقولوا للحاكمين في العراق عفا الله عما سلف، ثم يجلسون للمصالحة من دون حل أي مشكلة من هذه المشاكل؟!. الحرب ليست حلا

* كيف تنظرون إلى الخلاف الحالي بين الكونجرس وادارة بوش حول القضية العراقية؟ وهل سيكون لها تأثير على مسألة الانسحاب من العراق؟

** دلالة هذا الارتباك بالبيت الأبيض الأمريكي هو أن المقاومة العراقية نجحت فعلا في إرباك المشروع الأمريكي والإدارة الأمريكية في كيفية تصرفها بالعراق، كما أن هذا الجدل والخلاف الدائر أفهَمَ الأمريكيين من ديمقراطيين وجمهوريين أن الحرب لا يمكن أن تكون هي الحل، ولابد من تفاوض مع العراقيين، وأن من لم يسر في هذا الاتجاه فهو الخاسر في البيت الأبيض وهو الخاسر أمام الشعب الأمريكي.

* هل يعني ذلك أنكم تتوقعون في نهاية المطاف قرارا بالانسحاب؟.

** بالتأكيد إذا تخلى الأمريكيون عن استعلائهم وغطرستهم وحماقة بعض قيادتهم، لأنهم حاليا يشهدون الكثير من الخسائر والكثير من الإحباط في العراق. الحرب الأهلية. زعم روّج له الاحتلال

* ولكن كثيرا من التحليلات السياسية تحذر من أن الانسحاب في هذه الظروف قد يؤدي إلى حرب أهلية بالعراق؟.

** مثل هذه الكلام تشيعه الإدارة الأمريكية وحلفاؤها بالعراق، فهي تريد ان تغطي فشلها بهذه الحجة التي لا أصل لها، وحلفاؤها يريدون ان يحافظوا على مكاسبهم السياسية والاقتصادية في ظل هذا الاحتلال الذي يرون انه إذا زال فإن هذه المكاسب والمصالح ستنتهي، أما الادعاء بأنه سيكون هناك فراغ امني وحرب أهلية فهو الادعاء غير حقيقي لأننا الآن نشهد فتنة أهلية يدبرها الاحتلال وعملاؤه، وهي يوميا تودي بحياة المئات من الشهداء، وبالتالي فإن وجود قوات الاحتلال هو العامل الأساسي فيما يجري الآن من فتنة ودماء غزيرة تراق. وما نؤمن به هو انه لو انتهى الاحتلال فإن العراقيين قادرون على تجاوز هذه المشاكل على أن يتصافوا ويتسامحوا ويقودوا بلادهم إلى شاطئ السلام، لذلك أؤكد ان الدعوى بالحرب الأهلية غير صحيحة بعكس ما يدعيه الاحتلال وحلفاؤه، فالشعب العراقي أثبت خلال أربع سنوات الماضية انه شعب متماسك، شعب يؤثر الوحدة، يؤثر العراق على ما عداه. هم من خطط للفتنة

* نتمنى ذلك فعلا، ولكن هل هذه الرؤية تتسم بالواقعية أمام ما نشهده من ذبح على الهوية الطائفية في العراق، وغياب تحقيق فكرة الوفاق الوطني والانقسامات الموجودة؟

** ما ذكرتُه ليس من قبيل الأمنيات أو التخمينات، وإنما من قبيل الإنسان الذي يعرف شعبه وعاش واقعه، لقد أُريد للعراقيين ان يقتتلوا من أول أيام الاحتلال، وأُريد للفتنة الطائفية ان تعصف به، ولكن الشعب العراقي ثبت وصمد ولم تكن هناك حرب أهلية، وكلما أوقدوا حربا أهلية أطفأها الله، ومثال ذلك ما حدث في هدم مرقدي الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام في سامراء، فهذه العملية التآمرية التي قامت بها جهات رسمية مدعومة بجهات خارجية كادت ان تعصف بوحدة العراقيين لولا صمودهم أمام الفتنة، ووقوف الواعين من السنة والشيعة ودعوتهم لضبط النفس وعدم مقابلة الأفعال بردود أفعال مشابهة، وهذه الدعوات فوّتت الفرصة على الاحتلال الذي أراد ان يتخلص من المقاومة باشتباك العراقيين فيما بينهم حتى يطلق يده في العراق، كما فوّت الفرصة على عملائهم في ألا تكون هناك حرب أهلية سعوا من خلالها إلى تقسيم العراق تحقيقا لرغباتهم، يضاف إلى هذا ما تكشف للعراقيين أخيرا من أن الاحتلال (ومن جاء معه) لم يأتوا لإسعاد العراقيين ولا لمصلحتهم وإنما لخدمة مصالح الاحتلال ومشاريعهم الفئوية والحزبية التي اعدوا لها قبل الاحتلال ووضعوا لها الكثير من التصورات والأهداف. فلقد اتضح لأبناء العراق ان العراق هو المستهدف، وانهم مستهدفون، وأنا أؤكد لكم ان أكثر من 90% من العراقيين يرفضون هذا الاحتلال ويرفضون العملاء ويرفضون تقسيم العراق، وهم مع المشروع الوطني العراقي وليسوا مع المشاريع الإقليمية التي تريد تقسيم وطنهم، أكثر من 90% من العراقيين يريدون الرحيل الفوري للمحتل وليس الانسحاب المجدول أو المحدد. وأكد أنه في ظل الاحتلال فإن نحو 70% من أهل العراق أصبحوا يعيشون تحت حد الفقر، وآخرون لا يملكون أي شيء ولا توجد أي جهة تساندهم، وما يدعيه البعض في الوطن العربي من دعم للمقاومة غير صحيح. من فجر المرقدين؟

* أشرت إلى ان هناك جهات رسمية وأخرى مدعومة من جهات خارجية وقفت وراء تفجير مرقدي الإمامين الهادي والعسكر، هل لديكم وثائق تشير فعلا إلى من دبر الاعتداء؟.

** الجهات المنفذة مباشرة هي وزارة الداخلية لحكومة إبراهيم الجعفري، تشاركها مخابرات دولة مجاورة للعراق بعلم من سلطات الاحتلال، وهناك وثائق معروفة لدى الأمم المتحدة ولدى أطراف عراقية، والدليل على ذلك انه لم يتم التحقيق في القضية رغم أنها كبيرة وخطيرة على مستوى المرقدين وعلى مستوى ما تبعها من أحداث أسفرت عن قتل (2000) عراقي وهدم (180) مسجدا خلال ثلاثة أيام فقط، فرغم ذلك كله أهملت القضية ولم يحقق فيها، وهذا ما يدل على ان القضية متعلقة بكل الأطراف التي تتحكم اليوم بالمشهد العراقي. التغلغل الإيراني

* أي مراقب للساحة العراقية يلمس بوضوح مظاهر كبيرة للتغلغل الإيراني بالعراق بعد دخول الاحتلال، ما مخاطر ذلك على العراق؟

** مما لا شك فيه ان التدخل الإيراني موجود وواضح بالعراق، لكن ما يشغلنا في هيئة علماء المسلمين هو الاحتلال الأمريكي أولا، وجهدنا في هذه المرحلة ينصب في هذا الاتجاه، وبهذه المناسبة نقول لإخواننا الإيرانيين إنهم (إذا كانوا يعادون فعلا) الاحتلال الأمريكي ويرغبون في رؤية نهاية له في العراق، عليهم ان يساعدونا على ذلك بتهدئة الأوضاع لما لهم من اثر واضح على بعض الجهات السياسية في العراق. قانون النفط

* هناك قضايا ساخنة في الساحة العراقية مثل قانون النفط الذي أثار الكثير من الجدل، كيف تنظرون لمخاطر هذا المشروع وانعكاساته على ثروات ومستقبل العراق؟

** في الحقيقة هذا المشروع فيه من الخطورة الشيء الكثير، وليس هو وحده المشروع الخطير، فالدستور العراقي الذي روعي في وضع هذا القانون ما جاء فيه من تقسيمات لهذه الثروة الهامة هو من الخطورة بمكان، لذلك نقول ان الاحتلال في أيامه الأخيرة، وقبل ان يحسم أمره في البقاء أو عدمه بالعراق سعى إلى ان يحقق أمورا منها موضوع النفط الذي يبدو انه حسم أمره بهذا القانون الذي صيغ في الخارج ووُضعت عليه بعض التعديلات الطفيفة في الداخل، وعُرض على مجلس الوزراء العراقي الذي وافق عليه، وهو الآن في طور التقديم لما يسمى بمجلس النواب، وقد يوافق عليه، وهناك مشروع آخر هو (المعاهدة الأمنية) لم يعلن عنه، ولكنه يشهد خطوات جارية، وقد شكلت كما علمنا لجنة أمنية من الاحتلال والقوى التي جاءت معه وهي متنفذة اليوم في إدارة العراق مع إقصاء الكثير من فئات الشعب العراقي المؤثرة، فهذه اللجنة فيها من الخطر ما فيها، بل لا تقل عن خطر قانون النفط، وهناك الكثير من الخطوات التي تتخذ من قبل قوات الاحتلال على عجل تحسبا لأي طارئ، ونحن في الحقيقة نتوقع في مثل هذا الوقت ان يُلجأ لمثل هذه الأمور، ولكن ما نحن على يقين به أن كل هذه الأمور وهذه التحركات والمشاريع تُطبخ في ظل الاحتلال، وبعد زوال هذا الاحتلال ستزول هذه المشاريع لأنها لا تُلزم الشعب العراقي لا شرعا ولا قانونا.

* وهل هدف مشروع المعاهدة هذا تحويل العراق إلى محمية للأمريكان و تقنين إقامة قواعد امريكية في العراق مثلا؟

** في الواقع نتوقع الكثير من هذا القبيل، وفي هذا المشروع الكثير مما يقيد حرية واستقلال العراق ويضعه تحت مظلة الحماية الأمريكية.

* وكيف تنظر إلى قضية الصراع في كركوك وما قد تخلّفه من صراعات بين الأكراد وغيرهم؟

** هي مشكلة فعلا، ولكن هذه المشكلة لا تحل إلا بالتفاهم بين العراقيين أنفسهم وبعد خروج الاحتلال، وأي محاولة لضمها بالقوة فإنها ستبوء بالفشل عاجلا أم آجلا، وسترتد بالضرر على أي جهة تقوم بهذه المحاولة اللاشرعية. المرجعية الدينية

* أمام ما ذكرته من أوضاع في العراق، كيف تنظر إلى مصير حكومة المالكي؟

** نحن نعتقد أن حكومة المالكي آيلة للسقوط، ونعتقد ان خطتها الأمنية ستكون سببا مباشرا في ذلك بعون الله. وأود أن أشير هنا بشأن جدار الاعظمية الذي ثار الجدل حوله مؤخرا أن أهل العراق يتعاملون معه بواقعية ولكنه سينهار قريبا، وأبناء الأعظمية من السنة والكاظمية من الشيعة لا توجد بينهم طائفية، فالشعب واحد، وما يحدث بينهم ليس بسبب المذهب وإنما بسبب السياسة التي يقودها الاحتلال ومعاونوه.

* يؤكد الكثيرون ان المقاومة العراقية كان من الممكن ان يكون لها شأن كبير وتأثير قوي لو ان المرجعية الدينية الشيعية أصدرت فتوى بالمقاومة كما حدث إبان ثورة العشرين فما هو تعليقكم؟.

** لو أن بعض المرجعيات الدينية المؤثرة باركت المقاومة لتغير الوضع في العراق قبل هذا الوقت بكثير، ولكن للأسف داهنت بعض هذه المرجعيات الاحتلال وسهّلت له بلوغ ما يريده من تهدئة جزء كبير من أبناء العراق وعدم قيامه بالمعارضة أو المقاومة للاحتلال مع إخوانه الآخرين من أبناء الشعب العراقي الذين قاوموا الاحتلال منذ أيامه الأولى.[line]

castle
04-05-2007, 09:25 AM
الطريق نحو السيطرة على العالم!!!

العصر

قد تبدو مناطق الشرق الأوسط، وبحر قزوين، والقرن الإفريقي، متباعدة جغرافيا. ومع ذلك فإنا لا نستطيع أن نعرف حقيقة ما يجري في أحدها، دون معرفة ما يجري في بقيتها، فما يجري في بحر قزوين له تداعياته على الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، وما يجري في الشرق الأوسط له تداعياته على القرن الإفريقي ومنطقة بحر قزوين، وهكذا دواليك. إنها حرب تستعر بين القوى الكبرى للسيطرة على العالم، حرب وقودها الضعفاء.

"حلم السيطرة على العالم"، هو المحرك الحقيقي لجميع الحروب والصراعات السياسية التي نعيشها حاليا، رغم ما تحاول الدول المعتدية دائما تسويقه من حجج واهية لتبرير تدخلها في شؤون هذا البلد أو ذاك عبر وسائل الإعلام.

ولتوضيح علاقة هذه المناطق ببعضها البعض، فإني سأبدأ أولا من منطقة حوض بحر قزوين، ثم سأنزل إلى الشرق الأوسط، ثم إلى منطقة القرن الإفريقي كمدخل إلى القارة السوداء.

لكن قبل أن أبدأ، هناك حدث مهم لا يستقيم الأمر بدون الإشارة إليه، لأنه قلَب السياسة الدولية رأسا على عقب. إنه حادثة قطع النفط العربي عن الدول الغربية إبان حرب أكتوبر 1973م. فمنذ ذلك الوقت، أصبح تأمين مصادر الطاقة، وطرق إمدادها، وإيجاد مصادر بديلة عن النفط العربي، هو ما يحدد الأجندة الخارجية والإستراتيجية العسكرية للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، والتي حرصت دائما على السيطرة على أماكن الطاقة الإستراتيجية، وعلى طرق إمداد العالم بها، كوسيلة للسيطرة على العالم بأسره.

تطل على بحر أو بحيرة قزوين، التي تحتوي على مخزون هائل من الغاز والنفط، خمسة دول هي إيران، وروسيا، وتركمانستان، وكازاخستان، وأذربيجان. تحديد وضع "قزوين" كونه بحرا أم بحيرة، له أهمية كبيرة جدا، لأنه يحدد نصيب كل دولة مشاطئة له في ثرواته.

حسب العُرف الدولي، فإن كل دوله مشاطئة للبحيرة يحق لها 30 كم كمياه إقليمية، و30 كم أخرى يمكنها استغلالها اقتصاديا. أما البحر، فإنه يحق لكل دولة مشاطئة له 20 كم كمياه إقليمية، و300 كم يحق لها استغلاله اقتصاديا. صيغة "بحر" تناسب تركمانستان وأذربيجان، بينما صيغة "بحيرة" تناسب روسيا وكازاخستان. أما إيران، فلا فرق واضح يبدو بين الصيغتين بالنسبة لها بحكم موقعها.

لقد أدى هذا الوضع المتشابك والمصالح المتضاربة، إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين هذه الدول، فكل منها يريد فرض الصيغة التي تمكنه من الحصول على أكبر قدر من الثروات الطبيعية في قاع البحيرة.

* "أينما تجد النفط، تجد أمريكا"

هذا الوضع القانوني المعقد لبحر قزوين، هو الذي مهد الطريق لأمريكا كي يكون لها موضع قدم في المنطقة. فقد حرصت على التدخل لدعم الدول التي توافق مصالحها سياسيا وعسكريا. وذلك لإحكام سيطرتها على العالم من خلال الطاقة، ولتنويع مصادر الطاقة للاستغناء عن النفط العربي، أو التقليل من نسبة الاعتماد عليه، وكذلك لحرمان روسيا وإيران من أكبر قدر ممكن من ثرواته.

ومن أجل ذلك، أنشأت قواعد عسكرية لها في كازاخستان، وجورجيا، وأذربيجان، وأوزباكستان. كما ضمت أيضا بعض دول المنطقة إلى حلف الناتو. أضف إلى ذلك، عزمها على إنشاء درع مضاد للصواريخ في كل من بولندا وتشيكيا بالقرب من روسيا، الأمر الذي اعتبرته روسيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

ليس هناك من فائدة تذكر إن هي سيطرت على النفط نفسه، بدون أن تسيطر على طرق تصديره للعالم. لذا فقد دعمت إنشاء خط الأنابيب، الشرقي الغربي، المتمثل في خط أنابيب باكو ـ جيهان، رغم أنه الأعلى كلفة (4 مليارات دولار)، على حساب كل من الخط الجنوبي الذي يمر في إيران، والذي يعتبر الأقل كلفة، والخط الشمالي الذي يمر في الأراضي الروسية، وذلك لمنعهما من التحكم في نفط المنطقة، ولتكون هي المسيطرة عليه بدون منازع.

أما الخط الآخر، والذي تخطط لإنشائه، فهو الذي يمر عبر أراضي أفغانستان. وهنا تظهر لنا جليا، الأسباب الحقيقية لاحتلال أفغانستان، فهي بموقعها الإستراتيجي، تمثل محورا لعبور نفط وغاز قزوين إلى الأسواق الآسيوية في المستقبل القريب. وبذلك تتيح للولايات المتحدة التحكم في شرايين الطاقة المتجهة إلى الصين، والهند، واليابان. وهذا بدوره سيساعد كثيرا الولايات المتحدة، في إبقاء هذه الدول تحت الهيمنة الأمريكية.

أما روسيا، فإنها تحاول بأقصى ما تستطيع من وسائل أن ترد على الاكتساح الأمريكي لمنطقة تعتبرها منطقة نفوذ طبيعي لها، كونها وريثة الإتحاد السوفييتي السابق.

وكان أقوى ردودها هو تحالفها الإستراتيجي مع إيران. إذا، روسيا بأمس الحاجة لإيران لسببن: أولهما، هو دعمها لفرض صيغة "بحيرة"، لتتمكن من الاستفادة من أكبر قدر ممكن من ثروات بحر قزوين. وثانيهما، هو الرد على الاختراق الأمريكي لمنطقة نفوذها، وذلك بدعم موقف إيران في منطقة نفوذ الولايات المتحدة، الشرق الأوسط. ولا ننسى أن الصين تدعم إيران أيضا للضغط على الولايات المتحدة لسببين أيضا: أولهما، إجبار واشنطن على التخلي عن دعمها لتايوان، والتي تعتبرها الصين جزءا منها. وثانيهما، الرد على تهديد واشنطن لمصالحها في قارة إفريقيا، كما سيتبين لنا لاحقا.

من هنا يتضح لنا أن هناك تحالفا بين الدول الثلاث، تحولت بموجبه إيران إلى رأس حربة لمحاربة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. وفي مقابل ذلك، تقوم كل من روسيا والصين بدعم إيران في مجلس الأمن، بأن تسعى جاهدة لتعطيل صدور قرارات مجلس الأمن، أو تخفيفها على أقل تقدير، لتضييع أكبر قدر ممكن من الزمن.

كما تقدم روسيا بموجبه التكنولوجيا النووية، والسلاح الروسي المتقدم إلى إيران، وهذا واضح من بناء روسيا لمحطة بوشهر النووية الإيرانية. وقد تكرس هذا التحالف في "مؤتمر شنغهاي للتعاون"، حين التقى زعماء الدول الثلاث في قمة تاريخية خطيرة.

إن تشابك المصالح، وإدراكا من إيران لخطورة الدور الذي تلعبه، لصالح كل من روسيا والصين، هو ما يفسر لنا لا مبالاة إيران بالتهديدات الأمريكية، ونبرة التحدي والقوة التي تستخدمها في الرد على تلك التهديدات.

عبر البوابة الإيرانية، نكون قد وصلنا إلى أهم وأخطر منطقة في العالم، إنها منطقة الشرق الأوسط. فإيران تعتبر حلقة وصل الأحداث بين منطقة بحر قزوين، وبين هذه المنطقة. ولكي نفهم جيدا حقيقة ما جرى في الماضي، وما يجري حاليا، وما سيجري في المستقبل إن بقي الحال كما هو عليه، يجب أن نعلم أن لدى الدول الغربية إستراتيجية عليا، لا تحيد عنها مهما اختلفت، أو تضاربت مصالحها، وهي ألا يتكرر ما حدث عام 1973م، من قطع للنفط أو شن للحرب.

الخطوط العريضة لهذه الإستراتيجية تقوم: أولا، على الوجود العسكري الدائم في المنطقة لتأمين منابع النفط. وثانيا، على إبقاء المنطقة على الدوام، منطقة قلاقل وحروب وعدم استقرار، لإضعاف الدول الواقعة فيه سياسيا وعسكريا، حتى لا تملك قرارها السياسي، فتصبح غير قادرة على استخدام النفط كسلاح إستراتيجي تهدد به الغرب، ولتفقد كذلك قدرتها على اتخاذ قرار بشن حرب تكون هي صاحبة المبادرة فيها.

بمعنى آخر، فإنه غير مسموح لأي من دول المنطقة بأن تكون لها قوة عسكرية، تمكنها من أن تصبح قوة إقليمية تهيمن على المنطقة، وبالتالي النفط. وهذا بالضبط هو سبب ما جرى للعراق، وما سيجري لإيران.

وتطبيقا لهذه الإستراتيجية، دخلت منطقة الشرق الأوسط في مسلسل طويل من القلاقل والحروب، وعدم الاستقرار.

فمن الحرب العراقية الإيرانية، إلى احتلال الكويت، إلى حصار العراق، وصولا إلى الاحتلال الكامل للعراق، الذي لم يمكن أمريكا من النفط العراقي فحسب، بل مكنها أيضا من السيطرة على أسعار النفط العالمية أيضا.

أما في الوقت الراهن، واعتمادا على نفس الإستراتيجية، فإن الاستعدادات تجري على قدم وساق لتوجيه ضربة جوية قاصمة لقدرات إيران العسكرية، وخاصة النووية منها. وتتزايد احتمالات هذه الضربة كلما زادت ضغوط الكونجرس على البيت الأبيض لجدولة الانسحاب من العراق. إذا إن خروج الولايات المتحدة من العراق في ظل إيران نووية، يعني تقديم المنطقة وما فيها من موارد طبيعية، هدية خالصة للهيمنة الإيرانية، وبالتالي للهيمنة الروسية ـ الصينية. وهذا يعني عمليا فقدان سيطرتها على العالم.

وهي إن فعلت ذلك، فهي كمن يحفر قبره بيده. لكن ما نراه جليا أن أمرا كهذا مستبعد تماما عن خيارات الإدارة الأمريكية، وهذا ما تشهد به جميع التحركات السياسية والعسكرية الأمريكية.

بالطبع، فإن ضربة كهذه لن تكون تحت غطاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بسبب الدعم الروسي والصيني لإيران، الذي قد يصل لحد استعمال حق النقض الفيتو الذي تتمتعان فيه. ولكن مع ذلك فإنهما، لن تدخلان في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، وإيران تعلم ذلك جيدا.

ولكن روسيا بالذات، وفي حالة وصول الأمر إلى المواجهة، فإنها قد تزود إيران ببعض الأسلحة الروسية المتطورة جدا، من قبيل صواريخ إس 300، المضادة للطائرات، والتي تعتبر الأكثر تفوقا على مستوى العالم بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي. هذه الصواريخ تشكل مصدر قلق لسلاح الجو الأميركي في كل مرحلة تستعد خلالها الولايات المتحدة لخوض حرب جديدة. وحسب اعتقادي فإن الولايات المتحدة لن توجه أي ضربة جوية لإيران، قبل أن تتأكد عما إذا كانت موسكو قد زودت طهران بها، لأن ذلك يعني فقدان أمريكا عمليا لتفوقها الجوي، الذي تعتمد عليه كثيرا في حروبها.

إلى مكان آخر من العالم، إلى إفريقيا، وهنا يسأل العربي المسلم؛ ماذا تريد أمريكا من السودان والصومال؟! .. يقع السودان بين منابع النيل، ومنطقة البحيرات العظمى، والقرن الإفريقي، وملتقى المستعمرات القديمة؛ الفرنسية في تشاد وإفريقيا الوسطى والكونغو، والإنجليزية في مصر وكينيا وأوغندا، والإيطالية في إثيوبيا وليبيا، ويطل كذلك على البحر الأحمر بساحل يتجاوز طوله 300 كيلومتر.

إنه بلد مترامي الأطراف، حيث تبلغ مساحته حوالي 2.5 مليون كيلومتر مربع، ويضم بين جنباته نحو 120 مليون فدان صالحة للزراعة والرعي، أي أكبر من الأراضي الصالحة للزراعة في مصر 40 مرة، ومع هذا لم يُستغل منها إلا 16 مليون فدان فقط. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الثروات الطبيعية الهائلة، من نفط، وغاز، ونحاس، وذهب، ويورانيوم، فإنا سنجد أنفسنا أمام دولة يسيل لها لعاب أي دولة استعمارية.

في جنوب السودان، دعمت الولايات المتحدة "مبادرة الإيجاد"، للتسوية بين الحكومة في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب بكل ثقلها. وفي نفس الوقت عارضت المبادرة المصرية الليبية لتسوية نفس الخلاف. وذلك لسبب بسيط وهو أن الأولى تمهد لفصل الجنوب عن طريق إقرارها لحق تقرير المصير لأهل الجنوب، بينما الثانية تحدثت عن وحدة السودان. وفي سبيل إجبار السودان على "مبادرة الإيجاد"، ضغطت على حكومة الخرطوم بكل ما تستطيعه من أشكال الضغط، فمن دعم لحركة التمرد في الجنوب، إلى الإيعاز لحلفائها الدوليين مثل بريطانيا وإسرائيل، والإقليميين من دول الجوار الإفريقية بتقديم الدعم لنفس الحركة.

وكانت النتيجة أن رضخت الحكومة للشروط الأمريكية، ووقعت على "اتفاقية مشاكوس" عام 2002م، والتي تعطي للجنوبيين حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها 6 سنوات. ثم كانت "وثيقة الإيجاد" 2003م، والتي تتضمن آليات اقتسام النفط والسلطة، لتعطي مزيدا من الدعم للجنوب على حساب الشمال.

أما في إقليم دارفور، والذي تعادل مساحته مساحة فرنسا، ويبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمه من عرقيات عربية وإفريقية، وكلهم مسلمون، فإن أزمة "رعي" بسيطة، طارت بها آلة الدعاية الأمريكية والصهيونية وحولتها إلى أزمة أممية تتصدر نشرات الأخبار، ويجتمع من أجلها مجلس الأمن ويصدر قرارات في شأنها. إنها أزمة بين بدو رحل من القبائل العربية، وبين القبائل الإفريقية المستقرة في المناطق الريفية، على مصادر الكلأ والماء. وقد اعتاد البدو الرُّحل أن يتنقلوا في مناطق المزارعين أثناء فترات الجفاف بعد جني الثمار، في عملية يتم تنظيمها بين القبائل في اتفاقيات محلية.

هذا لا يمنع بالطبع من حدوث بعض المناوشات، التي كانت سرعان ما يجري حلها. لقد وجدت أمريكا في هذه الأزمة مدخلا مناسبا يؤمن لها موطئ قدم في هذه المنطقة. وكما فعلت في الجنوب، فلن ترضى بأقل من اتفاق يمهد لانفصال دارفور، وسوف تضع العراقيل في وجه كل تسوية لا تسير في هذا الاتجاه، وستواصل الضغط على حكومة البشير إلى أن ترضى باتفاق مشابه لاتفاق مشاكوس.

وقبل أن نحلل الأسباب التي دعت الولايات المتحدة لمحاولة فصل هذين الإقليمين عن السودان، لابد أن نشير إلى أن معظم الثروات الطبيعية السودانية، توجد في الولايات الجنوبية وفي ولاية دارفور. لذا فإن أول هدف كان هو حرمان السودان العربي المسلم من هذه الثروات الطبيعية، التي لو أحسن استغلالها، لتحول إلى قوة إقليمية، يحسب حسابها ليس في ميزان القوى الإقليمية فقط، بل حتى العالمية.

فقلما نجد دولة تجتمع فيها كل هذه المميزات من خصوبة الأرض، ووفرة الماء، والثروات الطبيعية، والموقع الإستراتيجي. إن كل واحد من هذه العوامل يعتبر مصدر قوة للدولة، فما بالك عندما تجتمع كلها في دولة واحدة، كما في الحالة السودانية. لقد كان السودان قبل اكتشاف هذه الثروات يسمى "سلة غذاء العرب"، فماذا سيسمى الآن بعد هذه الاكتشافات؟! .. لذا كان لابد من تفتيته.

الهدف الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه، هو ربط جنوب السودان بعد استقلاله مع دول البحيرات العظمى الغنية بالموارد الطبيعية في إطار تحالف قوي يضم كل من أوغندا، وإثيوبيا، وإرتريا، والكونغو، وجنوب السودان.

هذا الحلف يُمكن الولايات المتحدة من السيطرة على الثروات الطبيعية الموجودة في هذه المنطقة، كما يُمكنها من التحكم في منطقة حوض النيل وإخضاع الدول الواقعة فيه للسياسات الأمريكية. ومن أجل تحقيق ذلك، تحولت سياسة البيت الأبيض تجاه السودان من "الاحتواء والعزل"، والتي كانت متبعة في عهد كلينتون، إلى "الارتباط والبناء"، فكان ما كان من مشاركتها الفاعلة في اتفاقية مشاكوس التي أشرنا إليها مسبقا، تمهيدا لفصل الجنوب وضمه إلى هذا الحلف الاستراتيجي.

أما سبب حرصها على إيجاد موطئ قدم لها بدارفور بأي حجة كانت وبأي شكل كان، فبالإضافة لما سبق، فإنها ترغب في إيقاف نفوذ فرنسا التاريخي في غرب إفريقيا الغني بالنفطـ وخاصة تشاد الجار الغربي لدارفور، والتي تعود إليها أصول بعض القبائل الإفريقية الدارفورية.

وإذا ما استمر سيناريو التدويل هذا، فإنا سنشهد اتفاقا على غرار اتفاق "فاشودة"، والذي قسم المصالح والنفوذ في شمال إفريقيا بين فرنسا وبريطانيا عام 1904م، ولكن هذه المرة سيكون بين فرنسا والولايات المتحدة. أما الهدف الأهم من الوجود في دارفور بالنسبة لأمريكا، فهو محاربة النفوذ الصيني المتنامي في إفريقيا عامة وفي السودان خاصة، من خلال وجودها بالقرب من الحضور الصيني عند آبار نفط جنوب وغرب السودان.

اليهود أيضا كان لهم حضور وأجندة بارزة جدا في الجنوب ودارفور. يقول ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي: "نحن شعب صغير، وإمكانياتنا ومواردنا محدودة، ولا بد من العمل على علاج هذه الثغرة في تعاملنا مع أعدائنا من الدول العربية، من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها. وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات العرقية والطائفية، بحيث نسهم في تفخيم وتعظيم هذه النقاط، لتتحول في النهاية إلى معضلات يصعب حلها أو احتواؤها".. انتهى كلامه .. لم يتوقف بن جوريون عند حد الكلام بل انتقل إلى العمل، فشكل فريق من الخبراء الإستراتيجيين توصلوا إلى ثلاثة ركائز إستراتيجية سارت عليها السياسة الإسرائيلية تجاه العالم العربي. وهي أولا : بناء قوة عسكرية متفوقة قادرة على حماية أمن إسرائيل. ثانيا: محاصرة العالم العربي عن طريق التحالف مع الدول الهامة المحيطة به مثل تركيا وإثيوبيا وإيران (أيام الشاه واستبدلت الآن بالعراق ) لتطبيق سياسة "شد الأطراف". ثالثا: التحالف مع الأقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي.

وقد ظهرت هذه الإستراتيجية في كتاب صدر عن مركز دايان التابع لجامعة تل أبيب بعنوان "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان.. نقطة البداية ومرحلة الانطلاق". وقد شرح الكتاب بالتفصيل كيفية دعم المخابرات الإسرائيلية لمتمردي الجنوب، عن طريق إمدادهم بالمال والسلاح، وتدريب قادتهم، وحشد التأييد الدولي لصالح حركتهم. وهذا ما تفعله الآن بالضبط مع متمردي دارفور، وإلا بماذا نفسر الاحتفال اليهودي المنقطع النظير بصدور قرار مجلس الأمن 1706، الداعي إلى إرسال قوات دولية إلى دارفور تحت البند السابع. ومن الواضح أن إستراتيجية "شد الأطراف" متحدة مع الإستراتيجية الأمريكية "الفوضى البناءة"، قد تحولت إلى "تقطيع الأطراف"، بعد أن أيقنت ألا أحد سيقف في وجه مشاريعها.

إن مستقبل السودان بناء على التفكير الأمريكي الإستراتيجي الجديد بعد أحداث 11 سبتمبر، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل الكثير من المناطق الجيواستراتيجية، ومن أبرزها منطقة الشرق الأوسط، بما فيها شمال إفريقيا، والذي يقوم على عملية الفك والتركيب، لا يخرج عن شكلين من السيناريوهات. أولها : أفرقة السودان لإبعاده عن هويته العربية والإسلامية، والتأكيد بدلا عنها على الهوية والانتماء الإفريقي. ثانيهما : تفكيك السودان بالكامل وتكون البداية من الجنوب، ثم دارفور، ثم تشجيع أقاليم أخرى للمطالبة بنفس الشيء، وقد ظهرت بعض بوادر ذلك في الإقليم الشرقي المتاخم لإريتريا وإثيوبيا. بالطبع فإن النتيجة هي دول هشة يسهل على الولايات المتحدة السيطرة عليها، وما تبقى من السودان هو إقليم لا يملك مقومات الاستمرار.

إذا انتقلنا إلى الصومال، فإنا سنرى مشهدا مأساويا آخر لدولة عربية مسلمة تقطع إربا إربا أمام أنظار العالم أجمع دون أن يحرك ساكنا. لقد اتحدت على الصومال إستراتيجية "الفوضى البناءة" الأمريكية، و"شد الأطراف" اليهودية، وقد وصلنا الآن إلى مرحلة "التهام الأطراف"، ورئيس أكبر دولة عربية يقول إنه يتفهم أسباب دخول القوات الإثيوبية إلى الصومال، ولا أدري حقيقة ما الذي يتفهمه سيادة الرئيس.

لست بحاجة لأن أسهب في شرح أسباب ما يتعرض له الصومال حاليا، لأن نظرة خاطفة منك أيها القارئ إلى خريطة الصومال ستكشف لك أثر "عبقرية المكان" دونما عناء. إنه بشواطئه التي تمتد حوالي 3000 كيلو متر مربع، يتحكم بمفترق طرق التجارة الدولية. إنه من أكثر المناطق الإفريقية إستراتيجية، كونه يسيطر على مداخل ومخارج كل ناقلات النفط المتجولة بين آسيا، وإفريقيا، والشرق الأوسط، ويشرف كذلك على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو المدخل إلى دول القرن الإفريقي، والتي تضم إضافة إليه كل من جيبوتي، والسودان، وإثيوبيا، وكينيا، وإريتريا.

لقد كان القرن الإفريقي أحد أهم مناطق الحرب الباردة قبل انهيار الإتحاد السوفييتي، وللسيطرة عليه كان لابد من السيطرة على أهم دوله وهي الصومال. وهذا ما يفسر لنا سر الحملات العسكرية المتواصلة عليه منذ عملية إعادة الأمل في ديسمبر 1992م، أي بعد سنتين فقط من انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي كان يقف بالمرصاد ضد المحاولات الأمريكية للسيطرة على هذه المنطقة الحيوية، ولكن عندما انهار زال العائق، وأصبح الطريق مفتوحا أمامها للسيطرة عليه سواء باحتلاله مباشرة، أو عن طريق حكومة عملية.

لقد جن جنون السيد الأمريكي عندما دخلت قوات المحاكم الإسلامية مقديشو وأعادت الأمن والنظام إلى معظم الأراضي الصومالية، لأنه يعلم بأنها ستحرمه من الهيمنة على هذه المنطقة الإستراتيجية، فكان أن أطلق إثيوبيا، حبيسة الجغرافيا، والحالمة بمنافذ بحرية تطل منها على العالم الخارجي، لغزو الصومال والإطاحة بنظام المحاكم الإسلامية، لإعادة الحكومة الانتقالية العميلة إلى الحكم.

أعلم بأني قد أسهبت في شرح الحالة السودانية والصومالية، ولكني أعتقد بأن المقام يتطلب ذلك، فالكثير من العرب لا يعلم حقيقة ما يجري هناك، والمخطط أكبر بكثير مما يتصوره البعض، وما يتعرض له السودان والصومال حاليا ستتعرض له دول أخرى، كل حسب موقعه وأهميته، والأعذار والمبررات جاهزة، أو مُجهزة، والسيناريوهات تنتظر فقط يد المخرج الهوليوودي الأمريكي كي تخرجها من ظلام أدراج المكاتب إلى نور الواقع. لقد بدأت بهما لأنهما الأكثر أهمية بالنسبة لنا نحن العرب، وإلا فإن السيطرة عليهما جزء من مخطط يهدف إلى السيطرة على إفريقيا، وبالتالي العالم كله، عن طريق السيطرة على مقدراته.

لمدة طويلة من الزمن، أسقطت الولايات المتحدة أفريقيا من حساباتها الاقتصادية والسياسية، فتركتها للأوروبيين والصينيين يتنعمون بخيراتها بدون منغصات. ولكن حدث ما كانت تخشاه أوروبا والصين. لقد أفاقت أمريكا من سباتها، وأخذت تطالب بما تراه حقا لها، ولن ترضى بأقل من خيرات إفريقيا كاملة خالصة لها من دون العالمين، كونها القوة العظمى الوحيدة بدون منافس.

تسعى أمريكا جاهدة من أجل إعادة صياغة إفريقيا من جديد، بشكل يجعلها هي فقط المهيمن الأول على خيراتها ومناطق النفوذ فيها، بعد قرن كامل من تقاسم الأوروبيين لمناطق النفوذ والمواد الخام فيها، في وقت اكتفت فيه هي بعلاقات باردة مع أطرافها الشمالية. وتحقيقا لهذا الهدف، فإنه يتوجب عليها ليس فقط القضاء على النفوذ الأوروبي المهيمن على القارة فقط، بل عليها كذلك إبعاد الصين التي تغلغلت في الاقتصاد الإفريقي.

تستورد أمريكا حوالي 6% من احتياجاتها النفطية، وهذه النسبة سترتفع إلى 70% في غضون السنوات القليلة القادمة. لقد كانت تستورد 40% من حاجتها من منطقة الخليج العربي، و20% من إفريقيا. ولكن تشير الإحصائيات بأن هذه النسبة قد تتعادل في سنة 2010م، كما تؤكد الدراسات أن إفريقيا الغربية تحتوي على 40 مليار برميل من النفط، وهذا الرقم مرشح للارتفاع إلى الضعف.

ومع أن هذا الاحتياطي لا يقارن بالاحتياطي العربي، إلا أنه يبقى مغريا للولايات المتحدة. هذا النفط، مضافا إليه المحاولات الأمريكية الدءوبة للاستغناء أو التقليل من اعتمادها على النفط العربي، الذي لا تضمن واشنطن تدفقه الدائم إليها نظرا لاعتبارات سياسية كثيرة، يفسر لنا هذا الاهتمام المفاجئ من قبل الولايات المتحدة بهذه القارة.

ومن أجل إدخالها إلى بيت الطاعة الأمريكي، فقد سعت واشنطن جاهدة للسيطرة على المناطق الإستراتيجية فيها بالاحتلال المباشر لبعضها، وبإنشاء قواعد عسكرية دائمة في بعضها الآخر.

بلغ نصيب إفريقيا من الاستثمارات الصينية حوالي 14%، فقد استثمرت الشركات الصينية عشرات مليارات الدولارات في نيجيريا، والسودان، وأنغولا، لشراء حق استخراج النفط، إضافة إلى التوصل إلى العديد من اتفاقيات التنقيب مع الكونغو الديمقراطية، وأثيوبيا، كما وقعت اتفاقيات نفطية مع تشاد بعد أن طرد رئيسها شركة شيفرون الأمريكية.

إن للصين اليوم في إفريقيا أكثر من 150 مركزا تجاريا ومكتبا تمثيليا، وأكثر من مائتي شركة ومركز توزيع. وتقيم علاقات دبلوماسية وتجارية مع أكثر من 45 دولة إفريقية. وتوجت هذا النجاحات المبهرة في القارة السوداء بتوقيع اتفاقيات تجارية، بلغت قيمتها 40 مليار دولار خلال استضافتها للمنتدى التجاري الصيني الإفريقي في نوفمبر من العام الماضي.

ما كانت أمريكا لترى كل هذه المليارات تتطاير شمالا إلى أوروبا، وشرقا إلى الصين دون أن تحرك ساكنا. إنها حرب باردة أخرى من نوع جديد، تخوضها الأطراف المتحاربة كل حسب طريقته التي يراها مناسبة. الصين تحاول استمالة الدول الإفريقية عن طريق المعونات والقروض الميسرة، لإقامة تحالف اقتصادي سياسي قد ينشأ منه قطب عالمي جديد في المستقبل المنظور.

أما الطريقة الأمريكية فتعتمد على إخضاع الأنظمة الحاكمة في إفريقيا عن طريق اسطوانتها المشروخة التي تكررها في كل مكان ترغب التدخل فيه، من قبيل قضايا حقوق الإنسان، أو مكافحة الإرهاب، أو التهديد بالمحاكم الدولية لمن لم ينفذ أوامرها، أو التدخل العسكري المباشر بأي حجة كانت لاختصار الوقت.

يتبع >[line]

castle
04-05-2007, 09:27 AM
أينما وجدت مكانا إستراتيجيا في القارة، فاعلم أن أمريكا موجودة هناك، وذلك للمزيد من السيطرة على دول القارة. فمثلا لها قاعدة متاخمة لمنطقة البحيرات العظمى ومنابع النيل في أوغندا، ولها وجود في الساحل الغربي لتأمين خط أنابيب تشاد ـ الكاميرون، كما أبرمت اتفاقا مع دولة ساوتومي، التي تقع جنوب شرق خليج غينيا الغني بالنفط، والذي يصدر يوميا حوالي 5.4 مليون برميل يوميا، لإنشاء قاعدة عسكرية هناك.

ليس هذا فحسب، بل تعتزم أيضا إنشاء قوات طوارئ إفريقية، يصل عددها إلى 40 ألف جندي، لتكون قادرة على التدخل في جميع مناطق النزاعات في القارة. كما تعتزم وزارة الدفاع الأمريكية إنشاء قيادة خاصة للقوات الأمريكية في إفريقيا، لتعزيز مواقعها في القارة، وتعمل حاليا على اختيار موقع مناسب في إفريقيا للتمركز فيه.

وقد كانت شؤون القارة في السابق، مقسمة بين القيادة الأمريكية الوسطى المتمركزة في قطر، المسئولة عن القرن الإفريقي، وبين القيادة الأمريكية في أوروبا المتمركزة في ألمانيا، المسئولة عن باقي القارة. ولا ننسى كذلك قاعدتها الإستراتيجية في جيبوتي، والتي تمنحها مزيدا من السيطرة على منطقة القرن الإفريقي وممرات ناقلات النفط.

ختاما، أعلم أن لا فائدة من بث الروح في كلمات ميتة، لذا فإني لن أتحدث عن دور العرب في التصدي لهذه المخططات الاستعمارية الجديدة. لأن كلمات تقال بهذا الصدد هي كلمات ميتة، فالدور العربي تشبه أوصافه أوصاف الماء، فهو عديم اللون والطعم والرائحة، ويزيد عليه بأنه عديم الفائدة.


* باحث وكاتب سعودي

castle
04-05-2007, 09:59 AM
الجمعـة 17 ربيـع الثانـى 1428 هـ ،،، 4 مايو 2007

مأزق الفكرة القومية في وجه الكيانات القطرية

عبدالإله بلقزيز

الحياة
لم نَخرُج من تجربة المحاولات المتكررة لبناء وحدةٍ عربية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين بحصيلةٍ تُذكر، حتى لا نقول خرجنا بحصيلةٍ صفرية تختصرها وتعبّر عنها سلسلة الإخفاقات المتعاقبة التي مني بها مشروع التوحيد في وجهيهِ القومي والاقليمي. وباستثناء بقاء فكرة الوحدة مترددّةً في النصوص وفي النفوس وصمودها في وجه مفاعيل الإخفاق وخطابات الانكفاء ودعوات التحبيط، لم نرث من تاريخ تجربة التوحيد العربي سوى ذلك الإطار المؤسسي للتعاون الاقليمي العربي الذي حمل اسم جامعة الدول العربية ونجح في مقاومة الزمن وعوامل الفُرقة والشقاق في المجال العربي. وهذا ما يبدو وكأنه أشبه بالمفارقة في تجربة الفكرة القومية ومشروع التوحيد العربي.

أما وجهُ المفارقة في المسألة، فمرده الى أن جامعة الدول العربية لم تكن تترجم - حين ميلادها - أيّاً من الأهداف التي رسمها الفكر القومي العربي والحركة السياسية (القومية) في المسعى نحو تحقيق الوحدة العربية. فهي عُدَّت، عند آباء الفكرة القومية، إطاراً اقليمياً مصروفاً - من جهة بريطانيا على الأقل - لأداءِ وظيفةٍ سياسية هي امتصاص فكرة الوحدة العربية ومنعها من التحقق في صورة دولةٍ قومية عربية موحَّدة. وهي من وجهٍ ثانٍ عُدَّت عندهم (أي القوميين) مجرَّد كيانٍ للتعاون والتنسيق لا للتوحيد. وهي من وجهٍ ثالث تضفي شرعية عربية جماعية على مفاعيل التجزئة الكيانية للوطن العربي وعلى الدولة القطرية. وهي من وجهٍ رابع تضع في حوزة الدول القطرية موارد جديدة لتقوية نفسها وتغذية وجودها. ثم انها، من وجهٍ خامس، واقعة تحت سلطان نُظُم سياسية يتهمها القوميون الوحدويون بأنها ضدّ مشروع الوحدة العربية.

لكن مَكرَ التاريخ قَضى بأن لا يبقى على قيد الحياة من ميراث عربيّ فوق - قطريّ غير جامعة الدول العربية. ثم لم تلبث التطورات السياسية الجديدة - منذ مطلع هذا القرن - مثل الهجوم المعاكس على المنطقة العربية بنُظُمٍ اقليمية بديلة وبرانيّة (كالنظام الشرق أوسطي والنظام المتوسطي)، أو مخاطر التقسيم والتجزئة المضاعفة التي باتت تُحدق بالدول الوطنية (=القطرية) نفسها نتيجة الصراعات الأهلية والفتن الداخلية المُهندسة والمُدارة من خارج، لم تلبث هذه التطورات أن زادت في معدَّل الشعور بالحاجة الى هذه الجامعة اطاراً يحفظ للعرب ما تبقى من روابط ووشائج بينهم بعد أن عزَّ تحقيق ما هو أكثر من ذلك وبعد أن خِيفَ على اهدار ما تبقى من مكتسبات علاقةٍ بينهم.

لماذا فشلت مشاريع التوحيد القومي وبقيت جامعة الدول العربية حيّة؟

الأسبابُ التي قضت بفشل مشاريع الوحدة هي عينُها الأسباب التي سمحت للجامعة بالبقاء والاستمرار، وأهمها وأساسها «المقدس السياسيّ» الذي مثلته الدولة الوطنية (=القطرية) لدى نخبها السياسية ولدى جمهورها الاجتماعي. نيل من هذا «المقدّس» في الفكر القومي ولدى القوى السياسية التي حملت مشروع الوحدة العربية حين نُظِرَ الى مشروع التوحيد العربي بصفته نقضاً وهدماً للكيانات القطرية الناجمة عن التجزئة. أما جامعة الدول العربية، فأتت تعترف بذلك «المقدّس» والسياسي وتتعايش معه وتعمل من خلاله وفي نطاق أحكامه الكيانية والسياسية. لذلك ووجهت مشاريع الوحدة بممانعة الوطنيات الخائفة من الذوبان فيها، بينما وفر ميثاق الجامعة لها فرصة طمأنة تلك الوطنيات على استقلاليتها.

لسنا معنيين بالدفاع عن هذا «المقدس السياسي» الذي تمثله الكيانات القطرية بالنسبة الى نخبها السياسية وكثير من مواطنيها، ولا حتى بتبريره أو التماس الأعذار له، لكننا نعتقد جازمين بأن القوميين العرب أخطأوا كثيراً تقدير قوة الدولة الوطنية (=القطرية) ومقدار ما باتت تتمتع به من شرعية واقعية حين استسهلوا امكانية الغاء وجودها في سياق عمليةٍ من التوحيد ينشأ عنها كيانٌ جديدٌ أعلى. وينبغي - هنا - أن نفهم معنى عبارة «قوة الدولة القطرية» على نحوٍ شاملٍ ودقيق. فليس القصد منها فقط ان هذه الدولة باتت أمراً واقعاً يعترف به القانون الدولي وقد يحميه عند الضرورة تحت الفصل السابع (كما حصل ضدّ العراق في العام 1991). وليس القصدُ منها فقط أنها أصبحت تملك جيشاً تدافع به عن نفسها ضدّ مَنْ أو ما يهدّد وجودها، أو أنها طوَّرت في داخلها السياسيّ والاجتماعي ديناميات للتجدُّد في أطرها الكيانية دونما شعور بأنها تفتقر الى غيرها... الخ، وانما القصد انها باتت تتمتع بشرعيةٍ سياسية داخلية: من المجتمع، وحتى من النخب السياسية والفكرية (القومية والإسلامية) التي رفضت في ما مضى اعتبارها وطناً نهائيّاً.

تلك الشرعية هي مصدر قوتها الأكبر، وهي ما تتغذى به ممانعتُها ضد أي شكلٍ من أشكال اهدار وجودها، حتى ولو كان ذلك الاهدار تحت عنوانٍ قومي توحيدي. ونحن لا نستطيع أن نفهم، اليوم، حركة الانفصال في العام 1961 (ومن دون أن نبرّرها طبعاً) من دون ادراك فاعلية الوطنية السورية في وجه عملية التوحيد الناصرية، ولا نستطيع أن نفهم أزمة العلاقات اللبنانية - السورية من دون الانتباه الى رسوخ فكرة الوطنية اللبنانية في وجه علاقةٍ تخشى تلك الكيانية اللبنانية من تذويبها. وقس على ذلك من أنواع الوطنيات المستنفرة ضد توحيد يُلغيها.

هل هو نقص في قومية تلك الوطنيات؟ لنقُل - بالأحرى - انه نقصٌ في وعي القوميين برسوخ الشعور الوطني في تلك الكيانات القطرية، وبالحاجة الى طمأنته بأن التوحيد ليس الغاءً للوطنيات بل جمعٌ لها يحافظ على كيانيتها في اطار علاقةٍ اتحاديةٍ جديدة: طوعية وديموقراطية ومتوازنة. وهي علاقة ينبغي أن تستفيد من تجربة جامعة الدول العربية ومن قدرتها على البقاء، ولكن في أفق تطويرها الى حيث تفتح الطريق أمام نظامٍ اقليمي تعاوني حقيقي يصبح مدخلاً نحو اتحادٍ عربيٍ على مثال الاتحاد الأوروبي.

* كاتب مغربي.[line]
حنظلة العربي

كوكب الوادعي

الوطن
لم يراع مواطن بريطاني حقوق كلبه فلم يهتم بأكله الصحي وكانت النتيجة زيادة وزنه وبالتالي لم يعد قادراً على الحركة مما حدا بالقضاء البريطاني إلى مقاضاة صاحب الكلب.
ونهنئ بلاد الفرنجة على ما وصلت إليه من رقي في حفظ حقوق مواطنيها وحماية حيواناتها من أي انتهاك.
وقد يعترض البعض ويقول عن أية حقوق نتكلم، وحقوق المواطن العربي والمسلم تنتهك في تلك البلدان ويعاملون كمواطنين درجة ثانية وخاصة في ظل القوانين الصادرة مؤخراً لمكافحة الإرهاب.
وأتفهم وجهة النظر هذه ولكن علينا أن نكون واقعيين ولا نجادل هذه البلدان في الوسائل التي تتخذها لحماية أمنها وشعوبها.
والأحرى بنا أن نتساءل عما وصلت إليه الحقوق والحريات في الوطن العربي وما وفرته الحكومات لشعوبها.
لماذا لا يحصل المواطن العربي إلا على النزر اليسير من حقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من الحقوق؟؟.
وفقاً لنظرية الحاجات الاجتماعية لدى عالم النفس الشهير ماسلو الذي حددها بخمس حاجات ووضعها على شكل هرم متدرجة ومرتبطة ببعضها, فلن يصل الإنسان للمرحلة التي بعدها إلا إذا أشبعت التي قبلها.
فهناك الاحتياجات الأساسية كالأكل والشرب والمسكن والجنس إذا تحققت سعى الإنسان إلى ما بعدها وهي حاجة الأمن والطمأنينة, وعندما تشبع ينتقل إلى التقبل الاجتماعي والحب والانتماء للجماعة, وبعد الحصول عليها يسعى إلى إشباع حاجته للاحترام والتقدير والقبول والاستحسان من الآخرين وبعد إشباع كل ما سبق يصل إلى قمة الهرم بتحقيق ذاته ومثله العليا.
وإذا طبقنا هرم ماسلو على شعوبنا العربية سنجد أنها مازلت قابعة في أسفل الهرم فمازالت الأغلبية العظمى تجري وراء احتياجاتها الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وسكن وزواج, ويبذلون كل طاقاتهم وقدراتهم من أجل تحقيقها ولا يصلون إليها إلا بشق الأنفس.
فمن الطبيعي أن يدير المواطن العربي ظهره متجاهلاً الكثير من الحقوق التي يجب أن تعطى له في بلده, ومن سعى ليجتاز السلم الهرمي ويشبع بقية حاجاته حزم حقائبه مهاجراً بحثاً عنها في البلدان الأوروبية والأمريكية آملا أخذ جنسية تلك الدول ليطالب بحقوق المواطنة.
من المؤلم أن تظل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية تطبل للحملات الانتخابية في تلك البلدان وعمل زفة لذلك المرشح الذي يذوب حباً في العرب بينما منافسه يكن البغض والعداء لكل ما هو عربي, وكأن التغيير والحصول على الحقوق العربية المهدورة لن يأتيا إلا عن طريق قصر الإليزيه وبرمنجهام والبيت الأبيض.
وكأن صعود هؤلاء المرشحين سيحرر الأراضي العربية ويعم السلام والرخاء المنطقة وبوصولهم إلى سدة الحكم سيتم القضاء على الفقر والأمية والبطالة التي تعم المنطقة العربية.
حنظلة العربي مازال يتجرع الحنظل ويدور في دوامة الجهل والفقر والصراعات المذهبية والطائفية, وتسيطر عليه السلبية, ويشعر بالهزيمة والقهر, وتوقف عقله عن التفكير بحقوق المواطنة وواجباتها والمطالبة بوجود مؤسسات ديمقراطية تنعم بالحريات والحقوق الإنسانية. [line]

castle
07-05-2007, 06:24 AM
الاثنيـن 19 ربيـع الثانـى 1428 هـ ،،، 7 مايو 2007

ثمن الضعف

مأمون فندي

الشرق الاوسط

نشكو كثيرا من عنجهية الإمبراطورية الأميركية وتدخلها في شؤون المنطقة، ونطالب أميركا بالانسحاب من العراق، وتطالبها إيران بالانسحاب من الشرق الأوسط برمته، ذلك لأننا ندفع ثمن القوة، ترى من سيدفع ثمن الضعف؟

المشهد الاستراتيجي الإقليمي، كما رسمته حركة المؤتمرين في شرم الشيخ الأسبوع الفائت، يوحي بضعف أميركي واضح، إذ أن وزيرة الخارجية الأميركية هي التي كانت تتحين الفرصة للحديث مع الوزير الإيراني منوشهر متكي، وان الرجل هو الذي خرج من الحفل الموسيقي بدعوى خلاعة فستان إحدى العازفات. الحقيقة هي أن متكي كان يتجنب لقاء رايس.. ولكن كيف وصلت إيران ووزير خارجيتها إلى هذا الحد من الغرور؟

من خلال تعاملهم مع الأميركيين على الأرض في البصرة، ومن خلال تعاملهم مع الأوروبيين في الملف النووي، كان الانطباع الإيراني أن أميركا محدودة القدرات، وأنها لا تمتلك أدوات لحسم الموقف في العراق، ومواجهة الجماعات الانتحارية والميليشيات الممولة إيرانيا. أميركا غير قادرة على الذهاب إلى العنوان الرئيسي للهجمات، وهو طهران وليس البصرة أو الكوفة. الضعف الأميركي يجعل الإيرانيين يشتمون رائحة الدم ويدفعون بفرق الموت إلى الميدان، فهل سيهرب الأميركيون من المواجهة، أم أن لديهم أوراقا أخرى سيلعبونها غير محاصرة إيران دبلوماسيا؟

في تعامل إيران مع الأوروبيين، تكون لديها انطباع بأنها تتعامل مع مجموعة رخوة من الدول تسمى بالاتحاد الأوروبي، ورغم أن أوروبا تصوت ضد إيران في مجلس الأمن، إلا أن هناك جزءا كبيرا من النخب المثقفة الأوروبية، وربما الحاكمة، تدفع باتجاه الانفتاح نحو إيران.

في الوقت الذي كانت فيه كوندي رايس في شرم الشيخ تحاول أن ترسم للعالم صورة إيران المتشددة والمتهربة من اللقاءات الدبلوماسية والرافضة لأي حوار، كان نائب وزيرة الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز في لندن، يحاول إقناع المجموعة الأوروبية بإغلاق البنوك والقروض في وجه التجارة الإيرانية، وكذلك محاصرة إيران اقتصاديا وماليا، وأتيحت لي فرصة لقاء بيرنز والاستماع إليه في لندن، حيث قضى الرجل يوما كاملا في لندن يتحدث في أكثر من مكان مشددا على خطورة إيران، لم يكن مقنعا للأوروبيين بالشكل الذي يرضاه هو. كان كل حديثه عن صيغة التعاون الأوروبي الأميركي الجديد، ولكن بيرنز الذي كان سفيرا لأميركا لدى الناتو في بروكسل، لا يعرف أوروبا السياسية بقدر معرفته لأوروبا الأحلاف العسكرية.

المهم في كل هذا، أن الخارجية الأميركية تسعى بكل ما لديها لمحاصرة إيران، في الوقت الذي تبدو فيه جادة لفتح حوار معها.

لقاء كوندوليزا رايس بوزير الخارجية السوري وليد المعلم في شرم الشيخ، هو محاولة أميركية أخرى لعزل إيران حتى عن أقرب حلفائها، رغم أن الحوار لم يأت على ذكر هذا العزل، ولكن مجرد لقاء رايس بالمعلم وعدم اللقاء بمتكي هو بداية لخلق هذا الشرخ.

الناظر إلى كل هذا لا تفوته ملاحظة الضعف الاميركي عسكريا ودبلوماسيا، والضعف أحيانا أخطر بكثير من القوة، فالقوة يمكن إدارتها وترشيدها، لكن الضعف يدعو في كثير من الأحيان إلى تصرفات متعجلة من أجل إنقاذ سمعة أو الحفاظ على دور. أميركا اليوم تقترب من عقلية طهران، فليس بالضرورة أن ترسل فرقا انتحارية أو أن تعمل على إيجاد وحدات انتحارية بين جنودها، لكن قراراتها تبدو قريبة من عقلية العمليات الانتحارية، فقد نرى الولايات المتحدة تتخذ إجراء عسكريا صارما ضد إيران حتى تنقذ سمعتها في المنطقة.

على لوحة الشطرنج الإقليمية اليوم، لا تشاكس إيران أميركا فحسب، لكنها (تغزو) أيضا الدول العربية في عقر دارها، فإيران عنصر حاسم في الملف اللبناني، وهي تتحكم في خالد مشعل المقيم في دمشق، كما أنها لاعب أساسي في العراق والبحرين.. عينها ليست على الجوار، كما يتصور البعض، ولكنها على اللاعب الأميركي الذي يسعى الإيرانيون إلى ان يفضي تفاوضهم معه في يوم ما إلى اعتراف أميركي بالهيمنة الإيرانية على الخليج، أو في أسوأ الأحوال القبول بدور محوري لطهران في رسم السياسات الإقليمية.

ومع هذا، فإيران ليست بالقوة التي تدعيها، فهي مجتمع ينخر فيه السوس من الداخل، وهو نظام يحاول أن يخلق من المواجهات الخارجية، شعبية داخلية تقوي الجبهة الداخلية وتنقذ النظام كلما اقترب من الورطة أو تنازعته شروخ داخلية.

المشهد الاستراتيجي ببساطة هو أن إيران تدعي قوة غير موجودة وتمارس سياسات قد تؤدي في القريب العاجل إلى مواجهة.. وعلى الجانب الآخر، نرى أميركا تتخبط سياسيا في الداخل وليست لديها استراتيجية إقليمية للأمن، وقد يدفعها ذلك أيضا إلى سلوك عدواني أو إلى البحث عن مخرج استراتيجي.. العراق هو ساحة اللعب الاستراتيجي، وقد تتسع هذه الرقعة لتشمل المنطقة بأكملها.

إذا ما قرر الأميركيون الانسحاب المفاجئ من العراق، نتيجة لضغط داخلي وعالمي، فإن فراغا استراتيجيا سوف يحدث بالتأكيد، ولن يملأ هذا الفراغ في العراق سوى إيران، لأن الدول العربية غير مهيأة للقيام بذلك.

العرب قادرون في لحظة الضعف الأميركي ان يرسموا تصورا للأمن الإقليمي كورقة بديلة تضع إيران في حجمها، وقد تمثل طوق النجاة بالنسبة للأميركي المأزوم. الفرص سانحة من أجل عمل عربي جاد، لكن المشكلة اليوم هي أن الرباعية العربية المتمثلة في مصر والسعودية والإمارات والاردن، التي تقوم بهذا العمل العربي الجاد، قد أصبحت هدفا لسهام مسمومة من الميليشيات الإعلامية العربية، التي لا شغل لها سوى الابتزاز.

كما أن التنسيق السعودي ـ المصري، الذي هو في نظر أي محلل محايد المنقذ للوضع العربي في هذه المرحلة، يخضع لابتزاز الميليشيات الإعلامية ذاتها، فمن يقرأ بعض الصحف المصرية اليوم، لا تفوته غمزات مثل «الدور»، أو كيف أن السعودية خطفت المكانة الإقليمية لمصر، إلخ.. إذن، داخل هذه الدول التي تسعى لإنقاذ التدهور العربي، معاول إعلامية هدامة تقدم نفسها على أنها أصوات وطنية.. في الصحافة المصرية اليوم (لوبيات) كاملة متكاملة، فهناك اللوبي الإيراني بمفكريه وكتابه وصحافييه، وهناك اللوبي الليبي الكاره لأي تنسيق سعودي ـ مصري، وهو اليوم الأعلى صوتا في القاهرة.

إذن، ما العمل؟

أمام الدول العربية، مصر والسعودية تحديدا، فرص لطرح تصور للأمن الإقليمي دونما خجل، تصور يسمي المنطقة العربية باسمها، أي لا دور لإيران أو إسرائيل فيها، منطقة عربية تتعامل مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة كند لا يقل عنهما، خصوصا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى عملية إنقاذ عاجلة.. أما أن تخجل الدول العربية من إيران، أو أن يبتزها اللوبي الإيراني المسيطر في بعض العواصم العربية، فإن ثمن الضعف الأميركي سيكون سيطرة إيرانية على مقدرات الخليج.
[line]
صـــور المســـتقبل المصـــري

د‏.‏ عبد المنعم سعيد

الاهرام

لن تذهب إلي مكان يتجمع فيه جمع من المثقفين‏,‏ أو ساحة يحضرها جماعة من رجال الفكر والسياسة‏,‏ أو مناسبة يلتقي فيها من يلتصقون بالشأن العام بشكل أو بأخر‏,‏ إلا وسوف تجد السؤال عن مستقبل مصر حاضرا وملحا وصريحا في معظم الاحوال‏:‏ هو احنا رايحين فين؟ تلك هي المسألة التي تطرح بكل ما فيها من شك‏,‏ وأحيانا بما فيها من اتهامات عن الغموض في حياتنا سواء كان مقصودا أو غير مقصود‏,‏ ويجب أن اعترف انني كثيرا ما شعرت بالمفاجأة ـ رغم التكرار ـ كلما جاء السؤال‏,‏ وفي احوال كثيرة لم يكن التفكير بحثا عن اجابة‏,‏ وانما ذهب الفكر إلي ما وراء السؤال من اجابات يعرفها السائل‏,‏ وبرغم ذلك تظل قضية المستقبل المصري علي اصالتها الخاصة‏,‏ ولايمكن لمجتمع ان يتطور‏,‏ ويبحث في وسائل تطوره ويحسنها‏,‏ مالم يكن لديه صورة ما عن الدولة والمجتمع الذي يريد الوصول إليه‏,‏ وصورة ما عن الحاضر ومايجري فيه اقترابا أو ابتعادا عن الهدف‏,‏ ولعل مشكلة السؤال الكامنة ليست معرفة الاجابة‏,‏ وانما اختيار واحدة من الاجابات المطروحة علي الساحة المصرية‏,‏ ففي الحقيقة فإنه لاتوجد لدينا صور واحدة عن المستقبل المصري‏,‏ وانما مجموعة من الصور التي تختلط فيها الأمال والطموحات بالأحلام والكوابيس‏.‏

وقبل أن ندلف إلي قراءة في هذه الصور‏,‏ فربما يكون مفيدا ان نطرح المنهج الذي سوف نتبعه‏,‏ وهو في الحقيقة ذات المنهج الذي نستخدمه في مقالات هذه الصفحة أو في غيرها‏,‏ فلا توجد خشية هنا من التعليق أو إبداء الرأي في مقالة أو آراء مكتوبة لكاتب أو لحزب او جماعة‏,‏ وفي هذه الحالة فإننا نلجأ إلي التخصيص وتحديد العنوان واسم صاحب الاتجاه بصراحة‏,‏ وساعتها فإن واجبنا ان نحدد مانرد عليه في نصوص ومقتطفات لا لبس فيها ولا التفاف‏,‏ اما اذا كان ما نعرض له نموذجا للتفكير فإننا في هذه الحالة نلجأ كما يفعل الاكاديميون إلي ما يسمي النموذج المثالي أو النمط الصافي أو باللغة الانجليزية‏IdeelType‏ وفي هذه الحالة يمكن الجمع بين أكثر من رأي وموقف‏,‏ وعلي سبيل المثال فإنني عندما طرحت في هذا المكان قضية الاصولي الذي يصبح ديمقراطيا ويضرب الأمثلة من الدول الديمقراطية‏,‏ ويتمسح بجدران الكونجرس ويقف علي ابواب قصر الإليزية‏,‏ ويستعير من تجارب أوكرانيا وموريتانيا‏,‏ وعما اذا كان ذلك يعبر عن توجه اصيل نحو الديمقراطية‏,‏ فقد كان النموذج الذي بنيته متعدد الأركان بما كان فيه من مقال لكاتب‏,‏ ومواقف لقادة في التيار الإسلامي عبروا عنها في مقابلات صحفية وتليفزيونية‏,‏ ومواقف لتيار جماعة الاخوان المسلمين في مجلس الشعب وفي الرد علي بيان الحكومة‏,‏ وفي هذا النموذج المطروح لم يكن هناك مهاترة تبحث عن مدي التدجين السياسي أو مدي الهوي الأمريكي أو الايراني‏,‏ وانما كانت هناك مناظرة حول أصالة الفكر الديمقراطية لدي نموذج فكري ذائع في بلادنا وممتليء بالتناقض السياسي والتهافت الفكري وعاجز تماما عن مواجهة القضية في قلبها وليس في حواشيها وهوامشها‏,‏ وفي النهاية فإن هذا المنهج هو ما نستخدمه سواء كان الموضوع متعلقا بجماعة الاخوان المسلمين ـ المحظورة‏,‏ والمشروعة معا ـ أو الجماعة الليبرالية المصرية‏,‏ أو الحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ فلا نستثني احدا ولانستبعد من الوقوع في دائرة التساؤل والمساءلة‏!‏

مثل هذا المنهج سوف نتبعه في البحث عن صور المستقبل المصري‏,‏ وهو منهج لايضع القضية منذ البداية علي كتف الحكومة أو الحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ ولكنه يضعها كما يجب أن تكون علي عاتق الجماعة السياسية والفكرية في البلاد وبعضها واقع في الحكم وبعضها مقيم في المعارضة‏,‏ وكما هو متوقع توجد جماعة حائرة بين الطرفين ولها رؤيتها الخاصة لمستقبل الدولة‏,‏ فهي ذات الجماعة التي لاتكف عن طرح السؤال‏,‏ ولكنها لاتريد تحمل مسئولية الاجابة‏,‏ وهي المحملة بالشك وهي تبحث عن اليقين‏,‏ وهي التي لاتكف بحثا عن المستقبل بينما موضوعها في الحقيقة هو الحاضر‏.‏

تعالوا في البداية نبحث عن نموذج صورة المستقبل والطريق الموصل إليه لدي المعارضة السياسية في مصر‏,‏ وسوف نجد صورا متعددة للبلد التي نريدها‏,‏ فدولة الاخوان الايمانية تختلف عن دولة الناصريين المناضلة وهذه وتلك بعيدة بعد السماء السابعة عن الدولة الديمقراطية التي يريدها الوفديون وأعضاء حزب الغد‏,‏ وبالتأكيد فإن هناك صورا للمستقبل المصري حسب عدد اعضاء حركة كفاية الذين يعدون بالمئات‏,‏ وفي هذه الصور المختلفة سوف تجد اشباحا هائمة لشخصيات فيها الخميني والترابي وحسن البنا واحيانا اسامة بن لادن‏,‏ وبارز فيها سعد زغلول ومصطفي النحاس وحتي نصل إلي جمال عبدالناصر وصدام حسين وميشيل عفلق‏.‏

ولكن هذه الصور المتعددة‏,‏ والمتنافسة في احيان والمتناقضة في احيان أكثر‏,‏ سرعان ما تختفي ولايبقي منها إلا رؤية للحاضر لاتعرف ابدا كيف سوف ينجلي عنها الوصول إلي الهدف المطلوب والصورة المزعومة‏,‏ فرغم المنافسة والتناقض سوف تجد مجموعة من التعبيرات الذائعة التي يتفق عليها الجميع في الصحافة ومجلس الشعب والفضائيات التليفزيونية‏,‏ فهناك ازمة في البلاد‏,‏ وحالة من الاحتقان واتجاه نحو الاستقطاب وتصاعد في العنف وباختصار اتجاه نحو كارثة من نوع أو آخر‏,‏ وقد بلغت هذه التصورات حول المستقبل القريب لمصر من القوي حتي باتت هي اللغة المستخدمة في الفضائيات العربية‏,‏ بل إن بعضا من الصحفيين والمراقبين الدوليين بات يستخدمها باعتبارها المعبر عن الاحوال المصرية‏.‏

المدهش في الموضوع انه في الوقت الذي يسود هذا التصور وبزخم كبير داخل المعارضة المصرية فإن اعداد السائحين تتدفق علي مصر كما لم يحدث في تاريخها من قبل حتي وصلت لأكثر من ثمانية ملايين سائح‏,‏ وفي العام الماضي وحده اقبل علي مصر من الاستثمارات الأجنبية ما يفوق ما جاءها خلال عقد التسعينيات كله‏,‏ وخلال العامين الأخيرين فإن هناك تصويتا بالثقة من قبل المؤسسات الدولية المالية والاقتصادية في الأحوال المصرية‏,‏ فهل بلغ العبط بكل هؤلاء مبلغا يجعلهم لايعرفون الاحوال المصرية علي حقيقتها‏,‏ فلم يعرف من قبل ان السائحين والمستثمرين والمؤسسات الدولية كانت بمثل هذا الجهل فعندما جرت ازمة مظاهرات الخبز خلال السبعينيات‏,‏ وازمة الأمن المركزي خلال الثمانينيات وازمة الإرهاب خلال التسعينيات كان كل هؤلاء يولون الادبار ويتركون مصر وحدها لمواجهة الازمة أم ان المسألة هي أن تعبير الازمة والاحتقان والانفجار لاينطبق علي الأوضاع الراهنة وأن هناك امرا آخر لايريد أحد تعريفه أو التعرف عليه لأن مصر أكبر وأعقد من ذلك النوع من التوصيفات الجاهزة‏.‏

هذه التوصيفات ـ علي أية حال ـ تقوم علي مجموعة من الادعاءات الجاهزة‏,‏ أولها‏:‏ أن مصر كانت دولة ديمقراطية طوال تاريخها حتي جاءها العصر الحالي علي مدي الربع قرن الأخير ففصل لها نظاما خاصا مستبدا‏,‏ وثانيها‏:‏ أن مصر كانت دولة غنية غارقة في غناها ومواردها الفائضة حتي جاءها النظام السياسي المعاصر فأحال غناها فقرا وقوتها ضعفا‏,‏ وثالثها‏:‏ ان مصر كان لها دوما دور اقليمي نافذ ومؤثر حتي وصلت إلي وقتنا هذا فشحب دورها وتراجعت مكانتها‏,‏ وبالطبع فإن أيا من هذه الادعاءات الثلاثة ليس له اساس من الصحة‏,‏ فعلي مدي أكثر من خمسة آلاف عام من التاريخ المصري المكتوب لم تعرف مصر الديمقراطية‏,‏ ولا عرفت تقاليدها‏,‏ ولاذاعت فلسفتها بين مفكريها‏,‏ وحتي بالنسبة لما عرف بالفترة الليبرالية في التاريخ المصري ـ‏1923‏ حتي‏1952‏ ـ فإن مصر لم تعرف انتخابات نزيهة إلا في سبع سنوات منها‏,‏ وباستثناء انتخابات عام‏1950‏ فإن أقلية من الشعب المصري كانت هي التي تشارك في الانتخابات‏,‏ وفي وسط هذه الفترة برزت أكثر التيارات المصرية فاشية‏,‏ ومن رحمها خرج نظام يوليو الذي لم يصل إلي الديمقراطية السليمة أو غير السليمة قط‏.‏

وفي الغالبية الساحقة من التاريخ المصري كانت الدولة المصرية دولة فقيرة‏,‏ وعلي مدي أكثر من ثلاثة آلاف عام منذ منتصف الألفية الثالثة من التاريخ المصري كانت مصر تعاني من الفقر الذي جعل عدد سكانها يتآكل من قرابة عشرة ملايين نسمة حتي وصلت مع مطلع القرن التاسع عشر إلي مليونين ونصف المليون من الفقراء والمعدمين‏,‏ وكان الطلب الأساسي للساسة والمفكرين المصريين في الأيام السعيدة السابقة علي ثورة يوليو المجيدة هي القضاء علي الفقر والجهل والمرض‏,‏ وكان الهدف الاسمي للمرشحين للمجالس النيابية هو القضاء علي الحفاء أما بعد الثورة وحتي وفاة عبدالناصر فقد كانت الغالبية الساحقة من المصريين لايزالون من الفقراء وغير المتعلمين‏,‏ بل إن واحدة من مآسي الثورة كانت وجود‏4‏ ملايين من عمال التراحيل الذين كانوا يعيشون في ظروف أقل من انسانية‏,‏ ولايختلف الأمر كثيرا عند الحديث عن دور مصر الاقليمي‏,‏ فلم يكن هذا الدور قدرا لمصر علي مدي ثلاثة آلاف عام من الفقر والغزو الأجنبي علي اختلاف اشكاله ومنابعه‏.‏

وهكذا فإن الحديث عن الازمة والاحتقان وانتظار الكارثة القادمة يستند إلي ادعاءات غير منضبطة وتحتاج إلي كثير من المناقشة‏,‏ ولكن ـ عزيزي القاريء ـ اذا شعرت بنوع من العجب عند النظر لصورة المستقبل لدي المعارضة المصرية‏,‏ فانتظر حتي تتعجب أكثر عندما تنظر في صورة المستقبل لدي الحزب الوطني الديمقراطي‏!‏

‏amsaeed@ahram.org.eg‏[line]
بان كي - مون لـ«الحياة»:

المحادثات بين دمشق وواشنطن مشجعة . ونتمنى أن تشمل طهران .

الإجماع اللبناني على المحكمة ضروري وعلى إيران أن تستغل نفوذها في المنطقة للعب دور يخدم الاستقرار
الحياة

شدد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون على ضرورة التركيز على الإجماع اللبناني لإقرار المحكمة الدولية لقتلة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، لكنه أعرب عن شعوره بـ «قلق بالغ» لتعثر جهود التقريب بين الأفرقاء اللبنانيين. وقال كي - مون خلال مقابلة مع «الحياة» التي رافقته على متن طائرة سعودية أقلته من شرم الشيخ إلى نيويورك عقب مشاركته في المؤتمر الدولي حول العراق ورئاسته مؤتمر «العهد الدولي» مع نائب رئيس الوزراء العراقي برهم صالح، إن على إيران أن توظف نفوذها في لبنان والعراق للعب دور بناء يحقق السلام والاستقرار.

وكشفت المقابلة جانباً لا يعرفه كثيرون من شخصية الأمين العام الكوري المتحفظة، خصوصاً مع إصراره على رفض الإجابة على أسئلة كثيرة أو اتخاذ مواقف حاسمة. وفي ما يأتي نصها:

> عقدت في شرم الشيخ لقاءات عدة مع وزراء خارجية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ووزيري الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل والألماني فرانك فالتر شتاينماير والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. مع مَن بحثت في الموضوع اللبناني؟

- بحثت في موضوع لبنان مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ونظيريها السعودي والألماني وغيرهم. وكان الموضوع اللبناني أحد أبرز المواضيع التي تناولتها في لقاءاتي، على رغم أن موضوع دارفور كان الموضوع الأهم الذي ناقشته مع الجميع.

> وماذا بعدما أبلغ وكيلك للشؤون القانونية نيكولا ميشال مجلس الأمن أن جهوده للمساعدة في العملية الدستورية اللبنانية لإبرام معاهدة إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي وصلت إلى طريق مسدود. هل تحدثت مع الوزراء عن إصدرا قرار إنشاء المحكمة من مجلس الأمن تحت الفصل السابع؟

- لم أبحث تحديداً في الفصل السابع. بحثت مع وزيرة الخارجية الأميركية وعدد آخر من وزراء الخارجية في أنه ما زال ضرورياً للشعب اللبناني التركيز على تعزيز الإجماع الوطني. وتعهدت من جهتي بأن أساعد في ذلك.

> لكن ميشال وصل إلى استنتاج مفاده أنه بذل قصارى جهده وتبين له أن لا مجال وأن الطريق مسدود.

- أنا أيضاً أشعر بقلق بالغ من هذا. لكن السبيل الذي نرغب فيه أكثر من غيره لحل هذه القضية هو تشجيع الشعب اللبناني على الوصول إلى إجماع.

يتبع >[line]

castle
07-05-2007, 06:43 AM
> وكم من الوقت ستمنح هذا السبيل، علماً بأن ميشال قدم حصيلة زيارته إلى مجلس الأمن في تقرير يفترض أنه تقريرك؟

- أنا لم أقدم تقريري بعد. هذا تقرير السيد نيكولا ميشال. وقد يتعين عليّ أن أقدم تقريراً إلى مجلس الأمن.

> هل تعني تقريراً تقول فيه إن هناك حاجة إلى مزيد من الوقت قبل أن يتحرك مجلس الأمن، أو أن الأمر يعود إلى المجلس بعدما وصل ميشال إلى استنتاجاته؟

- سأبحث في الأمر مع قادة المنطقة مجدداً، مع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، وربما أيضاً مع الرئيس السوري بشار الأسد على الهاتف، ومع أعضاء مجلس الأمن.

> وماذا يدور في ذهنك لجهة الإطار الزمني؟

- أعرف أن عدداً من الدول في مجلس الأمن لا يفكر في (إمهال جهود التسوية) بضعة شهور. لكن لا يوجد إطار زمني محدد في هذا المنعطف. غير أنني أعرف أيضاً أن مستوى الصبر يهبط، مع توصل كثيرين إلى استنتاج مفاده أن الوضع وصل إلى حائط مسدود.

> يبدو أن صبر الولايات المتحدة وفرنسا نفد كلياً، إذ أنهما، حسب ما يبدو، بدآ التحرك نحو استصدار قرار بموجب الفصل السابع يقر إنشاء المحكمة. هل أنت ضد ذلك؟ هل تعارضه؟

- لست في وضع يمكنني من قول أي شيء حول ما سيفعله مجلس الأمن في هذه المسألة. بالطبع، سأستمر من جهتي في التشاور مع أعضاء المجلس، وسأرى كيف سيتطور الوضع. وأنا أعلم بتحركات أعضاء معنيين في مجلس الأمن.

> تعتقد بأن هذا التحرك سابق لأوانه؟

- لن أضفي صفات على وضع كهذا.

> عندما بحثت موضوع لبنان مع وزيرة الخارجية الأميركية، هل اتفقتما على شيء معين بخصوص الخطوات اللاحقة التي ترافق نفاد الصبر؟

- شرحت لها ما سأفعله في المستقبل القريب لأساعد الشعب اللبناني في التوصل إلى المصالحة الوطنية. وكيف أنني اعتزم العمل المتواصل في هذا الأمر.

> كيف؟ ماذا ستفعل؟

- سأعقد اجتماعات وأجري اتصالات هاتفية.

> تقصد أنك تنوي العودة إلى لبنان؟

- لم اتخذ القرار بعد. ولكن، إذا كان ذلك ضرورياً وإذا كان توقيته مناسباً، فإنني على استعداد للقيام بزيارة أخرى إلى لبنان.

> اجتمعت مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. هل طرح معك أفكاراً معينة تخص لبنان؟

- لم أبحث في هذه المسألة معه خلال اجتماعنا، لكنني بحثتها معه عبر الهاتف السبت الماضي (28 نيسان/ أبريل الماضي).

> وما هو مفهومك للموقف الروسي؟

- رأيه، حسب ما أذكر، موافق لرأيي في هذا المنعطف.

> وهل شعرت بأن الروس سيستخدمون الفيتو على قرار بموجب الفصل السابع؟

- قلت له إنني سأستمر في جهودي الديبلوماسية مع قادة المنطقة.

> وهل طلبت منه المساعدة في مسألة مراقبة الحدود اللبنانية - السورية لمنع تهريب الأسلحة؟

- شرحت له ما حدث أثناء اجتماعي مع الرئيس الأسد، وهو عبّر عن تقديره لدوري الديبلوماسي هذا.

> وماذا حدث للوعود التي قطعها لك الرئيس الأسد؟ هل تُنفّذ؟

- تحدثت مع وزير الخارجية السوري (وليد المعلم) في شرم الشيخ عن وعد بإعادة تنشيط اللجنة الحدودية التي ناقشتها مع الرئيس الإسد. وقال إنهم سيتخذون الإجراءات المناسبة. وتقدم لي بالتزام بتنفيذ ذلك الوعد.

> تحدثت عن لبنان أيضاً مع وزير خارجية إيران منوشهر متقي، كما ذكرت من قبل. هل طلبت مساعدته في تنفيذ قرار نزع سلاح الميليشيات في لبنان وعدم إعادة تسليحها؟

- طلبت منه أن تلعب بلاده دوراً بنّاء في لبنان، فإيران لها نفوذ في العراق وفي لبنان. ونرغب في أن تلعب الحكومة الإيرانية دوراً بنّاء للمساعدة في ضمان السلام والأمن في المنطقة.

> وماذا قال لك؟ هل قدّم التزاماً بالتوقف عن مد «حزب الله» بالسلاح؟

- لم نتحدث عن «حزب الله» تحديداً، لكنه قال إن إيران ستحاول أن تلعب دوراً بناء.

> وماذا عن لقائك مع وزير الخارجية السعودي، كيف تطرقتما إلى موضوع لبنان؟

- تحدثنا عن الموضوع بالتوجه نفسه الذي حدثتك عنه.

> قلت إن المبادرة العربية للسلام التي جددت قمة الرياض العربية طرحها تشكل «نقطة انطلاق جيدة للمفاوضات» العربية - الإسرائيلية. ماذا ستفعل، بصفتك الأمين العام للأمم المتحدة، لدفع إسرائيل إلى الموافقة على أخذ المبادرة العربية نقطة انطلاق للمفاوضات؟

- عندما زرت اسرائيل، قلت للقادة الإسرائيليين إن عليهم أن يدرسوا المبادرة العربية بجدية. أعرف أن هناك نقاطاً معينة تعارضها إسرائيل، لكن هناك نقاطاً أخرى يمكن لإسرائيل التعايش معها والبناء عليها. وأنا آمل أن لا تكون المبادرة العربية مطروحة بصيغة: خذها كما هي أو لا تأخذها. آمل أن لا تكون كذلك.

> هل من المفيد طرح المبادرة العربية في مجلس الأمن لاستصدار قرار في شأنها؟

- أعتقد بأنه من الأفضل، في هذا المنعطف، ترك الأمور للعرب والإسرائيليين. وكما تعرفين، اجتمع وزراء الخارجية العرب قبل أسابيع في القاهرة وكلفوا الأردن ومصر لعب دور نقطة الاتصال للبحث في هذه الأمور. لذلك، فمن الأفضل ترك الأمور للعرب والإسرائيليين للدخول في حوار، فإذا كانت هناك حاجة إلى دور مسهِّل، يمكن لدول أخرى مثل الولايات المتحدة، وربما أيضاً للأمم المتحدة، أن تلعب هذا الدور.

> وهل الأمم المتحدة قادرة على لعب هذا الدور أم انها قادرة فقط على لعب دور مكمل للدور الأميركي؟

- ليس هناك أي طلب رسمي لنلعب دور المسهِّل بمعنى الكلمة. لكنني سأقوم بما يشبه هذا الدور.

وفي اعتقادي أن كل دولة قادرة على لعب دور مماثل. والوزيرة الأميركية انخرطت منذ فترة في حوار نشط مع الأطراف المعنية.

> عندما تجتمع اللجنة الرباعية الدولية التي تضم الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا في منتصف أيار (مايو) الجاري، ماذا ستطرح على الطاولة للاستفادة من الزخم الحالي؟ الصبر ينفد والناس تعاني والأراضي الفلسطينية تُقتضم وهناك مخاوف من فقدان الأمل كلياً بما يؤدي إلى صراع مفتوح.

- من المقلق والمحزن أن كثيرين يعانون بسبب انعدام التقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط. هناك إدراك متزايد بين القادة العرب والدول الغربية والأمم المتحدة، لحقيقة أن الوقت حان لجميع الأطراف المعنية للانخراط في حوار جدي وإحراز التقدم، وهذا ما نقوم به. سنتحدث في الاجتماع المقبل للرباعية وسننخرط في جولة أخرى من تبادل الرأي مع شركائنا العرب في شكل غير رسمي.

> العرب قدموا خطة سلام تتمثل في المبادرة العربية، وهي خطة مطروحة على الطاولة. وتقاريرك تفيد بأن اسرائيل مستمرة في بناء المستوطنات وفي بناء الجدار وفي سياسة الإغلاق، فهل أنت على استعداد للضغط على إسرائيل كي تأتي إلى طاولة المفاوضات؟

- سأفعل كل ما في وسعي لتسهيل عملية السلام. وعندما كنت في إسرائيل قلت لرئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني إنه يجب النظر بجدية في مسالة اللاجئين الفلسطينيين وتقييد مستوى حرية التحرك. الولايات المتحدة أيضاً لديها خطط لتخفيف هذه القيود. فهناك تطورات في هذه الناحية.

> ما هو موقفك من استمرار اسرائيل في تشييد المستوطنات وبناء الجدار، بما أدى الى مصادرة غير شرعية للأراضي الفلسطينية؟

- تحدثت للقادة الاسرائيليين عما شاهدته وشعرته وقلت إن مصادر القلق الأمنية التي لديهم يجب أن تتوازن بصورة توافقية مع معالجة المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني.

> هذه إجراءات غير شرعية. نتحدث عن الشرعية الدولية، وأنت غير مستعد حتى لتوجيه الانتقاد، لماذا؟

- الموضوع ليس إنني لا انتقد. الوسائل الديبلوماسية لحل هذه المسائل تتطلب دائماً التنبه إلى الحساسيات والتصرف بصورة بعيدة عن التصعيد. عليك أن تفهمي هذا عند التعاطي مع أطراف تتبنى مواقف متضاربة.

> لكننا نتحدث عن الشرعية الدولية؟

- بالطبع، لقد قامت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالإجراءات الضرورية، والجميع يعلمون ذلك. خلال اجتماعات «اللجنة الرباعية» أعدنا تأكيد القرارات 242 و338 وغيرها من القرارات ذات الصلة.

* لكنك لا تبدو مستعداً لاتخاذ موقف من الاستمرار ببناء المستوطنات وتشييد الجدار الذي يقضم الأراضي الفلسطينية بصورة تتنافى مع الشرعية الدولية.

- لقد سبق وقلت لهم ما هي مواقفي. وأنا لست في موقف يسمح لي بالكشف علناً عن كل شيء قلته للإسرائيليين والفلسطينيين. أليس في وسعك فهم هذا؟

> أفهم ذلك بالطبع إنما أسألك عن موقفك أنت وليس عما دار بينك وبينهم في الدوائر المغلقة. (تتدخل الناطقة باسم الأمين العام لتقول إن هناك مجالاً لسؤال أخير فقط). دعني إذاً أسألك عن إيران وعن عدم إجراء اللقاء المرتقب بين وزيرة الخارجية الأميركية ونظيرها الإيراني على رغم المحاولات، هل عدم عقد اللقاء مؤشر سيئ في رأيك؟

- لربما كان من الأفضل أن يلتقيا لإجراء المحادثات، لكن هذا ليس بالضرورة انعكاساً للمواقف الرسمية لكل منهما. وأنا آمل في أن تبرز في المستقبل القريب فرصة للقائهما على نسق المحادثات المشجعة التي جرت بين الولايات المتحدة وسورية.

> ذكرت أن منسق السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا لم يكن متفائلاً بنتيجة محادثاته مع إيران في شأن تعليق تخصيب اليورانيوم، إذ أن إيران تصر على عدم تعليق التخصيب. فهل هناك من وسيلة أخرى للخروج من المأزق والوضع الراهن عدا ذلك؟

- لندع للاتحاد الأوروبي وإيران الاستمرار في الحوار والمفاوضات حول هذه المسألة.

> هل ترى في انسحاب عاجل للقوات الأميركية من العراق أمراً داعياً إلى القلق، أم أن استمرار الوجود الأميركي العسكري بات جزءاً من المشكلة؟

- الوضع الأمني في العراق متفجر. وبالتالي، فإن الاستقرار يتطلب، حسب رأي قوات التحالف والولايات المتحدة بالذات، بقاء هذه القوات كوسيلة فاعلة لضمان استقرار الأوضاع هناك، فيما تقوم الأسرة الدولية، إقليمياً ودولياً، بالعمل معاً. وهذا ما قمنا به في مؤتمر شرم الشيخ.

وهذه الجهود يجب أن ترافقها جهود عراقية لدفع الحوار السياسي بين العراقيين.[line]

castle
21-05-2007, 06:50 AM
الاثنيـن 04 جمـادى الاولـى 1428 هـ ،،، 21 مايو 2007

ماذا يترتب على اقتحام «القاعدة» للوضع الفلسطيني؟
ياسر الزعاترة

الحياة

كتبت خلال العام الماضي اكثر مرة عن «القاعدة» والملف الفلسطيني، كان من بينها مقال نشر في هذه الصفحة (15/5/2006) بعنوان «القاعدة تقترب من الحدود الإٍسرائيلية»، وكان بمثابة تحليل يتوقع اقتراب «القاعدة» من حدود فلسطين إثر تفجيرات سيناء.

مما قلته في تلك المقالات أن «القاعدة» كانت ولا تزال في حاجة إلى فعل في سياق الملف الأكثر إثارة للعالم العربي والإسلامي، لاسيما أن كثيراً من التشكيك جاءها من هذا الباب، وهو ابتعاد كانت له ظروفه الموضوعية الخاصة المتمثلة في صعوبة الخوض فيه بسبب قدرات الأمن الإسرائيلي في حال كان الفعل قادماً من الخارج، إلى جانب عبثية الخوض فيه من الداخل في ظل قيام «حماس» و»الجهاد الاسلامي» بالمهمة على نحو جيد. لكن الخطر كان في المقابل من استمرار حال المراوحة في الملف الفلسطيني وغياب الفعل المقاوم، إلى جانب انجرار «حماس» خلف خطاب «مائع» من أجل الحكومة، ما سيفرض معطيات جديدة في الملف الفلسطيني قد تدفع نحو صعود لخطاب «القاعدة».

الآن تبدو المسألة أقرب إلى الحقيقة منها إلى التنبؤ أو التحليل، ففي قطاع غزة نهض عشرات من الشبان (مئات بحسب تقديرات أخرى) يمارسون أعمالاً عبثية تحت اسم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، مستلهمين خطاب السلفية الجهادية في طبعته «القاعدية»، بل ربما الأكثر تطرفاً بكثير، لأن ممارسات «القاعدة» لم تذهب في اتجاه المدارس المختلطة، أو محلات الفيديو، إذ ركزت على الأجانب، لاسيما الأميركيين، إلى جانب بعض الفعاليات الرسمية في بعض الأحيان، كما وقع في الجزائر أخيراً.

قصة «جيش الإسلام» الذي اعلن عن احتجازه الصحافي البريطاني الان جونستون كانت لافتة للنظر، وذلك حين طالبت بالإفراج عن «أبو قتادة» المعتقل في السجون البريطانية، إضافة إلى فدية من أجل الإفراج عنه. ولم يقتصر الأمر على قطاع غزة، ففي الضفة أيضاً ثمة نار تحت الرماد، وهناك دلائل على أن شيئاً من هذا الخطاب أخذ يتحرك في السجون بين شبان من «حماس» و»الجهاد» وحتى «فتح»، كما ألقى الإسرائيليون القبض على أكثر من خلية كانت على وشك التحرك تحت ذات الشعار.

في هذا السياق هناك الكثير مما يمكن أن يقال. ولعل البداية هي الدعوة إلى عدم المبالغة في توصيف الظاهرة من حيث الحجم والتأثير، أقله إلى الآن، من دون التقليل من أهميتها ومستقبل حضورها في حال تواصلت الظروف الموضوعية المحفزة لها.

حتى الآن تبدو القضية محدودة الفعل والتأثير، وإن بدت محبطة بالنسبة الى «حماس» التي تعاني من أشواك كثيرة ينثرها الخصوم في دربها على نحو يومي بهدف جعل مهمتها في الحكومة مستحيلة، ولا شك أن بروز شبان إسلاميين، بعضهم من عناصرها ومؤيديها يتبنون نهجاً مغايراً ويعززون ظاهرة الانفلات الأمني سيزيد في مأزقها على نحو مؤلم.

والحال أن بروز مجموعات من هذا النوع، مرتبكة البوصلة والخطاب، سيسهل على أطراف تناهض «حماس» لعبة التنغيص عليها تمهيداً لإقصائها بعد دفع الناس نحو الضجر من وجودها في الحكومة، سواءً تم الإقصاء عبر عملية انقلاب عسكري أو انتخابات مبكرة، أو حتى انتظاراً للانتخابات القادمة. ومعلوم أن إمكان اختراق هكذا مجموعات يبدو سهلاً إلى حد كبير كما تدل التجارب المماثلة.

ويحضر خطابا أيمن الظواهري الأخيران بقوة في هذا السياق، فهنا ثمة قدر من الانتقاد، بل ربما التشهير أو التحريض على «حماس» بدعوى «بيعها» للقضية الفلسطينية، ولو قرأنا الخطابين من زاوية أخرى فسنجد فيهما قدراً من تحريض القواعد، وبعض الشبان المعجبين بنموذج «القاعدة» على التحرك. ونعلم هنا أن النموذج المذكور هو نموذج إلهامي وتحريضي ينتسب إليه من شاء، بدليل «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» التي تحولت إلى تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب العربي»، وقبلها «تنظيم التوحيد والجهاد» بقيادة الزرقاوي الذي تحول إلى «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، فضلاً عن مجموعات كثيرة تحركت من هنا وهناك.

الآن يمكن القول إن صدى الخطابين قد تردد في فلسطين على نحو ما، ويمكن أن يتردد على نحو أكبر خلال المرحلة المقبلة، الأمر الذي كانت متوقعاً بشكل من الأشكال حتى من دونهما.

ان حجم التعبئة الجهادية الذي توفر في الساحة الفلسطينية وترك آثاره الكبيرة في الساحتين العربية والإسلامية لم يكن لينسجم بحال من الأحوال مع التحولات الجديدة، لاسيما ما يتعلق بخطاب «حماس»، في وقت تدخل المساجد كل يوم جحافل من الشبان الجدد الذين لن يقبلوا في ظل الواقع القائم في العراق وأفغانستان خطاباً «مائعاً» في نقطة المركز الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة الى العالم الإسلامي برمته.

تخطئ «حماس» إذا اعتبرت أن فك الحصار من حول الحكومة سينفس هذا الخطاب، فحجم الرفض في الشارع الفلسطيني أكبر مما يعتقد كثيرون، والحصار المشار إليه قد يكون مهماً بالنسبة الى كبار السن الذين يهتمون بقوت عيالهم، لكنه ليس كذلك بالنسبة الى جحافل الشبان المعبأين بخطاب الرفض والثورة والجهاد والاستشهاد. فما من شيء يمكن أن يفك الحصار من حول «حماس» وحكومتها، بما في ذلك اعترافها بشروط اللجنة الرباعية، ما دامت قيادة السلطة مصممة على إقصاء «حماس» وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانتخابات.

في ضوء هذا الوضع المعقد ستجد «حماس» الكثير من العنت في مواجهة الظاهرة المذكورة، فيما سيجد آخرون فيها فرصة سانحة لجعل وجود «حماس» في الحكومة أمراً في غاية الصعوبة، لاسيما أن فعل «القاعدة» المفترض في القطاع سيتوجه على الأغلب نحو الداخل نظراً لصعوبة العمل المسلح ضد الإسرائيليين بسبب الجدار الأمني.

في المقابل يبدو الوضع في الضفة مختلفاً، فهنا يمكن أن تنشأ خلايا مسلحة عينها على العدو، ومن دون ضوابط سياسية، الأمر الذي سيشكل حرجاً لـ «حماس» في حال استمرار وضع المراوحة القائم، لاسيما أن كثيراً من عناصر تلك الخلايا قد يكونون من كوادرها أو مؤيديها. والحرج الذي نعنيه هنا سياسي وعسكري وشعبي في آن.

في ضوء ذلك ليس بوسع «حماس» كي تحافظ على بوصلة القضية وتستعيد حضورها الذي راكمته من خلال تراث استثنائي من التضحيات والبطولات، وتتجنب دفع الجيل الجديد من الشبان نحو خطاب آخر وتجربة أخرى، سوى إعادة التأكيد على خطابها الأصيل، ولن يكفي هنا القول إن الحركة لم تعترف بالاحتلال ولم تنبذ المقاومة (ليس مؤكداً أن الحكومة لن تفعل ذلك)، ذلك أن الخطاب الذي استخدم طيلة الاشهر الماضية كان ينطوي على شيء من ذلك، وإن على نحو غير مباشر. ليس هذا فحسب، بل عليها أن تعيد للقضية ألقها بوصفها قضية احتلال ما يزال جاثماً على صدر فلسطين برمتها وليس قضية حصار ورواتب وحكومة ونواب، ولن ينجح ذلك من دون النزول إلى الشارع وتحريكه ضد الاستيطان والجدار وتهويد القدس، مع ما تيسر من المقاومة التي تشتبك مع العدو في المحاور المتاحة وتشجع الآخرين على الاشتباك معه، حتى لو أدى ذلك إلى انهيار السلطة.


* كاتب من الاردن[line]
أعيدوا الحسابات

حمود أبوطالب

الوطن

تابعت كغيري الندوة التي عقدتها قناة العربية تحت عنوان الشباب العربي غربة في الوطن على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي الذي جرت فعالياته في الأردن، وشارك فيها عدد من المسؤولين والباحثين المهتمين بالقضايا الاجتماعية والتنموية، وللحقيقة فقد كانت ندوة هامة لاسيما بحضور عدد كبير من شريحة الشباب الذين عبروا بوعي ونضج عن همومهم وتطلعاتهم، وكذلك إحباطهم وانكسارهم نتيجة ما يجري في عالمهم العربي الذي انصرف عنهم زمنا طويلا منشغلا بقضايا بعيدة جدا عن مفاهيم ومتطلبات التنمية البشرية. لقد كان محزنا جدا حين ذكر عدد منهم الأسباب التي تدفعه إلى مغادرة الوطن لأنها أسباب يفترض المنطق أن معظم الدول العربية كانت قادرة على تجاوزها منذ زمن بعيد، لاسيما وأنها تندرج ضمن الحقوق الأساسية لأي مواطن، وليست عن أشكال الترف أو المتطلبات الثانوية.
إنها مسألة خطيرة حين يغشى أكبر شريحة في الوطن العربي مثل هذا الشعور القاتم.
وهو شعور موجود بنسبة أو بأخرى في كل دولة عربية، وربما الفرق لا يزيد عن إمكانية التعبير عنه وفقا للظروف السياسية وهامش التعبير المتاح، وحين تظن الأنظمة العربية أن هذه الشريحة تعبر بشكل انفعالي غير ناضج ومن ثم لا تقيم وزنا لرأيها فإنها ترتكب خطأ فادحا لأن شباب اليوم لم يعد شباب الأمس الذي كان معزولا عن أحداث العالم ومتغيراته، وبالإمكان حجر المعلومة عنه وتغييبه، إنه شباب أصبح يدرك جيدا ما يقول ويعرف جيدا ما يريد، وبالتالي فإنه من غير المنطق مطالبته بواجباته دون إعطائه حقوقه التي لم تعد أكثر من فرصة التعليم الجيد والعمل الكريم والحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية اللائقة في أوطان تستطيع تقديم هذه الاحتياجات بسهولة لو أعادت ترتيب أولوياتها وأوقفت هدر مواردها على ما لا طائل منه سوى إطالة زمن التخلف وتوسيع الفجوة بينها وبين الشعوب المتحضرة.
إن نزيف العقول والقدرات العربية لن يتوقف، ولن تتوقف الهجرة المتزايدة، ولن تتقلص الخسارة طالما نحن مستمرون في ما دأبنا عليه منذ زمن طويل. [line]
مـــن يشــــكل عقــــل مصــر‏..‏ وكيــف؟

د‏.‏ عبد المنعم سعيد

الاهرام

اذا كانت المعارضة المصرية حين تتحدث عن المستقبل المصري تقع ـ علي حد تعبير الزميل والصديق عمرو الشوبكي في مقال بصحيفة المصري اليوم الغراء ـ في وهم الثورة الشعبية‏,‏ واذا كانت قيادات الحزب الوطني الديمقراطي لا تقول لك الي أين يسير ويتجه القطار المصري‏,‏ ولا شكل وموقع محطة الوصول‏,‏ بقدر ما يقول لك عن المسافة التي قطعتها من نقطة البداية‏,‏ فإننا لا نعلم علي وجه الدقة ما الذي تسعي إليه النخبة السياسية والفكرية في الحكم والمعارضة بين البداية والنهاية‏,‏ وما بين الرحيل والوصول‏,‏ ولكن‏,‏ وربما لحسن الحظ‏,‏ أن حركة المجتمعات نحو الزمن القادم لا تتقيد بالضرورة بما يفعله من هم في الحكومة أو من هم خارجها‏,‏ بل بباقة كبيرة ممن اصطلح علي تسميتهم بأهل النخبة الفكرية والذين يشكلون عقل الناس والمجتمع والدولة بطرق متعددة‏.‏

ومنذ أسابيع قليلة أعدت مجلة التايم الأمريكية عددا خاصا عن المائة شخصية الأكثر تأثيرا في العالم‏,‏ أو عن هؤلاء القادة والثوار والبناة وجبابرة السوق والفنانين والأدباء والعلماء والمفكرون والأبطال والرواد الذ