المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التاريخ الإسلامى


الصفحات : 1 [2]

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:47 PM
وفاة المقتدي:

في منتصف المحرم سنة 487 توفي المقتدي باللَّه فجأة بعد أن قدم إليه تقليد السلطان بركياروق فقرأه وعلم ما فيه ولم يمضه.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:47 PM
28- المستظهر بالله

ترجمته:

بويع بالخلافة بعده ولده أبو العباس أحمد المستظهر باللَّه واستمر خليفة إلى أن توفي في 11 ربيع الآخرة سنة 512 فكانت خلافته 24 سنة وثلاثة أشهر و 11 يوماً وكانت سنه حين توفي 41 سنة وستة أشهر وستة أيام.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:48 PM
حال الممالك الإسلامية في عهده:

وكان بالأندلس والمغرب الأقصى دولة الملثمين والقائم بأمرهم يوسف بن تاشفين إلى سنة ثم من بعد ابنه علي إلى سنة 537.

وبافريقية من آل زيري تميم بن المعز بن باديس إلى سنة501 ثم يحيى بن تميم إلى سنة 509 ثم علي بن يحيى إلى سنة 515.

وبمصر من الفاطميين المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر معد إلى سنة 495 ثم الآمر بأحكام اللَّه علي المنصور بن المستعلي إلى سنة 524.

وبزبيد من الدولة النجاحية الأمير جيش بن نجاح سنة 498 ثم فاتك بن جيش إلى سنة 503 ثم منصور بن فاتك إلى سنة 517.

وبصنعاء ومهرة ظهر الأمير حاتم بن غاشم الهمذاني من سنة 492 إلى سنة 502 ثم عبد اللَّه بن حاتم إلى سنة 504 ثم معن بن حاتم إلى سنة 510 ثم هشام بن قبيط وحاتم بن حماص.

وما عدا ذلك من البلدان الإسلامية في آسيا فهو محكوم بدولة السلاجقة، كان المستظهر باللَّه من خيار بني العباس لين الجانب كريم الأخلاق يحب الاصطناع ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه وكان كثير الوثوق بمن يوليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله ولم يعرف منه تلون وانحلال عزم بأقوال أصحاب الأغراض وكانت أيامه أيام سرور لرعيته وكان إذا بلغه ذلك فرح به وسره وإذا تعرض سلطان أو نائب له إلى أذى أحد بالغ في إنكار ذلك والزجر عنه وكان حسن الخط جيد التوقيعات لا يقاربه فيها أحد وله شعر رقيق.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:49 PM
خطر المغرب:

كما كان اختلاف آل سلجوق وتفرق كلمتهم سبباً لنكبتهم بالباطنية كذلك كان سبباً لنكبتهم من المغرب بالحروب الصليبية وليس غرضنا الآن أن نشرح هذه الحروب شرحاً وافياً فإنها حوادث أجيال إذ قد استمر أمرها من سنة 490 إلى سنة 690 أي قرنين كاملين اشترك فيها من الدول الإسلامية الفاطمية بمصر ودولة السلاجقة ودول الأتابكية التي تفرعت عن السلاجقة ودول الأيوبية ودولة المماليك البحرية بمصر ولما كنا الآن في اقتصاص أحوال آل سلجوق نسوق من أخبار هذه الحروب ما ارتبط بتاريخهم.

امتد سلطان السلاجقة إلى بلاد الروم ( أرمينية والأناضول) وتأسست هناك دولة سلجوقية عظيمة الشأن بقونية واقصرا وما إليهما وأخذا بمخنق الروم فقصدوا كل حيلة في استرداد ما أخذ منهم لقوة الهاجمين وخافوا على ما بقي لهم من الأملاك في آسيا، وكان ملك السلاجقة الروميين في أيام تلك الحوادث السلطان قليج أرسلان داود بن قتلمش (485-500).

وكذلك امتد على بلاد سوريا وتأسست لهم بها دولة حاضرتها دمشق وكان سلطانها في هذه الحوادث السلطان رضوان بن تتش بن ألب أرسلان بينه وبين أخيه دقاق بن تتش حروب سببها المنافسة في الملك.

وكان خليفة مصر الفاطمي هو المستعلي باللَّه أبو القاسم أحمد بن المستنصر (487-495).

كان بيت المقدس مما ملكه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان مؤسس الدولة السلجوقية بسوريا فأقطعه للأمير سقمان بن أرتق التركماني فاستمر في حوزته إلى سنة 489 وهي السنة التي سار فيها الصليبيون قاصدين في الظاهر الاستيلاء عليه وتخليصه من أيدي هؤلاء المغتصبين.

وقد اضطربت كلمة المؤرخين من العرب في السبب الذي حدا بأولئك المغيرين إلى الخروج من بلادهم بهذه الشدة والكثرة فقال فريق منهم إن هذه الحملة كانت في الأصل موجهة إلى شمال أفريقية وكانت إذ ذاك تحت يد الدولة الزيرية والقائم بالأمر فيها تميم بن المعز بن باديس (453-501) وكان رجار الصقلي قد قام في عهده واستولى على صقلية وحارب تميماً في عقر داره حروباً كانت بينهما سجالاً ولما بلغ رجار ما عزم عليه الصليبيون لم يعجبه لأنه قال إذا وصلوا إليّ احتاج إلى كلفة كثيرة ومراكب تحملهم إلى افريقية وعساكر من عندي أيضاً فإن فتحوا البلاد كانت لهم وصارت المؤنة لهم من صقلية وينقطع عني ما يصل من المال من ثمن الغلات كل سنة وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم ويقول تميم غدرت ونقضت عهدي وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا وبلاد افريقية باقية لنا متى وجدنا قوة أخذناها ومن أجل ذلك أشار على هؤلاء المتحمسين بقصد بيت المقدس لأن الجهاد في تخليصه أعظم أثراً وأبقى فخراً.

وقال فريق آخر إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزة ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم وقد دخل بعضهم فعلاً إلى بلاد مصر لما رأوا ذلك خافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الشام ليملكوه ويكون بينهم وبين المسلمين.

وقال فريق من غيرهم إن ملك الروم هو الذي دعا الفرنج إلى ذلك لما خاف على دولته من السلاجقة فإنهم كما أخافوا المصريين أخافوا الروم فكل من الفريقين خائف وجل.

والذي عليه جمهور المؤرخين أن الغيرة الدينية التي أثارها في أوروبا بطرس الراهب بمساعدة الباب أوربانس الثاني هي التي هاجت أنفس الإفرنج لهذه الإغارة.

وكل هذه الأسباب لا يبعدها العقل ولا يبعد أن يكون بعضها قد ساعد بعضاً والافرنج يميلون إلى جعلها حرباً دينية لا سياسية أثار غبارها ما كان من حمية الجاهلية في ذلك العصر.

زار بطرس الراهب البيت المقدس فعز عليه ما رآه من ملك المسلمين لهذا البيت الذي فيه آثار المسيح عليه السلام فعاد إلى أوربا شاكياً باكياً مستغيثاً متضرعاً واستعان بسلطان البابا أوربانس الثاني الذي كان إذ ذاك صاحب الكلمة العليا في أوروبا فأعانه وعقد المؤتمرات لبث الحمية الدينية في قلوب المسيحيين فنجح في ذلك ولا سيما أنه أعطى امتيازات لها قيمة لمن يتطوع في هذه الحرب فتألفت جيوش عظيمة سارت إلى طلبتها في 25 أغسطس سنة 1096(419 يقدمها بطرس الراهب وغيره إلا أن هذه الحملة لم تنجح في مسيرها لأنها لم تكن ذات نظام عسكري فعاثت في الأرض فساداً فقاومها البلغاريون والهونفريون وأفنوا كثيراً منها والذين تخلصوا وجازوا البحر عند القسطنطينية إلى آسيا أخذتهم سيوف السلطان قليج أرسلان عند قونية فلم ينج منهم أحد وهذه هي الحملة الأولى من الحرب الصليبية الأولى قامت على أثرها حملة أخرى وهي الحملة الثانية يقدمها غودا فرودي بوليون دوق دي لورين السفلى ومعه عدد وافر من قواد فرنسا والنمسا وجيش آخر يقدمه هوكز أخو ملك فرنسا ومعه عدد من القواد وجيش ثالث يقدمه بوهيمند أمير تارنت الإيطالي.

سارت هذه الجيوش ومرت بالقسطنطينية بعد خطوب نالتهم من ملك الروم اليكسيوس ثم عبرت المجاز قاصدة مدينة قونية التي كانت من أعمال قليج أرسلان وعددهم عظيم جداً فلقيهم ذلك السلطان مدافعاً عن ملكه فتغلب عليه الصليبيون لكثرة عددهم ثم حصروا قونية نحو خمسين يوماً وفي نهاية سلمت حامية هذه المدينة لكنها لم تسلم للصليبيين بل سلمت لقائد ملك الروم الذي أرسل مع الصليبيين لهذه الغاية وكان هذا العمل سبباً لغيظ قوادهم، أصاب هذا الجيش بعد ذلك نكبات شديدة جداً في مسيرة ففي كثير منه بالحرب والجوع والتعب والأوبئة والاختلاف الكبير بين القواد الذين كان لكل منهم مقصد في العلو والرفعة وقد انفصل عنهم وهم سائرون أحد القواد وهو بودوين وسار إلى الجزيرة الفراتيةفامتلك مدينة الرها وكانت للروم إذ ذاك.

صار القوم إلى أنطاكية وكان حاكمها أحد قواد السلجوقية باغيسيان فحصروها تسعة أشهر وظهر من شجاعة باغيسيان وجودة رأيه وحزمه واحتياطه ما لم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج وبعد هذا الحصر استولوا على المدينة بخيانة أحد المستحفظين للأبراج الذي بذل له الافرنج مالاً وأقطاعاً وكان الإفرنج قد كاتبوا صاحب حلب ودمشق إننا لا نقصد غير البلاد التي كانت للروم لا نطلب سواها وإنما فعلوا ذلك معهم حتى لا يساعدوا صاحب أنطاكية وقد كان ما أرادوا. سار الإفرنج بعد ذلك إلى معرة النعمان فامتلكوها.

كان البيت المقدس في تلك الأيام قد خرج من حوزة السلاجقة وامتلكه المصريون فإنهم لما علموا بما أصاب الأتراك على أنطاكية أرسلوا جيشاً يقدمه الأفضل بن بدر الجمالي فاستولى عليه من يد الأمير سقمان بن أرتق التركماني واستناب فيه رجلاً يعرف بافتخار الدولة وهو الذي تلقى حملة الصليبيين الذين حضروا إليه بعد أن حصروا عكا ولم يقدروا على فتحها. حصروا بيت المقدس نيفاً وأربعين ليلة وأخيراً استولوا عليه في يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة 492 ولم يكن منهم ما يحمد عليه المحارب الشجاع بل أساؤوا معاملة أهليه وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد بصحبة القاضي أبي سعيد الهروي فأوردوا في الديوان كلاماً أبكى العيون وأوجع القلوب وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا والسلطانان السلجوقيان بركياروق ومحمد إذ ذاك يتطاحنان يريد كل منهما الانفراد بالملك وإقصاء أخيه عنه.

ولما تم للإفرنج ما طلبوا من الاستيلاء على البيت المقدس انتخبوا القائد غودافر ليكون ملكاً هناك ولكنه لم يرض أن يلقب بلقب ملك بل بحامي قبر المسيح وأقام معه بعض الجنود ورحل سائرهم إلى أوطانهم.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:50 PM
وضع غودافر قانوناً لإدارة مملكته الجديدة إلا أن زمنه لم يطل فإنه توفي في 18 يوليو سنة 1100 فأقيم مقامه بودوين ملك الرها وشقيق غودافر وأعلم بذلك فقبله وأقام بدله في ملك الرها ابن عمه بودوين دي بورغ ملكاً على الرها وسار هو إلى حاضرة ملكه وهو المعروف في التواريخ العربية باسم بردويل. هكذا وجدت مملكة افرنجية في وسط أملاك المسلمين لأول مرة ولم يتركها المسلمون براحة بال ولا هي تركتهم بل كانت الحروب متصلة بين الطرفين المصريون يناوشونهم من الجنوب والأتراك من الشرق. ولم تكن المملكة الإفرنجية واحدة في البلاد التي استولوا عليها بل كانت جملة ممالك مملكة القدس وانطاكية والرها وغير ذلك إلا أن المملكة الكبرى كانت مملكة القدس. وسنتكلم في حوادثها عند ظهور الدولة الأتابكية والدولة الأيوبية اللتين أججتا نار الحرب مع هؤلاء الإفرنج.



29- المسترشد بالله

ترجمته:

هو أبو منصور الفضل المسترشد باللَّه بن المستظهر ولاه أبوه بالعهد فبويع بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه والده 16 ربيع الآخر سنة 513(7 أغسطس سنة 1118) واستمر خليفة إلى أن قتل في يوم الأحد 17 ذي القعدة سنة 529(30 أغسطس سنة 135.

كان سلطان العراق لأول عهده هو السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وكان السلطان سنجر بن ملكشاه في ذلك الوقت ملك خراسان وما إليها من بلاد ما وراء النهر إلى غزنة وخوارزم وقد عظمت دولته وهو شيخ البيت السلجوقي وعظيمه. فلما توفي أخوه محمد وجلس ابن أخيه محمود وهو زوج ابنته لحقه لوفاة أخيه حزن أليم وجزع وجلس للعزاء على الرماد وتقدم الخطباء يذكرون السلطان محمد بمحاسن أعماله من قتال الباطنية وإطلاق المكوس غير ذلك وكان يلقب ناصر الدين فلما توفي أخوه تلقب معز الدين وهو لقب أبيه ملكشاه وعزم على قصد الجبل والعراق وما بيد ابن أخيه محمود.

ثم إن السلطان محمود أرسل إلى عمه سنجر وفداً معه الهدايا والتحف وطلب إليه أن ينزل له عن مازندران فغاظه هذا الطلب وقال إن ولد أخي صبي وقد تحكم عليه وزيره وحاجبه وصمم على المسير فسار وكذلك فعل السلطان محمود والتقيا عند الري بالقرب من ساوة وكان العسكر المحمودي قد استهان بالعسكر السنجري لكثرة الأولين وشجاعتهم وكثرة خيلهم ولما حصل اللقاء انهزمت ميمنة سنجر وميسرته وسارت جنودهما لا تلوي على شيء أما سنجر فكان واقفاً في القلب وأمامه السلطان محمود وقد أشار بعض المقربين من سنجر عليه أن ينهزم فقال إما النصر وإما القتل وأما الهزيمة فلا، وهجم بفيلته على قلب محمود هجوماً شديداً فتراجعت خيل محمود على أعقابها وكان بذلك هزيمة السلطان محمود ولما تم النصر لسنجر أرسل من رد المنهزمين من جنده. ورد الخبر إلى بغداد في عشرة أيام فأشير على الخليفة بالخطبة للسلطان سنجر ففعل.

أما محمود فإنه سار إلى أصبهان ومعه وزيره وبعض أمرائه وأما سنجر فسار إلى همذان وهناك راسل ابن أخيه في الصلح وكانت والدة سنجر تشير عليه بذلك وتقول قد استوليت على غزنة وأعمالها وما وراء النهر وملكت ما لأحد قدر عليه وقررت الجميع على صحابه فاجعل ولد أخيك كأحدهم فأجاب إلى قولها وبعد محاولات تقرر الصلح وسار محمود إلى عمه سنجر ونزل على جدته أم السلطان سنجر وأكرمه عمه وبالغ في إكرامه وحمل له محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهراً وردها باطناً ولم يأخذ منه سوى خمسة أفراس عربية وكتب السلطان سنجر إلى جميع عماله أن يخطب لمحمود من بعده حيث جعله ولي عهده ورد عليه جميع ما أخذ منه سوى الري.

ولم يكد السلطان محمود ينتهي من هذا النزاع بينه وبين عمه حتى قام ضده أخوه مسعود بن محمد وكان لمسعود حينئذ الموصل وأذربيجان وذلك سنة 514 وقد أجج الأمراء نار هذا الخلاف لينالوا من وراء ذلك حظوظهم ولا يبالون بالمملكة الإفرنجية التي صارت شوكة في جنوبهم وكان وزير مسعود هو الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصفهاني وهو الذي حسن لمسعود أن يقوم مطالباً بالمملكة ولما بلغ ذلك محموداً كتب إليهم يخوفهم إن خالفوه ويعدهم الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا عليه وما يسرونه وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له النواب الخمس ثم سار كل منهم إلى لقاء صاحبه فالتقوا عند عقبة أسداباذ واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار وأبلت الجنود المحمودية بلاء حسناً فانهزم عسكر مسعود آخر النهار وأسر جماعة من مقدمي جنودهم ومنهم الوزير أبو إسماعيل الطغرائي فأمر السلطان بقتله وقال قد ثبت عندي فساد دينه واعتقاده وكان حسن الكتابة والشعر.

ثم أرسل محمود وراء أخيه من لحقه وأتى به بعد أن بذل له الأمان فاستقبله استقبالاً عظيماً ووفى له بما بذلن وخلطه بنفسه في كل أفعاله فعد ذلك من مكارم محمود ولا عجب فقد علمه سنجر.

كان الخليفة المسترشد با في هذا العصر قد استرد شيئاً من نشاط العباسيين وقاد الجيوش بنفسه لحرب المخالفين عليه وأهمهم دبيس بن صدقة ملك الحلة ولم يكن للخلفاء عهد بذلك منذ زمن طويل ولا شك أن الملوك السلجوقيين لا يقع ذلك عندهم موقع الاستحسان فإنهم يتخوفون عاقبته ويرون منه خطراً على نفوذهم ومما يدل على أن ذلك منحه قوة لم تكن لسلفه أن شحنة بغداد برنقش الذكوي حصل بينه وبين نواب الخلافة نفرة فتهدده الخليفة فخاف فسار عن بغداد إلى السلطان محمود وشكا إليه وحذره جانب الخليفة وأعلمه أنه قاد العساكر ولقي الحروب وقويت نفسه ومتى لم تعاجله بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعاًومنعك عنه وحينئذ يتعذر عليك ما هو الآن بيده فأثر ذلك الكلام في نفس السلطان وتوجه نحو العراق فأرسل إليه الخليفة يعرفه بالبلاد وما عليه أهلها من الضعف والوهن وأن الغلاء قد اشتد بالناس لعدم الغلات والأقوات لهرب الأكرة ويطلب منه أن يؤخر حضوره حتى تصلح الأحوال وبذل له على ذلك مالاً كثيراً فكان هذا مما زاد في إغراء السلطان حتى قصد بغداد فسار مجداً ولما بلغ الخليفة الخبر أظهر الغضب والنزوح عن بغداد واستعد لذلك إن جاء السلطان فأثر ذلك في أنفس العامة تأثيراً عظيماً حتى أكثروا البكاء والضجيج ولما أعلم السلطان بذلك أرسل يستعطف الخليفة ويطلب إليه العودة إلى داره بأبى إلا أن يعود السلطان ولا يحضر إلى بغداد فلم يلتفت السلطان إلى قوله واستمر قاصداً بغداد أما الخليفة فاستعد لمقابلته بالقوة وكان معه كثير من العامة والجند يدافعون عنه تديناً وقد حصلت مناوشات بين الفريقين في أول سنة 521 وكان مع كل جمع عظيم ولما رأى المسترشد باللَّه جنح إلى الصلح الذي طلبه السلطان محمود فتم ذلك وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان بإحراق بغداد فلم يفعل وقال لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا وأقام ببغداد إلى رابع شهر الآخر سنة 521 ثم فارقها بعد أن حمل إليه الخليفة الخلع والدواب الكثيرة.

وفي سنة 524 ملك السلطان محمود قلعة الموت من يد صاحبها الحسن بن الصباح.

وفي سنة 525 توفي السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وكان حليماً كريماً عاقلاً يسمع ما يكره ولا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفاً عنها كافاً لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها.

لما توفي خطب لولده داود بالسلطنة في بلاد الجبل وأذربيجان إلا أنه قام ضده ابن عمه السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه فكان الظفر لمسعود وخطب له بالسلطنة على منابر بغداد إلا أن هذا لم يرق لعميد البيت ورئيسه السلطان سنجر فأقبل من خراسان قاصداً دفع مسعود عن السلطنة وسار إليه مسعود فالتقيا بعولان عند الدينور وكانت النتيجة أن انهزم مسعود وفل جيشه وتحكم سنجر فيما بقي ثم أرسل وراء ابن أخيه من يرده فرده إليه فلما حضر عنده قبله وأكرمه وعاتبه على عصيانه ومخالفته ولم يعده إلى السلطنة بل رده إلى كنجه وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد مكانه وخطب له في جميع البلاد ثم عاد إلى نيسابور فلما رأى ذلك مسعود خرج من مكمنه وتوجه إلى بغداد ثانياً بما جمعه من الجيوش فدخلها فقابله الخليفة بالإكرام ووعده أن يرسل معه جيشاً لمحاربة طغرل وقد وفَّى بما وعد فسارت الجنود المسعودية صوب طغرل حتى التقوا به عند همذان فكانت بينهما موقعة انهزم فيها طغرل واستقر الأمر ثانية للسلطان غياث الدنيا والدين أبي الفتح مسعود بن محمد بن ملكشاه .

كان هذا الخلاف بين البيت السلجوقي مقوياً للمسترشد فصار يعد نفسه صاحب الأمر الذي يجب أن يطاع لا بالقوة المعنوية وحدها بل بقوة السيف أيضاً. فقد صار تحت أمره أجناد ورجال يلبون دعوته وينفذون كلمته وقد حصل بسبب ذلك نفرة بينه وبين السلطان مسعود أدت إلى أن أمر الخليفة بقطع خطبة مسعود من منابر بغداد ولم يقف عند ذلك بل تجهز بجيشه يريد حرب مسعود بدار سلطنته ومعه الجنود الكثيرة إلا أنها لم تكن ذات عصبية تصدق عند اللقاء فإن العصبية الجنسية غلابة مهما كانت الأحوال ولذلك لما التقى الطرفان انحاز كثير من عسكر الخليفة الأتراك إلى السلطان مسعود فانهزم جند الخليفة أما هو فبقي ثابتاً حتى أسر ولما بلغ ذلك الخبر بغداد قامت قيامة أهلها وخرجوا من الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويبكون ويصيحون وخرجت النساء حاسرات في الأسواق يلطمن.

أما الخليفة فقد جعله السلطان في خيمة ووكل به من يحفظه وقام بما يجب من خدمته وترددت الرسل بينهما في تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة وألا يعود إلى جمع العساكر وألا يخرج من داره فأجيب إلى ذلك ولم يبق إلا أن يعود الخليفة إلى بغداد إلا أنه صادف أن هجم على خيمة الخليفة جماعة من الباطنية فقتلوه ومثلوا به وكان ذلك في يوم الأحد 17 ذي القعدة على باب مدينة مراغة وكان المسترشد شهماً شجاعاً كثير الإقدام بعيد الهمة وكان فصيحاً بليغاً حسن الخط. قال ابن الأثير ولقد رأيت خطه في غاية الجودة ورأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه ولقد حاول أن يعيد شيئاً من مجد أهل بيته فحالت الأقدار بينه وبين ما أراد.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:51 PM
30- الراشد باللَّه

بويع بالخلافة بعد المسترشد باللَّه ابنه أبو جعفر المنصور الراشد باللَّه وكان ولي العهد فلما مات أبوه جددت له البيعة في 27 من ذي القعدة وكتب السلطان إلى شحنة بغداد بالبيعة له وحضر بيعته 21 رجلاً من أولاد الخلفاء.

ولم يكن السلطان مسعود مع الراشد أسعد حظاً من أبيه معه، بل حاول الراشد أن يثأر لأبيه ويخل سلطنة مسعود فاتفق مع داود بن السلطان محمود أخي مسعود أقبل مسرعاً صوب بغداد ولما وصلها حصرها لامتناع الخليفة ومن معه بها ولكن سرعان ما اختلفت كلمة الأمراء الذين حالفوا الخليفة وتفرقوا تاريكن بغداد حتى أكبرهم شأناً عماد الدين زنكي صاحب الموصل ولما رأى الخليفة ذلك بارح بغداد في رفقة عماد الدين ولما رأى مسعود ذلك دخل بغداد ظافراً وأمر فجمع القضاة والشهور والفقهاء وعرضوا عليهم اليمين التي حلف الراشد باللَّه لسمعود وفيها بخط يده إني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحداً من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر. فأفتوا بخروجه من الخلافة. وكانت خلافته 11 شهراً و 11 يوماً.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:53 PM
31- المقتفي لأمر اللَّه

ترجمته:

هو أبو عبد اللَّه الحسين المقتفي لأمر اللَّه ابن المستظهر، اختاره السلطان مسعود للخلافة بعد أن كتب محضر بخلع ابن أخيه الراشد من الخلافة وكانت بيعته في ثامن ذي الحجة سنة 530 (7 سبتمبر سنة 1136) واستمر في الخلافة إلى أن توفي ثاني ربيع الأول سنة 555(12 مارس سنة 1160) فكانت خلافته 24 سنة وثلاثة أشهر و 16 يوماً وكان عمره إذ توفي 66 سنة.

ولما بايع السلطان المقتفي صاهره فزوجه أخته فاطمة على صداق مائة ألف دينار وبذلك أمن السلطان أن يكون الخليفة ضدَّه. وقد حاول الخليفة المعزول أن يعيد لنفسه الخلافة فاتحد مع الملك داود بن السلطان محمود ولكنه مع ما بذلهمن المجهود العظيم لم ينجح فقد ائتمر به جماعة من الباطنية فسقوه الردى بنواحي أصفهان.

استمر السلطان مسعود في سلطانه مع كثرة المخالفين والخارجين عليه من أهل بيته ومن امرأته إلى أن توفي سنة 547 بهمذان وذلك على رأس مائة سنة من الخطبة ببغداد للسلطان طغرلبك، وماتت مع مسعود سعادة البيت السلجوقي فلم تقم له بعده راية يعتد بها ولا يلتفت إليها. وكان رحمه اللَّه حسن الأخلاق كثير المزاح والتبسط مع الناس وكان كريماً عفيفاً عن أموال الرعية حسن السيرة فيهم. من أصلح السلاطين سيرة وألينهم عريكة سهل الأخلاق وكان مسعود قد عهد بالسلطنة بعده لابن أخيه ملكشاه بن السلطان محمود.

أما الخليفة فإنه لم بلغه وفاة مسعود طرد شحنة السلجوقية بها وأخذ داره ودور أصحاب السلطان ببغداد وأخذ كل ما لهم فيها ولك من عنده وديعة لأحد منهم أحضرها بالديوان وجمع الرجال والعساكر وأكثر التجنيد وتقدم بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان وأرسل جنوده فاستولت على سائر البلاد العراقية الحلة وواسط وغيرها وخرج بنفسه ليقوي جنده.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:54 PM
أصبح ذلك الملك العظيم الذي أسسه طغريل بك وإخوته ورفع بنيانه ملكشاه أصبح نهباً تقاسمته دول شتى تعرف بالدول الأتابكية.

32- المستنجد باللَّه

هو أبو المظفر يوسف المستنجد باللَّه بن المقتفي لأمر اللَّه وأمه أم ولد اسمها طاوس رومية ولي سنة 555 وبويع بالخلافة عقب وفاة والده واستمر خليفة إلى أن مات في تاسع ربيع الآخر سنة 566.

فكانت خلافته 11 سنة وشهراً وأسبوعاً.

المستنجد معدود من خيرة الخلفاء العباسيين ومن مآثره أنه لما ولي أزال المكوس والمظالم ولم يترك بالعراق منها شيئاً وكان شديداً على أهل العبث والفساد والسعاية بالناس قبض مرة على خبيث كان يسعى بالناس فأطال حبسه فشفع فيه بعض أصحابه المختصين بخدمته وبدل عنه عشرة آلاف دينار فقال الخليفة أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر إلي إنساناً آخر مثله لأكف شره عن الناس ولم يطلقه ورد كثيراً من الأموال على أصحابها أيضاً.

ومن أعماله أنه حل المقاطعات وأعادها إلى الخراج وهذا عمل حسن إلا أن بعض العلويين بالعراق تضرروا به ومن أجل ذلك يعدون هذا العمل من عيوبه وهو صلاح للجمهور.

وكان ملك السلاجقة لعهده أرسلان شاهبن محمدبن ملكشاه ولم يكن له شيء من السلطان في بلاد العراق نفسها بل استبد الخليفة بأمرها منذ عهد أبيه.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:55 PM
33- المستضيء باللَّه

هو أبو محمد الحسن بن المستنجد باللَّه وأمه أم ولد أرمينية تدعى غضة. بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه وكان عادلاً حسن السيرة في الرعية كثير البذل للأموال غير مبالغ في أخذ ما جرت العادة بأخذه وكان الناس معه في أمن عام وإحسان شامل وطمأنينة وسكون لم يروا مثله وكان حليماً قليل المعاقبة على الذنوب محباً للعفو والصفح عن المذنبين. فعاش حميداً ومات سعيداً. وكانت وفاته ثاني ذي القعدة سنة 575 هـ .

وفي عهده انقرضت الدولة الفاطمية بمصر وظهرت الدولة الأيوبية بهمة مؤسسها المقدام صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب الذي ظهر في كنف محمود نور الدين الشهيد وكان ذلك في محرم سنة 567 حيث قطعت خطبة الخليفة العاضد لدين اللَّه واستيفاء ذلك في تاريخ مصر والذي خطب له من العباسيين هو المستضيء باللَّه.

وفي عهده توفي خوارزمشاه أيل أرسلان بن أتسز وملك بعده ابنه سلطانشاه بتدبير أمه ولما علم بذلك أخوه الأكبر علاء الدين تكش جمع العساكر وقصد خوارزم فاستولى عليها واستقل بالملك.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:56 PM
وفي عهده توفي الرجل العظيم ذو القدم الثابتة في فعال الخير وفي جهاد الإفرنج وهو محمود نور الدين بن زنكي وكان قد اتسع ملكه جداً وخطب له بالحرمين وبالمين ومصر وسوريا وقد طبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله قال ابن الأثير في تاريخه وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر ابن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريا منه للعدل، وله أخبار حسان ألفت فيها الكتب خاصة.

34- الناصر لدين اللَّه

هو أبو العباس أحمد الناصر لدين ا بن المستضيء بن المستضيء بن المستنجد وأمه أم ولد تركية اسمها زمرد.

بويع بالخلافة بعد وفاة والده المستضيء في 2 ذي القعدة سنة 575(30 مارس سنة 1180 ولم يزل خليفة إلى أن توفي في آخر ليلة من رمضان سنة 622(6 أكتوبر سنة 1225) فكانت خلافته 46 سنة وعشرة أشهر و 28 يوماً وهو أطول خلفاء بني العباس مدة ولم يزد عليه من خلفاء الفاطميين إلا المستنصر باللَّه فإنه قد ولي 60 سنة ولا من خلفاء بني أمية بالأندلس إلا عبد الرحمن الناصر فإنه ولي 50 سنة.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:57 PM
حال الممالك الإسلامية لعهده:

كان في الأندلس وشمال أفريقيا دولة الموحدين. وفي عهد الناصر ابتدأت الدولة المرينية بمراكش أسسها عبد الحق المريني سنة 591 وهو من أعقاب الموحدين.

وكان مصر واليمن والحرمين وسوريا الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 564.

وكان بالموصل وسنجار وجزيرة ابن عمر بقايا دول الأتابكية.

وكان بقونية دول سلاجقة الروم.

وكان ببلاد الجبل والعراق من السلاجقة السلطان طغريل الثاني وهو آخر سلاجقة العراق.

وكان بخوارزم وخراسان وما إليها الدولة الخوارزمشاهية والقائم بالأمر منهم السلطان تكش بن إيل أرسلان إلى سنة 596 ثم علاء الدين محمد إلى سنة 617 ثم جلال الدين منكبرتي إلى سنة 628 وهو آخرهم.

وكان بالغور والأفغان والهند الدولة الغورية.

في عهد الناصر لدين الله انتهى ملك السلجوقيين بالعراق سنة 590 بقتل طغريل بن ألب أرسلان على يد خوارزمشاه علاء الدين تكش الذي اتسع ملكه جداً فصار ملكه ممتداً من أقاصي بلاد ما وراء النهر شرقاً إلى بلاد الري التي أخذها بعد القضاء على السلاجقة ولكن ملكه لم يكن بالري ثابتاً فإن الخليفة الناصر قد طمع أن تكون البلاد له بعد رحيل خوارزمشاه عنها فأرسل إليها جنداً مع وزيره فاستردها بعد أن حارب عسكر خوارزمشاه لكن ذلك لم يطل فإن خوارزمشاه لما بلغه ذلك رجع فحارب عسكر الخليفة وأخذ البلاد منهم، وفي سنة 596 توفي وخلفه ابنه قطب الدين خوارزمشاه محمد وزاد ملكه اتساعاً.

كان هوى خوارزمشاه بعد اتساع ملكه أن يتشرف بذكر اسمه على منابر بغداد فيخطب له بدل السلاجقة فأبى الخليفة ذلك عليه فاشتدت العداوة بينهما حتى قطع خوارزمشاه خطبة الناصر من منابر بلاده فاستحكمت حلقات الفساد وهذا الذي جعل كثيراً من المؤرخين يعتقد أن خروج التتر إنما كان باستدعاء الناصر لدين ا وليس ببعيد كان قصده على ما يظهر أن يشتغل بهم خوارزمشاه فتخف عنه وطأته وقد اعتادوا ذلك من قبل.

الحادث العظيم في البلاد الإسلامية:

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:58 PM
إغارة المغول والتتار:

من أكبر الحوادث في التاريخ الإسلامي خروج طوائف المغول والتتر إلى البلاد الإسلامية واستيلاؤهم على معظمها في آسيا وشرق أوروبا وأول فتح هذا الباب كان على يد جنكيز خان المغولي وخوارزمشاه محمد بن تكش الخوارزمي.

التتر شعب كبير من الأمة التركية ومنه تتفرق معظم بطونها وأفخاذها وهو مرادف للترك عند الإفرنج حتى إنهم يعدون قبائل الأتراك كافة تتراً ومنه العثمانيون والتركمان وقرمان وغيرهم وكانوا مشهورين عند قدماء اليونان باسم سيتيا أواسكوتيا ومؤرخو الترك ونسابوهم يقولون ألنجه خان أحد ملوك الترك في الأزمنة القديمة ولد له ولدان توأمان هما تتارخان ومغل خان نحو ربيعة ومضر في الأمة العربية.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 09:59 PM
خروج المغول إلى البلاد الإسلامية

قد أكثر المؤرخون في ذكر الأسباب التي دعت جنكيز خان وقومه للخروج إلى البلاد الإسلامية فقال بعضهم إن خوارزمشاه لما أظهر الخلاف على الناصر لدين اللَّه وقطع خطبته من بلاده وأراد أن يذهب إلى بغداد للاستيلاء عليها أرسل الناصر لدين ا إلى جنكيز خان يحرضه على الخروج إلى خوارزمشاه والتعرض لمملكته يريد بذلك أن تنكسر شوكة خوارزمشاه ويشتغل عنه بنفسه وقد سبق لخلفاء بني العباس أن فعلوا ذلك مراراً فهم الذين راسلوا بني بويه ليخلصوهم من استبداد الأتراك البغداديين وتحكمهم فيهم وهم الذين راسلوا طغرلبك شاه السلجوقي ليخلصهم من تحكم البساسيري حينما أراد تحويل الدعوة إلى المصريين الفاطميين وهم الذين راسلوا خوارزمشاه ليخلصهم من السلاجقة ولكن الفرق أن هؤلاء كلهم كانوا مسلمين وأما المغل فكانوا كفاراً ولا نبدي هذا الفرق استبعاداً للمكاتبة لأن ذلك الملك لا يبالي بما يفعل لتخليص ملكه ولم يكن الخليفة هذا الفرق استبعاداً للمكاتبة لأن ذلك الملك لا يبالي بما يفعل لتخليص ملكه ولم يكن الخليفة يبغي إلا أن المغول يشغلون عنه خوارزمشاه فتكون العداوة بين الرجلين ضامنة لاستقلاله كما أنه لم يكن يظن أن يكون من التتر ما كان لأن بينهم وبين العراق أمكنة مترامية الأطراف وبينه وبينهم ذلك الأسد الهصور ولم يكن يظن به من الضعف ما يجعله يجفل أمام جنكيز خان كالحمامة تجفل من صقرها. وهذا السبب وإن كان مطمعاً لجنكيز خان في البلاد الإسلامية ولكنه كان يتطلب سبباً آخر يبيح له فتح باب الحرب على خوارزمشاه فيقال إنه في سنة 612 أرسل رسلاً إلى خوارزمشاه وكانوا من كبار المسلمين الذين يقيمون ببلاده يطلب منه أن يعاهده لتردد التجارة من كل جانب إلى الآخر وأرسل إليه هدايا عظيمة المقدار فلما وصلت الرسل إلى خوارزمشاه أجاب إلى ذلك فرجعوا إلى جنكيز خان مسرورين من تمام ما أرسلوا له فاستبشر بذلك جنكيز خان ومكث الأمر على سداد مدة والتجار والزوار يترددون آمنين مطمئنين.

وفي سنة 615 سافر تجار من بلاد جنكيز خان حتى وصلوا إلى بلدة أترار وهي بلدة بثغر خوارزمشاه بساحل سيحون سرداريا وبها والٍ كان من قبله فلما ورد عليه هؤلاء التجار وكانوا زهاء 400 نفس ومعهم أموال جسيمة طمع ذلك الوالي في أخذ أموالهم فأرسل قاصداً إلى خوارزمشاه يخبره أن جواسيس جنكيز خان قد قدموا في زي تجار فأمره بقتلهم واستصفاء أموالهم فسارع ذلك الوالي المشؤوم إلى ذلك وأرسل إلى خوارزمشاه ما كان معهم من الأموال فأخذها وفرقها على تجار بخارى وسمرقند وأخذ منهم ثمنها. فلما بلغ علم ذلك جنكيز خان أخذه المقيم المقعد وأرسل إلى خوارزمشاه يخبر بصورة الحال ويطلب منه غاير خان ذلك الوالي ليقتص منه فلم يكن من الأحمق خوارزمشاه إلا أن قتل الرسول فلما بلغ ذلك جنكيز خان استشاط غضباً وصمم على قصده وحربه. وعلم خوارزمشاه أنه قد استهدف بعمله لحرب تلك الأمة العظيمة وزاد الطين بلة بأن جمع عساكره وسار بادئاً بالعدوان حتى وصل تخوم تركستان وهجم على بلاد عدوه فلقي هناك جموعاً قليلة متخلفة في النساء والصبيان لأن جنكيز خان كان غائباً بجنده في داخل بلاده فلم يمكن خوازرمشاه أن ينتصر على هذا العدد القليل فعلم أنَّ له يوماً ضروساً إذا تحرك عليه جنكيز خان وهو لا بد فاعل فأمر خوارزمشاه سكان تلك المدن العظيمة التي على حدود بلاده أن يجلوا عنها خوفاً عليهم من التتر وكانت من جنان الدنيا فأصبحت بذلك بلاقع وسهل بهذا العمل السبيل إلى عدوه ثم عاد. أما جنكيز خان فإنه جمع عساكره الجرارة التي تفوق عد العادين وعبر نهر سيحون وليس أمامه من يناوشه قتالاً أو يشغله عن قصده وسار حتى أتى بخارى وكان بها عشرون ألفاً من الجنود الخوارزمية فلم يكن عندهم طاقة بما دهمهم من ذلك البحر الزاخر فتركوا المدينة من غير حام فأرسل أهلها القاضي بدر الدين قاضيخان يطلب الأمان للناس فأمنهم جنكيز خان ودخل هو وجنده البلد في رابع ذي الحجة سنة 616 وأعلن أهله بأن كل ما هو للسلطان عندكم من ذخيرة وغيرها أخرجوه إلينا ثم طلب رؤساء البلد وقال لهم أريد منكم أمتعة التجار التي باعكم إياها خوارزمشاه فإنها لي ومن أصحابي أخذت وهي عندكم فأحضر كل من كان عنده شيء منها ما عنده ثم أمرهم بالخروج من البلد فخرجوا منها مجردين من أموالهم وأعمل التتر النهب وقتلوا من وجدوا فيه ثم أمرهم بالخروج من البلد فخرجوا منها مجردين من أموالهم وأعمل التتر النهب وقتلوا من وجدوا فيه ثم أمر أصحابه أن يقتسموا الناس فاقتسموهم وأصبحت بخارى تلك المدينة العظيمة خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس.

ثم رحلوا نحو سمرقند وهي قصبة ما وراء النهر والمصر الجامع لعلمائه وأدبائه وثروته واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى فساروا بهم مشاة على أقبح صورة ومن أعيا عن المشي قتل.

ولما وصلوا سمرقند كان بها خمسون ألفاً من جند خوارزمشاه فحاموا عن اللقاء لما دخل قلبهم من الرعب والخور أما أهل البلد فخرج منهم ذوو الجلد والقوة فقاتلهم العساكر الجنكيزية ظاهر البلد واحتالوا عليهم بأن تقهقروا أمامهم وأهل سمرقند يتبعونهم ويطمعون فيهم حتى أبعدوا عن معقلهم وكان المغول قد أعدوا لهم كميناً يأتيهم من خلفهم فلما جاوزوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبينم البلد ورجع عليهم الباقون من الأمام فأخذهم السيف من كل جانب وقتل عظيمهم ولما رأى ذلك الباقون بالبلد من الجند والعامة ضعفت نفوسهم وأيقنوا بالهلاك فقال الجند نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا لأن الكل أتراك فطلبوا الأمان فأمنوا وفتحت البلد فخرجوا إلى التتر بأهلهم وأموالهم فطلبوا منهم أن ينزعوا أسلحتهم فنزعوها وإذ ذاك وضعوا فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم وفي اليوم الرابع نادوا في البلد أن لا يتأخر بها أحد ومن تأخر قتلوه وهكذا فعل التتر بسمرقند ما فعلوه ببخارى وكان ذلك في المحرم سنة 617.

ولما تم لجنكيز ملك سمرقند سير عشرين ألفاً من أشداء جنوده وقال لهم اطلبوا خوارزمشاه أين كان لو تعلق بالسماء حتى تدركوه وتأخذوه فساروا وعبروا جيحون وكان خوارزمشاه مقيماً بغربيه يستعد وقد ملىء قلبه رعباً فلما علم بقدوم التتر عليه لم ير إلا أن ينهزم عنهم قبل أن يحصل بينهم وبينه صدام وقتال ورحل لا يلوي على شيء وقصد مدينة نيسابور فلم يكد يستقر بها حتى أدركه جنود التتر فطار إلى مازندان والتتر على أثره ولم يعرجوا على نيسابور فكان كلما رحل عن منزلة نزلوها فوصل إلى مرسي من بحر طبرستان ونزل يريد قلعة له في البحر فلما نزل هو وأصحابه في السفن وصل التتر فأيسوا من اللحاق به فعادوا عنه وكان ذلك آخر العهد به.

وهذه الفرقة من التتر تسمى المغربة لأنهم ساروا إلى غرب خراسان وتشبه هذه الفرقة فرقة السلاجقة العراقيةالتي قصدت البلاد الإسلامية بالتخريب والإفساد قبل أن ينساح السلاجقة ويستولوا على البلاد ولما أيس التتر من اللحاق به ساروا إلى مازندان فملكوها في أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها. ثم ساروا نحو الري وقد انضم إليهم كثير من عساكر المسلمين والكفار من المفسدين من يريد النهب والشر وهم كثيرون فوصلوا إلى الري على حين غفلة من أهلها فملكوها وفعلوا بها الأفاعيل وكانوا ينهبون في طريقهم كل قرية مروا عليها. ثم ساروا إلى همذان فطلب صاحبها الأمان فأمنوه هو ومن معه ثم وصلوا إلى قزوين فدخلواها عنوا ويقال إن من قتل من أهلها يبلغون أربعين ألفاً. ثم ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى تبريز وبها صاحب البلاد أوزبك بن البهلوان فلم يخرج إليهم ولا حدثته نفسه بقتالهم لاشتغاله بما هو بصدده من إدمان الشراب ليلاً ونهاراً لا يفيق وإنما أرسل إليهم وصالحهم فساروا عنه إلى ساحل البحر ليشتقوا فيه فوصلوا إلى موقان وتطرقوا في طريقهم إلى بلاد الكرك فحاربهم أهلها لكنهم انهزموا فأرسلوا إلى أوزبك خان يطلبون منه أن يتفق معهمفي دفع التتر وكذلك أرسلوا إلى الملك الأشرف بن العادل الأيوبي صاحب خلاط وديار الجزيرة يطلبون منه الانضمام إليهم وظنوا جميعاً أن التتر لا يتحركون حتى ينحسر الشتاء فلم يفعلوا ذلك بل ساروا نحو الكرج وانضاف إليهم مملوك من مماليك أوزبك اسمه أقوش وجميع أهل تلك الجبال والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم فاجتمع إليه خلق كثير وأرسل التتر في الانضمام إليهم فأجابوا إلى ذلك للجنسية فاجتمعوا جميعاً حتى وصلوا تفليس فاجتمعت الكرج وخرجت بحدها وحديدها لكن لم يجدهم شيئاً فانهزموا أقبح هزيمة وركبهم التتر من كل جانب فقتل منهم ما لا يحصى وكانت الوقعة في ذي القعدة سنة 617.

ولما دخلت سنة 618 كروا راجعين إلى مدينة مراغة فملكوها عنوة ووضعوا السيف على أهلها ونهبوا كل ما صلح لهم وما لا يصلح أحرقوه ثم رحلوا عنها قاصدين إربل لكنهم هابوا الهجوم عليها لخوفهم أن تجتمع الجنود عليهم من العراق وغيرها فعادوا إلى همذان وساروا إلى أذربيجان ومنها ساروا إلى دربند شروان فاستولوا على مدينة شماخي عنوة وخرجوا من الدربند إلى البلاد الشمالية وهي دشت القفجاق وفيها أمم كثيرة تركية فأمعن التتر فيهم قتلاً وسبياً والذي لقي حد هذه الحروب أمة القفجاق فكثر فيهم القتل والأسر فتفرقوا أيدي سبأ في جميع الأقطار وكان هذا أول ورود المماليك القفجاقية على البلاد المصرية فاشترى منهم الصالح نجم الدين أيوب مماليكه البحرية ملوك مصر بعد الدولة الأيوبية ومنهم المعز أيبك والمظفر قطز والمنصور قلاوون وغيرهم.

ثم قصد التتر بعد ذلك بلاد الروس فاتفق هؤلاء مع فلول القفجاق أن يكونوا يداً واحدة ضد التتر ومع هذا فكان الظفر للتتر وانهزم عنهم الروس والقفجاق أقبح هزيمة ونهب التتر بلادهم ثم عادوا عنهم وقصدوا بلغار أواخر سنة 620 فلما سمع أهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة مواضع واستجروهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم فقتل منهم كثير.

هذه أخبار طائفة صغيرة من طوائف التتر وما فعلته.

أما جنكيز خان فإنه لما سير تلك الطائفة لطلب خوارزمشاه أقام بسمرقند وهناك سير جيشاً عليه أحد أولاده لملك خراسان فعبروا النهر وقصدوا مدينة بلخ فطلب أهلها الأمان وتسلموا البلد سنة 617 ولم يتعرضوا له بنهب ولا قتل بل جعلوا فيه شحنة ثم صاروا يستولون على تلك البلاد شيئاً بعد شيء دون صعوبة أو مقاومة ولذلك لم يكونوا يتعرضون لأهلها بسوء ولا أذى سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم ولم يمض إلا القليل حتى دخل معظم البلاد الفارسية تحت حكم التتر.

وأرسل جيشاً آخر وجهته الشمال ليملك دشت القفجاق وكان الأمر قد تهيأ لهم بها لما فعله التتر المغربة من إضغاف القوى التي كانت بهاتيك البلاد على أنها لم تكن قوى مجتمعة يخشى بأسها بل كانوا طوائف شتى لا جامعة لهم فسهل على الجيش الجنكيزي أن يستولي على الدشت كله في أسرع ما يمكن.

فتم بذلك لجنكيز خان مملكة عظيمة واسعة مترامية الأطراف تبتدىء شرقاً من بلاد الصين وتنتهي غرباً إلى بلاد العراق وبحر الخزر وبلاد الروس وجنوباً ببلاد الهند وشمالاً بالبحر الشمالي كل ذلك تم له في مدة قصيرة.

ولما أحس بقرب منيته قسم الممالك الجنكيزية إلى أربعة أقسام بين أبنائه الأربعة وهم جوجي وجغطاي وتولى وأوكداي.

فجعل دشت قفجاق بأسرها وبلاد الداغستان وخوارزم وبلغار والروس وما يؤمل أخذه إلى منتهى المعمورة وسواحل البحر الغربي لولده الأكبر جوجي.

وجعل بلاد ايغور والتركستان وما وراء النهر بأسره لولده الثاني جغطاي.

وجعل خراسان وما يؤمل أخذه من ديار بكر والعراقين إلى منتهى حوافر خيولهم لولده الثالث تولى خان.

وجعل بلاده الأصلية والخطا والصين إلى منتهى المعمورة الشرقي لولده الرابع أوكداي وجعله ولي عهده من بعده ويصير قاآناً على الكل أو ملك الملوك وهو عندهم بمنزلة الخليفة عند المسلمين وأمر الباقين بمتابعته وكذا كل من يصير قاآناً من ذريته يجب على الباقين طاعته ومن أتباعه ومن خالفه يجب على الباقين حربه حتى يفيء إلى يساق جنكيز خان.

هكذا قدر للرجل لعظم همته أن يملك أولاده الدنيا بأسرها ولا يبقى فيها لغيرهم كلمة ولا سلطان ولولا ما حصل من الخلاف بعده لتم كل ما توقعه.

وفي سنة 624 أدركته منيته وكان الخليفة العباسي حين وفاته المنصور المستنصر باللَّه بن محمد الظاهر.

وجد من آل جنكيز خان أربعة بيوت ورثت الملك وتممت الفتح حتى تهيأ لها أن تملك معظم بلاد المسلمين وجزءاً من أوروبا.

وبيت تولي هو الذي كان على يده سقوط الخلافة العباسية ببغداد وامتداد سلطان التتر على الجزيرة والشام وبلاد الروم وسنذكر ذلك في حينه.

حصلت هذه الحوادث الكبرى وخليفة بغداد لاه بما هو فيه من عسف الناس وظلمهم فقد كان قبيح السيرة في رعيته ظالماً فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد وأخذ أملاكهم وأموالهم وكان كثيراً ما يفعل الأشياء ثم ينقضها وجعل جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة فبطلت الفتوة في البلاد جميعاً إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة وكذلك منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره ومنع الرمي بالبندق إلا من ينتمي إليه. هذه كانت مشاغله العجيبة والتتر يمعنون في بلاد المسلمين قتلاً وأسراً وتخريباً ومع ذلك أثنى عليه ابن طباطبا في تاريخه الموسوم بالفخري ثناء جماً ومن ضمن ما وصفه به أنه كان يرى رأي الإمامية والظاهر أن هذا هو الذي حببه إلى المؤرخ المذكور.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 10:00 PM
بقي الناصر في أواخر أيامه ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصاراً ضعيفاً وفي آخر الأمر أصابته دوسنطاريا عشرين يوماً وكانت بها منيته.

35- الظاهر بأمر اللَّه

ترجمته:

هو أبو نصر محمد الظاهر بأمر اللَّه بن الناصر بويع بالخلافة عقب موت أبيه وكان ولي عهده واستمر خليفة إلى 14 رجب سنة 623 فكانت خلافته تسعة أشهر و 14يوماً.

ولما ولي أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين قال ابن الأثير فلو قيل إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً فإنه أعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله شيئاً كثيراً وأطلق المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وأن يسقط جميع ما جدده أبوه وكان كثيراً لا يحصى. ولما أمر بأخذ الخراج الأول من جميع البلاد حضر كثير من أهل العراق وذكروا أن الأملاك التي كان يؤخذ منها الخراج قديماً قد يبس أكثر أشجارها وخربت ومتى طولبوا بالخرج الأول لا يفي دخل الباقي بالخراج فأمر ألا يأخذ الخرج إلا من كل شجرة سليمة وأما الذاهب فلا يؤخذ منه شيء ومن أعماله أن المخزن كان له صنجة الذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط يقبضون بها المال ويعطون بالصنجة التي للبلد يتعامل بها الناس فسمع بذلك فخرج خطه إلى الوزير وأوله {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} قد بلغنا كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون واليهود والنصارى فكتب بعض النواب إليه يقول إن هذا مبلغ كبير وقد حسبناه فوجدنا في السنة الماضية 35 ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول لو أنه 350 ألف دينار يطلق وكذلك أيضاً فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان وهي في كل دينار حبة وتقدم إلى القاضي كل من عرض عليه كتاباً صحيحاً بملك يعيده إليه من غير إذن ومنها أن العادة كانت في بغداد أن الحارس بكل درب يبكر ويكتب مطالعة في الخليفة بما تجدد في دربه من اجتماع الأصدقاء ببعض كل نزهة أو سماع أو غير ذلك ويكتب ما سوى ذلك من كبير وصغير فكان الناس من هذا في حجر عظيم فلما ولي الظاهر أتته المطالعات على العادة فأمر بقطعها وقال أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم فلا يكتب أحد لنا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا فقيل له إن العامة تفسد بذلك ويعظم شرها قال إنا ندعو اللَّه أن يصلحهم ومنها أنه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان قد سار إليها أيام الناصر لتحصيل الأموال فأصعد ومعه ما يزيد على مائة ألف دينار وكتب مطالعة تتضمن ذكر ما معه ويستخرج الأمر في حمله فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه فلا حاجة لنا إليه فأعيد عليهم. ومنها أنه أخرج كل من كان في السجون وأمر بإعادة ما أخذ منهم وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له مال.

ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان إلى الرعية فجدد من العدل ما كان دارساً وأذكر من الإحسان ما كان منسياً. وقبل وفاته أخرج توقيعاً إلى الوزير بخطه عن أرباب الدولة وقال الرسول: أمير المؤمنين يقول ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم أو نفذ مثال ثم لا يبين له أثر بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال. وقد قرىء التوقيع فإذا في أوله بعد البسملة (اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالاً ولاإغضاؤنا إغفالاً ولكن لنبولك أيكم أحسن عملاً وقد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح الشريعة وإظهار الباطل الجلي في صورة الحق الخفي حيلة ومكيدة وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاء واستداراً كالأغراض التي انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل وأنياب أسد مهيب تنفقون بألفاظ مختلفة على معنى وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون رأيه إلى هواكم وتمزجون باطلكم بحقه فيعطيكم وأنتم له عاصون ويوافقكم وأنتم له مخالفون والآن قد بدل اللَّه سبحانه بخوفكم أمناً وبفقركم غنى وبباطلكم حقً ورزقكم سلطاناً يقيل العثرة ولا يؤاخذ إلا من أصر ولا ينتقم إلا ممن استمر يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم يخاف اللَّه ويخوفكم مكره ويرجو اللَّه تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء اللَّه في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم والسلام ).

ولم تتمتع الأمة بهذا الخليفة طويلاً فإنه لحق بربه قبل أن تمر سنة على خلافته.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 10:01 PM
36- المستنصر بالله

ترجمته:

هو أبو جعفر المنصور المستنصر باللَّه بن الظاهر.

بويع بالخلافة يوم وفاة والده 14 رجب سنة 623(11 يولية سنة 1226) واستمر في الخلافة إلى أن توفي لعشرين خلون من جمادى الآخرة سنة 640(5 ديسمبر سنة 1243) فكانت خلافته 17 سنة إلا شهراً.

كان المستنصر شهماً جواداً يباري الريح كرماً وجوداً وله الآثار الجليلة في بغداد منها وهي أعظمها المدرسة المستنصرية على شط دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة وبنى غيرها من القناطر والخانات والربط ودور الضيافة وكان يقول إني أخاف ألا يثيبني اللَّه على ما أهبه وأعطيه لأن اللَّه تعالى يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وأنا واللَّه لا فرق عندي بين التراب والذهب.

ولما ولي سلك في الخير والإحسان إلى الناس سيرة أبيه وأمر فنودي ببغداد بإفاضة العدل، وأن من كانت له حاجة أو مظلمة يطالع بها تقضي حاجته وتكشف مظلمته.

وفي عهده توفي ملك المغول الكبير جنكيز خاز سنة 624 وحل محله في بلاد خراسان وما وراءها ابنه تولي خان فوسع مملكته إلى الغرب وأرسل فرقة إلى بلاد أذربيجان فملكتها وأجلت عنها جلال الدين مكبرتي وخافهم أهل أذربيجان خوفاً شديداً ولم يكن أمامهم من يرد غائلتهم بعد جلال الدين الذي لم يجد له نصيراً لأنه وتر الملوك المجاورين له طراً.

قال ابن الأثير تعليقاً على هذه الحال: (فما نرى من ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد ولا نصرة الدين بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته وهذا أخوف عندي من العدو قال اللَّه تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).

وكان مقتل جلال الدين في منتصف شوال سنة 628 قتل شريداً طريداً لم يفده هذا الملك العظيم الذي ورثه عن أبيه، وبهلاكه تم للمغول ملك جميع البلاد الفارسية إلى حدود العراق ولم يتهيأ للملوك أن يتفقوا ضد هذا العدو الشديد المراس بل كانوا فيما بينهم مختلفين يغير بعضهم على بعض وعن عدوهم لاهون غافلون. صار العراق ينتظر النكبة منهم من أن لآن وخليفة بغداد مستسلم للحوادث مدل بمركزه الديني.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 10:02 PM
37- المستعصم

ترجمته:

هو أبو أحمد عبد اللَّه المستعصم باللَّه بن المستنصر بن الظاهر بن الناصر بن المستضيء بن المستنجد بن المقتفي بن المستظهر بن المقتدي بن محمد الذخيرة بن القائم بن القادر بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهتدي بن المنصور ففي آبائه سبعة عشر خليفة.

بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه المستنصر باللَّه في عاشر جمادى الآخرة سنة 640(6 ديسمبر سنة 1242 ولم يزل خليفة إلى أن قتل بين يدي هولاكو خان في 20 محرم سنة 656(27 يناير سنة 1258 وبقتله انتهت الخلافة العباسية.

قال ابن طبابا كان المعتصم رجلاً خيراً متديناً لين الجانب سهل العريكة عفيف اللسان والفرج حمل كتاب اللَّه تعالى وكتب خطاً مليحاً وكان سهل الأخلاق وكان خفيف الوطأة إلا أنه كان مستضعف الرأي ضعيف البطش قليل الخبرة بأمور المملكة مطموعاً فيه غير مهيب في النفوس ولا مطلع على حقائق الأمور وكان زمانه ينقضي أكثر بسماع الأغاني والتفرج على المساخرة وفي بعض الأوقات يجلس بخزانة الكتب جلوساً ليس فيه كبير فائدة وكان أصحابه مستولين عليه وكلهم جهال من أرذال العوام إلا وزيره مؤيد الدين دين محمد بن العلقمي فإنه كان منأعيان الناس وعقلاء الرجال وكان مكفوف اليد مردود القول يترقب العزل والقبض صباح مساء.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 10:03 PM
حال التتر

قلنا قيما تقدم إن جنكيز خان لما حانت منيته قسم ممالكه إلى أقسام أربعة بين أولاده ومنهم تولي خان بعمل له خراسان وما يؤهل أخذه من ديار العراقين إلى منتهى حوافر خيولهم وقد استمر تولي في مملكته الجديدة يتوسع في الفتح ويمد بلاده إلى الغرب ويستنزل ملوك فارس عن تخوتها حتى توفي سنة 654 في عهد المستعصم باللَّه وكانت حدود بلاده تنتهي عند بلاد العراق فحلفه في الملك ابنه هولاكو خان حفيد جنكيز خان فأهمه التوسع في الفتح وأخذ بغداد وكان بها من يحب ذلك:

قال المؤرخون إن أهل السنة والشيعة الذين يتألف منهم جمهور البغداديين كانوا في نزاع مستمر وقد أدى هذا النزاع بينهم إلى حروب وشدائد رائدها الجهل والغفلة عن المصالح وكان وزير المستعصم من رجال الشيعة فكان يسؤوه ما يلقاه أهل مذهبه من اضطهاد أهل السنة الذين هم الجمهور الأكبر وكان يزيد في مساءته أن أهل البيت العباسي كانوا يساعدون أهل السنة لأنهم عماد بيتهم والشيعة يريدون خروج الأمر منهم وقد حصل في أواخر عهد المستعصم أن أغار أهل السنة على الكرخ وهو محلة الشيعة فأهانوا أهله وأسرفوا في قتلهم ونهب دورهم وكان ذلك بأمر أبي بكر أحد أولاد الخليفة المستعصم فيقال إن الوزير كاتب هولاكو يحرضه على قصد بغداد ويطمعه فيها وجل رغبته أن تسقط الخلافة العباسية ولا يهمه بعد سقوط عدوه من تولى الملك بعده فكانت تلك المكاتبة مما ساعد هولاكو على تنفيذ رغبته وأكثر المؤرخين يتهمون ابن العلقمي بهذه التهمة الشنيعة حتى نقل ابن الوردي في تاريخه ما يؤكد هذه التهمةوهو رسالة أرسلها ابن العلقمي إلى وزير إربل منها أنه قد نهب الكرخ المكرم وقد ديس البساط النبوي المعظم وقد نهب العترة العلوية واستؤسرت العصابة الهاشمية.

وكن لما أقول بالمرصاد وتأويل أول النجم واحرص واللَّه أعلم.

وابن طباطبا العلوي يبعد هذه التهمة عن ابن العلقمي قال في تاريخه وقد نسبه الناس إلى أنه خامر وليس ذلك بصحيح ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى الوزير وأحسن إليه وحكمه فلو كان قد خامر على الخليفة لما وقع الوثوق إليه أه واللَّه أعلم بمقدار هذا البرهان في الإنتاج.

سارت جيوش هولاكو الجرارة قاصدة بغداد وفي منتصف محرم سنة 656 نزل بنفسه على باب بغداد وأعد عدة الحصار ولم يكن عند الخليفة ما يدفع به ذلك السيل الجارف واكتفى بإقفال الأبواب فجد المغول في القتال حتى ملكوا الأسوار بعد حصار لم يزد على عشرة أيام وبملك الأسوار تم لهم ملك البلد.

ولما رأى الخليفة ذلك استأذن أن يخرج إلى هولاكو فأمر هولاكو أن ينزل باب كلواذي أحد أبواب بغداد وشرعت جنوده في نهب تلك المدينة التي كانت حاضرة الإسلام كله ثم تقدم بإحضار الخليفة فأحضره ومثل بين يديه وقدم لهولاكو جواهر نفيسة ولآليء ودرراً معبأة في أطباق ففرق هولاكو ذلك على أمرائه.

وفي رابع عشر صفر سنة رحل عن بغداد واستصحب معه الخليفة وفي أول مرحلة قتله هو وابنه الأوسط مع ستة نفر من الخصيان وقتل ابنه الكبير ومعه جماعة من الخواص على باب كلواذي وبهذا لقتل كسفت شمس الخلافة العباسية من بغداد بعد أن مكثت مشرقة سة واشتفت قلوب العلويين من بني عمهم بما حل بهم من هذا الخراب والدمار.

أما بغداد دار الخلافة وعاصمة الملك فقد جرى عليها ما جرى على سواها من أمهات المدن الإسلامية فقد قتل معظم أهلها وقيل منهم من نجا وقد استبقى المغولي جماعة من الشيعة والنصارى وسكان بغداد بعد أن أفنى أكثر أهلها قوم جاءوا مع هولاكو ومن أقطار شتى وصارت حاضرة دولة لا تدين بدين بعد أن كانت عاصمة المسلمين.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 10:04 PM
حال الدولة الإسلامية
عند سقوط الدولة العباسية

(1)كانت بغرناطة من البلاد الأندلسية دولة بني نصر والقائم بالأمر منها مؤسسها محمد الغالب باللَّه بن نصر (629-671) .

(2) بشمال إفريقية دولة الموحدين والقائم بالأمر منهم أبو حفص عمر المرتضى بن إسحاق بن يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (646-665). .

(3) وبالجزائر الدولة الزيانية والقائم بالأمر منهم بغمواسن بن زيان مؤسس الدولة ( 633-681).

(4) وبتونس الدولة الحفصية والقائم بالأمر منهم أبو عبد اللَّه محمد المستنصر باللَّه أي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص (647-675).

(5) وبمراكش الدولة المرينية والقائم بالأمر منهم أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق .

(6) وبمصر دولة المماليك البحرية والقائم بالأمر منهم المنصور نور الدين علي بن المعز عز الدين أيبك (655-658)..

(7) وباليمن الدولة الرسولية والقائم بالأمر منهم المظفر بن يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول (647-675).

(8) وبصنعاء من أئمة الزيدية المتوكل شمس الدين أحمد (656-680) .

(9) وبالروم من السلاجقة ركن الدين قليج أرسلان الرابع (655-666) .

(10) وبماردين من الدولة الأرتقية نجم الدين غازي السعيد (637-658) .

(11) وبفارس من الأتابكية السلغرية أبو بكر بن سعد بن زنكي بن مودود (633-658) .

(12) وبلورستان من الأتابكية الهزار سبية دكلا بن هزار سب (650-657). .

(13) وبكرمان من دولة قتلغ خان قتلغ خاتون (655-681). .

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 10:05 PM
إجمال القول في الدولة العباسية:

تولى العباسيون الخلافة الإسلامية سنة 132 حيث بويع لأولهم أبي العباس عبد اللَّه السفاح بالكوفة واستمرت خلافتهم إلى سنة 656 حيث سقط عبد اللَّه المستصم قتيلاً بين يدي هولاكو خان المغولي في أعقاب جنكيز خان موحد التتر الخارج بهم إلى بلاد الإسلام. جاءت الرايات السود من المشرق فأقعدت بني العباس على عشر بني أمية وجاءت رايات التتر من المشرق فثلت عرشهم من بغداد زهرة المشرق وجنة الدنيا فمن الشرق أشرق كوكب سعدهم ومن الشرق ظهر نجم نحسهم استمرت خلافتهم 524 سنة استخلف فيها منهم 37 خليفة فمتوسط ملك الخليفة منهم نحو 14 سنة وأكبر مدة قام فيها خليفة عباسي 46 سنة وأقلها سنة فما دونها.

مكثت الدولة العباسية100 سنة لخلفائها الكلمة العليا والسيادة التامة على جميع العالم الإسلامي ما عدا بلاد الأندلس يقولون فيسمع لهم ويأمرون فيأتمر الناس ولا يجسر أحد على مخالفتهم والوقوف في وجه جنودهم إلا منافسيهم في القرب من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهم بنو عمهم من آل أبي طالب وبعض الخوارج الذين كانت تخبو نارهم حيناً وتلمع ثم تجيء القوة العباسية الهائلة على ذلك بسرعة.

وقام في هذا العصر الباهر من العباسيين ثمانية خلفاء وهم السفاح والمنصور والمهدي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق متوسط خلافة الواحد منهم اثنتا عشرة سنة ونصف وينتهي هذا الدور بوفاة الواثق سنة 232.

ثم جاء بعد ذلك قرن آخر من 232 إلى 234 أخذت الدولة فيه في النزول شيئاً فشيئاً وضعف تلك المكانة التي كانت لهم في نفس الأمم الإسلامية واجترأ الأمراء بالأطراف على الاستقلال وصار أمر العباسيين يضمحل حتى لم يبق بيدهم إلا العراق وفارس الأهواز وهذه مملوءة بالاضطراب والفتن وآل الأمر إلى أن يتولى بغداد مملوك تركي أو ديلمي يطلق عليه أمير الأمراء له النفوذ التام والسلطان المطلق والولاية العامة وليس للخلافة من الأمر شيء.

قام في هذا العصر اثنا عشر خليفة. وهم المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر والقاهر والمتقي والمستكفي الذي ملك بنو بويه في آخر عهده ومتوسط خلافة الواحد منهم ثماني سنوات ونصف ولم يمت منهم موتاً هادئاً إلا أربعة والباقون خرجوا من الخلافة بين قتيل ومخلوع. وكان استيلاء بني بويه على بغداد سنة 334.

جاء بعد ذلك دور ثالث من 334 إلى 447 ليس للخليفة فيه إلا اسم الخلافة والسلطان الفعلي لأمة فارسية هي الأمة الديلمية التي يمثلها السلطان من بين بويه يقيم ببغداد فصار الخليفة كأنه موظف لهم يتناول منهم ما يقوم بأوده وليس له تصرف ولا نفوذ يؤمر فيأتمر ويفعل ما يراد منه لا ما يريد وليس له على أنفس المالكين شيء من السلطان الديني لمباينتهم له في العقيدة فقد كانوا شيعة غلاة يدينون بفضل علي وآل بيته على من عداهم وإنما رضوا ببقاء الخليفة العباسي ليكون أمره عليهم هيناً يبقونه حتى رأوا في بقائه خيراً لهم ويعزلونه أو يقتلونه متى رأوا في ذلك مصلحتهم.

وقد قام في هذا الدور المستكفي المطيع والطائع والقادر والقائم ومتوسط مدة الخليفة منهم 22 سنة ونصف والقائم هو حلقة الاتصال بين هذا الدور والذي يليه والثلاثة الأولون من خلفاء هذا الدور خلعهم بنو بويه.

جاء بعد ذلك دور آخر من سنة 447 إلى سنة 590 انتقل السلطان الفعلي فيه إلى أمة تركية يمثلها سلطان من آل سلجوق يقيم ببلاد الجبل لا في بغداد وكان بنو العباس مع هذه الدولة أحسن حالاً منهم مع بني بويه فإن هؤلاء كانوا يحترمون الخلفاء تديناً وكانوا يبدون لهم من مظاهر التعظيم والإجلال ما يقضي به منصبهم الديني.

وقد ولي في هذا الدور المقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد والمقتفي والمستنجد والمستضيء ومتوسط خلافة الواحد منهم نحو عشرين سنة ونصف ولم يكن الخلفاء في هذه المدة على حال واحد فإنهم من عده المسترشد شرعوا يستردون شيئاً من نفوذهم الفعلي في بغداد والعراق والذي ساعدهم على ذلك بعد آل سلجوق عنهم وتفرقهم ووقوع الحرب بينهم وقد تم استبدادهم بأمر العراق في عهد المقتفي وانقضت دولة السلاجقة سنة 490 على يد خوارزمشاه ونفوذهم في العراق قد اضمحل تماماً.

مكث العباسيون بعد سقوط الدولة السلجوقية 66 سنة لم يكونوا فيها تحت سلطان أحد بل كانوا مستقلين بملك العراق إلى أن قام المغول والتتار بحركتهم التي ابتدأت بأقصى تركستان وعصف ريحهم على البلاد الإسلامية فأخذ أنفاس الدولة العباسية وأزالها من بغداد على يد هولاكوا خان حفيد جنكيز خان سنة 656.

فللدولة العباسية أدوار

100سنة عصر القوة والعمل من(132-232)

102 سنة عصر استبداد المماليك الأتراك من (232-334)

113 سنة عصر استبداد الملوك من آل بويه من (334-447)

83 سنة عصر استبداد الملوك من آل سلجوق من (447-530)

126 سنة عصر استعادة العباسيين شيئاً من نفوذهم السياسي مع تغلب القواد من (530-656)

ونريد أن نوضح هنا الأسباب الرئيسية التي أدت بهذه القوة الهائلة إلى الضعف ثم التلاشي.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:02 PM
قيـــام دَولَة الممَاليك

كان الترك الذين يؤسرون في الحروب يشكلون أكبر نسبة للرقيق وكانوا يجلبون من بلاد ما وراء النهر إذ كانت تلك الجهات مسرحاً دائماً للقتال وتمتد بلاد الترك إلى ما بعد تلك المناطق كثيراً حيث تتوغل إلى منغوليا وغيرها من بلدان أواسط آسيا، وتصل إلى بلاد الأفغان اليوم ونواحي واسعة من سيبيريا، وتتجه تلك الأقوام باستمرار نحو الغرب وتصطدم مع المسلمين، وتكون أعداد من الأسرى كبيرة، وإن كانت جموع أخرى تدخل ديار الإسلام ثم لا تلبث أن تدين بديانة أهل البلاد، وتعمل بعدئذٍ على نشر الإسلام ومحاربة أبناء جلدتها أيضاً، ومن هؤلاء السلاجقة والتركمان العز ثم العثمانيون و....

ثم غدا الصقالبة مصدراً آخر للرقيق، وكان يؤتى بهم من شرقي أوروبا إلى ألمانيا وفرنسا وايطاليا والأندلس حيث يباعون، وعمل اليهود في تجارة الرقيق وحصلوا على أموال وفيرة من وراء هذه التجارة، وغدت بعض الأسواق في أوروبا لهذا الرقيق الذاهب إلى البلدان الإسلامية وبيزنطة. "فإذا قدم بالمملوك تاجره، عرضه على السلطان فيشتريه ويجعله في طبقة جنسه، ويسلّمه إلى المختص برسم الكتابة، فأول ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم. ولكل طائفة فقيه يأتيها كل يوم، ويأخذ في تعليمها القرآن، ومعرفة الخط والتمرين بآداب الشريعة الإسلامية، وملازمة الصلوات والأذكار. وصار الرسم إذ ذاك ألا تجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا شبّ الواحد من المماليك، علّمه الفقيه شيئاً من الفقه، وأقرأه فيه مقدمة، فإذا صار إلى سن البلوغ أخذ في تعليمه فنون الحرب من رمي السهام ولعب الرمح ونحو ذلك، فيتسلّم كل طائفةٍ معلم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه. وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النشاب، لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدّثهم أن يدنو منهم، عند ذلك ينقل إلى الخدمة، وينتقل في أطوارها رتبةً بعد رتبةٍ إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه إلا وقد تهذّبت أخلاقه، وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتدّ ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل. وقد كان لهم خدام وأكابر من النواب يفحصون الواحد منهم فحصاً شافياً ويؤاخذونه أشد المؤاخذة، ويناقشونه على حركاته وسكناته، فإن عثر أحد مؤدبيه الذي يعلمه القرآن، أو رأس النوبة الذي هو حاكم عليه، على أنه اقترف ذنباً، أو أخلّ برسم، أو ترك أدباً من آداب الدين أو الدنيا قابله على ذلك بعقوبةٍ شديدةٍ بقدر جرمه. فلذلك كانوا سادةً يدبّرون الممالك، وقادةً يجاهدون في سبيل الله، وأهل سياسةٍ يبالغون في إظهار الجميل ويردعون من جار أو تعدّى".

كان هذا الوضع أيام الأيوبيين، ولم يختلف عند أيام المماليك إذ أخذوا عنهم كثيراً من تقاليدهم ونظمهم ولا غرابة في ذلك فهم ساداتهم.

وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب الملك الأيوبي السابع قد استكثر من المماليك الذين نسبوا إليه كالعادة - فهم المماليك الصالحية، وذلك خوفاً من اجتماع الملوك الأيوبيين عليه وخاصةً عمه اسماعيل، وقد أعطى هذا الملك الصالح الحرية لمماليكه هؤلاء حتى ضجّ منهم الناس فاضطر أن يبعدهم عن السكان فبنى لهم قلعةً خاصةً بجريرة الروضة عام 638، واتخذ من هذه القلعة مقراً لحكمه، وقد عرف هؤلاء المماليك بالبحرية إضافةً إلى الصالحية، والبحرية نسبةً إل جزيرة الروضة، وإن كانت هذه النسبة ليست خاصةً بهم إذ أطلقت على كثيرين غيرهم إذ جلبوا مما وراء البحار وخاصةً الصقالبة الذين جيء بهم عن طريق البحر.

توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو يقاتل الصليبيين عام 647، وكتمت زوجته شجرة الدر نبأ وفاته حتى وصل إلى مصر ابنه توران شاه الذي استدعته حيث قاد بنفسه قتال الصليبيين، على حين كانت هي تدير أمور المملكة وشؤون القتال باسم زوجها المتوفى ولا يعلم أحد خبر وفاته. ووصل الصليبيون إلى المنصورة، وجيوش المسلمين تتراجع، فجمع الأمير بيبرس البندقداري جماعة من المسلمين وقادهم وتمكن من إبادة الصليبيين الغزاة. كما قاد الأمير فارس الدين أقطاي المملوكي المماليك وهاجم الصليبيين وانتصر عليهم حتى أيقنوا بعدم إمكانية البقاء فانسحبوا إلى دمياط.

كان توران شاه قد وصل من بلاد الشام وقد الجيوش بنفسه واضطر لويس التاسع ملك فرنسا إلى طلب المهادنة والصلح بعد أن وقع أسيراً بأيدي المسلمين، وانتهت الحملة الصليبية السابعة حيث انسحب الملك لويس التاسع إلى عكا، ودفع جزيةً كبيرةً وفداءً له.

اختلف توران شاه مع المماليك فقتله الأميران فارس الدين أقطاي وبيبرس البندقداري عام 648، كما كان قد اختلف مع زوجة أبيه شجرة الدرّ التي عادت السلطة إليها بعد مقتل ابن زوجها، فعيّنت عزالدين أيبك، ثم تنازلت له بعد أن تزوجت به. وفي هذه الأثناء انسحب الفرنسيون من دمياط.

غضب الأيوبيون من سيطرة عزالدين أيبك، وسار الملك الناصر يوسف(1) صاحب حلب إلى دمشق فدخلها، وزحف نحو مصر غير أن عزالدين أيبك قد تمكن من ردّه وتحالف مع الملك لويس التاسع خوفاً من مداهمة الأيوبيين لمصر.





_______________________________________

(1) الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبي.



أرسل هولاكو وفداً إلى عزالدين أيبك وفي الوقت نفسه أرسل إلى الملك الناصر يوسف.

عمل عزالدين أيبك الملك المعزّ على إنهاء معارضة الأيوبيين، بأن جعل أميراً أيوبياً بجانبه وقد اختار لهذه الإمرة طفلاً لا يزيد على السادسة من عمره، وهو الأشرف موسى بن يوسف بن المسعود بن الكامل، وكان جده المسعود صاحب اليمن، وهو المعروف باقسيس، أما أبوه فقد عاش في كنف الملك الصالح نجم الدين أيوب، لكن هذا الطفل لم يلبث أن توفي، غير أن هذه الطريقة لم تنطل على الأيوبيين فاستمرت المعارضة فأعلن أيبك ارتباط مصر بالخلافة العباسية وأن يحكمها نيابةً عن الخليفة العباسي المستعصم الذي بدأ يخطب له.

استمر الملك الأيوبي الناصر يوسف في معارضته لعزالدين، وعرض على ملك فرنسا لويس التاسع المقيم في عكا مساعدته مقابل تسليمه بيت المقدس غير أن الملك المعز قد هدد لويس التاسع بقتل الأسرى الصليبيين في مصر جميعهم إن اتفق مع الناصر يوسف، وفي الوقت نفسه عرض عليه التحالف معه مقابل أن يتنازل له عن نصف الفدية المقررة عليه، فرأى بعدئذٍ الملك لويس التاسع أن يقف على الحياد بين الطرفين مستفيداً من خصومتهما بعضهما لبعض أو عمل على التحريض بينهما.

زحف الملك الأيوبي الناصر يوسف على مصر، والتقى مع المماليك عند بلدة العباسة وأحرز النصر في بداية الأمر غير أنه قد هزم في الجولة الثانية إذ انضم جزء من مماليكه إلى المماليك، وفر الأيوبيون من الميدان، ورأى الملك المعز عزالدين أيبك ملاحقتهم، وعرض على ملك فرنسا الصليبي لويس التاسع دعمه مقابل تسليمه بيت المقدس إن أخذها، ورأى لويس التاسع الصليبي رجحان جانب المماليك فانضم إليهم حيث لم يرغب أن تفوته هذه الفرصة واحتل يافا بينما سار المماليك بإمرة فارس الدين أقطاي إلى غزة وكذا سار الملك الناصر يوسف نحو غزة ولكن لم تحدث لقاءات لأن الخليفة المستعصم قد أصلح بين الطرفين بحيث تكون مصر وجنوبي فلسطين بما فيها غزة وبيت المقدس للمماليك وتكون بقية بلاد الشام للأيوبيين وذلك عام 651، وبذا لم يسلّم المماليك بيت المقدس للصليبيين فلم خاب أمل الملك لويس التاسع عاد إلى فرنسا عام 652 وقد اضطر إلى ذلك إذ توفيت والدته التي كانت تحكم له فرنسا وباسمه.

قامت في هذه الأثناء حركة في الصعيد ضد المماليك وقد تزعمها شريف يُدعى حصن الدين إلا أن أيبك قد وجّه لهم قوةً بإمرة فارس الدين أقطاي فاستطاع أن يقمعها.

أصبح الأمير فارس الدين أقطاي أكبر الأمراء وأكثرهم شهرة، وينافس الملك المعز عزالدين أيبك، ويحمل عليه بعض تصرفاته في تعهده للملك الصليبي بتسليمه بيت المقدس، وتلقب فارس الدين أقطاي باسم الملك الجواد، وتزوج إحدى الأميرات الأيوبيات هي ابنة الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماه، لكن الملك المعز عزالدين أيبك قد استدعى أقطاي لاستشاراته في بعض الموضوعات فسار إليه مع مجموعةٍ من مماليكه فلما وصل إلى القلعة دخلها إلا أن الباب قد أغلق دون مماليكه، وانهال عليه مماليك المعز أيبك بالضرب، وعلى رأسهم سيف الدين قطز، وقتلوه وأسرع أنصار أقطاي عندما علموا بالخبر لإنقاذه وعلى رأسهم الظاهر بيبرس البندقداري وقلاوون الإلفي ظناً منهم أنه لم يقتل بعد، ولكنهم لم يلبثوا أن أخبروا أن أمره قد انتهى، وهكذا انقسم المماليك إلى معزية وهم مماليك الملك المعز عزالدين أيبك، وصالحية أو بحرية، وهم مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب.

بدأ بعض أمراء المماليك البحرية يفرّون إلى ملوك بني أيوب في بلاد الشام وخاصةً إلى الملك الناصر يوسف الذي كان الخصم الأيوبي الأول لعزالدين أيبك والمتصالح معه حالياً لذا فإن الناصر يوسف قد طلب من الملك المعز أيبك أن يعطي هؤلاء المماليك جنوبي بلاد الشام فيكون قد أبعدهم خوفاً من شرّهم وفي الوقت نفسه يكون قد أرضاهم فلا تتفتت قوة المسلمين تجاه أعدائهم إلا أن هذا الطلب من الملك الناصر يوسف قد أخافه، واعتقد دعمه للمماليك البحرية، واتفاقه معهم على أمر، لذا فقد استعد وأقام بالعباسة استعداداً لأي طارئ، وبقي على حالة استعداده أو استنفاره مدة ثلاث سنوات، وعاد بعدها إلى القاهرة بعد أن تمّ حيث أرسل الخليفة العباسي المستعصم رسولاً هو نجم الدين البادراني فأصلح بينهما على أن يكون للملك المعز عزالدين أيبك مصر وساحل بلاد الشام. ولجأ المماليك البحرية بعد هذا الصلح الذي دارت بنوده بين الملك المعز عزالدين أيبك المملوكي والملك الناصر يوسف الأيوبي لجؤوا إلى الملك المغيث عمر(1) صاحب الكرك الذي كان يطمع أيضاً ببلاد مصر.

أراد الملك المعز عزالدين أيبك أن يحصر المغيث عمر فراسل صاحب الموصل بدرالدين لؤلؤ وخطب ابنته فوقعت الغيرة في نفس شجرة الدر زوجة أيبك وعملت على التخلص من زوجها فراسلت الملك الأيوبي الناصر يوسف تحرّضه على غزو مصر وتتعهد له بدعمه للتخلص من أيبك ولكن لمتجدعنده ذلك الحماس، فعملت مع المماليك واستطاعت قتله عام 655هـ.

اختلف المماليك بعضها مع بعض فالصالحية منهم تناصر شجرة الدر، والمعزية تعارضها، وأصبح الأمير علم الدين سنجر الحلبي مقدم المماليك الصالحية غير أن المماليك المعزية قد قبضوا عليه وسجنوه وتغلبوا على الأمر وبدأت المماليك الصالحية تفرّ إلى ملوك الأيوبيين في بلاد الشام وخاصة إلى المغيث عمر صاحب الكرك وتحرّضه على أخذ مصر، وقد حاول مرتين 655 و 656 غير أنه فشل في كلتا المحاولتين بجهود سيف الدين قطز. أما المماليك المعزية فقد قدموا عليهم نورالدين علي بن عزالدين أيبك الذي غدا سلطاناً لمصر، أما الذي يقوم بالنيابة عنه فهو الأمير سيف الدين قطز، ولكن لم يلبث قطز أن عزل نورالدين علي وتسلم السلطنة بنفسه بحجة أن الأول كان ضعيفاً

(1) المغيث عمر : ابن الملك العادل محمد ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل سيف الدين محمد ابن نجم الدين أيوب.

وظروف البلاد تقتضي رجلاً قوياً، فالأيوبيون لا يزالون يطمعون في مصر والخطر الخارجي على ديار الإسلام يتمثّل في عدوين شرسين هما التتار والصليبيون.

استولى التتار بقيادة هولاكو على بغداد عام 656 وخاف الملك الناصر يوسف فراسل هولاكو يجامله، ويطلب منه الدعم لأخذ مصر غير أنه لم يحدث بين الطرفين ما يدعو إلى التفاهم. وزحف التتار إلى بلاد الشام ووجد الناصر يوسف نفسه ضعيفاً أمام جحافل التتار فاتصل بالمماليك وطلب منهم المساعدة.

استولى التتار على حلب في صفر عام 658، ثم استولوا على ميافارقين بإمرة يشموط بن هولاكو بعد أن دافع عنها أهلها دفاعاً مستميتاً لم يعرفه المغول من قبل، واستشهد صاحبها الملك الأيوبي الكامل محمد(1)، وخضع الملك الأشرف موسى(2) صاحب تل باشر فأعطاه هولاكو إمارة حمص مكافأةً له، وكان الملك الناصر يوسف قد انتزعها منه منذ عام 646، وزحف هولاكو نحو دمشق ففرّ منها الناصر يوسف واتجه إلى غزة فاستقبله سيف الدين قطز ومن معه، وبدأ قطز يتقرّب من جيش الناصر يوسف ويضم أمرؤه إليه، حتى لم يبقى مع الناصر يوسف إلا قليل فذهب بهم إلى جنوب الأردن حيث استقر قرب الجفر ليعيش منزوياً بمن معه منعزلاً عن الأحداث التي تدور في بلاده، وعلم هولاكو بهذا فأرسل مجموعة من الجند إلى الجفر وأحضرت الناصر يوسف، فاستقبله هولاكو استقبالاً كريماً ورأى فيه ضالته، ومنّاه بالتربع على عرش دولةٍ أيوبية تشمل مصر والشام تحت حمى التتار، وقدّمه على الأشرف موسى إذ وجد في الأول خيراً له لما عنده من إمكانات وطاقات.

حاصر هولاكو دمشق في ربيع الأول عام 658 وشدّد الحصار حتى استسلمت في ربيع الثاني أما القلعة فقد صمدت حتى 21 جمادى الآخرة من العام نفسه غير أنها سلمت من التهديم لالتماس أعيانها لديه، واتجه هولاكو نحو انطاكية بعدها.

وصل إلى هولاكو نبأ وفاة أخيه مانغو خان التتار الأعظم، لذا فقد ترك بلاد الشام بعد أن ولّى عليها مكانه القائد كتبغانوين، واتجه إلى قره قورم حاضرة التتار لحضور اجتماع رؤساء التتار لانتخاب الخان الأعظم لهم، وهو يطمع أن يحصل على هذا المنصب لما قدم من خدمات لهم بمد نفوذهم إلى العراق والشام، فلما وصل إلى تبريز بلغه خبر انتهاء الاجتماع وإتمام عملية الانتخاب، واختيار أخيه قوبلاي خاناً أعظم للتتار، فسكت احتراماً لأخيه.

أما المماليك البحرية الذين فرّوا إلى بلاد الشام خوفاً من المماليك المعزية وأميرهم سيف الدين

(1) الكامل محمد : ابن الملك المظفر غازي بن الملك العادل سيف الدين محمد ابن نجم الدين أيوب.

(2) الأشرف موسى : ابن المنصور ابن الملك المجاهد أسدالدين شيركوه ابن ناصر الدين محمد بن أسدالدين شيركوه بن شادي، ولم يكن ليسيطر إلا على تل باشر قرب الرها.

قطز، واتجهوا إلى الملوك الأيوبيين وخاصةً إلى الناصر يوسف والمغيث عمر فقد رجع بعضهم إلى مصر خوفاً من المغول، وترك بعضهم الآخر الناصر يوسف الذي تفاهم مع التتار على كرهٍ منه، أو اعتزل بعد فراره من التتار وانضمام جيشه في غزة إلى سيف الدين قطز هؤلاء قد ساروا إلى المغيث عمر صاحب الكرك ومنهم الظاهر بيبرس البندقداري، وبدؤوا يُغيرون على أملاك الناصر يوسف الجديدة، وهذا ما جعل الناصر يوسف يسير بجيش إلى الكرك ويحاصرها ووجد المماليك أنفسهم في وضع خطير وخاصةً الذين كانوا بجانب الناصر يوسف وفرّوا من عنده مغاضبين لموقفه حتى ليقال إن الظاهر بيبرس كان قد عرض على الناصر يوسف إعطاءه أربعة آلاف مقاتل للوقوف في وجه التتار عندما أرادوا عبور نهر الفرات لمنعهم من ذلك لكن الناصر يوسف لم يستجب لهذا الطلب، في هذا الوقت عفا قطز عن المماليك البحرية فبدؤوا يتجهون نحوه من بلاد سلاجقة الروم، ومن الكرك، ومن دمشق وغدا المماليك مرة أخرى مجموعة واحدة، واستقبل قطز هؤلاء استقبالاً لائقاً وخاصةً بيبرس إذ أنزله بدار الوزارة وذلك عام 658.

بعد أن سقطت دمشق بيد التتار أرسل هولاكو وفداً إلى الأمير سيف الدين قطز يحمل رسالةً كلها تهديد ووعيد، فعقد قطز اجتماعاً ضمّ أمراء المماليك فكان الرأي العزم على الحرب، فقبض قطز على رجال وفد هولاكو وأعدمهم، وعرض أجسادهم للناس، وأخذ قطز يحشد الحشود، ويفرض الضرائب فوجد معارضةً من العلماء على هذه الضرائب وعلى رأسهم العز بن عبد السلام الذي أعلن أن على الأمير إذا أراد فرض الضرائب أن يأخذ قبل ذلك الحلي التي في بيته وبيت أمثاله من الأمراء وأن يضربها نقوداً فإن لم تف بالحاجة يفرض بعضها الضرائب فامتثل قطز بذلك وفعل ما وجّه إليه.

وتمّ الاستعداد، وأرسل قطز حملةً استطلاعيةً بإمرة الظاهر بيبرس البندقداري إلى جهات غزة فانتصر على حملة تتارية متقدمة، وبقي يناور التتار كي لا يعلموا بتحرك الجيش الرئيسي الذي يقوده سيف الدين قطز.

سار سيف الدين قطز بجيشه مع الساحل الشامي باتجاه عكا، وهدد الصليبيين إن بدرت منهم أية بادرة شرّ، وطلب منهم أن يكونوا على الحياد إن لم ينصروا المسلمين، ولم يكن وضعهم يومئذٍ بالذي يساعدهم على التحرك سواء أكان بجانب المسلمين أم بجانب التتار. ووافى الأمير سيف الدين قطز قائده الظاهر بيبرس عند عين جالوت، وتدفق التتار إلى ذلك الميدان، واحتدمت المعركة وهجمت ميمنة التتار على ميسرة المسلمين، فتقدم أمير الجيش الإسلامي سيف قطز والقى بخوذته على الأرض أمام الأمراء وصاح بأعلى صوته "وإسلاماه" واندفع نحو التتار يقاتل والتف حوله جنود المسلمين، انقضوا على التتار فأفنوهم، وقُتل قائد التتار كبتغا في ميدان المعركة وأُسر ابنه.

ووصلت أخبار معركة عين جالوت إلى دمشق فابتهج المسلمون وانطلقوا يهاجمون التتار ويعملون بهم ذبحاً، وشملت هذه المذبحة النصارى أيضاً الذين وقفوا فجانب التتار وأعانوهم على المسلمين، واستأسدوا على المسلمين أثناء حكم التتار، ولم يستتب الأمن بدمشق إلا بدخول قطز إليها في 27 رمضان عام 658 أي بعد استسلام قلعتها بثلاثة أشهر وستة أيام وهذه المدة لتي حكم التتار فيها دمشق. وبدأ التتار يفرون من بلاد الشام خوفاً من انتقام المسلمين منهم، وتمكن قطز من فتح بلاد الشام بعدة أسابيع، وأعاد بعض الملوك الأيوبيين إلى ممالكهم بعد أن أخذ المواثيق والعهود عليهم بالولاء ودفع الإتاوات السنوية للسلطان في مصر، وكذلك أقطع أمراء المماليك إقطاعاتٍ واسعةً إذ أعطى علم الدين سنجر الحلبي نيابة يحكمها باسمه، ومنح حلب إلى الملك السعيد علاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان الظاهر بيبرس يرغب بها، وقد طلبها من قطز لملاحقة التتار فلم يقبل منه فأصبح بنفسه شيء عليه.

عاد المماليك إلى مصر، وقتل الظاهر بيبرس أميره سيف الدين قطز وربما كان للخلاف السابق بين المماليك البحرية الذين منهم بيبرس والمماليك المعزية الذين منهم قطز، وقد اضطر المماليك البحرية للعودة إلى مصر بعد أن فرّوا منها عندما لم يجدوا لهم مقاماً في الشام لهجوم التتار فكان لابدّ من الاتفاق لحماية ديار الإسلام، فلما أصبحت ديار الإسلام في أمان من هجوم التتار عاد الخلاف وظهر من جديد، وقتل قائد جناح المماليك البحرية أمير المماليك المعزية، وربما كان سبب هذا القتل ما بقي في نفس بيبرس من قطز عندما رفض إعطاءه ولاية حلب، وهو يريد أن يتابع التتار ويستعيد للمسلمين أرضهم، وعلى كل فقد قتل الأمير سيف الدين قطز، واتفق أمراء المماليك على تعيين الظاهر بيبرس سلطاناً على مصر.

إن انتصار المماليك في عين جالوت قد جعل دعايةً واسعةً لهم وخاصةً أن الناس كانوا لا يتصورّون هزيمةً كهذه الهزيمة تلحق بالتتار بسبب الرعب الذي أصابهم والهلع الذي ملأ قلوبهم.

إن الهجوم الصليبي الشرس من الغرب على ديار الإسلام والغزو التتاري الوحشي من الشرق ودعم النصارى الذين عاشوا في كنف المسلمين منذ فجر الإسلام إلى كلا العدوين الصليبي والتتاري والحقد الواضح الذي بدا منهم كل هذا جعل المسلمين يعودون قليلاً إلى دينهم، كما كانت دعوة حكامهم بالدرجة الأولى إلى وحدة صفوف المسلمين للوقوف في وجه الأعداء وخاصةً أولئك التي تعرّضت بلادهم للتخريب الصليبي أو للتدمير التتاري، لذلك اعترف المماليك بسلطة الخلافة العباسية عليهم، والخلافة هي محطّ أنظار المسلمين في كل مكان، ويمكن أن يلتفّ حولها المسلمون، وتتوحد كلمتهم بها، ولا يوجد في ديار المسلمين سوى خليفةٍ واحدٍ لذا فهو الذي يمكن أن يحمل راية الجهاد ويقاتل المسلمون جميعاً تحت هذه الراية. وهذا الاعتراف بالخلافة العباسية قد أكسبهم الصفة الشرعية التي اعترف العباسيون بحكمهم، وفي الوقت نفسه فقد أكسبهم القوة، وعندما سقطت بغداد بيد التتار عام 656 قام المماليك يحملون عبء الجهاد، وقد وفقوا في ذلك فأنزلوا بالتتار هزيمة عين جالوت عام 658.

كان الملك المظفر سيف الدين قطز قد استناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي فلما قتل قُطز نادى سنجر بنفسه سلطاناً، وتلقّب بالملك المجاهد، وأخذ شعار السلطنة بعد مقتل قطز بشهر واحد، وطلب من الملك الأشرف موسى الأيوبي، والملك المنصور صاحب حماه الأيوبي أيضاً، والأمير حسام الدين لاجين العزيزي صاحب حلب مساعدته فلم يوافقوه، وسيّر الظاهربيبرس حملةً إلى دمشق حملت سنجر إلى القاهرة مقيداً بالأغلال ولم يمض على سلطنته المحلية أكثر من شهر.

وقام رجل شيعي بالقاهرة يدعى الكوراني يدعو لنفسه ويرغب في عودة النفوذ العبيدي مرةً أخرى أو الشيعة كما يسميها واستطاع الظاهر بيبرس القضاء عليها بسرعة.

ومع استقرار الوضع للظاهر بيبرس وقفت دولة المماليك على أقدامها، كما أن الخلافة قد عادت من جديد.

ولما كان المماليك هم السلاطين، وهم ولاة الأمور إذ لهم الدور الأول في تسيير شؤون الدولة سواء أكان في الداخل أم في الخارج لذا كان لا بد من بحث أمور هؤلاء السلاطين على نطاق أوسع من بحث الخلفاء، فالسلاطين هم الذين نسب إليهم العهد، ولم ينسب إلى العباسيين، وهم الخلفاء أو أمراء المؤمنين بالنسبة إلى المسلمين في جهات الأرض.

ففي مرحلة قيام دولة المماليك تولّى أمر مصر أربعة من السلاطين هم :

1- شجرة الدر 648 80 يوماً

2- المعز عزالدين أيبك 648 - 655

3- نورالدين علي 655 - 657

4- سيف الدين قطز 657 - 658

وبعد أن تولى السلطنة الظاهر بيبرس السلطنة بمدة أصبحت الخلافة أو حملة الدولة اسم الخلافة من جديد، واتجهت إليها أنظار المسلمين أكثر من السابق.

وتولى أمر المماليك نوعان من السلاطين يعودون في أصولهم إلى جهتين وهما :

1- المماليك البحرية 648 - 792

2- المماليك الجراكسة أوالبرجية 792 - 923

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:03 PM
عصر الممَاليك البحرية

648 - 792



1- شجرة الدر : 80 يوماً 648-648

2- عزالدين أيبك : 7 سنوات 648-655 قتل

3- نورالدين علي : 2 سنة 655-657 ابن أيبك خلع

4- سيف الدين قطز : 1 سنة 657-658 قتل

5- الظاهر بيبرس : 18 سنة 658-676 توفي

6- السعيد بركة : 2 سنة 676-678 ابن بيبروس خلع

7- العادل بدرالدين : أقل من سنة 678-678 ابن بيبرس خلع

8- المنصور قلاوون : 11 سنة 678-689 توفي

9- الأشرف خليل : 4 سنوات 689-693 ابن قلاوون قتل

10- الناصر محمد : 1 سنة 693-694 ابن قلاوون خلع

11- العادل كتبغا : 2 سنة 694-696

12- المنصور لاجين : 2 سنة 696-698 قتل

أعيد 13- الناصر محمد : 10 سنوات 698-708 ابن قلاوون اعتزل

14- المظفر بيبرس ابي شنكير : 1 سنة 708-709 قتل

عاد 15- الناصر محمد : 32 سنة 709-741 ابن قلاوون توفي

16- المنصور أبو بكر : أقل من سنة 741-742 ابن الناصرمحمد خلع

17- الأشرف كجك : أقل من سنة 742-742 ابن الناصرمحمد خلع

18- الناصر أحمد : أقل من سنة 742-743 ابن الناصرمحمد خلع

19- الصالح اسماعيل : ثلاث سنوات 743-746 ابن الناصرمحمد توفى

20- الكامل شعبان : أقل من سنة 746-747 ابن الناصرمحمد قتل

21- المظفر أمير حاج : أقل من سنة 747-748 ابن الناصرمحمد قتل

22- الناصر حسن : 4 سنوات 748-752 ابن الناصرمحمد خلع

23- الصالح صالح : 3 سنوات 752-755 ابن الناصرمحمد خلع

أعيد 24- الناصر حسن : 7 سنوات 755-762 ابن الناصرمحمد قتل

25- المنصور محمد : 2 سنة 762-764 ابن المظفر أمير حاج خلع

26- الأشرف شعبان : 14 سنة 764-778 ابن حسين قتل

27- المنصور علي : 5 سنوات 778-783 ابن الأشرف شعبان توفى

28- الصالح حاجي : 1 سنة 783-784 ابن الأشرف شعبان خلع

برقوق

29- الصالح حاجي : أقل من سنة 791-792 ابن الأشرف شعبان خلع



وهم مماليك السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذين كثر عددهم، وزادت تعدياتهم فضجّ منهم السكان فبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة عام 638 فعرفوا بالمماليك البحرية، وإن كان هذا الاسم ليس خاصاً بهم إذ كثيراً ما أطلق على غيرهم بسبب حملهم عن طريق البحر، وإن لحق بهم هذا الاسم فيما بعد وأصبح دلالةً عليهم، كما عرفوا أيضاً باسم الصالحيين نسبة إلى لقب سيدهم الصالح نجم الدين أيوب، وأقل من هذا الاسم وذاك أطلق عليهم النجميين لاسم اليد نفسه.

حكم هؤلاء المماليك البحرية مصر مدة أربع وأربعين ومائة سنة 648-792، وقد تمثّل هذا الحكم في أسرتين فقط، وهما أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، وقد دام حكمها مدة عشرين سنة (658-678) وقد حكم هو وولداه، ودام حكمه ثماني عشرة سنة، وحكم ابنه الأول السعيد بركة ما يقرب من سنتين، ثم خلع، وحكم ابنه الثاني العادل بدرالدين سلامش عدة أشهر وخلع بعدها. وكان الظاهر بيبرس قد حرص على بقاء أسرته في الحكم من بعده، وهيأ الأسباب لذلك، وكان خوفه من المماليك أنفسهم، وقد برز منهم يومذاك المنصور قلاوون لذا فقد سعى إلى ضمان قلاوون بل فكر بأن يجعله يقف بجانب أولاده من بعده، وزوّج ابنه وخليفته السعيد بركة من ابنة قلاوون غازية، وظنّ بأن هذه المصاهرة سيقف قلاوون بجانب ابنه السعيد بركة، عندما حاصر المماليك السعيد بركة اتصل بالمنصور قلاوون وطلب دعمه فنصحه بالتنازل عن السلطنة، وقد فعل ذلك، ووافق قلاوون على استلام العادل بدر الدين سلامش أخي السعيد بركة وابن الظاهر بيبرس السلطنة وذلك لأنه صغير ويمكن ان يتصرف بالأمر، ولم تمض عدة أشهر، حتى دعا المنصور قلاوون أمراء المماليك وبسط لهم الوضع القائم، وأن الأمر يتطلب رجلاً حكيماً يدبر شؤون الدولة، وأن الصغير يعيق الأمر ولا يصلح للأمر فانفق الجميع على خلع العادل بدر الدين سلامش وسلطنة المنصور قلاوون.

أما الأسرة الثانية فهي أسرة المنصور قلاوون نفسه، وقد استمر أمرها أربع عشرة ومائة سنة (678-792) وحكم هو وأولاده وأحفاده، لم يتخللها سوى خمس سنوات خرج أمر مصر من أيديهم، إذ تسلم العادل كتبغا والمنصور لاجين والمظفر بيبرس الجاشنكير وقد قتل ثلاثتهم، حكم الأوليان منهم مدة أربع سنوات 694-698، وحكم الثالث ما يقرب من سنة (708-709).

أما أفراد الأسرة فقد حكم المنصور محمد أبو ناصر قلاوون احدى عشرة سنة توفي بعدها (678-689)، ورجع الحكم بعده ضعيفاً إذ حكم ابنه الأشرف صلاح الدين خليل مدة أربع سنوات (689-693) وقتل بعدها، وجيء بأخيه الناصر محمد، ولم يطل عهده بأكثر من سنة حتى خلع، وتسلطن العادل كتبغا مدة سنتين ثم علا السلطة المنصور لاجين عندما كان العادل في زيارة لدمشق لكن المنصور لاجين لم يلبث أن قتل، وأعيد إلى السلطنة الناصر محمد ابن قلاوون، وبقي عشر سنوات 689-708 غير أنه اعتزل، فتسلم السلطة المظفر بيبرس الجاشنكير، وشعر الناصر محمد بن قلاوون أنه هضم حقه فاستعاد السلطنة بالاتفاق مع بعض الأمراء، واستمر أمره حتى توفي وقد أحبه الناس، لذا فقد حكم أبناؤه من بعده رغم ضعفهم وصغر سنهم، إذ تلسم السلطنة ثمانية من أبنائه.

كان الأول منهم المنصور سيف الدين أبو بكر وخلع قبل مرور عام على حكمه.

وكان أمر الثاني الأشرف علاء الدين كجك كالأول لم يصل عهده إلى العام.

ويشبههما الثالث الناصر أحمد.

أما الرابع فهو الصالح اسماعيل وقد حكم ثلاث سنوات (743-746) ومات بعدها.

وجاء الخامس الكامل شعبان وقتل قبل أقل من عام.

وكذا السادس المظفر أمير حاج كان مصيره القتل ولم يصل أمره إلى العام.

وحكم السابع الناصر حسن أربعة أعوام (748-752) وخلع بعدها.

وخلع الثامن الصالح صالح بعد ثلاث سنوات من حكمه (752-755).

وأعيد الناصر حسن فاستمر سبع سنوات (755-762) وقتل بعدها.

وتولّى الأمر بعدئذ المنصور محمد بن السلطان المظفر أمير حاج وخلع بعد عامين من حكمه 762-764.

وجاء بعده ابن عمه الأشرف شعبان فحكم أربع عشر عاماً 764-778 وقتل بعدها.

وخلفه ابنه المنصور علي لمدة خمس سنوات توفي بعدها 778-783، وخلفه أخوه الصالح حاجي.

فلم يمض عليه سوى سنة حتى خلع وتسلطن الأمير برقوق من المماليك الجراكسة.

غير أنه أعيد الصالح حاجي بعد سبع سنوات (784-791) وحكم مدة سنة واحدة (791-792).

ثم أخرج السلطان برقوق من سجنه وأعيد إلى سلطانه، وانتهى أمر المماليك البحرية بشكل دائم وجاء عهد المماليك الجراكسة أو البرجية.

ونلاحظ أن أسرة المنصور قلاوون قد حكم منها خمسة عشر سلطاناً توفي منهم أربعة وفاة طبيعية أو تركوا الحكم نتيجة الوفاة الطبيعية بينما خلع سبعة منهم خلعاً، وقتل خمسة منهم، وأن بعضهم وهو الناصر محمد قد خلع مرة واعتزل مرة وعاد حتى توفي، وأن الناصر حسن قد خلع وأعيد ثم قتل...

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:05 PM
خلفاء بني العباس في القاهرة



المستنصر بالله

أحمد بن محمد الظاهر

(659 - 660 هـ)



هو أحمد أبو القاسم ابن الخليفة العباسي الظاهر (622-623)، أخو الخليفة العباسي المستنصر (623-640)، عمّ الخليفة المستعصم (640-656)، كان داخل السجن عندما اقتحم التتار بغداد، فلما فتح السجّانون أبواب السجون أطلق أحمد أبو القاسم فهرب وتمكن من الخروج من بغداد فاتجه إلى عرب العراق فبقي مدةً عندهم، فلما انتصر المماليك في عين جالوت على التتار، ثم طردوهم من الشام، توجه أحمد أبو القاسم إلى القاهرة، وكان الأمر فيها للسلطان بيبرس فوصل إليها في أوائل رجب من عام 659، فأثبت نسبه فبايعه بالخلافة السلطان بيبرس، ثم قاضي القضاة تاج الدين، ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام وذلك في شهر رجب من العام نفسه، وخطب له، ونقش اسمه على السكة، ولُقّب بالمستنصر على لقب أخيه، وخطب بالناس يوم الجمعة، ودعا للسلطان بيبرس، ثم صلى بالمسلمين.

قرر الخليفة المستنصر التوجه إلى العراق لقتال التتار فخرج، وخرج معه السلطان بيبرس يشيعه حتى دمشق، فجهّزه بجيش، وانضم إليه الملوك في الشام، وصاحب سنجار، والخليفة الحاكم بأمر الله الذي بويع في حلب الذي تنازل له بسبب أنه أكبر منه سناً، ولصلته بأواخر خلفاء بني العباس في بغداد، وسار معه تحت لوائه، واستطاع الخليفة المستنصر أن يدخل مدينة الحديثة على نهر الفرات، وسار بعدها إلى هيت فدخلها أيضاً، فالتقى بعدها بجيشٍ من التتار، وحدثت معركة بين الطرفين، قتل فيها الخليفة المستنصر، ونجا منها الخليفة الحاكم بأمر الله مع عدد قليل من أنصاره، وذلك في الثالث من محرم عام 660.

وبذا كانت خلافة المستنصر دون ستة أشهر بعشرة أيام.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:06 PM
الحاكم بأمر الله

أحمد بن الحسن

(661 - 701 هـ)



هو الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن أبي علي الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي الضبي ابن الخليفة المسترشد بالله ابن الخليفة المستظهر بالله. كان قد اختفى عندما سقطت بغداد بيد التتار فلما خفّ الطلب وانخفضت موجة التدمير التتاري هرب مع جماعة من أنصاره، وسار إلى عرب بني خفاجة فأقام عندهم مدةً، ثم سار إلى دمشق وأقام عند عيسى بن مهنا زمناً فطلبه الملك الناصر صاحب دمشق غير أن هجوم التتار قد كف عنه الطلب فلما جاء الملك المظفر إلى دمشق أرسل في طلبه الأمير قلج البغدادي فالتقى به وبايعه بالخلافة، ودعاه الظاهر بيبرس للسير إلى القاهرة وقد همّ بذلك غير أن أحمد أبا القاسم ابن الخليفة قد سبقه مما اضطره أن يعدل الرأي في السير إلى القاهرة وأن يتوجه إلى حلب حيث بويع هناك بالخلافة، وقد جهّزه صاحب حلب، وأرسل معه فرقة لقتال التتار وانقاذ بغداد منهم، وتلقّب بالحاكم بأمر الله وسار إلى عانة والحديثة والتقى بالخليفة المنتصر الذي بويع في القاهرة ، وتنازل له لأنه أصغر منه سناً، وقاتل تحت رايته والتقيا مع التتار في معركةٍ قتل فيها الخليفة المستنصر أحمد أبو القاسم، ونجا أحمد أبو العباس هذا مع عددٍ قليلٍ فاتجه إلى الرحبة، ومنها إلى عيسى بن مهنا فراسل الظاهر بيبرس فيه فطلبه فسار إلى القاهرة، ومعه ولده، ومجموعة من أتباعه، فأكرمه الظاهر بيبرس، وأنزله بالبرج الكبير بالقلعة وخطب بمسجدها عدة مرات. وبعد أن أثبت نسبه بايعه السلطان وقاضي القضاة والعلماء وبقية الناس، وذلك في مطلع عام واحد وستين وستمائة (الثامن من محرم)، فبقي المسلمون سنةً بلا خلافة من عام (660 - 661)، كما مرت عليهم مدة ثلاث سنوات بلا خلافة (656 - 659) أي منذ سقوط بغداد بيد التتار إلى قيام خلافة المستنصر بن الظاهر بالقاهرة.

بقي اللقب الذي اختاره الخليفة لنفسه وهو "المتوكل على الله" كما هو لم يغيره، واستبقى الملك الظاهر بيبرس الخليفة في القاهرة، ولم يعد يفكر بإرساله إلى بغداد لقتال التتار واسترجاع بغداد كحاضرة للعباسيين، وإنما أراد تقوية مركز الخلافة بالقاهرة بوجود الخليفة فيها، وليس هو إلا رمز تقوى به السلطة، ويدعمه السلطان، ويقوى به أهل السنة أيضاً، وتعود إلى المسلمين خلافتهم ويقوى سلطانهم بالتفافهم حول الخليفة الذي هو رمز السلطة الإسلامية، وتكتسب الدولة المملوكية الصفة الشرعية، ويعظم نفوذها، وتزاد أهميتها لدى الدول الإسلامية الأخرى، وبالفعل فقد أصبح المماليك محط أنظار المسلمين وأقوى دولة لهم في تلك الحقبة من التاريخ.

وإلى جانب الخلافة العباسية في القاهرة أعلنت الدولة الحفصية في تونس وتنتسب هذه الدولة إلى أبي حفص يحيى بن عمر الهنتاني شيخ قبيلة هنتانة أحد بطون مصمودة التي قامت دولة الموحدين على جهودها، وكان أبو حفص أحد دعاة المهدي بن تومرت، وقد عين والياً على تونس، وخلفه في الولاية ابنه عبد الواحد عام 602 الذي تزوج أخت الأمير الموحدي المنصور، وقام من بعده ابنه أبو زكريا، فلما هزم الموحدون أمام نصارى الأندلس في معركة العقاب عام 609، وضعف نفوذهم في المغرب والأندلس أعلن أبو زكريا بن عبد الواحد الحفصي استقلاله بتونس عام 626، وخلفه ابنه أبو عبدالله عام 647 فأعلن نفسه خليفةً للمسلمين عندما سقطت بغداد بيد التتار عام 656، وبايعه على ذلك شريف مكة ادريس، وتلقّب الخليفة الحفصي باللقب نفسه الذي تلقّب به الخليفة العباسي بالقاهرة.

إن مركز الخليفة بالقاهرة قد قوّى دولة المماليك، أو أن الملك الظاهر بيبرس قد دعّم دولته بشكلٍ قويٍ ورسّخ أركانها، وفي عام 667 حج الظاهر بيبرس وأزال أنصار الحفصيين في مكة، وبسط نفوذه في الحجاز، وتقرّب من العلماء، وبنى المدارس والمكتبات وتزعم العالم الإسلامي.

وإذا كان صاحب حمص الملك الأشرف موسى الأيوبي وصاحب حماه الملك المنصور الأيوبي قد أعلنا ولاءهما للظاهر بيبرس إلا أن المغيث عمر بن الملك العادل بن الملك الكامل صاحب الكرك كان يرى نفسه أحق بالسلطنة وبحكم مصر من المماليك، وبقي يعمل لذلك، واستطاع بيبرس دعوته إلى معسكره في بيسان فاستجاب له وسار إليه فقبض عليه، ودخل الكرك وعيّن عليها والياً من قبله عام 661، وبذا صفا له الوضع في بلاد الشام.

وإذا كان الصليبيون قد خفّ أثرهم، ولم يعد بإمكانهم إرسال حملات جديدة إلى ديار المسلمين لأنهم يئسوا من إحراز النصر، وانقطع أملهم في تحقيق أي هدف لهم بعد أن وجدوا كلمة المسلمين تميل إلى الوحدة، ولم يكن لدعم النصارى في المشرق والذين يعيشون في كنف المسلمين منذ مدة ليست قصيرة كبير فائدة، غير أن الظاهر بيبرس كان يخافهم لوجودهم في بلاد المسلمين، ولم يأمن مكرهم في أي وقتٍ من الأوقات، كما لم يأمن مكر التتار الذين خفّت هجمتهم الشرسة عما كانت عليه أيام جنكيزخان وهولاكو غير أن شرّهم لا يزال قريباً، ومتوقعاً في كل وقت لذا فقد عمل السلطان الظاهر بيبرس مع الجهات الثانية وإن كانت ذات ضررٍ لكنه أقل من شرّ التتار والصليبيين، لقد تحالف مع امبراطور الدولة البيزنطية ميخائيل الثامن باليولوج وأرسل له وفداً وهدايا وذلك عام 660، كما حالف امبراطور الدولة الرومانية الغريبة، وملك صقلية ونابولي منفرد بن فريدريك الثاني، وهو هنشتافن، وأرسل له وفداً برئاسة جمال الدين بن واصل، وكانت لا تزال في صقلية آنذاك بعض المدن الإسلامية، ويبدو من هذه التحالفات أن القصد منها عدم دعم الصليبيين وعدم العمل لإرسال حملاتٍ صليبيةٍ جديدةٍ.

كما تحالف السلطان الظاهر بيبرس مع بركة خان أمير التتار في شمال بلاد القفجاق والسهولة الشمالية وهو أول التتار الذين أسلموا من القبيلة الذهبية(1)، وكانت حاضرتها مدينة سراي(2) على نهر الفولغا مكان ستالينغراد اليوم، وتزوج الظاهر بيبرس ابنه بركة خان، وشجّعه للعمل ضد ابن عمه هولاكو، وكانت خصومات بينهما، ويبدو أن القصد من هذا التحالف إنما هو ضد هولاكو.

وتوفي الخليفة الحاكم بأمر الله في مطلع جمادى الآخرة عام 701 وبويع من يعده لابنه سليمان أبي الربيع، ولُقّب بالمستكفي بالله. وكانت مدة خلافة المتوكل على الله أربعين سنة.

___________________

(1) أسسها أباتو بن جوجي بن جنكيزخان، وتسلّم أمرها بركة خان 654 - 665.

(2) سراي : تقع شرق ستالينغراد على الضفة اليسرى لنهر الغولفا.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:08 PM
المستكفي بالله

سليمان بن أحمد الحاكم بأمر الله

(701 - 736 هـ)



هو أبو الربيع سليمان بن أحمد الحاكم بأمر الله، ولد في الخامس عشر من شهر المحرم عام أربعة وثمانين وستمائة، وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في الثامن عشر من جمادى الأولى من عام واحد وسبعمائة، في اليوم الثاني من وفاة أبيه.

وفي عهده فتحت جزيرة أرواد على ساحل بلاد الشام مقابل مدينة انطرطوس (طرطوس اليوم)، وأنقذت من أيدي الصليبيين، وهي آخر مواقعهم في بلاد الشام.

وجاءت الأخبار في شهر رجب بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فاستعد السلطان الناصر محمد بن قلاوون للخروج من مصر والتوجّه إلى الشام لحرب التتار، وفي النصف الثاني من شهر شعبان من العام نفسه (702) بدأت الأمراء تصل من مصر، وبدأت أفواج التتار تتدفق نحو بلاد الشام، وفر الجيش من حلب ومن حماه نحو دمشق، ووصل التتار إلى حمص وبعلبك، والتقى شيخ الإسلام ابن تيمية مع جند حماه الفارين في القطيفة.

وخرجت العساكر الشامية من دمشق في 24 شعبان، وعسكرت بناحية الكسوة، وذلك ليجنبوا مدينة دمشق الخراب والاعتداء على الأطفال والعجزة من الرجال وسبي النساء، ولأن المرج كان كثير المياه يومذاك لا يصلح للقتال. وجاءت الجيوش من مصر والتقت مع أهل الشام بناحية الكسوة، وعلى رأس هذه الجيوش الخليفة المستكفي والسلطان الناصر محمد بن قلاوون، وفي يوم السبت الثاني من شهر رمضان التقت هذه الجيوش مجتمعة في مرج الصُّفُّر، وطُلب من أهل دمشق حماية الأسوار وحفظ الأمن، والتشبُّث بالقلعة.

أما التتار فقد وصلوا إلى قارة ومنها انتقلوا إلى القطيفة، وعندما اقتربوا من دمشق تركوها من يمينهم وتحركوا نحو الكسوة حيث الجيش المملوكي بانتظارهم، ولم يتعرضوا للمدينة أبداً وإنما رغبوا في قتال الجند فقد رأوا أنهم إن أحرزوا النصر فإن المدينة في قبضتهم ويفعلون بها وبأهلها ما يشاءون، وإن هزموا فلا حاجة لهم بالمدينة وليس من الضرورة ترك جنودهم يمرحون في المدينة ويفقدون عزيمة القتال، وربما إذا اتجهوا إلى دمشق تبعهم الجند الذين هم في مرج الصفر وجعلوهم بين نارين نار أهل البلد من الداخل ونار الجند من الخلف.

واحتدمت المعركة بعد ظهر السبت وثبت الخليفة كما ثبت السلطان، وانتهت بهزيمة التتار الذين فروا إلى أعالي التلال، ثم فروا، ورجع الناس من القتال إلى دمشق يوم الاثنين في الرابع من شهر رمضان، وفي اليوم الثاني (الثلاثاء) دخل السلطان دمشق، وعرفت تلك المعركة باسم معركة "شقحب" حيث دار القتال، وهي في الطرف الشمالي من مرج الصُّفَّر، ولا يزال الاسم معروفاً إلى الآن، وتقوم مزرعة اليوم هناك تحمل هذا الاسم.

وسارت حملة إلى بلاد النوبة عام 704، وانتصرت على النوبيين الذين نقضوا العهد مع المسلمين، وبدؤوا في اعتداءاتهم، وكرروا ما قاموا به عام 670 عندما أغار الملك داود ملك النوبة على أسوان، وهذا ما أجبر المسلمين إلى حربهم واحتلال جزءٍ من أرضهم أيام الظاهر بيبرس عام (674)، وعُقدت معاهدة جديدة بين الطرفين.

وفي عام 708 خرج السلطان الناصر محمد بن قلاوون قاصداً الحج فمرّ على الكرك، ونصب له جسر على وادٍ فانكسر به، ولكنه نجا، فأقام بالكرك، واعتزل السلطة، وكتب إلى القضاة بمصر يعلمهم اعتزاله وكذا قضاة الشام، فبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شهر شوال، ولقب بالملك المظفّر، غير أن الناصر محمد رجع يطلب العودة إلى الملك في رجب عام 709، ووافقه جماعة من الأمراء فدخل دمشق في شهر شعبان، وسار بعدها إلى مصر فدخلها في شهر رمضان وفرّ المظفر ركن الدين بيبرس من قلعة الجبل في أواخر شهر رمضان فدخلها الناصر في عيد الفطر، وقُبض على المظفر وقتل، وهكذا عاد الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة للمرة الثالثة.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:08 PM
الواثق بالله

إبراهيم بن محمد أحمد الحاكم بأمر الله

736 -741



هو إبراهيم بن محمد المستمسك بأمر الله بن الحاكم بأمر الله .

كان الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن أبي على الحسن قد عهد بالخلافة لابنه محمد، ولقبه بالمستمسك بأمر الله غير أنه قد مات في حياة أبيه وعطفاً من الجد على ولد ولده فقد عهد إليه بالخلافة ظناً منه أ،ه يصلح لها، ولكنه لم يلبث أن وجده منهمكاً في اللعب، منصرفاً إلى صداقة الأرذال لذا فقد عدل عنه، وعهد إلى ابنه أبي ربيع سليمان الذي تكلمت عنه، وتولى الأمر أبو ربيع سليمان وتلقب باسم المستكفي، غير أن إبراهيم هذا لسوء في طباعه كان يمشي بالنميمة بين عمه المستكفي وبن السلطان الناصر محمد بن قلاوون وهذا ما أدى إلى الوقيعة بين الاثنين بعد أن كانا كالأخوين وقبض السلطان على الخليفة المستكفي ونفاه وأهله إلى قوص، وقد بقي فيها حتى توفي عام 740 وقد عهد قبل وفاته إلى ابنه أحمد.

أما السلطان الناصر أحمد بن قلاوون فمذ نفى الخليفة بايع إبراهيم هذا باسم الواثق بالله، ولم ينظر إلى عهد المستكفي، ولما حضرت الوفاة ندم على ما فعل لان الواثق بالله لم يكن أهلاً للخلافة فأوصى بعزله، ومبايعة أحمد بن سليمان المستكفي وتم ذلك في غرة شهر المحرم من عام اثنين وأربعين وسبعمائة، ولقب أحمد هذا باسم جده الحاكم بأمر الله كما كني بكنيته أبي العباس.

توفي الناصر محمد بن قلاوون في ذي الحجة من عام 741 بعد أن أوصى بخلع الخليفة إبراهيم وبيعة أحمد بن المستكفي.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:11 PM
الحاكم بأمر الله
أحمد بن سليمان المستكفي

(742 - 753 هـ)



هو أحمد بن الخليفة المستكفي سليمان، ويُكنّى بأبي العباس، ويُلقّب بالحاكم بأمر الله على كنية ولقب جده. وقد تولّى الخلافة في مطلع شهر المحرم من عام 742، إذ أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون قد أوصى بذلك، وكان الخليفة المستكفي قد عهد بالخلافة من بعده لابنه أحمد هذا إذ لم يعترف بخلعه وبيعة ابن اخيه إبراهيم.

ولما تولى أمر السلطنة المنصور سيف الدين أبو بكر بن السلطان الناصر عقد مجلساً يوم الخميس الحادي عشر من شهر ذي الحجة سنة 741، وطلب الخليفة إبراهيم وولي عهد المستكفي أحمد والقضاة، وقال : من يستحق الخلافة شرعاً ؟ فقال ابن جماعة : إن الخليفة المستكفي المتوفى بمدينة قوص أوصى من بعده بالخلافة لولده أحمد، وأشهد عليه أربعين عدلاً بمدينة قوص، وثبت ذلك عندي بعد ثبوته عند نائبي بمدينة قوص، فخلع السلطان حينئذٍ إبراهيم، وبايع أحمد، وبايعه القضاة. وكان لقبه "المستنصر" ثم لقب "الحاكم".

ومات الخليفة الحاكم بأمر الله في منتصف عام 753 بمرض الطاعون.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:12 PM
المعتضد بالله

أبو بكر بن سليمان المستكفي

(753 - 763 هـ)



هو أبو بكر بن الخليفة سليمان المستكفي، يُكنّى بأبي الفتح، ويُلقّب بالمعتضد بالله، بويع بالخلافة بعد موت أخيه الحاكم بأمر الله سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وبقي في الخلافة مدة عشر سنوات إذ توفي عام ثلاثة وستين وسبعمائة في شهر جمادى الأولى، وكان خيّراً، متواضعاً، محباً لأهل العلم.

وقد خلع السلطان الصالح صلاح الدين صالح عام 755 وأعيد الناصر حسن، وبقي في السلطنة مدة سبع سنوات ثم قتل عام 762، وأعطي السلطنة ابن أخيه المنصور محمد بن المظفر أمير حاج، ولم تمر عليه سوى سنتين حتى خلع.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:12 PM
المتوكل على الله

محمد بن أبي بكر المعتضد بالله

(763 - 785 هـ)



هو محمد بن أبي بكر المعتضد بالله، يُكنّى بأبي عبدالله، ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد موته في جمادى الأولى من عام 763، واستمرت أيامه مدة اثنتين وعشرين سنة خلع بعدها وتولى الخلافة اثنان من ابناء عمومته، وهما الواثق بالله بن الواثق بالله ابراهيم، وأخوه المستعصم بن الواثق بالله ابراهيم، ثم أعيد المتوكل على الله عام 791 وتولى أمر الخلافة مدة سبعة عشر عاماً أي كانت السنوات التي تولى فيها الخلافة تسعاً وثلاثين سنة.

وقد حدث في عهده خلع المنصور محمد عام 764 وتولية السلطنة إلى ابن عمه الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون. وفي عام 767 استولى الفرنجة ومعهم ملك قبرص على الاسكندرية، وذلك أن الحروب الصليبية لم تنته بطرد الصليبيين من عكا عام 690 والانتهاء منهم من كل بلاد الشام أيام الأشرف صلاح الدين خليل بن المنصور قلاوون، ثم طردهم من جزيرة ارواد عام 702 أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وإنما استمرت الحروب الصليبية لأن كثيراً من الصليبيين قد لجؤوا إلى جزيرة قبرص بعد طردهم من بلاد الشام، واتخذوا هذه الجزيرة مستقراً لهم، وأخذوا يقومون بالإغارة على بلاد المسلمين كلما وجدوا الفرصة سانحةً لهم، وكانت أسرة لوزجنان التي حكمت الجزيرة في تلك الآونة تقوم بهذه المهمة، وقد تولى أمر هذه الأسرة وحكم الجزيرة عام 760 بطرس الأول، وقد زار غربي أوروبا، ودعا البابا وملوك أوروبا لمساعدته للقيام بحربٍ ضد المسلمين، فحصل على بعض التأييد وسار مع من جاءه من الصليبيين واحتلوا الاسكندرية.

وفي عام 778 قتل الأشرف شعبان، وسُلّمت السلطنة إلى ابنه المنصور علي فبقي في أمره حتى توفي عام 783، وتسلّم الأمر من بعده أخوه الصالح حاجي لمدة سنة فخلع بعدها، وأخذ الأمر السلطان الظاهر برقوق، وهو أول المماليك الجراكسة.

أما الخليفة المتوكل فقد أُمر بالخروج إلى مدينة قوص من قبل أمير العساكر أيبك البدري الذي جاء بزكريا بن الخليفة الواثق وأعطاه الخلافة دون بيعة ولا إجماع، فسافر الخليفة إلى قوص ثم رجع إلى بيته وبعد خمسة عشر يوماً عاد إلى الخلافة وازيح زكريا، ولم يستقر في مركز الخلافة سوى خمسة عشر يوماً وذلك في عشرين من شهر ربيع الأول من عام 779.

وفي عام 785 قبض السلطان برقوق على الخليفة المتوكل على الله وسجنه في قلعة الجبل، وخلعه من الخلافة، وبايع الخليفة محمد بن الواثق بالله ابراهيم، ولقّبه بلقب أبيه الواثق بالله، وبقي في الخلافة مدة ثلاث سنوات حيث توفي عام 788، وطلب الناس من السلطان برقوق إعادة المتوكل على الله فلم يقبل، وإنما طلب زكريا أخا الواثق والذي جلس على كرسي الخلافة مدة خمسة عشر يوماً بلا بيعة عام 779، وولاه الخلافة وأُطلق عليه اسم المستعصم بالله، وبقي بالخلافة حتى عام 791 حيث ندم السلطان برقوق على ما فعل، فأخرج المتوكل على الله من السجن، وأعاد إليه الخلافة، وخلع المستعصم بالله الذي لزم بيته حتى مات. واستمر المتوكل على الله في الخلافة حتى عام 808 .

وفي شهر جمادى الآخرة من العام نفسه (791) قُبض على السلطان برقوق، وسُجن في الكرك، وأعيد السلطان الصالح حاجي إلى السلطنة فغيّر لقبه من الصالح إلى المنصور، ولكنه لم يمكث في السلطنة سوى ثمانية أشهر حيث أخرج السلطان الظاهر برقوق من السجن وأعيد إلى السلطنة وخلع المنصور حاجي في شهر صفر من عام 792، وانتهى عهد الأسرة القلاوونية بل انقضى حكم المماليك البحرية وجاء عهد المماليك الجراكسة.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:13 PM
الممَاليك الجَراكِسَة "البرجية"

(792 - 923 هـ)



1- الظاهر برقوق : 9 سنوات 792-801 للمرة الثانية توفي

2- الناصر فرج : 7 سنوات 801-808 ابن برقوق خلع

3- المنصور عبد العزيز : ثلاثة أشهر 808-808 ابن برقوق خلع

أعيد 4- الناصر فرج : 7 سنوات 808-815 للمرة الثانية ابن برقوق قتل

الخليفة خمسة أشهر

5- المؤيد : 9 سنوات 815-824 شيخ الاصطبل توفي

6- المظفر أحمد : عدة أشهر 824-824 ابن المؤيد خلع

7- الظاهر ططر : عدة أشهر 824-824 توفي

8- الصالح محمد : عدة أشهر 824-825 ابن الظاهر ططر خلع

9- الأشرف برسباي : 16سنة 825-841 توفي

10- العزيز يوسف : عدة أشهر 841-842 ابن برسباي خلع

11-الظاهر جقمق : 15 سنة 842-857 توفي

12- المنصور عثمان : أقل من 857-857 ابن الظاهر خلع

شهر ونصف جقمق

13- الأشرف اينال : 7 سنوات 857-865 توفي

14- المؤيد أحمد : أقل من سنة 865-865 ابن الأشرف اينال خلع

15- الظاهر خشقدم : 7 سنوات 865-872 توفي

16- الظاهر بلباي : شهرين 872-872 خلع

17- الظاهر تمربغا : شهرين 872-872 خلع

18- خير بك : ليلة واحدة 872-872 خلع

19- الأشرف قايتباي : 29 سنة 872-901 توفي

20- الناصر محمد : سنة واحدة 901-902 ابن الأشرف قايتباي خلع

21-قانصوه : 902-903 قتل

أعيد22- الناصر محمد : 903-904 للمرة الثانية ابن الأشرف قيتباي قتل

23- الظاهر قانصوه : 904-905 خلع

24- جانبلاط : 905-906 قتل

25- العادل طومان باي : عدة أشهر 906-906 قتل

26- الأشرف قانصوه الغوري : 17 سنة 906-922 قتل

27- طومان باي : أقل من سنة 922-923 قتل



لقد حكم المماليك الجراكسة مصر والشام والحجاز مدة تزيد على إحدى وثلاثين ومائة سنة (792-923)، وتعاقب في هذه المدة أكثر من سبعة وعشرين سلطاناً.

وفي عام 795 دخل تيمورلنك بغداد وهدد المنطقة، فتشكّل حلف من سلطان المماليك الظاهر برقوق، وأمير سيواس، ومغول القفجاق، والعثمانيين ضد تيمورلنك زعيم التتار، وخرج الظاهر برقوق على رأس حملة عام 797 باتجاه بغداد، ومعه أحمد بن أويس صاحب بغداد والذي فرّ منها عند دخول تيمورلنك إليها والتجأ إلى القاهرة، فسار برقوق لإعادته إلى عاصمة ملكة، إلا أنه لم يحدث قتال لأن تيمورلنك كان قد ترك بغداد وعاد إلى الشرف فما كان من الظاهر إلا أن رجع هو الآخر.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:15 PM
المستعين بالله

العباس بن محمد المتوكل على الله

(808 - 815 هـ)



هو العباس بن محمد المتوكل على الله، أبو الفضل، أمه أم ولد تركية اسمها "باي خاتون" بويع بالخلافة بعهد من أبيه، وتولّى، الأمر بعد أن توفي في رجب عام 808.

ولما قتل الناصر فرج عام 815 في أثناء قتاله للمحمودي أضيفت إلى الخليفة السلطنة وذلك في مطلع عام 815 بعد إصرار الأمراء على ذلك، وفوّض الخليفة إلى شيخ تدبير شؤون المملكة، ولقّبه "نظام الملك" ثم سأل شيخ الخليفة أن يفوّض إليه السلطنة فلم يقبل لأن شيخ رفض شرط الخليفة وهو عدم السكن بالقلعة، فأخذ شيخ السلطنة بالقوة وتلقّب باسم "المؤيد" وأعلن خلع الخليفة المستعين، وبايع أخاه داود بن المتوكل على الله.

ولما بلغ نائب الشام "نوروز" بخلع الخليفة جمع القضاة والعلماء وسألهم بما جرى فأجابوا بان هذا الخلع لا يصح، وهذا ما جعل النائب يخلع الطاعة، وأجمع على قتال السلطان المؤيد الذي انتزع السلطنة بالقوة وخلع الخليفة دون ضرورة شرعية. فجمع المؤيد جيشاً وسار إلى الشام لقتاله نائبها، ونقل المستعين إلى الاسكندرية ليسجن هناك، وبقي في السجن حتى عام 824 حيث أخرجه السلطان ططر لكنه فضل بقاء إقامته في الاسكندرية وتوفي عام 833.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:16 PM
المعتضد بالله

داود بن محمد المتوكل على الله

(815 - 845 هـ)



هو داود بن محمد المتوكل على الله، أبو الفتح، أمه أم ولد تركية تدعى "كزل" أعطي الخلافة حين خلع المؤيد أخاه المستعين عام 815.

وفي عهده انطلق السلطان المؤيد إلى الشام لإخضاع نائبها "نوروز" وذلك عام 817، وتمكّن من الانتصار عليه، وبعد تحقيق هدف الحملة تابع إلى أطراف بلاد الشام الشمالية لإعادة تبعية الإمارات التركمانية إلى الدولة المملوكية.

وتوفي السلطان المؤيد عام 824 في شهر المحرم فقلّد السلطنة ابنه أحمد ولُقّب بالمظفر، وأعطي الأمير "ططر" تدبير شؤون المملكة، وبعد مرور سبعة أشهر أي في شهر شعبان قبض "ططر" على السلطان المظفر وخلع، وتسلّم هو مقاليد السلطة، فقلّده الخليفة السلطنة، وتلقّب باسم الظاهر، وكان عمله أن أخرج الخليفة السابق "المستعين بالله" من سجن الاسكندرية، وسمح له بالعودة إلى القاهرة، ولكن المستعين فضل الإقامة في الاسكندرية، وبدأ يعمل في التجارة حتى توفي عام 833.

ولم تمض سوى أربعة أشهر حتى توفي الظاهر ططر في شهر ذي الحجة من العام نفسه (824)، فقلّد الخليفة أمر السلطنة لابن ططر محمد، وقد اختار لنفسه لقب "الصالح"، وجعل شؤون المملكة للأمير "برسباي".

وبعد أربعة أشهر أي من شهر ربيع الثاني من عام 825 خلع الأمير برسباي من السلطنة الصالح ابن ططر، وتسلّم شؤونها، وقلّده الخليفة أمرها، فاتخذ لقب الأشرف.

أرسل الأشرف برسباي حملةً استطلاعيةً إلى جزيرة قبرص وقد اتجهت إلى ميناء "ليماسول" وذلك عام 827 كردٍ على الحملات التي قام بها ملوك تلك الجزيرة على الاسكندرية ودمياط في أثناء اشتداد حملات تيمورلنك على بلاد الشام، فلما تصدعت دولة تيمورلنك بعد وفاته، قام السلطان الأشرف برسباي بهذا الردّ، وفي العام التالي 828 أرسل حملةً ثانيةً وكانت جهتها في هذه المرة إلى مدينة "فاما غوستا"، وقد أحرزت النصر، ومكثت أربعة أيام ثم اتجهت إلى مدينة "ليماسول" وتمكنت من فتحها بعد جهد، ثم رجعت الحملة إلى مصر.

وبعد عام خرجت حملة جديدة سارت نحو "ليماسول" ففتحها، ثم اتجهت نحو الداخل فالتقت بجيشٍ كبيرٍ يقوده ملك قبرص "جانوس" بنفسه فجرت معركة طاحنة بين الفريقين انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً، وأسروا الملك، وحملوه معهم، وساروا نحو نيقوسيا ... ثم رجعوا إلى مصر والملك معهم أسير، وفي القاهرة فدى الملك نفسه ووافق على أن تكون قبرص تابعة لدولة المماليك، وبقيت بعدها كذلك مدة بقاء الدولة المملوكية وبذا انتهى الأثر الصليبي نهائياً إذ بقي في قبرص بعد طرده من بلاد الشام.

كان تيمورلنك قد توفي عام 808 فتصدّعت امبراطوريته الواسعة التي أسسها، وقام بعده أبنه "شاه رخ"، واستطاع أن يستعيد مدينة سمرقند، ورغب أن يُحسّن علاقته مع دولة المماليك فأرسل إلى برسباي عام 832 وفداً يطلب منه السماح له بكسوة الكعبة، وإرسال بعض الكتب إليه ومنها كتب ابن حجر العسقلاني. ولم يعط الأشرف برسباي جواباً، فأعاد "شاه رخ" الطلب في العام نفسه، ولم يحظ بجواب. وفي عام 839 طلب "شاه رخ" السماح له بزيارة القدس، وجدد الطلب في العام التالي (840) ولم يتلق في الطلبين أي ردّ فاتجه عندها "شاه رخ" لتأليف حلف ضد المماليك من العثمانيين وأمراء التركمان.

وبالنسبة إلى إمارات التركمان على أطراف بلاد الشام، فقد أرسل الأشرف برسباي حملةً إلى إمارة "الشاه البيضاء" عام 833 استطاعت تهديم مدينة الرها، وبدأ بعدها النفوذ العثماني يقوي في تلك الإمارات.

أما بالنسبة إلى جزيرة رودوس القريبة من السواحل التركية فقد غدت عام 710 قاعدةً لفرسان الاستبارية، فعندما انسحب الصليبيون من بلاد الشام أو طردوا عام 690 انتقل هؤلاء الفرسان إلى جزيرة قبرص، وقد لعبوا دوراً مهماً في الحرب الصليبية، ثم انتقلوا إلى جزيرة قبرص، وقد لعبوا دوراً مهماً في الحرب الصليبية، ثم انتقلوا إلى جزيرة رودوس إتخذوها قاعدةً لهم، وعندما غزا الأشرف برسباي قبرص، وأخضعها لنفوذ المماليك خشي الاسبتاريون من ذلك، فأسرع فلوفيان أمير الاسبتاريين وأرسل الهدايا للسلطان برسباي الذي كان في نيته غزو رودوس لكن عهده لم يطل إذ توفي في شهر ذي الحجة من عام 841. فقلد الخليفة السلطنة إلى يوسف بن برسباي الذي لُقِّب بالعزيز، وجعل شؤون المملكة إلى الأمير جقمق، وبعد ثلاثة أشهر (ربيع الأول 842) خلع جقمق من السلطنة العزير يوسف بن برسباي، وتسلّم هو أمرها، وتلقّب باسم الظاهر، وقلّده الخليفة. وكان عهد برسباي عهد استقرار، وقوة، وغزو ولكن الحالة الاقتصادية كانت متأخرة.

وفي عام 843 أغارت أربع سفن لقراصنة النصارى على مدينة رشيد على الساحل المصري، فاتجهت الشبهة نحو أمراء الاستباريين في رودوس، فجهز الظاهر جقمق حملةً عام 844 وغزا رودوس، وخاصةً أن السلطان العثماني مراد الثاني قد حرّض الظاهر جقمق للقيام بهذا الغزو، وأسرع أمراء الاستباريين إلى أوروبا يطلبون النجدات الصليبية منها.

وفي عام 845 توفي الخليفة المعتضد بالله داود، وكان من سروات الخلفاء، نبيلاً، ذكياً، فطناً، يجالس العلماء والفضلاء ويستفيد منهم، ويشاركهم فيما هم فيه، جواداً، سمحاً للغاية.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:17 PM
المستكفي بالله

سليمان بن محمد المتوكل على الله

(845 - 854 هـ)



هو سليمان بن محمد المتوكل على الله، أبو الربيع، بويع بالخلافة بعهد من شقيقه المعتضد بالله. وكان الظاهر جقمق يعرف حق المستكفي بالله.

وفي عهده سمح الظاهر جقمق لملك التتار "شاه رخ" بكسوة الكعبة عام 847 ثم عاد فنزعها لأن المسلمين وخاصة العوام منهم لم يقبلوا ذلك، وكذلك بعض المماليك لما في تاريخ التتار من سوء وقتال للمسلمين وتهديم لديارهم وهتك أعراضهم، ولم ينس بعد ذلك التاريخ.

وغزا الظاهر جقمق جزيرة رودوس مرتين أيضاً في عهد المستكفي مرةً سنة 847، ومرةً في العام الذي تلا (848)، هذا بالإضافة إلى الغزوة التي تمت في عهد المعتضد عام 844 ولكنه لم يوفق في فتحها وذلك بسبب الدعم الصليبي لهذه الجزيرة بعد استنجاد أمرائها بالبابا وملوك أوروبا.

وثار على الظاهر جقمق أتابك مصر قرقماس الشعباني، ونائب الشام، وقام العبيد بفتنة في منطقة الجيزة، غير أنه تمكّن من القضاء عليها جميعها.

وتوفي الخليفة يوم الجمعة الثالث من شهر ذي الحجة عام 854، وتولّى بعده أخوه القائم بأمر الله.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:17 PM
القائم بأمر الله

حمزة بن محمد المتوكل على الله

(854 - 859)



هو حمزة بن محمد المتوكل على الله، أبو البقاء، القائم بأمر الله، بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الذي لم يعهد بالخلافة إلى أحد من بعده، وهو شقيق المستعين بن المتوكل على الله.

كان شهماً صارماً، أقام أبهة الخلافة مدة حكمه.

توفي الظاهر جقمق في مطلع عام 857، فقلد الخليفة ابنه "عثمان" أمر السلطنة، وحمل لقب المنصور، وكان مدبر شؤون الدولة الأمير "اينال"، وبعد شهر ونصف من تسلّم المنصور السلطنة خلعه الأمير "اينال" وتسلّم مكانه، فما كان من الخليفة إلا أن قلّد "اينال" السلطنة في شهر ربيع الأول من عام 857، وأخذ لقب "الأشرف".

اختلف السلطان "اينال" مع الخليفة "القائم بأمر الله" فقبض السلطان على الخليفة في شهر جمادي الأولى وسجنه في الاسكندرية وبقي فيها حتى مات عام 863، ودفن هناك. ثم بايع السلطان أخا الخليفة الآخر وهو المستنجد بالله.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:18 PM
المستنجد بالله

يوسف بن محمد المتوكل على الله

(889 - 884 هـ)



هو يوسف بن محمد المتوكل على الله، أبو المحاسن، المستنجد بالله، وهو الخليفة الخامس من أبناء المتوكل على الله، ولي أمر الخلافة بعد خلع أخيه القائم بأمر الله.

كان السلطان هو الأشرف اينال إلا أن الاضطرابات قد استمرت عليه طيلة حكمه، وقد توفي عام 865، فقلّد الخليفة من بعده ابنه احمد والذي أخذ لقب "المؤيد"، ولم تمض مدة حتى وثب على المؤيد الأمير خشقدم وخلعه واستبد بالأمر، فقلّده اسم السلطنة في شهر رمضان من العام نفسه، وأخذ لقب الظاهر سيف الدين خشقدم.

استمر السلطان الظاهر خشقدم في السلطنة مدة سبع سنوات وتوفي في شهر ربيع الأول من عام 872، فقلّد الخليفة الأمير "بلباي" الذي أخذ لقب سلفه الظاهر سيف الدين، ولكن لم يلبث سوى شهرين حتى وثب عليه الجند وخلعوه، فقلد الخليفة الأمير "تمربغا" فحمل لقب "الظاهر" أيضاً، وبعد شهرين من تسلّمه السلطنة وثب عليه الجند أيضاً وخلعوه. وأعطيت السلطنة للأمير خير بك مساءً وفي الصباح خلعه الجند. ثم تقلدّ السلطنة الأمير "قايتباي" فأخذ لقب الأشرف فاستقر له الأمر مدة تسعة وعشرين عاماً، وأخذ الأمور بحزم فدانت له، ونتيجة الاستقرار الذي عمّ أيامه فقد انصرف إلى انشاء الطرق، والجسور، والمدارس، والمساجد، كما انصرف إلى الشؤون الخارجية فقد أرسل عدة حملات ضد إمارة (ذو القادر) التركمانية التي تقع على أطراف بلاد الشام بين البلاد التي تدين للعثمانيين والبلاد التي تخضع للمماليك فقد أرسل حملة عام 876 ضد (شاه سوار) زعيم هذه الإمارة، كان السلطان العثماني محمد الفاتح يدعم أمير التركمان هذا ويؤيده، واستطاعت هذه الحملة أن تستولي على "عينتاب" و "أضنه" و "طرسوس"، وأن تأسر (شاه سوار) نفسه وحمل إلى القاهرة، وقد شنق على باب زويله عام 877. وكان قائد الحملة الأمير "يشبك"، قد عيّن الأمير "بوداق" أميراً على دولة (ذو القادر) وهو من الذين يعتمد عليه المماليك ويؤيدونه.

وفي عام 877 قاد الأمير يشبك أيضاً حملة ضد الدولة التركمانية الثانية (الشاه البيضاء) التي كان أميرها آنذاك حسن الطويل وكان قد أغار على ضواحي حلب، وقد تمكن الأمير يشبك من احراز النصر في معركة البيرة على نهر الفرات. وتوفي الأمير حسن الطويل عام 883، وخلفه ابنه يعقوب أمير الرها.

وفي عام 884 توفي الخليفة المستنجد بالله في الرابع عشر من شهر المحرم، بعد أن أصابه الفالج وبقي مريضاً بسببه مدة شهرين، وخلفه ابن أخيه عبد العزيز بن يعقوب.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:19 PM
المتوكل على الله "الثاني"

عبد العزيز بن يعقوب

(884 - 893 هـ)



هو عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل، أبو العز، المتوكل على الله. ولد سنة تسع عشرة وثمانمائة، وأمه تدعى "حاج ملك" بنت أحد الجنود. كان محبوباً بين الخاصة والعامة لما امتاز به من أدبٍ وأخلاقٍ وتواضعٍ، وبشاشة لكل واحد.

تولى خمسة من أبناء المتوكل على الله محمد الخلافة، ولم يليها ابنه السادس يعقوب والد هذا الخليفة، ولما مرض عمه بالفالج، وطال مرضه عهد إليه بالخلافة من بعده، فلما توفي المستنجد بويع بها في يوم الاثنين السادس عشر من شهر محرم من عام 884.

وفي عام 885 قاد الأمير "يشبك" حملة إلى جهات التركمان، فالتقى مع أمير دولة (الشاه البيضاء) فهُزم المماليك، وأُسر "يشبك" وقُتل على شاطئ نهر الفرات. ثم عقد السلطان "قايتباي" صلحاً مع إمارة (الشاه البيضاء).

وتوفي الخليفة عام 893، وعهد لابنه المستمسك بالله.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:20 PM
المستمسك بالله

يعقوب بن عبد العزيز المتوكل على الله

(893 - 914 هـ)



هو يعقوب بن عبد العزيز المتوكل على الله، بويع بالخلافة بعهد من أبيه عام 893، وفي عهده توفي الأشرف قايتباي عام 901 وكان قد تنازل لابنه محمد قبل موته بيوم واحد، فقلّد ابنه محمد السلطنة، فتقلّب باسم الناصر، غير أنه لم يلبث أن عزل بعد عدة أشهر إذ كان صغيراً لم يزد عمره على الأربع سنوات، فقلّد الخليفة الأمير قانصوه، غير أن الجند قد وثبوا عليه وقتلوه بعد مرور سنة على تسلمه السلطنة، وأعيد الناصر محمد بن قايتباي ثم لم يلبث أن قتل بعد أشهر من إعطائه السلطنة، وقام الظاهر قانصوه خال السلطان قانصوه الذي قتل قبل إعادة الناصر محمد بن قايتباي، لكنه عزل بعد اشهر أيضاً، وقام بأمور الدولة الأمير "جان بلاط" فقلّده الخليفة وأخذ لقب الأشرف.

أعلن نائب الشام الأمير "قوصروه" العصيان فأرسل له الأشرف "جان بلاط" حملة بقيادة الأمير "طومان باي" ومعه الأمير "قانصوه الغوري"، ولما وصل "طومان باي" إلى الشام اتفق مع الأمير "قوصروه" على الغدر بالأشرف "جان بلاط" والسير إلى مصر معاً، وقتال "جان بلاط"، وتعيين "طومان باي" سلطاناً، وزحفوا فعلاً على مصر، وقبضوا على "جان بلاط"، وخنقوه بالاسكندرية، وأعلنوا تعيين "طومان باي" سلطاناً باسم الملك العادل، كما عينوا الأمير "قوصره" أتباكاً للجند. لكن العادل "طومان باي" لم يلبث أن غدر بصديقه "قوصروه" وقتله. وبدأت مرحلة من الظلم، فنفر الجند من العادل وبدؤوا يتآمرون عليه فهرب واختفى عن الأنظار.

اتجهت الأنظار إلى الأمير "قانصوه الغوري" لتعيينه سلطاناً، فهو كبير السن إذ يقال : إنه من مواليد 850، وكان مملوكاً للأشرف قايتباي ثم اعتقه بعد أن أظهر شجاعةً فائقةً، وجعله من خاصة أتباعه، وعيّنه عام 886 حاكماً للوجه القبلي، ونائباً على طرسوس، وحاجب الحجاب في حلب عام 894، فلما عرضت عليه الإمارة رفض ذلك وبكى، إذ لاحظ ما آل إليه أمر المماليك وقتل بعضهم لبعض، غير أنهم أصروا على تعينه فاشترط دعمه وعدم التآمر عليه فوافقوا على ذلك. وقلّده الخليفة السلطنة في شوال عام 906، وكان قد قارب الستين من العمر، وتلقّب باسم الأشرف، وكانت كنيته أبا النصر.

تابع الأشرف قانصوه الغوري السلطان العادل طومان باي حتى قبض عليه حيلة?ً وقتله، وعين في الدولة المراء الذين يثق بهم، وحصّن الاسكندرية ورشيد، وأصلح القلعة، وحفر الترع، وأكثر من المماليك واعتنى بهم. ووطد الأمن والاستقرار.

وفي عهده أغار الاسبتاريون من رودوس على مصر عام 914، فردّهم.

ووصل البرتغاليون الصليبيون إلى سواحل بلاد العرب، ودخلوا إلى البحر الأحمر، فجهز السلطان الأشرف قانصوه الغوري حملةً جعل قيادتها لحسين الكردي وسلّمه نيابة جده، فأبحرت من السويس عام 911، واستطاعت أن تهزم البترغاليين على الشواطئ الهندية عام 914، وأن تغنم غنائم كثيرة.

وفي عام 914 شعر الخليفة بالتعب فتنازل لابنه محمد، وبقي حتى دخل العثمانيون مصر عام 923، وقد نقل ابنه إلى حاضرة العثمانيين. أما هو فلم ينقل لكبر سنه، وبقي حتى توفي عام 927.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:23 PM
المتوكل على الله "الثالث"

محمد بن يعقوب المستمسك بالله

(914 - 923 هـ)



هو محمد بن يعقوب المستمسك بالله، تنازل له أبوه عن الخلافة عام 914، وبقي حتى تنازل للسلطان العثماني سليم الأول، وبذا يكون آخر خلفاء بني العباس، وانتقل إلى استانبول مع السلطان العثماني بناءً على رأي الخليفة الجديد سليم الأول، وبعد مدة سمح له بالعودة إلى مصر، وبقي فيها حتى توفي عام 950.

وفي عهد الخليفة المتوكل على الله "الثالث"، كان السلطان المملوكي الأشرف قانصوه الغوري. وقد حدث أن أغار الصليبيون الاسبتاريون على مصر عام 915 ولكنهم هزموا، وأعادوا الغارة عام 916، وقتلوا "محمد بيك"، فكان لذلك الأثر الكبير على نفسية الغوري حتى أنه قبض على رهبان كنيسة القيامة في القدس ووبخهم. وفي عام 917 أغاروا على سواحل البرلس فداهمه حامد المغربي، وهزمهم، وأسر مائتين منهم وساقهم إلى القاهرة.

أما بالنسبة إلى البرتغاليين فقد هزم الاسطول المملوكي في معركة "ديو" قرب السواحل الهندية بعد الانتصار الذي أحرزه في العام السابق 914، وعاد حسين الكردي إلى مصر بعد غياب سبع سنوات فوصل إلى السويس عام 918، واستطاع البرتغاليون الاستيلاء على شبه جزيرة كوجرات في الهند، ودخلوا إلى البحر الأحمر، وحاصروا ميناء سواكن. فأبحرت حملة من السويس بقيادة حسين الكردي أيضاً عام 921، وفيها سلمان العثماني معاوناً لحسين الكردي وفي رجب من عام 922 اختلف سلمان العثماني وحسين الكردي فقتل الأول الثاني منهما. وفي هذه الأثناء بدأ العثمانيون يتحركون في الشمال.

أما بالنسبة إلى الدولة الصفوية التي قامت في تبريز في اذربيجان فقد كانت علاقتها سيئة مع المماليك إذ قامت على فكر شيعي معاد للإسلام من أهل السنة الأقل، وقد استطاع اسماعيل شاه الصفوي عام 916 أن يدخل بغداد، ويخلصها من ملكها مراد خان بن يعقوب بن حسن الطويل التركماني، ففر مراد خان والتجأ إلى مصر.

وفي العام نفسه (916) أرسل اسماعيل الصفوي رسلاً من قبله إلى بعض ملوك الفرنجة يحرّضهم على غزو مصر، وقتال الغوري، وخاصة أن صلةً كانت بين الصفويين والبرتغاليين والمماليك يومذاك ألد أعداء البرتغاليين، وهم الذين وقفوا في وجههم ودخلوا معهم في حروب طاحنةٍ. وأراد البرتغاليون يومذاك الإفادة من الخلاف القائم بين الصفويين لتشيّعهم وبقية المسلمين في المنطقة، وقد وجدوا ضالتهم في الصفويين الذين استجابوا لهذه الرغبة وعملوا على التحرك باتجاه الغرب.

وفي العام نفسه (916) انتصر الصفويون على التتار وقتلوا ملكهم "أوزبك خان" وابنه، وفي سبيل تهديد المماليك أرسل الشاه اسماعيل الصفوي رأس "اوزبك خان" ورأس ابنه ضمن علبة إلى السلطان الأشرف قانصوه الغوري، وبدأ الصفويون يتحركون نحو الغرب، ووصلت طلائع جيوشهم عام 918 إلى "البيرة" على نهر الفرات، شمال بلاد الشام (ضمن الحدود التركية اليوم)، ومع أن القتال أو الحرب الباردة التي كانت دائرةً يومذاك كانت فكريةً بل دينيةً سواء أكانت من ناحية البرتغاليين أم من ناحية الشيعة أصدقاء أو حلفاء البرتغاليين فإن سادة مصر يومذاك لم يحسنوا التصرف وخاصة السلطان الأشرف قانصوه الغوري سيد الموقف في مصر والشام إذ أراد الوقوف على الحياد فكانت النتيجة أن قضي عليه ودالت دولته، وزالت الخلافة العباسية من مصر، وانتقلت أنظار المسلمين من القاهرة إلى استانبول التي أصبحت مركز الخلافة وحاضرة المسلمين وبذا فقد ورثت القاهرة.

وأما بالنسبة إلى الدولة العثمانية فقد كانت العلاقة حسنة بينها وبين دولة المماليك في مصر والشام، وقد ازينت القاهرة عام 857 بأمر من السلطان اينال بمناسبة فتح العثمانيين للقسطنطينية، وكانت القاهرة ترسل وفداً إلى استانبول بعد كل نصر أو عند تولية سلطان. وتعكرت العلاقات بين الدولتين عام 865 عندما وصل السلطان الظاهر سيف الدين خشقدم إلى السلطنة، وفي عام 869 مات أميرا دولتي (ذو القادر) و (قرمان) التركمانيتين فعيّن العثمانيون عليهما أميرين من غير أنصار المماليك. ومع هذا الخلاف الذي بدأ يظهر بين العثمانيين والمماليك فقد فرّ إلى القاهرة الأمير "جم" أخو السلطان العثماني بايزيد الثاني، وفي الوقت نفسه فقد آوت استانبول بعض الأمراء الفارين من مصر والشام.

لقد أرسل السلطان قايتباي حملة ضد إمارة (ذو القادر) عام 876 استطاعت أن تستولي على هذه الإمارة، وأن تأسر أميرها (شاه سوار)، الذي نقل إلى القاهرة حيث أعدم على باب زويلة، وأن تعيّن الأمير بوداق مكانه وهو من الذين يناصرون المماليك. وفي العام التالي انتصر المماليك على حسن الطويل أمير دولة (الشاه البيضاء) في معركة البيرة على نهر الفرات.

لقد ثار ابن (شاه سوار) على عمه (علي دولات) الذي يؤيده المماليك، ودعم السلطان سليم العثماني ابن (شاه سوار) وهاجم علي دولات وهذا ما وطد الصلة بين المماليك وعلي دولات. وعندما دخل الصفويون بغداد فرّ ملكها من التركمان إلى القاهرة مقر دولة المماليك رغم أن جده حسن الطويل كان قد قاتل المماليك.

لقد اثارت تصرفات الصفويين السلطان سليم الأل العثماني فآثر ترك أوروبا والتوجه نحو الصفويين لقتالهم. ويمكن أن أقول : إن أوروبا كانت تدعم الاسبان والبرتغاليين منذ مدة حتى استطاعوا طرد المسلمين من الأندلس عام 497 وبقيت تدعمهم بعد ذلك، وعندما قام العثمانيون يقاتلون الأوروبيين ويتقدمون من جهة الشرق رأت أوروبا الوقوف في وجه العثمانيين بقوة وقطع المساعدة عن الاسبان والبرتغاليين الذين يقاتلون المسلمين في الأندلس، وعندما وصل البرتغاليون إلى جنوب بلاد العرب ودخلوا الخليج العربي رأوا أن يحركوا الصفويين ضد العثمانيين من الشرق ليخفّ ضغط العثمانيين في أوروبا. فلما اشتد ضغط الصفويين على الشرق العثماني، وتحريض ملوك أوروبا ضد المماليك، ومحاولة نشر الشيعة فضّل السلطان العثماني ترك أوروبا والتوجه نحو الشرق لتاديب الصفويين. واعتقد أن المماليك سيكونون عوناً له في مهمته هذه لأن العثمانيين يقاتلون الصفويين الشيعة أعداء العثمانيين والمماليك معاً. وأن العثمانيين إنما يقاتلون الأوروبيين النصارى الذين يدعمون البرتغاليين الذين يقاتلون المسلمين في الغرب ويريدون دخول البحر الأحمر وتهديد المدينة المنورة ونبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يتسلموا القدس. والمماليك يقاتلون البرتغاليين ويدافعون عن بلاد المسلمين فالمصلحة الإسلامية العثمانية والمملوكية واحدة، غير أن العثمانيين عندما عرضوا مشروعهم لقتال الصفويين على المماليك، وقف المماليك على الحياد حسب رأيهم إلا ان الحياد ذاك معناه تقوية الخصوم وهم الصفويون بل والبرتغاليون الذين وراءهم وحلفاؤهم وعندما رأى العثمانيون هزيمة المماليك أمام البرتغاليين كان عليهم أن يقوموا بواجبهم فيقفوا أمام البرتغاليين ولكن المماليك لم يسمحوا لهم بدخول بلادهم للوقوف في وجه البرتغاليين، فأضمر السلطان سليم في نفسه رغبته بالقضاء على المماليك إذ استطاع احراز النصر على الصفويين.

تحرك السلطان سليم العثماني من أوروبا واتجه نحو الشرق لقتال الصفويين غير أن علي دولات أمير دولة (ذو القادر) قد تصدّى لطلائعع الجيش العثماني، ولما كان هذا الأمير من أنصار المماليك لذا اقتنع السلطان العثماني بأن هذا العمل إن هو إلا من تحريض المماليك، فما كان من السلطان العثماني إلا أن داهم التركمان وقتل علي دولات وولي مكانه ابن (شاه سوار)، وتابع نحو الصفويين فانتصر عليهم ودخل عاصمتهم مدينة تبريز عام 920 بعد معركة (جالديران) المشهورة، وبعد هذا النصر بدأ يستعد لقتال المماليك، ولقد ضم السلطان العثماني إليه الجزيرة وإمارة (ذو القادر) إلى الدولة العثمانية عام 921، وبدأ يتصل بنواب المماليك في بلاد الشام.

أحسّ السلطان الغوري بمشروع السلطان سليم فجهّز حملةً وقادها بنفسه وانطلق إلى بلاد الشام، وتوجه شمالاً، وانطلق من حلب إلى مرج دابق في الشمال الغربي من حلب حيث التقى مع السلطان سليم، ورتب السلطان الغوري جيشه فكان في القلب وعلى ميمنته نائب دمشق جان بردي الغزالي وعلى ميسرته نائب حلب خايربيك، وتقدّم للقتال، وأحرز النصر في الجولة الأولى، وحمل العثمانيون ثانيةً، وانضم إليهم نائب حلب خايربيك وبعض الأمراء فنالوا النصر، وقتل الغوري في ميدان المعركة، وتقدم العثمانيون فدخلوا حلب وبقية مدن بلاد الشام دون مقاومة بل أحياناً كثيرة كانوا يستقبلون استقبالاً حاراً حيث ينظر إليهم نظرة احترام على أنهم توغلوا في أوروبا، وضربوا الدولة الصفوية الشيعية، ويرغبون منازلة البرتغاليين الذين يهددون المسلمين بل مقدسات المسلمين أيضاً، وربما كانت هذه من دعايات العثمانيين التي روّجوها وأطلقها أنصارهم لأننا لا نستطيع أن نعد الشعب كان يومذاك يعرف هذه الحقائق، ويدركها تماماً وإن كانت صحيحة، وتابع السلطان سليم العثماني تقدمه حتى مصر فوقف في وجه نائب السلطان الغوري الأشرف طومان باي، وجرت معركة بين الطرفين على أبواب القاهرة هي معركة الريدانية التي قتل بها الأشرف طومان باي ودخل إثرها السلطان سليم القاهرة فبايعه أهلها، وتنازل له آخر خليفة عباسي وهو المتوكل على الله، كما جاء إليه أشرف الحجاز فبايعوه فتسمى باسم خليفة المسلمين وخادم الحرمين الشريفين، وعاد بعدها إلى حاضرة ملكة استانبول بعد أن أخذ معه الخليفة العباسي المتوكل على الله، والصناع المهرة، والتجار. بينما ترك والد الخليفة في القاهرة نتيجة كبر سنة، وفقد بصر. وبذا زالت دولة المماليك، وانتهت الخلافة العباسية من مصر بعد أن دامت 264 سنة (659-923)، وكانت قد انقضت أيامها من بغداد قبل ذلك بأربع سنوات. وهكذا انطوت صفحة من تاريخ الخلافة في القاهرة لتفتح صفحة جديدة من تاريخ الخلافة في استانبول.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:26 PM
منشأ آل عثمان وظهور دولتهم

ظهور آل عثمان.

اعلم أنه لما أغار جنكيز خان سلطان المغول سنة هـ م على بلاد آسيا الغربية آتياً من الشمال خرج سليمان شاه بن قيا ألب من سبط قايي خان وكان نازلا في أواسط آسيا بصحراء ماهان بجهات مرومها جرامع نحو 50 ألفاً من قبيلته وماز زالوا يسيرون يتخيرون المنازل والأعشاب حتى استقروا بجهات أذربيجان وبعد أن أقاموا تلك الجهات نحو ست سنوات هاجم السلاجقة خراسان وخوارزم وفتحوهما فقفل سليمان شاه راجعاً إلى وطنه ولما وصلوا إلى نهر الفرات وأرادوا عبوره غرق سليمان شاه بالنهر المذكور قضاء وقدراً هـ م فأخرجوه ودفنوههـناك عند قلعة جعبر ولا يزال قبره يوجد للآن ويدعى (ترك مزارى) .

وكان لسليمان شاه المذكور أربعة أولاد وهم سنقور زنكي وكون طوغدي وأرطغرل وكوندوز وقع بينهم الاختلاف في الرحلة أو المقام بعد موت والدهم فمنهم من اختار متابعة المسير إلى بلاده ومنهم من فضل البقاء مع أرطغرل الذي قصد بلاد الأناضول مع أربعمائة بيت من قومه منهم نحو 440 فارساً فساروا حتى نزلوا غرباً بجهة سرمهلووياسين وضربوا بها خيامهم ولما كانت تلك الجهات غير موافقة لسكناهم بالمرة أرسل أرطغرل سنة 630 هـ ولده صاروباتي بك إلى سلطان الروم علاء الدين السلجوقي يطلب منه الحماية ويستعطفه في أن يمنح عشيرته بعض الأراضي الخصبة فدله السلطان جناح الرأفة وأقطعهم أراضي قرهجهطاغ قرب أنقرة وكان بها ما يلزمهم من الدفء شتاء والمراعي صيفاً فأقاموا هناك قريري العين.

وبينما كان أرطغرل يرود بعض الجهات يوماً مع فرسان من قبيلته إذ صادفوا جيشين في حومة الميدان يستعدان للقتال وكان أحدهما أقل عدداً من الآخر فانضم أرطغرل بقومه إلى الجانب الضعيف لأنه كان يميل دائماً لمساعدة الضعفاء ويقال إنه وجدهما يتقاتلان وكان أقلهما عدداً أشرف على الهرب فحركته حينئذ الغيرة على الضعيف فانضم إليه مساعداً له وكان أحد هذين الجيشين وهو الضعيف للسلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو السلجوقي، والثاني لهولاكوخان من أعقاب جنكيز خان ملك المغول، فلما قامت الحرب بينهما ويسّر الله الظفر للسلجوقيين بمساعدة أرطغرل وعشيرته وانقضى القتال وعلم السلطان السلجوقي بذلك استدعى إليه أرطغرل رئيس أولئك الغرباء وبعد أن وقف منه على حالته وحالة عشيرته أظهر له عظيم ارتياحه ومزيد شكره وخلع عليه وعلى أخيه وأقطعهم الأراضي الواقعة بجهتي طومانيج واسكيشهر 663 هـ 264م .

وبعد ذلك أخذ أرطغرل في مساعدة علاء الدين السلجوقي في أكثر وقائعه الحربية ضد المغول ودولة بوزنطية فكان له أثر مشهور ولهذا زاد السلطان علاء الدين في الاقطاعات لأرطغرل وتنازل له عن قطعة من بلاده الأصلية وقطعة مما فتحه من دولة القسطنطينية وهي الجهة المسماة الآن سلطانية أو (صيراجق) من ولاية قونية فكانت تلك الأراضي بما فيها جهة سكود مهّد الدولة العثمانية، ولما وقعت الحرب بعد ذلك بين السلطان علاء الدين والمغول لتعرضهم لبلاده فوض أمر المحافظة على قلعة كوتاهية التي استولى عليها المغول للأمير أرطغرل فاستردها بعد قتال شديد فَعَلتْ منزلة أرطغرل عند السلطان علاء الدين ولم يزل أرطغرل يقارع أعداء علاء الدين مؤيداً منصوراً حتى توفي سنة680هـ بسكود وسنّه يتجاوز 90 سنة.

ولما بلغ السلطان علاء الدين خبر وفاته جزع لذلك جدّاً وعين ولده الغازي عثمان مكانه ولما رآه السلطان علاء الدين من حزمه واجتهاده واتباعه خطة أبيه في الغزو والجهاد مدّة بالإعانة والإمداد وأرسل إليه شارات السلاجقة وهي الراية البيضاء والخلعة والطبل وكتاباً تركي العبارة معلناً باستقلال عثمان بك وبأن يكون له فيما بعد كل ما فتحه من الأراضي 688 هـ ولما ضرب الطبل بين يدي الأمير عثمان نهض قائماً على قدميه تعظيماً للسلطان علاء الدين وقد جرت العادة بعد ذلك بأن يقوم السلطان عند سماعه الطبلة تعظيماً وتذكاراً ولقبه علاء الدين بلقب بك وسمح له بأن يضرب السكة باسمه وبذكر اسمه على المنابر بعد ذكر السلطان.

ولقد كانت عوامل الفساد والضعف دبت إذ ذاك في جسم المملكة الرومية وكانت أحوال ولاياتها غير منتظمة فكان كل حاكم من حكامها المسمى بالتكفور يستبد في ولايته حسب رغبته ومشتهاه ولما شاهد الغازي عثمان ذلك أخذ في التضريب بينهم وإلقاء بذور العداوة والشحناء بين مجموعهم لأن الحرب خدعة ولما تمكن من مراده أخذ في الاستيلاء على ولاياتهم حتى أن حاكم (خرمن قيا) المدعو كوسه ميخال وأمثاله من المتفقين شرعوا في إلقاء المفاسد بين الحكام وكوسه ميخال هذا هو الذي أطلع الغازي عثمان على ما دبره له بقية الحكام من الايقاع به لما بينهما من الصداقة في يوم عرس حصل عند بعضهم وقد تدارك الأمير عثمان هذا الخطر بحيلة حربية.

وبينما كان كوكب العثمانيين في صعود وأمرهم في ارتقاء إذ أغار غازان خان سنة 699هـ على مدينة قونية وأزال دولة السلاجقة.



السلطان الغازي عثمان خان (699-726) هـ:

لما أعلن السلطان عثمان الغازي استقلاله أتاه كثير من علماء وأعيان وأمراء الدولة السلجوقية المنقرضة ودخلوا تحت حمايته واستمر يجاهد بعد الاستقلال نحو سبع سنوات واستولى من دولة الروم على كثير من الجهات ولما رأى من نفسه عدم القدرة على تحمل مشاق الأسفار لتقدمه في السن نصب ابنه أورخان بك قائداً للجنود وكان القسم الذي خص الأمير الغازي عثمان يتركب من جزء من إقليم بروسه ومن كافة البلاد الواقعة حوالي جبل أولمبة بالأناضول ولاذ أيضاً كثير من أعيان الروم بعدالة الغازي عثمان معترفين بسيادته وبذلك تأسست الدولة العلية العثمانية في التاريخ المذكور وقت الحادثة المذكورة وكانت في مبدأ أمرها حكومة صغيرة كما علمت، ثم أخذت تنمو شيئاً فشيئاً بمساعي هذا السلطان وشجاعته وعدالته حتى صارت قبلة الإسلام ونقطة آمال الموحدين ولما كانت هذه المملكة الصغيرة متاخمة لمملكة القسطنطينية الآخذة في الاضمحلال كانت الحروب لا تنقطع تقريباً بين البلدين فكانت هذه المملكة الحديثة العهد الممتلئة قوّة وحماساً تريد محو جارتها الهرمة التي كان يعز عليها أن ترى مملكة صغيرة حديثة النشأة تخالفها في المعتقد والعوائد تجاريها في مضمار الفتوحات.

ثم إن السلطان عثمان وجه التفاته لتوسيع دائرة أملاكه فحاصر مدينة كبري حصار عدّة مرات حتى اضطر عاملها للتسليم، ثم حاصر قلعة أزنيق الشهيرة وأنشأ في جانب قلعتها على الجبل من جهة يكيشهر القلعة المسماة سردار طارطغان وفي أثناء ذلك اتفق عامل بروسه مع حكام أطره نوس أوادربانوس وكستل وكته على مهاجمة مدينة يكيشهر مقام العثمانيين فقابلهم السلطان عثمان على رأس جيشه بجوار قلعة قيون حصار وهزمهم ثم اقتفى أثرهم حتى المكان المدعو ديمبوز وأوقع بهم فيه وقتل في هذه الواقعة أمير مدينة كستل وآي طوغدي ابن أخي السلطان ثم أركن أمير أطره نوس وبروسه إلى الفرار أما تكفوركته فإنه بعد التجائه إلى تكفور مدينة أولوباد أصر السلطان الغازي عثمان على تسليمه إليه فامتثل أمير أولو باد للأمر.

وفي سنة717 هـ شيد السلطان عثمان بالقرب من مدينة بروسه على مسافة ربع ساعة منها عند ينبوع الماء المعدني الحار قلعتين جعل في إحداهما ابن أخيه آق تيمور وفي الأخرى البطل بلبانحبق أحد مماليكه وبعد أن تمكن من حصار بروسه بهذه الكيفية وأسلم القائد كوسه ميخال الشهير ترك ولده السلطان أورخان وكوسه ميخال وصالتق ألب للمحافظة على البلاد وأنزلهم بقلعة قره حصار ثم سار هو بنفسه يقصد قلعة لبلبنجي ولفكه جادرلق فاستولى عليها بلا حرب وأخضع بعد ذلك يكيجه حصار وآق حصار وتكفور بكاري بلا حرب أيضاً وضم الجميع لأملاكه ثم أرسل الغازي أورخان والغازي عبد الرحمن وغيرهما إلى قلعة قره جيش الشهيرة وبعد حصارها أسروا حاكمها واستولوا عليها مع الجهات المجاورة لها ثم استمرت الفتوحات واستولى على مدينة طوز بازاري بعد أن أخضع قلعة قره تكبه ثم أن فرقة أقجه قوجه فتحت جملة جهات في أطراف أزميد ولهذا السبب كان يطلق على سنجق أزميد في ذلك الوقت قوجه ايلي وفي خلال ذلك فتح الغازي عبد الرحمن مدينة أزنيق.

ولما عزم السلطان عثمان الغازي على فتح بروسه أنشأ لذلك قلعتين حولها كما سبق وعين لهذه المهمة الغازي أورخان 726هـ وبعد خروجه من مدينة يكيشهر مر بأطره نوس ولما تقابل مع حاكمها أراد القبض عليه ففر من وجهه إلى أن وقع من صخرة فمات وأرسل الغازي أورخان خبر ذلك إلى السلطان مع كوسه ميخال وبذلك أمكن الاستيلاء على مدينة بروسه بلا كبير مشقة وفي أثناء تلك الفتوحات المتعاقبة بلغ الغازي أورخان مرض والده فسافر إليه مسرعاً ولما صار بين يديه نصحه بنصائح عظيمة منها حسن المحافظة على الرعية وسياستهم بالعدل والإنصاف.

وفاته:

ثم توفي يوم 17رمضان سنة 726هـ وكان سنه 70سنة ونقلت جثته من داخل قلعة بروسه إلى تربته المخصوصة وكانت ولادة هذا السلطان بمدينة يكيشهر سنة 656 هـ ومدّة سلطنته 20 سنة ولم يقع بينه وبين دولة من الدول الأجنبية حروب خلاف دولة القسطنطينية أو بينه وبين الأمراء التابعين لها وترك من الذكور اثنين وهما الأمير أورخان والأمير علاء الدين.

السلطان الغازي أورخان ابن السلطان الغازي عثمان خان 726-761هـ:

اعلم أنه عند جلوس السلطان الغازي أورخان على سرير السلطنة كانت شبه جزيرة الأناضول منقسمة بين ملوك الطوائف الذين قاموا بعد انقراض دولة السلاجقة فكان بخشى بك بن محمد بك من أولاد قرمان متغلباً على مدينة قونية وتوابعها أي جالساً مكان الدولة السلجوقية وكان آيدين بك وصاروخان بك ومنتشا بك وكرميان بك وحميد بك وتكه بك وقره سى بك وهم من أولاد أمراء السلاجقة حكاماً على ممالك صغيرة أخرى إلا أنهم لم يكونوا تحت طاعة أمير قونية المذكور وكان أولاد أسفنديار حكاماً مستقلين بجهات قسطموني.

وكانت بقية الممالك الأخرى تحت تسلط بعض عشائر التركمان فكان بمرعش أولاد ذو القدرية وباطنة أولاد رمضان وكان من بين هؤلاء حكومة السلطان أورخان التي ورثها من أبيه ولما لم تكن قوية في أول استقلالها كما مر ولم يكن في إمكانها الدخول في المنازعات التي كان يثيرها أولاد قرمان للمطالبة بميراث الدولة السلجوقية أمكنها فيما بعد بما أظهره السلطان عثمان الغازي من الإقدام والجسارة أن تكتسب قدرة ومكانة خصوصاً بعد استيلائها على مدينة بروسه لأن السلطان أورخان بعد أن اتخذ تلك المدينة مقر السلطنة التي كانت عديمة القرار قبل ذلك تمكن بمساعيه من إظهار شوكة الدولة وسطوتها بالفتوحات الآتية.

ولما جلس هذا السلطان على سرير الملك كان سنه يبلغ أربعين سنة وبعد أن نقل تخت المملكة إلى مدينة بروسه بعد أن كان بمدينة يكيشهر مدّة خمس وثلاثين سنة التفت إلى التنظيمات الضرورية وسن القوانين والنظامات بمساعدة رجال حكومته الذين نخص بالذكر منهم قاضي بروسه جندره لوقره خليل فكان أول شيء بدأ به أن ضرب السكة العثمانية وجعل للمأمورين والأمراء وأصناف العساكر وطبقات الأهالي ملابس مخصوصة.

ولما رأى أن جيوشه المؤلفة من فرسان التركمان وممن قدر من الرعية على الحرب لا نظام لهم ولا معرفة بقوانين الضبط والربط ولا هم مجمكون أخذ يرتب عساكر نظامية ووضع لهم قانوناً للتربية فأنشأ لذلك طائفة اليكجرية الانكشارية وصار حسب ما رآه وزيره يأخذ كل سنة العدد الممكن من أولاد النصارى ويجمعونهم ثم يعلمونهم آداب الإسلام ويعتنون بتربيتهم ومتى بلغوا السن اللائق للعسكرية أدخلوهم ضمن أوجاق اليكجرية.

وكان لكل واحد منهم يومياً وظيفة مقدرة وقد استمر هذا النظام أي ادخال مثل هؤلاء الأولاد في الجيش العثماني لسنة 1050هـ وقد نبغ من هؤلاء كثير من الرجال تولوا الوزارة والإمارة والأعمال الجليلة حتى صار النصارى فيما بعد يطلبون من تلقاء نفسهم إدخال أولادهم ضمن اليكجرية ومن النظامات التي أوجدها هذا السلطان منصب الوزارة عين له أخاه علاء الدين باشا فكان أول وزير في الدولة العثمانية.

ولما أتمّ التنظيمات السابقة التفت إلى أراضي البلاد المفتتحة فقسمها إلى قسمين وهما خاص وتيمار فكانت إيرادات الخاص للخزينة السلطانية ولأمراء العائلة الملوكية ولأعيان الحكومة وإيرادات التيمار لرجال الحرب.

ولما استقرت قواعد الدولة بهذه النظامات الحديثة التفت إلى الفتوحات فأشهر في سنة 727هـ حرباً على بلاد الروم وفي خلالها صادف وفاة حاكم أزميد مركز إقليم قوجه ايلي فآلت إدارة المدينة إلى ابنته وكانت ترد لها الإمدادات من القسطنطينية ولما حاصر تلك المدينة الغازي عبد الرحمن كاتبته البنت المذكورة سراً فاستولى على قلعتها وأرسل البنت المذكورة مع الغنائم إلى السلطان الذي عقد نكاحها على الغازي عبد الرحمن لكونها خدمت وأعانت الدولة وكانت النساء اللاتي يتظلمن للسلطان أورخان يلاطفهن بالكلام وينعم عليهن بما يسر خواطرهن فمالت إليه قلوب الناس.

وما زال يتقدّم في فتوحاته حتى حضر بنفسه في سنة 728هـ 1327 م وحاصر أزميد وأرسل القائدين قره على وايغور ألب مع جنود إلى فتح قيون حصار وفي أثناء المحاربة أصيب قلايون حاكم قيون حصار برصاصة فسقط ميتاً من سور القلعة وبذلك استولت الجيوش العثمانية على القلعة المذكورة وفي خلالها سلمت بلا قونية حاكمة أزميد نيقوميديا المدينة إلى السلطان أورخان فأركبها هي وجنودها ومن يريد من أهالي المدينة السفن وأرسل الكل إلى القسطنطينية وذلك بناء على رغبتها وبذلك صارت حدود الدولة قريبة من خليج القسطنطينية.

وفي سنة 731هـ فتحت مدينة أزنيق أو أزنيك وغنم العثمانيون منها مغانم وافرة جداً بعد أن اجتهد قيصر القسطنطينية في خلاصها وكان فتحها على يد الأمير سليمان ابن السلطان ولما تم فتحها وأصلح ما تهدم من مبانيها حول السلطان بعض كنائسها إلى مدارس ومساجد وعين للتدريس بإحدى تلك المدارس العالم الشهير داود القيصري وجعل على قضائها العالم العامل خليل جندارلي ولما كانت هذه المدينة في الوقت المذكور من أعظم مدائن تلك الجهات اتخذها السلطان أورخان عاصمة له.

ولما توفي الوزير علاء الدين سنة 732 صار الأمير سليمان باشا وزيراً للدولة وفتحت بلاد مدرني وكمليك وفي خلالها أرسل قيصر الروم جملة هدايا للسلطان أورخان وعقد بين الطرفين مهادنة في السنة نفسها لمدّة عشرين سنة وبموجبها صارت جهات مايناس وأيدنجق وباليكسري وبرغمه وقره سي وميخاليج وكرماستي من أملاك الدولة العثمانية ولم يبق بعد ذلك لقياصرة بالأناضول غير مدينة آلاشهر وقلعة بيغا وضم العثمانيون أيضاً إلى ممالكهم سنة 737هـ مملكة قره سي وهي أول مملكة إسلامية من الأناضول عند وقوع الاختلافات بين أولاد عجلان بك حاكمها بعد وفاته وفي مدّة المهادنة المذكورة تفرّغت الدولة للإصلاحات الداخلية وسنة 746 هـ جدّدت المعاهدة السلمية مع قيصر الروم وفي التي بعدها ذهب السلطان مع حاشيته إلى مدينة اسكدار وتقابل هناك مع قيصر الروم وتأيدت بذلك المصافاة بين المملكتين.

إلا أن دولة الروم لما كانت تبطن العداوة للعثمانيين كانت تنتهز الفرص للإيقاع بهم فخالفت شروط المعاهدة بعض مضي عشر سنوات من امضائها واتحد القيصر مع البنادقة الذين كانوا في أغلب الأوقات يهاجمون حدود المملكة العثمانية من جهة البحر فلذلك أصدر السلطان أورخان أمراً إلى ولده الأمير الغازي سليمان باشا بالاستعداد والزحف على بلاد الرومللي فجهز الجيوش وتقدّم بها في سنة 757هـ 1356 م حتى وصل إلى مدينة جناق قلعة بساحل غربي آسيا على مضيق الدردنيل ثم عقد هناك مجلساً مع أشهر قوّاده وهم حاجي إيل وآجه وغازي فاضل وأرنوس وكان حاكماً قبل لمدينة بروسه ثم اعتنق الإسلام فاتفقوا على عمل صالات (أكلاك) للعبور بها وبعد انشائها ركبوا عليها ليلاً من بلدة أيد نجق أبيدوس وعبروا بها الدردنيل إلى ساحل الرومللي وعقب عبورهم بقليل استولى الأمير سليمان باشا على قلعة جنك Tzympe سنة 758هـ 1357 م .

وهذا العبور هو مبدأ التاريخ البحري للدولة العثمانية وبعد أن عبر سليمان وجنوده بالكيفية المذكورة أخذ في إخضاع البلاد التي تقرب من كليبولي وفي تلك الأثناء ظهرت اضطرابات ومنازعات ومناقشات بين أعضاء العائلة الإمبراطورية بالقسطنطينية لأنه بعد وفاة اندرو نيقوس الثالث إمبراطور الروم 741هـ كان الوارث لسرير السلطنة يوانيس أو يوحنا اليولوغوس ولكونه كان حديث السن قام ناظر سراي الإمبراطور المدعو قانتا قوزينوس وأمثاله يطلبون لأنفسهم الاستبداد بالملك حتى أن قانتاقوز ينوس المذكور طلب من السلطان الغازي أورخان المساعدة وزوّجه بابنته تيودورا وعلى ذلك أرسل السلطان الجيوش عدّة مرات لمساعدة المستجير به وإسعافه ليتمكن من قهر أخصامه.

ولما شرع الأمير سليمان باشا في إجراء ما عهد إليه به السلطان قام الروم واتفقوا مع أهالي المجر والصرب والبلغار والأفلاق والبغدان بقصد قتال سليمان باشا لفتوحاته بأوروبة ومداخلته في أحوال الدولة الرومية فاستعد سليمان باشا لملاقاة قوّتهم المتحدّة ثم انقض عليهم من جبال البلقان وأوقع بجمعهم ثم تجوّل في جهات بلاد البلغار مسكناً اضطراباتها وفي خلال ذلك حصلت منافسات كبيرة بين ملوك المجر والصرب والبلغار والأفلاق والبغدان أدّت إلى منازعات التزم فيها امبراطور القسطنطينية أن يطلب من آل عثمان الإعانة ثانية فأمدّوه وتقدّم الأمير سليمان باشا حتى عسكر تحت أسوار القسطنطينية وسكن ذلك الاضطراب ثم حصلت زلازل جسيمة 759هـ دمرت جملة بلاد وقلاع من تلك الجهات.

وفي سنة 760 هـ 1358 م نهض الأمير الغازي سليمان باشا بجيش يبلغ عدده 700من شجعان العثمانيين إلى قلعة كليبولي المعتبرة مفتاحاً للبحر المتوسط الأبيض فحاصرها مدّة أيام حتى تمكن من فتحها ثم استولى بعدها على بولاير وخيره بولي وتكفور طاغ بكل سهولة وبهذا الفتح أظهر الأمير المذكور لجميع الدول الأخرى ما للدولة العثمانية الحديثة العهد من السطوة والاقتدار وبينما كان الروم يطلبون من العثمانيين أن يعيدوا لهم هذه الأماكن في مقابلة مال يدفعونه لهم كانت عساكرهم مهتمة بالفتوحات المتواصلة بأراضي الرومللي لاشتغال الروم بالمنازعات الداخلية إذ ذاك ففتحت إبصاله ومعلقرة وما جاورهما بكل سهولة وبينما كان الأمير سليمان في القنص يوماً 761هـ جمح به جواده وصدمه بقوّة في بعض الأشجار فكان في ذلك حتفه ومات وهو في ريعان الشباب مأسوفاً عليه من جنوده الذين كانوا يحبونه جدّا لما اتصف به من حميد الخصال ودفن بالجامع الذي شيده بمدينة بولاير.

ولما بلغ هذا الخبر المؤلم والده السلطان أورخان الغازي حزن عليه حزناً مفرطاً ولم يمكث بعده إلا زمناً يسيراً وتوفي من كدره في السنة المذكورة ودفن بمدينة بروسه وخلف ولدين الأمير مراد والأمير سليمان.

وكان هذا السلطان كوالده محباً للعلماء والفضلاء شديد الاعتناء والميل إلى أصحاب الاستحقاق من الأمراء عظيم الشغف في عمارية واصلاح الممالك التي استولى عليها ولما كانت خزائن الدولة ملأى بالأموال التي اكتسبتها من الغنائم اهتم في تشييد المدارس والمساجد والقناطر والآبار وغير ذلك من أنواع المبرات وقد قوي رحمه الله بنيان الدولة التي شرع في تأسيسها السلطان عثمان وتمكن من تحويل أمتها التي كانت قبل ذلك تسكن الخيام وادخالها ضمن الممالك العظيمة.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:28 PM
السلطان مراد الأول ابن السلطان أورخان 761-791هـ:

لما جلس هذا السلطان على كرسي الدولة اتبع خطة والده في الفتوحات ففتح سنة 672 هـ قلعة أنقرة المعرفة بقلعة السلسلة وفي تلك المدّة سير أهل البنادقة على العثمانيين عمارة مؤلفة من ستين سفينة افترقت فرقتين تقدّمت إحداهما إلى قلعة كليبولي والأخرى دخلت جون المعارض وأخرجت كل منهما 10000جندي والتحق بهذا العدد بعض الأهالي ثم تقدّم الجميع وهاجموا العثمانيين الموجودين في الرومللي فتلقاهم الجيش العثماني بجنان ثابت وحمل عليهم حملة منكرة لم يمكنهم بها الثبات أمامه فارتدوا على أعقابهم عند الصدمة الأولى طالبين النجاة تاركين بميدان القتال عدداً عظيماً من القتلى والجرحى وقدراً وافراً من الذخائر.

وبعيد ذلك وسع السلطان دائرة أوجاق الانكشارية وبذلك تقوّت عسكريته ولم يكن للعثمانيين في هذا الوقت سفن حربية بل كان لهم بعض زوارق يستعملونها بداخل بحر مرمرا فزاد السلطان عدد تلك الزوارق 673هـ 1361 م لتساعد على نقل الجيش ومهماته ولما تم له ما أراد منها عبر بجيش إلى الرومللي وفتح جملة بلاد وقلاع منها بيطور و جورلي ومسللي وبرغوس وبرغاز وديمتوقه ثم فتح مدينة أدرنة العظيمة في هذه السنة أيضاً وعين عليها لالا شاهين باشا محافظاً وأرسل أورنوس بك لغزو كوملجنة وما يجاورها من البلاد الكائنة بالجهات الجنوبية من الرومللي.

ثم أخذ هذان القائدان في الغزو والفتوحات ففتح لالا شاهين باشا 765 هـ فلبه وزغره وما جاورها من البلاد وفتح أورنوس بك سيروزو مناستر وبهشتنة وكوملجنة وموشتة ولما تم فتحها جعلها السلطان صنجقية 788هـ وعين عليها أورنوس بك المذكور واليابرتبة أمير الأمراء ووقعت قبل ذلك مدينة صوفية أيضاً في يد العثمانيين بعد أن حاصروها مدّة ثلاث سنوات 1381-1383 م وعقب ذلك فتح الصدر الأعظم خير الدين باشا مدينة سلانيك الشهيرة وفي سنة 788 هـ 1386م أخضع السلطان بلاد مقدونيا و البانيا ولما مات في تلك الأثناء الوزير خير الدين باشا وجه مسند الوزارة لولده علي باشا قاضي العسكر.

واقعة قصوة

وبينما كان السلطان يشتغل بهذه المسائل وغيرها من الأمور الداخلية عقد لازار ملك الصرب 790هـ 1389 م اتفاقية مع ملوك الأفلاق وأمراء دلماسيا وملك المجر وملك البلغار وتحزبوا جميعاً لمحاربة السلطان وطلبوا من البابا أوربانوس الخامس أن يحرض أوروبا النصرانية لمساعدتهم ثم تقابلت جيوشهم المتفقة في سنة ه م مع جيوش العثمانيين في سهول قوصوة (Cossova) وحصلت بين الطرفين معركة من أشهر معارك التاريخ انهزمت فيها جيوش المتحدين هزيمة كلية ومات في الواقعة لازار المذكور وكثير من أمراء وأعيان أوروبا، وبينما كان السلطان مراد يتجوّل بعد الواقعة مع حاشيته في ساحة الحرب قام من بين الموتى رجل بلغاري كان مستتراً وأظهر التضرع للسلطان وتقدّم نحوه كمن يريد تقبيل يده وفي أقل من لمح البصر أخرج خنجراً كان ستره بين ألبسته وطعن به السلطان مراد الأوّل في أحشائه فاستشهد لوقته وقبض الحاشية على ذلك الغدّار فقطعوه إرباً إرباً.

وقد كان هذا السلطان رحمه الله من أعظم الملوك همة وشجاعة محباً للفتوحات تمكن بمساعيه من مد حدود المملكة العثمانية إلى شواطئ نهر الطونة وجهات بوسنة ويقال إنه اشترى في سنة 783هـ من صاحب بلاد حميد خمس قلاع وهي بلواج ويكي شهر وآق شهر وقره أغاج وسيدي شهر.

السلطان يلديرم بايزيد الأول ابن السلطان مراد 791-805هـ:

بويع له في ميدان حرب قوصوة يوم موت أبيه 791هـ وكان عمره 30 سنة وكان على جانب عظيم من الشجاعة والإقدام ولهذا لقبوه بيلديرم أي الصاعقة فتتبع خطوات أبيه في الغزو والجهاد وبعد أن بايعه الجنود والوزراء عاد إلى بروسه ونقل معه جثة والده فدفنت هناك ثم أرسل قائده الشهير تيمور طاش باشا إلى حدود الصرب فاستولى على قره طوه وما حولها من البلاد وأدخل استفان ملك الصرب تحت طاعة الدولة وكان السلطان انتخبه ملكاً لبلاده بعد واقعة قوصوه المذكورة وترك له استقلاله بشرط دفع جزية معينة وتقديم عدد معلوم من الجنود وقت الحرب وطلب من السلطان على لسان قائده أن يتنازل بقبول أخته الأميرة مليجه لتكون زوجة للسلطان فقبل السلطان منه مطلبه وتزوّج بها وفي تلك التجريدة استولى القائد المذكور على يكيد وبوسنة ودخل فيروز بك مملكة الأفلاق غازياً ففتح وغنم ثم عاد إلى بروسه ظافراً غانماً.

وفي سنة 792هـ استولى السلطان بنفسه على قلعة آلاشهر بآسيا المسماة فيلاد لفيا لدى الفرنج وكانت آخر مدينة مهمة بقيت للقسطنطينية بآسيا ثم استولى على مملكة آيدين صلحاً وأحال إدارتها على الأمير أرطغرل ولما استولى على سنجق صاروخان ألحقه بمقاطعة الأمير سليمان وهي قره سي ثم أخضع جهات آمد شهر وآق سراي وأضافها إلى حكومته وبعد أن أخضع جميع البلاد المستقلة من جهات الأناضول زحف بجيش عظيم على نواحي الزومللي واستولى على مدينة سلانيك ثانية وكانت لملوك الروم ثم اتفقت البنادقة وفرانسا وجنوة وإسبانيا 796هـ وأرسلت أساطيلها لإخراج العثمانيين من سلانيك فقاومتهم الجيوش العثمانية وألزمتهم الرجوع عنها خاسرين.

ثم استولى العثمانيون على قلعة يكيشهر ولما عاد السلطان إلى بروسه بلغه أن الإمبراطور باليولوغوس اتفق مع ملوك المجر والصرب وفرنسا عليه وإنهم سيهاجمون بلاده قريباً ولهذا استعد سريعاً وعبر بحر مرمرا قاصداً أدرنة ثم تقدم بجيشه وحاصر القسطنطينية وركب عليها المنجنيقات وفي خلالها ساق ملك المجر جيشاً على صوفية وودين ونيكويولي فالتزم السلطان أن يرجع عن القسطنطينية ليقابل جيش المتحدين ولما التقى الجمعان هزمهم شر هزيمة وهرب ملك المجر في زورق بنهر الطونة وأخذ العثمانيون عدّة آلاف من الأسرى وغنموا غنائم وافرة ويقال إن قتلى جيش المتفقين بلغوا 80 ألفاً.

وفي سنة 798 هـ أرسل السلطان يلديرم بايزيد تحسين بك ابن تيمور طاش باشا إلى ضواحي الإستانة فاستولى على حصار شبلة وتقدّم داخل سنجق قوجه ايلي حتى وصل إلى مضيق البحر الأسود وهناك أنشأ قلعة أناضول حصار الشهيرة ولما خاف إمبراطور القسطنطينية من تقدّم السلطان بايزيد مع عدم مقدرة من يتصدى له من ملوك أوروبا الذين استجار بهم أرسل جملة هدايا يستجلب بها رضا السلطان متعهداً ليدفع جزية سنوية معينة وعجل بدفع جزية سنة ورضي بأن يسكن المسلمون القسطنطينية وأن يكون لهم بها مسجد وقاض يحكم في نوازلهم وكان ذلك على يد علي باشا الصدر الأعظم.

ولما علم ملك بخارى بما حازه العثمانيون من الانتصارات بعث يهنئ السلطان وأرسل له سيفاً مرصعاً نفيساً سنة 800هـ لما أوتيه من الفتوحات الباهرة إذ كانت العادة جارية إذ ذاك بأنه متى انتصر السلطان على أعدائه أخبر ملوك الإسلام المعلومين بتلك الانتصارات بمكاتيب يرسلها لهم ولقبه أيضاً الخليفة العباسي بمصر المتوكل بن المعتضد بلقب سلطان أقاليم الروم وفي تلك الأثناء غزا أطراف البلغار ومقدونيا وبحيثجزيرة مورة ومدينة أثينا وجهات ترحاله واستولى على معظم تلك الجهات.

ثم تفرغ بعد ذلك للاستعداد لحصار القسطنطينية مرة ثانية وبينما هو يهتم في ذلك إذ أغار تيمورلنك على المملكة العثمانية فاستعد السلطان لملاقاته وجمع جنوده وذهب فعسكر قريباً من مدينة أنقرة ولما استعد الطرفان للقتال ووقعت العين على العين انفصل جنود آيدين ومنتشا وصاروخان الذين بجيش العثمانيين وعددهم خمسون ألفاً وانضموا إلى تيمورلنك لوجود أمرائهم الأصليين الذين استولى العثمانيون على بلادهم معه وكانوا التجؤا إليه لما شاهدوه من بأسه فضعفت بذلك قوّة العثمانيين جداً وداخلهم الخوف ووقع الخلل في صفوفهم ولم يبق لهم إلا الانكشارية وعددهم عشرة آلاف وعساكر الرومللي.

ولما اشتعلت نيران الحرب انهزم العثمانيون هزيمة منكرة ووقع السلطان بايزيد مع ابنه أسيراً في يد تيمورلنك فلم يقتله وأكرم مثواه وفي رواية أنه أهانه وأبقاه بطرفه ثم انتشر التتار في داخل المملكة العثمانية يخربون وينهبون ما أرادوا وقد كانت هذه الهزيمة سبباً في تراكم الهموم على السلطان فأصابه مرض توفي به سنة 805 هـ .

وصرح تيمورلنك للأمير موسى جلبي ابنه بأن يدفن أباه في مقابر سلاطين العثمانيين فنقله إلى بروسة ودفنه بالجامع الذي شيده فيها وهذا دليل على احترام تيمورلنك للسلطان بايزيد وترك المرحوم المشار إليه من الأولاد سبعة وهم أرطغرل وموسى جلبي وسليمان وعيسى ومحمد ومصطفى وقاسم.

وكان السلطان بايزيد رحمه الله من خيار الملوك وبطلاً من أشجع الأبطال وكان عليّ الهمة قوي النفس وساد الأمن في أيامه حتى كان الرجل يصادف الحمل من البضاعة مطروحاً في الطريق فلا يتعرض له وكان شديد البطش محباً للفتوحات فتح عدّة مدن لم تصلها جيوش العثمانيين من قبله.

فاصلة السلطنة

وقائع الدولة بعد واقعة أنقرة 805-816 هـ:

قد كان تيمورلنك بعد غلبته على العثمانيين يقصد تمزيق دولتهم وتفريق جامعتهم وأن لا تقوم لهم بعد ذلك قائمة ولهذا ساعد أمراء بلاد الأناضول على استرجاع البلاد التي كانت لهم سابقاً وافتتحها العثمانيون ثم قامت المنازعات في السنة التي مات فيها بايزيد بين أولاده بخصوص الجلوس على كرسي السلطنة وانضم إلى كل شيعته فذهب سليمان إلى بروسه ووضع يده على بيت مالها ثم توجه إلى أدرنة وجلس على تخت السلطنة المضطربة الأركان بمساعدة الجنود ووقعت الفوضى في بر الأناضول ونازل أولاد السلطان فيها بعضهم بعضاً ووقع الأمير موسى في يدل المغول واختفى الأمير عيسى بمكان ببروسة ثم أعلن سلطنته بمساعدة الوزير تيمور طاش وذهب الأمير محمد إلى أماسيا منتظراً سنوح الفرصة وكان تغلب على عسكر المغول في بعض الوقائع واسترد منهم بعض المدن.

ثم إن الأمير سليمان التجأ إلى أمبراطور القسطنطينية أمانويل الثاني خوفاً من المغول واتفق معه على أن يمدّه بالجنود والأموال ليقبض على زمام السلطنة وتنازل له في مقابلة ذلك عن بعض جهات منها سالونيك وتزوج إحدى قريبات الإمبراطور ولما بلغ موسى جلبي انتصار السلطان محمد بالأناضول واشتباكه في الحروب مع التتار وغيرهم تقدم هو نحو بروسه يريد الجلوس على تختها ومما زاد الحالة ارتباكاً والأمور صعوبة أن أولاد السلطان بايزيد كانوا يستعينون بتيمورلنك على بعضهم فكان يحرضهم على مقاتلة بعضهم ليخربوا بيوتهم بأيديهم وبعد أن تمكن تيمورلنك من تمزيق شمل المملكة العثمانية ورد غالب الأمراء الذين انتزع منهم العثمانيون بلادهم إلى ممالكهم وأطاعته آسيا الصغرى بأكملها داخلة الطمع لحب الاستكثار من الدنيا فسار يقصد بلاد الصين الغنية ليخضعها لسلطنته إلا أن المنية لم تمهله إذ مات في سن متقدم بإحدى مدن إقليم خوقند 807هـ1404 م .

وبعد أن ترك تيمورلنك بلاد الأناضول استمرت المقاتلات بين من بقي من أولاد السلطان وقتل الأمير محمد أخاه الأمير عيسى بعد أن حاربه عدة مرات وبذلك خلصت جميع آسيا الصغرى للأمير محمد بلا منازع ثم تمكن بعد ذلك من استخلاص أخيه موسى وكان عند أمير كرميان سلمه إليه تيمورلنك قبل سفره وأوصاه بالمحافظة عليه ثم إن الأمير محمد جهز لأخيه عيسى جيشاً عظيماً وأرسله إلى أوروبا لمحاربة أخيه الأمير سليمن الذي كان استقل بها إلا أنه لم يتمكن من قهره بل عاد مهزوماً إلى آسيا ثم جمع جيشاً آخر ودعا به إلى أوروبا واقتتل مع أخيه سليمان خارج مدينة أدرنة وقتله 813هـ ثم أغار موسى على بلاد الصرب معاقباً لأهلها في خروجهم عن الطاعة وقهر ملك المجر سجسموند لأنه أراد صده عن الدخول إلى بلاد الصرب ثم إن الأمير موسى داخله الطمع والكبرياء لما أوتيه من النصر فعصى أخاه محمداً وأراد الاستقلال ببلاد الدولة التي بأوروبا وحاصر القسطنطينية يريد فتحها لنفسه فاستنجد ملكها بالأمير محمد فأتى إليه مسرعاً وقاتل أخاه حتى ألزمه برفع الحصار عنها ثم تحالف الأمير محمد وملك القسطنطينية وملك الصرب وأخذوا في نصب المكايد والحيل للأمير موسى حتى تفرق عنه جيشه وغالب قواده ثم قبض عليه أخوه وقتله 826 هـ وبذلك انفرد الأمير محمد بالسلطنة العثمانية بلا منازع.

السلطان محمد الأول الملقب بجلبي بن بايزيد الأول 816-824هـ:

لما استقل بالملك بعد النزاع الطويل الذي حدث بينه وبين إخوته وجلس على تخت آبائه بلا منازع أتته رسل ملوك أوروبا والروم مقدّمين له التهاني بالنيابة عن ملوكهم فرحب بهم وأكرمهم ثم شرع في إصلاح الأمور وكان الخلل تطرق إلى جميع الإدارات ولذلك عقد الصلح مع الدول الأوروبية المجاورة له وقوّى معهم روابط المحبة والمصافاة وردّ إلى الإمبراطور أمانويل بعض الحصون والولايات التي أخذها منه الأمير موسى وغير ذلك ليتفرغ إلى ما عزم عليه ولولا ذلك لخيف على وحدة الدولة العثمانية ولما كان سعيد الطالع عادلًا كريماً شفوقاً على الرعية لا يسعى إلا لما فيه خير أمته تكللت مساعيه بالنجاح وكذا كل أمر أخلصت فيه النية وهو أوّل من شرع في ترتيب العساكر البحرية وبناء السفن في أزميد وكليبولي وبعض السواحل ونقل كرسي السلطنة إلى أدرنة وإعادة رونق السلطنة بعد أن تداعت جوانبها إلى السقوط.

ولما خرج حاكم الأفلاق عن دائرة الطاعة العثمانية 819هـ تقدم السلطان بجيشه وعبر نهر الطونة وأنشأ قلعة يركوى على ساحل الأفلاق وعمر قلعتي إيساقجي ويكي ساله ثم توسط بعض حاشية السلطان لملك الأفلاق فعفا عنه ورده إلى ملكه ثم تقدم الجيش العثماني إلى داخل بلاد المجر لتعرض سجسموند لامور بلاد الأفلاق وفتح قلعة سورين ولما كان ملك المجر غير قادر على المقاومة قدم للسلطان هدية مفتخرة أرسلها مع ثلاثة سفراء من أعيان المجر وبعد عقد معاهدة الصلح معهم عاد السلطان إلى أدرنة منصوراً غانماً ثم سكن بعض الاضطرابات الداخلية وكانت كثيرة من أهمها ظهور رجل يدعى بدر الدين وكان من مشاهير العلماء وكان عند الأمير موسى بوظيفة قاضي عسكر.

وكانت أركان مذهب هذا الرجل المساواة بين الناس في الأموال وسائر المقتنيات بلا فرق بين مسلم وغيره لاعتباره الكل سواء فتبعه خلق كثير من أرباب البطالة والكسل من جميع الملل والنحل حتى خيف على البلاد منه فأرسل عليه السلطان محمد الجيوش وبعد أن دارت رحى الحرب زمناً بين الطرفين وكانت سجالاً تمكن الوزير بايزيد باشا من قهر جيش بدر الدين المذكور وكان تحت قيادة رجل من اتباعه يدعى مصطفى وذلك بضواحي أزمير بمكان يقال له قره برون وقتل كثيراً من أتباعه ثم إن السلطان تعقب بدر الدين إلى أن تمكن من القبض عليه ببلاد مقدونية بعد أن أظهر شدة ومقاومة وأمر به فقتل 820هـ بفتوى قاضي العسكر.

ولم يكد السلطان محمد يستريح من عناء هذه الفتن حتى ظهر أخوه الأمير مصطفى وكان اختفى يوم هزيمة أنقرة ولم يوقف له على خبر ولما ظهر وطالب أخاه بسرير الملك انضم إلى حزبه قره جنيد أمير أزمير السابق وغيره من القواد والجنود وأمده أمير بلاد الأفلاق بجيش لتستمر القلاقل والاضطرابات في المملكة العثمانية ويتمكن بذلك أميرا الأفلاق المذكور وغيره من أمراء شبه جزيرة البلقان من الخروج عن دائرة التبعية العثمانية ثم إن الأمير مصطفى أخذ يشن الغارة على بلاد مقدونيا وتساليا ولما أدركته جنود السلطان انهزم والتجأ إلى مدينة سلانيك وكانت عادت إلى مملكة الروم كما سبق ولما طلب السلطان تسليمه إليه أبى عليه ملك الروم وتعهد بعدم التصريح له بمفارقة سلانيك ما دام السلطان على قيد الحياة فقبل السلطان ذلك ورتب لأخيه راتباً سنوياً يعيش منه 822هـ .

وفاته:

ولقد كانت هذه الفتنة آخر الفتن الداخلية التي حدثت بالمملكة بعد تيمورلنك وبعد ذلك تفرغ السلطان لإصلاح المملكة وتنظيم الجنود والنظر فيما يعود على الدولة بالترقي وبينما هو يجد في ذلك إذ فاجاءته المنية بمدينة أدرنة 824هـ وأوصى بالملك من بعده لابنه مراد.

ولقد كان رحمه الله عالي الهمة فاضلاً تقياً ذا عفة وورع وشفقة على الرعية يعفو عن المسيء ويحسن إلى البائس وقد اشتهر بمحبته للعلوم والفنون وهو أوّل سلطان عثماني رتب الهدية السنوية التي ترسل للآن إلى الحرمين الشريفين باسم الصرة وقال بعضهم إن أول من أرسل الصرة هو السلطان الغازي سليم الأول بعد فتحه مصر 923هـ إلا أن رواية المؤرخين الذين يوثق بكلامهم تؤيد أن السلطان محمد جلبي هو أوّل من رتب ذلك وترك خمسة أولاد وهم الأمير مراد والأمير مصطفى والأمير أحمد والأمير يوسف والأمير محمود.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:30 PM
السلطان مراد خان الثاني ابن السلطان محمد الأول824-855هـ

لما جلس هذا السلطان على كرسي السلطنة كان عمره ثمان عشرة سنة وبعد أيام من جلوسه أرسل له أمير بخارى سيفاً نفيساً فتقلده في بروسة ثم التفت إلى بلاده مهتماً بإصلاح شؤونها وكان محباً للغزو والفتوحات وتوسيع أطراف سلطنته إلا أنه كان له من أحوال مملكته ما يشغله عن مراده ولذلك سعى حتى أبرم صلحاً مع أمير القرمان وهدنة مع ملك المجار لمدة خمس سنوات وبينما هو يسعى في هذا الطريق السلمي إذ طلب منه أمانويل ملك القسطنطينية التعهد له بأن لا يحاربه مطلقاً وأن يعطيه اثنين من إخوته تأميناً على هذا العهد رهناً على قيامه بهذا الشرط وإلا أطلق سراح عمه مصطفى بن بايزيد من سلانيك وتركه يعيث في أنحاء السلطنة فلم يقبل السلطان مراد بدلك أصلاً ورد طلبه.

فأطلق عند ذلك أمانويل الأمير مصطفى وجهزه بما يلزم من الذخيرة والجنود وأعطاه عشر سفن حربية جعل على قيادتها أحد رجاله المدعو دمتريوس لاسكاريس فأتت هذه العمارة وحاصرت مدينة غليبولي وشددت عليها الحصار حتى سلمت بعد أيام إلا قلعتها ثم تركها الأمير مصطفى وحولها من الجنود من يضيق عليها الحصار ويمنع وصول المدد إليها وقصد مدينة أدرنة تخت السلطنة بأوروبا فلاقاه في الطريق الوزير بايزيد باشا وعند ذلك نادى الأمير مصطفى في جنود السلطان بأنه هو الأحق بالسلطنة واعداً من ساعده منهم بالمكافأة العظيمة فأثر كلامه في الجنود حتى أنهم قتلوا الوزير بايزيد باشا وانضم إليه بعضهم.

ثم تقدّم وتلاقى مع ابن أخيه السلطان مراد فرحاً ظاناً أن الدهر ساعده على مطلوبه إلا أن الجنود لم تطاوعه هذه المرة بل حملت عليه حملة منكرة فبددت شمل جيشه وتخلص هو ناجياً إلى مدينة غليبولي فقبض عليه هناك وسلم إلى السلطان مراد الذي أمر بشنقه ولما كان امبراطور القسطنطينية هو السبب في هذه المشاكل والمذابح عزم السلطان على معاقبته فاستعد لحصار مدينته وجرد عليه جيشاً يبلغ مائتي ألف مقاتل ثم تقدم وحاصر هو المدينة بنفسه سنة 825هـ 1422م حصاراً شديداً وهذا هو الحصار الرابع للعثمانيين إلا أنها لما كانت حصينة امتنعت عليه ولم يتمكن من التفرغ لها لأن الثورات كانت قامت بجهات الأناضول بتحريضات أخيه الأمير مصطفى جلبي الذي شق عليه عصا الطاعة وقد تمكن السلطان من قهره وقتله.

وكان الأمير مصطفى هذا استعان على أخيه السلطان مراد ببعض أمراء آسيا الذين كان تيمورلنك ردّ إليهم أملاكهم التي انتزعها العثمانيون منهم ولما كانت مساعدتهم لأخيه الثائر عليه منافية لحق الجوار أغار السلطان على بلادهم وانتزعها منهم وأضافها ثانية إلى مملكته وكان منهم أمير قسطموني وأمير صاروخان ومنتشا وأمير بلاد القرمان ولما استراح السلطان من شرورهم أمكنه التفرغ للنظر في الفتوحات الخارجية التي كان يستعدلها من زمن فجرد على ملك المجر أشد معانديه وبعد أن قهره ونكل به ألزمه بالتوقيع على معاهدة تقضي بأن يكون نهر الدانوب فاصلاً طبيعياً للأملاك العثمانية عن أملاك المجر وقبل أيضاً ملك الصرب جورج برانكوفيتش دفع جزية سنوية قدرها 5000من الذهب وأن يمد السلطان بفرقة من جنوده في زمن الحرب وأن يقطع كل صلة بينه وبين ملك المجر وأن يتنازل أيضاً عن مدينة الآجه حصار (كروشيفتس) الكائنة في وسط بلاد الصرب ليجعلها السلطان حصناً تقيم به جنوده.

ثم إنه جرد على مدينة سلانيك قصد افتتاحها ولما توفي امبراطور القسطنطينية أمانويل 1425م وخلفه يوحنا باليولوغوس واعترف السلطان مراد رسمياً بجلوسه على تخت القسطنطينية فرض عليه جزية معلومة يدفعها لخزينته في كل سنة وشرط عليه أن يتنازل له عن جميع البلاد خلا القسطنطينية وضواحيها وقد التزم الإمبراطور الجديد بهذا الاقتراح وبذلك استولى السلطان مراد على جميع القلاع والحصون الباقية تحت تصرف الروم على شواطئ البحر الأسود وسواحل الرومللي.

استرداد سلانيك 832 هـ:

لما كان السلطان مراد استرد كل المدائن والبلاد التي كانت للعثمانيين مدّة السلطان بايزيد بل زاد عليها وكانت مدينة سلانيك من المدن التي وقعت في قبضتهم واستولى عليها الروم ثانية أراد إخضاعها أيضاً فجرد عليها يريد حصارها وكان المتولي على هذه المدينة وما يتبعها اندرونيك ثالث أولاد القيصر المتوفى وكان أهلها لما رأوا أنهم لا يقوون على صد مهاجمة العثمانيين عنها سلموها بالرغم عنه للبنادقة 1425م لما عهدوه فيهم من المهارة بأساليب الحروب وفنون القتال.

ولما تسلط البنادقة على سلانيك أظهروا لأهلها في أول الأمر العدل ورقة الجانب وأطلقوا لهم الحرية في أن يحكموا أنفسهم حسب قوانينهم إلا أن ذلك لم يدم زمناً طويلاً لأنهم أخذوا يوجدون أسباباً متنوعة لإذلالهم ونفوا منهم خلقاً كثيراً وشردوهم في جزائر الأرخبيل التي كانت يومئذ في حوزتهم ولو أمهلهم السلطان مراد لكانوا بدلوا جميع سكان سلانيك بغيرهم.

ولما كان هذا السلطان العظيم لا ينظر بعين الرضا إلى استيلاء البنادقة على هذه المدينة المهمة لأنهم من ألد أعدائه مظهراً رغبته في افتتاحها نهائياً اجتهد البنادقة في إحباط مسعاه واستغاثوا بالقيصر يوحنا ليتوسط بينهم وبينه فأرسل يوحنا إلى السلطان مراد سفيراً يذكره بأن هذه المدينة التي عزم على افتتاحها ليست من مدن الأعداء بل هي من المدن التابعة للقسطنطينية فقال السلطان لو كانت هذه المدينة باقية بيد اندرونيك أخي يوحنا لما كان قصدها بالشر.

ولما أخفق سعي القيصر وعلم البنادقة إصرار السلطان على قصده حصنوا تلك المدينة تحصيناً قوياً وأرسلوا عمارتهم لإحراق السفن العثمانية الراسية في مينا غليبولي قصد عرقلة مساعي السلطان فيما يقصد وكانت تلك العمارة تحت قيادة اندراوس موكينكو أميرال خليج البنادقة وبعد أن هاجم العمارة العثمانية في خليج غليبولي ولم يقو على نيرانها ارتد مقهوراً ولقد كانت هذه النصرة البحرية من الأسباب التي أعانت العثمانيين على فتح سلانيك ثم شدد العثمانيون الحصار على المدينة ففتحوها عنوة وهربت منها حامية البنادقة إلى سفنهم 1429م 832هـ .

ولما وقعت سلانيك في أيدي العثمانيين تزعزعت أركان سلطنة الروم وانخلعت لها قلوب أهل القسطنطينية وصاروا من ذلك الوقت يتوقعون أن يصيب مدينتهم ما أصاب تلك المدينة العظيمة وبعد أن ملكوا سلانيك أخذوا في مد سطوتهم في تلك الأطراف فاستولوا على اخائية وابيرة ويانية وغيرها وكانت الدائرة فيها طوراً على الروم وطوراً على العثمانيين إلا أنهم كلما أرادوا الدخول إلى بلاد البانيا صدهم أهلها فرجعوا منتظرين الوقت المناسب.

محاربة الصرب والمجر وواقعة وارنة الشهيرة:

إنه بعد أن نكل السلطان بابن قرمان رأى من الضرورة تأديب ملك المجر وجورج برانكو تش أمير الصرب لاتفاقهما على الإضرار بالعثمانيين.

ولما سار الجيش العثماني وعبر نهر الطونة دخل بلاد المجر وعاث فيها حتى بلغ بلاد طمشوار وهرمانشتاد وذهبت فرقة منه إلى بلاد الصرب فاستولت على مدينة سمندرة عاصمة تلك البلاد ثم شرع الجيش العثماني في حصار مدينة بلغراد إلا أنه لم يتمكن من فتحها وبعد ذلك طلب أمير الصرب أن يزوّج ابنته للسلطان ويعقد معه صلحاً فقبل السلطان منه ذلك إلا أنه لما علم أن أعماله كانت ولا تزال مجلبة عليه غضب السلطان فر ملتجئاً إلى ملك المجر لادسلاس ولهذا رأى السلطان من الضرورة سوق الجيش مرة ثانية على بلاد المجر.

ولما دخلها الجيش العثماني أخذ في شن الغارة عليها حتى بلغ مدينة هرمانشتاد وشرع في محاصرتها وفي هذه الأثناء كان ظهورجان هونياد المشهور أمير الأردل وفي خلال ذلك نهض البابا أوجيلينيوس وشرع في عقد تحالف بين دول الفرنج وعصبهم على محاربة العثمانيين فتصدى لادلاس ملك المجر وبولونيا وتقدم بعساكر تحت قيادة جان هونيار القائد المجري الشهير بعدما انضم إلى جيشه جمهور من الفرنساويين والجرمانيين وقصدوا جيوشفي جوار هرمانشتاد سنة 845هـ .

وكان حاكم بلاد ترانسل فانيا التي منها مدينة هرمانشتاد المذكورة تابعاً الملك المجر وكان على هذا الإقليم جان هونياد المذكور الذي أتى مسرعاً للدفاع عن هذه المدينة فانتصر على العثمانيين وقتل منهم قدراً عظيماً حتى ألزم من بقي منهم إلى القهقرى.

ولما علم السلطان بذلك أرسل جيشاً آخر تحت قيادة شاهين باشا فأصابه ما أصاب الأوّل من هونياد وجنوده ووقع شاهين باشا أسيراً في موقعة قرب بلدة يقال لها وازاج 845هـ .

وكان السلطان في خلالها مشتغلاً بمحاربة إبراهيم أمير بلاد قرمان وبعد أن قهره السلطان كان المجريون تقدموا واتفقوا مع الصربيين على محاربة العثمانيين ولما تلاقوا معهم جهة بلغراد صدتهم العساكر العثمانية فانقلبوا على أعقابهم وكانت هذه الفعلة خدعة منهم لأنه بينما كانت جيوشهم آخذة في التقهقر والعثمانيون في تعقبهم إذ بهم ارتدوا على العثمانيين بينما كانوا يسيرون خلفهم في مضيق نيش وأحاطوا بهم من كل جهة في المضيق المذكور وحصلت بين الطرفين واقعة دموية انجلت عن انتصار هونياد وهزيمة العثمانيين هزيمة شنعاء وقتل منهم عدد وافر بين أمراء وجنود وأسر منهم كذلك 846هـ ومال زال فلهم يفر حتى وصل إلى أدرنة.

ثم توسط جورج برنكو فتش ملك الصرب في الصلح فقبله السلطان واشترط فيه بقاء الصرب وبوسنة يدفعان خراجاً للدولة العلية واستقلال الأفلاق عن السلطنة العثمانية تماماً وأن ترد قلعة سمندرة إلى الصرب وإخلاء سبيل بعض أسرى من الجانبين وغير ذلك وتقرر أن تكون الهدنة لمدة عشر سنوات ولما انتهى الأمر على ما تقدّم بعد هذه الحروب والمخاصمات وسكنت الفتن والقلاقل توفي الأمير علاء الدين وكان والده يحبه كثيراً فساورته الهموم حتى إنه عزم على تمضية بقية حياته في راحة معتزلاً عناء الملك فتنازل عن كرسي السلطنة إلى ولده محمد الثاني الملقب بالفاتح ثم ضم إليه بعض خواصه وقصد مدينة مغنيسيا متفرغاً للعبادة.

ولما علم بذلك لادسلاس ملك المجر ظن أن الجو خلا له لنوال مقاصده فتقدّم بجيش عطيم ولم يراعِ الهدنة التي عقدت بينه وبين السلطان وأغار على أملاك السلطنة وكان ذلك بتحريضات البابا ولما رأى السلطان مراد هذه الأحوال خاف من عواقب الأمور فاضطرأن يعود إلى الملك ثانياً وأمر بسرعة التجهيزات الحربية ولما قصد العبور من جهة كليبولي وجد أن سفن الأعداء سدت ذلك المعبر فالتزم العبور من مضيق البحر الأسود وكان بصحبته خليل باشا الوزير الأعظم وشهاب الدين باشا ولما وصل إلى أدرنة ووجد الجيش الهمايوني على قدم الاستعداد تقدم وتلاقى مع جيش المجر المشكل من 80 ألف مقاتل وكان لادسلاس من قبل ذلك دخل بلاد البلغار وبغدان وهرسك وبوسنة واتفق مع أمرائها على أن يكونوا يداً واحدة وكانت ملاقاة الجيشين أمام مدينة وارنة على سواحل البحر الأسود 1444م 28رجب 848 هـ .

ولما اشتعلت بينهما نيران القتال وحمى وطيسها تقدّم لادسلاس ملك بولونيا والمجر ومعه فرقة منتخبة من جنده واقتحم الميدان قاصداً الهجوم بنفسه على السلطان مراد الذي كان واقفاً على تل مرتفع يعطي الأوامر لجيشه وعند ذلك أطبقت الجيوش العثمانية على لادسلاس وقتلوه وبموته انهزمت جيوش المجر ومحالفيهم وتفرق شملهم وأخذتهم سيوف العثمانيين في كل مكان وصار هونياد قائدهم يجمع شتيت العساكر ويحرضهم على الرجوع والثبات فلم ينجح لأن الرعب كان قد استولى عليهم وقتل من جيش الأعداء في ذلك اليوم ما يزيد عن عشرة آلاف نفر واغتنمت الجيوش العثمانية في هذه الواقعة غنائم لا تحصى ثم عادت إلى أدرنة غانمة ظافرة وكان من بين القتلى القونت سيزار يني رسول البابا.

ثم إن السلطان بعد أن رد كيد أعدائه في نحورهم ومهد أمور المملكة تنازل عن الملك ثانية إلى ابنه السلطان محمد الثاني وعاد إلى عزلته كالأوّل ولكن لم ترض الانكشارية بذلك وتذمروا واضطربوا فاضطر أن يعود إلى السلطنة ولما كسر شوكتهم خاف من قيامهم مرة أخرى فأراد إشغالهم بالحرب ولذلك تقدّم وأغار على بلاد اليونان وساعده على مقصوده هذا أن أمانويل ملك القسطنطينية كان قسم مملكته في حال حياته بين أولاده بأن أعطى مدينة القسطنطينية وما حولها من البلاد القريبة إلى ابنه حنا وبلاد مورا وقسماً من تساليا لابنه قسطنطين وهو آخر ملوك الروم.

ولما علم قسطنطين بعزم السلطان مراد على فتح بلاده ابتنى ببرزخ كورنثة حصوناً ومعاقل جعلته لا يرام ومع ذلك فإن هذه القلاع لم تغن شيئاً أمام عساكر العثمانيين الأبطال لأنهم سلطوا مدافعهم على أسوار تلك الحصون حتى أحدثوا بها ثلمة ودخلوا منها قاصدين مدينة كورنثة ففتحوها وقد كان في نية السلطان الاستمرار على فتح هذه البلاد لولا ظهور اسكندر بك الشهير وإثارته القلاقل بالبانيا فاكتفى بضرب الجزية عليها.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:31 PM
واقعة قوصوة الثانية

وبينما كان السلطان يشتغل بمحاربة اسكندر بك المذكور قام جان هونياد وكيل ملك المجر وجمع في دائرة اتفاقه عدة أمراء من أوروبا وهاجمت جنوده الرومللي تحت قيادته فعاد السلطان إلى صوفية وجمع الجنود العثمانية فيها ثم تقدم والتقى مع جيوش هونياد في وادي قوْصَوة 852هـ حيث انتصر السلطان مراد الأول قبل ذلك بستين سنة وحصلت بينهما حروب شديدة امتدت ثلاثة أيام قتل فيها من الطرفين ما يقرب من 60 ألف مقاتل ثم انهزم هونياد وفر من ميدان القتال بعدما لحقه من الخسائر ما لا يحصى ثم عاد السلطان إلى أدرنة واهتم ببناء جامعه الشهير فيها وفي سنة 853هـ عقد السلطان لابنه محمد على ابنه اسكندر بك وبعد عودة السلطان من هذه المحاربة إلى أدرنة زوّج ابنة أمير بلاد ذي القدرية إلى ولده السلطان محمد سنة853هـ .

وفاته:

ثم اعتراه مرض بعد ذلك بسنتين مكث به اثنى عشر يوماً ثم ارتحل إلى الدار الآخرة 855 هـ فكتم أمراء الدولة خبر موته مدّة اثنى عشر يوماً حتى حضر ابنه السلطان محمد ثم نقل نعشه ودفن في مدينة بروسة في تربته المخصوصة.

وكان رحمه الله ملكاً جليلاً صالحاً يعتني بالعلم والعلماء والصلحاء مقداماً فاتكاً شجاعاً كريماً واسع العطايا عين للحرمين الشريفين من خاصة صدقاته في كل عام 3500 دنيار وهو وإن لم يصل إلى ما وصل إليه أسلافه من الفتوحات إلا أنه جدير بأن يشترك مع والده في لقب الباني الثاني للدولة العثمانية وذلك لأن هذين السلطانين توصلا بمساعيهما العظيمة لجبر وملافاة الخسائر والتخريبات التي أحدثها تيمورلنك ولما عزم على الاستراحة من عناء الملك وتفرغ للعبادة ورأى ما كاد يصل إلى جسم الدولة من الأذى استلم زمام السلطنة بيده القوية فكبح أعداءه وسارت جيوشه منصورة حتى بلغت جهات مورة واشقودرة.

السلطان الفاتح محمد خان الثاني 855-886هـ

جلس هذا السلطان الشهير والبطل الكبير وهو السابع من سلالة ملوك آل عثمان على سرير السلطنة بعد وفاة أبيه وكان سنة إذ ذاك 22 سنة وعقب جلوسه قام عليه كثير من أمراء بلاد الأناضول الذين كان فتح العثمانيون بلادهم بدعوى استرداد تلك البلاد فتمكن في آخر الأمر من إدخالهم جميعاً تحت لواء الطاعة ولما استلم زمام السلطنة كانت جميع بلاد آسيا الصغرى خاضعة للسلطنة العثمانية ما عدا بلاد ابن كرمان ومدينة سينوب ودولة طرابزون.

أما بأوروبا فكانت دولة القسطنطينية لا تزال على استقلالها وبلاد بيلوبونيز (موره) منقسمة بين عدّة أمراء من اليونان واللاطينيين وبلاد البانيا خاضعة لاسكندر بك وبوسنة مستقلة تمام الاستقلال وبلاد الصرب تدفع جزية للعثمانيين وما عدا ذلك من الجهات فكان في قبضة العثمانيين.

فتح القسطنطينية :

كان ملوك القسطنطينية يجتهدون على الدوام في بث الدسائس ونفخ روح العصيان في جسم مملكة العثمانيين منذ عظم أمرهم وضخم ملكهم ليأمنوا على ما بأيديهم من بقايا الدولة اليونانية العظيمة وكان الإمبراطور قسطنطين من يوم تبوئه عرش المملكة وهو عامل على طريقة أسلافه من إحداث الثورات وتنشيط عوامل الاضطرابات الداخلية بالمملكة العثمانية فانتهز السلطان المشار إليه ذلك فرصة لاتمام مقصوده ونيل مرغوبه من فتح القسطنطينية سيما وأن أحوال تلك المدينة الداخلية كانت مختلة بسبب التعصبات المذهبية والقلاقل الدينية.

وبعد أن صمم السلطان على إنقاذ غرضه واحتاط لأمره وأعد جيوشه خرج من أدرنة عاصمة بلاده بعد أن وطد الأمن في أنحاء المملكة وأدخل تحت لواء طاعته من ثار عليه من الأمراء المار ذكرهم على رأس جيش كثيف يبلغ مائتي ألف جندي ومعه أسطول مؤلف من ثلاثمائة غراب حربي وكثير من سفن النقل وكان أمر بتجهيزها بمدينة كليبولي قبل خروجه وكانت هذه الأساطيل تحت قيادة بلطه أوغلى سليمان بك المعتبر لدى الملاحين أوّل قبودان للأساطيل العثمانية ومعه أيضاً كثير من آلات الحصار وأدوات الحرب والنزال وحاصر مدينة القسطنطينية براً وبحراً.

ولما شرع السلطان في تهيئة الأسباب لفتح القسطنطينية وأخذ في بناء الحصون على ساحل البحر الأسود أرسل إمبراطور القسطنطينية قسطنطين باليولوغ يتضرع إليه ويسأله العدول عن مشروعه هذا وفي مقابلة ذلك يتعهد بدفع الجزية التي كان يدفعها سلفه فلم يقبل السلطان ذلك من رسله ونقل بعض المؤرخين أنه أرسل للسلطان ثانية رسولاً يقول له أن بناء هذه الحصون والقلاع ما وراءها إلا القتال وتجريد جيوش الشر والحرب فإن لم تحملك المواثيق على عقد الصلح بيننا فذاك إليك وقد فوضت أمري إلى الله تعالى فإن هداك وعطف قلبك كان ذلك غاية المراد وإن كان قدر لك بفتح القسطنطينية فلا مرد لقضائه ولا مانع لحكمه وإلا فلا أزال أدافع عنها إلى آخر رمق من حياتي.

وقد بذل هذا السلطان في أمر حصار القسطنطينية من السعي والإقدام ما جعله يعد من أعظم الفاتحين ولم يترك أية وسيلة ممكنة لنجاح مرغوبه ونيل مطلوبه فصنع من خوارق العادات ما لم يسمع بمثله.

منها أنه سبك مدفعاً جسيماً من البرونز قطره اثنا عشر شبراً يقذف كرة من الحجر يبلغ وزنها اثنى عشر قنطار لمسافة ميل وكان خدامه يبلغون سبعمائة شخص ويحتاج حشوه لساعة من الزمان ولما أرادوا نقله من مدينة أدرنة حيث صبوه لوضعه على حصار القسطنطينية خصصوا له خمسمائة زوج من الثيران القوية وثلاثة آلاف جندي.

ومنها وهو أغربها تسيير السفن الحربية على اليبس مسافة فرسخ من عند المكان المسمى الآن طولمة باقجه إلى المكان المدعو قاسم باشا وكيفية ذلك أنه أمر بناء على إشارة المهندسين بتغطية الأرض التي يراد سحب السفن عليها بألواح الصنوبر المدهون بالشحم حتى صارت كالمزلقان ثم سحبوها عليها وكانت عبارة عن ثمانين غراباً وسبعين سفينة خفيفة بقوة الأيدي والآلات المستعملة إذ ذاك لأنه رأى تعذر إدخال السفن إلى مينا المدينة لأنها كانت مقفلة بأضخم السلاسل الحديدية ومحصنة بأقوى الآلات الدفاعية وأجودها فتمت جميع هذه الأعمال في ليلة واحدة فقط وعند الصباح اندهش المحصورون تمام الاندهاش حينما شاهدوا أسطولاً حربياً تام المعدات انحدر من الشاطئ إلى ميناهم ثم أنشأ العثمانيون في نفس ذلك اليوم جسراً عظيماً من السفن المذكورة ونصبوا عليه إحدى بطارياتهم الأربعة عشر كل ذلك على مرأى من المحصورين.

ونقل هامير المؤرخ أن السفن أثناء سحبها كانت ناشرة شراعاتها وربابينها على مقدّمتها وكانت الأبواق تضرب والطبول تعزف ولما طلع الفجر شاهد المحصورون أزيد من سبعين سفينة حربية راسية بميناهم .

ولما علم الإمبراطور ضعف عساكره أمام عسكر العثمانيين المنتظمة المدربة على القتال العارفة بأساليبه أرسل يستغيث بأوروبا النصرانية فأعارته أُذناً صماء وأرسل البابا إليه رسولاً يحرضه على مداومة القتال وشد العزيمة ويعده بأنه سينادي بالحرب المقدسة بين أمم النصارى ومع ذلك فإنه لم يكن بأوروبا إذ ذاك من ملوك النصارى من له قدرة على مساعدة القسطنطينية ومقاومة جيوش العثمانيين القوية غير أميرين وهما هونياد أمير تراسل فانيا إلا أنه لم يكن في مقدرته غير حفظ نفسه والآخر هو اسكندر بك الشهير الذي كان يهتم في حفظ مركزه بجبال بلاد ايبير كما كان يفعل الدون بيلاج بجبال استورى حين إغارة المسلمين على بلاد إسبانيا ولما كان لمدينة جنوة منافع تجارية ومواصلات مستمرة مع القسطنطينية ولها عدة مخازن تجارية بجهة غلطة أرسلت إلى الإمبراطور دوننمه مؤلفة من خمس سفن حربية تحت إمرة رجل شجاع يدعى جوستنياني ومعه ستة آلاف جندي فتمكن هذا القائد بمهارته من إنزال جيشه إلى البر على مرأى من العثمانيين وعند ذلك انتعشت قلوب المحصورين وقويت نفوسهم واجتهد ذلك القائد الجنويزي مراراً في إحراق السفن العثمانية فلم ينجح أصلاً لتيقظ جنودها حتى إنه أتى ذات ليلة تحت دجى الظلام لهذا القصد فوجد جند العثمانيين متيقظاً فلمحوه ولما همَّ بالرجوع أطلقوا عليه نيراناً قوية فأغرقوا سفينته وكان بها أزيد من مائتي شاب من متطوّعة الطليانيين ومن أولاد أشرافهم ولم ينج ذلك القائد بنفسه إلا بعد جهد جهيد وعناء شديد.

ولما تيقن العثمانيون من نجاح مشروعهم وأنهم سيستولون على المدينة لا محالة أرسل السلطان قبل الهجوم العام بيوم واحد رسولاً إلى الإمبراطور يخبره بأنه إن سلم المدينة من غير قتال فإن السلطان يمنح جميع الرعايا الحرية التامّة ولا يتعرض لهم في شيء أصلاً ويهب الإمبراطور بلاد مورة في مقابلة ذلك فلم يقبل من الرسول قولاً وردّه بعد أن وبخّه ومما قال له: إن السلاطين الذين أنوا قبل محمد هذا سعوا في افتتاح القسطنطينية فلم يقدروا مع ما بذلوه من القوّة والسعي فالأصلح للسلطان أن يرجع بعساكره وهو يتعهد بدفع الجزية كالأول ولما شكل الإمبراطور مجلسه الخاص وعرضه عليه ما قاله رسول السلطان أطرقت الأعضاء برؤوسهم ولم يعارض واحد منهم دلالة على القبول ما عدا رسول البابا ومندوب إسبانيا وغيرهما فإنهما أشارا على الإمبراطور بمداومة القتال وانتظار أمداد أوروبا.

لما شرع السلطان في الهجوم العام رتب عساكره وقسمهم إلى فرق تحت قيادة أمهر ضباطه ونادى مناديه في المعسكر بأن أوّل من يتسلق سور المدينة من العسكر يوليه السلطان ولاية من أغنى الولايات وينعم عليه بالعطايا الوافرة والإنعامات الجزيلة وأخذ هو يجول بين الصفوف على ظهر جواد يحرض الجند ويستحثهم وأمر فسار المتطوّعون أمام العسكر وبيد بعضهم أحجار وبيد البعض الآخر أخشاب أو أكياس ملئت بالطين والرمل ليلقوها بالخندق لتكون كالجسر يعبرون عليه لامتلاك المدينة.

ولما صدر لهم الأمر بالسير اندفعوا كالسيل المنهمر وانقضوا كالأسود وصاروا يلقون ما بأيديهم بالخنادق فأنصبت عليهم من أعلى السور نيران الأعداء وقتلت منهم كثيراً وأظلم الجو من دخان المدافع وحجبت الشمس حتى صار النهار ليلاً وقابلتهم سهام الهاجمين كل ذلك والجيوش المنتظمة لم تبد أقل حركة مدة ساعتين حتى تعب عسكر الإمبراطور وضعفت نيرانهم فعند ذلك تحركت تلك الفرق وزحفت على الأسوار بقلوب لا تخاف الموت وأمامهم أبراج من الخشب على عجل يجرها الجند مكسوة من الخارج بجلود يبلونها بالماء على الدوام لتمنع تأثير النيران التييقذفها المحاصرون وبداخلها عدد من أبطال الجند معهم آلات الدفاع.

وشرع النقابون من أهالي توقات في نقب الأسوار ورميت سلالم التسلق على الأبراج واشتبك القتال وقويت نيران الأعداء بعد ضعفها وفتحت مدافع العثمانيين أفواهها الشبيهة بالبراكين حين ثورانها وقذفت عليهم مقذوفاتها الهائلة وصار الإمبراطور يطوف بنفسه على العسكر ليبعث فيهم روح القوّة الخامدة ثم اقترب العثمانيون من الأسوار جدّاً وضربت مدافعهم أغلب الحصون والأبراج وعبروا الخندق على الجثث الملقاة به ودخلوا المدينة فاستولوا عليها عنوة.

ويقال إن الإمبراطور قتل أثناء مقاومته الهاجمين خلف الباب ويقال إنه أصابه سهم وهو فوق السور يحرض عسكره فخر قتيلاً وسمعه أحد عسكره المنهزمين يتضرع إليه بأن يحتز رأسه لكي لا تعلم جثته بين القتلى فيمثل بها المتغلبون.

وكانت القسطنطينية في غاية المنعة متينة الأسوار والحصون والأبراج وقد حوصرت تسعاً وعشرين مرة وكانت هي المنصورة وكان بها من السكان إذ ذاك أزيد من 300 ألف نسمة.

ولما استولى السلطان المشار إليه على تلك المدينة الجسيمة وامتلكها بحق الافتتاح أبقى للنصارى عدّة كنائس خصوصاً الكنائس الموجودة بالقسم المنخفض من المدينة فإنها لم تُمس أصلاً ووجد الفاتحون بالمدينة من الأموال والنفائس والأمتعة الثمينة شيئاً كثيراً جداً خصوصا ما كان للقياصرة بقصورهم.

ومما يدل على مكارم أخلاق هذا السلطان أنه أبقى للنصارى خلاف ما أبقاه لهم من الكنائس والصوامع كنيسة وحارة بتمامها مراعاة لمهندس معماري يدعى كريستبول كان استعمله السلطان محمد في بناء بعض المباني وأعطاه تلك الحارة بتمامها لتكون ملكاً له ولذريته من بعده.

قال فولتير بعد روايته هذه الحادثة: ليست هذه الحادثة من الحوادث التي تستحق الذكر في التاريخ أي أن مهندساً كان يمتلك حارة بتمامها بل القصد أن نبين أن الأتراك لم يعاملوا النصارى بقسوة كما نعتقده نحن ولا تجيز أمة من أمم النصارى أن يكون للمسلمين مسجد ببلادها أصلاً بخلاف الأتراك فإنهم يسمحون لليونان المقهورين بأن تكون لهم كنائس وكثير من هذه بجزائر الأرخبيل تحت مراقبة أحكامهم .

وكان استيلاء العثمانيين على هذه المدينة العظيمة في يوم الثلاثاء عشرى شهر جمادى الآخر سنة 857هـ 29ماية 1453م بعد حصار دام ثلاثة وخمسين يوماً حسب رواية غالب المؤرخين، وقد أرخ بعضهم سنة افتتاحها بقوله: بلدة طيبة ولما دخلوا المدينة بحثوا عن جثة الأمبراطور بين القتلى ولما وجدوها حسب دلالة من يعرفه دفنوها بما يليق بها من التعظيم في مقابر الملوك وافتدى السلطان كثيراً من أمراء اليونان ممن كان وقع في يد العسكر أسيراً.

وقد أوقع هذا الظفر جميع أوروبا في الحيرة والاندهاش فهاجت ملوكها وماجت وأظهر السلطان مزيد التفاتة لراحة الرعايا وأمر للنازحين منهم بالعودة إلى أوطانهم وبحريتهم في معتقداتهم وأصولهم الدينية وبحسن تدبيره جعل شعلة هذا الهيجان تخمد نوعاً.

قال بعض المؤرخين: لما سقطت القسطنطينية في يد الفاتحين وقع الرعب في قلوب جميع سكان ممالك اليونان حتى كأنهم أصيبوا بمصيبة عظيمة فهاجت سكان مورة والجزائر المجاورة لها وتركوا مواطنهم هائمين على وجودهم لا يدرون أي جهة يقصدون.

ثم أمر السلطان بانتخاب بطريق لليونان حسب عادتهم فانتخب جورج جيناد يوس وألبسه التاج بيده وسلمه عصا البطارقة وقال له إذ ذاك: كن بطريرقاً لأمتك وليحفظك المولى ويجب عليك في جميع الأحوال أن تتأكد من محبتي وخلوص طويتي إليك وتتمتع بالمزايا التي كان يتمتع بها أسلافك من قبل ولما أمن اليونان على أنفسهم وأموالهم وحرية عبادتهم أصدر السلطان المشار إليه فرمانا يصرح لهم فيه بحكم أنفسهم بأنفسهم فشكلوا طائفة منفصلة تمام الانفصال عن الأمة الفاتحة وكان بطريرقهم جائزاً لرتبة وزير ودرجة شرف بين ضباط الانكشارية.

وبعد أن أتّم السلطان تنظيم أحوال هذه المدينة العظيمة وإصلاح ما تخرب من حصونها سافر في سنة 858هـ بالجيوش الكثيرة العَدَد والعُدَد لفتح بلاد جديدة فغزا مقاطعة بوسنة واستولى على أكثر بلادها وأضافها إلى أملاكه ثم قصد بلاد موره فأسرع أميراها هادمتر يوس وتوماس قسطنطين وطلبا من السلطان أن يقبل منهما دفع جزية سنوية قدرها 1200من الذهب فقبل منها وكان أرسل قبل ذلك أسطولاً تحت قيادة الرئيس خاص يونس ففتح قلعة أينوز وجزيرتي سمايرك وطاشيوز،وكانتا للبنادقة.

ولما عاد السلطان إلى أدرنه قتل وزيره جندره سي قرة خليل باشا بتهمة أخذ الرشوة من إمبراطور القسطنطينية وقت الفتح وقد كان الوزير المذكور يجتهد ويبذل المساعي في تحويل فكر السلطان وصرف عزمه عن فتح القسطنطينية وقد كان قبل ذلك أيضاً اجتهد في تثبيط همة السلطان بايزيد عندما أراد مقابلة جيش المتفقين في الواقعة الشهيرة التي انتصر فيها بورنة وقد عزل السلطان أيضاً كلا من الوزيرين يعقوب باشا ومحمد باشا لسوء طنه في سلوكهما نفيا إلى بعض البلاد البعيدة وبعد قتل خليل باشا بقي مسند الصدارة خالياً مدّة سنتين إلى أن وجهت إلى محمود باشا الشهير.

ولما كان فتح القسطنطينية قد أثار عوامل الغضب والحقد عند ممالك أوروبا خصوصاً بابا رومية كالكستوس الثالث منهم لما كان يرجونوا له من ضم الكنيستين الشرقية والغربية إلى بعضهما سعى في تأليف حملة صليبية فتم له ذلك وأغار جيش أوربى مختلط على حدود المملكة العثمانية بأوروبا سنة860 هـ 1456 م فلما بلغ السلطان محمد الفاتح نهض بجيش يبلغ 150ألف مقاتل وأسطول مركب من 200سفينة وذلك بعد أن رتب إدارة الأمور بالقسطنطينية وحاصر مدينة بلغراد عاصمة بلاد الصرب براً وبحراً وكاد يفتحها إلا أنه في خلال ذلك هاجم جان هونياد قائد المجر أساطيل العثمانيين وأتلف منها قسماً عظيماً وكان دخل المدينة قبل حصارها ودافع عنها دفاع الأبطال فالتزم السلطان بترك حصار بلغراد بعد أن قتل من جيشه عدد كبير وقد جرح هونياد في هذه الحرب جرحاً بليغا مات به بعد عشرين يوماً من رفع الحصار ولما علم السلطان بموته أرسل محمود باشا الصدر الأعظم فأتم فتح بلاد الصرب 860هـ .

وبذلك فقدت هذه البلاد استقلالها تماماً ثم توجه إلى مورة عن طريق سيروزو يكيشهر واستولى على مدينة كورنثة وما جاورها من البلاد وبذلك لم يبق لتوماس بالبولوغ أخي قسطنطين شيء من البلاد التي كانت له ثم أراد التقدّم لفتح بلاد مورة تماماً إلا أن ديمتر يوس تعهد بدفع الجزية فقبل السلطان ورجع عنه في هذه المرة ومع ذلك فإنه لما أظهر الطغيان بعد بقليل دخل السلطان بلاده في هذه السنة فأخضعها تماماً وفر توماس إلى إيطاليا وتوفي ديمتر يوس في إحدى جزائر الأرخبيل.

فتح أماصرة وسينوب وطرابزون:

لما نال السلطان مراده من الاستيلاء على بلاد الصرب واليونان حول عزيمته لتسخير الممالك الباقية في حالة استقلال على سواحل البحر الأسود وهي أماصره وطرابزون وسينوب وكانت الأولى تابعة للجنويزيين والثانية وهي طرابزون تابعة لأمراء من بيت قياصرة القسطنطينية وكانت تشكلت حين إغارة الحملة الصليبية الرابعة سنة 600هـ على مدينة القسطنطينية واستيلائهم عليها فتم له فتح أماصرة سنة 865 هـ وأخضع أيضاً مملكة طرابزون ولم ينفعها تصدي الأمير أوزون حسن لحمايتها من مخالب العثمانيين سنة 865 ثم نقل ملكها داود كومنين هو وعائلته إلى القسطنطينية ورتب السلطان لهم ما يكفيهم من المرتبات.

أما مدينة سينوب فقد استولى عليها من يد صاحبها إسماعيل بك من عائلة اسفنديار وهم بقية من طوائف ملوك الإسلام كانوا يحكمون قسطموني وسينوب وهم وإن كانوا يدفعون للدولة أتاوة سنوية معينة إلا أنهم كانوا لا يفترون عن بث الدسائس وإقلاق الراحة بجهات الدولة العثمانية كلما تمكنوا من ذلك ولما رأى السلطان أن بقاء هذه الإمارة وإن كانت خاضعة له عرقلة لمساعيه، أراد محو استقلالها وضم الممالك الإسلامية المتفرقة إلى بعضها ولذلك أصدر أمره إلى وزيره الأعظم محمود باشا بمداركة ما يلزم لفتح تلك الإمارة، فساق عليها جيشاً برياً واسطولاً مؤلفاً من مائة غراب حربي .

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:32 PM
فتح مديللي:

بعد عودة السلطان من غزواته المذكورة اهتم بتقوية البحرية فأنشأ كثيراً من السفن الحربية على أشكال أساطيل البنادقة وسارت الدوننمة العثمانية تخرج سنوياً للغزو في بحر الأرخبيل لإظهار آثاراً البسالة العثمانية لكسان جزائره ولما كانت جزيرة مديللي واقعة على طريق بوغاز الدردنيل صمم السلطان على ضمها لأملاكه تأمينا لهذا الطريق فأرسل وهو في كليبولي سنة 866 هـ1462 م الوزير محمود باشا مع الجيوش براً وساق أساطيل الاستانة وغليبولي بحراً فلما وصلت الأساطيل إليها نقلت الجيوش من ساحل الأناضول إلى الجزيرة وشرع في حصارها فحضر حاكمها وأظهر الخضوع فاستولى الباشا على قلعتها وباقي البلاد الموجودة بالجزيرة وعين لها محافظاً وقاضياً وحامية ثم عاد ظافراً ومن وقتئذ أخذ السلطان يشيد الحصون والقلاع في بوغاز الدردنيل وجزيرة بوزجه أطه لحماية طريق القسطنطينية.

فتح بلاد بوسنة:

أنه لما يئس ملك بوسنة من المداخلة في أمور بلاد الصرب كما قلناه فيما سبق أظهر التمنع عن دفع الجزية السنوية المضروبة عليه سيما أنه كان رأى قرب وقوع الحرب بين العثمانيين والبنادقة، لهذا رأى السلطان ووزراؤه أن من الوجوب الاستيلاء على بلاد بوسنة ليتمكنوا من تهديد بلاد البنادقة فلهذا أمر وزيره الأعظم محمود باشا سنة 867هـ بالخروج من مدينة أسكوب لمحاربة ملك بوسنة ولما وصلت الجنود العثمانية إلى بوسنة أخذت في مطاردة ملكها الذي كان يفر أمامها من نقطة إلى أخرى إلى أن حاصروه ببلدة كلوجي ولما رأى عدم مقدرته على المدافعة سلم نفسه وخضع أيضاً جميع من بالقلاع والمدن من الحكام.

فتح بلاد القريم:

قد كانت بلاد روسيا الشرقية وشبه جزيرة القريم وجميع الجهات الواقعة شمالي البحر الأسود يحكمها من زمن جنكيزخان أمراء من التتار وكانت الطوائف المذكورة اعتنقت الدين الإسلامي من عهد تيمور لنك وقد كان تيمور جمع الطوائف النازلة ببلاد قازان وأزدرهان والقريم وقبجاق من التتار وشكل منها مملكة القبجان وقد استمرت هاته الحكومات زمنا طويلاً فاتحة قوية إلا أنه بعد مدة اعتراها الوهن والاختلال فانتهز الجنويزيون فرصة ضعفهم واستولوا على ثغو آزاق وكفه ومنكوب وغيرها واتخذوها محطات للتجارة وكانوا ينتفعون كثيراً من وقوع الاضطرابات بين الممالك المذكورة وفي سنة 880هـ أمر السلطان وزيره الأعظم كديك أحمد باشا بالذهاب إلى تلك الجهات وفتحها وطرد الجنويزيين منها وكان تولى الصدارة بعد عزل محمود باشا ثم خرج إليها يقود 300سفينة بين حربية ونقلية وأخضع البلاد التي كانت في قبضة الجنويزيين بأكملها وطردهم من تلك الأطراف واتفق في تلك الأثناء أن الحاج كراى آخر ملوك القبجاق كان توفي وترك اثنى عشر ولداً ذكراً فقام هؤلاء الأولاد على بعضهم كلٌّ يدعى حق الملك واستمرت المحاربات بينهم زمناً وطويلاً حتى ضعف حالهم وانقسمت مملكتهم فقام عند ذلك علماء القريم وأشرافها وعرضوا للسلطنة العثمانية بمحضر قدموه يلتمسون إصلاح ذات البين وتقرير قواعد النظام والسكينة ببلادهم وقد كان العثمانيون وجدوا من ضمن الأسرى الذين قبضوا عليهم بمراكب الجنويزيين منكلى كراى أحد أولاد الحاج كراى ولما عرفوه أظهر له السلطان الاحترام وعامله بما يليق وأطلعه على المحضر المقدم من أهل بلاده ثم نصبه خاناً على بلاد القريم بالنيابة عنه وأنعم عليه بالخلع السنية والتشريفات المخصوصة وأرسله إلى بلاده وقعد ذلك صارت بلاد القريم ولاية ممتازة تابعة للدولة العثمانية 880هـ وانتقلت جميع المنافع التجارية التي كانت للجنويزيين بتلك الجهات إلى يد العثمانيين.

الحملة الأولى على رودس:

لما بلغ السلطان سنة885 هـ 1480 م أن سفن قرصان أسير جزيرة رودس وهو من نسل أمراء الصليبيين الذين بعد أن طردوا من الديار الشامية تمكنوا من الاستيلاء على جزيرة رودس وجعلها داراً إقامة لهم وكانوا أخذوا يهتمون في بناء السفن الحربية وإرسالها للصيال والفتك بسفن التجارة العثمانية وكانت أضرت بها كثيراً صمم السلطان على تسخير هذه الجزيرة المهمة لتأمين طريق التجارة فأرسل عمارة بحرية مؤلفة من 160سفينة حربية وجيشاً برياً يبلغ مائة ألف مقاتل تحت قيادة مسيح باشا ولما وصلت هذه القوّة إلى الجزية حاصرت المدينة وبعد مدّة استولت على بعض الحصون لكن لما أصدر هذا القائد لجنوده الأمر بعدم التعرض للغنائم وقع منهم هذا الأمر أسوأ موقع لمنعهم عن التمتع بالفوائد المطلوبة والثمرة المرغوبة ونتج عنه تكاسلهم وتراخيهم عن الهجوم وبعد حصار ثلاثة شهور التزم مسيح باشا بالرجوع عنها وتأخر فتحها نحو خمسين سنة ومع ذلك لم تفترهمة هذا السلطان العظيم عن الفتوحات بل جهز في سنة 886هـ 1481 م جيشين عظيمين أحدهما لفتح جزيرة قبرس وقاد الثاني بنفسه لغزو بلاد العجم وبينما هو في الطريق أدركته الوفاة.

ولما كانت البحرية العثمانية في أيامه تقدمت كثيراً عده المؤرخون مؤسساً للبحرية العثمانية وقد فتح العثمانيون في زمنه فتوحات كثيرة وتمهدت أركان السلطنة عن ذي قبل بحيث أصبحت حاكمة على جميع جهات البحر الأسود تقريباً وبحر مرمراً كله والقسم الأهم من جزر الأرخبيل ولو لم يكن له إلا فتح القسطنطينية لكفاه فخراً ومجداً.

وترك من الأولاد الذكور اثنين الأمير بايزيد والأمير جم.

وكان ملكاً جليلاً يعجز الواصفون عن مقدار فضائلة ومحاسنه وكان رحمه الله محباً للعلم والعلماء شجاعاً كريماً عاقلاً له الفتوحات العظيمة والمآثر الجسيمة معدوداً من أعظم الفاتحين وأسمى المتغلبين وهو الذي افتتح مدينة أتينا وكسر أساطيل البنادقة مراراً حتى جبرهم على دفع الجزية له ونزع من بلاد إيطاليا عدة مدائن وافتتح دولة طرابزون وغير ذلك، ثم في أثناء مشروعاته الجسيمة اعتراه مرض أوقف أخراجها من القوّة إلى الفعل فانتقل إلى رحمة ربه في سنة 886 هـ 1481 م بمدينة ككبوزه بعد أن حكم اثنتين وثلاثين سنة حكماً مكللاً بالنصر والمجد ودفن بجامعه الذي شيده بالقسطنطينية المعروف باسمه وكان قبل وفاته يستعد للتغلب على جزيرة رودس ونزعها من يد طائفة الفرسان لكثرة شرورهم ونهبهم سفن المسلمين ويقود بنفسه جيشاً لافتتاح مدينة رومة.

ولقد كان الاستيلاء على مدينة القسطنطينية في مدّة هذا السلطان من أعظم الدواعي لتقدم المملكة العثمانية وضم أجزائها إلى بعضها لأنه لم يكن من المناسب بقاء دولة مستقلة وسط دولة أخرى واسعة الأطراف خصوصاً إذا كانت هذه الدولة الثانية عاملة على بث عوامل الشرور في جسم المملكة الأولى كما كانت تفعله دولة القسطنطينية الضعيفة. زيادة عن أن وقوع القسطنطينية في وسط المملكة العثمانية يكون بعد فتحها العاصمة التي منها يمكن لسلاطين آل عثمان مراقبة أطراف مملكتهم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ولذلك فإنهم بعد فتحها نقلوا إليها عاصمتهم لوقوعها في المكان المتوسط من أملاكهم.

وكان هذا السلطان من أعظم ملوك زمانه تهذيباً وعلماً فكان يحسن العربية والفارسية والتركية واليونانية واللاطينية وغيرها وله ميل شديد لفن التصوير ويعرف ما يمكن معرفته إذ ذاك من الجغرافيا والتاريخ والرياضة وكان يقرأ القصائد اللاطينية التي كانت الشعراء من أهل البنادقة والجنويزيين يمدحونه بها وكان يطالع مؤلفات بلوتارك بمواظبة ويهتم في تقليد اسكندر الأكبر وقيصر والفاتحين الشهيرين الذين ذكرهم هذا المؤلف وقد اتفقت أقوال مؤرخي اليونان والبنادقة والجنويزيين على محبة السلطان محمد للعلوم وانكبابة على دراستها ولما سمع بشهرة المصور البندقي جنتيلي بيللينوا حضره لديه فلما قدم أحسن وفادته وغمره بالهدايا وأنعم علهي بتاج وقلادة من الذهب وغير ذلك ورده إلى بلاده مع الاحترام اللائق بأمثاله وكان يحضر بنفسه امتحان العلماء والفقهاء المستعدين للترقي في الدرجات العلمية السامية وأعلى شأن العلم كثيراً وعضده.

السلطان الغازي بايزيد خان الثاني 886-918هـ:

لما توفى السلطان محمد الفاتح كان ابنه السلطان بايزيد في جهات أماسية حيث كان والياً فطار إليه الخبر ولما وصل إلى القسطنطينية وجد اليكجرية شقوا عصا الطاعة ونهبوا كثيراً من منازل الأغنياء وقتلوا الصدر الأعظم قرمانلي محمد باشا لأنه كان أخفى موت السلطان حتى يحضر ولي عهده ويجلس مكانه إلا أنه لم يحسن التدبير في ذلك، ويقال إنه كان أرسل أيضاً للأمير جم يعلمه سراً بموت أبيه لأنه كان يميل إليه فلما علم اليكجرية بذلك فعلوا ما فعلوا.

ومن حسن الطالع أن تمكن إسحاق باشا محافظ استانبول من تهدئة الخواطر بمبايعته الأمير قورقود من أولاد السلطان مبايعة وقتية حتى يحضر السلطان بايزيد ولما حضر السلطان بعد ثمانية أيام وجد الأحوال مضطربة فاجتهد في تسكينها ووعد اليكجرية بالعطايا والهبات ومن هذا الوقت وجدت عادة إعطاء الهبات والعطايا للجنود وضباطهم كلٌّ حسب مرتبته كلما جلس سلطان جديد وكانت هذه العادة سبباً لفتن كثيرة جلبت على الدولة مشاكل جمة ولقد كانت هذه الفعلة أوّل ظهور تمرد وطغيان الانكشارية.

وقائع الأمير جم:

أما الأمير جم وكان والي قونية فكان يطمع في السلطنة على انفراد أو يشارك أخاه فيها وكان كثير من أمراء الدولة وجنودها يميلون إليه ويرغبون له ذلك ولما عظمت عنده هذه الآمال شق عصا الطاعة على أخيه ثم التف عليه كثير من شيعته حتى صار له جيش عظيم وأخذ في شن الغارات وفتح القلاع فجهز السلطان عليه جيشاً تحت قيادة إياس باشا إلا أنه هزم هذه الجيش وأسر قائده وكثيراً من ضباطه ثم تقدم جم بجيشه وفتح بروسة واستقبلته سكانها بالترحاب وسلموه المدينة وبعد أن رتب أمورها استولى على البلاد المجاورة لها وكوّن من ذلك مملكة خطب له فيها على المنابر ورتب له وزراء وقواداً ولما علم السلطان بذلك خاف سوء العقبى واحتال وزراؤه لذلك بحيلة وهي أنهم اجتهدوا في استمالة مدير الأمير جم المدعو لالايعقوب ووعدوه ومنوه فنجحوا في قصدهم وبانحياز المدير المذكور ضعفت عساكر السلطان جم واستظهرت عليه جيوش السلطان بايزيد ثم هرب جم جريحاً إلى قونية ملتجئاً عند أولاد قرمان.

ولما علم أن الجيوش العثمانية تتعقبه أخذ اتباعه والتجأ إلى قايتباي ملك مصر إذ ذاك أما السلطان بايزيد فإن توجه إلى ديار القرمان واستولى عليها عقاباً لأمرائها على ما فعلوه من نصرة جم ثم عين ولده الأمير عبد لله والياً عليها ولما عاد إلى الإستانة عزل وزيره إسحاق باشا ونفاه إلى سلانيك وعين مكانه داود باشا صدراً أعظم وأخذ في ترتيب إدارة الدولة فنظم الباب العالي وعين للدولة أربعة وزراء.

وفي تلك الأثناء هاجم قاسم بك أمير قرمان السابق الأمير عبد الله الذي ولاه السلطان بلاده فأرسل السلطان عليه هرسك زاده أحمد باشا بجيش عظيم فاستظهر على قاسم بك المذكور وشتت شمله ولما عدم قاسم بك شيعته هرب إلى طرسوس وكان الأمير جم بعد التجائه إلى قايتباي ذهب إلى الحج وبعد عدوته سعى قايتباي في الصلح بينه وبين أخيه فلم يجد سعيه نفعاً ثم إن الأمير جم راسل قاسم بك المذكور واتفق معه على محاربة السلطان وتحزب معهما عدة أمراء فهزمهم السلطان بايزيد بقرب جبل طوروس بالجيش الذي أرسله صحبة كديك علي باشا ولما ضاقت الأرض في وجه الأمير جم أخذ يضرب في الأرض.

ثم ذهب أخيرأ إلى جزية رودس 1482م فتلقاه فرسانها بالترحاب وأنزلوه خير منزل وكان قبل ذلك سعى كثيراً في الصلح مع أخيه بشرط أن يمنحه بعض الاقطاعات فرفض هذا الطلب خوفاً من أن ذلك يؤدي إلى مالاً تحمد عاقبته ولما علم السلطان بالتجاء أخيه إلى فرسان رودس أرسل لهم رسولاً يطلب منهم إبقاء الأمير جم عندهم وعدم التصريح له بمبارحة الجزيرة المذكورة وفي مقابلة ذلك يتعهد لهم السلطان بعدم مس استقلالهم وأن يعطيهم سنوياً 45000 من الذهب فقبل رئيس الفرسان ذلك وقد وفى الفرسان بهذه الشروط ولم يصرحوا اللأمير جم بمبارحة الجزيرة وكذا لم يسلموا فيه حتى حينما طلبه ملك الجرو إمبراطور ألمانيا اللذان طلبا إطلاق سراحه للتشغيب به على الدولة العثمانية ولما خاف رئيس الفرسان من فراره أو أخذه منه بالقوة أرسله تحت الحفظ إلى مدينة نيس فأقام بها زمناً ثم نقل منها إلى مدينة سجري ومنها إلى غيرها مدّة سبع سنوات ثم إن رئيس الفرسان سلمه أخيراً 1489م إلى البابا أينوسان الثامن الذي خابر السلطان في ذلك وطلب منه أن يدفع إليه ما كان يدفعه لفرسان رودس بشرط أن يحافظ على الأمير جم فقبل السلطان منه ذلك وبقي الأمير جم عند هذا البابا حتى مات.

ومازال هذا الأمير جم مصاحباً الجيوش الفرنساوية حتى توفي في 21جمادى الآخرة سنة900 هـ 1495 م بمدينة نابولي ودفن ببلدة جابيت من أعمال إيطاليا وبعد ذلك نقلت جثته إلى بروسة ودفن في مقابر أجداده وكان سنة لما توفي36 سنة قضى منها نحو 13 في حالة تشبه الأسر وكان شاعراً لبيبا شهما ويقال إنه أصيب بالجنون في آخر حياته.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:33 PM
الوقائع البحرية في العهد المذكور:

لما حدثت الثورات والاضطرابات المتقدّمة بين مصر والاستانة انتهز البنادقة فرصة ذلك وأرسلوا أساطيلهم لمهاجمة سواحل الدولة العثمانية ولما تخلص السلطان من تلك المشاكل أصدر أمراً باستعداد العمارة وتجديد سفينتين طول كل واحدة منهما 180 قدماً وأن ينزل فيهما ألفا محارب خلاف ما بهما من الجنود البحرية لصدّ البنادقة عن تعدّياتهم ولما تمت المعدّات أقلعت الدوننمه 904هـ 1488م تحت قيادة القبودان داود باشا وكانت منقسمة إلى قسمين أحدهما تحت قيادة كمال رئيس والآخر تحت قيادة براق رئيس لطرد البنادقة من القلاع الباقية في يدهم بشبه جزيرة مورة ثم وصل المدد إلى قسم كمال رئيس حتى بلغت سفنه 300 سفينة مختلفة النوع والقدر وكانت عمارة البنادقة تحت إمارة أنطوني فريماني وكانت مركبة من 36 سفينة من نوع الغالي و 50 من نوع الغليون و 40 سفينة نقلية وبهذا كانت تفوق العمارة العثمانية قوّة وضخامة وعلى الأخص عندما انضم إليها أساطيل بعض الدول الأوروباوية البحرية التي صيرتها أعظم ما كانت عليه قبلا وكان رسوها أمام قلعة متون Modon الكائنة في شمال جزيرة سابيانجة بالجنوب الغربي من مورة وبقيت تلك العمارة في انتظار العمارة العثمانية حتى وصلت إلى تلك الجهة بعد مضي ثلاثة شهور من خروجها وعليها نيف و 2000 ألف مقاتل جميعهم قد تأهبوا للقتال وفاضت صدورهم بحب التشفي والانتقام من عدوّهم كما هو شأنهم وبعد وصولها بقيت عشرين يوماً بلا قتال ريثما أخذت كفايتها من المياه والذخائر ثم شكل كمال رئيس مجلساً حربياً من الأمراء للاتفاق على أحسن طريقة يمكن إتخاذها للقتال فتقرر بعد المداولة أن يحاربوا دوننما العدو قبل الدخول في جون أينه بختى L'epantes المدعو الآن بجون بتراس وبناء على ذلك تقدّمت الدوننما العثمانية وأخذت في إطلاق مدافعها على أساطيل البنادقة التي قابلتها بنيران قوية ثم حملت عليها والتحمت السفن ببعضها وكانت جيوش العثمانيين متشوقة للكفاح رغما عن التعب الذي صادفوه أثناء الطريق فما صدّقوا أن يروا رحى الحرب دائرة حتى انقضوا على عدوّهم انقضاضاً آذنه بالويل والدمار وبشره بسرعة الهزيمة والإنكسار.

وقد حدث أن بعض العثمانيين لم يستطع صبراً دون أن وثب داخلاً في سفن عمارة البنادقة والتصق بعساكرها وفتك فيهم فتكا شديداً فلم يكن إلا القليل من الزمن حتى لحق البنادقة ومساعديهم من العثمانيين ما لحقهم من الهزيمة وتمّ الانتصار لكمال رئيس واستولى على بعض سفنهم وأحرق البعض وأغرق البعض وانسحب الأميرال أنطوني فريماني بباقي سفن عمارته ورسا بها في فم جون أينه بختى فملم يشعر إلا والعمارة العثمانية مستعدة للحملة عليه ثانية ودخول الجون المذكور فلما رأى ذلك استعد لمقاومتها ولكن استعداده كان كحركة المذبوح فلم يجده نفعاً بل دخلت العمارة العثمانية الجون رغماً عنه وقام هو بمراكبه عائداً إلى عاصمة البنادقة خوفاً من ضياعها هي الأخرى فلما وصل العاصمة المذكورة وعرض لحكومته تقرير الواقعة عقدت له مجلساً حربياً لمحاكمته فحكم عليه بتجريده من رتبه ونزع العمارة من تحت قيادته وتسليمها لأميرال آخر يسمى تراويسانو.

وفي تلك الأثناء كان السلطان بايزيد تقدم بجيوشه براً إلى قلعة ابنه بختى فحاصرها وأمر العمارة بالحصار بحراً وبذلك سلمت القلعة ثم عادت الدوننما العثمانية بعد ذلك للاستانة لتمضية فصل الشتاء بها كالعادة السنوية وكان هرسك زاده أحمد باشا قائداً على الجيوش البرية ومعه مصطفى باشا وسنان باشا فعادوا بمعية السلطان إلى أدرنة وفي شتاء سنة905 هـ استوالت سفن البنادقة على جزيرة كفالونيا وهاجموا مينا برويزة واحرقوا بعض السفن العثمانية التي كانت راسية فيها.

ولما وصلت هذه الأخبار إلى الاستانة سير السلطان في سنة 906 هـ العمارة بحراً وأمرها بحصار قلعة متون السابق ذكرها ونهض هو بجيش عظيم براً من أدرنة إلى هذه القلعة وعند وصول العمارة إليها تلقاها الأميرال تراويسانو بأساطيل البنادقة فالتحم بينهما قتال عظيم جدّاً وأخيراً دارت الدائرة على الأميرال المذكور فعاد بالخيبة بعد أن خسر كثيراً من سفنه واستولت الدوننما العثمانية على سفينتين عظيمتين من سفن البنادقة أضافتهما إلى العمارة العثمانية واستولى العثمانيون أيضاً على قلعتي متون وقرون Coron ثم دخل السلطان مورة بجيوشه ولما رأى الأميرال تراويسانو ذلك قام فهجم على ميناناوارين واستولى عليها ومع ذلك فلم يمهله البطل كمال رئيس الشهير في الحروب الأندلسية بل تعقبه بثلاثين سفينة وحمل بها على أساطيله في ميناناوارين المذكورة وبعد فترة قصير من الزمن استولى على ثمان مراكب من أسطول البنادقة المذكور واسترد منها قلعة ناوارين فعاد الأميرال تراويسانو بعمارته منهزماً ومن شدة تأثره مما ناله من الخسران والانهزام أصيب بمرض شديد مات بسببه سيماو أن مثل هذا الانهزام كان السبب الوحيد في محاكمة سابقه وتجريده من رتبة وأن جمهورية البنادقة قد جعلته محل ثقتها وموضع الأمل بفوز عمارتها ونجاحها فلم يكن منه إلا خيبة المسعى وعكس ما كانت تأمله فيه.

وقد استمرت الدولة العثمانية في أيام بايزيد الثاني ملتزمة جانب السلم مع المالك المجاورة لها إلا أنها كانت لا تخلو عن فتن ومشاجرات داخلية لتعدد أجناس سكانها واختلاف نحلهم ومشاربهم ووجهتهم ولما كان هذا السلطان يميل إلى السلم والملاينة وديعاً يكره سفك الدماء بلا سبب استخف به جنوده وأولاده فكدرواصفو أيامه في آخر حياته وذلك أنه لما خاف منهم فرقهم في الولايات فعين الأمير قرقود بإحدى الولايات البعيدة والأمير أحمد على أماسيه والأمير سليمان وهو أصغرهم سناً على طرابزون وعين سليمان ابن ابنه سليم على كفة من بلاد القريم إلا أن سليمان لم يقبل بهذا المنصب لبعده عن مقر السلطنة وطلب من جدّه ولاية قريبة وبعد أخذ ورد عينه على مدينتي سمندرة وودين حقنا للدماء سنة 917هـ 1511 م .

ولما وصل خبر نجاح سليم لإخوته قاموا جهاراً على أبيهم فأرسل السلطان عليهم الجيوش فقمعتهم ولما كان الأمير سليم لم يكتف بمنصبه الجديد أيضاً سيما وأن اليكجرية كانوا يميلون إليه كثيراً قصد أردنة فاحتلها ونادوا به سلطاناً إلا أن والده لم يمهله بل جرد عليه حتى ألجأه إلى الفرار إلى بلاد القريم ثم سعى اليكجرية لدى السلطان حتى عفا عنه رضي برجوعه إلى سمندرة وبينما هو عائد إليها قابله اليكجرية وهونوا عليه الجلوس على تخت السلطانة فقبل منهم وساروا به إلى والده الذي لم يقدر في هذه المرة على المقاومة لتقدمه في السن وميل وكلاء الدولة عموماً إلى ولده بل التزم أن يتنازل له عن الملك وخلع نفسه وطلب أن يذهب إلى ديمتوقة ليمضي بها بقية أيامه وقد شيعه ابنه وسار بجانب عربته ماشياً مسافة طويلة إلا أنه لم يطل إليها بل مات في الطريق سنة 918هـ 1512م ويقال أنه مات مسموماً وسنهُ 67 سنة فنقلت جثته إلى الإستانة ودفن في تربته المخصوصة داخل جامعه وكان السلطان بايزيد لما ألح عليه وكلاء الدولة بانتخاب أحد أولاده للسلطنة لعدم مقدرته على تحمل مشاق الحروب ولتفاقم أخطار الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان يهدد الدولة بالهجوم وقع اختياره على ولده الأمير أحمد ووافقه بعض الوكلاء على ذلك إلا أن اليكجرية هاجوا وماجوا وطلبوا تعيين السلطان سليم لاتصافه بعلو الهمة والجسارة وهجموا بعض بيوت الوزراء ونهبوها وعتد ذلك ألح الوكلاء على السلطان حتى قبل بتعيين ولده السلطان سليم.

السلطان سليم الأول الملقب بياوز 918هـ926هـ:

قبض على زمام الملك وسنه 46 سنة وكانت الأحوال الداخلية في ارتباك لأن السلطان أحمد كان يدعى الحق في السلطنة لأنه أكبر سناً ولأن والده كان انتخبه قبل تنازله عن السلطنة وصادق على ذلك كبراء الدولة فساق جيشاً تحت قيادة ولده الأمير علاء الدين، وفي تلك الأثناء وفد من كان ببروسة من أولاد السلاطين إلى استانبول وبايعوا السلطان سليم وأخذوا منه الإذن فأذن لهم بالعودة والإقامة ببروسة ثم بعد ذلك تزايدت أدعاءات أخيه السلطان أحمد وأخذت أفكار كبار الأناضول تتغير وتميل إلى جهته فخاف السلطان نتيجة ذلك ودبر حيلة لإطفاء نار هذه الثورة الداخلية فأمر بقتل جميع إخوته وأولاد إخوته وأقاربه الذين صرح لهم قبلاً بالإقامة في بروسة وكانوا كثيرين وبعد قتلهم خاف أخوه قور قود وأرسل للسلطان تنازلاً عن جميع حقوقه ومدعياته ولكنه مع ذلك قتل بإغراء بعض أصحاب الغايات ولما وصل للسلطان أحمد خبر هذه الحوادث خاف على نفسه ولم يجد طريقة للتخلص سوى كونه توجه بنفسه إلى الاستانة والتجأ لمرحمة أخيه ومع ذلك قتله السلطان خوفاً منه في المستقبل وكان للأمير أحمد هذا ولدان التجأ أحدهما بعد قتل أبيهما وهو الأمير مراد إلى بلاد العجم عند الشاه إسماعيل الصفوى مؤسس الدولة الصفوية والتجأ الآخر وهو الأمير علاء الدين إلى الملك الأشرف قانصوه الغوري ملك مصر ولما طلبهما منهما امتنعا عن تسليمهما فكان ذلك داعية لوقوع الحرب بينه وبين هذين الملكين.

حرب إيران 920هـ:

قد كان الشاه إسماعيل الصفوي يجتهد كثيراً في إيجاد القلاقل والاضطرابات في داخلية الدولة العثمانية فبث لذلك بذور الفساد في جميع الجهات المتاخمة له منها ولهذا رأى السلطان سليم أن من الضروري جداً استئصال بذور هذا الفساد ولما بلغه أن كثيراً من رعايا الحومة العثمانية تمذهب بمذهب الشيعة على أيدي دراويش القزل باش الذي بثهم الشاه إسماعيل بالجهات أمر بحصرهم وتعدادهم في السر فبلغوا أربعين ألفا أو نحوها وقصده في ذلك أخذ الاحتياطات اللازمة ليمكنه تجنب ما عساه أن يحدثوه بداخليه البلاد إذا اشتبكت الدولة في حرب أجنبية.

ثم عقد السلطان بمدينة أدرنة مجلساً جمع إليه جميع الوزراء والقوّاد وبعد مداولات استمرت طويلاً أقروا جميعاً على إعلان الحرب على الشاه إسماعيل ثم خرج السلطان من أدرنة 920هـ قاصداً استانبول فأقام بها أياماً ثم ترك ابنه الأمير سليمان نائباً عنه بتلك المدينة وانتقل إلى مدينة إسكدار وبعد أن تمت لديه الاستعدادات خرج من إسكدار قاصداً بلاد العجم وبينما هو يسير في الطريق إذ قبضت جنودهعلى جاسوس إيراني ولما أتوا به في حضرة السلطان أمر بإطلاق سراحه وأعطاه مكتوباً يتضمن إعلان الحرب إلى الشاه إسماعيل وما زال الجيش العثماني يتقدم من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى سيواس وهناك استعرضه السلطان وأمر بإحصائه فبلغ 140000. جندي ترك منه40000. للمحافظة بين سيواس وقيصرية.

وتقدّم هو بالباقي، عند ذلك أخذ محمد خان حاكم جهات دياربكر في تخريب المزارع وهدم القرى ببلاد كردستان ثم انكمش بجيوشه داخل بلاد العجم وكذا الشاه إسماعيل لم يتجاسر على الظهور أمام العثمانيين ولم يجاوب أيضاً على الكتابين اللذين أرسلهما له السلطان تباعاً ثم لما تقدمت الجيوش العثمانية في صحارى بلاد الفرس اعتراهم الضجر واستولى عليهم الملل وأخذوا يتكلمون فيما بينهم بأن هذه المحاربة لا نتيجة منها ولما بلغ السلطان تذمر الجنود خاف سوء العاقبة فقبض على بعض أصحاب الجراءة منهم وقتلهم إرهاباً للغير وأمر بالتقدم إلى مدينة تبريز وعندما وصلوا إلى مدينة طراجان إذ باليكجرية فوضوا خيامهم بغتة وأخذوا في إطلاق بنادقهم على خيمة السلطان عند ذلك ركب السلطان وخلفه وزراؤه ونادى في الجنود قائلاً من أراد النوم على بساط الراحة في بيته فليرجع ومن أراد ملاقاة الأعداء في ساحة الوغي فليأت معي وإن أحببتم جميعكم العودة فلكم ذلك وأنا أتقدّم بمفردي ولم يكد يتم كلامه حتى أشار الجنود بأجمعهم بعلامة الطاعة والانقياد.

وبعد ذلك بأيام أتى جواب الشاه إسماعيل رداً لمكاتيب السلطان الثلاثة ومعه كأس به نوع معجون فأجابه السلطان في مقابلة تعريفه هذا بأن أرسل له كسوة من لباس النساء يحرضه بذلك على الخروج إلى حربه وفي آخر الأمر خرج الشاه إسماعيل بجنوده حتى أشرف على طليعة العثمانيين التي كان على قيادتها شهسوار زاده علي بك وعلي بك ابن ميخال وغيرهما ثم تلاقى الجيشان بصحراء جالديران عند ذلك أخذ العثمانيون في تعبية جنودهم على الطريقة المتبعة إذ ذاك في جيوشهم ووقف السلطان خلف الجنود في مكان يشرف منه على ميدان القتال ومعه وزراؤه وهم هرسك زاده أحمد باشا وأحمد باشا ابن دوقه كين ومصطفى باشا وجعل الجنود المدافع خلف ظهورهم ليخفوها عن أعين الفرس ووضعوا أمامهم عربات النقل والجمال وقد كان الجيشان في العدد سواء إلا إننا لوا اعتبرنا ما أصاب العثمانيين من الضعف الذي استولى عليهم من السير مدّة أشهر وسط بلاد قاحلة وصحار مقفرة لقلنا أنهم أضغف حسا ومعنى من أعدائهم.

وقد كان جيش الإيرانيين مؤلفاً جميعه من الخيالة ومنهم فرق تلبس الزرد وفرق من طوائف الفداوية المشهورين وكان بمعية الشاه كثير من الأمراء والأعيان والمشايخ وغيرهم ولم يكن بجيشهم أسلحة نارية ولما استعد الشاه للمحاربة قسم جيشه إلى فرقتين جعل إحداهما تحت رياسته والأخرى تحت رياسة أشهر قوّاده ثم أغار بفرقته على الجناح الأيسر لجيش العثمانيين المؤلف من عساكر الرومللي فهزمهم وقتل منهم كثيراً من ضمنهم رئيسهم حسن باش ولما أرادت الفرقة الأخرى الهجوم على الجناح الأيمن قابلها العثمانيون بجنان ثابت وأعملوا مدافعهم قصدوها بعد أن ألحقوا بها خسائر جمة ثم تقدّموا إلى قلب الجيش فبددوا شمله وقتلوا منه مقتلة عظيمة عند ذلك ولى الفرس الأدبار واستولى العثمانيون على مضاربهم وما كان معهم من الذخائر والأدوات وجرح الشاه إسماعيل فسقط عن جواده وكاد يقع في قبضة العثمانيين لولا أن أغاثه اثنان من مماليكه ووقعت خيمته وحرمه وخزائن أمواله في قبضة العثمانيين وقتل في ذلك اليوم من الفرس أربعة عشر أميراً ومن العثمانيين أربعة عشر من أمراء السناجق غير ما قتل من جنود الطرفين.

وفي اليوم الثاني من هذا الانتصار تقدّم الجيش العثماني يقصد تبرير فدخلها ظافراً ولما كان في نية السلطان تمضية فصل الشتاء بمدينة أذربيجان والعودة في السنة المقبلة لتعقب الشاه وإزالة بناء الدولة الصفوية من الأساس لم يمكث بتبرير غير ثمانية أيام تفرّج في أثنائها على آثار تلك المدينة وصلى الجمعة بجامعها الأعظم وخطب له باسمه على منبره وعند وصول السلطان إلى مشتاقره باغ أخذ في محاسبة جنوده وقوّاده فقتل منهم من استحق القتل عقاباً وكافأ من استحق المكافأة جزاء وكانت هذه المحاربة سبباً في أفول نجم الشاه إسماعيل بالمرة.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:34 PM
استيلاء العثمانيين على مصر 922هـ 923هـ:

قد سبق ذكر الفتور في العلاقات الذي حدث بين ملوك الجراكسة حكام الديار المصرية والشامية وبين السلطان محمد خان الفاتح وما تسبب عن ذلك من الحروب التي قامت بينهم وبين السلطان بايزيد خان وتوسط فيها العلماء وملك تونس حقناً للدماء حتى أصلحوا ذات البين إلا أنه لما كانت حكومة ذي القدرية هي الحد الفاصل بين مصر والدولة العثمانية وكانت مركزاً للفتن والدسائس اهتم السلطان بإزالة حكومتها وقتل أمرائها فوقع هذا العمل عند الملك الأشرف قانصوه الغوري موقعاً سيئاً وطلب من السلطان الترضية عن ذلك بأن تستمر الخطبة في الأقليم المذكور باسم قانصور فجاوبه السلطان على مكتوبه بألفاظ التهديد والوعيد وبعث له برأس الأمير علاء الدولة آخر أمراء بلاد ذي القدرية.

فقام الغوري لذلك وقعد وعزم على الأخذ بالثأر وأخبر بذلك محالفة الشاه إسماعيل الذي أخذ في إضرام نار التحريض في قلبه مشجعاً له على محاربة آل عثمان وأعدا إياه بالمساعدات فأخذ السلطان الغوري في جمع الجنود والإكثار من العدة والسلاح على حد قول المثل: استعد بالسلاح إن أردت الصلح والصلاح.

وفي سنة922 هـ جهز السلطان جيوشه مظهراً أنه يريد الحملة على بلاد إيران مع أنه في الحقيقة مصمم على فتح بلاد مصر ثم خرج الوزير الأعظم خادم سنان باشا طليعة بجيش مؤلف من أربعين ألف مقاتل واتجه إلى قيصرية ومنها إلى ديار بكر ثم قام السلطان بعده بجيش عظيم يبلغ مائة ألف وخمسين ألف مقاتل ومعه المدافع الكثيرة والعدد الوافرة وأرسل المولى ركن الدين قاضي عسكر الرومللي مع قره جه باشا من طرفه إلى سلطان مصر ليقفوا على حالته ونواياه وكان قبل خروجه ترك على مدينة أدرنة ولده الأمير سليمان وعلى إستانبول الوزير بري باشا وعلى بروسة هرسك زاده أحمد باشا وأوصاهم بالمحافظة على الأمن وسير أيضاً اسطولاً عظيماً للذهب إلى مدينة الإسكندرية تحت قيادة القبودان جعفر بك.

وكان السلطان الغوري يتوجس شراً من استعدادات السلطان وقد قوى عنده هذا الفكر خصوصاً حينما وصلت الأساطيل العثمانية إلى مياه الإسكندرية عند ذلك اهتم بالاستعدادات الحربية وخرج بجيش عظيم إلى مدينة حلب مترقباً ما سيحصل ثم بث العيون في كل مكان ليأتوه بالأخبار وأخذ أيضاً في مخابرة أوزون حسن والشاه وإسماعيل المقهورين ليتفقوا جميعاً على الإغارة على البلاد العثمانية وغير ذلك وبينما الغوري بحلب إذ قدم عليه سفير السلطان فأمر بالقبض عليهما وكبلهما بالقيود وألقاهما في السجن وبعد أيام أخلى سبيلهما وطيب خاطرهما وردهما إلى بلادهما.

وبينما هما في الطريق قابلا الجيش العثماني بمكان يقال له بوجاق دره ولما أخبرا السلطان بما حصل لهما وما شاهداه أمر جيشه بالاتجاه نحو الجنوب لأنه كان يروي يقصد في أول الأمر التنكيل بالشاه إسماعيل ثم يقصد مصر بعد ذلك فانحدرت جيوش نحو مصر ولما وصل إلى مدينة عينتاب أتاه واليها المصري المدعو يونس بك طالباً الأمان فأمنه وجعله دليلاً وما زال يقطع الفيافي والقفار حتى وصل إلى مرج دابق القريب من حلب في 26رجب سنة 922 أغسطس 1516م وتلاقت عساكره مع عساكر الغوري وبعد مناوشات بقيت أياماً حصلت بين الطرفين محاربة عظيمة انجلت عن هزيمة المصريين هزيمة منكرة وقتل قانصوه وكثير من أمرائه واغتنم السلطان سليم جميع أمواله وذخائره ثم دخلت الجنود العثمانية مدينة حلب فاغتنمت جميع ما بها من النقود والأشياء النفيسة ثم بعدها استولى السلطان على حماة وحمص ودخل دمشق الشام بكل سهولة وانقادت لسلطانه جميع مشايخ العرب والدروز.

وبعد أن مكث ببلاد الشام نحو أربعة شهور للنظر في أحوالها استمر سائراً نحو الجنوب وفتح في طريقه قلعة القدس الشريفة وغزة واستصحب معه وإليها جانبرك الغزالي ثم عقد مجلساً من القواد والأمراء فاستقر رأيهم على التقدم لفتح بلاد مصر ولما وصل إلى صحراء السويس بلغه أن طومان باي الذي تبوّأ تخت مصر بعد قانصوه الغوري وكان ولاه عليها قبل سفره يهتم بتجهيز الجيوش وإعداد العدد لصده عن دخول مصر فأرسل له السلطان بأن يكف عن ذلك وهو يبقيه على الديار المصرية بشروط منها الإقرار بالتابعية العثمانية وضرب السكة باسم السلطان وكذا تكون الخطبة فلم يقبل وفي يوم 29 ذي الحجة من السنة المذكورة تقابل مع جنود طومان باي قريباً من الخانقاه بمكان يدعي الريدانية وحصلت معركة شديدة انهزم فيها عساكر طومان باي بعد أن أظهروا من الفروسية والشجاعة ما لا يوصف مع عدم حيازتهم للأسلحة النارية وأسر المصريون سنان باشا فقتله طومان باي ببركة الحج وكذا قتل من أمراء العثمانيين في هذه الواقعة محمود بك ابن رمضان ويونس بك والي عينتان المتقدم وغيرهما.

وبعد قتل طومان باي دخل السلطان سليم القاهرة عاصمة الديار المصرية وكان قبل ذلك يقيم هو وجنوده بجزيرة الروضة 923هـ ثم أنه رحل إلى الإسكندرية في طائفة من جنوده وأبقى بها حامية تحت قيادة جعفر بك وأسطولاً لحماية البلاد من تلك الجهات ثم عاد إلى القاهرة مهتماً بتنظيم أمورها والنظر فيما تحتاجه.

انتقال الخلافة الإسلامية لسلاطين آل عثمان 922هـ:

لقد كان فتح الدولة العلية لبلاد مصر ودخول هذه البلاد المشهورة من القديم بالثروة وحسن الموقع في عداد الولايات العثمانية موجباً للفوائد العظيمة مالية كانت أو سياسية ومن حسن حظ السلطان سليم أنه في أثناء إقامته بمصر حضر ابن أبي البركات شريف مكة المكرمة وقدم له بيده مفاتيح الحرمين الشريفين طائعاً مختاراً وهنأه بالفتح بالنيابة عن والده وصارت الخطب التي تتلى بالمساجد في أيام الجمع والأعياد بعد فتح حلب يذكر فيها السلطان بعنوان خادم الحرمين الشريفين وأنه عند عودته إلى القسطنطينية أخذ معه المتوكل على الله آخر الخلفاء العباسيين بمصر وتنازل له المتوكل عن الخلافة الإسلامية فانضمت من وقتئذ الخلافة الإسلامية الكبرى للسلطنة العظيمة العثمانية وأنه في أثناء إقامة السلطان بمصر قدم له الرئيس بارباروس خير الدين الطاعة وبذلك صارت بلاد البر بر معدودة ضمن إلا يالات العثمانية.

وفاته:

وفي سنة 926 هـ خرج بجيش عظيم كامل العدد والعدد يقصد مدينة أدرنة فمات بالطريق.

ولقد كان رحمه الله من أكبر السلاطين وأعظمهم همة وأوفرهم عقلاً وأسدهم رأيا وأثبتهم جناناً وأعلمهم وأقدرهم وأمضاهم عزيمة شديد الشكيمة وكان يستدل من أطواره وحركاته تحقيق أقصى أمانى موسى بن نصير وعبد الرحمن الغافقي من المجاهدين السابقين من إدخال البحر المتوسط الأبيض في دائرة الإسلام وضم الممالك الإسلامية المتفرقة إلى رأي واحد ووجهة متحدة ولو أمد الله في أجله لكان حقق هذه الأماني الشريفة وكان يقول الشعر بالبحر الأحمر بواسطة ترعة تمر من برزخ السويس كالتي فتحت حديثاً لولا أن وزراءه ثنوا عزمه عن هذا الأمر وكان قصده منه إرسال الأساطيل بحراً لقتال سلطان المغول ببلاد الهند وهو من سلالة تيمور لنك مقابلة لما فعله بالعثمانيين.

السلطان الغازي سليمان خان القانوني 929-974هـ:

كانت ولادة هذا السلطان العظيم والملك الجليل الذي بلغت الدولة العثمانية في حكمة أعلى درجات الشرف والكمال سنة900 هـ ولما وصله خبر موت أبيه سراً لأن الوزراء وأرباب الدولة كانوا أخفوا موته لئلا يثور اليكجرية قام مسرعاً من إقليم صاروخان إلى أن دخل استانبول وقابله أرباب الدولة والجنود على اختلاف طبقاتها بالتهليل والترحيب وطلبوا منه الانعام بالهدايا المعتاد توزيعها عند جلوس السلاطين، ولما جرت رسوم المقابلات وفد عليه جميع الأمراء والوزراء والقواد والأعيان وكانوا يعزونه بموت والده ويسلمون عليه بالسلطنة والخلافة وبعد أيام من جلوسه أتت جثة أبيه فاحتفل بدفنها احتفالاً عظيماً وأمر بأن يشيد عليها الجامع الشهير اللآن وهو من أعظم جوامع إستانبول ولما صعد على تخت الخلافة أخذ في سَنِّ القوانين والنظامات الكافلة بتمكين بنيان الدولة والتفت أيضاً إلى تنظيم الجيوش وتقوية أساطيل البحر الأسود والبحر المتوسط الأبيض.

ولما علم والي الشام جانبرد الغزالي بموت السلطان ظنّ أن ذلك فرصة مناسبة لتحقيق أمانيه فأثار فتنة واستولى على قلعة دمشق وغيرها وراسل خير بك عامل مصر على الانضمام معه مسهلاً عليه أمر الفوز لارتباك السلطنة كدعواه وبُعْد دار الخلافة عنهما فجاوبه خير بك بالمراوغة وأرسل مكاتيب الغزالي إلى السلطان فعّين السلطان الوزير فرهاد باشا بجيش وحاربه حتى تمكن من ردعه ثم قبض عليه وقتله 927هـ وأرسل رأسه إلى الاستانة وتعين مكانه إياس باشا والياً على بلاد الشام ثم أمر السلطان فردها باشا بالذهاب إلى الحدود الشرقية لمقابلة جيوش الشاه إسماعيل وصدهم عن شنّ الغارات.

وفي تلك الأثناء أرسل السلطان سليمان مأموراً مخصوصاً من طرفه لمقابلة ملك المجر لتسوية بعض المسائل الموقوفة بين المملكتين ولإخباره بارتقاء السلطان على كرسي السلطنة، فلما وصل هذا المأمور قتله ملك المجر فساء هذا الأمر السلطان وأمر جيوش الرومللي بالاستعداد ثم شكل منهم جيشاً تحت قيادة الوزير أحمد باشا ثم خرج السلطان مع معظم الجيش من مدينة أدرنة وأمر يالي بك بغزو بلاد كرواسيا أو الحزوات وخسرو بك محافظ سمندرة بحصار بلغراد ومحمد بك بن ميخال بغزو جهات ترانسل فانيا ثم فتح أحمد باشا قلعة بكوردلن واستولى بيرى باشا الصدر الأعظم على قلعة زميني وضم جهات سرم بالقوّة إلى الممالك العثمانية وألقى السلطان بنفسه الحصار على بلغراد وبعد أن حاصرها نحو شهرين ونصف وخرب أسوارها بالألغام استولى عليها عنوة 927 هـ .

ولما دخلها صلى الجمعة بإحدى كنائسها التي حوّلت فيما بعد إلى مسجد وقد كانت هذه المدينة أقوى حصن للمجر مانع لتقدم العثمانيين إلى ما وراء نهر الدانوب ثم أعلن السلطان ملوك أوروبا بهذا الفتح ولما تم فتحها ألحق بسنجقية سمندرة وصارت فيما بعد تابعة لولاية بوسنة وفي تلك الأثناء استولى العثمانيون أيضاً على قلاع (اسلانقمش وقونك وأيق وأبرشوه) من بلاد المجر ثم عاد السلطان إلى دار الخلافة غانماً ظافراً.

وبعد عودته إلى استانبول أرسل إليه رؤساء جمهوريتي النبادقة وراغوزة يهنئانه بالفتح وأرسل إليه أيضاً وسيلى قيصر الروس يهنئه ويعرض عليه عقد معاهدة دفاعية وهجومية بين المملكتين وذلك على يد مدير قصره المدعو جان موزوروف وكان يحمل صورة تلك المعادهة فلم يقبل السلطان ذلك.

وفي سنة 928 هـ أمضيت بين الدولة العثمانية وجمهورية البنادقة معاهدة تجارية تؤيد المعاهدات السابقة على يد سفيرها المدعو مارقو ممون وزيد عليها أن قنصل الجمهورية أي وكيلها بإستانبول يغير كل ثلاث سنوات وأن يكون له الحق في نظر أمر تركات رعيته وأن يرسل من طرفه ترجماناً لحضور المرافعة التي تقام ضدّ رعايا حكومته أمام المحاكم العثمانية وأن يكون المبلغ الذي تدفعه إلى الدولة نظير احتلالها جزيرتي قبرس وزنظة عشرة آلاف دوكا عن الأولى وخمسمائة عن الثانية ولهذه والمعاهد أهمية عظمى لأنها أس الامتيازات الأجنبية ببلاد الدولة العثمانية.

فتح جزيرة رودس 929هـ:

لما انتشر خير التجهيزات المذكورة وما عزم عليه السلطان خافت فرسان ردوس سوء العاقبة فأسرع رئيسهم المدعو ويليه دوليل أدم De Villiers de l'lle-Adam وأرسل سفراء من قبل إلى الباب العالي بأنه مستعد لدفع جزية سنوية للدولة قاصداً بذلك تحويل السلطان عن نيته حتى يتيسر لأوروباً إمداده إلا أن السلطان طلب منه إخلاء الجزيرة وأن يأخذ معه كافة أمواله وكل من يريد الهجرة ولما لم يقبل أقعلت الأساطيل تحمل الجنود ومدافع الحصار الضخمة 928هـ وكانت الدوننما مركبة من 300 سفينة حربية و 400 سفينة نقلية تحت قيادة القبودان ييلان مصطفى باشا وبها 1000مقاتل تحت قيادة الوزير الثاني داماد مصطفى باشا ثم خرج السلطان بجيش عظيم براً قاصداً قرضة مرمريس الواقعة بساحل الأناضول تجاه جزيرة رودس للإمداد والوقوف على حركات التجريدة.

وفي اليوم الرابع من شهر شعبان من السنة المذكورة وصلت الأساطيل إلى ساحل الجزيرة المذكورة أمام المكان المسمى الآن جم باغجه ولأجل إشغال أهالي رودس حتى تخرج العساكر بالسهولة أخذت السفن تمر أمام قلعتها الحصينة ذهاباً وجيئة فأطلق عليها المحافظون قنابل كالأمطار ولكن لم تصب السفن بشيء منها القربها من الساحل ثم رست مع باقي السفن في فرضة أو كوزبورنو الواقعة غربي الجزيرة وأخرجت المهمات والذخائر ومدافع الحصار ثم شرع القائد عند ذلك في ترتيب نظام الحصار حول مدينة رودس وبينما كان مصطفى باشا يحاصر المدينة وصل السلطان براً مع الجيش إلى فرضة مرمريس وذهبت السفن إليه فنقلته مع الجيش إلى الجزيرة وبعد أن شاهد حصونها شرع في ترتيب أمر الحصار بنفسه.

ولما رأى متانة القلاع التي شيدها فرسان الجزيرة حول مدينتهم وما أظهروه من الشجاعة والإقدام في أمر الدفاع أصدر الأوامر المحتمة بتشديد الحصار براً وبحراً ومداومة الهجوم واستعمال المدافع الجسمية وغير ذلك من الترتيبات ومع هذا فقد استمر الحصان مدة سبعة شهور متوالية ولما رأى الفرسان أن التضييق عليهم وتخريب قلاعهم أضرا بهم وعلموا أن السلطان لا يرجع عن منازلتهم إلا بالاستيلاء على المدينة، سيّما وأنه هو القائم بنفسه على قيادة جيوشه وأن ليس في إمكان أوروبا إمدادهم بادروا بالخضوح وطلبوا تسليم المدينة للسلطان فعند ذلك أصدر الأوامر للأساطيل والجيوش بالكف عن الحرب وأرسل إليهم زغرجي باشا رئيس اليكجرية لعقد شروط التسليم.

وفي تلك الأثناء وصلت سفن من أوروبا لمساعدة الفرسان فلما رأوها ظنوا أنهم تقووا بها وصار في إمكانهم صد أبطال العثمانيين فعادوا للمدافعة والمقاومة فأمر السلطان بزيادة التضييق والأكثار من الهجوم عليهم فلم يفلحوا فيما ظنوه بل صار لهم ضغثا على إبالة لأنهم بعد أن خسروا خسائر عظيمة عادوا وطلبوا الأمان من السلطان فأمنهم وأتى رئيسهم فلاري آدام بنفسه إلى خيمة السلطان لعقد شروط التسليم التي كان من ضمنها التصريح لكافة أمراء الفرسان المذكورين ومن تبعهم بمبارحة الجزيرة وأن يأخذوا أمتعتهم وأسلحتهم الخصوصية فقط وغير ذلك ولما تمّ عقد الشروط استولى السلطان على قلاع المدينة المذكورة في يوم 7 صفر سنة 929هـ 1522 م واحتلتها جنوده أما فرسان القديس يوحنا فإنهم ذهبوا إلى جزيرة مالطة وأمن السلطان الأهالي وصرح لهم بمعاطاة أعمالهم وإجراء رسوم دينهم بكمال الحرية.

ولما كان السلطان مشتغلاً بفتح رودس اتخذ لويس الثاني ملك المجر ذلك فرصة وتعدي على حدود الدولة بالروسللي فقاومته جنود نكيولي وسمندرة فلما عاد السلطان وبلغه هذا الخبر صمم على محاربة المجر فأرسل جيشاً مركباً من 300 ألف مقاتل تحت قيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا 932هـ 1526م وأسطولاً مركباً من 800 سفينة مشحونة بالذخائر والعدد إلى نهر الطونة ثم خرج السلطان بنفسه حتى وصل إلى جهة سرم بعد أن عبر نهر صاوه على جسر ودخل الصدر بجيشه بلاد المجر وفتح جملة بلاد منها راجه و أرادين و أبلوق و أرك و غراغوريجه و جرويك و برقاص و ديمتروقجه و توكاى و يوادخ و برا جه و دوكن و صوتين و بقوار و أرداد وغيرها ثم تقابل مع جيش مجري مؤلف من 150 ألف مقاتل يقوده لويز الثاني ملك المجر بنفسه في صحراء مهاج Mohacs وانتشب بينهما القتال وفي أثنائه وصل السلطان الغازي مع جموعه فأخذ قيادة الجيش بنفسه فتقوّت بذلك قلوب العثمانيين وتضاعفت شجاعتهم الفطرية خصوصاً لما نادى السلطان فيهم مشجعاً حاثاً محرضاً واعداً متوعداً فلم يمض على ذلك غير القليل حتى انهزم المجريون مع من كان انضم إليهم من جيوش الكرواسيين مساعديهم.

وبينما كان لويز الثاني يولي الأدبار ساخت قوائم فرسه في غدير فوقع وقعة شديدة كان فيها حتفه ومات من جنوده في هذه الواقعة أكثر من عشرين ألف جندي وبعد قليل استولى السلطان على مدينة بودين (بوده) تخت مملكة المجر بلا حرب وأمر فنقل منها جملة آثار قديمة إلى الإستانة العلية ثم بعد ذلك استولى على مدينة واردين وفتح قلاع بشته بست وزجدين وباجقه وتتل وباج وسيتا وبانقه و ببرلك و قميني و فلك حاجي وعدة جهات من جنوبي تلك المملكة ثم قفل راجعاً إلى استانبول منصوراً ظاهراً.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:35 PM
محاصرة ويانة:

لما لم يكتف السلطان باسترداد بودين واقعاً دجان زابولي على تختها أراد أن يظهر لفريدينند وشرلكان ما عليه العثمانيون من القوّة والاقتدار فصمم على محاصرة مدينة ويانة المسماة في التواريخ القديمة العثمانية باسم بج ولما سمع فردينند بعزم السلطان أخذ في جمع الجنود واستمد شرلكان واستعد لصد العثمانيين الذين لما وصلوا إلى جهات استرغون بلغهم أنّ فردبنند لما لم يتمكن من جمع القوّة الكافية للمدافعة ترك عاصمته وانسحب إلى الجهة الأخرى من مملكته فتفرق العثمانيون فرقاً عديدة أخذت في النهب والتخريب والإغارة حتى وصلت في العشرين من شهر محرم من السنة المذكورة إلى مدينة ويانة وهناك نصبوا خيامهم وحطوا رحالهم واستعدوا لإلقاء الحصار عليها.

ولم يكن بتلك المدينة للنمساويين سنة 20 ألف جندي 72معهم مدفعاً أما جيش العثمانيين فكان يتألف من 120ألف مقاتل معهم 400 مدفع ثم حصل بين العثمانيين والنمساويين نحو عشر وقائع كان النصر فيها جميعها للعثمانيين ولما رأى السلطان أن العدوّ كف عن القتال وما عاد يخرج من المدينة كالسابق وأن فصل الشتاء قد أقبل وأنه لم يجلب معه مدافع الحصار العظيمة لأن مجيئه لم يكن القصد منه الاستيلاء على ويانة التي لا يمكن فتحها إلا بالمدافع الضخمة قرر العودة إلى استانبول للأسباب المذكورة وفي تلك الأثناء أتى مأمور من عند النمساويين للمكالمة في الصلح مخبراً بأن دولة النمسا تتعهد بالامتناع بعد ذلك عن المداخلة في أحوال المجر ثم أطلق سراح الأسرى من الجانبين وعاد السلطان إلى الاستانة وقد تحمل الجيش مشقة عظيمة عند الرجوع لحلول فصل الشتاء 936هـ .

آل خير الدين وأصلهم وحوادثهم:

أعلم أن أصل هذه العائلة من صحراء آجه بالأناضول كان والدهم من عساكر السياهي انتقل إلى جزيرة مديللي بعد فتحها صحبة الجيش المحافظ واتخذها موطنا له ورزق هناك بأربعة أولاد وهم إسحاق وأورج وخضر وإلياس ولما وصلوا إلى سن الرشد اشتغل أحدهم وهو إسحاق بالتجارة واشتغل الثلاثة الباقون بالأسفار البحرية للكسب والغنيمة فكان خضر يتردد بالأسفار زمن السلطان بايزيد على سواحل مروة وسلانيك وكان أوروج وأخوه إلياس يتردد أن على السفر إلى مصر وبر الشام فصادفا مرة في بعض أسفارهما سفنا لقرصان رودس قبل فتحها فحصل بينهما وبين هذه السفن محاربات دموية قتل فيها إلياس وأسر اوروج .

فلما بلغ الأمير قورقود ابن السلطان بايزيد وهو حاكم القرمان تلك الحادثة تداخل في الأمر حتى تمكن من إطلاق أوروج الذي صمم على الأخذ بالثار من أعدائه واستأذن الأمير المشار إليه في الخروج فأمده بسفينة ذات ستة وثلاثين مقذافاً وكان السير بالبحر الأبيض المتوسط في الوقت المذكور محفوفاً بالأخطار لتعرض سفن القرصان للمراكب التجارية ولعدم الأمنية كانت السفن التجارية مضطرة لأن تكون دائماً مجهزة بالآلات الحربية.

ثم تقابل مع أخيه خضر بالقرب من جزيرة جربة واتفقا مع الأمير محمد الحفصى سلطان تونس على أن يتنازل لهما عن قلعة حلق الوادي ليجعلاها مركزاً لها ويكفيانه بذلك شر أعدائه ويقاسمانه في كافة الغنائم التي يستوليان عليها ولما قبل منهما ذلك أخذا يتجولان بسواحل أوروبا للغزو والغنيمة ولما انضم إليهما بعد ذلك أخوهما إسحاق الذي كان يشتغل بالتجارة كثرت مراكبهم وطار ذكرهم وعلا اسمهم في البحار وقد امتلك المذكورون بمشال أفريقية مدن جيجلي والجزائر وشرشيل وتنس وتلمسان وبجاية وصاروا حكاماً عليها ثم اتحد الاسبانيول مع التلمسانيين بقصد الإيقاع بالبارباروسيين المذكورين وبعد أن حاصروهم ستة شهور بتلمسان حصاراً شديداً استشهداً الأخوان المذكوران فبقى أخوهم خضر بعد ذلك صاحب المدن التي بقيت لهم من المدن المذكورة يحكمها مستقلاً فحاز هناك وبسواحل أوروبا شهرة عظيمة وذكراً مهيباً حتى كان الافرنج يخوفون بذكره أطفالهم.

محاربة كورفز البحرية الشهيرة:

لما أقلعت الدوننما السلطانية من استانكوي ووصلت إلى اغريبوزلحق بها أسطول صالح بك المذكور وبعد أن أخذت ما يلزمها من الماء والذخيرة وتركت ما معها من السفن الضخمة أقلعت قاصدة الجزائر السبعة وبوصولها إلى متون رست بها وهناك علم خير الدين باشا أن أساطيل الدول المتحدة مجتمعة أمام بره ويزه تحاصرها وكانوا شددوا عليها لحصار فأرسل صالح بك بإسطوله إلى تلك الجهة للاكتشاف ولما وصل الأسطول المذكور إلى جزيرة زانطة شاهد فرقة بحرية من سفن الأعداء آخذة في التقديم نحو الشاطئ ولما وصل إلى جزيرة باكسو وشاهد الأعداء تموج العلم العثماني تركوا يره ويز ورجعوا إلى جزيرة كورفو.

أما خير الدين باشا فإنه بعد أن أخذ ما يكفيه من المياه من بلدة حلوميج قصد كفالونيا وأنزل فيها بعض جنوده وتقدم نحو ميناء يره ويرة مظهراً للأعداء سطوة العثمانيين وتلاقى بأسطول صالح بك ثم قوى قلعة يره ويزه ووضع فيها ذخائر حربية كثيرة وزاد في حاميتها من عساكر الدوننما ثم أخذ يراقب أحوال دوننما الأعداء المجتمعة بخليج كورفو مقدراً قوتها ثم عرض ما رآه من ذلك على السلطان.

وفي غرة جمادى الأولى من سنة945هـ 1538 م أقبلت دوننما الأعداء تحت قيادة أندريا دور باتجاه ره ويزه وألقت مراسيها أمام جزيرة سنتماورو البعيدة عن موقع دوننما العثمانيين بأربعة أميال وكانت هذه الدوننما الجسيمة مركبة من 52 سفينة للأمبراطور شارلكان و70سفينة للبنادقة وكانت تحت قيادة الأميرال كا يلوو 30 سفينة للباباو 10 سفن لقرصان مالطة و 80 سفينة لاسبانيا وبعض سفن أخرى للحكومات الأخرى البحرية أما الدوننما العثمانية فكانت مركبة من 140سفينة ما بين صغيرة وكبيرة فقط.

وبعد أن تداول خير الدين باشا مع جميع رؤساء سفنه وفرقه طويلا وكان من أشهرهم مراد رئيس وطورغود وكوزلجه وصالح رئيس أجمعوا على قتال الأعداء بلا توان ولما أقبل الليل قصد العدو أن يخرج إلى البر قسما من العساكر ولذلك أراد إشغال العثمانيين عن التصدي له بمحاولة إحراق أساطيلهم أو بعضها إلا أنه لتيقظ العثمانيين لم يتمكن الأعداء من نوال مقصدهم ثم بعد يومين أرسل العدو جملة من سفنه من نوع الغالي فأتت ووقفت أمام مضيق يره ويزه ناشرة قلوعها وأخذت في إطلاق المدافع على الدوننما العثمانية فغضب العثمانيون من هذه التعديات وفارت دماؤهم.

وأمر خير الدين باشا قائدهم بدق طبول الحرب ثم خرج بالدوننما خارج المينا بعد أن رفعت أعلامها واصطفت على بعد ثمانية أميال منها على هيئة حربية ثم أمر خير الدين باشا السفن التي صارت على مرمى نيران المدافع أن تهجم على العدو بعد أن تطلق عليه الثلاثة مدافع الموجودة في مقدم كل منها وكانت نيران الأعداء شديدة ثم تمكنت فرقة من السفن الأربعين التي كان عينها خير الدين باشا للهجوم ودخلت وسط دوننما العدو قبل الغروب بعد أن تمكنت بقوّة مدافعها من تفريق سفنه إلى قسمين ثم بعد قليل تشتت السفن التي قدرت على التحرك من سفن الأعداء شذر مذر بحالة سيئة وكان دخول الليل فرصة عظيمة للعدو حيث تمكن بعض سفنه من الهرب إلا أن العثمانيين اقتفوا أثرهم.

وفي اليوم التالي صاحباً دارت الدوننما العثمانية خلف جزيرة أياماورو وتقابلت مع سفن العدو ثانية بميناء اينجيرفها جمتها ولما لم يتمكن العدو من الفرار لسكون الريح صف سفنه على هيئة حربية وانتشب القتال باطلاق المدافع وكانت السفن الجسمية الحربية التي من نوع الغالون هي والتي من نوع القارك في المقدمة أما باقي السفن الصغيرة فكانت في الخلف تتربص هناك حتى متى وجدت فرضه هجمت على الجهة المراد مهاجمتها كل ذلك بمقتضى فن الحرب البحري في العصر المذكور وبهذه التشكيلات تمكن الأمير اندريادوريا من مقاومة العثمانيين زمناً طويلاً ولكون سرعة سفن الغالون والقارك بطيئة كحركتها كانت مقذوفات مدافعها الضخمة لا تذهب إلى مسافة طويلة وبذلك كانت أقل سرعة وحركة من أغربة العثمانيين التي كانت مقذوفات مدافعهم ترمي إلى مسافات أبعد بكثير من مدافع العدو ولهذا استولت الحيرة على الأميرال المذكور ولم يدر ما يصنع.

فاتفق عند ذلك الأميرال أندريادوريا مع أميرال البنادقة وصنعا حركة حربية قدماً بها سفن الغالي إلى الإمام لتنجو سفنهم الجسيمة المذكورة ولما شاهد خير الدين باشا هذه الحركة قابلهما بفرقة من أساطيله فخافا سوء العقابة والتزما الرجوع خلف غلايينهم وأغربتهم وصمم في هذه الحالة اندريادوريا على الهجوم على العثمانيين من الخلف ليحصرهم بين الغلابين والأغربة وسفنه الخفيفة إلا أن خير الدين لم يترك له وقتاً لانفاذ هذا التربير حيث انقض عليه سريعاً بأساطيل الجناحين ثم هجم عليه حتى اضطره للقهقرى وهجم أيضاً على السفن الخفيفة المحمية خلف الغالونات فتحير الأميرال أندريادوريا من هذه الحركة التي لم تكن تخطر بباله أصلاً ولذلك التزم الفرار من ميدان الحرب بما لدية من الأغربة السريعة تاركاً كافة السفن الجسيمة فاستولى العثمانيون على أغلبها وغرق الكثير منها وأحرق خير الدين باشا ما لا يصلح من بينها.

ولما كانت مناورة خير الدين هذه كدرس مفيد في علم الحرب البحري استعملها أمير الات الدولة الإنكليزية في محارباتهم البحرية كالأميرال رودني والأميرال جرفس سنت وينسنت والأميرال نيلسون وغيرهم فكانت كافلة لهم بالانتصارات العديدة والظفر في كل حروبهم البحرية وعقب هذا الانتصار أنعم السلطان سليمان على خير الدين باشا بلقب غازي.

ولما ارتدت باقي الأساطيل بالخيبة أراد قوادها أن لا يرجعوا إلى بلادهم إلا باكتساب نصر ولو جزئي يحط عنهم بعض ما لصق بهم من أدران العار فعرجوا على قلعة نوه الواقعة في ساحل ولاية هرسك وحاصروها براً وبحراً ولم يتمكن أمير تلك الولاية المسمى يالي بك من تخليصها من الحصار فسلمت إليهم عنوة وقتلوا جميع حاميتها من المسلمين ولما بلغ السلطان خبر ذلك أصدر الأوامر بالتجريد عليهم لردها من يدهم فأسرع خسرو باشا والي الرومللي بجيشه وحاصرها في فصل الربيع ولما وصلت الدوننما مع القبودان باشا بحراً تمكنوا من استخلاصها 946 هـ ثم فتح قلعة تيرة من يد البنادقة واهتم جنرال البنادقة الذي بقلعة زاره من ردها فعاد خائباً.

وقبل وفاة جان زابولي ملك المجرالذي كان تحت حماية الدولة العثمانية المتزوج بالأميرة إيزابيلة بنت ملك بولونيا كان جعل ولده الذي له منها المدعو استيفان ولي عهده إلا أن فردينند ملك بوهيميا طلب من الملكة إيزابيلة تسليم المملكة إليه حسب المعادهدلا التي اتفق عليها مع زوجها قبل وفاته وعرض على إيزابيله إقليم ترانسل انيا وهو الأردل تحكمه مع ابنها المذكور فلم تقبل وعدت ذلك منه تعدباً على حقها فأرسل فردينند عند ذلك جيشاً المحاربة المجر.

ولما رأت إيزابيلة أنها غير قادرة على مقاومته أرسلت رسولًا إلى السلطان سليمان ومعهم جزية سنتين تلتمس منه المساعدة والإمداد فأرسل جيشاً تحت قيادة الوزير صقوللي محمد باشا وخسر وباشا بكلر بك الرومللي ثم أرسل الأساطيل العثمانية تحت قيادة خير الدين باشا للمحافظة على جزائر بحر سفيد ثم خرج السلطان بنفسه إلى بلغراد ليدرك جيشه عند اللزوم وليكون أقرب إلى ميدان القتال ه ولما اقترب السلطان من مدينة بودين أرسل له الوزير يخبره بظفره على الإعداد نصراً مبيناً ثم تقدم السلطان فرحا حتى وصل بودين.

وفي سنة ه م لما تعدى شارلكان على فرنسيس الأوّل ملك فرانسا طلب هذا نجدة من السلطنة العثمانية فأرسل له السلطان دوننما مشكلة من مائة سفينة حربية تحت قيادة خير الدين بالشا لمساعدة العمارة الفرنساوية التي كانت تحت قيادة دون انغيان وكانت مركبة من أربعين سفينة حربية في محاربات نيس وسواحل إسبانيا وفتحت للفرنساويين جملة حصون وسلمتها لهم ولما حل زمن الشتاء عادت العمارتان الفرنساوية والعثمانية إلى ميناطولون لتمضية فصل الشتاء بها حسب العادة.

وفي أثناء إقامتهما بتلك المدينة كان خير الدين باشا كلما زار أوقابل ضباط البحرية لا مهم على إهمالهم أمر سفنهم وكان الأميرال الفرنساوي دوق انغيان يسمع هذه الاعتراضات بأذن صاغية من هذا البطل الشهير ويحلها محلها من الاعتبار وقد قد أرشد الفرنساويين بذلك إلى جملة تحسينات بحرية.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:43 PM
محاربات العثمانيين ببحر الهند

اعلم أنه بينما كانت الدولة العثمانية مشتغلة بالمحاربات البحرية والبرية المستمرة مع البنادقة وإسبانيا والدول المتفقة معهما في البحر الأبيض المتوسط كان البرتغاليون يمدون فتوحاتهم بسواحل الهند ذاهبين إليها من طريق رأس عشم الخير بجنوبي أفريقية وكانوا استولوا على كثير من البلاد الكائنة على السواحل المذكورة وصاروا ينقلون منها بسفنهم تجارة هذه البلاد إلى بلادهم بولاد أوروبا مارين بالطريق المذكور وبعد أن كانت التجارة الهندية والصينية تنقل من هاته البلاد إلى ثغر السويس ومنه إلى الإسكندرية ومنها إلى أوروبا في البحر المتوسط الأبيض بواسطة السفن التجارية العثمانية وغيرها من سفن الدول المتحابة.

كانت أعمال البرتغاليين التي ذكرناها سبباً لتعطيل المنافع والتجارة العثمانية فأصدر السلطان الأوامر المشدّدة إلى وزيره الذي اشتهر وقتئذ بالشجاعة وحسن التدبير وهو الخادم سليمان باشا والى مصر بتجهيز الأساطيل اللازمة في البحر الأحمر لإرسال الحملة التي صمم السلطان على إرسالها لمحاربة البرتغال بجهات الهند وتأمين طرق التجارة وأرسل لذلك من الاستانة سليمان رئيس وكان أشهر رجال عصره معرفة بالملاحة والبحرية لمساعدة سليمان باشا في هذه المأمورية فتمكن الاثنان بما بذلاه من النشاط من تجهيز وتشييد جملة سفائن في فرضة السويس 944هـ 1537م .

وفي خلال ذلك قام هما يون شاه ملك الهند يقصد محوملوك الطوائف الذين بأطراف بلاده ولما هدد بها درشاه ملك كجرات سنة 943هـ أرسل هذا من طرفه سفيراً إلى السلطان سليمان يطلب نجدته فكانت هذهالمسألة وسيلة أخرى لتنقيذ ما صمم عليه السلطان من إرسال الجيوش والأساطيل إلى بلاد الهند.

ولما تمت التجهيزات أقلع سليمان باشا من السويس بعمارة مؤلفة من ثمانين سفينة تحت قيادة سليمان رئيس بها عشرين ألف جندي ولما وصلت هذه السفن إلى عدن سنة 945هـ استدعى سليمان باشا أميرها المدعو عامر بن داود فقبض عليه وصلبه في سارية من سواري السفن بعد أن كان وعده بالأمان وبذلك استولى على إمارة عدن بلا حرب وأبقى فيها بعض الجنود ونصب عليها بهرام بك أحد أمراء الجنود العثمانية محافظاً.

ثم أقلع منها قاصداً سواحل الهند فوصلها بعد أيام ولما أرسى على ساحل كجرات بلغه أن بهادرشاه الذي كان طلب مساعدة الدولة تصالح مع خصمه بعد أن تحاربا مراراً وكانت الأساطيل البرتغالية تسلطت على ثغور كجرات واستولت على فرضة ديووما جاورها من البلاد ومات في الحرب بهادرشاه وخلفه الملك محمود في مملكته وكان هادن البورتغاليين.

ثم إن سليمان باشا الخادم أخرج الجيوش إلى البر بعد أن اتحد مع الملك محمود وأخذ يقاتل البرتغاليين حتى استولى منهم على قلعتي كوله وكات وقتل منهم أكثر من ألف محارب ثم شرع يحاصر فرضة ديو براً وبحراً وتمكن بعد زمن من الاستيلاء على قلاعها الأمامية إلا أن مقاومة محافظها البرتقالي المدعوا أنطوان وما أظهره من الجسارة والإقدام في المدافعة عن القلاع الداخلية أعلمه أن الاستيلاء عليها لا يمكن نواله بسهولة سيما وأنه لما رأى أن ذخيرة العساكر قاربت الفراغ طلب من الملك محمود إمداده بالذخيرة غير أن الملك محمود كان يخاف أن يصيبه منه ما أصاب أمير عدن فلم يلتفت إليه بل صالح البرتغاليين فالتزم سليمان باشا عند ذلك برفع الحصار عن الفرضة المذكورة والعودة إلى السويس.

وقد لام صاحب تاريخ الخبر الصحيح سليمان باشا الخادم على فعلته بأمير عدن لأنها كانت سبباً في ضياع الفوائد التي اكتسبها في سفرته هذه بالبلاد الهندية وبعد عودة الأساطيل والجيوش إلى عدن حضر أمير بلاد الشحر وقدم خضوعه للسلطنة فقبل الباشا منه ذلك وأمنه وذخلت تلك الجهات ضمن الأملاك العثمانية ثم مر على سواحل اليمن وأخضعها وولى عليها مصطفى باشا ابن بيقلي محمد باشا.

التجريدة الثانية البحرية ببحر الهند:

قد علمت مما سبق أن الخادم سليمان باشا استولى على مدينة عدن أثناء ذهابه بالحملة الأولى ولما كان هذا الاستيلاء لم يحصل بوجهه الشرعي لقتل أميرها المدعو عامر بن داود ظلماً وعدواناً ثارت الأهالي خصوصاً أقاربه على الحاكم الذي تعين لمحافظتها واتفقوا مع البرتقاليين وساعدوهم على تسليم المدينة لهم ولما علمت الدولة بذلك سيما وأن نجاحها في التجريدة الأولى لم يأت بالفائدة المطلوبة أرسلت في سنة 959هـ 1551 م عمارة أخرى من البحر الأحمر تحت قيادة المدعو بيري رئيس مؤلفة من ثلاثين سفينة بين أغربة وشواني وغلايين.

وقد تمكن هذا القبودان من استرداد عدن والاستيلاء بعد ذلك على مدينة مسقط وجزيرة هرمز ودراخت الواقعتين عند مدخل الخليج الفارسي ليجعلهما نقطتين يلتجأ إليهما عند الحاجة ثم أقلع يريد البصرة وهناك بلغه أن اسطول البرتغال آت لمحاربته ولما كانت أساطيله ينقص منها بعض الأدوات والآلات تركها بالبصرة وعاد بغرابين إلى مصر.

ثم عين السلطان مراد بك قبودانا على إسطول مصر فقصد البصرة بعمارة عظيمة وبعد أن ترك بها سبعين سفينة خرج بإسطول مؤلف من 17 سفينة وبوصوله إلى مضيق هرمز تقابل مع البرتقاليين ولما انتشب القتال بينهما انتصر البرتقاليون وقتل من أساطيل العثمانيين كثير من قوادها عند ذلك اضطر مراد بك إلى الرجوع إلى مدينة البصرة ثم عين السلطان البحري الشهير والفلكي الخبير سيد علي رئيس قائداً للأساطيل المصرية 960هـ .

وكان لهذا الرئيس اطلاع تام على بحار الهند وخواصها وله في ذلك تأليف معتبر منها كتابه الذي سماه "بالمحيط" وصف فيه بحار الهند وصفاً مدققاً وقد تمرن على الغزوات البحرية مع خير الدين باشا الشهير ولما وصل إلى البصرة ورتب أساطيله ووضع فيها ما يلزم من القواد والبحارة أقلع حتى وصل إلى جهات هرمز لمنازلة البورتغاليين هناك وكانت سفنهم ثلاثة أمثال سفنه ومع ذلك فقد انتصر عليهم نصراً مبيناً وأغرق من سفنهم عدداً كثيراً ثم خرجت عليه أنواء عظيمة أتلفت بعض سفنه وألقت بالبعض الآخر على سواحل بلاد الهند فساءت حالته وضعف أمره وخاف قواد السفن الباقية من زوابع البحر المحيط الهندي فأرسى بها على سواحل كجيرات وخرج من بقي بها من الجنود إلى البر وسلم السفن وأدواتها إلى الملك أحمد ملك كجيرات ثم عاد بنحو الخمسين فقط من أتباعه بين رئيس ومرؤس مارين بالبلاد الهندية وبلاد العجم حتى وصلوا إلى الأراضي العثمانية بعد أن صادفوا من الأهوال والمشقات مالا يوصف ذكرها في رحلته المسماة بمرآة الممالك التي كتبها بعد عودته وبعد ذلك صارت الأساطيل العثمانية تتردد على بحار الهند وتنازل البرتغاليين حتى أضعفت سلطتهم وكان لها في ذلك الوقت القدح المعلى في سلوك البحار.

المحاربة مع مملكة إيران:

أعلم أنه في سنة 955هـ التجأ أخو الشاه طهما سب المدعو القاص ميرز إلي السلطان مستجيراً به من ظلم أخيه وتعديه على حقوقه الشرعية فتأثر السلطان من ذلك وكان ينتظر سبباً مسوغاً لقتال العجم وبعد أن جهز الجيش خرج به قاصداً تلك البلاد وما زال سائراً منصوراً حتى وصل إلى مدينة تبريز وعند عودته استرد مدينة وان التي كان الأعجام استولوا عليها ولما كان أهل الكرج يظهرون الخصومة للدولة العثمانية انتهز السلطان أيضاً فرصة وجوده بتلك الجهات وأرسل وزيره الثاني قره أحمد باشا بالقوّة الكافية فأخضع بلادهم وأدخلها ضمن الأملاك العثمانية وبعد خروج العثمانيين من بلاد العجم تقدم ملكهم طهماسب الذي لم يتجاسر على الوقوف أمام العثمانيين في المرة الأولى وأخذ في شن الغارة على جهات موش وعاد لجواز وأخلاط وغيرها فجرد السلطان لذلك جيشاً كثيفاً جعل عليه وزيره الأعظم رستم باشا.

مساعدة السلطان الملك فرنسا:

لما وقعت العداوة والشحناء بين فرنسيس الأول ملك فرنسا وشرلكان امبراطور ألمانيا وملك إسبانبا استنجد ملك فرنسا ثانية بالسلطان سليمان طالباً إمداده لردع خصمه القوي فأمر السلطان وهو يحارب العجم طورغودبك المعروف عند الفرنج باسم (Dragut) بالسفر صحبة العمارة البحرية لمساعدة فرنسا فتوجه هذا القائد الشهير بالإسطول العثماني ومعه العدد الكافي من الجنود 960هـ 1553م واتحد مع القبودان بولان المتقدم الذكر رئيس أساطيل فرنسا وحاربا الإسبانيول وانتصرا على كثير من سفنهم وفتحا عدة قلاع ومدن ساحلية أضيفت إلى أملاك فرانسا ثم خلّص طورغود نحو سبعة آلاف أسير من المسلمين كانوا لدى الإسبانيول في قلعة بشتيا (Bestia) من أعمال قورسقه وغير ذلك ثم حصل بينه وبين قائد أساطيل الفرنسويين خلاف فعاد إلى استانبول وأحسن السلطان عليه برتبة بكلر بك الجزائر مكافأة له.

محاربة جربة الشهيرة:

خرج بياله باشا 966سنة بعمارة حربية مؤلفة من 88 سفينة وتقابل في مياه سبيانجه بسفينة طليانية فقبض عليها ولما استنطق طائفتها علم منهم أنه لما زادت الدولة العثمانية قوّتها البحرية في سواحل بلاد الجزائر ومالطة خافت طائفة فرسان مالطة واستغاثت بأوروبا والتمست من حكومتها البحرية إمدادهم بالأساطيل فتداولت تلك الحكومات في الأمر ثم أقروا وأعموماً على مهاجمة العثمانيين فنقل بياله باشا هذا الخبر إلى السلطان الذي اهتم بالأمر غاية الاهتمام وأرسل من إستانبول اثنتي عشرة سفينة لتقوية العمارة العثمانية على أعدائها وأمره السلطان بالتربص في سواحل الأرنؤد لاستطلاع أحوال العدوّ وتقوية حصون تلك البلاد فقام بباله باشا بتنفيذ هذا الأمر كما يجب ثم عاد بالعمارة في الشتاء إلى خليج إستانبول.

وبعد وصوله بقليل ورد خبر من بكلر بك طرابلس الغرب طورغود باشا ينبئ بأنه بعد عودة الدوننما العثمانية من البحر المتوسط الأبيض حضرت أساطيل الدول المتحدة إلى جزيرة جربة وأخذت في إقامة الاستحكامات بقصد الاستعداد للهجوم على طرابلس الغرب في أول الربيع وبناء على ذلك صدرت أوامر السلطان ببناء وتجهيز السفن للسفر وقام بياله باشا بمباشرة وتنفيذ هذه الأوامر وصار يراقب دار الصناعة باستانبول وكليبولي بنفسه حتى تمكن بعد قليل من بناء 120 سفينة.

وفي اليوم الثامن من شهر رجب سنة 967هـ 1560 م أبحر بياله بالأساطيل المذكورة وما زال يجد في السير حتى وصل إلى جزائر قيون حيث تلاقى مع السفينة التي أرسلها طورغود باشا حاملة أخباره وبعد أن اطلع على ما تحمله من المكاتيب أخذ في السير وفي تلك الأثناء قبضت فرقة العمارة التي تحت قيادة أولوج على رئيس وكانت في المقدمة على سفينة حربية للأعداء بقرب متون وعلم من طائفتها التي وقعت بيد العثمانيين أقوال مطابقة تماماً لما كان أخبر به طورغود باشا أي أن دوننمات الدول المتفقة تقصد الهجوم أولاً على طرابلس الغرب ثم اجتمع بياله باشا بفرقتي مصطفى بك حاكم مديللي وقورداوغلي أحمد بك بك رودس بمياه متون المذكورة وسار الجميع يقصدون طرابلس الغرب.

وفي يوم 18شعبان سنة 967هـ 1560 م تحركت الأساطيل العثمانية عند الفجر وما زالت تتقدم نحو الجزيرة حتى شاهد الاسطولان بعضهما عند ذلك أخذ الطرفان في التعبية والتصفيف ثم ابتدأت السفن العثمانية بإطلاق مدافعها المشهورة بسرعتها حتى دمرت للأعداء جملة سفن وتعطلت جملة غالونات عن الحركة فتوقفت عن إطلاق نيرانها فانتهز العثمانيون هذه الفرصة وتقدمت فرقة من أسطولهم حتى دخلت وسط صفوف سفائن العدوّ وفرقتهم إلى شطرين وبذلك التجأ من الجناح الأيمن14 سفينة إلى مينا جربة وخرجت السفن التي كانت تحت قيادة اندريادوريا إلى عرض البحر فترك بياله باشا عند ذلك فرقة من أساطيله في جربة وخرج هو بباقي السفن لتعقب العدو وما زال يطارده حتى استولى منه على سبع وعشرين غليونا وعشرين شانية إلا أن غالبها غرق مما أصابه من المقذوفات وفر الأميرال إندريادوريا تاركاً في قبضة العثمانيين كثيراً من أمراء أوروبا وبرنساتها.

وفي يوم دخول الأساطيل العثمانية الاستانة أشرف عليها السلطان من قصر مطل على البحر وكان دعا الأمراء العظماء والسفراء لهذا الاحتفال فدخلت الأساطيل رافعة أعلام النصر تلوح على وجوه قوادها علامات الشجاعة والفوز تجرّ خلفها ما استولت عليه من سفن الأعداء حاملة ما غنمته من الغنائم النفيسة فكان لذلك منظر من أحسن المناظر وأبهجها وكان قبودان الأساطيل العثمانية علق العلم الإسبانيولي في وسط السارية كما يكون ذلك في حالة الحزن دلالة على ما لحق الإسبانيول ومحالفيهم من القهر والنكال وأصعد الدون الوارو وغيره من القواد والأسرى إلى أعلى مكان بمؤخر السفينة (كمبانا) ومرت الأساطيل على هذه الحالة عند ذلك قام سفير فردينند إمبراطور ألمانيا وهنأ السلطان على الانتصار العظيم فأجابه السلطان بقوله: إذا افتكر الإنسان في أن هذا التوفيق العظيم قد ساقه إلينا الباري جل وعلا بألطافه الإلهية فلا داعي إذن للغرور أو التفاخر .

محاصرة جزيرة مالطة:

لما رأت الدولة العثمانية أن فرسان مالطة أو طائفة القديس يوحنا الذين توطنوا بهذه الجزيرة لا زالوا يظهرون التعدي والعداوة على سفنها ورعاياها وكثيراً ما كانوا يساعدون إسبانيا وباقي الحكومات البحرية الأوروباوية في جميع محارباتها مع الدولة العثمانية، وجه السلطان سليمان القانوني عليهم في شتاء سنة 971هـ 1564 م الأساطيل بعد أن شحنها بما يلزم من العدد والعدد وعين الوزير الرابع مصطفى باشا سردارا على الجيش وبياله باشا فاتح جربة قائداً عاماً للأساطيل وأمر أيضاً طورغود باشا بمرافقة الحملة بما معه من الجنود البرية.

وفي أواخر شعبان سنة 972هـ 1565 م وصلت الأساطيل إلى الجزيرة المذكورة وأخرجت العساكر والمهمات في جزيرة سريغو وعسكرالجيش بجوار نهير بالمكان المدعو بستان بك كل ذلك ولم يبد فرسان الطائفة مقاومة ثم هجمت فرقة من خيالة تلك الطائفة يبلغ عددها ثمانمائة جندي على العساكر العثمانية وانتشب بينهما القتال وبعد قليل ولت تلك الفرقة الأدبار بعد أن تركت كثيراً من قتلاها وجرحاها.

ثم حاصر العثمانيون المدينة من ناحية سنت ألمو جاعلين أعمالهم على قلعتي سان ميشيل وسان أنجلو وكانتا على غاية من المنعة ولما كانت مقذوفات مدافعهما قوية سريعة التزمت العساكر العثمانية بالقهقري وفي تلك الأثناء أصيب القائد الشهير طورغود باشا بجرح بليغ ثم عاود العثمانيون الهجوم مراراً من جهة سنت التي كانت اتخذتها العساكر العثمانية موقعاً مستحكماً لها بناء على إشارة سردارها المذكور وكانت من رأي بياله باشا وطورغود باشا الاستيلاء على المدينة قبل مهاجمة القلاع فلم يوافقهما السردار على هذا الرأي وقد نجم عن الاختلاف في الرأي عدم النجاح وضياع فائدة المهاجمات والمحاصرات ولما توفي طورغود باشا من جرحه ورجح القواد عدم النجاح استقر رأيهم على مبارحة الجزيرة وتركها لوقت آخر ثم عادت الأساطيل العثمانية إلى استانبول بعد أن فقدت كثيراً من الجنود وبعد عودة الأساطيل بمدّة قليلة توفي الوزير الأعظم علي باشا ووجه مسند الوزارة إلى الوزير الثاني صوقللي محمد باشا الشهير.

وفاته:

كان اعترى السلطان الضعف والهزال لتقدّمه في السن حتى أنه أوصى بالسلطنة من بعده لابنه سليم وكانت وفاته بداء النقرس وله من العمر 76 سنة وأخفى الوزير الأعظم صوقللي محمد باشا وفاته شفقة على الجيوش لئلا يفشلوا ويذهب ريحهم وأمر رئيس الأطباء بتحنيط جثته وبعد تمام الفتح أخذت العساكر في ترميم القلعة وإصلاحها وبعث الوزير الأعظم المذكور كور إلي السلطان سليم يدعوه إلى سكدوار وكان يومئذ على إمارة كوتاهية فلما وصله الخبر قام مسرعاً حتى وصل إلى دار الخلافة على حين غفلة من أهلها وجلس على سرير الملك وبعد أن تمت له البيعة واطمأن الناس قصد سكدوار مكان الجنود فأقام ببلغراد حتى وافته هناك ثم حل نعش والده على عجلة إلى الاستانة حيث واروه التراب.

وكان سلطاناً رفيع القدر حازماً موصوفاً بالحكمة والإقدام وقد سنّ عدّة قوانين جديدة نظم بها السلطنة فقوى شأنها وسياستها ولهذا لقب بالقانوني وقسم الدولة إلى عدّة أيالات جعل في كل أيالة منها فرقة من الجنود للمحافظة عليها ورتب نظامات وتنسيقات جديدة لضبط العسكرية ووضع منوالاً جديداً لإيراد الدولة ومصروفها فتحسنت أحوالها حتى بلغت درجة لم تنلها من قبل ولا من بعد.

وكان رحمه الله تعالى محباً للعمارة والمباني جدّد المساجد وشيد المدارس والقلاع وأوقف أوقافاً كثيرة في أكثر جهات المملكة وخصص وظائف للمدرسين والطلبة: ورتب لهم المرتبات من الأوقاف وجدّد عمارة الحجرة النبوية 935هـ وأرسل منبراً من الرخام النقي إلى مكة 996هـ لا يزال بها للآن وله مآثر يعجز عن حصرها القلم وهو بالاختصار من أعظم وأشهر ملوك آل عثمان.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:47 PM
السلطان سليم الثاني ابن السلطان سليمان خان 974-982هـ

لما توفي السلطان سليمان القانوني أمام قلعة سكدوار كما ذكرنا أخفى صوقللي محمد باشا الوزير الأعظم خبر وفاته مخافة حدوث ما يكدّر الأمن العام بالمملكة وأرسل مكتوباً خاصاً إلى السلطان سليم الثاني بكوتاهيه يخبره بذلك عن يد رجل من أمنائه يدعى حسن جاويش ولما وصله المكتوب بعد ثمانية أيام أقبل مسرعاً صحبة حاشيته حتى وصل إلى دار الخلافة يوم 9 ربيع أوّل سنة 974هـ وجلس على تخت أجداده وكان سنه إذ ذاك 45سنة وبعد أن بايعه شيخ الإسلام أبو السعود أفندي واسكندر باشا وكان نائباً عن السلطان سليمان في غيبته والعلماء والوزراء والأمراء والأعيان زار أضرحة أجداده ثم توجه إلى بلغراد فقابل الوزير الأعظم وكانت الأعمال الحربية متوقفة بسبب دخول فصل الشتاء وهناك بايعه الجيش وباقي الأمراء.

ولما طلبت اليكجرية منه العطايا المعتادة عند الجلوس أبى ذلك عليهم وردعهم فأظهروا عند عودتهم التذمر وأتوا كثيراً من قبائح الأعمال حتى التزم الوزراء بأن يتوسطوا لدى السلطان فأمر بأن يصرف لهم بعض تلك العطايا وعدهم بما بقي إلى عودته إلى إستانبول فلم يزدهم ذلك إلا عتوّا وإفساداً ووقاحةً حتى أن الوزير الثاني برتو باشا لما أراد نصيحتهم قبضوا عليه وقتلوه وأهانوا أيضاً فرهاد باشا وأخيراً أشار الوزير الأعظم وباقي الأمراء على السلطان بأن يُمنيهم هو بنفسه فسكن اضطرابهم نوعاً وبعد أن صرف لهم المقدار الباقي بعد العودة تمكن الصدر الأعظم من معاقبة من تمرّد منهم وبذلك ارتدع الباقون عن غواياتهم وكان سبب تأخير الصرف فراغ خزينة الدولة وعدم ورود الإيرادات من النواحي وقد راجت بعد ذلك وتحسنت حالتها بعد وصول القبودان بياله باشا بالأساطيل من سواحل إيطاليا.

وفي أوائل جلوس هذا السلطان عصته عرب البصرة وخرجوا تحت قيادة أحد مشايخهم المدعو ابن عليان فجهز عليهم العساكر الكافية وأرسلها تحت قيادة سكندر باشا بكلر بك ديار بكر وخرج لحربهم أيضاً جانبولادبك بعساكر حلب وأورفا بحرافي في خمسمائة وخمسين سفينة في نهر الفرات وبعد وقائع عديدة تمكن العثمانيون من إخضاع تلك القبائل وأذعن ابن عليان المذكور لدفع فريضة سنوية إلى خزانة البصرة قدرها 15000من الذهب 975هـ .

وفي السنة التالية سارت الجيوش تحت قيادة سنان باشا والي مصر لإتمام فتح بلاد اليمن وقهر ثوارها وطرد المتغلبين من البرتغال عليها وبعد عدّة وقائع انتصروا على المتغلبين والمتمردين وأخرجوا البرتقاليين منها وملكوا صنعاء واعترف سلطانها الشريف مطهر بن شرف الدين يحيى بالحكومة العثمانية ثم عين سنان باشا عليها أحد القوّاد المسمى عثمان باشا والياً ثم عاد سنان باشا ظافراً.

فتح جزيرة قبرس:

كانت جزيرة قبرس تابعة للبنادقة وكثيراً ما حدث من أهلها ما يخالف المعاهدات كتعرّض سفنها للسفينة التي كانت تقل دفتر دار مصر غير تعدّيات سفن قرصانها على السفن التجارية العثمانية في سواحل مصر وسورية وفينيقية وما سبق منها مدّة ولاية هذا السلطان على كوتاهية عندما كان ولي عهد واغتصابها خيوله والأشياء التي كان ابتاعها لنفسه من مصر ولم يتمكن من استردادها منهم إلا بعد مشاق جمة فلما صعد على كرسي السلطنة وحدث من سكان هذه الجزيرة ما حدث صمم على إخضاعها خصوصاً وأنها كانت من قبل للمسلمين من عهد خلفاء بني أمية فجرد عليها الجنود وأفتى بجواز ذلك شيخ الإسلام أبو السعود أفندي.

وفي 15 ذي الحجة من سنة 977هـ 1570 م أقلعت الأساطيل العثمانية وكانت مركبة من 360 سفينة تحت قيادة القبودان الأعظم مؤذن زاده علي باشا وكان بها عساكر الأناضول والرومللي وأكثر بكوات الصناجق ونحو 5000 من الانكشارية تحت قيادة السردار الوزير لالا مصطفى باشا وأمر السلطان وزيره الثالث بياله باشا بمحاصرة الجزيرة بالسفن الحربية لقطع الإمدادات الخارجية عنها ثم وصلت الأساطيل والعساكر إلى ليمان طوزلة من الجزيرة المذكورة واستقرت آراء القوّاد على حصار قلعة لفقوشه (Nicosie) أوّلاً أذهى قاعدة الجزيرة بعد حصارها أياماً دخلوها عنوة وقتلوا كثيراً من سكانها ولما شاهد أهل كرينه (Gtrima) ذلك خافوا وسلموا بدون قتال.

ثم حاصروا قلعة ماغوسه (Famagoustie) وكانت من أمنع الحصون وأصعب المعاقل ولما اشتدّ الحال بالمحصورين أرسلوا يستنجدون ملوك أوروبا فلما لم يغثهم أحد سلموا بالأمان ودخل العثمانيون ماغوسه وغنموا منها غنائم كثيرة ورحل كثير من أهل الجزيرة عنها ثم إن بياله باشا ترك قسماً من العمارة للمحافظة على السفن الثقيلة الراسية في المينا السابق ذكرها وأقلع بالباقي إلى سواحل الشام لنقل العساكر الآتية من حلب مدداً للعساكر العثمانية وبعد تمام الفتح عاد بياله باشا بالغنائم إلى إستانبول لدخول فصل الشتاء ولإصلاح بعد السفن وتجهيزها وبصحبته القبودان علي باشا وترك بالجزيرة أربعين سفينة تحت قيادة عرب أحمد بك بك رودس.

وبقي بالجزيرة أيضاً السردار مصطفى باشا لفتح ما بقي من قلاعها وفي خلال محاصرة باقي المدن خرج براغادينو البندقي صاحب قبرس بملابسه الارجوانية وأتى إلى العسكر وقابل السردار وتطاول عليه بألفاظ خشنة ولما كان أمر بقتل أسرى العثمانيين قبل أن يسلم، أمر السردار أيضاً بإخراج من بالسفن من أسرى الإفرنج وقتلهم بحضوره ثم أمر به فقتل هو أيضاً.

محاربة أينة بختي المشهورة بواقعة لابانتو:

لما دخل فصل الربيع من سنة 9هـ خرجت العمارة العثمانية من خليج إستانبول وكانت مركبة من سفينة حربية تحت قيادة القبودان علي باشا وبها السردار الثاني برتو باشا حاملة مأكولات وذخائر حربية لعساكر قبرس وبعد أن أخرجتها عادت إلى مينا مرمريس المقابلة لجزيرة رودس لمراقبة مراكب العدوّ التي أشيع أنها ستحضر للجهات المذكورة ولما تم افتتاح جزيرة قبرس سافرت الأساطيل إلى كريد والتحق بها أثناء سفرها أسطول باي الجزائر أولوج علي باشا وكان مؤلفاً من عشرين سفينة حربية ثم ذهب الجميع إلى سواحل ألبانيا ثم هاجمت العمارة جزيرتي كورفووكفالونيا (Cphalonie) وكانتا للبنادقة وأخربتهما واستولت على مدينتي أولكون (Dulcigno) وباد (Antivari) وبعد أن أقامت العمارة بتلك الجهات زمناً لتوطيد الأمن وتقوية دعائم السكينة ولم تصادف للأعداء سفناً عادت فدخلت جون اينة بختي ولحلول زمن الشتاء تفرّق بعض ملاحي السفن وكثير من الانكشارية التي بها فحدث من ذلك نقص في عساكر وطوائف السفن.

وقد كانت أساطيل الدول المتحدة في ذلك الوقت الآتية لمساعدة البنادقة مجتمعة بمينا مسيني وكانت مؤلفة كما يأتي فكانت أساطيل إسبانيا وعددها70 تحت قيادة الأميرال دون جوان وأساطيل البابا تحت قيادة الأميرال مارك إنطوان مركبة من 12سفينة وأسطول صقلية تحت قيادة الأميرال جاندوكورد مركب من ثمان سفن وعمارة البنادقة تحت قيادة الأميرال ونبيرو مركبة من 108سفن وأسطول نابولي مركب من 32سفينة وأسطول مالطة مركب من ست سفائن وأسطول فرنسا مركب من ثلاث سفائن فيكون عدد الجميع سفينة وكانت القيادة العامة لأكبر الأميرالات وهو دونجوان أميرال إسبانيا المتقدّم وكان من سفن البنادقة ست سفائن من نوع الغالي مدافعها كبيرة بالنسبة لحجمها ذات عيار كبير وأما سفن الاسبانيول فهي وإن كانت جسيمة قوية جيدة الآلات والأسلحة إلا أنه لم يكن معها ماعونات كالبنادقة.

وفي 7جمادي الأولى من سنة 979هـ لما ظهرت عمارة العدوّ المذكور أمام خليج أينه بختي عقد القبودان الأكبر مؤذن زاده علي باشا مجلساً مؤلفاً من كل من برتو باشا السردار وباي الجزائر أولوج علي باشا وباي طرابلس الغرب جعفر باشا وخير الدين باشا زاده حسن باشا ومن نحو خمسة عشر من بكوات صناجق السواحل وبعد أن تداولوا اتفق الجميع على وجوب المدافعة والمحاربة وهم داخل الخليج لتساعدهم القلاع بنيرانها للنقص الموجود بين عساكر السفن ولقلة الأدوات اللازمة لها فلم يقبل القبودان منهم ذلك الرأي بل خالفهم فيه مخالفة كلية ليظهر جسارته مع أنه لم يسبق له رئاسة وقائع بحرية مهمة.

ولما كان هو صاحب الرئاسة العمومية التزم أعضاء المجلس موافقته ظاهراً ثم تقدم إليه أولوج علي باشا وكان أرسخ منه قدما في الفنون الحربية البحرية وقال له: إننا إذا خرجنا بالعمارة لمحاربة الأعداء يلزمنا أن نقابلها على بعد من البر لتتمكن السفن من إجراء حركاتها بالسهولة وهو رأى صائب خصوصاً لسفن الشراع التي يلزمها ميدان واسع للدوران فلم يقبل القبودان منه هذا الرأي أيضاً.

وفي اليوم العاشر من الشهر المذكور أصدر القبودان باشا أوامره لعموم أساطيل العمارة فخرجت قبل الزوال من داخل الخليج المذكور وكانت عمارة الدول المتحدة راسية بجوار جزيرة كارزولاري الكائنة في مدخل جون باتراس الواقع شمالي بلاد مورة وبعد أن عبى العثمانيون أساطيلهم على الشكل الحربي المعلوم إذ ذاك واصطفت أيضاً أساطيل المتحدين وأخذ كل من الفريقين في تشجيع جنوده وقوّاده تقدمت العمارتان نحو بعضهما ولما تقاربتا خرحج من وسط العمارة المتحدة من جانبي سفينة الأميرال جوان السفينتان الراكب فيهما ونبيرو وكولونه وكانا رئيسين لفرقة العمارة وعرضا أنفسهما على أمراء العمارة العثمانية فقابلتهم العمارة العثمانية بالمثل وخرج كل من سفينتي برتو باشا القبودان علي باشا من وسط العمارة العثمانية ليظهر للعدوّ ومكانهما.

وكانت هذه الحركة غير صائبة لأن دون جوان لما رأى جسارة قومندان العمارة العثمانية اتخذ مناورة أخرى للاحتراس من حركتها وكان القبودان العثماني غافلاً عن هذه المناورة لأن دون جوان قدّم الست ماعونات التي كانت في قلب عمارته وهي المجعولة كقلاع عوامة إلى المقدمة وأخر باقي سفائن الفرق خلف الست ماعونات التي ذكرت فابتدأ القبودان باشا بالحملة عليها ولما كان أولوج علي باشا مشاهداً حركة العدوّ نادى على القبودان باشا بترك المواعين وأن يأمر بالحملة على سفن الجناحين فلم يقبل منه ذلك قائلاً لا أقبل على نفسي إن يقال أن العمارة العثمانية هربت من أمام سفن الأعداء فكان هذا الخطأ سبباً في ضياع كثير من السفن العثمانية لأن المواعين المذكورة قامت بخدمة عظيمة لعمارة العدوّ فكانت كمتراس لها أمام سفائن العثمانيين.

ومع ذلك فإن السفن العثمانية لم تتأخر لشدّة النيران بل تمكنت من مضايقة العدوّ من الجناحين وحملت على خط حربه وتغلبت إلى أن دخلت وسط سفنه ثم حملت سفينة قبودان باشا على سفينة دون جوان المذكور فحضرت سفائن بعض الأمراء لمساعدة أميرالهم فتقدمت سفينتان من فرقة القبودان باشا وحملتا على سفائن الأمراء التي تقدمت فكان لهذه السفن في القتال منظر يهول من يراه وقد امتد الحرب ساعتين أصيب في خلالهما علي باشا القبودان عندما كان يبحث عن دون جوان وفي الأثناء تقدم المركيز زانطة كروس بفرقته الاحتياطية واستولى على سفينة قبودان باشا وكان مطرحاً على ظهرها فقطع رأسه من جسده وعلقها على (السران الخسبة الموضوعة عرضاً بالسارية) ولما رأت السفن العثمانية القريبة رأس قبودانها حصل عندها اضطراب شديد تسبب منه انهزام الجناح الأيمن.

أما الجناح الآخر فكان فيه أولوج علي باشا منصوراً بفرقته على فرقة جان أندريا وكان تمكن من تشتيت مراكبه واستولى على 15 سفينة من سفن البنادقة ومالطة وقطع بنفسه رأس جاندو كوردو أميرال مسيني ومزق شمل الفرقة التي كانت معه أيضاً أما فرقة البنادقة التي كانت أمام الجناح الأيمن للعثمانيين رئاسة الأميرال بارياريغو خسرت خسائر جسيمة ومات فيها الأميرال بارياريغو المذكور وخسرت مراكب العثمانيين التي كانت في قلب الفرقة في الجناح الأيمن خسائر بليغة أيضاً.

ولما شاهد أولوج علي باشا قمندان الجناح الآخر قتل القبودان باشا وأن الدوننما العثمانية قد لحقتها الخسائر العظيمة أخذ الأربعين سفينة التي كانت بمعيته وسحب السفن التي استولى عليها من سفن العدوّ وخرج بها إلى وسط البحر بعدما كسر خط حرب الفرقة التي كانت تحاول منعه عن الخروج أما باقي السفن التي خلصت من الجناح الأيمن ومن فرقة الوسط فاقتربت من الساحل وهناك غرزها قوّادها في الرمال لا يتمكن العدوّ من الاستيلاء عليها وقد ضاع للعثمانيين في هذه المحاربة مائتا سفينة حربية منها 92 غرقت والباقي غنمه العدوّ وتقاسمته الأساطيل المتحدة وقتل بهذه الواقعة من الجنود العثمانية نحو 20000بين جنود وقوّاد.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:48 PM
صيرورة تونس ولاية عثمانية:

سبق ذكر الحروب التي جرت بين خير الدين باشا بارباروس والسلطان حسن الحفصي والتجاء السلطان حسن لشارلكان إمبراطور إسبانيا ثم تنازله عن بعض الجهات للإسبانيول الذين ردوه إلى نخته وكان الإسبانيول بنوا قلعة متينة في ممر حلق الوادي وعينوا لها أربعة من المحافظين وبعد مدّة توفي السلطان حسن المذكور وخلفه ولده السلطان حميد ولما كان ظالماً عاتياً كأبيه نفرت منه الأمة وكاتبت القبودان قلنج علي باشا مذ كان والياً على الجزائر واتفقوا معه سراً على خلع السلطان حميد وكان القبودان المذكور أطلع الدولة على هذا الأمر فأمدّته بالسفن والجنود وأمرته بفتح تونس فحمل على تونس وهرب بالسلطان حميد كأبيه إلى الإسبانيول وعينت الدولة جعفر باشا والياً لتونس وأبقت معه الجنود الكافية ولكن بقيت قلعة حلق الوادي المذكورة بيد الإسبانيول.

ولما حضر الأميرال دون جوان سنة 881هـ بأسطوله المركب من 150سفينة وحاصر تونس التزم جعفر باشا بالرجوع إلى مدينة القيروان لعدم قدرته على المقاومة لقلة جنوده فعاد السلطان حميد عند ذلك لكرسيه وشرع يعامل الأهالي بالقساوة انتقاماً منهم على ما فعلوه معه ولما رأى الإسبانيول أنه يسعى في نقض الشروط التي بينهم وبينه أحضروا أخاه محمداً وكان محبوساً في مسيني من أعمال صقلية وأجلسوه على التخت مكانه فقبض على أخيه وحبسه وألزمه مساعدوه أيضاً التوقيع على معاهدة من ضمنها أن يكون تحت حماية إسبانيا وأن يحتل بلاده ثمانية آلاف من جنود إسبانيا لحمايتها وغير ذلك من الشروط.

ولما علم السلطان سليم بما فعله الإسبانيول صمم على فتح تونس كما قلناه وعين الوزير سنان باشا سردار لجيشها وفي 23 محرم سنة 982هـ 1574 م أقلعت العمارة العثمانية من إستانبول وكانت مركبة من 26سفينة حربية و 15ماعونة و15 غليوناً تحت قيادة القبودان قلنج علي باشا قاصدة مياه تونس ومرت في طريقها بايطاليا فغزت جملة قلاع وبلاد منها ومن جزيرة صقلية لمساعدتهما أعداء الدولة عليها في كل وقت وبذلك انتشر خبر قدوم الدوننما العمثانية عند دول أوروبا.

وفي تلك الأثناء كان استولى طورغود باشا على طرابلس الغرب ويقال إن عمارة سنان باشا مرت بها عند ذهابها لتونس وساعدته على فتحها وفي أوائل ربيع الأول من السنة المذكورة وصل سنان باشا إلى تونس وأخرج عساكره إلى البر بلا ممانع ثم أخذ في محاصرة قلعة حلق الوادي ولم يستول عليها إلا بعد مضي33 يوماً من حصارها وقتل من حاميتها نحو ستة آلاف جندي وأسر ألفين وغنم منها خمسمائة مدفع وكثيراً من آلات الحرب.

ولما رأى أن إزالة تلك القلعة أصوب من بقائها أمر فوضعوا تحتها ثلاثين لغماً من البارود ودمروها تدميراً وبعد استيلائه على باقي الاستحكامات دخل بالجنود المدينة في رمضان من تلك السنة ونادى في الناس بالأمان فهدأ روعهم وعادوا إلى أعمالهم وأقيمت الخطبة باسم السلطان وضربت السكة باسمه أيضاً وعين أحد القواد محافظاً عليها وأبقى معه قوة كافية لحفظها بعد أن رتب الحكومة وجعل لها ما يناسب من القوانين وصارت تونس من وقتئذ أيالة عثمانية ودخلت في عداد الوجاقات كالجزائر وطرابلس الغرب ثم عاد هو وقلنج علي باشا بالعمارة إلى دار الخلافةومعهم ما اكتسبوه من الغنائم ولما وصلوا رحب السلطان بهم وكافأه وكافة من كان معهم من الجنود.

وفاته:

وكانت وفاة هذا السلطان في سنة 982هـ وعمره اثنتان وخمسون سنة وسبب وفاته أنه أنشأحماماً بقصره وأحكمه وأبدع فيه غاية الإبداع حتى صار لا مثيل له وبينما هو يمشي فيه اذ زلقت قدمه فسقط سقطة عظيمة مرض منها أياماً ثم توفي وكان أوصى بالملك لولده الأكبر السلطان مرادخان الثالث.

وكان رحمه الله شهماً شجاعاً زكياً تقياً محباً للصالحين ضاعف مرتبات الحرمين الشريفين وشيد مسجداً في أدرنة 981هـ وكان محباً للعمارة صنع جسراً جسيماً في قصبة جكمجة وأصلح جامع أياصوفية ولم يكن حصل به إصلاح من تاريخ إنشائه وكان تخرب من الزلازل وأضاف إليه جملة مبان.

السلطان الغازي مرادخان الثالث ابن السلطان سليم الثاني 982-1003

لما توفي السلطان سليم كان ابنه السلطان مراد بمدينة مغنيسيا والياً عليها فأخفى الصدر الأعظم خبر موت السلطان أحد عشر يوماً إلى أن حضر وجلس على تخت أجداده وكان عمره وقتئذ عشرين سنة وبعد دفن أبيه في تربته المخصوصة صرف للجنود عطايا الجلوس المعتادة وقدرها 110000 . من الذهب فمنع بذلك الاضطرابات التي كانت تحدث عادة إذا تأخر صرف تلك الهبات.

واقعة وادي السبيل 983هـ:

اعلم أنه في السنة الثانية من جلوس السلطان مراد جهز دون سبستيان ملك البرتغال حملة قوية ظاهرها مساعدة عم أمير فاس الشريف محمد المتوكل السعدي ونقل الجيوش بالأساطيل العديدة إلى بلاد فاس. فعندها استنجد الشريف عبد الله بالسلطان مراداً فأمر السلطان رمضان باشا بكلر بك الجزائر بالأخذ بناصره بالقوّة بعد أن يتوسط في الصلح أولًا ليمنع إراقة الدماء ولما لم تفلح مساعي الوالي المذكور في التوفيق بين المتخاصمين تلاقى جيش والي الجزائر ومن انضم إليه من شيعة عبد الملك بجيش سبستيان ومحالفه الشريف محمد المتوكل وبعد قتال شديد دار بين الطرفين هزم جيش سبستيان ومحالفه وقتل سبستيان.

الحملة على بلاد العجم:

لما قامت الثورات في بلاد العجم بين أولاد العائلة الملوكية عقب وفاة الشاه طهماسب كتب خسرو باشا والي أرضروم إلى الدولة يعلمها بالحاصل في بلاد العجم ويحرضها على فتحها فعين السلطان لالا مصطفى باشا فاتح قبرس وسر عسكر الشرق قائداً لهذه الحملة فلما وصل إلى أرضروم بالعساكر تقدم إلى حدود العجم وحاربهم بجوار قلعة جلدير وقهر قائدهم طوقان خان وبعد ذلك فتحت الجيوش العثمانية كرجستان ثم دخلت تفليس وتعين جعفر باشا محافظاً لقلعتها.

وسنة 987هـ ساقت العجم أربع فرق لإعادة البلاد التي فتحتها الدولة فقابلهم عثمان باشا ابن أوزتيمور وردهم على أعقابهم خاسرين وفي هذه السنة تعين لالا مصطفى باشا المذكور صدراً أعظم بدلاً عن صوقللي محمد باشا الذي جلس في دست الوزارة 15 سنة خدم فيها الدولة والملة بالصداقة والأمانة مما خلد له أجمل الذكر وأحسن السيرة.

محاربات النمسا 1001-1015هـ:

لما تمردت طائفة اليكجرية وقرع الاختلال أبواب الدولة رأى الوزراء أن من حسن السياسة إشغال العساكر بالمحاربات ثم الالتفات إلى تقرير الأحوال وتسكين الأعمال فأوعزوا إلى حسن باشا والي بلاد البوشناق بشن الغارة على بلاد النمسا لمساعدة ملكهم رودلف الثاني أمة المجر إلا أنه لما تقدّم جيش حسن باشا ببلاد كرواسيا وقع في كمين للنمساويين فقتل هو وغالب عسكره ولم ينج منهم إلا القليل ولما بلغ هذا الخبر الدولة العثمانية أخذ الوزراء يتذاكرون في الديوان العالي فيما إذا كان الواجب الانتقام من دولة النمسا بإعلان الحرب عليها أم لا وكان رأي كثير من الوزراء تجنب الحرب لما فيه من الارتباك حتى إن الشيخ سعد الدين أفندي معلم السلطان قال في ذلك المجلس: إني أكتب تاريخاً للدولة العلية وصلت فيه إلى هذا العصر وأريد أن أجعل خاتمته قولي أن أحد عبيد السلطان أخذ ابن أخي شاه العجم وأحضره بين يديه وأن ملك النمسا عجل بدفع الجزية عن سنتين آتيتين.

وبذلك كان يرجح جانب الصلح غير أن سنان باشا وهو الصدر الأعظم فاتح بلاد اليمن لما كان يحسد فرهاد باشا على ما ناله من الشأن والشهرة في حرب العجم أراد أن يفوقه شهرة فرجح جانب الحرب وقال مخاطباً لسعد الدين يمكنك أن تختم الوقائع بقولك: إن أحد مماليك السلطان قبض على ابن أخي شاه العجم وأخذه رهينة وقبض مملوك آخر على ملك النمسا وأحضره بين يدي السلطان وبمثل ذلك من أقوال الغرور وفتح باب الحرب مكفراً كل من خالفه في رأيه هذا وأمر في الحال بناء على أمر السلطان بسرعة التجهيزات وكان الفصل شتاء ثم تحرك الجيش إلى أن ركز أعلامه بمدينة بلغراد ولما كان حرب النمسا هذا قد طالت مدته وامتدت أيامه أكثر من حرب العجم بحيث لم ينته إلا في زمن السلطان أحمد الأول 1015م بمعاهدة زيدوه تروك (Sitovatorok) رأينا من المناسب الكلام على ما كان له من النتائج مدة هذا السلطان.

وفاته:

وقد كانت وفاة هذا السلطان سنة 1003هـ وعمره خمسون سنة ويروى أنه لإنهماكه الزائد بالنساء خلف مائة ولد وخمسة عشر ولداً كان له اشتغال ومشاركة ببعض العلوم وله شعر بليغ بالعربية والفارسية والتركية وكان يميل إلى علم التصوف محباً للعلماء تقياً وفي زمنه تطرق الخلل إلى نظامات وقوانين الدولة.

السلطان محمد خان الثالث ابن السلطان مرادخان الثالث 1003-1012هـ

لما مات السلطان مرادخان كان ولده السلطان محمد بمغنيسيا والياً لما حضر جلس على تخت أجداده بلا منازع وعمره إذ ذاك 29سنة ولما تمت له البيعة كان أول أمر اهتم به أن أمر بقتل جميع إخوته الذكور وكانوا تسعة عشرة أميراً وكان لأبيه عشر نساء حبالى فأمر بإغراقهن في البحر ثم التفت إلى أتباع السراي السلطانية فشتت شملهم وحل نظامهم وكان يقصد بذلك استئصال الفتنة والوساوس حسبما وصل إليه عقله وأشار به عليه أخصاؤه وغير أيضاً الوزراء فعين فرهاد باشا للصدارة وخليل باشا قبودانا للبحرية بدلاً عن سنان باشا.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:49 PM
محاربات النمسا:

قد سبق ذكر حوادث الحرب التي اشتعلت نيرانها بين الدولة والنمسا وعصيان ميخائيل بك أمير الأفلاق وسجسموند ملك الأردل ولما رأت الدولة استفحال أمر ميخائيل المذكور سيرت عليه جيشاً تحت قيادة سنان باشا الكبيرة وعينت ابنه محمد باشا قائداً لجيوش المجر لصد النمساويين عن التقدم ومع ذلك فلم تأت هذه الاستعدادات بفائدة لأن ميخائيل تقدم منصوراً واستولى على قلعتي بكرش (Bucharest) وترغووشته (Tergovist) بعد أن قتل حاميتهما وكان العثمانيون اهتموا بتحصينهما تحصيناً جيداً وفي أثناء رجوع الجيش العثماني كمن له جيش من جيوش الأفلاق في الطريق وخرح عليه فجأة فبدد نظامه وهزمه هزيمة منكرة ومن جهة أخرى فإن الجيش الذي كان خرج لصد عساكر النمسا قهر وغلب لجهل قواده واستولى النمساويون على قلعة استرغون1004 هـ .

ولما وقعت هذه الهزيمات بجيش السلطنة العثمانية رأى الوزراء وأرباب الدولة أن ذلك مخل بشأنها ووقارها سيما وأن العساكر العثمانية التي دوخت جيوش أوروبا مدّة قرون لا يتأتى لها الآن التغلب على أميراً فلاقي صغير فالح سنان باشا الصدر الأعظم وسعد الدين أفندي شيخ الإسلام على السلطان وحرضاه على الخروج إلى الحرب بنفسه فقبل وأمر بالاستعدادات وقبل خروجه من إستانبول توفي سنان باشا وتولى الصدارة مكانه إبراهيم باشا وكان متهماً بالمداخلة في قتل فرهادباشا وبغير ذلك مما يشين بمقامه ولما وصل الجيش السلطاني إلى بلغراد صار يقصد قلعة أكرى (Erlau) وبعد أن حاصرها نحو عشرين يوماً تم له الاستيلاء عليها 1005م .

ولما علم ملك النمسا مكسيميليان وسيجسموند ملك الأردل بخروج السلطان إلى الحرب بنفسه جمعا عسكريهما وزحفا لملاقاة الجنود العثمانية ثم وقع بين الطرفين محاربة عظيمة بالمكان المدعو خاج أوه (Kerestez) سنة 1005هـ 1596 م وقد استمر القتال طول النهار ولم تخرج جنود المتفقين من استحكاماتهم لقتال العثمانيين بل كانوا يراقبون حركات الجيوش العثمانية ثم انتهزوا فرصة في الجيش العثماني وخرجوا عليه على حين غفلة فاخترقوا صفوفه وبددوا جموعه وفرّ معظم الجيش وتقدمت خيالة الأعداء حتى صارت على مقربة من خيمة السلطان عند ذلك قابلهم خدام الخيمة وحراسها وقاوموهم أشد المقاومة.

وأخذ الأمراء يعملون الحيلة في خلاص السلطان من هذه الورطة إلا أن الشيخ سعد الدين أفندي شيخ الإسلام أخذ يحرض السلطان والأمراء على الصبر والثبات الواجبين في هذا الوقت وأنهما سبب الفوز والنجاة ويشجع الوزراء حتى فاضت قلوبهم حمية وامتلأت أبدانهم جسارة ومقاومة أما الأعداء فإنهم اغتروا بما نالوه من النصرة وأخذوا في تعقب الفارين فكمن لهم قائد المقدمة جغاله زاده سنان باشا واسعتد السلطان فيمن معه من الجنود وحصروهم في وسطهم وأعملوا فيهم السيف والنار حتى أبادوهم عن آخرهم تقريباً وانقلب الحال عليهم من الغلبة إلى الهزيمة.

ثم عاد بعد ذلك السلطان إلى استنابول غانماً منصوراً قال إبراهيم أفندي في تاريخه وكان حاضراً في تلك الواقعة: أنه لو أمضت العساكر العثمانية شتاء ذلك العام بالحدود ثم تقدمت في الربيع لكان أمكنها افتتاح مدينة فينّا وكانت تمكنت الدولة من عقد مصالحة كما تحب إلا أن عودة السلطان إلى إستانبول جعل للنمسا الوقت الكافي للاستعداد وملافاة ما خسرته في الهزيمة المذكورة.

واقعة قنيجة الشهيرة:

أنه بعد حدوث الحوادث السابق ذكرها اضطر الصدر الأعظم إبراهيم باشا المذكور لقيادة الجيوش بنفسه وكان هذا الوزير سافل الأخلاق من ذوي المطامع والأغراض إلا أنه كان جسوراً ذا لياقة واقتدار فتقدم بالجيوش سنة 1008هـ وفتح قلعة قنيجة (Kanescha) وهي من أشهر وأحصن قلاع بلاد النمسا وتقدم أيضاً سر عسكر الطونة كوزلجة محمود باشا وهزم جيوش ميخائيل بك هزيمة تامة بعد أن قاوم عساكر الدولة وتمرد عليها مدّة خمس سنوات.

ولما رأى الشاه عباس ملك إيران 1012هـ اشتغال الدولة بمحاربات النمسا نقض معاهدة الصلح كان عقدها مع فرهاد باشا 998هـ وقصد استرداد مقاطعات آزربيجان وشيروان فأعلن الحرب سنة 1012 على الدولة ثم تقدّم واستولى على تبريز من زنجير قزان علي باشا ثم أغار على جهات روان.

وفاته:

وفي خلال ذلك توفي السلطان محمد خان الثالث ولم يتجاوز سنه 37 سنة وكان رحمه الله سلطاناً عظيم القدر عالي الهمة مظفراً في وقائعه تقياً محباً للعدل والإنصاف يميل إلى العلماء والصلحاء محباً للعلوم والصنائع راغباً في ترقية أسبابها ورواج سوقها وكان عادلاً مستقيماً غير أن طول زمن الحروب مع دولة النمسا أوجب اشتغاله بها وعدم الاهتمام بغيرها.

السلطان أحمد خان الأول ابن السلطان محمد الثالث 1012-1026هـ:

جلس هذا السلطان على تخت السلطنة بعد وفاة والده ولم يكن له من العمر إذ ذاك غير 14سنة ولم يجلس أحد قبله من سلاطين آل عثمان على التخت في هذا السن وكانت أحوال الدولة في ارتباك شديد لاشتغالها بحروب النمسا بأوروبا وبحروب الشاه عباس وغيرهما من أصحاب الثورات الداخلية بآسيا وكان أوّل شيء اهتم به بعد قبضه على الأحكام إتمام ما كان شرع فيه والده من التجهيزات الحربية بناء على ما أشار به وزراءه.

بقية حروب النمسا:

أعلم أنه لما تمت المعدّات الحربية المذكورة عين السلطان لالا محمد باشا للصدارة العظمى وسرداراً عاماً للجيوش التي سافرت لحرب النمسا وكان هذا الصدر من قوّاد الجيوش بدار الحرب منذ انتشابها بين الدولتين، لهذا كانت له معرفة تامة بتلك الجهات سيما وأنه يتصف بالمهارة العسكرية والشهامة الحربية ولما سافر بالجيوش العثمانية أهتم أوّلاً بتقوية الجنود النازلة بقلاع الحدود ثم تقدّم وحاصر قلعة استرغون فتمكن من استردادها وكانت هذه المدينة وقعت في يد الأعداء منذ ما كان هو محافظاً عليها ولذلك داخله السرور باستردادها.

ولما كانت إمارات الأفلاق وبغدان والأردل في خصومة وحرب مع الدولة العثمانية من أوّل قيام هذا الحرب وكانت هذه الممالك الثلاث تخدم بذلك مصلحة النمسا وكان اعتراها الوهن والخراب مما ساقته الدولة العثمانية عليها من الجيوش العديدة ومما وطأ بلادها من عساكر التتار الآتية من بلاد القريم التمس البرنس بوجقاي (بوسكاي) الذي تولى بلاد الأردل بعد نكبة ميخائيل بك بعد موافقة أمراء ملته الصلح من الصدر الأعظم بمكاتيب أرسلها إليه وذلك لما رآه من الذل والخسارة التي أصابت الإمارات الثلاث أثناء هذه المحاربة فقبل الصدر الأعظم التماس البرنس وساق جنوده على قلاع بلاد الأردل لإخراج عساكر النمسا منها وافتتح مدينة إيوار وهي من قلاع الجسيمة.

حرب إيران:

قد علمت مما سبق أن شاه العجم نقض معاهدة الصلح التي بينه وبين الدولة واستولى على تبريز حين اشتغال الدولة بحرب النمسا ولما جلس السلطان أحمد عزل شغاله زاده سنان باشا من إمارة البحرية وعينه قائداً عاماً على جيوش بلاد الشرق وأمده بالجيوش والمعدات لصدّ العجم إلا أنه لم يتمكن من تخليص قلعة روان التي كانوا يحاصرونها ثم اضطر بعد ذلك إلى الرجوع إلى بلاد كردستان بجيشه في حالة سيئة وذلك لأن ضباط جيشه خالفوا أوامره وامتنعوا عن الرضوخ لرأيه الصائب وهو تمضية فصل الشتاء بجهة يقال لها قره باغ حتى إذا ما أقبل الفصل الموافق كانوا قريبين من دار الحرب.

وفي السنة التالية لما سافر يريد فتح تبريز تقابلت طليعة جيشه وكانت تحت قيادة صفر باشا محافظ أرضروم مع جيش الشاه عباس بجوار بلدة يقال لها سلماس ولما انتشب الحرب بينهما وكان الجيش العثماني لم يصل بعد أن انهزمت الطليعة تماماً وقتل قائدها فأثر هذا الانهزام في الجيش العثماني تأثيراً سيئاً وحل عزيمته وتفرق عنه أمراء الأكراد خصوصاً فتقهقر عند ذلك سنان باشا بمن بقي معه من الجنود القليلة إلى مدينة وان ومنها إلى ديار بكر فمات هناك حزناً على ما أصابه من الفشل.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:50 PM
أحوال البحرية في الوقت المذكور:

لما تعين القبودان حافظ باشا لرئاسة البحرية في عهد هذا السلطان التفت نوعاً لإصلاح العمارة التي كان تقهقر شأنها تبعاً لتقهقر حالة الدولة ولما تمت معداتها أقلع بها سنة 1016من استانبول يريد ثغر الإسكندرية لإحضار ويركو بلاد مصر كما جرت العادة بذلك ولما عرج في طريقه على مدينة رودس عند ذهابه ترك بها بعض السفن إلى حين عودته ولما كانت طائفة هذه السفن قليلة لأن حافظ باشا المذكور كان أخذ معه معظمها هجمت عليها قرصان البحر فاستولوا عليها بمن فيها ولما عاد القبودان من مصر إلى الاستانة تكدر السلطان بما فعله ووبخه على ذلك ثم عزله وعين بدله على العمارة القبودان خليل باشا القيصري 1018هـ .

ولم يأت هذا القبودان بإصلاح جديد في أحوال العمارة لعدم التفات السلطان إليها في ذلك الوقت إلا أنه لما كثر عيث قرصان القوزاق بالبحر الأسود وأخذوا يشنون الغارة على سواحل بلاد الدولة ينهبون ويحرقون هاجت السكان وكتب الولاة إلى دار الخلافة ببث شكواهم فسافرت العمارة العثمانية إلى البحر الأسود وتمكنت من ملاشاة طائفة قرصان القوازق ثم عادت إلى استانبول وقد روى بعضهم إن العمارة العثمانية لما خرجت لطرد قرصان القوازق تحت قيادة حافظ خليل باشا صادفت صعوبات جمة لعظم سفنها وخفة سفن القرصان التي أرعبت الشواطئ وأزعجت التجار حتى ضواحي البوسفور وفي هذا الوقت كانت دول أوروبا التفتت إلى تقوية وتحسين السفن وتغيير أشكالها وتسليحها بأسلحة أكثر وأضخم مما كان بها.

وكان في مقدمة هذه الدول إسبانيا وإنكلترة وأنشأت الأولى منهما سفينة عظيمة تدعى فيليب 1591م ذات ثلاث طبقات بها من المدافع سبعة وستون وأنشأت الثانية سفينة عظيمة سمتها برش 1610م كان طولها 114 قدماً وعرضها قدما بها من المدافع ثمانية وستون وبعد قليل اقتدى باقي دول أوروبا بهاتين الدولتين وقوّت أساطيلها وبحريتها ومما يذكر أيضاً في هذا الوقت أن أسماء السفن الحربية تغيرت من غالي وغليون وغراب وشانية وغيرها إلى قرويت وفرقاطة وقباق.

وفاته:

وكانت وفاة هذا السلطان في سنة 1026هـ وهو الرابع عشر من سلاطين آل عثمان العظام تولى السلطنة وعمره أربع عشرة سنة وجلس على التخت أربع عشرة سنة وقد كان صالحاً يميل إلى العلماء والسادات خيراً وكان عزم لشغفه بأمر بيت الله الحرام على أن يكسوه بالذهب والفضة فمنعه المفتي محمد بن سعد الدين من ذلك فجعل للكعبة ثلاث مناطق من الفضة المحلاة بالذهب صوناً لها من الهدم وكساها هي والحجرة النبوية والأضرحة بأفخر المخيشات المقصبة وعمر مسجد البيعة قرب عقبة مني وأصلح جملة جهات بمكة وأوقف من قرب مصر وقفاً على خدام الحرمين الشريفين وفي سنة 1024هـ أرسل حجرين من ألماس للحجرة النبوية قيمتها ثمانون ألف ليرة وأبدل شبابيك الحجرة وجعلها من الفضة المحلاة بالذهب وأخذ الشبابيك القديمة ووضعها في مدفنه بالاستانة تبركاً.





السلطان مصطفى الأول ابن السلطان محمد خان 1026-1027هـ

لما توفي السلطان أحمد بايع الوزراء والأمراء السلطان مصطفى قياماً بحق الوصية وكان عمره لا يتجاوز العشرين سنة إلا أنه لما كان أمضى أيامه قبل ذلك في حالة حجر وممنوعاً عن مخالطة الناس مسجوناً داخل القصر لا يسمع ولا يرى شيئاً مما يحصل بالدولة ظهرت عليه علامات عدم القدرة بشؤون الدولة بمجرد جلوسه على التخت وأخذ يبدد أموال الخزينة بطرق صبيانية ولذلك كثر القيل والقال بين الناس حتى خيف حدوث اضطراب عام داخلي ولم يكن مضى على حكمه ثلاثة شهور وعشرة أيام حتى تقدم مصطفى أغا دار السعادة وقبض عليه وسجنه بمكان داخل السراي في يوم صدور الفتوى من شيخ الإسلام بخلعه وبويع لأكبر أولاد السلطان أحمد المتوفي.



السلطان عثمان خان الثاني ابن السلطان أحمد الأول 1027-1032هـ

جلس هذا السلطان وكان سنة أصغر من سن سابقة لا يتجاوز 13سنة إلا أنه كانت تلوح عليه علامات الشجاعة والإقدام لنباهته وجودة قريحته وفي أول حكمه أرسلت الدولة السفراء إلى كافة الجهات وعقدت معاهدات الصلح مع فرنسا وأكثر الدول الأوروباوية وسوت أيضاً مسألة بوهيميا مع إمبراطور ألمانيا لأن هذا الإقليم لما كان عصى عليه طلب أهله من الدولة حمايتهم وبما بذله وزراء الدولة من المساعي تحسنت علاقات الإقليم المذكورة مع الإمبراطورية الإلمانية وفي السنة الأولى من حكم هذا السلطان عاد القبودان جلبي علي باشا بالدوننما من البحر الأبيض ومعه ست سفن للقرصان اغتنمها مدة سفره وأكثر من مائتي أسير من أجناس مختلفة ومقدار عظيم من الغنائم ولما عرض على السلطان ما فعله في سفرته هذه من يوم خروجه إلى وقت مجيئه كما هي العادة أنعم عليه وقربه إليه.

ولما كانت أحوال العجم لا زالت تستدعي اهتمام الدولة لسعي ملكها في بث الدسائس وإقلاق الراحة جردت الدولة سنة 1027جيشاً عظيماً تحت قيادة خليل باشا الصدر الأعظم لمحاربة العجم ولما التقى بجيوش الشاه عباس حدثت بينهما معركة انتهت بانتصار العثمانيين انتصاراً باهراً واستخلصوا من الأعجام الجهات التي كانوا اختلسوها من الدولة العثمانية أثناء الوقائع والاختلالات الماضية مثل تبريز وغيرها.

وقبل الشاه عباس تجديد أمر الصلح على أساس مصالحة نصوح باشا وكان السلطان عثمان يرى أن كل الفخر في ظلال السيوف فاجتهد في تنظيم القوة البرية والبحرية والإكثار منهما ومداومة الحروب والغزوات وقد ساعدته المقادير لإتمام بعض أغراضه، من ذلك وهو أن ملك بلاد الأردل كان يرغب في توسيع نطاق ملكه من أقاليم النمسا ولما اطلع السلطان على مرغوبه حسن له الإغارة على بلاد النمسا وسهل عليه فتح عاصمتهم فأصدر السلطان الأوامر بتجهيز الجيوش لمحاربة بولونيا أولاً.

ثم قبل أن يبارح استانبول أمر بأخيه الأمير محمد فقتل اتباعاً للقاعدة القبيحة التي سنها بعض السلاطين خوفاً من أن يخرج عليه أثناء غيبته وأصدر أمراً بتقليل اختصاصات مفتي استانبول ونزع منه ما كان له من السلطة في تعيين وعزل الموظفين وجعل وظيفته قاصرة على الإفتاء ليس إلا مخافة أن يصيبه منه ما أصاب سلفه من العزل إلا أنه لما كان الحذر لا يمنع القدر لم يأت الأمر كما كان يبتغي كما ستعلم.

وبعد هذه الترتيبات خرج بجيش مؤلف من 300 ألف مقاتل وانضم إليه جانيك كراي خان القريم وبتلن غابور أمير الأردل وأمير المملكتين وما زال هذا الجيش يسير بنظام حتى نزل أمام مدينة شوكزم أوخوتين (Ch) ثم تلاقى بجيش البولونيين وكان يرأسه القائد (ولنا) أحد مشاهير قوادهم وكان متحصناً في هذه المدينة وبعد أن هاجمه العثمانيون عدّة مرات ارتدوا عنه بلا فائدة لتمرد الانكشارية وطلبهم الكف عن القتال واتفق أن طلب البولونيون أيضاً الصلح لموت قائدهم المذكور وغيره من ضباطهم في القتال فعقد الصلح بين الطرفين وبعد التوقيع على شروطه التي لم يستفد منها العثمانيون أدنى فائدة عاد السلطان إلى استانبول 1029هـ .

ومن حوادث تلك السنة أن اشتدّ البرد جدّاً حتى جمد البوسفور وصار الناس يعبرون على البحر من استانبول إلى أسكدار.

ولما عاد السلطان عين الدفتر دار مصطفى باشا قبودانا للدوننما العثمانية وعزم على السفر إلى بلاد الشام ومصر وشاع أنه متوجه من هناك لتأدية فريضة الحج ولما كان يسعى في تدمير وجاق الانكشارية لما ظهر منهم من التوقف والتمرد في محاربة بولونيا وزيادة طغيانهم وكونهم أصبحوا أصحاب العقد والحل في الدولة هاجوا وماجوا لما بلغهم نية السلطان على الحج وألزموا المفتي بإخراج فتوى مضمونها أن السلاطين لا يتكلفون الحج وبعثوا للسلطان بعض الشيوخ يعلمونه بالمركز الحرج الذي بات فيه فلم يلتفت إلى أقوالهم بل هدّدهم وقال وهو في غضبه: إنني سأدمر وجاق هؤلاء المردة الملاعين فلما عادوا وأخبروهم بما حصل هاجوا هياجاً كبيراً ونادى أحدهم بالسلطان مصطفى وتبعه الباقون ثم هجموا دفعة واحدة على السراي وأخرجوا السلطان مصطفى من حبسه وعند ذلك خاف السلطان وندم على ما فعل وأراد أن يسلم للعصاة دلاور باشا الصدر الأعظم وسليمان أغا أغاي السراي فلم يرضوا بذلك وقال لهم العلماء: إن السلطان مصطفى مسلوب العقل ولا تجوز مبايعته فهجموا على العلماء أيضاً وألزموهم البيعة له وأخيراً قبضوا على السلطان عثمان وأخذوه ماشياً بكل احتقار حتى أوصلوه إلى بعض الثكنات العسكرية وحبسوه فيها 1031هـ ثم نقلوه إلى قلعة يدي قله ولم يكتفوا بخلعه بل قتلوه بأمر داود باشا الذي تقلد الصدارة في أثناء ذلك ولما زاد لهيب الثورة تجمع كثيرون من أهل الفساد وصاروا يقتلون كل من خالفهم وبنهبون خزائن الذولة ثم قامت طائفة تطالب بدم السلطان عثمان المقتول ظلماً فقتلوا داود باشا وكل الذين لهم يد في قتله.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:50 PM
عصيان أباظة باشا:

لما انتشر خبر قتل السلطان عثمان قام أبازه باشا بكلر بك أرضروم مطالباً بثأره واجتمع عليه نحو ثلاثين ألفاً من الأتباع وصار يقتل من يقابله في طريقه من السباهية واليكجرية إلى أن وصل سيواس وألزم بعض أمراء تلك الأطراف بالإنضمام إليه وأخذ يخرب البلاد ويقتل العباد وينادي بأنه سيدخل استانبول وينتقم من كافة طبقات الجنود فهال الدولة أمره وخافت امتداد نفوذه واجتهد الوزراء في توقيف حركته فلم يوفقوا حتى إن السلطان عزل لذلك أربعة من الصدور في مدّة ثلاثة شهور وكان ملك الروسيا أرسل سفيراً إلى الدولة في ذلك الوقت يطلب عقد اتحاد معها ولمحاربة بولونيا ومحو استقلالها فلم تتمكن الدولة من المفاوضة معه بالنسبة لارتباك الأحوال وأخيراً لما رأى رجال الدولة وقواد الجيوش سوء الحالة ندموا على ما حصل منهم من الموافقة على خلع السلطان عثمان وقتله وصمموا على خلع السطان مصطفى ثانية ولما علم السلطان بذلك بادر فخلع نفسه بعد أن حكم سنة وشهرين 14ذي 1032 هـ القعدة وبويع لابن أخيه السلطان مراد الرابع أما السلطان مصطفى فإنه سجن إلى أن مات وعمره 16 سنة.

السلطان مرادخان الرابع ابن السلطان أحمد خان الأول 1032-1049

محاربة العجم وثورة أبازه باشا:

جلس هذا السلطان على التخت وعمره 14سنة ولما علم أن الصدر الأعظم كمنكش علي باشا أخفى عليه خبر سقوط بغداد في يد العجم عده خائناً وعزله وعين بدله جركس محمد باشا، أول شيء أجراه هذا الصدر أنه توجه بجيش جرار لإطفاء ثورة أبازه باشا وبعد واقعتين حصلت بينهما تمكن الوزير من تشتيت شمل جموع أبازه باشا واستأمن من كثير من قواده وبعد ذلك أرسل أبازه باشا يلتمس العفو من السلطان فعفا عنه وجعل بكلر بك أرضروم كما كان 1034هـ .

ولما خمدت نيران هذه الفتنة من جهات أرضروم وسيواس أخذ الصدر المذكور يجهز الجيوش بعد عودته إلى توقات لاستراد بغداد إلا أنه مات بعد عودته بقليل ولما وجه مسند الصدارة إلى حافظ أحمد اشا جهز جيشاً بديار بكر يبلغ عشرين ألف مقاتل ثم سار به وحاصر بغداد وانتشب القتال ودام أياماً ولما طال الحصار وسئمت العساكر وأخذوا يهزأون بحافظ باشا لأنه قال لهم: إن مفاتيح بغداد في جيبه ثم تآمروا عليه وعزلوه وحبسوه في قلعة خارج بغداد وأقاموا عليهم مراد باشا ثم عزلوه هو أيضاً وأرجعوا حافظ أحمد باشا ثم قاموا عليه أيضاً يريدون قتله وأخيراً اتفقوا معه ثم نهض بهم راجعاً عن حصار بغداد بعد أن دفن في الأرض ما كان بجيشه من المدافع وآلات الحصار وأرسل الشاه عباس خلفه فرقة من الجنود تتعقبه فعاد إليها وأوقع بها ثم قتل مراد باشا لأنه السبب في تحريك طوائف السياهية وتمردهم ثم تقدم إلى الموصل وأقام به حتى أتاه السلطان بالتقدم إلى حلب حيث يصله المددو بعد ذلك عزل حافظ باشا ووجهت الصدارة إلى خليل باشا.

ولما عاد حافظ باشا مهزوماً تقدّمت الأعجام واستولت على قلعة أخسخه وحاصروا قارص ولما وصل الصدر الجديد خليل باشا مركز الجيش بتوقات عين أبازه باشا والي أرضروم المتقدم الذكر لاسترداد أخسخه إلا أنه بينما كان يستعد للسفر أتى أمر بتعيين قائد آخر بدله يدعي حسين باشا فحنق لذلك أبازه باشا وداخله الخوف واحتال حتى اغتال حسين باشا وأتباعه شاقاً عصا الطاعة ثم تحصن في أرضروم وأتى الصدر خليل باشا وحاصره إلا أنه لم يتمكن من عمل شيء لنقص ذخائره الحربية ولما توفي خليل باشا بعد ذلك ولي الصدارة خسروباشا ولما كان من رجال اليكجرية ومن ذوي التدبير والشدّة تمكن من تنظيم الجيوش قمع من تمرد منها وبعد أن أصلح ذات البين بين شريف مكة ووالي اليمن ووالي مصر قاد جيشاً يبلغ 150000مقاتل وتقدّم لحصار بغداد وأرسل وهو في الطريق جيشاً مع جعفر باشا بكلر بك قارص فهزم جيش العجم الذي كان يقصد مساعدة أبازه باشا ثم أخضع أبازه باشا 1038هـ ولما حاصر الصدر المذكور بغداد لم يتمكن من فتحها فعاد إلى الموصل وهناك صنع وليمة لبعض طوائف الجنود ولما اجتمعوا خرج عليهم من أكمنهم لهم فقتلوهم لأنهم السبب في عدم نجاح حصار بغداد ثم طلب الإمداد من الدولة لإعادة حصار بغداد.

وبعد حوادث طويلة مات الشاه عباس بعد أن حكم 43 سنة فأرسل حفيده الشاه صفين الذي جلس مكانه جيشاً عجمياً يبلغ 40 ألف مقاتل تحت قيادة زينل خان للمحافظة على الحدود فقابله الصدر الأعظم وباشا وهزمه أمام قلعة مهربان وقتل من الإيرانيين30 ألف نفس واستأمن من زينل خان بمن معه إلا أنه قتل أيضاً وهرب الشاه وأغار الصدر الأعظم خسروباشا على جهات همذان ودركزين ونهاوند 1040هـ وبينما كان يقصد مهاجمة أصفهان مقر الدولة الصفوية أتاه مرسوم السلطان بالعودة إلى حصار بغداد ولما كان يستعد لإنفاذ الأمر عزل من الصدارة وولي مكانه الصدر الأسبق حافظ أحمد باشا 1041هـ .

سفر السلطان إلى آذربيجان وفتح روان:

لما كانت سوق الحرب قائمة بين الدولة ومملكة العجم منذ زمن طويل لم تنقطع وإن كانت توقفت في بعض الأحيان أي عقب موت الشاه عباس للأسباب السابق ذكرها صمم السلطان على قيادة الجيش بنفسه لفتح بغداد واستعدّ للحملة على العراق إلا أنه حوّل بعد ذلك عزمه وأراد فتح مدينة روان فقصدها 1044هـ بعد أن ترك بيرام باشا للمحافظة على دار الخلافة وفي أثناء ذهابه قتل كثيراً من الأمراء الجلالية الذين تحقق له ارتكابهم المفاسد والتعديات ثم تقدم وفتح روان وكان قصده تمضية فصل الشتاء في حدود العجم ثم يقصد أصفهان في الربيع إلا أنه أصيب بالنقرس في ركبتيه فعاد إلى الاستانة وترك مرتضى باشا للمحافظة على روان وأخذ معه خان روان المدعو أميركون وكان استسلم للدولة 1045هـ .

ولما أقبل الشتاء جمع الشاه جيشاً وحاصر روان واستردّها بعد حصار جرح فيه مرتضى باشا جرحاً بليغاً مات به ولما كان الصدر الأعظم محمد باشا بالجيش في أرضروم ولم يمدّ مرتضى باشا قصداً كما ظهر من التحقيقات التي أجريت بعد ذلك لكراهية الصدر لمرتضى باشا عزل الصدر المذكور وولي مكانه بيرام باشا 1046هـ .

استرداد بغداد:

لما كانت مدينة بغداد من المراكز المهمة التي يجب أن تكون في يد الدولة وكان السلطان صمم على استردادها بنفسه ولم يصرفه عنه إلا فتح مدينة روان أمر سنة 1047 هـ بالتجهيزات ثم قصد العراق على رأس جيش يبلغ مائة ألف مقاتل ورافقه شيخ الإسلام يحيى أفندي والقبودان قره مصطفى باشا وقبض وهو في الطريق على رجل كان يدعى المهدوية ويسمى بالشيخ كامل وقتله بعد أن أفتى له العلماء وأراح من بدعته العباد ولما وصل إلى الموصل قدم عليه سفراء من قبل ملك الهند شهاب الدين جهان شاه وأعلموه أن ملكهم سيهجم على بلاد العجم من جهات قندهار ثم بعد أيام توفي الصدر الأعظم بيرام باشا فتولى الصدارة طيار محمد باشا ولما قرب السلطان من حدود العجم كان انضم إلى جيشه جميع الجنودالمعسكرة ببلاد الأناضول حتى بلغ جيشه فيما قيل 300 ألف مقاتل.

ثم وصل الجيش أخيراً إلى بغداد بعد خروجه بمائة يوم وسبعة وتسعين يوماً وفي الحال أحاطت العساكر بأطرافها وكان الشاه لما بلغه تقدّم الجيش السلطاني أتى من تبريز بالجيوش والتقى بعساكر الدولة على شاطئ الدجلة فقاتلوه قتالًا شديداً ثم هزموه هزيمة منكرة ثم شددوا الحصار على بغداد وسلطوا المدافع على الأبراج وكانت مائتي برج فخربت وهدمت كثيراً منها وأمر المهندسون بعمل لغم عظيم وملؤه بالبارود ولما أطلقوه هدم جانباً عظيماً من الأسوار فلما رأى أهل بغداد ما دهمهم بعثوا إلى الشاه بأنهم سيضطرون إلى التسليم إن لم ينجدهم فبعث الشاه إلى السلطان في طلب الصلح فلم يقبل منه ثم شدّد الحصار وأكثر من الهجوم ليلاً ونهاراً حتى قتل الصدر الأعظم وبعد مضي أربعين يوماً من حصار المدينة استأمن محافظها بكتاش خان فدخلها الفاتحون يوم الجمعة الثامن من شعبان سنة 1048هـ وقتلوا في ذلك اليوم من العجم أكثر من عشرين ألفاً وأسروا كثيراً منرؤسائهم.

ولما كان مرض النقرس يشتد بالسلطان ترك أمر الصلح والحرب بيد الصدر الأعظم قره مصطفى باشا الذي تولى بعد محمد باشا ورجع هو إلى دار السلطنة سالماً غانماً منصوراً وكان لدخوله فيها احتفال عظيم وكان معه خمسون من خانات العجم بملابسهم مكبلين بالسلاسل وكان حاملاً بيده حزمة من الأسلحة مشتملاً جلد نمر كما فعل اسكندر الأكبر حينما فتح مدينة بابل وبعد عودة السلطان طلب شاه العجم الصلح من الصدر الأعظم وأرسل لذلك سفراء على شرط أن تستولي الدولة على بغداد وترد لإيران مدينة روان وبعد أن نقل الصدر هذه الشروط إلى السلطان وتبودلت المخابرة فيها بين الطرفين تمّ أمر الصلح وأمضيت شروطه 1049هـ 1631م .

وفاته:

ثم اشتد المرض بالسلطان فعاجلته الوفاة في السادس عشر من شوّال من السنة المذكورة وكان رحمه الله عاقلاً ثاقب الرأي شجاعاً له قوّة يفوق بها أعظم الأبطال حتى لقبه المؤرخون باسكندر الثاني وكان على جانب عظيم من الاقتدار والهمة قبض مع صغر سنه على زمام الإدارة وهي على ما هي عليه من الاختلال فأحسنها وقهر المفسدين وقمع العصاة واستأصل الطغاة من جنود اليكجرية الذين قتلوا أخاه ومدحته الشعراء وقد لقب هذا السلطان بمؤسس الدولة الثاني لأنه أحياها بعد السقوط ونشرها بعد الحشر بسبب تلك الثورات وأكثر من الفتوحات وأصلح حال ماليتها حتى أمست في يسر وسن لها النظامات العادلة والقوانين الموافقة.

السلطان إبراهيم خان ابن السلطان أحمد خان الأول 1049-1058هـ:

لما لم يترك السلطان مراد خان الرابع من يرث تخت السلطنة بعده من صلب آل عثمان إلا السلطان إبراهيم جلس هذا على التخت بعد وفاة السلطان أحمد وكان عمره إذ ذاك 25 سنة وأقيمت له حفلة المبايعة على الطريقة القديمة ووزعت عطايا الجلوس على أربابها.

وقد زاد اختلاطه بالنساء كثيراً بمجرد جلوسه إكثاراً للذرية حتى أدى به الأمر أن هام بهن شغفاً ولازم الحرم فصار لا يخرج منه وقد أثر ذلك على صحته فأصبح نحيلاً ضئيلاً ولهذا حاز نساء السراي السلطانية نفوذاً عظيماً وتداخلن في أمور الدولة بأجمعها وبمساعيهن وصل رجل يدعى حسين أفندي ويعرف بخواجه جنجي إلى رتبة قاضي العسكر في زمن وجيز وصار يتداخل في كل أمور الدولة إلا أن الصدر الأعظم قره مصطفى باشا لما كان من أصحاب الدراية لم ترج لدية هذه الأعمال المفسدة وبمساعيه تمكن من قطع دابر هؤلاء الأشقياء 1053هـ وتمكن أيضاً من تسوية مسألة المسكوكات وكانت من المسائل المهمة أحدثت ارتباكاً في أحوال الدولة.

وفي سنة 1050هـ سعى هذا الوزير حتى جدّد المعاهدات مع الدول الأوروباوية وكل ذلك بمشاورة ومساعدة والة السلطان المسماة ماهيكر سلطانة وسوّى المعارضات التي حدثت بخصوص حدود النمساء والمجر على حالة ترضي الطرفين ثم أتت الجزية من بلاد الأردل وراغوزة والهدايا من الروسيا والعجم على يد السفراء فراجت الأحوال ولما كان استعمال التبغ لا يزال ممنوعاً لما أفتى به بعض العلماء ولما أحدثه من الأضرار شدّد هذا الصدر في هذا المنع حتى إنه لشدّة التضييق والجزاء على مستعمله قالوا إن أكل الأفيون واستعمال السعوط راجت سوقهما في جهات غلطة.

وفي سنة 1051هـ قبض على الأشقياء الذين حرقوا كنيسة بروسة وعاقبهم أشدّ العقاب وبعث بقوّة عسكرية إلى ولاية بغداد لردع العربان الذين أخذوا في قطع الطريق ونهب القرى فأعاد النظام والسكينة بالولاية المذكورة.

ابتداء محاربة جزيرة كريد 1055هـ:

لما رأت الدولة العثمانية أنه صار في قبضتها معظم سواحل البحر الأبيض المتوسط وخصوصاً سواحل أفريقية رأت أن من الضروري فتح جزيرة كريد لحفظ وحراسة مستملكاتها وسواحلها لأن موقع الجزيرة الجغرافي يستدعي الاهتمام بذلك فأخذت تتخير الأوقات وتنتهز الفرص وبينما كانت ألمانيا وأوربا مشتغلة بحروبها بخصوص مسألة البروتستانت اتفق أنه في سنة 1054هـ 1644 م تعدت بعض سفن قرصان مالطة وقبضت على سفينة عثمانية تجارية كان بها حجاج وبينهم سنبل أغا أغاي دار السعادة ولما وصلت سفن القرصان المذكورة إلى جزيرة كريد تقاسم أصحابها ما بها من الأسلاب مع حاكمها ليدافع عنهم وبعد أن أقاموا مدّة في هذه الجزيرة ارتحلوا عنها إلى جزيرة مالطة وأخذوا معهم تلك السفينة.

هذا ولما علم السلطان بهذا الخبر غضب جداً على هذه التعديات وأصدر أمره في الحال لجميع دور الصناعات ببذل الاهتمام في بناء السفن وإصلاحها لتقوية الدوننما وأمر الولايات بتجهيز الجيوش وعين القبودان يوسف باشا الذي تقلد رياسة البحرية 1054هـ بعد أبي بكر باشا سرداراً على الجيوش أيضاً وبعد أن استعرض هذا القائد جنود البحرية في نظارة البحرية وزعهم على السفن 1055هـ 1645 م ثم أقلع بالدوننما وكانت مشكلة من 150سفينة حربية بها نحو مائة وخمسين ألف قنطار من البارود ونحو خمسين ألف من مقذوفات الحديد وخمسين مدفعاً للحصار وغير ذلك من الآلات الحربية الأخرى.

ولما خرجت هذه العمارة من الدردنيل توجه منها تسعون سفينة لمينا سلانيك وستون سفينة لمينا جشمه لتأخذ منهما العساكر التي كانت استعدت بالجهتين المذكورتين واكترت العمارة أيضاً خمسين سفينة تجارية لحمل الأرزاق والمهمات وبعد ذلك قصدت هذه السفن جميعها مينا ناوراين للسفر منها إلى مالطة بعد أن التحق بها أساطيل طرابلس الغرب وكانت ثمانية تحت قيادة حاكم طرابلس عبدالرحمن باشا وبوصولهم جميعاً إلى مينا ناوارين أخذوا المياه اللازمة لهم ثم دعا السردار كافة الأمراء وقرأ عليهم الفرمان السلطاني الآمر بالسفر إلى كريد لأجل فتحها ثم أبحرت العمارة قاصدة تلك الجهة إلى أن وصلت إلى ساحلها وأنزلت الجيوش في مكان يدعى غرامبوسة ثم وصلت الجيوش بعد يومين قرب بلدة خانية وبقيت على بعد أربعة أميال منها بين ساحل كريد وجزيرة أيا تودوري (Theodoro) ثم ألقت مراسيها وخرج منها كو ك حسن باشا بكلر بك الرومللي بعساكره وكل من مراد أغا كتخداي اليكجرية ومن معه من الجنود بمهماتهم وعددهم وعسكروا بشاطئ نهير بلاطانية واستولت الدوننما على القلعتين الموجودتين بجزيرة تودوري المذكورة ثم حاصرت الجيوش قلعة خانية الشهيرة من كل جانب إلى أن استولت عليها بعد خمسين يوماً من حصارها وذلك في 29جمادى الآخرة سنة 1055هـ 1645 م .

وبعد مضي أربعة عشر يوماً من افتتاحها حضرت عمارة البنادقة لما عملوا بمجيء العثمانيين تحت قيادة الأميرال العام يارونيمو موروزوني (Morozini) فمرت أمام القلعة المذكورة ثم دخلت مينا سودة وهو أكبر ثغر في جزيرة كريد وبعد أن جمع الأميرال المذكور كافة سفن البنادقة الموجودة بمياه الجزيرة المذكورة في مركز واحد خرج بها وأتى أمام خانية وكانت السفن الكبيرة من الدوننما العثمانية مستقبلة بجوار جزيرة أيا تودوري وكانت الصغيرة في مينا خانية وكان البنادقة طلبوا مساعدة أوروبا فلم تجبهم لقيام الحروب بين ممالكها وأرسل لهم أهل مالطة عشرين سفينة وأمدهم الفرنسويون بالنقود سراً مخافة الإخلال بالمعاهدات التي بينهم وبين العثمانيين ولما أراد سردار الجيش إخراج الدوننما في صباح اليوم المذكور لمحاربة البنادقة اتفق قيام زوبعة قوية جلبت أضراراً عظيمة بعمارة البنادقة فانهزمت بقدون قتال وبينما هي تسير صادفها في الطريق غلايين من الدوننما العثمانية فاشتبك القتال بينهما وبعد قتال عنيف أسر البنادقة غليوناً واحداً وتمكن الاثنان من الهرب.

ولما ازدادت الاضطرابات بالآستانة وكان منبعها في الحقيقة ضباط اليكجرية أراد السلطان الفتك بهم في ليلة زفاف إحدى بناته على الصدر الأعظم لانتقادهم أعماله وميلهم المستمر إلى المداخلة في أعمال الدولة ولما عملوا ما عزم السلطان عليه أجمعوا آراءهم وتآمروا على عزله وانضم إليهم بعض العلماء وأثاروا اليكجرية و السياهية فتم لهم خلعه وسجنوه وولوا ابنه محمد خان الرابع إلا أنه بعد أيام من عزل السلطان إبراهيم تذمر السياهية وأظهروا عدم ارتياحهم من السلطان الجديد لصغر سنه وهموا بإقعاد السلطان إبراهيم على كرسي الخلافة ثانية فخشى عند ذلك رؤساء العصابة التي عزلته من أن يبطش بهم إن عاد وصمموا على قتله ثم ذهبوا إلى السراي ومعهم الجلاد قره علي فقتله خنقاً 1058 هـ وقد كان هذا السلطان غير ميال إلى الحرب إلا أنه كان شديد المحافظة على كرامة الدولة لا يغتفر لمن يمسها بسوء أصلاً.

السلطان محمد خان الرابع ابن السلطان إبراهيم خان 1058-1099هـ:

تولى هذا السلطان وعمره سبع سنوات وكان أكبر إخوته ولما تقلد السيف وأقيمت له الرسوم المعتادة وصرفت للجنود ما جرت به العادة من الأموال أخذ ينظر في الأعمال بمساعدة وزرائه فقتله عدّة من رؤساء الفتن مثل جنجي خواجه وأضرابه وقد صودرت أموال هذا الرجل فبلغت ألفي ألف من الذهب وكانت الأحوال مختلة لقيام الجنود بالإفساد في كل جهة وخلعهم طاعة أولياء أمورهم وقتل الصدر الأعظم صوفي محمد باشا من الجنود الثائرة نحو ثلاثمائة ومع ذلك فلم يرتدعوا ثم عزله السلطان وسلم خاتم الصدارة إلى قره مراد أغا اليكجرية فجمع هذا هيئة جديدة من ضباط اليكجرية واشترك معهم في إدارة شؤون الدولة ولما ظهر له أنه لا يمكنه إدارة الأمور استعفى وتولى ولاية بودين ووجهت الصدارة إلى ملك أحمد باشا 1060هـ .

ومع تعاقب عزل وتنصيب الصدور ولم تحصل فائدة بل كانت الثورات متوالية تارة من اليكجرية وتارة من السياهية وطوراً من الأهالي وقد تداخلت جدّة السلطان المسماة ماهييكر في إدارة الدولة وكانت هذه السيدة من أفاضل النساء عقلاً وتدبيراً وكانت رأت حكم أربعة من السلاطين فاكتسبت عقلاً وتجربة وقد أعانت كثيراً على إصلاح الأحوال ثم سعوا في حقها حتى قتلوها وقتل معها كثير من ضباط اليكجرية والكبراء وأحيلت مشيخة الإسلام إلى شيخ الإسلام الأسبق أبي سعيد أفندي ثم عزل الصدر الأعظم وتولى بعده كورجي محمد باشا ولم يلبث أياماً حتى خلفه طرخونجي أحمد باشا 1062هـ .

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:52 PM
أحوال البحرية في المدة المذكورة :

اعلم أنه بما كانت عليه الدولة في هذه المدّة من الاختلال وفساد الإدارة والأحكام انتهزم البنادقة فرصة ذلك وأرسلوا عمارة لتهديد مضيق الدردنيل ولما أتت هذه العمارة حصل بينها وبين العثمانيين عدّة وقائع يأتي ذكرها ولما رأت الدولة أن سفن البنادقة قوية وجسيمة وأن معظم سفنها هي صغيرة أصدرت الأوامر مدة صدارة صوفي محمد باشا إلى دار الصناعة بالمبادرة فيبناء وتشييد سفن كبيرة من نوع الغليون لتكون العمارة على الدرجة الكافية من القوّة فشرعت دور الصناعة في العمل وأرسلت الدولة أيضاً مبلغاً من المال لاوجاقات ولايات المغرب لتجهيز أساطيلها وإحضارها في فصل الربيع لإتمام فتح كريد ثم في سنة 1058هـ 1648م أقلعت العمارة العثمانية قاصدة جزيرة كريد تحت قيادة القبودان وينق أحمد باشا وكانت مؤلفة من ستة غلايين وخمسة وستين غراباً ومعها ما يلزم من الذخائر والأدوات.

ولما وصل خبر قيامها لعمارة البنادقة أقبلت سريعاً إلى بوغاز الدردنيل ورست بقرب المكان المدعو كفز الكائن بالبوغاز فالتقت بها الدوننما العثمانية المذكورة حين خروجها وحصلت بينهما محاربة قوية تمكنت الدوننما العثمانية في آخرها من الخروج إلى البحر الأبيض المتوسط ثم تقابلت العمارتان ثانية ولما صارتا بالقرب من بعضهما أخذتا في إطلاق المدافع مدّة على غير طائل ثم انسحبت عمارة البنادقة إلى جهة أيمروز (Imbros) أما الدوننما العثمانية فإنها رست تحت قلعة فوجه (Foggia-Nova) وفي صباح اليوم التالي حملت عمارة البنادقة على العمارة الثعمانية بغتة فقابلها القبودان العام ببعض سفنه وانتشب بينهما الحرب ثم حملت إحدى سفن العدوّ على سفينته ولكن العساكر صدتها ودخلت إلى سفينة العدوّ تقتل جنودها وبينما هي تجاهد في ذ لك إذ أشعل أحد ملاحي سفينة البنادقة النار في مخزن البارود فتكسر غليون العدوّ وطار قطعاً في الهواء وأثر ذلك على السفينة العثمانية التي كان خلف سفينة القبودان باشا فغرقت.

محاربة نقشة البحرية:

لما تم تسليح الدوننما وتجهيزها أقلعت من استانبول ثم عبرت مضيق جزيرة ساقز (Chios) حيث التحق بها سفن البكوات ثم قامت بجميع ملحقاتها قاصدة جزيرة كريد وبمرورها على جزيرة نقشة (Naxia) تلاقت مع دوننما العدوّ في الممر الواقع بين جزيرة دكر منلك (Milo) وجزيرة بوليقاورو (Policandro) وكانت مركبة من ستين غليوناً ثم وقع الحرب بين الطرفين وامتد من الصباح إلى المساء وكان قاصراً على إطلاق المدافع من الجانبين بشدة بحيث أضر بالطرفين ولما أقبل المساء انسحب حسام بك زاده علي باشا ودخل في ليمان نقشة وأمضى الليل هناك يصلح ما لحقه التلف من سفنه وأخذ المياه العذبة اللازمة وفي الصباح خرج بالعمارة وكان خروجه بهيئة غير منتظمة فقابلته دوننما العدوّ بإطلاق المدافع واشتبك القتال بينهما ثانياً.

ثم قسم القبودان باشا العمارة إلى قسمين وضع الأول تحت قومندانية كتخدا الترسانة وقاد الثاني بنفسه ثم هاجم العدوّ من الجانبين واشتد الحرب بينهما وتقاربت السفن من بعضها إلا أن الملاحين الذين كانوا بسفن العثمانيين لم يكونوا يشبهون من كان منهم مع خير الدين باشا بارباروس أو مع يياله باشا المشهور بل كانوا من المتشردين الإغمار الذين لم يخوضوا بحار المعامع ويتدربوا على أعمال الوقائع فلهذا لما هجم القبودان على الأعداء لم يجد بجانبه سوى عشر سفن فقط وتأخر الباقي إلى الخلف تاركين القبودان وسط النيران أما فرقة كتخدا دار الصناعة فإنها لم تتجاسر بالكلية على الهجوم بل ولت الإدبار وعند ذلك ارتبك القبودان في أمره وضاع رشده فتقدم أحد القواد المدعو بوصله جي أوغلو وتوسط النيران وربط سفينة القبودان بسفينته وأخرجها سالمة أما سفن كتخدا دار الصناعة الجبان وباقي سفن اليكجرية التي هربت فإنها بقيت تتفرج من بعيد على القتال.

فتكدر القبودان باشا من هذه الحالة كدراً لا مزيد عليه وكتب في الحال الأوامر الأكيدة إلى قواد السفن يأمرهم بالعودة إلى قتال العدوّ ويخوفهم عاقبة الامتناع ولما شاهد اليكجرية الزوارق قابلة تحمل الأوامر وعلموا مقتضياتها بداهة ملؤوا بنادقهم ووجهوها نحو حملة تلك الأوامر قائلين إن ليس منهم من يخاطر بنفسه إلى هذه الدرجة ويلقيها في الهلاك وبذلك لم يمكن تبليغ تلك الأوامر لأربابها.

وقد نشأ عن هذه الحالة التعيسة تعطيل سفن الجبجية وبعض الغلايين عن الحركة لما أصابها من التلف واحترق الغليون الكبير الذي كان بناه الوزير الأعظم وغليون آخر مشحون بالعساكر ولم يقبل البكوات أيضاً الهجوم على الأعداء ثم هجم الأعداء على سفن المعطلة وقتلوا جميع من بها واستولوا عليها وما زال أحمد باشا بكلر بك الرومللي المذكورة يقاتل الأعداء بغليون واحد فقط إلى أن قتل في الواقعة واستولى الأعداء على غليونه بمن فيه وقصد سفينتان من سفن اليكجرية البر وخرج من بهما فأحرقهما الأعداء وقبضوا على غالب من كان بهما وقتلوهم عن آخرهم.

ولما رأى القبودان باشا أن لا فائدة في البقاء أخذ ما بقي من السفن وفرّ إلى جزيرة رودس والتحق به هناك باقي السفن التي كانت تفرّقت عنه ثم عقد مجلساً حربياً بسفينته لمحاكمة كل من تمرد أو أخطأ أو قصر في واجباته من العمال وفرض على كل ما يناسبه من العقاب وكان منهم كتخدا الترسانة المذكور الذي كان تولى رياسة أحد قسمي الأساطيل كما سبق وكان الحكم عليه بالتجريد من الدرجات وحلق لحيته وكان هذا الأمر في الوقت المذكور من الإهانات العظيمة وجعله مع طائفة الفورسة التي تعمل بالمقاذيف ثم بعث تقريراً مفصلاً عن ذلك كله إلى استانبول وتعين قورد جلبي كتخدا للترسانة مكانه ثم أقلعت الدوننما من رودس إلى كريد لتسليم ما بها من الأرزاق والذخائر إلى سردار الجيوش ثم عادت إلى الآستانة.

واقعة بشيكة الشهيرة:

اعلم إنه في 21جمادى الآخرة من سنة 1064هـ 1654 م صدر مرسوم سلطاني للقبودان مراد باشا بأن يتوجه بالدوننما إلى كريد ولما أراد العبور من بوغاز الدردنيل وجد في ساحل خليج بشيكة (Beshika) عمارة البنادقة وكانت مركبة من 26غليوناً فتربص القبودان في البوغاز إلى أن وصلته أربعة غلايين تونسية وسفن البكوات وبعد أن انضمت إلى أساطيله واستعرضها عزم على الهجوم على عمارة الأعداء وعباها على الكيفية الآتية فجعل الغلايين الحاملة لعساكر الأيالات وسفن البكوات في الجناح الأيمن وجعل غلايين طرابلس الغرب وغلايين الدولة العثمانية في الجناح الأيسر وجعل المواعين والأغربة التي بها اليكجرية في القلب.

ثم تقدم بالجميع هاجماً على سفن البنادقة الذين لم تحصل منهم أدنى حركة حربية ارتكاناً على ما نالوه قبل ذلك من الانتصارات العديدة على أساطيل العثمانيين ولم يشعروا إلا والمراكب العثمانية محدقة بهم من كل صوب والتصقت بسفنهم فاعترتهم الحيرة والاندهاش الكلي وحمل غليون أمين قبودان القاسم باشا على أحد غلايين البنادقة فضبطه من أوّل هجمة وضبط غزاة طرابلس الضرب غليوناً آخر من العدوّ وهجمت إحدى المواعين على غليون ثالث ولما كادت تستولي عليه أشعل جنوده النيران في مخزن بارودة فتفرقع ووقع معظم عساكره في البحر فالتقط جنود العثمانيين من منهم على قيد الحياة وأسروه واشتعلت النيران بغليون رابع وقبض العساكر العثمانية الذين كانوا تحت قيادة محمد قبودان الإسكندري على غليون خامس ولما صعدوا فيه أشعل أحد طائفته النار بباروده فطار مع مركب محمد قبودان الإسكندري المذكور لأنه كان ملاصقاً له والتقط العثمانيون من كان على قيد الحياة من جنودهما.

وقبض العثمانيون أيضاً على ثلاثة غلايين أخرى وعند ذلك نشر أميرال البنادقة قلوعه وكانت الريح تهب بشدّة والتجأ إلى الفرار وتبعه بقية السفن إلى جزيرة إيمروز وكانت خسارة البنادقة ثمانية غلايين بمن فيها غنم العثمانيون خمسة منها واحترق ثلاثة وكان بالسفن التي غنمها العثمانيون ثمانمائة أسير منهم ابن الجنرال نيقو وكاتب سره وكان الجنرال قتل في الحرب.

ثم إن الدوننما العثمانية انتقلت أمام بوغجه أطه في ليمان بو يراز وهناك دفن العثمانيون موتاهم ثم بعث القبودان الكتخدا قره كوز محمد أفندي إلى استانبول لإخبار الدولة بذلك رسمياً وطلب ما يحتاجه من ذخائر وجنود وأدوات ولما بلغ هذا الرسول رسالته أنعم عليه السلطان وأمر بالإسراع في إنجاز مطلوبه وبعد أن وصل إلى العمارة ما يلزمها أقلعت قاصدة جزيرة ساقز وهناك انضم إليها أحد عشر غليوناً من أسطول طرابلس الغرب ثم سافرت إلى جهة أغريبوز ثم وصل إلى الحكومة العثمانية خير حاصله أنه لما بلغ جمهورية البنادقة انهزام عمارتها كما سبق أرسلت إليها 18غالياً و 28غليوناً لتقويتها وأنها حضرت إلى جزائر الأرخبيل أما العثمانيون فإنهم ذهبوا إلى جزيرة استنديل وكانت بيد البنادقة وأخرجوا فيها فرقة من جنودهم فعاثوا بالجزيرة ثلاثة أيام ثم عادوا غانمين إلى سفنهم.

ولما بلغ القبودان باشا أن دوننما البنادقة بجزيرة دكر منلك (Milo) أقلع إليها وهاجمها ثاني يوم وصوله قرب كوجك دكر منلك (Anti-Milo) وكانت سفن العدوّ على غاية ما يكون من الاحتراز من مهاجمة العثمانيين لها ولهذا استمر الترامي بالمدافع بينهما من بعيد ولاشتداد الريح ومخالفته لم تتمكن الأساطيل العثمانية من القرب من سفن العدو ولهذابقيت طول النهار ترمي بالمدافع ولما أسبل الليل سدوله انفصل الدوننمنان عن بعضهما وعاد القبودان باشا إلى ساقز وترك الغلايين والسفن الجسيمة في جهة فوجه وخصص خمسين غليوناً تسير حول سواحل الرومللي ثم ذهبت تلك الغلايين إلى جزيرة أغريبوز واستمرت في جهات الأرخبيل مدة لم تصادف دوننما العدوّ ولا سفن القرصان أما القبودان باشا فإنه ذهب إلى كريد حيث تلاقى مع السردار العثماني.

ثم مر بجزيرة رودس ثم قصد أزمير وبعد أن أمضى بها عيد الفطر رخص لأمراء أساطيل الغرب وللبكوات بالعودة إلى بلادهم وعاد هو إلى دار الخلافة ومعه الغنائم والأسرى فرحب به السلطان وأنعم عليه والتمس من السلطان إبقاء طواقم السفن وعساكرها على ما هي عليه حيث كان المعتاد أن يوزعوها في فصل الشتاء فأجيب طلبه ونتج عن ذلك تحسينات مهمة في العمارةواكتسب ملاحوها وعساكرها مهارة تذكر.

محاربة كفز البحرية:

لما علمت الدولة بحضور دوننما البنادقة إلى جهات البوغز أمرت القبودان مصطفى باشا الأرنؤدي بالخروج بالدوننما وكان تولى رياسة البحرية بعد مراد باشا فخرج في أوائل شعبان من سنة 1065هـ 1655 م فوجد عمارة البنادقة أمام كفز فأراد مهاجمة الغلايين الأمامية منها إلا أن سكون الريح لم يمكن غلايينه من الحركة بالأشرعة وساقها التيار قسراً إلى ساحل الرومللي فاشتبك بين الطرفين الحرب بالمدافع من وقت الزوال إلى الغروب وكانت أتلاف الطرفين كثيرة حتى تغطي سطح البحر بقطع السفن وقد أظهر كثير من العثمانيين في هذه الواقعة تجلداً وصبراً جديراً بالذكر وأغرق العثمانيون للبنادقة غليونين وفقد العثمانيون تسع سفن ثم أخذ القبودان الدوننما وذهب إلى ساقز وذهب البنادقة إلى جزيرة دكر منلك ولما بلغ القبودان باشا أن البنادقة حاصروا جزيرة نقشة للاستيلاء عليها قصدها بعمارته فهرب العدوّ وخاف لقاءه وقد عد المؤرّخون هذه الجسارة للقبودان تعويضاً لخسائره التي فقدها ف ي الواقعة السالفة.

ثورة أبازة حسن باشا 1068هـ:

بينما كانت الدولة مشتغلة بحرب البنادقة لطردهم من بوغاز الدردنيل كما سبق قام أبازه حسن باشا وأصله من أبناء السياهي بثورة عظيمة بجهات الأناضول والتف عليه نحو خمسة عشر من الباشوات المعزولين وغيرهم وجملة من عساكر السياهي الذين فروا من عقاب الوزير الشهير كويرلي محمد باشا وطلب هذا الخارج من الدولة عزل الوزير المذكور من الصدارة ومعاقبته وتوجيهها إلى طيار زاده أحمد باشا وكان من حزبه ثم أخذت شيعة هؤلاء الأشقياء تتزايد يوماً عن يوم حتى ارتعب الوزراء والسلطان منهم ثم جهز السلطان عليهم جيشاً جعل عليه مرتضى باشا والى ديار بكر وطلب الصدر الأعظم وكان ببلاد الأردل إلى أدرنة للمفاوضة معه ثم انضم كنعان باشا والي بروسة للثائرين ثم تقدّمت الجنود وكسرت الثوار وأرجعتهم إلى قونية بعد أن خسروا خسائر عظيمة.

وتتابعت الفتاوى الشرعية من جانب شيخ الإسلام للثوار بالنصائح المؤثرة فترك كثير منهم طريق الشقاوة والتجؤا إلى الجيش السلطاني فضعف أمر الثوار جدّاً حتى التزم أبازه حسن باشا بالتسليم إلى مرتضى باشا بمدينة حلب بعد أن أمنه على نفسه وعلى جميع أتباعه إلا أنه لم يوف له بالعهد بل قتله هو ورؤساء الثورة 1096هـ ثم أتى السلطان إلى بروسة وعين إسماعيل باشا النائب عنه بإسلامبول قائداً عاماً على الأناضول لقطع دابر ما بقي من أشقياء الجلالية فتمكن من ذلك.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:52 PM
وقائع حدود الدولة الشمالية:

اعلم إنه في هذه الفترة 1069هـ كانت نيران الحرب مشتعلة بين ملك يولونيا ميخائيل وشارل غوستاف ملك السويد الذي طلب من الدولة أن تتحد معه على محاربة ويلونيا وإدخالها تحت حماية السلطان بالفعل فلم يقبل السلطان ذلك ثم لما بلغ السلطان آن راكوكسي أمير ترانسلفانيا الأول أمير الإفلاق اتحدا مع ملك السويد على محاربة يولونيا أمر بعزلهما وعين مخنة بك (Mihne) الرومي الأصل أميراً على الإفلاق إلا أن راكوكسي لم يمتثل للأمر وقابله بالعصيان واستظهر على جيش للعثمانيين بالقرب من ليا (Lippa).

ثم تعين القبودان كوسه على باشا سر عسكراً على الجيوش فتقدم بها وقهر أمير الأردل المذكور مع ابن راكوكسي وكان من المتفقين معه وعين بارقجاي أقوشي (أشانيوس بركسي) قرالا على الأردل وخرب مدينة ترغو ويشتة التي كانت لذلك العهد دار إمارة الإفلاق وشيد نحو عشرين بلدة أخرى ولما كانت هذه الوقائع التي جرت بالمملكتين والأردل حصلت في حدود المجر وتولد منها بعض مضايقات لحكومة النمسا طلبت على يد سفيرها باستانبول تسويتها فلم يقبل منه بل تقدم السر عسكر كوسة علي باشا المذكور واسترد قلعة وارات (Grosswardein) وكانت استولت عليها النمسا من الدولة من مدة 1071هـ .

وبعد سنة من ذلك عينت الدولة أبافي ميخائيل قرالا على الأردل وكان من أمرائها وهو آخر قرال نصبته الدولة بمعرفتها على تلك البلاد وقد استمر جالساً على تختها مدة عشرين سنة وبعد محاصرة ويانة خلفه ابنه وفي تلك الأثناء قبضت الدولة على بعض أوراق استدلت منها على أن دولة فرانسا تداخلت سراً المساعدة البنادقة للدفاع عن جزيرة كريد وأمدتها بالسلاح وكانت تلك الأوراق مرسلة إلى المسيو دي لاهي سفيرها باستانبول فوقعت في يد الصدر كويرلي محمد باشا 1070هـ فقبضت الدولة على ابن سفير فرانسا لمخالفة وقعت منه وألقته بالسجن مدة سنة من الزمان.

ثم توفي كويرلي محمد باشا بمدينة أدرنة في 6ربيع أول سنة 1072هـ وسنه 80 سنة ولقد كان من أمهر رجال السياسة وأصدقهم وأصحهم نظراً وعقلاً خدم الدولة خدامات جليلة وتمكن من طرد البنادقة من اليوغاز وجدد به القلاع وأصلح أمور الداخلية وحارب الحروب الطويلة ولما مات ولى السلطان ابنه فاضل أحمد باشا مكانه وسنه عشرون سنة وكان والده أوصاه بما يلزم ورسم له خطة السير وكان هذا الوزير كأبيه ذكاء ومهارة سلك مسكله بناء على وصيته.

محاربات النمسا وفتح أيوار وواقعة سان غوتار:

قد كانت النمسا لما تجاوزت حدودها وتداخلت في أحوال بلاد ترانسلفانيا ولت عليها من قبلها أميراً يدعى كميانوس (Komeny) بعد أن ولت الدولة عليها ميخائيل أبافي فتقدّم السر عسكر كوسة علي باشا وهزم كميانوس وقتله وأخرج جيوش النمسا من داخلية الأيالة المذكورة وطلب من الدولة تكليف النمسا بهدم قلعة زه رينوار التي شيدها الأمبراطور ليو يولد الثاني وأن لا تقبل مقترحات دولة النمسا وجمهورية البنادقة في أمر الصلح ولما توقفت النمسا أعلنت عليها الدولة الحرب.

وأخذت في سنة 1073 هـ 1662م تسير عليها الجيوش وأتى السلطان أدرنة وقلد الصدر الأعظم أحمد باشا وظيفة القيادة العامة وسيره على رأس جيش يبلغ 120000جندي فتقدم به على طريق أوسك وبودين وأسترغون حتى وصل إلى قلعة أيوار (Nouhensel) وضرب عليها الحصار وكان العثمانيون فتحوا هذه القلعة سابقاً سنة 1012هـ ثم عادت للنمسا وبينما العثمانيون يحاصرون المدينة المذكورة أتتهم نجدة عظيمة تحت قيادة ابن خان القريم أحمد كراي تبلغ ألف جندي ونحو عشرين ألفاً من القوزاق وبعد ما شددوا الحصار على القلعة شهراً كاملاً التزمت بالتسليم فدخلها الوزير فاتحاً 1074هـ .

ثم بعد ذلك أقام على نهر الطونة جسراً من جهة أسترغون وعبر بالجيوش وتلاقي مع جيش النمساويين الذي كان أتى لقتاله تحت قيادة الجنرال مونتيكوكولي (Montecuculli) وهزمه وأسر منه ثمانين ألف أسير وغنم غنائم لا تحصى فاندهش لهذه الأخبار أمبراطور النمسا حيث رأى جيوش العثمانيين انتشرت في بلاده بإقليمي مورا فيا وسيليزبا وفتحوا نويغراد (Novigrad) وأطرافها.

وكان اندهاشه هذه المرة عظيماً أكثر مما اندهش منه أسلافه من قبل مدة السلطان سليمان القانوني الذي وطئ بلادهم المرار العديدة وذلك لأنه كان يظن أن قوّة العثمانيين قد انحطت في أوروبا لما اعترى دولتهم من الفتن والاختلالات الداخلية منذ نصف القرن الماضي أي منذ معاهدة زيدوه توروك السابق ذكرها ولما خاف الأمبراطور من تقدم العثمانيين واستيلائهم على أوروبا طلب من البابا إسكندر وساطته في دعوة لويز الرابع عشر ملك فرانسا لينضم إليه ويحاربا العثمانيين معاً فأسرع البابا في الوساطة ودعا ملك فرانسا الذي لبى الدعوة وأرسل قوّة عسكرية تحت قيادة الكونت دي كوليني (Coligny).

وفي خلال ذلك عاد الصدر الأعظم إلى مشتى بلغراد وأذن لقرال الأردل وأميري المملكتين بالانصراف إلى إماراتهم وقبل مضي فصل الشتاء حاصر الجنرال زريني الملقب في التواريخ العثمانية بالخازوق الحديدي قلعة قنيثره ولما بلغ الصدر هذا الخبر وكان ببلغراد استعد في الحال وكان الفصل شتاء وجمع الجنود من مشاتيها وزحف على قنيثره فخاف الجنرال زريني (Zriny) ملاقاته وترك الحصار ثم تقدمت الجنود العثمانية نحو حصون زه رينوار الواقع الخلاف عليها واستولت عليه ثم هدمتها وعند عبورها نهر مور (Morr) واشتباكها مع العدو هزمته وقتل في الواقعة الجنرال أستروزي (Strezzi) قائد الجيوش النمساوية.

فقطع أمبراطور النمسا عند ذلك العشم من الانتصار وأرسل إلى الصدر سفيراً يطلب الصلح طبقاً لمعاهدة زيدوه توروك التي عقدت مع قبوجي مراد باشا وتعهد بدفع جزية قدرها ثلاثون ألفاً من الذهب إلا أن الصدر الأعظم ماطله وتقدم نحو قلعة يانيق يريد فتحها وبينما كانت الجنود العثمانية تعبر نهير راب (Raab) تقابلت مع جيش للنمسا يقوده القائد العام الجنرال مونتيكو كولي السابق وبعد واقعة دموية شديدة استمرت يوماً بتمامه 1075هـ لم يثبت فيها هذا القائد الشهير بل تقهقر أمام الجنود العثمانية الذين فقدوا في هذا اليوم العصيب نحو عشرة آلاف جندي وكان يساعد جيش النمسا في هذه الواقعة القونت كوليني (Coligny) مع ستة آلاف من الفرنسويين أرسلهم ملك فرانسا لمساعدة النمسا وكانت هذه المساعدة سبباً لحدوث النفور الآتي ذكره بين فرانسا والدولة العثمانية وتسمى هذه الواقعة بواقعة سان غوتار نسبة إلى الكنيسة التي حصلت الواقعة بقربها ثم جمع الصدر بقية جنوده في قصبة واسوار (Vasvar) حيث عقدت شروط الصلح بين الدولتين 1075هـ وكان من مقتضاها أن النمسا لا تتداخل في أمر بلاد الأردل فيما بعد وتعترف بإمارة أبافي ميخائيل عليها وأن تهدم قلعة زه رينوار ولا تصلح بعد ذلك وأن تدفع 200000غرش غرامة وأن تبقى قلعتي أيوار ونويغراد للدولة العثمانية وأن تبقى أربع مقاطعات من بلاد المجر للدولة العثمانية وأن تراعى العهود السابقة المعقودة بين الطرفين.

محاربة يولونيا ومعاهدة بوجاش 1083هـ

لما قام النزاع والشقاق بين القوزاق المشهورين باسم صاري قامش النازلين في ديار أوقرين وبين قوزاق زايوروغ المتوطنين بين مدينة أوزي (Otchacov) وفم نهر بوغ وطلب كل منهم المساعدة والحماية من خان القريم دخلت أخيراً قوزاق صاري قامش في حمى السلطنة السنية وبذلك امتدت أملاك الدولة في تلك الجهات فاحتج ميخائيل ملك يولونيا على ذلك مدعياً أن ولاية أوقرين (Ukrain) هي من بلاده وإن دور وشنقو أمير القوزاق المذكورين (Dorozensko) من الذين يفسدون في الحدود ثم جرد عليه يريد حربه فعدت الدولة ذلك إجحافًا بحقوقها وأعلنت الحرب على بولونيا في أوائل سنة1083 هـ .

وخرج السلطان بنفسه مع الجيش وعبر نهر الطونة من جهة إيساقجي وما زال يتقدم حتى وصل إلى بلاد لهستان يولونيا عن طريق خوتين (Chokzim) وحاصر قلعة قامنيجه (Kaminiee) وفتحها ثم دخل بجيشه في أيالة ويودوليا واستولى على مدينتي إيلبو (Lemberg) ولوبلن (Lublen) المشهورتين وعل جميع ما يتبعهما من الدساكر وعاثت بهما الجنود العثمانية كالعادة المتبعة إذ ذاك فطلب قرال بولونيا المذكور الصلح بشرط أن يترك ولاية أوقرين للقوزاق وإقليم ودوليا للدولة وأن يدفع جزية سنوية قدرها من الذهب فقبل السلطان منه ذلك وأمضيت به معاهدة 1083 هـ 1672 م في بوجاش (Busacs).

ثم عاد السلطان إلى أدرنة وأمر سليم كراي خان القريم بالعودة إلى بلاده وكان يصحبه في هذا الحرب ولما مات أمير يولونيا المذكور وانتخبوا بدله حنا سوبيسكي ولم يف بشروط المعاهدة المذكورة اشتعلت نار الحرب ثانية بين الطرفين وامتدت إلى سنة 1087 هـ وكانت سجالاً وكانت بلاد خوتين وقامنيجه وأيالتي يودوليا وأوقرين تقع في يد التتار والعثمانيين تارة وفي يد اليولونيين أخرى ثم توسط سليم كراي خان القريم في الصلح أخيراً وتجددت معاهدة بوجاش بعد أن حذفت منها المادة المختصة بدفع الجزية.

محاربات النمسا 1093-1110 ومحاصرة وياتة:

اعلم أن هذا الصدر مرزيفوني قره مصطفى باشاوان كان نشأ مع فاضل أحمد باشا الشهير وخدم الخدامات المتنوّعة في الدولة إلا أن كبره وجبروته وجهله كانت المانع الأكبر من عدم توفيقه في أكثر أعماله ولما كان مسرفاً لا يبقي على مال امتدت يده إلى قبول الهداي بكافة أنواعها وكان يعامل سفراء الدول معاملة خشنة غير لائقة بمقامهم حتى كدر بذلك العلاقات الخارجية التي بين الدولة وأوروبا وكان ليويولد ولد الأول ملك النمسا بعد حرب الثلاثين سنة قبض على صولجان الحكم ببلاد المجر أيضاً مختلساً له وأعدم ونفي كثيراً من أعيانها فاشتعلت فيها نيران العصيان والاختلال.

وقام أحد شبان أمراء المجر المدعو أمره توكلي (Emeric Comte de Ta kli) وترأى على الخارجين على حكومة النمسا للتخلص من استبدادها وبعد أن حاربها في عدة وقائع أرسل سفراً من طرفه يطلب من الدولة المساعدة وقد اشترك معه أيضاً في ذلك أبافي أمير الأردل ولما كانت مدة هدنة واسوار قرب انقضاؤها أعلنت الدولة الحرب على النمسا ونصبت والي بودين أوزون إبراهيم باشا سر عسكراً على الجيوش التي أمرت بالزحف علىالنمسا ثم تقدّم السر عسكر ومعه أمير توكلي وأمير الأردل أبافي المذكورين حتى وطئ بلاد النمسا وأخذ في مقاتلة جيوشها 1093 م .

وعينت الدولة توكلي بك المذكور أمير البلاد المجر الوسطى أو بلاد قرص (Kruczes) ثم سار الصدر الأعظم قره مصطفى باشا بالأوردي إلى بلغراد وعبر نهر الطونة ووصل إلى نهير راب عن طريق أستوني بلغراد وجمع مجلساً عسكرياً واستشاره بخصوص الحرب وبعد طرح الآراء خالف الصادر رأي أوزون إبراهيم باشا وأصر على مهاجمة ويانة بعد أن وبخ إبراهيم باشا على رأيه وتقدّم في الحال نحو المدينة المذكورة وضرب عليها الحصار وكان ذلك في يوم 19 رجب من سنة1094 هـ 1683 م واستمر محاصراً لها مدة شهرين واستولى على كافة قلاعها الأمامية وهدم أسوارها بالمدافع والألغام وكاد يفتتحها تماماً بعد قليل لولا أن حنا سوبيسكي ملك يولونيا هو ومنتخبي ساكس وبافييرا تقدّموا بجيوشهم جميعاً بتحريضات البابا أينوشنيسوس الحادي عشر الذي أضرم في قلوبهم نار التعصب الديني وهجم سوبيسكي على جيوش العثمانيين لأنه كان القائد العام للجيوش التي أتت معه وذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة واستمر الحرب والقتال بين الطرفين طوال النهار وأخيراً انهزم قره مصطفى باشا بجيوشه تاركاً كافة المدافع والذخائر للعدو وما زال يتقهقر حتى وصل إلى قلعة يانق في حالة صعبة بعد أن كابد مشاق شديدة.

وهناك جمع ما تشتت من جنوده ثم أخذ يرمي أوزون إبراهيم باشا الذي خالفه في الرأي أولاً بسوء التدبير والغلطات حتى صدر أمر السلطان محمد الرابع بقتل إبراهيم باشا المذكور ظلماً وبعزل مراد كراي خان من إمارة القريم وقد اشتهر سوبيسكي هذا في جميع ممالك أوروبا بعد ذلك بحامي النصرانية لأنه خلص مدينة ويانة الشهيرة التي كانت تعد وقتئذ مفتاحاً لأوروبا من تسلط الإسلام.

وأخذ قره مصطفى باشا عند عودته يحرق القرى ويخرب البلاد حتى وصل بودين ثم بلغراد وعاد السلطان إلى أدرنة متكدراً جدّاً من هذه الهزيمة ولم يعزل قره مصطفى باشا من الصدارة بل قربه وقلده سيفاً مرصعاً ولما اقتفى العدو أثر الجيوش العثمانية المنهزمة استولى عن قلعة أترغون وأراد خضر باشا أحد القواد صد العدو إلا أنه غلب وقتل هو وجميع فرقته ولما وصل هذا الخبر غضب السلطان لسوء تصرف الصدر فأصدر أمراً بقتله ووجه مسند الصدارة إلى قره إبراهيم باشا 1095 هـ .

اتفاق أعداء العثمانيين عليهم وهزيمات جيوشهم:

اعلم إنه بعد الهزيمة المتقدمة اتفقت البنادقة و يولونيا والباب ورهبنة مالطة والروسيا والقوزاق وتسكانة مع النمسا وكوّنوا عصبة واحدة تعرف باسم سانت اليانس (Sainte-Alliance) أي الاتحاد المقدس على محاربة الدولة العثمانية التي أصبحت بلا نصير ولا معين ثم تقدمت جنود هذه الممالك من كل جهة تقصد المملكة العثمانية فتفرس الصدر الأعظم قره إبراهيم باشا في وخامة العاقبة التي تحدث من اتفاق الأعداء ورجح البقاء في دار الخلافة ليهتم بأمر التجهيزات وغيرها وعين تكفور طاغلي مصطفى باشا سر عسكراً لعسكر المجر وكتب لخان القريم سليم كراي خان بالزحف بجيوشه على ويولونيا وجعل معه القائمقام سليمان باشا ثم أرسل خليل باشا لصد البنادقة الهاجمين على بلاد مورة.

وفي خلال ذلك انتصر قائد جيوش النمسا دوق لورين الشهير (Duc de Lorraine) على العساكر العثمانية التي بمدينة ويشغراد و وايجن (Vaczen) واستولى على بلاد وايجن ويشته وحاصر مدينة بودين وقتل محافظها قره محمد باشا إلا أن شيطان إبراهيم باشا تمكن من رد الأعداء عن المدينة المذكورة واسترد منهم قلعتها فلهذا تعين سر عسكراً بدلاً من تكفور طاغلي مصطفى باشا 1096 هـ وقد تمكن هذا السر عسكر الجديد بعد ذلك أيضاً من استرداد قلعة وايجن من يد الأعداء إلا أنه لسبب تفرق الجيوش العثمانية في كثير من الجهات لم تأت أعماله الحربية بفائدة لأن النمسا أغارت بجيوشها على بلاد المجر.

وأهمل توكلي بك أمر الدفاع فاتهم بالتكاسل قصداً فقبض عليه وسجن وأمر السلطان أيضاً بقتل السر عسكر إبراهيم باشا في بلغراد ووجهت الصدارة إلى سليمان باشا وقد قام هذا الصدر بأمر الحرب في يولونيا أحسن قيام 1097 هـ وبعد أن أجرى بعض الإصلاحات الداخلية قصد بلاد المجر حيث كان الدوق دو لورين دخلها بجنوده ومعه البرنس أوجين دي سافوا وحاصر بودين وضيق عليها الحصار ولم يتمكن الصدر من إنجادها فسقطت في يد الأعداء قبل وصوله 1097 هـ وقتل محافظها عبدي باشا وكذا جميع حاميتها من العثمانيين وكانوا أربعة آلاف بعد أن دافعوا دفاع الأبطال وألحقوا بالمحاصرين خسائر جمة وقد دخلت هذه المدينة في يد العثمانيين من سنة1066 هـ .

وبعد سقوطها أخذ الصدر يستعد في زمن الشتاء فجمع كافة الجيوش العثمانية المتفرقة في تلك الجهات فبلغت60000 مقاتل معهم سبعون مدفعاً ثم تقابل مع الجيوش المتفقة بين سهول مهاج وأوسك يوم 3 شوّال من سنة 1098هـ وبعد قتال شديد انهزمت الجيوش العثمانية بعد أن تكبدت خسائر جمة واستولى المتفقون على أيالة الأردل بتمامها.

الوقائع البحرية في الوقت المذكور:

اعلم أنه لما نقض البنادقة عهود الصلح واشتركوا مع الدول المتقدمة في التحالف المقدس على محاربة العثمانيين أرسلوا جيشاً تحت قيادة الجنرال مورو زيني محافظ قندية سابقاً ومعه عمارة بحرية فاستولى على قلعة ماورو من بلاد مورة بعد حصارها مدة ولما كانت الجيوش العثمانية تحارب النمسا ومن اتحد معها من الدول منذ مدة كان اعتراها بعض الضعف لما لحقها من الهزائم السابقة ولذلك لم يمكن للدولة إجراء أيّ عمل مع البنادقة لما أتوه من الأفعال العدوانية في الوقت المذكور غاية الأمر أن الدولة عينت مصاحب مصطفى باشا قبودانا على الدوننما1095 هـ وأمرته بالاستعداد وكانت الدولة شيدت في الوقت المذكور عشر سفن كبيرة من نوع الغليون منها اثنتان طول كل واحدة منهما 50 ذراعاً أي 110 أقدام إنكليزية وطول كل واحدة من الثمانية الأخرى 45 ذراعاً وبذلك تقوّت الدوننما ثم قسمت إلى فرقتين فيلو جعلت إحداهما تحت قومندانية إبراهيم باشا والثانية تحت قومندانية بابا حسن باشا وكانت مأموريتهما قبل ذلك مراقبة بناء هذه السفن ثم رتبوا لهما الضباط والملاحين والعساكر اللازمة بعد أن سلحوهما بالأسلحة والمدافع.

وفي سنة 1097 هـ 1686 م تعين مصر لي زاده إبراهيم باشا قبودانا للدوننما وكان قبل رباناً بأحد غلايينها وله شهرة في الفنون البحرية والحربية لأنّ أصله من أوجاقات بحرية طرابلس الغرب ولما عين قبودانا رقاه السلطان إلى رتبة الوزارة وقد اهتم بعمل الآلات اللازمة لإنشاء السفن الحربية بدار الصناعة باستانبول وقد عدّت له تلك الأعمال أثراً مجيداً ولا يخفى أن توجيه مسند القبودانية العامة لأحد رجال البحرية هو تسليم القوس باريها وإسكان الدار بانيها.

وقد كان البنادقة لعدم تعرّض الدولة لهم في أعمالهم البحرية قوى نفوذهم وامتدّ سلطانهم ببحر اليونان واستولوا على قلعتي أنابولي وأتنه إلا أنهم هزموا أمام قلعة أغريبوز وتكبدوا خسائر جسيمة وكانت وفاة مصاحب مصطفى باشا سنة 1098 هـ بعد أن تعين محافظاً لقلعة سد البحر بالدردنيل وتعين إسماعيل باشا بدله سرداراً على جيوش مورة وقد أخذ هذا السردار يهتم بمحاربة البنادقة بتلك الأطراف ليسترد منهم القلاع التي استولوا عليها.

وفي هذه السنة خرج القبودان مصرلي زاده إبراهيم باشا بالدوننما إلى بحر سفيد ولما توالت الهزيمات على الجيش اشتعلت نيران الفتن والقلاقل بين أفراده لانحلال روابطه وانفكاك ضوابطه فلما رأى السلطان ذلك عزل الصدر الأعظم سليمان باشا ظناً إن عزله ربما كان فيه فائدة لتسكين الهيجان ووجهت الصدارة إلى سياوش باشا الذي انتخبته الجنود بمعرفتها ورقي كويريلي زاده فاضل مصطفى باشا لمسند القائمقامية.

ولما رأى السلطان أن الأحوال لم تهدأ بعد بما أجراه من الحيل تنازل عن كرسي الخلافة والسلطنة مفضلًا الانزواء عن هذه المعيشة الملأى بالمخاوف وورد في بعض الروايات أن الجنود تحزبوا عليه مع الأهالي وأجمعوا على خلعه فخلع سنة1099 هـ وخلفه أخوه السلطان سليمان الثاني ولم يمكث السلطان محمد بعد تركه كرسي السلطنة غير خمسة أعوام.

وكان رحمه الله حليماً كريماً محباً للعدل يميل إلى الصيد والقنص كثيراً حتى لقبوه بالصياد ولتولعه بذلك كانت أكثر إقامته بمدينة أدرنة لكثرة غاباتها.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:54 PM
السلطان سليمان خان الثاني ابن السلطان إبراهيم خان 1099-1102هـ

استمرار الفتن والارتباكات:

بويع هذا السلطان بالخلافة بعد أخيه وعمره 47 سنة وبمجرد جلوسه أمر بصرف هبات الجلوس على أربابها قبل سكون الاضطراب بين الجنود بفكرة إن ذكر يسكن الثائرة وقد كانت أحوال الدولة في ارتباك بمحاربات النمسا والبنادقة من جهة وثورات اليكجريةالمتزايدة في داخل عاصمة الدولة من الجهة الأخرى وبلغت الجراءة والوقاحة عند هؤلاء الجنود حتى إنهم صاروا يتداخلون في أمور الدولة فيولون من أرادوا ويعزلون من أرادوا.

ولما كان فاضل مصطفى باشا القائمقام يسعى في تسكين الاضطراب بكل جهده أرادوا التخلص منه فعينوه محافظاً لبوغاز الدردنيل ونفوا شيخ الإسلام دباغ زاده محمد أفندي وعينوا يكن عثمان باشا سر عسكراً على الرومللي وقتلوا الصدر الأعظم سياوش باشا ونهبوا منزله ولما ارتقى إسماعيل باشا المرعشي لمنصب الصدارة بعده بذل غاية مجهوده في إعادة النظام وتسكين الاضطراب بمساعدة أهالي استانبول الذين تسلحوا وهاجموا اليكجرية وقتلوا منهم جملة فسكن اضطرابهم ولزموا حدهم نوعاً وفي خلال ذلك عادت الدوننما إلى استانبول ودخل الخليج بالرسم المعتاد وخلع السلطان على ضباطها الخلع النفيسة وتعين القبودان باشا محافظاً لأغريبوز وخلفه في رياسة البحرية القبودان قلايلي أحمد باشا وقاد الدوننما لمياه أغريبوز ثم عاد.

وكانت النمسا انتهزت فرصة وقوع الاضطرابات المذكورة وأغارت بجيوشها على حدود الدولة واستولت على قلعة أكري وأيوار وأستوني بلغراد وواردين ثم دخلت بلغراد بدون مقاومة تذكر وعند ذلك طلب الصدر الصلح من النمسا فلم تجبه فعزل وخلفه تكفور طاغلي مصطفى باشا ثم خلفه عرب رجب باشا ولم يتمكن رجال الدولة من منع النمسا عن التقدم وقد استولت على قلاع سمندرة ونيش وودين ثم تقدم جندها من جهات أسكوب وشهركوي إلى صوفية واستولت البنادقة أيضاً على أتينة من أعمال اليونان وعلى حوالي بنالوقة وأبزورنيك من أعمال بوسنة.

ولما كانت هذه الأحوال موجبة للضعف وناشئة عن عدم كفاءة المأمورين عقد السلطان مجلساً في أدرنة للمداولة فيما يلزم عمله ووجهت الصدارة إلى كويرلي زاده مصطفى باشا 1100 هـ ولقد كان هذا الوزير ورث من أبيه وجده المهارة الحربية والسياسة معاً فلهذا تكللت مساعيه بالنجاح وتمكن من تخليص الدولة من الحالة السيئة التي وصلت إليها.

نجاح كويرلي فاضل مصطفى باشا:

لما استلم هذا الوزير زمام الإدارة شمر عن ساعد الجد فأظهر ما فطر عليه من الحزم والفطانة وصرف متأخرات الجنود والموظفين ثم التفت إلى الأحوال الداخلية فأحسن نظامها وقوي بنيانها ثم جهز جيشاً عظيماً قاده بنفسه وتقدم به من شهر كوي فاستردنيش ووددين وسمندرة وبلغراد وطارد النمساويين حتى أبعدهم إلى الضفة الأخرى من الطونة وفي تلك الأثناء ساق الروسيون جيشاً عظيماً على بلاد القريم فقابلهم سليم كراي خان بجيشه وهزمهم عند برزخ أورقبو Pere cop) ( وهزمت فرقة جركس أحمد باشا الذي أرسل إلى بلاد الأردل برفقة توكلي بك جيوش النمسا في الجهة المذكورة.

وتمكن قو ه خليل باشا الذي تعين واليالمورة من استمالة الروم الذين كانوا يكرهون إدارة البنادقة الكاتوليك واستخلص أولونية وغيرها وقد كانت هذه البشائر من الأسباب التي أنعشت القلوب وقوّت الأمل وشجعت الجنود وفي سنة 1102 هـ توفي السلطان سليمان خان الثاني بأدرنة من مرض اعتراه وكان رحمه الله حليماً تقياً سعيد الطالع تمكن في زمن قليل من إعادة مجد الدولة في أعين أوروبا بعد أن اعتراه الضعف لجهل الوزراء السابقين بأمور السياسة والإدارة.

السلطان أحمد خان الثاني ابن السلطان إبراهيم خان1102-1106هـ

واقعة صلانقمين ومقتل الصدر فاضل مصطفى باشا:

لما جلس هذا السلطان عل تخت أجداده كان سنه 50 سنة فأجريت له رسوم التولية بأدرنة وأرسل الفرمانات إلى الجيوش المحاربة ببقاء الصدر الأعظم فاضل مصطفى باشا وباقي الوزراء في مناصبهم وكان الصدر تقدم لملاقاة عساكر النمسا وبعد وصوله إلى بلغراد عبر نهر صاوا على جسر ثم تلاقى مع جيوش الأعداء الذين كانوا تقدموا من وارادين تحت قيادة الجنرال لويز دي باد بمكان يقال له صلانقمين (Salankemen) فهاجمهم بشدة والتحم الفريقان وأزاح العثمانيون أخصامهم من مواقفهم وتقدموا حتى ضربوا قلب الجيش وبينما كان طائر النصر يرفرف على رؤس العثمانيين إذ أصيب الوزير برصاصة كان فيها حتفه ولما شاع خبر وفاته بين العساكر تقهقرت وتفرقت 25 ذي القعدة 1102 م .

وتقرر بين الأمراء انتخاب أقدم الوزراء ليكون قائداً عاماً فانتخبوا خليل باشا الذي تمكن من إرجاع الجيش بحالة منتظمة إلى بلغراد وخسر النمساويون في ذلك اليوم خسائر كبيرة توازي خسائر العثمانيين إن لم تزد عليها وكان لهم على بعد ست ساعات من محل الواقعة المذكورة أساطيل كثيرة في نهر الطونة فهاجمتها الدوننما العثمانية وأحرقتها عن آخرها ولما بلغ السلطان خبر وفاة الصدر تكدر لذلك ووجه مسند الصدارة لعربه جي علي باشا والسر عسكرية لخليل باشا وأخذت الدولة في إعداد الجيوش وتجنيد الجنود لعزمها على مناصبة العدو القتال.

أما البنادقة فإنهم لما لم يتمكنوا من زعزعة مقام العثمانيين بجزيرة كريد مع ما بذلوه من المساعي وما نالوه من الانتصارات فترت همتهم حتى إن القبودان البندقي لما لم ير نجدة من وطنه سلم1103 هـ قلعة قرابوسة (Carabusa) من أعمال كريد للوزير علي باشا محافظ خانية بنفس شروط تسليم مدينة قندية. وفي سنة 1104 هـ خرج القبودان يوسف باشا الذي تعين لرياسة البحر في السنة السابقة بباقي الغلايين و الأغربة إلى البحر الأبيض كالمعتاد. وصدرت الأوامر بجمع الجنود في أدرنة وتعين عليها بيقلي مصطفى باشا سرداراً ثم قصد روسجق وأمر السلطان أيضاً سليم كراي خان القريم بالانضمام إلى الجيش العثماني لمحاربة النمسا ببلاد الأردل فلما علم القائد النمساوي بذلك رفع الحصار عن مدينة بلغراد وتركها راجعاً ولما بلغ خان القريم خبر رجوعه عن بلغراد اقتفى أثره وفتح قلعتي طمشوار وكيوله ومن الحوادث التي حدثت في زمن هذا السلطان ظهور ثورة ببلاد الشام فأرسلت الدولة جيشاً لإطفائها وحدوث حريق باستانبول جهة أيازمه قبوسي امتد إلى أون قبان وآت يازار وكان جسيماً أحرقت فيه عدة منازل ومبان وجامع السلطان سليمان 1104 وكان الجيش السلطاني حاصر 1105 سنة واردين واستولى جيش بوسنه على قلعة غبله من يد البنادقة وشتت شمل جيشهم في تلك الأطراف ودخل جيش التتار إلى بلاد الأردل وشتت شمل عساكر النمسا.

ولما كانت حكومة البنادقة غير قادرة على محاربة العثمانيين بمفردها وكثيراً ما ساعدها البابا بضم بعض دول أوروبا إليها وكانت دول أوروبا لا تمكنها حالتها كل وقت من مساعدتها انضم إليها هذه المرة البابا وأهالي مالطة وأرسل الكل أساطيلهم بها جنودهم فأنزلوها بجزيرة ساقز سنة 1106هـ1694م فأمر السلطان بجمع العساكر من كافة الجهات وتجهيز الدوننما وإنشاء مراكب جديدة بغاية السرعة لتقوية العمارة وقد تم ذلك في فصل الشتاء.

ثم اشتكى بعضهم القبودان يوسف باشا بأنه كان بالعمارة في بحر الأرخبيل وقت استيلاء البنادقة ومساعديهم على جزيرة ساقز وكان في إمكانه المدافعة عنها إلا أنه لم يفعل ولما حاكمته الدولة وجدت للشكوى بعض الحقيقة فعزلته عن رياسة البحرية ونفته إلى قلعة مديللي وتعين الوزير عموجه زاده حسين باشا وكان محافظاً لقلعة سد البحر بالدردنيل قبوداناً للدونما وقد أظهر اهتماماً زائداً بأمرها وفي تلك الأثناء اشتد المرض بالسلطان فتوفي بأدرنة ودفن بجامعه الذي شيده قرب باغجه قيوسي 1106 .

السلطان مصطفى خان الثاني ابن السلطان محمد الرابع1106- 1115هـ:

بويع له بالخلافة يوم وفاة السلطان أحمد وكان سنه 22 سنة وفي اليوم الثاني من جلوسه أصدر فرماناً شديد العبارة مضمونه إن الحالة التي وصلت إليها الدولة من الضعف مدة أسلافه الذين رقدوا على بساط الراحة والدعة أدت لحصول الخلل في النظامات والإدارة وإنه سيقبض بيده على زمام الأعمال مستطلعاً الحركات والسكنات وإنه ترأس بنفسه على الجنود في ميدان القتال وما مثال ذلك من الترتيبات والتدبيرات المفيدة ثم أمر بالتجهيزات الحربية براً وبحراً ولما طلبت اليكجرية منه إنعامات الجلوس كالعادة نبههم إلى عسر المالية وضنك الأحوال ووعدهم بمطلوبهم بعد النصر فقبلوا ثم ساق معظمهم إلى ميادين القتال وأمر بسرعة الحركة لإعادة جزيرة ساقز.

حرب ساقز:

لا أشمر السلطان مصطفى الثاني عن ساعد الجدّ وعزم على السير في طريق الحزم ليرجع للدولة مقامها السابق وشرفها القديم ويسترد ما استولى عليه أعداؤها من أملاكها أمر العمارة فأقلعت من استانبول وكانت مركبة من عشرين غليوناً و 24 غراباً تحت قيادة عموجه زاده القبودان حسين باشا ومعه حسين باشا الجزائري الملقب عند الفرنج ميزه مورتو بوظيفة نائب عنه بطرونه ومعهما العدد الكافي من الجنود وبعد مضي ثلاثة أيام من خروج العمارة صادفت قرب جزيرة قيون أطه (Spalmatori) عمارة البنادقة تقودها سفن السحب لسكون الريح وقتئذ وكانت مؤلفة من عشرين غليوناً وست ماعونات عند ذلك أمر القبودان باشا ستة عشر غليوناً بالحملة على غلايين البنادقة المذكورة وخصص الأربعة غلايين الباقية للهجوم على مواعينهم.

وأمر قوّاد السفن بدقة الملاحظة والانتباه وإجراء الحركات الحربية بكل نظام وترتيب وتروّ ثم حمل القبودان ميزه مورتو على غليون أميرال البنادقة وأطلق عليه مدافع الجنب الأبانده مرة واحدة فتعطل من ذلك بعض مدافعه وطارت قطع من أخشابه فأصابت أكثر من مائة نفس من طائفته ووقع الهرج والاضطراب بين من في الغليون المذكور وفي الحال اقتربت منه سفينة رئيس يدعى عبدالفتاح وألقت عليه أقمشة مغموسة بالزفت والنفط والقطران ياغلي بجاوره من مدافعها فأصابت مؤخره فالتهب في الحال ولم تتمكن عساكره من إخماد النيرن فزاد ويلهم وعظم عويلهم وأراد غليون آخر من سفن البنادقة أن يمدّ له يد المساعدة إلا أنه لم يكد يقرب مه حتى عمت النار أرجاءه ووصلت إلى جبخانته فطار الغليونان في الجوّ صعداً.

أما عساكرهما فمنهم من قتل ومنهم من ألقى نفسه في البحر فقبض عليه العثمانيون وحملت المركب التي كان يقودها عبدالقادر باشا زاده على ماعونات العدو وقويت عليها وعطلت مدافعها ثم التحم الفريقان واشتد بينهما القتال بالأسلحة البيضاء وتصاعد دخان المدافع فكسا الجوّ حلة سوداء وأظلم المكان بعد الضياء بحيث صار لا يمكن أن السفن ترى بعضها أصلاً وأخيراً لم يسع العدوّ إلا الانسحاب من مياه الحرب بما بقي معه من سفنه وفرّ هارباً والتجأ إلى مينا تيرفيل واستمرّت هذه المحاربة من ضحوة النهار إلى الغروب.

وغرق من سفن العدوّ عدة غلايين وانكسر منها عدة أيضاً وكانت خسائر الدوننما العثمانية قليلة جداً ففرح الجنود وتشجعوا ثم سار القبودان باشاً فائزاً منصوراً إلى أن وصل إلى ساحل الأناضول فأرسى هناك وصمم على إعادة الكرة على العدوّ لزيادة الإيقاع به فأمر بالاستعداد ثم قام بالدوننما في اليوم الرابع من رجب من السنة المذكورة ولما قرب من ساقز ورآه العدوّ مقبلاً سار نحوه إلى خارج المينا ومعه ستة وعشرون غليوناً وقبل أن يشتبك الطرفان في القتال جعل العثمانيون عمارتهم على الترتيب الآتي وهو أن القبودان باشا جعل نائبه بستة غلايين عند أوّل مضيق ساقز فوق الريح وجعل ما بقي من السفن تحت الريح.

وبعد أن أخذت كل سفينة موقعها اشتعلت نيران الحرب بينهما وقذفت المدافع من فوهاتها المقذوفات العظيمة فوجم العدوّ لذلك وعلم أن لا طاقة له بالوقوف بسفنه بين نارين شديدتين وليس في إمكانه أيضاً المقاومة أمام هذه التعبية العجيبة فالتزم أن يدخل الغلايين التي تعطلت إلى داخل الميناء ثم ولى هارباً بما بقي معه منها وعددها أربعة عشر وأخذت العمارة العثمانية مع ذلك في تعقب البنادقة وإطلاق المدافع عليهم ورمت سفينة آشجمي زاده محمد قبودان مقذوفات على غليون للبنادقة فأصابت مخزن باروده وكان يحمل 25 مدفعاً فتفرقع لوقته وتبدد في الجوّ قطعاً.

أما الأربعة الغلايين التي تعينت لمحاربة الماعونات في مبدإ الأمر فقد فازت فوزاً مبيناً ولما عطلت ما كان أمامها من سفن البنادقة قبضت عليها وعلى جميع من كان بها بكل سهولة وقد تكبد البنادقة في هذه الواقعة خسائر شتى وهربت باقي سفنهم ودخلت سفن الأميرال مينا ساقز وأنزلت في قلعتها خمسمائة خيال ولما دخلت الدوننما العثمانية ساقز لم تجد فيها للعدوّ أثراً وصادفت في البوغاز إحدى المواعين المعطلة المشحونة بالذخائر فاستولت عليها بمن فيها وكان بها 16 مدفعاً من النحاس وستة هوانات وخمسة آلاف بندقية وكثير من المهمات والذخائر والجبخانات و 280 جندي.

ولما استولت الدوننما على القلعة والمينا وجدت بها أيضاً أربع مراكب للسحب وأربعة غلايين كبيرة مشحونة بالأسلحة ودخل العساكر المدينة ولم يتعرّضوا لأحد بسوء مطلقاً فقابلهم السكان بالترحاب وقد اغتنمت الجيوش العثمانية ما استجد بالقلعة من الأدوات وكانت 16 مدفعاً وثمانين ألف مقذوف وكثيراً من المهمات والجبخانات وغيرها ولما انتهت المحاربة وأنزل بساقز الحامية الكافية من العساكر الذين نقلوا من جشمة بساحل الأناضول عادت الدوننما ظافرة إلى الآستانة فسر السلطان من القبودان حسين باشا ورقاه إلى مسند القائمقامية وخلفه على رياسة البحرية القبودان ميزه مورتو حسين باشا وقد اهتم من يوم توليته في إنشاء السفن الحربية وإصلاحها لتقوية الدوننما وأتقن آلاتها ولوازمها وانتخب لها العدد الكافي من الملاحين وأرباب الفن ثم أكثر من التدريبات والتمرينات حتى صير طوائف السفن على غاية من الاستعداد والمهارة والاجتهاد في الفنون الحربية البحرية.

محاربات النمسا وهزيمة زانتا 1109 هـ:

اعلم إنه بعد الانتصار البحري المذكور واسترداد ساقز قاد السلطان بنفسه الأوردي الهمايوني سنة 1107هـ 1695 م وعبر به نهر الطونة فوصل إلى يانجوه وعسكر في صحراء طمشوار واستولى على قلعة لييوه (Lippa) وجميع ما بها من الذخائر والمهمات وانتصر في واقعة لوغوس (Lugos) الدموية وقتل قائد جيش النمسا الجنرال وتران(veterani) بعد أن شتت شمل جيشه وأسره ثم عاد الجيش بعد ذلك لتمضية الشتاء في بلغراد وسار السلطان إلى القسطنطينية فائزاً منصوراً إلا أن هذه الهزيمة المذكورة لم تكن بالقاضية على النمساويين لأنهم أعادوا الكرة على الحدود العثمانية ثانية 1108 هـ 1686 م .

وحاصروا طمشوار بجيوش عديدة فتقدم السلطان بالجيش وردهم عن القلعة المذكورة وقهر للنمساويين جيشاً عظيماً كان مجتمعاً في مضيق بتلك الأطرال تحت قيادة منتخب ساكن فريدريك قرب مدينة أولاش (Olasch) وكانت هذه النصرة الثانية سبباً لبث روح الشجاعة والإقدام في الجنود العثمانية ثم عاد السلطان إلى أدرنة بعد أن قوى طمشوار وأكثر من بناء القلاع بالحدود ثم اهتم في تحسين وإصلاح الأمور العسكرية والملكية.

وكان الروس أثناء هذه الحروب حاصروا مدينة أزاق (Azov) 1107هـ فقاومتهم جيوش خان القريم والحامية العثمانية هناك وتغلبوا عليهم وطردوهم وقتلوا منهم نحو ثلاثين ألف جندي إلا أن بطرس الأول قيصر الروس عاد بجيش كثيف يتجاوز 60 ألف جندي 1108هـ وحاصرها ثانية.

ولما كانت الدولة مشتغلة بالحروب القائمة بجهات مورة والمجر و يولونيا وبوسنة لم تتمكن من نجدة تلك المدينة فتم له الاستيلاء عليها وجعلها ثغراً له على البحر الأسود لأن قبائل القوزاق كانت حائلاً بين البحر وبين الروس.

وفي سنة 1109 هـ قاد السلطان الجيش بنفسه لمحاربة النمسا ولما وصل بلغراد عقد مجلساً للمداولة فاستقر الرأي على أن يسير الجيش إلى جهة طمشوار كما سار في العامين السابقين ثم عبر الجيش الطونة إلى يانجوه وتقدم حتى وصل إلى مدينة زانتا (Zenta) الواقعة على نهر تيس ونصبوا هناك جسراً ليعبروا إلى الضفة الأخرى وبينما الجيش آخذ في العبور إذ هاجمه القائد النمساوي العام البرنس أوين دي سافوا الشهير (Eugne de Savoie) ولما اصطدم الجيشان انكسر الجسر فانقسمت القوة العثمانية إلى قسمين وضعف أمرها وظهرت عليها علامات الهزيمة وكان القتال عنيفاً.

ومات من العمثانيين عدد عظيم بين أنفار وقواد منهم الصدر الأعظم الماس محمد باشا ووالي الأناضول مصرلي زاده إبراهيم باشا ومحافظ طمشوار جعفر باشا ووالي أذنه أطنه فضلى باشا واغاة الينكجرية بالطه زاده محمود باشا وعشرة من البكوات ونحو خمسة عشر ألفاً من الجنود بين قتيل وغريق ولولا وجود السلطان بالضفة الأخرى لوقع أسيراً في يد الأعداء وبهذه الهزيمة ضاعت كافة قلاع بلاد المجر من العثمانيين 23 صفر 1109هـ واستولى النمساويون على بلاد بوسنة وغيرها ولما عاد السلطان وجه مسند الصدارة إلى كويريلي عموجه زاده حسين باشا.

معاهدة قارلوفجه 1110 هـ:

لما قبض الصدر الأعظم الجديد الذي هو من أولاد الوزير الشهير صاحب الأفكار العالية والآراء السديدة المرحوم كويريلي باشا الكبير على زمام الأحكام أخذ ينظم الإدارة ويدبر المصروفات والإيرادات فزادت بذلك الأموال في الخزينة وانتعشت الآمال وابتهجت الأحوال حتى تمكن من تجهيز جيش جديد بلغ خمسين ألفاً من الرجالة وأربعين ألفاً من الخيالة خلاف الطوبجية ثم تقدم به نحو بلغراد وتقابل مع البرنس أوجين المذكور بإقليم بوسنة واستظهر عليه حتى ألزمه الرجوع إلى ما وراء نهر صاوه (Save) تاركاً بلاد بوسنة.

وبينما كان السلطان مصطفى مصراً على استرداد جميع ما فقد من أملاك الدولة كان أمبراطور النمسا يميل جداً للصلح والمسالمة لما لحقه من الخسائر مدة الحروب الطويلة المذكورة ففتح باب المخابرات بين الدولتين وتداخل لويز الرابع عشر ملك فرانسا وأراد أن يدخل الدولة العثمانية في معاهدة ريسويك (Ryswyck) التي أمضيت في 20 سبتمبر سنة 1697 بين فرانسا من جهة والنمسا وإسبانيا وإنكلترة وهولاندة من جهة أخرى وهي المعاهدة التي أرجع بها لإسبانيا ما كانت فقدته من أملاكها فلم تقبل الدولة لتعصب دول أوروبا عليها وسعيهم في محو نفوذها.

والحاصل إنه بعد مخابرات استغرقت مدة طويلة قبلت دول النمسا والروسيا والبنادقة و يولونيا شروط معاهدة قارلوقجه المذكورة (Carlowitz) قطعياً مع الدولة 1110 هـ 1699 م وتم بذلك الصلح وكان أهم شروطه مهادنة النمسا لمدة عشرين سنة وأن يبقى للدولة العلية ولاية طمشوار (Temeswar) المعروفة ببانات وتأخذ النمسا بلاد الأردل وما استولت عليه من بلاد المجر وعلى ذلك تكون الحدود بين الطرفين أنهار ماروش وتيس والطونة وصاوة ومهانة مع دولة يولونيا لمدة عشرين سنة أيضاً.

وإن ترد للدولة العثمانية البلاد التي استولت عليها من بغدان وتبقى الحدود القديمة على ما كانت عليه ويعاد ل يولونيا إقليمي يودوليا وأوقرين وقامنيجه وتعفى من الجزية التي كانت تدفعها لخان التتار وأن تتنازل الدولة العثمانية للبنادقة عن شبه جزيرة مورة وأقليم دالماسيا وأن تعفى النمسا وغيرها مما كانت تدفعه للدولة العثمانية ولما كان مرخص الروسيا غير حائز للثقة التامة عقدت معه متاركة لمدة ثلاث سنين تحت شرط بقاء قلعة أزاق بيد الروس ثم تأيدت هذه المتاركة فيما بعد بينهما 1113 هـ وبعد ذلك استمرة هذه المهادنات حتى صارت صلحاً دائماً بين الطرفين.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:55 PM
اصلاحات داخلية:

إنه بعد أن تقررت مصالحة قارلو فجة بين العثمانيين ومن مر ذكرهم من دول أوروبا عاد السلطان من أدرنة إلى استانبول فقابل السفراء ثم أخذ ينظر فيما يقتضيه ملكه من التحسينات وأخذ الصدر الأعظم عموجه زاده حسين باشا في إصلاح الأحوال الداخلية التي أصابتها المضار من طول زمن الحروب المذكورة فرفع عن عاتق الأهالي ما عجزوا عن أدائه من الضرائب بعد أن قللها وقبض على كل المفسدين وأصحاب الدسائس والسوابق منبين الجيوش وأبادهم نفياً وقتلاً وأخذ في تشجيع الأهالي وحثهم على زيادة الاعتناء بالزراعة والصناعة إذ عليهما مدار تقدم البلاد.

وبينما كان الصدر يهتم في هذه الإصلاحات النافعة حدث بينه وبين شيخ الإسلام فيض الله أفندي اختلاف لأن فيض الله أفندي المذكور كان معلم السلطان قبل جلوسه على كرسي السلطنة وكان السلطان ولاه مسند المشيخة الإسلامية وصار يستشيره في كل الأمور فأغاظ ذلك الصدر لتداخل شيخ الإسلام في الأحوال السياسية التي ليست من تعلقات وظيفته أصلاً وكان القبودان ميزه مورتو حسين باشا مدة حياته يجتهد في التأليف بينه وبين الصدر ويزيل النفور من قلوبهما إلا أنه بعد وفاته استبد الشيخ في آرائه وأظهر العظمة فلم يتحمل الصدر ذلك وقدم استعفاءه 1114 هـ وأقام في ضيعة له منفرداً حتى مات بعد سبعة عشر يوماً ونقلت جثته إلى استانبول ودفن في مدرسته المشهورة.

واقعة أدرنة 1115هـ:

اعلم إنه بعد أن استقال الصدر حسين باشا وجه السلطان مسند الصدارة إلى دال طبان مصطفى باشا الذي التزم السير على الخطة التي يرسمها له شيخ الإسلام المذكور ولما كان هذا الصدر يميل من طبيعته للحرب والقتال في الوقت الذي كانت الدولة فيه في أشد الاحتياج للمسالمة والراحة بعد الحروب الطويلة لتلتفت لإصلاح أحوالها الداخلية اختلت بذلك أحوال السياسة وارتبكت العلاقات الخارجية حتى خيف على روابط السلم أن تنقطع ثم عزل وقتل لما تحقق للسلطان وبقية الوزراء أنه بخطته هذه يوقع الدولة فيما تخافه من الحروب.

ولما كان الوزير المذكور من مشاهير الأبطال وقع اضطراب وشغب بسبب ذلك بين صنوف الجنود وتعين للصدار رامي محمد باشا وكان مرخصاً للدولة في صلح قارلوفجة وكان عالماً بالأمور الإدارية والأحوال السياسية وقد تمكن بمساعدة محاميه شيخ الإسلام من تحسين الأحوال وإصلاحها إلا أن شيخ الإسلام لما كان يميل إلى التغلب والتحكم في كافة الأمور والصدر يريد مراعاة حقوق مقامه أخذ يفكر في منع تسلط الشيخ المذكور الذي لما أحس بذلك أشعل نار الفتنة حتى استفحل أمر الهياج بين الجنود وكان السلطان في ذلك الوقت بأدرنة لتولعه بالقنص كأبيه ثم انتهت الفتنة بقتل شيخ الإسلام فيض الله أفندي المذكور.

ولما بلغ السلطان مصطفى أنهم يريدون خلعه دخل على أخيه أحمد خان وأعلمه بالأمر وتنازل له عن كرسي السلطنة في 9 ربيع الأوّل سنة 1112 هـ ثم مات بعد مائة وأربعين يوماً وكان شجاعاً يميل إلى الاقتداء بجده السلطان سليمان في الفتوحات حضر بنفسه ثلاث غزوات مهمة وكان فطناً شفوقاً عادلاً محباً للعلماء والعلوم والمعارف ولما كانت هذه الواقعة حدثت باستانبول وقصد أربابها مدينة أدرنة للإفساد بها دعيت بواقعة أدرنة.

السلطان أحمد خان الثالث ابن السلطان محمد خان الرابع 1115-1143هـ:

لما تبوّأ هذا السلطان التخت العثماني بعد تنازل أخيه له كان عمره ثلاثين سنة واستمرت الفتنة في أوّل حكمه ولم يتمكن من إخمادها وبقيت نحو ستة أسابيع وقتل فيها أكبر أولاد شيخ الإسلام فيض الله أفندي المقتول ثم نفوا باقي عائلته إلى قبرس وخرب الثائرون جملة منازل وقتلوا جاليق أحمد باشا أغاة اليكجرية وكان نال رتبة الوزارة وعزلوا الصدر الجديد قوانوز أحمد باشا وشيخ الإسلام إمام محمد أفندي وغيرها لتساهل السلطان لهم خوفاً على مركز السلطنة من أن يكون ألعوبة في يد أرباب الغايات وما زالت عوامل الثورة قائمة حتى تمكن السلطان ووزراؤه من نفي بعض أرباب المفاسد فهدأت الأحوال نوعاً.

وبينما كانت الاضطرابات بالآستانة تعدت عربان الحجاز على قوافل الحجاج بالنهب والقتل فاهتمت الدولة بتأديبهم وسيرت عليهم العساكر من طرابلس الشام وبيروت وجبل عجلون والقدس فأوقعت بهم وعادت الأمنية إلى ربوعها وأبقت الدولة الشريف سعد شريفاً لمكة المكرمة كما كان مع قيام الأدلة على اشتراكه مع العرب 1116 هـ ولما رأت الدولة سعي دولة الروسيا في مد نفوذها بجهات البحر الأسود شيدت بباطوم وبغداد جك وطمرق قلاعاً لحماية البلاد الآسيوية وعزل السلطان الصدر داماد أحمد باشا لخلاف وقع بينه وبين أوزون سليمان أغا أغادار السعادة وقد اهتم هذا الصدر كثيراً بنافع الإصلاحات فنظم دار الصناعة وأكثر من إنشاء المدارس والمعامل وغيرها وخلفه في الصدارة قلايلي قوز أحمد باشا فلم يلبث بها طويلاً.

بطرس الأكبر وشارل الثاني عشر وبالطه جي محمد باشا وواقعة بروت

اعلم أنه من يوم أن تبوّأ السلطان أحمد الثالث التخت والحروب قائمة بين دولة السويد ودولة الروسيا ولما دخل شارل الثاني عشر المعروف عند العثمانيين بتيمور باش رأس الحديد بجيشه الجسيم في بلاد الرسوم وانتصر عليهم في واقعة ناروا (Narva) وقهر جيوش الساقسون واليولونيين المتفقين واستولى على بلدتي لمبرغ ووارسوفا ونصب أحد ضباطه المدعو أستانسلاس ولهجنكي (Stanislas Leczinski) أميراً على اللهستان ثم اقتفى أثر ملكها السابق أغست الثاني (Auguste II de Saxe) حتى أغار على ساكسونيا واضطره إلى طلب الصلح والتنازل عن دعواه في مملكة اللهستان.

وكانت دولة الروسيا من منذ معاهدة قارلوفجه أخذت تبني قلاعاً في بحر أزاق وحدود أوزي وبندر وتشيد سفناً لأنها كانت تنوي الضرر للدولة العثماينة وغفلت الدولة عن مراقبة حركاتها مراقبة شديدة دقيقة لاستصغار العثمانيين شأن هذا العدوّ الجديد وكانت الدولة لما وقعت الحرب بين شارل وبطرس افتكرت أن شارل ربما قام بتنفيذ ما يجب عليها هي من إضعاف شأ الروسيا وأرسلت له يوسف باشا محافظ باباطاغ ووالي أوزي يشجعه على دوام القتال ويعده بأن الدولة أمرت خان القريم بمساعدته متى دخلت عساكره داخل بلاد الروسيا ويروي أيضاً أنها كانت تريد أن تعقد معه اتفاقية سرية مبنية على الهجوم والدفاع لولا معارضة الصدر الأعظم جورليلي علي باشا الذي كان يرغب التمسك بشروط المعاهدة الصلحية المعقودة بين الدولة والروسيا وخير البقاء على الحيادة مدة المحاربات المذكورة.

ثم لما انتصر بطرس الأكبر على شارل الثاني عشر في ملحمة بلطاوة (Poltawa) وانهزم مجروحاً التجأ للممالك العثمانية 1121 هـ 1709 م وتوسط له يوسف باشا المتقدم الذكر حتى تحصل على رخصة من السلطان تجيز لشارل الإقامة بمدينة بندر ولما تعدت فرسان الروسيا الذين كانوا يتعقبونه حدود الدولة من جهة أوزي وبغدان وكانت الروسيا أدخلت تحت سلطتها جميع القوزاق وهددت الحدود السلطانية بما شيدته من الحصون والمعاقل وكانت دائبة على إثارة أهالي المملكتين على العثمانيين عدت الدولة كل ذلك من الأسباب الشرعية لمحاربة الروسيا وسجنت سفيرها في قلعة يدي قله كالمعتاد لأن هذه العادة في الوقت المذكور كانت بمثابة أخذ السفير رهينة حتى تخرج تجار العثمانيين ورعاياهم من أراضي الدولة المراد محاربتها.

ثم أعلنت الدولة الحرب على بطرس الأكبر1122 هـ وتقدم الصدر الأعظم بالطه جي محمد باشا يقود جيشاً عظيماً يزيد عن مائة ألف مقاتل إلى جهة الطونة في أوائل سنة1123 هـ ولما عبر مضيق إيساقجي وخرج إلى صحراء قارتال بلغه خبر وصول جيش الروس وعدده أربعون ألف جندي من جهة حدود البغدان فتقدم الجيش العثماني وأحاط بجيش الروس بقرب قرية قالجي في المستنقعات الكائنة بجانب نهر بروت حتى أضحى بطرس الأكبر بجيشه في قبضة العثمانيين ونفد منهم الزاد والذخيرة وقطعوا الأمل من النجاة إلا بالاستسلام.

ولولا إن زوجته كاترينا تداركت الأمر بفطنتها وحيلتها لكان قضى على الروس سياسياً وذلك إنها عمدت إلى ما معها من المجوهرات والنفائس وما مع من برفقتها من الأميرات والوصائف فجمعتها وأرسلتها إلى الصدر الأعظم بالطه جي محمد باشا فتقبلها منها لخسة نفسه ودناءة أصله وأفرج عن الجيش وعقد معهم صلحاً من شروطه تنازلهم عن قلعة أزاق بما فيها من المدافع والآلات للدولة وأن يهدموا جميع القلاع التي شيدوها حديثاً في حدود الدولة وأن لا يتداخلوا فيما بعد في أحوال القوزاق وأن لا يتعرضوا لشارل الثاني عشر عند عودته إلى وطنه.

وهذا الصلح وإن كان صلحاً مجيداً يناسب مقام العثمانيين إلا أنه كان أكثر فائدة للروس لأنه خلصهم من ورطة لو وقعوا بها لما كانت تقوم لهم بعدها قائمة وتسمى هذه المعاهدة بمعاهدة فلكزن (Falksen) ولما سمع شارل ملك السويد بما فعله بالطه جي باشا اغتاظ جداً واجتهد في أعلام السلطان بخيانته ويقال إنه لما لام الصدر على عدم قبضه على بطرس الأكبر قال معتذراً من الذين كان يحكم بلاده بالنيابة عنه وليس من الصواب أن يكون كل الملوك خارج بلادهم.

وبعد التصديق على المعاهدة المذكورة 1122 هـ 1711 م استولى العثمانيون على قلعة أزاق بلا قتال ثم إن ملك السويد ورجاله اشتكوا للسلطان مما فعله الوزير بلطه جي محمد باشا وكيف إنه أخذ الرشوة من كترينه وأطلق السراح لجيش الروس وقد صادق خان القريم على أقوال ملك السويد المذكورة وثبتت هذه الأقوال حينما توقف مأموراوالروسيا عن تنفيذ بعض بنود المعاهدة المذكورة فعزل الوزير بلطه جي محمد باشا ونفي إلى ليمنى وأحيل مسند الصدارة على يوسف باشا ولما رأى السلطان منه استحساناً للمعاهدة التي عقدها بلطه جي باشا عزله وولى مكانه سليمان باشا واستعد السلطان بنفسه لمحاربة الروسيا فقصد أدرنة في الشتاء وعزل الصدر لأنه لم يوافقه على الحروب ونصب بدله القبودان خواجه إبراهيم باشا 1124 هـ وأصله قبودان غليون ونال القبودانية بعد حاجي محمد باشا ثم تداخلت دولتا إنكلترا وهولاندة في حسم الخلاف الذي بين الروسيا والدولة لأن الحرب يضر بمصالحهما التجارية وانتهى الأمر بعقد معاهدة أدرنة1125 هـ 1713م .

وكان من مقتضاها أن تنازلت الروسيا عن كافة ما لها من الأراضي على البحر الأسود بحيث لم يبق لها عليه ولا مينا واحدة ورفع عن عاتقها نظير ذلك المبلغ الذي كانت تدفعه سنوياً لخانات القريم وعزل سليمان باشا من القبودانية ووجهت إلى خواجه سليمان باشا ووجهت الصدارة العظمى للداماد علي باشا بعد عزل خواجه إبراهيم باشا لجهله بالأمور السياسية ثم إن شارل لما لم يتحصل على مرغوبه عاد إلى بلاده ثانية بعد أن أقام بأراضي الدولة ست سنوات.

حالة البحرية في الوقت المذكور:

إن النظامات التي كان أدخلها في البحرية ميزه مورتو حسين باشا عادت على الدوننما بالنجاح والفلاح وصيرتها قوية مهيبة ووصلت إلى درجة عظيمة من الاتقان والانتظام حتى أوقعت الرعب في قلوب الأعداء ولما تعين جانم خواجه محمد باشا1126هـ قبوداناً عاماً للدوننما تلقى الضباط والأفراد عموماً تعينه بالسرور والانشراح لأنه أول قبودان عام تخريج من الوجاقات البحرية ولما كان السلطان شديد الغيرة على إرجاع ما كان للدولة من البلاد أراد استرداد جزيرة مورة وكان البنادقة استولوا عليها كما سبق وتأيد حكمهم لها بمعاهدة قارلوفجه.

وفي مدة الحروب المتقدمة كانت الدولة مهتمة بتقوية أساطيلها كاهتمامها في تنظيم جيوشها وتقوية قلاعها وكانت دار الصناعة تبني ثلاثة غلايين كبيرة ولما كملت احتفلوا بإنزالها في البحر احتفالاً شائقاً حضره السلطان بنفسه وخلع على الصدر الأعظم والقبودان باشا ومدحهما على اهتمامها 1122 هـ .

ثم أرسلت الدولة أسطولاً مؤلفاً من ثمان سفن حربية للمحافظة على جزائر الأرخبيل من تعديات البنادقة خصوصاً وقد قبض هذا الأسطول على فرقاطة ابن مانيات أحد مشاهير قرصان البحر وكان بها نحو ستين شخصاً وبذلك عادالا من نوعاً إلى تلك الجهات لكثرة تعدى هذا الشقي على سفن التجارة العثمانية ثم عاد القبودان إلى استانبول وبعد عودته باشر بناء عدة سفن من النوع الخفيف لتكون صحبة العمارة عند استرداد مدينة أزاق من الروسيين ولما تمت التجهيزات خرجت العمارة 1123هـ 1711 م وكانت مركبة من22 قطيرة من قطائر أمراء البحرية و27 غليوناً و60 فرقاطة و120 سفينة خفيفة لنقل المهمات ومائة صندل من النوع المسمى قانجه باش وبروليق وغيرها فكان الجميع360 سفينة بها نحو ثلاثين ألف مقاتل تحت قيادة الحاج محمد باشا ومع ذلك فإن الدولة استولت على المدينة المذكورة بموجب معاهدة يروت السابق ذكرها بلا احتياج لحركات حربية وبعد ذلك أبحر أسطول مركب من ثمانية غلايين تحت قيادة خواجه إبراهيم باشا للمحافظة على سواحل الدولة في البحر الأبيض المتوسط.

حرب البنادقة واسترداد مورة:

لما كانت الدولة العلية لا يقر لها قراراً إلا باسترداد موره لما في تملكها من المنافع السياسية والتجارية واهتمام السلطان بهذا الأمر كثيراً أرسلت سنة 1127 هـ 1715 م دوننما مركبة من ثلاثين غليوناً وأربعين غراباً يقودها القبودان العام جانم خواجه محمد باشا وكانت العساكر البرية في تلك الأطراف يقودها الصدر الأعظم داماد علي باشا ولما وصلت العمارة إلى سلانيك استأذن القبودان الصدر الأعظم في فتح جزيرة إستنديل (Tinos) :

فلما صرح له ذهب وحاصرها من كل جانب وبعد قليل من الزمن استولى عليها وطرد حامية البنادقة منها وكانت هذه الجزيرة في قبضة البنادقة مدة أربعة قرون تقريباً وكثيراً ما حاولت الأساطيل العثمانية افتتاحها فلم يتيسر لها فلما افتتحوها هذه المرة فرحوا واستبشروا وقويت آمالهم ثم تقدم الجيش البري تحت قيادة السردار المذكور وحاصر قلعة أنايولي وساعدته الدوننما بحراً فتم له الاستيلاء عليها بعد أن مكث على حصارها ثمانية أيام وما زالت الجنود العثمانية بعد ذلك تتقدم غانمة منصورة حتى أخضعت مدن متون وقرون وكردوس (Corinthes) وغيرها في زمن يسير وفتحت العمارة جزيرة جوقه (Serigo) بحيث لم يمض إلا القليل من الزمن حتى استردت الدولة شبه جزيرة مورة مع ملحقاتها من الجزائر وأسست فيها إدارة منتظمة كما كانت قبل تعدي البنادقة عليها هذا.

وقد أمرت الدولة الوزير محمد باشا محافظ قلعة خانية وأزميرلي علي باشا محافظ قلعة قندية من جزيرة كريد بالاستيلاء على قلعة سودة وأسبر لونغه وكورا بوزه وكانت لا تزال باقية تحت يد البنادقة بالجزيرة المذكورة من حين فتح قندية وقد تمكن القائدان المذكوران من تنفيذ ما عهد إليهما تماماً ومن ذلك الوقت صارت كريد بأجمعها تابعة للدولة العثمانية وزال من تلك الأطراف ما كان يأتيه قرصان البنادقة من المفاسد والأضرار بالأرواح والأموال إذ كانت تلك الجهات مركزاً لأعمالهم ومأوى لمفاسدهم ولما عادت الراحة والطمأنينة إلى هاتيك المعالم والمعاهد وانقشعت غياهب المظالم قفلت الدوننما عائدة إلى استانبول وذهب الصدر الأعظم إلى أدرنة لمقابلة السلطان.

وقائع النمسا ومحاصرة كورفو ومحاربة وارداين:

لما عاد الصدر الأعظم شهيد على باشا من مورة اهتم كثيراً في إصلاح الأمور الداخلية بينما كان يجهز أسطولاً وجيشاً لفتح جزيرة كورفو وفي تلك الأثناء كانت انتهت الحروب التي حدثت بسبب وراثة الملك بإسبانيا وعقد الأمبراطور شارل السادس أمبراطور ألمانيا مع ملك فرانسا لويس الرابع عشر معاهدة وإرشتاد 1125 هـ ولهذا أمكن لجمهورية البنادقة الاستغاثة بإمبراطور ألمانية المذكور لأنه المحامي عن معاهدة كارلوفجه ولما عزم على الأخذ بناصرها بعث إلى الدولة العثمانية يطلب منها أن ترسل معتمداً مرخصاً من قبلها إلى حدود المجر للمفاوضة معه في مسألة البنادقة وأن تكف عن القتال وترد للبنادقة ما أخذته منهم وقال إذا لم ترسل الدولة معتمدها وتقبل ما ذكر فهو لا يتأخر عن إشهار الحرب عليها ولما وصل رسول الأمبراطور جمع السلطان الوزراء والعظماء للمشاورة فأقروا على رفض مقترحات الأمبراطور وأمر السلطان ببذل الجهد في الاستعدادات الحربية لاسترداد ما أخذته النمسا قبلاً من الجهات وأخرج الدوننما إلى البحر ولما استعرضها سر من استعدادها.

وفي سنة 1128 هـ أقلع القبودان إبراهيم باشا بأسطول الطونة وكان مؤلفاً 15 من غاليته 25وفرقاطة وعشرة زوارق من النوع المسمى قانجه باش وثمانية أباريق ثم أعلنت الدولة الحرب على النمسا وأمر السلطان سر عسكر مورة قره مصطفى باشا والقبودان باشا بمحاصرة جزيرة كورفو وهي المكان الوحيد الباقي للبنادقة بتلك الأطراف ثم تقدّمت الجيوش العثمانية نحو قلعة وارادين وابتدأت المناوشات الحربية بين الجندين وتجاوزت الجنود العثمانية مدينة قارلوفجه (Carlowitz) ولما وصلت إلى وارادين مع الصدر الأعظم فاجأتها الجنود النمساوية تحت قيادة البرنس أوجين دوسافوا وحدثت بينهما واقعة شديدة قتل فيها الصدر الأعظم علي باشا وبعض القواد وانهزم الجيش العثماني تاركاً ميدان القتال ولهذا صدر الأمر بعد ذلك للعساكر الذين كانوا على حصار كورفو بتركها ولما عادت العساكر المنهزمة إلى بلغراد تقدمت جيوش النمسا وفتحت مدينة طمشوار من يد محافظها الحاج مصطفى باشا واستولت على أكثر إقليم البغدان 1129 هـ وتولي الصدارة خليل باشا محافظ بلغراد ثم وصلت جيوش النمسا وحاصرت بلغراد ولما تقهقر الصدر الجديد استولت الأعداء أيضاً على بلغراد 1717م .

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:57 PM
وقائع العجم:

لما أصيبت الدولة الصفوية بالضعف والانحطاط ومال آخر ملوكها الشاه حسين الصفوي إلى الجور والظلم في حق أهل السنة الخاضعين لحكمه استغاثت القبائل السنية النازلة في جهات القوقاز وشروان بالخلافة الإسلامية وشقت كذلك قبائل الأفغان النازلة بالحدود الشرقية من إيران عصا الطاعة وقام رئيسهم محمود خان ابن الرئيس الأمير أويس عل رأس جيش ودخل مملكة إيران وحاصر أصفهان وفتحها وأسر الشاه حسين1134 هـ .

ثم قام الشاه طهماسب ابن الشاه حسين المذكور ببلاد قزوين واستقل بحكومتها إلا أنه لما لم يكن حائزاً لوسائل الملك تمكنت قبائل الأفغان من تثبيت قدمهم في شرقي إيران وانفصلوا عنها فأفل نجم السلطنة الصفوية وعند ذلك أرادت السلطنة العثمانية الاستفادة مما هو حاصل بتلك البلاد وساقت جيوشها ففتحت بلاد كردستان وكرجستان واستولى الوزير حسن باشا والي بغداد وكويريلي زاده عبد الله باشا والي وان على جهات كرمانشاه رودلان وخوي بالسهولة 1135 هـ .

فقام بطرس الأكبر عند ذلك يطلب لنفسه نصيباً من ميراث الدولة الصفوية واجتاز بجيوشه جبال القوقاز التي كانت حداً لبلاده من جهة الجنوب واحتل طاغستان وقلاع دربند وباكو الغربية ثم عقد اتفاقاً مع الشاه طهماسب المذكور مآله أن عساكر الروس تطرد الأفغانيين من إيران بشرط أن يتنازل له عن بحر الخزر وكيلان ومازندران واستراباد ولهذا كادت الحروب تقع بين بطرس الأكبر والدولة العثمانية ولما علم أمبراطور الروسية أن ليس في إمكانه مقاومة الجيوش العثمانية إذا انتشب الحرب جعل المسيو دوبوا (Dubois) سفير فرانسا في الآستانة واسطة بينه وبين الدولة العثمانية لمنع الخلاف الحاصل فقبل السفير ذلك وبذل همته ومساعيه حتى تمكن من إزالة الخلاف الواقع بين الدولتين وعقدت بينهما معاهدة 1136 هـ .

ومن شروطها أن تمتلك الدولة العثمانية ودولة الروسية كل ما احتلته جيوشهما من بلاد العجم وبذلك زال الخلاف إلا أنه بعد وفاة بطرس 1137 هـ وقيام زوجته كاترينة عقدت مع النمسا اتفاقية فالتزمت الدولة أن تقوي حصونها الشرقية التي خصتها من هذه المقاسمة فأمرت قوادها وجنودها بالتقدم تحت قيادة الوزير الأعظم إبراهيم باشا الذي تمكن في ثلاث سنوات من فتح بلاد همذان وروان وتبريز وأردبيل ولوريستان وقره باغ ومراغه وكنجة وأرمية وغيرها قال مؤرخو العثمانيين أن هذه الفتوحات على كثرتها لم تكن موجبة لارتفاع شأن الدولة العثمانية وفخرها بل أحدثت قلاقل ومنازعات أضرت بها كثيراً لأن الإيرانيين لم يقبلوا أن تقسم بلادهم أصلاً ويرموا بالنذالة والجبن كغيرهم من الأمم فقاموا كرجل واحد لرد ما خسروه ومع كل ذلك لم يمكنهم بما اتصفوا به من الشجاعة والإقدام صد العثمانيين ثم استمرت المنازعات حاصلة بين الشاه أشرف الأفغاني والشاه طهماسب السلساني وعقد الشاه أشرف مع الدولة العثمانية معاهدة 1141 هـ قصد بها تقرير حكمه كان من شروطها تنازله عن جميع البلاد التي امتلكها العثمانيون من مملكة إيران نظير اعترافها له بالحكم على مملكة إيران.

ثم بعد وفاة الشاه أشرف وانفراد الشاه طهماسب بملك إيران طمع في رد بلاده فتقدم بجيش إلى كرمان شاه 1143 هـ 1720 م وفي هذا الوقت نسب اليكجرية إلى الصدر الأعظم الداماد إبراهيم باشا الإهمال والخيانة فثاروا ورفعوا علم العصيان وقام رجل من الأوجاقلية يدعى باترون خليل مع نحو العشرين من أمثاله ونهب الأسواق وقصد السراي وطلب من السلطان عن لسان الأوجاقات قتل الصدر الأعظم داماد إبراهيم باشا وأعوانه مصل صهره رئيس البحر مصطفى باشا القيودان المدعو قيماق أو أتلمجي وصهره الثاني كتخدا محمد باشا وتمكنوا من دخول السراي وفتكوا بهم وألقوا جئتهم في البحر أما شيخ الإسلام عبد الله أفندي فعزل ونفى ولم تقتصر الفتنة على ذلك بل امتدت حتى خلع السلطان أحمد خان الثالث وجلس ابن أخيه السلطان محمود خان الأول مكانه في 15 ربيع أول سنة 1143هـ وبقي السلطان أحمد معزولاً إلى أن انتقل إلى الدار الآخرة 1149 هـ .

وكان من الصالحين محباً للجهاد وإقامة الحق ومن التجديدات المفيدة التي حصلت في أيام السلطان أحمد إنشاء المطبعة لأول مرة بالممالك العثمانية وكان إنشاؤها بمدينة إسكدار وسبب ذلك أن الدولة لما أرسلت جلبي محمد أفندي سفيراً عنها إلى باريس كما تقدّم أخذ معه ولده محمد سعيد أفندي وهو الذي ترقى لمسند الصدارة مدة السلطان عثمان خان الثالث ولما رأى رواج فن الطباعة وكثرة المطبوعات بتلك البلاد مال لنقل المطبعة لبلاده وعند عودته إلى استانبول تكلم مع أحد رجال الدولة المدعو إبراهيم أفندي المجري 1139 هـ ثم نالا إذناً بإيجاد المطبعة بمدينة إسكدار وكان فتحها رسمياً وتعيين بعض العلماء لتصحيح مطبوعاتها سنة 1141 هـ .

وأول ما طبع بها من الكتب ترجمة صحاح الجوهري وغيره من كتب التاريخ والأدب فانتشرت بذلك المعارف واستطلعت الأمة وقائع ماضيها فاتسعت أذهانها ومالت إلى الاقتداء بمدينة أوروبا ونبغ بعد ذلك كثير من رجال السياسة والعلم بما وقفوا عليه من أحوال سياسة الدول المعاصرة لهم ولما استحسن الناس المطبعة لما فيها من التسهيلات والمزايا العظيمة في نشر العلوم والمؤلفات النفيسة صدرت الفتوى من شيخ الإسلام عبد الله أفندي اليكيشهري بجواز إيجادها بناء على سؤال وجه إليه ومن التحسينات أيضاً أن التفت الصدر الأعظم داماد إبراهيم باشا لترقية الصنائع الداخلية فأوجد معامل الأقمشة والكاغد وغيرها وأنشأ المدارس والكتبخانات ونظم فرقة مخصوصة لإطفاء الحريق وبنى كثيراً من المنازل والمنتزهات بجهات البوغاز خصوصاً ونبغ في عصر هذا السلطان عدة من مشاهير الشعراء والكتاب.

السلطان محمود خان الأول ابن السلطان مصطفى خان الثاني 1143-1168هـ:

تبوأ تخت الخلافة بعد خلع عمه وعمره إذ ذاك 35 سنة وكانت الأحوال مضطربة بثورة اليكجرية والعجم تهدّد حدود الدولة الشرقية ولما جلس وجه مسند الصدارة العظمى إلى طوال عثمان باشا ورياسة البحرية إلى جاهين محمد باشا فأخذا الوزير الجديد يهتم في إطفاء لهيب الثورة فقتل ونفى نحو خمسة عشر ألف نفس من الثوار وبذلك عادة السكينة إلى ربوعها.

حروب العجم:

بعد أن سكنت الاضطرابات وركدت زوابع الفتن الداخلية واستقر الأمن التفتت الدولة إلى الاهتمام بحروب إيران وأخذت تجهز الجيوش ثم تقدم سر عسكر الشرق والي بغداد أحمد باشا لمنازلة العجم ولما تقدّم طهماسب شاه لاسترداده همذان قابلته الجيوش العثمانية بصحراء قوريجان وحصلت بينهما مقتلة عظيمة انتصر فيها العثمانيون وفتح علي باشا ابن الحكيم أرمية وتبريز 1144 هـ .

ولما يئس طهماسب من نوال ما يبتغيه طلب الصلح فعقد معه السر عسكر أحمد باشا معاهدة من شروطها رد ولايتي تبريز وهمذان إلى الشاه وبقاء روان وشروان للدولة ولما علم السلطان بما فعله السر عسكر المذكور غضب جدّاً عليه لإقدامه على ذلك من نفسه ولأنه كان في إمكانه أن لا يترك للعجم شيئاً ما دامت العساكر العثمانية هي الغالبة فعزله هو وباقي الوزراء وعين للصدارة حكيم أوغلي علي باشا وللبحرية عبدي باشا ولكنه توفي بعد مدّة قصيرة وأعيد جانم خواجه محمد باشا للقبودانية العامة ثم إن نادر علي خان أحد أمراء لعجم وجد وسيلة لإبراز ما في ضميره وطعن في حق من كان السبب في عقد هذه المعاهدة وأجلس الشاه عباس الثالث مكان الشاه طهماسب واستقل هو بلقب وكيل الشاه ثم جمع الجموع وهاجم العراق وحاصر بغداد ولما بلغ الدولة خبر ذلك أرسلت جيشاً عظيماً تحت قيادة الصدر الأسبق طويال عثمان باشا فردهم عن بغداد مقهورين ورجع نادر علي خان مجروحاً إلى همذان1146 هـ .

إلا أنه عاد في هذه السنة فجمع الجموع وتجاوز الحدود العثمانية وانقض على جيوشها وكان السر عسكر طو ال عثمان باشا مريضاً في خيمته فلم يقدر على تولي القيادة العامة ولم يحسنها من أنابه عنه فتقهقرت الجيوش العثمانية وقتل السر عكسر المذكور وتشتت الجيش1146 هـ ثم ساقت الدولة في السنة التالية جيشاً آخر تحت قيادة كويريلي زاده عبد الله باشا فانكسر أيضاً وقتل بجوار روانه في واقعاة أربه جايي1148هـ وبذلك انتقلت جميع البلاد التي كانت فتحتها الدولة من إيران إليها ثانية وجلس نادر علي شاه على تخت العجم وثبتت قواعد سلطنته وطلبت الدولة الصلح وبعد المداولة تمّ الاتفاق بينهما في تفليس1149 هـ 1736 م على شرط إرجاع الحدود القديمة إلى ما كانت عليه في مدّة السلطان مراد الرابع.

حرب الروسيا والنمسا ومعاهدة بلغراد

لما انكشفت نيات الروسيا بخصوص ويلونيا والعجم للدولة العثمانية واتفق موت أوغوست الثاني ملك يولونيا وصار ملكها السابق إستانسلاس مرتبطاً مع لويس الخامس عشر لزواجه بابنته سعت حكومة فرانسا لدى أمراء يولونيا حتى انتخبوه ملكاً عليهم كما كان 1146 هـ .

إلا أن النمسا والروسيا انتخبتا أوغست الثالث منتخب ساقسونيا ولم يراعيا أميال الأهالي في ذلك واستعملت أمبراطورة الروسيا أنا أيوانونا الكبرياء والجبروت في هذه المسألة فقامت فرانسا وأشهرت الحرب بخصوص يولونيا على الروسيا والنمسا وأوعزت إلى سفيرها بالآستانة الماركيزدي ويلنوف (Villeneuve) بأن يسعى جهده لحمل الدولة العثمانية على الاشتراك مع فرنسا في هذا الحرب وزودّته بالتعليمات التي من مقتضاها أن امتداد نفوذ الروسيا مضر بمستقبل الدولة العثمانية وكان الصدر حكيم أوغلي علي باشا من الواقفين على سر سياسة الروسيا وشديد ميلها للفتح فأظهر عظيم المخالفة لأعمال الروسيا حتى التزم الباب العالي إعلان الحرب على الروسيا ولما استشعرت النمسا بمساعي فرنسا لدى الدولة العثمانية خافت من ضياع النتيجة في مسألة يولونيا وأسرعت إلى مصالحة فرنسا وعقدت معها معاهدة في ويانة1148 هـ 1735 م .

فكفت يدها عنها بذلك ثم اشتركت مع الروسيا لمحاربة الدولة العثمانية وحسنت لها إظهار العداء للعثمانيين فقامت الروسيا في أواخر حرب إيران 1148 هـ ومنعت قيلان كراي خان القريم وجيوشه من المرور من مملكتي داغستان وقبارطاي عند ذهابه لإمداد جهات شروان مدعية إن المملكتين المذكورتين هما من أملاكها ولا يحق لدولة أخرى العبور منهما بغير رضاها ولما احتجت الدولة على ذلك أخذ سفير الروسيا في استانبول المسيو نبلويه ف يقيم الأدلة على صحة دعوى دولته فلم تقبل منه الدولة قولاً ولما تم الصلح مع إيران تعين السلحدار محمد باشا للصدارة وفي خلال ذلك ساقت الروسيا جيشاً عظيماً تحت قيادة الفلدمارشال مونيخ وحاصرت فرقة منه قلعة أزاق ودخلت فرقة أخرى من برزخ أورقيو وهددت بلاد القريم وهاجمت فرقة ثالثة قلعة قيلبرون (Kilburn).

وعند ذلك اضطرت الدولة العثمانية لإعلان الحرب على الروسيا وسار الصدر الأعظم الجديد بالجيوش لقيادة أوردي بابا طاغ ولما لم تكن دولة النمسا على قدم الاستعداد للحرب قصد شارل السادس أمبراطورها تأخير الدولة عما شرعت فيه من التجهيزات بإطالة زمن المخابرات حتى يتمكن من التجهيزات وأوعز إلى المسيو طلمان سفيره في استانبول بالوساطة لإزالة الشقاق حقناً للدماء فأخذ يتخابر مع الصدر الأعظم في بابا طاغ ويماطله مدّة شهر من الزمان وفي أثنائها ساقت النمسا جيوشها على قلعة نيش وشهركوي ودخلت عساكرها بلاد بوسنة ثم تقدّمت الجيوش العثمانية بعد ذلك وحاربت النمساويين في ولاية بوسنة وشتت شملهم في الوقائع التي حصلت في سنة 1149هـ و 1150هـ و 1151هـ واسترد كويريلي حافظ أحمد باشا جهات نيش وشهروي ثم عاد مظفراً إلى بلغراد وهزم سر عسكر ويدين عوض محمد باشا بمساعدة القائدين السابق ذكرهما جيشاً ثالثاً للنمساويين كان يتقدّم على ويدين وأحرق العثمانيون لهم سبع مراكب حربية في البحر تجاه قلعة اليزابيت ثم عبرت الجيوش العثمانية نهر الطونة واستولوا على أراضي يانجوه وحوالي مهاديه (Mohaia) وأقليم بانات أو طمشوار واغتنمت كافة مدافع ومهمات النمساويين وفتح الصدر الأعظم يكن محمد باشا أورسوه (Orsova) وفتح الإسلام وقلعة أطه وسمندرة على التووالى 1150هـ .

وعند ذلك التزمت النمسا أن تطلب الصلح 1158هـ 1738 م وتوسط سفراء فرانسا وهولاندة والسويد في ذلك وفي تلك الأثناء انتصرت اليوش العثمانية أيضاً في واقعة كروسكا (Krozka) على قائد جيوش النمساويين القونت والليس (Wallis) 1152هـ وحاصرت استوار ولو احتاط الصدر الأعظم للأمر قليلًا لكان أسر جيش الأعداء بتمامه وفي السنة المذكورة هزمت الجيوش العثمانية أيضاً جيوش الروسيا بقرب شاطئ نهر بروت وجهة أورقيو و ودخلت الدوننما العثمانية إلى البحر الأسود تحتى قيادة القيودان سليمان باشا الذي خلف لاز على باشا المتوفى سنة 1150هـ .

وانتصرت على الأسطول الروسي في بحر أزاق وكانت هذه الانتصارات من أعظم الأسبابا للوصول إلى الصلح الذي انتهى بمعاهدة بلغراد في شهر جمادى الآخرة سنة 1152هـ 1739 م وأن تسلم أوستوريا بلغراد وكذا جمع البلاد الواقعة على الضفة اليمنى من نهري صاوه والطونة وهي التي كانت استولت عليها بمعاهد بساروقجه وأن ترد إلى الدول العثمانية أراضي أوارسوه والبلاد المسماة بالأفلاق النمساوية وأن تترك الدولة العثمانية للنمسا المواقع التي كانت استولت عليها من جهات بانجوه وطمشوار وإن يكون الصلح لمدة 27 سنة أما الروسيا فقد تعهدت أمبراطورتها أنا أيوانونا بهدم قلعة أزاق وأن لا يكون لها فيما بعد مراكب حربية ولا تجارية بالبحر الأسود وبحر أزاق معاً وأن تعيد للدولة كل مافتحته من البلاد دوان تنقل تجارتها على سفن أجنبية وبعد هذا الصلح أبرمت الدولة العثمانية معاهدة هجومية ودفاعية مع السويد ضد الروسيا بتوسط سفير فرانسا المسيو ويلنوف (Villeneuve) وكذا تجددت معاهدة تجارية مع حكومة السيسليتين وجددت الدولة مع فرانسا سنة 1153هـ 1741 م المعاهدات التجارية ومنحتها بعض تسهيلات جديدة تجارية وفي سنة1154 هـ 1741 م .

لما توفى شارل السادس أمبراطور النمسا وألمانيا خلفته ابتنه مارية تريزة وقامت فرانسا واتحدت مع بعض دول أوروبا على محاربة هذه الملكة وتقسيم أملاكها للعداوة الكائنة بين ملوك فرانسا والعائلة الحاكمة بالنمسا وسعي فرانسا دائماً في إضعاف النمسا وهدم أركانها ولذلك قامت بين فرانسا والنمسا المحاربة المعروفة بحرب الوراثة في النمسا واستمرت زمناً وانتهت بفوز النمسا.

ولما وقعت الحروب بين المملكتين أخذت فرانسا ومحالفوها في تحريض الدولة العثمانية على محاربة النمسا ووعدتها باحتلال بلاد المجر وغيرها حتى ترجع إلى الحالة التي كانت عليها في زمن السلطان سليمان القانوني ويمكنها بعد ذلك أن تعرقل مساعي الروسيا المجتهدة في مد نفوذها المضر بالدولة ولو انصاعت الدولة لهذه الأقوال لعادت عليها بالفائدة إلا أن السلطان محمود لم يقبل تغيير مسلكه السلمي بل استمر متمسكاً بمعاهدة الصلح مظهر النمسا ميله وودّه.

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:57 PM
أحوال البحرية في العهد المذكور :

لما جلس السلطان محمود خان الأول على سرير السلطنة أصدر أمره إلى دار الصناعة بتقوية الدوننما العثمانية وإنشاء سفن جديدة فشيدت ثلاث سفن من نوع الأوج انبارلي وأمر أيضاً بأن يوضع للسفن أسماء تعرف بها السهولة تمييزها عن بعضها وكانت السفن العثمانية لغاية زمن هذا السلطان لا تسمى بأسماء مخصوصة بل تدعى بأسماء قبوداناتها فسمى الغليون الذي تم بناؤه سنة 1162هـ باسم بر بحري والذي تم بناؤه سنة 1161هـ بناصر بحري واستمرت دار الصناعة بعد ذلك تسمى سفنها الحربية بأسماء مخصوصة.

وفي مدة حرب العجم الأخيرة تولى رياسة البحرية أربعة قبودانات على التعاقب الأول شهسوارزاده مصطفى باشا ثم خلفه راتب أحمد باشا ثم خلفه صاري مصطفى باشا ثانية ثم خلفه صوغان يمز محمود باشا.

وفي سنة 1162هـ ساقت الدولة عمارتها إلى البحر الأبيض المتوسط تحت قيادة صوغان يمز محمود باشا المذكور ولما توفي تعين بدله طررق محمد باشا فقاد الدوننما وحارب سفن القرصان وخلص منهم كثيراً من أسرى الإسلام عندما كانوا يحاولون الالتجاء إلى بلاد إيطاليا ولما عاد بالدوننما إلى استانبول عزل وخلفه ملك محمد باشا فسافر بالدوننما إلى البحر الأبيض مرتين.

وفي سنة 1164هـ قامت الأكراد على بعضهم ولكن بالحكمة التي استعملتها رجال الدولة سكنت الفتنة وعادت الطمأنينة بينهم ثم بعد ذلك حصل اختلاف بين أشراف مكة وهو أنه لما ولي محمدبن عبدالله بن سعيد الإمارة بعد أبيه المتوفى اختلف مع عمه مسعود 1145هـ وقامت بينهما حروب يطول شرحها وبعد أن تم الصلح بينهما 1151هـ بتوسط الأشراف عاد الخلاف إلى ما كان وعرضت الشكوى على الدولة فأصلحت بينهما.

واعلم أن معاهدة اكس لاشابيل فتحت لأوروبا عصر صلاح ورفاهية وانتشرت التجارة واتسع نطاقها وساد السلام في أوروبا حتى صار من الإمكان الظن بدوام هذا الصلح إلى الأبد وقد أثرت هذه الحالة السلمية بالممالك العثمانية أيضاً فاستفادت منها حيث اهتم السلطان ووزراؤه في إيجاد ما به الراحة العمومية وأسباب العمران وقد بقيت الحالة على ذلك مدة نحو تسع .

وفاته:

وبينما كان السلطان عائداً من صلاة الجمعة على جواده مات فجأة عند دخوله في باب السراي 1168هـ. .

وكان يتصف بالثبات في الأعمال والأقوال وسلطنته التي استمرت نحو 1168هـ سنة معدودة في تاريخ العثمانيين من أجل الأيام وأبهى العصور ومن كثرة تردد سفرائه على مدينة باريس ومن مكالماتهم ومحادثاتهم الكثيرة مع السفراء المقيمين بالآستانة اكتسب رجال الدولة معلومات سياسية مهمة حتى إن بعضهم لما قال مسند الصدارة العظمى كان على علم تام ومعرفة جيدة بالأحوال السياسية العمومية ولذلك عد مؤرخو العثمانيين عصره أفخر عصر ترقت فيه المعارف السياسية لدى العثمانيين.

ولما كانت أفكار هذا السلطان تميل لنشر المعارف والمدنية أنشأ بالآستانة فقط أربع كتبخانات وجعل بكل واحدة منها دروساً عمومية وكان مرعى الخاطر معظماً لدى معاصريه من الملوك وفي عصره اشتهر الحاج بشير أغا أغا دار السعادة وزاد نفوذه ولما كان من العقلاء وأصحاب الرأي والتدبير اتخذه السلطان مستشاراً خاصاً وخلفه في السلطنة أخوه السلطان عثمان خان.

السلطان عثمان خان الثالث ابن السلطان مصطفى الثاني : 1168-1171هـ

جلس هذا السلطان على سرير السلطنة وعمره 58 سنة وقلد السيف بجامع أبي أيوب الأنصاري كالعادة وأتته سفراء أوروبا للتهنئة وحكم ثلاث سنوات فقط لم يحدث بها حروب ولا منازعات خارجية لالتزامه جانب السلم وتفضيله السكينة واهتم في إصلاح الداخلية وأبعد كثيراً من حاشية السراي الذين اشتهروا بخلق الدسائس وتعكير صفاء الأمن منعاً للقلاقل وأصدر أمراً بمنع كل ما يخالف الشرع الشريف حتى إنه منع الحريمات من التجول في الطرق بهيئة تبرج.

وفي السنة الثانية من سلطنته قامت فتنة بين اللاتين والروم في كنيسة بيت لحم تسبب عنها بعض مشاكل خارجية فاهتم بتسويتها ونفى متره بول الكنيسة المذكورة وفي السنة الأولى من حكمه عزل ثلاثة صدور وهم كوسه ماهر مصطفى باشا وحكيم أوغلي علي باشا ونايلي عبد الله باشا ثم بيقلي علي باشا.

وفي سنة 1169هـ أيضاً غير الوزارة فوجهت الصدارة إلى سعيد محمد باشا وهو الذي أسس المطبعة عند عودته من باريس كما سبق، ثم قتل لأسباب خفية وخلفه كوسه ماهر مصطفى باشا ثانية وتعين على البحرية أحد أمرائها القبوذان قره باغلي سليمان باشا ثم التفت السلطان إلى الحرب البحري الحاصل بين سفن وجاقات الغرب وبين سفائن حكومة نابولي فحسمها بالطرق السلمية ولما ثارت بعض قبائل الأكراد وتحصن بعضهم في قلاع موش و بتليس و ملاس و كرد و مونشان وجه عليهم والي أرضروم فسكن الاضطرابات ولما شقت اليكجرية في بلغراد عصا الطاعة وعاثوا في الأرض فساداً حتى التزم كو ريلي زاده أحمد باشا أن يترك المدينة ساق السلطان عليهم الجنود حتى ردهم إلى الطاعة.

وقبض في سنة 1170هـ على قره عثمان أوغلى الذي أخل بالراحة في سنجقية أيدين وقتله وأخذت الحكومة أمواله وبعد ذلك عزل الصدر الأعظم وخلفه محمد راغب باشا صاحب الآراء السديدة والسياسة الشهيرة وهذا الوزير هو الذي باشر تحرير معاهدة بلغراد مذ كان بوظيفة مكتوبجي فزاد بذلك اطلاعاً على سياسة أوروبا وكان قبل ذلك من مندوبي الدولة في عقد المتاركة مع العجم.

وتولى مصر وبغداد ومع ما قام به هذا الوزير من الخدم الجليلة سعى في حقه أغا دار السعادة أبو وقوف أحمد آغا حتى عزل وقد نجاه الله من القتل بوفاة السلطان الذي توفي فجأة يوم 16 صفر سنة 1171هـ وكان يميل إلى السلم وتم في أيامه بناء المسجد الجامع العظيم الذي ابتدأ في تشييده أخوه السلطان محمود خان وسماه نور عثمانية وفي أول جلوسه ابتدأت في أوروبا الحرب المسماة بحرب السبع سنوات الشهيرة.

السلطان مصطفى خان الثالث ابن السلطان أحمد الثالث:1171-1187

جلس هذا السلطان على تخت الخلافة وعمره اثنتان وأربعون وكان له اطلاع على الخلل الموجود بإدارة الدولة فأبقى الوزير الشهير فوجه راغب في الصدارة للياقته وسعة اطلاعه وقد اجتهد هذا الصدر في تسكين ثورة عرب الشام الذين أخلوا بالأمن لتعدياتهم على قوافل الحجاج وكان هذا السلطان يميل إلى محاربة الروسيا لعلمه ما تنويه للممالك العثمانية من الإضرار.

ولكن لما كان الصدر محمد راغب باشا يعلم جيداً الفرق الموجود بين جيوش أوروبا التي سارت شوطاً بعيداً في التعليمات والانتظامات وبين جيوش اليكجرية الذي جعلوا عدم الإطاعة والتمرد قانوناً لهم أخذ ينصح السلطان في تأخير تنفيذ نواياه حتى يتمم التنسيقات والتنظيمات المراد إدخالها بالجيش العثماني وتمكن هذا الصدر بمهارته من عقد اتفاق مع حكومة بروسيا الجديدة لتساعد الدولة عند الحاجة على النمسا والروسيا.

وقد كان هذا الوزير يهتم أيضاً بتوسيع نطاق التجارة البحرية والبرية فلهذا كتب تقريراً يرغب به فتح خليج لإيصال نهر الدجلة ببوغاز الآستانة وأن تستعمل الأنهار الطبيعية مجرى له ليسهل نقل الغلال من الولايات إلى دار الخلافة ويساعد على نشر التجارة إلا أن المنية عاجلته قبل الشروع في مقصوده 1176هـ .

وقد كان وحيد زمانه في الشعر والأدب والفلسفة ومدحه المؤرخون كثيراً وعجبوا بغيرته ومعارفه ولقبه المؤرخ واصف أفندي بصدر الوزراء وسلطان الشعراء والإنسان الكامل وهو صاحب الكتاب الشهير المسمى بسفينة الراغب وخلفه في الصدارة توقيعي حامد حمزة باشا ثم خلفه كوسه مصطفى باهر باشا 1177هـ ثم بعد سنة تولاها محسن زاده محمد باشا 1178هـ .

أحمد سعد الدين
19-06-2004, 11:58 PM
حرب روسيا :

اعلم أنه في خلال تلك المدة قامت كترينه زوجة بطرس الثالث حفيد بطرس الأكبر وخلعت زوجها من ملك الروسيا وجلست هي مكانه على كرسي المملكة عقب قتله ثم لما توفي أوغست الثاني ملك بولونيا أخذت تسعى في تعديل القانون الأساسي لهذه المملكة لتنصب عليها عشيقها ستانسلاس بونياتوسكي فقام حينئذ حزب الاستقلال الملي في بولونيا وطلب المساعدة من إنكلترا وفرانسا ولما قطع الأمل من مساعدتهما لإيقاف ما كانت كترينه الثانية تنويه لهم من المضار وعينت بونياتوسكي بالقوة استمد الحزب المذكور الحماية من الدولة العثمانية 1187هـ لحفظ بلاده من تعديات الروسيا.

وكانت الدولة الفرنساوية تحرض الدولة العثمانية وتحثها على إعلان الحرب على الروسيا لأن مداخلة كترينه في أحوال بولونيا مضر بسياستها وكان الصدر محسن زاده محمد باشا يمانع ذلك كثيراً لأنه يرى أن من المفيد تأجيل مخاصمة الروسيا حتى يتمم تحصين المعاقل والحصون والقلاع التي بحدود الدولة وشحنها بالمهمات والذخائر الكافية فعارضه في ذلك بقية الوزراء ولم يستحسنوا رأيه ولهذا عزل من منصبه وتولى مكانه سلحدار ماهر حمزة باشا 1182هـ .

وكان من الذين يميلون لإعلان الحرب على الروسيا وأمر فقبضوا على سفير الروسيا أو برشقوف وسجنوه في يدي قلة كالعادة المتبعة وأرسلت الدولة أمراً لكريم كراي خان القريم بفتح باب الخصام فاستند على بعض أعمال أتتها الروسيا مخالفة للمعاهدات وذلك أن بعض فرق القوزاق دخلت مدينة بلطه تتعقب بعض البولونيين واستولت على المدينة وذبحت السكان فساغ حينئذ لأمير القريم ردهم بالقوة فوطىء أرض الروسيا وعاد غانمماً منصوراً ومعه نحو 25 ألف أسير.

وبينما كان يستعد لإغارة أخرى عاجلته منيته وقام من منصبه دولتكراي خان وأغار على بلاد الروسيا فوجهت عليه قوة وبذلك فتح باب الحرب ثم تقدمت الجيوش العثمانية تحت قيادة الصدر الأعظم وقد كانت الأحوال في الدولة سيئة جدا إذ ذاك مالية فارغة وجيش خائر القوى من طول المحاربات وأساطيل ضعيفة وليس بين رجال الدولة من الأكفاء ما يشبهون كو رلي أو غيره من الصدور المشاهير.

والحاصل أن الدولة لم تقدم على حرب قبل ذلك وحالتها الضعف والاختلال وزيادة عن ذلك فإن كثيراً من جهات آسيا لم يكن يعترف للسلطان بالتابعية إلا بالاسم فقط وكانت جهات لبنان وسوريا في حالة تشبه الاستقلال التام ولم تكن الدولة تجبي من تلك الجهات خراجاً إلا النزر اليسير وإن جبته فبشق الأنفس وسبب ذلك عدم تمكنها من الالتفات إلى إدخال هذه البلاد ضمن دائرة النفوذ الفعلي لما هي فيه من الاشتباك في الحروب ولخيانة العمال ومد يدهم لأخذ الرشوة من الجهة الأخرى.

واقعة جشمة البحرية وهزيمة قرتال :

اعلم أن الروسيا كانت أرسلت قبل أن تجرّد عليها الدولة كثيراً من أتباعها التحريك اليونان والصرب والجبل الأسود وغيره من الجهات التي يكثر بها العنصر النصراني الأرثوذوكسي خصوصاً للقيام بالثورة لتوقع الدولة في ارتباك داخلي وتصيبها بجرح دام باطني تضطر بسببه أن تضمده بإحدى يديها وتدافع باليد الأخرى ومن الغريب أن الروسيا استعملت هذه الوسيلة في كل محارباتها مع الدولة وصادفت فيها نجاحاً وكان عمالها يهبون السكان الهبات الوافرة ويمنونهم بكل ما يرتاحون إليه وقد نجحت في ذلك أولاً.

إلا أن الدولة أرسلت الجنود فأوقعوا بالثوار في كل الجهات تقريباً ومع ذلك فإن الدولة اضطرت لأن تبقي بالجهات المذكورة حامية كثيرة لردعها متى تمرّدت ولما لم يكن لدولة الروسيا وقتئذ بحرية بالبحر الأسود يمكنها بها منازلة الأساطيل العثمانية بالبحر المذكور أرسلت من بحر بلطيق عمارة قوية وتداركت بعض سفائن حربية من إنكلترة والفلمنك والبنادقة واستأجرت ضباطاً وأنفار لخدمتها ثم دخلت هذه العمارة من مضيق جبل طارق إلى البحر الأبيض المتوسط تحت قيادة الأميرال ألكسندر أورلوف ومرت هذه الأباطيل أولاً بسواحل مورة وأمدت الثوار بأسلحة ونقود وشجعت رئيسي الثوار هناك وهما باباس أوغلي وبناخي ولما علمت الدولة بذلك عينت محسن زاده محمد باشا سردارا على جيش مورة وأمدّته بجنود جديدة فتمكن هذا القائد من تسكين الاضطراب والقبض على الأشقياء ولكن بعد خسائر كثيرة.

وفي 20 صفر سنة 1184هـ أقلعت الدوننما أقلعت الدوننما العثمانية من خليج دار الخلافة تحت قيادة القبودان حسام الدين باشا إلى البحر الأبيض المتوسط وكانت مركبة من 39 سفينة مختلفة النوع والقدر ولما وصلت إلى ساقر رست في مكان مناسب قريب من ساحل الأناضول ثم تلاقت مع الدوننما الروسية التي تحت قيادة الأميرال أورلوف المذكور وكانت تؤلف من عشرة غلابين وعشر فرقاطات وبعض سفن صغيرة ولما وقعت الحرب بينهما كانت الدوننما العثمانية هي الغالبة في أول الأمر لما بذله القبوذان الثاني حسين باشا الجزائري من المهارة وأساليب القتال البحري المتنوعة التي أبقت له في تاريخ البحرية العثمانية ذكراً حميداً وكان من باب الاحتياط أرسل قبل الاشتباك في الحرب فرقة لإنشاء الاستحكامات في البر ثم حمل بغليونه على غليون الأميرال وضايقه ولما كاد يستولي عليه ألقى الأميرال الروسي المذكور النار بمخزن البارود وبعد أن تركه وانتقل إلى غليون آخر ولما تفرقع الغليون الروسي أصيب حسين باشا بعدّة جراحات وقتل كثير ممن كان معه.

وأخرج القبودان إلى البر لتضميد جروحه ولما احترقت سفينة الأميرال الروسي أمر جعفر بك الربان القواد بادخال سفن الدوننما إلى مينا جشمه ولما كان التجاء الدوننما العثمانية إلى تلك المينا ليس من الصواب في شيء لأنه يصيرها غير قادرة على أي عمل لصغر المينا أتى حسين باشا رغماً عن آلام جراحه وتكلم مع القبودان العام حسام الدين باشا وأنذره بأن بقاء السفن داخل هذا الثغر ينجم عنه ضياعها بتمامها فلم يستصوب القبودان نصيحته ولم يصغ لرأيه الصائب وأحجم عن الخروج إلى عرض البحر فنجم من ذلك ضياع الدوننما كما ستعلمه وذلك أنه كان بين الضباط الذين استأجرتهم الروسيا ثلاثة من الإنكليز كان أحدهم المسمى الفنستون (Elphinstone) أركان حرب للأميرال الروسي.

ولما رأى الدوننما العثمانية دخلت مينا جشمه أشار على الأميرال بمحاصرة مضيق المينا لمنعها من الخروج ثم رتب السفن التي وكل إليها تنفيذ هذا الأمر حسبما أشار به الضابط المذكور وبعد أن أخذت السفن مواقعها ووقفت على شكل خط حرب أخذت في إطلاق المدافع وتولى الضابط الإنكليزي الثاني المدعو غراغ حركة طوبجية عموم الدوننما الروسية واشتغل الثالث المسمى داغدل بتوجيه الحراقات على الدوننما العثمانية التي وقعت بين نيران المدافع ونيران الحراقات على حين لم تكن سفنها قادرة على المدافعة لعدم إمكانها إتيان أي حركة حربية لضيق المينا كما سبق فاحترقت جميعها خلا فرقاطتين بكل واحدة أربعون مدفعاً وخمسة مراكب صغيرة كانت تمكنت من الخروج من بين تلك النيران.

ومع ذلك فإن الدوننما الروسية قبضت عليها فيما بعد وقال المؤرخ الجرماني شيلوز عن هذه الواقعة إن هذا الانتصار الذي ناله الروسيون لم يكن إلا من حسن تدبير الضباط الثلاثة المذكورين ولما وصل خبر هذه النصرة إلى الإمبراطورة كترينه الثالثة فرحت جداً ولقبت الأميرال بلقب جشمسكي تذكار الانتصار هذا وبعد الانتصار ألح الفنستون الإنكليزي على الأميرال الروسي بالمرور بالدوننما من جناق قلعة قوة واقتدارا حتى يدخل القسطنطينية فلم يقدم الأميرال على هذا الأمر الخطر أولاً ثم ارتد خائباً فيما بعد كما سيأتي لأن الدولة العثمانية كانت استقدمت من الرومللي مولدواني علي باشا وأرسلته صحبة الجنرال البارون دي توط الفرنساوي المذكور لتقوية حصون وقلاع البوغاز وتشييد بعض قلاع جديدة أخرى هناك.

ولما وصل الباشا المذكور ورأى أن مأموريته تحتاج لوقت طويل أمر فدهنوا خارج القلاع بالجير لتظهر للرائي كأنه صار إصلاحها وبإرشاد الجنرال توط شيدوا قلعتين بساحل الأناضول ومثلهما بساحل الرومللي لمنع سفن العدو من العبور فشيدوا وسلحوا بالمدافع حتى أنه لما أراد الأميرال أورلوف فيما بعد العبور من بوغاز الدردنيل حصل لسفنه من ضرب أول قلعة من القلاع المذكورة ضرر جسيم فاضطرّ للعدول عن مقصوده وذهب إلى جزيرة ليمنى وحاصر قلعتها واستولى عليها.

هذا أما حسين باشا الجزائري فإنه لما التأمت جراحه وعاد إلى الآستانة طلب من الصدر الأعظم التصريح له باسترداد جزيرة ليمنى وقال له إني لاأرغب أخذ مراكب حربية لذلك بل فقط أرجو التصريح لي بجمع بعض الأهالي ولما صرح له الصدر بذلك جمع من أهالي الآستانة نحو أربعة آلاف نفر وسلحهم بالبنادق ثم سافر بهم سريعاً.

ولما بلغ سفير فرانسا هذا الخبر قابل الصدر وقال له أن ما صنعه حسين باشا الاسترداد قلعة ليمنى لا يجدي نفعاً كلية وأرى أن الأوفق عدم إلقاء العساكر في الهلاك بلا ثمرة فقال له الوزير إنني على يقين من أن ما فعله حسين باشا غير مطابق للفنون الحربية غير أنه إن نجح فقد حصل المقصود وإلا فتكون الحكومة قد ارتاحت من أربعة آلاف نفس من الذين يقلقون الراحة.

أما حسين باشا فإنه توجه تواً إلى الجزيرة المذكورة وأخرج جيشه الصغير إلى البر بزوارق وصنادل استأجرها من الأهالي هناك بدون أن يشعر به الأعداء ثم هجم على الروس بغتة في صباح يوم 10 أكتوبر من السنة المذكورة فأوقع بهم ولما لم يقدروا على المقاومة ولوا الإدبار ونزلوا في السفن فاستردا الجزيرة بذلك وقد خاب الروس أيضاً وارتدوا بالخسارة عندما أرادوا الهجوم على طرابزون وكرجستان.

ولما وصلت هذه الأخبار إلى استانبول سكن جاش الأهالي نوعاً وارتفع الرعب الذي حل بقلوبهم مما فعله الروس وذاع صيت حسين باشا الجزائري واشتهر اسمه ولهج العالم بامتداحه لحسن مهارته ولذلك تعين قبوداناً عاماً للدوننما ومحافظاً لمضيق جنق قلعة ولا يفوت القراء أنه لو كان قومندان الدوننما التي ضاعت في جشمه اقتدى بأقواله وعمل بآرائه لما كانت حوصرت وضاعت بأسرها كما قدمنا.

ولما استلم حسين باشا باشا زمام البحرية أخذ في إصلاح السفن الموجودة بدار الصناعة ثم ضم إليها بعض الغلايين ونحو عشرين سفينة للسحب وكون من مجموع ذلك عمارة ثم أذن له السلطان بالذهاب بها إلى جزيرة ليمنى وهناك التقى بعمارة الأميرال أورلوف ووقع الحرب بينهما مدة ولما شاهد الأميرال الروسي أنه لايمكنه الثبات أمامه وتيقن أنه لو استمر على المحاربة ربما ضاعت منه عمارته ولى الأدبار منهزماً.

ضياع بلاد القديم : 1185هـ

اعلم أنه في خلال استيلاء الروس على طورله المعروفة أيضاً بمنحدر دينستر وعلى بغدان والإفلاق ساقت الروسيا جيشاً تحت قيادة البرنس دولغوروكي (Dolgorouki) على القريم إلا أن سر عسكر القريم السلحدار إبراهيم باشا تمكن من صده وقهقرته عند برزخ أورقبو 1184هـ ولما لم يمكن للروس دخول القريم أخذت حكومتهم تبث بين الأهالي الفتن وتحرضهم على الثورة بواسطة عمال السوء كقولهم للأهالي إنكم أنتم التتار سلالة جنكيزخان الشهير بعد أن كنتم أسياد البلاد وحكامها تتمتعون بحكومة مستقلة صرتم عبيد الآل عثمان يستبدون عليكم ويتصرفون فيكم كيف شاؤوا ومتى شاؤوا فإذا اتفقتم مع الروس ساعدوكم على نوالي الاستقلال وأعادوا لكم ما فقدتموه من المجد الأثيل فانصاع قوم لهذه التحريضات الفاسدة التي أخذت تنتشر بين الأهالي فأحدثت أثراً سيئاً وحلت من العزائم قوة وهدت من العصبية ركناً حتى إن الروسيا لما وجهت على القريم تجريدة أخرى وتصدى لها السر عسكر المذكور عند أورقبو لم يتمكن من صدها مع ما بذله من المساعي والثبات ولم يصدق سليم كراي في الدفاع كالسابق فاستولى الروس على البلاد المذكورة .1185هـ.

وفي خلال ذلك توسطت أوستريا والبروسيا في الصلح ولما تهادن الطرفان ابتدأت المذاكرة أولاً في فوكشان من بلاد الإفلاق (Focksany) وتعين من قبل الدولة رئيس الكتاب عبد الرزاق أفندي ومن قبل الروسيا أوبرشقوف واجتمعا في بكرش أي بخارست وعقدا مجلساً لتقرير أمر الصلح 1186هـ-1773م .

وكان أساس المذاكرة التي قدمتها الروسيا استقلال القريم وإن تستولي هي على قلعتي كرتش ويكي قلعة الواقعتين في مدخل بحر أزاق وأن تكون الملاحة حرة لسفن الروسيا التجارية في جميع فرض الدولة والبحر الأسود وأن يكون لها حق حماية المسيحيين الأورثودكس في بلاد الدولة فرفضت الدولة هذه الشروط لإجحافها بحقوقها.

واستأنف الطرفان القتال وتقدم الجنرال رومانزوف بجنوده وقاد الصدر الأعظم محسن زاده محمد باشا الذي ولى الصدارة سنة 1185هـ جيوش الطونة 1186هـ وانتصر على الروس بجوار بزارجق ووارنة وصدهم أيضاً على باشا الداغستاني أمام روسجق وهزمهم سر عسكر سلسترة الغازي عثمان باشا هزيم منكرة قتل فيها منهم تسعة آلاف جندي واغتنم العثمانيون جميع مدافعهم وذخائرهم وأسروا الجنرال رينين وجرح الجنرال واسيمان جرحاً بليغاً مات به وعند تقهقر الروس قتلوا في طريقهم جميع أهالي قره صو وبازارجق لخلوهما من الجنود.

أما تتار القريم فإنهم بعد أن وافقوا الروس عادوا وطلبوا الحماية من الدولة العثمانية التي عينت دولتكراي خان الأسبق وجنيكلي حاجي على باشا لاسترداد القريم ثم عاد العثمانيون إليهم ففروا سريعا.

قال هامر في تاريخه أنه لما فر الروس من بازارجق ودخلها العثمانيون وجدوا اللحم في القدور على النار وهذا يدل على الرعب الذي وقع في قلوبهم من الجيوش العثمانية.

وفاته:

وبينما كان السلطان مصطفى الثالث مصمماً على قيادة الجيوش بنفسه فاجأته الوفاة 1187هـ-1773م وكان رحمه الله من أعاظم الملوك الذين أداروا أمور السلطنة بالجد والإقدام وكان فعالاً يتصرف في الأمور بحكمة مهتماً بجمع المال والرجال والمهمات للدفاع عن بلاده محباً للعلم والعلماء يميل إلى العمارية أنشأ جامع أيازمه في اسكدارولاله لي ووقف عليهما الأوقاف الوافرة وأصلح جامع السلطان محمد الفاتح لأنه كان تهدم بزلزلة وله غير ذلك من الآثار.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:00 AM
السلطان عبد الحميد خان الأول ابن السلطان أحمد الثالث:1187-1203هـ

جلس على تخت الخلافة العثمانية بعد أخيه وعمره خمسون سنة ولم ينعم بعطايا الجلوس عقب تقليده السيف كالمعتاد لعسر المالية واحتياج الدولة للأموال لتصرفها في حرب الروسيا وأبقى الصدر والوزراء في مراكزهم وقد انتهزت الروسيا فرصة موت السلطان وجلوس أخيه هذا وأرسلت الجنرال سواروف (Souwarow) مع جيش عرمرم إمداداً لجيش القائد العام المارشال رومانزوف ليزحف به على تخت الخلافة فأمر السلطان عند ذلك بتيسير الجيوش وتقدّم بها الصدر الأعظم محسن زاده محمد باشا وكانت الروس اجتازت نهر الطونة وقصدت وارنة فتلاقت مع الطليعة التي أرسلها الصدر من شمنى مع أغاة اليكجرية يكن محمد باشا ورئيس الكتاب عبد الرزاق باهر أفندي في جهة يقال لها قوزليجه.

وبعد حرب طويل انهزمت الطليعة المذكورة فاضطرب الجيش الذي مع الصدر وداخله الخوف ثم بعد قليل ظهرت طلائع جيش رومانزوف وكان استولى على كافة المواقع المهمة التي في طريق وارنة وتقهقرت جميع الجيوش العثمانية مظهرة التمرد والعصيان حتى لم يبق بمعسكر الصدر سوى اثني عشر ألف مقاتل ولما كان لا يصح القتال بجنود هذه صفتهم التزم الصدر الأعظم عند ذلك أن يطلب من المارشال رومانزوف (Romanzoff) توقيف القتال للمكالمة في الصلح وأرسل من جانبه مرخصين وهماً أحمد رسمي أفندي من الديوان الهمايوني ورئيس الكتاب إبراهيم أفندي إلى قصبة كوجك قينارجه من بلاد البلغار وفي ظرف ثمان ساعات تقررت شروط الصلح وأمضيت المعاهدة .1188هـ-1774م

وشروطها استقلال تاتار القريم وقوبان وبوجاق وبقاء ما يتعلق بامور الدين من خصائص الخلافة وترك يكي قلعة وقلعة كيرج وقلعة أزاق وأراضيها والبلاد الواقعة بين أوزي (Dnieper) وآق صو (Bug) وقلعة كلبورن (Kilburn) للروسيا وينجلي الروس عن بلاد كرجستان ومكريليه (Minglie) والمملكتين وبوجاق (Bessarabie) وتكون الحدود بين المملكتين نهر آق صو المذكور وإن تطلق للروسيا حربة الملاحة والتجارة بالبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط وأن تدفع الدولة العثمانية 15000 كيسة تضمينات حربية وتخرج الروسيا أساطيلها الموجودة بالبحر الأبيض المتوسط وتعيد للدولة الجزائر التي استولت عليها.

وأن يزاد امتياز بلاد المملكتين ويتأكد ويصير مبادلة الأسرى بين الطرفين وقد فتح البند السابع من هذه المصالحة ميداناً واسعاً للدسائس الروسية حيث منحهم حق حماية الدين النصراني وكنائسه ومن ذلك نتجت حرب سنة 1854م كما سيأتي وأن تعترف الدولة أيضاً بتقسيم بولونيا.

وقد التزمت الدولة بقبول ذلك اتباعاً لقاعدة الحكم لمن غلب وانتهت الحرب ونالت الروسيا أمانيها ولما كانت هذه الحروب وغيرها سببها مملكة اللهستان اتفقت مملكة بروسيا والروسيا والنمسا على تجزئتها بينهم 1186هـ-1772م وهذا هو التقسيم الأول الذي أعلن لملك بولونيا في 18 سبتمبر من السنة المذكورة.

محاربة الدولة لروسيا والنمسا 1201هـ:

لما استولت الروسيا على بلاد القريم عدت الدولة ذلك تعدياً عليها لمخالفته معاهدة فينارجه القاضية باستقلال القريم استقلالاً تاماً وهاجت عليها الأمة وكبر عليها الأمر فأخذت تخابر باقي الدول الأوروباوية لإيقاف الروسيا عند حدها وفي تلك الأثناء عزل سبعة صدور وأخيراً وجهت الصدارة لقوجه يوسف باشا الشهير 1201هـ وكان من أصحاب الحمية والغيرة والإقدام وهو وإن كان أمياً إلا أنه كان يستعين بأفكار أصحاب الآراء السديدة ويميل إليها وكان من الذين يريدون محاربة الروسيا التي لم تكتف بالاستيلاء على بلاد القريم بل إنها أرسلت سنة 1197هـ جيشاً وفتحت بعض جهات وتقاسمت بولونيا 1782م مع النمسا وبروسيا.

ثم استمرت المخابرات السياسية بين الدول الأوروباوية والدولة العثمانية لحل الخلاف بصورة سلمية ثم سعت فرانسا وكانت مشتغلة وقتئذ بالحرب مع إنكلترة بخصوص استقلال أمريكا بواسطة سفيرها بالآستانة لمنع الدولة من التوسط في الحرب لأنها لاتعود عليها إلا بالخسائر لأن كترينه كانت تستعد للحرب من زمن سيما وإنها أبرمت مع النمسا معاهدة سرية عند مقابلتها مع الإمبراطور يوسف الثاني في مدينة كرسون (Kherson) 1784م وكان من مقتضاها الاتفاق على محاربة الدولة العلية وإن تساعد النمسا الروسيا على إنشاء مملكة في حدودها تكون حاجزاً بينها وبين الدولة العثمانية وتكون هذه المملكة من أقاليم الإفلاق والبغدان وبسارابيا وتعين لها حكمدارا أورثودوكسيا.

ثم تقسم بلاد الدولة بينهما في أوروبا وقد تأكدت أخبار الاتفاقية المذكورة في المحافل السياسية واستفحل أمر تعدي الروسيا خصوصاً عندما أخذت تحصن ميناسواتبول وتبنى دار صناعة عظيمة في ثغر كرسون وتشكل عمارة بحرية بما شيدته من السفن الحربية الجديدة الطرز في البحر الأسود ورأى الصدر الأعظم إن هذه الإجراآت هي تهديد واضح للسلطنة العثمانية وأخذ السفير الإنكليزي يحرض الدولة على إعلان الحرب على الروسيا ويؤكد لها استعداد دولته لمساعدتها بجميع سفنها وإنها تسعى لدى بولونيا والسويد حتى تجعلهما يعلنان الحرب على الروسيا.

فأرسلت الدولة بلاغاً إلى سفير الروسيا بالآستانة المسيو بولجاقوف تطلب منه مخابرة دولته في تسليم موروكرداتو أمير الإفلاق الذي التجأ إليها بعد أن شق عصا الطاعة وأن تتنازل عن حماية بلاد الكرج لأنها معدودة من أملاك الدولة وأن تعزل بعض القناصل الذين يهيجون الأهالي وأن يكون للدولة قناصل في ثغور البحر الأسود وأن يكون لها فيما بعد الحق في تفتيش السفن التجارية الروسية التي تمر من البوسفور والدردنيل.

ولما رفض السفير هذه الطلبات بأمر دولته قبضت الدولة عليه حسب المعتاد وسجنته في يدي قلة 1201هـ-1787م وأعلنت الحرب على الروسيا وكانت فرانسا تميل لسياسة الروسيا سراً أما دولة الأسوج وأهالي بولونيا وبروسيا فإنهم تعاهدوا مع الدولة لمساعدتها فكان غوستاف الثالث ملك السويد يريد انتهاز فرصة وقوع الحرب بين العثمانيين والروسيا ليعيد لبلاده ما أخذته الروسيا منها.

ولما كان مقام الجنرال بوتمكين غير متين في القريم أشار على الإمبراطورة كترينه بترك هذه البلاد خوفاً من سوء العاقبة لقلة المعدات الحربية والجنود لديه فلم تقبل الإمبراطورة ما عرضه الجنرال بل أمرته بالتقدّم نحو مدينتي بندرو أوزي لأخذهما فسار وحاصر أوزي ولما كانت النمسا حليفة للروسيا كما سبق أعلنت الحرب على الدولة أيضاً ولما حضر الغازي حسين باشا الجزائري القبودان العام من مأموريته إلى استانبول خطأ الصدر لإعلانه الحرب في هذا الوقت وقبح رأيه لأن الدولة كانت في حالة لا يمكنها معها مباشرة محاربة عظيمة كهذه سيما وأنه قد اشتهر اتفاق الدولتين معاً وهما الروسيا والنمسا على منازلتها.

ثم إن الصدر قاد الجيش بنفسه وتقدم لملاقاة جيوش الروسيا والنمسا 1202هـ-1787م وفي خلال ذلك أتت الإمبراطورة كترينة بذاتها إلى القريم مع جيشها وأتى الإمبراطور يوسف الثاني بجيش إلى حدود الدولة من جهة بلغراد ثم دارت رحى الحرب واستلم القبودان حسين باشا الجزائري قيادة الدوننما العثمانية ولما لم يكن لديه الوقت الكافي لمداركة النقص الموجود بالسفن جمع إليه كافة ربابين المراكب حتى غص بهم المكان وقام فيهم خطيباً مشجعاً منهضاً هممهم واعداً متوعداً ثم فرقهم على السفن.

محاربة أوزي البحرية :

لما صدر الأمر للأساطيل العثمانية سافرت قاصدة أوزي فوصلتها في السنة المذكورة واستقبلت أمامها ثم وجه القبودان باشا مراكبه الصغيرة الحربية القادرة على إجراء حركاتها البحرية بين الشعاب الصخرية وفي المياه القليلة العمق لمحاربة دوننما الروسيا المشكلة من صالات ومراكب صغيرة وكانت واقفة أمام رأس قيل ولما وقعت الحرب بينهما غرق للروسيين صال فيه مائة جندي وغرقت شالوية صغيرة للعثمانيين وكان بها سبعة عشر جندياً ثم بعد مضى أيام حملت العمارتان المذكورتان على بعضها فارتدت العمارة الروسية بعد أن تكبدت خسائر جسيمة بخلاف العمارة العثمانية فإنه لم يصبها ضرر يذكر.

ثم حصل هجوم ثالث وكانت سفن الروسيا اقتربت من الساحل بعد أن وضعت بين الشعاب الصخرية علامات لسهولة مرور سفنها الباقية وحملت المراكب العثمانية عليها وبينما كان العثمانيون يهتمون بطرد عساكر الروس من رأس قيل المذكور هجم عليهم الجنرال سواروف (Souvarof)بجيشه وبعد مقاومة شديدة ارتدت العساكر العثمانية بخسائر عظيمة ونزلت إلى السفن وسلطت القلعة التي أنشأها الروسيون برأس قيل نيرانها على العثمانيين الذين عند عودتهم وجدوا أن الروسيين نزعوا تلك العلامات من فوق الصخور وبهذه المكيدة لم يمكن للسفن العثمانية الاهتداء للطريق فشحطت فوق تلك الشعاب الصخرية وانهالت عليها نيران القلعة فدمرت غالبها.

ثم أتى البرنس ناسوسجن (Nassau - Siegen) من نيقولايف ببعض سفن صغيرة من نوع البومبات والغامبوت والصنادل وهاجم بها المراكب العثمانية الصغيرة المذكورة ووقعت محاربة قوية قتل فيها كثير من العثمانيين وغرق فيها بعض مراكب للروسيين وقد تمكنت بعض شالويات العمارة العثمانية من إنقاذ كثير من بحارة الصنادل المرتطمة وضاع للعثمانيين بالمكان المذكور جميع مراكب الأسطول الخفيفة ولما شاهد القبودان باشا ذلك أمر بإبقاء الخمسة مراكب الصغيرة التي نجت وقام بالدوننما إلى جزيرة بيره زن ليبعث من هناك من يوصل الأخبار إلى استانبول.

محاربة بيلان اطه البحرية:

إنه بعد الواقعة المذكورة حضرت في العاشر من شهر ذي القعدة من السنة المذكورة مركب من مراكب القره قول العثماني وأخبرت القبودان باشا أن دوننما الروسيا قامت من مينا سواستوبول قاصدة جزيرة بيلان فأقلع في الحال لمقابلة هذه الدوننما التي لم يسبق لها الظهور في البحر الأسود مطلقاً وسبب ذلك أن البرنس ناسوسجن لما تولى قيادة أساطيل الروسيا بعد واقعة أوزى البسابقة أحب منازلة العثمانيين.

ولما رأى القبودان الغازي حسين باشا مجيء الدوننما الروسية أخذ يصف أساطيله وأرسل البطرونه باشا وسفن الصناجيق وخمسة غلالايين لمقابلة العدوّ بجوار ثييلان اطه Serpent المذكورة ورتب سفنه ترتيباً حربياً وضع ثمانية غلايين تحت قيادة كل رئيس من رؤساء سفن الصناجق وأمرهم أن لا يفارق بعضهم بعضاً ثم تقدم الطرفان ولم تفتر همة القبودان العثماني عن الضرب والنزال بل تقدم بشجاعته وبسالته المعلومتين وأطلق مدافعه على سفائن العدوّ فأتلفت منها كثير من فرقاطات العدوّ من مدافع العثمانيين وظهر على الروس والعجز والخذلان كل ذلك قبل وصول ما تأخر من سفن العثمانيين.

ولما رأى الأميرال الروسي قوة العثمانيين ومهارتهم فر بما بقي معه من السفن فتعقبه العثمانيون حتى سواستبول والتجأ إلى ميناها محتميا بقلاعها وبعد أن حاصرت العمارة العثمانية سواحل تلك الجهات عدّة أيام عاد بها القبودان باشا إلى مينا سنه Sulina عند مدخل نهر الطونة وعند وصوله شكل مجلساً حربياً لمحاكمة الذين أظهروا الجبن والخيانة في هذه المحاربة فحكم عليهم بجزاآت قوية عقوبة لهم وعبرة لأقرانهم وطلب من الدولة مكافأة من أحسنوا الخدمة وسمى الغليون الذي أخذ من الروس في هذه الواقعة باسم خداويريد أي عطية الله.

ثم حاكم عمر قبودان الكريدلي وحكم عليه بالصلب على طرف سران مركبه السران طرف عود الشراع القائم على السارية .

والخلاصة أن القيودان باشا وأن اكان فقد سفن الدوننما الخفيفة في واقعة أوزي كما سبق إلا أنه انتصر على دوننما الروسية الجسيمة وعطل قواها بحيث اضطرها لأن لا تتصدّى بعد لمقابلة العثمانيين وبعد محاربة جزيرة بيلان هذه اهتم الغازي حسين باشا بإصلاح ما أصابه التلف من سفن العمارة وطلب إرسال عساكر بدل الذين ماتوا أو جرحوا وبعض مراكب حربية خفيفة أما الجنرال سواروف فكان شيد في خلال ذلك جملة استحكامات من جهة قيل برون وهاجمت الدوننما الروسية الخفيفة التي حضرت من نيقولايف تحت قيادة البرنس ناسو سجن قلعة أوزي وكانت تحت يد العثمانيين وكتب حسين باشا المذكور لاستانبول بأن ليس في إمكانه إمداد القلعة المذكورة قبل أن تصله السفن الخفيفة.

ولما قرب فصل الشتاء وكان معظم سفن الدوننما محتاجاً للإصلاح عاد إلى استانبول بعد أن تمكن من إمداد القلعة المذكورة بخمسة آلاف جندي بمهماتهم الحربية وذخائرهم السفرية وبينما كان القبودان باشا مشتغلاً بمحاربات الروسية تقدّم الصدر الأعظم بالجيوش إلى أدرنة وأحيل أمر الدفاع عن جهات الطونة على سر عسكر مدينة إسماعيل الصدر السابق شاهين علي باشا ولما تعذر تقدّم جيش الصدر الأعظم إلى ودين أرسل بعض الفرق لإمداد قومندانات أوزي وخوتين وبندر.

وكانت النمسا قد شيدت استحكامات في مضيق مهادية لمحاصرة بلغراد ثم عبر الصدر قوجه يوسف باشا بجيوشه الظنونة من جهتي ودين وبلغراد واستولى على بوغاز مهادية بعد أن قهر جيوش الإمبراطور وكاد يأخذه أسيراً وأخضع جميع جهات يانجوه واستولى على نحو ثمانين مدفعاً وعلى كثير من الآلات والأدوات الحربية 1203 هـ .

ولما رأى الإمبراطور هزيمة جنوده عاود ترك على جيشه الجنرال لورين وبينما كانت الجيوش العثمانية منصورة على النمسا كانت الروسيا منصورة على العمارة العثمانية كما تقدم ثم تقدّمت بجيوشها واستولت على بلاد بغدان وعلى كثير من القلاع والحصون كل ذلك ولم تبد دولة من دول أوروبا التي وعدت الدولة بالمساعدة اعتراضاً أو مساعدة وتكدر عموم الأهالي من المسلمين وتأثر السلطان جدّاً حتى أنه لم يمكث بعد ذلك طويلاً حيث توفي 12يوم رجب سنة 1203هـ-1789 م .

وجلس بعهد ابن أخيه السلطان سليم خان الثالث وكان رحمه الله متصفاً بالتقوى والورع شفوقاً على الرعية ميالاً إلى إصلاح أمور الدولة حتى أنه كثيراً ما كان يحرض الوزراء على ذلك ويساعدهم بما يصل إليه الإمكان إذ ذاك.

السلطان سليم الثالث ابن السلطان مصطفى خان الثالث 1203-1222هـ:

جلس هذا السلطان على التخت وعمره عشرون سنة وفي أوّل جلوسه وجه همته إلى إصلاح حال العساكر وتقوية العمارة البحرية وأمر بجميع الجيوش من كافة الولايات فاجتمع لديه في وقت قريب نحو150000 مقاتل في مدينة صوفية وكانت الأحوال السياسية مضطربة والحروب قائمة بين الدولة والروسية كما تقدّم ذكره ومع اهتمام السلطان بذلك كان اليأس استولى على الجنود وترك كثير منهم النقط التي عهد إليهم حراستها.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:01 AM
حركة الأساطيل في الوقت المذكور:

إنه بعد أن أتم القبودان حسين باشا إصلاح سفن الأساطيل وأنجز لوازمها بحيث أصبحت الدوننما كاملة الأدوات والآلات عزل عن رياسة البحرية وعين بدله حسين باشا الكريدلي وتعين هو سر عسكراً على أوردي سلستره وقد نسب بعض المؤرخين عزله عن رياسة العمارة للخسارة التي لحقت بالدوننما الخفيفة وتأخره عن إمداد قلعة أوزى وعودته بالدوننما قبل الميعاد المعين مع علمه بما كانت عليه الأحوال في البحر الأسود وزاد مؤرخو عصره مثل واصف وغيره أن عزله كان لأسباب أخرى نسبوها إليه ولكنها غير حقيقة وإنما كان عزله عن الدوننما للتغييرات التي تحدث عادة عند جلوس كل سلطان جديد.

وكان أعظم وزراء ذلك العهد قام بعدة خدم مهم أبقت له بين أعمال الوزراء ذكراً حميداً وقال المرحوم الشهير جودت باشا في تاريخه عن الدولة العثمانية أن حسين باشا المذكور بعد تعيينه سر عسكر السلستره خدم هناك خدماً ابيضت بها صحف تاريخه وكانت درة في إكليل أيامه المضائة وأزمانه السابقة ثم ارتقى إلى وظيفة الصدارة العظمى ثم اغتالته المنية فجأة 1204هـ ولو كان للباشا المذكور غير الأعمال الحسنة لما توظف في هذه الوظيفة السامية بل لما كان تعين بوظيفة أخرى بعد عزله عن الأساطيل على الغالب.

محاربة نخل برون البحرية:

إنه في أواسط رجب من سنة 1203هـ-1789م خرج القبودان حسين باشا المذكور بالدوننما وكانت مشكلة من خمسين سفينة بين كبيرة وصغيرة إلى البحر الأسود ولما وصلت إلى ثغر سنة SUlina تركت به ما معها من السفن الصغيرة ثم أقلعت تقصد كيرج Kerch الكائنة بقرب نخل برون وهناك تقابلت مع الدوننما الروسية وكانت مركبة من خمس غلايين و فرقاطة ولما اشتبك القتال بين الطرفين تمكن طوبجيه العثمانيين من تعطيل أربع فرقاطات روسية ومع ذلك فلا زالت الحرب قائمة بإطلاق المدافع مدة سبع ساعات متوالية ولم يمنعها إلا دخول الليل وكانت الخسائر من الطرفين عظيمة وفرّ الروس ليلاً إلى ميناء كفه Kaffa فعادت الأساطيل العثمانية إلى ثغر سنة ثانية التي خرجت منه.

وبعد أن أصلحت من شأنها خرجت في أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة لاقتفاء أثر العدو وبمياه هوجه بك أو أوديسا وهناك أخبرتها سفينة عثمانية من سفن القره قول أنها رأت الدوننما الروسية المشكلة من سبع وثلاثين سفينة حربية قامت من جهة رأس قيل وهي تقصد هذه الجهة فأخذت الدوننما العثمانية حذرها وكانت الرياح إذ ذاك شديدة تهب من الجنوب الشرقي فكانت تسوق مراكب العدو وتساعدها بقدر ما كانت معاكسة لسفن العثمانيين المواجهة لها فأمر لذلك القبودان العثماني سفنه بنشر الشراعات والابتعاد عن الشاطىء.

وقبل الزوال ببرهة صغيرة تقابل الدوننمتان وابتدأت بينهما الحرب بإطلاق المدافع وقد أحدثت سفينة القبودان العثماني ببعض سفن الروس خسائر وافرة فقد الروس فرقاطتين ولما أقبل الظلام افترق الدوننمتان عن بعضهما وقامت في الليل زوبعة شديدة اضطرّت سفن الروسيا لترك ميدان القتال واستقبلت في مكان قريب أما الدوننما العثمانية فأنها تفرّقت عن بعضها وبقي القبودان الثاني بسفينته في معترك القتال بمفرده وعند الصباح هجمت عليه سفن الروسيا واحتاطت به من كل جهة ومع ذلك فخوفاً من أن يرمى بالجبن استمرّ يقاتل بمفرده بكل جهد وشرف حتى آخر رمق من الحياة.

ثم مضى شهيد الصداقة والإخلاص ومات غالب من كان معه من الجنود وعند ذلك أضرم أحد رجال تلك السفينة النار في مخزن بارودها فاحترقت وطارت قطعاً وأغرقت السفينة الروسية التي بجانبها وكانت الدوننما العثمانية ظهرت في تلك الأثناء وأرادت نجدة سفينة القبودان إلا أنه لم يمكنها ذلك لبعد المسافة ومخالفة الريح لها ولما رأت ما وقع لهذه السفينة كبر عليها ذلك وتوجه بها القبودان إلى جهة كليغراد واستقبل قريباً من الساحل وأرسل خبر وقائع هذه المحاربة للآستانة والتمس التصريح بعودة الدوننما لاحتياج معظم سفنها للإصلاح فلما أجيب طلبه أقلع إلى الآستانة.

التنظيمات الداخلية :

لما جلس السلطان سليم الثالث على تخت السلطنة أظهر ميلاً شديداً ورغبة زائدة في إصلاح أحوال الدولة وإنهاضها من ورطتها بإدخال عناصر الترقي والتمدن الحديث فأخذ في إخراج الدولة من عزلتها العقيمة وإدخالها ضمن دائرة التجديدات المفيدة والتحسينات المهمة التي حصلت بأوروبا وهو عمل من أشدّ الأعمال خطراً وأصعبها سيما في بلاد لم تشرف ولو بعض إشراف على المدنية الأوروباوية فلم يوفق لذلك لأمر يعمله الله وكانت نتيجة مسعاه أن خلع وقتل.

وكان أول أعماله أن أظهر الرحمة والشفقة والكرم واجتهد في تعميم العدالة بالمحاكم وقد قابل كثير من الأهالي هذه الأعمال بالفرح والمسرة خصوصاً وإن قعود سلطان شاب نشيط متصف بشريف الخصال ومحمود الفعال على سرير الخلافة جعل الأمة تبتهج وتتعشم خيراً في المستقبل ولما تم الصلح بين الدولة والنمسا عين للقبودانية العامة كوجك حسين باشا وكان من أعظم الرجال الذين تولوا المناصب في الدولة وقد أثنى عليه ومدحه كثير من رجال أوروبا وكان من أوائل أعماله طرد عمال الروس من جهات بحار اليونان والبحر الأبيض المتوسط وتحصين الحدود وتسليح قلاعها وشحنها بالعساكر والمعدات الحربية واستخدم أيضاً عدّة مهندسين من السويد وفرانسا ووجه عنايته لتقوية العمارة وترتيب مدرسة البحرية والطوبجية ووظف بها ضباطاً من الفرنساويين وأمر بطبع عدّة مؤلفات معتبرة في الفنن الحربية والرياضية وإنشاء دار كتب بها أربعمائة مؤلف من أحسن المؤلفات العسكرية الفرنساوية.

وأمر أيضاً بإدخال بعض دروس اللغة الفرنساوية بالمدرستين المذكورتين بأمره شيدت عدّة مبان كثيرة وأساطيل حربية على الطراز الجديد وغيرت مقذوفاتها فجعلت على الطراز الروسي وسن للبحرية عدّة قوانين ونظامات مضبوطة جعل بها لكل سفينة قبوداناً خاصاً وجعل للسفن الصغيرة ضباطاً صغيرين ومنع عزل الضباط ما لم يصدر منهم ما يوجب عزلهم وعين شروط توظيف الضباط وترقيهم في الوظائف فجعله بحسب الأقدمية والاستعداد وزاد في مرتبات الضباط .

وقسم دار الصناعة إلى مخازن للمهمات وورش للصنائع بحيث صير كل مأمور مكلفاً بعمل خاص لا يتعداه لغيره وسن قانوناً خاصاً للمرتبات والعلوفات فصار كل نفر من الجنود يأخذ تعيين ستة شهور على الأقل دفعة واحدة وجعل للعساكر الحق في ترك بعض هذه التعيينات لعائلاتهم بحيث لم تأت سنة إلا وكان للدولة عمارة قوية منظمة تشتمل على أضخم السفن وأمتنها وأقوى المدافع وأحدثها وغير ذلك من الإصلاحات العديدة.

ولما رأت فرانسا اهتمام الدولة بإدخال الاختراعات العسكرية بين جيوشها أحضر سفيرها المسيو أوبيرد وبايت (Aubert du Bayets) عند مجئيه إلى استانبول عدة من مهندسي الفرنساويين وضباطهم ومعلميهم لكل الأسلحة وجلب أيضاً عساكر وصناعاً للمدافع وحتى بعض المدافع مركبة على عجلها وبهذه العناصر شكلت الدولة طائفة مركبة من ثمانمائة من الطوبجية ونظمت فرقة أيضاً من الخيالة سلحوها وعلموها على الطراز الأوروبي وأوجدت أيضاً أورطة من البيادة فكانت هذه الطوائف جرثومة للعسكر الجديد 1211هـ-1796 م الذي جعل تحت قيادة إنكليز مصطفى باشا وأصله ضابط انكليزي.

وكان الروسيون ينظرون لهذه التجديدات بعين الحسد والغيظ فكانوا يسعون جهدهم في إيجاد الأسباب للإخلال بمعاهدة ياش المذكورة وبينما كان السلطان ووزيره يجتهدان في ترقية شأن النظامات إذ ثار أحد ضباط الجنود المدعو بازوند أوغلى عثمان أغاو بعد أن التف عليه كثير من أمثاله تمكن من طرد والي بودين وضبط حوالي تلك المدينة 1212هـ فجردت عليه الدولة جيشاً تحت قيادة القبودان كوجك حسين باشا وبعد عدّة وقائع كان الحرب فيها سجالاً بين الطرفين انتصر القبودان باشا ثم عفا السلطان عن بازوند أوغلي المذكور وعينه محافظاً لودين.

وأخذ السلطان بعد ذلك يدخل الإصلاحات الجديدة في كافة فروع الإدارة ولكن الصدر الأعظم حافظ إسماعيل باشا الذي خلف يوسف ضيا باشا كان يظهرانه ممن يميلون للتنظيمات الجديدة ويقدرونها قدرها إلا أنه كان يكرهها في الباطن فاكتسبت بذلك الطائفة المخالفة لها قوة وحدث من ذلك واقعة أدرنة الآتية وسببها إن الدولة أرادت بث التنظيمات الملكية والعسكرية بجهات الرومللي فأرسلت لذلك والي قونية عبد الرحمن باشا المشهور بالقاضي وأمرته في الظاهر بالتنكيل بأشقياء الصرب وفي الباطن بالقيام بإجراء الإصلاحات كما رسمتها له .

ولما بلغ أعيان الرومللي ذلك توجسوا خيفة واتفقوا جميعاً واجتمعوا في أدرنة لمنعه بالقوة فلما أشيع خبر ذلك أشارت رجال الدولة بلزوم عودة الباشا المذكور وكانوا غير مصيبين في رأيهم فأعادوه إلى ولايته وعند ذلك تفرقت أعضاء تلك العصابة إلى بلادهم وقد اشتهرت هذه الواقعة في التاريخ العثماني بواقعة أدرنة الثانية.

حملة نابليون بونابارت على الديار المصرية 1213هـ:

لما أرادت الجمهورية الفرنسوية الاستيلاء على مصر لمعاكسة التجارة الإنجليزية بجهات الهند أوعزت إلى نابوليون بونابرت بالاستعداد لذلك وأن يكون هذا الأمر في السر خوفاً من اطلاع انجلترة عليه فقابل هذا الأمر بالسرور والارتياح لأنه هو الذي حرض مجلس الأمة على ذلك وبيّن له فوائد هذا المشروع العظيم.

ولما أخذ نابليون يجهز الأساطيل البحرية في ترسانة طولون تطلعت الدول عموماً وشخصت بأنظارها إليه لمعرفة الجهة التي يقصدها بهذه العمارة العظيمة ولما علموا أن ترسانة طولون تستخدم أناساً لهم إلمام بالعربية علموا أن مقصده من هذه الاستعدادات الإغارة على الأقطار المصرية سيما وإن حركات الوكيل السياسي الفرنساوي بالآستانة كانت تؤيد ذلك فالتزمت الدولة العلية بمداركة الأمر باتفاقها مع الدول المعادية لفرانسا المناظرة لها في حب الاستعمار.

ولما خرجت الدوننما الفرنساوية من طولون 1798 م كان أول أعمالها في طريقها مهاجمة جزيرة مالطة والاستيلاء عليها وفي تلك الأثناء كان القبودان العثماني شرمت بك الكريدي الذي عينته الدولة بفرقة من العمارة لمراقبة حركات دوننما فرانسا أرسل مكتوباً أخبر فيه بأن نابليون بونابارت لم يقصد بهذه الحركة مع جسامة عمارته وقوّتها فتح جزيرة مالطة فقط بل إنه جعلها في طريقه محطاً لقواه ومن المحتمل أنه بعد ذلك يهاجم الأقطار المصرية.

وقد كانت حالة الدولة في ذلك الوقت مرتبكة جداً للاضطرابات الداخلية واجتهاد اليونان والصرب في نوال استقلالهم وعصيان حكام الأقاليم مما جعل أوروبا تعتقدان في ذلك محو السلطنة العثمانية أما انكلترة فإنها انتهزت فرصة حركة نابليون على الديار المصرية ومالت إلى الدولة العلية بكليتها ساعية في قطع العلائق القديمة الموجودة بين الباب العالي وفرانسا ولم يتمكن القائم بأعمال فرانسا إذ ذاك بالآستانة وهو الموسيور روفين (Ruffin) من إقناع الباب العالي بشيء يجعله يرفض نصائح انكلترة.

فقرر الوزراء إعلان الحرب على فرانسا وقبض على روفين المذكور وسجن كالعادة بقلعة يدي قلة وخرب العثمانيون مخازن التجارة الفرنساوية التي ببلاد اليونان وسورية والأناضول وقبضوا على تجارهم الذين بأزمير وبيروت وغيرهما ولما بلغ انكلترة قيام العمارة الفرنساوية من طولون أرسلت سفينة جسيمة تحت قيادة الأميرال نلسون لمراقبة حركاتها ونظر ما يكون من أمرها وما يحدث عن شأنها وعندما استولت الدوننما الفرنساوية على مالطة التي هي النقطة المهمة الوحيدة في وسط البحر الأبيض المتوسط والتي تعتبرها الدول البحرية مركزاً للتجارة اندهشت انكلترا لذلك.

ولما بلغ الدولة العثمانية قيام الدوننما الانجليزية أصدرت أوامرها لجميع ولاياتها بمساعدتها عند مرورها ومداركة ما يلزمها من المآكل والمشارب وخلافهما من سائر الحوائج وفي 12 محرم سنة 1798 م مر الأميرال نلسون بعمارة على ميناء الاسكندرية يبحث عن العمارة الفرنساوية فلما لم يجدها أخبر حكام الاسكندرية بخروج مراكب الفرنسيس تقصد الديار المصرية وأعلمهم أنه مستعد لمساعدتهم فتوهموا أن ذلك خدعة من الانكليز فلم يعبؤا بقوله ثم بارحهم للبحث عن الفرنساويين بالسواحل السورية.

وفي اليوم السابع عشر من الشهر والسنة المذكورية وصلت الدوننما الفرنساوية إلى الاسكندرية وذهب القبودان إدريس قومندان الفرقاطة العثمانية المسماة عقاب بحري المعينة للتجوّل بالمياه المصرية إلى الدوننما الفرنساوية المذكورة ولما رآه نابليون قال له بنفسه إني لم أحضر لضرر أحد هنا وإنما أنا متوجه لتخليص الإقليم الهندي من أيدي الإنكليز أعدائنا وإني على فرض أنني عدوّ للدنيا بتمامها فإني محب للعثمانيين ولذلك أنصحكم بأن لا تتصدّوا للمدافعة إذ أنه لا يجوز ولا يتصوّر عقلاً أنكم تقاومون أربعمائة سفينة حربية فلما سمع منه القبودان هذا الخطاب لم يجاوبه بشيء أصلاً.

ولما علم نابليون بحضور الدوننما الإنكليزية قبله بثلاثة أيام بادر بإخراج عسكره إلى البر ولم يتجاسر على دخول الميناء لظنه أن قلاع الإسكندرية ربما كانت قادرة على المدافعة وأخرج في الليل خمسة آلاف جندي وهجم بهم صباحاً على المدينة فاستولى عليها بلا مقاومة تذكر.

ولما أخذت كل سفينة موقعها استقبل الأميرال نلسون بسفينته أمام سفينة الأميرال الفرنساوي المسماة أوريانت وهي من الأوج انبارلي ويسميها مؤرخو الشرق نصف الدنيا ولما رأى الفرنسويون أن حركة سفن الانكليز تمت بكل جسارة استولى عليهم الفزع والاضطراب وما كادت هذه الحركات تتمم حتى قامت الحرب بين الدوننمتين وأخذت السفن ترسل قنابلها من أفواه مدافعها على بعضها وكان بالدوننمتين ألفي مدفع تطلق طلقاً متتابعاً وتقذف قذفاً متوالياً فكانت أصواتها تدوي بالأفق بحيث يخال للسامع أن المساء انشقت والأرض خسفت والجبال نسفت.

وقد استمرت الحرب بهذه المثابة ساعتين من الزمان وفي نهايتهما أصيب الأميرال نلسون بجرح في رأسه فعصبها بمنديل ولما زال منه الاغماء عاد إلى موقعه الأول كما كان وقد قويت السفن الانكليزية على خصيمتها ودمرت منها عدّة ولم تأت الساعة الثامنة بعد الزوال إلا والنار قد اشتعلت بسفن الفرنساويين فصيرت ظلام الليل الحالك نهاراً وارتفع اللهب والدخان إلى عنان السماء وكان الأميرال برويس الفرنساوي أصيب بجرحين في الساعة الأولى من القتال وبينما كان ينزل من سطح الكمبانة إلى سطح الكويرتة أصابه مقذوف من مدافع الانكليز فشطره شطرين.

وكذلك أصيب القمادور الفرنساوي المسمى كازابيانكا (Casabianca) بجروح هائلة مات بسببها في الحال وقد أتلفت مدافع الانكليز كثيراً من سفن الفرنساويين وكسرت سواريها وشراعاتها وألحقت بها الخسائر الفادحة من كل نوع.

ولما احترقت السفينة أوريان المذكورة ووصلت النار إلى مخزن بارودها تفرقعت وطارت قطعاً في الجو ولما شاهد نلسون ذلك أمر بحارته بتخليص بحارة الفرنسويين فلم يمكن إلا تخليص البعض منهم وكانت خسائر الفرنساويين في هذه الواقعة لا تدخل تحت حصر واستولى الانكليز منهم على تسعة غلايين وتمكن غليون وفرقاطتان وأربع سفن من نوع القرويت من الهرب أما باقي سفن العمارة فإنها احترقت بتمامها ولما وصل خبر احتراق الدوننما الفرنسوية ومحاصرة الإنكليز للاسكندرية إلى معسكر الفرنساويين بمصر حصل به اضطراب زائد وخوف شديد.

ولما علمت الدولة ما أصاب الفرنساويين في أبي قير أرسلت تهنىء الأميرال نلسون وتشكره على عمله ولما وردت تفصيلات واقعة أبي قير من انكلترة لوكيلها السياسي بالآستانة وأبلغها للباب العالي ألبسته الدولة فروة سمور فاخرة طبق عوائدها وأحسنت على الأميرال نلسون بعقد جوهر ثمين وأرسلت ألفي ليرة عثمانية لتوزع على جنود الدوننما الانكليز ولما وصل العقد الجوهر إلى الأميرال نلسون صور نفسه وهو لابسه وقدّم تلك الصورة إلى السلطان ولا تزال هذه الصورة محفوظة إلى الآن ضمن أمتعة الخزينة العثمانية وقد طبعت جريدة الغرافيك الإنجليزية هذه الصورة بأحد أعداده سنة 1789م.

وكانت فرانسا لما اتحدت مع النمسا قبل ذلك وأزالتا جمهورية البنادقة بمعاهدة كامبوفورميو 1212هـ-1797 م استولت على الجزائر السبع اليونانية الكائنة ببحر الأدرياتيك وعلى خمس جهات أيضاً بالساحل وهي برويزة و كومانيجه و برغه و نيجه و بوترينتو واستولت النمسا على عدّة جهات من ممالك البنادقة أيضاً فلما أغار الفرنساويون على البلاد المصرية وبعد واقعة أبي قير التي تقدّم ذكرها أمرت الدولة العثمانية والي يانية تبه دلنلي علي باشا بأن يسترد كافة الجهات المذكورة من يد فرانسا عقاباً لها على ما فعلته معها من الخيانة.

ولما تم الاتفاق بين الدولة العثمانية وسفير الروسيا مسيو طمارا وسفير انكلترة على منازلة الفرنسيس سوية شكلت الدولة أسطولاً خفيفاً مؤلفاً من سفن عثمانية وروسية جعلته تحت قيادة مرابط زادة حسين باشا الرودسي وأرسلته إلى مياه الاسكندرية لمهاجمة أسطول فرنسا الصغير الموجود بمينائها وكانت قبل ذلك بعثت فرقاطتين ليكونا مع الدوننما الانكليزية الموجودة بمياه الاسكندرية.

أما الدوننما الروسية فأقلعت مع الدوننما العثمانية المشكلة من سبع وثلاثين سفينة بعد أن اتفق قائدها قدري بك مع الأميرال الروسي أوكانوف على الحركات التي سيقومان بها في جزائر اليونان 1213هـ فلما وصلتا إلى مياه اليونان استولتا على جزيرة جوقة فقام أهالي جزيرة زانطة وكفالونية وقبضوا على عساكر الفرنساويين وسلموهم إلى تبه دلنلي علي باشا والي يانيه وتملكت بذلك الدولة هاتين الجزيرتين ثم قامت الدوننمتان المتحدتان إلى جزيرة كورفو وكان تبه دلنلي علي باشا تغلب في ذلك الوقت على الفرنساويين بقرب دلوينه وأرسل ولده مختار بك طليعة له يقود ستة آلاف من الخيالة وتقدم هو خلفه مع المشاة وهجم الاثنان على القوّة الفرنساوية التي كانت مجتمعة حول برويزة فتغلبا عليها وأسرا منها عدّة أسراء.

ولما علمت الدولة بذلك أنعمت على علي باشا برتبة الوزارة ثم استولت الدولة على قلاع برويزه وقوما نيجه وبوتربنتو أما قلعة بارغه فإنها قاومت نحو 14 سنة ثم استردتها الدولة أخيراً وكانت العمارتان المتحدتان استولتا أيضاً على جزيرة كورفو فعادت تلك المواقع جميعها إلى الدولة العثمانية كما كانت من قبل أما الجزائر اليونانية السبع فإنها جعلت تحت حماية الدولتين العثمانية والروسية وعقدت بذلك شروط بينهما 1215هـ-1801 م ولما طلب أهلها فيما بعد دخولهم تحت حماية الروسية وافقت الدولة العثمانية على ذلك حسبما اقتضته ظروف الأحوال.

تعدي نابليون على سوريا :

لما رأى نابليون أن مركزه أصبح مهدّداً بمصرا تفكر في أن في استيلائه على سوريا فرجا وقوّة سيماوان من استولى على إحدى البلادين لا بد له من الاستيلاء على ثانيتهما فخرج في رمضان من سنة 1213هـ-1799م بجيش عدده ثلاثة عشر ألف مقاتل واستولى على العريش ثم تقدّم واستولى على غزة بغير قتال وبعد أن حاصر يافا سبعة أيام استولى عليها وأسر منها ألفي عسكري من الأرنؤد الذين قاتلوا جيش الفرنساويين بشهامة غريبة فأمر نابليون بقتلهم جميعاً رمياً بالرصاص خارج البلد فكانوا يخرجونهم فرقة بعد فرقة للقتل ومن هذا الفعل الفظيع المخالف لقوانين الحرب والإنسانية يتأكد المطالع ما كانت عليه حالة الحروب في ذلك الوقت.

ثم تقدّم بجيشه إلى عكا وحاصرها براً وهدم أكثر بروجها واستحكاماتها بمدافعه وكان المدافع عن عكا أحمد باشا الجزار البطل الشهير وفي هذه الأثناء قبض الغليونان الانكليزيان المعينان لخفر سواحل الشام تحت قيادة الأميرال سدني سمث على سفينة فرنساوية تحمل كثيراً من المهمات الحربية لنابليون وسلمها لجنود عكا وكانت إعانة للجيوش العثمانية على أعدائهم ولما وصلت الامدادات للفرنسويين بعد أيام أمكنهم كسر جيش الشام بجهة جبل طابور الذي أتى لقتالهم وتمكنوا أيضاً من أن يمنعوا الامداد عن العثمانيين الذين بعكا ثم أخذوا يهاجمونها المرة بعد الأخرى حتى تمكنوا من الدخول فيها.

إلا أنهم لم يلبثوا برهة حتى قاومتهم الجنود العثمانية أشد المقاومة فتقهقر الفرنساويون من إمامهم تاركين مدافعهم ومعداتهم وفي خلال هذه الحوادث وصلت الدوننما العثمانية وكانت مركبة من سبعين سفينة حربية بها 12000 من الجنود النظامية تحت قومندانية مرابط زاده حسين باشا الرودسي وأخرجت ذلك الجيش وذخائره إمداداً لعكا ثم تقدّم هذا الجيش ورد جيش نابليون واقتفى العثمانيون بشجاعتهم أثره حتى متاريسه وهجمت الفرنساويون في هذه المحاصرة ثمان مرات وهجم العثمانيون عليهم ثلاث عشرة مرة وأظهرت عساكر الفريقين شجاعة غريبة وإقداماً عجيباً.

ثم اضطر نابليون للرجوع مكسوراً بجيوشه إلى جهة العريش بعد أن تلف منها في حصار عكا عشرة آلاف واقتفت العساكر العثمانية أثره حتى الحدود المصرية ثم أرسلت الدولة العثمانية إلى مصر جيشاً مركباً من عشرة آلاف مقاتل تحت قيادة كوسة مصطفى باشا ومعه دوننما عثمانية إلى أبي قير فخرج الجيش واستولى على القلعة ولما بلغ نابليون حضر بنفسه وهجم بعساكره على الجيش العثماني بغتة ومع كون العساكر العثمانية كان معهم المدافع الكافية والطوبجية المهرة إلا أنه لم يكن معهم فرسان لصد هجمات الأعداء.

ولذلك التزم مصطفى باشا أن يحفر خندقاً حول معسكره لحمايته من هجمات سواري الفرنساويين وقد تكرر الهجوم من نابليون وقاومه السر عسكر بجيشه بكل ثبات وقوّة وكانت مدافع الدوننما العثمانية تساعد الجيش بمقذوفاتها حتى اضطرّ نابليون لأن يرجع متقهقراً فخرجت العساكر العثمانية من خلف الخندق لتعقبهم وكان خروجهم بلا انتظام لأن قائدهم كان جرح فعادت خيالة نابليون عليهم ثانية وشتتوهم وتقدّموا إلى خيام المعسكر ودخلوا خيمة السر عسكر وكان مجروحاً كما تقدّم فأسروه وتوفي بعد سنة من أسره.

وفي سنة 1215هـ عادت الدوننما الروسية من البحر الأبيض المتوسط إلى الآستانة ودخلت البحر الأسود ولما كانت الدولة تخاف من أن نصرات الجيوش الفرنساوية ربما كانت سبباً لتمكين قدم الفرنسيس في مصر جهزت هي وانكلترة الأساطيل والجيوش لحسم المسألة المصرية فخرج القبودان حسين باشا بالدوننما ومعه قوّة عسكرية بعد أن اتفق مع الأميرال الانكليزي ثم أخرج الأميرال الانكليزي جيشاً في أبي قير مؤلفاً من خمسة عشر ألف مقال تحت قيادة الجنرال ابركرومبي (Ralph Abercromby) وتقدّم إلى الرحمانية وتقدّم السردار العثماني يوسف باشا من جهة الشرق يريد القاهرة فخرج الجنرال منو يريد قتال الإنكليز فانهزم والتجأ إلى الاسكندرية يريد التحصن بهات فقطع الانكليز سد أبي قير وهو السد المانع لمياه البحر من الإغارة على مصر فانحصر االجنرال منو بذلك في الاسكندرية والجنرال منو هذا هو الذي صار وكيلاً لنابليون بعد موت كليبر الذي قتله شخص يدعى سليمان الحلبي .

ثم تقدم الجيش الانكليزي والعثماني ودخلا القاهرة بعد أن حاصرا من بها من الفرنسيس الذين كانوا تحت قياد الجنرال بليار الذي لما رأى أنه لا يمكنه المقاومة عقد مع القائدين المذكورين شروط التسليم وأخلى المدينة ثم خرجت العساكر الفرنسوية من القاهرة وأقلعت بهم السفن من رشيد هذا أما منو فإنه بعد أن قاتل العثمانيين والانكليز في عدّة وقائع اضطرّ لأن يعقد صلحاً نهائياً مع الأميرال كيث (Keith) الانجليزي والصدر الأعظم يوسف باشا في 22 ربيع الثاني سنة 1216هـ وذهب إلى بلاده على سفن الانكليز وخرج الفرنساويون من الديار المصرية وهم يبكون حظهم.

وبعد أن أخلوا مصر وانسحبت جميع جيوشهم منها أقام الإنكليز سنة كاملة في ثغر الإسكندرية وكأنهم لما رأوا سرعة خروج الفرنسيس وضعضعة أحوال الدولة وحالة الديار المصرية هموا باحتلالها بدل الفرنسيس إلا أن الفرنسويين لما لاحظوا ذلك من مخرجيهم أخذت المخابرات السياسية تجري بينهم وبين الإنكليز والعثمانيين إلى أن خرج الانكليز أيضاً 1217هـ منتظرين فرصة أخرى أكثر مناسبة وفي 23 صفر سنة 1217هـ-1802م عقد نابليون بونابرت مع الباب العالي الصلح ليسترد مودته وليكون له ذخراً عند الحاجة وكان ذلك سبباً لوقوع النفور بين الإنكليز والفرنساويين لأنهم كانوا يودون بقاء تعكير السياسة بين العثمانيين والفرنساويين بالنظر لما أجراه نابليون بونابرت من المقاصد السياسية المضرة بالإنكليز.

الحرب مع الروسيا والدوننما الإنكليزية باستانبول 1221هـ:

لما عقد نابليون بونابارت معاهدة الصلح مع الدولة أرسل الجنرال سبستيان إلى الآستانة ليكون سفير الفرانسا وأوصاه قبل مبارحته باريز بأن يبذل كل مجهود ويسعى بجميع الوسائل لتحسين العلاقات بين الدولتين وإرجاعها لما كانت عليه قبل الحرب فبذل هذا السفير جهده واستعمل كل الوسائط حتى أعاد روابط الإلفة والمحبة بين الطرفين ولما كانت الدولة تود ذلك أيضاً لم يصادف السفير في طريقه عقبات أو موانع وفي تلك المدة خلعت الدولة أميري الافلاق والبغدان لانحيازهما إلى الروسيا وترويجهما سياستها ومقاصدها وعينت بدلهما من المخلصين لها 1221هـ-1806م فاغتاظت الروسيا من ذلك جداً.

وخشيت من تقرب فرانسا إلى الدولة وأهمها ذلك حتى أنها أرسلت جيوشها واحتلت الولايتين المذكورتين بلا إشهار حرب بدعوى أن عزل أميريهما مضر بسياستها جداً ولما عملت الدولة بدخول عساكر الروسيا في بندر وخوتين التزمت بإشهار الحرب عليها ولما كان الإنكليز يعلمون يقيناً أن دولة الروسيا هي الدولة القوية التي يمكنها مقاومة نابليون الذين كانوا يخشون سطوته جداً اجتهدوا في منع وقوع الحرب بين العثمانيين والروس على أن الدولة لم يكن غرضها من ذلك الإعلان إلا إبعاد جيوش الروسيا عن حدودها فقط.

وكانت الدولة العثمانية تسعى فى ذلك الوقت بكل نشاط لاستدامة الروابط والعلاقات الودية بينها وبين الدول الأخرى حتى إنها أجابت الدولة الإنكليزية لما أشارت عليها بخلع محمد علي باشا الكبير من ولاية مصر وتوليته على سلانيك إلا أن استرحام بقائه بمصر الذي طلبه العلماء وأشراف الأهالي من السلطان كان السبب في عدول الدولة عن ذلك وقد كانت الدولة لا تحب أن تبعد عنها دولة فرانسا لما اقتضته سياسة الوقت فلهذا السبب والسبب السابق انحرف الإنكليز عن العثمانيين واتحدوا مع الروسيا على حرب الدولة.

ولما لم تتمكن إنجلترة بواسطة سفيرها بالآستانة السير أربوثنوت (Arbuthnot) من جعل الباب العالي يعدل عن محالفة فرانسا أرسلت أسطولاً تحت قيادة الأميرال اللورد دوك ورث (Duck worth) إلى مضيق الدردنيل ولما كان السفير الإنجليزي حاد المزاج سريع التأثر تكدر من عدم نوال مرغوبه ونزل ليلاً بسفينة إنجليزية 1221هـ-1806م وهرب من الآستانة ولما علم رجال الدولة بفراره في اليوم التالي تأكدوا من قيام إنكلترة لمساعدة الروسيا ضدهم فازدادت المسألة ارتباكاً.

وقد كانت قلاع الدردنيل في حالة سيئة لا يمكنها مقاومة عمارة قوية كعمارة الإنكليز ومع ذلك فإن الدولة لم تهتم بإصلاحها وتقويتها رغماً عن أقوال سفير فرانسا ومن معه من ضباط الفرانسا وبين وكان المانع لها عن ذلك أقوال السفير الإنكليزي الذي كثيراً ما قال لمندوبي الدولة إن مسألة الخلاف الحاصلة بين الدولة والروسيا يمكن تسويتها بالصلح والسلم بدون احتياج لحرب ولذلك تم للسفير ما كان يقصده وهو تأخير تقوية الاستحكامات الأمر الضروري جداً في ذلك الوقت .

ولما رأت الدولة اشتداداً لحالة أرسلت الجنرال سباستيان ومعه ضباط من الفرانسا وبين غيرهم لينظر فيما يحتاجه تحصين البوغاز ويقدموا بذلك تقريراً مستوفياً إلى السلطان إلا أن الصدر الأعظم وغيره من الرجال وكذا القبوذان باشا لما كانوا يكرهون تداخل الأوروباويين في أعمال الدولة لم يهتموا بأمر التحصينات كما أمر السلطان.

أما سفير إنكلترة الذي فر من الآستانة فإنه تمكن من الوصول إلى جزيرة بوغجه اطه سالماً وهناك طلب من الدولة استمرار المخابرة وأرسل ترجمانه إلى جنق قلعة لذلك وأرسلت الدولة من قبلها من ينوب عنها وكان غرض السفير من هذه المخابرات أن أعمال الدولة يهملون عمل الاستحكامات التي تقرر إنشاؤها متى علموا بعود مخابرات الصلح وكانت الدوننما الإنكليزية تنتظر مساعدة الهواء والفرصة المناسبة لاجتياز الدردنيل ثم أرسلت الدولة عمارتها تحت قيادة القبودان الحاج صالح باشا لتقف في البوغاز تمنع سفن الإنجليز من عبوره متى أرادوا وكانت هذه العمارة مركبة من ست سفن.

وقد اتفق أن هبت رياح موافقة يوم عيد الأضحى من سنة 1221هـ-1806م عند الصبح فأقلع الأميرال الإنجليزي المذكور بأسطوله المركب من خمسة قباقات وفرقاطتين وحراقتين وقرويطين بها من المدافع 608 مدافع ودخل البوغاز وتمكن بلا أدنى مقاومة من المرور من أمام قلعتي قوم قيود وسد البحر لوجود كافة حفظة القلاع المذكورة بالجوامع لصلاة العيد ولما وصل الأسطول المذكور إلى قلعتي كليد بحر وجنق قلعة قابلته الدوننما العثمانية المذكورة بإطلاق المدافع فلم توقف سيره بل استمر مسرعاً ثم استقبل في ليمان بورغاز ثم حمل على الدوننما العثمانية ولم يكن بها إلا بعض الجنود لتغيب معظمهم يوم العيد ولما لم يمكن للعساكر البحرية الموجودة بتلك السفن القيام بمقاتلة الأعداء لقلتهم احترق للعثمانيين أربع سفائن واستولى الإنكليز على سفينتين ولم يسلم من الأسطول العثماني إلا إبريق حربي واحد تمكن من الهرب وقال بعض المؤرخين أنه لولا جبن القبودان باشا وسوء تصرفه لامكن للأساطيل العثمانية على مابها من الضعف قهر أساطيل الإنجليز سيما وقد كانت هي الغالبة في أول الأمر بحيث أنها أحدثت بالسفن الإنكليزية خسائر عظيمة.

ولما عاد الإبريق الحربي الذي هرب من المحاربة إلى الآستانة في اليوم الثالث من عيد الأضحى وأخبر قبودانه بما حصل هاجت الأفكار واضطربت الخواطر وعم القلق وصدرت الأوامر سريعاً بإقامة الاستحكامات حول الآستانة وفي ذلك اليوم وصل الأسطول الإنكليزي واستقبل بجانب جزائر الأمراء شرقي البوغاز وأرسل السفير الإنكليزي بلاغاً نهائياً للصدر الأعظم مشتملاً على المواد الآتية هي :

أولاً : أن يتحالف الباب العالي مع الروسيا وإنكلترة.

ثانياً : أن تسلم الدولة في الحال لإنكلترة سفن العمارة العثمانية استحكامات الدردنيل.

ثالثاً : أن تتنازل الدولة للروسيا عن إيالتي الافلاق والبغدان.

رابعاً : أن تطرد الجنرال سبستيان سفير فرانسا وأن تعلن الحرب على فرانسا وحدّد للإجابة على هذا البلاغ مدّة 24 ساعة.

فعقد الوزراء في الحال مجلساً وبعد المداولة أجابوا السفير برفض هذه المقتراحات رفضاً باتاً وباستعداد الدولة للمحاربة والمدافعة وقام الجنرال سباستيان بتكليف من الدولة بتنفيذ أمر الدفاع وبذل جميع الأهالي أيضاً من كل جنس ونوع نشاطاً وهمة عظيمتين في بناء الاستحكامات وتقويتها وكان وزراء الدولة يترددون كثيراً على هذه الاستحكامات لنظرها يومياً بل كل ساعة كما أن السلطان سليم خان كان يذهب بنفسه إليها ويشجع القائمين بإنشائها إلى أحكامها وإتقانها بحيث أنها تمت في زمن يسير وأصبح بها في اليوم الخامس نحو ألف ومائتي مدفع.

وفي أثناء هذه الاستعدادات عرض السيد علي بك الجزائري وكان رئيس بوابي الدائرة الخاصة على السلطان بأنه بماله من المعلومات البحرية يمكنه قهر العمارة الإنكليزية لو سلمت إليه قيادة العمارة العثمانية وهوّن على السلطان كثيراً أمر الأعداء فسر السلطان من أقواله وأصدر أمره بتعيينه قومندانا على الدوننما الراسية بخليج الآستانة وكانت مؤلفة من عشرين سفينة حربية مختلفة النوع والقدر فقادها ورسا بها أمام سراي بشكطاش.

ولما كان أهالي الآستانة قد امتلأت صدورهم غيظاً وحنقاً على تجاوز الإنكليز لهذا الحد سيما الجنود منهم تطوع منهم في يوم واحد أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة شخص في البحرية وبعد أن قيدوا أسماءهم وزعوهم على السفن هذا أما القبودان باشا الذي أعدم الإنكليز عمارته فإنه بعد وصوله براعزل لإهماله وتعين بدله السيد علي بك المذكور ورقي إلى مسند الوزارة وأحيلت عليه ولاية الجزائر وقتل أيضاً فيضي أفندي محافظ بوغاز الدردنيل لتقصيره في أداء واجباته عند مرور الدوننما الإنكليزية من البوغاز وعينت الدولة بعض الضباط ومعهم نفر من مهندسي الفرنسويين لتقوية قلاع واستحكامات الدردنيل.

ولما بلغ أهالي البلاد المجاورة للآستانة مرور الدوننما الإنكليزية من البوغاز ومجيئها للآستانة حضر كثير من أعيانهم وحضر أيضاً سردار شيله أوزون حسن باشا مع جيشه ونزلوا بالدوننما استعداد للقتال وحضر كثير من أعيان الرومللي والأناضول لهذا القصد وعين قسم من عساكر فنار باغجه إلى جزيرة قنالي وأوقعوا بزوارق الإنكليز التي أتت للاستقاء منها وأسروا بعض الجنود وكان من بينهم ابن أميرال الدوننما الإنكليزية.

ولما بلغ السلطان خبر هذه الواقعة أنعم على أولئك الجنود ولذلك أخذ كثير من صيادي الأسماك يناوشون الجنود الإنكليزية التي كانت تتردد بزوارقها بين السفن وبعضها وأراد بعضهم منع الإنكلزي من الاستقاء من جزيرة قنالي فلم ينجح.

والحاصل أنه في مدة خمسة أيام من تاريخ وصول العمارة الإنكليزية تم عمل الاستحكامات بجهات سراي برون ويدي فله وقزقله وساحل قاضي كوى ووضعت فيها المدافع العديدة ولما استعد القبودان باشا الجديد المذكور أراد الهجوم على العمارة الإنكليزية فمنعه القواد وطلبوا منه أن يكون مدافعاً لا مهاجماً لما عليه العمارة الإنكليزية من الاستعداد وتدرب جنودها على القتال بخلاف الجنود العثمانية الحديثة العهد بالبحرية.

وفي تلك الأثناء كانت المخابرات مستمرة بين السفير الإنكليزي ورجال الدولة وأخيراً خفف الإنكليز طلباتهم وكانوا كلما قدموا طلباً رفضه العثمانيون ثم لما رأى ربان العمارة الإنكليزية أنه لايمكنه ضرب الآستانة لمنعتها وتحمس الأهالي والجنود وإن استحكامات الدردنيل جار تقويتها يومياً وخشي من أنه لو مضى الوقت على ذلك أصبح في مركز حرج أقلع في يوم الأحد الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة ولما مر على جهات البوغاز وغيرها ورأى ما بها من القلاع الجديدة ثبت لديه ظنه وأنه صار عاجزاً عن عمل ما ولو تهديدياً ولذلك بادر بالخروج سالماً.

ولما رأى أهالي الآستانة عودة العمارة الإنكليزية بصفقة المغبون فرحوا وهللوا وكبروا ولما وصلت الدوننما الإنكليزية إلى جهة أكينلك القريبة من كليبولي مكثت بها يومين وتركت فيها السفينتين العثمانيتين اللتين استولت عليهما في واقعة البوغاز كما تقدم وفي أثناء مرورها من البوغاز أطلقت عليها بعض قلاعه الحديثة مدافعها فأحدثت بها خسائر كبيرة وأغرقت منها سفينتين من نوع القرويت وقتل من جنودها ستمائة نفر سيما وإن المدافع الجسيمة التي تركبت أخيراً في الاستحكامات كانت من عيار ثمانمائة ليبرة وبعد أن تخلصت العمارة الإنكليزية من تلك الشدة رست قريباً من جزيرة بوزجه اطه لتصلح ما لحقها من التلف.

وكانت الدوننما الروسية وصلت قبل ذلك بقليل إلى جزيرة بوغجه اطه تحت قيادة الأميرال سينياوين (Siniawin) ولما تقابلت مع الدوننما الإنكليزية عرض ربانها على الأميرال الإنكليزي أن يصحبه ليدخلا سوية من الدردنيل ويضر بالآستانة فلم يقبل الأميرال الإنكليزي أن يصحبه ليدخلا سوية من الدردنيل لعلمه أن ذلك أصبح بعيداً عليهما ثم استوليا على جزيرة بوزجه اطه المذكورة وصارا يصادران بسفنهما كل سفينة تجارية عثمانية.

ومما تقدم تعلم ما حازه العثمانيون من الفخر في هذا الدفاع العظيم وقيامهم كرجل للمدافعة عن استقلالهم الذي لعبت به أيدي الأجانب لعدم تبصرهم وتهاونهن وقد كان بقاء العمارة العثمانية مدافعة لا مهاجمة من أحكم الآراء وأصوب الأفكار لأننا قدمنا أن هذه الدوننما إنما كانت مشكلة من السفن الصغيرة وجنودها كانوا من أفراد الأهالي الذين لم يمارسوا الأعمال البحرية ولا عانوا الأحوال الحربية ولا أحكموا الفنون والنظامات العسكرية بل هم رعايا قادتهم الهمم الأبية والنخوة العلية لأن يصدموا بأنفسهم عدوّهم وأن يصطلوا حر المعمعة ويخوضوا عبابها بخلاف السفن الإنكليزية فكانت ذات قوة وضخامة وجسامة وأفرادها على معرفة تامة بالفنون البحرية وأساليب القتال.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:03 AM
إطلاق العمارة الإنكليزية قنابلها على الإسكندرية :

علمت مما سبق أن العمارة الإنكليزية بقيت راسلة بجزيرة بوزجه اطه تهدّد الدردنيل وتقبض على سفن التجارة العثمانية وفي شهر محرم سنة 1222هـ أتتها نجدة قوية مؤلفة من إحدى وثلاثين سفينة بها سبعة آلاف مقاتل لأن الحكومة الإنكليزية أرادت محو ما لحقها من العار في مسألة استانبول هذه ولذلك أمرت أميرال هذه العمارة بالذهاب إلى مدينة الإسنكدرية واحتلالها فقام بما عهد إليه وأتى إلى الإسكندرية وبعد أن ضرب قلاعها ولم تكن شيئاً يذكر في يوم 10 محرم سنة 1222هـ-1807م أخرج العساكر من السفن بقصد الاستيلاء على البلاد المصرية تحت قيادة الجنرال فرازر (Fraser) ثم بعد بضعة أيام ذهبت فرقة من أولئك العساكر إلى رشيد لأخذها.

وقبل وصولها كان محافظ رشيد المدعو علي بك لما علم بسير الإنجليز نحوه استعد لقتالهم بما لديه من الجنود القليلين وأمر أهلها بالسكون والثبات والاختفاء حتى إذا أعطى إليهم الإشارة شنوا عند ذلك الإغارة فانصاعوا لأمره وامتثلوا لما قام بفكره وبذلك صارت الطرق والشوارع كالأطلال البلاقع ودخل الإنكليز بلا ممانع ولا مدفع فظنوا أن الديار قد خلت من قطائها والمدينة قد خلت من سكانها ولم يعملوا أن الأسود رابضة في آجامها وأطيار المنايا تغني على أفنانها ولما ألقوا عصا التسيار وتفرقوا في أكنافها للاستراحة من الأسفار.

لم تمض برهة حتى انسكب عليهم هطال من الليوث لا من الغيوث ودهمتهم الأبطال فاضطربت أفكارهم وبهتت أنظارهم وما زال أهالي البلد يلبسونهم حللاً حمراء من نسج السلاح ويفتكون بهم فتكاً ليس بعده صلاح حتى فرقوهم أيادي سباً وجعلوهم يمعنون فراراً وهرباً وقد أوقعوهم في خسائر عظيمة ومصائب جسيمة وأسروا منهم أعداداً وافرة أرسلوا بها إلى القاهرة ولما وصل الأسرى إلى المحروسة حصل لأهالي القطر المصري جسارة عظيمة وتقدم والي مصر وقتئذ وهو الهمام الشهير محمد علي باشا الكبير بقوة إلى دمنهور لمحاصرة الإنكليز بالإسكندرية.

ولما علم الباب العالي خبر استيلاء الإنكليز على الإسكندرية أعلن الحرب عليهم إلا أنه لما لم يمكنه إرسال قوة برية من الآستانة إلى الإسكندرية عن طريق البحر لوجود العمارة الروسية راسية أمام بوغاز الدردنيل ودوننما الإنكليز بسكندرية أصدر أمره إلى والي صيدا والي كنج يوسف باشا بأن يقوما بالقوى اللازمة من جهة سور بالمساعدة الحكومة المصرية على أنهمة محمد علي باشا والي مصر لم تكن تحتاج لهذه المساعدة بالكلية لأنه لما تقدّم نحو دمنهور كما أسلفنا وحاصر الإنكليز في الإسكندرية في أواخر جمادى الثانية من السنة المذكورة تحققوا عدم طاقتهم على المقام بها.

ولذلك طلبوا مخابرة محمد علي باشا في إخلائهم لها تحت شرط أن يعيد أسرارهم كما أنهم يعيدون إليه الأربع سفن والبحرية العثمانية الذين كانوا استولوا عليهم يوم استيلائهم على الاسكندرية فلما تم ذلك أخلوا الثغر في أواسط رجب من تلك السنة ولما كان قطع العلائق مع الدولة العثمانية يضر بسياتهم انسحبت سفنهم من البحر الأبيض المتوسط ومن بحر الأرخبيل.

ولما علم السيد علي قبودان باشا بسفر المراكب الإنكليزية خرج بالدوننما لمحاربة العمارة الروسية الراسية أمام البوغاز إلا أنه ارتد مقهوراً بعد أن أظهرت جنوده من الإقدام والشجاعة ما اعترف به الأعداء ومع ذلك فإن الخسائر الجسيمة التي أصابت أساطيل الروسيا اضطرها للذهاب إلى جزيرة كورفو.

صعود محمد علي باشا على ولاية مصر 1219هـ:

لما تعين القبودان كوجك حسين باشا بالدوننما السلطانية لإخراج الفرانساويين من مصر أرسل مكتوباً إلى جورباجي مدينة قواله حسين أغا بأن يرسل ما لديه من الجنود فأرسل حسين أغا المذكور العساكر وكانوا مائتي نفس مع صهره محمد علي أغا فأنزلهم القبودان باشا المذكور بالسفن وأقلع يريد مصر وبعد تمام الفتح بقيت بديار مصر أكثر الطوائف العسكرية التي توجهت إليها من بلاد الأرنؤد والرومللي ومن ضمنهم محمد علي أغا المذكور وكان يتصف بالذكاء الفطري والاستعداد الغريزي للرياسة وإدارة أعمال الحكومة فأخذ يفكر في ذلك وإخراج تصوراته من القوة إلى الفعل بكل احتياط ودقة.

وما زال يسعى بجد ونشاط حتى حصل على مزية كبيرة وساعدته فرص الزمان والمكان فلم يمض زمن طويل حتى نال منصب سر جشمه وبنوا له هذا المنصب صار رئيساً على عموم كبراء عساكر البأس بوزوق وكان والي مصر إذ ذاك قوجه خسرو باشا يهتم بتنظيم وترتيب الإيالة ويسعى في تخليص مصر من عساكر الباش بوزوق لما أتوه من الأعمال الشريرة ولما أخبر رؤساء هؤلاء الجنود بضرورة عودهم إلى بلادهم قبلوا وامتثلوا.

إلا أنه لما لم يصرف لهم علوفاتهم بالتمام أظهر العصيان وشقوا عصا الطاعة وقتلوا الدفتردار رجائي أفندي واضطر خسرو باشا إلى الفرار ولقد كانت هذه الواقعة مبدأ للضغينة والعداوة بين محمد علي باشا وخسرو باشا المذكور وبعد فرار خسرو باشا سعى محمد علي أغا في القبض على زمام الحكومة المصرية من جهة أخرى أخذ يقاتل حنود الكولمان بكل قوته وبينما هو يدأب في محو الشقاق والفساد لإعادة السكينة للبلاد المصرية نصبت الدولة خورشيد باشا والياً على الديار المصرية فحضر إليها هو وحاشيته.

ولما كانت الدولة تميل لخلاص البلاد المصرية من الكولمان أخذ خورشيد باشا يساعد أعمال محمد أغا ويشجعه على ذلك إلا أن الوالي المذكور لما وقف على مسلك محمد علي أغا الحقيقي تشبث في إخراجه من الديار المصرية وسعى له حتى أسندت إليه ولاية مدينة جدة مع رتبة الوزارة إلا أن عساكر الباشي بوزوق تعصبوا لمحمد علي وأظهروا العصيان ثانية وحاصروا خورشيد باشا في قلعة القاهرة .

ولما وصل خبر هذه الحادثة إلى الآستانة خاف السلطان ورجاله من استمرار الفتن بمصر فدبر الوزراء حيلة وهي أنهم جعلوا السلطان يصدر فرمانين أحدهما بإبقاء خورشيد باشا في مركزه والولاية على ديار مصر والثاني بتعيين محمد علي باشا والياً على مصر أيضاً وعين أحد رجاله المدعو صالح بك لتوصيل هذين الفرمانين وأمرته الدولة بأنه متى وصل القاهرة أظهر ما رآه موافقاً ومناسباً من الفرمانين حسب الظروف ولما وصل المأمور المذكور ورأى أن الأهالي يضادون خسرو باشا أظهر فرمان تولية محمد علي باشا وتلاه بالصفة الرسمية بحضور العلماء والأعيان والجنود وبذلك استتب الأمن وارتقى المرحوم محمد علي باشا على ملك مصر من ذلك اليوم بما أظهره من الحزم والجد والنشاط وبما وهبه الله من عظيم الصفات وحميد الخلال اللازمة لأعاظم الرجال وأكابر الأبطال وسنأتي على أخبار محمد علي باشا مفصلة بالجزء الثاني إن شاء الله تعالى.

الإصلاحات بالدولة ووقوع الفتنة 1222هـ:

اعلم أنه بينما كانت الحروب قائمة بين العثمانيين والروسيين دخل والي ولاية بوسنة بجيشه إلى إقليم الصرب ومنع ثائريه من الالتحاق بالجيش الروسي وفي سنة 1221هـ هزم قاسم باشا محافظ إسماعيل جيش الروسيا ومنعه من التقدّم وفي 26 محرم من سنة 1222هـ خرج القبودان السيد علي باشا بدوننما مؤلفة من سفينة حربية إلى بوغاز الدردنيل لمقابلة الدوننما الروسية التي كانت تحاصره تحت قيادة الأميرال سينياوين (Siniawin) فحمل عليها القبودان باشا المذكور في أواخر ربيع الثاني بدون احتراس واستعمل في هجمه الطريقة القديمة التي تستعملها سفن قرصان أوجاقات الغرب المخالفة لفن حرب الوقت المذكور فأسقط الريح سفنه خلف سفن العدوّ فتمكّن منه الأميرال الروسي وأسر سفينة وكيله أبي بكر بك وخرب وأحرق بعض السفن الأخرى فاضطر القبودان باشا للنجاة بباقي سفنه إلى داخل البوغاز.

ثم اتهم القائد الثالث شره مت بك شيرمرد وبعضاً من رؤساء السفن بالتقصير ليتخلص من العار وينجو من العقاب وقد كان وعفا عنه السلطان وأمر بقتل شره مت بك ومن نسب إليهم التقصير ظلماً مع أنهم ممن اشتهروا في خدمة الدولة بالصداقة.

ولما كانت سفن الروسيا أصابتها أيضاً خسائر جمة أقلع بها الأميرال إلى كورفو من جزر اليونان ليتمكن من إصلاحها وبذلك تخلص البوغاز من محاصرة الأساطيل الروسية وقد عدّ المرحوم جودت باشا ذلك انتصاراً لا انكساراً لهذا السبب ثم استعد الجيش السلطاني بصحراء داود باشا لملاقاة الأعداء وتعين خورشيد أحمد باشا سر عسكراً على جهة صوفية ووجهت إليه ولاية الرومللي ومحافظة مدينة نيش وتعين إدريس باشا محافظاً لواردين وولي الدين باشا لولاية موره.

وتعين محمد باشا الولاية قارص وأرسلت الدولة المهمات والجيوش إلى شاطىء الطونة تحت قيادة الصدر الأعظم مصطفى باشا حلبي ومصطفى باشا البيرقدار وكان المارشال ميكلوسون القائد العام الروسي قد زحف بجيش مؤلف من خمسين ألف مقاتل على مدينة بخارست ولما دارت رحى الحرب تمكن العثمانيون من منع الروس عن التقدّم على الأراضي العثمانية.

هذا وفي تلك الأثناء كان السلطان سليم يبذل الجهد في تنظيم العساكر على الطريقة الجديدة الأوروباوية لإلغاء وجاق اليكجرية.

ولما كانت هذه الإصلاحات من أكبر المصائب بالنسبة لليكجرية هاجوا وماجوا واعتصبوا في داخل استانبول وكان يساعدهم على أفكارهم العقيمة المضرة بحالة الدولة كثير من رجالها خلاف السواد الأعظم من الأهالي وكان عطاء الله أفندي شيخ الإسلام وكذا قائمقام الصدر الأعظم موافقين لأهل الثورة في الرأي يحرضانهم سراً حيث رسخ في أذهانهم أن النظام الجديد طريقة إفرنجية وإن من تشبه بقوم فهو منهم.

ولما قويت هذه الحجة الواهية في صدورهم قالوا جميعاً هيا بنا نلاشي النظام الجديد وننتقم من الوزراء الذين أفسدوا الدين بأفعالهم الشنيعة فأخذوا ينهبون ويقتلون وكان المفتي عطاء الله أفندي أعطاهم كشفاً بأسماء بعض كبار الدولة لقتلهم فأخذوا يتلونه ويفتشون على أولئك الرجال فوجدوا البعض منهم فقتلوه واختفى كثير.

وقيل إنهم قطعوا 17 رأساً من بين أكابر رجال الدولة ولم يقفوا عند هذا الحد بل صمموا على طلب السلطان سليم والقبض عليه لخلعه وصاروا يجاهرون بأقوال تهكمية كقولهم يا أيها السلطان المغشوش بهذه التعاليم أنسيت أنك أمير المؤمنين وعوضاً عن اتكالك على الله القادر العظيم الذي يبدّد بقدرته الجيوش الكثيرة أردت أن تشبه الإسلام بالكفار.

ومثل ذلك من الأقوال وأرسلوا شيخ الإسلام عطاء الله أفندي المذكور للسلطان سليم ليكلفه بالتنازل بلا مقاومة فدخل عليه متذللاً منخفض الرأس قائلاً يامولاي قد حضرت بين يديك برسالة محزنة أرجوك قبولها لتسكين الهيجان وليس يخفى على عظمتكم أن عموم العساكر اليكجرية نادوا باسم السلطان مصطفى ابن عمك سلطاناً عليهم ولا سبيل إلى المقاومة فالتسليم لأمر الله أوفق وأسلم من كل شيء فأظهر السلطان تجلداً ولم تبد عليه علامات الكدر من هذ الحديث بل قبل كلام الشيخ وتنازل عن السلطنة يوم 21 ربيع الأول من سنة 1222هـ-1807م وجلس بعده السلطان مصطفى خان.

وكان السلطان سليم رحمه الله سليم الطبع كريم الأخلاق محباً للمعارف والعلوم ونشرها في المملكة على الطريقة الأوروباوية الحديثة لأنه كان يعلم أنها هي الواسطة الكبرى لتأمين انتظام الحكومة وتكثير منابع الثروة والرفاهية.

السلطان مصطفى الرابع ابن السلطان عبد الحميد الأول1222 -1223هـ:

أحوال دار الخلافة:

جلس هذا السلطان على التخت وعمره 29 سنة ولما كانت أحوال العاصمة في اضطراب شديد سلك مسلكاً يخالف مسلك من سلفه لأن أصناف العساكر اضطرته لأن ينبذ الاصطلاحات الجديدة النافعة التي كانت أدخلت ويعيد الأصول والمراسيم والعوائد القديمة وبذلك تأخرت الدولة في طريق التقدّ نحو نصف قرن آخر.

وفي مدة حكمه القصيرة التي بلغت أربعة عشر شهراً كانت مداخلات الجنود الثائرة في إدارة الحكومة تتزايد يوماً عن يوم حتى أصبحت الحالة قريبة من الفوضى وقد اغتصب القائمقام موسى باشا أموال الذين قتلوا في الثورة.

ولما علم أمره أقبل من منصبه ونفى إلى بروسه وبعد عشرة أيام من ذلك عزل أيضاً شيخ الإسلام عطاء الله أفندي لتحريضه الثائرين على أفعالهم القبيحة فهاجت عند ذلك الجنود وتشيعوا له وأجلسوه في منصبه ثانية فطغى واستبد فازدادت الأحوال تكدرا وقد كان وصول خبر خلع السلطان سليم إلى إمبراطور فرانسا نابليون الأول وقت فوزه على قيصر الروسيا وعقده معه معاهدة تلسيت (Tilsitt) الشهيرة.

وتداخل نابليون في الصلح حتى عقدت هدنة بين الدولة العلية والروسيا ثم انسحبت الجيوش من حدود المملكتين وعادا الجيش السلطاني إلى أدرنه لأن تلك المهادنة صارت صلحاً دائمياً ثم إن نابليون غير بعد ذلك سياسته مع الدولة وتعاهد سراً مع الروسيا على تقسيم الممالك العثمانية بينهما بمعنى أن فرانسا تأخذ بوسنة والبانيا ويانيا وموره وتساليا ومقدونيا وتأخذ الروسيا الإفلاق والبغدان والبلغار والرومللي وتعطي الصرب للنمسا ولما شاع هذا الأمر أرسلت الدولة سفير إلى نابليون يدعى محب أفندي للمفاوضة معه واستطلاع نواياه نحوها.

موت السلطان سليم:

اعلم أن مصطفى باشا البيرقدار المتقدّم الذكر وإن كان أمياً إلاَّ أنه كان جريئاً جسوراً سليم العقل كريم الخلق ذا حمية ووطنية أظهر في حروب الروسيا الأخيرة من الشجاعة والإقدام ما جعله معدوداً من أعاظم الرجال وقد أنعم عليه السلطان برتبة الوزارة ووجه إليه ولاية سلسترة ولما كانت مقادير الرجال لاتقدّر قيمتها وقت الاختلالات والاضطرابات وكثيراً ما قاومهم الحساد وقع بينه وبين الصدر الأعظم جلبي مصطفى باشا نفور ثم تصالحا وعاد إلى روسجق ولما دعيا إلى استانبول امتنعا من مبايعة السلطان مصطفى وسعياً في إرجاع السلطان سليم إلى كرسيه ثانية لميلهما إلى سياسته ولما أحس السلطان مصطفى بذلك بعث أناساً فخنقوا السلطان سليم وأرسل آخرين لخنق أخيه الأمير محمود.

إلا أن مصطفى باشا البيرقدار تدارك الأمر وأرسل من طرفه أناساً أحضروا الأمير محمود عنده لحمايته من كل من يريد به شراً ونادوا في الحال بالسلطان سليم إلا أنهم لما علموا بموته أرسل مصطفى باشا في الحال جماعة من طرفه فقبضوا على السلطان مصطفى وخلعوه وأجلس السلطان محمود على كرسي السلطنة وسنه 24 سنة.

السلطان محمود الثاني ابن السلطان عبد الحميد1223-1255هـ:

صدارة البيرقدار وفتنة اليكجرية :

لما بويع السلطان محمود بالخلافة عين في الحال مصطفى باشا البيرقدار لمسند الوزارة وعرب زاده عارف أفندي للمشيخة الإسلامية ولما رأى ديوان الشورى أن بقاء السلطان مصطفى في قيد الحياة يكون سبباً للفتن والقلاقل التي أودت بالدولة إلى دركات الضعف أقروا على قتله فقتلوه خنقاً وكان ذلك على غير إرادة السلطان محمود ثم إن الصدر بحث عن جميع الأشخاص الذين لهم يد في قتل السلطان سليم وأعدمهم عن آخرهم ونفى شيخ الإسلام السابق عطاء الله أفندي ومن على شاكلته من قضاة العساكر.

ثم التفت إلى معانديه ونكل بهم فخلا له الجوّ وقبض على زمام السلطة وشكل الوزارة من رجال اشتهروا بالإخلاص والميل له ثم وجه همته لاستئصال المفاسد التي فشت بين طائفة اليكجرية وهو عمل من أصعب الأعمال وأشدها خطر لأنه كان السبب في فشل كثير من الوزراء قبله ولما عزم على ذلك عقد مجلساً حافلاً دعا إليه جميع الباشاوات والأعيان ولما كمل عددهم عرض عليهم ضرورة إصلاح فرق اليكجرية بشرط عدم ملاشاتها لأنهم صاروا إلى حالة سيئة من الاختلال والجهل بفنون الحرب.

وعرض لذلك عدة طرق من شأنها أن تعيد لهذا الجيش قوته السابقة ومهابته القديمة مستنداً في ذلك على ضرورة إنشاء جيش منظم يعادل جيش الأوروبا وبين ثم قال لم يعد عند أحد من التعظيم والتجلة لجيش اليكجرية المجيد قدر ما عندي له من ذلك وأنثى أفتخر بتبعيتي لهذا الجيش الذي إذا لم تلحقه عوامل التطرف المضرة ولم يغير النظامات التي سنها له حاجي بكتاش لصار لايقهر الآن كما كان في السابق وصارت الوظائف بدل أن تعطى حسب الاستحقاق والشجاعة صارت تباع وتشرى وأصبحت الثكنات مأوى للذين لامأوى ولا صناعة لهم أو للأنذال يفرون من الشغل.

وقد ساد الاختلال وعمت القبائح المخجلة جميع فرقهم ونسوا التمرينات التي حتمتها عليهم قوانين وأوامر السلطان سليمان وأن اليكجرية المستعملين في الحفظ والحراسة صاروا يبتذون أموال الرعية ونبذوا أمر الاشتغال بالمحافظة على الأمن ظهرياً وليست نتيجة ذلك إلا الجهل بالفنون العسكرية وعدم الانتظام حتى عدمت منفعة جيش كان مدة قرون الفخر للدولة والعز للملة بحيث كانت الدنيا تعد منه خوفاً.

وصار أعاظم العلماء والقضاة يدفعون أجور مخدوميهم من خزينة اليكجرية وكثيراً ما ترى عدّة جوامك ونفقات سرية تعطية لشخص واحدة لم تسبق له خدمة بين الجنود أصلاً أو لم يحمل السلاح للمدافعة عن الدين والدولة مطلقاً وقد أخذ ضباط اليكجرية يتعاملون معاملة مخجلة بيعاً وشراء في أوراق مرتبات الجنود بمساعدة بعض المرابين من اليهود بحيث أنهم يحرمون في الغالب بما يأخذونه من الربا لفاحش الجندي الغيور المحافظ على واجباته من المرتبات التي منحتها له الحكومة مكافأة لاتعابه وتأميناً لمعيشته وإن مولانا السلطان الذي يصرف همته ليعيد لهذه الدولة مجدها السابق وسطوتها القديمة يشعر أنه من المهم العودة للنظامات الحربية القديمة التي أعلت شأناً الدولة وقد كلفني بأن أبلغكم نواياه.

ثم عرض الوزير على الهيئة إجراء الأمور الآتية وهي :

أولا:ً إبادة عادة بيع الوظائف.

ثانياً : تكليف جميع اليكجرية الغير المتزوّجين بسكنى الثكنات.

ثالثاً : أن لا تدفع جامكية إلا لليكجرية الذين في الثكنات المؤدين للخدمة بالفعل.

رابعاً : أن يمنع بيع الجامكية مطلقاً إلا في أحوال خصوصية وإن من خالف ذلك يعاقب عقاباً شديداً.

خامساً : أن يضبط جدول المخصصات العمومي التي تدفع من خزينة اليكجرية.

سادساً : أن يجبر اليكجرية على إجراء التمرينات التي سنها السلطان سليمان وأن يكونوا خاضعين لنظام دقيق.

سابعاً : أن يؤمر في الحال باستعمال الأسلحة الجديدة والتعبية التي يستعملها الأوروباويون بين جميع الجنود العثمانية وهي أعمال إباحتها فتاوى المفتين.

ومع ذلك فإنه خوفاً من أن إلغاء هذه القبائح والاختلالات وإعادة النظام القديم مرة واحدة ربما أحدث عوائق مهمة أقر مولانا السلطان على أن ينتخب من بين اليكجرية الأقوياء ومن غيرهم من شبان المسلمين المقيدين في ديوان الجيش العدد الكافي لتنظيم فرقة لقتال الفرنج ويكون نظامها كنظام اليكجرية السابق ويكون لها في تمريناتها وترتيباتها في القتال وفي وجودها بالثكنات ما للجيوش الأوروباوية من النظام الذي جعله فن الحرب الحديث من الضروريات.

فأقر المجلس باتحاد الآراء على هذه الأفكار وصدّق عليها كتابة وأقرها شيخ الإسلام بلا صعوبة وخرجت بها الفتوى.

والحاصل أن الأحوال تمشت كما يحب البيرقدار ويشتهى.

استئناف الحرب بين الدولة والروسية :

وفي سنة 1225هـ-1810م خرجت الدوننما العثمانية إلى البحر الأسود وقبضت على سفينة روسية ولما وصلت إلى وارنة اضطر الجيش الروسي الذي كان يريد حصارها أن ينصرف عنها وبسبب ما كانت عليه أساطيل العثمانيين في ذلك الوقت من الاختلال والضعف كانت قرصان الروسية تتعرض لها في الطريق وتحاربها ثم عادت في فصل الخريف ولم تجر عملاً ما وفي سنة 1226هـ تعين قر محمد باشا قبودانا للدوننما وبموته تعين حسر ومحمد باشا وهو كرجي الأصل وخرج بالدوننما سنة 1227هـ إلى البحر الأسود وكانت العمارة الروسية تطوف حول شواطىء بلاد الكرج فبقيت الدوننما العثمانية تتردّد بين سواحل سينوب ومضيق البوسفور ولم تتعرض إحدى العمارتين للأخرى.

أعمال الجيش العثماني ومعاهدة بكرش 1227هـ:

كان القائد للجيوش العثمانية في هذا الحرب هو الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا تعين بعد وفاة البيرقدار مصطفى باشا فلم يمكنه منع العساكر الروسية من التقدّم فاستولوا على مدن إسماعيل وسلسترة وروسجق وجهات نيكوبولي وبزارجق وهزارغراد في سنتي 1225-1226هـ ولذلك اتهموا ضيا باشا بالتهاون فعزل وصودر ونفى إلى ديمتوقه ووجهت الصدارة إلى لاز أحمد باشا ولما قاد الجيوش الرومللي وكانت 65000 ألف مقاتل هاجم الروس 1227هـ وألزمهم القهقري وإخلاء روسجق بعد أن خربوها وأحرقوها وفي خلالها أرادت فرانسا التوسط في الصلح فرفض السلطان محمود مداخلتها لأنه غضب جداً من المعاهدة التي عقدها نابليون مع قيصر الروس إسكندر الأول في تلسيت.

وكان من بنودها المشاركة في تجزئة البلاد العثمانية كما تقدم واستمرت الدولة تحارب الروسيا على غير فائدة لهزيمة جيوشها وبينما كانت الحالة وخيمة العاقبة على الدولة من كل صوب إذ أتاها الله بالفرج فتعكر كأس السياسة بين نابليون الأول وبين دولة الروسيا لعدم قيامها بتنفيذ بعض شروط معاهدة تلسيت التي كان من مقتضاها أن الروسيا تعاكس وتمانع تجارة الإنجليز بغلق أبواب ثغورها عليها وإشهار عليها الحرب 1227هـ-1812م .

وسار بجيوش جرارة وقوة هائلة إلى بلاد الروسيا فالتزمت الروسيا عند ذلك أن تسحب أكثر جيوشها من الحدود العثمانية وسعت في مصالحة الدولة وعينت الدولة غالب أفندي كتخد الصدر الأعظم وغيره مندوبين عنها بعثتهم إلى مدينة بكرش أي بخارست وهناك عقدت المعاهدة المسماة بمعاهدة بكرش في 17 جمادى الثانية 1227هـ-1812م .

كانت موافقة جداً للدولة العثمانية بمقتضاها بقيت الإفلاق والبغدان تابعتين لها كما كانتا وكذا بلاد الصرب مع بعض امتيازات ولم تم الصلح وعادت الجيوش عادت العمارة العثمانية أيضاً إلى استانبول وقد اغتنم السلطان محمود الثاني فرصة الصلح وأخذ يهتم في تسكين الثورات القائمة بولايتي بغداد وأيدين وغيرهما وإتمام المشروعات الحسنة والتعليمات الجديدة التي كانت بدأ فيها السلطان سليم خان الثالث وأوقفه عن إتمامها ثورة اليكجرية وحرب الروسيا.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:05 AM
حادثة ساقز:

إنه في يوم الثلاثاء 28 رمضان من سنة 1237هـ-1822 بينما كانت الدوننما العثمانية التي تحت قيادة نصوح زاده علي باشا راسية أمام جزيرة ساقز حضرت سفينة حربية رافعة راية نمساوية ورست بعيداً عن الدوننما ونزل قبودانها لزيارة القبودان باشا كالأصول البحرية فقابله في سفينته وفي أثناء محادثتهما معاً أخبر قبودان السفينة النمساوية القبودان باشا بعزمه على القيام غداً وبعد خروجه حضر بين يدي القبودان باشا التلامذة المهندسون الذين بسفينته وقالوا له أنهم مشتبهون في شكل وهيئة هذه السفينة النمساوية ويلتمسون أنه يأمر بكشف حقيقتها حسب أصول البحر وقواعده خصوصاً في أزمنة الحروب هذه فلم يلتفت لقولهم ولم يهتم به أصلاً.

وعند غروب ذلك اليوم أقلعت السفينة المذكورة بسرعة فوقع الشك عند جميع ضباط العمارة العثمانية لأن ربانها خالف بذلك ما قاله للقبودان باشا من قيامه في صباح اليوم التالي ولذلك قابلوا القبودان باشا وطلبوا منه الأمر باستعداد العمارة للمدافعة ليكونوا في أمن مما عساه أن يحدث من مكايد الأشقياء فقال لهم أنكم رجال خوافون لأن العدوّ إذا كان ناراً فلا يحرق إلا على قدره فسكتوا عند ذلك وتحققوا أن تلك السفينة لم تكن إلا يونانية محضة أتت لاختبار حالة العثمانيين ومعرفة موقع سفينة القبودان باشا وموقع بقية سفن الدوننما أثناء وقوفها ولما تم لها ذلك أقلعت كما تقدم ولقد تأثر قبودانات الدوننما العثمانية من غفلة القبودان باشا وعدم تبصره في العواقب وسرت هذه الغفلة إليهم هم أيضاً فلم يهتموا حسب الواجب عليهم في التيقظ والانتباه لما عساه يحدث من المكايد بل ألقوا أجسادهم على مهاد الدعة والسكون.

ولما كانت الساعة السادسة ليلاً لم يشعروا إلا وحراقات اليونان التصقت بالدوننما العثمانية وألقت النار بغليون القبودان باشا وحل الخوف والذهول بباقي قبودانات السفن حتى إنها لم تبد أقل حركة لإنقاذ سفينة القبودان من الهلاك ثم سرت النار منها إلى سفينة أخرى كانت تحت ريح الأولى وعند ذلك نشرت بقية السفائن أشرعتها وابتعدت عن السفينتين الملتهبتين.

ولما يئس القبودان باشا مع ما بذله من المجهود نزل في زورق يريد النجاة إلا أن النيران كانت وصلت إلى مخزن بارود السفينة فتفرقعت وطارت في الهواء قطعاً ووقعت قطعة ملتهبة منها على زورق القبودان فأغرقته بمن فيه وهكذا ذهب القبودان فريسة جهله وعناده وقد وجدت جثته طافية على الماء فاستخرجت ودفنت بجزيرة ساقز.

وكان هذا نهاية هذه الحادثة الني نتجت من عدم التبصر والتدبر في الأمور وخسرت الدوننما غليوناً من الغلايين المهمة وبعد موت القبودان باشا خلفه في مسند القبودانية العامة مختار بك بأمر من وحيد باشا لحين صدور أمر من الدولة ثم تعين قره محمد باشا وكان سر عسكراً على الجيش الموجود بالسفن المتجولة بجهات بالوباردة وتعيين مختار بك قبوداناً للسفن المصرية وسفن وجاقات الغرب وأمر بالذهاب إلى جزيرة كريد بعد أن يرافق العمارة العثمانية إلى مياه بالو باردة ويسلمها إلى القبودان باشا ليضمها إلى السفن الموجودة تحت إدارته ولما تعين قره محمد باشا لمسند القبودانية العامة لم يلتفت إلى الجهات الواقع فيها العصيان ولم يهتم بأحوالها ولم يمد أيضاً قلعة أنابولي بالمدد الذي يحفظها بل تركها هي والسواحل في أشد الحصار ورجع بالدوننما إلى بوغاز الدردنيل فعزل لنذالته وعدم كفاءته 1238هـ وتعين مكانه محمد خسرو بابا والي طرابزون.

مشارطة أفكرمان ربيع الأوّل 1242هـ:

لما عقدت الروسيا مع الدولة معاهدة بكرش السابقة كانت الظروف اضطرت الروسيا إلى سرعة الاقرار عليها النقل جيوشها من حدود الدولة إلى حدودها الغربية ولذا كانت بعض أحكام المعاهدة المذكورة تحتاج إلى التفسير والإيضاح ولما مات اسكندر قيصر الروس وصعد مكانه نيقولا الأوّل ورأى أن الدولة مشتغلة بمسائل اليونان وغيرها انتهز فرصة ذلك لنوال مرغوبه سافر من الآستانة.

ولما كانت الدولة وقتئذ مشتغلة بثورة اليونان من جهة وبمحو أوجاق اليكجرية من الأخرى خشيت حدوث ارتباكات مع الروسيا فقبلت المخابرة معها التفسير ما انبهم معناه من بنود المعاهدة المذكورة وعينت من قبلها مرخصين وهما هادي أفندي محاسبجي الأناضول وإبراهيم عفت أفندي من الموالي وأرسلتهما إلى آفكرمان وهناك تقابلا مع مندوبي الروسيا وبعد مذاكرات طويلة أقروا على توسيع بنود المعاهدة المختصة بحدود الأناضول وبامتيازات المملكتين والصرب على أن يجوز تنصيب أميريهما من أعاظم أهاليهما لمدة سبع سنوات ومتى عزلا أو نصبا كان للروسيا حق المشاركة في الرأي وعليهما دفع الخراج المضروب للدولة وأنه ليس للروسيا حق المداخلة في أمر سكنى الأهالي الإسلامية في القلاع ولا في إدارة داخلية الايالات المذكورة 1826هـ وأن يكون لروسيا حرية الملاحة في البحر الأسود.

إبادة أوجاق اليكجرية وتنظيم العسكرية :

لما تيقن السلطان أن السبب الوحيد في انحطاط الدولة هو أجوقات اليكجرية لتمردهم وطغيانهم وعتوهم وتجبرهم وممانعتهم لكل أمر جديد يعود على الدولة بالاصلاح والتحسين كما مر بك بعضه شرع في سنة 1241هـ في تعليم عساكر جديدة على القاعدة الحديثة الأوروباوية وأخذ من ذلك اليوم يفكر في تدمير اليكجرية وإبادة أوجاقهم ولذلك أصدر منشوراً سلطانياً يتضمن القدح في أعمالهم عدّد فيه ما ارتكبوه من الفظائع وقتلهم لبعض السلاطين ظلماً وطغياناً فلما بلغ اليكجرية ذلك هاجوا وماجوا وتمردوا وهجموا على بيت الصدر سليم باشا وبعض الوزراء وأخذوا ينادون في الشوارع بجواز قتل العلماء ورجال الدولة وكل من له يد في وضع النظام الجديد وأخذوا يقتلون كل من صادفوه وينهبون ويحرقون.

وقد تمكن الصدر من الفرار والتجأ إلى السلطان وعرض عليه الكيفية فأمر بجمع طوبجية العسكر الجديد وإرسالهم على اليكجرية وأن يدعو الناس للاجتماع أمام السراي فاجتمع خلق كثير من علماء وقواد وضباط وأعيان وغيرهم وخرج السلطان إليهم وأخذ يخطب فيهم محرضاً مثيراً نخوتهم فأقسم الجميع على القيام بتنفيذ أوامره ثم أخرج البيرق الشريف فاجتمع حوله خلق لا يحصون عدداً ووزع عليهم الأسلحة وسلم البيرق لشيخ الإسلام قاضي زاده طاهر أفندي وكان السلطان همّ بالمسير بنفسه لولا ممانعة الوزراء له في ذلك وكانت اليكجرية تجمعت للمقاومة ثم سار الصدر الأعظم سليم باشا أمام تلك الجموع التي كانت تزيد عن 60000 نفس وهاجموا اليكجرية مكبرين وأطلقوا عليهم البنادق والمدافع فقتلوا منهم عدداً كثيراً وهرب الباقي وتحصنوا في ثكناتهم فحاصرهم الصدر وأشعل النار فيها فاحترق منهم أيضاً خلق كثير وتشتت الباقي في كل صوب وأصدر السلطان الأوامر إلى جميع الجهات بقتل كل من وجد منهم فقتلوا منهم عدداً كثيراً أيضاً وارتاحت الدولة من شرورهم.

ولما كانت طائفة البكتاشية تتحزب إلى أولئك الجنود وكان غالبهم من أتباع هذه الطائفة أصدر السلطان أمره بهدم تكاياهم التي كانت منابع لأشنع المحرّمات والقبائح وأخذ الموكلون بذلك يطاردونهم حتى أبادوهم تقريباً قتلاً وتشريداً فتفرقوا في الجهات الأخرى وهدموا لهم أشهر تكاياهم ولما كان السلطان محمود يرغب رغبة شديدة في إدخال ما يوافق من النظامات الأوروباوية غير ملبوسه وتزيا بزي العسكر الجديد وأبدل العمامة بالطربوش فكان أول من فعل ذلك من سلاطين آل عثمان.

محاربة الروسيا ومعاهدة ادرنة 1245هـ:

لما كانت المناسبات السياسية بين الدولة والروسيا تزداد تعقيداً من يوم إلى يوم خصوصاً من بعد واقعة ناوارين لتعصبها لليونان تعصباً شديداً ارتبكت الأحوال بينهما ارتباكاً شديداً بحيث لم يمض يوم 11شوّال سنة 1243هـ-1828م حتى أعلنت الروسيا الحرب على العثمانيين انتصار لأهالي موره وسيرت جيوشها إلى شواطىء نهر الطونة وبلاد الأناضول فاضطّرت الدولة العثمانية مع ما هي عليه أن تسوق جنودها أيضاً لمصادمة عدوّتها تحت قيادة سليم باشا الصدر الأعظم ثم حصل بين الجيشين حروب شديدا استظهرت فيها جيوش الروسيا حتى التزمت الجيوش العثمانية أن ترجع القهقرى.

واستولى الروس على وارنة بخيانة قائد الجنود بها وهو يوسف باشا ومع ذلك فقد تمكن القبودان باشا الذي كان راسياً بمينا تلك المدينة من استرداد قلعتها بعد خروج العسكر منها ولم يكن معه إلا ثلاثمائة من الشجعان فقط ولما علم القيصر بهذه الشجاعة الغريبة منح الفاتحين حرية الذهاب وفي أثناء خروجهم أدّت إليهم العساكر الروسية التعظيمات الواجبة تلقاء ما أظهروه من الشجاعة أما يوسف باشا فقد حكم عليه الباب العالي بالإعدام جزاء خيانته.

ومع ذلك فإن هذا النذل ذهب إلى بلاد الروسيا وتمتع بالأموال التي نالها من الروس واتهم الباب العالي الصدر الأعظم بالإهمال وعدم الاهتمام قصداً فلذلك عزله السلطان محمود وأمر بنفيه ووجهت مسند الصدارة إلى عزت محمد باشا وساقت الدولة جنوداً أخرى إلى جبال البلقان فتحوّل الروس عن محاصرة شوملة قهراً عنهم وكانوا قد استولوا على سليسترة هذا بالرومللي أما بالأناضول فكان الروس يتقدمون بلا مقاومة تذكروا واستولوا على قلاع قارص وبايزيد وطبراق قلعة وارضروم وأسروا القائد صالح باشا وتقدم جيش روسي في الروم ايلي يبلغ عدده ألف مقاتل وحاصر قلعة ادرنة ثم استولى عليها وكان بها من الحامية نحو عشرة آلاف وكان القيصر هو القائد العام للجيوش الروسية وقد جعل مقامه بمدينة بازارجق.

ولما رأت دولة النمسا أن انتصار الروس مضر بسياستها عرضت على فرانسا وانكلترة المداخلة لحسم الحرب فقبلت انكلترة ذلك أما شارل العاشر ملك فرانسا فإنه عارض معارضة شديدة في المداخلة بين المتحاربين وذلك لأن عائلة البوربون كانت تريدأن تخرج الانكليز من البحر الأبيض المتوسط وتستولي على جميع الساحل الأيسر من نهر الرين ولكي تصل إلى مرغوبها هذا أظهرت الميل والمساعدة للروسيا ولم تمانعها في حرية سيرها نحو الآستانة.

وفي أثناء هذه الوقائع البرية والهزيمات التي لحقت بالعساكر العثمانية لم يحصل من العمارة التي بقيت للعثمانيين أقل حركة حربية للنقص الذي حصل بها من واقعة ناوارين السابق ذكرها ولهذا خلا الجوّ للعمارة الروسية التي كانت تتركب من 16 غليوناً وكثير من الفراقيط وأخذت تتجوّل في البحر الأسود بلا رقيب ولا معارض حتى حاصرت وارنة بحراً وساعدت جيوش دولتها على الأعمال الحربية ثم شرعت في نقل الذخائر والمعدّات إلى الجيش الروسي الذي تجاوز جبال البلقان والتحقت به بمينا بورغاز الواقعة بين وارنة وبوغاز البوسفور على سواحل الروم إيلي وكانت هذه المساعدات التي حصلت من الدوننما الروسية لجيوشها في تلك الوقائع سبباً لكبير السرعة وحركات جيش الروسيا وتقدمها نحو دار الخلافة العثمانية.

ثم لما تحقق السلطان عدم اقتدار الصدر الأعظم عزت محمد باشا عزله في رجب سنة 1244هـ ووجه مسند الصدارة إلى رشيد محمد باشا الذي اشتهر في محاربات موره وفي خلال ذلك كان الجنرال باسكيه ويج (Paskievitch) قومندان جيش القوقاز يتقدّم على أرضروم ولما تحققت الدولة أن غالب باشا والي أرضروم وسر عسكر الشرق لا يمكنه المدافعة ولا صد الروس لضعف قوّته مالت لعقد الصلح وعزلت باشا المذكور وولت مكانه كيتلى صالح باشا.

ولما كانت الدولة لا تتمكن وهي في هذه الحالة من إمداد جنودها الذين ببلاد اليونان تغلب الثوار عليهم بما وصل إليهم من الامدادات الأوروباوية بين رجال وأموال وذخائر فاستردّوا جميع المدن التي احتلتها الجنود العثمانية.

والحاصل أنه لما اشتد الأمر على رجال الدولة والسلطان محمود اضطربت الأحوال اضطراباً كثيراً واختلت أمور الدولة جدّاً وساد الضعف والفساد وخيف على دار الخلافة من الروس إلا أن السلطان محمود أظهر الثبات وقوّة الجنان في وسط تلك الأخطار المحدقة به وبدولته ثم تداخلت بعد ذلك دول أوروبا في الصلح فقبله الطرفان وعقدت بينهما معاهدة أدرنة في 25 ربيع الثاني سنة 1245هـ-1829م وكانت شروط المعاهدة تشتمل على ما يأتي وهي

أن يبقى نهر بروت حداً فاصلاً للدولتين بأوروبا.

وأن تستولي الروسيا على مصبات الطونة.

وأن يكون لها حرية الملاحة في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط وتستولي على بوتي وعلى الجزء الأعلى من مصب نهر خور بآسيا وكان هذا الشرط الأخير يفصل الدولة العثمانية عن الأمم الحربية الساكنة ببلاد القوقاز ويسبب خضوعهم إلى الروسيا.

وأن تبقى امتيازات المملكتين وتتأكد وينتخب حكامها مدة حياتهم ولا يمكن عزلهم إلا في أحوال مخصوصة وبمرضاة الروسيا.

وأن يمنع جميع المسلمين من سكنى المملكتين وقد أعطيت لهم مهلة قدرها ثمانية عشر شهراً ليتمكنوا من بيع أملاكهم أما بلاد الصرب فإنها تبقى على ما عينته معاهدة قرمان.

وأن يدفع الباب العالي تعويضاً حربياً قدره 125,000,000من الفرنكات في مدة عشر سنوات ويدفع أيضا 16,000,000ً لتجار الروس على ما أصابهم من الخسائر مدة الحرب.

وأن تخرج الجنود الروسية من أدرنة بعد أن تدفع الدولة القسط الأوّل.

وأن تذهب خلف جبال البلقان بعد دفع القسط الثاني وتعبر نهر الطونة بعد دفع القسط الثالث.

وأن تحتل الروسيا بلاد المملكتين احتلالاً عسكرياً حتى تدفع الدولة جميع ما بقي من الأقساط السنوية.

وأن يصدّق السلطان على معاهدة لوندرة وعلى البروتوكول الذي حرّره الدول الثلاثة أعني انكلترة والروسيا وفرانسا وبعد ذلك بعدّة شهور أي في سنة 1830م اعترف الباب العالي باستقلال اليونان استقلالاً تاماً وأقرّ على الحدود التي عينتها الدول وكانت هذه المملكة الحديثة تشتمل في أوّل تشكيلها على جزائر سيكلادة ونغربونت وموره وفي القارة كانت تحدّ بخط وهمي يمتد من خليج أرطة إلى خليج فولو وهو الفاصل لها في أراضي الدولة وهذا الحد الغير المعقول الذي سبب فيما بعد عدة منازعات ومخاصمات قوية كان السبب في تحديده بهذه الصفة انكلترة والنمسا قصدا لايجاد النفور المستمر بين الدولة والروسيا.

أوجاقات الغرب واستيلاء الفرنسيس على الجزائر :

قد سبق ذكر الحالة التي كانت عليها أوجاقات الغرب مفصلاً في أخبار الجزائر وتونس وطرابلس وما كانت تفعله سفنهم من أعمال التلصص في البحر المتوسط الأبيض وغزوها لسفن تجاردول أوروبا وسطواتها المتكررة على سواحل ايطاليا واسبانيا وجزائر صقلية وسردينيا والحروب التي وقعت بينها وبين كثير من أساطيل الدول الأجنبية إلى أن آل الأمر لاستيلاء فرانسا على جزائر الغرب 1247هـ-1830م مدّة ولاية الداي حسين باشا لجهله وظلمه وعتوّه.

وكانت أوروبا تقدمت في ذلك الزمن باختراعاتها الحربية والصناعية أما الأحوال الحربية والبحرية في الأوجاقات المذكورة فكانت لا تزال على حالتها القديمة متأخرة ارتكاناً على شجاعة ومهارة رجالها ولهذا التزمت الدولة أن تتبع وقتئذ طريق المسالمة عند مهاجمة الفرانساويين لبلاد الجزائر إحدى ممالكها المكوّنة لدولتها ولخروجها من غوائل حروب موره والروسيا ومسألة اليكجرية مكسورة الجناحين واكتفت بإرسال القبودان جنكل أوغلى طاهر باشا بأسطول إلى تونس للتوسط بين والي الجزائر المذكور وبين الفرنسيس ولكن صادفته جملة عراقيل في مأموريته منعته من حل المسألة فعاد خائباً كما تقدّم ذكر ذلك.

أحوال بلاد العراق وأوجاق الكولمن :

اعلم أنه في مدة صدارة النوشهري إبراهيم باشا الداماد كان حدث حرب بين الدولة والعجم اشتهر فيه والي بغداد وسر عسكر الشرق حسين باشا بما أظهره من البسالة وما حازه من النصر ولهذا أبقته الدولة والياً ببغداد مدة حياته وتولاها من بعده ولده أحمد باشا مدة عشرين سنة وفي زمن ولايتهما أسسوا بها وجاق الكولمن وأصلهم جنود محكمون عند الواليين المذكورين واستمر هذا الأوجاق في العراق مدة مائة سنة تقريباً وكان رجاله يقاومون كل وال يظهر الطاعة للدولة حتى انحصرت أمورايالة بغداد في أعقاب أحمد باشا المذكور إلى سنة 1226هـ .

ولما كان أحدهم المدعو سليمان باشا والياً أرسلت الدولة حالت أفندي المشهور بالنشانجي لاستلام باقي ويتركوا الولاية المذكورة فتوقف الوالي والتزم حالت أفندي أن يعود إلى الموصل ثم استصحب معه والي الموصل وجيشه وعاد لمحاربة سليمان باشا وما زال ينازله حتى قتله وعيّن على بغداد أحد مماليك الوالي المذمور ويدعى داود أفندي بعد أن تعهد بالطاعة وتسديد الأموال في أوقاتها وأنعم السلطان عليه بالوزارة وكان داود باشا هذا فاضلاً من أصحاب اللياقة والاقتدار حتى أنه لما قامت الحروب بين الدولة وإيران سنة 1239هـ .

واستظهرت جيوش ايران على جنود الدولة التي كانت تحت قيادة سر عسكر الشرق جبار زادة جلال الدين باشا وانهزم معه داود باشا المذكور بذل المساعي حتى عادت العلاقات بين الدولة وإيران إلى ما كانت عليه من الصفاء وفي أثناء اشتغال الدولة بحروب اليونان والروسيا عينت أحد رجالها المدعو صادق أفندي بمأمورية إلى بغداد لإبلاغ مخصصاتها إلى 12000 كيس لاحتياج الدولة إلى النقود إذ ذاك إلا أن هذا المأمور لم يحسن القول والفعل فإنه قبل أن يقف على أحوال تلك البلاد طلب عزل داود باشا ولما علم الوالي بذلك غضب وأهان المأمور المذكور ثم قتله فالتزمت الدولة أن تجرّد عليه وعينت لاز على باشا والي حلب بجيش للقبض على داود باشا فقام هذا الوالي بما عهد إليه وحاصر بغداد تسعين يوماً إلى أن فتحها وقبض على داود باشا المذكور وأرسله مكبلاً إلى الآستانة ومحا أوجاق الكولمن بالكلية ثم أن السلطان عفا عن داود باشا لما له من الأعمال المشكورة سابقاً وتولى بعد ذلك بعض المناصب وتوفي وهو بوظيفة شيخ للحرم النبوي الشريف.

الحوادث المصرية :

سبق لك ذكر الأحوال التي ساعدت المرحوم محمد علي باشا على نوال ولاية مصر ونقول الآن أن هذا الشهم النابغة بمجرد قبضه على زمام الحكومة واستتباب الأمر إليه أخذ في تنظيم الأحوال وإزالة نفوذ الكولمن إلى أن أبادهم تماماً سنة 1226هـ وقد ساعد الدولة مساعدة تذكر فتشكر في حرب اليونان وبذل المجهود في اتقان الزراعة والري بما فتحه من الجداول والترع خصوصاً ترعة المحمودية التي أوصلها الثغر الاسكندرية وشيد المباني والمعامل وفتح كثيراً من المدارس المختلفة لتعليم شبان القطر المصري العلوم والصنائع ووسع نطاق التجارة فنمت الإيرادات التي كانت لا تتجاوز كيس 2000 في مبدأ حكمه حتى بلغت في أواخر مدته 400,000 كيس وزاد الويركو الذي يدفع للدولة وأبلغه 12000 كيس وتمكن بزيادة الإيرادات من تنظيم قوّة عسكرية جسيمة على النسق الأوروبي بلغت المائة ألف وأنشأ عمارة بحرية قوية .

ولما رأى المرحوم محمد علي باشا في نفسه قوّة واقتداراً وعلم ضعف الدولة وارتباك حالتها عقب حرب الروسيا واليونان ومقاومة حزب عظيم من الأهالي للسلطان فيما يدخله من الاصلاحات زين له أهل الفساد الذين لا تروج بضاعتهم إلا زمن المفاسد والاضطرابات أن يطمح بأنظاره إلى الاستيلاء على ولايات الشام وحلب من يد دولة طالما هم بمساعدتها وناضل عن تاجها وسلطانها والسبب الذي استحل به محمد علي باشا سوق جيوشه على الشام فرار أحد مماليكه وبعض أهالي مصر والتجائهم إلى والي عكا عبد الله باشا وامتناع هذا من تسليمه إليه وكان هذا الوالي أظهر قبل ذلك العصيان على الدولة ولما أرادت الدولة تأديبه توسط محمد علي باشا له فعفا السلطان عنه.

في سنة 1247هـ-1831م سارت جيوش محمد علي باشا والبحرية تحت قيادة ولده الأكبر إبراهيم باشا ففتح في طريقه غزة ويافا وحيفا ثم حاصر عكا وافتتحها لينتقم من عبد الله باشا على ما فعل معه ولما علمت الدولة بتقدّم جيوش مصر أرسلت إلى محمد علي باشا تأمره بالكف عن أفعاله وإخراج عساكره من القطر الشامي وله بعد ذلك أن يرفع شكواه إلى الباب العالي ليحكم بينه وبين خصمه وأمر السلطان بأن ينصحوه ليطيع الأمر ولما لم يقبل ذلك جمع السلطان مجلساً مؤلفاً من مشاهير العلماء والمدرسين وعرض عليهم ما حصل من محمد علي باشا فأفتوه جميعاً والفتوى على قدر السؤال بخروج محمد علي باشا عن طاعة السلطان فأرسلت الدولة عليه والى أدرنة حسين باشا ومعه ثلاثون ألف عسكري ولما وصل إلى الشام وتلاقى مع الجنود المصرية بين حلب وحمص انهزم بعد أن قتل من جيشه قدر عظيم محرم 1248هـ .

ثم دعت الدولة الصدر الأعظم رشيد محمد باشا وهو من أعظم القواد وأمهرهم وكان ببلاد الأرنؤد ينظم أحوالها عقب انفصال اليونان عن الدولة وأرسلته بجيش لصد إبراهيم باشا الذي كان عبر جبال ايج ايل ونزل بصحراء قونية وبعد حروب طويلة استظهر فيها الصدر على عساكر مصر أسر وهزم وجيشه في يوم ماطر كثير السحاب والضباب لأنه بينما كان يعبي جيشه للقتال دخل بين صفوف الخيالة المصرية ظناً منه بأنهم عساكره فأسروه وبانتشار خبر ذلك بين الجيش السلطاني اختل نظامه وهجمت عليه عساكر مصر فهزمته 28 رجب 1248هـ .

وبعد واقعة قونية هذه تقدم إبراهيم باشا إلى كوتاهية حيث لا قوة تعارضه وعند ذلك اكتسبت المسألة أهمية عظيمة ولما انتصر إبراهيم باشا في واقعة قونية المذكورة وهم بتوجيه عنان عزيمته نحو مدينة بروسة خابر السلطان محمود قيصر الروسيا نيقولا الأول الذي كان يسعى من زمن طويل بواسطة سفيره في الآستانة في التوسط بين المتحاربين وطلب منه المساعدة فأرسل أسطولاً وجيشاً يبلغ عدده 15000 مقاتل معاونة للدولة ونزلت هذه القوة بالمكان المدعو هنكارا سكله سي داخل البوغاز وعقدت هناك بين الطرفين معاهدة دفاعية وهجومية لمدة ثمان سنوات 1249هـ-1833م .

ومن مقتضاها أن امبراطور الروسيا تعهد بمساعدة الدولة في كل الأحوال والأعمال وأن يتعهد السلطان محمود في مقابلة ذلك بأن يصرح عند الاقتضاء للدوننما الروسيا أن تمر من البحر الأسود إلى البحر الأبيض وبسد بوغاز البحر الأبيض المتوسط أمام جميع سفن الدول الأخرى الحربية وبهذه المعاهدة أخذت المسألة شكلاً سياسياً آخر في عواصم أوروبا كانت سبباً لاهتمام اللورد بالمرستون رئيس وزراء انكلترة والبرنس مترنيخ رئيس وزراء النمسا وأخذا يتخابران مع فرانسا وبروسيا وبتداخلهما أوقفوا إبراهيم باشا عن التقدم واضطر والمرحوم محمد علي باشاعلى عقد الصلح والانصياع لأمر الدولة كل ذلك ليس حباً في الدولة ولا في مصر بل لأطماعهم السياسية ومقاصدهم الخصوصية ولكن مع عقد الصلح في الظاهر لا زال الطرفان يستعدان ويتربصان لبعضهما فكان محمد علي باشا يرى أن لا حق لدول أوروبا في هذا التطفل الذي سيرده عن غنيمته مع ما ناله من الاستظهار وكانت الدولة ترى في انتصار أحد ولاتها عليها إهانة ماسة جداً بكرامتها ومجدها وربما كان سبباً في أن يجترىء عليها غيره من الولاة ويشق عصا طاعتها مع ما يكون لدول أوروبا عليها بعد ذلك من الأيادي إذ كانت سبب نجاتها خصوصاً دولة الروسيا عدوّتها القديمة ولذلك أخذ إبراهيم باشا يحصن مضيق كولك الواقع بين قونية واطنة اذنة ووالده في مصر يهتم في إنشاء السفن لزيادة قوته البحرية والإكثار من العساكر النظامية لتقوية جيوشه البرية واهتمت الدولة بالمسألة أكثر من ذي قبل فأعادت رؤف باشا لمسند الصدارة بعد وقوع رشيد محمد باشا أسيراً.

ولما عاد رشيد باشا المذكور إلى الآستانة 1250هـ عينته والياً لسيواس وفوضت له إدارة ديار بكر وخربوط ورتبت له جيشاً ادعت أنها تقصد بواسطته إصلاح أحوال بلاد كردستان وغير ذلك من الأعمال 1252هـ ولما مات رشيد باشا قبل أن يأتي بهذا الجيش عملاً عينت الدولة مكانه فريق كوتاهيه جركس حافظ محمد باشا ثم اهتمت مع ما هي فيه من الضعف ذلك الوقت بإكمال الأوردي الهمايوني وكان في جيش حافظ باشا وقتئذ الضابط البروسياني مولتك الشهير وكان أشار على حافظ باشا برأي في القتال إلا أن حافظ باشا لم يحفل به لغروره بنفسه ثم تقدّم بالجيش السلطاني لصد إبراهيم باشا وعبر نهر الفرات حتى قابله بجوار حلب في نزيب نصيبين ولسوء تدبيره وقلة خبرته انهزم هو أيضا 1255هـً .

فكان ذلك سبباً لأن يحتل إبراهيم باشا جملة بلاد أخرى قبل أن تصل أخبار هذه الهزيمة إلى استانبول.

وفاته:

اتفق موت السلطان محمود وكان اعتراه قبل ذلك بخمسة شهور انحراف في صحته وأشار عليه الأطباء بتبديل الهواء فنقل إلى مصيف شقيقة أسما سلطان الواقع في جامليجة من ضواحي استانبول وكانت وفاته19 في 1255هـ ربيع الآخر سنة وعمره لا يتجاوز السادسة والخمسين.

وكان السلطان محمود رحمه الله من أعقل سلاطين آل عثمان كثير الاهتمام جداً بما يعود على الدولة بالمنافع والقوة عارفاً بالأمور جسوراً فعالاً لا يرجع عن نواياه إلا إذا أخرجها من القوة إلى الفعل تمكن من إخماد فتنة البانيا التي أشعل نارها تبه دلنلي علي باشا وفتنة عائلة القره مانلي بطرابلس الغرب وغيرها من الثورات. واهتم بوضع النظام العسكري الجديد.

ومن أعظم أعماله إزالة أوجاق اليكجرية الأمر الذي سعى فيه قبله السلطان سليم خان الثالث وغيره وأدخل كثيراً من الإصلاحات في كافة الولايات العثمانية وكان له الوقوف التام على أحوال الدولة وما تحتاجه من الإصلاح ولم تخل سنة من سني حكمه من الاضطرابات والاختلالات ومع ذلك فقد تغلب عليها جميعاً بما أوتيه من علو الإدراك وهو الذي أزال امتياز الأعيان دره بكلر الذين كانوا على نوع من الاستقلال لا يعترفون للدولة بالتابعية إلا ظاهراً هذا إن أرادوا وبذلك جعل البلاد التي كان يحكمها هؤلاء الأعيان مرتبطة ارتباطاً متيناً مع دار السلطنة.

السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان الثاني 1255-1277هـ:

التنظيمات الخيرية :

جلس هذا السلطان على تخت أجداده العظام وسنه 18سنة وكانت الأحوال في ارتباك كما علمت وبمجرد جلوسه وجد مسند الصدارة إلى رئيس مجلس الأحكام العدلية خسرو باشا العدوّ الألد لمحمد علي باشا والسر عسكرية للداماد خليل باشا وهو من مماليك خسرو باشا وفي اليوم الثاني من جلوسه وصل خبر واقعة نزيب وانكسار الجنود العثمانية وبعد عشرة أيام وصل خبر تسليم القبودان فراري أحمد باشا الدوننما العثمانية لمحمد علي باشا في الاسكندرية ولكن هذه الأخبار على خطارتها لم تؤثر في السلطان لأنه كان جسوراً مقداماً سيما وأنه لوأظهر كدراً بما أضر ذلك بالحالة أكثر مما هي عليه ولما عاد ناظر الخارجية مصطفى رشيد باشا من المأمورية التي كان أرسل لها منذ سنتين بأوروبا وأطلع السلطان على رأي دولها بخصوص مصر أصدر فرمانا بالتنظيمات الخيرية التي كان عزم والده على إجرائها في سنة 1254هـ فكان ذلك من أكبر الأسباب لترقي وتقدم البلاد العثمانية على الطريقة التي كانت جارية وقتئذ في عموم أوروبا.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:07 AM
المسألة المصرية وحلها :

اعلم أن معاهدة هنكارا سكله سي التي تقربت بها الروسيا من الدولة العلية كانت الباعث لانتباه رجال السياسة في أوروبا حتى جعلوا المسألة المصرية كمسألة أوروباوية ولذا أخذت الدول تتذاكر فيها ملياً وكانت فرانسا وحدها تميل لمساعدة مصر حتى تسبب عن ذلك تغيير وزارة كيزو وتييرس وبسبب ذلك ضعفت سياسة لويس فيليب ملك فرانسا في المسائل الخارجية وبعد مذاكرات طويلة بين دول أوروبا عقدت انكلترة وأوستوريا وبروسيا والروسيا اتفاقية مع السلطنة العثمانية بخصوص مصر كما سيأتي وكان توجيه مسند الصدارة العظمى إلى خسرو باشا الكبير لا يرجى منه تسوية المسألة المصرية على ما يوافق صالح الدولة لعداوته الكبرى لمحمد علي باشا كما علمت.

ولما أصدر السلطان عند جلوسه فرمانا إلى محمد علي باشا وإلى الديار المصرية بالعفو قابل حامل هذا الفرمان المسمى عاكف أفندي أحد كتاب الباب العالي في أثناء ذهابه مع القبودان فراري أحمد باشا وأخبره بما حصل من التبديل في الوزارة وبصدور فرمان سلطاني بالعفو عن محمد علي باشا وعدم احتياج الحالة لأعمال الدوننما التي يلزم أن لا تبارح القلعة السلطانية ولذا كلفه بالعود بها إلى الآستانة فخاف أحمد فوزي باشا من التبديلات الوزارية ودار بخلده أن تنصيب خسرو باشا لمسند الصدارة مضرّ به شخصياً لما بينهما من العداوة الشديدة فافتكر أن نجاته هي أن يتحد مع محمد علي باشا ويسلمه الدوننما ثم أرسل أحد ضباطه بسفينة إلى استانبول لينوب عنه في تقديم واجب تبريك الجلوس السلطاني ليبعد عنه بذلك المظان.

ثم إنه بعد أن حبس مصطفى باشا الفريق في سفينة أقلع بالدوننما إلى ثغر الاسكندرية وبوصوله سلمها إلى محمد علي باشا وذلك في 25 جمادى الأولى سنة 1255هـ- 8 يوليو1839م وكانت الدوننما المذكورة تتركب من تسعة غلايين كبيرة و 11 فرقاطة و5 قرويتات عدد رجالها 16107 من الملاحين هذا خلاف ألايين من العساكر عدد 5000 رجالهما فيكون الجميع 21107 من الجنود وبذلك دخلت المسألة المصرية مع الدول في شكل جديد أكثر تعقيداً مما كانت ولهذا عزل خسرو باشا من الصدارة ووجهت إلى رؤف باشا ثانية .

واتفقت انكلترة والروسيا وأوستريا وبروسيا على حل المسألة المصرية حلاً نهائياً وعقدوا لذلك مؤتمراً بالآستانة تحت رياسة الصدر الأعظم 27 يوليو سنة 1839م وكانت فرانسا تظهر الميل والمساعدة لمحمد علي باشا وترغب إطلاق السراح له وعدم تقييده بشيء وسعي مسيو كيز ورئيس وزرائها لدى الدول ليحملها على عدم تداخلها لأن مسألة مصر يمكن انهاؤها بين التابع ومتبوعه مباشرة وكان يقصد بذلك أن يكون لفرانسا الزمن الكافي لنوال مرغوبها.

إلا أن دول أوروبا لما فهمت نوايا فرانسا اتفقوا على تنفيذ ما قرروه ومضمونه أن يعطي السلطان لمحمد علي مصر يحكمها هو وأولاده من بعده على طريق الوراثة وولايتي عكاء وصيدا مدة حياته فقط وأن يخلى بلاد العرب وسوريا وكريد وغيرها من الجهات التي بها عساكره في مدّة عشرة أيام وإن رفض الرضوخ لذلك ساعدت الدول المذكورة الدولة بالقوة.

ولما رأت فرانسا أن إرجاع دول أوروبا عما اتفقوا عليه من أصعب الأمور غيرت وزارتها وعينت مسيو تييرس رئيساً لها وأخذت في الاستعدادات الحربية خصوصاً بجهتي نهر الرين وسواحل البحر الأبيض المتوسط وفي تلك الأثناء أرسلت الدولة محمد رفعت بك مستشارا لصدارة لمصر لإبلاغ محمد علي باشا قرار الدول وقبول الدولة له وإنه إن لم يقبل ذلك في ظرف عشرة أيام استردت الدولة منه ايالتي صيدا وعكاء ولما لم يقبل أرسلت انكلترع وأوستريا والدولة أساطيلها فحاصروا سواحل الشام واستولوا على بيروت واللاذقية وطرسوس وطرابلس وصيدا وصور وفتحوا عكا عنوة بعد أن أطلقوا النيران عليها مدّة ثلاث ساعات ونصف وكان إبراهيم باشا يعتمد عليها أكثر من غيرها ولما كانت جميع الذخائر والأدوات الحربية المصرية بهذه المدينة وقعت في يد المتفقين انهزمت الجنود المصرية إلى منحدر جبال الدروز بعد محاربات طويلة والتزم إبراهيم باشا أن يتقهقر إلى وديان تلك الجهات وكانت الأهالي تظهر العداوة لإبراهيم باشا وجنوده حيث وجد ولما اشتدت به الحالة اضطر لأن يعود إلى مصر .

ثم توجهت فرقة من السفن المتفقة إلى الاسكندرية تحت قيادة الأميرال نايير (Napier) الذي ألزم محمد علي باشا بقبول القرار الدولي القاضي بأن لا يكون له إلا بلاد مصر 27 نوفمبر 1840م ثم أرسل المرحوم محمد علي باشا الدوننما العثمانية إلى الآستانة وسلمها للدولة في1256هـ-24 يناير سنة 1841م .

أما فرانسا فإن أمّتها لما رأت أنها صارت بمعزل عن دول أوروبا وأنها بذلك ربما أضاعت نفوذها الذي حازته بالمشرق هاجت واضطربت وعلى ذلك تغيرت الوزارة وتحوّل مجرى سياستها والتزمت أن تدخل في دائرة السياسة الأوروباوية التي أجمعت على إبطال معاهدة هنكارا سكله سي المذكورة وإنهاء المسألة المصرية في أقرب زمن واتفقوا على عقد معاهدة مع الدولة العثمانية بخصوص حق المرور من مضيقي البوسفور والدردانيل جمادى الأولى سنة 1257هـ-1841م .

وتعرف هذه المعاهدة بمعاهدة البواغيز وكانت بين الدولة من جهة وبين انكلترة والنمسا والروسيا وبروسيا وفرانسا من الجهة الأخرى وكان من مقتضاها الاعتراف من هذه الدول بالحق المطلق والحكم المستقل للدولة على البوغازين المذكورين وإنه لا يصرح لدولة أن تمر بسفنها الحربية من هذين البوغازين أصلاً ثم صدر فرمان الوراثة لعائلة محمد لي باشا مشتملاً على امتياز حكم القطر المصري بمصادقة الدول الأوروباوية وتوجه بعدها محمد علي باشا إلى استانبول لعرض طاعته على السلطان وبذلك تجددت الروابط الودّية بين مصر ودار الخلافة .

الترقيات في الدولة العلية وخط الكلخانة :

لما انتهت المشكلة بين مصر والدولة بتداخل الدول الأوروباوية اهتم السلطان عبد المجيد خان بتأييد النظامات الجديدة وأصدر الفرمان المعروف بفرمان الكلخانة فاتسعت به أسباب العمران في كافة المملكة العثمانية واستتب الأمن وتأسست المدارس 26 الرشدية شعبان 1255هـ وأدخلت النظامات والتحسينات في المدارس الحربية والملكية والبحرية وحصل اقتصاد كلي في ميزانيات البرية والبحرية معاً وتمت كل هذه النظامات بغاية الهمة.

وامتدت الاصلاحات إلى جميع الولايات وأبدلت الأسلحة القديمة التي كانت بأيدي الجيوش الشاهانية بأسلحة جديدة من آخر اختراع وهي بنادق الششخانة ذات الكبسول فأصبحت القوات العسكرية عمومها على وتيرة واحدة في النظام والترتيب وامتدت الاصلاحات أيضاً إلى معامل الطوبخانة وملحقاتها من باقي المعامل العسكرية السلطانية وبهذه الأعمال النظامية والمواد الإصلاحية قطعت الأمة العثمانية مراحل شاسعة في طريق التقدم والعمارية في أسرع زمن وبالأخص في جميع مصالحها وإداراتها وما يتبعهما من الفروع حتى صارت الأمة بسبب ارتياحها لهذا الإصلاح العظيم في غاية الأمن والراحة.

وقد وفقا السلطان إلى انفاذ جميع الرغائب والأماني لإصلاح شؤن الرعية وعمارة الممالك ونشر لواء الأمن والراحة وقطع جراثيم الدسائس الأجنبية وكان الوزير رشيد باشا المذكور لما له من سعة المعارف والوقوف على ضروب السياسة وجه همته أولاً لجعل دول أوروبا جميعها تعترف للدولة العثمانية بإخلاص النية وطهارة الطوية بما أوجدته في داخليتها من الإصلاح والتقدّم حتى سبقت كثيراً من دولها في هذا الشأن.

حروب القريم وأسبابها :

لما كانت دولة الروسيا على يقين من أن الإصلاحات التي أدخلتها الدولة في حربيتها وتنظيم جيوشها البرية والبحرية هي نفس الإصلاحات التي أكسبتها الانتصارات في وقائع حروبها مع الدولة العثمانية وكانت تتمنى أن لا ترى الدولة العلية متقدّمة في مراقي الفلاح لأن ذلك ينافي سياستها وأمانيها بالجهات الشرقية كانت تنظر إليها بعين الحقد وتودّ عرقلة مساعيها في الإصلاحات القائمة بها فقامت تنتحل سبباً يخوّل لها محاربة الدولة فقالت بحمايتها لجميع الأورثودوكسين التابعين للدولة العثمانية وأخذت تزرع بذور الدسائس كعادتها بين أولئك الأقوام.

ومن سوء الحظ أن أعمال بعض عمال الدولة كثيراً ما فتحت لدول أوروبا بابا تلج منه لمخاصمة الدولة وقد انتهزت الروسيا فرصة الاختلاف الواقع بين طائفتي الروم واللاتين في القدس من سنين مضت بسبب كنيسة القيامة وبعض الأماكن المقدّسة الأخرى وقامت كل طائفة منهما تدعى لنفسها حق الرياسة والتقدّم على الأخرى في حق السدانة على كنيسة القيامة.

ثم أخذت هذه المسألة تتعاظم بينهما وتمتد يوماً بعد يوم إلى أن آل الأمر إلى النزاع والجدال في سنة هجرية فوقع الباب العالي في الارتباك والحيرة واهتم بإخماد نار العداوة من بين الطائفتين المذكورتين لأن دولة الروسيا كانت تدافع عن حقوق الروم الأورثودوكسيين ودولة فرانسا تدافع عن اللاتينيين بمقتضى عدّة معاهدات قديمة تدعى أنها تخوّلها هذا الحق وعلى الخصوص بمقتضى الامتيازات الممنوحة لها في سنة 1740م ميلادية.

فتداخل سفير انكلترة في هذا المشكل ورسم ترتيباً لائتلاف الملتين المتخالفتين فقبلته فرانسا ولم تقبله الروسيا لأن مقصدها الأكبر ليس المحاماة عن حقوق الروم الأورثودوكسيين كما تقول بل كان لها غايات أخرى كثيراً ما كانت تجتهد في نوالها وتترقب الفرص للحصول عليها وهي إبعاد الدولة العثمانية عن المجتمع الأوروبي ليسهل عليها الاستيلاء على أملاكها فانتهز قيصرها نقولاً تلك المنازعة فرصة مناسبة لنوال بغيته وبلوغ أربه وأرسل ناظر بحريته البرنس منجيقوف إلى دار الخلافة العثمانية بصفة سفير مرخص للمخابرة في مسألة الخلاف الواقع بخصوص الأراضي المقدّسة بعد أن بعث جيشاً مؤلفاً من 144 ألف مقاتل إلى حدود الدولة.

ولما وصل رفض مواجهة فؤاد أفندي وزير الخارجية فعزلته الدولة ووجهت مسند نظارة الخارجية لرفعت باشا ثم تذاكر الوزراء في البلاغ الذي قدّمه البرنس المذكور لنظارة الخارجية 19 نيسان 1853م ولم يوافقوا عليه ولهذا أخذت الدولة تجهز الجيوش استعداداً لما يحدث من الطوارىء ولأنها رأت أن الروسيا لا زالت مستمرة على تحريض الأروام على العصيان ونبذ أوامر الدولة مشوّقة إياهم بكل ما تقدر عليه منأنواع المشوّقات ثم انفردت من بين دول أوروبا.

ووقفت في ميدان السياسة بمفردها مدّعية على الدولة العلية بأنها تسيء معاملة النصارى الأرثودوكس خصوصاً وتطالبها بإصلاح حالهم مع أن التنظيمات الخيرية تكفلت لهم ولغيرهم بذلك كما يعلم من مطالعة الفرمان الصادر بها ولما رأت الدولة أن الروسيا لا زالت مصرة على مدعياتها أخذت في التجهيزات الحربية ولكي تتمكن من ذلك ويكون لها الوقت الكافي قررت إعادة النظر في طلبات الروسيا وغيرت هيئة الوزراء .

فوجهت مسند الصدارة إلى مصطفى نائلي باشا ونظارة الخارجية لمصطفى رشيد باشا وكان من أصحاب الخبرة والذكاء ولما أعاد الوزراء المذكورون النظر في طلبات الروسيا ورأوا أن لا حق لها أصلاً وأنها خرجت بهذه الدعوى عن جادة الصدق قام وزير الخارجية معارضاً لها وتمكن بمهارته من الدخول مع دول أوروبا في المناظرة والمباحثة والمجادلة والمناقشة ولم ينته من عمله حتى أظهر لها الحجج الدامغة والأدلة الكافية على بطلان مدّعي الروسيا وعدم وجود أثر للصحة فيما تدعيه مثبتاً ما أوجدته الدولة العلية منذ أزمنة مديدة من الإصلاحات العميمة والنظامات القويمة في ممالكها المختلفة ونشرها العدل بين رعيتها على السواء وإيجادها كل ما من شأنه رفع أمتها إلى معارج السعادة والرفاهية.

وأيد جميع هذه الأقوال بما سبق من اعتراف الدول بوجود هذا الاصلاح في الممالك العثمانية ومصادقتها على تعميمه فيها وارتياحها للدولة العلية حيث قامت به على حسن النية وإخلاص الطوية ولم يخرج هذا الوزير من هذا الموقف المهم حتى تحقق للدول جميعها فساد قول الروسيا وإنها تبطن خلاف ما تظهر وبناء على ذلك رفضت الدولة العثمانية بلاغ الروسيا تماماً فقدم منجيقوف أوليماتوم بلاغاً نهائياً 21 مارس سنة 1853م وبارح استانبول مع عموم هيئة السفارة الروسية.

إعلان الحرب على الروسيا والوقائع بجهات الطونة والأناضول:

لقد كانت رجال الدولة ومحافل أوروبا تظن أن ما استعمله البرنس منجيقوف في مأموريته من الغلظة والجبروت ربما كان على غير رضا دولته إلا أنه أتى محرر ناظر خارجيتها الكونت نسلرود 31 مارس 1853 سنة اتضخت مقاصد الروسيا وظهر أن منجيقوف لم يصدع إلا بما كانت تأمره به دولته سيما وأن الجنرال غورجاقوف عبر نهر بروت بما كان تحت قيادته من القوّة السابق ذكرها وانتشرت جيوشه في أراضي المملكتين ولما رأت الدولة أن ذلك عبث بالعهود أعلنت الحرب على الروسيا سنة 1269هـ .

وكتب عند ذلك عمر باشا المجري قائد عموم جيوش الروم ايلي إلى القائد الروسي المذكور يطلب منه إخراج عساكره وإخلاء أرض المملكتين في مدّة خمسة عشر يوماً حسب الأصول المتبعة ولما علم عمر باشا أن جيوش الروسيا تقصد عبور الطونة من جهة ودين لتحريض الصربيين على العصيان أرسل قوّة كافية عبرت من ذلك المكان إلى جهة قلفات .1270هـ.

وأنشأت هناك بسرعة بعض استحكامات وطوابي لإشغال العدوّ ومنعه من التقدّم وأجاز أيضاً من طوترة قان إلى أولتانيجة ومن روسجق إلى يركوك قوّتين أخريين هدد بهما مدينة بكرش فشيدت هاتان القوّتان بعض القلاع وتمكنت من صدّ هجمات الروس ولما التقى عمر باشا مع عسكر الروس في أولتانيجة انتصر عليهم انتصاراً باهراً بعد حرب شديد 3 صفر سنة 1270هـ .

وكذا لما تجمعت قوّة الروسيا بقرية جتانة الكائنة بجوار قلفات عين رئيس أركان حرب الروم ايلي الفريق ناظر أحمد باشا بقلفات ثلاث فرق عسكرية تحت قيادة كل من جركس إسماعيل باشا ومصطفى توفيق باشا وعثمان باشا وهجمت هذه الجنود على الروس من ثلاث جهات فهزمتهم شر هزيمة الخميس 5 ربيع الأوّل .

واستولى العثمانيون على معسكرهم جميعه بعد أن ولوا الأدبار من جتانة وصدّتهم أيضاً العساكر العثمانية في روسجق وموطن أوغلى اطه سي وسلستره وقره لاش اطه سي وزشتوي ونيكبولي وماجين وايساقجي وانتصرت عليهم في كل سواحل الطونة ثم هزمهم أيضاً حليم باشا عندما هاجموا قلفات حتى اضطّرهم إلى الرجوع إلى ما وراء نهير آلوتا من جهة بلاد افلاق الصغيرة وقد كانت هذه الانتصارات المتتابعة سبباً لاندهاش العالم الأوروبي.

إلا أنه أقبل فصل الشتاء ببرده الشديد وتراكمت الثلوج الكثيرة التزم عمر باشا أن يلتجىء إلى الحصون وأن لا يتعقب الروس المنهزمين هذا بأوروبا أما الجيوش العثمانية بالحدود الآسيوية فكانت تحت قيادة عبد الكريم نادر باشا تتقدّم أيضاً منصورة في جهات آخسخه وأربه جايي واستولى العثمانيون بما بذله رئيس أركان حرب الجيش تاجرلي أحمد باشا على قلعة كمري وحاصر الروس في آخسخة ثم أن نظارة الحربية باستانبول رأت من عبد الكريم باشا التواني في الحركات العسكرية فعزلته ونصبت مكانه قائداً آخر يدعى أحمد باشا ولما أقبل فصل الشتاء تعطلت الأعمال الحربية بتلك الجهات أيضاً.

واقعة سينوب البحرية 27 صفر سنة 1270:

كتب هنري نابرل اسكواير تاريخاً مخصوصاً لوقائع حرب القريم ذكر فيه محاربة سينوب هذه نلخصها على الكيفية الآتية قال إنه في شهر محرم من سنة 1270هـ-1853م أرسلت الدولة العثمانية إلى البحر الأسود أسطولين أحدهما مشكل من خمس سفن حربية تحت قيادة البطرونة مصطفى باشا بها أدوات وذخائر حربية لإيصالها إلى ثغر باطوم وكان بهذا الأسطول 88 مدفعاً والآخر مشكل من ثلاث عشرة سفينة حربية تحت قيادة البطرونة عثمان باشا والريالة حسين باشا وأمر بالذهاب إلى فرضة سينوب وكان به من المدافع 406 مدافع ولما وصل هذا الأخير إلى مينا سينوب واستقبل فيها أقبلت بعد أيام من وصوله عمارة روسية مركبة من ثلاثة قباقات وأربع فراقيط وإبريق واحد لمعرفة مواقع السفن العثمانية وقوّتها.

وبقيت هذه العمارة خارج الفرضة محاصرة لها ولما وقف أميرال هذه العمارة المدعو ناجيموف (Nachimof) على حالة الدوننما العثمانية كتب لدولته يطلب منها أن تمدّه بعدّة من السفن الحربية الموجودة بسيواستوبول ولما وصلت إليه السفن كما طلب قوى ساعده ودخل المينا بريح طيبة وأبقى خارج المينا أربع سفن تراقب السفن العثمانية وتمنعها من الهرب لو أرادته ووقف هو بسفنه بعيداً عن مرمى مدافع البطاريات البرية على نحو ألف ياردة من سفن العمارة العثمانية التي كانت مستقبلة في المينا على خط واحد.

ولما رأى الربان عثمان باشا أن سفن الروسية قد دخلت المينا بهذه الكيفية أمر قواد السفن العثمانية بالاستعداد للحرب ومباشرة القتال والضرب وأن يبذلوا ما في طاقتهم من الاجتهاد ويبيعوا نفوسهم حباً لدينهم وأوطانهم وغيرة على مملكتهم وسلطانهم إلى آخر رمق من حياتهم وبعد ذلك شرعت الفرقاطة العثمانية المسماة نظامية بإطلاق المدافع فخرجت المقذوفات من مدافعها كالصواعق إذا انحدرت أو الشهب إذا انقضت وابتدأت الحرب بين الطرفين ودوت الأصوات في الآفاق واشتدت الحال وحمي الوطيس بين الفئتين وتحقق المتقاتلون أن هذا آخر الأجل المتاح.

إلا أن من تأمل وقت ذلك إلى هاتين القوتين كان يرى فرقاً عظيماً وبونا جسيماً إذ أن السفن العثمانية صغيرة والسفن الروسية ضخمة كبيرة فلذا كان يتأكد من أن العثمانيين إما أن يسلموا سفنهم بغير قتال وإلا محتها أساطيل الروسيا في الحال ومع هذا فقد استمرت الحرب ساعتين ونصفاً أتلف فيها الأسطول الروسي الفرقاطة العثمانية المسماة ناوك بحري ولما رأى قبودانها إنه لم يبق في وسعها المقاومة والمدافعة أمر بإشعال النار في مستودع بارودها لإعدامها بمن فيها حذراً وتفادياً من وقوعها في أيدي العدوّ.

ولما امتنعت طائفتها من إنفاذ أمره هذا تقدّم هو بنفسه وأشعل الجنجانة فتطايرت السفينة قطعاً بمن فيها جميعاً وهو معهم ولقد كانت هذه الخسارة سبباً في إضعاف قوة باقي السفن العثمانية ووقوع الخلل في نظامها لرؤية عساكرها قطع الفرقاطة وهي تتطاير في الفضاء وأجسام شهدائها تتناثر ودماؤهم تمطر على سطح المياه كالسيل المنهمر فيا له من منظر تنفطر منه الأكباد وتتفتت له القلوب.

ولم تمض برهة حتى احترق قسم من السفن العثمانية بمقذوفات الروس ووصل الحريق إلى مستودع بارودها فتهشمت وتطايرت قطعاً وعند ذلك صعد عساكر الروس فوق السواري وهللوا فرحاً وكان بقي بعد ذلك من السفن العثمانية فرقاطتان في المينا وكانتا تطلقان على السفن الروسية مدافعهما بلا انتظام إلا أن أصواتها لم تكن إلا إشهار للحزن والأسف على أبطال الرجال وليوثها الذين عدموا وقد تخرب معظم المدينة من وقوع قنابل المدافع عليها حتى أصبحت غير صالحة للسكنى إلا القليل منها.

وقد فعل الروس في هذه المحاربة أفعالاً وحشية منافية للشهامة والمروءة على خط مستقيم فإنهم لم يكتفوا بما نالوه من النصر لأن قوتهم البحرية كانت أضعاف قوّة العثمانيين بل كانوا يطلقون المقذوفات على جرحاهم ومن كان سابحاً منهم فوق المياه فيقتلون هؤلاء الضعفاء المساكين الذين كانوا يلتمسون الخلاص.

أما الفرقاطتان الباقيتان من السفن العثمانية فدخلتهما عساكر الروس ووجدوا عثمان باشا القومندان مصاباً بجراح في إحدى رجليه ومعه اثنان من القبودانات و105 من الأنفار فأسروهم وأحرقوا الفرقاطتين لعدم صلاحيتهما لشيء أما حسين باشا الريالة فكان أصيب بمقذوف مات به في أول المحاربة ووجدت جثته فدفنت في تلك الجهة ومات من الدوننما العثمانية أكثر من ألفي نفس في أوائل المحاربة أما تلفيات الروس وخسائرهم فكانت كثيرة وكسرت المقذوفات العثمانية سواري الأربعة قباقات وبسبب ذلك بطل استعمال المدافع بها.

ثم مكثت السفن الروسية بمينا سينوب حتى أصلح ما أمكن إصلاحه منها وسحبوا ما تعطل من سفنهم ثم قصدوا سيواستوبول قبل ورود السفن الحربية الانكليزية والفرنساوية إليها وحصل أنه بعد انتشاب القتال هربت إحدى البواخر إلى الآستانة وأخبرت بهذه الواقعة ولم تتمكن السفن الروسية المعينة للمحافظة خارج المينا من منعها فعند ذلك أرسلت دوننما انكلترة الموجودة بالبوغاز إحدى بواخرها وأرسلت دوننما فرانسا الموجودة معها باخرة أخرى فذهبتا إلى مينا سينوب للوقوف على حقيقة الواقعة.

ولما وصلتا إليها التقطتا بعض الجرحى الذين طالت أعمارهم وأوصلناهم إلى الآستانة وكان بالمينا أثناء القتال سفينة تجارية انكليزية قتل منها نفران بمقذوفات الروس ثم احترقت أخيراً في الحريق الذي وقع بالسفن الحربية العثمانية ولما أتت السفينة الانكليزية المذكورة أخذت معها بأن تلك السفينة وتجارتها وبوصوله هو وطائفته إلى الآستانة قرروا صفة الواقعة كما شاهدوه ومضمونها أن الأساطيل العثمانية حاربت الأعداء بكل شجاعة وإقدام مع ما كانت عليه من القلة بالنسبة لأساطيل الروس .

اتحاد فرانسا وانكلترا مع الدولة :

لما كانت المخابرات جارية بين الدولة والروسيا قبل حرب القريم تأثرت فرانسا تأثراً شديداً لأن نابليون الثالث الذي جلس على تخت فرانسا في أواخر سنة 1852م خالف في السياسة الخارجية الطريقة التي كان سلفه لويز فيليب يسير عليها فكان يظهر للدولة العثمانية الارتياح الكليّ من الإصلاحات التي أدخلتها ببلادها ولما كان تعهد بحماية الكنيسة الكاثوليكية كان يميل جداً إلى حل المسألة المتنازع فيها بمدينة بيت المقدس بما أن ذلك كان يسر فرانسا ويفيدها وكان السير هاميلتون سيمور سفير انكلترة في بترسبورغ عند مقابلاته السرية لقيصر الروسيا نيقولا الأول وقف على تصميمات دولته بخصوص بلاد الشرق.

ولما كانت حكومة السفير المذكور من اتباع المذهب البروتستانتي لم يكن يهتم بمسألة بيت المقدس كاللازم أما النمسا فقد أظهرت الاشمئزاز الكليّ من منشورات البانسلاويست لأن نزوع أهل الجبل الأسود للاستقلال وتشكيل حكومة منتظمة فتح باباً لأهالي دالماسيا وكراوتيا والولايات المجاورة ولذلك تأثرت حكومة النمسا من ذلك وعرضت وساطتها الاتمام حادثة الجبل الأسود بسرعة واطفاء نيران فتنة بيت المقدس.

إلا أنها لم تتمكن من تأليف ذات البين ثم اتفقت مع بروسيا على عدم المداخلة وانتظار النتيجة وكان دخول ايطاليا في المسألة غير ظاهر بل كانت آخذة في أسبابه بسعي ملك سردينيا ويقتور امانويل لينال بذلك رضا أوروبا وبينما كانت الأحوال سائرة هكذا أرسلت الروسيا البرنس منجيقوف (Mentschikoff) إلى الأستانة سفيراً فوق العادة فظنت أوروبا أن القصد من مأموريته هذه المكالمة في مسألة الأراضي المقدسة إلا أنه لما أشيع أن القصد من مأموريته عقد مشارطة مخصوصة مع الدولة أو تجديد معاهدة هنكارا سكله سي اندهشت أوروبا خصوصاً لما شاهد سفراؤها في الآستانة أعمال السفير الروسي المغايرة لقواعد حقوق الدول فمالت أفكار عموم أروبا بالمساعدة الدولة.

وفي أثناء ذلك كان الامبراطور نيقولا يلح على السير هاميلتون سيمور سفير انكلترة بعاصمة الروسيا يريد اجتذاب انكلترة للاتحاد مع الروسيا إضعافاً لنفوذ فرانسا في الشرق وليتقاسما أملاك الدولة العثمانية سوية فلما اطلعت انكلترة على مقاصد الروسيا خافت من امتداد نفوذها في الشرق ومشاركتها لها في البحار القابضة هي على صولجانها وتخابرت الملكة فكتور يا ملكة الانكليز مع نابليون الثالث امبراطور فرانسا للاتحاد مع الباب العالي لتأييد المعاهدات المختصة ببيت المقدس.

وفي خلالها أعاد السلطان مصطفى رشيد باشا إلى الصدارة وكان عزل منها إرضاء للروسيا وعزم على رفض مطالب البرنس الروسي وأعلن باحترام حقوق الكنيسة الأرثودكسية وبعد مخابرات يطول شرحها قطع السفير الروسي العلاقة مع الدولة وعاد إلى بلاده ثم أطلعت الدولة اللورد استراتفورد سفير انكلترة على جميع المخابرات التي دارت بينها وبين الروسيا فانضمت انكلترة إلى فرانسا وأرسلت إلى أساطيلها بمالطة بأن تتحد مع الدوننما الفرنساوية في كافة الأعمال وأمرت الدولتان أساطيلهما بالحضور إلى جون بشيكة القريب من بوغاز الدردنيل فحضرت إليه في أواسط يونيه سنة 1853م .

وكان الامبراطور فرانسوا جوزيف ملك النمسا يتردد في السياسة التي يتبعها بعد أن بذل جهده في منع الخلاف بلا حرب وسعى في عقد مؤتمر ويانة الذي انعقد في شهر أغسطس من سنة 1853م ولما لم تأت جلساته العديدة بفائدة تحقق لدى جميع الدول سؤنية الروسيا وحرضت انكلترة وفرانسا الدولة العثمانية على رفض طلبات الروسيا في المؤتمر ومداومة الدفاع عن حقوقها وحصل ما سبق ذكره من عبور جيوش الدولة نهر الطونة وانتصارها في كافة الوقائع الحربية التي حدثت هناك فظهر لأوروبا بذلك فائدة التنظيمات التي أدخلتها الدولة في جيوشها.

وفي أثناء ذلك رضيت الدولة بدخول أساطيل فرانسا وانكلترة البوسفور ولما عبرته رست في بيوك درة من ضواحي الآستانة لتكون على مقربة من البحر الأسود منعاً لهجمات الروس ثم بعثت فرانسا من طرفها المارشال شبيل باراجي ديليه (Baraguay D'hiliers) بمأمورية فوق العادة إلى الآستانة ظاهرها السعي في أمر الصلح وباطنها درس أحوال العسكرية العثمانية فقابله السلطان سبتمبر 1853م باحتفال وافر ولما وصل خبر واقعة سينوب البحرية وضياع أساطيل الدولة مع تعهد الروسيا لدولتي فرانسا وانكلترة بأنها لا تقصد إجراء أي أمر عدواني في البحر الأسود أصدرت الدولتان أوامرهما إلى أساطيلهما الراسية في بيوك درة بالدخول إلى البحر الأسود فدخلته 4 مارس 1854م سنة .

وكانت عمارة انكلترة مركبة من 21 سفينة حربية تحمل 1162 مدفعاً تحت قيادة الويس أميرال دنس دانداس (Deans Dundas) والكنترأميرال السيراد مندلاينس (Sir Edmund Lyons) وعمارة فرانسا مركبة من 39 سفينة تحمل 2740 مدفعاً تحت قيادة الأميرال هاملن (Hamelin) والكونتر أميرال بروات (Bruat) وبصحبتهما الدوننما العثمانية المركبة من سفينة 12 حربية تحت قيادة قيصرية لي أحمد باشا وكان قبودان السفينة محمودية وقتئذ اتش محمد بك الذي صار فيما بعد قبودان باشا وله اليد البيضاء في إصلاح البحر مدّة السلطان عبد العزيز خان.

ثم رست هذه الأساطيل أمام وارنة وكتب الامبراطور نابليون الثالث كتاباً له إلى الامبراطور نيقولا في أواخر يناير سنة 1854م شرح له فيه المسألة بأطرافها وتعديات الروسيا وعرض له فيه بعقد مؤتمر دولي للنظر في أمر الصلح تحت شرط إخلاء إقليمي الافلاق وبغدان من الجيوش الروسية وفي مقابلة ذلك تنسحب أساطيل الدولتين من البحر الأسود فكان جواب امبراطور الروسيا عدم إمكانه قبول ذلك وبناء على هذا الجواب عقدت فرانسا وانكلترة مع الدولة العثمانية في الآستانة اتفاقية على محاربة الروسيا تحت شرط سحب جيوشهما من بلاد الدولة العلية بعد خمسة أسابيع تمضي من يوم الصلح الذي يتم مع الروسيا وأمضيت في 13جمادى الثانية سنة 1270هـ-1854م .

وبعد خمسة عشر يوماً أعلنت الدولتان الحرب على الروسيا وكان الامبراطور نيقولا يخاف من انضمام النمسا وبروسيا للدولتين المذكورتين فأرسل إلى برلين وويانة سفيراً مخصوصاً يدعى الموسيو أورلوف يطلب من امبراطور النمسا وملك بروسيا إما المساعدة أو البقاء على الحيادة وفي شهر مارس من السنة المذكورة أرسلت انكلترة عمارة كبيرة إلى بحر بالطيق مركبة من16 سفينة حربية تحت قيادة الاميرال السير نابير (Napier) وأرسلت بعد ذلك فرانسا أسطولاً آخر مركباً من سفينة حربية تحت قيادة الكونتر أميرال بينود (Penaud) وبوصول هذه الأساطيل أخذت في الأعمال الحربية فاستولت على جزيرة الآند وشرعت في تهديد مدينة كرونستاد الحصينة التي بها المينا الحربية للروسيا. وبعد ذلك أرسلت فرانسا وانكلترة جيوشهما فاجتمعا بكليبولي في يوم من جمادى الآخرة سنة 1270هـ مارس 1854 م وكان جيش فرانسا يتركب من مقاتل تحت قيادة المارشال بنت آرنو (Saint- Arnaud) ويتألف جيش انكلترة من25000 مقاتل تحت قيادة اللورد راغلان (Raglan) وفي أثناء محربة الدولة للروسيا ثار بعض أشقياء اليونان فأقامت الدولة على حكومة اليونان الحجة الشديدة فالتزمت حكومتها بتأديب المفسدين وأعادت السكينة للحدود سريعاً ولما أعلنت انكلترة وفرانسا اشتراكهما في حرب الروسيا التزمت النمسا أن تقوم بالتجهيزات الحربية واتفقت مع الدولتين بأن تكون معهما في حركة متحدة حتى يتقرر الصلح العمومي ولذلك احتلت بلاد المملكتين.

معاهدة باريس 24 رجب سنة 1272هـ:

لما تحقق اسكندر الثاني امبراطور الروسيا من عدم الفوز في هذه الحرب خصوصاً وأن دولة النمسا أظهرت له العداء جهاراً بعد سقوط سيواستوبول وانضمام دولة السويد إلى الاتحاد الأوروبي بالمعاهدة الدفاعية والهجومية التي عقدتها مع فرانسا وبروسيا ضد الروسية 20 نوفمبر 1855 .

أشارت النمسا على الدول بإرسال بلاغ نهائي للروسيا فقبلت الدول وأظهرت الروسيا الميل للصلح وكانت تطلبه هي أيضاً وتقرر عقد مؤتمر في باريس وعينت الدولة العلية وفرانسا وانكلترة وأوستراليا وساردينيا والروسيا وبروسيا مرخصين من قبلهم واجتمعوا في باريس للمذاكرة في شرائط الصلح على القواعد الأساسية التي كان حصل التكلم فيها في مؤتمر ويانة قبل ذلك وبعد المذاكرة طويلاً أمضيت شروطه النهائية 24 رجب سنة 1272-30مارس سنة1856 م وكانت تشتمل على بند أهمها

أن الدولة العلية يكون لها الامتيازات التي لباقي دول أوروبا من جهة القوانين والتنظيمات السياسية وتكون مستقلة في ممالكها كغيرها من الدول ولا يجوز للسفن الحربية الدخول بالبحر الأسود أصلاً ما عدا الدولة العثمانية والروسية فإن لهما الحق في أن يكون لهما بعض السفن الحربية للمحافظة على ثغورهما هنا ولا يجوز للدولة العثمانية ولا للروسيا إنشاء دور صناعات حربية على شواطىء البحر المذكور.

وأن يشكل قومسيون مختلط لتأمين السفن التجارية في نهر الطونة.

وأن تكون ايالات الافلاق وبغدان والصرب ذات استقلال داخلي كما كانت سابقاً.

وأن يكون للدول الموقعة على هذه المعاهدة حق المشاركة في الرأي في انتخاب وتعيين أمراء هذه البلاد وبعد ذلك انسحبت الجيوش في مدّة عينها المؤتمر وعادت إلى بلادها وانتهت هذه الحروب التي لا داعي لها أصلاً سوى المطامع والأغراض الذاتية.

حادثة الشام :

إنه في سنة 1276هـ-1860م قامت ببلاد الشام ثورة هائلة بين طائفة الموارنة من نصارى لبنان وبين الدروز كانت رديئة العاقبة على المسيحيين وإن كانوا أكثر من أخصامهم عدداً ونفوذا إلا أنه بسبب تخاذلهم وعدم تبصرهم وانقيادهم إلى الدسائس الأجنبية التي لا تحمد عقباها فتك الدروز بهم خصوصاً في واقعتين حصلتا ببلدة حاصبيا وراشيا ثم امتدت الفتنة إلى زحلة ولولا ما أظهره سكانها من الشجاعة لفتك الدروز بهم.

وأوقع الدروز أيضاً بالنصارى في عدّة مواقع أخرى واتهم عثمان بك قائم مقام حصبياً وأحمد باشا وإلى دمشق بمساعدة الدروز ولما اشتدت وطأة المسألة تداخلت الدول الأوروباوية وعرضت فرانسا استعدادها لارسال جيوشها إلى بلاد الشام لتسكين الفتنة وحماية النصارى فلم تقبل الدول في أول الأمر خصوصاً انكلترة ثم أرسلت جميع الدول على يد سفرائها إلى الباب العالي بلاغات فاجتمع الوزراء تحت رياسة فؤاد باشا ناظر الخارجية وبعد المذاكرة طويلاً تقرر لزوم تسيير قوة عسكرية لإخماد الثورة بالديار الشامية.

وسافرت تلك القوة سريعاً تحت قيادة فؤاد باشا وكانت مؤلفة من سبعة آلاف جندي إلى بيروت لإخماد الفتنة فوصلها في يوم 28 من سنة 1276 ثم قصد دمشق وهناك عقد مجلساً حربياً من أمراء الجيش وحاكم رؤساء الفتنة وقتل كثيرين منهم وقتل أيضاً والي دمشق المرحوم أحمد باشا لأنهم اتهموه بمساعدة الدروز على المسيحيين وإهمال أوامر الدولة مرة واحدة ورد في بعض الأوراق العثمانية أن أحمد باشا كان بريئاً لأنه قبل حدوث الواقعة بأربعة شهور كان بالشام أربعة طوابير من الجنود وصدر له أمر السر عسكر وقتئذ رضا باشا بإرسالها إلى الروم ايلي فعرض أحمد باشا ملحوظاته للسر عسكرية.والما بين الهمايوني بعدم جواز تقليل القوّة من الشام نظراً لثورة الأفكار بها ولما لم يجب طلبه طلب الاستقالة فلم يقبل منه أيضاً ويقال إن قتله كان لما يحقده عليه فؤاد باشا لما بنيهما ما من النفور منذ كانا سوية في بكرش والله أعلم بالحقائق.

هذا أما تواريخ أوروبا فإنها تتهم الباشا المذكورة تلقي عليه مسؤلية عظمى ومع ذلك فإنه يقتل الوالي المذكور وغيره من رؤساء الفتنة لمن تقنع دول أوروبا بالاختلاف غاياتها وتعدد مقاصدها بل اتفقوا على أن ترسل دولة فرانسا إلى الشام قوة عسكرية لمساعدة الجيش العثماني فتوقف السلطان في أول الأمر لكنه لما رأى إجماعهم على ذلك عاد فقبل وكانت القوة الفرنساوية التي أرسلت تبلغ عشرة آلاف جندي تحت قيادة الجنرال دوبول وكان القصد منها منع التعدي الحاصل على طائفة الموارنة من الدروز.

ولما نزلت في بيروت وجدت الأحوال ساكنة فلم تبد أقل حركة وأرسل أيضاً بعض الدول مراكب حربية إلى بيروت وأرسلت الدولة أيضاً عمارة حربية جعلت قيادتها لأحمد باشا القيصرية لي ثم عينت الدول الأوروباوية العظمى مندوبين عنها فاجتمعوا ببيروت تحت رياسة فؤاد باشا ولمهارة هذا الوزير في أساليب السياسة أوجد الخلاف بينهم حتى صار يقودهم إلى حيث شاء متى شاء وبعد المذاكرة طويلاً وضعوا لجبل لبنان نظامات جديدة وجعل فيها حكومة ممتازة حاكمها مسيحي المذهب يتخابر مع الباب العالي رأساً وبعد أن صدقت الدولة على ذلك وجهت المتصرفية لداود باشا وهو أرمني واستمر الاحتلال الفرنساوي إلى 5 يونيه سنة 1861م الموافق لأواسط شوال سنة 1277 وبعد ذلك انسحبت الجيوش الفرنساوية من أراضي الدولة بعد أن تظاهرت بحماية الموارنة من تعديات الدروز.

وفاته:

وفي تلك الأثناء انتقل السلطان المرحوم الغا ي عبد المجيد خان إلى رحمة الله بعد مرض لم ينفع فيه علاج وكان ذلك يوم الثلاثاء 17 القعدة سنة 1277-27 مايو سنة 1861م ودفن في قبره الذي أعده لنفسه حال حياته بجوار جامع السلطان سليم.

وكان رحمه الله من أجل السلاطين قدراً محباً للاصلاح نشر أوامر العدالة الشهيرة المسماة بالتنظيمات الخيرية تثبت بها العدل في المملكة العثمانية وأدخل إصلاحات جمة في الجيوش عاد بها مجد الدولة وترقت في أيامه العلوم والمعارف واتسعت دائرة التجارة وشيد كثيراً من المباني الفاخرة والقصور المزخرفة ومن مآثره تجديد بناء المسجد النبوي بالمدينة المنوّرة 1271 وكان كما بناه السلطان قايتباي وجعل سقوفه قبباً من الحجر كالمسجد الحرام وتمت عمارته في أربع سنوات وشيد عمارات كثيرة أيضاً بالحرمين الشريفين وجدد كذلك ميزاب الكعبة المشرفة 1275هـ .

السلطان عبد العزيز خان ابن السلطان محمود خان الثاني 1277-1293هـ:

لما صعد السلطان عبد العزيز خان على كرسي الخلافة وجد الدولة في حاجة إلى إتمام الاصلاحات التي سعى أخوه بهمة في إدخالها بالإدارات الملكية والعسكرية بأنواعها والتي كان توقف سيرها بالنسبة لحرب القريم خصوصاً وغيره من المشاكل العديدة التي منيت بها هذه الدولة منذ تداخل الأجانب في أعمالها وبعد أن تقلد السيف يوم الخميس في الثامن عشر من شهر ذي القعدة بجامع سيدي أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كما جرت به العادة أبقى الوزراء في مناصبهم ما عدا السر عسكر رضا باشا فإنه عزله وعين بدله نامق باشا ثم أصدر فرماناً إلى الصدر محمد أمين عالي باشا الذي خلف قبرصلي محمد باشا مظهراً حسن قصده ومزيد رغبته في متابعة السير بالجدّ والاجتهاد لتنفيذ الاصلاحات الضرورية لترقية حال الدولة وإيجاد المساواة بين جميع أفراد الرعايا بلا تمييز.

وأسس في 6محرم من سنة 1278مجلس الاحكام العدلية وعين لرياسته الوزير الشهير محمد فؤاد باشا وجعله ثلاثة أقسام.:

أحدها : الإدارة الأمور الملكية.

والثاني : لسن القوانين والنظامات.

والثالث : للمحاكمات وكان لاهتمامه بذلك يحضر بنفسه في آخر كل سنة إلى الباب العالي ليبتلي في حضرته ملخص الاجراءات والأعمال التي قام بها المجلس المذكور مدّة السنة الماضية.

وبقي هذا المجلس يسير في أعماله إلى 8 ذي الحجة من سنة 1284 حيث صدر الأمر السلطاني بإلغائه وتعويضه بمجلسين آخرين يشكلان على نظاماته الأساسية وهما شورى الدولة وديوان الأحكام العدلية وقد نجح هذان المجلسان في أعمالهما حتى أنه لما أصدرت الدولة نظاماته منه سنتي 1281و 1287 وحدّدت فيهما وظائف جميع المأمورين من الولاة إلى صغار لخدمة اتضح أن بعض الذين تعودوا السير على طريقة التنظيمات الخيرية القديمة لم يقابلوا ذلك بالارتياح لأن التنظيمات الجديدة قيدت حركات المأمورين وغلت أيدي مطامعهم وكبحت شهواتهم فأصدر لذلك فرماناً بمحاكمة كل من يقاوم تلك التنظيمات ولهذا حاكموا عدّة من كبار الحكام مثل خسرو باشا وعاكف باشا وطاهر باشا ونافذ باشا وحسيب باشا جزاء لهم على ما صدر منهم وعبرة لغيرهم وبذلك ظهر للعموم حب السلطان للعدل والإصلاح.

واهتم السلطان أيضاً بإصلاح الأحوال المالية إذ بها قوام الدولة فأصدر فرماناً سنة إلى الصدر الأعظم محمد فؤاد باشا الذي خلف محمد أمين عالي باشا الذي وجهت إليه نظارة الخارجية بعمل ميزانية مضبوطة للمالية عن سنتي 1277و1278 وبعد ذلك صدر قرار من الدولة بإلغاء القوائم المالية وهي أوراق تتداول كالنقود كانت أصدرتها المالية في عهد المرحوم الغازي عبد المجيد دخان للعسر المالي الذي كانت وقعت فيه واقترضت الدولة لذلك ثمانية ملايين من الليرات فسوت جميع ديونها وألغت القوائم في نحو الشهرين وأصبحت المعاملة في كافة الولايات بالنقود وانتظمت أحوال المالية.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:09 AM
الاختلالات والمحاربات الداخلية في عهد المرحوم السلطان عبد العزيز:

وقائع الجبل الأسود :

اعلم أن دول أوروبا لما كانت تسعى من زمن طويل في تقليص ظل نفوذ العثمانيين واستعملت لذلك جميع الألعاب والأساليب السياسية كما مر بك بعضه في هذا التاريخ ورأت في هذه المدة أن الدولة العثمانية قامت تبذل المساعي الحقة في إجراء التنظيمات المختلفة والتحسينات المتنوعة حتى ترقت بها البحرية والحربية والصنائع والمعارف واتسعت دائرة التجارة أخذت في عرقلة مساعي الدولة ببث الدسائس وبذر الفتن في جميع أنحائها توصلا إلى غرضها المشؤم وكان أوّل الأمر بخلع أميره نيقولا وتنصيب البرنس دانيلو مكانه . 1277

إلا أن الاضطرابات لما كانت لا تزال سائدة بجهات الجبل المذكور أعدت الدولة أخيراً ثلاث فرق عسكرية الأولى تحت قيادة عبد الكريم نادر باشا المعروف بعبدي باشا والثانية تحت قيادة درويش باشا والثالثة تحت قيادة حسين عوني باشا وهاجم بها عمر باشا السردار الجبل من ثلاث جهات وبعد أن أوقعوا بالثوّار زحفوا على جتينة عاصمة الجبل فالتزم أميره دانيلو وأن يطلب الأمان وقد قبل ما اشترطته عليه الدولة من أبعاد ميركو والده من بلاد الجبل وأن تقيم الدولة حول حدود الجبل بعض الأبراج والحصون تحتلها جنودها للمحافظة على الراحة العمومية لمنع أهل الجبل من الثورة ثانية.

ولما تم ما أرادت عادت السكينة وقد صرفت الدولة على ذلك المصاريف الجسيمة إلا أن أمير الجبل لم يقم بعد ذلك بما تعهد به وأظهر العناد بتحريض بعض دول أوروبا ثم تداخلت فرانسا والروسيا في المسألة واستمرت المداخلات السياسية الأجنبية تلح على الباب العالي حتى قبل هدم تلك الأبراج والقلاع 1280هـ-1864 م ونال الجبل بمساعي أوروبا وتطفلها على موائد السياسة العثمانية استقلالا إدارياً.

وقائع الصرب :

إن الامتياز الذي نالته مقاطعة الصرب بمقتضى معاهدة باريس 1856 م كما سبق جعلها ممتازة إدارة تحت سيادة الدولة العثمانية وجعل للدولة الحق في إبقاء حامية عثمانية في ست قلاع فقط من حصون تلك البلاد ثم بعد ثورة بوسنة وهرسك السابق ذكرها 1278 استمر الاضطراب ببلاد الصرب وأظهر أهلها العداوة العثمانيين في كثير من المسائل إلى أن تداخلت الدول في ذلك وعقد سفراؤهم مؤتمراً بالآستانة برضا الباب العالي كان عالي باشا الصدر الأعظم مندوبا به عن الدولة وبعد مداولات تقرر أن يخلي العثمانيون قلعتين من الست قلاع المذكورة وتبقى جنودهم في أربع فقط وهي بلغراد وسمندرة وفتح الإسلام وشيانس 1279هـ-1862 م .

ومع هذا فإن الروسيا لا زالت تلح على الدولة بترك بلاد الصرب تماماً لتغل يديها عن السير في طريق الإصلاح ولعب الجنرال اغناتيف سفيرها في الآستانة أدواره السياسية إلى أن تنازلت الدولة أيضاً للصرب عن القلاع الباقية وكانت حجة دولة أوروبا في ذلك أن بقاء الجنود العثمانية ببلاد الصرب تهديد لها فاضطرت الدولة إلى قبول هذه الأمور المجحفة بحقوقها التي اعترفت لها بها أوروبا سابقاً وذلك لاجتماع دولها عليها ولظهور الثورة بكريد 1283هـ-1867 م .

ولما خرجت العساكر العثمانية من بلاد الصرب معها جميع العائلات الإسلامية من سكان تلك البلاد لاستحالة الإقامة عليهم بعد خروج الجنود وتركوا أملاكهم في مقابلة تعويض دفعته الدولة لهم وهكذا استقلت الصرب ولم يبق للعثمانيين بها من أثر التابعية غير رفع العلم العثماني بقلعة بلغراد بجانب العلم الصربي فقط وقد تكدّر الرأي العام بالآستانة من ذلك جدّاً ولولا مراقبة الدولة الأحوال لحدثت فتنة داخلية شديدة.

ثورة جزيرة كريد 1283هـ :

قال الفاضل أحمد مدحت أفندي في القسم الأول من كتابه أسس الانقلاب ما ملخصه مترجماً أنه كلما سعت السلطنة العثمانية في الاصلاحات سعت دولة الروسيا في اختلاق المشاكل بداخلية الدولة لعرقلة مساعيها عن السير في طريقها ولذلك رأت سعي الدولة هذه المرة في الإصلاحات الداخلية العسكرية والبحرية دست إلى الأهالي غير المسلمين بجزيرة كريد المتعودين من القديم على الثورات بأن يقوموا ويطلبوا ضم جزيرتهم إلى اليونان وأوعزت إليهم بأن سيكون لهم من الروسيا واليونان نصير فانصاعوا لعذوية هذه المواعيد المحشوّة بالسم القتال وثاروا على الدولة بأجمعهم واستفحل أمرهم واستعدت الدولة لقمعهم بالقوة .

ثم ظهر أخيراً أن مصلحة الدول البحرية لا تساعدهم على نوال مطالبهم إذ كانت جميعها مضادة لسلخ كريد عن الدولة ثم ساقت الدولة عليهم الجيوش براً وبحراً تحت قيادة مصطفى باشا الكريدي وأمرته أن ينصح الثوّار أولاً بالإخلاد إلى السكينة كما هي عادتها حقناً للدماء ومع جده واجتهاده في ذلك لم يمكنه حملهم على الطاعة بل أصروا على العناد مع محبتهم لذلك القائد ولما لم تبق وسيلة إلا امتشاق الحسام أخذ يقاتلهم وأرسل المرحوم الخديوي إسماعيل باشا في ربيع الأول من السنة المذكورة قوة عسكرية مركبة من ستة آلايات بياده وبعض بطاريات طوبجية تحت قيادة شاهين باشا ثم تعين لقيادتها القائد الشهير إسماعيل سليم باشا الفريق ناظر الجهادية إذ ذاك وبعد وفاته خلفه عبد القادر باشا الطوبجي.

ثم لما دعت الدوة مصطفى باشا الكريدي إلى الآستانة بعد أن استقال محمد رشدي باشا من الصدراة وخله محمد أمين عالي باشا 6 شوّال سنة 1283 تعين لقيادة الجنود العثمانية عمر باشا وهو صربي الأصل وقد أظهر النشاط في مطاردة الثائرين أوّلاً ولما كانت الذخائر الحربية تصل إلى الثائرين من الخارج خصوصاً من بلاد اليونان لدعم تيقظ بعض عمال الدولة هناك وإهمالهم مع أن الأساطيل العثمانية كانت تحاصر الجزيرة المذكورة من جيمع جوانبها أصدرت له الدولة الأوامر بتشديد الحصار البحري حول الجزيرة وأعلنت بذلك عموم الدول التي أمرت سفنها الحربي المتجوّلة في تلك الأطراف بنقل العائلات التي رغبت في المهاجرة من الجزيرة فكانت تنقلها بتصريح من الدولة العثمانية.

المشاكل والارتباكات الداخلية :

قال العلامة أحمد مدحت أفندي في كتابه أس الانقلاب ملخصا:إن العناية التي بذلها السلطان عبد العزيز خان في السنين الأولى من جلوسه على سرير الخلافة في إتمام الإصلاحات التي أدخلها على جميع دوائر الحكومة كما مر جعلت الأمة العثمانية تأمل خيراً كثيراً في المستقبل إلا أنه لما قرب جلالته إليه بعض أصحاب المطامع وقضت الغلطات السياسية هدم القلاع التي شيدتها الدولة حول الجبل الأسود كما سبق وتخليته قلاع الصرب التي فتحت بدماء أبطال العثمانيين والأموال الوافرة وغير ذلك مما أصاب الدولة من تراخي من أشرنا إليهم من الرجال وظهور ثورة كريد التي لم يهتم الوزراء بإطفائها بسرعة تحزب ضد هذه السياسة سراً أكثر من الوزراء خصوصاً لما رأوا أن جلالته ميال إلى تغيير هيئة الوراثة في السلطنة العثمانية.

ولما كان تغيير طريقة الوراثة بالخديوية المصرية التي نالها المرحوم إسماعيل باشا برضا السلطان منعت المرحوم مصطفى فاضل باشا من حقوقه مال إلى الحزب المذكور والتفت حوله بعض شبان العثمانيين الذين ثارت في قلوبهم الحمية الوطنية والمحبة الملية ونخص بالذكر من هؤلاء علي سعاوي بك وضيابك ونامق كمال بك وغيرهم ورحل الكل إلى أوروبا وأخذوا يذيعون هناك بما ينشرونه من المكاتبات والجرائد الأغلاط الحاصلة في سياسة الدولة وينتقدون عليها وعلى أعمال فؤاد باشا وعالي باشا وأصدروا كثيراً من الرسائل الهجومية تحاملوا فيها على بعض رجال الدولة الذين تبرهم أعمالهم الحسنة ومساعيهم المشكورة مثل عالي باشا وفؤاد باشا وغيرهما.

ولما توفي عالي باشا الذي كان موته فاتحة باب شرور على الدولة وجلس مكانه محمود نديم باشا 1288 في مسند الصدارة انتهج طريقاً معوجاً ساءت به الأحوال عن ذي قبل فاختلت الأمور المالية واقترضت الدولة من أوروبا أموالاً كثيرة لم يعد منها على مستقبلها فائدة عظيمة واستبدّ العمال في الأحكام حيث لا رقيب ولذلك صدر أمر سلطاني بمحاكمة ثلاثة من المشيرين وهم حسين عوني باشا وشيرواني زاده رشدي باشا ومشير الضبطية حسني باشا وصارنفيهم بدون أن تطبق محاكماتهم على القانون ولذلك اندهشت رجال الدولة من هذه الأحوال وكثير التغيير والتبديل في الولاة بحيث صاروا يستبدلون بعد مضي خمسة عشر يوماً تقريباً من تنصيبهم فزادت الأحوال ارتباكاً ولما لاحظ السلطان سوء الحالة عزل محمود نديم باشا من الصدارة بعد أن تولاها أحد عشر شهراً وقد طعنت فيه الجرائد العثمانية وأظهرت ما أتاه من الأعمال المضرة بالدولة.

وقد كثر تغيير الصدور بعده حيث تولى الصدارة مدحت باشا 1292هـ ورشدي باشا الكبير وأسعد باشا وشيرواني رشدي باشا وحسين عوني باشا وأسعد باشا ثانية في مدة ثلاث سنوات ولما انتخب السلطان للصدارة محمود نديم باشا ثانية خطر في فكر رجال الحزب المضاد لسياسة الحكومة أن السلطان راض عن أعمال الوزير المذكور خصوصاً وأن الجنرال أغناتيف سفير الروسيا بالدولة نال مكانة عالية عند جلالته فصار لا يعمل عملاً إلا بعد استشارته حتى وصلت الحالة بالدولة إلى ما لا تحمد عاقبته وقد تمكن السفير الروسي المذكور من نوال مقصده خصوصاً وأن دولته كانت تمكنت أثناء حرب فرانسا وألمانيا 1871 من تعديل بعض بنود معاهدة باريس المعقودة سنة المختصة بالبرح الأسود ورضيت الدولة بأن يكون للروسيا بالبحر المذكرو أساطيل حربية ودور صناعة.

ولما حصلت الروسيا على ذلك أوجدت هناك الأساطيل القوية ثم طرقت أبواب السياسة الشرقية بترويج جماعات الصقالبة التي كانت مراكزها بمدينة بطرسبورغ عاصمتها فينا عاصمة النمسا فحركت الثورات في ولايتي بوسنه وهرسك 1875 م وبثت بين أهالي البلغار بذور الفتن فثارت بعض جهاتهم م إلا أن عمال الدولة هناك تمكنوا من إطفاء الفتنة بسرعة وبعد مدة قليل هيج البلغاريون بعض دعاة الثورة والفساد الذين أرسلتهم جمعيات وبأنه فقاموا ثانية مايو سنة 1876 م وأخذوا في قتل المسلمين وحدثت عدة مذابح في جملة قرى خصوصاً في باتاق.

واستمر هذا الهياج إلى21 يوليه من السنة المذكورة وعند ذلك قام بعض رجال السياسة بأوروبا وفي مقدمتهم غلادستون يطعنون في في الدولة بأغلظ الألفاظ وأشنع التعبيرات وينسبونحصول تلك المذابح إلى شوكت باشا وحافظ باشا وغيرهما من المأمورين وتمكنت الدولة هذه المرة أيضاً من إعادة النظام إلى الولاية وفي تلك الأثناء اشتعل لهيب الثورة في بلاد بوسنه وهرسك بتحريضات أهل الصرب والجبل الأسود وغيرهما فأصدرت الدولة الأوامر لقواد الجيوش بسرعة إعادة السكينة فأخذت تطارد العصاة.

ولما خافت الدولة من أن تقوى الدسائس الأجنبية على مساعيه أصدر السلطان في12 ديسمبر سنة 1875 م فرمانا بمنح تلك الولايات بعض نظامات لتسكين الخواطر إلا أنها لم تفد بل استمر العصاة يعبثون فساداً وطلبوا من الدولة سحب جيوشها من البلاد كما أخرجتها قبل ذلك من قلاع بلاد الصرب فاشتد بذلك الأمر وقدّم الكونت أندراسي لائحته المشهورة في أواخر السنة المذكورة وكان من مشتملاتها إنفاذ ما جاء بالفرمان السلطاني من الامتيازات فقبل السلطان وأصدر عفواً عن جميع المجرمين إلا أن الأهالي لوثوقهم بمساعدة أوروبا لهم على نوال مرغوبهم كما كانت تلقيه عليهم عمال الثورة أصروا على طلبهم الأول من إخراج العساكر العثمانية من بلادهم أو تقيم في القلاح فقط خصوصاً بعد حادثة سلانيك التي وقعت في5 مايوا سنة 1876 م.

وسببها أن فتاة بلغارية اعتنقت الديانة الإسلامية وأتت سلانيك لإثبات إسلامها فتصدى لها بعض سفلة الأروام حين توجهها إلى دار الحكومة واختطفوها من أيدي المحافظين عليها بالقوة وأخفوها أوّلاً في بيت قنصل أمريكا ثم نقلوها إلى دار أحد كبرائهم ولما أشيع ذلك بين المسلمين هاجت نفوسهم وتجمع منهم نحو ثلاثة آلاف أمام سراي الحكومة وطلبوا إحضار البنت المذكورة وتخليصها من أيدي الذين استولوا عليها حفظاً لناموس الأمة العثمانية.

ولما لم يحضروها تجمعوا في اليوم الثاني داخل الجامع المعروف بجامع سليم باشا القريب من سراي الحكومة للمداولة فيما يمكن به إرجاع الفتاة وبينما هم كذلك إذ حضر الموسيو مولين قنصل فرانسا والموسيو هنري أبود قنصل ألمانيا وأرادوا دخول المسجد عنوة فتصدى الناس لمنعهما أوّلاً إلا أنهما دخلا بالرغم عنهم وكان المتداول على الألسنة أن البنت في بيت قنصل ألمانيا المذكور ومما زاد الهياج عند المسلمين أن القنصلين المذكورين تفوّها بألفاظ غير لائقة فاشتد حنقهم وهجموا عليهم وقتلوهما.

كان الوالي محمد رأفت باشا استنجد بقوة عسكرية من القرة قولات ومن ملاحي السفن العثمانية الراسية بالمينا إلا أن تلك القوة لم تحضر سريعاً فحصل ما حصل.

ولما بلغ الباب العالي ما حدث أرسل في الحال لجنة بينها مستشار نظارة العدلية لتحقيق المسألة وأرسلت دولتا فرانسا وألمانيا أسطولين بعث كل من إنكلترة وإيطاليا والنمسا والروسيا واليونان سفنا حربية ثم انتهت المسألة بعمل تراض للدولتين المذكورتين وهي أن ينفى الوالي وبعض المأمورين وأن يقتل الذين تجارؤا على سفك الدماء وأن يضرب باسم كل دولة من الدولتين مدافعاً وترتب على ذلك أن اتفقت الروسيا والنمسا وألمانيا وقدموا للدولة لائحة برلين المشهورة بعد أن صادقت عليها إيطاليا وفرانسا.

ومآله أنهم طلبوا من الباب العالي تنفيذ فرمان 12 دسمبر سنة 1875 م وتعيين مجلس دولي لمراقبة تنفيذ الإصلاحات فرفض الباب العالي ذلك لأنه ماس بحقوقه فارتبكت الأحوال ولما كانت الأمة ترى أن الصدر الأعظم محمود نديم باشا لا يعمل عملاً إلا برأي السفير الروسي نسبت هذه الأمور إلى هذا الوزير العلقمي فكرهه الناس وشنعوا عليه خصوصاً لما أشيع أن السفير الروسي أشار على السلطان بإحضار قدر من الخرواتيين للمحافظة على قصره حينما داخله الريب في إخلاص الجنود والأمة وصار لا يثق بحراسة الخصوصيين وشاع خبر استقدامه ثلاثين ألف من العساكر الروسية للمحافظة على حياته.

وعند ذلك اضطربت الأفكار وهاجت الخواطر وأوّل الناس تلك الإشاعات تأويلات كل على حسب غرضه ورموا الصدر المذكور بالخيانة الكبرى لأفعاله المذمومة وأنه يريد أن يسلم للروس أعدائهم البلاد غنيمة باردة فقامت طلبة العلم الصفطا والتفت عليهم كثير من الأهالي في أواسط ربيع الأوّل سنة 1293هـ وأرسل السلطان لشيخ الإسلام يطلب منه السعي في تسكين أفكار الطلب وإرجاعهم إلى مدارسهم وكان الناس يشيعون أيضاً أن شيخ الإسلام وقتئذ حسن فهمي أفندي يميل إلى سفير الروسيا وينزله منزلة ولده فأشركوه أيضاً في الخيانة.

ولما خلف السلطان تفاقم الخطوب عزل محمود نديم باشا من الصدارة وحسن فهمي أفندي من المشيخة 16 ربيع الأوّل ووجه مسند الصدارة إلى محمد رشدي باشا الكبير المعروف بالمترجم والمشيخة الإسلامية إلى خير الله أفندي والسر عسكرية إلى حسين عوني باشا.

خلع السلطان عبد العزيز ووفاته:

لقد تباينت الأقوال كثيراً في سبب خلع السلطان فمن قائل أن الجنرال أغناتيف سفير الروسيا لما رأى تغيظ السلطان وتأثره من إلزام الأمة إياه بطرد الوزير محمود نديم باشا صار يحرضه على الانتقام من المتسببين وإبعاد كثير من الذين يكرههم السفير المذكور ليخلو له جوّ السياسة فينال ما يشاء فهاجت الأفكار لذلك .

ومن قائل أن السياسة الإنكليزية التي تخاف تقرّب الدولة من الروسيا قضت بالتحريض على خلع السلطان لما رأت أن جلالته يميل إلى محالفة الروسيا ولذلك كان يرتكن كثيراً على آراء سفيرها في الآستانة .

ومن قائل أن الوزراء خافوا من أن يبطش السلطان بهم فتآمروا عليه وغير ذلك من الروايات والحاصل أنه اجتمع كل من رشدي باشا ومدحت باشا وحسين عوني باشا وأحمد باشا القيصرية لي وشيخ الإسلام حسن خير الله أفندي وأمثالهم من رجال الدولة وأركانها وقرروا خلع السلطان عبد العزيز فيما بينهم وبقي هذا الأمر سراً لا يذيعونه حتى تمكنهم الفرصة من إجرائه وكتبوا يستفتون شيخ الإسلام فأفتى بالجواز وعلى ذلك حاصروا السراي السلطانية براً وبحراً بالجنود قبل غروب يوم الاثنين 6 جمادى الأولى سنة 1292هـ-28 مايو 1876م .

ومن الغريب أن الجنود كلها لم تكن تعلم شيئاً من سبب تجتمعها بهذه الصفة ولما تم الحصار ذهب السر عسكر حسين عوني باشا إلى مقر السلطان مرادخان وطلب مواجهته فخرج إليه وقد اعتراه الخوف لإيقاظه من النوم في تلك الساعة وبعد أن هدأ روعه أركبه معه في العربة وسلمه غدّارة بست طلقات لتكون معه ولما أتى به إلى باب السر عكسرية أجلسه في الحجرة التي أعدّت لمبايعته وفي الحال حضر الشريف عبد المطلب وغيره من أعيان الدولة ورجالها وعظمائها وبايعوا السلطان في الساعة الثالثة بعد نصف الليل.

ثم أرسلت الفتوى إلى رديف باشا وكان الموكل بأمر الحصار فأحضر لديه رئيس أغوات السراي جوهر أغا وأبلغه بأن الأمة قد خلعت السلطان عبد العزيز وبايعت السلطان مرادخان وأنه مأمور بإرسال السلطان المخلوع إلى سراي طوبقبو ولما بلَّغ جوهر أغا هذه الرسالة كان يضطرب ويرتعد فقال له السلطان عبد العزيز ارجع إليه وقل له هل خلعي أمر هين فقال له رديف باشا إن العساكر محيطة بالسراي بحراً وبراً فإذا امتنع عن الخروج والذهاب إلى سراي طوبقبو طوعاً أخرج كرهاً وأرسل له فتوى شيخ الإسلام القاضية بخلعه.

فلما نظر السلطان إلى العساكر والفتوى لم يجد بداً من الخروج فخرج وأنزل في زورق ومعه ابنه الأمير يوسف عز الدين أفندي ونقلت عائلته أيضاً إلى تلك السراي وكانت محاطة بالعساكر كذلك وفي الصباح أطلقت المدافع من المرامي البرية والبحرية فهب الناس من مضاجعهم وهم يسمعون صوت المنادي يقول أن السلطان مراد الخامس جلس على سرير السلطانة السنية فخرجوا أفواجاً وتوجهوا إلى سراي يشكطاش فقيل لهم أن السلطان في سراي السر عسكرية فقصدوها ودخلوا عليه وبايعوه وكانت تلوح على وجوههم علامات السرور والفرح وفي نحو الساعة الثالثة ركب السلطان مراد مركبته وقصد سراي بشكطاش وأقبلت إليه الجموع هناك تبايعه وقد استمرت المبايعة ثلاثة أيام.

أما السلطان عبد العزيز فإنه لم يمكث بعد خلعه إلا أربعة أيام على قيد الحياة ثم مات وللناس في أسباب موته أقوال ظاهرة وأخرى خفية تداولوها فيما بينهم أما الأولى فهي أن هذا السلطان العظيم اعتراه من يوم خلعه مرض في رأسه صيره كالمجنون فاضطربت أحواله وحركاته فكان يتخيل تخيلات زاد بها قلقاً حتى أنه لم يعد يستطيع الرقاد ليلة وفاتة هي ليلة الأحد الموافق 11 من شهر جمادى الأولى ولما أصبح الصباح دخل الحمام كعادته ثم خرج إلى بستان السراي ثم عاد إلى حجرته وأمر بفتح الشبابيك والأبواب وأخذ يتمشى بها ثم عاد وخرج ثانية إلى البستان وكأنّ الدنيا ضاقت عليه ثم حاول الخروج إلى شاطىء البحر فمنعه ضابط الحرس بكل أدب وقال له يا مولاي لا آذن بالخروج فأبى وشتمه.

فحضر ضابط آخر وأشار إليه بالدخول فدخل وقد زاد بلباله واضطرابه حتى ظهرت عليه علامات الاختلال وأخيراً طلب من إحدى الجواري مقصا يقص به أطراف لحيته كعادته فخرجت الجارية وأخبرت والدته بذلك فأعطتها مقصاً ومرآة فتناول المقص وأخذ يقص به أطراف ليحته ووالدته تنظر إليه من وراء الباب ولما رآها أمرها بالانصراف ثم جلس على متكأ ونادى أحد الأغوات وخاطبه بمحاربة العدوّ الذي كان يتوهمه في كل لحظة.

ثم أخذ المقص وشرع يقطع به عرقاً في وسط ذراعه الأيمن فحاول الخادم أخذ المقص منه فمانعه فذهب إلى والدته صارخاً في تلك الأثناء جلس السلطان على المتكأ وقطع عرق يده اليسرى قطعاً بليغاً وقيل إنه قبل أن يفعل ذلك أحكم غلق الباب ولما جاءت والدته والجواري طفقن يصرخن ويبكين وكسرن زجاج الشبابيك ولما أقبل الضباط بلغهم الخبر وقيل إنه كان يفتكر في مدّة في الانتحار.

ولما وصل خبر ذلك إلى السلطان أصدر أمراً بتشكيل لجنة طبية لتحقيق سبب الوفاة ولما كشفوا عن الجثة حرروا مضبطة وقع عليها الأطباء وكانوا 19 طبيباً من أكبر أطباء الآستانة بينهم أطباء بعض السفارات ومآل تلك المضبطة لا يخرج عما ذكرناه هذه هي الرواية الظاهرة إلا أن بعض الواقفين على خفايا الأمور قالوا بتأكيد أن وفاة السلطان عبد العزيز لا بدّ وأن تكون بفعل فاعل ونسبوا ذلك إلى أن مدحت باشا وحسين عوني باشا وغيرهما من الذين اتفقوا على قتله منعاً لحصول القلاقل المستقبلة ما دام على قيد الحياة وليكونوا في مأمن من الانتقام فيما بعد وقالوا إنهم وكلوا بقتله اثنين من الفداوية بعد أن اتفقوا على ذلك مع أحد البكوات الذي كان انتخبه السلطان عبد العزيز لمرافقته أثناء عزلته.

وكان يعتمد عليه كثيراً ولا يخاف منه شراً وقد أوعز هذه البك إلى والدة السلطان أن تأخذ من السلطان خنجر السلطان عثمان وكان يتقلده دائماً وقال لها أنه لا يصح أن يبقى هذا الخنجر مع السلطان خوفاً من أن يضرب به نفسه فصدّقت قوله لعلمها بمحبتها الشديدة لابنها واحتالت حتى أخذت الخنجر المذكور في تلك الليلة أقفل ذلك المأمور الأبواب ودخلت الفداوية من شبابيك البستان وتمكنوا من قتل السلطان بمرت خصيتيه ثم حصل ما حصل والله أعلم بالحقائق وذلك كان سبباً في قيام الضابط حسن الجركسي وقتله بعض الوزراء كما سيأتي أم السلطان فشيعت جنازته ودفن بجوار أبيه السلطان محمود رحمهما الله رحمة واسعة.

وكان رحمه الله قوي البنية يحب السير على خطة أسلافه من إصلاح أحوال المملكة ومعاملة جميع الرعايا على السواء محباً للعمارة شيد كثيراً من المباني والقصور الفاخرة والمعامل المفيدة في جملة ولايات فقويت بها المملكة براً وبحراً ومدّجلة خطوط حديدية في بعض ولايات الروم إيلي وأصلح فم نهر الطونة ومهد عدة طرق بالأناضول فاتسعت دائرة التجار ولولا الدسائس الأجنبية لكانت أيامه تعد من أعظم الأيام وكان ميالاً إلى السياسة الروسية كثيراً وهذا ما أمال الأمة عنه لأنه كان يرى في موالاته للروسيا تحقيقاً لمآربه وغاياته كما كان يوعز إليه بذلك سفير الروسيا الجنرال أغناتيف ولذا كان السلطان يتظاهر بالميل إليه كثيراً.

السلطان مرادخان الخامس ابن السلطان عبد المجيد 1293هـ:

لما تمت مبايعة السلطان مرادخان الخامس كما تقدّم أظهرت الأمة العثمانية انشراحها وسرورها واحتفلت بإقامة الزينات في دار الخلافة ثلاث ليال وأعلن الباب العالي الحكومة الخديوية وسائر الإمارات الممتازة تلغرافياً بجلوس السلطان مرادخان الوارث الشرعي لكرسي الخلافة وفي اليوم العاشر من الشهر كتب المرحوم السلطان عبد العزيز خان مكتوباً إلى السلطان مراد به كثيراً من الأقوال الحكيمة ينفي عنه ما أشاعوه عنه من إصابته بالاختلال العقلي.

وكانت الأحوال مضطربة والجرائد تكتب المقالات الطويلة طالبة تشكيل مجلس شورى من نواب تنتخبهم الأمة وسن قانون أساسي للدولة ولما خافت الحكومة سوء العاقبة أصدرت إدارة المطبوعات إلى عموم الجرائد أمراً بمنع الكلام في هذا الخصوص فانساءت الأمة من ذلك وبعد خمسة أيام من هذا الأمر صدر خط هما يوني في 16 جمادى الأولى إلى الصدر الأعظم محمد رشدي باشا ببقائه وهو سائر الوزراء في مناصبهم وكان يحتوي على مبادىء الشورى التي يقصد جلالتها إدخالها لإصلاح كافة الإدارات.

ثورة الصرب والجبل الأسود :

لما جلس السلطان مرادخان على سرير الخلافة كانت الثورة بولاتي بوسنه وهرسك لا تزال مشتعلة وكذا الحال ببلاد البلغار وكان رجال الثورة الذين اجتمعوا في فلبه وطرنوه وصعدوا إلى جبال البلقان لتهيج أهاليها وأخذوا في مقاتلة العساكر الشاهانية والفتك بالأهالي الإسلامية القاطنين بتلك البلاد والأطراف.

وقد اهتمت الدولة بمنع هذا العصيان وأصدر السلطان عفواً عاماً عقب جلوسه عن العصاة وكتبت النصائح اللازمة ونشرت على البلغارين وأخذت الدولة أيضاً في التجهيزات العسكرية لظلام أفق السياسة وطلبت كثيراً من عساكر الرديف من بر الأناضول وساقتهم إلى تلك الأطراف ولما كانت دسائس الروس لا تزال تروّج الثورات بتلك النواحي شقت إمارتا الصرب والجبل الأسود عصا الطاعة أيضاً فاتسع الخرق على الدولة وتعدّدت مشاكلها وزادت جروحها خطراً حتى اضطرت لأخذ الاحتياطات الشديدة وطلبت مدداً من المرحوم إسماعيل باشا خيدو مصر فأنجدها سريعاً بقوّة مؤلفة من ثلاثة ألايات من المشاة وبطاريتين من المدافع وكان يقود هذه القوّة الفريق راشد حسني باشا ومن قوّادها العظام إسماعيل كامل باشا وسافرت على خمسة وابورات مصرية تحت ملاحظة محمد كامل باشا قومندان وأبور المحروسة ووصلت هذه القوّة إلى سلانيك في شهر رجب من سنة 1293هـ.

ثم سافرت من طريق إسكوب الحديدي إلى جهات يكي بازار وذهبت من هناك والتحقت بالجيوش العثمانية النازلة بحدود بلاد الصرب وأرسل الخديو أيضاً كثيراً من الأسلحة والمعدّات الحربية لتوزيعها على الجنود العثمانية وبعث ثلاثة وابورات للمساعدة في نقل الجيوش العثمانية ثم عمت الثورة أنحاء تلك الإمارات وسرت إلى ولاية الروم إيلي وتقاتل الطرفان وانتصر عثمان باشا بقرب قصبة إيجار على الصرب انتصاراً باهراً ثم سار سليمان باشا من جهة شهركوي وحافظ باشا من جهة بلا نقه.

وبعد أن تقابلاها جما الصربيين فهزماهم هزيمة هائلة حتى اضطروا لترك حصونهم والالتجاء إلى داخل البلاد وأرسل أيضاً السر عسكر عبد الكريم نادر باشا من نيش فرقة عسكرية تحت قيادة أحمد أيوب باشا فكسر الصربيين في مضيق غراماده واستولى على ما معهم من المدافع ثم تقابل أحمد أيوب باشا بسليمان باشا وتقدّما وكسرا قوّة للصربيين في مضيق بانديرو ثم تقدّم على صاب باشا إلى مدينة الكسناج فانتصر على الصربيين بجوارها ثم انضم إليه أحمد أيوب باشا بفرقته وحاصراها إلا أن العثمانيين لم يستولوا عليها إلا في عهد مولانا السلطان الأعظم عبد الحميدخان.

وفي تلك الأثناء أيضاً كان محمد علي باشا منتصراً بالجيوش المصرية بجهات يكي بازار واستولى على قلاع ياوور وبهذه الانتصارات المتقدّمة انقطع أمل الصربيين وداخلهم اليأس وفي خلال ذلك أيضاً انتصر أحمد حمدي باشا بفرقته على ثوار الجبل الأسود في جهتي قوج وصلاجق إيزلا تحبه وانتصر سليم باشا بفرقته عليهم في الجهة الواقعة بني نواسين وغاجقة وتقدّم أحمد مختار باشا بقوّة كبيرة عليهم أيضاً من جهة نواسين.

وبعد أن بدّد شملهم استولى على استحكاماتهم التي أنشؤها بتلك الجهات المستحكمة استحكاماً طبيعياً ثم تقدّمت عساكره حتى وصلت إلى محل يدعى بيلك ولما تقدّم عثمان باشا وسليم باشا بفرقتيهما احتاط بهما الجبليون من كل صوب وتغلبوا على القائدين العثمانيين وكسروهما وقتل سليم باشا والتزم عثمان باشا أن يسلم فأخذوه أسيراً وعاملوه بالحسنى مدة أسره ثم تقدّموا لمصادمة قوّة أحمد مختار باشا ولكنه قاومهم وكسرهم في جملة وقائع ولما رأى زيادة قوّتهم وتجمعهم عليه طلب من جنود بوسنه قوّة فأرسلوا له ستة عشر طابوراً.

ولما وصلت إليه أخذ يهاجم الثوار ويضايقهم في جهات فريج وفخور وترمبين ثم أرسلت الدولة جيشاً آخر من الآستانة وبر الشام على البواخر تحت قيادة محمود باشا فنزل في فرضة بار إلا أنه هزم واضطرّ لأن يرجع متقهقر إلى أشقودره وسبب ذلك وعورة تلك الأطراف وعدم محاربة الجبلين محاربة منتظمة وكان الروس لا ينفكون عن إرسال الأسلحة والذخائر إلى الصربيين والجليين ويرسلون إليهما أيضاً متطوّعين من الجيش الروسي وغيره لقيادة الثوّار كل ذلك بمساعي جمعيات الصقالبة بأوروبها ومع هذا فإن ما بذله العثمانيون من الهمة والنشاط وكبح الثوّار أدهش الروس.

مرض السلطان مراد وخلعه:

اعلم أنه لما أجمع القوم على خلع المرحوم السلطان عبد العزيز خان وتولية السلطان مراد وذهب حسين عوني باشا إلى حيث يقيم السطان مراد وإعلامه بذلك وإحضاره إلى باب السر عسكرية وكان ذلك بعد منتصف الليل اعترص السلطان دهشة وفزع لأنه لم يكن يعلم شيئاً من ذلك كما تقدّم وقد ازداد معه هذا الأمر بما حدث بعد من الحوادث وظهرت عليه علامات الاضطراب حتى أنه لما بلغه خبر قتل حسن الجركسي للسر عسكر وناظر الخارجية وغيرهما وقت تناوله الطعام ازداد اضطراباً وتغيرا فترك الطعام وقام فأغمى عليه وتقايأ وصار بعدها لا يميز الوزراء من بعضهم.

ومع ذلك كان الصدر الأعظم رشدي باشا يجتهد في إخفاء هذا الأمر عن العموم في أوّله واستمرّ يسير المصالح السياسية والإدارية بهمة عظيمة إلا أن امتناع السلطان عن حضور الاحتفالات الرسمية وتقلد السيف حسب المتبع وعدم مقابلته للسفراء لتقديم أوراقهم الرسمية ببقائهم في مراكزهم كالمعتاد ومضى على ذلك أكثر من شهرين أدخل الريب عند الأمة وذاع خبر مرض السلطان.

ولما اشتدّ الأمر به أبلغ ناظر الخارجية جميع السفراء بالحالة وأخبرهم أيضاً بلزوم خلع السطان ثم إن الوزراء استدعوا الدكتور وليد روزف النمساوي رئيس مستشفى ويانه الشهير في الأمراض العقلية وطلبوا منه اختبار حالة السلطان وبعد أن لازمه جملة أيام وتأمل في حركاته وأحواله واستعلم عن كيفية معيشيته في أيامه الماضية كتب تقريراً ذكر فيه أن مرضه هذا كان مقروناً بالخطر وقد بذل الجهد في معالجته وأوسى باستنشاقه نسيم البحر فصاروا يخرجونه في يخته المخصوص إلى البوغار يومياً.

إلا أن المرض كان يأخذ في الاشتداد حتى ظهرت عليه علامات غريبة توجب الحزن من ذلك أنه أراد مرة أن يلقي بنفسه من إحدى النوافذ وأخيراً تشاور الوزراء ثم عرضوا الأمر على أخيه الأمير عبدالحميد أفندي وأن يستلم مقاليد الدولة فنصحهم بالتأني وعدم التسرع في الأمور ولما كان بعض الدول المتحابة يلح بإجلاس سلطان جديد ليتيسر للدولة متابعة الإصلاحات تعينت لجنة من الأطباء للنظر في حالة السلطان مراد ولما نظره الأطباء قرروا بإصابته بداء عضال لا يرجى شفاؤه.

ولما كانت مصالح السلطنة تحتاج إلى من ينظر في شؤنها اجتمع الوزراء واستقرّ رأيهم في المجلس المنعقد يوم الأربعاء العاشر من شعبان سنة 1293هـ-30 أغسطس 1876 م على مبايعة أخيه مولانا السلطان الحالي عبد الحميد خان وأرسلوا إلى والدة السلطان مراد يبلغوها مع الأسف الشديد ما استقرّ عليه رأي الوكلاء والوزراء فأرسلت إلى الصدر الأعظم رقيماً أظهرت فيه قبولها لما استصوبوه ثم اجتمع الوزراء وتذاكروا في الأمر بعد أن استفتحوا شيخ الإسلام دولتا وخير الله أفندي فأفتى بالجواز وعلى ذلك تقرر وجوب مبايعة سيدنا ومولانا السلطان عبد الحميد خان الثاني .

السلطان عبد الحميد خان الثاني ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان:

جل حرسه الله على تخت الخلافة الإسلامية في ويوم الخميس 11 شعبان 1293هـ-31 أغسطس سنة 1876 م وحضر لمبايعته الوزراء والأعيان وأرباب المناصب العلمية والعسكرية والملكية في سراي طوبقبو ثم قصد سراي بشكطاش فوفد عليه رؤساء الطوائف المختلفة وهنؤه بالخلافة وأطلقت المدافع في الأوقات الخمس من سائر المرامي البرية والبحرية بسائر أطراف السلطنة كما هي العادة.

وأقيمت الزينات بجميع جهات الآستانة وغيرها ثلاثة أيام بلياليها وأرسل الصدر الأعظم التلغرافات فأعلم البلاد الممتازة ثم في يوم الخميس الثامن عشر من شعبان تقلد الخليفة السيف على الرسوم المعتادة بجامع سيدي أبي أيوب الأنصاري قلده إياه نقيب الأشراف بحضور شيخ الإسلام والوكلاء كالمعتاد ثم عاد في موكب حافل فاخر كم أتى ولما قبض على زمام الأعمال أخذ يهتم في إصلاح الأمور بهمة ونشاط وأقر محمد رشدي باشا في الصدارة وكذا باقي الوزراء وأصدر فرماناً بتاريخ 21 شعبان 1293هـ أظهر فيه رغبته في السعي في إصلاح أمور الدولة.

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:11 AM
وقائع الروم ايلي :

لا يخفى أنه في مبدأ جلوس السلطان كانت الدولة محفوفة بالاتباكات الشديدة والاضطرابات العديدة والثورات الكثيرة المنتشرة بولاياتها بالروم ايلي ولذا أصدر السلطان الأوامر بسرعة إرسال الجنود إلى حدود الصرب والجبل الأسود وبوسنه وهرسك لإخماد الثورة فاستدعت نظارة الحربية عساكر الرديف من كافة الايالات وبعد أن سلحتهم أرسلت غالبهم إلى المواقع العسكرية وشدّدت الأوامر على قوّاد الجنود بالمواقع الحربية ببذل المجهود وصرف الهمة لسرعة إطفاء الثورة.

فانتصرت العساكر العثمانية في غالب الوقائع وشدّد السردار عبد الكريم نادر باشا الحصار على الكسناج حتى أنه بعد أيام كسر جموع الصربيين وهزم قائدهم الجنرال جرنايف الروسي الذي كان متقلداً قيادة الصربيين بإيعاز من دولته التي كانت تسعى في تهييج الطوائف المسيحية على الدولة كما هي عادتها وعادة الدول الأوروباوية الأخرى متى أرادت معاكسة الدولة وانتصر أيضاً أحمد أيوب باشا وسليمان خيري باشا على جيوش الصرب التي كانت تحت قائده لاشانين وفتحت نيشواز ثم رتب الس عسكر عبدي باشا الجنود وتقدّم إلى بلغراد باقي جموع الصربيين.

وخاف البرنس ميلان أمير الصرب من عاقبة الأمر فطلب من قناصل الدول 2 شعبان 1293هـ التوسط في الصلح وبناء على ذلك تداخلت الدول الأوروباوية التي لما أيقنت بعجز الثائرين توسطت في طلب المهادنة ولوالي شهر لوضع شرائط الصلح وأبلغ السير هنري آليوت سفير الإنكليز في الآستانة ذلك إلى الدولة وأيد طلبه جميع السفراء إلا أن الباب العالي اعترض على محرراتهم الشديدة اللهجة ثم قدموا شرائط المصالحة والتزم الباب العالي بقبول المهادنة في ظروف 48 ساعة وكان الباب العالي يظن أن الدول الأوروباوية تعلن أميري الصرب والجبل الأسود بتوقيف الخصام إلا أنهما لم يتوقفا إلا بعد مخابرات وتداخلت دولة الروسيا في الأمر بشدة واستمرّت المخابرات السياسية بين الدول والباب العالي بواسطة السفراء لا تنقطع.

وكانت الدول تغل يد الدولة في غالب المخابرات عن التصرف في حقوقها الشرعية وفي تلك الأثناء استعفى محمد رشدي باشا من منصب الصدارة لتقدّمه في السن 4 ذي الحجة 1293هـ ووجهت الصدارة إلى مدحت باشا وتقرر امتداد زمن الهدنة وعينت الصرب من قبلها المسيو قرستيج ومايخ فتقابلا مع صفوت باشا ناظر الخارجية وبعد المذاكرة اتفق الطرفان وعادت المناسبات بينهما ببقاء كل شيء على أصله كما كان ولما كانت مسألة الجبل الأسود لم تنته بعد رأت الدولة لزوم تجديد الأعمال الحربية وأصدرت الأوامر إلى عموم المراكز العسكرية في حدود الجبل المذكور بأن تكون على قدم الاستعداد حتى إذا انتهت مدة الهدنة وتصدت جنود الجبل لاستعمال السلاح قابلتها العساكر العثمانية بالصرب.

القانون الأساسي ومجلس الشورى :

لما كان السلطان عبدالحميد خان من يوم جلوسه على تخت الخلافة منح البلاد نظاماً دستورياً مناسباً لحالتها يحفظ لعموم الأمة العثمانية حقوقها ويربط جميع الأجناس والملل المتكونة منها الدولة العثمانية ببعضها لمنع الدسائس الموجبة للمنافسات واشتراك جميع الرعايا في تحسين شؤن الدولة أصدر فرماناً بناء على ما قرره الوزير في 5 شوال سنة 1293هـ بتنظيم مجلس عمومي يتكوّن من مجلسين

أحدهما : ينتخب الأهالي أعضاءه ويسمى بمجلس المبوعثان.

والثاني : تعين الدولة أعضاءه ويسمى بمجلس الأعيان.

وبعد أن مضى أربعة أيام على صدارة مدحت باشا أصدر له السلطان فرماناً مرفقاً بالقانون الأساسي يشتمل على مادة أمر بأن يكون العمل بمقتضاه في جميع المماليك العثمانية وتلى هذا القانون بالآستانة في محفل عام 14 ذي الحجة سنة 1293هـ .

وأطلقت المدافع من القلاع البرية والبحرية سروراً بذلك ويتضمن هذا القانون الحقوق العمومية لتبعة الدولة العلية وواجبات الوزراء والمأمورين والمجلس العمومي وهيئة مجلس الأعيان وهيئة مجلس المبعوثان والمحاكم والديوان العالي والأمور المالية والولايات وموادّ شتى أخرى وقد أعلنه الباب العالي لعموم الولايات ثم أخذت الدولة في السير على موجبه والعمل بنصوصه من ذلك التاريخ.

ولقد كان صدور هذا القانون في الزمن الذي كانت فيه الدولة مرتبكة بتداخل الروسيا ودول أوروبا في مسائلها الداخلية ثم قويت الدسائس الروسية حتى تمكنت من عزل أحمد مدحت باشا أوّل الساعين في وضع هذا القانون الشورى ونفي إلى خارج الممالك العثمانية 21 محرم سنة 1294هـ أي بعد شهرين من صدارته لأنهم نسبوا إليه السعي في إرجاع السلطان مراد إلى عرش الخلافة وفصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية بمعنى أن السلطان لا يكون خليفة لجميع المسلمين في المعمورة بل يكون سلطاناً على الأمة العثمانية فقط تنفيذ المقاصد بعد الدول الأوروباوية الساعية في إضعاف الشوكة الإسلامية وتعين بعده للصدارة أدهم باشا قال بعض الواقفين على السياسة أنه لم يكن من الصواب نفي مدحت باشا في الوقت الحرج المذكور لأنه لو بقي في منصبه ربما أمكنه بعد أن رفضت الدولة قرار المؤتمر الذي عقده السفراء في ذلك الوقت بالآستانة كما سيأتي أن يجد حلاً للمشاكل التي حدث معظمهما بسببه ثم اجتمع مجلس المبعوثان العثماني 4 ربيع الأول في سراي بشكطاش وافتتح بحضور جلالة مولانا السلطان وتليت فيه خطبة عظيمة عن لسانه الملوكي.

وأخذ بعد ذلك يعقد جلساته ويتذاكر فيما يعرض عليه من المسائل وقد امتدح سيره كثير من الجرائد الوطنية والأجنبية على اختلاف أنواعها ومشاربها وقالت إن حسن سيره وانتظام جلساته يدل على ترقي الأمم العثمانية ولكن من الأسف أن استعمل بعض أعضائه حدة في أمور لا لزوم للخوض فيها في ذلك الوقت ولما كان بعد دول أوروبا لا تحب أن ترى اتفاق الأمة العثمانية وأن يكون لها مجالس نيابية شورية أخذت تدس الدسائس من يوم ظهور هذا المجلس إلى عالم الوجود.

ولما خافت الدولة من أن رواج الدسائس الأجنبية بين الأعضاء يؤدي بلا شك إلى المشاكل والاختلالات التي أرادت الدولة التخلص منها بتشكيل هذا المجلس فتكون جلبت على نفسها الضرر من حيث أرادت المنفعة صدر أمر سلطاني بعد اتفاق وزراء الدولة وأعيانها بإرجاء اجتماعه إلى أجل غير محدود 10 صفر سنة 1295هـ .

رفض قرار المؤتمر والبروتوكول وحرب الروسيا :

قلنا فيما تقدم أن الدول اتفقت على التضييق على الدولة العثمانية وإجبارها سياسياً على قبول مهادنة الصرب والجبل الأسود وكان ذلك تارة بالنصائح المؤلمة وتارة بالتهديد ولما قبلت الدولة ذلك أرسلت تلغرافين لأميري الصرب والجبل الأسود تدعوهما إلى عمل طريقة لتسوية الخلافة فأجاب البرنس ميلان أمير الصرب تلغرافياً بقبوله المصالحة على طريقة الاستاتيكو أي بقاء حالة امتيازاته كما كانت عليه أوّلاً وعين من قبله المندوبين السابق ذكرهما أما جواب البرنس نيقولا أمير الجبل الأسود فتأخر خمسة أيام وكان بلا شك يستشير بعض دول أوروبا التي يستند عليها ثم طلب تقرير قاعدة لذلك بمعرفة مندوبي الدول الذين تداخلوا في أمر المهادنة الأولى.

غير أنه لم تمض إلا مدة قليلة حتى قامت الروسيا في ميدان المعارضة تطلب عقد مؤتمر للنظر في مسألتي البلغار وبوسنه فزادت الحالة ارتباكاً وبعد أن أظهرت الدولة جنوحها إلى السلم قامت الدولة الأوروباوية تساعد دولة الروسيا في طلبها وعقد مؤتمر بالآستانة من سفراء الدول وعينت الدولة صفوت باشا ناظر الخارجية وأدهم باشا سفيرها بباريس مندوبين من طرفها وبعد عقد جلساته أخيراً في نظارة البحرية تحت رياسة صفوت باشا قرر طريقة الإصلاحات اللازم إدخالها في ولايات بوسنه وهرسك والبلغار تحت مراقبة الدول ثم قدموا ذلك القرار إلى الدولة وكانوا قبل ذلك اجتمعوا بسفارة الروسيا وقرروا الموادّ الأساسية لهذا المؤتمر ولم يسمحوا لمندوبي الدولة بالحضور وهذا مما دل على تحيزهم للروسيا وتألبهم على معاكسة الدولة العثمانية.

وفي خلال ذلك ساقت الروسيا مائتين وخمسين ألف عسكري إلى حدود المملكتين و 150,000 إلى حدود الأناضول وهاجت الأفكار في بلاد الروسيا في كثير من عواصم أوروبا.

وقالت النسما إذا تجاوزت الروسيا نهر الطونة أرسل عساكري للمحافظة على بوسنه.

وقال اليونان إذا تقدمت الروسيا للحرب مع الدولة لزمنا إظهار التشيع للأروام الموجودين في أراضيهم.

ولهذا كانت الدولة العثماية في مركز حرج بحيث لو أقدمت على الحرب لاضطرت لمقاومة هذه الأمم بمفردها ولهذا أصدر السلطان الأوامر إلى نظارة الحربية بحشد الجيوش في حدود الدولة من جهتي الروم ايلي والأناضول وعين المشير أحمد مختار قائدا عاماً على جيوش الأناضول والمشير عبد الكريم نادر باشا قائداً عاماً على جيوش الروم ايلي وعين المشير درويش باشا قائد الباطوم وكان عثمان باشا وقتئذ قائداً على فرقة ودين.

ورأى جلالة السلطان أن يشرك الأمة معه للنظر في هذه الحالة كما هو القانون الأساسي فجمع مجلساً عاماً مؤلفاً من كافة الوزراء الموظفين والمعزولين والعلماء والأعيان والتجار والرؤساء الروحانيين وبعض كبار المأمورين بحيث بلغ عددهم مائتي نفس وعرض عليهم قرار المؤتمر فأجمعوا على رفضه لأن الإصلاحات المطلوبة فيه للولايات موجودة في القانون الأساسي الذي منحته الحضرة السلطانية لجميع الشعوب العثمانية بلا استثناء ولأن قبوله موجب لتداخل الأجانب في أمور الدولة الداخلية.

أما قرار المؤتمر المذكرو فكان يشتمل على المواد الآتية وهي :

أوّلا:ً إضافة جهة مالي روزنيك إلى بلاد الصرب وردّ حدودها القديمة إليها.

ثانياً : أن يضاف إلى الجبل الأسود جهات اسبيذا و مقاطعة من ألبانيا وهرسك.

ثالثاً : منح بلاد بوسنه وهرسك استقلالاً إدارياً وأن يعين الباب العالي لها حاكماً مسيحياً لمدة خمس سنوات.

رابعاً : منح الاستقلال الداخلي لبلاد البلغار أيضاً.

خامساً : تشكيل بوليس وطني للأقاليم المذكورة واعتبار اللغة السلافية لغة رسمية لأنها لغة الأكثرين وتخصيص نصف إيرادات البلاد المذكروة لمنافعها الداخلية.

سادساً : انتخاب مشايخ القرى والقضاة والبوليس وغير ذلك في أقاليم فلبه ومقدونيا العليا المجاولة للبلاد المذكورة.

سابعاً : أن يحتل هذه الأقاليم مدة زمن قوّة عسكريةبلجيقية تكون مصاريفها من طرف الدولة.

وقد أثارت هذه الطلبات الغريبة الإحساس الوطني لدى العثمانيين وتهيئوا جميعاً لرفضها لأن أوروبا لا تحرمهم بذلك من ثمرات انتصاراتهم وفتوحاتهم فقط بل تعاملهم أيضاً كمغلوبين والأمر بخلاف ذلك كما علمت ولما رأت حكومة اليونان أن العنصر السلافي سيقوى بهذه الاقتراحات اضمت في الرأي إلى الدولة العثمانية ومع أنه صار تعديل هذه الاقتراحات فيما بعد إلا أن الدولة رفضتها رفضاً باتاً ولما رفضت الأمة والدولة قرار المؤتمر كما ذكر سافر مندوبو الدول وقناصلها من الآستانة كأنهم بذلك قطعوا معه الصلات الودية.

وبعد ذلك كتب البرنس غورجقوف نشرة إلى سفراء الروسيا لدى دول أوروبا 31 يناير سنة 1877م قال فيها برفض الدولة العثمانية لقرار المؤتمر ويطلب منهم أن يعلموه بآراء الدول التي ينوبون لديها ليتفق الكل في العمل إزاء الدولة العثمانية وكتب أيضا صفوت باشا ناظر خارجة الدولة إلى سفرائها يعترض على عقد المؤتمر لم يعقد فيما بعد بطريقة رسمية إلا لعرض أمور اتفقت الدول عليها من قبل للتصديق عليها فقط.

وقال إن الدولة لا يمكنها أن تقبل هذه الاقتراحات أصلاً لأنها تحط بقدرها أما الدول فلم ترسل جواباً عن ذلك لا للروسيا ولا للدولة وفي تلك الأثناء تم الصلح بين الدولة والصرب بشروط أهمها خروج العساكر العثمانية من الصرب وأن لا تشيد الصرب فيما بعد قلاعاً جديدة وأن يرفع العلم العثماني بجانب العلم الصربي ولم تعقد المصالحة مع الجبل الأسود لطلبه تنازل الدولة له عن قطعة من أراضيها.

ولما رأت الروسيا أن مساعيها التي اجتهدت في الحصول عليها ربما ضاعات بالصلح بين العثمانيين والبلاد التي أثارتها عليهم ومال سكانها من النصارى إلى السكينة بعد أن أصابهم من الخسائر الجمة هزيمة جنودهم ما أصابهم ولا يعود لها فيما بعد حق بالمداخلة في أمورهم لتحسين حالتهم.

كما هوّلت بذلك لدى دول أوروبا سيمساوان المالك العثمانية أصبح لها قانون أساسي يمنح المساواة لجميع الرعايا بلا تمييز هو الأمر الذي لم تتحصل عليه للآن حرر البرنس غورجقوف بروتكول أي بلاغاً نهائياً وعرضه على الدول الأوروباوية التي اشتركت في مؤتمر الآستانة وهو يتضمن إرجاع الدولة لجنودها وترك السلاح وتحسين أحوال الولايات المذكورة تحت مراقبة السفراء لتأمين خير النصارى.

وبعد أن صدّقت عليه نواب إنكلتره وأستوريا وفرانسا وألمانيا وإيطاليا 31 مارس سنة 1877 أرسلوه إلى الدولة وأوعزت إنكلتره سراً إلى سفيرها بالآستانة بأن يخبر الباب العالي بأن تصديقها على هذا البروتوكول هو للمحافظة على السلم في أوروبا فقط أي أنها لا تصادق عليه في المعنى وهو تشجيع للدولة في أن تستمر على رفض القرار المذكور.

ولما وصل هذا البلاغ إلى الدولة العلية طلبت أن يكون ترك السلاح منها ومن الروسيا معاً في آن واحد كما تقتضيه العدالة ولما لم تقبل الروسيا ذلك التزمت الدولة برفض البروتوكول وكتب ناظر الخارجية لسفراء الدولة بأوروبا نشرة قوية الحجة جداً تبرأ فيها من عدم ميل الدولة للسلام مظهراً تحامل أوروبا عليها بأقوال جديرة بالمطالعة.

ولكن ما فائدة الحق إذا كان صاحبه ضعيفاً وعليه انقطعت العلاقات السياسية بين الدولتين وأعلنت الروسيا الحرب على الدولة بمكتوب أرسلته إلى نائب سفيرها ببطرسبورغ 11 ربيع الآخر 1294-25 إبريل سنة 1877 ثم تقدّمت الجيوش الروسية وتجاوزت الحدود العثمانية بعد أن تعاهدت مع رومانيا سراً على أن تجعل رومانيا جميع مخازنها ومؤنها وذخائرها الحربية وجيشها تحت تصرف الروسيا وأصدرت أيضاً الدولة الأوامر إلى جميع قوّاد جيوشها بمقابلة العدوّ بما عهد فيهم من البسالة والإقدام وكتبت إلى دول أوروبا نشرة تعترض فيها على ما فعلته رومانيا من الفعل المخالف للقانون لأنها لا تزال بلاداً خاضعة للسيادة العثمانية كما قررته الدول ولا حق لها في عقد معاهدة مع دولة معادية لها ومع ذلك فإن الدول لم تلتفت إلى هذا الاحتجاج الشرعي فتأملوا يا ذوي الألباب ولما لامت الدولة رومانيا على فعلها هذا وأرسلت بعض مدرعاتها فأطلقوا النيران على سواحلها بنهر الطونة أظهرت العداوة وأرسلت جيشها وعدده 60 ألف مقاتل فانضم إلى الجيوش الروسية وأعلنت استقلالها 14 مايو سنة . 1877

الجيوش العثمانية بالروم ايلي :

سبق ذكر إغارة الجنود الروسية على حدود الدولة ودخولها ولايتي إفلاق وبغدان ثم تقدّمت الجيوش الروسية والرومانية تحت قيادة الغراندوق نيقولا 27 يونية سنة 1877م وتمكنت من عبور نهر الطونة على صنادل من جهة سمنيتزه Simnitza ومدّت بعد ذلك جسراً فوق الصنادل عبرت عليه أكثر جيوشها سريعاً ثم تقدّمت تقصد مدينة طرنوه وبينهما كانت الجيوش الروسية تعبر نهر الطنة وتنتشر طولاً وعرضاً بالأراضي العثمانية كان السردار عبد الكريم نادر باشا بمعسكره في شمله لا يبدي حراكاً ولا يخرج من خيمته إلا في النادر غير مهتم بأمر القتال كما يجب ويصف أوقاته في أمور لا فائدة منها تقريباً.

وكان أحمد أيوب باشا معسكراً بفرقته بجوار قرية تدعى ترانسك من أرض البلغار فأرسل الطلائع للمناوشات ولما انتشر خبر دخول جيش الروسيا ولاية الطنوة وقع اضطراب جسيم وقلق شد بالآستانة فأرسلت الدولة السر عسكر رديف باشا ومعه نامق باشا بحراً إلى وارنة ومنها إلى روسجق لتحقيق كيفية عبور الجيش الروسي نهر الطونة بدون مقاومة والنظر في الأهمال الذي حصل من الحاميات العثمانية الموجودة هناك لأنه لم يسبق للروس قبل ذلك عبور هذا النهر بدون أن يتكبدوا خسائر جسيمة لأنه من الموانع الطبيعية أمام الجيوش.

وقد ظهر من التحقيق أن عبد الكريم نادر باشا القائد العام كان ينوي مقاتلة الروس في بلاد البلغار لعدم إمكان عبور الجيوش العثمانية إلى أراضي الأفلاق والبغدان لقلة الاستعدادات من جهة وتشتت جيوش الدولة في حدود الصرب والجبل الأسود واليونان وغيرها من جهة أخرى ولعصيان أهالي المملكتين وغير ذلك وقال إن الدولة غيرت قومندان سفن الطونة الموجودة بهذه الوظيفة منذ عشرين سنة وله إلمام تام بتلك الجهات ومعرفة المواقع التي يمكن للعدوّ العبور منها مما يمكن لقائد الجيوش أن يستشيره في هذه الأحوال وعينت مكانه قائداً لم يسبق له سفر في نهر الطونة قط.

ولما نظر ديوان الحرب في التقرير الذي رفعه إليه السر عكسر رديف باشا ورأى أن عبور الروس هو من إهمال السردار العام فصله عن وظيفته وعين مكانه محمد علي باشا وشكلت الدولة مجلساً حربياً لمحاكمة عبد الكريم نادر باشا ووصلت المسؤلية أيضاً إلى السر عسكر رديف باشا فحكم عليهما بالنفي إلى بعض جزائر البحر الأبيض المتوسط ووجهت السر عسكرية إلى محمود باشا الداماد.

ثم تقدّمت جيوش الروسيا نحو البلقان واستولى الجنرال غوركو على مضايق البلقان ومواقع شبقة واحتل البارون كرودنر Krudner مدينة نيكبولي عنوة وأسر بها سبعة آلاف جندي واستولى على 113 مدفعاً وعشرة آلاف بندقية 15 يوليه سنة 1877 م فسار الغازي عثمان باشا بفرقة من ودين وكانت مركبة من أربعين أورطة مسرعاً لمساعدة نيكبولي.

ولما قرب منها وبلغه سقوطها قصد موقع بلونه لمتانته ولكونه ملتقى الطرق العسكرية الموصلة بين سوال الطونة وغيرها من البلاد إلى مضايق جبال البلقان وعسكر فيه واهتم في تشييد الاسحتكامات لصد هجمات الروس الذين هاجموه فيها دفعتين الأولى في20 يوليو تحت قيادة الجنرال شيلدر Schilder والثانية في30 منه تحت قيادة الجنرال كروندنر فارتدوا خائبين.

وكانت قوّتهم في الهجوم الثاني تزيد عن ثلاثين أورطة بيادة وقدرها من السوارى ومدافع الطوبجية تزيد عن مائتي مدفع وبعد رجوع الروس من أمام بلونه مقهورين وصلت الإمدادات إلى العثمانيين فتمكنوا بها من الاستعداد لحركة التعرض والهجوم وانقسم الجيش إلى ثلاثة أقسام الأوّل انضم إلى فرقة الغازي عثمان باشا وبقي في مواقع بلونه للدفاع عنها وتقدم بالثاني السردار محمد علي باشا لمحاربة الجيش الروسي الذي تحت قيادة البرنس الكسندر ولي عهد القيصر والثالث انضم إلى جيش سليمان باشا الذي دعى من حدود الجبل الأسود بجيشه لاستخلاص مواقع شبقه من يد الروسيين فتقابل مع الجنرال غوركو وانتصر عليه انتصاراً عظيماً باسكي زغرة.

ولما انهزم غوركو إلى البلقان تعقبه سليمان باشا وسعى في الاستيلا على مضيق شبقه وبينما كان جيش محمد علي باشا منصوراً في واقعة صارى نصوحلر التي اشترك فيها الجيش المصري تحت قيادة الأمير حسن باشا قسم الغراندوق نيقولا قواه إلى فرقتين وجه إحداهما لمقابلة جيش محمد علي باشا وجعل الأخرى مدداً له عند اللزوم أو إلى ردّ عثمان باشا الذي كان يهدّد الخطوط الروسية بالانتصارات التي حازها محمد علي باشا وسليمان باشا وعثمان باشا وقرب اجتماعهم معاً للإحاطة بأجنحة بعض الفرق الروسية أصبح شأن الجيش الروسي حرجاً للغاية.

وعند ذلك تقدّم أمير رومانيا بجيشه البالغ عدده مائة ألف مقاتل لمساعدة الروسيا واجتاز به نهر الطونة وصادف حضور قيصر الروس بنفسه لميدان القتال لتشجيع جيشه مع بعض الامتدادات فتقوّت الروس بذلك وانتصروا في بعض المواقع على الجيوش العثمانية وكان الجنرال زمرمان عبر بفرقته نهر الطونة من حوالي ايساقجي ودخل أراضي دوبريجه وقصد بازارجق حيث القوّة المصرية بعد عدة وقائع تقهقر راشد حسني باشا ومات في تلك الواقعة اللواء زكريا باشا المصري وعادت الجيوش إلى وارنه اتباعاً للأوامر التي أصدرها الأمير حسن باشا بعد عودته بالجيش المصري من واقعة صارى نصوحلر التي انصتر فيها محمد علي باشا على جيش الروس كما سبق.

ثم اقتدت الروس بنصائح المارشال مولتك الألماني حيث قال إن حصار القلاع القوي أفضل من الهجوم عليها لأن بالحصار يسهل الاستيلاء والانتصار سيما وأن أركان حرب الجيش الألماني هم الذين رسموا معظم خطوط السير للجيش الروسي وشجعوه على مقاتلة العثمانيين وهم الذين نصحوه على عبور نهر الطونة بكل ما يمكن من السرعة وغير ذلك من المساعدات الأدبية التي قامت بها ألمانيا للروسيا في هذه الحرب فصمموا على محاصرة بلونه من كل جانب وأناطوا أمر هذه الحركة بالجنرال طوطلبن Totleben فرتب حولهاالعدد الكافي من الجيوش وشيد ثلاثة خطوط من الاستحكامات كل خط بعد الآخر لتمكين الحصار.

ولما تم هذا العمل 24 أكتوبر سنة 1877 م صار وصول المدد إلى عثمان باشا من رابع المستحيلات ولبث مدافعاً عن مركزه حتى نفد كل ما ادّخره من الأقوات وعند ذلك عزم على الخروج بجيشه وخرق صفوف الأعداء فإن فازوا وكان ذلك غاية المراد وإن ماتوا ماتوا مدافعين عن شرف الدولة شهداء مؤدين للواجب عليهم كما تفرضه الواجبات نحو الدولة والدين.

ثم استعدّت الجنود 5 ذي الحجة سنة 1294هـ-10 دسمبر سنة 1877 م وأخلت المواقع العسكرية وخرجوا مرة واحدة مستميتين واستمروا في سيرهم يقصدون الاستحكامات التي أقامهاالروس ولا يبالون بالمقذوفاا المتساقطة عليهم وكانوا قبل خروجهم بأربعة أيام لا يتناولون من الغذاء غير القليل من الدقيق الذي بقي في بعض المخازن ومع ذلك فإنهم اقتحموا الخط الأوّل والثاني وكادوا يستولون على الخط الثالث لولا أن أصيب قائدهم البطل الشهير الغازي عثمان باشا برصاصة في فخذه ولما سقط هذا الشجاع الأرض ظنت عساكره أنه استشهد واستولى الرعب والفضل عليهم وأراد بعضهم الرجوع إلى المدينة التي كان احتلها الروس بعد خروجهم منها ولما رأوا أنفسهم بين نارين رأى قوّادهم أن الصواب التسليم فرفعوا علامته وتوقف الروس عن إطلاق النيران.

ثم ذهب اللواء توفيق باشا رئيس أركان حرب الجيش العثماني وهو الذي بمهارته شيد القلاع والحصون حول بلونه وطلب مقابلة القائد الروسي العام وهو الجنرال جانتسكي ثم ذهب الجنرال استروكوف مع توفيق باشا قابلاً عثمان باشا في المكان الذي وضعوه فيه بعد جرحه وطلب الجنرال من عثمان باشا أن يأمر أوّلاً جنوده بإلقاء السلاح ثم تكون المكالمة فيما بعد لأن ذلك الجنرال لم يكن لديه تعليمات من القائد العام الروسي وهو الغران دوق نيقولا أخي القيصر ولما قبل عثمان باشا طلب الجنرال المذكور عاد وأخبر جانتسكي بما تم فأتى بنفسه إلى مقر عثمان باشا.

وبعد أن حياه وهنأه على أعماله الحربية التي تشهد له ولجنوده بالبسالة وعلوّ المنزلة طلب منه فأصدر أوامره إلى الجيش العثماني بإلقاء السلاح وبعدها سلم سيفه ثم أركبوه في عربة وذهبوا به إلى بلونه وفي أثناء مسيره قابله الغران دوق نيقولا ومعه أمير رومانيا وسلما عليه باحترام وفي اليوم التالي صباحاً ذهب عثمان باشا مع طبيبه الخاص إلى حيث ينزل القيصر ولما دخل عليه قام له إجلالاً وبس في وجهه وأظهر إعجابه من مدافعته عن بلاده وإقدامه وردّ إليه سيفه وأمره بأن يحمله علامة الاحترام والتجلة ثم أرسلوه إلى مدينة كركوف يقيم بها إلى انتهاء الحرب.

ولقد كانت الجيوش التي مع عثمان باشا الغازي في بلونه لا تزيد عن 50,000 معهم 77 مدفعاً أما الجيش الروسي المحاصر فكان يزيد عن 150,000 معه 600 مدفع ومن ذلك يظهر الفرق بين شجاعة المتحاربين ومما يؤثر عن الجنود العثمانية أنهم لم يسلموا أعلامهم قط بل إنهم قبل خروجهم للمرة الأخيرة دفنوا بعضها في صناديق من الحديد تحت الأرض وأحرقوا الباقي يوم التسليم وكانت الدولة لما رأت تفاقهم الخطوب وازدياد الشرور وإثارة الروس للطوائف المسيحية القاطنة بولايتها وخصوصاً لما سقطت مدينة بلونه أرادت طلب الصلح من الروسيا إلا أن السير لايارد Layard سفير انكلتره بالآستانة وعدها بتداخل الدولة الإنكليزية تداخلاً عسكرياً ولولا هذه المواعيد العرقوبية لكانت الدولة فازت بمصالحة أخف ضرراً من التي حصلت فيما بعد كما ستراه.

الأعمال الحربية بالأناضول والهدنة ومعاهدة سان استيفانوس :

هذا ملخص الحركات الحربية التي تمت بأوروبا قبل أن يجتاز الروس البلقان أما في آسيا فكان النصر في أوّل الأمر حليف العثمانيين وكان الجنرال مليكوف ذهب يقصد مدينة قارص وأخذ الجنرال در هوجاسوف Der Hougassof يهدّد مدينة بايزيد وسار غيرهما من قوّاد الروس للاستيلاء على أردهان وباطوم ثم تمكن الجنرال مليكوف من الاستيلاء على مدينة أردهان عنوة 17 مايو سنة 1877م وحاصر قارص وأخذ يهدّد ارضروم.

وبعد أن استولى الجنرال هوجاسوف على مدينة بايزيد 20 إبريل سنة 1877م وانتصر على العثمانيين بجهة دار طاغ 10 يونيه سنة 1877م تقدّم جيش الغازي مختار باشا واحتل مرتفعات زوين وكان يتركب من 59 طابوراً من المشاة و 4000 من الوساري و مدفعاً بينما كان القائد إسمعيل حقي باشا يقود قوّة عظيمة من الأكراد يهدد بها قوّة الجنرال هوجاسوف وبذلك تمكن العثمانيون من قهر مليكوف وهوجاسوف وانتصر جيش مختار باشا انتصاراً عظيماً 26 يونيه سنة 1877م حتى سحق الحيش الروسي بجهات زوين ولهذا اضطر مليكوف أن يرفع الحصار عن قارس ويرجع القهقري نحو الكسندر فولى وتبعته العساكر العثمانية.

أما الجنرال هوجاسوف فقد تمكن من القهقري بحالة انتظام وأخذ الاحتراس التام من أن يقع في يد العثمانيين وتوجه نحو دار جدير ثم ذهب اسمعيل باشا لقتال هوجاسوف بجيش مؤلف من 40 طابوراً و 55 مدفعاً بينما كان مختار باشا يستعد للإجهاز على قوّة الجنرال مليكوف وبعد بذلك انتصر العثمانيون انتصارات مهمة على الجيش الروسي الذي طردوه تماماً من الأراضي العثمانية وأشهر هذه الوقائع هي وقائع كركانه واني وإيانيه واياك تبه سي وأوليار وقزل تبه وأشهرها جميعاً واقعة كدكلر التي أرسلت بسببها الحضرة السلطانية فرمان تشكر إلى مختار باشا ولقبته بلقب غازي.

وبعد ذلك اقتصر الروس على إجراء المظاهرات والمناوشات الخفيفة مبتعدين ما أمكن عن الاشتباك مع الجيوش العثمانية وسبب ذلك أن قوّتهم العسكرية نقصت جداً بما حصل لهم من الهزائم ونفذت تقريباً ذخائرهم الحربية وأرسل الغران دوق ميخائيل حاكم بلاد القوقاز العام يطلب الإمداد والذخائر ولما أتى المدد وتقوت الجيوش الروسية في أواخر سبتمبر 1877 سنة سار الجنرال مليكوف في طريق الهجوم ثم تقدم نحو مختار باشا المعسكر في قزل تبه وتلاقى معه في جهة الآجه طاغ ودام القتال بينهما أياماً ثم تقهقهر العثمانيون بعد خسائر عظيمة ولذلك اضطر مختار باشا أن يلتجىء إلى ارضروم فتمكن الروس من محاصرة قارص محاصرة شديدة ومنعوا عنها المواصلات الخارجية تماماً حتى استولوا عليها عنوة 18 نوفمبر سنة 1877 وأسروا منها 17000جندي واستولوا على مدافعها وكانت 300 .

وأراد مختار باشا بعد ذلك أن يوقف سير خصمه فلم يتمكن ولذلك ذهب إلى مدينة ارضروم وأخذ في جمع العساكر المتشتتة وإقامة الحصون والمعاقل حول تلك المدينة وقد نجح في ذلك بكل سرعة ولهذا أجمعت الجرائد العسكرية على مدح هذا القائد العظيم وبقي في هذه المدينة يصد هجمات الروس إلى أن انتهى الحرب واعلم أنه لما انتشر خبر سقوط بلونه وقارص وتقهقرت العساكر العثمانية أمام أعدائها أعلن أمير الصرب المدعو ميلان الحرب على الدولة 14 دسمبر سنة 1877م .

وذلك بعد أن اتفق مع الروسيا وأوعزت له بذلك لتكون حجته في المستقبل أقوى لنوال ما يطمح إليه بإبصاره متى تقررت شروط الصلح أما الدولة العثمانية العديمة النصير فلم تستغرب من خيانة هذا الأمير وكفر الصربيين بنعمتها لأنها كانت تنتظر ذلك من وقت إلى آخر وأرسل الباب العالي منشوراً إلى الصربيين يعلن فيه بعزل أميرهم ميلان وينصحهم في عدم التغرير بأنفسهم وكانت عساكر الجبل الأسود تخطت حدودها أيضاً وشنت الغارة على الأراضي العثمانية لأن الدولة لاحتياجها للجنود كانت استرجعت معظم القوة العسكرية الضاربة في تلك الأكناف كما ذكر.

فيتضح من ذلك أن الدولة العثمانية في هذه الحرب المشؤمة لم تكن تحارب الروس فقط بل كانت تنازل الروس وأفلاق وبغدان والصرب والجبل الأسود وجميع المسيحيين رعاياها تقريباً ولما أقبل فصل الشتاء بزمهريره كانت الدوائر العسكرية تظن أن ذلك يعطل الحركات الحربية ويجعل للدولة العثمانية الوقت الكافي لتجنيد قوة جديدة تنازل بها الأعداء إلا أن هذه الظنون لم تتحقق لأن الروس عقب انتصاراتهم السريعة ساقوا جيوشهم نحو البلقان ورأى الجنرال طوطلبن أن من الصواب الاستيلاء على ودين وروسجق وشمله قبل الذهاب إلى البلقان فأحيل عليه فتح هذه المدن وتقدم الجنرال غوركو يريد اختراق البلقان مهما كلفه ذلك من الرجال والأموال وسار هذا الجنرال في وسط الشتاء والثلوج حتى تلاقى مع شاكر باشا وبعد أن نازله وهزم جيشه استولى على صوفيه 4 يناير سنة 1877 وسلمت أيضاً العساكر العثمانية التي كانت تحمي شسبقه 9 يناير .

ثم زحف الجنرال غوركو فتلاقى مع جيش سليمان باشا وبعد أن استمر الحرب بينهما ثلاثة أيام أظهر فيها العثمانيون شجاعة تخلد لهم ذكراً في التاريخ بالقرب من مدينة فلبه تقهقروا مهزومين إلى جبال ردوب 19 يناير وفي يوم 20 منه احتلت مقدمة الجنرال اسكبيليف SKobeleff مدينة أدرنه وكانت القيادة العامة على عساكر البلقان لرؤف باشا ناظر الحربية ثم تقدم الروس حتى أضحوا على أبواب الآستانة بينهم وبينها مسافة 50كيلومتراً.

ولما رأت الدولة سوء حالتها طلبت عقد هدنة للمكالمة في شروط الصلح وأرسلت من طرفها نامق باشا وسرور باشا للمخابرة مع الغراندوق نيقولا في هذا الخصوص وأرسلت معهما مأمورين عسكريين وبعد أن تقابل هؤلاء المندوبون مع الغراندوق في بلدة قزانلق وعرضوا عليه مأموريتهم أخذهم معه إلى ادرنه لحين مجيء جواب القيصر على ذلك ثم صار التوقيع على اتفاقيتين إحداهما بين الغراندوق وسرور باشا ونامق باشا مفادهما استقلال البلغار استقلالاً إدارياً واستقلال رومانيا والجبل الأسود استقلالاً سياسياً مع تعديل حدودهما وتقرير غرامة حربية للروسيا تدفع نقداً أو يستعاض عنها ببعض البلاد والأخرى بين المندوبين العسكريين العثمانيين والروسيين ببيان شروط المهادنة وعلى ذلك توقفت الحركات العدوانية 31 يناير سنة 1878م .

وأمر الباب العالي برفع الحصار عن سواحل الروسيا التي على البحر الأسود وعاد الغراندوق نيقولا إلى بطرسبورغ غانماً ظافراً ولما علمت انكلتره بحصول الهدنة والشروط الابتدائية خافت على الآستانة كما تدعى أن تقع في يد الروس ولذلك أمرت عمارتها التي كانت بخليج بشيكة فدخلت بحر مرمره 14 فبراير سنة 1878 خلافاً لمعاهدة باريس القاضية بمنع مرور السفن الحربيةمن مضيق الدردنيل ولما لم يمكن الدولة منع الأساطيل الإنجليزية من عبور المضيق المذكور اكتفت بإقامة الحجة على ذلك وأراد بعض دول أوروبا أن يكون عقد شروط الصلح على يدها مخافة أن يوجد بها ما يخل بمعاهدة باريس المبرمة في سنة 1856 فلم تقبل الروسيا ذلك ورغبت أن يكون الصلح بينها وبين الدولة العثمانية فقط بلا وسيط ولهذا لم تعلن صورة هذه الاتفاقيات بصورة رسمية إلا في 15 فبراير سنة 1878م .

وبعد ذلك اجتمع المندوبون من الدولتين ببلدة سان استيفاونوس التي جعلها الجيش الروسي مقرّاً له بعد الهدنة فكان صفوت باشا ناظر الخارجية وسعد الله بك سفير الدولة في برلين من قبل الدولة والموسيو نيلدوف والكونت أغناتيف من طرف الروسيا وبعد اجتماعاتهم اضطر المندوبان العثمانيان للتوقيع على معاهدة مؤلفة من 29 بنداً أهمها المواد الآتية وهي :

أن تزاد أراضي الجبل الأسود أكثر من ضعفي حالتها التي كانت عليها وتستولي على ثغري اسبتزا وانتيفاري ويضاف على بلاد الصرب التي أصبحت مستقلة لواء نيش وتأخذ ورمانيا التي استقلت أيضاً من جهات دوبرويجه بدلاً عن بسارابيا التي استولى عليها الروس.

وأن تكون البلغار ايالة ممتازة تمتد حدودها من نهر الدانوب إلى بحر الأرخبيل بحيث لا يترك للدولة العثمانية بأوروبا إلا الآستانة وغليبولي وسلانيك وضواحيها وبلاد ابيروتساليا وألبانيا وبوسنه وهرسك أما بجهات آسيا فتستولي الروسيا على قارص وأردهان وباطوم وبايزيد وأن تدفع الدولة العثمانية غرامة حربية قدرها 1,410,000,000 روبل 245,217,391 ليرة عثمانية ولما شاعت هذه المعاهدة التي أمضيت في 30 مارس سنة 1878 بنشرها في الجريدة الروسية بعد مضي 42 يوماً من التوقيع عليها اغتاظت انكلتره جداً وأمرت بجمع احتياطي جيشها العامل وأمرت أساطيلها بالتجمع في مالطة حيث أحضرت إليها قوّة عسكرية من الهند ومع ذلك لم يمكنها أن تتصدى لإيقاف الروس بالقوّة لأنه لم تساعدها دولة من دولة أوروبا على ذلك وقد ذهبت مساعي السفير الإنكليزي الموسيو لاياراد أدراج الرياح ولم يتمكن من تجديد القتال بين الجنود الروسية والعثمانية المعسكرة في جنالجة أو بين الروس وأهالي جبل رودوب من المسملين الذي صبت عليهم أنواع البلاء من أهل البلغار والروس أثناء الحرب مع ما صرفه من المجهودات.

ولم تقبل الدولة العثمانية إشاراته لأنها خافت من قيام المسيحيين في كريد وتساليا وغيرهما وبعد مبادلة المكاتبات بين لوندره وبطرسبورغ زمناً تداخل البرنس بسمارك حتى عقد وفاقاً سرياً بين الروسيا وإنكلتره وأوستوريا 30 مايو سنة 1878 وقبلت الروسيا أن تعرض معاهدة سان استيفانو على مؤتمر أروبي بعد أن كاد الأمر يفضي إلى انتشاب الحرب بينها وبين إنكلتره كما سبق وفي نفس هذا الوقت تمكن اللورد بيكونسفليد من أن يعقد مع الدولة معاهدة دفاعية من مقتضاها صد الروسيا لو تقدّمت نحو بلاد الأناضول.

وتعهد الباب العالي بإجراء الإصلاحات اللازمة لتحسين حال المسيحيين الذين بتلك الجهات خوفاً من أن ينقادوا إلى مطامع الروسيا وأن تسمح الدولة لإنكلتره باحتلال جزيرة قبرص وإدارة شؤنها لتكون على مقربة من بلاد الروسيا ويمكنها صد هجماتها لودعت الحاجة ولوجود الاضطرابات بالآستانة وخوف الباب العالي من أن يحتلها الروس كما كانوا يحاولون ونظراً للارتباكات الحاصلة قبل الباب العالي تلك المعاهدة حفظاً لباقي أملاكه وتعديل معاهدة سان استيفانوا بكيفية أرجح لمصالحه 4 يونيه 1878 وفي أثناء انعقاد المؤتمر ببرلين ذيل الحكومتان هذه المعاهدة ببعض بنود لتوضيح كيفية إداراة الجزيرة المذكورة والمبلغ الذي تدفعه عنها انكلتره سنوياً للدولة وجعلت تركها موقوفاً على ترك الروسيا لمدينتي باطوم وقارص اللتين أضيفتا إلى الروسيا نهائياً أول يوليو سنة 1878م .

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:13 AM
معاهدة برلين :

لما رضيت الروسيا بعرض معاهدة سان استيفانوا على مؤتمر دولي كتب البرنس بسمارك تلغرافاً إلى كافة الدول العظام يدعوهم فيه لإرسال المندوبين عنهم للاجتماع في مؤتمر برلين يوم 13 يونيه 1878 الذي سيكون تحت رياسته وأرسل أيضاً كثير من الأمم ذات الصوالح مندوبين عنهم لتقديم طلباتهم وعرض رغباتهم على أعضاء المؤتمر وإن لم يكن يصرح لهم بالحضور في جلساته إلا إذا طلبوا وبعد المناقشات والمداولات أياماً بين المندوبين وقعوا على المعاهدة المعروفة بمعاهدة برلين وكان ينوب عن الدولة في هذا المؤتمر محمد علي باشا وقره تيودوري باشا وسعد الله بك ولم يتسحسن بعض المؤرخين تعيينها لمحمد علي باشا في ذلك المؤتمر لأنه ألمانيّ الأصل اعتنق الدين الإسلامي كما هو معلوم.

فكان مندوبو الدول وخصوصاً البرنس بسمارك ينظرون إليه بعين الغيظ والتحقير مما كان سبباً في أن البرنس بسمارك انتهره مرة أثناء انعقاد المؤتمر أما المعاهدة المذكورة فأهم مشتملاتها ما يأتي:

تقسيم إمارة البلغار التي كان طلب الجنرال اغناتيف تكوينها إلى قسمين يكوّن القسم الشمالي منها بلاد البلغار الممتازة والقسم الجنوبي بلاد الرومللي وله نوع امتياز أيضاً وأن تستقل رومانيا استقلالاً سياسياً ويضاف إلى بلادها مقاطعة دوبرويجه في مقابلة استيلاء الروسيا على بلاد ببساربيا وأن ينضم إلى بلاد الصرب التي أصبحت مستقلة تماماً أقليم نيش وأن يبقى لإمارة الجبل الأسود التي تعترف الدولة باستقلالها كذلك فرضة انتيفاري بار وثلث الأراضي التي أعطيت لها بموجب معاهدة سان ستيفانو.

وأن تستولي الروسيا على بساربيا التي كانت انتزعت منها بمعاهدة 1856 كما تقدّم وتضم إلى أملاكها بآسيا مدن قارص وأردهان وباطوم التي جعلت ثغراً حراً بعد هدم استحكاماتها.

وأن تترك للدولة بايزيد الشغراد أما من خصوص الغرامة الحربية فقد قرر المؤتمر بقاءها على حالتها كما وردت بمعاهدة سان استيفانو بشرط أن حقوقها من حيث الغرامة لا تضر بمصالح أصحاب الديون الأوروباويين وقرر المؤتمر أيضاً أن تستولي إيران على إقليم قطور النمسا على فرضة اسبيزا Spizza .

وأن تحتل عساكرها بوسنه وهرسك إلى زمن غير محدد لتجري فيها ما يوافقها من الإصلاحات وتعهد الباب العالي بأن يقبل بلا تمييز في الدين شهادة جميع رعاياه أمام المحاكم وأن يجري بالدقة في جزيرة كريد النظام الأساسي الذي عمل لها سنة 1868 وأن يدخل نظامات مشابهة لما في نظامات تلك المعاهدة مع تطبيقها على الاحتياجات المحلية في جميع جهات تركية أوروبا التي لم يسن لها المؤتمر نظاماً خاصاً.

وأن يقوم فعلا بلا تأخير في تحسين وتنظيم الأقاليم التي يسكنها الأرمن حسب أحوال واحتياجات تلك الجهات وأن يحميهم من تعديات الجركس والأكراد وأن يبلغ من وقت إلى آخر دول أوروبا بما أدخله من النظامات التي قضت بها هذه المعاهدة.

وهذه شروط لم نسمع بعقد مثلها بين دولتين أوربياويتني قهرت إحداهما الأخرى ولكن ما حيلة هذه الدولة بمفردها أمام دول أوروبا جميعاً ومن تأمل في بنود المعاهدة التي لم يغب ذكرها عن الأذهان يرى أنها نزعت من يد الباب العالي جميع الإمارات التي كان له عليها حق السيادة وأخذت منه ما يقرب من نصف أملاكه بأوروبا ولم يمض على هذه المعاهدة المشؤمة إلا بعض شهور حتى قام أهل كريد مطالبين بما خصهم به مؤتمر برلين من النظامات فعينت الدولة المشير الغازي أحمد مختار باشا فذهب إلى تلك الجزيرة ونظم المعاهدة المعروفة في التاريخ بمعاهدة هليبه 25 اكتوبر سنة 1878م .

وصدر أمر مولانا السلطان بإنفاذ ما احتوته تلك المعاهدة ثم قام اليونان وأهل الجبل الأسود يطالبون الدولة بما منحهم المؤتمر المذكور ولما أرادت الدولة انفاذ ذلك عارض أهالي البانيا لأن تنازل الدولة عن قطعة من أراضيهم مضر جداً بصالحهم وهي معارضة حقة لو أعارتها أوروبا جانب الالتفات ولما أرسلت الدولة المشير محمد علي باشا بمأمورية اقناع الأهالي وتسكين اضطرابهم وإعلامهم بأنه لا بد من إجراء ما أقرت أوروبا على عمله وأن الدولة لولا ذلك لم تفرط في شبر أرض من بلادها قام الأهالي عليه وقتلوه وعند ذلك أرسلت انكلتره وفرانسا والروسيا والنمسا وإيطاليا وألمانيا حتى اليونان مراكبهم الحربية إلى مياه الدولة ورست تلك الأساطيل بثغرراغوزه وبذلك تم لليونان وأهل الجبل الاستيلاء على ما خصهم من الأراضي.

واعلم أنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها بين الدولتين عقدت الدولة العثمانية مجلساً حربياً لمحاكمة جميع القواد الذين أهملوا أو تهاملوا وأخلوا بواجباتهم العسكرية ونفت منهم كثيرين من بينهم المشير سليمان باشا وجرد البعض من رتبهم ونياشينهم وبرئت ساحة البعض ومن الحوادث المهمة الجديرة بالذكرالتي حدثت بالآستانة وقت احتلال الروس لضواحيها الحادثة المعروفة بحادثة جراغان وسببها أن شخصاً يدعى علي سعاوى أفندي أحد الذين كانوا فروا من المرحوم السلطان عبد العزيز من الآستانة مع مصطفى فاضل باشا 1282هـ .

وكان فصيح اللسان قوي الجنان له مشاركة حسنة في كثير من العلوم وبعض اللغات لا سيما اللغة العربية وكان لما عاد إلى الآستانة بوساطة مدحت باشا عين مدير للمكتب السلطاني الذي يتعلم فيه أولاد الحضرة الفخيمة السلطانية ولما عزل لتداخله في الأمور السياسية أخذ في بث الفتن كعادته ودبر مكيدة لإجلاس السلطان مراد على عرش الخلافة وقد انتهز لذلك فرصة اشتغال الدولة بالمخابرات السياسية واضطرابات الأفكار وخوف الناس من تقدّم الروس نحو الآستانة واتفق لذلك مع بعض المهاجرين الذين التجأوا إلى الآستانة في ذلك الوقت وبعد أن اجتمعوا انقسموا إلى قسمين قصد قسم منهم بحراً سراي جراغان حيث يقيم السلطان مراد.

وقصد القسم الثاني وكان يقوده على سعاوى المذكور السراي المذكورة برا ثم اجتمعوا عند بابا السراي ولما منعهم الحراس قتلوهم ودخلوا يفتشون على السلطان مراد حتى عثروا عليه وهموا بإخراجه وفي تلك الأثناء أتت فرقة عسكرية من سراي يلديز وحاصرت الثائرين براً كما حاصرتهم البحارة بحراً وهجموا على السراي وقتلوا كل من كان بها من الثائرين ومن ضمنهم علي سعاوى أفندي وبعد ذلك نقل السلطان مراد وعائلته إلى قصر ضمن سراي يلديز ثم هدأت الأفكار وعادت الأعمال إلى ما كانت عليه وبعد ذلك بأيام حصل حريق هائل بالباب العالي ويقال إنه بفعل أرباب تلك الثورة انتقاماً لما أصابهم من الخذلان.



الدستور العثماني

"النهضة الوطنية والاصلاحات في الدولة العلية"

توفي السلطان سليمان القانوني سنة 1566م والدولة العليا في إبان مجدها وأوج عظمتها وكانت ممالكها تحد شرقاً بالحدود الهندية وغرباً بالمحيط الاطلانطي وكانت أوروبا ترهب سطوته وتخشى قوته.

فخلفه من بعده ملوك لم يتعقبوا خطواته ولم ينهجوا منهجه، لا سيما وقد تألبت عليها الدول الأوروبية واختلفت عليها الفتن الداخلية فبدأت في الانحطاط وانسلخت منها أجزاء كثيرة، وكانت أحياناً تنحط إلى أن تولى الخلافة السلطان سليم الثالث سنة 1789 والبلاد في اختلال، والأحكام في ضعف والانكشارية قابضون على زمام الأمور يولون من شاؤوا من السلاطين ويخلعون من شاؤوا ويقتلون من لم يسر وفاق أهوائهم وأغراضهم، والبلاد في فوضى كادت تمزق شملها. فهاجه حب الإصلاح وصرح بميله إلى تنظيم الجند على النمط الحديث وتسليحهم بالأسلحة الحديثة الاختراع. فلم يوافق ذلك الانكشارية فبطشوا به فمات والإصلاح في مهده.

على أن الفكرة رسخت في أذهان العثمانيين فتلقاها السلطان محمود وعمد إلى الإصلاح من الوجهة الادراية والعسكرية. فبدد جند الانكشارية وأحل محلهم جيشاً منظماً. وأخذ يبعث بمنشورات الإصلاح إلى الولاة والحكام. ولكنه توفي ولم يتمم من فروع الإصلاح إلا تنظيم الجند تنظيماً غير تام.

وكانت فكرة الإصلاح قد سرت بين فئة من رجال الدولة فأقاموا يبثونها على عهد السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز، وأعظمهم شأناً وأعلاهم يداً مصطفى رشيد باشا وعالي باشا وفؤاد باشا.

فلما توفي السلطان محمود وخلفه السلطان عبد المجيد نشر خط الكلخانة المشهورة سنة 1839م أي في 26 شعبان سنة 1255 هجرية فكانت له ضجة اهتزت لها أوروبا وأخذ رجال الدولة منذ اصدار ذلك الخط الهمايوني ينظمون القوانين الخاصة لكل فرع من فروع القضاء.

ثم تألفت لجنة جمعت أعاظم الاساتذة العثمانيين فألفوا المجلة الشرعية التي صدرت الارادة الشاهانية من السلطان عبد العزيز عام 1289 هجرية بالسير حسب نصوصها، وسن قانون الأراضي سنة 1274 هجرية وقانون الطابو سنة 1275هـ وقانون الجزاء سنة 1274 هـ. وكل هذه القوانين مقتبسة من القوانين الفرنسية مع مراعاة نصوص الشريعة الاسلامية.

ثم وضع قانون التابعية العثمانية وتنظيم المحاكم الشرعية والمحاكم النظامية والمحاكم التجارية ونظامات الادارة الملكية ونظام ادارة الولايات ونظام شورى الدولة، ووضعوا نظاماً للمعارف ونظاماً للمطبوعات ونظامات أخرى للمطابع والطبع وحقوق التأليف والترجمة ونظامات للرسومات وآخر للمعادن وغيره للطرق والمعابر وغير ذلك مما يقتضيه سير الحضارة ويلائم حالة الأمة. وبالجملة فانهم لم يتركوا شيئاً من لوازم إدارة الدولة حتى دونوا له قانوناً.

فجموع هذه القوانين والنظامات كان معروفاً في بلاد الدولة العليا بالدستور.

ومع ذلك فكان الحكم مطلقاً وإرادة السلطان فوق كل قانون. وفي المدة الوجيزة التي جلس فيها السلطان مراد على سرير الملك كان مدحت باشا وحزبه الحر قد انتهى من إعداد القانون الأساسي وترتيب نظام مجلس المبعوثين.



الحادثة الارتجاعية وخلع عبد الحميد

تفرق شمل المستبدين منذ إعلان الدستور وازداد النفور بينهم وبين لجنة الاتحاد والترقي فأخذوا يفكرون في اجتثاث أصول الفساد الذي يزعمونه فشجعوا أولاً الجرائد على الكتابة ضد الجمعية.

ثم قامت حامية الأستانة بإيعاز من أركان السراي، ولخصوا مطالبهم في شكل ديني كي ينضم إليهم أهالي الأستانة وها هي مطالبهم :

1 - إحياء الشريعة.

2 - عزل الصدر الأعظم وناظري الحربية والبحرية.

3 - طرد احمد رضا بك وحسين جاهد بك وجاويد بك ورحمي بك وطلعت واسماعيل

حقي بك ألخ.من المجلس.

4 - عزل محمود مختار باشا لأنه لم يشترك معهم.

5 - العفو عنهم.

فعقد مجلس المبعوثين اجتماعاً فوق العادة، ومع أن عدد الأعضاء (لم) يتجاوز الخمسين فانهم قرروا إجابة مطالب الثوار وانتخبوا وفداً منهم ليبلغ السلطان قرارهم. فتعين إذ ذاك توفيق باشا صدراً اعظم وأدهم باشا ناظراً للحربية. وقرر العفو عن الجنود فبدأ أولئك يطلقون البنادق احتفالاً، وكان يبلغ عدد أولئك ثلاثين ألفاً.

واجتمع المجلس مرة أخرى بعدها فقرر قبول استقالة الرئيس أحمد رضا بك.

وانقلبت لهجة الجرائد انقلاباً إجبارياً فباتت تتكلم عن السلطان عبد الحميد كما كانت تتكلم عنه أيام الاستبداد.

وكانت الحالة كذلك في الاستانة فوردت الأنباء بمجيء الجنود من الروم ايلي لحماية الدستور ومجلس المبعوثين.

ثم حاصر جيش الحرية الأستانة، فأوفد المبعوثون وفداً لمقابلته.

ودخل الجيش تحت قيادة محمود شوكت باشا الاستانة وحاصر يلديز وحدثت هناك موقعة كبيرة انتهت بتسليم حامية يلديز.

ولكن السلطان عبد الحميد استمر على المقاومة فقرر جيش الحرية أن يحمل الحملة الأخيرة. فأطلقت القنابل على حامية الباب العالي والنادي العسكري واستولت عليهما.

ثم قبضت على الكثيرين من أنصار الحكم القديم الذين أثاروا الفتن، ومن بينهم مراد بك الداغستاني، وأعدم الجواسيس رمياً بالرصاص ويقدر عدد القتلى بـ 1200 قتيل، وحاصرت الجنود الدستورية بعدها قشلاقات اسكودار فاستولت عليها. ولم يبق إذ ذاك أي خطر على القانون الأساسي، فعاد أعضاء البرلمان إلى الأستانة واجتمعت الجمعية العمومية لتتداول في أمر السلطان عبد الحميد.

وكانت النتيجة عزل السلطان عبد الحميد وتولية السلطان رشاد مكانه.

وتم يوم 27 ابريل سنة 1909 تتويج السلطان رشاد باسم السلطان محمد الخامس.



السلطان محمَّد رَشَاد خَان الخامِس

(1909 - 1918م)

ولد جلالته سنة 1844 وقد قضى أغلب عمره في قصر زنجيرلي كوي محوطاً بالجواسيس الذين يرصدون حركاته ويقدمون التقارير المشوهة عنه.

اجتمع المجلس العمومي اجتماعاً سرياً وخلع عبد الحميد بموجب فتوى من شيخ الإسلام هذا نصها.

إذا اعتاد زيد الذي هو إمام المسلمين أن يرفع من الكتب الشرعية بعض المسائل المهمة الشرعية، وأن يمنع بعض هذه الكتب ويمزق بعضها ويحرق بعضها، وأن يبذر ويسرف في بيت المال ويتصرف فيه بغير مسوغ شرعي، وأن يقتل الرعية ويحبسهم وينفيهم ويغربهم بغير سبب شرعي وسائر أنواع المظالم، ثم ادعى أنه تاب وعاهد الله وحلف أن يصلح حاله، ثم حنث وأحدث فتنة عظيمة جعلت أمور المسلمين كلها مختلة وأصر على المقاتل، وتمكن منعة المسلمين من إزالة تغلب زيد المذكور ووردت أخبار متوالية من جوانب بلاد المسلمين انهم يعتبرونه مخلوعاً وأصبح بقاؤه محقق الضرر وزواله محتمل الصلاح. فهل يجب أحد الأمرين خلعه أو تكليفه بالتنازل عن الإمامة والسلطنة على حسب ما يختاره أهل الحل والعقد وأولي الأمر من هذين الوجهين ؟

الجواب : يجب كتبه الفقير

السيّد محمد ضياء الدين عفي عنه.

فلما قرئت هذه الفتوى الجليلة على الأعيان والمبعوثين سألهم سعيد باشا رئيس الأعيان الذي كان يراس الجلسة اتختارون خلعه أم تكليفه بالتنازل فأجابوا بصوت واحد : الخلع الخلع.

وهذه ترجمة قرار هذا المجلس العمومي (المؤلف من الأعيان والمبعوثين" :

"يوم الثلاثاء سابع ربيع الآخر سنة 1327 و 14 نيسان سنة 1325 (27 ابريل سنة 1909م) الساعة السادسة ونصف (عربي) (الواحدة بعد الظهر زوالي) قرئت الفتوى الشرعية الموقع عليها بتوقيع شيخ الإسلام محمد ضياء الدين افندي في المجلس العمومي المؤلف من المبعوثين والأعيان ورجح بالاتفاق وجه الخلع الذي هو أحد الوجهين المخير بينهما فأسقط السلطان عبد الحميد خان من الخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية وأصعد ولي العهد محمد رشاد أفندي باسم السلطان محمد خان الخامس إلى مقام الخلافة والسلطنة".

خلع عبد الحميد سنة 1909 فبويع بالخلافة الإسلامية الخليفة الشوري العادل أمير المؤمنين محمد رشاد الخامس.

فلما ولي الخلافة أعاد إليها عهد عمر بن عبد العزيز، إذ سار في المؤمنين سيرته، فكان من كل قلب قاب قوسين أو أدنى. وعمل على خدمة الأمة فأعزته وأخذ بيدها فاحبته وأجلها فأجلته وكانت الكلمة التي امتاز بها عهده السعيد تلك التي قالها على مسمع من وزرائه "إننا جميعاً خدام الشعب".

ولم يمض على توليته الخلافة إلا قليل حتى ألف بين قلوب الأمة في ظل الدستور، فكان لعناصر هذه الأمة أباً رحيماً وراعياً حكيماً. ولقد رأى العثمانيون جميعاً من حكيم تدبيره وسياسته ما ملأ قلوبهم ثقة وتعلقاً به وحباً وإقداراً له، فكان عهده فاتحة لرقي الممالك العثمانية وإصلاحها.

ومنذ ارتقاء جلالته على العرش تسلم حزب الاتحاد والترقي إدارة الحكومة العثمانية، وإنا لنذكر الاصلاحات التي تمت منذ الثلاث السنين الماضية والاتحاديون يديرون الحكومة العثمانية.



الاصلاحات الداخلية

تسلم حزب الاتحاد والترقي ادارة الحكومة واعداؤه من رجال العهد الماضي يعدون بالمئات، أولئك المنافقون الذين ارتكبوا من الأعمال المضرة في العهد البائد ما تقشعر منه الأبدان. وكانت الحكومة في اختلال تام والأمة قد فقدت أسباب الأمن والموظفون لا يتقاضون مرتباتهم والديون الخارجية لا تدفع اقساطها في أوقاتها واشتعلت في الولايات نيران الفتن والمشاغبات.

تلك هي حال الحكومة عندما تسلمها حزب الاتحاد والترقي. أما حال العناصر العثمانية المختلفة فكان على أسوأ ما يكون وكل عنصر كان يتأهب للفتك بأخيه. وكان بين المبعوثين لأول مرة من لم يفهم معنى الحرية ولا يعرف واجباته نحو الأمة ولا الفائدة من الاجتماع بمجلس المبعوثين.

تسلم حزب الاتحاد والترقي الحكومة في ذلك الوقت وبدأ في أعماله واصلاحاته بهمة لا تعرف الكلل ولا الملل.

كان أول ما ابتدأ في تنفيذه من الوسائل النافعة تعميم المساواة بين أفراد الأمة بوضعهم جميعاً في مستوى واحد إمام قانون واحد.

ولقد وفقت الحكومة لجمع الأسلحة من الأشقياء الذين يلجأون إلى الجبال في الروم ايلي. فأثار أولئك من أجل ذلك ثورات جديدة قاومتها الحكومة وأخمدتها، فعادت السكينة في انجاء الدولة العليا وعمَّ الأمن وانتشرت الطمأنينة.



الاصلاحات المالية

قبض حزب الاتحاد والترقي على ادارة الحكومة العثمانية والخزانة خاوية على عروشها فبدأ في إصلاحها، وتمكن من وضع ميزاني لمالية الحكومة العثمانية فكانت عبارة عن خمسة وعشرين مليوناً واردات وثلاثين مليوناً مصروفات. وكانت قد تراكمت الديون من جهة ولم تحصل الضرائب منذ سنين من جهة أخرى. فلما وضعت الميزانية المذكورة لم يكن أحد يعتقد إمكان تحصيل 25 مليوناً من بلاد الدولة، ولكن كان المتحصل عقب اعلان الدستور لأول مرة 26 مليوناً ونصفاً سنة 1910.

وفي سنة 1911 بلغ المتحصل ثلاثين مليوناً.

ولقد زادت واردات جميع مصالح الحكومة، وبالجملة فان المواد الأساسية لايرادات الحكومة نمت وازدادت إلى درجة كبيرة.

وكانت ايرادات الجمارك سنة 1910 ثلاثة ملايين ونصفاً فوصلت إلى خمسة ملايين سنة 1911 وكانت واردات العشور سنة 1910 ستة ملايين فأصبحت سبعة ملايين ونصفاً.

وبالجملة فإن حزب الاتحاد قد عرف أدواءالأمة وعلاجها فنجح في تقليل الهجرة وعدد المهاجرين في الروم ايلي وقلل من العثور في الأناضول، وقصارى القول إن الحزب قد نجح في مداواة هذه الأمراض نجاحاً باهراً.

ولقد وزع حزب الاتحاد المبالغ الجسيمة على سكان الجزيرة والموصل والاناضول لاحياء أراضيهم وتعميم الزراعة بينهم بعد الموات.

فلا عجب إذا ابتهج المسلمون في شرق الأرض وغربها بارتقاء جلالة مولانا السلطان الاعظم محمد الخامس عرش الخلافة العثمانية.

ولم يمضِ على جلوس محمد رشاد على العرش ثلاث سنوات حتى اعتدت إيطاليا سنة 1911، بتحريض من الدول المسيحية وبالاتفاق معها وبمعاونتها، على طرابلس الغرب - ليبيا - وانتزعتها منها بعد حرب دامت سنة بذلت فيها الدولة كل جهد وطاقة ومال ورجال حتى لم يبق ما تبذله، ثم جاءت حرب البلقان التي تولى كبرها كل من الصرب والبلغار والرومان مدفوعين بأيدي الدول الغربية المسيحية عامة وروسيا، التي كانت ولا تزال عدوة الإسلام والمسلمين، خاصة. ثم جاءت ثالثة الاسافي واعني بها الحرب العالمية الأولى التي اضطرت الدولة العثمانية على خوضها مرغمة.

وعلى الرغم من أن كفة الدولة العثمانية وحلفائها، المانيا والنمسا والبلغار، لم تكن لتعادل كفة الانكليز والافرنسيين والطليان والروس، في بادئ الأمر، ثم الولايات المتحدة، بعد ذلك، فقد استطاع العثمانيون أن يقاوموا أربع سنوات هلك فيها الزرع والضرع، فقد رأيت الجندي التركي يحارب وهو جوعان وعريان والأمراض تفتك به ولكنه كان يحارب بقوة الإيمان وباسم الاسلام ولذا فقد كانت كل المصائب تهون لديه. ولكن كان لا بد لهذه المأساة، التي رصد لها الغرب كل امكاناته، من نهاية فخرت الدولة صريعة سنة 1918 واستسلمت لاعدائها تحت ضربات حقدهم. ولولا استسلام البلغار أولاً والنمسا بعد ذلك لما حصل ما حصل ولكنها إرادة الله.

لقد كان من حظ محمد رشاد الا يشهد مأتم سلطنته لأنه مات قبل الاستسلام بشهور ولكني اعتقد أنه كان يقدر حدوث هذه المأساة، لأن البلاد كانت على شفا جرف وعلى وشك الانهيار من كل جانب ونتائج مثل هذه الحال لم تكن لتخفى على محمد رشاد لاسيما وقد بلغني انه كان عالماً بالتاريخ.



أواخر سلاطين بني عثمان

يوسف عز الدين

كانت ولاية العهد بعد محمد رشاد للأمير يوسف عز الدين، لأن ولاية العهد في الدولة العثمانية كانت من حق أكبر أفراد الأسرة المالكة سناً، بعد الجالس على العرش وليس من حق أكبر أولاد الجالس على العرش.

وكان يوسف عز الدين شخصية محبوبة من جميع الأوساط، وكان الناس يرجون منه الخير للبلاد، على الرغم من أنهم لم يروا منه خيراً ولا شراً، ولم يكن أولياء العهد يتدخلون في الأمور السياسية ولكنه كان محبوباً، ولعله كان من سوء حظ البلاد والعباد أن مات سنة 1916 وقد قيل، آنذاك، أنه مات مسموماً قتله الاتحاديون لأنه لم يكن يرى رأيهم ولا يوافقهم على سياستهم، وأشيع أنه مات منتحراً إثر نوبة جنون أصابته كالتي أصابت أباه عبد العزيز فانتحر.



محمد وحيد الدين السادس بن مراد

1916 - 1992

بعد وفاة يوسف عز الدين صارت ولاية العهد إلى الأمير وحيد الدين فخلف أخاه محمد رشاد على العرش باسم محمد السادس ولم تمضِ على خلافته بضعة شهور حتى استسلمت الدولة العثمانية واستولت جيوش الأعداء على كل البلاد من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، ولم يسلم من أيديهم وتعدياتهم إلا شرق الاناضول لأن روسيا كانت قد انسحبت من الحرب سنة 1917 بعد أن فرضت عليها الشيوعية ولذا فإنها لم تستطع أن تحرك ساكناً لتستولي على شرق الاناضول ولولا ذلك لما بقي بلد من بلاد الدولة العثمانية لم يدخل في حوزة اعدائها.

أراد وحيد الدين أن ينقذ ما يمكن انقاذه من البلاد فاستعان بمصطفى كمال وعهد إليه بإنقاذ البلاد كما سنرى ذلك مفصلاً، ولكنه وضع ثقته في غير موضعها، فلما رأى أن مصطفى كمال أخذ يعمل لحسابه الخاص وليس لحساب الدولة، ورأى أن الأمور تسير على غير ما كان يرجو تنازل عن العرش سنة 1922 واعتزل الحياة السياسية ومات سنة 1926 وأوصى أن يدفن في دمشق في تكية السلطان سليم حيث يوجد قبور لكثير من آل عثمان.



عبد المجيد بن عبد العزيز

واعتلى عرش السلطنة العثمانية، بعد تنازل السلطان محمد وحيد الدين، ولي العهد الذي اصبح السلطان عبد المجيد وبعد أن أصبح مصطفى كمال سيد الموقف جرد السلطان من السلطة الزمنية وجعله خليفة، أي أشبه بشيخ إسلام ولكن من غير سلطة روحية أيضاً. ثم ألغى الخلافة سنة 1924 وطرد عبد المجيد فذهب ليعيش في منفاه في مدينة نيس الأفرنسية على الشاطئ اللازوردي.

وبإلغاء الخلافة قضى مصطفى كمال على امبراطورية عظيمة كانت ملء عين الزمان وسمعه، وقتل أمجاداً، وقضى على ثقافة، ونحر أقواماً طالما ازهقوا أرواحاً بريئة صادقة في بناء هذه الامبراطورية، وطالما أراقوا دماءً زكية في سبيل إعلاء مجد الإسلام وكلمته.



خَاتِمَة الدَولةِ العُثمانيّة

بعد جهاد وجلاد شاقين، في الداخل والخارج، استمرا ستة قرون متوالية كانت خاتمة المطاف الحرب العالمية الأولى، التي دامت اربع سنوات ونيف، امتدت من سنة 1914 إلى سنة 1918، وثبت فيها العثمانيون، أمام أعدائهم، ثبوت الجبال ودافعوا عن دينهم ووطنهم وكرامتهم دفاع الأبطال. انتهت تلك الحرب بمأساة مفجعة اذ استيقظ المسلمون كلهم على كابوس مزعج انطوى على أعظم فاجعة أصيبوا بها وأكبر مصيبة نزلت بهم، منذ ظهور الإسلام والى تلك الساعة، فقصمت ظهورهم وكبلتهم بحبلي الخيبة والخسران، إذ رأوا بنيان دولة الخلافة ينهار كما تنهار بيوت الكرتون، لا بل وقد أصبحت هذه الدولة ذات العز الباذخ والشأن الرفيع الشامخ، التي كانت ملء عين الزمان وسمعه، أثراً بعد عين وكأنها لم تغن بالأمس واصبحت أرضها موطناً لاعدائها أو موطئاً لاقدامهم.

لقد كانت الصفعة قاسية جداً وأليمة جداً لأنها لم تكن مرتقبة ولا محسوبة فنحن كنا نعلم أننا في حرب مع أعداء أقوياء، وكنا نقدر الربح والخسارة ونحسب حسابهما ولكننا لم نكن نقدر الخسارة وحدها لا سيما بعد أن رأينا الدولة تقف في وجه الأعداء أربع سنوات وتكاد لا تتزحزح عن أماكنها في جميع الجبهات ثم نراها تنهار وتخر، في بضعة شهور، وكأن عاصفة اقتلعتها من جذورها أو فيضاناً طفا عليها فجرفها. إننا نحن الذين شهدوا تلك المأساة ندرك أبعادها إدراكاً تاماً ونشعر بالآمها ولا نستطيع التعبير عنها باللسان ولا بالقلم لأنها أكبر وأعظم من أن توصف.

كان من البديهي بعد أن اندحرت الدولة في ميادين الحرب أن تستقيل الوزارة العثمانية القائمة، وزارة الاتحاد والترقي، التي كان يرأسها طلعت باشا وتألفت وزارة جديدة برئاسة أحمد عزة باشا الأرناؤوط وأرسلت هذه الوزارة وفداً وزارياً الى مدينة مودروس في جزيرة ليمنوس، الكائنة في بحر يجه، بين البرّين التركي واليوناني، لمفاوضة الانكليز على شروط الهدنة، وهي لم تكن هدنة بالمعنى الصحيح بل كانت إملاءً واستسلاماً. وكان هذا الوفد برئاسة وزير البحرية، رؤوف بك بطل الدارعة الحميدية المشهور.

وبعدما اندحرت الدولة في الحرب رأى حكامها، زعماء حزب الاتحاد والترقي، أنهم خسروا المعركة نهائياً وأنه لا سبيل للمكابرة بل لا بد لهم من أن ينهجوا نهجاً جديداً وان الخطوة الأولى هي أن يتواروا عن الأنظار، فعقدوا اجتماعاً قرر فيه ثمانية منهم مغادرة البلاد على اعتبار أنهم هم المسئولون الأوائل عن الحرب وعما أصاب الدولة من انهيار وانهم إذا سلموا من أيدي أعدائهم فقد لا يسلمون من أيدي أبناء البلاد أنفسهم لأن الناس في مثل هذه الحالات يحكمون بالعواطف وتسيطر عليهم الغوغائية. وهؤلاء الثمانية هم : طلعة باشا رئيس الوزارة، انور باشا وزير الحربية، احمد جمال باشا وزير البحرية وقائد الحملة العثمانية على الجبهة المصرية والحاكم بأمره في سوريا الكبرى الممتدة من جبال طوروس الى قناة السويس، عزمي بك والي بيروت، بدري بك مدير شرطة استانبول، الدكتور ناظم بك والدكتور بهاء الدين بك من كبار رجالات الحزب ومدحت باشا أمين سر حزب الاتحاد والترقي. غير أن هذا الأخير وافق على مغادرة البلاد مسايرة لصديقه طلعة باشا ولكنه لم يكن، في قرارة نفسه، راغباً بهذه الهجرة.

فلما رأى طلعة باشا أن مدحت بك لا يرغب بالهجرة إلا مسايرة له قال له : إذا كنت لا ترغب بمغادرة البلاد فابق حيث أنت وأنا راض عنك فبقي وركب السبعة المذكورون، في أوائل نوفمبر 1918، سفينة حربية المانية حملتهم الى جزيرة القرم التي كانت تحت السيطرة الالمانية، آنذاك، وهناك استقبلتهم السلطات الألمانية بالترحاب ووضعت تحت تصرفهم قطاراً يحملهم الى برلين التي اختاروها داراً لهجرتهم.

وكان هؤلاء الفارون، منذ أن غادروا استانبول، يتحدثون فيما بينهم بما يجب عليهم فعله، فكان طلعة باشا يرى أن حياتهم السياسة قد انتهت وأن المنطق يقضي عليهم بأن يعتزلوا السياسة ويعيشوا في عالم المجهول فقد عملوا ما فيه الكفاية واخطأوا من حيث أرادوا الخير والصواب، وكان من رفاقه، ولا سيما المدنيين، من يرون رأيه وأما العسكريون وخاصة أنور باشا الذي كان مملؤاً شباباً وحماسة فإنه كان يرى غير ذلك ويفضل أن يغتنم ما بين روسيا والدول الغربية من عداء وأن يستثمر هذا العداء ويستمر في القتال حتى تستطيع الدولة العثمانية أن تحتفظ بأكبر جزء ممكن من البلاد وأن تعقد صلحاً مشرفاً مع الأعداء.

ولما لم ير استعداداً من رفاقه للسير في خطته فر خلسة من القطار، وهم في طريقهم الى برلين، وذهب الى القفقاس حيث كان أخوه نوري بك يقاتل الروس، وكان يأمل إثارة مسلمي داغستان واذربيجان وأن يقيم إمارة اسلامية في تلك الربوع. وبعد أن درس الوضع هناك إلى موسكو فاستقبله الروس استقبالاً حسناً وانزلوه قصراً فخماً واتفق معهم على محاربة الانكليز وحلفائهم ثم لحق به كل من أحمد جمال باش وبدري بك ولكنهما عادا إلى برلين. وجاء هو مرتين إلى برلين ليقنع رفاقه بالتعاون مع الروس ولكنهم أبوا ونصحوه باجتناب الشيوعيين لأنهم خداعون غدارون ولكنه لم يسمع لهم، ولعله كان يعلم علمهم ولكنه لم يكن يرى غير هذا الطريق يسلكه.

أدرك أنور باشا بعد أن اختلط بالروس أنهم يخدعونه وأن الهوة بينه وبينهم عميقة جداً، فهو يريد أن يعيد إلى تركيا شأنها وإسلامها وهم يريدون أن يقضوا على هذه الدولة التي أزعجتهم كثيراً أو أن يبعدوها عن الإسلام على أقل تقدير وأنهم باستضافته والمفاوضة معه إنما ارادوا حجره في روسيا لكي لا يزعج خطط مصطفى كمال الذي كان على اتفاق معهم واشترط عليهم الاّ يمدوا أنور باشا بالسلاح. وكان الروس يدركون من ماضي الرجلين أن مصلحتهم مع مصطفى كمال وليست أنور باشا لا سيما وأن الانكليز أيضاً كانوا يؤيدون مصطفى كمال.

بعد أن استيقن أنور باشا أن صداقة الروس كانت خداعاً وملقاً وأنه وقع في شركهم، رأى من العار أن يعود خاسئاً ويستجدي الحياة استجداء وصمم على أن يستمر في خطته حتى ينال احدى الحسنيين فإما النصر وإما لقاء الله. فكتب رسالة إلى جمال عزمي بك وإلى طرابزون السابق وهو غير عزمي بك والي بيروت، يوصيه بزوجته ودخل بخارى يسانده الحزب الاميري فيها وبطش بدعاة الشيوعية وأعوانها ولا سيما بحزب (مجددي) الشيوعي وحارب الروس وانتصر عليهم في معارك كثيرة تناقلت الأنباء العالمية أخبارها. فلما رأى الروس ذلك ورأوا أن الحماسة قد اشتدت ضدهم وأن العاقبة قد تكون وخيمة عليهم إذا تهاونوا بالأمر، جمعوا جيوشاً كبيرة لمقاومة هذه الثورة الجائحة التي لو كتب لها النجاح لكانت قضت على الامبراطورية الروسية وأرجعتها إلى حجمها الحقيقي وهو إمارة موسكو. وحدث، في 4 أوغست 1922 أنه بينما كان أنور باشا في قرية بالجوال شرقي بخارى وقد تفرق عنه الجند بسبب عيد الأضحى، أن هاجمه الروس بأعداد كبيرة فخرج إليهم بنفسه وظل يقاتلهم حتى قتل.

لقد مات أنور باشا ميتة شريفة تليق برجل مثله ولم يشأ أن يعيش عالة على أحد على الرغم من أن ملك الأفغان، امان الله خان، دعاه مرات كثيرة مع الرجاء والالحاح بأن يأتي إليه لينظم له جيشه ووعده بأن يجد عنده كل ترحيب وتكريم ولكنه اعتذر عن القبول وفضل هذه النتيجة الشريفة على حياة الاستجداء.

أما أحمد جمال باشا فقد استجاب لدعوة أمان الله خان وذهب إلى افغانستان وأخذ يعمل في تنظيم جيشها وجاء إلى موسكو فاحتجزه الروس بشكل لطيف لأنهم لم يكونوا يريدون لأفغانستان نهضة ووعياً، ولكنه استطاع أن ينجو منهم بلباقة إذ أنه ابدى استعداده للذهاب إلى تركيا لاستمالة الناس إلى جانبهم فسمحوا له بالذهاب عن طريق القفقاس، ولما كان في تفليس تصدى له شخص من الأرمن فقتله ويقال بأن الروس هم الذين دبروا اغتياله لكي يتخلصوا منه إذ أنهم لم ينخدعوا بوعده. وقتل الأرمن طلعة باشا في برلين كما قتلوا غيره من رجالات حزب الاتحاد والترقي المسئولين عما أصاب الأرمن، زمن الحرب، من قتل وتشريد.

كانت هذه صفحة من صفحات العهد العثماني ولكنها لم تكن آخرها ولا كانت أقواها صدمة على نفوس المسلمين لأن الناس كانوا قد نسوا رجال العهد العثماني وعلقوا آمالهم بالحركة الكمالية التي كانوا يعتقدون أنها ستعيد إليهم الشيء الكبير من آمالهم. فماذا كان ؟

أحمد سعد الدين
20-06-2004, 12:16 AM
كيف استقبل المسلمون الثورة الكمالية ؟

لما قام مصطفى كمال، بوحي من السلطان وحيد الدين، بثورته التي أرادها السلطان عثمانية إسلامية وجعلها مصطفى كمال غربية علمانية، لم يكن المسلمون يعلمون عن أسراراها وخفاياها شيئاً فخدعوا بظاهرها وبالدعايات التي كانت ترافقها وأولوها كل دعم وتأييد واكبروا همة وإخلاص باعثها وذلك لأن العالم الإسلامي كان قد فقد صوابه بعد انهيار الدولة العثمانية دولة الخلافة الإسلامية وكان على استعداد تام لتأييد أية حركة تقوم في أية ناحية من العالم لنصرة الإسلام وإعادة الخلافة أو أنه كان كالغريق يرفع يديه إلى السماء ليتمسك بحبال الهواء.

لقد عايشت - الدكتور إحسان حقي - الحركة الكمالية منذ يومها الأول وأدركت كل أدوارها وقد أخذت بها وخدعت كما أخذ غيري وخدع من المسلمين إذ ظنناها حركة إسلامية ولم يكن من شيء يعزينا عما نحن فيه، بعد اندحار الدولة العثمانية، إلا الإسلام. فقد أصبحنا غرباء في أوطاننا أشقياء في بلادنا تعساء في مجتمعنا. أو نحن كالأيتام على مأدبة اللئام ليس لنا وطن ندعيه لأن الغريب يستعمره ولا لنا دولة نستند إليها لأن الأغراب يحكموننا. وصرنا نسمع سفهاء الناس يشتمون ديننا في وجوهنا ومن كان منهم مهذباً ولم يشتم قال لنا : لقد ولى زمانكم ونحن اليوم أسيادكم وإن لم يقولوها بألسنتهم قالوها بأفعالهم. وكنا نتطلع يمنة ويسرة فلا نجد على سطح الأرض كلها، وعلى كثرة عدد المسلمين فيها، دولة إسلامية واحدة مستقلة حرة نستطيع أن ندعيها أو ننتسب إليها لنعتز بها بل كان العالم الإسلامي كله مستعمرات غربية أو شبه مستعمرات.

لهذه الأسباب كان سرورنا بالثورة الكمالية عظيماً ولا حدود له لأننا كنا نستطيع أن نقول بأنه قام مسلم من بين المسلمين يقف في وجه الغرب ويعلن ثورته عليه وأنه غداً سيعيد إلى المسلمين الخلافة الإسلامية ويعيد إلينا شأننا وعظمتنا. وكما سررنا وانتعشنا بثورة مصطفى كمال فقد سررنا وانتعشنا بثورة أنور باشا ولكن سرورنا بثورة مصطفى كمال كان أعظم لاسباب كثيرة منها :

1-إن بلاد الأناضول متصلة ببلادنا العربية اتصالاً مباشراً وان وجود دولة إسلامية إلى جوارنا أفضل من وجود دولة غربية عدوة.

2-إن الدولة العثمانية هي أمنا التي غذينا بلبانها وكنا جزءاً منها فرجوع الحياة إليها هو بعث لنا.

3-إن مصطفى كما يعمل للخلافة الإسلامية بينما أنور باشا يعمل لإقامة دولة إسلامية وليس هذه كتلك.

4-إن السلطان يؤيد حركة مصطفى كمال ولم نسمع أنه كان يؤيد حركة أنور باشا.

5-إن هالة الدعاية التي أحيطت بها الثورة الكمالية كانت أعظم وأحكم من هالة الدعاية التي رافقت حرب أنور باشا.

6-إن الثورة الأنورية ماتت سنة 1922 بموت قائدها ولم يبق أمامنا إلا الثورة الكمالية.

7- إن الغربيين أرادوا أن يصرفوا تفكير العالم الإسلامي إلى الثورة الكمالية لكي يستهلكوا آلام المسلمين ويخففوا على نفوسهم أثر الصدمة التي أنزلوها بهم بإزالة الخلافة فأولوا الثورة الكمالية كل عنايتهم ودعموها برعايتهم لأنهم كانوا يعلمون نتائجها مسبقاً على اعتبار أنهم هم الذين صنعوها.

وكما أن الغربيين قد نجحوا في مخططهم وجعلوا العالم الإسلامي كله يسير فخوراً بضع سنوات وراء الثورة الكمالية فقد استغل مصطفى كمال عواطف المسلمين وأموالهم إلى أبعد حدود الاستغلال وكسا ثورته لباساً إسلامياً، سواءً بأحاديثه وتصريحاته وخطبه، أو بمعاملته لزعماء المسلمين. فمن ذلك أنه استعان بالزعيم الليبي الشهير السيد أحمد السنوسي وجعله مستشاراً له وكان يبرق إليه، كما قال لي صديقي الأمير شكيب ارسلان، إذا اراد شن هجوم على مكان ما قائلاً: إننا ننوي الهجوم غداً أو بعد غد على مكان ما فاقرأوا البخاري الشريف على نية النجاح والتوفيق، واستغل أيضاً أعمال وأقوال جميعة الخلافة الهندية التي قامت بزعامة الأخوين شوكة علي ومحمد علي واستغل الشعراء فمدحوه والأدباء فأثنوا عليه ومشايخ الطرق فرفعوه إلى مقام الولاية.

كان مصطفى كمال يبطن غير ما يظهر وينوي أن يفعل غير ما يقول إذ أنه ما كاد ينتصر نهائياً ويطمئن إلى مصيره حتى ألغى الخلافة وطرد الخليفة من البلاد وطرد السيد أحمد السنوسي وتنكر لكل القيم الإسلامية وسار بسيرة ليس فيها أية مصلحة للإسلام ولا للمسلمين لا بل ليس فيها أية مصلحة لتركيا نفسها، فها هي تركيا بعد مضي ستين سنة على هذه الثورة ما زالت بلداً نامياً ضعيفاً لا حول له ولا طول فالحركة العلمية فيها ضعيفة والأمية سائدة والحياة الاجتماعية متأخرة والحالة الاقتصادية في الحضيض، وكل ما فعلته هذه الثورة أنها أشغلت الناس بأمور جانبية تافهة مثل إلقاء الطربوش وسفور النساء ولو كان هذان الأمران تركا للزمن لتكفل بتحقيقهما من غير ثورة كما حدث في كل البلاد الإسلامية حتى في أشدها تعصباً ومحافظة مثل اندونيسيا وباكستان والهند وأفغانستان وحتى إيران حيث كان ذكر المرأة على اللسان في هذه البلدان يعد عورة، فأصبحت المرأة في هذه البلاد وفي بحر سنوات قليلة قد تخطت التركية وهي تماشي الغربية. وإذا كان السفور قد تحقق في بعض المدن التركية الكبيرة حيث لم تكن المرأة متحجبة حجاباً كاملاً فإن المرأة في بعض المدن الكبيرة الأخرى وفي الأرياف ما زالت كما كانت وما زالت متأخرة ولم ينفع السفور في تقدمها.

ما هي نتائج الثورة الكمالية ؟

خرج مصطفى كمال من ثورته منصوراً يكلل هامته تاج العز والفخار لأنه أعاد إلى تركيا حياتها واستقلالها وقد تقبل نصف العالم الإسلامي هذا النصر بسرور عظيم لأنهم خدعوا بظاهره وهذا النصف هو النصف الجاهل أو الغبي أو الذي لا يعرف من الأمور إلا ظاهرها، وأما النصف الآخر العاقل المفكر الذي ينظر إلى خلفيات الأمور بمنظار الحقيقة فقد أدرك مدى الكارثة التي حلت بالعالم الإسلامي كله وليس بتركيا وحدها.

لقد أشغل مصطفى كمال المسلمين بأمور جانبية تافهة أرضى بها الشبان التواقين إلى الأخذ بالمظاهر وأخذ المعول وهدم الكيان التركي من جذوره. واذا جاز لنا أن نسمي ما قام به مصطفى كمال ثورة فهي ولا شك ثورة على الدين وعلى الثقافة وعلى التاريخ وعلى العالم الإسلامي عامة والأمة التركية بصورة خاصة.

لقد أبطل مصطفى كمال الأبجدية العربية وأحلَّ محلها الأبجدية اللاتينية فقطع بعمله هذا صلة الأمة التركية بالعالم الإسلامي وقطع صلتها بماضيها وهدم أمجادها وقضى على ثقافة ترجع إلى ألف سنة فيها الكثير الجيد من العلوم والفنون والأدب والشعر والتاريخ.

لقد قضى مصطفى كمال الأمة التركية وطمس معالمها وعراقتها وخلقها أمة جديدة وكأنها ليست من هذا العالم أو كأنها كما يقول المثل مقطوعة من شجرة. ولم يقدم البلاد ولا أهلها خطوة واحدة إلى الأمام بل أرجعها خطوات إلى الوراء من كل ناحية بدليل تقدم بعض البلاد التي كانت جزءاً من الدولة العثمانية وفصلت عنها وقد تقدمت، بفعل الزمن، خطوات واسعة في الفن والأدب والعلم والعمران. وما دامت تركيا لم تتقدم فهي إذن متأخرة.

ثم إنه بقضائه على الخلافة جردها من سلاح ماض كان في يدها تهزه متى شاءت في وجه الأعداء وكانت الدولة العثمانية حتى في أخريات أيامها، يوم لم يكن لها حول ولا طول، مرهوبة الجانب يخشاها القريب والبعيد ويحترمها العدو قبل الصديق لأنها كانت تحمل صولجان الإسلام الذي كانت تهدد به العالم فأصبحت اليوم بفضل مصطفى كمال دولة ثانوية مثل غيرها من الدول الصغيرة ليس لها وزن سياسي إلا بقدر ما لمركزها الاستراتيجي من أهمية وبقدر حاجة الدول إليه وليس لها مركز علمي ولا اقتصادي حتى ولا سياحي على الرغم من جمال تركيا وما فيها من جبال وبحار وغابات وأنهار لو كانت في بلاد أخرى لاستغلت أحسن استغلال في السياحة والاقتصاد.

إننا إذا أخذنا في تقييم هذه الثورة نجد أنها كانت وبالاً على تركيا وعلى العالم الإسلامي لأنها قضت على كل ثروات تركيا المعنوية وسلبتها عظمتها التي كانت تقوم على الإسلام وعلى اللغة العربية وهي عظمة لن تعود ابداً.

إن ما فعله مصفى كمال كان في مصلحة الغرب وليس في مصلحة تركيا ولا في مصلحة الشعب التركي. لقد قطع مصطفى كمال كل صلة للاتراك باخوانهم المسلمين حتى أنه غير أسماء الناس وغير اسمه. لقد قضى مصطفى كمال على هذه الأمة بالعقم الأبدي وأجهض مقدماً كل حركة إصلاحية يمكن أن تقوم في البلاد لخير البلاد وخير أهلها.

لقد كانت الخلافة، على ضعف الخلفاء، وتخاذلهم وجهل بعضهم لا بل ورذائلهم، سلاحاً ماضياً بيد المسلمين يزعج الغربيين فعملوا حتى قضوا عليه. ولو كان مصطفى كمال أبقى على الهيكل الإسلامي ولم يمس اللغة لكان خلق تركيا خلقاً جديداً سليماً ولكانت اليوم سيدة العالم الإسلامي كما كانت من قبل ولو تقلصت أطرافها.

وإذا نظرنا إلى السياسة التي انتهجها السلطان الظاهر بيبرس والسياسة التي انتهجها مصطفى كمال نجد الفرق بين تفكير الرجلين بعيداً جداً إذ بينما استند بيبرس على الخلافة وأحياها في مصر، بعد أن تلاشت في بغداد فرفع بذلك من شأن نفسه ومن شأن المسلمين في كل مكان وكانت الخلافة له ولخلفائه من بعده قوة ودعماً ودرعاً واقياً، نجد مصطفى كمال قد استند على الانكليز لهدم الخلافة ليرفع نفسه ويهدم تركيا.

لقد كان باستطاعة مصطفى كمال، بعد أن انتصر على اليونان أن يتنكر للغربيين ويقلب لهم ظهر المجن فيخدم بذلك بلده وأمته ولم يكن الغربيين يستطيعون، آنذاك، أن ينالوه بأذى لأن العالم كله كان معه ولكنه لم يفعل لأن الخطة الغربية كانت تسلير هواه وهذا من سوء حظ المسلمين وحظ البلاد التركية في الدرجة الأولى. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.

لماذا دعّم الغرب الثورة الكمالية أو لم يناهضوها ؟

قد يتساءل المرء، حينما يرى دول الحلف الغربي، التي هزمت، في حرب دامت أربع سنوات ونيف، الامبراطورية العثمانية ومعها امبراطوريتين قويتين هما المانيا والنمسا ومملكة البلغار، كيف عجزت عن الانتصار على ثورة قام بها قائد عثماني هو نفسه كان قد انهزم أمام الانكليز في جبهة فلسطين ثم عند جبال طوروس يوم كانت إمكاناته أكثر وقوته أكبر ؟

وهو تساؤل وجيه ومعقول لا سيما وأن مصطفى كمال ظل نحو سنتين في شرق الأناضول وهو لا يستطيع أن يتقدم لمواجهة أعدائه بل كان أعداؤه اليونان هم الذين يتقدمون حتى وصلوا مشارف انقره.

وللجواب على هذا السؤال نقول : إن الفرق بين الحالين كان كبيراً جداً وذلك لأنه الحلف الغربي كان في الحالة الأولى يريد دحر الدولة العثمانية، دولة الخلافة الإسلامية، التي كانت قذى في عيون أهل الغرب وحسكةً في حلوقهم، ولذا فقد وضع، في ميدان المعركة، كل طاقاته وإمكاناته وعمد إلى كل السبل فسلكها وعمل بكل الوسائل حتى بلغ ما يريد، بينما الأمر لم يكن كذلك مع ثورة مصطفى كمال، إن أهل الحلف الغربي وعلى رأسهم انكلترا وفرنسا كانتا حريصتين كل الحرص على انتصار مصطفى كمال على اليونان لأسباب مر ذكرها كما أنهما كانتا حريصتين على بقاء بلاد الأناضول لأصحابها على أن تكون تابعة للغرب بعيدة عن الإسلام والمسلمين وكانتا تعلمان مسبقاً أن مصطفى كمال سيحقق لهما هذه البغية.

كانت دول الغرب حريصة على القضاء على الدولة العثمانية لأنها دولة إسلامية قادرة باسم الإسلام على أن تهدد العالم كله وليس الغرب وحده إذا استعملت هذا السلاح المعنوي استعمالاً صحيحاً وسليماً. ولذا فإن كل الحروب التي شنها أهل الغرب على الدولة العثمانية وكل المعاهدات والاتفاقات التي عقدوها كانت تدور حول هذه النقطة وهذا الهدف.

إن الحروب الصليبية بدأت منذ ظهر الإسلام ولكنها ظهرت بثوب عملي في القرن الحادي عشر الميلادي، يوم ضعفت البلاد الإسلامية، واشتدت يوم بدأت الدولة العثمانية تغزو أوروبا في عقر دارها. ومع أن دول الغرب مجتمعة ظلت أكثر من ثلاثة قرون تعمل للقضاء على هذه الدولة الإسلامية دون أن تبلغ ما تريد، على الرغم مما أصاب الدولة العثمانية من تضعضع، فانها قد ذهلت وارتبكت حينما تم لها هذا النصر بهذا الشكل الذي حدث والذي لم تكن تتوقعه ولا تتصوره أيضاً وذلك بأن ترى الامبراطورية العثمانية ومعها حليفاتها تنهار أمامها في بحر أسابيع أو شهور قليلة، بعد أن ثبتت أمام ضرباتها أربع سنوات لا بل وانتصرت عليها مرات.

قلت في بحر أسابيع لأن الحرب في سنواتها الأولية كانت سجالاً بين المتخاصمين، لا بل كانت في بعض الجبهات انتصاراً للحلف العثماني ولم يكن ما يبعث على الاعتقاد بحدوث هذا الانهيار، ولكن وقوف العرب إلى جانب الحلف الغربي وحماقات ارتكبها بعض رجال الاتحاد والترقي وامكانات الحلف الغربي المادية والمعنوية الواسعة واستسلام البلغار المفاجئ، كل أولئك غيرت وجه الحرب فاسفرت عما اسفرت عنه من انهيار ثلاث امبراطوريات كانهيار قصور الكرتون أو بيوت الرمال.

فهذا النصر الساحق الذي أحرزه الحلف الغربي على الحلف العثماني قد فرّح الغربيين ولكنه ادهشهم وأذهلهم ايضاً لا بل قد كانت دهشتهم أكبر من فرحتهم إذ كان شأنهم شأن الفقير المعدم الذي تهبط عليه ثروة كبيرة فجأة من السماء لم يكن يحلم بها فيحتار في أمره ويحتار فيما يفعل بهذه الثروة الطارئة وكيف ينفقها.

أدرك الغربيون بعد أن تم لهم هذا النصر أن اللقمة التي امامهم أكبر من أفواههم وأنهم لا يستطيعون هضمها وأنه لا بد لهم من إعادة النظر على برامجهم السابقة، وعلى الرغم من أنهم كانوا قد اقتسموا تركة ( الرجل المريض ) فيما بينهم مرات وأنهم باعوا جلد الدب قبل أن يصطادوه الا أن أوضاعهم اليوم تختلف عما كانوا عليه من قبل اذ مات أحد الورثة قبل موت الامبراطورية العثمانية واعني به امبراطورية موسكو بنشوب الثورة الشيوعية فيها، وماتت ايضاً كل من الامبراطورية الألمانية والامبراطورية النمسوية بسبب تحالفهما مع الدولة العثمانية. فاصبحتا في جانب التركة لا في جانب الورثة، ولذا فقد كان من البديهي أن يتغير التقسيم وتتغير الأهداف لا سيما وأنه لم يعد في الميدان إلا انكلترا وفرنسا، وأما إيطاليا واليونان فقد كان بالامكان إرضاؤهما بالقليل لأن إيطاليا كانت في بداية الحرب حليفة للدولة العثمانية ثم تركتها وانضمت إلى الحلف الغربي وهي لم تهضم بعد البلاد الليبية التي استولت عليها سنة 1911 ولم تكن الدولة العثمانية قد اعترفت بعد بتنازلها عنها، واليونان دولة صغيرة لا حول لها ولا طول وبالتالي فليس لها حساب. وأما امريكا، التي كانت السبب في انتصار الحلف الغربي، فانها كانت، بشخص رئيسها ولسن، تريد الحرية للجميع فإذا لم تصل إلى هذه الغاية تركت الدنيا لأهل الدنيا وانصرفت وهذا ما حدث. وكان كليمنصو رئيس وزراء فرنسا يقول : أنا في حيرة من أمري بين رجلين : الأول يظن نفسه المسيح والثاني يحسب نفسه نابليون. ويعني بذلك ولسن رئيس الولايات المتحدة، الذي كان مشبعاً بالروح الانساني، ولويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا الذي كان مليئاً بالغرور.

غير أن الذي كان يخيف الغالبين هي روسيا التي وإن كانت قد خرجت من الحرب مغلوبة بسبب نشوب الثورة الشيوعية فيها، تلك الثورة التي كان الفضل الأكبر في نجاحها لألمانيا، التي زودت لينين بالمال والسلاح وأرسلته إلى روسيا ليقلب الحكم فيها، فإن حلفاءها القدامى أي انكلترا وفرنسا ومن معهما، كانوا يعلمون بأن ضعفها لن يطول أمده وأنه لا بد لها من أن تنهض وتقف على ساقيها ثم لا بد لها من أن تطالب بإرثها وأن تسعى إلى تحقيق مطامعها في البحر الأسود وفي الممرين المائيين، ولذا فقد كان لا بد للانكليز وهم سادة البحار، آنذاك، من أن يفكروا بهذه النتيجة وأن يتداركوا عواقبها قبل حلولها. وكان الحل هو إبقاء الأناضول لاصحابها.

فمن جهة كانت انكلترا وفرنسا تخشيان الدب الروسي الرابض على حدود الأناضول. ومن جهة ثانية كانتا قد تقاسمتا البلاد العربية فأخذت فرنسا سوريا ولبنان وأخذت انكلترا العراق وفلسطين بالإضافة إلى ما كانت تسيطر عليه من قبل من شواطئ الجزيرة العربية بدءاً بمستعمرة عدن فالمحميات فمسقط فمشيخات الخليج العربي بما فيها البحرين والكويت.

وفي الوقت الذي اتفقت فيه الدولتان الانكليزية والافرنسية على هذا التقسيم سراً كانتا قد أعطتا فلسطين للصهيونيين لتكون وطناً قومياً لهم، ووعدتا الشريف حسين بامبراطورية عربية تشمل الوطن العربي كله، أو أن الشريف حسين ظن أن رغبته حقيقة واقعة وأن مطالبه أوامر تعطى لحلفائه فتنفذ، فبات خاليالبال مرتاح الخاطر يعيش هو وكل العرب في حلم لذيذ معتمدين على صدق الحلفاء وإخلاصهم ويصدقون كل ما يقال لهم، ويكتفون من العهود بالوعود لا بل بالوعود الغامضة، ولم يكونوا يدرون أن عهود أهل الغرب الكلامية هراء والمكتوبة منها قصاصات ورق يمكن تمزيقها وحرقها في كل وقت حتى اذا كانوا مغلوبين فكيف بهم إذا كانوا غالبين ؟

اقتنع الشريف حسين بحسن نوايا حليفته بريطانيا على الرغم من أن تصرفات رجالها كانت تدل بوضوح على المراوغة والخداع. ولكن أنى للمسلم الشريف أن يسيء الظن بمن يتودد إليه ويظهر له الاخلاص ؟

ظل الشريف حسين ثابتاً على مبدئه محسناً الظن بالانكليز على الرغم من أن رجال الثورة الشيوعية، بعد أن استلموا الحكم في البلاد، فضحوا الاتفاقية السرية ( اتفاقية سايكس ـ بيكو ) المعقودة بين انكلترا وفرنسا وروسيا لتقسيم الامبراطورية العثمانية، وعلى الرغم من أن جمال باشا نبه العرب في الكلمة التي القاها في بيروت بتاريخ 30/11/1917 إلى هذه الحقيقة. وقد أعرب مندوبا انكلترا وفرنسا المقيمان في الحجاز صراحة عن سوء نية حكومتهما حينما رفضا الحفلة التي أقيمت في جدة احتفاءً بمبايعة الشريف حسين ملكاً على البلاد العربية. وقد تمت المبايعة في مكة المكرمة في 4/11/1916 وأقيم الاحتفال في جدة لكي يتسنى لهذين المندوبين حضوره ولكنهما لم يحضرا لأن حكومتيهما لم تعترفا بالشريف حسين ملكاً على البلاد العربية بل ملكاً على الحجاز ورفضتا منحه لقب صاحب الجلالة بل دعته بصاحب السيادة وأحياناً بصاحب السمو.

كانت الأمور، اذن، ظاهرة منذ البداية ولكن الشريف حسين لم يعد قادراً على الرجوع كما أنه كان صادقاً في ثورته وظل يحسن الظن بانكلترا.

فلما انجلت الحرب ورأى العرب أنفسهم أنهم أصبحوا أكثر فرقة وشتاتاً مما كانوا عليه من قبل وانهم أصبحوا محكومين بأسماء مخترعة، منها الانتداب والحماية والتحالف والاستعمار والقوة، بعد أن كانوا شركاء الدولة العثمانية في الحكم، اسقط في أيديهم وكانت ردة فعلهم عنيفة ويأسهم من حلفاء الأمس عظيماً ولكنهم لم يتحركوا بل ظلوا يعيشون بالآمال، اللهم إلا ما قيل عن مراسلات جرت بين الشريف حسين وبين مصطفى كمال ومراسلات جرت بين بعض رجالات سوريا وبين مصطفى كمال أيضاً ولكنها دفنت في المهد. وبدهي أن هذه المراسلات لم تكن تنفع شيئاً لأن مصطفى كمال نفسه كان بحاجة إلى المعونة من جهة ثم إنه لم يكن من الناس الذين يحبون العرب أو يعطفون عليهم من جهة ثانية.

ولعل السبب في عدم قيام العرب بحركة هو تقطيع أوصالهم وانعدام القيادة الموحدة فيهم وفقدان التنظيم السياسي وعدم وجود جيوش نظامية ثم وجود جيوش فرنسية وانكليزية في البلاد وهي لم تعد جيوشاً حليفة بل أصبحت جيوشاً غازياً.

وبينما كان العرب غارقين في بحور تأملاتهم يستجدون عطف حلفائهم تنبه السلطان وحيد الدين للأمر وأدرك أن بقاء الأناضول بلداً مستقلاً أمر لازم لأعداء الدولة العثمانية كما أن أدرك بأن الحصول على الاستقلال لن يتم إلا بالسعي إليه فاوعز إلى مصطفى كمال بأن يقوم بثورة مسلمة وكان ما كان مما أسلفنا ذكره.

هذا ما كان من أمر المغلوبين وأما ما كان من أمر الغالبين فقد ادركت انكلترا، وهي التي تحتل استانبول، انها لا تستطيع ابتلاع البلاد العثمانية كلها وان حصتها من البلاد العربية كافية لها وأن تماديها في استفزاز الشعور الإسلامي قد ينقلب عليها ويضر بمصالحها ولا سيما في شبه الجزيرة الهندية والباكستانية، التي كان يهمها امرها كثيراً، وأن الثورة التركية انما هي الخطوة الأولى وربما تبعتها ثورات وبالتالي فإنه لا بد من الهاء العالم الإسلامي بهذه الثورة، التي علق عليها المسلمون كل آمالهم في إحياء الخلافة، وعلق الغربيون عليها آمالهم بأن تكون هدماً للخلافة واجتثاثاً لجذور الإسلام من البلاد حتى لا تقوم لها قائمة، ولذا فان نجاحها كان يهم الانكليز أكثر مما يهم المسلمين، لأنها بهذه الثورة تصرف العرب عن التفكير بانفسهم وتعلق آمالهم على الثورة التركية، من جهة، وتكون، من جهة ثانية، قد ثبتت أقدامها وأقدام حليفتها فرنسا في البلاد العربية فإذا صحا العرب لا يجدون لأنفسهم مخرجاً مما وقعوا فيه.

عمل الانكليز جهدهم لإنجاح الثورة التركية بدليل أنهم لم يساعدوا اليونان بشيء، وبما قاموا به من دعاية للثورة ذاتها ولشخص مصطفى كمال حتى جعلوا الناس يظنون أن الخلافة الإسلامية أصبحت في متناول أيديهم وأنها قد استعادت مجدها وأن مصطفى كمال هو نور الدين زنكي أو صلاح الأيوبي أو حتى عمر بن الخطاب ونسي المسلمون مصائبهم فرحاً بانتصارات مصطفى كمال التي اعتبروها الخطوة الأولى نحو تحقيق آمالهم الإسلامية. غير أن ما حدث بعد ذلك خيب آمال المسلمين، ولكن الفرصة كانت قد فاتت ولم يعد بمقدورهم أن يفعلوا شيئاً بعد أن تفرق شملهم، وبعد أن انتزع عبد العزيز بن السعود الملك من الحسين، خليفة المسلمين المنتظر، فأخذه الانكليز وسجنوه في قبرص إلى أن توفي وجازوه جزاء سنمار.

كان الغرب عامة والانكليز خاصة يفضلون وجود دولة تركية ضعيفة مشذبة الأطراف بعيدة فكراً ومبدأ وروحاً عن البلاد العربية المجاورة على أن يسيطروا هم على الأناضول لأن وجود أية دولة أوروبية في الأناضول باسم الاستعمار أو الحماية أو الانتداب سيجعل الاحتكاك مع الروس مستمراً بينما وجود دولة تركية ضعيفة سائرة في ركاب الغرب أضمن للغرب وأنفع له.

وإذا كان الانكليز قد نكثوا عهودهم مع العرب لأنهم أدركوا ضعفهم وشتات كلمتهم وعدم اتفاقهم على رأي ولأنهم كانوا يعلمون بأنهم لن يتنازلوا عن دينهم ولا عن قوميتهم الإسلامية فإنهم قد ساعدوا مصطفى كمال، أو إن شئت فقل أنهم لم يناهضوه، لأنهم كانوا يعلمون أنه سيعطيهم كل ما يطمعون به وذلك لأن الاستعمار لم يعد، في أيامنا هذه، استعمار أرض وسماء وسيطرة عسكرية وحكماً مباشراً بل أصبح استعمار أفكار ومبادئ وأهداف، وقد أصبحت تركيا مستقلة في ظاهرها وفيما لا يضر الغرب ولكنها مستعمرة في أفكارها ومبادئها.

لقد جرب الانكليز العرب وامتحنوا إخلاصهم فوجدوهم لا يصلحون لصداقتهم لأنهم صادقون مع أنفسهم وإذا كان الملك حسين قد رضي بالسجن والنفي ولم يرض بأن يسجل التاريخ عليه أنه رضي بالوطن القومي اليهودي، مع أن رضاه أو عدمه لم يكن ليقدم ولا ليؤخر شيئاً، فمن البدهي الا يكون أداه طيعة في أيدي أهل الغرب ولذا فقد لاقى منهم العداوة والبغضاء.

لقد فرح المسلمون في العالم كله بنجاح الثورة التركية ولكن فرحتهم لم تطل بعد أن أدركوا ابعادها ومراميها ورأوا نتائجها ولمسوها في أنفسهم وفيما يعانون من أوضاع. ويحاول اليوم كثير من الأتراك المخلصين الرجوع إلى ماضيهم ولكنهم لا يستطيعون لأن الثورة قد ضربت بينهم وبين ما يبتغون سداً منيعاً لا يقدرون على النفوذ منه بعد أن قطعتهم الثورة من جذورهم وأبعدتهم عن تاريخهم ولغتهم وثقافتهم.

لقد ربح أهل الغرب بهذه الثورة شيئاً كثيراً لم يكونوا يحلمون به ولكن هذا الربح لم يأتهم مجاناً وهم نائمون بل لقد علموا له قروناً "وأن ليس الإنسان إلا ما سعى".