المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكريات قرية لم تعد موجودة


ابن حوران
07-05-2006, 09:30 PM
ذكريات قرية لم تعد موجودة


لو فرغ أحدنا من الاستحمام ، فإنه يلحظ أن هناك شعرات قد سقطت منه ، والتصقت بجوانب الحوض أو أسفله .. ولكنها لم تعد تنتمي اليه بالتأكيد .. ويقال أن الإنسان يفقد أكثر من ثلاثين شعرة كل يوم .. وعند الحديث عن الأعصاب فإن الأطباء يقولون أن الخلايا العصبية التالفة لن تعوض بعد ..

لا أدري أين تستقر ذاكرة الإنسان ، هل لها مكان معين في جسم الإنسان تستقر به ، أم أنها تكون كهالة تحيط بكيانه ، تسبح معه حيث عام .. ويستعين بها عندما يستفز ، أو يضطر الى اتخاذ موقف تجاه ما يرى أو يسمع أو يضطهد بفتح الياء أو ضمها .. ولكن لا بد لتلك الذاكرة أن يتساقط منها ما يقارب أعداد تساقط الشعر في الحمام ..

هذا بالنسبة للفرد .. أما الجماعات ، فستكون مسألة تتبع نمو ذاكرتها و تفقدها من الصعوبة بمكان ، وتزداد صعوبتها كلما ازداد أعداد الجماعة وتفاوتت أعمارهم .. فسيكون على من يريد أن يتفهم تلك الظاهرة أن يتفقد ذاكرة كل فرد من أفراد الجماعة على حدة ، و هي مهمة شاقة وغير مسموح بها في جميع الأحوال .. وسيشوبها الكذب أو الاجتهاد في أحسن الأحوال ..

كما أن للقبور شواهد .. فان للذاكرة شواهد .. فان كانت القبور بلا شواهد ستدرس وتزول مع الزمن .. وهناك من يشجع على ذلك ( فقهيا ) .. فبنظره ، لم يعد أهمية لتجميل قبر والكتابة عليه ، طالما أن ما بداخله أجزاء من مواد لم يعد لها أي فاعلية تذكر .. وهناك من يعاكس تلك النظرة فيقول : أن الشاهد على القبر و الكتابة عليه ، سيجعل من القبر بمثابة أيقونة في جهاز الكمبيوتر ، ما أن تضغط عليها العين ، حتى تستعيد شريط من في داخل القبر !

بالقرى والمدن ، تكون الشواهد ، هي مجموع المعالم البارزة ، كمنارة مئذنة أو قصر بارز .. أو سفح جبل .. أو تمثال .. أو بيت يصدر منه صوت امرأة مجنونة .. أو زقاق يبرز منه كلب شرس يخيف الأطفال .. فتصبح سلطة الكائنات الحية شواهد إضافية على الشواهد الجامدة .. فشجرة عالية ، أو ارتطام قطيع أغنام بسيقان المارة .. تجعل من الذكرى .. مزيجا بين المكان والأحياء ..

ويصبح كل إنسان شاهد إضافي على الشواهد السابقة ، وهذا ما يفسر لنا لماذا نحزن على ميت ، يرتبط معنا بذكرى ، وهو يقل شرفا ومكانة عن شخص آخر ، ولكن لا نحزن عليه .. ولكن حزننا سيكون على أنفسنا ، أو على وجه الدقة على ذاكرتنا ، إذ أنها فقدت شاهدا على مخزونها .. فان تسامرنا في طرائف أحمق قبل أربعين عاما ، فان كان من يشاركنا الحديث عن ذلك الأحمق ، فان الحديث سيكون بنكهة ممتعة ، وعندما لا نجد من يحفل بذلك الحديث سنحس بغصة ، لزوال شهود الذاكرة ..

كانت قرية ( العتيقة ) هي صورة لكل ذلك ، فهي وإن كان اسمها قد يكون منحوتا ، فلم يعد للاسم أهمية ، فقد تجدها شمال غرب العراق أو في صعيد مصر أو على الحدود السورية الأردنية ، أو في جبال الأطلس .. فلا فرق ، طالما أن شواهدها قد زالت .. فلم يعد للاسم أي معنى ..

يتبع

ميّ
13-05-2006, 02:33 AM
الله رائع

ميّ
13-05-2006, 02:34 AM
رؤى عميقة

ابن حوران
14-05-2006, 12:40 AM
أشكر مروركم الكريم

ميّ
16-05-2006, 09:10 PM
ألن تكمل؟

ابن حوران
17-05-2006, 04:06 AM
( 2 )

لو أقبلت على القرية من جهة الجنوب لرأيت مئذنة مسجدها الوحيد بارزة بارتفاع واضح حيث بني المسجد في أعلى نقطة بالقرية .. و سيكون عليك أن تسير بمحاذاة طريق معبد ضيق ، أو يمكنك السير فوق الطريق المعبد الذي قيل أن الألمان قد عبدوه .. ولم يتلف ، لا لدقة الألمان في التنفيذ ، بل لندرة ما يسير فوقه من سيارات .. وكانت بعض الجهات تقوم بين كل عدة سنوات في رش قليل من الرمل الناعم و سائل أسود يغلي ، لإخفاء ما قد يحصل على الطريق من تلف قليل ..

وكان الأطفال يتمتعون بالسير فوق الطريق وهم حفاة ( طبعا كعادتهم ) .. وكانت لا تمنعهم حرارة الصيف من الاستمرار في السير على الطريق ، فكانت أقدامهم قد تطورت ، بحيث أصبحت أقرب الى خف البعير ، وكان ما يزيل إحساسهم بحر الطريق ، هو تتبعهم لفقاعات تكونت من فعل أثر الشمس على السائل الأسود الذي تجمد ، ولكن حرارة الشمس تنفخ بعض الفقاعات فيتتبعها الأطفال ليدوسون عليها بإبهام الرجل .. فتحدث صوتا يبتهجون به .. أو لعلهم كانوا يبتهجون به ، لندرة ما يبهجهم ..

لم يكن للقرية ألوانا زاهية يصبغون به بيوتهم ، ولم تكن في القرية أشجار تظهر عن بعد ، بل كان في القرية شجرتان من الكينا ( اليوكاليبتوس) واحدة تظهر عليك إذا أتيت القرية من الشرق ، وواحدة تظهر اذا أتيتها من الشمال ، وكانت الشجرتان تسهل مهمة من يصف بيتا لأحد ، وكان نادرا ما يسأل أحد عن بيت و يتغلب في إيجاده .. لكن كانت كل شجرة من الشجرتين تشكل شاهدا استقر في ذاكرة من يتذكر ..

كان الأطفال ، غالبا ما يسيرون باتجاه الطريق الذي يخترق القرية ، باتجاه الجنوب ، ويسيرون كفرق للبحث عن ألغام .. كلهم يرمون رؤوسهم في الأرض مطرقين ، عل أحدهم أن يجد علبة فارغة من أي شيء ، رموها السواح بعد أن استفادوا من محتوياتها .. فإن كانت العلبة مسطحة كعلب ( السردين مثلا) التقطها الطفل ، وربط بها خيطا ، بعد إحداث ثقب بطرفها ، و ملأها بالتراب وأخذ يلعب بها كسيارة .. و إن كانت العلبة أسطوانية ونظيفة ، فإنها ستضاف للأواني المنزلية ، كوعاء يغرف به الماء أو يسلق به البيض .. وإن كانت مغلقة من الجانبين ، لكنها ليست بتلك النظافة ، فإن الطفل يحدث في أوسط طرفيها ثقبين ويدخل بها سلكا و يعتبرها عجلة يلعب بها ..

و كانت لحظات فرح كبرى ، إذا عثر الطفل على بقايا علبة بها محتويات غذائية ، أو حتى بعض أجزاء فواكه يرميها الموسرون الذين كانوا قد مروا فوق الطريق قبل أيام أو حتى أسابيع .. فلم يكن الأطفال المعدمون يوفروا شيئا ، أو يتعففون عنه .

كان لون القرية في الشتاء هو لون التراب ، وكان في الصيف قد تلون عند بعض المقتدرين بلون حجري كلسي أبيض ، لا يصمد الا لشهرين أو ثلاثة ثم يختفي نتيجة لخواصه الكيميائية أو نتيجة لنزول مزنة من المطر خالفت الموسم وسقطت في غير حينها .. وعلى العموم لم تكن الألوان متوفرة ، فقد أدخلت الدولة لونا جديدا عندما صبغت المدرسة الوحيدة بلون ( سمني ) لا هو بالأصفر ولا هو بالبني .. وقد أثار ذلك اللون إعجاب المواطنين .. و أضاف عاملا جديدا لتهيبهم من الدولة ..

إذا اقتربت من القرية ، عند المساء ، فتستطيع التعرف على رائحتها بسهولة ، فهي مزيج من روائح فضلات الحيوانات الطازجة ، أو المحترقة لإبقاء حرارة أفران الخبز على ما هي .. حيث كانت النساء تغطي ( التنور ) بطبقة كثيفة من زبل المواشي المتخمر ، والذي لم يجف تماما ، فحين يلامس بعض الجمر المختفي في الغطاء القديم ، فإنه يبدأ بالاشتعال البطيء طيلة الليل ، وحتى الصباح .. فإن جاء الصباح وضع بعض ( الجلة ) اليابسة ، أو قطع صلبة من سيقان نباتات القمح ( قصل ) لم تستطع الحيوانات أكلها .. فتشعلها النساء ، داخل الفرن ( التنور أو الطابون ) .. فيصبح مهيئا لإعداد الخبز .

كانت تلك الروائح الممزوجة ، تلتصق بأثاث البيوت البسيط ، وبملابس الأهالي فلا أحد يتأفف من رائحة الآخر ، طالما أنهم يتشابهون فيها ..

ابن حوران
18-05-2006, 05:55 PM
(3)

لم تكن مهمة خبير المساحة الإنجليزي سهلة ، فقد أوكلت إدارة الانتداب البريطاني في أواسط الثلاثينات من القرن السابق ، الى المساح ( موفد ) مهمة تنظيم وتقسيم و إفراز أراضي ( العتيقة ) .. وقد أقام ( موفد ) مع فريق عمله عدة سنوات ، حتى أنجز مهمته الصعبة ..

لقد كانت أراضي العتيقة والتي بلغت مساحتها أكثر بقليل من ثمانية عشر ألف هكتار ، في حالة تنازع بين سلطتي الانتداب الفرنسي و البريطاني ، وعندما تم إلحاق ( العتيقة) بإدارة الانتداب البريطاني .. شرعت لتنظيم تلك القرية .. والتي كان أصحابها يحتفظون بسندات تسجيل عثمانية ، وقسم كبير يحتفظ ب ( حجة) تملك .. وهي سندات تنظم بوجود شهود ، على أن فلانا قد باع لآخر أرض ..

لقد مر على هذه القرية ، عدة موجات توطن ، فتجد بآثار ( الخرائب) ما يشير الى وجود توطن في العهد اليوناني و الروماني و الأموي و المملوكي .. ولكن ليس بالقرية من يدعي بالقدرة على تتبع وجود أجداده ، لأكثر من مائة وخمسين عاما .. رغم وجود علماء نحو و تاريخ تنتهي أسماؤهم بالعتيقة .. لكن لم أسمع من المسنين ، أن أحدا يقول أنه من أحفاد النحوي عبد الله العتيقي أو المؤرخ محمود العتيقي ..

عندما تأملت في ظاهرة عدم تتابع وتواصل أجيال ( العتيقة ) ..عن دون القرى والتجمعات السكنية التي تقع غربها بعدة أميال ، ركزت نظري ، علني أجد لذلك سببا .. فوجدت أن القرية كانت تقع على مقربة من الصحراء ، لكنها تتفوق على الصحراء في أنها تستطيع إطعام بضعة مئات من العائلات من إنتاجها ..ولكن دون انتظام .. ففي بعض العقود كانت سنين القحط تمتد الى خمسة سنوات أو أكثر ..

كان التصاق سكان القرية بها ، ضعيفا و إدارة الدولة العثمانية ، لم تغطيها بشكل يكفي لدرء هجوم رعاة الأغنام و الإبل ، الذين كانوا يستغلون سنين الغلال والمواسم الجيدة ، ليرعوا بها و يهجرون سكانها أو يقتلونهم .. فكان بقائهم بها يتوقف على الجانب الأمني ..

وقد عاود السكان التوطن بها في أواخر القرن الثامن عشر .. ولو تتبعت أصل سكانها ، لأفادك كل منهم أن أجداده أتوا لتلك القرية ، بعد أن قتلوا شخصا في القرية الفلانية ، وستجد منهم أصولا من أربعة أقطار عربية مختلفة . أو هربا من الخدمة في الجيش العثماني ، حيث كنت تجد في القرية عشرات العرق ( بضم العين و مفرده عراق وهو ثقب أو كهف في أبط تل ) يسهل على المتخفي أن يبقى به هو عياله و حلاله دون أن يفضح أمره ..

كان على (موفد) أن يوفق بين عدة مئات من الرجال الذين كانوا ينتمون لعدة عائلات ، انقسموا في السابق الى قسمين : قسم أراد أن يكون تحت الإدارة الإنجليزية و قسم أراد أن يكون تحت الإرادة الفرنسية ..

فقسم الأراضي الى مائة و ثمانين ( ربعة ) والربعة كانت تساوي بين ثمانين هكتارا و مائة و عشرين هكتارا .. حسب خصوبتها .. وحسب تراضي لجنة ممثلي المالكين ..
لقد كانت الأراضي قبل وصول ( موفد) تقسم الى ( دواقير ) و ( الداقورة) هي مساحة الأرض التي يمكن لأسرة حصادها في يوم واحد .. ويبدو من شكل التقسيم السابق ، أن دوافعه كانت أمنية بحتة ، حيث يرحل الحاصدون كلهم الى اتجاه واحد يحصدون و ينقلون قشهم و غلالهم في نفس اليوم على الجمال ، ويحتمون بكثرتهم أمام هجمات الرعاة ..

وقد حسم أمر الرعاة و البدو قبل مجيء ( موفد) بحوالي عشرة سنوات عندما انتهت الحرب ( حرابة ) بين البدو والفلاحين والتي قتل بها عشرات الأشخاص من الطرفين وانتهت لصالح الفلاحين الذين أثاروا إعجاب سكان القرى المجاورة ببسالتهم .. و خلدت القصائد الشعبية تلك ( الحرابة ) التي استمرت تسع سنوات متواصلة .. حتى استقر شكل الأرض للفلاحين .

كان رؤساء العائلات الذين جلسوا مع ( موفد) لتسوية أراضي القرية ، يراعون جانب العلاقات بين المتجاورين .. فوضعوا شكلا للملكية لا يزال يثير إعجابي لدقته و عدله في كثير من جوانبه .. فقسموا ال (180 ربعة ) الى 36 قسم سموه الخمسات أي كل خمس ( ربعات ) جزء ووضعوا له رئيسا و ممثلا عن الملاكين .. وبين كل خمسة وخمسة طريق ضيق بعرض ثلاثة أمتار ، وبين كل عشر( ربعات ) طريق بعرض ستة أمتار ..

لقد ترك للبلدة جذرا سمي فيما بعد ( جذر البلد) و كان بمساحة تسعة كيلومترات مربعة .. و ترك حول الجذر ( بيادر ) لنقل القش ودرسه و تذريته واستخلاص الحبوب منه ..

لقد طال رؤساء الخمسات ، نصيب من الحظوة الإضافية ، وكانوا ست وثلاثون شخصا ، حيث تضاعفت حصصهم عن دون سكان البلدة ، ولربما كانت تلك أجورهم من قبل الإنجليز بدلا من أتعابهم خلال سنين التنظيم .. وأصبحوا هؤلاء أكثر أهل البلدة وجاهة ، وهم الأكثر تأثيرا و الأكثر قربا من الحكم !

ابن حوران
26-05-2006, 11:16 PM
(4)

لو تم إلزام ( موفد) برسم أو تنظيم جذر ( العتيقة ) ، لاعتذر ولو استعان بأحدث الطائرات للرسم الجوي ، فقد كانت شوارع القرية على عداء سافر مع كل ما هو مستقيم .. لقد كانت أشبه باللعب التي توضع في المجلات أو الجرائد تحت عنوان ( الطريق الى الكنز ) .. كانت أشبه بالمتاهات الموضوعة بمكر .

لكنها لم تكن آتية من غايات ماكرة .. بل كانت تمليها طوارئ الأفكار التي تنمو كأعراض جانبية لمرض ، فقد تنتشر على وجه أحدهم بثور ، ولكن تلك البثور آتية من التعرض لحمى أو خلل في الأجهزة الفسيولوجية ، ولم تكن البثور بحد ذاتها مرضا .. كذلك هي حالة الأفكار المتعلقة بالبناء عند أهل (العتيقة ) ..

فقد تتدخل طبوغرافية الأرض في تحديد شكل المنزل ، حيث يكون قرب جرف أو قبر ولي أو بئر قديم .. وبالتأكيد فإن السور للمنزل كان يأتي بمرحلة متأخرة حيث تتشكل الغرف ، وملحقات المنزل من حظائر و مستودعات لتخزين الأعلاف وغيرها ..

لم تكن وحدات القياس كما هي اليوم ، فلم يكن للياردة أو المتر أي مكان ولا حتى الذراع ، بل كانت المقاييس معنوية ، تتفق مع الموجودات المتحركة من الكائنات المتعايشة مع الساكنين ، وما يتعلق بما تحمل على ظهورها .. فكان الارتفاع للبوابة يتناسب مع ارتفاع الجمل و هودجه وما يحمل ، وكان عرض الشارع يأخذ بنظر الاعتبار التقاء جملين أو حمارين عليهما حمولتهما .. فوظيفة الأشياء كانت تحدد القياسات لا علوم الهندسة والحساب .

وكانت ارتفاعات الغرف أو الحظائر أو الأسوار ، تراعي نقاطا لها جانب أمني وخصوصي في بعض الأحيان ، فغرفة النوم ، وهو اسم خليع لا يتناسب مع تلك الحالات التي بنيت من أجله الغرف ، بل كان يطلق على الغرفة اسم بيت و على البيت دار وليس منزل ، كان ارتفاعها يتحدد بالمساحة التي تلتف عليها قنطرة حمل البيت ( الغرفة ) ..فان كان عرض الغرفة خمسة أمتار ، فكانت القنطرة التي تبنى على شكل نصف دائرة ، لا بد أن يكون نصف قطرها لا يقل عن ثلاثة أمتار فستجد أن معظم الغرف يزيد ارتفاعها عن أربعة أمتار .. أما في الحظائر والغرف الأقل شأنا فإن الارتفاع ينخفض قليلا ، معتمدا على تقنيات تختلف بعض الشيء عن بناء غرف النوم ..

كنت إذا دخلت ( زقاق ) وهو الاسم الجدير أن تحمله تلك الشوارع .. لا ترى الا جدران طينية مصمتة ، لا نوافذ عليها ، حتى لا ينكشف ما بداخل المنزل من عورات .. و أحيانا كنت تجد ( طاقة ) وهي فتحة بأعلى الجدار لا تسمح لمن تسول له نفسه لا الدخول من خلالها و لا حتى النظر ، حتى لو استخدم سلما ، فامتداد نظره لن يرى من في الغرفة ، بل سيصطدم بنقطة على الجدار المقابل وعلى نفس الارتفاع لسماكة الجدار الذي يقل عرضه عن متر بقليل ..

كان يصدف المارة نتوءات بارزة في الشارع بين كل مسافة منزلين أو ثلاثة وهي مكونة من طين وحجر ترتفع حوالي مترا وربع أو بعلو ( الحمار ) وعرضها أقل من متر ، أو بعرض ( خيشة التبن ) .. كان يطلق عليها ( مقرص) .. وكان الاسم مشتقا من الوظيفة التي تقوم بها تلك النتوءات .. فهي ان أخذت على أساس أن النساء يقرصن عليها العجين قبل خبزه ، فالاشتقاق جائز هنا .. وان كان الهدف منها هو ، وضع ( خيشة التبن ) من على ظهر الحمار ثم قرصها ، لتفرغ محتوياتها في مخازن التبن ، فالاشتقاق أيضا جائز .

كانت الرطوبة والملح ( بفتح الميم واللام ) قد أكلتا من أسفل الجدران ، فكونتا بجانب الجدران ، هالة من الرماد الناعم جدا والذي لا يتحرك من مكانه ، فكنت تجد في بعض الأحيان صبيانا يبحثون بين ذراته المتراكمة عن صنف من الحشرات ، ليستخدمونه كطعم لفخاخ الصيد ، وكانوا يطلقون على تلك الحشرة اسم ( كعكل .. بضم الكافين ) ..

واذا واصلت السير ، فستجد انبعاجات في الزقاق عند التقاء زقاقين أو أكثر فتتسع المساحة هناك ، لتسهيل عمليات فرز الحوش ( بفتح الحاء و الواو ) وهو قطيع الأغنام و الماعز ، الذي كان يوكل لراعي يجمع ما للناس من ماشية ليرعى بها طيلة النهار ثم تفرز أثناء عودتها لأصحابها ..

ابن حوران
03-06-2006, 05:06 AM
(5)

تندرج حاجات الإنسان تحت ثلاثة مستويات ، الأول يعني بأساسيات الغاية من الحاجة نفسها ، وقد يسميه بعض العلماء المستوى ( الحدي ) .. فاذا كانت الغاية من المسكن هي الوقاية من الوحوش و اللصوص و عوامل الجو كالأمطار والحرارة وغيرها ، فإن كهفا سيشبع تلك الحاجة ، أو أي أربع جدران و سقف وباب ..

وهذا ينسحب على الملبس ، فالغاية هي ستر العورة و اتقاء البرد . ويمكن أن يقال هذا الكلام عن الطعام و الشراب و غيره ..

والمستوى الثاني ، يتعلق بصناعة نمط خاص بجماعة ، يطلق عليه العلماء اسم ( الرمزية ) وهو يعني بالتطور من حالة الإشباع الأساسية ، الى حالة إيجاد لون خاص بالجماعة ، والحديث هنا عن الجماعات الطبيعية وليس عن الجماعات المصطنعة ..فتجد نمط بناء مدينة أو حي مأسور بنمط يعبر عن لون حضارة الناس الذين أوجدوا هذا اللون .. فلو ذهبت الى شارع الرشيد في بغداد أو الى البصرة ولون شناشيلها ، أو الى أحياء حلب القديمة ، أو الى مدينة بولونيا شمال إيطاليا ستجد هذه الرمزية واضحة ..

هذا الكلام ينسحب على أزياء اللبس و أصناف الطعام .. فبعد أن تشبع الحاجة الأساسية الأولى في الستر ، فإن اللون والزي يصبح آسرا لمن يحاول إشباع حاجته ، فيكون غطاء الرأس و الدشداشة لونا عند بعض أبناء العرب ، وسيكون نشازا من يعتمر(برنيطة ) في حين يلبس الدشداشة ..

ويأتي المستوى الثالث ، وهو التخصص في إيجاد ميزة استثنائية للفرد تميزه عن غيره ، و قد أطلق عليها المختصون ب ( الأستيطيقية ) .. وهي كمن يضيف نقشا معينا على حجر البناء ، أو قرميدا ، أو بعض الصنوبر فوق الطعام أو بعض الإضافات التمييزية على الملابس الخ ..

إن تطور الحاجات و إشباعها وفق سير منتظم ، يعطي الحضارة سمات مستقرة ثابتة أصيلة ، و بعكسه فإن الطفرات و عدم التدرج بنمو تلبية الحاجات يجعل الارتباك سمة الحضارة .. فقد تجد بأحياء بعض المدن العربية أنماط بناء مختلفة و متجاورة فتجد قصرا على النمط المغربي ، يجاوره قصر على النمط الماليزي و بجانبه فيلا على النمط الأوروبي .. كما تجد لهجات المواطنين ، متنوعة تنوعا مبتذلا ، فمنهم من يتكلم بلهجة الريف ( الجلفة ) ومنهم من يتكلم بلهجة أهل الشام ، ومنهم من يحشر كلمات أجنبية في حديثه ، بمناسبة و من غير مناسبة .. وقد تجد كل هؤلاء من جد واحد ، ومنشأ أصلي واحد !

لم يكن أهل العتيقة ، يتطاولون بتفكيرهم ليرتقوا فوق المستوى الأول من إشباع الحاجات عندهم ، بشكل كبير ، فقد كان أهل القرية يحاولون إشباع حاجاتهم ، بكثير من التقشف و التدبير القاسي للاستفادة من الطبيعة التي حولهم مع بعض الإبداعات البسيطة غير المكلفة ..

لو أراد أحد أن يدخل بيتا من بيوت العتيقة ، فعليه أن يطرق الباب بكل ما أوتي من قوة ، حتى يسمع طرقاته من في الداخل ، والذين يكونون في الغالب ، ليس على مقربة من البوابة .. وكان قسم من الناس يضع على البوابة مطرقة معدنية على شكل قبضة يد صغرى ، مثبتة في أعلى البوابة على مستوى رأس الطارق البالغ ، ولها مفصل يسمح لها بالحركة والطرق على نتوء معدني أسفل طرف القبضة .. وكانت تلك التقنيات مما يميز طبقية بعض الناس !

أما البوابة ، فكانت من ألواح خشب الشوح ، غمست بالقير قبل رصفها ، حتى لا تتشقق بفعل العوامل الجوية ، وربطت ببعض بواسطة شرائط معدنية سميكة تثبت القطع ببعض بواسطة ( أسافين ) معدنية .. وهي كما أسلفنا بارتفاع أكثر من مترين ونصف ، لتسمح للخيال أن يدخل ، أو البعير المحمل .. وكانت بعرض أكثر من مترين ، ومثبتة بواسطة عمود خشبي أسطواني بطرفها ، يرتكز داخل حفرة في حجر صلب يسمى ( صعرور ) يسمح بفتح البوابة دون تغيير مكانها ، و يخترق فتحة في حجر ( الحنت ) الذي يعلو البوابة ..

لم تكن البوابة تفتح الا في مناسبات معينة ، أما الذي يفتح ، فهو فتحة عملت داخل البوابة ، بوسطها ترتفع عن الأرض بمقدار ذراع ، وهي بعرض رجل سمين ، وبارتفاع يسمح له بالدخول دون صعوبة .. وكان لها مفصلان مثبتان بجسم البوابة ..

أما القفل أو الغال أو ( السكرة ) فكانت مصنوعة من قطع خشبية متداخلة من خشب الجوز ، ومفتاحها قطعة خشبية مستقيمة ثبت به نتوءات معدنية ، ترتيبها يختلف من بوابة لأخرى و كأنها استنبطت من طريقة ( بريل ) للكتابة عند العميان ..

ابن حوران
15-06-2006, 03:58 PM
(6)

لو سمح لك أن تدخل الى داخل ( الدار) .. ولم تكن هناك موانع أصلا ، لتحول دون دخولك .. فالبوابات دائما تكون مفتوحة من خلال الفتحة التي تسمح بدخول من يريد .. فيكفي أن تطرق الباب أو تصرخ بأحد العبارات التي تدل على وجودك ، كأن تقول ( يا ساتر ) أو ( يا الله يا الله ).. أو تصرخ ( منو هون )..

فكلها إيماءات تعطيك إشارة مرور .. ونادرا من يكون هناك من يسألك ( منو هذا؟) .. بل ستسمع صوتا واضحا ( فوت جاي ) .. وقد يشاغلك في بعض الأحيان نباح كلب ضجر ، فقد حماسه في الدفاع عن حرم البيت ، لجوع ألم به ولربطه لمدة طويلة ، أو حتى يكون بلا رباط ، فكل الأماكن تتشابه عنده ..

سيكون على يمينك أو يسارك ، نافذة طويلة عليها قضبان حديدية مبرومة ، لكنها مفتوحة باستمرار ، لتسمح لمن يجلس مقابلا لها ، أن يرى من يدخل للدار أو يخرج منها .. وهو غالبا ما يكون رجلا مسنا ، يعبث إما بلحيته ، أو يناغي أحد أطفال الدار ، أو يشغل نفسه بتنقية التبغ من عيدانه القاسية تمهيدا لفركه ، أو أنه غارق في نوم لحظي ، يستفيق بعد أي إنذار من أي نوع ..

وبالواجهة المقابلة للنافذة من المدخل ، ستجد حظيرة ( بايكة ) ، لمبيت حيوانات الركوب أو العمل .. وقد تم وضعها في هذا المكان ، نظرا لأن أحد الزوار ، قد يأتي راكبا على فرس ، فلا بد من الإسراع بربطها في هذا المكان ، ولو دخلت الى داخل تلك الحظيرة ، لوجدت في داخلها المعتم ، بعض الطوالات وهي مداود يوضع فيها العلف أمام الحيوانات ، التي تربط بوتد قرب المدود . واذا جلت بنظرك ، فإنك ستجد أوتادا دقت في الجدران المكونة من الطين و الحجر ، وعلى ارتفاع مناسب ، لا يصيب رأس المار ، وعلق عليها بعض الأدوات الزراعية ، كالمذراة أو الغربال أو الحواة أو الحياصة أو مجموعة حبال وكلها أدوات لا يمكن الاستغناء عنها ، لكنك ستجدها معلقة ، إذا لم تكن في الخدمة ..

بجانب حظيرة الحيوانات ، ستجد مخزنا للتبن ، وهو لكي يستوعب مخزونا كبيرا من التبن ، قد يحتاجه صاحب الدار لثلاث سنوات ، إذا ما تعذر على الحصول على تبن جديد نتيجة لسنين القحط .. فإن من أنشأه قد حفر أكثر من مترين في أرضيته لتكون حيزا إضافيا للتخزين .. وأحيانا يحفر في الأرضية المنخفضة أصلا ، بئرا لخزن الشعير أو القمح ، لإخفاءه تحت التبن عن عيون السلطات العثمانية ، عندما كانت تجمع محاصيل الفلاحين لإمداد الجيش ..

أما ما يحاذي ( مخزن التبن ) فكان شيئا بلا باب و لا سقف ، كان يطلق عليه (الشونة ) وهو ما يزال من تحت الحيوانات من فرش مبلل ، بعد استخراج ما يمكن تصنيع ( الجلة ) منه .. فكان يكوم بالشونة ، ويترك حتى يتخمر ، فتغطى به ( طوابين ) الخبيز .. وكان من يمر بجانبه شتاءا ، يجد أن بعض الكلاب قد حفرت به و اختبأت طالبة بعض الدفء الناتج من التخمر ..

أما ما يحاذي ( الشونة) فهو ( القطع ) وهو بناء هزيل مسقوف ، ولكنه ملون بالسواد باستمرار نتيجة عشقه للدخان الذي يصدر من ( الفرن ) الذي يتصل به دون فواصل صلدة .. وكان يحفظ به الوقيد المكون من عيدان القمح أو الحمص أو الفول ، والتي لا يمكن للحيوانات أن تمضغها لصلابتها ، هذا بالإضافة الى بعض قطع الحطب و أقراص ( الجلة ) ..

أما الفرن .. فكان له دلالة رمزية ومادية و يرتبط بكل ما يغذي أهل الدار ، لقد كان غرفة أو شيئا شبيها بالغرفة ، له فتحة باب ولكن ليس عليه باب يغلق ، بل كان مفتوحا باستمرار ، فليس هناك ما يسرق منه ، وعندما يكون به ما يطبخ ، سيكون بالتأكيد امرأة تطبخ و تحرس ما تطبخ .. وكان من الصعب على من يحاول أن يدخل الى الفرن أن يرى حتى المرأة التي تطبخ ، فهي تربض وسط جو مفعم بالدخان ، الذي يدمع العيون ، ولحسن حظ من ينتظرها في إنجاز الطعام ، فإن مكونات الطعام لم تكن لتحتاج الى إضاءة ، ولا تحتاج الى دقة في المقادير ، أو توقيت إضافة الإضافات ، القلية أو النادرة أصلا .. لقد كان الفرن مجللا بالسواد ، حيث تجمع عليه السنا الأسود المتطاير من الحرق ، منذ تأسيسه ، حتى لو أسس في العهد الحجري ، فلم يكن يجري للسنا ، عمليات إزالة ، لعدم الضرورة !

بجانب الفرن ، هناك غرفة تسمى ( بيت العيلة ) وهي لتخزين المئونة ، وقد صنع لها غال وله مفتاح ، يتدلى في رقبة أكبر امرأة في الدار ( الوكيلة ) وكانت لا تتسامح في النظر اليه ، ولن تعطيه لأحد حتى لو قصوا رقبتها معه . كان به مجموعة من الجرار الفخارية الكبيرة ( بيطس ) و ( بقسة ) ، فعندما تتسع لأكثر من مئة لتر كان يطلق عليها ( بيطس ) .. كان يصنع بها (الكشك) أو يخزن بها السمن في سنين ( الفيض) .. وكان ببيت (العيلة ) مجموعة من أواني جلدية ( جف ) لجلد العجل ، و (شكوة) لجلدة الشاة وهناك ( الزق) وغيرها من الأدوات التي تأخذ اسمها من حجمها و الحيوان التي استخرجت منه، وكان بها مجموعة من (الكواير ) وهي أواني طينية تتسع الواحدة منها لحوالي ربع طن لتخزين الطحين و البرغل و بعض الحبوب التي تستخدم في الطبخ ..وكانت ( الكواير ) تصنع على مهل ، من الطين المخمر المجبول بالتبن وتبنى كل ما جف جزء منها بارتفاع شبر أضيف عليه جزء جديد حتى تصبح بارتفاع مترين تقريبا ، ويصنع لها فتحة من الأسفل ، لاستخراج مخصصات الطعام لذلك اليوم ..

يتبع

ابن حوران
23-06-2006, 05:26 PM
(7)

سيكون دخول الزائر الى الغرفة التي يجلس بها كبير الدار ، وكانوا يطلقون عليها مجازا اسم (مضافة ) .. كان لا بد للداخل أن ينحرف قليلا بجسمه لكي يدخل من أحد فتحتي الباب ، إذ تغلق واحدة منهما باستمرار ، ولا تفتح إلا بالمناسبات ..

كما أن عليه أن يخلع نعليه قبل الدخول ، واضعا حذاءه في انخفاض يهبط عن سطح أرضية ( المضافة ) بحوالي شبر ، يكون بعرض متر تقريبا ، ويمتد من سعة الباب الى طرفي الغرفة ..

كان صاحب الدار ، لا يقوم بوجه زواره إلا فيما ندر ، ونادرا ما يشير للزائر بمكان الجلوس الذي يجب أن يجلس به ، فالزوار يعرفون أمكنة جلوسهم جيدا ، فيكون عليهم أن يجلسوا قبالة صاحب الدار ، في وضع لا يسمح لهم كثيرا برؤية مساحات واسعة من الدار ، حيث يخصص المكان ذاك فقط لصاحب الدار .

كانت ( المضافة ) وهي الغرفة التي يستقبل بها الزوار ، أفضل و أوسع غرفة بالدار ، وهي الوحيدة التي تكون أسطح جدرانها مستوية بعض الشيء ، وخالية من النتوءات الواضحة ، بعكس الغرف الأقل أهمية ، التي غالبا ما يقوم ببنائها أهل الدار أنفسهم ، بالإضافة الى معاونة الجيران أو الأقارب ..

كانت أرضيتها تغطى بطبقة من الإسمنت المخلوط بحصى الوديان ، والمصقول بعناية ، حيث كان يرش عليه مسحوق الإسمنت بعد مد المخلوط الطري ، ثم يصقل بأداة خاصة .. وكان هناك الكثير من الأرضيات التي تمد بالجير الحي ، الذي يخمر قبل المد بقليل ..

كنت تجد في جدران المضافة ، تجاويف صنعت داخل الجدار السميك ، وأصبحت كأنها ( خزائن ) .. تحفظ بها بعض اللوازم لصناعة القهوة و الشاي وبعض أوراق التبغ المفروم ، وستجد بها إن اجتهدت حجر ( مسن ) لسن سكينة يحتفظ بها ( الشايب ) لأغراضه الخاصة في جيبه ، وستجد (قنينة) بنزين لملئ مقدحته ، وبعض عينات من القمح ، وكتيب للمولد النبوي وبكيت حلو شعبي أو بعض التمر الخ .

كان يتوسط ( المضافة ) حفرة بسيطة مربعة طول ضلعها أكثر من متر بقليل ، ثم صبت أرضيتها أو ثبت بها أحجار ملساء ، وحددت بأحجار ملساء أيضا ، لتصبح موقدا توضع به ( دلال) صنع القهوة .. فيحيط الجلساء بها ..

وعلى بعد منها ، يكون هناك ثقب مصنوع بمتانة ، ليثبت به عمود معدني بطول مترين أو أكثر قليلا ، معقوف الرأس ، يتدلى منه قفص زجاجي مثمن الشكل ، مثقوب من أسفله ، ويثبت داخله ( سراج ) يزود بالنفط ، من أجل الإضاءة ..

أما سقف الغرفة ، فإنه يكون من قصب خاص ، يتراص بجانب بعضه البعض ويكون بسمك ( بوصة ) تقريبا .. ويرتكز على جسور معدنية بشكل حرف H وتكون الأبعاد بين جسر وجسر حوالي المتر تقريبا .. كانت بعض طيور السنونو تعشش به ، دون أن يضايقها أحد في مرواحها و مجيئها لاعتقاد بقدسية ذلك الطير .. وقليل من الناس من كان يغطي منظر القصب هذا بطين أو ( كلس ) أو إسمنت ..

كنت تجد أحيانا بعض البيوت ، علق عليها صورة ( لفاطمة المغربية ) أو (جول جمال ) .. أو ( الزير سالم ) .. وبعضهم قد علق على الجدران التي صبغت بمحلول كلسي أحيانا يلون بلون ( النيلة ) .. قطيفة ناعمة ، لا يمكن معرفة لونها الأصلي تماما لما عشقت من أدخنة الفحم أو الحطب الذي اشتعل طيلة سنوات .. ونادرا ما تغسل ظنا من أن صورة الوحش الذي عليها ستزول بالغسيل ..

أما غرف ( النوم ) وهو اسم أتحفظ عليه ، فكانت أقل سعة من المضافة ، فكنت تجد بها ترتيبا بجدرانها ، يسمح بطي الفرشات و الألحفة عليه ، وان كان ساكنوها هم من المتزوجين خلال عشر سنوات ، فإنك ستلاحظ بأعلى الجدار المقابل ، رفا من الخشب الذي ثبت عليه حافة متعرجة ، لونت بلون أخضر قاتم ووضع وسط اللون الأخضر بقع بيضاء .. ورص فوق الرف بعض الأواني النحاسية ، والسلطانيات ، للتفاخر بأثاث العروس ، وعلق أسفل منه ، بعض الأواني التي صنعت من قش القمح ، ولكل آنية اسم يتناسب مع وظيفتها ، (فالمرجونة لحفظ الخبز ) و ( المغمقان لنقل الحبوب) و ( القبعة لحفض البيض) و( الطبق يوضع تحت السفرة !) .. الخ

كانت أرضيات الغرف تكسى ببساط من شعر الماعز أسود يقال له (بلاس) وأحيانا يكتفى بالحصير لتغطية الأرضيات .. وكان من يجلس في تلك الغرف من النساء ، لا بد أن يكون بجانبها ( رمح ) من قصب طويل ، لطرد الدجاج الذي يقتحم عليها انشغالها بتنقية بعض الحبوب ، وحتى لا يلوث أرضية غرفتها بالزرق ..

كانت النسوة ، لا تتحرج من رؤية الداخلين الى حرم الدار ، ولكن الاحتياطات كانت كافية ، لأن تكون المرأة في حيطة فيما لو دخل أحدهم حرم الدار ، وهي في ملابسها الداخلية ، والتي هي أكثر سترة من ملابس اليوم في جميع الأحوال ، فقد كانت تعاريج ممرات الدار ، تسمح بسيطرة من في الداخل على رؤية القادمين ، لا العكس ، تماما كما في أوكار الثعالب ..

ابن حوران
15-07-2006, 12:54 PM
(8)

لو سألك أحدهم عن ملحقات الدار ، فإنك ستفاجأ للحظة ، ثم تستحث ذاكرتك ، لتكتشف أن ملحقات الدور لم يعد منها قائما في هذا الوقت أي نموذج ، فستبادر لنفض غبار السنين الطويلة من على رفوف مخططات بسيطة وبدائية لتوابع ، لن تخطر ببال أحد إلا في لحظة تصميمها ..

لم يكن في الدور ، خطوط لإسالة المياه ، لا الواردة ، ولا المصروفة ، فكنت ستجد بئرا حفر في منتصف ساحة الدار ، بعمق يصل أحيانا الى ثمانية أمتار ، ويأخذ شكل حفرته ، ثمرة الكمثرى ، كان يحفره أناس صبورون ، بعد إزالة التربة الطينية ووصولهم الى طبقات الصخر ، فإنهم ينقرون في الصخر بجلد كبير لمدة شهرين أو أكثر ، بواسطة أدوات معدنية ، العمل بها مضني .. ويضعون في أعلى الحفرة بكرة يربط بها حبل مزدوج ، لنزول من يحفر صعوده ، ولاستخراج ما يجمعه من قطع صخر ، فيضعها بقفة ويقوم بشد طرف الحبل حتى تتناول القفة في النهاية زوجته أو ابنته منه .. فترمي محتوياتها في مكان يبعد عدة خطوات عن مكان الحفر .. وستوظف تلك القطع الصخرية في شأن آخر ، ذات يوم ..

كانت الآبار تتسع بعد تشييدها و إغلاق مساماتها الصخرية بواسطة ( الجير) الى حوالي مئة متر مكعب من الماء .. وكان هذا يكفي طيلة العام ، لسقي الحيوانات و القيام باستعمال ماء البئر في شؤون أخرى ، عدا الشرب ..
وكانوا يزيلون ما ترسب به من ( سمالة ) أي الطين كل خمس سنوات ، ويوظفوا ذلك الطين في عمل ( الطوب ) بعد خلطه بالتبن ليشتد و لا يتشقق !

كان يلحق بالبئر (جرن ) وهو قطعة حجر تتسع لأكثر من خمسين لترا من الماء ، توضع في تجويفها الذي نقر ليصبح كماعون ، به فتحة في أحد زواياه السفلى ، لتصريف ما يتبقى من الماء المتسخ ، من عبث الحمام أو الدجاج ، أو ما ينزل من أفواه المجترات التي شربت منه ، وكان أحيانا يوضع به قليل من القطران لشأن يخص الحيوانات ، خصوصا الأغنام و الجمال ..

وكان يرمى بجانبه دلو من كاوتشوك أو سطل قديم ، تثبت بأعلى فتحته الواسعة ، قطعة خشب ليربط بها الحبل ، فكان من يستخرج الماء ، يرمي بالدلو الى أسفل البئر ، ثم يمتحه بثلاث أو أربع أو خمس متحات ، وكان من يراقبه عن بعد يتخيل له أن هذا الماتح ، الذي يضع قدميه منفرجتين على حافتي فتحة البئر ، كأنه يقوم بتمارين سويدية من نوع خاص ، هذا بعد أن يكون قد اطلع على تلك التمارين !

كنت ترى في جوانب ساحة الدار ، جدران أقيمت لا على تعيين ، بل لشأن لحظي ، لحبس صغار الماعز ، أو لعمل ( مرحاض) دون حفرة طبعا ، فالدجاج المتجول بساحة الدار ، كفيل بإزالة أي شيء يلقاه ، ولم تكن موجودات المراحيض قد سجلت في قائمة الممنوعات للدجاج ..

وكنت ترى ، قبة من طين صغيرة يقال لها ( قن ) لحجز صغار الكتاكيت و أمهم ( القرقة ) .. كما أنك لو تجولت ، ستجد حظيرة للأبقار ، أخذت زاوية معينة في ساحة الدار .. وسيصادفك بعض الحجارة المثقوبة الناتئة من حائط قائم ، لربط بعض الجمال أو الخيل ..

وكنت تجد بناء مكعب من مترين تقريبا ، تربض به جرة ( خابية) تتسع لحوالي ربع متر مكعب من ماء الشرب .. ومظللة بسقف يمنع أشعة الشمس . كما ستجد حفرة صغيرة في الأرض ، شيدت لوضع الماء للدجاج المتجول ، والحمام الذي ينزل بين فينة و أخرى لالتقاط رزقه أو لشرب بعض الماء .

كما أنك إذا كنت في غفلة من أمرك ، ستصطدم بحبل غسيل ( سلكي) قد هبط قليلا حتى أصبح بمستوى رأس رجل طويل ، وكان يستخدم لنشر الغسيل ، وحفظ اللحوم الزائدة عن القطط ، فاذا ما زاد بعض اللحم ، و أي لحم ، لا بد لذلك من قصة أخرى ، فإن أهل الدار سيرفعون اللحم ليبقى طازجا بقدر الإمكان في صرة معلقة على حبل .. وكانت القطط المقهورة التي تراقب الصرة ، ولكن لا تطولها ، هي من تكشف لك السر ..

أما مياه الصرف الصحي ، وهي قليلة جدا فكان يحفر لها حفرة بحجم حفرة الأشجار ، بجنب كل غرفة بها زوجين ويستحمون داخلها ، ونادرا ما تمتلئ لشدة التقنين باستخدام المياه ..

كنت تلاحظ مجموعة من ( الطواقي ) وهي حجرات صغيرة تصنع من طين على حافات الأسطح ، يربى فيها الحمام ، وتكون بوضع يصعب على القطط الوصول الى (الزغاليل ) .. التي كانت تربى لتغذية ( النفساء ) أو تهدى للعرسان أو النقهاء من مرض ..

كنت تلاحظ سلما ، مركيا على حافة حائط ، يستخدم للصعود على الأسطح ، والتي كان لا يصعد عليها إلا في المناسبات ، حتى لا تصبح نافذة لماء المطر ، من كثر السير فوقها ، فكانت تتكون من طين وقصب و تبن و بعض الجسور الحديدية أو الخشبية ، وكان يضاف عليها طبقة من الطين ( المملس ) كل عام لإغلاق الشقوق ، التي تتكون بعد موت الأعشاب التي نمت من بين طين السقف والتي جاءت بذورها إما من التراب المستعمل أو التبن الذي خلط مع الطين .

كان الصعود على الأسطح ، يعتبر ظاهرة غير محببة ، لما سيكشف من عورة الجيران ، ولو أن ذلك قد تمت الاحتياطات له ، لكن كانت مناسبات الصعود على الأسطح يعلمها الجيران ، فهي إما لإضافة الطين ، أو لنشر القمح المسلوق ، لعمل البرغل ، أو لنشر اللبن المنطل ( الجميد ) أو ( الكشك ) ..

يتبع

ابن حوران
23-07-2006, 11:41 PM
(9)

يقال أن في اللغة العربية ، عدة ملايين من المفردات ، هناك من يبالغ بعددها فيجعله اثني عشر مليونا ، وهناك من يقول أنها أقل من مليون قليلا ..

مع ذلك فان أهل العتيقة ، لم يكونوا يستعملوا من هذا الكم الكبير ، إلا بضع آلاف من الكلمات ، وأحيانا بضع مئات تستخدم لعدة أشهر ، دون ملل .. ليس لجهل السكان باللغة ، وان كانوا كذلك ، بل لعدم حاجتهم إلا للقيل منها ، تماما كما يحدث في ورشة لتصليح السيارات ، فان الأوامر والأدوات و التشخيص يحصر في قليل من الكلام .. و أحيانا لا يفقهه إلا من يستعمله فقط ..

كانت ( الشمرة ) أي التعبير والطريقة التي تقال بها العبارة المقتضبة ، أبلغ بكثير من استعمال العديد من الكلمات المرصوصة .. فكان إن أراد أحدهم أن يمتدح زرعا في منطقة مر عليها ، يقول ( والله زرع غرب البلدة ) فيصمت قليلا ويضيف ( زرع) .. ويتوقف ، ولكنه يتكئ على ( الزرع) الأخيرة ويعطيها بعض القوة ، مع تجهم في تقاطيع وجهه .. و إن أراد أن يتهكم على قوة رجل ضعيف فيقول ( ما شاء الله عن مروة فلان ) .. فيصمت مبتسما بمكر ويضيف (مروة) .

أما إن أراد أن يأمر أحد أولاده بالنوم .. فيقول ( انغمد ) .. أي ادخل بفراشك كما يدخل السيف بغمده .. وهي إشارة قاسية وكافية لجعل الطفل ينصاع لأوامر أبيه دون تأخير .. و إذا أراد أحد أن يرد صاحب طلب من ذويه (أبناءه أو أقاربه أو معارفه ) فانه يقول له ( تخيب ) .. أي اذهب خائبا فأنا لا أوافقك على طلبك أو رأيك ..

كان لفظ الجلالة ، يحتل مساحة واسعة من كلام أهل العتيقة ، فإن أراد أن يدعو أحدا لتناول الطعام فإنه يقول ( جيرة الله ) .. وإن أراد أن ينبه من في البيت يقول ( يا الله .. يا الله ) .. وان أراد أن يستعجل أحدا فانه يقول (يا الله عاد ) .. وإن رأى طفلا يسقط صاح ( الله .. الله ) .. وإن أراد تقدير كمية ، بالحجم أو العدد أو الثمن يقول ( يا الله تطلع هالقد ) .. و إن أراد أن يرتجي من الله شيئا فيقول ( يا الله ) .. كثيرة هي الجمل المكررة التي يستخدم فيها لفظ الجلالة .. حتى في بداية احتفالات العرس تبتدئ حلقة استهلال الاحتفال ب :

أول الفال ذكر الله لزوم .... نذكر المعتلي قبل الكلام

وعند زفة العريس يقال :

يا الله يا الله يا معبودي يا عالي ... تغفر لنا ذنوب بالجهل عملناها

لقد كانت اللهجة التي يتكلم بها أهل العتيقة موحدة ، فبالرغم من أن جذور أهل القرية تعود الى فلسطين ومصر وليبيا والحجاز وسوريا ، وعائلة واحدة من العراق ، وبعض عائلات من جنوب الأردن ، إلا أنهم اتفقوا على لهجة (جلفة) تتناسب مع قساوة حياتهم .. فكانت الكاف عندهم تلفظ كما هي في (تشيكوسلوفاكيا ) فان سألك أحدهم : كيف حالك ، يقول (تشيف حالك ) .. ويتطيرون ممن يلفظ الكاف كما هي ، ويعتبرونه متكلف أو مائع ..

وبالرغم من محدودية الألفاظ المستعملة ، فإنك تجد بأمثالهم عمق تاريخي بعيد ، ينم عن مخزون متوارث يمتد الى آلاف السنين .. فعندما يأتي المطر مبكرا ، كنت تسمع من يقول ( إلقحت ) .. أي تلقحت الأرض .. وهو اعتقاد سومري قديم بأن السماء ( ذكر ) و الأرض ( أنثى ) .. وها هي قد تم تخصيبها نتيجة المطر المبكر .. أما إذا دخل (فبراير ـ شباط ) وبدت الحيرة على وجوه الفلاحين ودخل بعض اليأس الى نفوسهم ، فإنك ستسمع مثلا ( بمشير يتساوى اللوكسي مع العفير ) ..أي أن الزرع الذي زرع مبكرا (عفير ) والذي زرع متأخرا (لوكسي ) ، سيتساويان في شهر مارس/آذار .. وهو (مشير) بالتقويم الفرعوني ..

ثم تجد في لغتهم ما يدل على معرفة بالجغرافيا ، فاستقرت قصص في مخزون ذاكرتهم الجماعية ، خصوصا عندما يقوموا بالغناء فتسمع أحدهم يغني ( يا بارزا بين السويس وجدة ) .. ثم يحكي حكاية بنمط غنائي ..

أما اختزال اللغة فكنت تلحظه ، عندما يخرج المنادي ( الصيَاح) ، يبلغ الناس عن فقدان شيء .. فيصيح بأعلى صوته ، وكنا نسمعه على بعد خمسة كيلومترات ، لسكون الجو وخلوه من ضجيج .. فيقول ( يا من شاف .. يا من سمع .. يا من علم .. يا من نشق خبر ) ويكمل بتوصيف المفقود .. فيخبر الجميع بعد أن يضعهم في دائرة العقاب من الله .. بأن من رأى أو سمع أو علم من خلال طرف آخر ، أو استخدم عقله في الاستنتاج ( نشق خبر ) عن ذلك المفقود أن يبدي معلوماته ، ثم يذكر التحذير لمن يخفي ذلك !

يتبع

ابن حوران
03-08-2006, 01:10 AM
( 10 )

لم يكن هناك حاجة للعلم في تلك القرية ، فما الحاجة الى معلومات لا توظف في مجال ؟ .. هذه كانت فلسفة أهل العتيقة ، والتي كانوا يفصحوا عنها أحيانا ، كانت بعض المهارات التي تنتقل بالمشافهة ، من خلال التجارب أو الأوامر المخلوطة بالضرب ، كفيلة بتعليم الصغار ، ما سيقومون به .. فالعلم ، عادة يأتي محاذيا لعلاقات الإنتاج ، وطالما أن نوعية الإنتاج ، كانت محصورة بنمط معروف جدا وهو الزراعة البعلية ( الديمية ) التي تعتمد على الأمطار .. فلا علوم مطلوبة ، ولا حاجة للتدرب ، طالما أن المدربين والملقنين يقفون على رأس عملهم ..

مع ذلك ، وتحسبا للأخطاء في عد الأشياء التي تحتاج عدا ، كعبوات التبن أو الحبوب ، أو الخراف أو غيرها ، فقد رأى أهل القرية أنه لا بأس من التعلم قليلا ، إذا كانت كلفة التعليم غير عالية ، ووقت التعليم ، لا يؤثر على أوقات الاستفادة من الأطفال .. في حين لو أراد أحدهم أن يكتب سندا أو ( حجة) فكان بالعتيقة عدة أشخاص يحسنون التعامل مع الكتابة من هذا النوع ..

كان أهالي القرية ، يبعثون أطفالهم لكتاتيب يقومون بتعليم أطفالهم القراءة والكتابة وبعض علوم الحساب ، مقابل أن يأخذ الطفل معه رغيفا من الخبز كل صباح ، وبعض البصل يوم الخميس ، وعندما يختم ( جزء عما ) فإن للشيخ المدرس مكافأة تساوي علبة من القمح ( 60 كغم ) .. وإذا أنهى (ربع يس) فإن له ضعفها ، وإن ختم القرآن فله هدية يعرفها الجميع ، وهي تكون جديا ، أو (تنكة) سمن أو شيئا من هذا القبيل ..

كان في العتيقة ثلاثة من الكتاتيب ، أحدهم له شهرة ، ويثق بقدراته أهل البلدة أكثر من الآخرين ، وكان هو مؤذن البلدة ، كان قد تلقى تلك المهارة من والده الذي تلقاها هو الآخر من والده القادم من مصر ..

كان عصبيا جدا ، ولكنه يحفظ من قصص طريفة ، يتندر بها أمام زواره ، وقد كانت تلك القصص مقتطفة من ( كتاب المستطرف للمحلي ) .. والذي كان من بين عدة مئات من كتب ، طبعت في مطبعة بولاق منذ أكثر من قرن ..

كان يحتفظ بمحاليل معينة يستخدمها كحبر للكتابة ، وينشغل أحيانا بمعالجة بعض عيدان القصب ، لصنع أقلام للكتابة بها ، فكان يشطف رأس القصبة بطرف السكين ، ليخط على ألواح من صفيح يحضرها الأطفال معهم .. وكان يضع بجانبه مجموعة من مطارق من الرمان لضرب بها المقصرين ..

كان يتجمع ب (المكتب ) وكان هذا اسم المكان الذي يجري فيه التدريس ، حوالي ستين من الأطفال ، خمسهم أو سدسهم من الإناث ، اللواتي كن يجلسن بالقرب من الشيخ في مكان يفصلهن قليلا عن معشر الأطفال الذكور ، وحتى لو لم يكن على بعد ، فلم يكن هناك مجالا لشيء غير مرغوب فيه ، لقوة حضور الشيخ ورهبته ..

كان يقوم بتدريس كل طفل على حدا ، ويحفظ علة كل طفل و أين وصل ، وأين يخطئ ، وكان يستعين باللوح المعدني الذي في يده ، فيقرأ الطفل الذي يجلس على يمين الشيخ قرب كتفه الأيمن ، مرعوبا خائفا ، من أن يخطئ في تسميع الدرس .. فكان الشيخ يمسك باللوح و يسأل الطفل عن الحروف الخمسة الذي أخذها كدرس أول .. هذه : فيجيب أ وهذه فيجيب ب وهذه فيجيب ت حتى ينتهي ثم يعيد السؤال بترتيب مختلف فيشير الى الجيم ، ومن بعدها التاء ، وإن أخطأ الطفل في تسميع الشيخ قراءة الحروف ، يلكزه في طرف قلم القصب برأسه ، ويعيد عليه ( هذه .. يا ابن الكلب ) .. فإن وثق الشيخ بقدرة الطفل ، أضاف له خمسة حروف أخرى حتى ينتهي ، ويتعود الطفل على قراءة الحروف الأبجدية .

ثم يرتقي التدريس الى ( أبجد هوز .. حطي كلمن الخ ) .. ثم يدخل الى التشكيل مباشرة ، ألف فتحة ألف كسرة ألف ضمة ألف سكون ، وحتى الياء ، ومن بعدها ألف فتحتين ألف كسرتين ، ألف ضمتين الى الياء ..

أما درس الحساب ، فكان يتناول الحساب على الطريقة العثمانية ، فبعد الأعداد وتعلمها ، تلي ذلك الجمع والطرح والضرب والقسمة ، وكانت عمليات الضرب تخضع لميزان خاص ، لمعرفة عملية الضرب إن كانت صحيحة أم خاطئة ..

أما الحالة الجماعية للتدريس ، فكانت تتم بقراءة القرآن من سورة الناس الى سورة الفجر .. يتم قراءتها جماعيا ، حيث يقرأ الشيخ آية أو قسما منها ، والأطفال يردون عليه بصوت بهيج ( الهكم : الهكم ) .. ( التكاثر : التكاثر ) .. كان هذا اللون يتم يوميا قبل انصراف التلاميذ ..

أما المتقدمين ، فإنه يفرد لهم وقت خاص على مسمع البقية ، لكن دون تدخل غيرهم في الدرس .. فإن أنهى أحدهم ( ربع يس ) .. يجري له زفة الى مقام ولي ، وهو يلبس ثوبا أبيضا و عباءة مقصبة ، ويحمله ولد أكبر سنا على أكتافه ، ثم يمر به على بيت والده ، فيأخذ بشارة .. وعند الختمة الكبرى ، حيث يتخرج الطفل .. يكون الاحتفال أكبر ، وطبعا سيكون عمر الولد وقتها ، حوالي الخمس عشرة عاما ..

بالمقابل ، كان هناك مدرسة حكومية بها للصف الرابع ، ينظر لها المواطنون نظرة رهبة ، ولا يبعثون أبناءهم لها .. لأنهم إن فعلوا ذلك ، فعليهم أن يكملوا المشوار باستئجار غرفة لهم في مدينة قريبة تحتاج على ظهر الحمار للوصول لها حوالي أربع ساعات ..

ابن حوران
12-08-2006, 10:38 PM
(11)

لاحظ أحد الأطباء الذين كانوا يشرفون على الحالة الصحية في سجن سالسبوري بروديسيا (زمبابوي الآن ) ..أن كلبا كان يركض في الساحات الشاسعة خلف السجن ، ويقوم بشم النبات هذا ويتركه ، ويشم ذاك النبات ويتركه ، والطبيب يراقبه من شرفة سكنه ، حتى توقف الكلب عند نبتة وتناول منها عدة قضمات ، وبعدها بقليل أفرغ ما في بطنه . فهرع الطبيب الى النبتة وأخذ منها قطعة وفحصها ، فإذا بها بعض المواد المقيئة .

لا تستطيع حيوانات البراري إذا ألم بها المرض ، أن تذهب لعيادة طبيب بيطري وتشتكي له من صداع أو ألم في الكبد ، فقد زودها الله بتلك الخاصية ، لتبحث عن علاجها بين نباتات الطبيعة ..

بالعتيقة ، كما في غيرها من القرى القديمة ، لم يكن هناك عيادات طبية ، ولم يكن هناك أطباء في كل المنطقة ، فاللواء كله لم يكن به إلا طبيب واحد من أصل إيراني ، ومن يدري فقد لا يكون طبيبا ، فلم تكن هناك جهات وقوانين تقرر إن كان هذا قد نال شهادة الطب أو أنه أهل لمزاولة تلك المهنة ..

لم يكن أحد يعير اهتماما بالمريض ، فالمرض والموت أكثر أصدقاء أهل القرية غير المرغوب بهم زيارة لتلك القرية . فإن مرض أحدهم وكان موكل إليه مهمة الحراثة ، فإنهم لا يمنحونه فرصة كبيرة للاستراحة ، أو حتى أن يعبر عن مرضه ، ولو بالتأوه .. ويكون هو على علم بتلك المشاعر ووجاهتها ، فإن تأخر عن أداء عمله ، فإن عليه أن يبذل جهدا مضاعفا فيما بعد لإنجازه ، فقد عرف أن هذه هي حصته من الواجبات ..

كانوا يفقدوه إذا ساءت ظروفه كثيرا ، بقليل من اللبن والثوم ، و أحيانا يعطوه بعض البصل مع الطعام كحظوة إضافية ، عله يخف ويقوم الى عمله بوقت أبكر ، أو يحضرون له عجوزا ، تحتفظ ببعض المهارات وبعض أصناف أدوية مثل ( السنامكة ، والمروحة ، والعنزروت وغيرها ) .. كانت وهي قادمة تصلك روائح تلك المواد النفاثة قبل وصولها لتنبئ عن قدومها ، دون أن تراها .

كانت تستخدم تلك المواد ، فتضبط معها من بين كل عشرين حالة ، حالة تمدها ببعض الشهرة لحين أن تضبط حالة أخرى ، كانت لا تتكلم كثيرا ، ليفضحها جهلها في تفسير ما يلم بالمريض من حالة ، حتى لو كان سرطان الدم ، فإنها تتمتم ببعض الكلام غير المفهوم ، محاولة أن تبقي على حضورها في ذاكرة أهل البلدة لفترة طويلة ..

ولم يكن لدى أهل القرية خيارات متعددة ، للقبول بتلك العجوز أو رفضها ، بل بالعكس ، ما أن يقال لهم عن وصفة ، فيهبوا إن ساءت الحالة لتنفيذها ، فإن أشار عليهم أحد بوضع لوح صبار مشوي على رقبة أو ظهر المريض ، فإنهم يقوموا بالسفر لأقرب قرية بها تلك النبتة فيحضروها ..

وإن قال أحدهم أن ( كاسات الهواء ) هي الحل ، سرعان ما يحضروا مثل تلك الكؤوس وهي أكواب زجاجية ذات مصنعية رديئة ، لها فتحة مستديرة ، ثم تنبعج لجهة الأسفل لتكون أكثر اتساعا ، فيحرقون بها ورقة أو خرقة قماش ويضعونها على أماكن في جسم المريض فيتضايق من الحرارة ، فتنتفخ أجزاء جلده نحو داخل ( الكأس) .. ومن حوله يطمئنوه بأن الفرج قريب ..

و أحيانا كان أحدهم يقوم بكي نفسه ، للخلاص من ألم المفاصل ، فيضع على مكان الألم قطعة خاصة من عشب جاف يقال لها ( قدحة) ثم يضع في بطن تلك العشبة ، حبة حمص ، ويولع بها ، وتراه يخرج صوتا كأنه ( زغرودة ) لكن باتجاه معاكس ( للداخل ) وذلك من شدة الألم .. حتى تطق حبة الحمص ، فيعرف عندها بأنه قد أتم عمليته بنجاح .. كان بين أثر الكي والآخر في جسمه لا يزيد مسافته عن ثلاثة أصابع .. وبعد يومين يخرج من جسمه صددا ، فيعتقد أن الألم قد سحب مع هذه الأوساخ ، ولم يدر بخلده وخلد من كان يتعاطى تلك الطريقة ، بأن الأثر الفيزيائي لإحداث الالتهاب هو ما فعل ذلك !

و أحيانا يحضرون عجوزا ، تتمتم ببعض الكلام ، لو راقبه أي عاقل ، لما وجد به أي حكمة ، فكانت تقول ( حوطتك بالله .. والنايمين تحت الشجرة .. لا يأكلون .. ولا يشربون .. عين الولد فيها وتد .. عين المرا بيها (...) ) .. و تتثآئب وتتكلم وتأتي بكلام شبيه بالأول معددة الرجل والبنت الخ .. والغريب أن هناك بعض الحالات كانت تشفى من هذا الفعل ..

لقد اطلعت ذات يوم على بعض كتب الطب الهندي القديمة ، وهم من قسموا طبقات الجلد الى ثلاثة أقسام بعكس ما هو معروف ( البشرة و الأدمة ) .. فقد أضاف أطباء الهند طبقة ثالثة ، هي التي اذا اخترقت هزل الجسم ، وفعل المرض فعله ، وان تحصنت وصمدت صمد الجسم ، لقد قرأت ذلك قبل أكثر من خمس وثلاثين عاما ، ولكنني عندما أرى ما يحدث لإنسان عندما يواجهه صاحبه بملاحظة ، عن لون وجهه أو لون نصفي الدائرتين المحيطتين بعينيه ، فإنه سرعان ما يمرض وتبدأ جولة بحثه في المختبرات وعيادات الأطباء ، عندها أدرك أن الإيحاء له مفعول ضخم على الحالة الصحية ..

فتمتمة العجوز وكلامها الغريب ، ما هو إلا نمط من الإيحاء .. كما أن علاج الثآليل ( جمع ثؤلل ) .. كان بوضع حبة شعير في باذنجانة ورميها في ( مزبلة) فإن نبتت حبة الشعير .. انقطع الثالول وزال .. وقد لمست عدة حالات ، قد زالت عن طريق تلك الوصفة الغريبة .. بمعنى آخر لقد قام الجسم الموحى اليه بتحشيد طاقاته الكامنة و تعاون مع من يقوم بالايحاء للتخلص مما هو فيه .

لقد كان أهل العتيقة الذين تشربوا كل معارفهم الطبية بالمشافهة من جيل لآخر ، والذين كانوا يقدمون على تناول نباتات البراري أو الاحتكاك بها ( على طريقة كلب سجن سالسوري) .. مع تلك الآلام والتعاويذ التي يتلقوها خلال مراحل العلاج من كي و تشطيب للجسم .. تلهيهم عن المرض نفسه .. فكان أقصى ما يطمحون اليه ، هو الابتعاد عن الانقراض .. فقد ثبت عدد سكان العتيقة لمدة سبع وعشرين سنة دون زيادة .. بالرغم من أن أحدا لم يهاجر منها ..

وقد تكون تلك الحكمة ، هي لإحداث التوازن بين كمية الغذاء المتوفر ، وعدد السكان ، فبالرغم من أن مساحة أراضي القرية كانت 18 ألف هكتار ، فكانت بالكاد توفر للمتبقين الغذاء ..

ابن حوران
28-08-2006, 02:14 AM
( 12 )

لم تكن في العتيقة طبقات .. بل كاد أن يكون الناس قد تكاثروا بطريقة التكاثر الخضري عند النباتات ، قد تكونوا من عقل ( بضم العين وفتح القاف ) .. غرست في بيئة متشابهة .. فكانت أشكالهم متقاربة رغم أن صبغة ألوانهم تختلف بعض الشيء من واحد لآخر .. فلو صادفت أحدهم بالصين أو بريطانيا ، لعرفت أنه من العتيقة ..

كانت خطوط ملامح شخوصهم تتكون من خلال قسوة ظروفهم ، فتقرأ ما في وجوههم وتردها لمنشأها دون عناء ..قد يكون للغذاء دور ، فاللحم البلدي يعرف أنه كذلك ، لنمط الغذاء الذي يتناوله الخروف البلدي .. فيسهل تمييزه عند من يأكله عن الخروف الروماني أو النيوزلندي ، ويصر من يأكل الخروف البلدي على أنه أفضل من المستورد ، رغم افتقار مراعينا عن مراعي رومانيا او بلغاريا أو غيرها .. ولكن حتى النكهات على ما يبدو ترتبط بالذاكرة ..

أحيانا يلجأ خبراء الإجرام باعتماد حدقة العين لجثة مقتول للتعرف على قاتله ، وقد تكون حدقة الأحياء من البشر تدلل على منشأهم .. فقد تكون مصادفة أفعى في فراش شخص تترك أثرا على شكل حدقته ، وقد تكون دهشة فلاح علق آمالا على حقله إثر موسم أمطار ممتاز ، ولكنه عندما زاره متفقدا قبل الحصاد رأى أن سنابله فارغة ، فبقي مندهشا وتأثرت حدقته بذلك الاندهاش ، وقد يصادف عدة خرافا قد مزقتها الذئاب ، فأضيفت بصمة جديدة على ملامح وجهه ، فأصبحت وجوه أهل العتيقة كأنها شهادات ميلاد يقرأها من عرفهم في وجوههم رغم اختلاف شكل الأنف أو عرض الجبهة أو لون البشرة .. فيقر أن فلانا من أهل العتيقة ..

هناك الكثير من المسائل التي ينظر إليها من لا يعرفها تماما ، على أنها متشابهة ، كنظرنا لأهل الصين مثلا ، أو نظرهم لنا ، وهنا يصبح تضليل وخداع لمن يريد أن يحدد المنطقة ، فيصعب علينا مثلا معرفة أفراد أهل الكمرون عن ساحل العاج ، ولكن يمكن لأهل أي قرية أو حتى عشيرة أن يتعرفوا على بعض من خلال حاسة خفية ، فقد تجد اتصال الحاجبين فوق العينين هو ما يميز أفراد أسرة عن غيرها ، أو تجد التأتأة في بداية الحديث هي ما يرد فردا لمجموعة ، هناك ملايين العوامل التي تجعل الفرد أن يتخذ قراره بسرعة ، كما يفعل حكم مباراة كرة القدم .. أو كما يفعل أفراد طائفة نحل أو نمل ، رغم أن الإنسان العادي لا يستطيع تمييز ذلك وهو أرقى من الحشرات بالطبع !

كما أن المهارات المتكررة لأي مجموعة ، تساعد في صبغها بصبغة خاصة ، فعندما تتكرر واجبات المواطن اليومية ، وتتكرر عند كل المواطنين فإنها تضيف إليهم سمة معينة ، فسكان الجبال غير سكان السهول ، بطبيعة مشيهم وطبيعة حذرهم وانحناء ظهورهم نتيجة التضاريس ، وسرعة استجابتهم للعامل الخارجي ، كل ذلك يعطيهم لونا خاصا بهم ، فلنتصور أن فريقا مكون من أفراد مختلفين قد ذهب للبحث عن الكمأة في الأرض ، إن من يتفوق في سرعة العثور ، هو من تكررت عنده تلك المهارات .. تماما كما يستطيع الرياضيون أن يميزوا أسلوب لعب البرازيليين لكرة القدم ويميزوه عن الأسلوب الأرجنتيني أو الإنجليزي ، رغم أن اللاعب الحالي ، لا يمت وراثيا ل ( بيليه ) أو (زيكو) بأي صلة ..

كان أهل القرى المجاورة ، وحتى المدن ، يستطيعون تمييز أفراد أهل العتيقة بسهولة ، لقد حصرتهم مهاراتهم وطبائع علاقاتهم مع محيطهم واللغة التي يستخدمونها في التعبير عما يقومون به ، بحيث كونت شخصيتهم الجماعية .

كان مأكلهم متشابها ، فهو يعتمد بالدرجة الأولى على الحبوب و منتجات الألبان و وبعض اللحوم والبيض والدجاج ، فيصنعون من القمح كل أصناف الطعام الرئيسية ، خبز وفطائر و طبيخ سميدة وطبيخ برغل و أذان الشائب و كبة وزقاريط و مقطعة وعصيدة ، وكلها منتجات من القمح ، مع إضافات بسيطة جدا بين واحدة و أخرى .. لم تكن الخضراوات معروفة .

كانوا لا يركزون على وجبة الغداء ، بل على العشاء ، فان تناولوا على الغداء بعض اللبن الرائب مع البيض أو دبس فكان هذا يكفي ، أما في المساء فكانوا يطبخون ( جريش البرغل أو السميد ) .. حيث يضعون قدرا من النحاس وبه ماءا ، وملحا و قمحا مجروشا ، قد يكون سلق في مرحلة سابقة وتم تنشيفه ، فصار يسمى ( برغل ) .. أو أنه لم يتم سلقه فيصبح ( سميدا ) .. ويضعونه على فوهة التنور ، ويتركونه مدة ساعة أو أكثر حتى ينضج و يصبح قوامه متماسكا ، فلا يعود يظهر منه ليونة نتيجة لتشرب الماء .. ويصبونه في قصعة واسعة ، وقد يضيفون عليه بعض (القفرة ) .. وهي إما من سمن الغنم أو البقر أو زيت زيتون ، مع قليل من البصل ويصبح اسم (الأكلة ) مختلفا .. أو يضيفون عليه اللبن المطبوخ وحده فتحمل الأكلة اسما جديدا ، أو يضعون فوقه فيما ندر إلا في الولائم والعزائم و قرى الأعراس اللحم , وعندها يصبح الأكل باسم جديد وهكذا ..

كانت كل الناس تأكل نفس الأكل ، ولم يكن هناك من يبيع اللبن أو يبيع السمن ، وكان الناس يرسلون اللبن واللحم والأكل لجيرانهم ، حتى لو عرفوا أنهم قد عملوا شبيها له ، ولم يعتذر من يرسل إليهم أنهم قد طبخوا نفس الطعام بل يقبلوه من جيرانهم ، ولا يعيدوا لهم الماعون فارغا ، فإنهم يعيدونه في اليوم الثاني مليئا ، بصنف طعام ، قد يكون نفسه ..

الفقراء من الناس ، لم يكن سهلا تمييزهم عن غيرهم ، فقد كان الناس يعطوهم قطعة من أرض ليزرعونها ، أو يعطونهم مجموعة من الأغنام ليستفيدون من لبنها ( منوحة ) .. لكن تبقى باسم أصحابها .. وعندما يستخرج الناس زكاة حبوبهم وهي ( العشر ) يعطون هؤلاء الفقراء منها ، ويتم إعطاء الأولوية للنساء الأرامل من الأقارب ، ومن ثم الجار الفقير ..

كان الفقير يأكل نفس أكل الميسور ، وكان يلبس نفس ملابس الميسور ، وكان يسكن في أمكنة مشابهة للتي يسكن فيها الميسور .. لكن تجد أنه إذا كان للميسور ثوبان ، فان الفقير ثوبا واحدا ، عندما يتسخ يغسله ويتوارى ريثما يجف ، وإن بيوت الفقراء تقل درجة في صبة أرضيتها ، أو شكل الباب إن كان محيطا بإطاره بعض الحجارة المنحوتة عند الموسر ، فإنها تكون من طين عند الفقير ، وهكذا تكاد الطبقية مفقودة في العتيقة ..

ابن حوران
04-09-2006, 11:27 PM
( 12 )

أحيانا يتطير أحدنا إذا نظر أحدهم إلى زوجته ، ويزداد تطيرا إذا ضحك لها ، وممكن أن يشهر أحدنا السلاح في وجه من يلمس يد زوجته ، لكن كل هذا التشدد يختفي و يتكيف في غرفة العمليات في مستشفى ، فقد يلمس الطبيب يدها أو حتى مناطق أكثر حرجا من يديها ، فلم يعد شعور الغيرة هو السائد ، بل شعور القلق على صحة تلك الزوجة ..

هذا يدفعنا الى التطلع لمنظومة الثوابت و المتغيرات ، والمحظور والمباح ، فلو صدف أحدنا أحد أبناءه يفتح التلفزيون على قناة يتم فيها تزاوج الحيوانات البرية ، لاستحى الولد وغاب عن ناظري والده ، ولو كانت المتفرجة البنت أو الزوجة ، لوضعت تلك المسألة في قوالب ظنون كثيرة ..

نحن نتكلم في السنة السادسة من القرن الحادي والعشرين ، وقد لمسنا تطور هائل في مشاعرنا وتسامحنا المجبر على تقبل كل ما جرى حولنا من مثاقفة إعلامية ، لا تستأذن في مشاغلة أجهزة حواسنا .. ومع ذلك لا زلنا نستخدم ، نفس المسطرة القديمة التي تقاس عليها ضوابط السلوك وتتأسس على تدريجها أصول القاعدة الخلقية ..

لكن لو عدنا أربعين أو خمسين سنة للوراء ، وحاكمنا المشاهد التي تعني ما تمت الإشارة إليه ، لوجدنا أنفسنا أمام ظواهر تحتاج الوقوف من أجل الفهم ، وإعادة التعبير عما يترتب على ضوء فهمها ..

كانت الصبايا ، تلحق بقطيع أبقار القرية (العجَال) بفتح العين والجيم المشددة ، وذلك لجمع روث ( شطاط) الأبقار ، من أجل استخدامه للوقيد ، ولم تكن تلك المهمة ترفيهية ، بل كانت مهمة وظيفية تناط بتلك الفتيات .. فكانت الفتاة منهن تؤشر على بقرة لتنال ما تبرزه من روث ، ولا يجوز للأخريات التعدي على اختيارها .. فهذا عرف (بضم العين) ابتدعته تلك الفتيات لتمضية وقتهن دون خناق ..

كانت إحداهن تكون قريبة من أعضاء الحيوان (الأنثى) وكيفية إتمام تلك العملية الأيضية ( الحياتية) .. بل قد يصادفهن بالقرب منهن ، حالات من مغازلة كلاب أو حمير أو أي صنف من الحيوانات التي كانت تشارك الناس سكناها و ساحات قريتها ، بل والأكثر ، كان قد يتم ركوب تلك الحيوانات ، ذكورها على إناثها ، أمام إناث البشر ، وقد يكون على مقربتهن مجموعة من الشباب الذين يحتالون بإيجاد سبب يجعلهم قريبين من البنات ..

لم تكن تلك المناظر تسبب حرجا ، فقد كانت تتم أثناء ربط الحمير أمام المطاحن ، وغالبا ما كانت النساء هن من يرتادن المطاحن ، أو قد يكون في ساحة الدار أو في الشوارع ..

وقد كان يأتي للقرية ، ناس معهم فحول من الخيل أو الحمير الضخمة ، يضعون على رؤوسها ريش نعام ويزينوها ، ليلقحوا إناث الخيل ، أمام مرأى الجميع ، ونادرا ما كان يتوقف أحد عند ذلك ، أو يزجر امرأة أو فتاة عن مراقبة ذلك ، وإن كن هن لا يراقبن ولا يحتجن الى زجر ..

لقد كانت تلك العمليات لو أخضعناها لأعيننا هذه الأيام ، لوجدناها أكثر فحشا مما يراقبه أولادنا في التلفزيون أو الإنترنت .. لكن ذلك لم يكن يتعدى المثال الذي ضربناه في غرفة العمليات بأول كلامنا .. فلم يكن له ذلك الأثر الضار ، بل كان طبيعيا مثله مثل التنفس و الشرب و الأكل ..

كان الشباب ، يراقبوا من صبا قلب أحدهم نحوها من الفتيات ، فيسير على مقربة منها ، فإن كانت ذاهبة الى بئر ماء ، تحجج في طلب الماء للشرب ليسمعها كلمة شكر مشفرة ، علها تفك تشفيرها ، بمساعدة من معها من فتيات الحي ، فلم تكن الفتيات يمشين مفردات ، بل جماعات وتحت رؤى الرادار العام للقرية ..

وإن ظهر جزء من رقبة الفتاة ، كان أقرب رجل من الحي مخولا بأن يزجرها أو حتى يضربها ، وكان سيلقى الشكر من ذويها ، حتى لو لم يكن على صلة قربى بها .. فالكل يحرس قانون الحياة .. ومن يتجاوزه من الذكور يصبح (هامل) ومن تتجاوزه من الفتيات أو النساء يقال لها ( هاملة ) ..

لم يكن هناك من يجازف ، ليصنفه الناس ضمن هذا التصنيف ، فان فعل فلا أحد يزوجه من طرفه بنتا ، ولا يتقرب للزواج من البنات التي يخصنه ، والبنت مجازفتها أكثر خطورة .. فلذلك الكل يحرس القيم ، ضمن رؤية تتضح من قراءة المصير ..

يقال أن فيض الطاقة عند الشباب ، هو ما يدفعهم لتصريف هذا الفيض في جوانب قد لا تتفق مع القاعدة الخلقية السائدة ، وهي مسألة تتعلق بالطبيعة أكثر من تعلقها بالانضباط الخلقي أو حتى الديني .. فلذلك قال الشاعر أبو العتاهية :

إن الشباب و الفراغ والجدة .... مفسدة للمرء أي مفسدة

لقد أدرك أهل العتيقة بماضيهم العميق ، أو بفطرتهم ، أو بضغط الحياة أن الفراغ ، سيوفر بعض الفائض من الطاقة التي لا يضمن أحد في أي اتجاه ستصرف ، فكان أكثر ما يؤرقهم هو أن يروا شابا بلا عمل ، فإن ذلك سيشغل خيالهم في اصطناع أسوأ الصور لهذا الشاب .. ويقوموا بسؤال ذويه كل يوم هل عمل فلان ؟

ومن الطبيعي أن تثير حالات البطالة ، تساؤلات أهل القرية ، أما الجدة وهي اليسر في المال ، وهي العنصر الثالث من عناصر انحراف الشباب ، فلم تكن متوفرة في حينه !

ابن حوران
24-09-2006, 02:18 PM
( 13 )

للزواج أهداف منها سننية ( تتبع لسنة الحياة ) ومنها وظيفية تشبع حاجات فسيولوجية من جانب ، وترفد من يعملون لإتمام الزواج بحاجات يعرفونها معرفة جيدة ..

في الجانب السنني ، يلهم الله عز وجل كل الكائنات الحية إلهاما يدفعها للقيام بالتكاثر ، فتجد عند كل الكائنات الحية من مستوى كائن حي مكون من خلية واحدة ، كالأميبا أو أي بكتيريا أو فطر ، الى أكبر حيوان يتحرك حركة ديناميكية ، أو حتى ستاتيكية .

فقد لاحظت كمختص أن شتلة من أشتال الحمضيات (كالمنتينا ) كانت بعمر أقل من سنتين ، قد تغطت بأزهار الإثمار تغطية كاملة ، وطبعا نعرف كمختصين أن تلك الظاهرة ، تنبئ بوجود مرض ، وعندما توقفت فاحصا ما يجعلها تطلق هذا الكم الهائل من الأزهار .. وجدت السبب .. أما لماذا قامت تلك الشتلة بعمرها المبكر بإطلاق هذا الكم الهائل .. فإن الشتلة تعتبر نفسها مسئولة عن تواصل جنسها ، فعندما أحست بالضعف ، استعجلت لإطلاق هذا الكم من الأزهار لتخلف من يخلفها في الحفاظ على جنسها ..

عند البشر ، يسلك الإنسان مثل سلوك شتلة الكالمنتينا ، فإذا لم يرزق بمولود فإنه يبذل قصارى جهده ، في معالجة الأسباب ، ويبقى نشاطه في البحث عن علاج يحل مشكلته قائما حتى يموت .. وهو يعلم أن له أخوانا أو أقارب أو غيره من البشر ، يقوم بمهمة الحفاظ على الجنس البشري !

في العتيقة كغيرها من قرى الريف ، يتغلب الجانب الوظيفي على الجانب السنني ، رغم الاحتفاظ بأهمية الجانب السنني ، فالزواج يعني مشروع رفد الأسرة بأعضاء جدد يقومون بأعمال الزراعة ، فإضافة مولود جديد ، يعني إضافة فلاح جديد ، يبذر ويزرع و يحصد و يقوم بالأعمال الأخرى .. ويعوض من ينتهوا من جراء أوبئة كالكوليرا أو الطاعون أو الحصبة أو غيرها ..

وقد تكون تلك العوامل الغائبة لدى الغرب ، هي ما تدفعهم لعدم الارتباط بالزواج و عدم الإنجاب ، لغياب مثل تلك المحفزات أو الأسباب ، التي يبدو أنها التصقت ك ( أليلات وراثية ) على كروموسومات أبناء شعبنا .. حتى بعد زوال عوامل الفلاحة ..

كان على الوالد عندما ينوي تزويج ولده ، أن يؤمن له (غرفة) يسكن فيها مع عروسه ، ويتدبر موضوع المهر و اللوازم الأخرى .. لكن اللوازم الأخرى لم تكن بنفس أهمية المهر ، الذي كان يتم بالمقايضة ، فيكون ( ربع ربعة دوارة ) وهي مساحة من الأرض تساوي حوالي عشرون هكتار ، و أعرف نساء تقدر قيمة مهر إحداهن ، الآن أكثر من 25 مليون دولار .. على الأسعار الحالية .. وإحداهن بعين واحدة ..


ومن لم يجد مهرا كافيا ، فيستبدل شقيقته بعروس ، وفي بعض الحالات تستبدل الابنة بعروس ! لقد كانت كثير من الزيجات تتم على طريقة سندات القيد فينزل من حساب فلان ، الى حساب فلان .. حتى تتساوى القيمتان ..

لا أذكر أكثر من حالتين ( خطف ) .. حيث سمعت أن فلانا خطف فلانة ، وكانت طريقة الخطف ، تتم عندما تنسد الأبواب في وجوه عشيقين ، ولم يستطع العريس تلبية طلبات والد العروس ، ولكن كل من العريس و العروس متمسك بالآخر ، فيهرب بها الى منطقة بعيدة ، ويدخل في حمى شيخ عشيرة ، فيعقد قرانه على فتاته ، ويتم الزواج ، ولكنني لم أسمع بأنهما عادا الى القرية ..


كنت أقلب صفحات (مفكرات ) والدي رحمه الله ، فعندما يدون حالة خطوبة ، يكتب ذبح دار فلان على فلانة ، وهي إشارة واضحة لعقد القران ، إذ كان الوفد(الجاهة) الذي يذهب لخطبة فتاة ، يأخذوا معهم كبشا أو تيسا ، ولوازمه و يذبحونه ، لعمل طعام بالمناسبة ..

من الطبيعي أن المفاوضات قد سبقت عملية اللحظات (الكرنفالية ) الذبح ، وقد تأخذ المفاوضات مدة تطول أو تقصر ، وقد تكون للنساء ( النسوان) الدور الأكبر في عمليات المفاوضات .. و أما المراسيم ( الكرنفالية ) ، ما هي إلا ملامح لنفاق اجتماعي ( محبب) .. و أظن أن لا تغيير كبير في ذلك قد حصل في الوقت الراهن ..

فعند دخول الجاهة ، يصب فنجان من القهوة ، و يشير أعضاء الجاهة (الوفد) الى رجل مرموق قد اختاروه قبل مجيئهم ، وهو من سيمثل أهل العريس ، وعندما تكون (الجاهة ) ، قد أغفلت اختيار من يتكلم باسمها ، فان من يصب القهوة ، سينتبه الى ذلك التقصير ، فيضع فنجان القهوة في وسط المجلس ، ويقول : ( شومتكم بينتاكم ) .. أي أن على الجاهة أن تقوم بتكريم من تريد من أعضائها .. فيقدم أعضاء الجاهة أحدهم ، فيعتذر ويكرم آخرا بها ، حتى يستقر الاختيار على واحد ..

فيقوم من تم تكريمه ، بقول كلام مكرر ، كان بإمكان أي واحد أن يقوله ، فهو لا يحتاج الى مذاكرة و حفظ ، وليس هو بالكلام المعقد والخطير ، بل كلام يشير الى الرغبة في طلب القرب من أهل العروس ، ويضيف بعض الصفات التي تدلل على نبل و ندرة و أهمية أهل العروس ، وهي صفات لا أظن أنها قد قيلت لهؤلاء فقط ، ولا أظن أن أهل العروس سيرهنون موافقتهم على ضوء صياغة هذا الكلام .. بل هي نمرة في برنامج .. وعندما ينهي المتكلم ، قوله بأن قهوتكم لا تبرد ، يوافق والد العروس على طلب الجاهة وتنطلق الزغاريد ..

في كثير من الأحيان ، بل في كلها ، كان يتم كتابة عقد القران ، في نفس الجلسة ، ويبقي الوفد ( الجاهة ) .. حتى يتناولوا الطعام وهو غالبا ما كان يتم مساء .. أي طعام عشاء ..

ابن حوران
11-10-2006, 03:40 AM
( 14 )

في كثير من الأحيان ، يكون الفرح مؤلما ، كما هو الحزن مؤلم ، فمن يريد أن يفرح بزواج ابنه أو ابنته ، لو أحصينا لحظات الأسى لوجدناها تفوق لحظات السرور بدرجات كثيرة ، فمن التفكير بالمهر و التفكير بتذليل صعوبات أهل العروس ، للتفكير في مكان سكن العريس للتفكير في أثاث العرس ، و مأدبة الغداء ، و كلف الاحتفالات ، كلها مكابدة و آلام ..

يتواصى أهل العرس ، بالصمود فكلها عدة أيام وينتهي هذا العرس ، وكأنهم في نكبة أو حرب ، ويتواصى من سيقف معهم في أفراحهم ، بضرورة الذهاب للعرس ، حتى لو فيها تكليف و ثقل ، فأهل العرس متثاقلون و زوارهم متثاقلون ومع ذلك يصر الناس على إقامة الأعراس بأشكال لم تختلف كثيرا عن الماضي . لكن لو حاولنا تفسير ذلك ، فتزويج الابن هو من مسؤولية الأسرة ، فيقدم الناس على القيام بمسئولياتهم بخفة ، وتقاليد العرس هي من الواجبات ، فيتثاقل الناس من القيام بواجباتهم ..

ما أن تقترب أيام الزفاف ، فإن الاستعدادات بالعتيقة لتلك المناسبة تتزايد ، بطريقة محمومة ، فهناك من يشد (فرشات ) الصوف ، و الألحفة و الوسائد وهناك من يهتم بتنقية (البرغل ) .. وهناك من يحتاط على لوازم (الطبخ) من حطب و ذبائح و بصل و بهارات وغيرها ، و هناك من يذهب الى الأسواق لتكملة شراء أثاث العروس و ملابسها ، و هناك من يدهن (أوظة ) أو (غرفة) العريس .. ورشات مختلفة ، تؤدي كل ورشة عملها ، وتتكون تلك الورش من أهل البيت و الأقارب و الجيران ..

كانت ( التعاليل ) وهي سهرات الاحتفال بالزفاف تستمر عشرة أيام ، ثم تقلصت الى أسبوع ثم أصبحت أربعة أيام .. قبل وصول الكهرباء للعتيقة ..

كان الفتيان يقومون بتنقية الحصى و الحجارة من ساحة الاحتفال الليلية ، ويمهدونها بشكل جيد فيردمون الحفر الصغيرة ، ويزيلون النتوءات من الأرض ، حتى لا يلتوي كاحل بعض الراقصين في ( الدبكات ) .. ثم قبيل وصول المحتفلين ، ترش الأرضيات بقليل من الماء لمنع إثارة الغبرة ، وتنصب (سيبة) يعلق عليها (لوكس نفطي قوي) .. وتوقد في زاوية بعض النار لتسخين الطبلة التي تحدد إيقاع الرقص ، كلما تراخى إيقاعها ..

ثم تفتتح حلقة أو اثنتان من كبار السن ، في دور يقال له ( جوفية) .. ولا أظنها تحريفا ل (الجوبية ) العراقية .. بل لأن الكلام الذي يقال بها ، أصله من الجوف ـ الحجاز . فيقول أحدهم كلاما يردده الصف المقابل عشرة أو عشرين مرة دون ملل ، ويتحركون ببطء شديد .. و كأنهم في امتحان للمذاكرة في إعادة هذا اللون ، أو قد يكون هذا النمط من افتتاح الاحتفال هو إعلان لبدء السهرة ، حيث كانت أصواتهم تخترق كل أرجاء القرية ، يساعدهم في ذلك عدم وجود ضجيج .. فيتجمع الناس و المحتفلون ويتزايدون ..

ثم تنبري مجموعة من الشباب ، فيقومون بالدبكة ، وهي ذات إيقاع أسرع و أكثر حركة ، من اللون الأول ، وكانوا يلبسون ثيابا بيضاء مصبوغة بلون (نيلي) ، ويضعون في جيوبهم بعض القطع النقدية ، لتعطي رنات تضفي طابعا كانوا يفرحون به ، وإن لم يجدوا نقودا ، كانوا يلجئون لحيلة ، يكسرون قطعا من زجاج و يضعونها في جيوب ثيابهم ، فما أن يتقافزوا حتى ترتطم ببعض ، وتصدر صوتها المرغوب .

وهناك من على مقربة منهم ، تنبري امرأة ، غالبا ما تكون أم العريس أو خالته أو عمته ، فتقول كلاما بصوت عالي ، منظم تعلن عن فرحتها ، ذاكرة صبر الأم للحظوة برؤية ابنها و هو عريس ( تهاهي) .. وما أن تنتهي من نظمها البدائي لقولها .. فتنطلق الزغاريد من النسوة التي كانت بالأصل متهيئات لمثل هذا الدور .. وأحيانا تنطلق بعض العيارات النارية ، استكمالا لتصاعد إيقاع المشهد الاحتفالي ..

وبعد أن تخيم النشوة بالاحتفال ، و تغطي أجواء الاحتفال الحميمة على الساحة ، وبعد أن يتعب الشباب ، تنزل الفتيات في دور خاص بهن ، وهو دور لا يخلو من شد وانتباه لذويهن ، بأن يبقى في إطار الاحتشام ، وغالبا ما ينتقي الشباب أو حتى النساء زوجات المستقبل من مرونة حركة تلك الفتيات ..

يستمر هذا النوع من السهرات الى آخر ليلة ، والتي تسمى (ليلة الحنة) أو ليلة (القرى ) .. حيث ينفرد قسم من ذوي العريس في التحضير لطعام الغداء في اليوم التالي ، والذي يتكون من اللحم و البرغل و ( الكبة ) وكانت تسمى (كبة حيلة) .. حيث لا يكون بداخلها إلا (قمحا مجروشا مع البصل وقليل من الزيت) وعلى ما يبدو ( هنا جانب الاحتيال) .. فكانوا يصنعون منها كميات هائلة ، يزيد القمح المستخدم بها عن نصف طن .. حيث لا بد من إعطاء كل من يحضر (عونة) .. أن يأخذ من هذه الكبة لبيته ..

يباشر الناس بإرسال (عوناتهم ) وهي تتفاوت بين 20 كغم من القمح الى الخروف .. كمعاونة لأصحاب العرس .. فيضعون لهم قسم من الكبة حوالي (30 كبة) لكل من يحضر ( عونة) .. ويكون ذلك قبل صلاة الجمعة .. وبعد الصلاة ، يكون العريس ، قد اختار أحد البيوت للجيران أو الأقارب ، فبعد أن يقوم الشباب بإدخاله للحمام ، وتوظيبه ، وتقديم نصائحهم اللازمة ، يزفونه الى البيت المخصص من الجيران أو الأقارب .. ويؤخذ لمن زفه غداء الى ذلك البيت ، في حين يتناول الزوار طعام الغداء في بيت أبيه ..

في المساء و بعد أن تحضر العروس على فرس ، مغطاة بعباءة والدها ، يكون العريس لا زال في البيت الذي تناول فيه طعام الغداء ، فيحضر إلى من معه طعام العشاء ، ويقوم كل من تعشى بتنقيط العريس ، قدرا من المال ، وكل ذلك يسجل في دفتر ، و يعلن أمام الجميع ، حيث أن من يدور على ( المنقطين ) يصيح بأعلى صوته ( خلف الله عليك يا فلان ابن فلان أنت و أقاربك جميع .. محبة للنبي الشفيع ) ويقول الرقم الذي دفعه هذا ( الفلان ) .. وهكذا .. حتى يزف في النهاية العريس الى عروسه ..

وتبقى الأسر القريبة و الجيران يخصون العروسين بطعام خاص ، يسمى بأول يوم ( الصبحة ) .. وفي ثالث يوم ، يأتي أهل العروس و أعمامها و أخوالها لتنقيطها ، وطبعا هذا كان يدفعه أهل العريس مسبقا ، تحت مسمى ( عباءة العم ) و ( عباءة الخال ) ..

ابن حوران
07-11-2006, 06:42 AM
(15)

لو جلس أربعة مقامرين ، كل واحد يملك مائة دينار ، فإن كل حالات اللعب لن تجعل مجموع ما معهم أكثر من أربعمائة دينار ، فقد يكسبها الأول أو الثاني أو أي واحد ، لكنها لن تزيد . تلك الحالة نجدها في أي نوع من الصداقات فإن كان كل الأصدقاء ، يتصفوا بقلة إمكانياتهم الثقافية ، فلن تتطور مهارات وممتلكات أي واحد منهم من المعلومات الثقافية ..

في العتيقة ، لم يكن للنقد قيمة ، بل كان للعرق ( الجهد ) قيمة ، ولا زلت أذكر أن الليرة الذهبية ( العصملية ) كانت تقل بقيمتها عن الدينار المحلي ، لا تستغربوا ، فاقتناء الذهب ، دائما يأتي على هامش فائض المدخرات ، فكانت كل البلاد تعاني من ذلك .. فلا قيمة للذهب ، أو له قيمة ولكن لا أحد يدرجه مع أولوياته ..

كان أكثر من خمس و تسعين بالمائة من أهل العتيقة يعملون بالفلاحة ، وكان همهم كما ذكرنا يقتصر على تلبية الحاجات الأساسية من سكن وقوت ولبس و الحفاظ على أنفسهم من الانقراض . لم يكن الادخار يشغل بالهم ، وكذلك النقد أو ما يدل عليه . فكانوا يتبادلون بالمبادلة بقرة بنصف طن ( قنطارين ) من الحنطة ، عروس بقطعة أرض ، قليل من الحلو الذي يحن إليه الأطفال بدل بيضة دجاج ، وهكذا ..

لم يكن في البلدة الكثير من الحرف و المهن ، كان بها مجموعة من الدكاكين ، ومحل لصناعة (الفروات ) ، ومحل للبيطار لتبديل حذوات الخيل ، أو علاجها ، ومحل لصناعة ( الجلالات ) أي ما يوضع على ظهر البهائم ، ومحل لصناعة (الهريط ) وهو عمل كانت تطبخ به عظام (الجمال ) ليستخرج منها محلول غروي يشبه ( الجلي ) .. يفطر عليه بعض الناس .. ومحل لتصليح (البوابير) كان صاحبه يسمى ب (السمكري ) لتصليح مشاعل الطبخ و الفوانيس و غيرها ، ومحل لخياطة ملابس الرجال ، ولم يكن يحتاج لفنون كثيرة ، فهي ملابس أشبه بالأسطوانات ، مع بعض الإضافات البسيطة ..

أما الدكاكين فكانت في البداية لتجار قدموا من ( الشام ) أو ( القدس ) ، ثم تركوا القرية لعدم ملائمتها لطموحاتهم . ثم أصبحت ملكيتها لأبناء العتيقة ، كان فصالها و شكل ديكورها الداخلي موحدا ، فكان لها مصطبة خارج بابها ، بارتفاع نصف متر ، يجلس عليها الرجال في أوقات فراغهم وما أكثرها ، يتحادثون ويشهدون على عمليات المبايعة القليلة . ويلعبون (المنقلة ) وهي قطعة خشب جوز سميكة محفور بها عدة حفر ، توضع الحصى في كل حفرة وفق نظام يعرفوه ، أو يلعبون ( القطار ) أو ( الياس وديس ) وهي لعبة يرسمونها على سطح بثلاث مربعات داخل بعضها البعض ، ثم يوصلون خطوطا تخترق أواسط الأضلاع ، فيضعون تسع قطع من الحصى لكل لاعب تختلف ألوانها من لاعب لآخر ، ويحركون الحصى بالتناوب حتى يكسب أحدهما .

أما داخل الدكان ، فكنت تصادف مصطبة أخرى عند الباب ، يتمدد عليها البائع لندرة المشترين ، ويفصل المصطبة عن جسم الدكان ( مد ) خشبي يوضع فوقه الميزان ، ومن خارج هذا المد تجد (شوالات ) غير ممتلئة بها من أصناف الحبوب ، وهي عادة تزيد في محتوياتها ، ولا تقل ، لأن ما بداخلها كان نتيجة دفع الزبائن أثمانا لما اشتروه .. وعندما تمتلئ تلك العبوات يأخذها صاحب الدكان الى مخزن أو يبيعها لتجار الحبوب ..

أما البضائع التي كانت تكون باستمرار في الدكاكين ، فكانت السكر والشاي والصابون و بعض أدوات المطابخ كالمنخل و السكين و ملاقط الغسيل وليف الحمَام ، وحجار النيلة وأبر الخياطة ، والملح والفلفل و القهوة والهال و أنواع من الحلويات التي انقرضت ك ( القوم والقنبز والكعكبان و الراحة والفيصلية ) ، وكانت توضع في ( مرتبانات لها أغطية تصف على الرفوف ..وأحيانا تجد بعض الفواكه كالعنب والتين الخ ..

إن أجواء كهذه كانت تجمع الذباب ، فكنت تلاحظ شريطا لاصقا يتدلى من أعلى الدكان لارتفاع أعلى من الرأس بقليل ، وقد التصق به الذباب حتى أصبح لونه أسودا أو لونا (ذبابيا ) ..

هناك نوع غريب من علاقات البيع والشراء كنت لا أفهمه كثيرا ، حيث كان يتجول في البلدة ، أناس غرباء ، يركب أحدهم حصانا أو حمارا ، ويبيعون الزيت و الأقمشة أو يصيحون ( مبيض .. مبيض ) وكان من يصيح يهتم بمعالجة أواني الطبخ النحاسية التي مر عليها وقت دون تبييض . كما كان أحدهم يصيح ( رشادي .. غوازي ) .. وكان يبيع الصيغة ( أي الحلي الذهبية والفضية ) .

الأمر الذي كنت أستغربه ، هو أن من يبيع الصيغة ، كيف كان يأتمن على ماله وحليه في الطريق من قطاع الطرق ، فاكتشفت في وقت متأخر ، أنه كان يودع حصانه عند أحد أهالي العتيقة ويأتي بالباص ، مقابل شيء يتفق عليه .

كما كان هناك قسم من الغجر يأتون في مواسم الحصاد ، ويبيعون أدوات يحتاجها الفلاحون في أعمالهم كالغرابيل و الكرابيل و المقاطف و المذاري والشواعيب ، وغيرها من تلك السلع ..

وقد رأيتهم كيف يصنعون الغرابيل (جمع غربال ) والكرابيل ( جمع كربال ) وغيرها .. فبعد أن يعالجوا الخشب بالماء والحرارة ويجعلون منه دائرة . يكونوا قد قاموا باستغلال أي جلد حيوان يلقوه ، سواء كان ميتا أو مذبوحا ، فيدبغوه ، ويجففوه تحت الشمس مثبتينه بأعواد ترتفع قليلا عن الأرض ، ثم يقددون الجلد ليعملوا منه خيطانا جلدية يدخلوها في ثقوب (الطارة ) الخشبية ويشدونها فتصبح جاهزة .. وكانوا يفهموا بالقياسات ، فتلك للقمح وتلك للشعير وتلك للحمص الخ ..

لم يكن أحد يفكر بتطوير عمله ، فالتقنيات محدودة ، والعادات المهنية قد تكون ممتدة الى آلاف السنين السابقة ، فقد يكون الشكل الذي رأيناه في منتصف القرن العشرين يشابه لحد كبير ما كان سائدا في العصر العباسي ، وقد يكون صدر الدولة العباسي يتفوق على ما شاهدناه في منتصف القرن العشرين في العتيقة .. حيث لم تكن علاقات الإنتاج التي كانت بوادرها قد تكونت في عصر المعتصم وما تلاه ، فقد كان هناك شيخ لكل مهنة يحتكم الممتهنون عنده في حالات الخلاف .. وتطورت حركة القرامطة لتفرز شكلا له طابع سياسي في بعض الأحيان .. أما في العتيقة ، فكان الاجتهاد هو الحكم في الخلافات ، فيبدو أن الناس لم يكونوا مطلعين على تجارب من قبلهم أو من يجاورهم من التجمعات السكانية الأكثر تقدما ..

ابن حوران
10-11-2006, 02:57 PM
( 16)

كان أبو ساري بسترته الواسعة و بنطلونه الفضفاض ، وعقاله الذي يثبت حطة بيضاء تتدلى الى منتصفه ، يبدو بهيئة تخفي عيوب قصره وسمنته ، وقد كان يساعده على التخفي من ملاحقة عيون الناس لتفحص عيوب جسمه ، حقيبة جلدية سوداء من تصميم العشرينات من القرن العشرين ..

كانت حقيبته ، تنبئ ناس العتيقة بوصول الشؤم وتكدير النفوس ، إنه (التحصلدار ) ، واسمه أخذ من وظيفة حكومية للجباية ، ربما ورثت اسمها الحكومات التي جاءت بعد الأتراك ، لكنها أبقت على الوظيفة واسمها كما هي .. لقد كان يضع بحقيبته التي تشبه في طياتها طيات (الأوكورديون ) سجلات خاصة بأصحاب الأراضي في القرى التي سيمر عليها أبو ساري . وكان بها ختم خاص وعلبة معدنية بسماكة تزيد عن السنتمتر بقليل ، غطاؤها مثبت بها بمفصلين دقيقين ، وضع بداخلها قطعة من قماش قطني أو اسفنجي غمر بسائل بنفسجي .. وبعض دفاتر وصولات القبض ، الذي لا تزيد مساحة أحدها عن مساحة علبة التبغ ..

لم يكن أبو ساري يحمل سلاحا ، ولا يرافقه حراس ، ومع ذلك كان له هيبة استمدها من ذاكرة عمرها أكثر من ألف عام ، فيكفي أنه يحمل ختم دائرة من دوائر الدولة ، ويكفي أنه يلبس بنطلون حتى يثير حفيظة الناس فتكرهه ، كما كانت تكره الدولة ، ولما كانت الكراهية عندنا لا تأتي إلا بعد اضطهاد من نكره لنا ، ومن يضطهدنا بالتأكيد هو أقوى منا ، وعلينا أن نكرهه أي نهابه أي نخافه أي ننصاع لما يملي علينا ، فكان أبو ساري مكروه مهيوب مطاع ..

لقد تذكرت سبب اختيار أبي ساري للملابس الفضفاضة ، فالشحات يأخذ معه كيس فارغ لأنه يتأمل أن يملأه من ما يعطيه الناس ، وأبو ساري (التحصلدار) يأتي بحقيبة مطوية ، متأملا ملأها من النقود التي تفرضها الدولة على الفلاحين من ملاك الأراضي وكانت تسمى ( مال وأعشار ) .. وملابسه يختارها فضفاضة تحسبا لزيادة في وزنه أو حجمه ، من فعل الديوك التي يأكلها في القرى التي يداهمها .

لم أكن أعلم من أي دائرة ينطلق أبو ساري ، ومن أي مدينة ، هل ينطلق من مركز المحافظة ، أم من العاصمة ، أم أنه لا ينطلق من مكان معين ، بل يبقى طوافا ، لا يهدأ فكان يقيم بالعتيقة حوالي أسبوعين أو ثلاثة . لا أدري كيف كان يحدد المدة ، هل حتى ينجز عمليات الجباية من الفلاحين ، أم حتى ينجز القضاء على كل ديوك القرية ، لينتقل الى قرية أخرى وهكذا ..

كان الحاج ابراهيم هو أول من يحط عنده أبو ساري ، وينام في ضيافته ، كل المدة ، وكان الحاج ابراهيم يعرف أحوال أبناء العتيقة بشكل كامل ، وهو الوحيد الذي كان لا يقدم الديوك لأبي ساري ، بل كان يذبح خروفا أو جديا و يدعو بعض وجهاء العائلات الذين تعاونوا مع ( موفد ) لفرز أراضي العتيقة .. كان حديث الحاج ابراهيم مع المدعوين ، يساعد أبا ساري في تحديد شكل المطالبة والإصرار عليها .. كان يحضر الوليمة الأولى كل من مدير الناحية و رئيس الدرك ..

كان ( البرج ) .. وهو مبنى يبعد مسافة نصف ساعة على الخيل من العتيقة ، كان أشبه بحصن ، تم بناؤه في العهد العثماني بسور يرتفع أكثر من عشرة أمتار ، تحيط بمبنى يتسع لقوات الدرك وخيولهم و منامهم و مؤنهم .. وكان من يأتيه طلب لمراجعة البرج ، تحل عليه العقوبة قبل وصوله للبرج ، فكان يمضي الليل يتقلب ، ما هو السبب ولماذا دعوني ، وماذا عملت ، حتى تذهب به الظنون الى أن استدعي لذنب ارتكبه أجداده المتوفون قبل نصف قرن .

الحاج ابراهيم ، ومعه الحاج حسين والحاج أبو حامد والحاج برجس والحاج عطية والحاج سعد ، كانوا يمثلون أكثر من ثلثي سكان العتيقة ، فهم وجهاء القرية وهم مجموعة تحالفت في وجه البقية من سكان العتيقة ، بزعامة الشيخ كساب ، وكلا الطرفين يتسابقا من أجل إثبات صدقهم لدى الدولة ، وكانت الدولة تفرح لمثل ذلك التنافس الشريف !

كان لأبي حامد أحد عشر ولد من الذكور ومن زوجتين ، ثلاثة من الأولاد وقعت أيديهم على مناشير سياسية (حزبية ) .. فكانوا يتكلموا بحضور والدهم عما يقرءون ، فكان أبو حامد يعجب بما يسمع من أولاده ، ولكنه لا يستطيع ترديد ما سمع منهم ، فكان بحضور الولائم التي يحضرها رجال الدولة ، يبتسم ابتسامة خبير ، بأنه قد مر عليه مثل هذا الكلام ويعرف تحليله ، لكنه لا يتكلم بل يبقى مبتسما ، فيثير شكوك الحاضرين من رجال دولة و مجتمع ، حتى أصبح بنظر الجميع أخطر رجل في العتيقة !

عندما تشكلت حكومة وطنية ، جاء مجد أبناء أبي حامد ، فهم على صلة بوزير الأشغال ووزير التربية .. وكونهم لا بد لهم من المباهاة بوضعهم أمام الناس ، فانهالت عليهم الطلبات من كل الناس لتوظيف ابن أو استصدار رخصة استيراد بغال أو الخ ..

فيأتي أحدهم بالمساء ليسأل أبا حامد عن قضيته ، فيجيب أبو حامد : البارحة كانت الدنيا مشحطة ( تختلط غيوم الندى بصفاء السماء ) .. فقلت لنفسي هل أنام ( بره) أم أنام في الداخل ( جوه ) .. فقررت أن أنام بالعتبة ، وفي الفجر قمت لأصلي الفجر ، ثم ناديت على زوجتي ( عوفة ) ويصرخ وهو يسرد بقصته لمن سأله ، فتأتي زوجته (عوفة ) : ها أبو حامد هل ناديتني ، يزجرها قائلا : روحي أنا أتحدث فقط ، فتذهب زوجته ، ويكمل سرد ما يقرب لجواب سائله ، فطلبت منها (فطورا ) .. فأحضرت لي بعض البيض المقلي واللبن الرائب ، ثم يتوقف .. ليبدي شكواه من طعم اللبن ، إن فيه طعم غريب ..

بهذه الأثناء يدخل بعض الذين اعتادوا على السهر في مضافة (أبي حامد) ، وبعد أن يناولوه رشفة من القهوة ، يظن أن الحديث عن اللبن ، فيتدخل ، ويقول ان طعم اللبن تعتمد على نوعية المرعى الذي ترعاه الأغنام ، ويزداد عدد الحضور ، ويذهب الحديث في اتجاه تذكر بعض الرعاة ، وكيف أن أحدهم من عائلة كريمة ووالده كان شاعرا ، فيتذكر أحدهم بعض أبيات القصيد الذي قاله ، ويدخل قادم جديد فيظن أن (سهرة ) اليوم عن الشعر ، فيدلي بدلوه ..

وصاحبنا ، صاحب الحاجة الذي أتى ليستفسر من أبي حامد عن حاجته في الوزارة ، يتقطع من داخله ، ويتساءل بصمت وقهر ، متى يكف هؤلاء عن الثرثرة ليجيبني أبو حامد على سؤالي !

ابن حوران
15-11-2006, 03:20 AM
( 17 )

لو أردنا معرفة سر صراع الناس في بقعة ما ، تتساوى فيه أعراقهم وديانتهم وطبائع معيشتهم ، لوجدنا أن السلطة الحاكمة في البلاد لها دور كبير في تأجيج أو إخماد الصراع فيما بينهم .. فعندما تقبل السلطة جاه أحد الوجوه في منطقة ما ، وترفض جاه آخر ، فإن مقبول الجاه يصبح محسودا و النظرة تجاهه نظرة مخلوطة بين احترام كاذب من قبل الناس ، واحتقار دفين لا يظهر ..

كما أسلفنا سابقا ، فإن العتيقة كانت مثار خلاف بين بريطانيا و فرنسا إثر اتفاقية ( سايكس ـ بيكو ) .. وقد انقسم وجوه العشائر بين من يؤيد الإدارة الفرنسية وبين من يؤيد الإدارة البريطانية ، و كان الشيخ كساب هو ومن يتبعه من مريدي الإدارة البريطانية ، وكان الشيخ كساب معروفا بشجاعته و قدراته القيادية في القتال ، ويسجل له أنه قاد العتيقة في حروبها مع البدو والتي استمرت قرابة العشر سنين ، قبل وصول الحكم الإنجليزي للبلاد .. فاكتسب صفة جماهيرية ، جعلت من إدارة أي دولة أن لا تتجاهل مكانته .. شأنه في ذلك شأن سبعة حكام محليين في مناطق مختلفة من البلاد ..

وقد كان للشيخ كساب مصادر دخل تأتيه ، من الذين يحتموا به ، فمقابل أن يمنحهم صفة الانتماء لحلفه ، فإنهم يأتونه بالخراف والسمن إذا ما جاءه أحد الضيوف المهمين ، فكانت عدد الخراف التي تأتيه في مثل تلك المناسبات تفوق عشرات المرات ما يذبح منها .. وكان فوق ذلك يأخذ من الإدارة البريطانية المحتلة (جنيهين ذهبيين ) عن كل فرد من هؤلاء الأفراد ، بحجة أنهم مجندين تحت إمرته ، وبطبيعة الحال لم يكن يعطي من تلك الأموال لأحد شيئا ..

بالمقابل كان هناك الشيخ (راغب) الذي أراد أن يجند بقية أهل العتيقة لحساب الفرنسيين (دون علمهم ) .. فكان يجيد اللغتين الفرنسية والإنجليزية إضافة الى التركية والعربية ، لقد أراد أن يجعل من بقية سكان العتيقة ، والذين لم تكن عشائرهم عشائر بمعنى الكلمة ، بل عائلات في أحسن الأحوال يكون بها عشرون رجلا ، فأراد أن يجعل من أحدهم مختارا ، كما كانت السلطات الفرنسية تساعده ، إذا ما توسط في تسهيل مهمة أحد هؤلاء الناس ، إذا كان موقوفا لديهم أو عنده مشكلة ما .. فكانت تستجيب له في العفو عن الموقوفين ..

لكن الشيخ راغب كان يقرأ أن مستقبل العتيقة وما حولها سيحسم عما قريب لصالح البريطانيين ، فكان يزورهم و يحسن من علاقته معهم .. بل والأكثر من ذلك كان على علاقة صداقة طيبة مع الشيخ كساب و أبناء عمومته ..

إلا أن أمرا طارئا قد حدث في بداية عام 1930 ، عندما مرض الشيخ كساب مرض الموت ، فنقل الى مستشفى في مدينة بعيدة .. وأصبح أخوانه وأبناء عمه يحسبون الحساب أن قيادة العتيقة ستؤول ـ لا محالة ـ الى الشيخ راغب ، كونه الأكثر قدرة على التعامل مع السلطات .. فدعوه الى حفل عشاء في ديوانهم وذبحوه و قطعوه ووضعوه في كيس من الصوف ورموه بأحد آبار العتيقة ، ولم تكتشف جثته إلا بعد أسبوعين ..

عندما اكتشف الأمر ، صادف أن توفي الشيخ كساب في المستشفى ، فأشار وجوه أهل العتيقة على ذويه أن يحملوا جثمانه ، ويدخل كل وجوه أهل العتيقة الى ديوان المغدور الشيخ راغب ، فما أن وضع الجثمان أمام الديوان ، حتى نثرت عليه نساء ذوي المغدور رماد المواقد ، دلالة على رفضهم الصلح .

غادر أبناء أخ الشيخ راغب و ابنه الشاب ، الى منطقة نفوذ الفرنسيين ، وأخذوا يغيرون ليلا على العتيقة ، يكمنون لمن تطوله أيديهم من أبناء عشيرة الشيخ كساب ، علَهم يجدون أحدا يقتلونه . فكانوا يطعنون المواشي لتحدث صوتا في الليل ، ولكن حذر خصمهم قد فوت عليهم الفرص لمدة أربعة سنوات متواصلة ، لا بل تمكن خصومهم من قتل شاب آخر من أبناء أخ الشيخ راغب .

أحدثت تلك القصة بداية انقسام بين سكان العتيقة ، ثم تلتها قصة أخرى ذهب ضحيتها سبعة أشخاص ستة رجال وامرأة واحدة ..ففي أحد احتفالات الأعراس ، انطلقت رصاصة من بندقية أحد المحتفلين فقتلت شقيق العريس ، وفسرت على أنها مقصودة للتخلص من خطيب أحد الفتيات ، فأغار أهل المقتول على عشيرة القاتل فقتلوا منهم الرجال الستة والمرأة .

ورغم مراسم الصلح التي تلت ، فإن الانقسام قد تشكل ، وأثر على سير الحياة في تلك القرية .. وأخذ يظهر في الانتخابات فيما بعد ، فإن ترشح للانتخابات أحد المخترعين من طرف فإنه لن يحصل على أي صوت من الطرف الآخر ..

لا بل تعدت الأمور ذلك ، فكانت المكائد تتم بالوشاية من الذين ينتمون لأحزاب سياسية ، أو يفكروا بذلك ، وقد وجدت الأجهزة الأمنية في ذلك النمط من العلاقات مبتغاها في الوصول للمعلومات الأمنية اللازمة . من خلال التقارير التي تكتب سواء كانت صادقة أو ذات صفة كيدية ، لإبعاد مرشح عن دائرة المنافسة الانتخابية ، أو إحداث خسارة في تجارة ما للطرف الآخر .

ابن حوران
23-11-2006, 05:43 AM
( 18 )

لم يكن للناس عهد بالتفكير بمعارضة الحاكم ، فقد تمت تربيتهم على السكوت مدة ألف عام ، لكن بعد أن زال الحكم العثماني الذي اختلطت فيه مبررات بقاءه مع عدمها .. وأصبح الناس وجها لوجه أمام مستعمرين كفرة ، ويهود يحاولون بلع فلسطين ، وحدوث المقاومة في فلسطين وسوريا و العراق ، وانتشار وسائل الإعلام التي أخذت تسرب أخبارا عما يدور في ليبيا و الجزائر وريف المغرب .

بدأ الحس الوطني بالنهوض شيئا فشيئا ، حتى شارفت الأربعينات من القرن العشرين على الانتهاء ، ولما كانت الحكومات العربية ، ليست بذلك الاحتراف في خنق الأصوات كما هي اليوم . أخذ شباب العتيقة كما هم غيرهم من شباب العرب يفكرون ويتهامسون و يتبادلون نشرات كانت تصنف على أنها ممنوعة ، لكن المهربون كانوا ينقلونها على ظهور الخيل عبر الحدود ، لتصل إلى عينات من مثقفين لا زالوا في المدارس المتوسطة أو الثانوية ..

كان الشباب ينقسمون الى ثلاثة فئات فئة إسلامية ( سياسية ) بحزب اسمه (التطهير ) وحزب ( أممي ) وحزب (قومي ) .. وغالبا ما كانوا في حالات جدال مع بعض ، أحيانا تصل الى حد العراك بالأيدي أو السكاكين .. وكان معلمو المدرسة ينقسمون أيضا وفق هذا التقسيم ، وكان الأكثرية من القوميين والتطهيريين ثم بعض من الأمميين الذين كانوا يحاربوا من كل الأطراف إضافة للدولة والمجتمع ..

كانت العقوبات التي ينالها من ينتمون للحزب ( الأممي ) قاسية جدا ، نادرا ما تقل عن عشرة سنوات ( شاقة ) .. فكانوا يلجئون لحيلة في عقد اجتماعاتهم ، إذ كانوا يحضرون بعض زجاجات البيرة و يضعونها في دلو وينزلونها ببئر ماء لكي تبرد ، حيث لم تكن الكهرباء قد دخلت العتيقة بعد ، وأحيانا يملئون تلك الزجاجات بالماء ، وعندما يرتابون بحركة قد تلحق بهم الأذى يسارعون في استخراج زجاجات البيرة ( أو الماء ) ويتناولونها أمام القادم المريب ، فأسهل عليهم أن يقال عنهم سكارى من أن يتعرضوا للسجن الطويل ..

وقد أثير حديث ذات يوم بين أهالي القرية ، فعندما ذكر أحدهم كلمة (أممي) انبرى أحد جيران ( وكر ) تلك الخلية ، وقد اطلع على بعض طقوسهم .. فابتسم وقال : هل تعلمون كيف يصبح الأممي أمميا ؟ ثم أجاب : يضعون زجاجات في دلو وينزلونها في بئر ثم يستخرجونها ، وعندها يصبحوا أمميين !

لقد كان المعلمون يستغلون حصص التدريس ، ليمرروا أفكار أحزابهم ، من خلال شرحهم للدروس أمام التلاميذ ، حتى لو كان الدرس ( للحساب ) فإن المعلم يصنع مقتربات للدخول في الحديث عما يريد ، فبشرحه للفيزياء يذكر حسن كامل الصباح البدوي اللبناني ،الذي قتلته المخابرات الأمريكية بعد أن اخترع التلفزيون ( الذي سرق شرف الاختراع منه ) .. ليهجم في شرحه على الإمبريالية و الصهيونية .

وإذا أراد أن يتحدث معلم التاريخ عن الأندلس ، فلا ينسى يوسف بن تاشفين وتوحيده للأندلس التي تمزقت في عهد ملوك الطوائف ، لينوه بضرورة عمل ذلك في الوقت الحاضر ، وليتكلم عن ضرورات الوحدة براحته ..

كانت الجزائر عندما تتعرض المقاومة فيها لبعض الخسائر ، يحس الطلبة من خلال معلمهم بأن حدثا جللا قد وقع ، وعندما يسألوه ، كانت الحرقة والاختناق تكاد تقتل هؤلاء الأطفال الصغار ، ولا يعودوا في اليوم التالي إلا ومعهم بعض النقود القليلة ليتبرعوا بها لثورة الجزائر ..

وعندما بدأ المذياع بالانتشار ، اقتنى بعض الموسرين جهازا ضخما من نوع (سيرا) .. كان مربوط به ( بطارية ) تقل عن حجم بطاريات السيارات قليلا ، فكانوا يستمعون الى إذاعة ( الشرق ) التي أصبحت فيما بعد إذاعة لندن ، وكانت تبث من قبرص ، موجهة لتلقين الناس أخبارا معينة .

كان أبو حامد يضع جهاز المذياع الى جانبه ، ويخرج من جيب صدريته ساعة فضية اللون ، ربطت بسلسلة في أحد طيات الصدرية ، فيضغط على (زر) لتفتح الساعة و يطلع على الوقت ، ثم يدير مفتاح المذياع لأنه حان وقت الأخبار ، وبضعة رجال يجلسون من حول الموقد الذي وضع عليه دلال القهوة ، يرقبون ما سيبلغهم أبو حامد من أخبار يسمعها ، رغم أنهم يسمعون كما يسمع هو ، لكن اللغة العربية الفصحى لا تجعلهم يدركون على وجه الدقة ما يقول المذيع .

كان أبو حامد يعالج جمرات من الفحم المشتعل ، بملقط خاص ، في حين يطرق في نظره للأسفل ، ممثلا دور الخبير في معرفة ما يقول المذيعون .. أما الرجال فيرقبون حركات يديه في معالجة الجمر ، وتعبيرات وجهه عندما يعلو صوت المذيع .. وفجأة يطفئ جهاز المذياع ويهز رأسه قليلا .. فيبادر الرجال بسؤاله : خير أبو حامد ؟؟
فيجيب باقتضاب ( على قدر ما فهم ) : بس الله يرحمنا ..
فيعاودوا السؤال : خير أبو حامد .. ماذا قال المذياع ؟
أبو حامد يجيب وكأن هموم الأمة مرهونة برقبته : مولعة بمصر .

ابن حوران
28-11-2006, 02:05 PM
( 19 )

عندما مات ( شاهر قوقة ) ، فرح ذويه بموته كثيرا ، فقد كان يسبب لهم الكثير من الحرج ، فقد كان معتوها ، في أواسط الخمسينات من عمره ، متسخ الثياب ، لا زوج له ولا أولاد ، لا يتحرج أن يتبول في الشارع أمام المارة ، يستطيع أن يلفظ ستة حروف فقط من الحروف الأبجدية ، فيرد على من يستهزئ به بقوله ( هماه ) ( ويقصد بها حمار ) .. كان الصبية يلحقونه ليستفزونه ليشتمهم بشتائمه المثيرة للضحك ..

و كأي ميت ، لا بد من عمل مأتم له و فتح دار عزاء ، خصوصا أن أخاه من وجهاء العتيقة المعروفين ، ولكن الناس تتثاقل في الذهاب الى مآتم الأطفال والنساء المسنات و المهابيل ..

كانت أخبار هؤلاء المهابيل في حوزة مدرس ابتدائي ، يتفنن في جمع أخبارهم ، و معرفة النقاط التي تثيرهم ، وأحيانا يجمعهم كلهم و كانوا أكثر من عشرة بقليل ، منهم من هو من أبناء العتيقة و منهم من يأتي من البادية ، ومنهم من يسكن عند أم له تزوجت بعد وفاة زوجها . كان ( أبو أركان) الأستاذ يعرف أسرار هؤلاء المهابيل ، وكلمات السر لجعلهم يجودون بنمرهم المجنونة .

كان أول من أتى أن يعزي بوفاة ( شاهر قوقة) ، مجنون يحافظ على كياسته ما لم يقال له كلمة السر التي تحوله من إنسان عادي الى مجنون رسمي ، كان اسمه ( عقلة) .. ولم يكن بديوان الشيخ ( سليم ) شقيق المتوفى ، سوى الشيخ ورجل مسن عصبي المزاج اسمه (مهاوش) ، يعتبر من أقدم تجار المنطقة ، وأقلهم ربحا ، لعصبيته .. فإن سأله أحد المشترين عن ( بندورة ) (طماطم ) .. وأجابه أن طلبه موجود ، فإن اعترض المشتري على ما عرض عليه ، وطلب أحسن من تلك البضاعة ، فإن البائع العصبي ، سيدوس مئات المرات برجليه على الطماطم حتى يأتي عليها ، وهو يردد : تريد أحسن من هذا ؟ تريد أحسن من هذا ؟ ، وإن اعترض أحدهم على ( زجاجة سراج ) يريد أن يستبدلها فإن كل رصيد البائع ( مهاوش ) سيتكسر أمام المشتري المعترض ..

كان ( مهاوش ) مجنونا ، ولكنه كان لديه زوجتان وأربعة عشر ولدا من الذكور العصبيين ، فلم يتجرأ أحد أن يصفه أو يصفهم بالجنون ..

لم يطق ( مهاوش) وجود عقلة ، فغمز الشيخ سليم وقال له : ( بغلين على طوالة واحدة لا يمكن ربطهما ) .. ففهم الشيخ سليم تلك الإشارة حتى يتم طرد (عقلة) من المجلس ، كي لا يثير مشاكل مع المعزين .. فوجه الشيخ سليم سؤالا الى (مهاوش) : هل عقلة كبير بالسن ؟ فأجاب (مهاوش) : والله لما كنت خيالا كان ( عقلة ) نشميا .. ففرح عقلة بجواب مهاوش وقال : الله يحفظك يا حاج مهاوش .. فأضاف مهاوش بمكر : كان يحمل على رأسه وعاء من خشب و يلحق الأبقار ليجمع روثها .. فغضب (عقلة ) وقال : يلعن شيبك يا مهاوش وخرج .

كان أولاد العتيقة و حتى رجالها ، يتسلون بالمجانين و المهابيل ، تسلية تعوضهم عن نقص الجوانب في التسلية ، حتى كانوا يبتكرون من بين الأسوياء ، أشخاصا ليضيفونهم الى قائمة المجانين ، فقد حدث أن ذهب رجل من الحارة الجنوبية الى الحارة الشمالية ليعبئ بعض (التبن ) من عند عديل له ، وكان يلبس ملابس رثة ، تلاءم قيامه بالعمل ، وكان من بين الملابس غطاء للرأس (يشمغ) مقطعا بعض الشيء ، وعندما أنهى عمله خرج وقد علق التبن في شقوق غطاء الرأس ، فبدا منظره غريبا و شاذا ، فلما لمحه أحد الأطفال ، ذهب وأخبر أترابه بأن مجنونا جديدا قد أتى للحارة ، فتراكض الأطفال يتضاحكون ويحذفونه بالحصى و هو يركض أمامهم ، مستسلما ، حتى دخل خرابة مهجورة فتسلل أحد الأطفال إلى مخبئه ، ففاوضه الرجل أن يعطيه بعض النقود مقابل أن يمنع الأطفال عنه ، فخرج الطفل يبلغ الأطفال : أن المجنون يريد إعطاؤه نقودا ، فهجم الأطفال ثانية عليه ، فما كان منه إلا أن يركض حتى وصل بيته ، مقطع الأنفاس ..

كان ( عقلة ) المجنون ، يغيب عن العتيقة عدة شهور ، ولم يعرف عنه أين يذهب ، حتى صدف أن الأستاذ ( أبو أركان) ، قد نقل من العتيقة للتدريس في قرية تبعد حوالي 50كم ، فلمح بعد أيام من التحاقه بالعمل رجلا يضع عمامة خضراء ، وبيده مسبحة طويلة ، يخرج من دكان بخطوات ثابتة ، فراقبه عن بعد فتيقن أنه ( عقلة المجنون ) .. فترك مجالا حتى ابتعد عبده عن الدكان ، فدخل الأستاذ الى الدكان و سأل صاحبها عن الرجل الذي خرج ، فأجابه : إنه الشيخ (أبو خضر) .. فابتسم الأستاذ بمكر ، ولقن صاحب الدكان بعض الكلام الذي يستفز الشيخ ، وهي كلمات سر يعرفها الأستاذ جيدا ، لكنه كان ماكرا في تلقينها لصاحب الدكان الذي أخبره بأن الشيخ سيعود حالا فقد ذهب لمكان سكنه ليحضر شيئا ، فطلب الأستاذ من صاحب الدكان أن يتخفى في مكان لا يراه عبده فيه .

عندما عاد ( عقلة ) ، كان صاحب الدكان قد حفظ دوره ، فبادره قائلا : يا شيخ ، عندي ابنة تعاني من بعض الوساوس و أريد منك أن تعالجها ، بصنع حجاب أو أي طريقة ، فإن شفيت سأعطيك (زوجا من أفراخ الحمام ) وكانت هذه من مثيرات عقلة ، فجفل عقلة و تنحنح و قال : ( دسِم كلامك) ، وسأعطيك (حليب العجلة الصَبحة) .. فغضب عقلة وقال بعنف : ( استحي) ، ثم أضاف صاحب الدكان : وإن تأكدت من شفاء البنت تماما سأعطيك كل ما لدي من (ملح الليمون ) .. وكانت تلك أشد ما يثير عقلة ، فأمسك بخناق البائع ، وقال له : إن لم تخرج ( رجل العتيقة ) من عندك سأذبحك .. وهنا خاف الأستاذ على الرجل فهو يعلم قوة (عقلة ) .. فإن ضرب بابا مغلقا بإحكام بحجر عن بعد فإنه سيفتحه لا محالة .. فخرج راكضا و خرج عقلة يطارده في شوارع القرية ، التي لم يعد لها ثانية بعدما كشف سره ..

ابن حوران
05-12-2006, 08:24 PM
( 20)

هناك أمور يحير بها المرء كثيرا .. فعندما ترى رجلا يكدح ليلا نهارا، من أجل أن يؤمن لقمة لطفل صغير ويحرم نفسه من الكثير من الأشياء، فإنك تحير بذلك السلوك .. وعندما ترى طيرا يهيم على وجهه ليلتقط رزقا يضعه في فم مخلوق صغير ينتمي له، وأمه ترقد معرضة نفسها لهجوم الضواري والأفاعي فإنك ستحير أيضا، والكثير من تلك الظواهر التي يستسلم لها المرء في النهاية ليقول إنها إرادة الله ويصمت .

في كثير من الظواهر الأخرى التي لا تنتمي الى النوع الأول، تكون الأعراف أو العادات أو الضرورات الحياتية هي ما تكمن كمسببات وراء تلك الظواهر، فلماذا يتخصص القط بملاحقة الفأر ولماذا يتخصص الكلب في ملاحقة القط، فهذه ستكون من مهام العلماء المتخصصين في تلك الشؤون ..

أما أن يقوم الإنسان على خدمة الحيوان، ويبذل قصارى جهده في تلك الخدمة فهذا ما لم أعرف سره كما لن يعرف سره من يعيش في أيامنا هذه، قد يتعجل أحدنا عندما يقرأ مثل هذا الكلام ويجيب على الفور إجابات لم يبذل بها أي جهد، أو أنه لم يجرب مراقبة هذا النوع من الخدمات في حياته ..

في بعض القرى الجبلية واللواتي لا تكون ملكيات المواطنين فيها من السعة بمكان، قد يصدف أحدنا فلاحا يحرث مساحة لا تزيد عن 500متر مربع هي كل ما يملك، وتكون وسيلة الحرث بواسطة حمارا ضئيل الحجم، ولو توقفنا بجانب ذلك الفلاح، وسألناه : كم تتوقع أن يأتيك ناتجا من هذه المساحة، لتردد وتعصب قبل أن يجيب ، ولكن على السائل أن يتحلى بالصبر ويكرر على الفلاح السؤال، فإنه سيحصل على إجابة بأن الناتج لن يغطي كلفة اقتناء الحمار لمدة شهر، وإن واجهنا الفلاح بما استخلصنا من عدم جدوى اقتناءه لبادر بطردنا على الفور .

في العتيقة لم تكن تمر ساعة دون أن يكون للحيوانات ذكر في الأوامر أو القصص أو العمل نفسه، ومن يتفحص مكونات ذلك الاهتمام لاستنتج على الفور عبثية تلك العلاقة .

فكنا نسمع أسئلة رب المنزل لذويه : هل أسقيتم (الَطرشَات ) وهي كلمة تدلل على الحيوانات المنزلية من أبقار و خيل وحمير وغيرها .. هل (كربلتم ) التبن للطرشات ، أي هل أزلتم التراب والشوائب من التبن لتقدموه للحيوانات .. هل نظفتم تحت الطرشات .

هذا بالإضافة الى أن الآبار التي تكون في ساحات المنازل، لا يشرب أهل المنزل منها، لأنها تلوثت ببقايا روث الحيوانات، وعليه فإنه يتوجب أن يحضروا ماء شربهم من مكان لم يتلوث ببقايا الحيوانات، صحيح أنهم سيستخدمون الحيوانات لنقل الماء، لكن لولا وجود الحيوانات لوفروا هذا الجهد وتناولوا ماءهم عن قرب ..

وإذا جاءت سنين قحط (محل) فإن قسم من السقوف ستزال من مكانها، وسيؤخذ التبن لتغذية تلك الحيوانات، ومن الطبيعي أن طبقة بسمك نصف متر تقريبا قبل ضغطها والتي كانت توضع بالسقوف ستحل مشكلة تغذية الحيوانات لعدة أسابيع، وعلى أصحاب تلك الحيوانات أن يعيدوا ترتيب السقوف في وقت لاحق ، وهو جهد لولا الحيوانات لن يحدث ..

هناك حالة أخرى كنا نراها عند تغذية العجائز لصيصان ( صغار الطير) في حالات الديك الرومي، فتشوي العجوز بيضا و تخلطه ببعض القمح المجروش، وتغذي تلك الكائنات الحية به، في حين يجلس الأطفال يسيل لعابهم دون أن يحصلوا على مثل هذا الغذاء الخصوصي ..

في أيام (الدراس ) أي سحق القش لاستخلاص الحبوب منه، يقضي الفلاحون مدة شهرين وأكثر حتى ينجزوا تلك العملية. صحيح أنهم كانوا يستخدمون الحيوانات في تلك العملية، لكن كل أو معظم ناتج تلك العملية ستأكله الحيوانات نفسها، فمن المستفيد بالدرجة الأولى ؟ إنها الحيوانات .. ومن يستخدم من ؟ إنها الحيوانات التي كانت تستخدم الإنسان، ولكنه كان يخدمها دون أن يسأل أو حتى يفكر .. هكذا وجدوا آباءهم !

ولو نفق حيوان ( مات) فإن الحزن عليه سيفوق الحزن على أحد أعضاء المنزل من البشر، وسيكون حديث الناس لعدة أيام هو كيف أن فلان قد فقد حماره بالموت، ولكنهم لم يعملوا له بيت عزاء، وهو أمر لن يعترضوا عليه لو بادر أحدهم ذات يوم واخترع مثل هذا التقليد ..

كانت الأدوات وحتى المفردات اللغوية المختصة بالحيوانات تفوق تلك التي تستخدم للبشر، ففي حين لم تكن تجد طبيبا واحدا للبشر في عشرين قرية، كنت تجد في كل قرية بيطارا يهتم بصحة الحيوان. وستجد من يفصل لها الرسن والجلال ( غطاء الظهر) والمرشحة ( للخيل) و غيرها ..

لو قدر لأحدنا أن يعثر على أحد أبناء ذلك الجيل، والذي أظنه امتدادا لأجيال تصل الى آلاف السنين، وكان هذا المعمر قد رأى مدى التطورات التي حدثت في البلاد على كل الصعد، وتوجه أحدنا إليه بالسؤال أو بتلك الملاحظات التي أوردناها، وطلب منه تفسير للحكمة من كل هذا الحجم من الوفاء للحيوان، لضحك بصوت عال .. ولكنه لن يجيب ..

ابن حوران
18-12-2006, 09:40 PM
(21)

عندما يتكلم أطفال الابتدائية بالسياسة، ويتسمع إليهم من يعتقد أنه يستطيع الإجابة على تساؤلاتهم، فإنه يغوص في بحر تساؤلاتهم، من زاوية يحن للطفولة ومن زاوية أخرى يتفقد ما تبقى من تلك الطفولة حاضرا وجاهزا في أعماقه رغم تقدم العمر، فتخبو لديه الرغبة بالتطوع لإجابتهم عن تساؤلاتهم، كما أنه لا يستطيع دوما الانتصار على الطفل السابت الحاضر في نفسه.

من تلك التساؤلات، كيف يستطيع حاكم البلاد أن يسيطر على كل تلك المساحات الشاسعة، والمدن بعماراتها العالية وذات الشقق الكثيرة، والقرى والأرياف والأزقة، والبوادي، فيجيب طفل آخر أحيانا إن تلك القدرة هي لله وحده وأنه يهبها من يشاء و ينزعها ممن يشاء.

كان من يتسمع لهذا الحوار الصغير والتساؤلات الفتية، يهم أن يقول لمن يتساءل، إنها رغبة واستعداد الأغلبية لتقبل ذلك، حيث يتركوا تلك المهمة لمن هم فيها طوعا أو قسرا، ولا يريدوا أن يفسدوا رتابة حياتهم اليومية في مناقشة مثل تلك التساؤلات ..

لكن هناك من يعتقد بعدم أحقية من في الحكم، وأن بالاستطاعة التخلص من أي حكم مهما بلغت قوته، في حالة ضبط خطط التخلص من ذلك الحكم، وقد يبالغ البعض في تسهيل مهمة التخلص من الحكم وأنها تتلخص بالإرادة فقط.

كما قد تبالغ بعض الحكومات في تضخيم أفعال بسيطة وتعتبرها أخطارا، لا بد من مواجهتها بقوة، كما فعلت الحكومة العثمانية مع فتى اسمه (عمر الفاخوري) من لبنان عندما ألف كتابا أو (كتيب) بعنوان (كيف ينهض العرب) وكان قد قرأ للفيلسوف (جوستاف لوبون) الذي كان متخصصا في الكتابة ضد اليهود وتأثر به ، فاعتقدت الحكومة العثمانية أن هناك خطرا قادما من تلك البقعة فحاصرت طرابلس وقامت بحملات شنق وصلت عدة مئات في حلب ودمشق وبيروت وطرابلس، حتى اكتشفوا في النهاية أن هذا الفتى لا يزيد عمره عن ستة عشر عاما إلا قليل ..

في العتيقة ظهرت فئة تشبه ما كان عليه عمر الفاخوري من احتقان وحماس، كانت الفئة لم تكمل منهاجها الثقافي في الفصيل السياسي الذي تنتمي إليه، حتى لم تنهي المراحل الأولى من ذلك المنهاج، فظهر على أفكارها خلط بين أقصى اليمين الى أقصى اليسار، وقد استغلت تلك الفئة أنباء إنشاء حلف (بغداد) والمظاهرات التي سارت في شوارع بعض المدن العربية، فخرجت للتظاهر بشوارع العتيقة وكان يتقدمها شخص تلقب بالفوهور ومع ذلك كان محسوبا على الخط الأممي، فكان يرتقي (مقرص) ويخطب من فوقه ثم يقفز على طريقة أبطال الكاوبوي، وكان الأطفال من خلفه يهتفون : فلان راكب طيارة .. وعلان راكب حمارة .. فلان يفصم بزر .. وعلان يلقط قشر .. هذه أهم الهتافات التي كان يرددها المتظاهرون ..

استمرت المظاهرات عدة أيام بشكلها الصبياني، ثم قرر (الفوهور) أن ينقل القارمة التي تقول حدود الدولة ووضعها في طرف بين الدولة وحدود العتيقة، وفرض رسوم عبارة عن (100فلس) لكل سيارة تدخل (جمهورية العتيقة الديمقراطية) .. وقد ورد خبر عاجل في الإذاعة البريطانية التي كانت تبث من قبرص عن نشوء تلك الجمهورية التي لو انتبه أهالي العتيقة لأدخلوها في موسوعة (جينيس) كأقصر فترة حكم جمهوري بالتاريخ ..

فقد كان أحد المتطوعين من العشائر المتخاصمة قد انتهى من توصيل تقريره للعاصمة لتتحرك القوات البرية يتقدمها المشاة زاحفة زحف (النمرة و القردة) لمسافة خمس كيلومترات، متوقعة أن تلقى دفاعا صاروخيا من تلك القرية، وقد ورد لمسامعي أن اللواء الذي كان يقود تلك القوات بعد مرور ثلاثين عاما، أنه كان لديه أوامر أن يقصف العتيقة بالمدفعية قبل دخولها، لكن الخطة قد تغيرت بآخر لحظة!

جمع قادة الوحدات العسكرية الذين سيطروا بسرعة على القرية، وجوه العشائر وأمروهم أن يصطفوا بصفين مواجهين لبعضهم، ثم أمروا كل واحد أن يبصق في وجه من يقابله .. ومن يرفض كان يتعرض للضرب ..

أما الشباب (الثُوَار) فقد انهزموا الى قطر عربي مجاور، كلاجئين سياسيين، وكانوا يزيدون عن مائة ، بقي في المهجر، قسم منهم حوالي عشرين عاما، كما قد انهزم معهم من ليس له أي علاقة، عندما رأوا كم هو البطش الذي يحل بمن في سنهم عندما يلقى القبض عليه..

كان من بين الفارين شخص أشقر طويل عيناه واسعتان لكنه يغمض إحداهما نصف إغماضا، وقد اعتبره كل رجال الإعلام والصحافة الذين تجمعوا ليسألوا القادمين عما جرى في الدولة المجاورة، وما هي أخبار (جمهورية العتيقة الديمقراطية). فاختاروا ذلك الطويل الأشقر، حيث لم يعد هناك من يدَعِي بأنه على رأس الثورة، ولم يمانع الواقفون من تنصيب هذا الأشقر ناطقا بلسان الثورة، رغم معرفتهم بأنه أقرب للحمقى منه للعاقلين. وعندما توجه إليه أحد الصحفيين بالسؤال، رد على الفور بأنه في حالة جوع شديد، فجيء بطعام على الفور (له وحده) .. فطلب كوبا من الشاي فأحضروا له كوبا، فطلب لفافة تبغ، والصحفيون ينتظروا ما سيدلي به الناطق بلسان الثورة من تصريح .. ولما انتهت طلباته، وكرروا عليه السؤال أجاب: (طعة وقايمة) يعني أعلن عن عدم فهمه عما جرى .. فخرجت العناوين : وامتنع الناطق بلسان الثورة عن التصريح ..

ابن حوران
16-01-2007, 06:05 AM
(22)


في كتابة العقود بين المتعاقدين، يتولى كتابة العقد محامي يظن أنه ملم بالقوانين، أو مأذون في حالات عقد الزواج، ومن أراد التملص من العقد أو التحايل عليه، قد يستعين بمحامي، أو يتفحص نقاط الجزاء في حالة المخالفة حتى يدفعها أو يتفاوض من أجلها لينهي فترة التعاقد ..

في عقود الزواج، التي يعبئها المأذون ويوثقها لدى دوائر عدلية تثبت حالة العقد وتعتبره نافذا، في الغالب يكون العقد مكونا من صفحة والقليل من التفاصيل، بل يشمل المهر المقدم والمؤجل والأثاث و مكانا لتوقيع الشهود، وليس للعقد أهمية إلا شرطيته الشرعية والقانونية..

ولكن لا توجد في عقود الزواج، شروطا تبين نسبة الملح في الطعام ولا ارتفاع صوت المرأة أو الرجل، ولا من سيحلب البقرة، ولا من سيفتح الباب إذا طرقه طارق .. ومئات الألوف من الحركات اليومية التي لا تستطيع مجلدات أن تحويها ..

في العتيقة كانت المرأة لها دور لم تنص عليه المواثيق المكتوبة، ولم يتطرق إليه خطباء الجمعة، ولم يذكره الناس في مجالسهم، لكنه تم انتشار تفاصيله مع الهواء وامتزج بدخان المواقد و(الطوابين) والتصق على جدران الحارات، وحفظه أبناء البلدة كما تحفظ صغار (السحالي) طرق المناورات من الأعداء الخارجيين، ولا أظنها أنها ( أي السحالي) قد تخرجت من جامعة أو معهد لكي تتعلم مهاراتها في فن البقاء ..

لم تكن هناك حركة نسائية مناضلة لتوصل النساء الى ما وصلت إليه، ولم تكن تتذمر النساء من وضعها، كما لم يكن الرجال يحتاجون لقطع يكتبونها على صدورهم تقول (هنا رجل) ولا النساء تحتاج الى مثل تلك القطع..

عندما كانت حاجات الإنسان معروفة ولكل سلعة وظيفة وضرورة، كان الناس يتعاملون مع تلك السلع في محلاتهم التجارية وفق تلك الضرورة والوظيفة، فالتجار كونهم من الناس، كانوا يحضرون ما يلزم للناس و يتلاءم مع إمكانياتهم، دون أن توزع غرف التجارة و روابط رجال الأعمال قوائم بتلك الحاجات، لكن لما غزت السلع الأسواق و فرضت على المشترين التعامل مع تلك السلع (كمحور محرك لحركة الاقتصاد)، كيَف الناس أوضاعهم وفق تلك السلع، فارتبكت اعتيادية وانسيابية حياتهم، فظهرت التشوهات الاقتصادية والاجتماعية حتى تشوهت معه حالة ثبات وثبات نمو وتطور المجتمع.

لم تكن المرأة تضع في فهارسها طلبات لم يكن لها ضرورة ووظيفة حياتية تتعلق بدور المرأة التي لم تكن عنصرا إضافيا، بل كانت عنصرا أساسيا ليس مكملا لدور الرجل، بل ملتحما في دوره التحام وجهي ورقة النقد، تفقد الورقة النقدية دورها إذا تلف أحد وجهيها أو تشوه .. وكان الإقرار من كل المجتمع بهذه العلاقة الصميمية والعضوية ..

لم يكن يعتدي الرجل على دور المرأة، فعندما يتم سؤاله من قبل أبناءه عن شيء هو من اختصاص والدتهم، سيحيله فورا لها، كما كانت المرأة تحيل ما يناط بالرجل للرجل، تماما كما هي الحالة في دور لاعب الدفاع في كرة القدم، ودور حارس المرمى، فإن أمسك لاعب الدفاع الكرة بيده فإنها مخالفة قد تعرض الفريق لضربة جزاء ..

كانت المرأة معنية بتربية كل ما هو داخل أسوار الدار، ابتداء من صغار الطيور الى الأبقار و الإبل و حتى رجل البيت، فهي تعني برعاية كل هؤلاء وتغذيتهم وجعلهم يظهرون للآخرين بأبهى صورهم، ليعود الفخر والمجد منسوبا لها في النهاية، وكان الرجل كالمقاول الذي يزود (معلم البناء) بمواد البناء، وما يتبقى يعود للأخير ..

وفوق ذلك كانت تذهب للحقول لتزود البيت بمواد الطعام من (خبيزة وعكوب وبعض ما تخرجه البراري) لتقدمه كوجبات لمن في البيت، وكانت تحضر معها أعواد (المكانس) وأعواد الحطب .. وعليها أن تقتصد في موجودات البيت من مؤن، حتى يمضي العام على خير، لا بل وتحتاط تحسبا لقدوم عام من القحط لا غلال فيه .. وكانت ترثي ما يتمزق من الملابس .. وفي أوقات فراغها ونزهتها تقوم بغزل وحياكة الصوف، لتعمل منه رداءا جميلا يلتصق بجسم طفل أو رجل ليترك بصمات روح الأسرة لأطول فترة ممكنة، أو تقوم بتلوين عيدان القش من القمح لتعمل منه أداة منزلية يحفظ بها الخبز أو تحمل بها الحبوب ..

وكانت توفر على الاقتصاد الوطني ما تتحمله الآن الدول من استيراد (حليب أطفال مجفف) .. لترضع أبنائها كل عوامل القوة والتلاحم الوراثي بين الأجيال.

هكذا كانت المرأة، قبل أن يلقى عليها قوائم من طلبات أو غايات، تعرف قسما منها وقسم آخر لا تعرفه .. لتدخل في صراع مع نفسها و مع الرجل، وتدخل الأمة في صراع من أجل البحث عن مسارات لا تمت لواقعنا بصلة ..

ابن حوران
05-02-2007, 09:48 PM
( 23 )

لو راقب أحدنا نفسه أثناء عمليات الاقتراع (التصويت)، لأدهشه سلوك غريب، قد يتشابه عند كل الناس، فهو إن كان مرشحا في تلك الانتخابات التي يجري لها التصويت فإنه سيضع اسمه أول اسم، حتى وإن كان له حلفاء في نفس القائمة والذين سيدرجهم بعد كتابة اسمه، وإن لم يكن هو المرشح، وكان له قريب أو صديق فإنه سيضع اسمه في رأس القائمة، ثم يكتب أسماء المرشحين الذين ألزم نفسه بهم أدبيا !

يتساءل البعض: لماذا هذا السلوك العفوي؟ هل يخشى صاحب هذا السلوك أن يأتي زلزالا يمنعه من كتابة اسمه بالأول، أو أن أوامر مفاجئة تأتي من قوة ملزمة بالتوقف عن الكتابة .. ولو أخضعت هذه الأسئلة للمنطق، لما وجد لها مبرر إطلاقا، فما فائدة كتابة اسم المرشح إن أتى زلزال أو قمعت العملية الانتخابية ؟

إن تلك المسألة تتعلق باعتبار الفرد ولحظات حياته كمحور لعملية التاريخ، ففلان أكبر مني بخمسة سنوات باعتباري نقطة للمقارنة واشتريت ذلك القميص عندما ذهبت للمدينة الفلانية، باعتبار حركتي هي نقطة مقارنة الأحداث ..

عند الجماعات المغلقة أو شبه المغلقة يكون التاريخ، يرتبط بحدث يتذكره الجميع، فعندما يذكر تاريخ زواج أحد أفراد مجموعة، سواء كانت عشيرة أو قرية، فإنهم يختارون حدثا حادا للمقارنة معه، فيقولون تزوج بعد أن قتل فلان، خصوصا إن كان مقتل فلان قد طبع بصمة قوية في ذاكرة المجموعة ..

في قديم الزمان كان عرب الجنوب (اليمن) يؤرخون بأحداث وطنية معينة، كأن يقولوا بعد هدم سد مأرب بمائة وخمسين عاما، وأصبح عرب مكة ومن يحيط بها يؤرخون بعام الفيل .. وهكذا حتى استقر التأريخ الهجري، واستعمل معه التاريخ الميلادي ..

بعض الموظفين في أيامنا يضعون على مكاتبهم مفكرة مكتبية يكتبون عليها ملاحظات ثم يقلبونها لليوم الذي يلي اليوم الذي كتبوا عليها الملاحظات، ولا أدري على وجه التحديد كيف سيستفيدون من الملاحظات التي كتبوها على الأوراق السابقة .. لكنها أصبحت تقليد عند معظم الموظفين ..

كان الحاج فالح يواظب على كتابة معلومات معينة على (مفكرة جيب)، وقد استمر على تلك العادة لمدة سبع وسبعين عاما متواصلة، وكانت آخر عشرين مفكرة جيب كتبت بخط مهزوز نتيجة الرجفة التي أصابته بعد تعرضه لجلطة بعمر الثمانين ..

وكان يتمتع بتلك الميزة، عندما يأتي إليه طرفان قد تراهنا على مسألة ما، متى كان يوم ولادة فلان أو زفافه ومتى توفي فلان، فكان يبتسم وأحيانا يضحك حتى تنزل بعض الدمعات من عينيه لتضيع بين شعرات لحيته البيضاء، ومن يدري لما كان يضحك، هل لأنه يريد التباهي بخصلته النادرة، أم لتندره بتعذيب السائلين لبعض الوقت، وهو يسأل هذا: وأنت ماذا تقول ؟ ثم يعود للطرف الآخر ليسأله عن رأيه، وبعد جهد يأمر أحد أبناءه أن يأتي بسلم ويصعد الى (طاقة) في أعلى جدار (المضافة) ليحضر له عشرة مفكرات، حصر فيها وقت الحادثة التي سئل عنها .. ويأخذ بالقراءة بصوت مسموع، أمام مجموعة تستمع إليه، ولا يذهب الى ما سئل عنه فورا، بل يسمعهم تواريخ وفيات لأشخاص مهمين، أو لتواريخ معينة.. فتسمع من حوله تنهدات وعبارات ( يا الله) أو (الله يرحمه).

كان الحاج فالح يهتم بتاريخ الوفاة وعقد القران والأمانات التي تودع عند معارفه، وأحوال الطقس، وأسعار اللحم والتبن والقمح وبقية الحبوب، وتتبع أخبار المسافرين، حيث سافر أخي محمد الى حمص ويبقى لا يزال أخي محمد بحمص، ذهبت لتفقد الزرع الشرقي، كان طول الزرع أربعة أصابع، ثم يتابع في اليوم الذي يليه (رهام خفيف) أي مطر قليل .. وينتقل لليوم الذي يليه، لا زال أخي محمد بحمص، طقس بارد جدا( حورة .. أي صقيع) .. وينتقل الى اليوم الذي يليه سعر كيلو لحم الخروف عشرين قرشا ولحم الجمل 18 قرشا، سعر حمل تبن العدس 60 قرشا ( الحمل حوالي 150كغم) .. حضر أخي محمد من حمص وقد اشترى بغلا ..

ثم ينتقل، ليوم آخر ( صلينا على جنازة محمود الأشقر) .. ويتابع .. رفس البغل الذي أحضره أخي محمد، رفس ابراهيم وشج رأسه .. وبعدها بعدة أيام تجده يكتب: ذهب أخي محمد الى فلسطين لبيع البغل .. وتتكرر الأمور اليومية، عن الطقس والزرع والوفيات .. مع تأكيد كل يوم أن (أخي محمد لا يزال بفلسطين) .. حتى يصل الى عاد أخي من فلسطين ومعه البغل ..

كان الحاج فالح يتعامل مع المفكرة كما يتعامل ناس اليوم مع الشيكات، فلا شطب ولا مسح ولا غيره .. وقد اطلعت على قضية طريفة حيث كان قد سجل في مفكرته ( توفي اليوم سعيد الحامد) .. وقد سجَل الحاج فالح وفاته بناء على خبر سمعه من آخرين .. ولكن سعيد الحامد عندما حفروا له قبره، وغسلوه ونقلوه الى المقبرة استفاق فجأة وعاد الى الحياة .. والغريب أن الحاج فالح الذي كان يكره الذهاب للمآتم، لم يعلم بحالة استفاقة سعيد الحامد، وقد صدف ووجد الحاج فالح ذلك الميت الذي بُعِثَ مبكرا عند محل لبيع اللحم (قصاب) .. فسأله الحاج فالح: الست سعيد الحامد؟ فأجاب سعيد (بدلال) : آه والله يا حاج. فسأله الحاج فالح : ألم تمت قبل شهور؟ فأجابه : بلى والله .. وتوقع سعيد أن يأخذه الحاج فالح بالأحضان .. ولكن الحاج فالح بادره : (تضرب في شكلك) أهي لعبة أولاد صغار؟ والله لن أشطبك ..

ابن حوران
15-03-2007, 01:24 AM
( 24 )

وضع العالم الروسي (بافلوف ) نظريته بالاستجابة الشرطية، حيث اكتشف من خلال تجاربه على الكلاب أنه إذا أحضر قطعة لحم للكلب ولوَح بها فإن لعاب الكلب يسيل، قبل أن يحصل على القطعة. وعندما أضاف بافلوف رنين جرس قبل إحضار قطعة اللحم، وكرر ذلك الترتيب، أصبح لعاب الكلب يسيل عندما يسمع صوت رنين الجرس، ثم أضاف لونا أحمر قبل رن الجرس فصار لعاب الكلب يسيل قبل رنين الجرس وقبل إحضار اللحم، كون تلك الخطوات المتتابعة توصل في النهاية لقطعة اللحم.

استفاد مربو النحل من تلك الأبحاث فوجدوا أن لكل خلية رائحة خاصة، فيكتشف أفراد خلية النحل الدخيل على الخلية من خلال الرائحة. فعندما يريد مربي النحل تغيير ملكة كسلانة وغير منتجة فإنه يلجأ لتطبيق تلك النظرية بتعفير الخلية بالطحين وسحب الملكة المجبرة على الاستقالة ودس ملكة جديدة منتجة، ويغلق باب الخلية ومنافذها بالأعشاب، فما أن ينتهي أفراد الخلية بقرض الأعشاب حتى يتعودوا على الرائحة الجديدة للملكة المعينة الجديدة.

عند زيارة أحدنا لبيت غير بيته، فإنه سينجذب لرائحة البيت الذي يزوره، إن كان يكن لصاحبه ودا، وسيحب رائحته، وإن كان لا يكن ودا لصاحب البيت فإن الروائح المنبعثة من البيت ستكون منفرة للزائر ويحس بسوئها ..

من أراد الكلام عن الصور يمكن أن يستخدم صورا من (كاميرا) ويرفقها لما يكتبه ومن أراد الحديث عن أصوات مقرئين أو مطربين يستطيع إرفاق تسجيل بما يتحدث عنه .. في حالة الروائح يجد من يريد الكلام عنها صعوبة بالغة لأن التقنيات الحديثة لم تتوصل بعد الى مثل ذلك الاختراع .. لكن اعتماد بعض الروائح المتعارف عليها عند كل الناس سيقرب الوصف بعض الشيء.


في صناعة النسيج، يكون هناك (نول) تستند إليه الخيوط الملونة لتعطي في النهاية ثوبا من القماش له مواصفاته الخاصة التي تحمل في النهاية اسما، فهذه سجادة وهذه عباءة وهذا قفطان وكل نوع قماش له علامته المسجلة التي يسهل على معظم الناس التعرف عليها ..

في العتيقة الروائح التي تشكل (نول) أو أساس للصبغة العامة المتعلقة بالروائح تستمد خصائصها من الأرض والحيوانات المتعايشة مع السكان. فإن دخلت الى حظيرة تربض بها بقرة والدة حديثا، فإن الرطوبة التي تحيط بالبقرة، تكون مزيجا من إدرار حليب انساب بفعل ضغط جنب البقرة على ضرعها، أو انسكب نتيجة ضعف الرؤية داخل الحظيرة، من يد من تحلب. ويمتزج مع الحليب أنفاس البقرة المجترة لحشائش مضغت على عجل ودُفعت إلى إحدى أوعية كرش البقرة ثم تتم استعادتها بين لحظة ولحظة ببطء لتمضغ ثانية فأثناء سحقها تختلط مع إفرازات بكتيريا الكرش (غير الضارة) لتصعد مع الأنفاس وتلتصق على ثوب (الحلابة) أو على جدران الحظيرة، لتمتزج مع (الأمونيا) المتصاعدة من بول البقرة أو برازها..

فإن فاض من تلك الروائح من داخل الحظيرة، فإنه سيتحد مع دخان ينبعث من مواقد (الخبيز) أو (الطبخ) ..وسيطيب بعطر التبن الذي يدفن في أماكن لتخزينه فإن تم تحريك التبن المرصوص فإنه يطلق عطرا شهيا خصوصا إذا كان التبن حديثا .. كل تلك الروائح وغيرها تتسلل الى الغرف والأزقة و حتى شعيرات الجسم وما يستره من ملابس ..

عندما يطبخ أحد البيوت طعاما ليس اعتياديا، فإن أمره سينفضح بواسطة الرائحة الشاذة على الروائح الاعتيادية، وليس باستطاعة أفراد البيت أن ينكروا ما عملوا فيما لو فاتحهم أحد بذلك. لذا فإن عليهم أن يطعموا كل ما يمكن أن تصل له الرائحة، تجنبا لمعاتبته، فغدت المسافات التي تصلها الرائحة معروفة بالفطرة عند أهل العتيقة، وقد تكون تلك المسافة هي الجار السابع، لذلك يقال أن الدين وصَى بسابع جار ..

في الحقول الروائح لها سمة مختلفة، لكنها لا تتنافر مع روائح القرية، فرائحة (الدحنون) و (النفل) و (الأقحوان) و(المقرة) وحتى ما لم يعرف من أسماء نباتات برية كثيرة تمتزج مع بعض في أواخر الشتاء وينمو(زوالها) وجفافها متناغما مع (أجندة) الروائح السنوية .. وقد تجد في بعض الأحيان أزهارا من (السوسن البري) و(النرجس) ترسل وميضا من الروائح، بين فترة وأخرى، فتكافئ الصابرات والصابرين على المشي أو من يركبون دوابهم وهم منطلقين لشأن يهم حياتهم، فيكونون بمجيئهم ومرواحهم كأنهم في نزهة، وإن لم يكونوا قد صنفوها كذلك ..

الحيوانات المتعايشة مع سكان العتيقة كانت تحمل سمة اعتمادها على الروائح، ولا أحد يستطيع الزعم بأنه يقدر أن يرتب من الذي اكتسب مِن الآخر تلك المهارة.. فما أن يتم فقس بعض صغار (الكتاكيت) أو أفراخ (الحمام) حتى تتجمع القطط، وما أن يضع الناس موائدهم، حتى تطل على مكان تناول الطعام رؤوس الدجاج والقطط والكلاب، رغم تنافرها في سلوكها، إلا أنها تتهادن في تلك اللحظات ..

وإن كان هناك من يركب حمارا أو فحلا من الخيل، ولم يكن ينتبه فقد ينزلق من على رقبة الفحل الى الأرض، إثر توقف مفاجئ للفحل قرب قطعة من روث (أنثى) .. فيشمها بعمق، ويرفع رأسه الى السماء مغمضا إحدى عينيه، ومكشرا عن أسنانه، ويبقى لحظات في هذا الوضع حتى يصل لجهازه العصبي المركزي نتيجة تحليل الفحص، فإن كانت الأنثى في حالة (عِشار) فإنه يمضي غير أسِفا، وإن كانت الأنثى (بِكر) فإنه يعاود الفحص والشم، حتى ينهره من يركبه ..

ابن حوران
16-04-2007, 10:09 PM
(25)


تكتسي الكائنات الحية التي تشاركنا المملكة الحيوانية (ضمن التصنيف المتعارف عليه) بريش أو شعر أو صوف يغطي أجسادها.. وعندما نحاول تذكرها أو النظر إليها فلا نستطيع تمييزها بوضوح عن بعضها ضمن الصنف والنوع الذي ينتمي له كل فرد من أفراد تلك المملكة .. فهذه بطة وهذا خروف وهذه زرافة الخ .

انفرد الإنسان من دون الكائنات تلك بتغليف نفسه بكساء يستر عورته أولا ويحقق له بعض المنافع الأخرى كاتقاء البرد وغيره ثانيا .. وقد بدأ بوضع قطعة من جلد لم يتم إزالة الصوف أو الشعر عنها، على أمكنة قرر هو بوحي من خالقه أنه من الواجب عليه تغطيتها .. ثم تطور هذا الدافع لتتأسس عليه اليوم مدارس في صناعة الأزياء و الملابس .. وقد تجاوز الإنسان الفكرة الأساسية منذ زمن في تغطية ما يجب تغطيته، حتى أصبح اليوم دور أزياء للكلاب وغيرها من الحيوانات، التي قرر الإنسان أن يتولى كسوتها ..

لو عدنا للتصنيف السابق لحاجات الإنسان (الحدية والرمزية و الإستيطيقية) فإن الكساء في أولى مراحله لم يلق اهتماما بنوعية الجلد أو القماش أو شكل التفصيل، بل كان يراعي النقطة الأساسية في ستر العورة واتقاء عوامل الجو، ثم تطورت الأمور بعد أن علم إدريس عليه السلام أو (هرمس) كما تطلق عليه الثقافات الأخرى غير العربية والإسلامية، الخياطة والنسيج للناس .. فكانت الموضة ( الزي ) يستمر عدة قرون دون تغيير يذكر .. لا كما يحدث في أيامنا هذه، أن تكون لكل فصل (موضة) ..

في العتيقة تلك القرية التي اختفت من الذاكرة، كانت العينة التطورية للأزياء فيها آتية من المرحلة الأولى من الحاجات وهي الحدية مع تجاوز بسيط للمرحلة التي بعدها، وهي الرمزية. فكنت ترى جمهرة من نساء عن بعد، فيتراءى لك أنك تنظر لقوارير (شامبو) من النسخة الأولى لصناعة هذا المخترع .. فترى أجساما أسطوانية يعتليها تشكيل يقصد منه التأشير أن هنا يوجد (رأس) .. وعندما يمشين، فإنه يخيل إليك أن كائنات من فصيل البطريق أكبر حجما وجدت في تلك المنطقة .. علما بأنه لم يكن لنا عهد بمعرفة (البطريق)..

إن الملابس تلزم من يلبسها بسلوك من نوع يتماشى مع هيئة الملبس، وليتأمل أحدنا اليوم من يلبس (الدشداشة) أو القفطان، ويعتمر غطاءا لرأسه، ويضع فوق الغطاء (عقالا)، فإن حركته ستأخذ طابعا معينا، لا يميل للعنف والحركات الرشيقة لكي لا يسقط (عقاله) أو تنشب أطراف ثيابه الطويلة في بروز أو نتوء ما من حوله فيسقط أرضا، أو تتمزق ثيابه، فلذلك يتعود هؤلاء على الهدوء في الكلام وعدم استفزاز الآخرين، والتوصل لحلول وسطى في كل مشاكلهم مع الآخرين. لذلك كان ولا يزال يطلق على من يلبس هذا النمط من الملابس صفة (العاقل) .. هل لأنه لا يميل للعنف .. أم لأنه يضع (العقال) على رأسه؟

كان الناس في العتيقة، لديهم خياط واحد للرجال وخياطة واحدة للنساء، وكانت مواسم شراء (الكسوة) تلي مواسم الانتهاء من البيادر أي استخراج الحبوب من المزروعات، وهي عادة تكون في نهاية الصيف .. فيذهب رب الأسرة الى التاجر ويقول له : اقطع لي كذا ذراعا من قماش كذا وكذا .. وكانت العلامات التجارية للأقمشة محفوظة عن ظهر قلب لدى الناس .. فأقمشة ( حبر، ومارونس، والمخمل ) لثياب النساء الخارجية، و (الربيعي و الموهير) للملابس الداخلية لهن. في حين كانت أنواع القماش للرجال (كلمنظا، ومنصوري، والبوبلين، والجوخ) .. ثم دخلت أقمشة مثل (البرلون و التركال) وغيرها ..
كان على المكتسي ذكرا كان أم أنثى، أن يراعي أن كساءه هذا لطوال العام، ومن يدري، فقد لا يأتي الموسم الزراعي القادم جيدا، فعلى الجميع التهيؤ للبقاء في تلك الملابس (حولا) آخرا .. وعلى النساء أن تجتهد في (ترقيع) ما تلف من تلك الملابس أو التوجه لتصغير ملابس آخرين قد ضاقت عليهم ملابسهم وهي نادرا ما تحدث كون معظم الملابس فضفاضة تستوعب أي زيادة بالوزن حتى لو كان الضعف، أو أن صاحب الملابس قد توفى، وتسمى تلك العملية ب(التقييف) وهي مأخوذة من (قيافة) أي الهيئة النهائية للشكل ..

كما تقوم النساء في غزل صوف الأغنام وعمل منه (كنزات) يلبسها المحظوظون في الشتاء.. إضافة لعمل (الدامر) وهو لباس أقرب الى (الجاكيت) تلبسه النساء و الرجال .. وإن كان الرجال يلبسون (فراء) من جلود الخراف، لا زال تفصيلها يحمل نفس الشكل منذ أيام (الظاهر بيبرس) حتى اليوم..

في الأحذية، كان الرجال يلبسون (مداسا) والمداس يبدو أنه مشتق من داس على الأرض .. والنساء يلبسن (الوطية) واسمها اشتق من وطئ الأرض، وفلان (واطي) أي منحط .. أما الأطفال فكانوا يشترون لهم (شوز) وأكيد اسمه ليس بالعربي .. وكان من قماش وله أرضية من المطاط ، كان على الطفل أن يحرص أن يحافظ على حذاءه لمدة عام، لكن نادرا، ما كان يوفق أي طفل في الإيفاء بوعده .. فبعد عدة شهور سيبرز إبهام قدمه من مقدمة الشوز .. وسيواجه الطفل عقوبة معينة أقلها التوبيخ مع البصاق في وجهه.

لم يكن أهل العتيقة ينفردون بهذه الكآبة الكسائية .. فقد ذكر لي أحدهم وقد عين مدرسا في منطقة تبعد 200كم عن العتيقة .. أن أهالي تلك المناطق ينظرون لأهل العتيقة بعيون حاسدة للرخاء الذي ينعمون به!

فقال: لقد طلبت من أحد التلاميذ أن يخرج الى اللوح (الصبورة) ليحل مسألة، فعندما حلها بجدارة، لاحظت أنه حافي القدمين، فسأله عن السبب فقهقه كل التلاميذ الذي تبين أنهم كلهم حفاة .. فكافأته بشراء (شبشب) كي يلبسه، فكان يربط الشبشب بخيط ويعلقه على رقبته، في حين يرجو منه بعض التلاميذ أن يضعه في قدمه ويسير بضع خطوات ..

ابن حوران
21-05-2007, 12:28 AM
(26)

تؤثر كمية الغذاء المتوفرة للكائنات الحية على نمطية حياتها وكثرة أعدادها، فحيوانات الصحراء لندرة الغذاء تتصف بقلة أعدادها واكتسابها مهارات تجعل بقاءها وفرص حياتها متوفرة .. فمثلا تحتاج بومة (الحظائر) حتى تفقس ستة مرات في السنة الى ثلاثة آلاف وستمائة جرذ.. فإن لم تلق هذا العدد في بقعة فإنها ستغادره الى مكان آخر.. وهذا الكم من الجرذان حتى يتوفر لتغذية هذا البوم وأفراخه لا بد من توفر الغذاء له .. كذلك نجد تلك الظاهرة في النحل ففي الأحوال التي تكون فيها الأزهار متوفرة، فإن كمية العسل المنتَج ستزيد، وأعداد أفراد الطائفة ستزيد .. إنها مسألة طبيعية بحتة ..

نظام التغذية عند البشر يتوقف هو الآخر على توفر عوامل الإنتاج للغذاء في بقعة يتواجد فيها قاطنون من البشر، فأحيانا تكون المنطقة صناعية، ولا وجود للمزارع القريبة منها، فيضطر أصحاب المشروع الصناعي سواء كانوا من الأهالي أو الدولة الى إحضار الغذاء لهذا التجمع الصناعي، فتنتشر الأسواق التي تعج بالبضائع المنقولة من مسافات بعيدة، ويذهب السكان الصناعيون الى الأسواق ليشتروا ما يحتاجون من مواد، ويدفعوا ثمن مشترياتهم من الأموال التي تقاضوها بدل أتعابهم الصناعية .. هذا في المجتمعات المتقدمة ..

في المجتمعات التي انتقلت من حياتها القديمة، الى حياة مدنية جديدة، يتصارع الناس على الغذاء، ويحاولون التفنن في البقاء، فيرحل الكثير من سكان البوادي والأرياف ليحلوا ضيوفا غير مرغوب فيهم على ضواحي المدن الكبرى، حتى فاق عددهم في الكثير من الأحيان عدد سكان المدن الأصليين، فتهمشوا في سكناهم ودورهم وحياتهم، وأصبحوا بيئة تفرخ الكثير من المصائب غير المحسوب حسابها في سياسات الدول العرجاء .. وهي ظاهرة موجودة بوضوح في معظم مدن البلدان العربية ..

تقاس نسبة الزيادة بالسكان، على ضوء عدد الولادات والناجين من الأطفال دون موت، منقوصا منها نسبة الوفيات، وتخرج إحصائيات عن متوسط أعمار السكان.. وتدخل عندها دراسات السكان، والحالة الصحية، فتحتل الدول المتقدمة مرتبة أولية في قلة نسبة الوفيات في الأطفال، وزيادة متوسط أعمار الأفراد، وقلة عدد المعاقين الخ ..

في العتيقة، حافظ السكان على عددهم الثابت طيلة سبع وعشرين سنة، منذ عام 1927 وحتى عام 1954 .. لا زيادة تذكر. عندما تأتي ضواري الغابات لتلحق بقطيع من الغزلان أو الحيوانات العاشبة (المتغذية على الأعشاب) فإنها تصطاد الصغار من المواليد التي لا تستطيع الهرب، كذلك تصطاد المتأخر والمتخلف من القطعان نتيجة عجزه وعدم لياقته. كان المرض وهو الوحش المستتر ينهش العاجزين عن الركض أمامه نتيجة سوء لياقتهم الآتية من سوء التغذية، كما أن الأطفال حديثي الولادة، ولسوء الحالة لمرضعاتهم، فإنهم يرضعون العجز منذ صغرهم، فيكونون هم الآخرون فريسة سهلة لأي مرض ساري.. فكانت الحصبة مثلا تأكل أبناء خمسة سنوات عن بكرة أبيهم، لا تبقي منهم أحدا ..كما أن مرضا مثل السل أو الكوليرا لا يرحم هو الآخر، وكان سكان العتيقة يطلقون أسماء على الأمراض، لم يبق أحد يتذكرها مثل (أبو مزراق) عن الطاعون ..

كان الأكل والشرب، يحتل سلم الأولويات لدى مواطني العتيقة، وأظن أن هذا الترتيب لم تنفرد (العتيقة) به، ولا يزال الناس في كثير من الأحيان عندما يريدون وصف رخاء أحد الأفراد يقولون بتباهي وتفاخر (مآكل شارب نايم)، يعني أنه أكل ( وهو الأهم) وشرب ونام .. ولن يذكر ما يتقاضاه من الأجر، فالدلالات تلك كافية لإخبار من يستمع عن حالة النعيم التي يكون المعني فيها ..

كانت مهمة رب البيت تشبه الى حد كبير مهمة ملكة (بيت النمل) في حركة مستمرة لتأمين عوامل البقاء من تدبير الغذاء وتخزينه.. كان تعلق الناس بالمطر وما يعنيه من (بشارة) على بقاء حياتهم، يشكل تعلقا أسطوريا غريبا، فبالرغم من أنهم مسلمون، لكن لفظ (ديم في العراق) و(بعل في بلاد الشام) لا زال يرافق حياتهم حتى اليوم، فأهل العراق القدماء الذين لم يسكنوا الى جانب الأنهر هم كأهل بلاد الشام الذين لم يسكنوا جانب الأنهر، فأهل العراق لا زالوا يسمون الزراعة المعتمدة على المطر بالزراعة (الديمية) نسبة الى الإله (أديم) وأهل بلاد الشام لا يزالون يطلقون على الزراعة المطرية عندهم بالزراعة (البعلية) نسبة الى الإله (بعل) ..

لم تكن هناك فرص للحياة دون الاعتماد على ما يرى الناس من عوامل مادية حولهم، صحيح أنهم كانوا يتوكلون على الله، ولا يقبلوا أن يبذروا بذور محاصيلهم إلا وهم على (طهارة) إذ كانوا يصلون الفجر ويذهبون للحراثة، ولا يحمل أحدهم (مذراة) أو (مقطف) إلا إذا كان متوضئا، حتى لا تطير بركة الله من المحصول .. كان الخوف من المجهول يحاصرهم، والمجهول عادة يتعلق بانحباس المطر لموسم وأحيانا ينحبس لموسمين وقد ينحبس لخمس سنوات على التوالي.. في تخطيط الرجال أرباب الأسر، يقوم الرجل بمهمة التخطيط الإستراتيجي، فلا يتصرف بما يخزنه من محاصيل في سنة وفيرة الإنتاج مرة واحدة، فقد يحسب حساب سنتين قادمتين، وعندما يأتي الموسم القادم على قدر من الخصوبة، فإنه ينتقل بسلم أولوياته من الأهم وهو الغذاء والتغذية الى مهمة تحتل درجة ثانية كبناء غرفة أو شراء ملابس أو شراء فرس للركوب ..

إذا كان أجدادنا قبل الإسلام، قد كانوا على درجة من رفعة النفس عندما يجوعون، فيلجئون الى (الإعتفاد بالفاء) أي الموت الجماعي، للأسرة كاملة حتى لا تهدر ماء وجهها في سلوك تأمين الغذاء في سنين القحط، عن طريق التسول أو بيع شرفها .. فإن تلك الخاصية الوراثية كانت موجودة في العتيقة .. فكان الناس يخفون جوعهم بشكل كبير حتى لا يتشفى بهم أي مراقب حتى لو كان صديقا .. وإن كان (هاشم) قد ذبح (النوق) ليحتذي به أهل قريش، فإن تلك الصفة قد انتقلت الى أهل العتيقة، فكانوا يتراحمون بينهم رغم عوز الجميع..

لقد أتت ثلاث مواسم (قحط) متتالية، فلم يحصل أي واحد من سكان العتيقة على حبة قمح أو شعير فيها، فكان لرجل ابن عم يسكن في منطقة كثيرة الأمطار فطلب منه أن يقرضه أربعة قناطير من القمح لحين أن يأتي الموسم، وحين وافق ابن عمه ، أرسل أبناءه على أربعة (جمال) ليحضروا القمح، في حين ذبح (جديا) ليحتفي بتلك المناسبة، وكان ترتيبه الاجتماعي في الحي متقدما بعض الشيء على جيرانه. فأخبر جيرانه بأن يحضروا لتناول طعام العشاء، وكان جاره، الذي يفصل بين منزليهما جدار قليل الارتفاع، من بين المدعوين، وعندما أتى لتناول العشاء اصطدم بحجر فسقط، فتبين للآخرين أنه مصاب بالعشى الليلي (عدم القدرة على الرؤية في الليل)، وبخبرة الناس، يعرفون أن من يصاب بذلك الداء، هو من الذين يحل بهم الجوع الشديد .. فانتبه صاحب الدعوة وسأله :
ما بك يا جار؟
الجار : لا شيء
صاحب الدعوة: إنني أرى امرأتك تأتي يوميا تحضر معجنها (وعاء العجين) لتخبز في (التنور) لدينا ..
سقطت دمعة من عين جاره وقال بصوت متكسر: إنها تأتي بوعاء العجين وتضع فوقه غطاء.. وتدخل الى (فرنكم) عندما يحين دورها (وهي عادة كانت تستخدم في سنين القحط، حيث تبطل معظم مواقد الحي إلا واحد أو اثنان، لتوفير الوقود) وأضاف الجار : إن وعاء العجين يكون فارغا ستة أيام في الأسبوع، حتى لا يكتشف أهل الحي أننا لا نخبز ..

بكى صاحب الدعوة وأمر أبناءه عندما عادوا أن يعطوا جارهم حمولة بعير من القمح الذي اقترضه من ابن عمه ..

ابتهال
24-05-2007, 03:51 AM
الله يعطيك العافيه...

ابن حوران
08-06-2007, 10:27 PM
الله يعافيك
شكرا مروركم الكريم

ابن حوران
08-06-2007, 10:28 PM
(27)

تتم الولادات عند حيوانات البراري، بطريقة تختلف عما هي عليه عند الحيوانات (الداجنة) التي تتعايش معنا، فالولادات عند حيوانات البراري محكومة بكمية المفاجئات التي قد تتعرض إليها أنثى الحيوان أثناء وضعها لمولودها، فقد يكون هناك حيوان كاسر من وحوش البراري من يتربص بلحظة الولادة، ليحولها الى غنيمة، ووليمة في نفس الوقت، ضاربا بعرض الحائط أشكال اللوعة والحسرة عند الأم التي تلد بعد معاناة الحمل نفسها، وقد لا يوفر الأم إن لم تجتهد في التواري والهرب من فتك الفاتكين، فقد تلتحم بعض أجزاء الأم مع أجزاء من لحم وليدها في بطن أو بطون تلك الوحوش المفترسة ..

وعلى الوليد أن ينهض بعد ولادته، ويبدأ بالركض، ومجاراة والدته حتى ينعم بحمايتها له .. كذلك تفعل الطيور، فما أن يطير (الفرخ) من العش، فإن عليه أن يتوقع انتهاء حياته في أول محاولة طيران، كما عليه أن يستفيد من المهارات التي تم (زقه) بها مع ما ناولته أمه من غذاء..

في المجتمعات البدائية، يتم شيء قريب من ذلك، ففي قبائل (تشمبولي) وقبائل (آرابيش) في غينيا بيساو، يُعهد لأطفال بعمر سبع سنوات بالقيام بتربية من هم بعمر شهرين فما فوق، لذلك لا يزيد عدد أفراد تلك القبائل، وهي مهددة بالانقراض، إن لم تكن انقرضت، فأخبارها أتت من خلال ما دونته عنها (مرجريت ميد) قبل نصف قرن .. وانقراضها يكون مشابه لانقراض بعض أصناف الظباء التي أخل بأعدادها كل من الوحوش الضارية، إضافة للإنسان..

عند (الغجر) وبعض المجتمعات البدائية، لا يكون هناك مراجعة دورية، للعيادات المختصة بالطفل والمرأة الحامل، ولا تكون هناك ولادات في مستشفيات مختصة، ولا يكون هناك برامج للقاحات متسلسلة، بل تتم الولادة، على أيدي من تزعم بأنها أكثر خبرة ودراية في شؤون الولادة، وبأدوات وظروف متواضعة جدا، خالية من التعقيم ومواد الإسعافات الأولية .. وقد تتم الولادة والمرأة راكبة على ظهر حمار، أو وهي تقوم بحلب بقرة، أو توليد بقرة، فتتم الولادتان في آن واحد ..

لم تكن (العتيقة) في وضع أكثر رقيا مما ذكرت، فالأطفال نتاج غير مضمون، وغير نهائي، فالتهيؤ لفقدانهم، كان يحتل مكانا واسعا، ولا يكون هناك مفاجئة من ضياع الطفل أثناء الولادة، أو بعدها بأيام أو شهور، ويبقى كذلك حتى سن سبع سنوات، وأحيانا حتى (يخط شاربه) في موقع احتمالية الاختفاء من الحياة، فإن فلت من مرحلة الولادة، قد لا يفلت من الحصبة أو مرض (ما أدري ماله) .. أي لا أعرف ماذا جرى له حتى توفي، وهي إجابة الوالدة عندما تفقد ابنها، وتسألها أختها أو جارتها : ماله؟ .. فتجيب : (ما أدري ماله) رضعته، وناغيته وضحك ونام، ولم يفق.. وقد يكون مرض (ما أدري ماله) هو التهاب سحايا، أو مرض ينتج عن مسببات (ما أدري ما هي) .. وأحيانا تنتهي التحليلات بإرجاعها للإصابة ب (العين) .. فتروي الوالدة: أن فلانة قد مرت بها بعد العصر، وكان الطفل على صدري، والحليب ينزل من (دلاغمه) فشهقت وما صلت ع النبي ..

وقد ينجو الأطفال، ولكن ماذا يعني؟ .. إنهم سيبقون يكابدون حتى يدخلون في نمط آخر من المكابدة، فتكون سنين ربيع حياتهم كربيع العتيقة، ففي كل بلاد العالم تقسم السنة الى أربعة فصول، إلا في العتيقة، فتقسم الى فصلين، صيف حار جاف، وشتاء بارد جاف! .. وتأتي عينة من الربيع، تُعرض على أهل العتيقة، فما أن يقبلوا بها، حتى تختفي.. تماما كسنين فرح أهلها ..

كنت تمر من جنب طفل يجلس جنب بوابة دار أهله، يبكي على طريقة (أم كلثوم) بالغناء، يقنن نبرة البكاء حتى تطول لساعات، وقد تراه يمسك حجرا ويطرق به حجرا آخرا، ويولول (إلا.. إلا .. إلا .. آه) ويبقى على هذا اللحن، وتعود إليه بعد ساعات، وستجده، مواظبا صبورا، على بكاءه، فتجاربه بالبكاء، علمته التفنن بها .. وقد يسكت لفترة ليراقب (جندبا) يقفز من مكان لآخر، أو طابور نمل، فيلهيه هذا المشهد عن مواصلة عمله .. لكنه سينتبه في النهاية، أنه في مهمة أكثر قدسية من تلك العبثية، فيشغل (زاموره) .. (آه .. إلا.. إلا)

لم يكن هناك من ينتبه إليه، فقد يكون قد طلب خبزة، أو بيضة، أو شيئا ما، ولا يوجد هناك إمكانية لتلبية طلبه، أو يكون قد تجاوز في طلبه، فأراد أن تضع والدته قليلا من السكر على خبزة مدهونة بالزيت، فرفضت والدته، لمعرفتها بأن التساهل بتلك المسألة سيجعل نظام التموين مختلا ..

كان هناك من الأطفال، من يتباهى بشيء، أي شيء، فقد يخرج الى الشارع بماعون صغير فيه عينة من الطعام النادر، وهي لحظات نادرة أيضا، ويقوم بالأكل أمام أترابه ليضطهدهم، فقد يكونوا قد عملوا ذلك به سابقا، ويتوقف الأطفال، ويقتربون منه ويقولون له: (إطعم) أي أعطنا قليلا منه، فلا يجيب، بل يبقى يتلذذ بمارقبة لعب و حركة (زور) خصمه الذي أوحى له بفكرة الاضطهاد وكانت تلك الحركات تسمى (حرقنة) ولا أدري من أين أتوا بجذرها اللغوي، وقد تكون من (حرق) والنون للتوكيد و (المقاهرة) ..

وقد تتم حركات (الحرقنة) بين الأخوة أنفسهم، فقد يخفي أحد الأخوة حصته من بعض الحلويات الصلبة (قوم، فيصلية، كعكبان)*1 وبعد أن يتيقن من أن أخوته قد أتوا على حصصهم، يخرج قطعة من التي أخفاها ويقوم بمصها أمامهم، لتدور المشاكل من إيقاد تلك الفتنة! .. وتبدأ موجات بكاء كالتي عهدناها.

هناك أشكال أخرى من (الحرقنة) تتم عند بعض الأطفال من أبناء الأسر الأقل فقرا (وليس الموسرة) .. فيشتري أهلهم لهم (كرة مطاطية) ببعض قروش، وقد يشتروها لأن طفلهم هذا وحيدا. فيأتي الطفل (يطب) بالكرة أمام أترابه من الحي فيتزلفون لديه وهم يعلمون أن ليس لديه صفات قيادية، وليس هو بالطفل المحبوب، حتى يلاعبهم بها، وإن (زعل) منهم أخذ كرته وانصرف .. فيعودون الى ألعابهم الأقل كلفة .. ولكنها أكثر خشونة .. فيضربون حجرا مسطح بحجر مكور، وأحيانا (يطفر) أحد الأحجار على ساق أحدهم، فيجرحها ولكنه لا يشتكي، ولا يبكي، وإنما تلحظ والدته أثناء حمامه الأسبوعي، أن هناك بقعا زرقاء على سيقان ابنها، فتسأله عن سببها، فينسى من أين منشأها، فهي كثيرة ومتشابهة. وكثيرا ما كنا نرى طفلا يضع بين رجليه رمحا من قصب وثبت برأسه قطعة قماش ويتعامل مع ذلك الرمح وكأنه حصان ..ولكن الطفل هو من يصهل وليس الحصان ..

أما البنات فكن يحظين بلعبة صنعتها عجوز في الدار، من عظام حنك الجمل وكستها بقطع ملونة من قماش، زادت عن تفصيل ثوب لأحد أفراد الأسرة، أو تضع عودين متصالبين وتكسيهما بقطعة قماش، وتضع (زرا) مقطوع من معطف قديم ليكون رأسا ووجها لتلك اللعبة التي تضع خصلة من شعر بنت عليها لتكون بمثابة شعر للعبة .. أو تجلس البنات الصغار، يضعن خرزة في كومة من تراب، من بين مجموعة من كومات مشابهة، لتقوم أخرى، بمعرفة أي تم إخفاء الخرزة، أو أنهن يضعن خمس قطع من الحصى المكور والمصقول نوعا، يحضرنهن من الوديان، فيرمينهن ويلقفنهن وفق أسس بسيطة للعبة ..

هذا نمط من طفولة العتيقة ..

ابن حوران
07-07-2007, 05:21 PM
(28)

عندما تتقلص الفرص أمام الناس، في الحصول على غذائهم، أو أمنهم أو رفاهيتهم، فإن قوة غريبة تنبت في أعماق النفس الفردية، تُستنبت لكي تقوم بدور المفتي و المحلل و المحرم، ليس وفق دراسات فقهية والرجوع الى مرجعيات دينية مختصة، بل بالاعتماد على الحاجات الضرورية، وقد تجد تلك الفتاوى استحسانا من الجماعات، التي تنظر إليها بابتسامة تتفهم الدوافع لتلك الفتاوى، لكن دون تعليق كثير ..

كان الأطفال، يصنعون فخاخا من أسلاك معدنية، توضع عليها بعض حبات قمح أو نوعا من حشرات أو ديدان، تدفن (الفخاخ) بالتراب في أمكنة تبيت بها طيور ضئيلة الحجم، وتبقى (الطعوم) واضحة أمام أعين الطيور، وما أن يحاول الطير التقاط حبة القمح أو الحشرة، حتى تلتف قطعة السلك المعدني المدفونة تحت التراب، على جسم الطير فتقتله. فيعود الأطفال في اليوم الثاني ليتفقدوا فخاخهم وما أمسكت من طيور، ويأخذونها لبيوتهم ويحضرون منها طعاما بعد إزالة الريش عنها .. وإن صدف أن انتقد أحدٌ مثل ذلك العمل، بحجة أن الطير ميت، والميت حرام ـ وهي صدف نادرة الحدوث ـ فإنه سيسمع من يقول له : ( صيد الفخ لخ ) ولا أحد يسأل ما هو (اللخ) ولكن سيفهم من تلك العبارة التي هي بمثابة (فتوى) أن أكل تلك الطيور (حلال) .. ولن يظهر من يطالب بصاحب القول أو المرجع الذي تم الاعتماد على هذا القول منها ..

وأحيانا كنت تجد من يقتل ضبعا ويجره معه للعتيقة ويقوم باقتطاع بعض أجزاءه، فيقول أن الجنب اليمين من الضبع هو (حلال) أكله، ولكن لن يرمي الجزء اليسار ! وكذلك يتم التعامل مع الثعالب وبنات آوى، فإن سأل أحد عن مدى مطابقة ذلك للشرع، كون تلك الحيوانات ذات ناب، وذات الناب حرام، فإنه سيجيب بأن الثعلب يأكل العنب والبطيخ فهو حلال!

وإن صدف أحدهم طائر (هدهد) أو (لقلق) أو حتى (نسر) كُسر جناح أي منهم، فإنه سرعان ما يأتي به ويأكله، متناسيا أنه من ذات المخالب .. ولا أظن أن المثل القائل : (من لا يعرف الصقر يشويه) آت من فراغ ..

كان خميس وأخوه يقتنيان كلاب من نوع (السلوقي) الذي يرتفع عن الكلب العادي بجسمه الضامر الممشوق، وأذنيه اللتين تنزلان على رقبته كأذني (السخلة) .. وكانت تلك الكلاب لا تنبح نهائيا، ولا تتحرش بمن يقترب منها، ولم يؤذها أحد، ليس لعدم رغبة العابثين بإيذائها، بل لأنها تحت حراسة خميس أو أبنائه، فقد تكون شروط العقد فيما بين تلك الحيوانات وأصحابها، أن تعاونه في الصيد، مقابل تقديم الحماية لها.. وعلى العموم، فإن حالات امتحان بنود العقد كانت قليلة، فحالات الصيد هي قليلة كما هي حالات إيذاء العابثين ..

كانت الكلاب تتبع خميس وأخاه في رحلات الصيد النادرة، وكان استعراض الرحلة لا يلفت انتباه أحد، فلم يتناقل أهل العتيقة، أخبار بطولة تلك الكلاب ولا ما أحرزته من صيد وفير .. ولم يسأل الناس من أين أتى خميس بهذا الصنف من الكلاب النادرة في وقتها ..

كان خميس يذهب الى (خربة) تبعد عن العتيقة، حوالي عشرة كيلومترات، و بها من الآبار المتروكة، والمهجورة، ونادرا ما يرتاد تلك الخربة من زوار أو حتى مالكيها .. فكانت الطيور (حمام بري) تنام في تلك الآبار، هاربة من الضواري من الطيور ك (الباشق) أو (العقاب) .. فكان خميس يضع شبكة تتدلى داخل البئر وعندما يذهب، يجمع أطراف الشبكة ويحمل ما علق بها من طيور..

في أحد الأيام، بينما خميس يقف على حافة البئر ليجمع أطراف الشبكة، انزلقت قدماه فسقط الى أسفل البئر، فاستقرت قدماه على قدمي جثة ميت تم رميه في البئر بعد قتله منذ مدة، وقد تحلل وبقي هيكله العظمي وبعض ملابسه عليه. فما أن داس خميس قدمي الميت حتى انتصب الميت بموازاة جسم خميس الساقط، فكان هول السقوط ومعانقة الجثة سببان كافيان لربط لسان خميس عدة أسابيع ولم يدل أهل العتيقة على ما أصاب خميس إلا كلابه التي عادت الى البلدة دون صاحبها ..

لم تكن تجارب أهل العتيقة تقتصر على الحيوانات والطيور، بل كانت تتعدى ذلك الى المملكة النباتية، ولكن تلك المهمة كانت تترك للنساء اللواتي كانت تجوب البراري باحثة عن نباتات، قررت التجارب المتكررة لأجيال سابقة أنها نباتات ذات فائدة، ويمكن أن تؤكل. فكان هناك نبات شوكي يسمى (العكوب) أو الكعوب (كما يسميه أهل العراق) .. يحفظ تحت الأرض نسيجا جذريا مكتنزا، تبحث عنه النسوة وتخلطه بالبصل والزيت وتعمل منه عدة أشكال من الفطائر أو الطبخات .. وهناك نبات يسمى (الجعدة) أو (الدنيدلة) له أوراق سميكة خضراء، تؤخذ وتشك في خيوط وتجفف، ثم تنقع عند الاستعمال ويتم سلقها ثم تخلط مع البيض والبصل والعدس وتطبخ بلبن قديم، بعدما يتم تكويرها وجعلها بحجم البيضة تقريبا .. وقد يخطئ بعض الأطفال فيتناولون تلك النباتات وهي طازجة، فيسمع القريب والبعيد صراخهم مستنجدين بمن يخلصهم من الآثار السيئة التي يتركها النبات على جذور ألسنتهم، فكأنما أمسك عفريت سام جذر لسان الطفل وأخذ يبرم به ويشده باتجاهات مختلفة وبنفس الوقت يلدغ به ويطعنه برؤوس مدببة حادة .. فعندها كنت تسمع قهقهة رجل مسن على حماقة الطفل في تناول هذا النبات السام .. لا أدري كيف تم ترويض هذا النبات ليحتل مكانة محترمة بين النباتات، تطلبه (الوحامى) والنفس (أي النساء في مرحلة الوحام والولادة)، وأي المختبرات التي قررت أن هذا النبات صالح للاستعمال في المطبخ .. وكم ضحية ماتت في مراحل التجريب .. كل تلك الأسئلة وغيرها، لا زالت ألغازا لم يتم كشفها ..

انتهى الجزء الأول من ذكريات قرية لم تعد موجودة .. سنلتقي في الجزء الثاني منها وهو (التشرنق) ..