المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسوعة المفاهيم


الصفحات : 1 [2]

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:44 PM
الغلو

لغة: مجاوزة حدالاعتدال ،وفى مقابل طرفه هذا طرف آخر هو التفريط أو
التسيب ، وكلا طرفى قصد الأمور ذميم.
واصطلاحا: نجد النصوص الشرعية تقرن بين "الغلو" و "التشدد" و "التنطع" وكأنها جميعا مجاوزة حد الاعتدال المطلوب من المسلم أن يلتزم به.
والغلو قديم قدم انحراف الفكر والسلوك حين يتجاوزان حد الاعتدال لسبب أو لآخر.
وفى القرآن الكريم نهى لأهل الكتاب عن الغلو لأنه انحراف عن الحق فى الدين ، وقد جاء هذا فى آيتين هما: {يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ، ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فآمنوا بالله ورسله ،ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد له ما فى السموات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا}النساء:171.
{قل يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غيرالحق ، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل}المائدة:77.
وتدل الآيتان على أن الغلو والانحراف كان فى باب العقيدة، فيما يخص الذات الإلهية وصفاتها، وفيما يخص اعتقاد النصارى فى المسيح بما يخرجه عن حقيقته غلوا وتجاوزا(1).
لذا كانت الوسطية إحدى الخصائص العامة للإسلام ، وهى إحدى المعالم الأساسية التى ميز الله بها أمته صلى الله عليه وسلم عن غيرها {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}البقرة:143.
فهى أمة العدل والاعتدال التى تشهد فى الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا أو شمالا عن خط الوسط المستقيم (2).
وفى السنة تحذير واضح من الغلو والتنطع والتشدد لمخالفتها وسطية الإسلام
واعتداله.
وفى الوقت ذاته تحفل السنة القولية والعملية بالأمر بالتيسير والرفق والتسامح.
وحسبنا أن نشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ربط بين الغلو والهلاك وكذا التنطع والتشدد (إياكم والغلو فى الدين ، فإنما هلك من قبلكم بالغلوفى الدين)(3) (هلك المتنطعون)(4) (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ،فتلك بقاياهم فى الصوامع والديارات) (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)(5).
أما التيسير والأمر به فأشهر من أن لا يعلم ، فقد عاتب الرسول صلى الله عليه وسلم معاذا حين شكا أحد الناس أن معاذا يطيل فى الصلاة فقال والمسلمين جميعا (يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا).
وقد وقعت فى تاريخ المسلمين مظاهر غلو بعث عليها فهم معين ، أو مبالغة مرذولة، فكان موقف الأمة بيان خطأ أصحاب هذه المظاهر حتى ولو كانت اجتهادا بشكل أو بآخر.
ففى باب العبادات لم يقبل النبى صلى الله عليه وسلم موقف النفر الذى قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أصلى ولا أنام ، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء بل بين الرسول الكريم خطأهم وقال: (أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى)(7).
وفى بابا الحكم على الآخرين حين كفر الخوارج مرتكب الكبيرة، ورتب بعضهم على هذا جواز قتله ، واعتبر بعضهم ديار مخالفيه ديار كفر، وقفت الأمة منهم علماء وحكاما موقف المحاور لهم ، ثم رفض هذه الآراء(8).
وفى باب الغلو فى المعتقدات، حين ألهت السبئية عليا رضى الله عنه ، وحين قالت بعض فرق الشيعة بتناسخ الأرواح ، والرجعة ونحو هذا، عدهم مؤرخو الفرق من الغلاة الذين حادوا عن العقيدة الحقة(9) وكذلك حين غالى بعض الصوفية فى فهم التوحيد وقالوا بوحدة الوجود، أو الاتحاد، أو الحلول أو وحدة الأديان ،هوجموا من الصوفية المعتدلين وقيل إنهم غلطوا فى كذا وكذا(10).
وفى باب الممارسات الحياتية، حين انعزل بعض الزهاد عن الحياة، وسكنوا الكهوف ووقعوا فى رهبانية لا يقبلها الإسلام ، نظر إليهم على أنهم سقام الفهم للزهد والتوكل مضطربو السلوك (11).
وأما خطر الغلو فيكمن فى ضرره بالدعوة ووجه الإسلام.
فهومن جهة ينفرعامة الناس حيث لا يطيقه الناس ، فينصرفون عن الارتباط
بالجماعة أو الاستمرار فى العبادة، وهو من جهة أخرى أصعب من أن يستمر صاحبه عليه ، فيفتر فيفقد مصداقيته أمام من عرفوه.
وهو من جهة ثالثة يضر بالتوازن المطلوب فى شخصية المسلم ، أعنى أنه يضيع بعض الحقوق ، ولعل هذا هو الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعبدالله بن عمرو حين بلغه صوم النهار وقيام الليل باستمرار: (لا تفعل ،صم وأفطر وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا....الحديث)(12).
فإذا أضفنا إلى ما سبق تعصب صاحب الغلو لرأيه وجموده عليه ، وعدم اعترافه بالرأى الآخر، والتسرع فى الحكم على الآخرين فى عقائدهم.
أقول: إذا علمنا هذه المظاهر أدركنا خطر الغلو فى الدين بكل مناحيه ومجالاته ، وهو خطر يكتوى به صاحبه قبل الآخرين.
أما أسباب الغلو فكثيرة، وحسبنا أن نشير إلى أن هناك أسبابا تتصل بذات
الشخص وأسبابا تتصل بالجو العام.
وعلى رأس ما يتصل به قلة العلم ، وما يتفرع عنه من جهل بأدب الحوار، وضوابط الاختلاف وعدم التمكن من روافد الفهم الصحيح للإسلام ، وأخذ الإسلام من كتب معينة دون غيرها وتتصل به كذلك الظروف النفسية التى تكون عليها وتأثر بها جمودا، أو زعامة، أو حبا للشهرة ونحو هذا(13).
وهذا ما نبه إليه الشاطبى حين ذكرأن أسباب الابتداع وأخطرها أن يعتقد إنسان فى نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد فى الدين ، وهو لم يبلغ تلك الدرجة(14)
أما ما يتصل بالجو العام ، فانتشار الفساد، وغياب العدالة، والتضييق فى الحريات ، وعدم الاهتمام بالتربية الحوارية، فكل هذا يحدث رد فعل يتسم بالغلو.
ولاشك أن علاج هذه الظاهرة الخطرة لابد أن تقوم به كل أجهزة التربية والتثقيف من تعليم وإعلام وثقافة ومؤسسة دينية، وكلها على التوازى مع البيت والأسرة.
أ.د/أبواليزيد العجمى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- فى ظلال القرآن سيد قطب 5 /815،937 ط دار الشروق.
2- الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ، د/يوسف القرضاوى، ص24 كتاب الأمة شوال 1402هـ.
3- رواه أحمد والنسائى وابن ماجه وقال محقق المسند: إسناده صحيح.
4- رواه مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود.
5- ذكره ابن كثير فى تفسير سورة الحديد.
6- رواه البخارى.
7- متفق عليه ، وقد ذكرته بمعناه لا بلفظه.
8- تيارات الفكر الإسلامى ، د/محمد عمارة، ص25 ط دار الشروق 1411هـ-1991م.
9- السابق 356 مكتبة الثقافة العربية 1995م.
10- فى التصوف الإسلامى ، د/أبواليزيد العجمى، د/حسن الشافعى ص115 ، مكتبة الثقافة العربية 1995م.
11- الصحوة الإسلامية، د/يوسف القرضاوى، ص28.
12- رواه البخارى.
13- مشكلات فى طريق الحياة الإسلامية، محمد الغزالى ص114 كتاب الأمة جمادى الأخرة 1402هـ.
14- الاعتصام الشاطبى 2/ 173.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:44 PM
الغنائم

لغة: جمع غنيمة، وهى من الغنم ، وهو الفوز بالشىء كما فى الوسيط(1).
واصطلاحا: المأخوذة من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة والانتصار، بقتال وركوب خيل ونحوها(2).
وقد شرعها الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، واختصها بها، قال تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}الأنفال:41 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى...... وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى) رواه البخارى ومسلم (2).
وقد ظهر من هذه الآية الكريمة، ومن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الغنائم تقسم على خمسة أسهم:
1- سهم منها يقسم على خمسة مصارف هى:
(أ) رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(ب) أقاربه صلى الله عليه وسلم من بنى هاشم وبنى المطلب.
(ج) اليتامى.
(د) المساكين.
(هـ) ابن السبيل.
فلكل جهة من هؤلاء الخمسة خمس خمس الغنيمة.
2- سهم للمشاة من المقاتلين يقسم بينهم.
3- سهم للفرسان يقسم بينهم.
4 ، 5 - سهمان للخيول الصحيحة التى يقاتلون عليها.
وقد يعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المقاتلين شيئا من الغنيمة قبل التقسيم يسمى نفلا ، لأنه زيادة على ما يستحقه من التقسيم ، لتفوقه فى بعض الأعمال ، وتسمى الغنيمة كلها نفلا وأنفالا ، لأنها منحة من الله تعالى لهذه الأمة، قال تعالى {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول......}الأنفال:1 ، وقد روى أنها فى أول الإسلام كانت للنبى صلى الله عليه وسلم وحده يصنع فيها ما يشاء، ثم نسخ ذلك بآية التقسيم على المقاتلين (3).
وهناك أيضا الرضخ من الغنيمة، وهوعطاء يعطيه الإمام ونائبه لمن حضر القتال ولم يستوف الشروط التى يستحق بها المقاسمة فى الغنيمة كالنساء والصبيان ونحوهم.
وهناك أيضا السلب ، وهو ما يكون على العدو المقتول من ملابس وآلات
حربا وما يركبه من فرس ، فإن ذلك يكون لقاتله فوق نصيبه من الغنيمة ، لحديث (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) رواه البخارى (4).
ويدخل فى الغنيمة كل ما حصل عليه المسلمون من الكفار، نتيجة قهرهم والانتصار عليهم من أموال منقولة أو أسلحة أو أراض أو فداء للأسرى أو سابقة للمسلمين (5).
والتقسيم على المقاتلين بالنسب السابقة فيكون للأموال المنقولة والأسلحة والفداء، أما ما استرده المسلمون من أموالهم ، فترد إلى أصحابها، ولا تدخل فى التقسيم إذا عرفها أصحابها، فإن لم يعرفوها قسمت ، وأما الأراضى ففيها خلاف فقيل: بالتقسيم ، وقيل: بعدمه ، وقيل: الإمام مخير فى الأراضى بين التقسيم ، أو يتركها لأهلها بالخراج.
ويجب على أمير الجيش حفظ الغنائم ،وتكليف من يقوم بحفظها حتى يقسمها بين أصحابها، وجمهور الفقهاء على أن التقسيم يكون فى محل الغزوة بعد الانتصار وانتهاء الحرب ، ليدخل السرور على المقاتلين ، إلا إذا كان الموقع غير آمن ، فينتقل بهم إلى موقع آخر يكون آمنا، ثم يقسمها عليهم (6)، وفى التعجيل بالتقسيم حكمة أخرى، وهى وقاية الغنيمة من السرقة والفلول.
ويشترط فيمن يستحق الغنيمة شروط وهى:
أن يكون مسلما ، بالغا ، عاقلا ، ذكرا ، حرا ،صحيحا، وأن يشهد المعركة ولو لم يقاتل فإن اختل شرط أو أكثر من هذه الشروط بأن حضر المعركة صبى أو ذمى.. رضخ له الإمام أى أعطاه نصيبا من المال العام
قبل التقسيم ، ولا يبلغ هذا الرضخ قدر سهم من السهام الخمسة التى تقسم عليها الغنيمة.
ويخرج من الغنائم قبل التقسيم: الأسلاب ،وأموال المسلمين المعروفة التى استردوها والأراضى على خلاف ، وأجرة حفظ الغنيمة،والأرضاخ والأنفال (7) ثم تقسم على مستحقيها كما سبق ويقسم خمس الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته على الأربعة الباقين ، أو يعتبر فيئا يعطى منه الغنى والفقيرعلى خلاف بين الفقهاء(8).
أ.د/محمد نبيل غنايم



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثالثة، القاهرة 2 /664.
2- صحيح البخارى ، محمد بن إسماعيل البخارى، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، 5 /213.
3- فتح القدير، الكمال بن الهمام ، دار الفكر، ط2، بيروت ، ط1 ، 2 /309.
4- صحيح البخارى، 5 /227.
5- الأم ، للشافعى ، دار الفكر، بيروت ، 1990 م ،8 /249.
6- المصدر السابق 4 /147 ، وقيل لا تقسم إلا فى دار المسلمين.
7- وقيل من الأربعة أخماس المغنى، لابن قدامة، مكتبة القاهرة ط1 ،1969 م ، القاهرة 9 /231.
8- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، دار ابن حزم ، 1995 ، بيروت ، 2 /754.
مراجع الاستزادة:
1- الموسوعة الفقهية، الكويت ، مطبعة دار الصفوة، سنة 1974 ، القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:44 PM
الغيبة

لغة: الغيبة أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن يحوج إلى ذكره ، ولا يبعد المعنى الاصطلاحى عن المعنى اللغوى لمفهوم الغيبة.
وهذا ما وضحه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: (أتدرون ما الغيبة ، قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره ،قيل أفرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)(1).
ومن هنا قيل: واعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب فى القبح والمعرة، ويزيد عليه فى الأذى والمضرة، وهى: الغيبة، والنميمة والسعاية(2).
وقد نهى القرآن عن الغيبة، مصورا ممارستها بما ينفر منها، ويظهر خطر الوقوع فيها فقال: {ولا يغتبا بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه
ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم}الحجرات:12.
يعنى إذ كنتم تعافون أكل لحم الميت طبعا، فعافوا الغيبة شرعا لأنها أشد وأخطر.
وقد وضحت السنة القولية والعملية خطر الغيبة والنميمة فى سياق بيان خطر الكلمة التى يتفوه بها الإنسان لا يلقى لها بالا فتجره إلى قاع جهنم ، وفى سياق أن ريح الغيبة حين يوجد فى الأمة كريح الجيفة النتنة.
ومن أجل أن يتوقى الإنسان إثم هذه الرذيلة نهت السنة عن حضور مجالس يغتاب فيها المسلم (3)، بل لابد من رد غيبة المسلم وإلا فترك هذه المجالس هو اللائق بالمسلم ،فهما لقوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين}القصص:55.
والغيبة محرمة بالإجماع ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته كما فى الجرح والتعديل والنصيحة.
كقوله صلى الله عليه وسلم لما استأذن عليه الرجل الفاجر (ائذنوا له بئس أخو العشيرة)(4).
فالغيبة رذيلة تخالف ما تقرر فى الإسلام من حرمة الإنسان الذى هو أعظم حرمة عند الله من الكعبة، وحرمة دم المسلم وعرضه وماله ، كما جاء فى خطبة الوداع وفى أحاديث كثيرة تبين حق المسلم على المسلم ، وضرورة
سلامته من لسانه ويده (5).
ثم هى من جهة أخرى تظهر نقصا نفسيا عند مقترفها، فقد قيل: ما وجد عائب إلا كان معيبا، وهى تقطع العلاقات الطيبة، وتفتح باب التعقب والبحث عن العيوب فقد قيل: إن من اغتاب اغتيب ومن عاب عيب ،فبحثه عن عيوب الناس يحمل الناس على البحث عن عيوبه (6)
وقيل "لا تعن الناس على عيبك بسوء غيبك".
وقيل "الغيبة رعى اللئام"
فإذا وضح ما أشرنا إليه ، كان على المسلم أن ينأى بنفسه من هذا الداء، وأن يتقى الله ويتوب إذا كان قد قارفه والله تواب رحيم.
أ.د/أبواليزيد العجمى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- مسلم حديث 2589.
2- أدب الدنيا والدين الماوردى 257 تحقيق مصطفى السقا دار الكتب العلمية بيروت.
3- رياض الصالحين 573 طبعة البحوث والإفتاء بالرياض ، الغزالى خلق المسلم 77.
4- تفسير سورة الحجرات ابن كثير.
5- رياض الصالحين 575-579.
6- الذريعة إلى مكارم الشريعة الراغب الأصفهانى، تحقيق د/أبو اليزيد العجمى 282 طبعة دار الوفاء 1987م.
7- أدب الدنيا والدين الماوردى.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:45 PM
الغيرة

لغة: الغيرة المصدر من قولك غار الرجل على أهله.
قال ابن سيده: وغار الرجل على امرأته ، والمرأة على بعلها تغار غيرة وغيرا ، وغارا وغيارا(1) بفصل ابن منظور القول فى الصيغ والاشتقاقات ، ويحكى من النثر والشعر ما يؤدى المعنى يقول وهى الحمية والأنفة.... والعرب تقول: أغير من الحمى، أى أنها تلازم المحموم ملازمة الغيور لبعلها(2).
واصطلاحا: الغيرة ثوران الغضب حمية على أكرم الحرم ، وأكثر ما تراعى النساء.
وفى أدبيات الفضائل العربية والإسلامية تذكر الغيرة على أنها خلق فطرى كثر فى العرب ، وربط بينه وبين الجوار، واتسع نطاقه ليشمل كل حرمة يأنف المسلم أن تمس.
وجعل الله سبحانه هذه القوة فى الإنسان سببا لصيانة الماء وحفظا للإنسان ، ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة فى رجالها وضعت العفة فى نسائها.
وقد يستعمل ذلك فى صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته فى السياسات الثلاث التى هى سياسة الرجل نفسه ، سياسة منزله وأهله ، وسياسته مدينته وضيعته ، ولذلك قيل: ليست الغيرة ذب الرجل عن امرأته ولكن ذبه عن كل مختص به...فقد كثرت فى العرب خاصة إن من دخل دار أحدهم والتجأ إلى فنائه ولو كان عدوا فله حرمة وجوار وذمار(3).
لم يرد فى القرآن لفظ الغيرة وإنما جاء فى القرآن لفظ "الحمية" وفى سياق يدل على أنه غيرة يبغضها الله سبحانه ، لأنها غضب من أجل باطل ، ونعرة كاذبة، لذا وصفت بأنها "حمية الجاهلية" {إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهليه}الفتح:26(4).
ذلك أن قريشا فى صلح الحديبية رفضت أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، وأن يكتب محمد رسول الله قال النبى صلى الله عليه وسلم لعلى ابن أبى طالب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل بن عمرو: لا ندرى بسم الله الرحمن الرحيم اكتب: بسمك اللهم وحين قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعلى اكتب: (محمد رسول الله ، قال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك وقال اكتب اسمك واسم أبيك ،فقال النبى صلى الله عليه وسلم اكتب: من محمد بن عبد الله)(5).
أما السنة الصحيحة فقد ورد فيها لفظ "الغيرة" بصيغ مختلفة، وفى سياقات
متعددة، نشير إليها فيما يلى:
1- غيرة فطرية: غيرة الرجال على النساء، إذ يقول سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح ، فيقول النبى صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغيرمنه والله أغير منى)(6).
ومثله الحديث عن على رضى الله عنه: (ألا تستحيون أو تغارون فإنه بلغنى أن نساءكم يخرجن فى الأسواق يزاحمن العلوج)(7).
غيرة النساء على الرجال ،وقد غارت عائشة رضى الله عنها على النبى صلى الله عليه وسلم حين سألها النبى: (أغرت يا عائشة؟ قالت: ومالى ألا يغارمثلى على مثلك؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم أفأخذك شيطانك؟) الحديث (8).
غيرة المرأة على المرأة ضرتها، وقد غارت عائشة رضى الله عنها من ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لخديجة بعد وفاتها(9).
وهذه كلها غيرة فطرية ومحمودة شريطة ألا تخرج عن حد الاعتدال كى لا تكون عدوانا على حقوق الآخرين.
2- غيرة دينية وأخلاقية تكتسب بالتربية وقد ربطت السنة بين غيرة المؤمن وغيرة الله تعالى (إن الله يغار وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرم عليه)(10).
والتربية تعنى بها أن المؤمن يغار إذا انتهكت حرمات الله ، وهذا لا يكون إلا إذا ربى على هذا، وعلم مقاصد الشريعة (الحفاظ على العقل ، النسل ، المال ، الدين ، العرض)وقد ذكرت السنة أن جزاء غيرة المؤمن فى الآخرة عظيم حيث جاءت بأنه قصر فى الجنة(11).
3- الغيرة منها ما يحمد ومنها ما يذم ولأن الغيرة حمية وغضب ، فكان من اللائق بالمسلم أن يعلم الدوافع و الغايات فإذا كانته الدوافع رعاية حق الله ، والأهداف إزالة الريب ،وتحقيق مقاصد الشرع كانت هى الغيرة التى يحبها الله ، وإذا كانت غير ذلك كانت الغيرة التى يبغضها الله سبحانه "إن من الغيرة ما يحبه الله ، ومنها ما يبغض الله... فأما الغيرة التى يحب الله فالغيرة فى ريبة، وأما الغيرة التى يبغض الله فالغيرة فى غير ريبة"(12).
بقى أن نشير إلى حقيقتين مهمتين:
الأولى أن التاريخ يحفظ للعرب والمسلمين مواقف كانت الغيرة فيها دفاعا عن الحق ، أو حرصا على الكرامة، فغيرة عمرو بن كلثوم حين صاحت أمه واعمراه كانت فى موضعها ،وغيرة الصحابة الكرام من أجل دين الله غيرة المعتصم حين استنجدت به المرأة المسلمة قائلة: وا معتصماه ، وغيرة صلاح الدين من أجل تحرير القدس ، وغيرة جنودنا من أجل تحرير سيناء، هذه كلها نماذج لها ولنظائرها فى التاريخ موقع معلم.
الثانية أن التربية على القيم الدينية والوطنية الحقة أساس صحيح لتكوين الغيرة المحمودة التى تصون المقدس من دين أو عرض أو مال أو وطن ، والتى تقف عند حدود الشرع تضبط به البواعث وتحدد به الأهداف ، وترشد السلوك كى لا تكون الغيرة نعرة أو حمية جاهلية.
أ.د/أبواليزيد العجمى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- ابن منظور لسان العرب المجلد الخاص 41،42 طبعة دار صادر بيروت.
2- الذريعة إلى مكارم الشريعة الراغب الأصفهانى 347، تحقيق أبواليزيد العجمى الطبعة الثانية دار الوفاء مصر 1407هـ/1987م.
4- أخرجه أحمد رواه مسلم فى صحيحه.
5- البخارى كتاب النكاح باب الغيرة 107.
6- مسندأحمد 1 /133 المكتب الإسلامى.
7- المسند 6 /115.
8- صحيح مسلم فضائل الصحابة 2425.
9- صحيح مسلم 2761.
10- مسلم 2395.
11- مسند أحمد 5 /445،446.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:46 PM
موسوعة المفاهيم / الفاء

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:47 PM
فتح مكة

جاء فتح مكة تحقيقا للبشارة التى جاءت فى قوله سبحانه وتعالى فى سورة الفتح: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وماتأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا}آية:1-3.
ونزلت هذه السورة الكريمة وهو فى طريق عودته صلى الله عليه وسلم من الحديبية بعد أن عقد مع قريش صلح الحديبية فى العام السادس من
الهجرة فبراير 628م وتبعا لهذا الصلح التحقت خزاعة بالمسلمين ، والتحق بنو بكر بقريش ، وحدث صراع بين خزاعة وبنى بكر ساعدت قريش بنى بكر وطلبت خزاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم المساعدة بناء على ما جاء فى اتفاق الصلح.
كان الحال فى مكة انذاك مختلفا عن ذى قبل فقد اتسع نفوذ المسلمين شمالا وجنوبا وأحاط بمكة مما هدد تجارة قريش ، وأهل مكة أنفسهم أحسوا بالخجل لأن أكثر العرب دخلوا الإسلام ولكن أهله بمكة بقوا على الشرك ، ونشأ جيل جديد فى مكة سمع بالإسلام منذ نعومة أظفاره فلم تتعمق عبادة الأصنام فى نفسه.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على دخول مكة دون قتال كما أن أهل المدينة معظمهم هاجروا إليها من مكة، لو حدث قتال سيكون فيه قطع لصلة الأرحام ، ولذلك أعد الرسول صلى الله عليه وسلم عدته لفتح مكة دون قتال ،فخرج من المدينة سرا بجيش كبير،ولم تحس قريش بهذه الحركة إلا بعد وصول المسلمين إلى مشارف مكة، وكان ذلك فى العاشر من رمضان سنة 8هـ.
وحينئذ خرج أبو سفيان زعيم مكة ليحاول النجاة لأهله فالتقى بالمسلمين فى المكان الذى عسكروا فيه ، ورفض الرسول صلى الله عليه وسلم مقابلته أول يوم ليفت فى عضده ، وفى صباح اليوم التالى قابله ، وفى هذا اللقاء آمن أبو سفيان بالله ورسوله وعاد إلى مكة، بعد أن شاهد عظمة قوات المسلمين ، يحمل لأهلها اليأس من المقاومة والأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يطمئنهم على حياتهم وجاء تأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبعد كل نزعة إلى الحرب ، ويبعد كل متطرف ولو كان من المقربين ، فلقد سمع سعد بن عبادة، حامل راية الأنصار يقول: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة ،اليوم أذل الله قريشا" ولما علم الرسول الكريم بهذا قال: (اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزالله قريشا).
وجاء تعبير"يوم المرحمة" عن فتح مكة قمة آداب الجهاد فى الإسلام ، وتطبيقا عمليا منه عليه السلام بأن الجهاد فى الإسلام يختلف عن كل صور القتال والحرب اختلافا ظاهرا جليا منذ البداية وحتى النهاية.
ثم توج عليه أفضل الصلاة والسلام هذا بالعفو الشامل ، الذى مازال التاريخ يردده ،ليس فى العالم الإسلامى فحسب ، بل وتردده كل الدنيا على مر العصور، حين قال: {يا معشر قريش ماترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال رسول الله: اذهبوا فأنتم الطلقاء}.
أ.د/إبراهيم أحمد العدوى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- السيرة النبوية لابن هشام تحقيق مصطفى السقا إبراهيم الإبيارىعبد الحفيظ شلبى ج4.
2- الواقدى، كتاب المغازى تحقيق مارسون جونس مطبعة أكسفورد ج2.
3- الطبرى، تاريخ الرسل والملوك تحقيق أبو الفضل إبراهيم.
4- تاريخ الإسلام السياسى والدينى والثقافى حسن إبراهيم حسن ط9 /1979 النهضة العربى ج1.
5- موسوعة التاريخ الإسلامى أحمد شلبى، ج1.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:47 PM
الفتوى

لغة: الفتوى هى الجواب عما يُشكل من المساك الشرعية أو القانونية، والجمع: فتاوٍ وفتاوى ويقال أفتى فى المسألة: أبان الحكم فيها، فالإفتاء هو إبانة الأحكام فى المسائل الشرعية أو القانونية أو غيرها مما يتعلق بسؤال السائل ، والمفتى: هو من يتصدر للإفتاء والفتوى بين الناس ، وهو فقيه تعينه الدولة ليجيب عما يُشكل من المسائل الشرعية والجمع مفتون ، ودار الفتوى: هى مكان المفتى، والفتيا هى الفتوى فى المسألة المشكلة(1).
شرعا: لايختلف المعنى الشرعى للفتوى والإفتاء عن هذه المعانى اللغوية، فالفتوى: هى بيان الحكم الشرعى فى مسألة من المسائل مؤيدا بالدليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الاجتهاد.
وهى ضرورية للناس لأنهم لايمكن أن يكونوا جميعا علماء بالأحكام ، ولو انقطعوا لتحصيل ذلك حتى يبلغوا مرتبة الاجتهاد، لتعطل العمل وتوقفت الحياة فكان من رحمة الله تعالى بالأمة أن جعل منها علماء ومقالدين وأوجب على العامة من المقلدين أن يستفتوا العلماء فيما يجهلونه فقال: {فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}الأنبياء:7.
وأوجب على العلماء أن يفتوهم ويجيبوهم ويبينوا لهم الأحكام فقال صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) (أخرجة أبو داود والترمذى وابن ماجه)(2).
ويجب على العامى أن يتوجه بالسؤال إلى من يثق بعلمه وعدالته فإذا جهل حاله كفاه أن يراه مشهورا بين الناس بذلك ، ومع هذا الا تبرأ ذمته بالعمل بفتواه إلا إذا أطمأن قلبه إليها ، فإذا كان يعلم أن الأمر فى الواقع على خلاف الفتوى لم يبرأ من الإثم ، وإن كان المفتى أعلم العلماء.
وعن مكانة المفتى ومسئوليته يقول الشاطبى، رحمه الله (ت 790هـ): "المفتى قائم فى الأمة مقام النبى صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النقل الشرعى فى الحديث: (إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء
لم يورثوا دينارا ولادرهما وإنما ورثوا العلم) (أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه)(3).
الثانى: أنه نائب عنه فى تبليغ الأحكام ، بقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب)(4) وقوله: (بلغوا عنى ولو آية)(5).
الثالث: أن المفتى شارع من وجه ، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول من صاحبها وإما مستنبط من المنقول: فالأول: يكون فيه مبلغا، والثانى: يكون فيه قائما مقامه فى إنشاء الأحكام ، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع.
وعلى الجملة، فالمفتى مخبر عن الله كالنبى وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبى، ونافذ أمره فى الأمة بمنشور الخلافة كالنبى، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله فى قوله تعالى {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}النساء:59 ، والأدلة على هذا المعنى كثيرة(6).
وتحصل الفتوى من المفتى من جهة القول كأن يسأل فيجيب ، ومن جهة الفعل كأن يفعل ويقتدى به ، ومن جهة الإقرار كأن يرى عملا من شخص فيقره عليه ، ولاتصح الفتيا إذا خالفت مقتضى العلم سواء كانت قولا أم فعلا
أم تقريرا.
والمفقى البالغ ذروة الدرجة هو الذى يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال(7).
صفات المفتى:
ينبغى أن يتصف المفتى بخمس صفات نقلها ابن القيم عن الإمام أحمد فقال: "لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها أن تكون له نية فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ماهو فيه وعلى معرفته ، الرابعة: الكفايه وإلا مضغه الناس ، الخامسة: معرفة الناس"(8).
فإن هذه الخمسة هى دعائم الفتوى وأى شىء انقضى منها ظهر الخلل فى المفتى بحسبه.
واجبات المفتى:
يجب على المفتى أمور منها ما أشار إليه ابن القيم فى كتابه "إعلام الموقعين" قال: "ليس للمفتى الفتوى فى حال غضب شديد،أو جوع مفرط ، أو هم مقلق ، أو خوف مزعج ،أو نعاس غالب ، أو شغل مسئول عليه ، أو حال
مدافعة الأخبثين ، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله ،وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى(9).
ومنها أن يتحرى الحكم بما يرضى ربه ،ويجعل نصب عينيه قوله سبحانه: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن
بعض ما أنزل الله إليك}المائدة:49.
فلا يصح له أن يعتمد فى فتواه على مجرد وجود الحكم بين أقوال الفقهاء، بل يجب عليه أن يتحرى ماهو أرجح منها تبعا لقوة الدليل(10).
ويجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يفتى بما حفظه من مذاهب الفقهاء المعروفين إذا فهم أصولهم وأحسن التصرف فى تطبيقها، وتتفق الفتوى مع القضاء فى أنه لابد لكل من القاضى والمفتى من أمرين أولهما: فقه الحادثه التى يريد الإفتاء أوالقضاء بها.
ثانيهما: فقه الحكم الشرعى لهذه الحادثة.
ويفترقان فى أمور:
1- أن الإفتاء أوسع مجالا من القضاء، فيصح الإفتاء من الحر والعبد والرجل والمرأة والبعيد والقريب والأجنبى والصديق ، بخلاف القضاء ففيه خلاف فى:
2- أن القضاء ملزم للخصوم ، ونافذ فيهم بخلاف الإفتاء.
3- أن القضاء بما يخالف فتوى المفتى نافذ ولا يعد نقضا لقضاء سابق بخلاف القضاء بما يخالف قضاء سابقا فلا ينفذ.
4- المفتى لا يقضى إلا إذا ولى القضاء، ولكن القاضى يفتى بل ويجب عليه الإفتاء إذا تعين له.
أ.د/محمد نبيل غنايم



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية (2 /673).
2- سنن أبى داود حديث 3658، سنن الترمذى حديث 3651، سنن ابن ماجه حديث 261.
3- سنن الترمذى ح 2683، سنن ابى داود ح 3641، سنن ابن ماجه ح 223.
4- جزء من خطبة الوداع ، متفق عليه.
5- رواه البخارى: 6 /361.
6- الموافقات للشاطبى 4 /162-163.
7- السابق 4 /163-174.
8- إعلام الموقعين لابن القيم 4 /199.
9- السابق 4 /227.
10- انظر أصول التشريع الإسلامى على حسب الله ص112.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:47 PM
الفداء

لغة: فَدَيتهُ فدىّ وفداء وافتديته ، وهذا يدل على البذل من النفس والمال لتخليص الآخرين ، وقال الشاعر:
فلو كان ميت يفتدى، لفديته * بمالم تكن عنه النفوس تطيب (1).
وإنه لحسن الفدية. والمفاداة: أن يرد أسر اليد ويسترجع منهم من فى أيديهم ، كأن يدفع رجلا ويأخذ رجلا.
والفداء: أن يشتريه ، يقال: فديته بمالى فداء، وفديته بنفسى. قال تعالى: {وإن يآتوكم أسارى تفادوهم}البقرة:85.
وافتدى: قدم الفدية عن نفسه. يقول الله تعالى فى شأن الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وخصاله ، وظلموا غيرهم بالعدوان عليهم: {ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ومثله معه لا فتدوا به}الزمر:47 ، فما يرونه من أهوال القيامة يهون معه أن يقدموا مافى الأرض ومثله لوكانوا يملكونه ولكن يبقى هذا فى دائرة الأمانى ويقول الله تعالى: {يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه}المعارج:11 ، فإن الله لا يقبل منهم هذا يقول الله تعالى: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به}آل عمران:91.
واصطلاحا: ما يقدم من مال ونحوه لتخليص المفدى. يقول الله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم}الصافات:107 ، أى جعلنا الذبح فداء له ، وخلصناه من الذبح.
والفداء والفدية: فيما يقى به الإنسان نفسه من مال يبذله فى عبادة. قصر فيها، ككفارة الصوم ، والحلق ولبس المخيط فى الإحرام ، فيقول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}البقرة:184 ، ويقول سبحانه: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}البقرة:196.
وافتدت: اختلعت. يقول الله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}البقرة:229.
والخلع: طلاق يعوض بلفظ الخلع أو الطلاق أو مافى معناهما، ويجوز الخلع على كثير المال وقليلة(3).
والفدائى: المجاهد فى سبيل الله ، مضحيا بنفسه ، والفدائية: عمل الفدائى. ويعد هذا المفهوم بهذه الدلالات ثمرة من ثمرات العقيدة الإسلامية والعبادات ومظهرا من مظاهر الأخلاق وحسن المعاملات فى الإسلام ، حيث يطهر القلب من الأثرة وحب الذات فيفكر فى غيره من الناس ، فإن وجد غيره مكبلا بقيود الرق بذل من ماله ليفك قيده وأسره وإن دعاه الواجب لرفع كلمة الله فى حياة الناس كان فدائيا فى بذل لنفسه وماله وإن اتجه بالتفكير فى نفسه فإنما ينظر إليها نظرة الناقد البصير ليفتديها من عذاب يوم القيامة حتى لاتهلك فيه.
وإن لم تطب الحياة للزوجة مع زوجها كان هذا العطاء منها لزوجها، إنهاء لحياة زوجية غير صالحة.
كما يدل مفهوم الفداء على سبيل المحبة وتقويتها بين الناس عندما يسمع بعضهم من بعض عبارة: (فداك نفسى) أو (فداك أبى وأمى) أو (بأبى أنت وأمى) وقد خوطب النبى صلى الله عليه وسلم بهذه المعانى من أصحابه رضوان الله عليهم.
أ.د/محمد رأفت سعيد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، لابن منظور، مادة (ف.د.ى) 15 /149.
2- موسوعة فقه عمر ص302.
مراجع الاستزادة:
1- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية الجزء الثانى ط المكتبة العلمية طهران.
2- كتاب التعريفات للجرجانى ط مكتبة لبنان بيروت.
3- المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ط دار المعرفة بيروت تحقيق محمد سيد كيلانى.
4- موسوعة فقه عمربن الخطاب د/محمد رواس قلعجى ط1 مكتبة الفلاح.
5- النهاية فى غريب الحديث والأثر، لابن الأثير ج3 ط دار إحياء الكتب العربية.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:48 PM
الفرض

لغة: ما أوجبه الله عزوجل على عباده كما فى الوسيط (1) ، وهو ما يثاب الإنسان على فعله ويعاقب تاركه ، ويأتى الفرض بمعنى الإلزام أو التقدير كما فى اللسان (2).
واصطلاحا: ذهب جمهور الفقهاء على أنه لا فرق بين الفرض والواجب إلا فى الحج فقط.
وأما الحنفية فإنهم يعرفون الفرض بأنه ما عرف وجوبه بدليل قطعى موجب للعلم والعمل قطعا، أما ما عرف وجوبه بدليل ظنى فإنه يطلق عليه الواجب (3).
وهذا الاختلاف الواقع بين جمهور الفقهاء والحنفية فى المراد بالفرض والواجب خلاف لفظى. لأن الفرض والواجب يدلان على معنى الثبوت والتقدير، وكلاهما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
وينقسم الفرض باعتبار المكلف به إلى فرض عين وفرض كفاية، وثمة فروق بينهما هى:
1- فرض العين هو ما يطالب به كل إنسان بعينه ولا يجوز أن يؤديه بدلا منه أحد، ولا يسقط عن المكلف إلا بأداء ما فرض عليه كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
أما فرض الكفاية فهو مايطلب حصوله دون النظر إلى فاعله ، لكنه يسقط بفعل البعض، ويأثم الكل إن تركوه جميعا، إما إذا قام به البعض ولم يقم به الآخر، فإن من فعله يثاب ، وأما تاركه فإنه لايعاقب لسقوطه بفعل الغير، وذلك كصلاة الجنائز، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الثابت بقوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}آل عمران:104 ، وكذلك تعليم الحرف وتعلمها فإنها من فروض الكفاية ،لأنه ليس مطلوبا من الناس جميعا تعلم حرفة واحدة.
2- فرض العين لايمكن أن يتحول إلى فرض كفاية، لأنه متعلق بعين الإنسان ذاته.
أما فرض الكفاية فإنه يتحول من كفاية إلى فرض عين ، وذلك إذا تعين ، مثال ذلك:
صلاة الجنازة فهى فرض كفاية، ولكن إذا لم يوجد غير مسلم واحد فى المكان الذى مات فيه مسلم تحول فرض الكفاية إلى فرض العين ، لعدم وجود من يقوم بالفعل سواه (4).
3- والفقهاء متفقون على أن فرض العين أقوى من فرض الكفاية، وإن اختلفوا فى أفضلية أحدهما على الآخر، لأن من ترك فرض العين أجبرعلى فعله كما فعل سيدنا أبو بكر رضى الله عنه مع مانعى الزكاة فإنه قاتلهم على تركها، وأجمع الصحابة على فعل أبى بكر دون إنكار.
أما فرض الكفاية فإن الإنسان لا يجبر على فعله إلا إذا تعين فى حقه دون غيره (5).
4- وفرض العين إذا شرع الإنسان فى فعله ، فإن الواجب عليه أن يتم هذا الفعل ، إلا إذا طرأ عليه عذر يمنعه من إتمام هذا الفعل ، كمن صام نهار رمضان ، واشتد به المرض فله أن يقطع الصيام بسبب المرض.
أما فرض الكفاية إذا قام به الإنسان ، فله أن يقطعه ، ولا يستمر فى أدائه ، كمن أراد أن يتعلم حرفة معينة ووجد أن غيره قد قام بتعلم هذه الحرفة، فله أن يقطع هذا الفعل لقيام غيره ، ولا إثم عليه (6).
5- نقل العطار فى حاشيته: إن قطع الطواف المفروض لصلاة الجنازة مكروه ، لأنه لا يحسن ترك فرض العين لفرض الكفاية، فإذا تزاحم فرض الكفاية وفرض العين فى وقت واحد، وكان الوقت لايسع إلا واحدا منهما، وجب تقديم فرض العين إلا إذا كان له بدل ، كما فى سقوط صلاة الجمعة عن إنسان له قريب يمرضه ولايوجد سواه يقوم بتمريضه والنظر فى مصالحه ورعايته.
6- ونرى أن لفرض الكفاية أمورا تتعلق بها مصالح دينية كصلاة الجنازة وغيرها، ومصالح دنيوية كتعلم الحرف وعلم الطب ونحو ذلك ، وهذه الأمور قد قصد الشرع الحكيم تحصيلها لما لها من أثرطيب فى حياة الفرد والمجتمع ، وهو فى نفس الوقت لم يكلف آحاد الناس بتحقيق هذه الأمور، وترك الأمر لكل إنسان على حسب رغبته فى تحصيل الخير، وتحقيق النفع العام لنفسه ولأبناء مجتمعه الذى يعيش فيه ، وذلك يختلف تماما عن فرض العين الذى كلف الشرع الحكيم كل إنسان بالقيام به ، وكلما حقق الإنسان فرض العين وأتى به ممتثلا لأمر ربه عز وجل ، كلما نال الأجر والثواب
من الله تعالى، فكان الغرض من فرض العين هو الخضوع والامتثال لأمر رب العالمين ،وذلك بخلاف فرض الكفاية فإنه فى الغالب لايتكرر.
د/صبرى عبدالرؤوف محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، ط3 ، 1973م ، القاهرة ، 2 /708.
2- لسان العرب ، لابن منظور، دار صادر، بيروت ، مادة (فرض).
3- أصول الفقة، محمد بن أحمد بن أبى سهل السرخسى أبوبكر ، 1 /110.
4- مختصر صفوة البيان ، للبيضاوى، طبعة الكليات الأزهرية، القاهرة 1 /23.
5- المنثور على القواعد ، للزركشى ، ط1 القاهرة ، 3 /23.
6- الفروق ، للقرافى، طبعة الحلبى ، القاهرة 1 /116.
7- حاشية العطار على جمع الجوامع ، للعطار 1 /237.
مراجع الاستزادة:
1- حاشية ابن عابدين.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:48 PM
الفُسْطاط

أول عواصم مصر الإسلامية اختطها الفاتح العربى المسلم عمرو بن العاص سنة 20هـ-642م لتكون مقرا لولاة مصر المسلمين. تقع على الجانب الشرقى للنيل فى الفضاء المجاور لحصن بابليون ، عند رأس الدلتا فى نقطة التقائها بجنوب الوادى. وقد ظلت العواصم المصرية تدورفى هذا الموقع وتنتقل فيه من موقع إلى آخر (ممفيس ، بابليون ، ثم العسكر ، القطائع ، القاهرة) ولكنها لم تخرج عنه إلا فى فترات عابرة فى التاريخ القومى (طيبة - الإسكندرية).
وفى بداية عهدها ضمت الفسطاط مسجدا جامعا يعرف بالجامع العتيق وتاج
الجوامع ، وجامع عمرو هو أول جامع ينشأ فى إفريقيا، واختطت القبائل العربية التى تألف منها جيش القائد الفاتح حول الجامع ودار الإمارة، فاختير لكل جماعة "خطة" تنزل بها.
وعندما بنى العباسيون مدينة "العسكر" سنة 132هـ/750م ثم أحمد بن طولون مدينة "القطائع" سنة 254هـ-868م إلى الشمال من "فسطاط عمرو" أصبح مجموع المدن الثلاث يمثل مدينة مصر ، الفساط ، وأصبح
هذا التجمع العمرانى أكثر وضوحا بعد بناء مدينة "القاهرة" الفاطمية سنة 358هـ-969م.
كانت الفسطاط تنقسم جغرافيا إلى قسمين: "عمل أسفل" و "عمل فوق"، وكان بكل منها مسجد جامع: جامع عمرو فى عمل أسفل وسمى لذلك بـ "الجامع السفلانى" وجامع ابن طولون فى عمل فوق وسمى لذلك بـ "الجامع الفوقانى". كان عمل أسفل يمثل المنطقة الجنوبية الغربية للفسطاط ، ورغم
كونه أكثر رطوبة، فإنه كان يحوى أغلب مبانى المدينة الهامة، ففيه كان المسجد الجامع ودار الضرب والأسواق والقياسر، وظل هذا الحى الغربى للمدينة شاهدا على الأحداث الأليمة التى عرفتها الفسطاط طوال تاريخها.
أما الجزء الآخر للمدينة فكان يشمل مساحة كبيرة فى اتجاه الشرق ويمتد حتى المقابر القديمة فى سفح المقطم ، وتمثل بركة الحبش الحد الطبيعى الجنوبى لهذا القسم من المدينة حيث توجد اليوم ضاحية القاهرة الجنوبية: البساتين ، بينما لم يكن لهذا القسم حد معين؟ ففى ذروة ازدهار ونمو الفسطاط خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة/العاشر والحادى عشر للميلاد كان هذا القسم يمتد إلى ما يلى الخليج المصرى فى منطقة يصعب تحديدها تعادل ميدان السيدة زينب الحالى فيما وراء جبل يشكر، حيث يوجد
منذ القرن الثالث الهجرى/التاسع الميلادى جامع ابن طولون. كان هذا القسم فى الأساس حيا سكنيا رغم حرمانه من المراكز التجارية والحرفية التى كانت مركزة كلها فى القسم الآخر للمدينة القريب من مجرى النيل.
ورغم أن القسم الغربى للمدينة أو عمل أسفل قد دمر أكثر من مرة، إلا أنه كان يعاد بناؤه دائما ولم يفقد أهميته الاقتصادية والتجارية، وظل حتى نهاية العصر المملوكى حيث كان يعتبر المدينة الثانية للإقليم بعد القاهرة بسبب قربه من النيل. أما القسم الشرقى للمدينة أو عمل فوق فقد دمر تماما منذ النصف الثانى للقرن الخامس الهجرى/الحادى عشر الميلادى ولم يعاود سكنه بعد ذلك بسبب الأوبئة والمجاعات والاضطرابات التى اجتاحت مصر كلها فى هذه الفترة.
وبسبب ذلك فقد تخرب القسم الشرقى كله فيما عدا منطقة المشاهد بين المشهد النفيسى وباب زويله التى تمثل الضاحية الجنوبية للقاهرة الفاطمية.
وطوال العصر الفاطمى (358-567هـ/969-1171م) كانت الفسطاط تعد مدينة مصر الرئيسية ومركز نشاطها الاقتصادى والصناعى والعلمى ، بينما كانت القاهرة هى مقر الحكومة الفاطمية ومركز الدولة الإدارى والسياسى والمعقل الرئيسى لنشر الدعوة الإسماعيلية، ويكون مجموع المدينتين العاصمة المصرية فى العصر الفاطمى.
وقرب نهاية العصر الفاطمى اجتاح الفسطاط حريق متعمد فى سنة 564هـ/1168م ، بناء على أوامر الوزير شاور السعدى، استمر أكثر من أربعة وخمسين يوما وأتى على أغلب المواضع الواقعة حول جامع عمرو، وعلى المناطق الشمالية الغربية المعروفة بالحقروات ، بينما كانت المناطق
الشرقية قد تخربت كلية منذ أزمة منتصف القرن الخامس الهجرى/الحادى عشر الميلادى. ولم يأت عام (572هـ/1176م) إلا وكانت هذه الأقسام قد أعيد بناؤها كما يذكر ابن جبير فى رحلته.
ورغم أن القاهرة فقدت مكانتها كمركز للحكم فى العصرالأيوبى، بعد بناء قلعة الجبل ، وأخذت الأنشطة التجارية والحرفية تتسرب إليها، فإن قوة جذب الفسطاط كمركز صناعى واقتصادى ظلت كما هى حتى نهاية القرن السابع الهجرى/الثالث عشر الميلادى، بسبب قربها من مجرى النيل حيث كانت تلتقى عندها طرو التجارة القادمة من الإسكندرية والبحر الأحمر وداخل إفريقيا.
ولكن القاهرة بلغت أقصى ازدهارها كمركز تجارى وعلمى فى العصر المملوكى وخاصة فى زمن الناصر محمد بن قلاوون ، وحلت تدريجيا محل الفسطاط التى لم يبق منها فى مطلع القرن التاسع الهجرى/الخامس مجر الميلادى إلا ما بساحل النيل وما جاوره إلى ما يلى جامع عمرو وما قرب منه ، ودثرت أكثر خططها القديمة وتغيرت معالمها. ولم تجر أية محاولة للنهوض بالمدينة وإحياء دورها بسبب تحول طاقة التجارة المصرية ابتداء من عصر السلطان برسباى (825-742هـ/1421-1438م) واعتمادها على تجارة البحر المتوسط بعد أن كانت حتى هذا الوقت تعتمد على تجارة البحر الأحمر عبر الطريق التقليدى (عيذاب - قوص - الفسطاط) وعلى الأخص بعد تخرب ميناء عيذاب نهائيا فى أواسط القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى.
وقد أدى ذلك بالضرورة إلى فقدان الفسطاط لأهميتها الاقتصادية وهجر الناس لها وتخربها نهائيا فى نهاية القرن التاسع الهجرى، وبالطبع لم يكن هذا ممكنا إلا بعد إنشاء ميناء آخر للعاصمة فى طرفها الشمالى الغربى هو ميناء (بولاق) الذى بدأ فى الظهور اعتبارا من سنة 713هـ-1313م ولكنه لم يلعب دورا فى الحياة الاقتصادية للمدينة إلا ابتداء من القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى.
أ.د/أيمن فؤاد سيد



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار، المقريزى بولاق ق 1853.
2- جامع عمرو بن العاص بالفسطاط من الناحيتين التاريخية والأثرية، محمود أحمد القاهرة 1938.
3- حفريات الفسطاط ، على بهجت ترجمة محمود عكوش ، القاهرة 1928.
4- منازل الفسطاط كما تكشف عنها حفائر الفسطاط "جمال محرز الندوة الدولية الألفية القاهرة ، 323-351.
5- Kubiak, W., Al-Fustat its foundation and early urlan development, Cairo- AUC 1987.
6- التطور العمرانى لمدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن ، أيمن فؤاد سيد القاهرة الدار المصرية اللبنانية 1997.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:48 PM
الفن

تعنى كلمة (الفن) مجمل الوسائل ، و المبادىء التى يقوم الإنسان بواسطتها بإنجاز عمل يعبر عن مشاعره وأفكاره ،فالعمل الفنى تجسيد لفكرة ما بأحد الأشكال التعبيرية.
والتعبير الفنى قائم بالفطرة الإنسانية منذ بدء الخليقة، فأقدم نموذج عرفة التاريخ هو تمثال لامرأة عارية من الحجر الجيرى ، عثر عليه فى النمسا، ويعرف باسم "فينوس ويللندوروف" ويرجع تاريخه إلى خمس وعشرين أو خمس وثلاثين ألف سنة، وهى الفترة التى يطلق عليها العصر الحجرى، أو ما قبل التاريخ ، والتى تنتهى مع بدايات التقويم الحالى، فقد كان الفن هو اللغة السائدة بين البشر قبل أن يعرف الإنسان الكتابة ويستخدمها فى التعبير.
والفن وثيق الارتباط بالتقدم الاجتماعى و بالعقل الإنسانى الذى كلما تقدم باتساع معرفته ، تأثر نتاجه بنفس هذا التقدم والأتساع.
ومن هنا كان الارتباط للفن بالحضارات إذ أنه يمثل مختلف قيمها ورقيها الفكرى والتعبيرى، وبالتالى أصبح لكل حضارة فنها الذى يحمل سماتها المميزة، لأنه يمثل الشكل الذى أضفاه الإنسان على تطلعاته ومشكلاته عبر مشواره الطويل فى البحث عن المعرفة والسيطرة والتعبير عن أحلامه ومخاوفه ،لذلك نجد أن الفن يمثل فى كل مجتمع إنسانى عنصرا أساسيا من العناصر المكونة للعقائد والطقوس ، والأعراف الأخلاقيه والاجتماعية، فهو يقع فى مفترق الطرق بين الفكر العلمى والفكر الفطرى، بين عالم الشهادة وعالم الغيب ، وبين الواقع والأمل ، لذلك لايمكن فهم وإدراك الفن بعيدا عن إطاره الاجتماعى وبيئته الزمانية.
وانطلاقا من ارتباط الفن بالحضارات يتم تقسيم تاريخ الفن وفقا لحقبات تطورها إجمالا، حيث إن التطورالإنسانى لا يخضع للتقويم الدقيق وإنما لمراحل إنجازاته وتآثيرها على المجتمع.
وقد جرى العرف على تقسيم الحضارات بفنونها على النحو التالى:
أوروبا الغربية من عصرما قبل التاريخ إلى الفن السلى.
الشرق القديم ، مصر القديمة، كريت ، اليونان ، الفن الفارسى (وقد ضمت هذه الحقبة عصر جوستينيان ومعركة الايقونات (تحريم التصوير) بين اليهودية والمسيحية) فن الاستب ، الفن الأتروسكى، الفن الرومانى، الفن المسيحى القديم ، الفن االبيزنطى، الفن الإسلامى، الفن الأوروبى القديم ، الفن القوطى، الفن فيما بين القرن الثالث عشروحتى المدرسة التكلفية،الفن الباروكى والروكوكو، من الكلاسيكية الجديدة إلى أواخر القرن التاسع عشر مرورا بمذاهب الانتكائية والرومانسية والواقعية والتأثيرية والرمزية والفن الجديد وما بعد التأثيرية والتعبيرية.
أما الفن فى القرن العشرين فقد بدأ بأزمة انعكست على الفن بفصل الشكل عن المضمون ، وعرف هذا الاتجاه بالفن الحديث أو الفن التجريدى،وتنعكس هذه الأزمة على مئات المذاهب الفنية والتيارات التى تشابكت وتكررت بأسماء مختلفة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الحوشية والدادية والتكعيبية والتأليفية والمستقبلية والسريالية واللافن واللاشكل. وفن الكولاج (اللصق) وفن القمامة وفن الخردة وما إلى ذلك.
وينتهى هذا التقسيم الإجمالى للفن بالفنون الشعبية والفن الأفريقى والفن الهندى والفن فى جنوب شرق آسيا وفى الصين و فى كل من فيتنام وكوريا وفى اليابان و الفنون فى أوتيانيا، لينتهى بالفن لدى هنود الأمريكتين.
لقد قام الفن الكريتى واليونانى على أسس وانجازات الفن المصرى القديم و كامتداد له. كما يعتبرالفن الإسلامى وحضارته هو همزة الوصل نين العالم القديم والعالم الغرربى الحديث وتميز بتنوع شديد فى أساليبه و تفاصيله وتعرض لمختلف المجالات الفنية سواء أكانت من الفنون الأساسية أو من
الفنون التطبيقية.
ويتسم الفن الإسلامى إجمالا ناتجاهين أساسيين رغم تباعدهما شكلا، وهما الاتجاه القائم على الفنون لممارسة فى الأقطار والحضارات التى امتد إليها الإسلام حيث أثر الإسلام فى تلك الفنون دون إلغائها، والاتجاه القائم على الأشكال المجردة النباتية أو الهندسية، وهو خط جديد مرتبط بالرؤية الكلية للمسلمين للإنسان والكون والحياة، متأثرا بالفلسفة الإسلامية، وبأفكار المتصوفة المسلمين ويمكن تلخيصه بعبارة (المركز فى الإشعاع) إشارة إلى الخالق والمخلوق ، وهو كلا يمثل فرقا جوهريا بين المدارس التجريدية
فى الغرب التى تفرض العبث والضياع ولبين التجريد فى الفن الإسلامى القائم على الربط بين الإنسان وخالقه ، لأن استبعاد المضمون عن الفن هو فى الواقع استبعاد للوجود الإنسانى برمته.
وأهم ما يميز الفن الإسلامى فى الفنون الأساسية هو: العمارة الدينية المتمثلة فى المساجد والمدارس والأسبلة، وكل ما يتعلق بهذا الجانب ، والعمارة المدنية من قصور ومنشأت عامة وأسواق وحمامات ومدافن ،والعمارة العسكرية من قلاع وحصون وأسوار. ووصلت براعة الفنان فى النقوش والزخارف التى تكسوها إلى درجة مذهلة سواء فى دقة تناوله ومعالجته الفنية للمواد الصلبة كالرخام والحجز أو فى فن الفسيفساء ولوحاته الجدارية التى وصلت ألوان بعضها إلى تسعة وعشرين لونا مختلفا،وهو رقم غير مسبوق انذاك.
ومن أهم إنجازاف الفن الإسلامى وإسهاماته فن الخط العربى بإمكانيات تشكيلاته اللانهائية، وفن المنمنمات ، وفن الكتب والأغلفة ، والمصاحف وزخارفها ، ويمثل فن الخزف والأوانى ذات البريق المعدنى، وفن الزجاج ملمحا متميزا إلى جانب فن المعادن والعاج والحلى والأحجار الكريمة والنسجيات بمجالاتها المختلفة من سجاد وملبوسات.
أ.د/زينب عبد العزيز



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- Histoire Del`Art, Larouusse - 2Vol., 1985.
2- L`Artde Tous Les Temps 2vol., Sequsia, Bruxelle, 1965.
3- L`Art. An Terres D`islam, Marlbe B. Taylor, lelee De Brouwer 1988.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:49 PM
الفىء

لغة: مصدر فاء يفىء بمعنى رجع ، فالفىء هو الرجوع كما فى المعجم الوسيط(1).
واصطلاحا: ما يرجع من أموال الكافرين إلى المسلمين بدون قتال ولا ركوب خيل ، وقد ذكره الله فى كتابه: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شىء قدير}الحشر:16 ، وذلك مثل الأموال المبعوثة مع رسول إلى إمام المسلمين ،والأموال المأخوذة على موادعة أهل الحرب (2) والفرقي بينه وبين الغنيمة من جهتين:
1- أن الغنيمة تكون بالحرب وإيجاف الخيل ، والفىء يكون بدون ذلك.
2- أن تقسيم الغنيمة يختلف عن تقسيم الفىء، مع أن الجميع من أموال الكافرين.
وقد شرعه الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته قال تعالى {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}الحشر:7 ، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وكانت للنبى خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقى يجعله فى الكراع والسلاح.
وقد اختلف الفقهاء فى قسمة الفىء فقال قوم: أن الفىء لجميع المسلمين ، الفقير والغنى، وإن الإمام يعطى منه للمقاتلة وللحكام وللولاة، وينفق منه فى النوائب التى تنوب المسلمين ، كبناء القناطر وإصلاح المساجد، وغيرذلك ، ولا خمس فى شىء منه ، وبه قال الجمهور-عدا الشافعى- وهو الثابت عن أبى بكر وعمر (4)وهذا هو المعنى العام للآية الكريمة، حيث بينت أنه لله وللرسول ، فما لله فهو لمصالح المسلمين ، وما للرسول فهو لنفقته صلى الله عليه وسلم فى حياته ، ثم لمصالح المسلمين بعد مماته ، وكذلك ذووا القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، فلم يبق أحد من المسلمين إلا وله حق فى مال الفىء.
أما الشافعى فيرى أن الفىء يخمس أى يقسم على خمسة أسهم: سهم منها يقسم على المذكورين فى آية الفىء وهم أنفسهم المذكورون فى آية الغنيمة، وأربعة أخماس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتهاد الإمام بعده ، ينفق منه على نفسه وعلى عياله ومن يري.
والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول الشافعى فى القديم: أن الفىء لا يخمس وإنما كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذكروا معه فى قوله {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان..}الحشر:10.
فيكون عاما لجميع المسلمين بناء على اجتهاد الإمام ، قال ابن المنذر: ولا نحفظ من أحد قبل الشافعى فى الفىء الخمس كخمس الغنيمة(5) وقد روى أن عمر لما قرأ آية الفىء قال: "استوعبت هذه الآية الناس ، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فى هذا المال حق"(6).
وعلى قول الشافعى يقسم الفىء على خمسة أسهم:
الأول: لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على نفسه وأهله وما فضله جعله فى سائر المصالح.
الثانى: لذوى القربى (بنى هاشم وبنى المطلب).
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لأبناء السبيل.
والأخماس الأربعة الباقية بعد تقسيم الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته ، ولمصالح المسلمين بعد مماته توضع فى بيت المال ويصرف فى مصالح العامة.(7).
والخلاف بين الشافعى والجمهور بسيط لأن كليهما يعود إلى مصالح المسلمين فى حياته وبعد مماته صلى الله عليه وسلم كما رأينا.
وقد ذكر البهوتى من الحنابلة ما يؤكد ذلك فى بيانه لمعنى الفىء وموارده ومصارفه فى الفقرة التالية:
وموارد الفىء عديدة منها:
1- ما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب كما سبق.
2- الجزية.
3- الخراج.
4- زكاة نصارى تغلب.
5- عشر مال تجارة الحربى.
6- نصف العشر من تجارة الذمى.
7- ما تركه الكافرون فزعا وهربا.
8- خمس خمس الغنائم.
9- مال من مات منهم ولا وارث له.
10- مال المرتد إذا مات على ردته.
ويصرف كل ذلك الفىء فى مصالح المسلمين للآيتين ، ولهذا لما قرأ عمر الآيات (7-10) من سورة الحشرقال: "هذه استوعبت المسلمين"، وقال: أيضا "ما من أحد من المسلمين إلا له فى هذا المال نصيب إلا العبيد".
وذكر أحمد الفىء فقال: فيه حق لكل المسلمين ، وهو بين الغنى والفقير، ولأن المصالح نفعها عام ، والحاجة داعية إلى فعلها تحصيلا لها، ويبدأ بالأهم فالأهم من المصالح العامة(8).
أ.د/محمد نبيل غنايم



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، ط2 ،1973م ، القاهرة ، 2 /706.
2- بداية المجتهد ، ابن رشد ، دار ابن حزم ، ط1 ، بيروت 2 /776.
3- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة ، 5 /217.
4- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، دار ابن حزم ، 1995 ، بيروت ، 2 /706.
5- الموسوعة الفقهية، دار الصفوة، ط1، 1995 ، القاهره 32 /230.
6- المصدر السابق 32 /231.
7- الأم ، الشافعى، دار الفكر، بيروت 1990م ، 4 /146 ، 160 ،162.
8- كشاف القناع البهوتى ، دار الفكر، بيروت 1982 ، 3 /100 بتصرف يسير.
مراجع الاستزادة:
1- فتح القدير ، الكمال بن الهمام ، دار الفكر، ط2 ، بيروت 1977 م.
2- فتح القدير، الشوكانى، دار إحياء التراث العربى، بيروت.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:50 PM
موسوعة المفاهيم / القاف

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:50 PM
القبلة

لغة: الجهة، يقال: ما لكلامه قبلة. جهة. وأين جهتك؟.
واصطلاحا: التوجه إلى الكعبة فى الصلاة، لأن المسلمين يستقبلونها فى
صلاتهم (1). وقد جعل الله التوجه إليها شرطا يجب على المصلى الإتيان به وإلا بطلت صلاته قال تعالى {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}البقرة:144.
والحاضر بالمسجد الحرام يجب عليه أن يستقبل الكعبة ذاتها والذى يقيم بعيدا عنها عليه أن يستقبل جهتها لأن هذا هو المستطاع له ، وقد يسر الله على عبادة كل ما يتصل بعبادتهم فعن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "ما بين المشرق والمغرب قبلة" وهذا بالنسبة لأهل المدينة ومن جرى مجراهم كأهل الشام والجزيرة والعراق.
وأما أهل مصر فقبلتهم بين الشرق والجنوب ، وأما أهل اليمن فالمشرق عن يمين المصلى والمغرب عن يساره ، وأهل الهند، المشرق يكون خلف المصلى والمغرب أمامه وهكذا ، ويستعان فى معرفة الاتجاه نحو الكعبة فى كل مكان ببيت الإبرة (البوصلة)، وإذا لم يتمكن المصلى من تحديد الاتجاه
الصحيح نحو الكعبة بسبب غيم مثلا فعليه أن يسأل ويجتهد، فإذا فعل ذلك وأخطأ، فلا يعيد صلاته ، وإذا تبين الخطأ أثناء الصلاة صار إلى الصواب وهو فى صلاته ولا يقطعها، فعن بن عمر رضى الله عنهما قال: بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبى صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ولا يسقط شرط استقبال القبلة الا فى الحالات الآتية:
1- صلاة النفل للراكب فقبلته حيث اتجهت وسيلة سفره من دابة أو سيارة أو طائرة فعن عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على راحلته حيث توجهت به". رواه البخارى ومسلم ، وزاد البخارى: يومى، والترمذى: ولم يكن يضيف فى المكتوبة وعن أحمد ومسلم والترمذى: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى على
راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به ، وفيه نزلت {فأينما
تولوا فثم وجه الله}البقرة:115.
2- صلاة المكره والمريض والخائف ، إذا عجروا عن استقبال القبلة لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال "إذا أمرتكم بأمرفأتوا منه ما استطعتم" وفى قوله تعالى {فإن خفتم فرجالا أوركبانا}البقرة:239.
قال ابن عمر رضى الله عنهما: مستقبلى القبلة، أوغيرمستقبلها.(رواه البخارى).
وإذا كان التوجه إلى القبلة يحقق للأمة هذا التوحد، فإنه يحقق لها. أيضا هذا التواصل مع أنبياء الله ورسله حيث كانوا يتوجهون إلى الكعبة المشرفة، ولذلك لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى بيت المقدس كان منه السمع والطاعة وكانت اختبارا للناس فى حسن الاستجابة لأمر الله عز وجل فى سائر الأحوال ، وعلى السمع والطاعة من النبى صلى الله عليه وسلم و المؤمنين.
كانت الرغبة مع الرجاء فى أن يحقق الله لهم التوجه إلى أول بيت وضع للناس ،فاستجاب الله وحقق الرجاء، وأمر بالتوجه إلى القبلة التى يرضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصار الحال إلى ماحكاه ابن عباس ، وذكره البغوى: "البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة أهل المشرق والمغرب" وهو قول مالك رحمه الله.
وفى الصحيحين عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان
يحب أن يوجه إلى الكعبة" فأنزل الله عز وجل: {نرى تقلب وجهك فى السماء}البقرة:144.
فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس {ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها}البقرة:142.
فقال الله تعالى {قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم}البقرة:142.
أ.د/محمد رأفت سعيد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط مادة (قبل) 2 /719.
مراجع الاستزادة:
1- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ط دار الكتب المجلد الأول.
2- التفسير الكبير للرازى الجزء الرابع.
3- المعجم الوسيط. مجمع اللغة العربية.
4- فقه السنةالسيد سابق المجلد الأول.
5- حدائق الأنوار. للشيبانى ، القسم الثانى.
6- مواهب الجليل من أدلة خليل ، الجرء الأول.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:50 PM
القبة

لغة: مفرد قباب ، وهى بناء مستدير، أو خيمة صغيرة أعلاها مستدير(كما في اللسان)(1).
واصطلاحا: عنصر إنشائى كروى يغطى مساحة معينة من المبنى ليزيد من ارتفاع فراغها الداخلى.
وقد ظهرت القبة فى المبانى قبلي ظهور الإسلام وبعده ، كما ظهرت فى عمارة المسلمين وفى عمارة غير المسلمين ، وهى ليست بالضرورة عنصرا مميزا فى العمارة الإسلامية على الرغم من انتشارها فى تراث هذه العمارة.
وقد اشتهرت العمارة البيزنطية باستعمال القباب فى تغطية مساحات كبيرة من المبانى ثم انتقل استعمالها الى العمارة الإسلامية فى تركيا والعراق ومصر والشام.
وتبنى القباب إما بالطوب اللبن أو الحجر أو بنظم الإنشاء الحديدية أو من الخرسانة المسلحة، ومنها ما هومسمط ، ومنها ما تفتح فيها النوافذ للإنارة والتهوية.
وينتقل الشكل النصف كروى بالقبة إلى الشكل المربع عن طريق مثلثات كروية تعلوها مقرنصات جصية أو حجرية، وقد تتزايد هذه المقرنصات بإسراف فى بعض المبانى والقصورمثل قصرالحمراء بغرناطة، وقد تختفى كما فى بعض مساجد القاهرة.
وتتخذ القبة أشكالا مختلفة: منها ما هو تام التكور، ومنها ماهو مدبب ، ومنها ما هو فى شكل بصلى كما فى العمارة الهندية، ومنها ما هو مخروطى الشكل.
وتزين القباب من الداخل والخارج فى بناء المساجد، وعادة ماتعلو القبة بيت الصلاة فى المساجد أو تعلو قاعات الاحتفالات الكبرى ، وأشهر القباب فى تاريخ العمارة الإسلامية:
القبة الخضراء على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقبة الصخرة عند المسجد الأقصى الذى بارك الله حوله.
وبناء القباب على الأضرحة والقبور يتنافى مع العقيدة الإسلامية باستثناء قبة المسجد النبوى الشريف.
د.م/عبدالباقى إبراهيم



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار صادر، ط3، مادة (قبب).
مراجع الإستزادة:
1- مساجد مصر وأولياؤها الصالحون ، د/سعاد ماهر، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
2- تطور القبة فى العمارة الإسلامية، كمال الدين سامح مجلة كلية الأداب ، مج 12.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:51 PM
القذف

لغة: الرمى مطلقا، فيقال: قذف بالحجارة قذفا من باب ضرب أى رمى بها، وقذف المحصنة قذفا: رماها بالفاحشة، والقذيفة: القبيحة وهى الشتم. (1).
واصطلاحا: هو الرمى بزنا أو لواط أو شهادة بأحدهما عليه ولم تكمل البينة(2).
واتفق الفقهاء(3)على أن قذف المحصن والمحصنة حرام شرعا ، وأنه من الكبائر، والأصل فى تحريمه الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فآيات كثيرة منها قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم
يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}النور:4.
وأما السنة فيما رواه أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات ، قال يا رسول الله: وما هن؟ قال:......وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"(4) فأمر الرسول باجتنابه واعتباره من الكبائر، وتشديد العقوبة عليه كما فى الآية المطهرة دليل تحريمه.
والقذف على ثلاثة أضرب: صريح وكناية وتعريض ، وذلك لأن اللفظ الذى يقع به القذف إما أن يدل بوضعه عليه دون احتمال لمعنى آخر غيره ، فهذا هو الصريح ، وإما أن يدل بوضعه على القذف مع احتمال لمعنى آخر غيره فهذا هو الكناية، وإما أن لا يدل بوضعه على القذف وإنما يفيد ذلك بقرائن الأحوال ، فهذا هو التعريض. (5).
واتفق الفقهاء على وجوب حد القذف بصريح الزنا .
أما فى القذف بلفظ كنائى: كقوله يا فاجر أويا خبيثة فقد اختلف الفقهاء فى موجبه ،فذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد إلى أنه لا يجب به الحد. وذهب المالكية والرواية الثانية عن أحمد، إلى أنه يجب الحد إذا فهم منه القذف ، أو دلت القرائن على أن القاذف قصد منها القذف. وذهب الشافعى والخرقى من الحنابلة، وابن المنذر إلى أن القذف بالكناية يجب به الحد إن نوى القاذف بعبارته القذف.
وأما التعريض بالقذف - كأن يقول شخص لآخر ما أنا بزان فالفقهاء فى موجبه على قولين:
الأول: أن ذلك لا يعد قذفا ولا يجب به الحد، وبهذا قال الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد.
الثانى: أن ذلك يعد قذفا يجب به الحد ، وإليه ذهب الإمام مالك ورواية عن أحمد.(6).
وإذا ثبت القذف فى حق شخص فإن القاذف يجب عليه حد القذف ، وهو ثمانون جلدة إذا كان حرا. ولكن لا يطبق هذا الحد إلا إذا توافرت شروط وجوبه ، وهى شروط فى القاذف ، وشروط فى المقذوف. أما ما يشترط فى القاذف -فى الجملة- فهو البلوغ ، والعقل ، والاختيار. ويشترط فى المقذوف أن يكون محصنا ، أى يشترط فيه البلوغ والعقل والإسلام والحرية والعفة عن الزنا. (7).
أ.د/محمد شامة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المصباح المنير للفيومى ، لسان العرب لابن منظور، القاموس المحيط للفيروزآبادى ، مادة "قذف".
2- كشاف القناع عن متن الإقناع ، ط المطبعة العامرة الطبعة الأولى 1319هـ، 4 /62.
3- البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ، ط المطبعة العلمية الطبعة الأولى 1311هـ ، 5 /31. حاشية البنانى على شرح الزرقانى للشيخ محمد البنانى ط المطبعة البهية 1307هـ 8 /58. المهذب للشيرازى ط مصطفى البابى الحلبى 1343هـ ، 2 /289 ، كشاف القناع 4 /62.
4- الحديث متفق عليه. نيل الأوطار للشوكانى، ط دار الحديث 7 /252.
5- مغنى المحتاج ط مصطفى الحلبى 1352هـ ، 3 /369.
6- يراجع فى مواطن الاتفاق و الاختلاف بدائع الصنائع للكاسانى، ط مطبعة الإمام ، 7 /42 ، 43. حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ، ط دار إحياء الكتب العربية، 4 /330 مغنى المحتاج 3 /368، كشاف القناع 4 /66، 67، المغنى لابن قدامة مع الشرح الكبير ط مطبعة المنار بمصر ط1 1348هـ ، 10 /212-213.
7- يراجع ذلك فى المراجع السابقة، ففيها تفصيل شاف لسائر أحكام القذف لمن أراد الاستزادة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:51 PM
القراءات

لغة: جمع قراءة ، وهى مصدر سماعى لقرأ كما فى اللسان.(1)ويراد بها الفعل الذى يفعله القارئ (2) ويراد بها الأثر المترتبه على الفعل ، وهو الحروف والكلمات بمعانيها ، وهو المقروء، وهما متلازمان.
والمقروء هو القرآن إذا كان القارئ ينطق بكلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فحينئذ تكون القراءة والمقروء والقرآن شيئا واحد (3).
واصطلاحا: مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراءة مخالفا به غيره فى النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه ، سواء أكانت هذه المخالفة فى نطق الحروف أم فى نطق هيئاتها. (4).
وتذكر القراءة والرواية والطريق والوجه ، فيراد بالقراءة ما ينسب إلى إمام من السبعة أو العشرة أو الأربعة عشرة أو غيرهم كفتح سين {مرساها}هود:41 ، لعاصم ، والرواية: ما ينسب إلى الراوى عند الإمام كإمالة {مجراها}هود:41 ، لحفص عن عاصم ، والطريق ما ينسبه إلى من دون الراوى كإدغام {إركب معنا}هود:42 ، من طريق الشاطبية، أو للهاشمى عن حفص عن عاصم (5) ، أما الوجه فلا ينسب إلى أحد، إذ هو مخير فيه عند الجميع ، كالوقف على {نستعين}الفاتحة:5 ، بالسكون ، أو الروم وهو الإتيان ببعض الحركة، أو الإشمام وهو هنا الإشارة إلى ضمة النون بضم الشفتين من غير صوت. (6).
وإضافة القراءات إلى الشخص إضافة ملازمة واعتناء واختيار من بين القراءات الواردة، حسب ظروفه لا لأنه اخترعها.(7).
وقولهم: قراءة النبى صلى الله عليه وسلم يعنون أن أهل الحديث نقلوها عنه ولم يدونها القراء من طرقهم ، وهو اصطلاح للمفسرين ومن تبعهم ، وإلا فجميع القراءات المعمول بها قراءة النبى صلى الله عليه وسلم .
وقراءات القرآن: مركب إضافى، والغريب فيه أنه من إضافة الأجزاء المخصوصة إلى الكل.(8).
وقد ظهرت القراءات بعد الهجرة بظهور الأحرف السبعة التى نزل القرآن عليها، إذ هى فروع من الأحرف. وزاد عدد الفروع عن الأحرف لأمرين.
الأول: أن الأحرف كانت تتيح سبع ختمات ، ثم تداخلت إذ جاز أن تقرأ سورة البقرة مثلا على حرف وبقية الختمة على غيره ، لقوله صلى الله عليه وسلم (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه)(9) فنتجت ختمة ثامنة بقراءة ليست على حرف واحد من السبعة ولا خارجة عنها إلى حرف ثامن ، وعلى هذا النحو من التركيب الجائز واختلاف مواضعه فى القرآن تكثر القراءات.
الأمر الثانى: أن الأحرف السبعة لغات سبع ، واللغة الواحدة تسمح بنطقين أو أكثر فى اللفظ ، فتكون القراءات أكثر عددا من اللغات ، مثال ذلك لفظ (جبريل) قرئ فى العشر بكسر الجيم والراء وإثبات الياء وحذف الهمزة، وبفتح الجيم وكسر الراء وإثبات الياء وحذف الهمزة، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة وياء مد، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة غير ممدودة.
فالقراءتان الأوليان على لغة لا تهمز كأهل الحجاز ، والأخريان على لغة
تهمز كتميم.
والقراءات توقيفية تلقينا أو إذنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: {وهذا لسان عربى مبين}النحل:103. مع ما عرف من أن لسان العرب نهج منهج تعدد وجوه النطق ،وهو مناهج البيان العربى، وبيان القرآن معجز، وقراءاته من محاسن وجوه إعجازه.
ومنها: أن أسانيد القراء على اختلاف قراءاتهم متصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتفصيلها فى الكتب المختصة.
ومنها الأحاديثه المروية فى نحو كتاب المستدرك للحاكم المتضمنة لقراءاته صلى الله عليه وسلم {مالك}بالألف الفاتحة:4 ، و {ملك}بدونها(10) {وما كان لنبى أن يغل}آل عمران:161 ، بفتح الياء وضم الغين ، وبضم
الياء وفتح الغين {إنه عمل غير صالح}هود:46 (عمل) بفتح الميم والتنوين والرفع ،(غير) بالرفع ، و (عمل) بفتح اللام وكسر الميم فعلا ماضيا ، و (غير) بالنصب (11)و {أيحسب}البلد:5،7 بفتح السين وكسرها ، وتواتر فى الأحاديث قراءة البسملة فى الصلاة، وتواتر ترك قراءتها أيضا.
ومنها إجماع أئمة الدين على أن الله تعالى أباح للصحابة رضى الله عنهم القراءة على لغتهم بشرط الأخذ عن النبى صلى الله عليه وسلم ومنها العقل ، فإن الضرورة قاضية بقراءة لتبليغ القرآن ، ولو كانت واحدة وما عداها ليس من البلاغ النبوى لكانت ملتبسة علينا بغيرها، ومحال أن يلتبس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بغيره والأمة أحرص ما تكون على متابعته حتى فى عادته التى لا يظهر لهم أن فيها تعبدا، مع خشيتهم الابتداع وائتمارهم بأن يقرءوا كما علموا، وتلاحيهم إذا سمعوا ما لم يسمعوه منه فالقراءات المعمول بها متساوية وتوقيفية.(12).
وتنقسم القراءات -عموما- إلى متواترة، وشاذة. فالمتواترة هى القراءات المعمول بها من طرقها المعينة عن القراء العشرة، المعروفة فى الفن ، والشاذة ما عداها فى الفن ، والشاذة ما عداها.
أ.د/عبد الغفور محمود مصطفى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار صادر، ط3 ، بيروت ، مادة (قرأ).
2- الاقتصاد للغزالى، طبعة السعادة، ط2 ، 1327هـ ، ص52.
3- القرآن والقراءات والأحرف السبعة، للدكتور عبد الغفور محمود مصطفى ، ط1 1997 م ، صفحات متفرقة.
4- مناهل العرفان للزرقانى، عيسى الحلبى، ط2، 1 /405.
5- راجع صريح النص للضباع.
6- راجع نهاية القول المفيد فى علم التجويد، للشيخ محمد مكى نصر.
7- القرآن والقراءات ص146.
8- السابق 204.
9- صحيح البخارى، كتاب فضائل القرآن ، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف.
10- سنن الترمذى وعارضة الأحوذى. لابن العربى، 11 /51-52 ، والمصاحف 92 ، 95. عن أنس وأم سلمة.
11- تحفة الأحوذى.
12- تنوير الأذهان. للشيخ محمد زكى الدين محمد سند، ط المحروسة سنة 1310هـ ، ص24.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:52 PM
القرآن الكريم

لغة: مصدر للفعل "قرأ" بمعنى تلا، ثم نقل من هذا المعنى المصدرى وجعل اسما لكلام الله تعالى.
واصطلاحا: هو كلام الله تعالى المعجز المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب فى المصاحف ، المنقول بالتواتر ، المتعبد بتلاوته.
وللقرآن الكريم أسماء كثيرة من أشهرها:
(أ) الفرقان: وسمى بذلك لتفرقته بين الحق والباطل ، قال تعالى {تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نديرا}الفرقان:1.
(ب) الكتاب: كما فى قوله تعالى {الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا}الكهف:1.
(ج) الذكر: كما فى قوله عز وجل {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}الزخرف:44.
(د) التنزيل: كما فى قوله تعالى {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح
الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين}الشعراء:192-195.
هذه أشهر أسماء القرآن الكريم ، وقد ذكر له بعض العلماء أسماء أخرى إلا أنها فى الحقيقة صفات للقرآن الكريم وليست أسماء له.
وقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لمقاصد سامية من أهمها:
(أ) المقصد الأول ، أن يكون هداية للناس، يهديهم إلى ما يسعدهم فى دنياهم وفى آخرتهم.
وتمتاز هداية القرآن بتمامها وعمومها ووضوحها:
تمتاز بتمامها لأنها اشتملت على جميع ما تحتاج إليه البشرية فى عقائدها وعباداتها ومعاملاتها ، وسلوكها ، وآدابها ، وأخلاقها ،ومطالبها الروحية والمادية.
وتمتاز بعمومها، لأنها شملت الإنس والجن فى كل زمان ومكان ، لأن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم الذى نزل القرآن على قلبه من ربه كانت رحمة للعالمين.
وتمتاز بوضوحها ، حيث يدركها الإنسان الذى رسخ فى ألوان العلوم والمعارف ، كما يدرك منها الأمى الذى لا يعرف القراءة والكتابة ما ينفعه ويصلحه.
(ب) المقصد الثانى: الذى من أجله أنزل الله تعالى القرآن الكريم أن يكون معجزة ناطقة فى فم الدنيا بصدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه وشاهدة بأن هذا القرآن ليس من كلام مخلوق ، وإنما هو من كلام الخالق عز وجل ، والدليل الساطع على أن هذا القرآن هو المعجزة الكبرى للرسول صلى الله عليه وسلم التى تحدى الناس جميعا أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فنكصوا على أعقابهم وانقلبوا خاسرين. قال تعالى {وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ،وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}البقرة:23-24.
وإذا كانا العرب وهم أرسخ الناس قدما فى البلاغة والفصاحة والبيان ، قد عجروا عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم ، فغيرهم أشد عجزا، ولو أن أحدا أتى بمثل سورة واحدة من القرآن ، لنشرها أعداء الإسلام ، ولكننا لم نقرأ ولم نسمع بأن أحدا قد أتى بمثل هذه السورة، ومادام الأمر كذلك ، فقد ثبت أن هذا القرآن من عند الله: {ولو كان من عند غيرالله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}النساء:82.
(ج)المقصد الثالث: الذى من أجله أنزل الله القرآن الكريم ، هو التقرب إليه سبحانه بتلاوته بمعنى أن قراءة القرآن ، ترفع درجات المسلم ، وتزيد فى ثوابه وفى تهذيب أخلاقه ، وفى تنقية عقيدته وسلوكه ونطقه من كل ما لا يليق.
قال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية. يرجون تجارة لن تبور}فاطر:29.
وفى الصحيحين عن عاتشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذى يقرأ القرآن وهو ماهر به -أى: يقروه قراءة صحيحة- مع الكرام البررة والذى يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له آجران عند الله تعالى).
وفى صحيح البخارى عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
والقول الصحيح: إن أول ما نزل من القرآن ،هو صدر سورة "اقرأ" بدليل الأحاديث التى ،وردت فى ذلك.
وأما آخر ما نزل من القرآن فهو قوله {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ، ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لا يظلمون}البقرة:281.
وهذا هو الرأى الراجح بين المحققين من لعلماء، لأن هذه الآية قد نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته بتسع ليال ،كما جاء فى بعض الروايات.
أما الآية التى يقول الله تعالى فيها: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا}المائدة:3. فقد نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فى حجة الوداع ، وفى السنة لعاشرة من الهجرة، وكان نزولها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأكثر من شهرين. والمراد بإكمال الدين فى الآية الكريمة: إتمام النعمة، وإكمال تشريعاته التى تتعلق بالعبادات والمعاملات وغير ذلك من الأحكام.
ولاشك أن الإسلام فى حجة الوداع ، كان قد ظهرتف شوكته ، وعلت كلمته.
والقرآن ينقسم إلى مكى ومدنى:
فالقرآن المكى: هو الذى نزل على لرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ولو كان نزوله فى غير مكة.
والقرآن المدنى: هو الذى نزل على لرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ولو كان نزوله فى غير المدينة.
والسور المكية الخالصة عددها اثنتان وثمانون سورة، والسور المدنية الخالصة عددها عشرون سورة، وهناك اثنتا عشرة سورة منها ما يغلب عليه النزول قبل الهجرة، وبذلك يكون عدد سور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة.
والسور المكية نراها فى الأعم الأغلب تفصل الحديث عن الأدلة على وحدانية الله وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ،وعلى أن يوم القيامة حق.
أما السور المدنية فنراها فى الأعم الأغلب تفصل الحديث عن الأدلة التى تتعلق بسمو الشريعة الإسلامية، فى معاملاتها ، وفى عباداتها ، وفى تنظيمها للأسرة وللعلاقات بين المسلمين وغيرهم.
ومن المتفق عليه بين المسلمين أن نزول القرآن الكريم على النبى صلى الله عليه وسلم استغرق مدة تزيد على عشرين سنه ، وقد ذكر العلماء
حكما وأسرارا لنزول القرآن مفرقا من أهمها:
1- تثبيت قلب النبى صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من قومه عن طريق قصص الأنبياء السابقين.
2- التدرج فى تربية الأمة دينيا وأخلاقيا وثقافيا واجتماعيا وعقليا.
3- الإجابة على أسئلة السائلين الذين كانوا يسألون النبى صلى الله عليه وسلم أسئلة معينة، فينزل القرآن بالإجابة عليها.
4- لفت أنظار المؤمنين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء حتى لا يعودوا إليها مرة أخرى.
5- تيسير حفظ القرآن فقد كان الصحابة كلما نزلت آية أو آيات حفظوها عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وأكثر سور القرآن وآياته نزلت للهداية والسعادة الإنسانية فى حاضرها ومستقبلها ،ومنه ما نزل لبيان ما هو حق فى أحداث خاصة حدثت بين المسلمين فيما بينهم ، أو حدثت بينهم وبين غيرهم ، كالآيات التى نزلت فى أعقاب حديث الإفك ، الذى أشاعه المنافقون عن السيدة عائشة رضى الله عنها وكالآيات التى نزلت فى أعقاب ما حدث من حاطب بن أبى بلتعة عندما أخبر أهل مكة بأن المسلمين يعدون العدة لفتح مكة.
والتفسير معناه: التوضيح والتبيين لشىء يحتاج إلى ذلك ، وقد عرف العلماء علم التفسير للقرآن: بأنه علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى فى كلامه بقدر الطاقة البشرية. ويعد علم التفسيرمن العلوم التى لايستغنى عنها، فعن طريقه يستطيع المسلم أن يعرف ما إشتمل عليه القرآن من هدايات وتوجيهات.
وكتب التفسير للقرآن الكريم كثيرة ومتنوعة، منها القديم ومنها الحديثه ، ومنها الكبير، ومنها المتوسط ، ومنها الوجيز، ومنها التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير الطبرى المتوفى سنة 310هـ ، وتفسير"الدر المنثور فى
التفسير بالمأثور" للسيوطى المتوفى سنة 911هـ ، ومنها تفسير الإمام ابن كثير المتوفى سنة 774هـ ، ومنها التفسير بالرأى: كتفسير "البيضاوى" وتفسير الفخر الرازى، وتفسير الكشاف ، وتفسير الألوسى وغيرهم. ولكل تفسير من هذه التفاسير مزاياه التى قد لا توجد فى غيره.
أ.د/محمد سيد طنطاوى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- البرهان فى علوم القرآن للإمام الزركشى.
2- الإتقان فى علوم القرآن للإمام السيوطى.
3- علوم القرآن والتفسير ، د/عبدالله شحاته.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:52 PM
القصر

لغة: يدور حول معنيين: الحبس ، وألا يبلغ الشىء مداه ونهايته ، كما فى اللسان ، ومن الأول قوله تعالى {وعندهم قاصرات الطرف عين}الصافات:48.
ومن الثانى: قوله تعالى {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}النساء:101 ، ودلالة القصر، والحصر، والاختصاص متقاربة.
واصطلاحا: دلالة: قريبة من معنى الحبس اللغوى، لأنه تخصيص شىء بشىء بطريقة مخصوصة.
فجملة القصر المكونة من موصوف وصفة، تنتظم حكمين ، إثبات الحكم للمقصور عليه ، ونفيه عن غيره ، فهى تنحل إلى جملتين فى المعنى، وتغنى غناءهما، وتداخل النفى والإثبات فى القصر، يجعله مركزا ذا إشعاع
وظلال وقوة حسم لأنه من أقوى طرق التوكيد.
وينقسم القصر إلى:
أولا: القصر الحقيقى، والإضافى: وهذا التقسيم راجع إلى اعتقاد المتكلم ، وواقعه النفسى وإلى الواقع الخارجى، فالقصر إثبات شىء لشىء لايتعداه إلى غيره ، وهذا الغير المنفى: إذا كان عاما فى الواقع كان القصر حقيقيا وإن كان خاصا معينا كان قصرا إضافيا.
فالحقيقى كقوله تعالى {والهكم إله واحد لا إله إلا هو}البقرة:163.
بقصر الألوهية على الله تعالى، بمعنى نفى كل فرد من الآلهة ثم حصرذلك المعنى فيه تبارك وتعالى.
والقصر الإضافى: تخصيص شىء بشىء دون غيره أومكانه.
وينقسم الإضافى إلى قصر قلب ، وإفراد وتعيين ، حسب حال المخاطب واعتقاده.
فقصر القلب إنما يكون فى المتقابلات فى الصفات ، والموصوفات: إذا كان المخاطب يعتقد عكس مايثبته المتكلم. كموقف المشركين من القرآن الكريم كما سجل القرآن على ألسنتهم قال تعالى {إن هذا إلا قول البشر}المدثر:25، وقوله: {إن هذا إلا أساطير الأولين}المؤمنون:83 ، وقوله تعالى {إن هذا إلا اختلاق}ص:7، دلالة الحيرة والاضطراب والكذب بأنه غير حق.
أما قصر الإفراد، فالمخاطب يعتقد إشتراك الموصوف فى صفتين أو قيام الصفة بموصوفين ، فيكون أسلوب القصر إفرادا لأحدهما ونفيا للثانى، كقولة تعالى {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر}الغاشية:21-22 ، والصفة المنفية الإكراه والإجبار.
وقصر التعيين حين يكون عند المخاطب إيهام وتردد كقولنا: إنما التحلل من القيم داء الأمم ، لمن يسوى أو يتردد بين آثار التخلق بالقيم والتحلل منها.
ثانيا: وينقسم باعتبار الطرفين: إلى قصر صفة على موصوف ، وقصر موصوف على صفة، والصفة مطلق المعنى القائم بالغير، وليس الصفة النحوية. والموصوف وما قام بنفسه ، سواء كان ذاتا أو معنى موصوفا.
فمن قصرالصفة على الموصوف قوله تعالى {ياك نعبد وإياك نستعين}الفاتحة:5.
وهو قصر حقيقى إخلاصا فى العبادة، وطلب الإعانة.
ومن قصرالموصوف على الصفة قوله تعالى {وماتسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين}يوسف:104.
وهو قصر إضافى،أما قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا، دون غيرها من الصفات ، فقالوا إنه لايكاد يوجد لتعذر الإحاطة بالصفات ، إلا بضرب من المبالغة.
كقولك: ماشوقى إلا شاعر. فقد بلغ فى الشعر المدى حتى كأنه لاصفة له إلا الشعر ، وهذا كثير فى اللغة والاستعمال البليغ وإثبات صفة. دون سواها ، أو موصوف دون غيره فى القصر، إنما هو تحييد وتحديد يلتقط ما له خطر، ويدفع المنفى تمييزا وإظهارا للمعنى.
والطرفان من صفة أو موصوف قد يطول أحدهما استيفاء للمعنى وهو كثير فى القرآن الكريم قال تعالى {وماتكون فى شأن ، وماتتلوا منه من قرآن ولاتعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه}يونس:61.
وهو قصر لهذه الحالات الثلاث على كونها مشهودة مراقبة من الله تعالى غرسا للمراقبة فى أعماق الإنسان.
وطرق القصر كثيرة وهى الوسائل التى تحدث فى الأسلوب هذه الخصوصية ،ومنها: ضمير الفصل كقوله تعالى عن المتقين {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}البقرة:5.
ومنها تعريف الطرفين كقوله تعالى {إننى أنا الله لا إله إلا أنا}طه:14.
وأشهر هذه الطرق أربعة:
1- النفى والاستثناء ويكون غالبا فى المقامات القوية الجهيرة، كقوله تعالى {وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وماننزله إلا بقدر معلوم}الحجر:21، والمقصور عليه: المؤخر.
2- "إنما" -حملا على النفى والاستثناء- فى المقامات الجلية أو المنزلة منزلتها، وكثيرا ما تفيد التعريض -باقتضاء المقام- كقوله تعالى {إنما يستجيب الذين يسمعون}الأنعام:36 والمقصور عليه المؤخر.
3- تقديم ماحقه التأخيركقول تعالى {لكم دينكم ولى دين}الكافرون:6.
وقوله تعالى {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير}الممتحنة:4.
والمقصورعليه المقدم.
4- العطف ب "بل" ولكن و "لا"،ويشترط فى بل ولكن تقدم نفى، ومن شواهد هذا الطريق قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون}البقرة:154. وقول عز وجل {وماظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون}آل عمران:117 ، والواو لثانية لا تمنع القصر عند كثير من العلماء وتقول فى العطف بلا: شوقى شاعر لاخطيب.
لغة: الجهة، يقال: ما لكلامة قبلة، جهة.
أ.د/صبّاح عبيد دراز



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- أساليب القصر فى القرآن الكريم. د/صباح دراز مطبعة الأمانة القاهرة ط1 ، 1406هـ-1986م.
2- الإيضاح للخطيب القزوينى. دار الكتاب اللبنانى. ط5 ، 1403هـ 1986م.
3- البحر المحيط لأبى حيان الأندلسى. دار الفكر. ط2 ، 1403هـ- 1983م.
4- بغية الإيضاح ، الشيخ عبد المتعال الصعيدى، المطبعة النموذجية.
5- البلاغة تطور وتاريخ ، د/شوقى ضيف. دار المعارف ط3 القاهرة..
6- دلائل الإعجاز. عبد القاهر الجرجانى. تحقيق محمود شاكر. مكتبة الخانجى. القاهرة.
7- شروح التلخيص. ط عيسى الحلبى 1937م.
8- من الإعجاز البلاغى للقرآن د/صباح دراز المكتبة التوفيقية ط1 القاهرة 1991 م.
9- النبأ العظيم ، أ.د/محمد عبدالله دراز، مطبعة السعادة ط1 ، 1960م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:53 PM
القضاء

لغة: القطع والفصل ،يقال: قضى يقضى قضاء، فهو قاض إذا حكم وفصل ، كما فى اللسان(1).
واصطلاحا: إلزام من له إلزام بحكم الشرع (2).
وقد ثبتت مشروعية القضاء بالكتاب والسنة والإجماع:
1- قال تعالى: {ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولاتتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}ص:26.
2- وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم متوليا بنفسه أمر ، القضاء بالوحى الإلهى ، لأنه المبلغ عن الله عز وجل ، فكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس للقضاء يتمثل العدل فى أسمى وأجمل المظاهر، وكان القضاء منحصرا فيه دون غيره ،ولكن عندما انتشر الإسلام كان مضطرا لتعيين القضاة ، وقد ثبت أنه بعث سيدنا عليا وسيدنا معاذا إلى اليمن قاضيين (رواه أبوداود والترمذى)(3).
3- ولما تولى سيدنا أبوبكر الخلافة تولى بنفسه السلطة الدينية والسياسية، وكان يرجع فى كل أموره إلى كتاب الله أوسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكان يأخذ بالقياس ، وإذا تعذر عليه الفصل فى المنازعة التى عرضت عليه ،يجع إلى الشورى، وأخذ بها بعد عرض الأمر على أهل العقد والحل ، كذلك كان يفعل عمر، مع تعيين القضاة فى سائر الأمصار الإسلامية لاتساعها، وكان يختار القضاة من حفظة القرآن الكريم ومن المعروفين بالورع والتقوى، ممن ضربوا أروع الأمثله فى العدل (4).
وقد شرع القضاء لأجل الفصل فى الخصومات ، وإحقاق الحق ، وإزهاق الباطل وإقامة العدل بين الناس ، وهو ضرورة من الضروريات التى تحتاج الأمة إليها لعدم الاستغناء عنها ، لأنه الوسيلة الوحيدة لرد النوائب ، وقمع المظالم ، ونصر المظلوم ، وإنهاء الخصومات ، ولذلك قال الفقهاء: يكره نحريما تقلد القضاء لمن يخاف الحيف فيه ، بأن يظن أنه قد يجور فى الحكم ، أو يرى فى نفسه العجز عن سماع دعاوى كل الخصوم ،وهذا إذا لم يتعين عليه ، فإن تعين عليه ، أو من الخوف فلا يكره ، وقالوا كذلك: يحرم على الشخص تولى القضاء إذا كان جاهلا ليس له أهلية القضاء أومن أهل العلم لكنه عاجز عن إقامة وظائفه ، أو كان متلبسا بما يوجب فسقه ، أو كان قصدء الانتقام من أعدائه ، أو أخذ الرشوة أو نحو ذلك (5).
والقضاء فى الإسلام له أهميته ومكانته ،لأنه يقوم على تحقيق العدل بين الناس ورفع الظلم عن المظلومين ، وعدم المحاباة أو المجاملة، وكل هذا نراه فى كتاب سيدنا عمر إلى أبى موسى الأشعرى الذى جاء فيه "إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة آس بين الناس فى مجلسك ووجهك
وعدلك حتى لايطمع شريف فى حيفك ولايخاف ضعيف من جورك ، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر ولا يمنعك قضاء قضيته
بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه ، فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل ، واجعل للمدعى حقا عائنا أوبينة فاضرب له أمدا ينتهى إليه ، فإن أحضر بينته أخدت له بحقه ، وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك اتقى للشك ،وأجلى للعمى ثم إياك والقلق والضجر والتأذى بالناس والتنكر بالخصوم فى مواطن الحق التى يوجب بها الأجر ، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تعالى -ولو على نفسه- يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله خلافه منه ، هتك الله ستره ،وأبدى فعله ، والسلام"(6).
ولهذا رأينا الفقهاء يوجبون على القاضى:
1- عدم الحكم لوالديه أو لأحد أولاده لأجل التهمة، ولكنه يجوز له أن يحكم على أحد أبويه ، أو أحد أبنائه لانتفاء التهمة.
2- عدم الحكم على عدوه ، ويجوز له أن يحكم له.
3- لا يجوز للقاضى أن يفاضل بين الخصوم فى المجلس ، ولا أن يخلو بأحد الخصوم دون الآخر لما فى ترك العدل فى ذلك من كسر قلب الآخر ويؤدى إلى التهمة(7).
4- وعلى القاضى أن ينظم وقته الذى يقضى فيه بين الناس ، ليعطى لنفسه وقتا للراحة.
5- يستحب له أن يتخذ كاتبا يكتب له ،لأن النبى صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، فقد اتخذ زيد بن ثابت ليكتب له ، لأن القاضى فى الغالب يكون مشغولا بسماع دعوى الخصوم ومتابعة أقوالهم ، ولهذا فإنه يكون محتاجا لكاتب يكتب له الوقائع حتى لا يقع القاضى فى خطأ بسببه النسيان.
6- ينبغى للقاضى أن يتخذ أعوانا يعاونونه فى إحضار الخصوم وتنفيذ أحكامه بشرط أن يكون هؤلاء الأعوان من المعروفين بالتقوى والصلاح والأمانة والبعد عن الطمع (8).
7- ليجوز للقاضى تأخير الحكم فى الخصومة إلا فى ثلاث: الريبة، ولرجاء صلح الأقارب ، وإذا طلب أحد الخصوم مهلة لتقديم ما يؤكد قوله أمام القاضى(9).
8- على القاضى ألا يميز بين مسلم أو غير مسلم فى مجلس القضاء لأن الإسلام هو دين العدالة، والتى كانت سببا فى انتشار الإسلام شرقا وغربا، فهذا هو القاضى شريح الذى كان يقضى بالعدل ، ولا يفرق بين مسلم وغير مسلم ، ولا بين حاكم أو محكوم حينما تخاصم إليه سيدنا على ويهودى فى
رمح ، وادعى سيدنا على أن الرمح رمحه ،وادعى اليهودى أن الرمح رمحه ، عند ذلك
طلب القاضى من سيدنا على -وهو أمير المؤمنين- أن يحضر الشهود على أن الرمح رمحه ، فأحضر ابنه الحسن ، فلم يقبل القاضى شهادة الحسن لأبيه ، وطلب من سيدنا على أن يحضر شاهدا آخر، ولم يجد شاهدا غيره ، فحكم القاضى بأن الرمح لليهودى ، فلما رأى اليهودى ذلك تعجبه مما رأى ، وأعاد لسيدنا على رمحه ، وأعلن إسلامه فى الحال ، بسبب ما رآه من عدل القاضى، الذى لم يفرق بين مسلم وغير مسلم ، ولو كانت الخصومة بين يهودى وبين أمير المؤمنين.
أ.د/صبرى عبدالرؤوف محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، لابن منظور، دار صادر، بيروت (قضى) 15 /186-187.
2- حاشية الجمل على شرح المنهح ، طبعة عبدالرحمن محمد، 5 /334.
3- سنن أبى داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق ، السجستانى، أبو داود، 4 /11.
4- أدب القاضى، للماوردى، طبعة الحلبى، القاهرة 1 /137.
5- حاشية ابن عابدين 5 /367.
6- حكمة التشريع وفلسفته ، ليلى أحمد الجرجاوى، طبعة مؤسسة الحلبى، القاهرة 2 /167.
7- مغنى المحتاج ، محمد بن أحمد الشربينى، مكتبة مصطفى الحلبى، القاهرة ، 4 /393.
8- أدب القضاء، لابن أبى الحداد، بيروت ، ص108.
9- تبصرة الحكام ، 1 /77.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:53 PM
القضية الفلسطينية

فلسطين التى تنسب لها هذه القضية، هى أرض باركها الله سبحانه ،بأن جعل فيها المسجد الأقصى فى بيت المقدس ،وأسرى بعبده محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين إليه من المسجد الحرام وعرج به منه إلى السماء ليرى من آيات ربه الكبرى ، وبارك حوله ، وهى الأرض التى بعت الله فيها عيسى ابن مريم وعددا من النبيين ،وعاش فيها أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن ،عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. وفلسطين هذه تشكل الشطر الجنوبى الغربى من بلاد الشام وتجاورجزيرة العرب ومصر.
والقضية الفلسطينية مصطلح برز قانونيا منذ عام 1336هـ ، عام 1917 م ، حين احتلت بريطانيا فلسطين ودخل الجنرال اللنبى مدينة القدس يوم 18 /12 /1917 قال كلمته "الآن انتهت الحروب الصليبية". ويدل هذا المصطلح على جميع ما يتصل بفلسطين ، شعبا وارضا، وحضارة وهى تواجه مع وطنها العربى ودائرة حضارتها الإسلامية تحالف قوى الهيمنة الغربية ، القارونيين الجدد ، مع الصهيونية العنصرية فى غروة لها بغية اغتصابها وجعلها "وطنا قوميا لليهود" على حد تعبير تصريح بلفور،وقاعدة استعمارية استيطانية عنصرية للتسلط على الوطن العربى بخاصة والعالم الإسلامى بعامة.
كانت بريطانيا قد ركزت أطماعها على فلسطين والأقطار العربية فى الدولة
العثمانية منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجرى مطلع القرن التاسع عشر الميلادى، إثر انتصار بلاد الشام ومصر على الغزوة الفرنسية التى قادها نابليون بونابرت ،وعمدت فى نهاية ذلك القرن إلى تشجيع إقامة الحركة الصهيونيهة عام 1897م ومساعدتها فى تهجير اليهود إلى فلسطين كما قامت عام 1916م/1335هـ ، بإبرام اتفاق سايكس بيكو مع فرنسا لتجزئة بلاد الشام واستعمارها، متنكرة لوعودها للشريف حسين باستقلال بلاد العرب ، ولم تلبث حكومة بريطانيا أن أصدرت يوم 2 /11 /1917 تصريحا بالعمل على جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود. وقامت بريطانيا بعد انهيار الدوله العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى باستعمار فلسطين تحت اسم "الأنتداب" الذى قررته عصبة الأمم فى 24 /7 /1922م وأقرت له "صكا" لتنفيذ التصريح ، وباشرت بريطانيا استعمارا قمعيا ظالما وحشيا غير إنسانى استهدفت به شعب فلسطين العربى بغالبيتة المسلمة والمسيحية.
القضية الفلسطينية إذا فى ضوء ماسبق هى قضية جهاد الشعب العربى الفلسطينى لتحرير وطنه المحتل ، فلسطين الذى رسم "الانتداب" حدودا سياسية له تفصله عن بقية أقطار بلاد الشام ومصر، وتبلغ مساحته حوالى سبعة وعشرين ألف كيلو مترا مربعا، وقد برزت فيه عوامل دينية وحضارية وقومية واستراتيجية، وأبعاد محلية واقليمية ودولية.
استمر هذا الجهاد طيلة مرحلة الاستعمار البريطانى الذى انتهى يوم 15 /5 /1948م وواجه فيه الشعب العربى الفلسطينى العدو المزدوج بريطانيا والحركة الصهيونية، مدافعا عن بيت المقدس والوطن والعرض والمال وحضارته العربية الإسلامية والدين. واتبع فيه مختلف الوسائل القانونية والسياسية والانتفاضات والثورات التى منها ثورة البراق عام 1348هـ،عام 1929م وثوره القسام بعدها بأربع سنين والثورة العربية الكبرى بين عامى 1335،1337هـ/1936،1938م وقد حظى هذا الجهاد بمساندة أبناء الأمة العربية والعالم الإسلامى الذين أدركوا أن تحالف قوى
الهيمنة الغربية والصهيونية لم يستهدفوا فلسطين لذاتها فحسب ، وإنما للسيطرة على الوطن العربى وديار الإسلام بعامة. وتجلت هذه المساندة فى صور، كان منها إنعقاد المؤتمر الإسلامى فى بيت المقدس عام 1350هـ الموافق 1931م ، وكان منها أيضا مشاركة مجاهديه فى الثورة العربية الكبرى.
وكاد هذا الجهاد أن يحقق بعض أهدافه لولا نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939م ،وبروز قوى الهيمنة الأمريكية التى تبنت الحركة الصهيونية. وكان للولايات المتحدة دور خاص فى صدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين يوم 29 /11 /1947م ، ثم فى إقامة "إسرائيل" فى 15 /5 /1948 م ، خدمة للمصالح الأمريكية المتنامية فى الوطن العربى والعالم الإسلامى المتعطلة، للسيطرة على النفط بخاصة.
مرت القضية الفلسطينية بمراحل بعد إقامة دولة إسرائيل ، امتدت واحدة منها بين عامى 1948م و1967م ، وشهدت تدعيم الكيان الصهيونى بالمهجرين اليهود وبالسلاح ، وتوظيف قوى الهيمنة الغربية فى مقاومة ثورة التحرير فى الوطن العربى والعالم الإسلامى، وأحد تجليات ذلك العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م الذى دبرته بريطانيا وفرنسا وشاركت إسرائيل فى تنفيذه. كما شهدت هذه المرحلة استمرار جهاد شعب فلسطين العربى للتماسك بعد النكبة التى حلت به عام 1948 م من جهة ولإبراز كيانه من جهة أخرى. وقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية تجسيدا لهذا الكيان فى 28 /5 /1964 م بدعم من الدول العربية.
ومرحلة أخرى امتدت منذ نكسة حرب يونيو حزيران عام 1967م حتى زلزال الخليج عام 1991م وبرزت فى هذه المرحلة قضية الأراضى العربية التى احتلتها إسرائيل فى سيناء المصرية والجولان السورية إلى جانب القضية الفلسطينية التى دخل فيها احتلال إسرائيل لبقية فلسطين (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة).
وشهدت هذه المرحلة حرب رمضان لعام 1493هـ عام 1973م كما شهدت قيام "إسرائيل" باحتلال شريط فى جنوب لبنان عام 1978م وبغزو الجنوب اللبنانى عام 1982م وبرزت منذ ذلك الحين المقاومة اللبنانية المباركة واستمرت الثورة الفلسطينية فى هذه المرحلة، وحدثت الانتفاضة فى آخر عام 1978م وشهدت المرحلة إبرام اتفاق كامب دافيد بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عام 1978 م الذى أوصل إلى إبرام معاهده السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 م.
المرحلة الراهنة فى القضية الفلسطينية بدأت بعد زلزال الخليج بانعقاد مؤتمر مدريد يوم 30 /10 /1991م الذى باشر ما أسمته الولايات المتحدة الأمريكية "عملية سلام الشرق الأوسط" وشهدت هذه المرحلة اعتراف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية "بإسرائيل" فى 9 /9 /1993 وإبرام اتفاقات
أوسلو بإقامة "حكم ذاتى انتقالى فلسطينى محدود فى الضفة الغربية وقطاع غزة" وإبرام الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل فى 26 /10 /1994م.
وباتفاقات أوسلو انحصرت القضية الفلسطينية فى مسائل أربع تتعلق بما أسمته الولايات المتحدة الوضع النهائى، هى القدس والمستعمرات الاستيطانية الصهيونية فى الضفة والقطاع واللاجئون والحدود كما شهدت هذه المرحلة المحاولة الأمريكية لإقامة "نظام الشرق الأوسط" فى دائرة الحضارة الإسلامية بقيادة إسرائيل.
دلائل كثيرة تشير إلى أن "عملية سلام الشرق الأوسط" حتى وإن وصلت إلى إبرام إتفاقات بشأن هذه المسائل الأربع ، فإن القضية باقية وتدخل مرحلة جديدة يأخذ فيها الصراع العربى الصهيونى شكلا مختلفا عما كان عليه طوال القرن الأول وذلك لأن "الحل العنصرى" للقضية الذى صممته قوى الهيمنة الأمريكية مع الصهيونية لم يعالج جوانب القضية بل جعلها تتفاقم ، وبخاصة فيما يتعلق ببيت المقدس الذى يستهدف هذا "الحل العنصرى" تهويدها وينذر بوقوع جريمة هدم المسجد الأقصى فيها واقامة هيكل فى موضعه. وهكذا فإن من المتوقع أن تستمر القضية الفلسطينية وتدخل مرحلة أخرى فى صراع النفس الطويل التى تخوضها الأمة العربية والشعوب الإسلامية ضد قوى الهيمنة الغربية والصهيونية العنصرية إلى أن
يتم تحرير فلسطين والقدس وينبذ اليهود الصهيونية فيعيشوا مستأمنين فى ظل الحضاره العربية الإسلامية.
أ.د/أحمد صدقى الدجانى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- دائرة المعارف الأمريكية Encyclop Edia Americana. ط1995م الجزء الثالث ص612.
2- تاريخ العرب للدكتور فيليب حتى وآخرين ص8.
3- تاريخ الأمة العربية محمد أسعد طلس عصر الانحدار ص9-13 .
4- بروتوكولات حكماء صهيون ترجمه عن الإنجليزية محمد خليفة التونسى، ط دار الكتاب العربى بيروت.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:53 PM
القنوت

لغة: هو مصدر من باب قعد، وهو العبادة أو الدعاء مطلقا، ويطلق على القيام فى الصلاة وأقنت: أى دعا على عدوه(1).
وشرعا: هو ما اشتمل على دعاء وثناء ولو آية قصده بها(2).
واعلم أنه قد وقع الاتفاق على ترك القنوت فى أربع صلوات من غير سبب ، وهى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا فى صلاة الصبح من المكتوبات وفى صلاة الوتر من غيرها(3).
أما عن مشروعية القنوت فى الصبح ، فقد ذهب المالكية والشافعية وابن أبى ليلى والحسن بن صالح والأوزاعى والخلفاء الأربعة ومعهم بعض الصحابة والتابعين ، إلى أن القنوت مشروع فى الركعة الثانية من صلاة الصبح فى جميع الأزمان ، سواء كانت هناك نوازل أم لم تكن ، فهو سنة(4).
بينما ذهب الحنفية والحنابلة والثورى وروى عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود إلى أن القنوت غير مشروع فى صلاة الصبح ،إلا إذا أنزل بالمسلمين نازلة، فالإمام له أن يقنت فى صلاة الصبح (5).
وأما القنوت فى الوتر، فقد ذهب الحنفية، وبعض الشافعية، والمنصوص عن أحمد إلى أن القنوت مسنون فى الوتر فى الركعة الواحدة فى جميع السنة.
بينما ذهب الشافعية فى الراجح عندهم ، ورواية عن الإمام أحمد إلى أن القنوت مسنون فى الوتر فى النصف الأخير من شهر رمضان فقط (6).
وهل يقنت قبل الركوع أو بعده؟ بكلٍّ قيل.
أ.د/على مرعى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المصباح المنير للفيومى ، ومختار القاموس مادة "قنت".
2- حاشية قليوبى على شرح الجلال المحلى على المنهاج ، 1 /157 ، ط دار إحياء الكتب العربية لصاحبها عيسى الحلبى.
3- نيل الأوطار للشوكانى 2 /346 ، ط دار الحديث ، حاشية الدسوقى على الشرح الكبير 1 /248 ، ط المطبعة الأزهرية بمصر 1345هـ، 1927م.
4- نيل الأوطار 2 /345 ، قليوبى وعميرة 1 /157 ، الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقى 1 /248 ، المغنى لابن قدامة 2 /154 وما بعدها، ط علم الكتب بيروت.
5- البناية على الهداية لأبى محمد محمود بن أحمد العينى 2 /512 ، ط دار الفكر ، المغنى لابن قدامة 2 /154،155 ، نيل الأوطار 2 /345.
6- البناية على الهداية 2 /504 ، قليوبى وعميرة 1 /213 ، المغنى لابن قدامة 2 /151.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:54 PM
قول الصحابى

لغة: جمعه صحب وأصحاب وصحابة،والأصل فى هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسه (لسان العرب)(1).
واصطلاحا: عند جمهور الأصوليين(2): هو من لقى الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ولازمه زمنا طويلا، ومات على إسلامه.
وعند جمهور المحدثين: هو من لقى الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على إسلامه ، سواء طالت صحبته أولم تطل.
وقول الصحابى اصطلاحا: هو مذهبه فى المسألة الفقهية الاجتهادية(2) ،
سواء أكان ما نقل عن الصحابى قولا أم فعلا.
وأعلم أن الصحابه رضى الله عنهم كانوا مرجع الافتاء ومنبع الاجتهاد حينما طرأت حوادث جديدة، ووقعت وقائع لا عهد للمسلمين بها فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وكانوا فى الافتاء متفاوتين بتفاوت نضجهم الفقهى، فأثر عن جملة منهم كثير من الفتاوى بحيث يكون جزءا كبيرا منثورا فى بطون الكتب الفقهية.
وقد اتفقت الأئمة من أصحاب المذاهب الفقهية على أنه لا خلاف فى الأخذ بقول الصحابى فيما لا مجال للرأى والاجتهاد فيه ،لأنه من قبيل الخبر التوقيفى عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، ولاخلاف أيضا فيما أجمع عليه الصحابة صراحة أو كان مما لايعرف له مخالف ، كما فى توريث الجدات السدس.
ولا خلاف أيضا فى أن قول الصحابى المقول باجتهاد ليس بحجة على صحابى آخر، لأن الصحابة اختلفوا فى كثير من المسائل ، ولو كان قول أحدهما حجة على غيره لما وقع منهم هذا الخلاف.
وإنما الخلاف فى فتوى الصحابى بالاجتهاد المحض بالنسبة إلى التابعى ومن بعده ، هل يعتبرحجة شرعية أم لا؟
فذهب جمهور العلماء من الحنفيه والمالكية وبعض الشافعية والحنابلة على أنه حجة شرعية مقدمة على القياس ، والراجح من الشافعية على أنه ليس بحجة، وهناك أقوال أخري لكنها ترجع إلى هذين القولين.
والراجح أن مذهب الصحابى ليس حجة، ولا يكون دليلا شرعيا مستقلا فيما يكون بالاجتهاد المحض ، لان المجتهد يجوز عليه الخطأ، ولم يثبت أن الصحابة ألزموا غيرهم بأقوالهم ، فمرتبة الصحبة وإن كانت شرفا عظيما لا تجعل صاحبها معصوما عن الخطأ (4).
أ.د/على جمعة محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب مادة (صحب) ط دار المعارف ، وكذا المصباح المنير للفيومى المطبعة الأميرية بالقاهرة ، ط7 ، 1928م.
2- فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 2 /20 مع المستصفى للغزالى دارالفكر ، وشرح المحلى على جمع الجوامع مع حاشية اللبنانى 2 /146 ، مصطفى الحلبى.
3- مذهب الصحابى وأثره فى الفقة الإسلامى د/سعيد مصيلحى، ص26.
4- أصول الفقة الإسلامى د/وهبة الزحيلى 2 /850 ومابعدها ط1 ، دار الفكر 1986 م ، تيسير أصول الفقة ، محمد أنور البدخشانى ، 162 ، ومابعدها. ط كراتشى باكستان 1990م.
مراجع الاستزادة:
1- الاجتهاد فيما لا نص فيه ، د/الطيب خضرى السيد 2 /103 ومابعدها، ط1 مكتبة الحرمين 1983م.
2- البحر المحيط للزركشى 6 /53 وما بعدها ط1 ، وزارة الأوقاف بالكويت 1990م.
3- تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشى 4 /441 وما بعدها مؤسسة قرطبة ، ط1 1998م.
4- الحاصل من المحصول لتاج الدين الأرموى تحقيق عبدالسلام أبو ناجى 2 /1050 وما بعدها ، ط1 ، جامعة قاريونس بنغازى 1994م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:54 PM
القول بالموجَب

لغة: الموجب مأخوذ من: أوجب يوجب ، أى: أتى بموجبه من السيئات أو الحسنات ، وأوجب الرجل: إذاعمل عملا يوجب الجنة أوالنار(1).
واصطلاحا: تسليم ما جعله المستدل موجبا لعلته مع استبقاء الخلاف (2).
ومعنى ذلك: أنما يسلم الخصم الدليل الذى اسستدل به المستدل ، إلا أنه يقول: هذا الدليل ليس فى محل النزاع إنما هو فى غيره ، فيبقى الخلاف بينهما كقول الشافعى: المحرم إذا مات لم يغسل ، ولم يمس بطيب ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رجل مات وهو محرم: (لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)(3).
فيقول المالكى: سلمنا ذلك فى لك الرجل ، وإنما النزاع فى غيره ،لأن اللفظ لم يرد و بصيغة العموم (4).
والقول بالموجب من قوادح العلة، والموجب بفتح الجيم أى: القول بما أوجبه دليل المستدل واقتضاه ، أما الموجب بكسرها فهو: الدليل المقتضى للحكم ،وهو غير مختص بالقياس ،ومنه الآيه الكريمة {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}المنافقون:8 ، فقد ذكرها رأس النفاق ابن سلول وقت أن كان المسلمون فى غزوة بنى المصطلق ، فقال: لئن رجعنا إلى المدينة من هذه الغزوة ليخرجن الأعز -يقصد نفسه- منها الأذل يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأجابه الله تبارك وتعالى بموجب قوله مع عدم تسليمه له فقال تعالى {ولله العزه ولرسوله وللمؤمنين}المنافقون:8.
فإنه لما ذكر صفة، وهى العزة، وأثبت لها حكما ، وهو الإخراج من المدينة، رد عليه رب العزة تبارك وتعالى بأن هذه الصفة ثابتة لكن لا لمن أراد ثبوتها له ، فإنها ثابتة لغيره باقية على اقتضائها للحكم وهو الإخراج ، فالعزة موجودة لكن لا له بل لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين (5).
وجمهور الأصوليين على أن القول بالموجب قادح فى العلة مفسد لها، ومن صرح بذلك إمام الحرمين ، وابن السمعانى، والفخر الرازى، والآمدى، لأن المعترض إذا قال بموجب العلة أصبحت فى موضع الإجماع ،ولا تكون متناولة لوضع الخلاف ، ولأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لايرفع الخلاف ، علم أن ما ذكره ليس بدليل الحكم الذى أراد إثباته.
ونقل الرركشى عن ظاهر كلام الجدليين أنه ليس من قوادح العلة، لأن القول بموجب الدليل تسليم فكيف يكون مفسدا(6).
أ.د/على جمعه محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور 6 /4766،4767 دار المعارف ، المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية 2 /1012 ، دار المعارف 1972م.
2- الإيضاح لقوانين الاصطلاح فى الجدل والمناظرة الجوزى ص335 تحقيق محمود الدغيم مدبولى 1995م.
3- هذا الحديث متفق عليه: أخرجه البخارى فى كتاب الجنائز رقم (1265) و(1266) و (1267) و(1268) ، مسلم فى كتاب الحج رقم (1206) من رواية ابن عباس.
4- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الغرناطى تحقيق محمد المختار الشنقيطى ص385 مكتبة ابن تيمية ط1 ، 1414هـ.
5- تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشى 4 /361 ومابعدها مؤسسة قرطبة طبعة1 ، 1998م شرح المحلى على جمع الجوامع 2 /316 طبعة مصطفى الحلبى غايه الوصول شرح لب الأصول ، للشيخ زكريا الأنصارى ، ص131 طبعة عيسى الحلبى وشركاه.
6- البحر المحيط للزركشى 5 /297 ومابعدها طبعة وزارة الأوقاف بالكويت 1990م ، تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى هامش ص385 ، ص386 مكتبه ابن تيمية 1414هـ.
مراجع الاستزادة:
1- الفائق فى أصول الفقه لصفى الدين الهندى تحقيق د/على العميرين 4 /249 وما بعدها طبعة السعودية.
2- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول تحقيق د/شعبان محمد إسماعيل 2 /222 وما بعدها دار الكتبى طبعة1 ، 1993م.
3- الكافية فى الجدل لأبى المعالى الجوينى تحقيق د/فوقية حسين محمود، ص161 عيسى الحلبى وشركاه 1979م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:55 PM
موسوعة المفاهيم / الكاف

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:55 PM
الكتابة كصناعة

لغة: كتب الكتاب كتبا وكتابا وكتابة خطه ، الكتابة: صناعة الكاتب ، كما فى الوسيط(1).
واصطلاحا: الكتابة -كخط- يستخدم فى تسجيل المعلومات قديمة جدا وترجع إلى الألف السادسة قبل الميلاد، وقد بدأت الكتابة بتصويرالأفكار ثم بتصوير الكلمات ثم بترميز الأصوات بالشكل الأبجدى، وإن كانت هناك حتى اليوم كتابات تصويرية بالكلمات.
والكتابة العربية -كخط- اشتقت من الكتابة النبطية فى نحو القرن الثالث الميلادى ودخلت إلى شمالى الجزيرة العربية فى نحو القرن الخامس الميلادى وأوائل السادس الميلادى.
وقد استخدمت الأبجدية العربية كفن زخرفى مع مطلع القرن (الثانى الهجرى، الثامن الميلادى)، وتأنق الخطاطون المسلمون فى ذلك تأنقا شديدا. وتفرع عن الكتابة العربية عشرات من الخطوط والأقلام مع مرورالوقت.
أما الكتابة كصناعة فقد عرفها العرب باسم صناعة الإنشاء. وقد برع العرب
فى تأليف الكتب حول هذه الصناعة وذلك بعد أن انتشر تدوين الكتب فى نهاية القرن الثانى الهجرى. ومن بين الكتب الهامة فى هذا الصدد كتاب ابن جماعة "تذكرة السامع والمتكلم فى أدب العالم والمتعلم" وكتاب القلقشندى "صبح الأعشى فى صناعة الإنشا".
ولقد أجمع العلماء المسلمون على أن صنعة الكتابة فضيلة والاشتغال بها عمل محمود، والنصوص فى هذا الصدد كثيرة.
وقد وضع العلماء المسلمون لصنعة الكتابة ظوابط وقواعد وآداب بعضها قواعد مادية،إبعضها قواعد معنوية. ومن أهم تلك القواعد:
1- إذا كتب الكاتب شيئا من العلوم الشرعية، يجب أن يكون على طهارة مستقبلا القبلة، طاهر البدن والثياب و الحبر والورق ويبتدىء كل كتاب بكتابة البسملة. وإذا فرغ من كتابة الكتاب أوالجزء فليختمه بالحمد له و الصلاة على النبى، وكلما كتب اسم لله تعالى أتبعه بالتعظيم مثل: تعالى، سبحانه ، ويتلفظ بذلك.
وكلما كتب اسم النبى كتب بعده صلى الله عليه وسلم ولا يسأم من تكريرها ولايختصرها، ويجب أن يتلفظ بها وهو يكتبها، وإذا مر بذكر أحد من الصحابة كتب بعده رضى الله عنه أو رضوان الله عليه. أما إذا مر بذكرأحد من الأئمة كتب بعده رحمه الله أو رحمة الله عليه أو تغمده الله برحمته.
2- لايهتم الكاتب بالمبالغة فى حسن الخط وإنما يهتم بصحته وتصحيحه ويتجنب التعليق وهو خلط الحروف التى ينبغى تفرقها والمشق وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه:
شر الكتابة المشق وشر القراءة الهدرمة (التصفح السريع دون تدبر المعنى) وأجود الخط أبينه.
3- يكره فى الكتابة فصل مضاف اسم الله تعالى منه: عبدالله ، عبدالرحمن ، رسول الله ،فلا يكتب عبد أو رسول فى نهاية السطر والله أو الرحمن فى بداية السطر التالى لقبح صورة الكتابة.
4- وإذا كان الكاتب ينسخ كتابا فعليه مقابلة النسخة على أصل موثوق صحيح فالمقابلة متعينة للكتاب الذى يرام به النفع. قال عروة بن ال***ر لابنه هشام رضى الله عنهما: كتبت؟ قال: نعم ، قال: عرضت كتابك؟ (أى على أصل صحيح) قال: لا، قال: لم تكتب.
وإذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصل صحيح أو على شيخ فينبغى أن يعجم المعجم ،ويشكل المشكل ، ويضبط الملتبس ، ويتفقد مواضع التصحيف.
5- على الكاتب أن يكتب على ماصححه وضبطه فى الكتاب (صح) صغيرة. ويكتب فوق ماوقع فى التصنيف وهو خطأ (كذا) صغيرة أى هكذا رأيته ، ويكتب فى الحاشية (صوابه كذا) إن كان يتحققه أو(لعله كذا) إن غلب على ظنه ، ويكتب على ما أشكل عليه ولم يتبين صحته (ضبة) وهى صورة رأس صاد مهملة مختصرة(ص).
6- لايكتب الكاتب الكتابة الدقيقة لأنه ربما لم ينتفع بها وقت الحاجة من كبر وضعف بصر، ثم محله فيمن عجزعن ثمن ورق أو حمله فى سفر فيكون معه خفيف المحمل فلا كراهة فى ذلك ولا منع للعذر، والكتابة بالحبر أولى من المداد.
7- ينبغى ألا يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجرى، ولا رخوا فيسرع إليه الحض ،وقال البعض إذا أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمتها، وحرف قطتك وأيمنها، ولتكن الساكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق
ولا تستعمل فى غير ذلك. وليكن مايسقط عليه القلم صلبا وهم يحمدون القصب الفارسى جدا والأبنوس الصلب الثقيل.
8- ينصح الكاتب عادة بكتابة الأبواب بالحمرة فإنه أظهر فى البيان وفى فواصل الكلام ، وكذلك لابأس به على أسماء أو مذهب أو أقوال أو طرف أو أنواع أو لغات أو أعداد أو نحو ذلك.
ومن أدوات الكتابة عند المسلمين: القلم - المداد - الدواة - المدية - المقط - المفرشة - الممسحة - المقلمة.
وقد تطورت مواد الكتابة عند المسلمين مع مرور الزمن: من مواد طبيعية مثل العسب والكرانيف ، والعظام ، واللخاف ، وقطع الفخار ، إلى مواد مصنعة كالمهارق ، والبردى، والرق ، ثم الورق.
أ.د/شعبان عبدالعزيز خليفه



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الإستزادة:
1- صبح الأعشى للقلقشندى.
2- تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:56 PM
كُتَّاب الوحى

كتاب: جمع كاتب والكاتب عند العرب العالم ، ومنه قوله تعالى: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون}الطور:41(1).
والوحى فى اللغة: إعلام الغير بشىء فى خفاء.
واصطلاحا: إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه ، وهو من خصائص الأنبياء والرسل ، ويكون مباشرة كما فى تكليم الله موسى على الجبل ، أو بواسطة الملائكة الذين يحملون التعاليم الإلهية إلى من اصطفاهم الله من خلقه وهم الرسل ، وقد جاء ذكر الوحى فى الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام ، ويعتبر القرآن الكريم هو الوحى المنزل على النبى صلى الله عليه وسلم باللفظ المنقول عنه بالتواتر حفظا وكتابة، ويعتبر إعجاز القرآن اثباتا لنبوته عليه السلام(2).
وقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم كتابا للوحى، منهم من كان يكتب فى بعض الأحيان ومنهم من كان منقطعا للكتابة ومتخصصا لها، وكلما نزل شىء من القرآن الكريم أمرهم عليه السلام بكتابته مبالغة فى تسجيله وزيادة فى التوثيق والضبط والاحتياط لكتاب الله تعالى، حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ وكان هؤلاء الكتّاب من خيرة الصحابة.
وكان عليه السلام يدلهم على موضع المكتوب من سورته فيكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب (جريد النخل) واللخاف (الحجارة الرقيقة) وقطع الأديم (الجلد) والرقاع (من الورق والكاغد) ثم يوضع المكتوب فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينقض العهد النبوى إلا والقرآن مجموع على هذا النمط (3).
وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عددا من الكتّاب وصل بهم بعض المؤرخين إلى ستة وعشرون كاتبا ، ووصل بهم البعض الآخر إلى اثنين وأربعين كاتبا منهم فى مكة:
"على بن أبى طالب وعثمان بن غفان. وأبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وعامر بن فهيرة. والأرقم بن أبى الأرقم ، وأبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد المخزومى ، وجعفر بن أبى طالب. وحاطب بن عمرو ، وال***ر بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبدالله بن أبى بكر".
وأضيف إليهم فى المدينة:
"أبو أيوب الأنصارى، وخالد بن زيد. وأُبىُّ ابن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبدالله بن رواحة ، ومعاذ بن جبل ، ومعيقب بن أبى فاطمة الدوسى، وعبدالله بن عبدالله بن أُبّى بن سلول ، وعبدالله بن زيد، ومحمد بن مسلمة،
وبريدة بن الحصيب ، وثابت بن قيس بن شماس ، وحذيفة بن اليمان ، وحنظلة بن الربيع ، وعبدالله بن سعد بن أبى سرج".
وزاد بعد الحديبية:
"أبو سفيان صخر بن حرب ، ويزيد بن أبى سفيان ،ومعاوية بن أبى سفيان ، وخالد بن الوليد ، وجهم بن سعد وجهم بن الصلت بن مخرمة، والحصين بن النمير، وحويطب بن عبد العزى، وعبدالله بن الأرقم ، والعباس بن عبدالمطلب ، وأبان بن سعيد بن العاص ،وسعيد بن سعيد بن العاص ، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص ، وشرحبيل بن حسنة، والعلاء الحضرمى".
هذا وقد أضحى فى المدينة لكل كاتب اختصاص تقريبا، فكان يكتب الوحى على بن أبى طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب ويكتب للملوك والأمراء زيد بن ثابت ويكتب للمعاهدات على بن أبى طالب ويكتب لحوائج الناس المغيرة بن شعبة ويكتب المدانيات فى المجتمع عبدالله بن الأرقم ويكتب الغنائم معيقب بن أبى فاطمة الدوسى، وعندما كان يغيب أى
كاتبا من هؤلاء، كان يكتب حنظلة بن الربيع ،لذا عرف بالكاتب(4).
أ.د/عبدالله جمال الدين



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوجيز: مجمع اللغة العربية، ص526 ومختار الصحاح ص562.
2- دائرة المعارف الحديثة، أحمد عطية الله ، ص741.
3- القرآن والتفسير، عبدالله شحاته ، ص24،25.
4- التاريخ الإسلامى، محمود شاكر، ص379،380.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:56 PM
الكذب

الكذب: نقيض الصدق ، والصدق مطابقة الخبر للواقع ولو بحسب اعتقاد
المتكلم فى لسان العرب: كذب يكذب كذبا، تقول: رجل كاذب ، وكذاب ، وفى قوله تعالى: {ليس لوقعتها كاذبة}الواقعة:2.
وجاء فى لغة العرب تَكَذّبوا عليه: زعموا أنه كاذب وتُكذّب فلان: إذا تكلف الكذب ،و الكذابة: ثوب يصبغ بألوان ينقش كأنه موشى.
والكذابان: مسيلمة الحنفى، والأسود العنسى(1).
وللكذب دوافع منها:
1- الاعتزاز بخداع النفس، ومحاولة اجتلاب النفع مع أن فيه الهلكة، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لأن يضعنى الصدق ، وقلما يضع ، أحب إلى من أن يرفعنى الكذب وقلما يفعل.
2- أن يؤثر فيكون حديثه مستغربا وكلامه مستطرفا.
3- أن يقصد بالكذب التشفى من عدوه ،فيسمه بقبائح يخترعها عليه.
4- أن يتعود الكذب ، حتى يصير الكذب سجية له.
ولقد حرم الإسلام الكذب لكن السنة المطهرة وردت بإرخاصه فى الحرب
وإصلاح ذات البين على وجه التورية، والتأويل دون التصريح به ، فإن السنة لم ترد بإباحة الكذب على وجه التصريح قط، كما أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب فى القبح والمعرة ، كالغيبة والنميمة.
أما الآثار السلبية للكذب على الفرد وعلى الأمة:
1- تضيع به الحقوق ، فمنه شهادة الزور.
2- تفقد به الثقة، فتفقد الطمأنينة إلى الكاذب فيحجم الناس عن التعامل معه.
3- الكذب عنصر إفساد كبير للمجتمعات الإنسانية وسبب هدم لأبنيتها الحضارية ، وتقطيع لروابطها وصلاتها ، ورذيلة من رذائل السلوك ذات الضرر البالغ.
4- إن الكذب طريق إلى النار فيه يخسر الإنسان آخرته بعد خسارة دنياه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجوز وإن الفجور يهدى إلى النار ومايزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
ولهذا استحالت صفة الكذب على الرسل ،ووجبت لهم صفة الصدق ، فلو جازت عليهم صفة الكذب ، لما وثق الناس فى أخبارهم فتضيع الفائدة من الرسالة، فكان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفاره موصوفا بالصادق الأمين ، بقدر ما أتخذ من الصدق صفة له دليلا لايقبل الجدل لإثبات كونه رسول الله تعالى.
أ.د/عبدالسلام محمد عبده



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- الأخلاق فىالإسلام ، د/عبداللطيف العبد.
2- لسان العرب لابن منظور 5 /3841،3842.
3- تهذيب الأخلاق لمسكويه.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:56 PM
الكرامة

لغة: تعنى العزازة حيث تقول: فلان كريم على، بمعنى عزيز لدى والمكرمة: فعل الكرم ، والمكرم: الرجل الكريم على كل أحد.
واستكرم الشىء: أى طلبه كريما ،وكريم: ورد فى التنزيل {إنى ألقى إلى كتاب كريم}النمل:29 ، أى حسن معناه ، محمود ما فيه(1).
واصطلاحا: فى منظور رجال التوحيد هى أمر خارق للعادة يظهره الله على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم بمتابعة نبى، كلف بشريعة، مصحوبا بصحيح الاعتقاد ، والعمل الصالح عمل بها أم لم يعمل. والمكرمة سواء
أعلم بها أم لم يعلم لايتحدى بها كالمعجزة.
وفى مسألة وقوع الكرامة من ولى أو عدم ظهورها على يديه مذهبان: المذهب الأول وهو لأهل السنة:
فهم يرون الكرامة جائزة عقلا ، وواقعة فعلا فى الحياة، وبعد الممات ، بل إن بعضهم يذهب إلى أن حدوثها بعد الموت أولى لصفاء النفس حينذاك من الأكدار، ويستندون فيما ذهبوا إليه من جواز وقوعها على أنه لا يلزم من فرض وقوعها محال ، وكل ما كان كذلك يكون جائزا.
ويستدلون على ذلك بما ورد فى القرآن الكريم من قصة مريم حيث أنبتها الله تعالى نباتا حسنا، وكان زكريا (عليه السلام) كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا.
وقصة أهل الكهف الذين لبثوا فى الغار ثلاثمائة سنين وإزدادوا تسعا دون طعام أو شراب فضرب الله على آذانهم لأن الأذن موطن الإيقاظ فى الإنسان ، والشمس تطهر كهفهم من الأمراض فإذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين.
كذلك ماذكره القرآن عن الذى عنده علم الكتاب الذى أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى بلاد الشام فى طرفة عين وغير ذلك.
أما المذهب الثانى للمعتزلة:
وهم يرون عدم جواز الكرامة ولهم على مذهبهم أدلة لديهم فيها:
1- لو ظهرت الكرامة على يد الولى لالتبس بالنبى ويرد هذا بمنع الالتباس ذلك لأن المعجزة مقرونة بدعوى النبوة بخلاف الكرامة.
2- لو ظهرت الكرامة على يد الولى كثرت بكثرتهم فلا تكون خارقة ويرد من لدليل بأن الكثرة لاتؤدى إلى تحويل خارق العادة إلى معتاد ، ويظل الخارق للعادة رغم كثرته خارقا للعادة.
وبناء عليه فيسلم قول جواز وقوع الكرامة للولى تكريما على طاعة الله تعالى.
أ.د/عبدالسلام محمد عبده



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- الكامل فى الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء تقى الدين النجرانى تحقيق د/السيد الشاهد ط المجلي الأعلى للشئون الإسلامية سنة 1999م.
2- اللمع: للطوسى تحقيق د/عبدالحليم محمود وطه عبد الباقى سرور، ط المكتبة العلمية.
3- كشف المحجوب للهجويرى ترجمه د/اسعاد قنديل.
4- شرح الأصول الخمسة للقاضى عبدالجبار، تحقيق د/عبدالكريم عثمان.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:57 PM
الكراهية

الكراهية نقيض الحب فهى شعور الإنسان ببغضه للآخرين ، وحبه لنفسه فقط ، وهى داء وبيل ينجب الكثير من الأمراض الخلقية الخطيرة مثل: الحسد، والبغضاء،والشحناء، والغيبة، والنميمة، وقد لا يكبح جماحها فيكون الظلم والعدوان ، وغيرها من الرذائل.
وقد ذكر الله تعالى الكرة بالفتح والكرة بالضم فى غير موضع من كتابه العزيز {كتب عليكم القتال وهو كره لكم..}البقرة:216. ويقول نافع: إن كره فى القرآن الكريم لم ترد مضمومة الكاف إلا فى هذه الآية.
والكَره ، والكُره لغتان ، فبأى لغة وقع فهو جائز ومعناهما واحد، وهو إجبار النفس على ما لا تهوى، إلا الفراء: فإنه زعم أن الكره بالضم ما أكرهت نفسك عليه ، والكره بالفتح ما أكرهك غيرك عليه.
ويقول ابن سيده: الكرة بالفتح الإباء والمشقة تكلفها فتحتملها، والكرة بالضم
المشقة تحتملها من غير أن تكلفها(1).
ومن ثم كانت للكراهية هذه الآثار السلبية:
1- أنها تشقى صاحبها قبل أن تنال من الآخرين.
2- أنها تجلب القلق والاضطراب إلى قلب صاحبها فتورثه العديد من الأمراض النفسية والجسدية.
3- أنها تبعد بصاحبها عن الإيمان الصحيح ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخية مايحب لنفسه). وقال صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده لاتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم ،أفشوا السلام بينكم".
4- الكراهية تهوى بصاحبها إلى أدنى درجات البشر فتثير كراهية الناس له
والكراهية ليست من أخلاق المسلمين الذين يحبون الله وملائكته ثم يوضع لهم القبول فى الأرض ، لكنها قد تكون مطلوبة أحيانا وذلك فيما يلى:
(أ) كره أعداء الله تعالى وأعداء دينه ،وعدم مودتهم.
(ب) كره الشر والرذيلة والفساد والباطل.
(ج) كره النفس الأمارة بالسوء الداعية إلى الفجور فكراهية القبائح والمعاصى والشرور، وأعداء الله تعالى كراهية حكيمة عاقلة.
وأشد أنواع الكراهية جرما كره الله ورسوله ثم كره المسلمين.
أ.د/عبدالسلام محمد عبده



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- لسان العرب لابن منظور (5/ 3864،3866).
2- تهذيب الأخلاق لمسكويه.
3- الأخلاق فى الإسلام د/عبداللطيف العبد ط دار الثقافة العربية 1985م.
4- الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الاصفهانى تحقيق د/أبواليزيد العجمى ط دار الوفاء.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:57 PM
الكهانة

لغة: كَهَنَ وكَهُنَ يَكهُنُ ، يَكُهن كهانة،وتكهن تكهنا له: أى قضى له بالغيب وحدثه به.
وكهن كهانة: صار كاهنا، أو صارت الكهانة له طبيعة وغريزة ورجل كاهن من قوم كهنة وكهان: من يدعى معرفة الأسرار أو أحوال الغيب ، وعند اليهود وعبدة الأوثان:
الذى يقدم الذبائح والقرابين ، فقد ورد فى التوراة: "... وتلبس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهن لى...." (خروج 40:13).
وعند النصارى: من ارتقى إلى درجة الكهنوت.
ففى الإنجيل: "... فنظر وقال لهم: أذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة...." (لوقا 17:14) واللفظ إما من كهن بالعبرانية، أو من كهنا بالسريانية.
والكهانة: حرفة الكاهن ، وهو الذى يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل
الزمان ، ويدعى معرفة الأسرار.
الكهنوت: طبقة الكاهن أو رتبته. وسر الكهنوت: هو أحد أسرار الكنيسة المقدسة السبع ، يتولى به الكاهن أن يقدس جسد المسيح ، ودمه فى تلاوة القداس ، وأن يحل من الخطايا.
كان فى العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب ، يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأل ، أو فعله ، أو حاله ،وهذا يخصونه باسم العراف.
والكاهن فى كلام العرب: هو الذى يقوم بأمر الرجل ويسعى فى حاجته ، والقيام بأسبابه وأمر حزتته. والكاهنان: حيان ، يقال لقريظة والنضير -وهم أهل كتاب وفهم وعلم- وهما قبيلتان يهوديتان كانتا تسكنان بالمدينة. والعرب تسمى كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا، ومنهم من كان يسمى المنجم والطبيب كاهنا.
ووردت كلمة: الكاهن فى القرآن الكريم مرتين ، فى قوله تعالى: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون}الطور:29 ، أى لست بحمد الله بكاهن ، كما تقول الجهلة من قريش. والكاهن الذى يأتيه الرئى من الجن بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، كما يعتقد ذلك كثير من الناس. وفى قوله تعالى: {ولابقول كاهن قليلا ما تذكرون}الحاقة:42.
وكانت الكهانة فى العرب على ثلاثة أضرب:
الأول: يكون للإنسان ولى من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء،وهذا القسم بطل من حين بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم .
الثانى: أن يخبره بما يطرأ، أو يكون فى أقطار الأرض ، وما خفى عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده ، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما (أى جعلاهما مستحيلين).
الثالث: المنجمون ، وأغلبهم كاذب ، ولذا شاع بين الناس هذا المثل: "كذب المنجمون حتى ولو صدقوا" وقد حرم الإسلام إتيان الكاهن لسؤاله عن الغيب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد" (1).
أ.د/محمد شامة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- الترمذى: الطهارة، وابن ماجه: كتاب الطهارة.
مراجع الاستزادة:
1- سنن الترمذى الترمذى.
2- لسان العرب ابن منظور.
3- سنن ابن ماجه ، ابن ماجه.
4- الكتاب المقدس: العهد القديم ، والعهد الجديد.
5- الكشاف الزمخشرى.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:58 PM
الكون

لغة: كَوّنه فتكوّن: أحدثه فحدث ، والكون: الحدث ، والكائنة: الحادثة، والله مكون الأشياء: يخرجها من العدم إلى الوجود كما فى اللسان(1).
واصطلاحا: هو اللفظ المستخدم للدلالة على كل ماحولنا، من النجوم التى
نراها ليلا فى السماء، والتى تتجمع فى مجموعات تعرف بالمجرات ، إلى الفضاء الواقع بين هذه المجرات ، ومايوجد به من غازات وغبار كونى ، بالإضافة إلى أى شىء يقدر له الوجود وراء حدود مانراه.
ولم يشعر الإنسان شعورا حقيقيا بوجود الكون إلا فى نهاية القرن الثامن عشر، عندما اكتشف أنه يسكن على سطح كوكب صغير، فى مجموعة شمسية تمثل جزءا من مجرة تحتوى على ألوف الملايين من النجوم ، وأن
هناك مجرات مشابهة تقع فى الفضاء، الذى يمتد وراء هذه المجرة، والتى عرفت فى ذلك الحين باسم "الجزر الكونية".
ويعرف علماء الفلك اليوم مايزيد على مائة ألف مليون مجرة، تفصل كل مجرة عن الأخرى مساحة هائلة، وأقرب المجرات إلينا مجرة "المرأة المسلسلة" أو "الأندروميدا" وتفصلنا عنها مسافة تقدر مليونى سنة ضوئية، بمعنى: أن الشعاع الصادر منها والمنطلق بسرعة 000 ، 300 كم فى الثانية لا يصل إلينا إلا بعد مليونى سنة، مما يدل على أننا لانعرف شيئا عن هذه المجرة حتى الآن ، فنحن نراها كما كانت فى الماضى، وربما تكون قد انفجرت ، أو اختفت فى الفضاء.
وهذه الحقيقة محيرة إلى حد كبير، فنحن عندما ننظر إلى ماحولنا من نجوم أو مجرات ، إنما نراها كما كانت فى الزمن الماضى، كذلك أقرب نجم إلى مجموعتنا الشمسية ويدعى "ألفاسنتورى" تفصلنا عنه نحو 3، 4 سنة ضوئية، أى تفصلنا عنه ملايين من الكيلومترات ويذكرنا ذلك بالآية الكريمة {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}الواقعة:75،76.
وبتقدم العلم والمعرفة توصل الإنسان بفكره إلى نظرية خاصة بنشأة هذا الكون ، وهى تنص على أن كل مايحتويه هذا الكون من مجرات وغازات وسحب الغبار الكونى كانت ملتحمة معا فى زمن مغرق فى القدم على هيئة كتلة مركزية شديدة التماسك والانضغاط ، ثم انفجرت هذه الكتلة، وتناترت
شظاياها فى جميع الاتجاهات ، ثم تحولت بمرور الزمن إلى المجرات الحالية التى يتكون كل منها من ملايين النجوم ، وتعرف هذه النظرية باسم "الانفجار العظيم" وهى تتمشى مع المعنى المفهوم من الآية الكريمة {أو لم ير الدين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون}الأنبياء:30.
وتدل هذه النظرية على أن هذا الانفجار العظيم قد حدث منذ نحو 15.000ألف مليون سنه على وجه التقريب ، وأن هذه المجرات مازالت تندفع فى الفضاء بسرعات كبيرة جدا، مما يدل على أن الكون يتمدد ويتسع بمرور الزمن ، وهذا المعنى نفسه الذى ورد فى الآية الكريمة {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}الذاريات:47 ، ولكن هل يمتد ويستمرهذا الاتساع الى الأبد، أم هل يتوقف هذا التمدد فى المستقبل عندما تبطىء سرعة المجرات وتبدأ عملية التجاذب بينها، فينكمش الكون مرة أخرى، ويوصف عندئذ بأنه كون مغلق.
ويعتقد بعض العلماء أن الكون يحتوى على قدر كبيرمن المادة، سواء منها المادة المضيئة التى توجد على هيئة سحب من الغازات والغبار الكونى، وهو مايكفى لحدوث التجاذب بين مكوناته وانكماشه مرة أخرى، وسيستمر هذا الانكماش مدة طويلة ، وتقترب المجرات بعضها من بعض لتندمج معا فى نهاية الأمر فى كتلة مركزية واحدة ثم تعود إلى الانفجار مرة أخرى لتكون كونا جديدا ، ويذكرذلك بقوله تعالى: {يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}الأنبياء:104.
وقد وضع عالمان هما: "إدوارد نايرون" و "ألكساندر فيلينكين" نظرية تفترض أن الكون عندما ينكمش سيصل إلى حجم متناه فى الصغر، لايزيد على حجم البرتون ، ثم يختفى فجأة فى العدم ، وطبقا لنظرية "ميكانيكا الكم" سيظهر الكون من العدم "Out of nothingness" مرة أخرى ليتمدد بشكل نهائى مدة من الزمن ، ويصعب تصور هذه النظرية، ولكنها تتمشى مع قوله تعالى {بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}البقرة:117.
أ.د/أحمد مدحت إسلام



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار صادر، بيروت ، 13 /363،364.
مراجع الاستزادة:
1- هل نحن وحدنا فى هذا الكون ، د/أحمد مدحت إسلام ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، 1410هـ/1990م.
2- Cosmos, Carl sagan; Macdonald Futura, publishers, paulton House, shepherdess Walk, London, NI 7LW(1981).
3- Beginnings: The story of origins of Mankind, publishing Graup, 200 Madison Arenue, New york, Ny 10019 (1987).

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:58 PM
الكونفوشيوسية

لغة: نسبة إلى "كونفوشيوس" ، وهذ الاسم يتألف من لفظين: كونج ، اسم القبيلة التى ينتمى إليها ، وفوتس ، ومعناها: الرئيس ،أو الفيلسوف. فاسم كونفوشيوس يعنى: زئيس كونج ، أو فيلسوفها ، أو حكيمها.
واصطلاحا: تعاليم أخلاقية ودينية ظهرت فى القرن السادس قبل الميلاد على يد رجل يدعى كونفشيوس، صارت فيما بعد مذهبا دينيا، وقد التزمته الصين كدين رسمى للدولة حتى أوائل القرن العشرين.
ولد "كونفوشيوس" فى المقاطعة الصينية التى تسمى اليوم "شانتونج" فى عام 551 ق.م. من أسرة عريقة، إذ كان أبوه ضابطا فى الجيش ، إلا أنه كان فقيرا ، ومات وابنه "كونفوشيوس" فى الثالثة من عمره ، فاضطر الغلام إلى الاشتغال برعى الغنم عند أحد الأمراء. ولما رأى الأمير جدَّه واجتهاده أسند إليه أحدى الوظائف ، فكان يقضى أوقات فراغه فى دراسة الآداب القديمة والفلسفة والموسيقى.
وفى الثانية والعشرين من عمره أنشأ مدرسة ليتلقى فيها الشبان ذوو المواهب الخاصة أصول الفلسفة الأخلاقية والسياسية، وبجانب عمله هذا كان يقوم بوظيفة المستشار السياسى لبعض الأمراء والولاة الذين كانوا ينتفعون بآرانه فى حل ما يصادفهم من مشكلات.
وفى سنة 496ق.م عين رئيسا للوزراء فى ولاية "لو" فأعدم المشاغبين من الوزراء ورجال السياسة، وأدب اللصوص وقطاع الطرق ، كما وضع مراقبة صارمة على التجار ليمنع الغش والاحتكار، ولكن حساده دسوا بينه وبين أمير "لو" فاضطر "كونفوشيوس" إلى ترك هذه الولاية، وأخذ يتنقل من إقليم إلى إقليم يعلم الشبان وينصح الولاة.
ولم يدع "كونفوشيوس"ا أنه نبى يوحى اليه ،فقد كان مصلحا أكثر منه رجل دين. احترم الآلهة، وحرص على إقامة الشعائر والطقوس ،وكانت عنايته متجهة إلى إصلاح النفس الإنسانية، وتكوين مجتمع سليم ، قوامه المحبة والإخاء والعدل.
ويرتكز القانون الأخلاقى عنده على أربع فضائل رئيسية هى:
1- وجوب طاعة الوالد والخضوع له.
2- وجوب طاعة الحاكم والانقياد له.
3- على الأخ الأصغر أن يطيع أخاه الأكبر.
4- على الأصدقاء أن يخلصوا فى معاملة بعضهم بعضا.
وهذه الفضائل فى نظر "الكونفوشيوسيين" خالدة، ويجب على كل فرد فى المجتمع أن يتحلى بها باستمرار لأن الأستمرار فى التحلى بالفضيلة هو نفسه جزء لا يتجزأ من الفضيلة.
التعليم عند "الكونفوشيوسيين" من أهم العوامل التى تجعل الأفراد يفهمون القانون الأخلاقى: ويسيرون عليه. ولذلك يجبط أن يتعلم الأفراد آراء القدماء وحكمهم ، وما ورد عنهم من قصص ، وعليهم كذلك أن يطلعوا على مؤلفات الكونفوشيوسيين ، حتى يلموا إلماما جيدا بآرائهم الفلسفية والدينية والسياسية.
عاش "كونفوشيوس" حوالى ثمانين عاما (توفى 498 ق.م) قضاها فى نشر الفضائل ، ومحاولة إصلاح المجتمع الصينى، ولم يكن له فى حياته تأثير كبير، إذ كان الناس يعتبرونه مصلحا اجتماعيا، لأنه كان ينادى بالتمسك بحكمة القدماء، ويدعو الى إحياء التراث القديم والسير على قواعده ومبادئه وكان يؤلف الكتب فى هذا المجال وينشر تعاليمه متنقلا من ولاية الى آخرى ، حتى أطلق عليه معاصروه اسم: "معلم الجنس البشرى".
وبعد قرون عدة من وفاته أعلنت الدولة -بناء على أسباب سياسية أن تعاليمه مقدسة يجب الالتزام بها، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى عبادته ، فأعلنت الدولة أن "الكونفوشيوسية" هى الدين الرسمى للدولة، فانتشرت دور عبادته فى كل المدن والقرى والنجوع الصينية، وتقدم فيها القرابين له فى صورة أضحية (ثيران ، وأغنام ، وخنازير)، وفى بعض الأحيان يقدم القربان فى صورة أقمشة حريرية.
لم ينفرد "كونفوشيوس" بالعبادة عند العامة، بل يعبدون معه آلهتهم القديمة،فيقدمون القرابين لها ولقديسيهم المنتشرين فى أنحاء الصين.
وتنقسم مصادر "الكونفوشيوسية" إلى قسمين:
القسم الأول: كتب صينية قديمة قام "كونفوشيوس" بنقلها ، ومن أهمها:
1- كتاب الأغانى: ويحتوى على مئات الأغانى والقصائد الدينية.
2- التاريخ: ويشتمل على الوثائق التاريخية لتاريخ الصين القديم.
3- كتاب التغيرات: وهو كتاب يعالج موضوع ظهورالأحداث الإنسانية.
القسم الثانى: مؤلفات "كونفوشيوس"، ومن أهمها:
1- الأخلاق السياسية: وهو يتضمن أقوالا مختلفة لـ "كونفوشيوس" وتلاميذه ، مع شرح لهذه الأقوال.
2- الانسجام المركزى: وهو مأثورات مشروحة.
3- المنتخبات: ويطلق العلماء عليه اسم: "إنجيل كونفوشيوس"، لأنه يتضمن تلخيصا وافيا لأقوال "كونفوشيوس" فى مختلف المناسبات على نحو ما سجلها تلاميذه. وإن كان كثير من الحكم والأمثال التى تضمنها قد وضعت بغير ترتيب أو اقتطعت من المناسبة التى قيلت فيها.
ورغم أن نفوذ "الكونفوشيوسية" خضعت للتغير حسب الظروف المختلفة، إلا أنها احتفضت بقيمتها دائما، ففى عصورها الأولى أنشئت المعابد باسم "كونفوشيوس" كما أنشئت كليات لتدريس مبادئه ، تمنح الدرجات العلمية فيها، واعتبرالحصول على تلك الدرجات شرطا لتولى الوظائف العامة.
وبدأ نجمها فى الأفول من الناحية السياسية والدينية فى أوائل القرن العشرين فألغيت دراستها، ولم تعد شرطا للوظائف -وإن بقيت أساسا للحياة الخلقية- ولاسيما بعد سقوط الإمبراطورية وقيام الجمهورية فى عام 1912م ، ومنذ ذلك الحين فإن الشباب التقدمى فى الصين يرى فى ال "كونفوشيوسية" عقبة فى سبيل التقدم ، لارتباطها بالملكية، وكذلك لما تدعو إليه من تقديس الآباء والمحافظة على التقاليد.
هذا وقد اختفت ال "كونفوشيوسية" فى الصين باستيلاء الشيوعيين على الحكم فى عام 1949م ، وإن كان بعض الباحثين يعتقدون أن روحها الأصيلة فى الشعب الصينى سوف تنجح فى تلوين شيوعية الصين بلونها الخاص ، وتزحزحها عن بعض مبادئها، كما فعلت ذلك فى البوذية.
أ.د/محمد شامة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- الأديان والمذاهب الشرقية، عثمان عليش ، القاهرة 1966م.
2- ذيل الملل والنحل للشهرستانى، محمد سيد كيلانى ، القاهرة، 1961م.
3- كونفوشيوس النبى الصينى ، حسن شحاته سعفان ، القاهرة، 1956م.
4- أديان العالم الكبرى حبيب سعيد.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 09:58 PM
الكيمياء

لغة: اسم صنعة، مثل السيمياء ، قال الجوهرى، هوعربى ، وقال ابن سيده: "أحسبها أعجمية"، كما فى اللسان(1).
واصطلاحا: علم يختص بدراسة خواص المواد وتفاعلاتها.
ويتعذر علينا اليوم أن نسجل البداية الحقيقية لعلم الكيمياء، فقد كانت الكيمياء قديما صنعة يتداولها الناس ، وتقوم أساسا على الخبرة والمران ، ولم تكن علما قائما بذاته ، وقد زاول بعض الناس هذه الصنعة فى بعض الحضارات القديمة مثل حضارة الصين والفرس ومصر القديمة.
وكانت أغلب المحاولات التى قام بها أهل هذه البلاد تتصل بالبحث عما سمى "بحجرالفلاسفة" وكان من المعتقد أن هذا الحجر-إن وجد- له القدرة على تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نبيلة ،مثل الفضة والذهب ، بالإضافة إلى قدرته على شفاء الأمراض والعلل ، ولذلك كان يطلق عليه أحيانا اسم "الاكسير".
ولقد أدت هذه المحاولات إلى اكتشاف بعض أسرار الكيمياء وأساليبها، خاصة فى مصر القديمة، فعرفت بعض طرق الدباغة، وصناعة الأصباغ ومواد التحنيط وغيرها.
وقد كانت أفكار الإغريق فى هذا المجال أفكارا نظرية بحته ، ولكنها اندمجت مع معارف المصريين القدماء فى مدينة الإسكندرية، وعندما فتحها العرب عام 642 ميلادية أطلق على هذه المعارف اسم "الخيميا" وهى اسم مشتق من "ال" العربية و"خيميا Khemia" هو الاسم الإغريقى لمصر.
وقد ساهم علماء العرب والمسلمين مساهمة كبيرة فى علم الكيمياء، وبرز منهم كثيرون مثل: جابربن حيان ، وأبى بكر الرازى وغيرهم ، وترجمت أعمالهم إلى اللغات الأوروبية فى العصور الوسطى، وسمع منها الأوروبيون لأول مرة عن التجارب المقننة، وعن استخدام الميزان ، وعن المنهج العلمى، وعن ابتكار الأنبيق المستخدم فى التقطير والتصعيد.
كما وصف العلماء العرب فى كتبهم ورسائلهم أصنافا متعددة من الأدوات المعملية التى ابتكروها، كما وصفوا عشرات من العمليات الكيميائية مثل: التحليل والتركيب والتنقية والتقطير وقاموا بتحضير الأحماض المعدنية الثلاثة ، وحمض الطرطير، وحمض الأترج ، وغيرها.
وقد تقدم علم الكيمياء بعد ذلك تقدما كبيرا، وأسهمت الكيمياء فى كثير من المجالات ، فازدهرت صناعة الأدوية والأصباغ ، وصناعة الحمضيات الزراعية ، ومبيدات الحشرات ، وابتكرت الألياف الصناعية، وغيرها من المركبات التى ساعدت البشرية، وأدت إلى الوصول إلى المستوى الحضارى الذى نعرفه اليوم.
أ.د/أحمد مدحت إسلام



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت ج15 /232.
مراجع الاستزادة:
1- تراث العرب العلمى، د/قدرى طوقان.
2- دائرة المعارف الإسلامية.
3- أساسيات العلوم المعاصرة، د/أحمد فؤاد باشا.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:00 PM
موسوعة المفاهيم / اللام

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:00 PM
اللوح

لغة: ما يكتب فيه ، وهو كل صفحة من خشب أوعظم أو ورق أو نحو ذلك ، وجمعه ألواح.
شرعا: هو جسم مخلوق نورانى عظيم ، فوق السماء السابعة، وقد كتب فيه القلم: ما كان ، وما يكون إلى يوم القيامة. وهو اللوح المحفوظ وقد سمى "لوح القدر".
وقد وردت كلمة "لوح" فى القرآن الكريم مرة واحدة فى قوله عز وجل: {بل هو قرآن مجيد. فى لوح محفوظ}البروج:21-22، ومعنى "قرآن مجيد" أى عظيم كريم ، "فى لوح محفوظ": أى هو فى الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. ولا يجوز شرعا أن يسمى اللوح المحفوظ "بالنفس الكلية" ولا "بالعقل الأول" وغير ذلك مما هو تابع لفلسفة الفيض ، وهى غير إسلامية، هذا ويجب الإيمان باللوح (المحفوظ) دون الخوض فى تعيين حقيقته دون نص شرعى.
كذلك لا يجوزالاعتقاد بأن اللوح خلق لضبط ما يخاف نسيانه فذلك أليق بالبشر وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
أ.د/عبداللطيف محمد العبد



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- المعجم الفلسفى. د/جميل صليبا ، ط1 دار الكتاب اللبنانى بيروت 1973م ،2 /293.
2- المعجم الوجيز مجمع اللغة العربية مادة "لاح" ط وزارة التربية والتعليم مصر 1993م.
3- تفسير ابن كثير دار الفكر بيروت 1986م 4 /497-498.
4- اصطلاحات الصوفية للقاشانى تحقيق د/محمد كمال جعفر، ط الهيئة العامة للكتاب ط1981م.
5- التعريفات للجرجانى ط البابى الحلبى القاهرة سنة 1937م ص170.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:01 PM
اللؤلؤ (الجوهر)

قال تعالى: {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا}الحج:23. وقد ذكر ، أن المراد ترصيع السوار باللولؤ، ولا يستبعد أن يكون فى الجنة سوار من لؤلؤ مصمت ،وهو ظاهر القرآن بل نصه.
ويطلق البعض على الجوهر اللؤلؤ ، وقيل: إن الكبير من اللؤلؤ يسمى درا والصغير لؤلؤا. ويتكون اللؤلؤ داخل الأصداف.
وتوجد مصائد اللؤلؤ بمحاذاة شواطى الهند وسيلان والخليج العربى والبحر الأحمر ،واليابان واستراليا وأمريكا وبعض جزر المحيط الهادى وغيرها.
ويختلف اللؤلؤمن حيث الشكل والتسمية فمنه المدحرج والمستدير والمستطيل والمخروط وغير ذلك.
وأجود اللآلئ ذات شكل كروى براقة متلونة بألوان قوس قزح وخالية من العيوب وعلى شىء من الشفافية، وغالبا مايكون اللؤلؤ أبيض أو قليل الصفرة أو الزرقة، وقد يكون أصفر أو أحمر أو أخضر، وقد يكون نصف شفاف أو قاتما، ونظرا لنعومته قد يخدش ، وتؤتر الأحماض والعرق على اللؤلؤ ، وقد يتلف لطول الزمن.
وقد مهر اليابانيون فى صناعة تزريع الؤلؤ فى برنس الصدفة، ويكثر التحلى باللؤلؤ المصطنع الذى يصنع من الزجاج.
أ.د/حسن الباشا



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- تفسير القرطبى.
2- الأحجار الكريمة فى الفن والتاريخ عبد الرحمن زكى.
3- لسان العرب ابن منظور.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:01 PM
اللاهوت

لغة: أله يأله إلاهة، وألوهة، وألوهية: عبد، ومنه قرأ ابن عباس رضى الله عنهما: {ويذرك وإلهتك}الأعراف:127. بكسر الهمزة، أى وعبادتك ومنه قولنا: الله وأصله: إله ، فهو فعال ، بمعنى مفعول ، لأنه مألوه ، أى معبود، وكل ما اتخذ من دونه إله عند متخذه ، والجمع: آلهة، والآلهة: الأصنام سموا بذلك لاعتقاد العابدين أن العبادة تحق لهم ، وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم ، لا ما عليه الشىء فى نفسه.
واصطلاحا: الألوهية، والإ لاهية، والإلهية والألوهية والإلهانية. كون ، أو صفة الذات الإلهية، والإلهيات: علم يبحث عن الله وما يتعلق به تعالى، وهى ترجمة لكلمة "Theologie" ، وهى مأخوذة من الكلمة اليونانية القديمة "Theologia" وهى مركبة من مقطعين "Theo" ومعناها: الله ، و "logia" ومعناها: علم ، فكانت الكلمة بمقطعيها تطلق عند قدماء اليونانيين ويراد بها: علم الآلهة، وما يتعلق بالألوهية، وعندما انتقلت إلى اللغات الأوروبية أصبح معناها: تعاليم الله ، أو علم العقائد الإلهية، ثم ترجمت إلى العربية "اللاهوت" أو "الإلهيات" على غير قياس.
وقد اهتم الإنسان منذ وجوده على سطح الأرض بقضية الألوهية، إذ احتلت المركز الأول فى تفكيره على امتداد التاريخ الإنسانى، فكان الإله شاغله من زوايا متعددة، باعتبار ذاته ، أو باعتبار علاقته بالمخلوقات كخالق ، وكذا باعتبار علاقته بالإنسان ، أو علاقة الإنسان به ، فتصوره بصور شتى ، لأنه لم يره بعينه ، وإنما آمن بوجوده وتوجه إليه بالعبادة بأدلة متنوعة: بباعث الخوف أو الرجاء، أو بالظواهر الكونية والإنسانية، وآمن بمعتقدات متعددة، وصلت إلى حد الاعتقاد بتعدد الآلهة، وأنهم يتوالدون ، ويتناكحون ، وأن أشكالهم وهيئاتهم تشبههم ، وأنهم يرتدون ملابس مثلهم ،ويتحدثون بلغتهم ومن هنا نشأ -فى مجال البحث الفلسفى فى الألوهية- ما أطلق عليه مشكلة تصورالإله فى الدين.
غير أن الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام ، وضحت للإنسان مفهوم "الإله" بأنه: الأول ، والآخر، والخالق.... وغير ذلك من الصفات التى تصور الله غنيا بنفسه ،أبديا واسع القدرة والمعرفة محيطا بكل شىء، وأنه الحق وحده ، وهو المحيى والمميت والمبدئ والمعيد.... إلى غير ذلك من النعوت التى تبين أنه الخالق المطلق ، المدبر الحكيم ،الملك الذى لا قوة ولا سلطان غير سلطانه فى الوجود، ومع ذلك فهو الرحمن الرحيم ، والغافر والغفور والرازق والمعطى... وغير ذلك من الأوصاف التى تدل على أن صلة احتياج تربط العبد بربه ، فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره ، والله هو الرقيب والحسيب عليه ، المهيمن على عباده جميعا، يعينهم ويهديهم ، فهو مصدر الرزق بأوسع معانيه.
فالله بأوصافه كلها، سواء كانت متعلقة بذاته ، أو بصلته بمخلوقاته ، أو كانت مبنية لعلاقته بالإنسان ، وعلاقة الإنسان به هو موضوع علم "الألوهية" أو علم "اللاهوت" كما جاء فى ترجمة الكلمة اليونانية الأصل:
Theologia ويطلق على هذا العلم فى مجال الدراسات الإسلامية: علم العقيدة أو الإلهيات ، فى مقابل القسمين الآخرين: النبوات والسمعيات التى يتكون منها جميعها -الإلهيات والنبوات والسمعيات- علم التوحيد.
أ.د/محمد شامة



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- الجانب الإلهى من التفكير الإسلامى محمد البهى القاهرة ط5 1972م.
2- رسالة فى اللاهوت والسياسة. سبينوزا ترجمة حسن حنفى القاهرة 1971م.
3- بحوث فى علم الأديان المقارن محمد شامة القاهرة 1972م.
4- لسان العرب لابن منظور.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:02 PM
موسوعة المفاهيم / الميم

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:02 PM
المتشابه

لغة: أشبه الشىء الشىء: ماثله ، وشابهه: أشبه ، تشابه الشيئان: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، والمتشابه: النص القرآنى يحتمل عدة معانى كما فى الوسيط (1).
واصطلاحا: يطلق المتشابه ، ويراد به عدة إطلاقات:
أحدها: وهو ما لم يأت فى القرآن بلفظه البتة ما يقصده علماء القرآن من وقوع النظم الواحد على صور شتى، وتتشابه فى أمور، وتختلف فى أخرى، ومن ثم يطلقون عليه متشابه النظم ، أو متشابه اللفظ ، قال الزركشى: "ويكثر فى إيراد القصص والأنباء، وحكمته التصرف فى الكلام ، وإتيانه على ضروب ، ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكرر(3). ومن أمثلة ذلك قوله تعالى {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل}البقرة:48، مع قوله {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة}البقرة:123 ، وقد عنى بتوجيه هذا اللون من نظم القرآن قلة من المفسرين فى تفاسيرهم ، ومنهم: شهاب الدين محمود الألوسى فى تفسيره المعروف بروح المعانى، وعلامة المغرب الطاهر بن عاشور فى تفسيره الموسوم بالتحرير والتنوير.
كما أفرده بعض العلماء بالتصنيف ، يقول السيوطى "رحمه الله" أفرده بالتصنيف ،خلق: أولهم -فيما أحسب-: الكسائى، ونظمه على بن عبد الصمد السخاوى المتوفى سنة 643هـ فى كتابه "هداية المرتاب فى المتشابه من الكتاب": وهى منظومة تعرف "بالسخاوية"، وألف فى توجيهه الكرمانى فى كتابه "البرهان فى متشابه القرآن" وأحسن منه "درة التنزيل وغرة التأويل" لأبى عبد الله الرازى... وفى كتاب أسرار التنزيل المسمى."قطف الأزهار فى كشف الأسرار" الجم الغفير(3).
ثانيهما: أن يطلق المتشابه صفة مدح لجميع القرآن ، ولفظ المتشابه بهذا المعنى هو الوارد فى قوله تعالى {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها}الزمر:23.
أما تبيان كيف أن المتشابه بهذا الإطلاق نعت كمال لجميع القرآن ، فإنه من الجلى أن صوغ مادة التشابه فى هذه الآية على صورة التفاعل يقضى بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء كلها يشبه بعضه بعضا على ماهو الكثير الغالب فى صورة التفاعل.
وقد بين المفسرون الكمالات التى تتشابه فيها أبعاض الكتاب العزيز، ومن خير وأسد ما فى المقام من عبارات عبارة الزمخشرى، فقد قال فى تفسيرالآية (ومتشابها) مطلق فى مشابهة بعضه بعضا، فكان متناولا لتشابه معانيه فى الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعته الخلق ، وتناسب ألفاظه وتناسقهما فى التخير والإصابة، وتجاوب نظمه ،وتأليفه فى الإعجازوالتبكيت (4).
والتشابه بهذا المعنى الذى يعم جميع القرآن على نحو ما رأينا لا يتنافى بحال مع وصف الإحكام المذكور فى قوله تعالى {كتاب أحكمت آياته...}هود:1 ، والذى يعم هو الآخر القرآن الكريم بأسره ، بل يجب الأخد بكلا الوصفين جميعا فى كتاب الله عز وجل دون أن يأتى كلام الحق فى ذلك باطل من بين يديه أو من خلفه؟ ذلك بأن التناقض إنما يلزم إذا كان بين المادتين فى هاتين الآيتين تقابل التضاد، وكيف وكل منهم صفة مدح لا يمكن أن تدل على ما يضاد الأخرى، وإنما على ما يؤاتيهما ويشد من أزرهما وبانطوائهما معا فى صفته شاهد صدقه وآية تنزيل رب العالمين.
وأما الإحكام فمعناه أن آى القرآن كلها قد نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ ، ولا من جهة المعنى، ولا من جهة الهدف والغاية، أو أنها أحكمت بالحجج والدلائل ، أو جعلت حكمة فنقول حكم إذا صار حكما ، لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية(5) وإذن فالقرآن بهذا المعنى محكم فى تشابهه ، متشابه فى إحكامه على نحو ما ألمحت إليه عبارة الزمخشرى السابقة.
ثالثهما: أن يرد لفظ المتشابه فى القرآن مقولا على بعض منه مخصوص ، مقابلا وقسيما للبعض الآخر الذى يقال عليه وصف المحكم ، وبحيث لا يجتمع هذان الوصفان المتقابلان فى شىء واحد ألبتة، وذلك هو ما جاء فى قوله تعالى {هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}آل عمران:7 ، وهذا المعنى هو الذى ينصرف إليه لفظ المتشابه عند الإطلاق والتجرد من القرينة.
وإن الناظر فى هذين الوصفين المتقابلين واللذين لا يصدق واحد منهما على ما يصدق عليه الآخرمن الكتاب المجيد، ليرى اختلافا عظيما بين العلماء فى تبيان هذا المعنى.
وأمثل ما اختاره المحققون فى شرح حقيقة القسمين الكريمين ما أفصحت عنه عبارة الفخر الرازى، إذ يقول: "اللفظ الذى جعل موضوعا لمعنى: إما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى، وإما أن لا يكون. فإذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص.
وأما إن كان محتملا لغيره فلا يخلو: إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء، فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمى ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا ، وبالنسبة لكل واحد منهما على التعيين مجملا.
فقد خرج من التقسيم الذى ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصا أو ظاهرا أو مؤولا أو مشتركا أو مجملا، أما النص والظاهر فيشتركان فى حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.
وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان فى أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة، فالمجمل إن لم يكن راجحا لكنه غيرمرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه؟ إما لأن الذى لا يعلم يكون النفى فيه مشابها للإثبات فى الذهن ، وإما لأجل أن الذى يحصل فيه التشابه يصير غيرمعلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، فهذا هو الكلام المحصل فى المحكم والمتشابه"(6).
وخلاصة هذا القول أن المحكم ما كان راجح الدلالة على معناه بنفسه (7)، احتمل مرجوحا كالظاهر أو لم يحتمل كالنص ، المتشابه ما ليس كذلك -أى ما كان غير راجح الدلالة بنفسه مرجوحا كان كالمؤول ، أو مستوى الدلالة كالمجمل- وهو كلام سديد، لأن مدار الإحكام على ما تفهمه الآية الكريمة نفسها(8). إنما هو على الوضوح والتعاصى على الزائغ ، وكذلك شأن النص والظاهر اللذين جعل المحكم هو القدر المشترك بينهما، وأن مدار التشابه حسبما صرحته على عون الكلام خفيا ومتبعا للزائغ يبتغى به الفتنة، وإنما يظفر الزائغ بهذه الطلبة فى المجمل والمؤول اللذين جعل المتشابه هو القدر المشترك بينهما كذلك ، ثم إن الناس اختلفت اختلافا عظيما كذلك فى قضية العلم بتأويل المتشابه بهذا الإطلاق هل مقصور على الله تعالى، أو هو بحيث يتأتى للراسخين فى العلم أيضا ، والصواب الثانى ومن أبرز المتشابه بهذا الإطلاق فى القرآن ما يعرف لدى العلماء بآيات الصفات الخبرية، أو متشابه الصفات كالآيات التى جاء فيها ذكر الوجه واليد والجنب والروح والنفس والاستواء والفوقية والرضا والغضب وما إلى ذلك من كل ما فيه نسبة البعض أو العرض إليه تعالى جسمانيا كان ذلك أو نفسانيا.
ومن حكمة ورود المتشابه بهذا الإطلاق فى القرآن والسنة ما ذكره صاحب الكشاف فقال: لو كان كله (يعنى القرآن) محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ولا عرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذى لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به ، ولما فى المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والممتزلزل فيه ، ولما فى تقادح العلماء، وإتعابهم القرائح فى استخراج معاينة، ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة فى كلام الله ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض فى ظاهره وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه ، وتبين مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة فى إيقانه (8).
أ.د/إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، دار المعارف ، ط3، 1 /490.
2- البرهان فى علوم القرآن ، الزركشى، 1 /112.
3- الإتقان فى علوم القرآن ، للسيوطى، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم ، 3 /390.
4- الكشاف للزمخشرى 4 /95.
5- تفسير البيضاوى ص247.
6- مفاتيح الغيب للفخر الرازى 7 /168.
7- هذا القيد لإخراج المؤول فإنه راجح الدلالة على معناه ، ولكن ذلك ليس بنفسه ، بل بسبب الموجب للحمل على المعنى المؤول إليه.
8- الكشاف ، 1 /259.
مراجع الاستزادة:
1- رسالة للدكتوراه "المحكم والمتشابه فى القرآن" إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة.
2- مباحث فى علوم القرآن ، مناع القطان.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:03 PM
المتن

لغة: متن كل شىء، غايته ، وجلد له متن: صلابة وقوة، ومتنت الكبش: إذا شققت جلدة بيضته واستخرجتها ، والمتن: ماصلب وارتفع عن الأرض(1).
واصطلاحا: مرَّ بمرحلتين:
1- الأولى فى بداية القرن الثانى الهجرى، ظهر مصطلح المتن كقسيم للسند فى الصناعة الحديثة، وذلك ضمن كلام لمحمد ابن سيرين المتوفى سنة (110هـ/728م) حين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة ، قالوا: سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظرإلى أهل البدع فلا يؤخد حديثهم (3) وكانوا أحيانا فى تلك الفترة يطلقون على المتن لفظ الخبز والمروى والمتن.
2- وفى القرون المتأخرة فى القرن السابع الهجرى وما بعده ، حاول العلماء أن يضعوا تعريفا محددا للمتن ، ويربطوا بينه وبين المعنى اللغوى، فقال الطيبى المتوفى (743هـ/1343م): المتن: ألفاظ الحديث التى تقوم بها المعانى(3).
وقال ابن جماعة المتوفى سنة (767هـ/1367م): ما ينتهى إليه غاية السند من الكلام (4).
ووجه الترابط بين المعنى الاصطلاحى والمعنى اللغوى السابق ، أنه إما مأخوذ من المماتنة أى المباعدة فى الغاية، لأنه غاية السند، أو من المتن وهو: ما صلب وارتفع من الأرض ، لأن المسند يقويه بالسند ويرفعه إلى قائله ، أو من متنت الكبش إذا شققت جلدة بيضته واستخراجتها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده.
ولقد قسم العلماء المتن إلى ثلاثة أقسام:
1- مرفوع: وهو ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة من قول أو فعل.. مثل: (إنما الأعمال بالنيات)(5)، ويدخل فى المرفوع: المتصل والمنقطع ، والمرسل والمعضل والمعلق.
2- موقوف وهو ما يروى عن الصحابى من أقوال وأفعال وتقريرات ، ونحو ذلك ،فيوقف عليهم لا يتجاوز به إلى الرسول عليه السلام مثل قولى أبى بكر رضى الله عنه عنه (والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه)(6).
3- مقطوع وهو ما جاء عن التابعين فمن دونهم ، موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم مثل قول الحسن البصرى: (رحم الله رجلا لم يغره ما يرى من كثرة الناس ، ابن آدم ، إنك تموت وحدك ،وتدخل القبر وحدك ، وتبعث وحدك. 00)(7).
والفرق بين المقطوع والمنقطع أن المقطوع من أقسام المتن ، والمنقطع من أقسام السند.
أ.د/مصطفى محمد أبو عمارة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور، طبعة دار المعارف ، تحقيق الأستاذ/عبدالله على الكبير وآخرين ، القاهرة ، 5 /4130.
2- صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج النيسابورى، المطبعة المصرية، المقدمة 1 /84.
3- الخلاصة، للطيبى، مطبعة الإرشاد ، 1391هـ ، بغداد ، ص34.
4- المنهل الروى، لابن جماعة، تحقيق محيى الدين عبد الرحمن ، دار الفكر، ط2 سنة 1406هـ ، ص37.
5- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، ط3.
6- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، طبعة عيسى الحلبى 13 /311.
7- الحلية لأبى نعيم ، الطبعة الأولى 1409هـ/1988م دار الكتب العلمية، بيروت ، 2 /155.
مراجع الاستزادة:
1- مقدمة ابن الصلاح ، عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبى نضر الكردى الشهرزورى.
2- تدريب الراوى، السيوطى، ط3 مكتبة الكوثر الرياضى.
3- فتح المغيث للسخاوى.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:03 PM
المحاسبة

لغة: العد والتقدير، وحسن التدبير، ويعرف من يقوم بهذه الأعمال بالحسيب أو المحاسب (1) وفى القرآن الكريم {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}الإسراء:14 ، أى محاسبا ، {والله سريع الحساب}البقرة:202 ، أى لا يشغله حساب أحد عن محاسبة الآخر كما فى اللسان (2).
واصطلاحا: وينصرف معنى المحاسبة فى الفكر الإسلامى إلى مفهومين:
1- المحاسبة الذاتية المعنوية، وهى: أن يحاسب المرء نفسه ، وهو ما أكد عليه عمر بن الخطاب بقوله (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا).
2- المحاسبة المادية، وتعنى المحاسبة على العمليات ذات الصفة العينية والمالية، وتختص بكتابة وقياس الأشياء بغرض الاستفادة منها فى مجالات مختلفة من ضمنها حساب زكوات الأموال.
وقد كانت للدولة الإسلامية فى عصورها الزاهرة نظم محاسبية تساعد المسئولين على إدارة حركة الأموال العامة النقدية والمالية، بحيث تحفظ الأموال وتضبط الغلال فتتحقق رقابة فعالة عليها، وتتم المحاسبة كتابة امتثالا لقوله تعالى {ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}البقرة:282.
أما المحاسبة فى العصر الحديث فتختص بتحديد وقياس الأنشطة المختلفة وتوصيل معلومات عن نتائج تلك الأنشطة إلى من يهمه الأمر بهدف الاستفادة منها فى اتخاذ القرارات.
وتتمثل إجراءات المحاسبة فى:
1- حصر وتجميع البيانات عن الأنشطة المتعددة.
2- تسجيل وتصنيف وتحليل تلك البيانات فى ضوء مفاهيم وأسس معينة، ووفقا للأهداف المرجوة.
3- توصيل المعلومات الناتجة عن التسجيل والتصنيف والتحليل إلى من يريد معرفتها لاستخدامها فى اتخاذ القرارات (3).
وعن أهمية المحاسبة يقول الحريرى "إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق ، وإن قلم المحاسب ضابط ،وإن الحسبة هم حفظة الأموال ، ولولا قلم الحاسب لاتصل التغابن إلى يوم القيامة، ولكان من نظام المعاملات محلولا، وجرح الظلامات مطلولا، وجيد التناصف مغلولا، وسيف التظالم مسلولا"(4).
مما يعنى أنه لولا المحاسبة على حركة الأموال الواردة والمنصرفة وتسجيلها بواسطة المحاسبين ، لما أمكن معرفة نتيجة النشاط من مكسب أو خسارة، ولما وجدنا نظاما سليما للمعاملات أو لإظهار الحقوق ، أو لمنع الظلم.
أ.د/حمدى عبدالعظيم



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، دار التحربر للطبع والنشر، 1980م ، القاهرة ، ص149.
2- لسان العرب ، ابن منظور ، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1 /864-865.
3- محاسبة الزكاة مفهوما ونظاما وتطبيقا ، د/حسن شحاته ، الاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية ، القاهرة ، ص83-85.
4- نظام المحاسبة لضريبة الزكاة والدفاتر المستعملة فى بيت المال ، شوقى شحاتة ، رسالة ماجستير مقدمة لكلية التجارة ، جامعة فؤاد الأول ص154 سنة 1950م.
مراجع الاستزادة:
1- موسوعة المصطلحات الاقتصادية، د.حسن عمر، دار الفكر العربى القاهرة 1996.
2- المعجم الاقتصادى الإسلامى ، أحمد الشرباصى، دار الجيل ، القاهرة، 1981.
3- قاموس المصطلحات الاقتصادية، د/راشد البراوى، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:03 PM
المحدث

لغة: اسم فاعل من التحديث مأخوذ من حدث يحدث فهو محدث ، وهو وصف لمن يشتغل بالحديث ويقضى وقته فى دراسته (1).
واصطلاحا: فقد مر هذا المصطلح بعدة مراحل: فكان فى بداية أمره ، وصفا لمن تصدر لرواية الحديث مطلقا،. وفى القرن الثانى الهجرى، ظهر الكلام على رواة الحديث ، وأصبح للحديث الواحد طرق متعددة، واختلفت ألفاظ الحديث الواحد ، تبعا لاختلاف الطرق ، وظهر بين العلماء من يجيد تمييزالطرق ،ونسبة كل لفظ إلى طريقه ، فأمثال هؤلاء جديرون بأن يطلق عليهم لقب "محدث" وقد نالوا احترام الناس الذين يشتغلون بالحديث.. قال الإمام البخارى: ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين (2).
وكان بعضهم يطلق لقب "محدث" على الحافظ.
ونسب إلى الزركشى القول بأن الفقهاء، كانوا يطلقون لقب "محدث" على من حفظ الحديث وعلم عدالة رجاله أو جرحهم ، دون المقتصر على السماع (3).
وفى القرن الثامن الهجرى، حاول العلماء أن يضعوا ضوابط للقب "محدث" فقد سئل الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس المتوفى سنة (734هـ/1334م) عن المحدث فقال: المحدث فى عصرنا: من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع بين رواته ، واطلع على كثير من الرواة والروايات فى عصره ، وتميز فى ذلك ، عرف فيه حفظه ، واشتهر فيه ضبطه (4).
ووصفه بعض العلماء بقوله: إنه الذى قرأ، وكتب ، وسمع ، ووعى، ورحل إلى المدائن والقرى، وحصل أصولا، وعلق فروعا من كتب المسانيد والعلل والتواريخ التى تقرب من ألف تصنيف (5).
ومن ذلك يتبين لنا أن لقب المحدث هو وصف لمن يشتغل بدراسة السنة دراسة علمية دقيقة، وهو ما يعرف اليوم بلغة العصر الحاضر: التخصص الدقيق.
فكل من اهتم بدراسة الأسانيد والعلل ، وأسماء الرجال ، والعالى والنازل من الأسانيد ،وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون ، مع العلم بما يجب كونه عليه من الضبط ، أو التيقظ ، والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه ، والتحرز من أن يدخل عليه ما لم يسمعه ، مثل هذا جدير بلقب "محدث" على أن هناك طائفة أخرى توصف بأنها "أهل الحديث" وهم الذين يهتمون بمعرفة دلالات الألفاظ ، وكيفية الاستنباط من النصوص مع تقديمها على الرأى، وإن لم تكن لهم إحاطة بالطرق والرجال.
أ.د/مصطفى محمد أبو عمارة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، ط3 القاهرة 1 /166.
2- صحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابورى، طبعة كتاب التحرير ط1 ، 1383هـ ، القاهرة ، ط1.
3- تدريب الراوى، السيوطى، مكتبة الكوثر بالرياض ، 1417هـ ، ط3 ، 9 /58.
4- المرجع السابق 1 /31.
5- مقدمة السيوطى لتدريب الراوى ص37،38.
مراجع الاستزادة:
1- فتح المغيث ، للسخاوى.
2- الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع ، للخطيب البغدادى.
3- نزهة النظر لابن حجر.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:04 PM
المحراب

لغة: الغرفة، وصدر البيت أو المجلس وأكرم موضع فيه ، والموضع الذى ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس. (لسان العرب).
وجاءت اللفظة فى القرآن الكريم بصيغة المفرد فى قوله تعالى {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا}آل عمران:37 ، وكذلك فى (آل عمران:39) (مريم:11)(ص:21).. ومعنى المحراب هنا: الحجرة التى فى مقدمة المعبد.
وجاءت اللفظة بصيغة الجمع (محاريب) فى قوله تعالى {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب}سبأ:13.
وفسرت المحاريب فى هذه الآية بالقصور، والمساجد يتعبد فيها.
واصطلاحا: علامة القبلة فى جدار المسجد ، وجرت العادة أن تكون فى وسط جدار القبلة.
وكانت القبلة عند بناء مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة أولا فى الجدار الشمالى نحو المسجد الأقصى ، ثم أمر النبى صلى الله عليه وسلم فى السنة الثامنة من الهجرة أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام ، ومن ثم نقلت القبلة من الجدار الشمالى إلى الجدار الجنوبى، وهكذا
صارت قبلة جميع المساجد فى الجدار الموجه نحو المسجد الحرام فى مكة المكرمة، يقول الله تعالى {قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره}البقرة:144.
ولم ليكن المحراب فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم مجوفا بل كان مسطحا تسطح الجدار نفسه ،ولكنه كان محددا ومعلما، وظل فى مكانه بعد توسعة المسجد فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم فى السنة السابعة بعد الهجرة، وكان من جراء ذلك أن صار أقرب إلى الجدار الشرقى منه إلى الجدار الغربى ، وذلك لأن توسعة المسجد نحو الغرب كانت أطول من توسعته نحو الشرق.
وفى خلافة عمر بن الخطاب نقل جدار القبلة نحو الجنوب بمقدار خمسة أمتار تقريبا، ومن ثم نقل مكان المحراب إلى الجدار الجديد، ولكن على نفس المحور.
وحدث الشىء نفسه فى خلافة عثمان بن عفان حين نقل جدار القبلة إلى الجنوب نحو خمسة أمتار أخرى، وبذلك صار فى موضعه الحالى. ومع ذلك فقد ظل مكان محراب النبى صلى الله عليه وسلم الأول موضع حفاوة المسلمين الذين يحرصون على الصلاة والدعاء أمامه ، وقد أقيم فى المكان نفسه محراب بعيد عن الجدارالحالى على يد السلطان المملوكى قايتباى.
وقد ظل المحراب مسطحا إلى أن أجرى الوليد بن عبدالملك عمارته فى مسجدالنبى صلى الله عليه وسلم سنة 88هـ ، حين أمر بإعادة بنائه ،وتجديده تجديدا شاملا، ففى هذه العمارة أدخلت فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم وحدة معمارية جديدة هى المحراب المجوف ،وكان ذلك إيذانا بانتشاره بعد ذلك فى المساجد.
وقيل كثيرمن الآراء بشأن الحكمة من المحراب المجوف ،منها: أنه يفيد فى تعيين اتجاه القبلة، وفي تحديد مكان الإمام عند الصلاة، وفى توسيع طاقة المسجد بما يقرب من صف من المصلين فى الصلاة الجامعة، ويساعد على تجميع صوت الإمام وتكبيره ، وإيصاله للمصلين الذين يوليهم ظهره أثناء الصلاة، لا سيما قبل اختراع مكبرات الصوت.
ونال المحراب عناية مؤسسى المساجد الجامعة من حيث العمارة والزخرفة، وإقامة المنبر إلى يمينه ، وتزويده بمقصورة، والحفاوة بالبلاطة التى تليه ، التى عرفت ببلاطة المحراب ، وبالبلاطة المؤدية إليه من الصحن والتى أطلق عليها أحيانا المجاز القاطع.
وكان المحراب فى بعض الأحيان يكتنفه عمودان من الرخام يحملان عقدا ويسقف أعلاه بنصف قبة تعرف بطاقية المحراب كانت تزين بالمقرنصات ، وقد يكسى المحراب ، بالجص المزخرف بالحفر البارز والغائر، أو بالرخام والمرمر، أو ببلاطات القاشانى، أو بالفسيفساء الرخامية أو الخزفية أو الزجاجية المشكلة بالحليات الهندسية والنباتية المحورة، وكان يكرم بالآيات القرآنية المناسبة لوظيفته.
وتتعدد المحاريب فى بعض المساجد، ومن ذلك مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة ، إذ يشمل على خمسة محاريب بالإضافة إلى المحراب الرئيسى فى منتصف جدار القبلة، ومن هذه المحاريب أربعة محاريب مسطحة من
الجص على بعض دعائم المسجد فى رواق القبلة.
هذا.. ولم تقتصر المحاريب على المساجد، بل وجدت أيضا فى الخانقاوات والمدارس والأضرحة وغيرها من الأماكن التى تقام بها الصلاة، أو يحتاج فيها إلى تعيين موضع القبلة.
إضافة إلى ذلك عرفت محاريب غير ثابتة يمكن نقلها من مكان إلى آخر عند الضرورة، فمثلا فى فصل الصيف الحار كانت تنقل إلى صحن المسجد، وكانت هذه المحاريب تصنع من الخشب ، وكان يعتنى بزخرفتها، ومن أمثلة هذه المحاريب محراب السيدة رقية بمتحف الفن الإسلامى بالقاهرة 533هـ.
هذا واستخدم شكل المحراب عنصرا زخرفيا فى العمارة الإسلامية ولا سيما فى المقرنصات. وليس من شك فى أن المحاريب تعد من أقيم الآثار الإسلامية سواء من حيث القيمة الروحية، أو من حيث الأهمية المعمارية والزخرفية، ومن المحاريب التى تتمثل فيها أساليب العمارة والزخرفة الإسلامية:
- محراب قبة المنصور قلاوون بشارع المعز لدين الله بالقاهرة.
- محراب الجامع الأزرق بشارع باب الوزير بالقاهرة.
- محراب مسجد ابن طولون بالقاهرة.
- محراب مدرسة قجماس الإسحاقى بشارع الدرب الأحمر بالقاهرة.
- محراب جامع محمد على بقلعة صلاح الدين بالقاهرة.
- محراب مسجد نابين بإيران (من القرن الرابع الهجرى).
- محراب مسجد ميدان فى قاشان بإيران.
- محراب ضريح بابا قاسم فى أصفهان بإيران.
- محراب المسجد الجامع بصنعاء اليمن.
- محراب جامع قرطبة من عهد الخليفة الحكم.
أ.د/حسن الباشا



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- تاريخ المساجد الأثرية. حسن عبد الوهاب.
2- موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية أ.د/حسن الباشا.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:04 PM
المدارس

تعتبر المدارس فى الإسلام امتدادا للمساجد، فكان المسلمون فى عصورهم
الأولى يتوسعون فى مهمة المسجد، فاتخذوه مكانا للعبادة ومعهدا للتعليم ، ودارا للقضاء، وساحة تتجمع فيها الجيوش ، ومنزلا لاستقبال السفراء.
وقد ميز الجامع عن المسجد بأن الجامع هو الذى يجتمع فيه الناس لصلاة الجمعة أو الجماعة، أما المسجد فهو مكان الصلاة ولو كان حجرة خاصة بالمنزل.
وقد اشتهر من بين الجوامع الإسلامية ثلاثة هى:
1- جامع المنصور ببغداد، وقد كان هذا المسجد قبلة أنظار الأساتذة والطلاب ، ومن أشهر العلماء الذين جلسوا للتدريس فيه الخطيب البغدادى والكسائى والفراء(1).
2- جامع دمشق ، وكان للمالكية به زاوية للتدريس فى الجانب الغربى، وللشافعية مدرسة على يمين الخارج من باب البريد، وهناك كذلك مقصورة برسم الحنفية يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون (2).
3- جامع عمرو بن العاص: وقد بنى هذا الجامع سنة 21هـ فهو أقدم جامع فى قارة إفريقية، ومن العلماء الذين جلسوا. للتدريس به سليمان بن عتر التجيبى، وقد سجل المقريزى بعض تفاصيل عن أهم الزوايا العلمية بهذا المسجد، وهى زاوية الإمام الشافعى، والزاوية المجدية والزاوية الصاحبية، ومن أشهر العلماء الذين جلسوا للتدريس فيه الإمام محمد بن جرير الطبرى(3).
أما العلوم التى كانت تدرس فى المسجد فكثيرة أهمها: العلوم الدينية، والعلوم اللغوية، والأدبية، ومبادئ علم الكلام ، والعروض ، وعلم الطب ، والميقات (الفلك).
وقد انتقل التعليم من المساجد إلى المدارس بسبب ما يحدثه التدريس من أصوات ومناقشات تحدت قليلا أو كثيرا من الضوضاء التى تؤثرعلى ما يلزم من وقار الصلاة وخشوعها ، ثم إن العلوم تطورت بتطور الزمن فأصبح الجدل والمناظرة من العلوم المهمة مع ما يحدثه من أصوات تتناقض مع ما يحتاجه المسجد من هدوء وجلال.
وهناك فروق واضحة بين المدرسة والمسجد هى:
1- فى المدرسة يعين المدرس وذلك بخلاف معلمى المساجد.
2- وجود الإيوان بالمدارس وهو الاسم الذى يرادف قاعة المحاضرات ولم يوجد فى المسجد باستثناء المساجد الكبرى التى تهتم بالتعليم.
3- كان عدد التلاميذ محددا فى المدرسة بخلاف حلقة المسجد التى كانت مفتوحة لمن يجلس فيها(4).
أما أقدم المدارس الإسلامية فهى مدارس الوزير العظيم نظام الملك الذى وزر لألب أرسلان وملكشاه ،وسميت هذه المدارس النظامية نسبة لنظام الملك ،وكانت هذه المدارس كثيرة لم تخل منها مدينة أو قرية.
واقتفى نور الدين زنكى أثر نظام الملك فأنشأ المدارس فى الشام. وسار صلاح الدين الأيوبى وأفراد أسرته على هذا النهج فأنشأوا المدارس فى مصر.
أ.د/أحمد شلبى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- تاريخ بغداد الخطيب البغدادى.
2- معجم الأدباء ياقوت الحموى 1 /255.
3- الخطط والآثار المقريزى 2 /246 وما بعدها.
4- الروضتين فى ذكر أخبار الدولتين أبو شامة 1 /189.
مراجع الاستزادة:
1- تاريخ التربية الإسلامية موسوعة التاريخ الإسلامى أحمد شلبى، ج5.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:04 PM
المذاهب (الفقهية)

لغة: ذهب مذهب فلان: قصد قصده وطريقته ، وذهب فى الدين مذهبا: أى رأى فيه رأيا (1).
واصطلاحا: لا يخرج المعنى الاصطلاحى عن ذلك المعنى اللغوى.
وحكم الاجتهاد فى الإسلام مشروع ، فقد اجتهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما لم يجدوا فيه نصا، وكذلك اجتهد التابعون ومن بعدهم فى الحوادث التى عرضت لهم مما لم يجدوا فيه نصا من الكتاب أو السنة فنشأ عن هذا الاجتهاد اختلاف فى الرأى، ثم زاد هذا الاختلاف بعد الفتنة التى أدت إلى مقتل سيدنا عثمان ثم الإمام على رضى الله عنهما، فكان أن انقسم المسلمون إلى طوائف ثلاثة: شيعة، وخوارج وأهل السنة.
وكان السبب الرئيسى لاختلافهم هو الخلافة والأحق بها، وما صاحبها من التحكيم فى النزاع بين الإمام على ومعاوية فكان لكل طائفة رأى يخالف رأى غيرها، وحاولت كل فرقة أن تعمل لنصرة مبادئها، فتولد عن ذلك اختلاف آخر فى بعض الأحكام العملية ، مما أدى إلى وجود فقه للخوارج وآخر للشيعة، وثالث لأهل السنة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى وجود اختلاف بين كل طائفة ، فتعددت المذاهب الفقهية.
والمذاهب الفقهية كثيرة ومتعددة منها ما اشتهر وكتب له البقاء، ومنها ما لم تدون فيه مراجع خاصة به كمذهب الإمام الليث بن سعد ، والإمام ابن جرير الطبرى، والإمام الأوزاعى وغيرهم ، أما المذاهب المشهورة والتى لها ذيوع وانتشار فهى ثمانية مذاهب وهى: المذهب الإمامى والمذهب الزيدى وهما لطائفة الشيعة، والمذهب الإباضى وهو لطائفة الخوارج ، والمذهب الظاهرى، ومذاهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهى لأهل السنة والجماعة. (3).
والمذهب الشيعى الإمامى وهو لبعض الشيعة، وهم الذين يعتقدون أن الرسول أوصى بالخلافة لعلى بالذات ثم من بعده لولده ، وأن الأئمة معصمون من الخطأ... الخ ، فهم يختلفون مع أهل السنة فى كثير من الفروع والأحكام ، فضلا عن إنكارهم القياس وينتشر هذا المذهب فى إيران والعراق ، والهند(4).
والمذهب الشيعى الزيدى: فهو لطائفة ينتسبون إلى زيد بن على زين العابدين بن الحسين ، ومن مبادئهم أن الإمامة لا تكون بالنص عليها -كما يقول الإمامية- وإنما تكون لكل فاطمى عالم زاهد شجاع فى الحق. والزيدية أعدل فرق الشيعة فى تعاليمها ، ومع ذلك فقد خالفوا فقه أهل السنة فى كثيرمن الفروع والأحكام ،ولهم كتب كثيرة منها المجموع المنسوب للإمام زيد ، وشرحه الروض النضير، وأتباع هذا المذهب موجودون الآن فى بلاد اليمن ، وقد تشعب هذا المذهب إلى شعب منها: القاسمية والناصرية والهادويه (5).
والمذهب الإباضى: وهو مذهب طائفة معتدلة فى الخوارج وهو منسوب إلى عبد الله بن إباضى الذى توفى سنة 80هـ ، وهم يرون أن الخلافة تكون بالاختيار الحر من المسلمين ،وهذا المذهب يتفق فى كثيرمن الفروع مع أهل السنة، وإن خالفوهم فى بعض الأحكام ، ومن أهم كتب هذا المذهب كتاب شرح النيل وشفاء العليل لمحمد بن يوسف بن أطفيش ، وينتشرهذا المذهب فى بعض بلاد المغرب العربى، وكذلك سلطنة عمان (6).
والمذهب الظاهرى: ومؤسسه أبو سليمان داود بن على الأصفهانى، وهذا المذهب يعتمد على ظواهر النصوص من القرآن والسنة، ويترك كل أنواع الرأى والقياس ، ومن علماء هذا المذهب أبو على محمد بن حزم ، والذى له كتاب "المحلى" فى الفقه ، وكتاب "الإحكام فى أصول الأحكام" فى أصول الفقه.(7)
المذهب الحنفى: هو من مذاهب أهل السنة أسسه الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة 150هـ ، ويعتمد هذا المذهب على الكتاب والسنة والإجماع ، وقول الصحابى فيما ليس للاجتهاد فيه مجال ثم القياس والاستحسان ، وهذا المذهب له كتب كثيرة مشهورة ومعروفة، وينتشر هذا المذهب فى العراق وسوريا وباكستان وأفغانستان وتركيا ومصر(8).
المذهب المالكى: ومؤسسه إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحى المتوفى سنة 179هـ ، ويعتمد هذا المذهب أيضا على الكتاب والسنة والإجماع ، والقياس ، وعمل أهل المدينة، والعمل بالمصالح المرسلة. وهذا المذهب أيضا له كتب كثيرة ومشهورة، وينتشر فى صعيد مصر والسودان والكويت وقطر والبحرين وبلاد المغرب العربى كلها(9).
المذهب الشافعى: وهو من مذاهب أهل السنة أيضا، أسسه الإمام محمد بن إدريس الشافعى المتوفى سنة 204هـ ، ويعتمد هذا المذهب على الكتاب والسنة والإجماع ، فقول الصحابى ثم القياس ، وللإمام الشافعى كتاب فى الفقه وهو "الأم" وكتاب آخر فى الأصول وهو "الرسالة" ويعد به الشافعى أول من دون فى علم الأصول وكتب المذهب كثيرة، وينتشر بالوجه البحرى بمصر وفلسطين وحضرموت وأندونيسيا(10).
المذهب الحنبلى: وهو من مذاهب أهل السنة، أسسه الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المتوفى سنة 241هـ ، ويعتمد هذا المذهب على الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة المتفق منها والمختلف ، فالحديث المرسل ،فالقياس ، ولهذا المذهب كتب كثيرة مشهورة وينتشر هذا المذهب فى السعودية.
أ.د/على مرعى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المصباح المنير للفيومى مادة (ذهب).
2- المدخل فى التعريف بالفقة الإسلامى أ.د/محمد مصطفى شلبى ، ط1 ، مطبعة دار التأليف سنة 1962م ص121 ، تاريخ الفقه الإسلامى د/محمد أنيس عبادة، ط1 دار الطباعة المحمدية 2 /4 ومابعدها.
3- المدخل فى التعريف د/محمد مصطفى شلبى، من ص121-164.
4- المدخل للفقه الإسلامى د/حسن على الشاذلى ص402 ط1 دار الاتحاد العربى.
5- السابق ص408 وما بعدها ، تاريخ التشريع الإسلامى د/إبراهيم الدسوقى الشهاوى ط1 الطباعة الفنية المتحدة ص226 وما بعدها.
6- المدخل فى التعريف د/محمد مصطفى شلبى، ص123 والسابق ص238 ومابعدها.
7- المدخل للفقه الإسلامى د/حسن على الشاذلى، ص399.
8- الفكر السامى فى تاريخ الفقه الإسلامى لمحمد بن الحسن الحجوى الثعابى ط1 إدارة المعارف الرباط 2 /119 ومابعدها.
9- السابق: 2 /155 ومابعدها.
10- السابق 2 /172 ومابعدها، تاريخ الفقه د/محمد أنيس عبادة ص26 ومابعدها.
11- المدخل فى الفقه الإسلامى د/محمد مصطفى شلبى ص158، ص160 ، المدخل للفقه الإسلامى د/حسن على الشاذلى ص393 ومابعدها.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:05 PM
المسجد(الجامع)

المسجد مبنى أسس خصيصا لتقام فيه الصلاة، وورد اللفظ بهذه الدلالة فى القرآن الكريم: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه}التوبة:108 ، ويقال له أيضا الجامع ، واختص الأزهر بذلك فقيل: الجامع الأزهر.
وعمارة المسجد من أفضل القربات إلى الله ، يقول النبى صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا فى الجنة)(1). ولم تقتصر وظيفة المسجد فى أول الأمر على الصلاة بل كان المسجد أيضا مركز الحكم والإدارة والدعوة والتشاور، كما كان محل القضاء والإفتاء والعلم والإعلام ، وغير ذلك من أمور الدين والدولة، ومن ثم علت منزلة المسجد عند المسلمين. وظهرت هذه المهام فى المسجد النبوى الشريف فى المدينة المنورة الذى خطط بحيث يناسب تصميمه إقامة شعائر الصلاة بصفة خاصة ، ومن ثم صار تصميمه أساسا لتصميم المساجد الجامعة التى كانت تقام فيها صلاة الجمعة بالإضافة إلى الصلوات الخمس ولا سيما فى القرون الأربعة الأولى بعد الهجرة، كما صار أهم الطرز المعمارية لبناء المساجد فى العصور والأقطار الإسلامية المختلفة.
ويتألف هذا الطراز بصفة عامة من فناء أو صحن مكشوف ذى تخطيط مربع أو مستطيل تحيط به فى جوانبه الأربعة ظلات اصطلح على تسميتها أحيانا بالأروقة، وأكبرها رواق القبلة، وتقوم الأروقة على أعمدة أو دعائم قد تعلوها عقود، ومن أشهر المساجد التى بنيت حسب هذا الطراز: جامع القيروان ، والمسجد الجامع بقرطبة، ومسجد القرويين بفاس والمسجد الجامع بسامراء، ومسجد ابن طولون بالقاهرة.
ثم ظهر طراز ثان لبناء المساجد ربما تطور عن تصميم المدرسة، وهو يشتمل على صحن أوفناء مربع قد يكون مكشوفا أومسقوفا تحيط به أربعة إيوانات فى شكل متعامد أكبرها إيوان القبلة، وسقف الإيوان عادة على شكل قبوة ترتكز على جدران الإيوان.
ونشأ هدا الطرازفى إيران ، ومن المحتمل أنه تطور عن الطراز الأول الذى كانت المساجد المبكرة فى إيران تشيد على نمطه كما يتضح فى مسجد دمغان الذى يرجع إلى القرن الثانى بعد الهجرة (حوالى منتصف القرن الثامن الميلادى) وكذلك فى جامع نايين الذى شيد فى القرن الرابع الهجرى(10م) ثم تطور هذا الطراز فى إيران ، وذلك بتزويد رواق القبلة بقبة، وظهر ذلك فى جامع أصفهان.
ومن أمثلة المساجد ذات الإيوانات الأربعة فى مصر مسجد آل مالك الجوكندار بالقاهرة (719هـ/1319م)، ومسجد جانى بك الأشرفى بالمغربلين بالقاهرة (830هـ/1426م)، ومسجد القاضى يحيى زين العابدين بشارع الأزهر (848هـ/1444م)، ومسجد قجماس الإسحاقى بالدرب الأحمر بالقاهرة (885هـ/1480م).
وفى العصر العثمانى ظهر طراز جديد لعمارة المساجد مشتق من تصميم أيا صوفيا باستانبول ، ومتأثر فى الوقت نفسه بطراز المساجد السلجوقية فى آسيا الصغرى، وفى هذا الطراز كان المسجد يسقف بقبة كبيرة تحف بها قباب صغيرة أو أنصاف قباب ،ويقام فى كل ركن من أركانه الأربعة مئذنة ممشوقة عالية مسننة القمة، ويتقدمه صحن فسيح مستطيل ربما تحف به أروقة ذات بلاطة واحدة. وانتشر هذا الطراز فى مختلف أنحاء الدولة العثمانية ، ومن نماذجه:
جامع بايزيد ، وجامع سليمان ، والسلطان أحمد فى إستانبول ، ومسجد الملكة صفية ومسجد أبى الذهب ، ومسجد محمد على بالقاهرة.
ويزود المسجد عادة بمئذنة أو أكثر، ومن أهم أثاثاته منبر على يمين المحراب الذى يعين اتجاه القبلة، ودكة المبلغ فى رواق القبلة، وميضأة فى وسط الصحن عادة، وقد يلحق بالمسجد ضريح أو منشآت أخرى، واشتملت بعض المساجد الجامعة التى كان يدرس بها على أروقة لإقامة الطلاب الغرباء مثل الجامع الأزهر.
أ.د/حسن الباشا



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- صحيح البخارى صلاة65.
مراجع الاستزادة:
1- مساجد القاهرة ومدارسها أحمد فكرى.
2- العمارة العربيةفريد شافعى.
3- فنون الترك وعمائرهم ترجمة أحمد عيسى.
4- المساجد الأثرية حسن عبد الوهاب.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:05 PM
المصالح المرسلة

لغة: المصالح: جمع مصلحة، وهى المنفعة، والمصلحة كالمنفعة وزنا ومعنى، فالمراد بها لغة: جلب المنفعة، ودفع المضرة، والمرسلة: أى المطلقة(1).
واصطلاحا: عبارة عن المصلحة التى قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ، ونفوسهم ، وعقولهم ، ونسلهم ،وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها(2).
فهذا التعريف صرح بأن المصلحة: هى جلب منفعة مقصودة للشارع الحكيم ،وإن كان لم يصرح بأن دفع الضرر من المصلحة أيضا، إلا أن تعريفه ينوه به ويلزم منه(3).
وقد عرفها الآمدى فقال: هى مصلحة لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء(4). ولذلك سميت مرسلة.
وتنقسم المصالح من حيث مقصودالشارع إلى ثلاث(5):
1- ضرورية: وهى التى ترجع إلى حفظ النفس ، والعقل ، والما ل ، والدين ، والعرض ،والنسب ،وإذا اختل منها أمر اختلت المعايش به ، وعمت الفوضى.
2- حاجية: وهى الأمور التى تقتضيها سهولة الحياة، أوما أدى إلى حرج كبيرمن غير خوف على فوات ما سبق من المصالح الستة.
3- تحسينية: وهى الأمورالتى تجعل الحياة فى جمال ، ومرجعها إلى تهذيب الأخلاق وتحسين الصورة والمعاملات.
وتنقسم المصالح من حيت اعتبار الشارع لها أو عدمه - أيضا - إلى ثلاث:
1- المصالح المعتبرة شرعا: كما سبق فى المصالح الست الكلية.
2- المصالح الملغاة شرعا: كمصلحة آكل الربا فى زيادة ماله ، ومصلحة المريض أو من ضاقت معيشته فى الانتحار ونحوها.
3- المصالح المرسلة: وهى المقصودة فى هذا البحث ، وهى مصلحة لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا بإلغاء.
ومما ذكره الأصوليون كمثال للمصالح المرسلة: جمع القرآن فى مصحف واحد، والقول بقتل الجماعة بالواحد، وتضمين الصناع ، وضمان الرهن ، واتخاذ السجون ،وغيرها من المسائل التى لا يوجد فيها نص و لا إجماع.
وهى محلها لا تصلح مثالا للمصلحة المرسلة ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يترك مصلحة إلا وقد نص عليها جنسا كالكليات الست ، أو على أنواعها أيضا ، ومصالح هذه المسائل المذكورة وغيرها مشروعة جنسا، وليس شىء منها مرسلا.
فجمع القرآن فى مصحف واحد لمصلحة حفظ الدين وهى مشروعة، وقتل الجماعة بالواحد لمصلحة حفظ النفس وهى مشروعة، وتضمين الصناع لمصلحة حفظ الأموال وهى مشروعة، وكذا ضمان الرهن ، والأمثلة الباقية كلها تندرج تحت المصالح المعتبرة شرعا ضرورة أو حاجة أو تحسينا كما سبق ،ولايتصور خروج شىء منها أصلا(6).
ولكن يمكن أن نمثل للمصلحة المرسلة، وهى التى لم يشهد الشرع لها بالاعتبار أو بالإلغاء بجواز الضرب فى التهمة، فقد جوز هذا جماعة من الفقهاء، وهى مصلحة مرسلة عن الدليل الجزئى من الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، وكذا مرسلة عن الأصل الكلى، فنصوص الشريعة على إجمالها لا تجوز هتك حرمة المسلم ، بأن تمتهن كرامته ويضرب لمجرد اتهامه فى حادث من الحوادث.
فالمقصود بالمصالح المرسلة هى التى أرسلت عن الدليل الجزئى من الأصول الشرعية المتفق عليها، ومن الدليل الكلى الذى يؤول بدوره إلى مفهوم النص والإجماع ، وعموما فقد اشترط الأصوليون شروطا للمصلحة حتى تقبل ويعمل بها، ومن هذه الشروط(7):
1- أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشارع بحيث لا تنافى أصلا من أصوله ولا تعارض نصا أو دليلا من أدلته القطعية.
2- أن تكون معقولة، فى ذاتها ، جرت على الأوصاف المناسبة المعقولة التى يتقبلها العاقل ، بحيث يكون ترتب الحكم عليها مقطوعا لا مظنونا، ولا متوهما.
3- أن تكون تلك المصلحة عامة للناس ،وليس اعتبارها لمصلحة فردية أو طائفية معينة ، لأن أحكام الشريعة للتطبيق على الناس جميعا.
ومن نافلة القول أن أذكر بأن هذه المسألة - المصالح المرسلة - من الأدلة الشرعية المختلف فيها، فقد قال بها جماعة من الأصوليين كالمالكية وغيرهم ، ومنعها جماعة آخرون كالشافمية ومن لف لفهم.
أ.د/على جمعة محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية 1/ 520 لسان العرب لابن منظور 4/ 2479 دار المعارف.
2- المحصول فى علم الأصول للفخر الرازى تحقيق د/طه جابر العلوانى (2/ 220) جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
3- الاجتهاد فيما لا نص فيه د/الطيب خضرى السيد 2/ 53 مكتبة الحرمين بالرياض 1983م.
4- الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى 3/ 290 مؤسسة الحلبى 1967م.
5- تيسير الأصول لحافظ ثناء الله الزهدى ص305 ومابعدها دار ابن حزم بيروت ، تيسير أصول الفقة ، لمحمد أنو البدخشانى ، ص156 طبعة كراتشى بباكستان 1990.
6- تيسير الأصول للزاهدى ص306، 307.
7- تيسير الأصول للزاهدى ص307، 308 ، تيسير أصول الفقه للبدخشانى ض 156-157 ، الأصوليون والمصالح المرسلة ، د/محمد إبراهيم الدهشورى ، ص41 وما بعدهاسنة 1996م.
مراجع الاستزادة:
1- المصالح المرسلة د/محمد عبد الكريم حسن دار النهضة الإسلامية بيروت الطبعة الأولى 1995م.
2- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق فى علم الأصول للإمام الشوكانى تحقيق د/شعبان محمد إسماعيل 2/ 264 وما بعدها دار الكتب الطبعة الأولى 1993م.
3- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الغرناطى تحقيق د/محمد المختار الشنقيطى ص405 وما بعدها مكتبة ابن تيمية ، الطبعة الأولى 1414هـ.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:05 PM
المصحف

لغة: أصحف الكتاب: جمعه صحفا(1).
واصطلاحا: عنوان على الطراز المخصوص المتمحض للقرآن الجامع لجميع أطرافه بين دفتيه.
وقد بدأت الكتابة للقرآن مبكرة فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وبأمر منه فكان له كتاب معروفون ،يأمرهم بكتابة كل ما ينزل عليه من القرآن فيكتبونه بين يديه ، قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى: "وروى أحمد وأصحاب السن الثلاثة وصححه ابن حبان والحكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتى عليه الزمان ينزل من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشىء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول هذا فى السورة التى يذكر فيها كذا"(2).
وكانوا يكتبون على ما اتفق لهم وما تيسر من الحجارة والعظم وجريد النخل وقطع الجلد وما إلى ذلك(3)وكذلك توفرت همم الصحابة رضى الله عنهم على كتابته لأنفسهم ، ومما يجدر التنبيه إليه أن حديث عثمان السابق كما يفيد أنه كان له صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون له ما يتنزل عليه من نجوم القرآن ،فكذلك يفيد أنه كان يأمرهم - عند وقوفه على الترتيب أن يرتبوا النجوم فى مواضعها من السور "بل ذاك صريح الدلالة من منطوقه. وهذا هو عين المقصود أيضا من التأليف فى الرقاع فى قول زيد بن ثابت. قال الزركشى رحمه الله (أسند البيهقى فى كتاب "المدخل" و "الدلائل" عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن ، زاد فى "الدلائل" نؤلف القرآن فى الرقاع ، قال: وهذا يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة فى سورها وجمعها، وفيها بإشارة النبى صلى الله عليه وسلم وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".(4).
وبطبيعة الحال لم يكن ممكنا - مع هذا الترتيب للآيات - ترتيب ما كان يكتب فيه عن الأشياء المتنوعة المختلفة حجما وكيفا بحيث يمكن وضعها بين دفتين كأوراق الكتاب الواحد، بل بقيت تلك الأشياء بحكم طبيعتها مفرقة غير مرتبة. وإلى جانب هذه الضرورة التى حالت وقتئذ دون كتابة القرآن فى مصحف واحد جامع لجميع أطرافه ، كانت ضرورة أخرى تمثلت فى أن القرآن قد استمر نزوله نجما فنجما منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قريب جدا من ؤفاته. فلم يكن يمكن - والحال هذه - قيام المصحف الجامع ، وضرورة ثالثة تمثلت فيما سبق التنبيه إليه من كتابة نجوم القرآن مرة متفرقة حسب نزولها، ومرة مرتبة عند الوقوف على الترتيب ، ورابعة تتمثل فى احتمال وقوع نسغ فيحتاج الأمر معه إلى محو المنسوغ ، ثم إلى إثبات الناسخ إن كان النسخ إلى بدل.
أما الباعث على كتابة القرآن وقتئذ مع كون النبى صلى الله عليه وسلم بين ظهرانى القوم يحفضه ويدارسه إياه جبريل ، كما حفظه -ولو من حيث الجملة - العدد الكثير من أصحابه ، فهو بذل أقصى العناية فى المحافظة عليه والتوثق لسلامة نصه جملة وتفصيلا من أى تحريف.
لا ثم كان العهد البكرى ومافيه من حروب الردة فخشى عمر رضوان الله عليه أن تفنى تلك الحروب الكثير من قراء القرآن وحفاظه ، فيضيع شىء منه ، أو تذهب الثقة به بانخرام تواتره. ولاسيما مع عسر الرجوع فيه إلى ما كتب عليه من الأشتات المبعثرة التى لا يجمعها جامع فضلا على إمكان ضياع شىء منها، فجاء إلى الصديق وطلب إليه جمع القرآن مرة أخرى. لكن هذه المرة فى صحف من جنس واحد، متماثلة الحجم يمكن جمعها بسهولة برباط واحد، ولم يزل الصديق رضى الله عنه يستنكف مباشرة أمر فى ذلك لم يباشره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر. فدعى زيد بن ثابت الشاب العاقل الثقة المتمرس بكتابة الوحى للنبى صلى الله عليه وسلم فأمر بجمع القرآن على النحو الذى أشار به عمر.
وبعد تردد شديد لعين السبب الذى تردد له الصديق شرح الله صدر زيد لما شرح له صدر الشيخين فنهض لهذه المهمة(5) يعاونه الشيخان والأكابر من الصحابة حتى قام بها على خير وجه. وهكذا تم الجمع البكرى لباعثه المذكور، ومن فوائده ما لخصه شيخنا غزلان فقال:
1- البحث عن القطع المختلفة التى كتب فيها القرآن من قبل وجمعها قبل ضياع شىء منها أو تأكل حروفها.
2- تجديد كتابتها فى صحف مجتمعة صالحة للاحتفاظ بها دائما.
3- اتصال السند الكتابى بالأخذ عن الصحف التى كتبت بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم كاتصال السند المتواتر فى الرواية والتلقى عن الشيوخ ، فتكون كتابة أبى بكر بمثابة الطبقة الثانية من الشيوخ ، وكتابة عثمان بمثابة الطبقة الثالثة. وهكذا مرات الإنتاج من المصاحف العثمانية، ولا يخفى ما فى ذلك من الاهتمام بشأن القرآن والعناية به.(6) ولقد ظلت الصحف التى فيها جمع القرآن عند أبى بكرحتى مات ، ثم عند عمر حتى مات ،ثم انتقلت إلى حفصة إحدى أمهات المؤمنين.(7).
ثم كان عهد عثمان وفيه من التساهل ما لم يكن فى عهد الشيخين من قبله ، وكانت رقعة الإسلام قد اتسعت بكثرة الفتوح ودخول كثير من أهل الأمصار المفتوحة فى الإسلام ،وتوزع تبعا لذلك الأصحاب على الأمصار ما بين مقيم وغاز، فكانوا يقرؤون القرآن ويقرؤونه للناس ، كل على حسب الحرف الذى سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وربما تساهل البعض منهم فذكر أثناء قراءته تفسيرا لشىء مما يقرأ أو ذكر منسوخا أو دعاء لحصول الأمن من التباس غير القرآن بالقرآن ، كما كان الأمر فى مصاحفهم الخاصة التى كتبوها لأنفسهم ،والتى اشتملت فوق هذا على حذف بعض السور كالفاتحة والمعوذتين ثقة بكمال حفظها وأمنا من نسيانها كما قيل فى شأن مصحف ابن مسعود، أو إدماج سورة فى أخرى دون ذكر البسملة بينهما كسورتى الفيل وقريش حسبما قيل فى مصحف أُبَىٍّ على ما فى الإتقان وغيره.
فكان أهل الأمصار إذا اجتمعوا فى مناسبة من غزو أو حج أو عمرة واختلفوا فى قراءة القرآن تبعا لاختلاف مصادرهم فى القراءة من الصحابة ففضل البعض قراءة نفسه على قراءة غيره ، ويرى أن قراءته مصحوبة بشىء مما قلناه ، خير من الخالية من ذلك ، على حين يرى الآخر أن القراءة المتمحضة للقرآن المتجردة للمقروء منه عن كل ما سواه أفضل. وقد يصل هذا التفضيل إلى حد التضليل والتفسيق ، بل ربما التكفير.
فلما اشتد الخلاف ، وخشيت الفتنة رأى عثمان رضى الله عنه أن يجمع الناس جميعا على قراءة واحدة هى ما تمحضت للقرآن وتجردت من غيره.
حدث أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أميرالمؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف ، ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن ال***ر وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فى المصاحف ، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا.
حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أومصحف أن يحرق(8).
هكذا كان أول العهد بالمصحف الإمام الجامع الذى أجمع عليه الصحابة وصوبوا صنيع عثمان به غاية التصويب(9)، والذى كان الأصل لما نسخ منه من المصاحف إلى يومنا هذا، أما عدد المصاحف التى نسخها عثمان وأرسل بها إلى الأمصار فالمترجح فيه أنه كان بحيث يعم جميع الأقطار التى دخلها الإسلام ، قال صاحب البيان عليه الرحمة بعد ما ذكر الأقوال المختلفة فى عدد المصاحف معزوة إلى مصادرها: فظهر من هذا أن الذين ذكروا هذه الأقوال لم يذكروا منها دليلا يؤيده ، إلا أن العقل والنقل كليهما يؤيدان من يزيد فى عدد المصاحف لا من يقلل منها.
أما العقل فهو أن الغرض من إرسال المصاحف إلى الأمصار هو القضاء على الفتنة التى كانت قائمة حينئذ بسبب اختلاف المسلمين فى القراءة، والمنع من حدوث هذه الفتنة مرة أخرى فى بلد ما من بلاد المسلمين ، وهذا الغرض لا يتحقق بإرسال المصاحف إلى بعض الأمصار دون بعض.
وأما النقل فهو قول أنس بن مالك فى الحديث السابق الذى رواه البخارى أنهم لما نسخوا الصحف فى المصاحف أرسل عثمان إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، فكلمة إلى كل أفق تدل بعمومها على أنه أرسل المصاحف إلى جميع الأمصار لا إلى بعضها دون بعض(10).
أ.د/إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، دار المعارف ، ط 32، 1/ 527.
2- فتح البارى شرح صحيح البخارى، ابن حجر العسقلانى، السلفية، ط 2، ، 9/ 22.
3- المصدر السابق 9/ 14.
4- البرهان فى علوم القرآن 1/ 256.
5- انظر تفصيل هذا كله فى حديث زيد بن ثابت من صحيح البخارى، باب سورة براءة من كتاب التفسير ، وباب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن.
6- البيان فى مباحث عن علوم القرآن ، للدكتور عبد الوهاب عبد المجيد غزلان ، ص185.
7- انظر حديث زيد بن ثابت فى تفسير أخر براءة، وفى غير موضع من فضائل القرآن من صحيح البخارى ، وانظر فضائل القرآن لابن كثير ، ص30.
8- البخارى، كتاب فضائل القرآن ، باب جمع القرآن ، وانظر ما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله فى شرحه من الروايات الكثيرة المصورة لمدى فداحة الخطب. فقح البارى 9/ 18.
9- فضائل القرآن لابن كثير، ص40.
10- البيان فى مباحث من علوم القرآن ، ص209.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:06 PM
المضاربة

لغة: ضاربه - ولفلان - فى ماله: اتجر له فيه ، أو اتجر فيه على أن له حصة معينة فى ربحه ،كما فى الوسيط(1).
والمضاربة والقراض اسمان لمسمى واحد ، فالقراض لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق.
وشرعا: هى توكيل مالك يجعل ماله بيد آخر ليتجر فيه ، والربح مشترك بينهما(2).
والمضاربة جائزة شرعا ، والأصل فى مشروعيتها عموم قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم}البقرة:198 , وفى المضاربة ابتغاء لفضل الله.
وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قسم ربح ابنيه فى المال الذى تسلفاه بالعراق فربحا فيه بالمدينة فجعله قراضا، عندما قال له رجل من أصحابه: لو جعلته قراضا ففعل(3).
وقد قام الإجماع على جواز المضاربة، فيقول الشوكانى بعد نقله لآثار عن الصحابة التى تدل على تعاملهم بالمضاربة: "فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير، فكان ذلك إجماعا منهم على الجواز(4).
وللمضاربة أركان تقوم عليها، وهى :
1- الصيغة: فلابد من وجود إيجاب وقبول يفصح بهما الطرفان عن رغبتهما فى التعاقد، كأن يقول شخص لآخر ضاربتك أو قارضتك أو عاملتك بألف جنيه على أن يكون الربح بيننا نصفين(5).
2- العاقدان: فالمضاربة لا تتم إلا بتلاقى إرادتين على إنشائه ، وهما المضارب ورب المال ، ويشترط فيهما أن يكون كلا منهما أهلا للتعاقد، وهى أهلية التوكيل والوكالة(6).
3- رأس المال: وهو ما يدفعه رب المال للمضارب ليتجر فيه ، ويشترط فيه أن يكون معلوما، وأن يكون نقدا رائجا، وأن يكون عينا لا دينا، وأن يسلم إلى المضارب(7).
4- العمل: وهو ما يقوم به المضارب من أعمال لتنمية رأس المال ، ويشترط أن يختص المضارب بالعمل ، فينفرد به دون صاحب رأس المال ، فلا يجوز لرب المال أن يشترط عليه العمل معه ، وتفسد المضاربة بهذا الشرط(8).
ويرى الشافعية أن عمل المضارب مقيد بالأعمال التجارية فقط "أى البيع والشراء" فلا يجوزأن يشترط عليه العمل مع التجارة(9).
بينما ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن عمل المضارب غير مقيد بالبيع والشراء، فيجوز له أن يستأجر ويغرس وغير ذلك(10).
5- الربح: وهو ما زاد عن رأس مال المضاربة ، نتيجة لعمل المضارب فى ذلك المال واستثماره ، فهو ثمرة لالتقاء رأس المال بالعمل البشرى، لذا كان مشتركا بين العاقدين ، رب المال مقابل ما قدمه من مال تحتاجه المضاربة والمضارب ، لأنه قام بالعمل والاستثمار، والاشتراك فى الربح هو الهدف من المضاربة، لذا فقد اهتم الفقهاء ببيان شروطه ، والتى نوجزها فيما يلى: يشترط فى الربح أن يكون مشتركا بين العاقدين ، وأن يكون مختصا بها، أى قاصرا عليهما لا يعدو الشريكين ، وأن يكون نصيب كل منهما معلوما عند التعاقد، وأن يكون نسبة شائعة من جملة الربح ، كنصف الربح أو ثلثه ، ولا يجوز أن يحدد بمبلغ معين كمائة جنيه مثلا(11).
وللمضارب فى المضاربة خمسة أحوال:
1- فهو أمين كالوديع عند قبضه لرأس المال وقبل التصرف فيه ،لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة.
2- وهو وكيل لرب المال بالتصرف فى مال المضاربة، لأنه يتصرف فى مال الغير بأمره.
3- وهو شريك لرب المال فى الربح عند تحققه.
4- وهو أجير لرب المال إن فسدت ،المضاربة لأى سبب.
5- وهو غاصب لمال المضاربة إن خالف شروط رب المال أوالعمل فى ما لا يملك فعله(12).
وقد اتفق الفقهاءعلى أن المضارب أمين على ما بيده من مال المضاربة، فلا يضمن ما يصيبه من تلف أوخسارة إلابتعديه أو تفريطه ،شأنه شأن الوكيل. فإذا حصل تلف أو خسارة فى رأس المال بسبب تعد أو تفريط من المضارب ، فإنه يكون مسئولا عنه ضامنا له(13).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز اشتراط الضمان على المضارب ، وإذا اشترط فلا يصح.
ويملك المضارب بمقتضى عقد المضاربة العديد من التصرفات التى تعتبر من ضرورات التجارة أو لواحقها مما جرت به عادة التجارة، كالبيع والشراء والمقايضة، والتعامل بمختلف العملات ، والبيع نسيئة، والإحالة والحوالة ، والرهن والارتهان والاستئجار... إلخ(14).
وتفسد المضاربة إذا فات ركن من أركانها، و تخلف شرط من شروط صحتها،كما أنها تفسد إذا دخلها شرط مفسد، والشروط الفاسدة هى التى تنافى مقتضى العقد، أو تلك التى تعود بجهالة توزيع الربح ، أو أن يشترط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه(15).
أ.د/على مرعى



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة، دار المعارف ، ط3، مادة (ضرب) 1/ 557.
2- حاشية البيجرمى على شرح الخطيب ط مصطفى الحلبى 3/ 159.
3- تراجع القصة بكاملها فى الموطأ للإمام مالك ط الحلبى 2/ 687.
4- نيل الأوطار للشوكانى 5/ 300 ، ط دار الحديت ، مع الشرح الكبير.
5- بدائع الصنائع 7/ 3446، ط مطبعة الإمام نشر زكريا على يوسف بالقاهرة.
6- بدائع الصنائع 8/ 3563.
7- حاشية ابن عابدين 8/ 281 ط مصطفى الحلبى ط2 سنة 1996م.
8- تكملة حاشية ابن عابدين 8/ 283.
9- أسنى المطالب 2/ 382.
10- البدائع 8/ 3608.
11- البدائع 8/ 3602 ، حاشية الدسوقى 3/ 523 وما بعدها.
12- تكملة شرح فتح القدير لقاضى زاده 8/ 445، ط مصطفى الحلبى ط1 سنة 1970م.
13- حاشية ابن عابدين 5/ 346.
14- البدائع 8/ 3606 وما بعدها.
15- المغنى والشرح الكبير 5/ 186 ، 187.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:07 PM
معاجم اللغة العربية

لم يسبق العرب فى صناعة المعاجم - من الناحية التاريخية - سوى عدد قليل من الشعوب القديمة ذات التراث الحضارى العريق كالهنود واليونانيين والصينيين والمصريين القدماء.
وإذا كان المعجم العربى - كغيره من سائر فروع الدراسات اللغوية - لم ينشأ إلا بعد ظهور الإسلام ، وباعتباره ثمرة من ثمار الدرس القرآنى، فقد استطاع - منذ ظهوره - أن يشق لنفسه طريقا مستقلا، وأن يحقق من التفوق والتميز ما جعله ينافس معاجم الشعوب الأخرى وقد كان هذا التفوق نتاج عوامل أربعة هى :
1- التفكير المبكر فى عمل معجم حيث ظهر أول معجم كامل فى منتصف القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) على يد العالم اللغوى الخليل بن أحمد الفراهيدى (100-175هـ).
2- التفرد بهدف غاب فى معاجم الشعوب الأخرى، وهو تسجيل المادة اللغوية بصورة شاملة، وشرحها بطريقة منظمة، فى حين أن معاجم الشعوب الأخرى مجرد قوائم لشرح الكلمات النادرة أو الصعبة.
3- كثرة ما ظهر من معاجم عربية على امتداد السنوات والقرون حتى إن عدها يكاد يندّ عن الحصر.
4- تنويع أشكال المعاجم العربية بصورة كبيرة، وبشكل يستنفد كل الاحتمالات العقلية الممكنة للترتيب ، كما يبدو من الجدول الآتى:
نوع المعجم ونماذج لكل منهما:
1- معاجم المعانى أو الموضوعات:
أ - الغريب المصنف لأبى عبيد القاسم بن سلام (157-224هـ).
ب - المخصص لابن سيدة (398-458هـ).
2- معاجم الترتيب الصوتى:
أ- العين للخليل بن أحمد (100-175هـ).
ب- تهذيب اللغة للأزهرى (282-370هـ).
3- معاجم الأبنية أو الأوزان:
أ- ديوان الأدب للفارابى (000-350هـ).
ب- شمس العلوم لنشوان بن سعيد الحميرى (467-538).
4- معاجم الترتيب الألفبائى حسب أوائل الكلمات:
أ- الجيم لأبى عمرو الشيبانى (94-206هـ).
ب- أساس البلاغة للزمخشرى (467-538هـ).
ج- المصباح المنير للفيومى (000-770هـ).
5- معاجم الترتيب الألفبائى حسب أواخر الكلمات:
أ- الصحاح للجوهرى (00-393هـ).
ب- لسان العرب لابن منظور (630-711هـ).
(أصدرت دار المعارف المصرية نسخة مرتبة ترتيب الألف باء حسب أوائل الكلمات).
ج- القاموس المحيط للفيروزآبادى (729-817هـ).
احتلت المعاجم العربية مكانا مرموقا بين المعاجم عبر عنه خبير المعاجم الأوروبى Haywood بقوله: "الحقيقة أن العرب فى مجال المعجم يحتلون مكان المركز سواء فى الزمان أو المكان بالنسبة للعالم القديم والحديث وبالنسبة للشرق والغرب".
أ.د/أحمد مختار عمر



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- البحث اللغوى عند العرب دكتور/أحمد مختار عمر عالم الكتب القاهرة ط6 سنة 1988م.
2- صناعة المعجم الحديث دكتور/أحمد مختار عمر عالم الكتب القاهرة الطبعة الأولى 1998م.
3- المعجم العربى دكتور حسين نصار مكتبة مصر بالفجالة الطبعة الثانية سنة 1968م.
4- Arabicl exicogrphy, J.A, Haywood, Leiden 1960.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:07 PM
المعاصرة

لغة: على وزن مفاعلة من العصر، وللعصر عدة معان أهمها وقت وجوب صلاة العصر وهو الوقت فى آخر النهار إلى احمرار الشمس. وعاصر فلانا لجأ إليه ولاذ به وعاش معه فى عصر واحد (كما فى المعجم الوسيط)(1).
واصطلاحا: ورد لفظ العصر فى القرآن الكريم فى قوله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}العصر 1-3.
يقول البيضاوى(2) فى تفسير الآية الأولى من هذه السورة: "أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها، أو بعصر النبوة، أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب".
والمعاصرة حسب هذا التعريف هى المعايشة بالوجدان والسلوك للحاضر والإفادة من كل منجزاته العلمية والفكرية وتسخيرها لخدمة الإنسان ورقيه.
وتستخدم المعاصرة فى مقابل الأصالة، فيقال مثلا: "الإسلام بين الأصالة والمعاصرة" بمعنى كيفية تمكن الإسلام من مسايرة العصر والوفاء بمتطلباته والتعامل مع مقتضياته المتغيرة بثوابته الأصلية.
والمعروف أن الإسلام يتضمن إلى جانب ثوابته الأصلية التى تتعلق بأصوله ، مناهج تفتح كل الأبواب للتعامل مع كل المستجدات.
فبجانب ثوابت العقيدة التى تصلح بطبيعتها لكل زمان ومكان لأنها متأسسة على الرسالة الخاتمة ومستمدة من فطرة الله التى فطر الناس عليها، هناك مناهج للتشريع تعتمد فى تطبيقاتها على الاجتهاد بإعمال العقل السليم فيما يجلب المصلحة العامة ويدرأ المفسدة ويسد الذرائع ، فهى توجد ، كما يقول الشاطبى(3) "حيث يكون العمل فى الأصل مشروعا لكن ينتهى عندما يؤول إليه من المفسدة" وقد عمل به الإمام مالك فى أكثر أبواب الفقه. ويعتبر الإمام محمد أبو زهرة ذلك توثيقا لمبدأ المصلحة التشريع الإسلامى.(4).
وينبغى أن نفرق بين المعاصرة التى لا تتناقض من وجهة النظر الإسلامية مع الأصالة وبين العصرانية (العلمانية) التى تعتبر العصر وحده مصدرا للتشريع فى الحياة الاجتماعية العامة، وهذا الاتجاه الفكرى يحاول إبعاد الدين عن الحياة العامة واعتباره مجرد مسألة خاصة بكل إنسان ، ويعتبره - فى أحسن الأحوال - مصدرا للمبادىء الخلقية والمعاملات الشخصية.
أما السياسة وكل ما يتصل بالحياة العامة للإنسان لا للدين بها، أى علاقة وهذا مما يتناقض مع مبادىء التصور الإسلامى الصحيح(5).
د/السيد محمد الشاهد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط مادة (عصر) استانبول تركيا ط2 د.ت.
2- تفسير البيضاوى (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) 2/ 620 بيروت لبنان 1988م.
3- الموافقات لأبى إسحاق الشاطبى تحقيق عبدالله دراز 4/ 100 دارالموتة بيروت د-ت.
4- مناهج التشريع الإسلامى محمد البلتاجى جامعة الإمام محمد بن سعود 2/ 637 الرياض 1977م.
5- رحلة الفكر الإسلامى من التأثر إلى التأزم السيد الشاهد دار المنتخب بيروت 1994م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:07 PM
المعتزلة

أصلها عزل واعتزل ، وقد وردت هذه الكلمة عشر مرات فى القرآن الكريم كلها تعنى الإبتعاد عن شىء كما فى قوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيل}النساء:90.
والمعتزلة هم أول مذهب فى علم الكلام الإسلامى، بدأ فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى،واختلف المؤرخون لهذا المذهب الكلامى فى تحديد اسم مؤسسه ، فذهب معظمهم إلى أنه واصل بن عطاء (ت131هـ/748م) الذى اعتزل مجلس ،الحسن البصرى(110هـ/727م) عندما سئل الحسن البصرى عن مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أم كافر، وقبل أن يجيب الحسن البصرى على السؤال وقف واصل بن عطاء وقال: إنه فى منزلة بين المنزلتين أى بين الإيمان والكفر، بينما كانت الخوارج تذهب إلى تكفيره ، وذهب أهل السنة إلى أنه مؤمن.
وكان الحسن البصرى يذهب إلى أن مرتكب الكبيرة لامؤمن ولا كافر، وإنما يكون "منافقا" ووافقه بداية عمرو بن عبيد (145هـ /762م)، أما واصل بن عطاء فكان يرفض هذه الصفات الثلاث ، فمرتكب الكبيرة عنده لا يكون مؤمنا ولا كافرا ولا منافقا بل يكون "فاسقا" وقد أخذ واصل هذا المذهب عن أبى هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية.
وترجع تسمية واصل بن عطاء وأصحابه بالمعتزلة إلى قول الحسن البصرى بعد أن قام واصل من مجلسه وانتحى لنفسه مكانا آخر: "اعتزلنا واصل".
أما القاضى عبد الجبار فيرجع أصل الاعتزال إلى عمرو بن عبيد، حيث يذكر أنه جرت بين واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مناظرة فى مسألة مرتكب الكبيرة، فرجع عمرو بن عبيد إلى مذهب واصل وترك مجلس الحسن البصرى، واعتزل جانبا فسموه معتزليا، وهذا أصل تلقيب أهل العدل بالمعتزلة كما يقول القاضى عبد الجبار.
ويذكر ابن المرتضى فى كتابه "المنية والأمل" أن المعتزلة كانوا يسمون أيضا "بالعدلية" لقولهم "بالعدل الإلهى" ، و"الموحدة" لقولهم "لا قديم مع الله"، ويؤكد ذلك جعلهم العدل والتوحيد أول أصلين فى أصولهم الخمسة، حيث يأتى أصل "المنزلة بين المنزلتين" الذى كان سببا فى نشأتهم فى المركز الرابع بعد "الوعد والوعيد" أما الأصل الخامس والأخير فهو "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر".
انقسم الاعتزال إلى مدرستين متوازيتين الأولى فى البصرة (البصريون) والثانية فى بغداد (البغداديون).
وأهم رجالات مدرسة البصرة هم: واصل ابن عطاء ، وعمرو بن عبيد وأبو الهزيل العلاف (227هـ/842م)، وإبراهيم بن سيار النظام (235هـ/853م)، وعمرو بن بحر الجاحظ ، وأبو على الجبائى (303هـ/924م).وابنه عبد السلام الجبائى (أبو هاشم 321هـ/941م) (أخذ عنهما أبو الحسن الأشعرى (324هـ/944م) الاعتزال فى أول الأمر قبل أن ينقلب على الاعتزال فيما بعد) ثم القاضى عبد الجبار الهمذانى (415هـ/1025م) صاحب موسوعة المغنى فى أبواب التوحيد والعدل ، والمحيط بالتكليف ،وشرح الأصول الخمسة، وغيرها من المؤلفات الكبيرة فى شتى العلوم الشرعية.
ومن تلامذة القاضى عبد الجبار: الحسن بن متويه ، وأبو الحسين البصرى (436هـ/1045م) وأبو رشيد سعيد النيسابورى (460هـ/1067م) صاحب كتاب "المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين" ، ثم ركن الدين محمود ابن الملاحمى (536هـ) ومحمود ابن عمر الزمخشرى (538هـ) ثم تقى الدين النجرانى (656هـ) صاحب "الكامل فى الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء".
أما أهم أعلام مدرسة بغداد فهم: بشر بن المعتمر (210هـ/825م) وأبو موسى المردار (226هـ/844م) وثمامة بن الأشرسر (213هـ/831م) وأبو الحسين الخياط (190هـ /818م) وأبو جعفر محمد الإسكافى (240هـ/858م) وأبو القاسم الكعبى (319هـ/938م) وأبو بكر الأخشيدى (326هـ/946م).
وقد شهد تاريخ الاعتزال خلافات كثيرة بين مدرستى البصرة وبغداد لخصها أبو رشيد سعيد النيسابورى فى كتابه المعروف:
"المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين". إلا أن الاعتماد على العقل فى تفسيرالنصوص الشرعية كان قاسما مشتركا بين المدرستين.
وكان تمادى المعتزلة فى الاعتماد على العقل والمبالغة في التعويل عليه فى تفسير بعض المسائل الحساسة مثل مسألة الصفات ، مما أوقعهم فى مخالفات بل وعداوات مع متكلمى أهل السنة مثل الأشاعرة وغيرهم من السلفيين مثل ابن تيمية (728هـ/1328م)، وكان السبب فى هذا الخلاف حرص المعتزلة على إفراد الله عز وجل بصفة القدم حتى أنهم رفضوا كل ما من شأنه أن يؤدى إلى القول بقدم أى شىء سوى ذاته تعالى.
وقد قسم المعتزلة الصفات إلى قسمين صفات ذات وهى التى لاتنفك عنها الذات مثل: الوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة، ثم صفات أفعال التى ترتبط بالزمان من حيث الوجود والعدم ، وقد ترتب على مذهبهم هذا القول بخلق القرآن ،وأن كلام الله مخلوق ، مما أثارعليهم غضب أهل السنة خاصة بعدما حدثت محنة الإمام أحمد بن حنبل فى عهد المعتصم.
كما اشتهروا بقولهم: إن الإنسان خالق ،لأفعاله على الحقيقة بقدرة خلقها الله فيه. وجعلوا ذلك أساسا للاستحقاق، والذى يعرف حاليا بمشكلة حرية الإرادة فإنسانية، كما عرف عنهم خلافهم مع أهل السنة فى تفسير رؤية البارى عز وجل فى الدار الآخرة وقد أفرد القاضى عبد الجبار مجلدا لهذه المسألة في موسوعة المغنى فى أبواب التوحيد والعدل (المجلد الرابع).
أ.د/السيد محمد الشاهد



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار تحقيق عبد الكريم عثمان القاهرة سنة 1965.
2- المحيط بالتكليف جمع الحسن بن متويه تحقيق عمر السيد عزمى د-ت.
3- المغنى فى أبوإب التوحيد والعدل للقاضى عبد الجبار تحقيق مجموعة من العلماء ، القاهرة 1965.
4- المنية والأمل لأحمد بن يحيى بن المرتضى تحقيق نوما أرنولد بيروت 1316هـ.
5- الكامل فى الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء تحقيق د/السيد الشاهد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:08 PM
المعجزة

المعجزة: هى البرهان الذى يثبت صدق أى نبى أو رسول فى دعواه النبوة أو الرسالة، واشتقاق الكلمة من إعجاز الأمر الخارق الذى يقع على يد النبى أو الرسول للبشر أن يأتوا بمثله.
وإنما كانت المعجزة دليلا على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعواه أنه مكلف من الله ، ومختار منه بالنبوة والرسالة ، لأن اجتماع المعارضين له على تكذيبه ، وشحذ هممهم وتجميع كل قواهم ، لإثبات بطلان دعواه ، ثم يعجرون عن الإتيان بمثل الفعل الخارق الذى أتى به دليل على أن الفعل الذى جاء به ، أو جرى على يديه خارج عن قدرة البشر فإن معنى ذلك أنه لم يأت بهذا الفعل الخارق من عند نفسه ،لكنه مؤيد من الله ، وأن المعجزة حينئذ تكون - كما قال علماء العقيدة: -بمثابة إعلان الله عز وجل تصديقه لنبيه ، وقائمة مقام قوله "صدق عبدى فيما يبلغ عنى" لأن الذى يستطيع أن يخرق النظام الكونى ، ويعطل قوانينه الثابتة المعتادة، إنما هو خالق النظام الكونى نفسه ، وواضع قوانينه ، لأنه وحده الذى يقدر على ذلك ، ولذلك تعرف المعجزة بأنها: "أمرخارق للعادة يظهره الله على يد مدعى النبوة تصديقا له فى دعواه مقرونة بالتحدى مع عدم المعارضة".
فلكى تعرف المعجزة وتتميز عن غيرها من الأمور- الخارقة ، لابد أن تكون: خارقة للعادة أى خارقة للقوانين الكونية المعتادة، والنواميس الكونية الثابتة كعدم إحراق النار، وإحياء الموتى، وقلب العصا حية تسعى.
- أن تقع على يد نبى أو رسول يعلن دعواه النبوة ة لكى تتميز عن كرامة الأولياء.
- أن تجرى على وفق دعواه ، فتكون تصدلقا له حتى لا تكون إهانة لا معجزة.
- أن تقترن بالتحدى من قبل النبى لقومه ومن قبلهم له.
- أن يعجزوا عن معارضته ، فإذا أتوا بمثلها لا تكون معجزة ، بل تكون حينئذ من قبيل الأمور التى يمكن تعلمها، والإتيان بمثلها كالسحر.
والمعجزة فى حقيقة أمرها رسالة إلى العقل الإنسانى ، لأنها عندما يقبلها العقل يقبل دلالتها على الفور على صدق الرسول، ومن ثم تثبت نبوة النبى أو رسالة الرسول بعد قبول العقل لها، واقتناعه بها.
وإذا كانت تثبت بالتواتر بعد ذلك حين تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل بواسطة عدد من الناس يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب وقد قال العلماء فإن العلم بالتواتر هو أحد أقسام الضروريات.
ولما كانت المعجزة تستمد قوتها فى الدلالة على صدق الرسالة من أنها خرق للنظام المعتاد،فإن خرقها لما اعتاده الناس إنما يأتى من تصديق الأئمة الذين بلغوا غاية العلم فيما اعتاده الناس ، لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثل المعجزة.
ولذلك جاءت كل معجزة مما برع فيه الناس ،وبلغوا غاية العلم به فى عصره ،فإذا أذعن هؤلاء عرف أن ما أتى به الرسول ليس و من قبيل ما علموه غاية العلم ، وإنما هو من باب آخر غير ما يعلمونه.
ومن ثم جاءت معجزة موسى عليه السلام أشبه بالسحر لكنها ليست منه ، لأن القوم كان قد برعوا فى السحر، فلما انقلبت العصا حية على يد موسى أمام السحرة الذين بلغوا منتهى العلم بالسحرة عرفوا أن ما أتى به موسى ليس سحرا {وألقى السحرة ساجدين}الأعراف:120.
وكذلك جاءت معجزة عيسى عليه السلام أشبه بالطب ، لكنها كانت غيره ،لأن القوم كانوا قد برعوا فى الطب ، فلما أحيا عيسى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص أمام الذين بلغوا غاية ومنتهى العلم فى الطب ، عرفوا أن ما أتى به عيسى ليس من قبيل الطب ،وإنما هو أمر خارق للنظام العام.
وبالنسبة لمعجزة القرآن فقد جاءت متجاوزة حدود البشرية فى أمرين: اللغة والتشريع.
أما اللغة فقد كان نزول القرآن فى وقت بلغت فيه اللغة العربية منتهى إمكان البشر فى التطور اللغوى فى الفكرة والأساليب ، فلما جاء القرآن الكريم جاء متجاوزا حدود الإمكانات البشرية، وأدرك ذلك أئمة اللغة، وفحول الخطباء والشعراء الذين عجروا عن الإتيان بمثل القرآن ونظمه البلاغى.
وأما فى التشريع ، فقد أثبتت مقارنته بغيره من النظم التشريعية البشرية عبر العصور تفوق التشريع القرآنى بتوازنه العادل فوق كل الأنظمة التى أنتجتها حكمة البشر وقدرتهم التشريعية.
ذلك مما أعطى القرآن صفة المعجزة الدائمة، وهى سمة تتسم بها معجزة القرآن عما سبقها من معجزات الرسل السابقين.
وهناك سمة أخرى تتميز بها المعجزة القرآنية، وهى أن المعجزات السابقة كانت - كما قال ابن رشد - من غير طبيعة الرسالة، لأن الرسول إنما يأتى ليضع النظام الذى يكفل لمن أرسل إليهم خطة الحياة الفاضلة، ولكن معجزة موسى وعيسى عليهما السلام لم تكن من هذا الباب ، وإنما كانت الأولى مما أشبه بالسحر وكانت الثانية مما أشبه الطب.
أما معجزة القرآن فقد جاءت من قبيل تشريع من نفس فعل الرسالة وطبيعتها. مما أعلطاها من القيمة البرهانية على الرسالة
أكثر مما أعطت المعجزات السابقة من البرهنة على رسالاتها إلى درجة جعلت إماما كابن رشد يقلل من القيمة البرهانية للمعجزات السابقة إلى درجة لا نوافق عليها.
فالقرآن الكريم نفسه يقول عن معجزة اليد والعصا: {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه}القصص:32.
على أن القرآن الكريم أعطى للمعجزات السابقة مصداقية حين صدق بها وبدلالاتها، ولولا روايته لها وتصديقه لدلالاتها ، لربما انقطع تواترها ، ولكنه بإيرادها حملها إلى الأجيال بنفس ما هو عليه من درجة الوثوق والمصداقية.
ثم إن هناك وجوها أخرى لإعجاز القرآن أسهبت فى بيانها كتب العقائد والتاريخ والسنن قديما، وكتب العلوم حديثا.
فالقرآن أخبر بوقائع سبقته لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم علم بها وأخبر بوقائع لحقته ،لم يكن له صلى الله عليه وسلم المقدرة على التكهن بها واستنتاجها ، كما أخبر بانتصار الروم على الفرس فى بضع سنين ، مع أن وقائع الأحداث لم تكن تبشر بأدنى شىء من هذا التوقع ، مما جعل المؤرخ الإنجليزى (جيسن) يحدث بأن القرآن لو لم يكن فيه دليل على مصدريته من الله إلا هذا الخبر لكفى.
وكتب العلوم ونظرياتها لم تثبت أى تعارض لمصادر القرآن الكريم ، مما يجعل الثقة قائمة فى أن مصدر القرآن ، ومصدر الحقيقة العلمية عندما تثبت واحد وهو الله ، فخالق الكون ، وواضع سننه وقوانينه هو منزل القرآن.
أما الماديون الذين ينكرون المعجزات فحججهم واهية ، لأنها تقوم على إنكار الوقوع لا على إنكار الإمكان ، لأن إمكانها ضرورى فالذى خلق السموات والأرض وأبدع نظام الكون ، وأقامه على قوانين وسنن قادر على أن يخرق هذه القوانين والسنن ، ويبدلها فى حالة خاصة بقانون خاص.
أما إنكار الوقوع ، وأن المعجزات لم تحدث ،فيقوم عندهم على الطعن فى التواتر أو الطعن فى إفادة التواتر لليقين ، فهى عندهم لا تثبت فى حق الغائبين الذين لم يروها، ويمكن الرد على هؤلاء بأن معجزة القرآن مازالت باقية بين أظهرنا الآن والتحدى بها قائم والعجز عن معارضته مازال مستمرا ، وبالتالى تثبته وقوع المعجزات الأخرى ، لأنه أثبتها.
ومن ناحية أخرى فإن الطعن فى التواتر أو فى إفادة التواتر لليقين طعن فى قانون أساس من قوانين الفكر، فالمتواترات - كما قيل - أحد أقسام الضروريات ولو طعن فى التواتر، وإفادته اليقين لما بقى خير يفيد اليقين إطلاقا، ولم يقل بذلك أحد.
وبذلك لا يبقى للماديين مستند معقول لإنكار المعجزات.
أ.د/عبد المعطى محمد بيومى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- مقاصد الطالبين فى علم أصول الدين لسعد الدين التفتازانى ج2 طبع المطبعة العاصر ، استانبول 1277هـ.
2- تهافت التهافت ابن رشد دار المعارف بمصر سنة 1971م ط2.
3- مناهج الأدلة فى عقائد الملة (لابن رشد) مع مقدمة فى نقد مدارس علم الكلام تقديم وتحقيق د/محمود قاسم مكتبة الأنجلو المصرية سنة 1964م.
4- دائرة معارف القرن العشرين محمد فريد وجدى ج6 ط3 دار المعرفة بيروت لبنان سنة 1971م.
5- الوحى المحمدى السيد محمد رشيد رضا مطبعة المنار بمصر سنة 1935م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:08 PM
المعصية

لغة: الخروج عن الطاعة ومخالفة الأمر(1).
واصطلاحا: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله ، ويرادفها: المحظور والحرام.والذنب (2)، وإذا كانت المعصية عبارة عن مخالفة أمر الله وطاعته مما يوجب سخط الله تعالى ويتوجب العقاب فاعلم أنها تنتج عن مجموعة صفات فى الإنسان كل منها يتعلق به أنواع من المعاصى تختلف عن الأنواع الأخرى وهذه الصفات هى(3):
1- صفات ربوبية: ومنها يحدث الكبر والفخر، وحب المدح والثناء ، والعز، وطلب الإستعلاء ، ونحو ذلك ، وهذه ذنوب مهلكات ،وبعض الناس يغفل عنها فلا يعدها ذنوبا.
2- صفات شيطانية: ومنها يتشعب الحسد ، والبغى، والحيل ، والخداع ، والمكر والغش ، والنفاق ، والأمر بالفساد ، ونحو ذلك.
3- صفات بهيمية: ومنها يتشعب الشر، والحرص على قضاء شهوتى البطن والفرج ، فيتشعب من ذلك الزنا ، واللواط ، والسرقة، وأخذ الحطام لأجل الشهوات.
4- صفات سبعية: ومنها يتشعب الغضب ، والحقد ، والتهجم على الناس بالقتل والضرب ، وأخذ الأموال ، وهذه الصفات لها تدرج فى الفطرة.
فالصفة البهيمية هى التى تغلب أولا، ثم تتلوها الصفة السبعية ثانيا، فإذا اجتمعت هاتان استعملت العقل فى الصفات الشيطانية من المكر والخداع ، ثم تغلب الصفات الربوبية، فهذه أمهات المعاصى ومنابعها ، ثم تنفجر المعاصى من هذه المنابع إلى الجوارح ،فبعضها فى القلب كالكفر، والبدعة والنفاق وإضمار السوء، وبعضها فى العين ، وبعضها فى السمع ، وبعضها فى اللسان ، وبعضها فى البطن والفرج ، وبعضها فى اليدين والرجلين ،وبعضها فى جميع البدن ، وهذا كله واضح لا يحتاج إلى تفصيل.
وقد اختلف الفقهاء فى تصنيف الذنوب والمعاصى على ثلاثة أوجه:
الأول: أنها تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهو المشهور بين الفقهاء، ويساعدهم إطلاقات الكتاب والسنة، لقوله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}الحجرات: 7 ، فجعل الفسوق وهو الكبائر تلى رتبة الكفر، وجعل الصغائر تلى رتبة الكبائر وقد خصص النبى صلى الله عليه وسلم بعض الذنوب باسم الكبائر.
الثانى: أن الذنوب كلها قسم واحد وهو الكبائر، وهو طريقة جمع عند الأصوليين منهم الأستاذ أبو إسحاق ، ونفى الصغائر، وجرى عليه إمام الحرمين فى الإرشاد، وابن فورك فى كتابه "مشكل القرآن" فقال: المعاصى عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر منها كما يقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، وكلها كبائر.
الثالث: أن المعاصى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- كبيرة: كقتل النفس بغير حق.
2- فاحشة: قتل ذا رحم.
3- صغيرة: سائر الذنوب كالخدشة والضرب مرة أو مرتين.
ويظهر من هذه الأقوال أن الخلاف لفظى، فإن رتبة الكبائر تتفاوت قطعا واختلف العلماء فى تعريف الكبيرة اختلافا كبيرا ، كذلك اختلفوا فى حصرها وعدد أنواعها. لكن الصحيح كما قال الواحدى فى البسيط: إنه ليس للكبائر حد يعرفه العباد،وتتميز به عن الصغائر تمييز إشارة، ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهد كل واحد فى اجتناب ما نهى عنه ، رجاء أن يكون مجتنبا للكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى فى الصلوات ، وليلة القدر فى رمضان. هل الإصرار على الصغائر يجعلها فى منزلة الكبائر أم لا؟ نجد عند الأصوليين أن الإصرار له معنيان:
أحدهما: العزم على فعل المعصية بعد الفراغ منها.
والثانى: المداومة على فعل الصغائر.
وحكم الإصرار بالمعنى الأول حكم من كررها فعلا فيتحمل بذلك إثما، وحكم الإصرار بالمعنى الثانى أنه إن كان على نوع واحد من الصغائر غفرت بكثرة الطاعات ،وإن كان الإصرار على أنواع متعددة لا تغفر بكثرة الطاعات بل لابد من التوبة عنها حتى تغفر.
أ.د/على جمعة محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور (4/ 2981) ، دار المعارف.
2- المعجم الوسيط 2/ 606 دار المعارف 1972م.
3- الحدور الأنيقة والتعريفات الدقيقة، للشيخ زكريا الأنصارى، تحقيق د/مازن المبارك ص76 دار الفكر المعاصر بيروت 1991م.
4- مختصر منهاج القاصدين لأبى العباس المقدسى الحنبلى ص257، 258 ، طبعة ابن زيدون بدمشق 1347هـ.
5- البحر المحيط للزركشى 4/ 275 طبعة وزارة الأوقاف بالكويت الأول 1990م.
مراجع الاستزادة:
1- ابن حجر الهيتمى 1/ 5 الزواجر عن اقتراف الكبائر. مطبعة الحلبى وأولاده بمصر الطبعة الثانية 1390هـ.
2- من وصايا الرسول شرح وتعليق طه عبد الله العفيفى (6/ 10) دار الاعتصام الطبعة الثالثة 1397هـ.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:08 PM
المقاييس

لغة: جمع مقياس وهوالمقدار كما فى الوسيط(1).
واصطلاحا: عبارة عن الوحداته التى تقاس بها الأشياء.
وهى المبادئ الثابتة التى تقاس بها التصرفات الشرعية والمبادئ الأخلاقية.
والمقصود هنا المعنى الأول وهى الواحدات التى تقاس بها الأشياء.
وهده المقاييس تشتمل على نوعين:
1- مقاييس الطول ، وتشمل: الشعيرة ، والأصبع ، والقبضة ، والقدم ، والذراع ، والباع ، والغلوة ، والميل ، والفرسخ ، والبريد.
2- مقاييس المساحة وتشمل: الذراع ،والقصبة،والأشل ، والقفيز، والجريب.
أما مقاييس الحجم فهى المكاييل. انظرالمكاييل.
وتجدر الإشارة إلى أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالمقاييس متعلقة أساسا بالأطوال أكثر من تعلقها بالمساحات ،وذلك كمسافة القصر فى الصلاة، وغير ذلك من الأحكام الشرعية الأخرى، أما المساحات فلا يتعلق بها سوى أحكام الخراج ، وليس فى تقويمها بالمقاييس المعاصرة الآن ما يفيدة نظرا لقيام قانون الضرائب مقامها فى هذا العصر.
وقد وردت بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مشتملة على ذكر بعض المقاييس ، قال تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة}الزمر:67 ، وقال على لسان السامرى: {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها}طه:96. بغض النظرعن تفسير القبضة فى كلام البارى وكلام السامرى وموقف العلماء منها.
وقال تعالى: {ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه}الحاقة:32. والذراع من المقاييس الطولية، وغيرها من الآيات كثير.
ومن الأحاديث النبوية ما رواه أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين) فقد ورد فى الحديث ذكر الميل والفرسخ ، وهما من المقاييس التى تهتم بالأطوال وهناك حاديث أخرى عديدة ورد فيها ذكر مجموعة من المقاييس كتقديرات المسافات معينة تخبر وتنبئ عن حقيقة حكم شرعى أو هيئة متعلقة بالنبى صلى الله عليه وسلم.
والمقاييس الشرعية طولية كانت أو مساحية يناط بها كثيرمن الأحكام الفقهية المتعلقة بفعل العبد، وعلاقته بربه ، وقد أفاض الفقهاء رضوان الله عليهم فى هذه المقاييس كمقادير شرعية مهمة تتعلق بتوفرها صحة كثير من العبادات والتكاليف الشرعية.
ومن المسائل الفقهية المهمة التى للمقاييس دور مهم فى صحتها:
- القصر ومسافته فى الصلاة، ومعلوم أنه يتعلق بمقياسين مهمين وهما: الفرسخ والميل.
- ومسافة طلب الماء لأجل التيمم.
- المسافة بين الإمام والمأمومين خلفه ،والتى تتعلق بها صحة المتابعة من عدمها.
- تغريب الزانى، والميقات المكانى وغيرها كثير من الأحكام الشرعية.
وقد حدد الفقهاء وعلماء اللغة بدقة متناهية المقاييس السابقة وأحكامها الفقهية.
أ.د/على جمعه محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية، الطبعة الثالثة، مادة (قيس)، 2/ 800.
مراجع الاستزادة:
1- الأحكام الفقهية المتعلقة بها. كيل - وزن - مقياس منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وتقويمها بالمعاصر ، محمد نجم الدين الكردى ، مطبعة السعادة 1984.
2- معجم لغة الفقهاء. محمد رواس قلعجى، وحامد صادق قيبنى، دار النفائس ، ط1 ، سنة 1985م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:09 PM
المقولات العشر

إن كلمة "مقولة" Category ، اشتقت من مصدر "القول" وهي ترجمة للكلمة اليونانية "كاتيجوريا" Catigorie، ومعناها "العلاقة" ، ويقرب من هذا أيضا لفظ "كلى".
وقد دخلت هذه الكلمة بلفظها تقريبا، فى جميع اللغات ، حتى لدى مفكرى الإسلام التى جاءت عندهم بلفظ "قاطيغورياس"، غير أن هؤلاء أيضا سموها "مقولة".
وكان أرسطو (384-322 ق.م) هو الذى درس أهم مظاهر المعرفة فى عصره ، فوجدها تقوم على عشرة أسس ، ينبنى عليها الفكر المستقيم في اتجاهه نحوالتعميم. وقد جمعها أرسطو وشرحها وسماها "المقولات".
وقد تناولها المفكرون من بعده بالعرض والشرح دون أن يملوا منها. كما جعلها مفكروالإسلام أصلا هاما من أصول المنطق الصورى، ولاسيما ما تعلق منها بالجوهر والعرض ، لصلتهما الوثيقة بمباحث التوحيد(2).
واصطلاحا المقولة: هى معنى كلى، يمكن أن تكون محمولا فى قضية ما.
وعليه فالمقولات محمولات ،كما حددها أرسطو من قبل ، وهى عشر، جمعها بعضهم فى بيت واحد هو:
قمر غزير الحسن ألطف مصره * لو قام يكشف غمتى لما انثنى(3).
1- القمر: للجوهر.
2- الغزير: للكم.
3- الحسن: للكيف.
4- ألطف: للإضافة.
5- مصره: للأين.
6- قام: للوضع.
7- يكشف: للفعل.
8- غمتى: للملك.
9- لما: للمتى.
10- انثنى: للانفعال.
وهذه المحمولات موجودة فى الكون(4).
ويلاحظ أن المقولات هى أنواع الصفات أو المحمولات التى نستطيع أن نصف بها فردا معينا كائنا ما كان. فإذا سألت عن أى شىء: ما هو؟ كان حتما أن يقع الجواب تحت واحد منها(5).
ومنها أربع مقولات تقع فيها الحركات وهى: الكم مثل النمو، والكيف مثل السرعة، والوضع مثل حركة الفلك علي نفسه دون انتقال ، والأين مثل النقلة(6)
وإليك التعريف بكل منها باختصار:
أولا: الجوهر: Substance.
هو كل ما له صفة الاستقلال بذاته مثل العناصر(7) كالماء والهواء والنار. وهذا الجوهر هو الأصل ، وما عداه من المقولات التسع أعراض له(8) يقول ابن سينا:
وكل نعت فهو إما جوهر * قوامه بنفسه مقرر(9).
والجوهر أيضا موجود لا فى موضوع ، يقابله العرض: accident بمعنى الموجود فى موضوع ، أى فى محل مقوم لما حل فيه(10).
والجوهر لدى المتكلمين: هو الجوهر الفرد المتميز الذى لا ينقسم ، أما المنقسم فيسمونه جسما لا جوهرا. ولهذا السبب يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر على المبدأ الأول(11).
ومن أهم أحكام الجوهر:
1- أنه قابل للعرض.
2- أنه متحيز، أى تأخذ ذاته قدرا من الفراغ.
3- أنه قابل للبقاء زمانين.
4- أن الجواهر لا تتداخل ، أى لا يدخل جسم فى آخر.
5- أن الجواهر تحدث بجملتها عن عدم سابق.
6- أنها تنعدم كذلك ، خلافا للطبائعيين ، كما يصح انعدام بعضها، خلافا لبعض المعتزلة فى أن الجوهر لا ينعدم إلا جملة.
7- وأنها لا تثبت فى العدم ، لأن المعدوم ليس شيئا، خلافا لبعض المعتزلة(12).
ثانيا: الكم: Quantity.
هو العرض الذى يقبل لذاته: المساواة والتفاوت والتجزؤ(13) ويخرج بذلك: النقطة، والواحدة، أى الشىء الواحد الذى لا تعدد فيه.
فهذه المقولة تخضع للقسمه ، وللقياس فيما له حجم ومقدار كقولنا: هذه خمسة كتب. وينقسم الكم إلى:
1- متصل: وهو الذى يكون بين أجزائه حد مشترك ، كالحال في الزمن بين الماضى والمستقبل.
2- منفصل: وهوالذى لايكون بين أجزائه حد مشترك كالعدد، مثل الأربعة إذا قسمت بين اثنين واثنين(14).
وهناك مايسمى"كمية القضية": والمقصود بها استغراق الموضوع فى المحمول ، وينتج عن ذلك:
(أ) القضية الكلية: وهى التى يقع الحكم فيها على جميع أفراد الموضوع ، مثل: كل إنسان فان.
(ب) القضية الجزئية: وهى التى يقع الحكم فيها على بعض أفراد الموضوع مثل: بعض الإنسان كريم.
(ج) القضية المخصوصة: وهى التى يكون الموضوع فيها واحدا بالعدد، مثل: عمر عادل(15).
ثالثا. الكيف: Quality.
هو هيئة قارة فى الشىء(16)وهو أيضا عرض لا يتوقف تعقله على تعقل الغير(17) ولا يقتضى القسمة في محله اقتضاء أوليا(18).
وللكيف أنواع:
1- كيف الكم: كالزوجية والفردية، و الاستقامة والانحناء ، والطول والعرض.
2- كيف المحسوس:(أ) إما راسخ كحلاوة العسل وحرارة النار(ب) أو غير راسخ:
- سريع الزوال ، يسمى انفعاليا كحمرة الخجل ، وصفرة الوجل.
- بطء الزوال ، كملوحة بعض الماء.
3 - كيف الملكة: وهو نوعان الأول ما يوجب الكمال وهو الناتج عن الاقتدار بلا كلفة، مثل ملكة العلم والكتابة.
والآخر ما لا يوجب الكمال: كاللين المعد أو الموجب للانقسام بسهولة(19).
رابعا: الإضافة: Relation
لغة: نسبة الشىء إلى الشىء مطلقا.
اصطلاحا: هى حال تعرض للجوهر، بسبب كون غيره فى مقابلته(20)، ولا يعقل وجودها إلا بالقياس إلى ذلك الغير، كالأبوة بين الأب وابنه(21) وتسمى مقولة الإضافة "بالنسبة المتكررة" ، أى النسبة التى حصل بها التكرر، ولا تعقل إلا بالقياس إليها.
وقد تكون الإضافة بين:
1- متفقين: كالأخوة، وهى لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى الأخوة.
2- أو بين مختلفين: كالأبوة، وهى لا تعقل إلا بأخرى وهى البنوة. وكالعمومة، لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى ولدية الأخ.
وكالزيادة، لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى النقص فكل إضافة نسبة، ولا عكس.
ويلاحظ أن النسبة مطلقا: أمر اعتبارى، ليس عرضا موجودا. كذلك فإن الكليات هى من مقولة الإضافة فالجيش مثلا، كالحيوان ، نسبة لا تعقل إلا بأخرى، وهو النوع كالإنسان.
وقد تعرض الإضافة للمقولات كلها:
كالأبوة والبنوة، للجوهر. وكالصغر والكبر للكم. وكالعلو والسفل للأين. والأقدمية والأحدثية، للمتى. وكالأسدية: انحناء وانتصابا، للوضع - أسد الشىء: أغلق خلله.
وكالأكسوية والأعروية ، للملك. وكالأقطعية، للفعل (أى تأثير الشىء فى غيره). وكالأشدية تقطعا ، للانفعال (أى كون الشىء متأثرا عن غيره مادام متأثرا)(22).
خامسا: الأين: Place
هو هيئة تعرض للجسم بسبب نسبته إلى المكان وكونه فيه(23) وهو سؤال عن مكان(24). ويسمى "أينا" لوقوعه جوابا لأين؟ كما يسمى "الكون" أيضا(25).
والأين نوعان:
1- أين أول: مثل كون الماء فى الكوب وهو حقيقى.
2- أين ثان: مثل كون محمد فى البيت وهو غير حقيقى.
سادسا: المتى: Time
هو نسبة الشىء إلى الزمان المحدد: الماضى والحاضر والمستقبل ، مثل: أمس الآن وغدا(27).
وسمى بذلك ، لوقوعه جوابا ل "متى"؟.
ولفظة "متى" تصلح لمطلق الزمان ، بخلاف "أيان" فإنها خاصة بالاستقبال.
وينقسم إلى:
1- متى حقيقى: وهوكون الشىء في زمان يطابقه ، ولا يزيد عليه ، كالخسوف فى ساعة كذا.
2- متى مجازى: كالخسوف يوم كذا.
وهما فى الأين أيضا(28).
سابعا: الوضع: Position
هو هيئة تعرض للجسم ، بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ، مثل: القيام ،و القعود، وغير ذلك(29) مثل وصف شخص ما بأنه جالس أو قائم.
ويلاحظ هنا حدوث نسبتين:
الأولى: نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ، والأخرى: نسبة أجزاء الجسم إلى أمر خارجى عنها.
فالقيام هيئة اعتبر فيها نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض بالطبع. كما اعتبر منها نسبة مجموع تلك الأجزاء إلى أمور خارجية عنها. ككون رأس الإنسان من فوق ورجليه من أسفل(30).
ثامنا: الملك: Habitus
وهو هيئة حاصلة للشىء بالنسبة لما يحيط به ، وينتقل بانتقاله. وذلك كالتعمم والتقمص والتختم والتسلح. والمراد لبس العمامة والقميص والخاتم والسلاح(31).
والملك يقابله الحرمان(32).
ولمقولة الملك شرطان:
الأول: الإحاطة، إما بالطبع ، كجلد الإنسان وإما بغيره: إما بكل شىء، كحال الهرة عند إرهابها، وهو ذاتى. أو ببعض الشىء كحال الإنسان عند تختمه ، وحال الفرس عند إلجامها وإسراجها ، وهو عرضى.
والثانى: أن ينتقل بانتقاله ، كالأمثلة السابقة.
أما إن وجد أحدهما دون الآخر، فلا يكون ملكا، فوضع القميص على رأسه ، وإن كان ينتقل ،لا يكون ملكا: لعدم الإحاطة.
والحلول فى الخيمة، وإن كان مشتملا على الإحاطة، لا يكون كذلك ، لعدم الانتقال(33).
تاسعا: الفعل: Activity
هو كون الشىء بحيث يؤثر فى غيره تأثيرا غير قار الذات ، مثل التسخين والقطع(34).
فالتسخين فعل ، لكونه تأثيرا من المسخن ،مادام مؤثرا(35) .
عاشرا: الانفعال: Passivity
هو قبول أثر المؤثر مادام مؤثرا ، مثل التسخين والانقطاع(36).
فتأثر الشمع ولينه ، انفعال ، مادام هو يتأثر للطابع ويلين(37).
وهناك ما يسمى سلسلة المحمولات وهى تابعة للمقولات العشر، وهى الكليات الخمس ، التى رتبها المناطقة كما يلى:
1- الجنس: Genus
وهو ما صدق على كثيرين مختلفين بالحقائق ، فى جواب: ما هو؟ مثل الحيوان فى: الإنسان حيوان(38).
2- النوع: Species
وهو ما صدق على كثيرين متفقين بالحقائق. كلفظ إنسان فى: محمد إنسان(39).
وكل واحد من الجنس والنوع إنما يكون مفهوما بالقياس إلى صاحبه(40)
3- الفصل: Difference
هو جزء الماهية، الصادق عليها مثل: الناطق ، باعتبار ماهية الإنسان(41).
4- الخاصة: Property
هى الكلى المقول على أفراد حقيقة واحدة، مثل: الضاحك للإنسان(42).
5- العرض العام: Accident
هو الكلى الخارج عن الماهية، الصادق عليها وعلى غيرها، مثل المتحرك للإنسان(43).
هذا ، ومن الجدير بالذكر، أن المقولات العشر وما يتبعها من الكليات الخمس ، قد أدت خدمات كبيرة جدا فى تطوير الفكر، خلال عشرين قرنا على الأقل. ومازالت أهميتها ماثلة فى المنطق الصورى وفى البحث العلمى، من ناحية التجريد أو التعميم العلمى(44).
ومع هذ الا يجب النظر إلى مقولات أرسطو على أنها شىء مثالى، مثل كل منطقه الصورى(45) بل لابد من عمل حساب طبيعتها الأدائية عبر العصور(46) كما يجب النظر فيها بالإضافة والحذف والتطوير، حتى لا تكون عائقا أمام التقدم والرقى.
أ.د/عبد اللطيف محمد العبد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المقولات العشرمحمد الحسنى البليدى من مقدمة د/ممدوح حقى صححه وقدم له د/ممدوح حقى ط1974 دار النجاح بيروت ص12.
2- المقولات ص9 ، 10.
3- التعريفات للجرجانى على بن محمد ص202 ط1357هـ-1938م البابى الحلبى بالقاهرة.
4- المقولات ص23. انظر د/محمد عزيز نظمى سالم ، المنطق الحديث 1983م وفلسفة العلوم والمناهج ص99-100 مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.
5- د/زكى نجيب محمودالمنطق الوضعى ص125 ط5، 1973م مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة.
6- التعريفات ص201-202.
7- التعريفات ص71.
8- د/عبداللطيف محمد العبدالتفكير المنطقى ص43، ط3، 1417هـ-1997م دار الثقافة العربية بالقاهرة.
9- ابن سينا القصيدة المزدوجة في المنطق ص6 (ضمن منطق المشرقيين) ط1328هـ/1910م المكتبة السلفية بالقاهرة.
10- د/جميل صليبا المعجم الفلسفى 424-1، ط1 ، 1917م دار الكتاب اللبنانى بيروت.
11- المعجم الفلسفى 1-427.
12- المقولاتص25-26.
13- التفكير المنطقى ص43.
14- التعريفات ص164.
15- المعجم الفلسفى 2-241 ط1 ، 1973م.
16- التعريفات ص166.
17- المقولات ص41.
18- المعجم الفلسفى 2-251.
19- المقولات ص42-43.
20- التعريفات ص23.
21- التفكير المنطقي ص43.
22- المقولات ص44-45.
23- التعريفات ص35.
24- المعجم الفلسفى 1-187.
25- المقولات ص46.
26- التفكير المنطقى ص43.
27- التعريفات ص175.
28- المقولات ص47.
29- التعريفات ص22.
30- المقولات ص48.
31- التعريفات ص204.
32- المعجم الفلسفى 2-419.
33- المقولات ص50.
34- التفكير المنطقى ص44.
35- المقولات ص51.
36- التفكير المنطقى ص44.
37- المقولات ص52.
38- التعريفات ص69.
39- التعريفات ص221.
40- ابن سينا منطق المشرقيين ص17 ط1328هـ ، 1910م المكتبة السلفية بالقاهرة.
41- التعريفات ص146.
42- التعريفات ص84.
43- التعريفات ص129 وانظر التفكير المنطقى ص46.
44- المقولات-مقدمة د/حقى ص11-12.
45- د/محمود قاسمالمنطق الحديث ومناهج البحث ص27 ط6، 1970م دار المعارف بمصر.
46- جون ديوى المنطق نظرية البحث ص442 ، ترجمة د/زكى نجيب محمود ط2 ، 1969م دار المعارف بمصر.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:09 PM
المكاييل

لغة: جمع مكيال ، وهوما يكال به ،حديدا كان أو خشبا، كما فى اللسان(1).
واصطلاحا: جاءت من الفعل كال الذى مصدره "كيلا"، والكيل: تقدير الأشياء بحجومها، كما فى معجم لغة الفقهاء(2).
ويكون الكيل للحجم ، أما الوزن فللثقل (انظر الموازين).
وقد عرف العرب قبل الإسلام المكاييل لتنظيم المعاملات التجارية فى شبه الجزيرة العربية وخارجها ، وقد أشار القرآن الكريم فى كثير من آياته إلى أنواع كثيرة من هذه المكاييل فى سورة يوسف حيث وردت الإشارة إلى كيل البعير فى قوله تعالى: {ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير}يوسف:65 ، وإلى السقاية فى قوله: {جعل السقاية فى رحل أخيه..}يوسف:70 ، وإلى الصاع أى الصواع(3) فى قوله: {قالوا نفقد صواع الملك}يوسف:72.
وقد جاء الحث بضبط المكيال عند البيع و الشراء ، حفاظا على حقوق الأفراد من الضياع من جراء التطفيف والغش فى آيات قرآنية عديدة منها قوله: {أوفوا الكيل إذا كلتم...) الإسراء:35.
وقد حافظت التشريعات الإسلامية على الأنواع المتعددة من المكاييل التى كانت قائمة فى الجزيرة العربية، والتى أوردها لنا أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتابه "الأموال" حصرا لها فى ثمانية أصناف هى: الصاع ، والمد ، والفرق ، والقسنط ، والمدى، والمختوم ، والقفيز، والمكوك ، وترتبط تقديرات هذه المكاييل المذكورة بالمد والصاع بوجه خاص ، وهما وحدتا الاكيل الرئيسة التى أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم فى المدينة، واتخذها معيارا لتقييم العبادات والكفارات(4).
ومهما تعددت أنواع المكاييل التى أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وما تعارفت عليه الجماعات والأقطار المختلفة ، فإنه يمكن لنا أن نحدد أن المكاييل منها مكاييل شرعية أشار إليها القاسم بن سلام فى "الأموال"، ومنها مكاييل عرفية إقليمية تعارف عليها أهل الأقاليم المختلفة.
ويمكن الإشارة إلى أشهر المكاييل المتعارف عليها بأنها الأردب ، والويبة، والكيلة، والربع ، والقدح: وله أجزاء وهى: نصف القدح ، الربعة، الثمنة، الخروبة، القيراط ، الملوة، النصاب ، البطة، المكتل ، الرطل ، الكيلجة، العو، الجريب ، الوسق ، الكسر، وذلك بجانب المكاييل الثمانية التى أشار إليها القاسم بن سلام.
وكل هذه مكاييل تستخدمها الجماعات فى تقدير الأشياء، وتتعلق بها كثير من المباحث الفقهية المختلفة، مثل زكاة الزروع والثمار، وصدقة الفطر، وكفارة الجماع فى نهار رمضان وغيرها كثير(5).
أ.د/على جمعة محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار المعارف5 /3968.
2- معجم لغة الفقهاء، محمد روس قلعة جى، وحامد صادق قينبى، دار النفائس ط1 1985م ص386.
3- المكاييل فى صدر الإسلام ، د/سامح عبد الرحمن فهمى، الفيصلية بمكة المكرمة 1981م ص23.
4- الأموال ، أبو عبيد القاسم بن سلام ، تحقيق د/محمد عمارة، دار الشروق ط1 ، 1989م ص615.
5- المكاييل فى صدر الإسلام ، د/سامح فهمى ص25.
مراجع الاستزادة:
1- الأحكام الفقهية المتعلقة بها كيل - وزن - مقياس منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وتقويمها بالمعاصر ، محمد بجم الدين الكردى ، مطبعة السعادة 1984م ص161 ومابعدها.
2- المكاييل والأوزان الإسلامية، فالترهنتس، ترجمة عن الألمانية د/كامل العسيلى ، منشورات الجامعة الأردنية 1970م.
3- النقود والموازين ، محمد عبد الرءوف المناوى، تحقيق د/رجاء محمود السامرانى ، منشورات وزارة الثقافة بالجمهورية العراقية 1981م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:10 PM
المكتبات

لغة: جمع مكتبة، وهى مكان بيع الكتب والأدوات الكتابية، ومكان جمعها وحفظها كما فى الوسيط(1).
واصطلاحا: هى تلك المؤسسات الفكرية التى تتجمع فيها الكتب أيا كان نوعها وتنظم وتحفظ وتحلل محتوياتها وتيسر الإفادة منها للمستفيدين.
وهى قديمة قدم الفكر الإنسانى نفسه وقد عرفت فى مصر القديمة والعراق القديم وبرجاموم ولدى الصينيين القدماء واليونان والرومان.
ولما كان الإسلام يقدر العلم والعلماء فقد حث على تحصيل العلم وتدوينه ، ورفع شأن المؤلفين ، وعمل على تشجيعهم. وكان من الطبيعى أن يقوم المسلمون بالتأليف والتدوين فى جميع جوانب العلم الدينية والعلمية على السواء. وكانت هناك منذ نهاية القرن الثانى الهجرى حركة تأليف وترجمة ونشر قوية للغاية، وتبع هذه الحركة بالضرورة إنشاء المكتبات التى تسعى إلى جمع وحفظ وتنظيم وتيسير الإفادة من الكتب. وقد عرفت تلك المكتبات عند المسلمين بتسميات شتى من بينها بيت الحكمة، دار العلم ، خزانة الكتب ،دار الكتب.
والدارس لتاريخ الكتب والمكتبات عند المسلمين يعلم أن الأرض الإسلامية قد زرعت مكتبات ، حيث وصفت "زيجريد هونكه" المسلمين بأنهم "شعب يذهب إلى المدرسة" وقد تنوعت المكتبات عند المسلمين تنوعا شديدا ، لدرجة أنه كانت عندهم أنواع منها انقرضت ولا نعرفها الآن فى أى مكان فى العالم مثل مكتبات المقابر ومكتبات التكايا ومكتبات الربط ومكتبات الخانقاوات. ويمكننا أن نعدد أنواع المكتبات عند المسلمين على الوجوه الآتية:
1- المكتبات الخاصة الشخصية.
2- مكتبات الدولة.
3- المكتبات العامة.
4- مكتبات المدارس.
5- مكتبات البلاطات.
6- مكتبات المساجد والجوامع.
7- مكتبات دور الحديث ودور القراءة.
8- مكتبات المستشفيات.
9- مكتبات التربة والمقابر.
10- مكتبات الرباطات.
11- مكتبات الخانقاوات.
12- مكتبات التكايا.
ومن أشهر المكتبات الخاصة مكتبة الصاحب بن عباد الذى كان تلميذا ومصاحبا لابن العميد وكان وزيرا ، وأول من لقب بالصاحب من الوزراء، ويقال: إن مكتبته بلغت حمل أربعمائة جمل أو يزيد. وكان فهرست المكتبة وحده يقع فى عشرة مجلدات. ويقول ول ديورانت عن هذه المكتبة فى قصة الحضارة، وكان عند بعض الأمراء كالصاحب ابن عباد من الكتب بقدر ما فى دورالاكتب الأوريية مجتمعة".
ومن أشهر مكتبات الدولة الإسلامية:
1- مكتبة بيت الحكمة فى بغداد التى بلغت قمة ازدهارها أيام الرشيد وابنه المأمون ، وكان بها عدة أقسام:
- قسم الكتب.
- قسم الترجمة.
- قسم البحث والتأليف.
- قسم المرصد الفلكى.
- قسم النسخ والتجليد.
وكان من بين مديريها سهل بن هارون ،سعيد بن هارون ، سلم الحرانى، أحمد بن محمد ، الحسن بن مراد الضبى. ويقال: إن مجموعاتها قد بلغت أكثر من مليونى مجلد.
2- مكتبة دار العلم بالقاهرة وقد خطط لها الحاكم بأمرالله وافتتحت سنة (395هـ/1005م) وقد قال عنها بابا روما سلفستر الثانى عبارته الشهيرة: "إنه لمن المعلوم تماما أنه لا يوجد أحد فى روما له من العلم ما يؤهله لأن يعمل بوابا لتلك المكتبة، وأنى لنا أن نعلم الناس ونحن فى حاجة لمن يعلمنا ، إن فاقد الشىء لايعطيه". وقد بلغت مجلداتها هى الأخرى نحو مليونى مجلد.
3- مكتبة سابور بن أردشير فى بغداد التى أسسها وأوقفها على الناس سنة 382هـ فى الكرخ فى بغداد وكان أبوالعلاء المعرى من بين المنتفعين بها وبما فيها من ذخائر.
4- مكتبة المدرسة النظامية فى بغداد التى يقال: إن الوزير السلجوقى نظام الملك أسسها فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى. وهو الوزيرالذى خطط لإنشاء المدارس الرسمية فى الدولة الإسلامية. وقد ضمت هذه المكتبة أكثرمن عشرة آلاف مجلد.
5- مكتبة المدرسة الفاضلية التى أسسها القاضى الفاضل وزير صلاح الدين الأيوبى والتى يقال: إن مجموعاتها بلغت مائة ألف مجلدة تقف شامخة بين المكتبات المدرسية بالقاهرة حيث لم تبلغ مكتبة مدرسية أخرى مكانتها.
6- ومن بين مكتبات البلاطات كانت مكتبات القصورالفاطمية التى وصفت فى المصادر بأنها من عجائب الدنيا وليس فى بلاد الإسلام جميعها دار كتب أعظم منها. وقد بلغت خزائن الكتب فيها أربعين خزانة.
ومن أسف أن مصائر المكتبات الإسلامية كانت مفزعة حيث كانت النهاية الحرق والتخريب والإغراق والسلب والتهريب للخارج ، ولم يصلنا من مقتنياتها أكثر من 5%.
أ.د/شعبان عبد العزيز خليفة



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية ، ودار المعارف ، ط3، مادة (كتب) 2/ 806.
مراجع الاستزادة:
1- فضل الحضارة الإسلامية والعربية على العالم ، زكريا هاشم زكريا ، دار نهضة مصر.
2- الحياة العلمية فى الدولة الإسلامية، محمد الحسينى عبد العزيز، وكالة المطبوعات الكويت.
3- موسوعة الحضارة الإسلامية د/أحمد شلبى.
4- لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات ، د/عبد الستار الحلوجى.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:11 PM
الملاحظة

لغة: لاحظه ملاحظة ولحاظا: راعاه(1).
وراقبه. ولاحظ عليه كذا: أخذه عليه والملاحظة: النظر بشق العين الذى يلى الصدغ. وتعنى كذلك ما يؤخذ على الرأى أو الكتاب من هنات.
كما أنها تعنى فى مناهج البحث العلمى: مشاهدة يقظة للظواهر كما هى ، دون تغيير أو تبديل.
والملحوظة: كلمة توضع على هامش الكتاب أو غيره عنوانا إلى ما ينبه عليه من خطأ أوسهو أو نقص(2).
هذا ولم ترد كلمة "ملاحظة" ولا مادتها فى القرآن الكريم.
واصطلاحا: هى أن يوجه الباحث عقله وحواسه ، إلى طائفة خاصة من الظواهر، لا لمجرد مشاهدتها بل معرفة صفاتها وخواصها ، سواء أكانت شديدة الظهور أو الخفاء(3).
ويفهم من ذلك أن الملاحظة هى المشاهدة الدقيقة لظاهرة ما، مع الاستعانة بأساليب البحث التى تتلاءم مع تلك الظاهرة.
والملاحظة تطلق أيضا على الحقائق المشاهدة التى يقررها الباحث فى فرع خاص من فروع المعرفة، كأن يقال: ملاحظات طبية، لكن يمكن أن يقال "طب إكلينيكى" وهو الذى يقوم على مجرد الملاحظة، فى مقابل "طب تجريبى" الذى يقوم على التجريب.
والملاحظة هى إحدى صور المعرفة التجريبية، التى تستلزم اليقظة والانتباه.
وهى ليست مجرد عملية حسية فى التفكير بل هى تتضمن تدخلا إيجابيا من جانب العقل ، الذى يقوم بنصيب كبير فى إدراك الصلات الدقيقة بين الظواهر، أو ما يسمى "الحدس بالقانون" ولابد فى كل ملاحظة من التفريق بين الذات المدركة والشىء المدرك. فلولا ذلك لما أمكن الانتقال من الذاتى إلى الموضوعى(4)
والملاحظة نوعان:
أ- ملاحظة فجّة: وهى كل ملاحظة سريعة يقوم بها الإنسان فى ظروف الحياة العادية، مثل ملاحظة الرجل العامى لأطوار القمر هلالا ثم بدرا وغير ذلك. لكن ملاحظته هذه لا تعين له السبب فى اختلاف أوجه القمر، وهى لا تهدف إلى تحقيق غاية نظرية أو الكشف عن حقيقة علمية، لكن بعض الملاحظات السريعة قد تكون سببا فى الكشف عن بعض القوانين الطبيعية الكبرى، مثل كشف نيوتن عن قانون الجاذبية، بعد أن شاهد تفاحة تسقط من شجرتها.
ب - ملاحظة علمية: وهى كل ملاحظة منهجية يقوم بها الباحث فى صبر وأناة، للكشف عن تفاصيل الظواهر وعن العلاقات الخفية التى توجد بين عناصرها، أو بينها وبين ظواهر أخرى.
وهنا يمكن التفريق بين نوعين من الملاحظة العلمية:
1- ملاحظة الكيف: وتستخدم فى العلوم التى تعمل على تصنيف الأشياء إلى أجناس أو أنواع ، كعلوم الحيوان والنبات ،بواسطة تحديد الصفات النوعية.
2- ملاحظة الكم: وهى معرفة العلاقات بين العناصر التى تتألف منها ظاهرة معينة، ومنها الملاحظات الفلكية والكيميائية والفيزيائية. وهى ترمى إلى التعبيرعن العلاقات التى تكشف عنها بنسب عددية ، محاولة الوصول إلى مرحلة الدقة التى وصلت إليها العلوم الرياضية(5)
والملاحظة فى مقابل التجريب Experi-mentation الذى هو منهج علمى يقوم على الملاحظة والتصنيف ووضع الفروض والتحقق من صحتها(6).
لكن الملاحظة والتجربة تعبران عن مرحلتين متداخلتين من الناحية العلمية(7).
وكثيرا ما تكون التجربة مجرد ملاحظة لتوليد فكرة جديدة فى ذهن العالم ، لا لاختبار فكرة سابقة موجودة لديه(8).
ويمكن الجمع بين الملاحظة والتجربة بشرطين:
1- الموضوعية: بمعنى الدقة التامة مع التجرد من العاطفة.
2- تحقيق بعض الصفات العقلية: كأن يتسم الباحث ملاحظا أم مجربا بروع النقد والتمحيص والفطنة والحذر وعدم التسرع فى التفسير والتأويل(9).
ولا ينبغى أن يغيب عن الباحث ملاحظا أو مجربا أن البحث عن السبب شىء هام جدا، مع التأكيد على أن المسبب هو الثمرة المنشودة ، فتسخين الحديد مثلا سبب ، لكن تشكيله هو المسبب وهو الغاية(10).
وهناك ما يسمى "الملاحظة المنجدة" وهي التى يستعين بها العالم على اختبار فكرته ، مثلما يستعين بالتجربة تماما.
وأشيرا فإن هناك "الملاحظة فى علم الأخلاق" ويقصد بها المراقبة لسلوك ما ، لمعرفة مدى مطابقته للقواعد المرسومة(11).
أ.د/عبد اللطيف محمد العبد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- مختار الصحاح ،الرازى (محمد بن أبى بكر ت 616هـ) مادة "لحظ"، استانبول تركيا سنة 1408هـ سنة 1987م.
2- المعجم الوجيز مجمع اللغة العربية مادة "لحظ" طبعة وزارة التربية والتعليم بمصر ط سنة 1414هـ سنة 1993م.
3- المنطق الحديث ومناهج البحث د/محمود قاسم دار المعارف بمصر ط6 سنة 1970م ص110.
4- المعجم الفلسفى د/جميل صليبا مادة "ملاحظة" دار الكتاب اللبنانى ط1 سنة 1973م 2/ 416.
5- المنطق الحديث ص112-118.
6- المعجم الفلسفى د/مراد وهبه. مادة "ملاحظة" دار الثقافة الجديدة بالقاهرة ط3 سنة 1979م ص423.
7- المنطق الحديث وفلسفة العلوم والمناهج د/محمد عزيز سالم ط1983م مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية ص166.
8- المعجم الفلسفى 2/ 416.
9- التفكير المنطقى د/عبد اللطيف العبد دار الثقافة العربية بالقاهرة ط3 سنة 1417هـ سنة 1997م ص156.
10- المنطق نظرية البحث جون ديوى ترجمة د/زكى نجيب محمود، ط1969م دار المعارف بمصر ص705.
11- المعجم الفلسفى 2/ 416.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:12 PM
الملائكة

لغة: الملك والملاك: جنس نورانى لطيف من خلق الله تعالى(1) وجمعها: ملائكة وملائك(2)، كما أن لفظ ملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله(3) {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}الأنبياء:27.
والملائكة حقيقة مؤكدة من حقائق هذا الكون وقد ورد ذكرهم فى القرآن الكريم ثمانيا وثمانين مرة، لما لهم من دور عظيم فى هذا الكون(4)، حسب المشيئة الإلهية.
والملائكة عالم لطيف غيبى غير محسوس ، خلقهم الله تعالى من نور، فهم من أشرف خلق الله تعالى، وهم عباد مكرمون ، مبرءون من الميول النفسية والأهواء الشخصية، ومطهرون من الشهوات ، ومنزهون عن الخطايا والآثام.
وليسوا كالبشر يأكلون ويشربون وينامون ، وهم أيضا لا يتصفون بذكورة ولا بأنوثة، ولا بأى حالة مادية مما يتصف به البشر.
وللملائكة قدرة على التمثل بصورة بشرية أو غيرها مما يأذن به الله عز وجل.
لقد جاء جبريل إلى مريم متمثلا فى صورة بشرية: {واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا}مريم:16-17.
وحكم الإيمان بالملائكة: أنه واجب ، لأنه يمثل الركن الثانى بعد الإيمان بالله ، كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}البقرة:285.
فجعل الله سبحانه وتعالى، الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من آمن بهذه الجملة: "مؤمنين". كما جعل الكفر بهذه الجملة، فقال عز وجل من قائل: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا}النساء:136.
وفى حديث جبريل المتفق على صحته ، حيث سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، فأجاب بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم(5).
وقد أوجب الله تعالى، الإيمان بالملائكة هكذا، لما لهم من شأن كبيرفى عالم الروح ،ودور إيجابى فى الكون ومخلوقاته ومنها الإنسان. وإن الإيمان بهم يدفع إلى محاولة المعرفة بأوصافهم والتخلق بشمائلهم ، وفى ذلك تطهير للقلب وتصفية للنفس(6)، وهو من علامات البر، ومن دلائل الصدق والتقوى والتعاون على الخير:
{ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين}البقرة:177.
وكما خلق الله الجان من نار، وآدم من طين ، خلق الملائكة من نور فعن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)، أى من طين(رواه مسلم عن عائشة)(7).
وخلق الملائكة متقدم على خلق الإنسان ، بدليل أن الله تعالى قد أخبرهم سلفا بأنه سيخلق الإنسان ، ويجعله خليفته فى الأرض: {وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم مالا تعلمون}البقرة:30.
ومسكن الملائكة عليهم السلام السماء، وينزلون منها حسب التوجيه الإلهى. فقد أخرج أحمد والبخارى من حديث ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: (ما يمنعك أن تزونا أكثر مما تزونا؟) قال: فنزلت: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا}مريم:64.
ويرى بعض العلماء أن البشر عموما أفضل من الملائكة بحسب الظاهر. وحجة هؤلاء أن الملائكة عجروا عن الإجابة على الأسماء التى عرضت عليهم ، بينما أجاب عليها آدم ، فشرف بالعلم الذى خصه الله به.
وكدلك فى أمر الله للملائكة بالسجود لآدم ما يفيد تفضيله عليهم (انظرسورة البقرة من الآية 31 إلى 34)، وأيضا فإن طاعة الملائكة جبلية، وتركهم للمعصية لا يحتاج لأدنى مجاهدة، فهم لا شهوة لهم ، بينما الإنسان يحتاج إلى مجاهدة لمصارعة هواه ،وترقية روحه(8).
وينسب إلى أهل السنة تفضيل الأنبياء وصالحى البشر فقط على الملائكة.
كما ينسب إلى المعتزلة تفضيل الملائكة على البشر.
وكذلك ينسب إلى الشيعة تفضيل أئمتهم على جميع الملائكة.
والواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين ،ولسنا مكلفين بأن نعتقد أى الفريقين أفضل ، وإلا لبينه الكتاب والسنة، مثلما جاء تفضيل بعض الأنبياء والرسل على بعض(9) فى {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}الإسراء:55 {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}البقرة:253.
أما تفاوت الملائكة فيما بينهم فهو حاصل ، سواء في الخلق أم فى الأقدار، فالتفاوت فى الخلق مثل: {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء قدير}فاطر:1 ، أى أن الله خلق الملائكة وجعل لهم أجنحة: فمنهم من له جناحان ، أو ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر، فعن ابن مسعود (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح) (رواه مسلم عن ابن مسعود) وإن كثرة الأجنحة دليل على شدة السرعة فى تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالته: {وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون}الصافات:164-166.
فما من ملك إلا له موضع مخصوص فى السموات ، ومقام فى العبادة لا يتجاوزه ولا يتعداه. كما أنهم يصطفون فيسبحون الرب ويقدسونه وينزهونه ، فهم عبيد له ، فقراء إليه ، خاضعون له.
وفى الملائكة ثلاثة رؤساء مقربين أكثر من سواهم ، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قال تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين}البقرة:98. وفى الحديث: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون:
اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم)(رواه مسلم).
وهؤلاء موكلون بالحياة: فميكائيل موكل بالقطر الذى به حياة الأرض والنبات والحيوان ، وإسرافيل موكل بالنفخ فى الصور الذى به حياة الخلق بعد مماته ، أما جبريل عليه السلام فهو موكل بالوحى الذى به حياة القلوب والأرواح: {نزل به الروح الأمين}الشعراء:193. وسمى جبريل روحا ، لأنه حامل الوحى الذى به حياة القلوب ، إلى الرسل من البشر(11) وهو كذلك أمين حق أمين.
وجاء فى وصفه أيضا: {إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثم أمين}التكوير:19-21.
وقد دل القرآن والسنة، على أصناف الملائكة، وأنهم موكلون بالسموات والأرض: من جبال وسحاب ومطر: {فالمدبرات أمرا}النازعات:5 ، وقد ظن الكفار أن النجوم هى التى تقوم بهذا التدبير.
والملائكة أعظم جنود الله تعالى، وفيهم طوائف وفرق مثل: المرسلات والعاصفات والناشرت والفارقات والملقيات ذكرا(انظر سورة المرسلات 1-4) والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات والصافات والزاجرات والتاليت ذكرا (انظر سورة الصافات 1-3).
وكل من هؤلاء له مقام معلوم لايتخطاه ، وعمل قد أمربه ، لا يقصر عنه ولا يتعداه ، وهم رسل الله فى خلقه وأمره ، وسفراء بينه وبين عباده ، وهم لكثرتهم يدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه. والله عز وجل يكرمهم ، ويقرن اسمه باسمهم ،وصلاته بصلاتهم ، ويضيفهم إليه فى مواضع التشريف ، ويصفهم بالطهارة والإخلاص: {هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}الأحزاب:43.
والملائكة موكلون بكتابة أعمال العباد وأقوالهم ، بل نياتهم ، لأنها فعل القلوب فدخلت فى عموم {يعلمون ما تفعلون}الانفطار:12، ومما يشهد لذلك حديث الشيخين وأحمد والترمذى: (إذا هم بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة. وإذا هم عبدى بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرة).
ولا يمر سلوك للإنسان دون أن يسجله الملاثكة عليهم السلام: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}ق:18.
وهم يسجلون ذلك فى سجل لكل فرد، ثم تعرض يوم القيامة: {وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}الإسراء:13-14.
بل إن الملائكة يشهدون على الإنسان يوم العرض بما شاهدوه منه من خيرأو شر: {ونفخ فى الصورذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}ق:20-22.
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر. فيصعد الذين كانوا فيكم فيسألهم - والله أعلم بهم - كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون ،وفارقناهم وهم يصلون).
والمرء بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلا: حافظان: واحد من أمامه ، والآخر من ورائه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. وكاتبان: صاحب اليمين يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات(12).
ومما يقوم به الملائكة الكرام التسبيح والخضوع التام لله تعالى (الأعراف 206 ، الزمر75)، وحمل العرش (غافر 7)، والتسليم على أهل الجنة (الرعد 23-24)، وتعذيب أهل النار (المدثر 27-31)، وحفظ الإنسان من بعض الحوادث ومن أذى الجن والشياطين ، وطلب المغفرة للتائبين (غافر 7-9) وتأمينهم مع المصلين: (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفرله ما تقدم من ذنبه)(رواه أحمد وأبو داود والنسائى).
ويحضرون صلاة العصر والفجر {إن قرآن الفجر كان مشهود}الإسراء:78 ، أى صلاة الفجر. وينزلون عند قراءة القرآن ويستمعون إليه ، كما حدث مع أسيد بن حضير، حين كان يقرأ بالليل فرأى مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت فى الجو، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : (تلك الملائكة كانت تسمع لك) رواه الشيخان ، واللفظ لمسلم.
كما أنهم يحضرون مجالس الذكر، كما فى الحديث: (إن لله ملائكة يطوفون فى الطريق يلتمسون أهل الذكر) (رواه البخارى بهذا اللفظ ورواه مسلم بلفظ آخر).
وهم أيضا يصلون على المؤمنين ، ولاسيما أهل العلم منهم: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير) (رواه الترمذى، وقال حديث حسن). وفى حديث آخر: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع). أبو داود والترمذى.
وقد تحمل الملائكة بشرى إلى شخص صاحب موقف طيب. فقد روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (زار رجل أخا له فى قرية أخرى، قال: أريد أخا لى فى هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها -أى تصلحها - قال: لا، غير أنى أحببته فى الله عز وجل. قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك ،كما أحببته فيه).
ومن تكريم الله عز وجل لملائكته أن يعلمهم بمن يحبه وبمن يبغضه ،كما فى الحديث: (إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل ، فقال: إنى أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادى فى السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض. وإذا أبغض عبدا...). رواه مسلم ومما يقوم به الملائكة من وظائف سامية، أنهم يثبتون المؤمنين بما يلقونه فى قلوبهم من التأييد أثناء الجهاد: {إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا}الأنفال:12.
والملائكة أيضا موكلون بقبض الأرواح بقضاء الله وقدره ،فيتولى ملك الموت قبضها واستخراجها ، ثم يتولاها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ، وهم أعوانه: {قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون}السجدة:11.
وتقوم الملائكة بتحية الطيبين عند قبض أرواحهم ، ويبشرونهم بالجنة: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ، يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}النحل:32.
أ.د/عبد اللطيف محمد العبد

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:12 PM
--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم المفرس لألفاظ القرآن الكريم ، محمد فؤاد عبد الباقى، دار الفكر بيروت.
2- المعجم الوجيز مجمع اللغة العربية، وزارة التربية والتعليم بمصر 1414هـ/1993م ، مادة (ملك).
3- مختار الصحاح الرازى ، استانبول تركيا 1408هـ/1987م ، مادة (ملك).
4- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبى العز الدمشقى، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ، دار البيان ط1 دمشق 1401هـ/1981م ص274.
5- صحيح مسلم بشرح النووى، المطبعة المصرية، 1/ 157.
6- العقائد الإسلامية، سيد سابق ، دار الكتاب العربى، بيروت 1406هـ/1985م ص9.
7- صحيح مسلم ، كتاب الزهد.
8- العقائد الإسلامية، ص113.
9- شرح العقيدة الطحاوية، ص275-276.
10- منهاج المسلم ، أبو بكر الجزائرى، دار الشروق ، ط7 1407هـ/1987م ، ص32-35.
11- شرح العقيدة الطحاوية، ص377.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:13 PM
المَهْر

لغة: هو ما يلتزم الزوج بأدائه إلى زوجته حين يتم زواجه بها. كما فى المعجم الوجيز(1).
واصطلاحا: اسم للمال الذى يجب فى عقد النكاح على الزوج فى مقابل البضع ، إما بالتسمية أو بالعقد(2).
وقد أوجبه الشارع الحكيم للزوجة، كحق مقرر لها بعقد النكاح لقول الله تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}النساء:4 ، وما رواه سهل الساعدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمريد الزواج من امرأة: (التمس ولو خاتما من حديد) متفق عليه(3).
والمهر المسمى هو الذى يتفق المتعاقدان على مقداره ، ويذكر أنه عند التعاقد أو بعده ، وهو يجب للمرأة إذا صح عقد نكاحها، وكان المسمى مالا متقوما معلوما.
ومهر المثل: هو الذى يفرض بحسب العادة فى مثل المرأة التى يراد تزوجها إذا حدث أن فسد تسمية المهر، أو لا يسمى للمرأة مهر، أو يتفق المتعاقدان على نفى المهر، أو يحدث الدخول بالمرأة فى نكاح فاسد ، أو الاشتباه فى حل المدخول بها، فيجب للمرأة فى هذه الحالات مهر مثلها من النساء.
وإيجاب الصداق للمرأة على من يريد الزواج بها فيه إعزاز لها، ورفعة لشأنها عنده ،حيث يبذل لها ما يجهد المرء نفسه فى سبيل اكتسابه وما تضن به النفس عادة، وهذا أدعى إلى دوام العشرة بين الزوجين.
وقد تميز التشريع الإسلامى بذلك عن كثير من الشرائع والأعراف التى لا توجب للمرأة هذا الحق على زوجها، بل قد تفرض عليها بذل المال لمن يتزوجها فى مقابل زواجه بها.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، طبعة 1411هـ1990م.
2- رد المحتار على الدر المختار، محمد أمين (ابن عابدين)، ط2، 1383هـ/1963م المطبعة الأميرية ، القاهرة 2/ 337.
3- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، ط2 1413هـ/1992م نشر دار الصفوة بالغردقة ، 2/ 330.
مراجع الاستزادة:
1- الشرح الصغير، أحمد الدردير، ط2 ، 1383هـ/1963م ، مطبعة المدنى. القاهرة.
2- المغنى، عبد الله أحمد بن قدامة، ط1 ، 1348هـ/1931م ، مطبعة المنار. القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:13 PM
المؤاخاة

لغة: أخا فلانا - أخوة، وإخاوة: اتخذه أخا (آخى فلانا مؤخاة وإخاء: اتخذه أخا) المعجم الوسيط مادة (أخو)(1).
واصطلاحا: الأخوة فى الدين الإسلامى أعلى رباط اجتماعى، ذلك أن الأخوة فى الدين ناتجة عن الإيمان العميق به ، بحيث يخضع لأوامر ربه دون سواه ، ومن ثم تكون هناك عاطفة قوية موحدة تجمع المسلمين جميعا.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة فى قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}الحجرات:10 ، كما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (المسلم أخو المسلم) وقوله: (وكونوا عباد الله إخوانا) بمعنى كونوا حريصين على أخوة الدين التى تجمع بينكم.
والحب الذى يجمع بين الأخوة فى الدين ليس حبا ينصب على الذات ، وإنما هو منصب على الإيمان الذى يربط بين المؤمنين ،بحيث يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ،فالإيمان هو الرباط الدائم بين إخوة الدين ،وهو الذى يضبط سلوك المؤمنين وعاداتهم.
إذ يقول الله تعالى: {لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}المجادلة:22.
كذلك يوضح الله نعمته إذ جعل المؤمنين إخوانا يجمعهم الإيمان ، وعظم فضل الأخوة التى ارتبطت بفضل الإيمان ارتباطا وثيقا، إذ يقول تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}آل عمران:103.
هكذا حرص الإسلام على المؤاخاة بين المسلمين ، حتى فى أكثر الأمور خصوصية مثل الميراث ، إذ كان الميراث فى بداية الإسلام بالأخوة فى الدين لا فى النسب ، ولم يكن المسلمون الأوائل يبخلون بمالهم على إخوانهم المسلمين الفقراء الذين عانوا وطأة الاضطهاد بسبب دينهم.
ولذلك فإن النبى صلى الله عليه وسلم حين رأى مجتمع المدينة ممزقا حينما هاجر إليه بسبب الخلافات بين الأوس والخررج من ناحية، وبسبب فقر معظم المهاجرين وعوزهم من ناحية أخرى، طبق مبدأ أخوة الإسلام بحيث يشعر كل مسلم أنه مكفول كفالة تامة فى المجتمع الإسلامى.
ويقوم مبدأ المؤاخاة الذى طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم على أساس أن المسلمين جميعا أخوة، يعطى الغنى منهم فقيرهم بالمعروف ويعين القادر منهم غير القادر، إذ أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتأخوا فى الله اثنين اثنين ، أو أخوين أخوين ، فقد أخذ بيد على بن أبى طالب وقال: هذا أخى، وكان حمزة بن عبدالمطلب أسد الله ، وزيد بن حارثة مولى النبى أخوين ،وأبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجى أخوين.
وهكذا تآخى كل واحد من المهاجرين مع رجل من الأنصار.
كانت المؤاخاة بهذا المفهوم الاقتصادى الاجتماعى درسا فى التنظيم الاجتماعى ولم يكن معناها أبدا أن يركن المهاجرون إلى الدعة، ويتوقفوا عن السعى وراء الرزق بل كان الهدف ترسيخ قيمة التكافل الاجتماعى بين من يشتركون فى أخوة الدين الإسلامى، بحيث يعين المسلم أخاه المسلم في وقت الحاجة الملحة دون تواكل على الغير بدون لببه أو ضرورة، ولذلك اشتغل بعض المهاجرين بالتجارة، على حين عمل البعض الآخر، فى حقول الأنصار ومزارعهم.
ونخلص من هذا كله بأن الأخوة فى الإسلام منَّ بها الله على المؤمنين ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - طبقها عمليا فى المؤاخاة التى قام بها بين المهاجرين والأنصار تثبيتا لدعائم المجتمع المسلم ، وترسيخا للأسس التى قامت عليها أمة المسلمين.
أ.د/قاسم عبده قاسم



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- الأخوة فى الإسلام د/عبد الله ناصح علوان.
2- الأخلاق فى الإسلام د/عبد اللطيف العبد ط دار الثقافة العربية.
3- تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق لابن مسكويه.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:14 PM
الموازين

لغة: جمع ميزان ، وهو الآلة التى توزن بها الأشياء كما فى اللسان(1)، كما تطلق على المقادير القياسية التى توزن تبعا لها الأشياء.
وقد تعامل العرب فى الإسلام وما قبله بالأوزان ، وكانت هذه الأوزان كثيرة، لكن الأساس منها يتمثل فى الدرهم والدينار.
وقد تنوعت الأوزان واختلفت مقاديرها ،ويلاحظ فيها أن الأوزان الصغيرة تستعمل للأشياء الثمينة، والمتوسطة لمتوسطة القيمة،والكبيرة لدنيئة القيمة.
واصطلاحا: الوزن أصل الكيل ، نلاحظ ذلك فى كلام الفقهاء، فإذا عرف الوزن عرف الكيل. ولذا فإنهم يقدرونه بالمد والصاع - وهما من الكيل - بالرطل والدرهم - وهما من الوزن - وقد خلط الفقهاء بين الكيل والوزن ،فجعلوا - مثلا - الرطل والدرهم وهما من الوزن من أجزاء المد والصاع وهما من الأكيال ، فيجب معرفة الدرهم والرطل أولا حتى يسهل معرفة المد والصاع.
وهناك فرق بين الكيل والوزن ، فالكيل للحجم والوزن للثقل ، قال تعالى: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم}الشعراء:181-182. ويظهر من الآية أنهما متغايران ، إذالعطف يقتضى المغايرة.
وقد ورد فى القرآن الكريم والسنة الغراء كثير من الأوزان مثل: المثقال ، القسطاس المستقيم ، والذرة، وحبة الخردل ، والقنطار ، والنقير، والأوقية ، والدرهم ، وغيرها.
وهناك أوزان أخرى عرفت فى صدر الإسلام مثل: الطسوج ، والقيراط ، والدانق ،والدرهم ، وهو أنواع مختلفة منها: الدراهم الطبرية ، والدرهم البغلى، والدرهم الحوراقى، والدرهم الجواز، والدينار وله أنواع عدة منها: الدينار الحرقلى الرومى، والدينار الكروى، دينار عبد الملك بن مروان ، وغيرها ، والنواة،والنش ، والرطل ، والمن.
والأوزان لها مكانة عليا فى معاملات الناس ، إذ تعتبر مقياسا مهما لها، وتتعلق بها بعض الأحكام الفقهية التى تسير بها الحياة، ومن المسائل الفقهية المهمة التى يلاحظ أن الموازين لها دخل وحظ عظيم فيها: زكاة النقدين ، ومقدار نصاب السرقة، وأقل المهر فى النكاح ، وكفارة الجماع فى الحيض ، ودية القتل العمد والقتل الخطأ وغيرها كثير(2).
أ.د/على جمعه محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار المعارف ، مادة (وزن) 6/ 4828.
2- المقادير الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بها ، محمد نجم الدين الكردى ، مطبعة السعادة 1984م ، ص25 وما بعدها.
مراجع الاستزادة:
1- المكاييل والأوزان الإسلامية، فالتر هنتس ، ترجمه عن الألمانية، د/كامل العسيلى ، منشورات الجامعة الإردنية 1970م.
2- الأوزان والمقادير، الشيخ إبراهيم سليمان العاملى، ط1-1962م ، مطبعة صور الحديثة بلبنان.
3- الميزان فى الأقيسة والأوزان ، على باشا مبارك ، المطبعة الأميرية الكبرى 1892م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:14 PM
المواقيت

لغة: جمع ميقات ، وهو الحد، تقول: وقت الشىء يوقته ، ووقته يقته إذا بين حده ،ثم اتسع فيه ، فأطلق على المكان فقيل للموضع: ميقات ، والميقات بصدد الوقت كما فى اللسان(1).
واصطلاحا: يطلق على الوقت المضروب للشىء، كما يقال للمكان الذى يجعل منه وقت الشىء كميقات الحج(2).
والمواقيت كما يظهر من التعريف زمانية ومكانية، وهى تعتبر حدودا لأداء العبادات سواء كان ذلك فى بدايتها أونهايتها.
والميقات الزمانى له علم خاص به يسمى "بعلم الميقات"(3) وهو علم يعرف به أزمنة الأيام والليالى وأحوالها ، وفائدته تتلخص فى معرفة أوقات العبادات.
ويهتم علم الميقات الزمانى بتحديد أوائل الشهور القمرية ونهايتها حتى تقام العبادات بناء على ذلك ، كما يهتم بالنظر فى الكواكب والبروج من حيث سيرها،وهوعلم له خطر عظيم ، إذ هو وسيلة إلى المقاصد المطلوبة شرعا لمصالح الدين والدنيا، فالجهل بالأوقات سبب للجهل بأمر الصلاة والزكاة.. فقد يضعها الإنسان فى غير محلها، فيصلى فى غيرالوقت ويصوم وقت الإفطار ويفطر وقت الصوم.. وهكذا مما لا يخفى.
وبدرجة أهمية المواقيت الزمانية تكون درجة المواقيت المكانية وأهميتها ،إذ إن الاهتمام بزمن العبادة يتبعه بالتالى الاهتمام بمكانها.
وتظهر الأهمية بالنسبة للمواقيت المكانية مثلا فى الحج ، فالمسلمون يقصدون الأراضى المقدسة لتأدية فريضة الحج من كل فج عميق ، فوقت لهم الشارع الحكيم مواقيت مكانية لا يتعدونها ، وهناك مواقيت خمسة للحاج أن يراعيها:
- ذو الحليفة: وهو ميقات أهل المدينة.
- الجُحفة: وهو ميقاف أهل الشام ، ومصر، والمغرب.
- يلملم: وهو ميقات أهل اليمن.
- قرن: وهو ميقات أهل نجد.
- ذات عرق: وهو ميقات أهل العراق ،وخراسان ، والمشرق.
وهى مواقيت لأهلها، ولمن مر بها من غير أهلها، فمن مر عليها يريد النسك لزمه أن لا يجاوزها حتى يحرم ، فإذا جاوز الميقات يريد النسك ثم أحرم دونه فعليه دم سواء عاد إلى الميقات أو لم يعد(4).
أ.د/على جمعه محمد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار المعارف 6/ 4887.
2- التوقيف على مهام التعاريف ، محمد عبد الرءوف المناوى، تحقيق محمد رضوان ، دار الفكر المعاصر ، ط1 بيروت 1990م ص731.
3- شرح النابلسى المسمى فتح المنان على المنظومة المسماه تحفة الإخوان ، للشيخ أحمد القاسم فى علم الميقات المطبعة الخيرية بجمالية مصر المحمدية ، ط1 ، 1308هـ ، ص5.
4- مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ، أبو الفرابن الجوزى ، تحقيق د/مصطفى محمد حسنين الذهبى ، دار الحديث ط1 ، 1995 القاهرة ، ص146.
مراجع الاستزادة:
1- علم الميقات ، الشيخ أحمد موسى الزرقاوى الفلكى، مطبعة الهلال ، الفجالة، مصر 1912م.
2- معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعه جى، وحامد قنيبى، دار النفائس ، بيروت 1985م.
3- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، دار المعارف ، القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:14 PM
الميراث

لغة: انتقال الشىء من شخص إلى آخر بعد الوفاة، سواء كان الانتقال إلى وارث موجود، أو فى حكم الموجود كالجنين ، كما فى القاموس(1).
واصطلاحا: استحقاق نصيب فى تركة المتوفى، بسبب قرابة أو زوجية أو ولاء(2).
وأسباب الميراث المتفق عليها هى: القرابة والزوجية، ومن أدلة مشروعية الاستحقاق بسببهما: قول الله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}النساء:7 ، وقوله سبحانه: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد..}النساء:12 ، وما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر) متفق عليه(3).
ونظام الميراث فى الإسلام نظام إلهى، لا دخل للبشر فى ترتيبه الحقوق فيه ، فهى مترتبة من قبل الشارع لكل من قام به سبب الإرث عند وفاة المورث ، حيثه يعطى كل وارث نصيبه المقدر له إن كان من أصحاب الفروض ، أو يأخذ الباقى من أصحاب الفروض إن كان يرث بالتعصيب.
ولا يحرم من الميراث أحد ممن قام به سبب الإرث ، إلا أن يكون قاتلا لمورثه أو مختلفا معه فى الدين.
ولم يمنع الإسلام المرأة من الإرث كما هو الحال فى الشريعة اليونانية أو اليهودية أو الأعراف القبلية القديمة، ولم يمنع الإسلام الطفل أو حتى الجنين فى الرحم من الإرث ،كما هو الحال فى الأعراف القبلية القديمة، حيث كان لا يعطى من التركة إلا الرجال الأقوياء، ولم يميز الإسلام عند توزيع الأنصبة فى الإرث بين الكبير والصغير، كما فى شريعة اليهود، حيث يعطى فيها الابن الأكبر للمتوفى ضعف ما يعطى الأصغر.
ومن خصائص نظام الميراث الإسلامى:
1- أنه نظام إجبارى فى حق المورث والوارث ، فليس للمورث حرمان أحد من الميراث ، وليس للوارث رد إرثه من قريبه ،خلافا لبعض النظم التى تجعل حق الإرث اختياريا لكليهما.
2- حرصت الشريعة الإسلامية على حفظ حق الورثة فى مال قريبهم قبل موته ، إذا مرض مرضا يسلمه إلى الموت ، حيث منعته من التصرف فى ماله بما يضر بورثته أو يضيع حقوقهم فى ماله ، بعد أن تركت له الحرية المطلقة فى التصرف فى ثلث هذا المال.
3- وقد جعلت الشريعة الإسلامية تركة الميت لأحب الناس إليه ، وأكثرهم صلة به ،وتعاونا معه فى حال حياته.
4- وجعلت التوارث داخل نطاق الأسرة الواحدة، بما يحقق الترابط بين أفرادها.
5- وجعلت أساس تقديم بعض الورثة على بعض: قوة القرابة، وشدة الصلة بالميت ، واتصال المنافع بين الوارث والمورث.
6- اعتبرت الشرعية الإسلامية الحاجة هى أساس التفاضل فى الميراث عند الاتفاق فى سبب الاستحقاق ، ولهذا جعلت نصيب البنت نصف نصيب أخيها الذكر،لأن حاجته إلى المال أشد من حاجتها إليه ، ومطالب الحياه وتبعتها بالنسبة له أكثرمنها.
7- ونظام الميراث فى الإسلام يحول درن جميع الثروة فى يد واحدة على حساب الآخرين ، ويؤدى إلى تفتيت الثروة على أكبر عدد من المستحقين للتركة، فيستفيد من خيرها طائفة كبيرة من أقارب الميت.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعقوب الفيررز آبادى، ط2 ، 1371هـ/1952م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 1/ 167.
2- النبراس ، لعبد الفتاح محمود إدريس ، ط1 ، 1416هـ-1995م ، مطبعة الأخوة الأشقاء القاهرة ص184.
3- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ، ط2، 1413هـ-1992م ، نشر دار الصفوة ، الغردقة 2/ 395.
مراجع الاستزادة:
1- الميراث والوصية فى الإسلام ، لمحمد زكريا البرديسى، طبعة 1383هـ-1964م ،الدار القومية القاهرة.
2- أحكام التركات والمواريث ، للهادى السيد عرفة، طبعة 1417هـ-1996م ، مكتبة الجلاء الجديدة المنصورة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:15 PM
موسوعة المفاهيم / النون

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:15 PM
النبوة

لغة: النبوة و النباوة الارتفاع ، أو المكان المرتفع من الأرض. و"النبى": العلم من أعلام الأرض التى يهتدى بها، ومنه اشتقاق "النبى" لأنه أرفع خلق الله ، وذلك لأنه يهتدى به. النبأ: الخبر، يقال: نَبِأ، ونَبأ وأنباء: أخبر، ومنه: النبى ، لأنه أنبأ عن الله.
"النبوءة" و"النبوة": الإخبار عن الغيب ، أو المستقبل بالإلهام ، أو الوحى.
واصطلاحا: عرف الإنسان منذ القدم كلمة: "النبوة"، فقد وجدت فى جميع اللغات واللهجات ، غير أن استعمالاتها تعددت وتنوعت ، ففى اليونانية القديمة كانت تطلق على المتكلم بصوت جهورى، أوعلى من يتحدث في الأمور الشرعية، وعند الفراعنة كانت تطلق علي كهنة آمون ، كما أطلقت على "إيزيس" في مصر القديمة، وعلى زرابيس فى روما، وكلاهما لايخرج عن هذا المعنى.
لم يقتصر الأمر على إطلاقها على من يعمل فى الحقل الدينى، بل أطلقت أيضا على السحرة والمنجمين ، وكذلك على من اختل عقلهم ، وضعف تفكيرهم ، فأتوا من الأعمال ما لايفهمه العقلاء، وقد ذكر علماء مقارنة الأديان عدة أنواع من النبوات ، منها: نبوة السحر، ونبوة الرؤيا والأحلام ، ونبوة الكهانة، ونبوة الجذب ، أوالجنون المقدس ،ونبوة التنجيم.
وكانت كلمة النبوة عند بنى إسرائيل تفيد معنى الإخبار عن الله ، ولذا كانت تطلق على من يتخرجون من المدارس الدينية، حيث كانوا يتعلمون فيها تفسيرشريعتهم ، كما كانوا يدرسون أيضا الموسيقى والشعر، لذا كان منهم شعراء ومغنون وعازفون على آلات الطرب ، وبارعون في كل مايؤثر فى النفس ويحرك الشعور والوجدان ، ويثير رواكد الخيال. ومن المسلم به أن خريجى هذه المدارس لم يكونوا على درجة واحدة من الصفاء الذهنى، والإدراك العقلى، كما لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من التقوى والصلاح ، ولذا لم تفرق الكتب المقدسة قبل الإسلام فى حديثها عن الأنبياء بين من يتلقون الوحى من الله ، وبين من يدرسون شريعة الله ويشرحونها للناس ، فجاء حديثها - أحيانا - عن أنبياء كذبة ، إذ نجد فى سفر أشعياء حديثا عن النبى الكذاب ، حيث يقول: "الشيخ المعتبر هو الرأس والنبى الذى يعلم بالكذب هو الذنب (9-15)، ويقول متى: "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ، ويضلون كثيرين" (24-11)، ويقول لوقا: "لأنه هكذا كان يفعل آباؤهم بالأنبياء الكذبة" (6-26)، ويصف يوحنا فى رؤيته خروج الأرواح النجسة من فم النبى الكذاب.
وحين نزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم حدد معنى كلمة "النبوة"، فوضح أن النبى هو مانزل عليه وحى الله وأمر بتبليغه للناس ، فهو ليس ساحرا ، لأن الفلاح لايكون حليفه ، يقول تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى}طه:69 ، كما أن مايبلغه عن ربه ليس شعرا ، يقول تعالى: {وما هو بقول شاعر قليلا ماتؤمنون}الحاقة:41 ، فلا ينبغى أن يقرن النبى بالشاعر، أو بمن يلقى الكلام بصوت جهورى، كما كان ذلك معروفا عند اليونان ، كما أنه ليس كاهنا كما كان معروفا عند قدماء المصريين ، إذ نص القرآن الكريم عنه هذه الصفة، فقال تعالى: {ولابقول كاهن قليلا ماتذكرون}الحاقة:42.
فإذا بين القرآن الكريم أن النبى ليس شاعرا ولاكاهنا ، فالأولى أن ينفى عنه وصفا كان يطلقه بعض الناس على المشعوذين باسم الدين ، وهو الجنون المقدس ، فقال تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}القلم:2 ، أى ما أنت بهذا الذى نزل عليك من الله بواحد من هؤلاء الذين كانوا يعرفون بين الناس بأنهم "مجاذيب"، أو لديهم "جنون مقدس". وأخيرا لست ممن يتخذون العرافة
والتنبؤ بالغيب حرفة لهم ، فلا يلتبس ما تبلغه عن الله بكلام من يدعون أنهم يعرفون الغيب ، يقول تعالى: {فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين}يونس:20 ، ويقول: {وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلاهو}الأنعام:59 ، ويقول: {قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك ، إن أتبع إلاما يوحى إلى، قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون}الأنعام:50.
وبهذا فرق الإسلام بين النبوة الإلهية، وبين ملابساتها من الكهانة، والعرافة، والقيافة، والفراسهة، كما أنه حدد استعمالات الكلمة، فلا تطلق إلا على من نزل عليه الوحى من الله ، فلم يعد من المستساغ عقلا، ولا من الجائز شرعا أن تطلق على الكهنة، أو على من يدرسون الشريعة ويعلمونها للناس ، بالتالى لا تطلق على السحرة والمنجمين ، ولاعلى المجانين والمشعوذين فى طريق الدين ،فلم يبق من الاستعمالات القديمة لكلمة "النبوة" إلا إطلاقها على أصحاب الرؤيا الصالحة، التى تكون مقدمة وإرهاصا لنزول الوحى على من اختصه الله بهذه الرؤيا، كما حدث ليوسف عليه السلام ، يقول الله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين}يوسف:4.
أ.د/محمد شامة



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- النبوات ابن تيمية، مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.
2- لسان العرب ابن منظور.
3- فى رحاب القرآن محمد شامة، القاهرة 1988م.
4- Noell, Wilfried. Woerterbuch Der Religionen, Muenchen, Wilhelm Goldmann Verlag 1960.
5- رسالة فى اللاهوت والسياسة سبينوزا ترجمة حسن حنفى القاهرة 1971م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:16 PM
النَّذْر

لغة: ما أوجبه الإنسان على نفسه ، كما في القاموس(1).
واصطلاحا: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع(2).
فالشىء المنذور لم يوجبه الشارع على المكلف ابتداء إلا أن المكلف ألزم نفسه به فصارلازما عليه ، ووجب عليه الوفاء به شرعا، إن كان يمكنه الوفاء به ، كالصيام والصدقة والعمرة والاعتكاف.
وأكثر الفقهاء على أن الالتزام بالنذر مشروع ، ولكن على خلاف بينهم فى صفة مشروعيته فى عدم استحبابه لحديث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم (إنه لا يأتى بخير؟ إنما يستخرج به من البخل) (رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر)(3).
ومن الأدلة على مشروعيته قول الله تعالى: {وليوفوا نذورهم}الحج:29 ، وقوله تعالى سبحانه فى وصف الأبرار {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا}الإنسان:7 ، وما روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) رواه البخارى عن عائشة(4).
وللنذر أنواع سبعة:
1- نذر اللجاج: وهو الذى يمنع الناذر فيه نفسه من فعل شىء،أويحملها على فعله بالتزام قربة، كقوله: إن كلمت فلانا فعلى صوم.
2- نذر الطاعة وهو الذى يلتزم فيه الناذر بطاعة الله سبحانه ، سواء كانت عبادة كالصدقة، أو قربة غير مقصودة كعيادة المرضى.
3- نذر المعصية وهو الذى يلتزم فيه الناذر معصية الله تعالى، كنذر شرب الخمر.
4- نذر المباح وهو التزام الناذر بما لم يرغب فيه الشارع كنذر النوم.
5- نذر الواجب وهو التزام المكلف بأداء ما أوجبه الشارع عليه عينا كصوم رمضان ، أو أداء ما أوجبه عليه على الكفاية، كتعلم الطب.
6- نذر المستحيل وهو التزام ما يحيل الشرع أو العقل تحققه ، كنذر صيام الليل وهو ما يحيل الشرع ، أو يحيل العقل تحققه كنذر صيام أمس.
7- النذر المبهم وهو الذى لم يسم مخرجه العمل الذى يلتزم به بالنذر كقوله: لله على نذر.
وليس كل نذر ألزم الإنسان نفسه به يجب عليه الوفاء به ، فإن النذر إن كان فى طاعة الله تعالى وأمكنه الوفاء به لزمه ذلك ، وأما إن كان فى معصية فلا يجب الوفاء به ، لأنه لايصح ، لحديث عائشة السابق ، وكذلك إن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر لم يلزمه الوفاء به ، بل يكفر عنه ككفارة اليمين ، لما روى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر نذرا لم يطقه ، فكفارته كفارة يمين) رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادى، ط2 1371هـ/1952م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة مادة(نذر) 3/ 145.
2- كشاف القناع لمنصور بن يونس البهوتى مكتبة النصر الحديثة الرياض.
3- صحيح البخارى محمد بن إسماعيل البخارى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة باب الوفاء بالنذر وصحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابورى مطبعة عيسى الحلبى القاهرة.
4- صحيح البخارى، لمحمد بن إسماعيل البخارى مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 4/ 159.
5- سنن أبى داود لسليمان بن إلأشعت السجستانى. المكتبة العصرية بيروت 3/ 241.
6- سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد القزوينى. دار الفكر العربى بيروت 1/ 687.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى لعبد الله بن أحمد بن قدامة. عالم الكتب بيروت.
2- نيل الأوطار لمحمد بن على الشوكانى. دار الجيل بيروت.
3- أحكام النذور فى الفقه الإسلامى لعبد الله محمود إدريس. دار الطباعة المحمدية ط1 القاهرة 1415هـ/1994م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:16 PM
النسب

لغة: القرابة، ويختص بالقرابة من جهة الآباء كما فى مقاييس اللغة(1)
واصطلاحا: اتصال شخص بغيره ،لانتهاء أحدهما فى الولادة إلى الآخر، أو لانتهائهما إلى ثالث على الوجه الشرعى(2).
ولقد حرص الإسلام على حفظ الأنساب عن الاختلاط ، وجعله من مقاصد الشارع الضرورية ولهذا حرم الزنا ، لما يترتب عليه من اختلاط ، فقال تعالى: {ولاتقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل}الإسلراء:32 ، كما حرم انتساب المرء إلى غير أبيه سواء كان بالادعاء أو التبنى أو غيرهما، فقال سبحانه {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم}الأحزاب:4 ، وقال تعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم}الأحزاب:5.
وروى عن سعد بن أبي وقاص أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) (رواه البخارى ومسلم عن سعد بن أبى وقاص)(3) ورورى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ،فليست من الله فى شىء، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجبا الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين) (رواه ابن حبان عن أبى هريرة)0(4).
ونظرا لاهتمام الإسلام بانتساب كل إنسان إلى من كان سببا فى وجوده ، توسع فقهاء الإسلام فى أسباب ثبوت النسب ، فذكروا أنه يثبت:
1- بولادة الطفل على فراش الزوجية الصحيحة.
2- الإقرار بالبنوة.
3- الشهادة على ذلك.
4- نكول المدعى عليه عن اليمين.
5- اليمين المردودة على المدَّعِى عند نكول المدعى عليه.
6- القيافة، وذ لك بتتبع العلامات الموجودة فى شخصين للوصول إلى إثبات القرابة بينهما.
7- القرعة بين المتنازعين على نسبة مولود لهما عند تساوى بيناتهما بنسبته.
8- يثبت بحكم القاضى إذا ثبت عند نسبة الولد إلى رجل بعينه.
9- التحكيم عند اختلاف المدعين فى هذه النسبة.
وقد جعل الشارع الإنسان إلى من كان سببا فى ولادته من العدل ، لذا يقول الحق سبحانه {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}وهو يدل على أن انتساب الإنسان إلى غير أبيه من الجور.
ولقد كان قدماء الرومان يجيزون للرجل الاعتراف بمن يشاء من أولاده ، وإنكار من يشاء حسب رغبته ، وكانوا هم والبيزنطيون والأقباط والروس ينكرون الولد وينفونه ، إذا لم يعجبهم أو لا يشبه أفراد العائلة.
وكان قدماء الرومان واليونان يهدرون نسب المرآة بعد زواجها حيث تلحق بنسب عائلة زوجها ، ومازال هذا معمولا به فى كثير من دول الغرب حتى الآن.
وقد ساد فى الجاهلية انتساب الإنسان إلى غير أبائه ، وذلك بالتبنى أو الاستحاق أو الموالاة، فأبطل الإسلام ذلك كله وحرمه.
وحفظ النسب الذى رسمه الإسلام ، يحقق الانتماء إلى الأسرة، والترابط بين أفرادها.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- معجم مقاييس اللغة، ابن فارس ، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 5/ 423.
2- مفتاح الكرامة، محمد الجواد بن محمد العاطى ، المطبعة الرضوية طبعة 1323هـ/1982م القاهرة 6/ 8.
3- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 4/ 170 وصحيح مسلم ، لمسلم بن حجاج النيسابورى ، مطبعة عيسى الحلبى، القاهرة، 1/ 79.
4- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ، علاء الدين بن بلبان ، دار الكتب العلمية،بيروت ج6/ 163.
5- حقوق الإنسان ص283، 287 ، 297.
مراجع الاستزادة:
1- النسب وآثاره ، محمد يوسف مرسى، دار المعرفة ، ط2 القاهرة.
2- موضوع النسب فى الشريعة والقانون ، أحمد حمد أحمد، دار القلم ، ط1 ، الكويت.
3- أحكام النسب ، على يوسف المحمدى، مكتبة الشريعة طبعة 1406هـ/1986القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:16 PM
النسخ

لغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أى أزالته (لسان العرب)(1).
واصطلاحا: عرف النسخ فى اصطلاح الأصوليين بتعريفات كثيرة، فعرفه البيضاوى بأنه: بيان انتهاء حكم شرعى بطريق شرعى متراخ عنه(2).
وعرفه ابن الحاجب بأنه: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر(3).
ومعنى تعريف البيضاوى:(4) أن الحكم الشرعى مُغيا عندالله تعالى بغاية، أو محدد بوقت معين ، فإذا جاءت هذه الغاية أو حل الوقت المعين انتهى الحكم لذاته.
ومعنى تعريف ابن الحاجب:(5) رفع تعلق الحكم الشرعى بأفعال المكلفين لارفعه هو، فإنه أمر واقع ، والواقع لايرتفع.
وللنسخ فى الشريعة الإسلامية حكمة عظيمة: ففيه حفظ لمصالح العباد فى وقت الرسالة، لانتقال المسلمين من فوضى الجاهلية إلى نظام الإسلام ، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، لأنهم لايطيقون ذلك ، بل سلك بهم طريق تشريع الحكم الملائم لحالهم أول الأمر، فإذا أذاقوا بشاشته وألفوا الخروج على ما تعودوه بترويض أنفسهم لذلك جاء حكم آخر.
لذا نجد النسخ قد يكون من الأخف إلى الأشد، وقد يكون من الأشد إلى الأخف ، وهذا تمشيا مع المصلحة، فإذا كانت المصلحة فى تبديل حكم بحكم ، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وعموما ففى النسخ رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم(6).
وأركان النسخ أربعة:(7).
1- النسخ: وهى الرواية والمعنى الحاصل بالمصدر "الارتفاع" أى ارتفاع الحكم.
2- الناسخ: وهو الله سبحانه حقيقة، وتسمية الدليل ناسخا مجاز.
3- المنسوخ: وهو الحكم الذى انقطع تعلقه بأفعال المكلفين فيما يستقبل من الزمن.
4- المنسوخ عنه: وهو المكلف الذى رفع عنه التكليف بالحكم المنسوخ ، ووقع عليه بالحكم الناسخ.
وأكثر أهل الفقه والأصول على جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، إلا ما نقل عن أبى مسلم الأصفهانى فقد منع وقوعه وإن قال بجوازه عقلا. وذهب كثير من المحدثين إلى عدم وقوعه فى القرآن الكريم وإن وقع فى السنة المشرفة(8).
أمر الله تعالى المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا وذلك فى قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج}البقرة:240. ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما فى قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}البقرة:234 ، قد نسخت هذه الآية الآية المتقدمة.
وللنسخ شروط منها ما هومتفق عليه ،ومنها ما هومختلف فيه(9).
أما الشروط المتفق عليها بين العلماء فهى:
1- أن يكون المنسوخ حكما شرعيا، لأن الأمورالعقلية التى مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ ، وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات.
2- أن يكون النسخ بخطاب شرعى لا بموت المكلف ،لأن إرتفاع الحكم بالموت سقوط تكليف لانسخ.
3- أن يكون الحكم السابق مقيدا بوقت معين.
4- أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ ،فإن المقترن بالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا.
وأما الشروط المختلف فيها فكثيرة منها:
1- أن لا ينسخ القرآن إلا بقرآن ، ولا سنة إلا بالسنة.
2- أن يكون الناسخ مثل المنسوخ فى القوة، أو أقوى منه لا دونه ، فلا ينسخ القرآن بالآحاد، لأن الأقوى لا يفسخه ضعيف.
3- أن يكون الفعل المراد نسخه قد دخل وقته وتمكن المكلفون من امتثاله ، فلا يجوز نسخ العقل قبل التمكن من الامتثال.
4- أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ ،مقابلة الأمر للنهى، والمضيق للموسع.
5- أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين.
6- أن يكون النسخ ببدل مساو ، أو بما هو أخف منه.
7- أن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لايدخله الاستثناء والتخصيص.
والراجح أنه لا اعتبار لهذه الشروط ، وإن كان قال بكل واحد منها فريق ، فهناك فريق آخر قال بضده ، ولايحتج بقول على قول ،تعقيب: على أن مسألة النسخ كانت مثار خلاف شديد بين من يثبتونه على ما ورد بصدد هذه الدراسة.
لكن من ينكرونه يستندون إلى ملاحظات جديرة بالاعتبار منها:
1- أن من بعض أوصاف القرآن فى القرآن - آية {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}هود:1.
والإحكام ينافى النسخ.
2- أن تفسير"النسخ" قد يوهم ما لا يتفق وإحكام الحق تبارك وتعالى لكتابه ، كما ينافى مما قد يقع فى الوهم منافيا لجلال الله من تردد أو ارتياب فيما يحكم به ، فيكون نسخه وتعديله.
3- بعض العلماء ومنهم الاستاذ الدكتور محمد البهى رحمه الله على ما حدثنى الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف من أن الدكتور البهى تتبع لفظ الآية فى القرآن ، فوجد أن كل ما ورد عن الآية فى القرآن جاء بلفظ الجمع (آيات) إلا آية النسخ هذه ، ومن ثم يرجح أن تكون بمعنى العلامة أو لآية كونية(9).
والله أعلم
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور، ط دار المعارف (نسخ) 6/ 4407 المعجم الوسيط دار المعارف 1972م.
2- منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوى، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ص64 مطبعة السعادة ، ط1 1951م.
3- مختصر المنتهى لابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 185 الأميرية الكبرى مصر 1317هـ.
4- النسخ بين الإثبات والنفى د/محمد محمود فرغلى دار الكتاب الجامعى القاهرة ص35.
5- المرجع السابق ص30 ومابعدها.
6- النسخ حقيقته وأحكامه للدكتور/جلال الدين عبدالرحمن جلال ص18-19 ط1 1990م مطبعة الجبلاوى.
7- تيسير الأصول للحافظ ثناء الله الزاهدى، ص210 دار ابن حزم بيروت والنسخ حقيقة وأحكامه للدكتور جلال عبد الرحمن ، ص20-21.
8- النسخ ، د/على جمعة، دار النشار، أحكام النسخ فى الشريعة الإسلامية، د/محمد وفا ص41-42. دار الطباعة المحمدية 1984م.
9- لا نسخ فى القرآن ، للأستاذ عبد المتعال الجبرى.
مراجع الاستزادة:
1- النسخ فى الشريعة الإسلامية للشيخ محمد سعاد جلال مطبعة الأزهر 1961م.
2- البحر المحيط للزركشى طبعة الكويت 1990م 4/ 63.
3- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن حزي الغرناطى، تحقيق محمد المختار الشنقيطى ، ص310 وما بعدها مكتبة ابن تيمية ، ط1 1414هـ.
4- أصول الفقه الإسلامى، وهبة الزحيلى، ط1 ، 2/ 292 ، دار الفكر 1986م.
5- تيسير أصول الفقه لمحمد أنور البدخشانى، ص172 وما بعدها، طبع كراتش ، بباكستان 1990.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:17 PM
نشأة الرسول

الحديث عن نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم يشمل المدة من مطلع حياته حتى زواجه من السيدة خديجة رضى الله عنها وعمره خمس وعشرون سنة،وهى مدة تمتد بالتاريخ و الميلادى من سنة 571م إلى 595م ،وفى هذا النطاق نسجل الأحداث التالية التى تصور بإيجاز هذه النشأة: ولد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل من أبوين كريمين هما عبدالله بن عبدالمطلب ، والسيدة آمنة بنت وهب ، وقد توفى والده ومحمد صلى الله عليه وسلم لايزال جنينا فى بطن أمه. ولما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبدالمطلب أن ولد لك غلام (حفيد) فأسرع إلى البيت ، وأخذه و دخل به الكعبة وأخلت يدعو الله ، ويشكرله ما أعطاه ، ومما روى فى ذلك أن عبدالمطلب أنشد أرجوزة مطلعها:
الحمد لله الذى أعطانى هذا الغلام الطيب الأردان وأرضعته امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة ذؤيب ،وقد امتلأ ثدياها ، باللبن بعد أخذه ،ونالها خير كثير،وانتقلت حياتها من العسر إلى اليسرويذكرابن إسحاق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لايقبل إلا على ثدى واحد، وكأنه فطر على أن يدع الثدى الثانى لأخته من الرضاعة.
لما تمت رضاعته عادت به حليمة إلى أمه ، بعد سنتين ،وبينما كانت تحرص على أن تعود به لمنازل بنى سعد، لمارأت فى وجوده عندها بى من الخير وتقول حليمة: كلمنا أمه ، وقلت لها: لو تركت ابنى عندى حتى يغلظ ، فإنى أخشى عليه واء مكة.. ولم تزل بها حتى ردته معها، حدثت أحداث عند حليمة تتصل بمحمد صلى الله عليه وسلم خافت حليمة عليه وأعادته ، وقد رعى محمد صلى الله عليه وسلم الغنم فى صحبة إخوته من الرضاعة.
توفيت أمه السيدة آمنة وهو فى السادسة من العمر، وكانت وفاتها بالأبواء بين مكة والمدينة، فقد كانت قدمت به على أخوال أبيه من بنى النجار، فماتت وهى راجعة إلى مكة، فتولى جده عبدالمطلب الإشراف عليه ورعايته.
يقول ابن إسحاق: إنه كان لعبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم فراش يوضع له فى ظل الكعبة وكان أبناء عبدالمطلب يتلسون حول هذا الفراش ، ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم جلس على وهذا الفراش وهو دون الثامنة، فأراد أعمامه أن يؤخروه ، فقال لهم عبدالمطلب: دعوا ابنى إن له شأنا وأجلسه معه على الفراش.
توفى عبدالمطلب ومحمد صلى الله عليه وسلم فى الثامنة من عمره ، فكفله عمه أبو طالب الذى كان الشقيق الوحيد لعبدالله والد الرسول ، ومع أبي طالب واصل محمد صلى الله عليه وسلم الرعى لغنم عمه ، ولما اشتد عوده عمل فى تجارة عمه.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم وهو يرعى الغنم يعنى بأغنامه عناية كبيرة فى مرعاها وسقيها، وإذا ولدت شاة أو مرضت اهتم بها كل الاهتمام ، فكثرت بذلك أغنامه ، حتى كان بعض الناس يطلبون من أبى طالب أن يضموا أغنامهم لأغنامه لتنال عناية محمد صلى الله عليه وسلم ولتنمو وتكثرة ولذلك سمى "الأمين".
وحفظه الله من أى انحراف ، وروى عنه أنه قال: (لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض مايلعب به الغلمان ، وكلنا قد تعرى وأخذ إزاره ، فجعله على كتفه ورقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمنى لاكم - ما أراه لكمة موجعة، وقال: شد عليك إزارك ، قال فأخذته ولبسته. فكنت كذلك بين أصحابى، وحملت الحجازة على كتفى بدون إزار).
رلما اشتغل بتجارة عمه ، كان صادقا فى عرض السلع وقانعا بربح مناسب ولذلك سمى "الصادق" وأصبح معروفا فى قومه بالصادق الأمين.
ووقعت حرب الفجار وعمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة، وكانت بين قريش ومعها كنانة. وبين قيس عيلان ، وسميت الفجار لحدوثها فى الشهر الحرام مما يعد فجورا ، ويذكر ابن هشام أن حرب الفجار امتدت حتى أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم فى العشرين من عمرة\ه وقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أيامها ويروى عنه قوله (كنت أنبل على أعمامى فى الفجار).
ووصل محمد صلى الله عليه وسلم إلى عهد الشباب ، وكان واضحا أنه لم يعبد صنما قط ، وبغضت له الأوثان ، ودين قومه ، وتنزه عن مذمومات الجاهلية التى كان يغرق فيها شباب العرب فى ذلك العهد.
طلبت السيدة خديجة محمدا صلى الله عليه وسلم ليتاجر فى مالها، فقبل وقبل عمه أبو طالب ، وتهيأ للسيدة خديجة بذلك أن تتعرف إخلاصه وأمانته ، فخطبته لنفسها، وتم زواجه بها، وكان عمره آنذاك خمسا وعشرين سنة، وكانت هى أكبر منه ، وكانت السيدة خديجة تسمى الطاهرة فى الجاهلية والإسلام ،وأنجب منها الرسول صلى الله عليه وسلم كل أولاده الذكور والإناث إلا إبراهيم ، فقد كان ابنه من مارية المصرية.
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مبلغ الرجال كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأبرهم جوارا ، وأعظم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأكثرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش وعن الأخلاق التى تدنس الرجال.
ومعرفتنا الدقيقة بمراحل نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم تشبه معرفتنا الدقيقة بجميع مراحل حياته ، وهذا الوضوح هو الذى جعل جوستاف ليبون يقول: إذا استثنينا محمدا لانجدنا مطلعين على حياة مؤسس ديانة اطلاعا صحيحا.
أ.د/أحمد شلبى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- سيرة ابن هشام تحقيق طه عبد الرؤوف ج1 مطبعة الفجالة 1987م.
2- حضارة العرب جوستاف ليبون القدس 1387هـ.
3- سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد ، للإمام محمد الصالحى طبع المجلس الأعلى للشئون الاسلامية.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:17 PM
النفقة

لغة: هي ما ينفقه الإنسان من الأموال كما فى القاموس(1).
واصطلاحا: كفاية من يمونه خبزا وأداما وكسوة ومكسنا وتوابعها(2).
وأسباب النفقة هى:
1- العلاقة الزوجية، فقد أوجب الشارع على الزوج فى جميع الأحوال الإنفاق على زوجته ، غنيا كان أو فقيرا، ولم يوجب الإسلام على الزوجة أن تنفق على نفسها وإن كانت موسرة، أو أن تنفق على زوجها بالأولى من هذا المال وإن كان معسرا ، ولم يوجب عليها أن تتكسب هذه النفقة بالعمل أو نحوه ،فالنفقة حق لها على زوجها بمقتضى عقد النكاح.
ومن أدلة وجوبها قول الله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}البقرة:233 ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع: (اتقوا الله فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (رواه مسلم)(3).
ونفقة الزوجة تشمل الإطعام والكسوة والسكنى، ووسائل النظافة، وتشمل أجر الخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم فى بيت أهلها، وكان الزوج موسرا، فيجب لها النفقة فى الوجوه السابقة مقدار كفايتها بالمعروف ،وهذا الحق الذى قرره الإسلام لها، يتحقق به صيانتها وحمايتها من التبذل والامتهان.
بسبب اكتساب أسباب الحياة، حيث كفل الإسلام لها هذه الأسباب فى منزل الزوجية بدون تدخل منها ، لتتفرغ لأداء رسالتها المنوط بها فى الحياة.
2- علاقة القرابة ، فقد أوجب الشارع بها على المرء الإنفاف على والديه ، كما أوجب بها على الوالدين الإنفاق على أولادهما ذكورا أو إناثا ، إذا كان للمنفق مال يمكنه الإنفاق منه ،فاضلا عن نفقته ، ولم يكن للمنفق عليه مال ولاكسب يكتفى به عن نفقة قريبه عليه.
ومن الأدلة علي وجوب نفقة الأصول على فروعهم حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإن أولادكم من كسبكم) (رواه الترمذى عن عائشة وقال: حسن صحيح).
ومن الأدلة على وجوب نفقة الفروع على أصولهم حديث هند زوج أبى سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين اشتكت إليه بخل أبى سفيان: (خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك)متفق عليه(5).
كما أوجب الشارع بمقتضى القرابة نفقة القريب - غير الأصل والفرع - على قريبه بالشروط السابقة فى نفقة الأصول والفروع ، حيث يرى الحنفية وجوب النفقة لكل ذى رحم محرم للمنفق ، ويرى الحنابلة وجوبها لقريبه إن كان يجرى التوارث بينهما، أو كان من ذوى رحمه ، ومن الأدلة على ذلك ماروى عن طارق المحاربى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول ،أمك وأباك ، وأخاك ، ثم أدناك أدنك) رواه ابن حبان فى صحيحه(6)حيث بين فى الحديث أن من المعالين الأخوة والأقرب من الأقارب ، فيجب لهم على أقاربهم المأكل والمشرب والملبس والساكنى ونحوها ، بقدر الكفاية، مراعاة فى ذلك العرف وحال المنفق والمنفق عليه ، وظروف الزمان والمكان.
وإيجاب نفقة الأقارب الذين لامال لهم إذا عجزوا عن الكسب - على قريبهم الموسر، يحقق صلة الرحم ، ويقيم العلائق بين أفراد الأسرة على أساس من الترابط والتكافل ،فينصلح حال الأسرة، وينصلح بصلاحها حال
المجتمع بأسره.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعتوب الفيروزآبادى، الطبعة الثانية 1371هـ1952م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 3/ 296.
2- كشاف القناع ، منصور بن يونس البهوتى، مكتبة النصر الحديثة الرياض.
3- صحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابورى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 1/ 512.
4- سنن الترمذى، محمد بن عيسى بن سورة(الترمذى)، مطايع الفجر الحديثة حمص ، 3/ 30.
5- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ، محمد فؤاد عبدالباقى، الطبعة الثانية 1413هـ 1992م دار الصفوة بالغردقة ، 20/ 426.
6- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ، علاء الدين بن بلبان ، دار الكتب العلمية ، بيروت 6/ 95.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى ، عبدالله بن أحمد بن قدامة، عالم الكتب ، بيروت.
2- قضايا طيبة ، عبدالفتاح محمود إدريس ، الطبعة الأولى 1414هـ-1993م.
3- الفواكه الدوانى، أحمد النفراوى، الطبعة الثانية 1374هـ/1955م مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:17 PM
نقل الأعضاء

لغة: جزء من مجموع الجسد. كاليد والعين والمعدة كما فى المعجم الوجيز(1)
واصطلاحا: اقتطاع جزء من بدن آدمى حى أوميت ، لغرسه فى بدن آدمى حى مريض يحتاج إليه(2).
وهذه الأعضاء المنقولة عن موضعها من بدن الآدمى تسمى بالطعوم ، والطعم جزء من نسيج أو عضو يستعمل كبديل لجزء مماثل ، والنسيج أو العنصرالأصلى إما أن يكون مريضا أومشوها،أوغير قادرعلى أداء وظيفته الطبيعية فى بدن صاحبه ،وأكثر الأنسجة استعمالا لهذا الغرض هى الجلد والعظام والغضاريف والأوردة والشرايين والقرنية.
والطعوم الآدمية نوعان:
1- الطعوم الذاتية: هى ما أخذت من الإنسان لمداواة جزء آخر من بدنه ،ومن أمثلتها أخذ جزء من جلده فى موضع مستتر كالفخذة لترقيع جزء آخر فى موضع ظاهر من بدنه كالوجه ،أوأخذ العظام أو الغضاريف منه ، وغرسها فى موضع آخر.
2- الطعوم الجنسية: وهى ما أخذت من جنس المريض ،أى من آدمى آخر حى أو ميت ، وذلك كنقل الكلى من آدمى أو ميت لغرسها فى بدن آدمى حى آخر، تلفت كليته أو لم تعد صالحة للقيام بوظيفتها، ونقل القرنية أو القلب من بدن آدمى ميت وغرسها فى بدن آدمى مريض مفتقر إليها.
ونقل الأعضاء على هذا النحو لا تمنع منه الشريعة الإسلامية، لأنه من قبيل التداوى الذى حض عليه الشارع ، وهذا النقل وإن كان من مستجدات العصر، إلا أن الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان لا تمنعه ، مما يدل على اتساعها لكل قضايا الناس فى دنياهم إلى أن تقوم الساعة.
وقد وضعت الشريعة الإسلامية الضوابط لهذا النقل ، قصد بها مراعاة مصلحة المنقول إليه العضو، وعدم الإضرار بالمنقول منه أو تعريضه للهلاك إذا كان آدميا حيا، وعدم التمثيل بجثته إن كان ميتا ولمجمع البحوث الإسلامية فى هذا الموضوع بيان شاف حدد - بالتفصيل ضوابط هذا النقل وشروطه بحيث المصلحة للمنقول إليه والمنقول منه عن طريق التبرع الذى تختض معه التجارة انتفاء تاما فليرجع إليه.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، طبعة 1411هـ-1990م ، القاهرة مادة (عضو) ص423.
2- حكم التداوى بالمحرمات ، عبدالفتاح محمود إدريرس ، الطبعة الأولى 1414هـ 1993م مطبعة النشر الذهبى القاهرة ص291.
مراجع الاستزادة:
1- حكم نقل الأعضاء عقيل بن أحمد العقيلى طبعة 1412هـ-1992م مكتبة الصحابة جدة.
2- حكم التبرع بالأعضاء د/محمد نعيم ياسين مجلة الحقوق كلية الحقوق بالكويت السنة الثانية عشرة ، العدد الثالث 1401هـ 1988م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:18 PM
النهى

لغة: المنع كما فى لسان العرب.
واصطلاحا: هو طلب ترك الفعل قولا.
وبعبارة أخرى: هو ما دل على طلب الكف عن الفعل ، فخرج به الأمر لأنه طلب فعل غير كف ، وخرج الالتماس والدعاء ، لأنه لا استعلاء فيهما.
وأساليب النهى مختلفة: فمنها: صيغة النهى المعتادة مثل: قوله تعالى: {ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن}الإسراء:34 ، وقوله: {ولاتقربوا الزنى}الإسراء:32 ، وقوله: {ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق}الأنعام:151.
ومنها: صيغة التحريم ، مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم}النساء:23.
وقوله: {حرمت عليكم الميتة}المائدة:3.
ومنها: صيغة النفى، مثل قوله تعالى: {لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها}النساء:19.
ومنها: صيغة الأمر الدال على الترك ، مثل: قوله تعالى: {وذروا ظاهرالإثم وباطنه}الانعام:120 ،، وقوله تعالى {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}الحج:30.
والنهى عند الجمهور للتحريم ، ولزوم الانتهاء عن مباشرة المنهى عنه ، كما أن موجب الأمر هو الوجوب ، فكون النهى للكراهة، أو الدعاء، أو الإرشاد ، أو التحقير، أوغيرها، إنما يعرف بالقرائن الدالة على تلك المعانى، مثل قوله تعالى: {ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}آل عمران:8.
وقوله تعالى: {لاتعتذروا اليوم إنما تجزون ماكنتم تعملون}التحريم:7.
فإن الأول للدعاء والثانى لليأس.
والدليل على كون النهى المطلق للتحريم قوله تعالى: {ومانهاكم عنه فانتهوا}الحشر:7 ، أمر الله بالانتهاء عن المنهى عنه ،فيكون الانتهاء واجبا ، وترك الواجب حراما.
وعند الحنفية:النهى إذا كان قطعى الثبوت وقطعى الدلالة فيكون للتحريم ، وإذا لم يكن كذلك فللكراهة التحريمية ، لأن الأمثلة التى تدل على أن النهى للتحريم كلها قطعى الثبوت وقطعى الدلالة من غيرقرينة صارفة عن التحريم إلى غيره من المعانى.
والصحيح الراجح مذهب الجمهورة لأن النهى فى اللغة موضوع للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم والإلزام ، فلا يدل عند إطلاقه إلا على التحريم ، ولا يدل على غيره إلا بقرينة، وهذا ما يفهمه العقل من الصيغة المجردة عن القرينة، وهو دليل الحقيقة، وهى أن النهى حقيقة فى التحريم.
أ.د/على جمعة محمد



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- البحر المحيط للزركشى 2/ 426 ومابعدها ، طبعة وزارة الأوقاف بالكويت الأولى 1990م.
2- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الغرناطى، ص187 ومابعدها ،مكتبة ابن تيمية 1414هـ.
3- تيسير الأصول لحافظ ثناء الله الزاهدى ، ص84 ومابعدها ، دار ابن حزم بيروت الطبعة الثانية 1997م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:18 PM
النية

لغة: قصد النفس إلى العمل كما فى المعجم الوجيز(1).
واصطلاحا: اعتقاد القلب فعل الشىء وعزمه عليه من غير تردد(2).
ومحل النية القلب ، والتلفظ بها مباح ،وزمنها أول العبادات ، والمقصود بها تمييز العبادات عن بعضها، وتمييز العبادة عن العادة، كالجلوس فى المسجد الذى يكون اعتكافا تارة، وللاستراحة تارة أخرى.
ومن أدلة اشتراط النيه لصحة العبادات ،ما رواه عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخارى(3).
وكيفية النية فى العبادات تختلف بحسب كل عبادة، فالنيه في الطهارة مثلا يقصد بها رفع الحدث ، أو استباحة ما يفتقر إلى طهر كالصلاة والطواف ونحوهما ، أو الاغتسال أو التيمم ، فيقول المتطهر: نويت رفع الحدث ، أواستباحة الصلاة... ، ونية الصلاة: يبين فيها الفعل والصلاة التى تؤدى، ونية الزكاة: يظهر فيها المزكى اعتقاده أن ما يخرجه هو زكاة ماله ، أوبدنه ، أو زكاة من يخرج عنه.
واشتراط النية فى العبادات يقتضى استحضار الذهن عند العزم على العبادة، والتجرد من شواغل الدنيا والإخلاص لله تعالى فيها.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المعجم الوجيز، طبعة 1411هـ/1990م ، نشر مجمع اللغة العربية القاهرة مادة(نوى) ص641.
2- المغنى، عبدالله بن أحمد بن قدامة، نشر عالم الكتب ، بيروت 2/ 94.
3- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، مطبعة عيسى الحلبى بالقاهرة 1/ 6.
مراجع الاستزادة:
1- المحلى، على بن أحمد بن حزم ، ط1388هـ/1968م مكتبة الجمهورية العربية القاهرة.
2- النفيس فى فقه العبادات ، عبدالفتاح محمود إدريس ، ط1417هـ/1996، الطبعة الأولى ، دار النهضة العربية. القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:19 PM
موسوعة المفاهيم / الهاء

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:19 PM
الهجرة

يقصد بها: الخروج من أرض إلى أرض ، وانتقال الأفراد من مكان إلى آخر سعيا لتحقيق أغراض للمهاجر. ولما كان الانتقال جهدا لأصحابه نفسيا ومادياة حيث يترك أرضه الأولى وماله فيها من ذكريات ومنافع ،إلى أرض أخرى جديدة لا يدري ماذا يحدث له فيها: كان التوجيه القرآنى والترغيب النبوى مصاحبا للمهاجرين الذين اضطهدوا فى أرضهم لإيمانهم بربهم وما اقتضاه إيمانهم من إنتقالهم إلى العبادة الصحيحة والمعاملة الحسنة ومكارم الأخلاق ، فأخرج المؤمنون من ديارهم ، وأوذوا فى سبيل الله ، فكان التوجيه النبوى أن تكون الهجرة لله وحده "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ، يؤجرعليها بما جاء من الوعد الصادق، "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، من أغراض محدودة. قال تعالى فى بيان مكانة المهاجربن فى سبيله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم}البقرة:218. وقال سبحانه: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب}آل
عمران:195.
وكما أثنى الله على المهاجرين أثنى على من أحسنوا استقبالهم ونصرتهم قال جل شأنه: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصاروالذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}التوبة:100 ، وقال سبحانه: {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجرإليهم ، ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}الحشر:6.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"(1).
وقد هاجر المؤمنون عندما اشتد بهم تعذيب المشركين بمكة المكرمة إلى الحبشة مرتين قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمعذبين: "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده ، فالحقوا ببلاده ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه".
تقول السيدة أم سلمة رضى الله عنها: "فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار،أمنا على ديننا ولم نحس منه ظلما)(3). ثم بلغ المهاجرين إلى الحبشة أن أهل مكة أسلموا فرجع بعضهم فلم يجدواالخبر الصحيح فرجعوا إلى الحبشة، وهاجر معهم فى الهجرة الثانية جماعة آخرون.
وكان المهاجرون يعبرون عن دينهم وما دعاهم إليه خير تعبير مما يدعو الآخرين إلى احترامهم وتقديرهم إذ أحسنوا فى عرض عقيدتهم وأخلاقهم ، دون تضليل أو كذب ولو كان فيما يقولون بعض المخالفة لما كان عليه أهل الحبشة من تحريف فى المعتقدات.
وكانت الهجرة الكبرى والتى أذن الله فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحقيقها وأراه موضعها - إلى المدينة المنورة، فاتخد الرسول صلى الله عليه وسلم لها أسبابها ، واختار فيها الرفيق ، والدليل الخبير، وأمن مصدر الزاد ، والأخبار والمتابعة، ورد الأمانات إلى أصحابها ، وواجه طغيان المشركين بتدبير محكم ، ومضى فى طريق هجرته ومعه الصديق أبو بكر، وفشلت محاولات المشركين فى تتبعه وإعادته وتجلت عناية الله فى الطريق وشهدت بذلك "أم معبد" كما شهد سراقة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاستقبل بفرح المؤمنين ، وأقام مسجدا وحمل فيه الحجارة مع أصحابه ،وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع ميثاقا عظيما لتنظيم العلاقة بين المقيمين من المهاجرين والأنصار واليهود فى المدينة المنورة وظهرت آثار الهجرة فى مغالات التأسيس للدولة والأمة، وسميت المدينة بدار الهجرة والسنة كما فى صحيح البخارى، وصارت الهجرة إليها من سائر الأنحاء الأخرى التى بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبى صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ودخول الناس فى دين الله أفواجأ: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا"(متفق عليه) وبقى معنى الهجرة فى هجر مانهى الله عنه ،
وبقت تاريخا للأمة.
أ.د/محمد رفعت سعيد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- صحيح البخارى 4/ 222 ط إستانبول.
2- فتح البارى بشرح صحيح البخارى 7/ 189.
مراجع الاستزادة:
1- السيرة النبوية الصحيحة د/أكرم ضياء العمرى.
2- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية.
3- سيرة ابن هشام ط دار الكتب العلمية.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:20 PM
الهندوسية

"الهندوسية" أو "الهندوكية": دين يعتنقه معظم سكان الهند، وقد أطلق عليها ابتداء من القرن الثامن ق.م. اسم: "البرهمية" نسبة إلى "براهما" وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة التى تطلب كثيرا من العبادات ، كقراءة الأدعية والأناشيد وتقديم القرابين ، و"البرهميون" أو"البراهمة": هم أصحاب الطبقة الأولى من عبدة "براهما"الذين ولدوا منه ، أو ممن انبثق عنه: "برهمان".
قامت "الهندوسية" على أنقاض "الويدية" ، وتشربت أفكارها، وتسلمت عن طريقها الملامح الهندية القديمة، والأساطير الروحانية المختلفة التى نمت فى الهند قبل دخول الآريين ، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا لـ "الويدية" وتطورا لها.
ليس لـ"الهندوسية" مؤسس يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها وأحكامها ، فهى مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعد ما وردوا على الهند، وتغلبوا على سكانها. ويعتقد الهنود أنها دين أزلى لا بداية له وملهم به قديم قدم الملهم ،ويرى الباحثون الغربيون والمحققون من الهندوس أنه قد نشأ فى قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنا بدأت قبل الميلاد بزمن طويل وقد أنشأه أجيال من الشعراء، والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبا بعد عقب ، وفق تطورات الظروف ، وتقلبات الشئون ، ف" الهندوسية" أسلوب فى الحياة أكثر مما هى مجموعة من العقائد والمعتقدات ،وتاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والسنن ، وليست لها صيغ محددة المعالم ، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط بها إلى عبادة الأحجار والأشجار والحيوان ، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة.
"الفيدا " هو كتاب "الهندوسية" المقدس ، ويقال: إنه أقدم من التوراة بآلاف السنين ،وإنه دون فى زمن موغل فى القدم ، ربما يرجع إلى ثلاثين ألف سنة مضت ، وتعكس نصوصه حياة الآريين فى الهند فى عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه حلهم وترحالهم ، دينهم وسياستهم ، حضارتهم وثقافتهم ، معيشتهم ومعاشرتهم ، مساكنهم وملابسهم ، مطاعمهم ومشاربهم. وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية من سذاجة البدوى إلى شعور فلسفى، فتوجد فيه أدعية بدائية، مثل: "أيتها البقرة المقدسة، لك التمجيد والدعاء، فى كل مظهر تظهرين به.. "ونصوص ترتقى إلى وحدة الوجود، مثل": إنى أنا الله ، نور الشمس ، وضوء القمر وبريق اللهب ،ووميض البرق، وصوت الرياح ، وأنا الرائحة الطيبة التى تنبعث فى أنحاء الكون ، والأصل الأزلى لجميع الكائنات ، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح لأنى الأول والآخر والحياة والموت لكل كائن".
بلغ تعدد الآلهة عند الهنود مبلغا كبيرا؛ إذ يوجد لكل ظاهرة طبيعية تنفعهم أو تضرهم إله يعبدونه ، يستنصرون به فى الشدائد ، غير أنهم جمعوا الآلهة فى إله واحد، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: فهو "براهما" من حيث هو موجد، وهو "فيشنو" من حيث هو حافظ، وهو "سيفا" من حيث هو مهلك.
و"براهما"، هذا عند فلاسفتهم ليس خالقا، فهو فكرة ذهنية أكثر منه إرادة عاملة، فالعالم -حسب تصورهم- خلق على النحو التالى: أخذ "براهما" يتأمل ويفكر، وعن تفكيره هذا نشأت بذرة مخصبة، تطورت إلى بيضة ذهبية، ومن تلك البيضة نشأ العقل الخالق ، يطلقون عليه أيضا "براهما".
من المعتقدات الهندوسية:
1- التناسخ ؛ إذ يعتقد الهنود أن الأرواح جائلة متنقلة فى أطوار شتى من الوجود، تنتقل من جسد إلى آخر، سواء أكان فى الإنسان ، أو فى الحيوان ، حتى تصل إلى هدفها الأخير، وهو استجلاء طلعة "براهما" التى لا تكتسب إلا بالاندماج فيه كما تندمج قطرة الماء فى المحيط.
2- "كارما" وهى متممة لفكرة تجوال الأرواح. وتقوم نظريتها على أساس أن كل عمل يأتيه الانسان له ثمرته حتما، وأن كل شىء يكتسبه الإنسان فى كل طور من أطوار الوجود المتكرر، تحدده الأعمال التى يقوم بها فى الوجود السابق ؛ فأعماله الصالحة ترفع درجته فى الأطوار اللاحقة، حتى إلى النهاية، وهو الاتحاد مع "براهما". والأعمال الشريرة تهبط بدرجته إلى أسفل ، فيظل دائرا فى أطوار الوجود المؤلمة لا يتخلص منها أبدا بل تزداد انحدارا به إلى أسفل طبقات الوجود.
3- نظام الطبقات: يعتبر "البراهمة" رجال الدين أنفسهم من عنصر إلهى ، فهم كهنة الأمة التى لا تجوز الذبائح إلا فى حضرتهم وتحت أيديهم ، لذلك قسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات:
(أ) طبقة الكهنة.
(ب) طبقة المحاربين والتجار.
(ج) طبقة الخدم ، فلا يجوز لفرد أن يأكل مع آخر من طبقة أخرى، أو يزاوجه ، أو يختلط به. ولم يظهر هذا النظام إلا فى قوانين "مينو" حوالى القرن السادس قبل الميلاد وهناك طبقة رابعة لم تدخل التقسيم وهى طبقة المنبوذين ؛ إذ هم سكان الهند الأصليون الذين لا يجرى فى عروقهم الدم التوارنى. أو الدم الآرى، ويسمون: "زنوج الهنود"، وقد سلبهم المجتمع الهندوسى حقوقهم الإنسانية، فنزل بهم إلى مستوى أقل -أحيانا- من مستوى الحيوان ، فيعتقد الهندوسى فى أحيان كثيرة أن الدنس والرجس يلحقه ، إذا مر به المنبوذ على بعد بضعة أمتار. ولم ترجع الفلسفة الهندية نشأة نظام الطبقات إلى نزعة الجنس والعنصر، بل ربطته بنص مقدس ،يقول "مينو": "...ثم خلق البرهمى من فمه ،و"الكشتريا" وهم المحاربون التجار من ذراعه، و"الويشا" وهم الخدم من فخذه ، و"السودرا"، وهم المنبوذون من رجله ، فكان لكل من هذه الطبقات منزلة على هذا النحو".
ومن ثم اتجه المنبوذون فى تدينهم إلى الأمور البدائية، فأصبح دينهم أشبه بعبادة الأزوات التى اعتصمت بها الأقوام الفطرية الساذجة ، فأعظم الآلهة عندهم يظهر فى شكل كومة من الآجر، أو فى هيئة أخرى ساذجة. وهذا الإله هو الذى يمنح الخصب للعواقر، ويحمى المحصول من الآفات ، ويرعاهم برعايته وعنايته ، ولكل مدينة إلهها.
أ.د/محمد شامة



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- أديان الهند الكبرى، أحمد شلبى، القاهرة 1966م.
2- ذيل الملل والنحل ، للشهر ستانى، تحقيق محمد سيد كيلانى القاهرة 1961م.
3- الأديان والمذاهب الشرقية عثمان عيش ، القاهرة 1966م.
4- الديانات القديمة، محمد أبو زهرة، القاهرة 1965م.
5- أديان العالم الكبرى، حبيب سعيد.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:21 PM
موسوعة المفاهيم / الواو

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:21 PM
الوتر

لغة: الفرد أو ما لم يتشفع من العدد، كما فى القاموس(1).
واصطلاحا: عبادة زائدة شرعت لنا لا علينا(2).
والوتر صلاة مسنونة، لا أذان لها ولا إقامة ، ولا جماعة فيها،ويجوزأن تؤدى على الراحلة، ووقتها بين العشاء وطلوع الفجر، يدل على مشروعيتها ماروى عن خارجة بن حذافة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أمدكم الله بصلاة هى خير لكم من حصر النعم وهى الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء والآخر إلى طلوع الفجر)(رواه الحاكم وصححه عن حذاقة)(3) و وأقل الوتر ركعة، لما روى عن ابن عمرأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوترركعة من آخر الليل) (رواه مسلم عن أبن عمر)(4)إلا أنه يجوز الزيادة عليها: فتصلى ثلاث ركعات بتسليمه وأحدة،لحديثه عائشة(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لايسلم إلا فى آخرهن) (رواه الحاكم وصححه عن عائشة)(5).
وأجاز بعض الفقهاء أن يصلى ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، أو تسع ركعات ، أو سبعا، أو خمسا، ويسلم فيها بعد كل ركعتين ، ويوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس من الثلاث عشرة أو الإحدج عشرة، وله أن يوتر بثلاث من التسع والسبع ، فإن أوتر بخمس لم يجلس إلا فى آخرهن ، وقد ثبت ذلك بنصوص صحيحة عن عائشة، منها قولها (كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة، يوترمنها واحدة) وقولها: (كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك خمس لا يجلس إلا فى آخرها)، وحديثها (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ،ثم يصلى ثلاثا) (رواه مسلم عن عائشة).
وروى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فاوتر بواحدة) متفق عليه(7).
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادى، مكتبة مصطفى الحلبى ط2 1371هـ/1952م القاهرة ص157.
2- رد المحتار، لمحمد أمين (ابن عابدين)، دار الكتب العلمية بيروت 10/ 445.
3- رواه الحاكم وصححه.
4- صحيح مسلم لمسلم بن حجاج النيسابورى مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 1/ 302.
5- المستدرك ، للحاكم.
6- صحيح مسلم 1/ 296-297.
7- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان دار الصفوة ، الغردقة الطبعة الثانية 1413هـ/1992م 1/ 144.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى، لعبد الله بن احمد بن قدامة، عالم الكتب بيروت.
2- نيل الأوطار، لمحمد بن على الشوكانى، المكتبة التوفيقية القاهرة.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:21 PM
وحدة الوجود

لغة: الوحدة مصدر الفعل "وحد" أى بنفسه. فهى ضد الكثرة(1). ويقال: كل شىء انفرد على حدة: أى متميز عن غيره(2).
والخلاصة أن مادة "وحد" تشير إلى الانفراد والتميز، كما أنها تدل على التقدم فى علم أو بأس(3).
واصطلاحا: تعنى أن الكائن الممكن يستلزم كائنا آخر واجبه الوجود بذاته، ليمنحه الوجود، ويفيض عليه بالخير والابداع. وذلك الكائن الواجب الوجود هو الله جل شأنه ، لأنه موجود أولا بنفسه ، ودون حاجة إلى أى موجد آخر؛ كيلا تمتد السلسلة إلى ما لانهاية.
وأن الكائنات الأخرى جميعها مظاهر لعلمه وإرادته ، ومنه تستمد الحياة والوجود ؛ ولهذا كان وجودها عرضا وبالتبع.
وبناء على هذا ، فليس ثمة إلا كائن واحد موجود حقيقة وضرورة، بل هو الوجود كله ، ولا تسمى الكائنات الأخرى موجودات ، إلا بضربا من التوسع والمجاز(4) هذه هى النظرية التى تدعى "وحدة الوجود". وقد اعتنقها جماعة من الصوفية بعد أن أخذت الدراسات الفلسفية فى الإسلام تضمحل وتتوارى.
وقد تكونته هذه الفكرة فى أوائل القرن الثانى عشر الميلادى. وشاع أمرها فى بلاد الأندلس والمشرق ، بعد ان اختلط فيها وجود التصوف بالفلسفة اختلاطا كبيرا.
وكان من أكبر أنصارها: ابن عربى (ت 638) وجلال الدين الرومى.
وربما دل ظاهر هذا الاتجاه ، على أن مشايعيه قد يلتمسون عذرا للكفار من أمثال فرعون وقوم نوح وغيرهم من المشركين الذين عبدوا الأصنام ، واليهود الذين عبدوا العجل.
ويدعى أنصارمذهب وحدة الوجود، أن هؤلاء الكفار ما عبدوا غيرالله ، وأن خطأهم يكمن فى أنهم خصصوا شيئا دون شىء بالعبادة، وكان الأصل أن يعبدوا كل شىء. لأنه لا شىء موجود على الحقيقة إلا الله.
وحين آمن فلاسفة المتصوفة بوحدة الوجود؛ فإنهم فى نفس الوقت آمنوا بفكرة أخرى هى ما أسموه "وحدة الأديان".
فلذلك يقرون بأن المشركين والوثنيين جميعا على حق ، بحجة أن الله هو كل شىء.
فمن عبد صنما أو حجرا أو شجرا أو إنسان أو كوكبا، فقد عبد الله. لكن يجب أن نفو فى هذا المجال بين وحدة الوجود، وبين وحدة الشهود. فوحدة الوجود نظرية باطلة تنافى التوحيد الصحيح. أما وحدة الشهود فهى حق.
مثال هذا: لو قال شخص إنه يرى الله في كل شىء، فإن كان يعنى أنه يرى آثارة وشواهده ، فتعبيره صحيح. وإن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق ، فالتعبير باطل واعتقاده كفرة لأنه تسليم بوحدة الوجود(5).
ولم تكن فكرة وحدة الوجود من ابتكار غلاة فلاسفة الصوفية كابن عربى والحلاج والرومى، بل كان لها جذورها لدى فلاسفة اليونان القدماء، من أمثال طاليس وهيراقليطس والرواقيين ، ثم أصحاب مذهب الفيض فى الأفلاطونية المحدثة(6).
ولقد سرت عدوى وحدة الوجود ، إلى بعض فلاسفة الغرب ، مثل بعض الفلاسفة الفرنسيين الماديين ومنهم "ديدرو" (1713م-1784م) وإلى الفيلسوف الهولندى "سبينوزا" فى القرن الثامن عشر.
كما تأثر بها بعض أدباء أوروبا الغربية، ولاسيما أصحاب النزعة الرومانتيكية، الذين اتخذوا الطبيعة موضوعا للتأمل فى أدبهم(7).
والخلاصة أن وحدة الوجود فكرة خاطئة،لا يقرها عقل سليم ولا دين منزل. وأخطر ما فيها: أنها تنافى التوحيد الصحيح ، وتؤدى إلى القول بوحدة الأديان ، واسقاط التكاليف ،وإلغاء المسئولية والالتزام الأخلاقى ، انطلاقا من فكرة الجبر كما أنها تنبثق منها اعتقادات غير صحيحة مثل "النور المحمدى"، و"الحقيقة المحمدية".و"الإنسان الكامل". وكل ذلك ينكره الإسلام.
أ.د/عبداللطيف محمد العبد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- المنجد فى الغة مادة "وَحَدَ".
2- المصباح المنير"وَحَدَ".
3- القاموس المحيط "وَحَدَ".
4- فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه د/إبراهيم مدكور دار المعارف بمصر ط2/ 1968م - 1/ 56-57.
5- شبهات التصوف د/عمر عبد العزيز قريش ط1214هـ-1992م ص37 ، 40 ، 58 ، 64.
7- الموسوعة الميسرة بإشراف د/مانع بن حماد الجهنى، إصدار دار الندوة العربية بالرياض ط3 ، 1418هـ ، 2/ 1178-1179.
7- معجم المصطلحات العربية فى اللغة والأدب مجدى وهبة، وكامل المهندس مكتبة لبنان ط2 ، 1948م ، ص432.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:22 PM
الوَحْى

لغة: الكتاب. وجمعه وُحيٌّ ، مثل: حلى وهو أيضا: الكتابة والإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى ، وكل ما ألقيته إلى غيرك(1).
ويقال: أوحى إليه وله: كلمه بكلام يخفى على غيره.
ويعلم من هذا، أن كلمة "الوحى" فى اللغة تعنى السرعة والخفاء، أى الإعلام السريع الخفى.
شرعا: هو إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه ، بواسطة أو غير واسطة(3).
فالوحى إذن: نقل مافى عالم الربوبية إلى نبى أو رسول عن طريق الملائكة ، ليبلغه إلى الناس ،مع ملاحظة أن علم الله ثابت فى اللوح المحفوظ ، وينزل الوحى طبقا لما هو مدون فيه(4).
والوحى أمرهام وجوهرى فى النبوات والأديان ، فهو مثل المعجزة قطب الرحى ، وبدونهما لاتكون نبوة أو رسالة.
ولهذا جاءت مادة "و.ح.ى" في القرآن الكريم وحده ثمانيا وسبعين مرة(5) وفيه دلالة على أن للوحى حقيقة، وأنه أمر ضرورى للديانات السماوية.
والإيمان بالوحى حق وواجب على كل مسلم ومسلمة ، لارتباط ذلك الإيمان بجميع ما أنزل الله من كتاب ، وما آتى بعض رسله من صحف. وكل ذلك وحى من الله تعالى {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين}الشعراء:192-194.
وإن نزول الوحى على هيئة كتب وصحف سماوية، لهو شىء ضرورى لحياة البشر، كى تبقى للأنبياء والرسل آثارهم ، ولاسيما ذلك الأثر الباقى إلى يوم القيامة، والذى كان من أعظم نعم الله تعالى على خلقه ،(6) ألاوهو القرآن الكريم.
{إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبورا}النساء:163.
وملل الوحى هو جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقد جاء أسمه نصا فى قوله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه}البقرة:97.
ويفهم من الآية الكريمة وجوب محبة جبريل عليه السلام وتعظيم دوره على البشرية إلى يوم القيامه.
كما سماه القرآن "الروح الأمين" فى قوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين}الشعراء:192-193.
كما سماه "روح القدس" فى قوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق}النحل:102.
ويسمى"الناموس" كما جاء على لسان ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أول عهده بالوحى: لقد جاءك الناموس الذى نزل الله على موسى(7).
وفى آية واحدة أشار القرآن الكريم إلى ثلاثة مقامات للوحى،(8) فى قوله عز وجل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب ، أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء، إنه على حكيم}الشورى:51.
الأول: "وحيا" أى إلقاء المعنى في القلب.
ومعناه أن الله تبارك وتعالى يقذف فى روع النبى صلى الله وسلم شيئا لايمارى فيه أنه من الله عز وجل ،كما جاء فى صحيح ابن حبان عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله واجملوا فى الطلب".
الثانى: "من وراء حجاب ، أى بالتكليم ، كما كلم الله موسى عليه الصلاة والسلام فلما سأل الرؤية بعد التكليم حجب عنها، لكنه سمع النداء من وراء الشجرة: {نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إنى أنا الله رب العالمين}القصص:130.
الثالث: نزول أمين الوحى جبريل على نبينا وعلى الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فقد روى البخارى، عن عائشة رضى الله عنها، أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يارسول الله: كيف يأتيك الوحى؟ فقال: "أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده على، فيفصم عنى -أى يقلع - وقد وعيت عنه ماقال - أى حفظت.
وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فاعى مايقول".
قالت عائشة رضى الله عنها: "ولقد رايته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه ،وإن جبينه ليتفصد عرقا".
وإنما كانت حالة الصلصلة أشد؛ لأنها انسلاخ من البشرية واتصال بالروحانية. وكانت الثانية أخف ؛ لأنها انتقال ملك الوحى من الروحانية إلى البشرية بسهولة ويسر، بإذن من الله تعالى. وقد نزل القرآن الكريم بأكمل صورة للوحى، بواسطة إلقاء جبريل عليه السلام.
وروى الشيخان عن أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ما من الأنبياء نبى إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فارجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
وما نطق به صريح الكتاب والسنة، من إثبات حقيقة الوحى ومقاماته ، يبطل رأى كل مبطل مرتاب ، يدعى أن الوحى نوع من الصرع ؛ نتيجة مس الشيطان أو مرض فى المخ ، أو تخيل إله ، أو توهم جنة ونار(9). أو كما زعم البراهمة من أن العقل يغنى عن الوحى، أو كما يدعى بعض غلاة الصوفية من أن الوحى نوع من الكشف أو الفيض(10).
ولو رجعنا إلى تعاليم الإسلام ، لوجدنا فكرة الوحى أسهل من كل هذا الهراء، وأضبط من جميع ألوان الافتراء على الله وعلى رسله. ومن هنا يجب الحذرمن الفكر الدخيل ،(11) ومن كل غلو فى دين الله.
أ.د/عبد اللطيف محمد العبد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- مختار الصحاح "وحى".
2- المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية "وحى".
3- النبوة بين الفلسفة والتصوف ، د/عبدالفتاح أحمد الفاوى مكتبة الزهراء القاهرة ط1 1416هـ/1996م ص113.
4- الفارابى الموفق والشارح ، د/محمد البهى مكقبة وهبة بالقاهرة ط1 1401هـ/1981م ص24.
5- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، لمحمد فؤاد عبدالباقى "وحى" ، جاءت المادة بلفظ المصدر:6 مرات وبلفظ الماضى:44 مرة ، وبلفظ المضارع:28 مرة.
6- منهاج المسلم ، أبو بكر الجزائرى دار الشروق جدة ط7 1407هـ-1987م ص38.
7- العقائد الإسلامية، السيد سابق دار الكتاب العربى ببيروت 1406هـ 1985م ص118.
8- تفسير ابن كثير تفسير الآية51 من سورة الشورى.
9- شرح العقيدة الطحاوية ابن أبى العز تحقيق: شعيب الأرنؤوط دار البيان دمشق ط1 1401هـ-1981م ص530.
10- الموسوعة الميسرةإشراف د/مانع بن حماد الجهنى نشر دار الندوة العالمية بالرياض ط3 ، 1418هـ-2/ 1180.
11- فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق د/إبراهيم مدكور دار المعارف بمصر ط2 1968م 1/ 77-78.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:22 PM
الوديعة

لغة: هى ما يتركه الانسان عند غيره ، يقال: أودعه مالا إذا دفعه إليه ؛ ليكون عنده وديعة، أو قبله منه وديعة، كما فى المختار(1).
واصطلاحا: توكيل فى حفظ مال مملوك(2).
والوديعة قد تكون نقدا أوعينا لها قيمة مالية، يبيح الشارع حيازتها، وهى لاتتصور إلا فيما ينقل ويحول عن موضعه إلى موضع آخر.
وترك المالك ماله عند غيره ليحفظه له أمرمشروع ، وقبول الغيرحفظ هذه الوديعة مستحب ، إذا كان قادرا على الحفظ ورد الوديعة إلى صاحبها عند طلبها.
ومن الأدلة على مشروعية الايداع ، وقبول الودائع قول الله تعالى: {إن الله يأمركم اًن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}النساء:58 ، وما روى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك) (رواه أبو داود والترمذى والحاكم والدار قطنى والطبرانى وصححه السيوطى)(3).
وترغيب الشارع فى حفظ مال الغير بالإيداع ، يحقق مصلحة ضرورية، قصد إليها من تشريع الأحكام ، وهى حفظ المال ، فإن صاحب المال قد يعجزعن حفظه أو يعنُّ له ما لايتمكن معه من حفظه بنفسه كسفر أوتعرض للمخاطر، فلو لم يشرع إيداعه لدى الغير لضاع على مالكه.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- مختار الصحاح ، محمد بن أبى بكر الرازى، ط عيسى الحلبى القاهرة مادة (ودع).
2- مغنى المحتاج ، محمد بن أحمد الشربينى، ط1377هـ/1958م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 3/ 79.
3- الجامع الصغير، جلال الدين عبدالرحمن بن أبى بكر السيوطى، ط الخامسة مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 1/ 14.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى ، عبدالله أحمد بن قدامة ، عالم الكتب ، بيروت.
2- المعاملات فى الفقه الإسلامى، عبدالحكيم المغربى، ط الثانية 1402هـ/1982م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:22 PM
وفاة الرسول

الوفاة: الموت ، فإذا أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد جرى على النبى صلى الله عليه وسلم مايجرى على الناس فى قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}الزمر:30 ، وماذكر به أبو بكر رضى الله عنه المؤمنين الذين اشتد بهم الحزن بموت الرسول صلى الله عليه وسلم : أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا فإن محمد قد مات ، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حى لايموت. قال الله تعالى{ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن ماتا أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرالله شيئا وسيجزى الله الشاكرين}آل عمران:144 ، ومع هذه الحقيقة فإن الحزن الشديد قد أخذ بالناس كل مأخذ لحبهم الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذى عبر فيه آنس رضى الله عنه بقوله: "لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء فيها كل شئ ،ولما مات أظلم منها كل شىء" ولذلك وجدنا عمر رضى الله عنه مع قوته وشدته يكلم الناس قبل أبى بكر رضى الله عنه منكرا موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن سمع تذكير أبى بكر بالقرآن جلس على الأرض لاتحمله قدماه ، وكأنهم لم يسمعوا الآية إلا تلك الساعة(1).
والسيدة فاطمة رضى الله عنها قالت وهو فى مرض الوفاة: واكرب أباه ، فقال لها: ليس على أبيك كربا بعد اليوم (2) فقالت بعد الوفاة: يا ابتاه. أجابا ربا دعاه ، يا أبتاه فى جنة الفردوس ماواه ، ياأبتاه إلى جبريل ننعاه(3).
وسبق موت النبى صلى الله عليه وسلم الاطمئنان على أمته بعد أن أكمل الله الدين ، وأتم النعمة حيث كشف فى صلاة الفجر يوم وفاته ستر حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها ونظر إلى المسلمين وهم فى صفوف الصلاة ثم تبسم وضحك وكأنه يودعهم ، وهم المسلمون أن يعبروا عن فرحتهم بخروجه ، وتأخر أبو بكر رضى الله عنه حيث ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد الخروج للصلاة فأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
وكان عندما حضره الموت مستندا إلى صدر أم المؤمنين عائشة، وكان يدخل يده فى إناء الماء كى يمسح وجهه ويقول: لآ إله إلا الله ، إن للموت سكرات ، وأخذته بحة وهو يقول: {مع الذين أنعم الله عليهم} ويقول: "اللهم فى الرفيق الأعلى" فعرفت السيدة عائشة أنه يخير، وأنه يختار الرفيق الأعلى(4).
ولحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وترك للناس ما إن تمسكوا به لن يضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه.
أ.د/محمد رأفت سعيد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- فتح البارى 8/ 145.
2- فتح البارى 8/ 149.
3- المرجع السابق.
4- سيرة ابن هشام 4/ 329 ، وفتح البارى 8/ 136.
مراجع الاستزادة:
1- فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر.
2- السيرة النبوية الصحيحة د/أكرم ضياء العمرى.
3- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:23 PM
الوقت عند الصوفية

لغة: وقت العمل جعل له وقتا يؤدى فيه.والوقت: مقدار من الزمان قدر لأمر ما ،وجمعه أوقات(1).
وقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}النساء:103،أى مفروضات فى الأوقات(2).
والله عز وجل هو الذى يخلق الوقت أو الزمان ويحدده. وكثيرا ما يتحدد بالليلة لارتباطه بالهلال أول الشهر. والوقت يحكم الإنسان ، ولايحكم الله عز وجل(3).
واصطلاحا: الوقت عند الصوفية عبارة عن العبد(4) فى زمان الحال (5) أى عندما يتصل وارد من الحق بقلبه ، ويجعل سره مجتمعا فيه ، بحيث لايذكر في كشفه الماضى ولا المستقبل(6) ويشير القاشانى (ت 735هـ) إلى أن ما حضر العبد في الحال: إن كان من تصريف الحق ، فعلى العبد الرضا والاستسلام.
وإن كان مما يتعلق بكسبه ، فليلزم ما أهمه فيه بعيدا عن الماضى والمستقبل ، فإن تدارك الماضى تضييع للوقت الحاضر.
كذلك الفكر فيما يستقبل ، فعساه ألا يبلغه ، وقد فاته الوقت ، ولهذا قال أهل التحقيق: "الصوفى ابن الوقت" أى إنه مشتغل بما هو أولى به في الحال.
ويشير أبو على الدقاق إلى أن الوقت عند الصوفية ماكان هو الغالب: إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا ، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور،وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن.
وقد يريدون بالوقت: ما يصادف الصوفى من تصريف الحق له دون ما يختاره لنفسه ويقولون: "فلان بحكم الوقت" أى إنه مستسلم لما يبدو له من الغيب ، من غير اختيار له.
وهذا فيما ليس لله تعالى عليه فيه أمر أو اقتضاء بحق الشرع ؛ لأن التضييع لما أمربه ،وإحالة الأمر فيه على التقدير، وترك المبالاة بما يحصل منه من التقصير: خروج عن روح الدين.
ويشير الصوفية كذلك إلى أن "الوقت سيف" أى كما أن السيف قاطع ، فالوقت غالب بما يمضيه الحق.
وقيل: "السيف ليّن مسّه ، قاطع حدّه" فمن لاينه سلم ، ومن خاشنه اصطلم. كذلك الوقت بمفهوم الصوفية: من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردّى، وأنشدوا:
وكالسيف إن لاينته لان مسه * وحدّاه إن خاشنته خشنان فالصحبة مع السيف خطر: "إما ملك وإما هلك"، ولو حمله صاحبه ألف سنة فلن يفرق فى حال القطع بين رقبة صاحبه ورقبة غيره ، لأن صفته القهر.
وقيل أيضا: من ساعده الوقت فالوقت له وقت ، ومن ناكده الوقت فعليه مقت. وسمع القشيرى أبا على الدقاق يقول: "الوقت مبرد يسحقك ولايمحقك": أى يأخذ من العبد، دون أن يمحوه بالكلية. وكان الدقاق ينشد:
كل يوم يمر يأخذ بعضى * يورث القلب حسرة ثم يمضى
وأنشد أيضا:
كأهل النار إن نضجت جلود * أعيدت للشقاء لهم جلود
وهو فى معنى:
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
ويرى القشيرى أن الكيس هو: من كان بحكم وقته:
(أ) إن كان وقته الصحو، فقيامه بالشريعة.
(ب) وإن كان وقته المحو، فالغالب عليه أحكام الحقيقة(8).
ويرى علماء الصوفية،أن الخلق تتفاوت قدراتهم وأحوالهم فى مسألة "الوقت"، لكن الصوفية يصرحون بأنهم يعيشون فى الوقت سرورا مع الحق ، فإذا انشغل الواحد منهم بالغد، أوقلب التفكير فى الأمس ، حجب عن الوقت ، والحجاب تشتت.
ويقول أبو سعيد الخراز "لاتشغل وقتك العزيز إلا بأعز الأشياء، وأعز أشياء العبد شغله بين الماضى والمستقبل.
ولهم فى ذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرض عليه فى ليلة المعراج زينة ملك الأرض والسماء، فلم ينظر إلى أى شىء؛ لقوله تعالى: {ما زاغ البصروماطغى}النجم:17، لأنه كان عزيزا ، ولايشغل العزيز إلا بالعزيز، ولم يتجاوز ما أمر به.
ويشير الهجويرى (ت 465هـ) إلى أن أوقاف الموحد وقتان: أحدهما فى حال الفقد، والثانى في حال الوجد، وفى كلا الوقتين يكون الموحد مقهورا ؛ لأنه فى حال الوصل يكون وصله بالحق ، وفى الفصل يكون فصله بالحق.
ويحكى الجنيد أنه رأى درويشا فى البادية يجلس تحت شجرة ذات شوك ، وظل هكذا منذ اثنتى عشرة سنة ، لأنه كان يتوجع على وقت ضاع له فى ذلك المكان. فمضى الجنيد إلى الحج ودعا له فاستجيبت دعوته ، ومع هذا أصر الدرويش على البقاء في نفس المكان الصعب حتى يموت ويخلط ترابه بتراب ذلك الموضع ، ويرفع رأسه يوم القيامة من هذا التراب الذى صار محل أنسه وسروره(9).
وقد اهتم الصوفية بالتفريق بين الوقت والحال:
فالحال هو الذى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب ، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل ؛(10) فالحال وارد على الوقت ، يزينه مثل الروح والجسد والوقت لامحالة يحتاج إلى الحال ؛ لأن صفاء الوقت يكون بالحال ، كذلك فإن الغفلة تجوزعلى صاحب الوقت ،ولاتجوزعلى صاحب الحال(11).
وأخيرا فإن الصوفية لديهم مايسمى الوقت الدائم" أو "الآن الدائم"،(12) وهم بهذا يشيرون إلى حقيقة الزمن بالنسبة لله عز وجل ، حيث لاينقسم الزمن هناك ، ولايتميز إلى ماض وحاضر ومستقبل.
أ.د/عبداللطيف محمد العبد



--------------------------------------------------------------------------------


الهامش:
1- مجمع اللغة العربية المعجم الوجيز مادة "وقت" طبع وزارة التربية والتعليم بمصر.
2- محمد بن أبى بكر الرازى مختار الصحاح 666هـ مادة (و-ق-ت) ط استانبول تركيا 1408هـ/1987م.
3- الفتاوى الكبرى الشيخ محمد متولى الشعراوى حوار لأحمد زين ، مكتبة التراث الإسلامى بالقاهرة 1407هـ/1987م ص80 ، 261 ، 601.
4- التعريفات الجرجانى البابى الحلبى بالقاهرة 1357هـ/1938م ص227.
5- رسالة فى اصطلاحات الصوفية (ضمن التعريفات للجرجانى) ابن عربى، ط البابى الحلبى بالقاهرة 1357هـ/1938م ص234.
6- كشف المحجوب ،الهجويرى دراسة وترجمة وتعليق دكتورة/إسعاد عبدالهادى قنديل المجلي الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة. 1395هـ/1975م.
7- اصطلاحات الصوفية، القاشانى تحقيق وتعليق د/محمد كمال جعفرالهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر 1981م ص53.
8- الرسالة القشيرية القشيرى مكتبة صبيح بالقاهرة 1386هـ/1966م ص53.
9- كشف المحجوب ، الهجويرى 2-614.
10- رسالة فى اصطلاحات الصوفية، ابن عربى ص234.
11- كشف المحجوب 2-615.
12- اصطلاحات الصوفية، القاشانى ص54 من تعليق د/كمال جعفر.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:23 PM
الوهابية

تنسب الوهابية إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن على الذى ولد فى العيينة بمنطقة نجد بالجزيرة العربية (1115هـ/1703م) والمقصود بالوهابية مجموعة المبادىء التى جهر بها الشيخ ، وتتلخص فى:
1- التوحيد ، والعودة إلى أصول الإسلام الصحيحة.
2- الجهاد فى سبيل ذلك ، وجواز قتال مانعى الزكاة وتاركى الصلاة.
3- ترك زيارة القبورة لأن الميت بعد الدفن أحوج إلى الدعاء، لا أن يدعى به. ويضاف إلى هذا منع اتخاذ التمائم ، والتبرك بالشجر والحجر، والذبح لغير الله ، والنذر لغير الله ، والاستعاذة بغير الله ، والعبادة عند القبور.
وهى أمور موافقة لمبادىء الاسلام ، مؤكدة له ، وغير جديدة. أما تجديد الدعوة آنذاك إلى التمسك بها فيعنى أن المجتمع الذى نشأ فيه الشيخ كان قد خرج عليها، أو أنه لم يعد متمسكا بها. وفى هذا يقول معاصروه الذين ترجموا له إن "دعوته" جاءت بعد أن قرأ العلم ورأى "كثرة جهل الناس بدين نبيهم" وأنه رأى الناس فى العراق "مفتونون فى حب الدنيا، ورآهم فى المدينة مفتونون فى عبادة الأوثان. وعندما وصلت أنباء دعوته إلى المدينة المنورة قال أستاذه الشيخ محمد بن سليمان الكردى"أنه شاذ عن السواد الأعظم". وكان أسلوبه في الدعوة يقوم على أخذ العهود والمواثيق علي الناس لإقامة الدين.
ويذهب بعض الدارسين إلى القول بأن "الوهابية" تتشابه مع ما سبق أن نادى به ابن تيمية فى بلاد الشام قبل ذلك بأربعة قرون (الشيخ تقى الدين أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى (661-728هـ/1263-1328م) الذى قال: إن الشهادتين وحدهما لا تكفيان ما لم يلتزم قائلهما بالشرائع والواجبات ، واعترض على المقامات والأنصاب ، وعلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وقد أثارت أراء ابن تيمية قلقا فى نفوس العلماء والحكام فى مصر والشام والعراق تحت حكم المماليك وانتهى أمره بالسجن حتى وفاته.
أما الشيخ محمد بن عبدالوهاب فلم يواجه حكومة مركزية شأن ابن تيمية،فالجزيرة العربية آنذاك كانت مجموعة من الإمارات المتناثرة ولا تخضع لسلطة مركزية.
وكانت الإحساء والمناطق الشرقية من الجزيرة ميدانا مثاليا لنشر أفكاره ، فأهل السنة فيها يشكلون أقلية، ويشكل الشيعة والخوارج أغلبية، فضلا عن الإباضية في عمان ، والنجديون حنابلة، وبالتالى كان أولئك جميعا أقرب من غيرهم إلى أراء الشيخ.
وأما أهل الحجاز فهم من الشوافع الذين يرون فى أنفسهم أكثر تفهما للدين وأقدر على تفسير أحكامه.
ولقد واجه الشيخ محمد بن عبدالوهاب مصاعب فى نشرأفكاره فى حريملاء التى كان بها عند وفاة والده ، وفى العيينة التى اضطر أميرها عثمان بن معمر إلى إخراجه منها امتثالا لأمير الإحساء (سليمان بن محمد) الذى هدده بقطع الخراج عنه.
وذهب لاجئا إلى الدرعية فى ضيافة الأمير محمد ابن سعود، وسرعان ما تفاهما، إذ قال الأمير للشيخ "أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة". وقال الشيخ للأمير "وأنا أبشرك بالعزة والتمكين". وأصبحت الدرعية دار هجرة لأتباع الشيخ الذين هاجروا إليها. وقبل الشيخ بسلطة الأمير، واحتفظ لنفسه بمقام دينى، وأعطاه حق تقديم نصائح ملزمة للأمير الحاكم ، حتى بدا أن سلطة الشيخ تعلو سلطة الأمير. وهكذا نشأ الإطار السياسى للوهابية. وقد أوفى آل سعود بالعهد لآل الشيخ ولم يتغير تقديرهم لهم على مر السنين إذ احتل آل الشيخ المراكز الرئيسية فى الإفتاء والتعليم فضلا عن رابطة النسب فيما بينهم.
وقد كان الأمير عبدالعزيز بن محمد آل سعود -الحاكم الثانى للدولة السعودية الأولى (1158-1233هـ/1745-1818م)- أقرب آل سعود إلى قلب الشيخ ، وأكثرهم تمسكا بمبادئه وتقيدا بنصائحه ، وهو الذى جعل للشيخ المقام الأول فى الدولة. وعلى هذا نشأ تلازم بين "الوهابية" و"السعودية"، وأصبح المصطلحان وجهين لعملة واحدة، فبفضل الوهابية أقام آل سعود دولتهم الأولى التى شملت جبال شمر (1790م) ، والإحساء (1791م)، وساحل عمان وقطر والبحرين (1799م)، والحجاز وعسير(1802م) وهددت المناطق الجنوبية فى بلاد الشام حتى حوران ، والمناطق الجنوبية الشرقية من العراق. ومن هنا بدأ العالم خارج الجزيرة العربية يسمع عن "الوهابية"، وصار التدخل العثمانى أمرا محتوما فكان ما كان من حملة محمد على باشا والى مصر العثمانى التى حطمت الدرعية وأخرجت آل سعود من أغلب الحجاز (1811-1818م).
ثم أعيدت دولة آل سعود مرة ثانية ثم مرة ثالثة على يد الملك عبدالعزيز فى ثلاثينات القرن العشرين.
ولما كانت "الوهابية" تمثل مرجعية لشرعية وجود آل سعود فى الحكم ، فقد حافظوا عليها ، واندفعوا بها ، وحددوا علاقاتهم بالآخرين على أساسها حتى ولو اضطروا لاستخدام العنف فى سبيل إقرارها. وهو أمر صدم ضمير عامة المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم "حسنى الإسلام"، إذ حمل الوهابيون أكثر الأمور الدينية على ظاهرها، فبدا المذهب وكأنه حركة للاحتجاج والإثارة لا للهداية والتقويم.
أ.د/عاصم أحمد الدسوقى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- ابن بشر (عثمان)، عنوان المجد فى تاريخ نجد، ط1 ، القاهرة 1373هـ.
2- تاريخ بعض الحوادث الواقعة فى نجد لابن عيسى، إبراهيم بن صالح 700هـ/1300-1340هـ/1918 (والمنشور خاص بالقرن التاسع عشر).
3- روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوى الإسلام ، ابن غنام (حسين) جزأن ، القاهرة 1949.
4- كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ، مؤلف مجهول ، حقق المخطوط ونشره د/عبد الله صالح العيثمين ، دار الملك عبد العزيز ، الرياض 1403هـ/1983م.
5- لمع الشهاب فى سيرة محمد بن عبدالوهاب ، مؤلف مجهول ، نشره د/أحمد أبو حاكمة ، بيروت 1967م.
6- الدولة السعودية الأولى، عبد الرحيم عبد الرحمن ، 1745-1818م ، القاهرة 1969.
7- عبدالله على القصيم ، الثورة الوهابية، القاهرة 1936م.
8- آثار الدعوة الوهابية فى الإصلاح الدينى والعمرانى فى جزيرة العرب ، محمد حامد الفقى ، القاهرة 1354هـ.
9- الوهابيون والحجاز، محمد رشيد رضا ، القاهرة 1925م.

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:24 PM
موسوعة المفاهيم / الياء

أحمد سعد الدين
29-03-2005, 10:25 PM
اليهودية

ينسب اليهود إلى يهوذا، أحد أولاد يعقوب الاثنى عشر (الأسباط فى القرآن الكريم) ويعقوب هو إسرائيل. ثم أصبحت كلمة يهودى تطلق على كل من يدين باليهودية.
وكان يعقوب (إسرائيل) قد هاجر هو وعشيرته من أرض كنعان (فلسطين وما إليها) إلى مصر حوألى القرن 17 ق.م ، وكان عددهم سبعين نفسا، تحت ضغط المجاعة والجفاف (سفر التكوين ، إصحاح 46 فقرة 27) واستقبلهم يوسف أحد أبنائه وكان "وزيرا" لدى فرعون مصر، فأكرم وفادتهم ،وأقاموا فى ناحية جاسان (وادى الطميلات بالشرقية) (التكوين ، إصحاح 47 فقرة 11). وخلال ما يقرب من أربعة قرون من إقامتهم فى مصر انقسم بنو إسرائيل (يعقوب) إلى اثنتى عشرة قبيلة كل منها نسبة إلى واحد من الأسباط الاثنا عشر. وعندما بعث موسى برسالة التوحيد إلى بنى إسرائيل وفرعون مصر وقومه ق 14-13 قبل الميلاد تقريبا، آمن بها إسرائيل إلا قليلا منهم. وهنا نشأت الديانة اليهودية. وكان لابد من الصدام مع فرعون وقومه ، فخرج بنو إسرائيل من مصر (البقرة 49،50) ، (طه 77-88) (إصحاح 13-14 من سفرالخروج) حوالي 1280 ق.م فى عهد فرعون مصر رمسيس الثانى على ما يرجح.
وبعد خروج اليهود من مصر الفرعونية إلى الصحراء (سيناء)، أغاروا بقيادة يوشع (خليفة موسى) على أرض كنعان ، واستقروا بها. وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكة داود (أسسها عام 990 ق.م) إلى مملكتين: إسرائيل فى الشمال ، ومملكة يهودا فى الجنوب (922 ق.م)، ونشبت بينهما حروب طويلة إلى أن دهمهم بختنصر ملك بابل حين أغار على فلسطين مرتين فى 596، 587 ق.م ، وأخذ عددا كبيرا منهم إلي بابل ، وظلوا هناك حوالى خمسين عاما تعرف فى تاريخ اليهود بالأسر البابلى. فلما تغلب كورش ملك الفرس على البابليين (538ق.م)، أطلق سراح الأسرى الذين عادوا إلى فلسطين ولكن دون دولة، إذ خضعوا للفرس ، ومن بعدهم لخلفاء الإسكندر المقدونى (انطيوخوس)، ثم إلي الرومان. وفى تلك الأثناء ترك عدد منهم فلسطين إلى جهات مختلفة فى آسيا وأوربا.
وفى عام 135م أخمد الرومان فى عهد الإمبراطور هدريان ثورة قام بها اليهود فى فلسطين هدم على أثرها هيكل سليمان ،وأخرج اليهود من فلسطين وكان عددهم حوالى خمسين ألفا ، وبدأت رحلة الشتات الكبير Diaspora.
وقبل الشتات الكبير كان اليهود الذين غادروا فلسطين إلى أوروبا استوطنوا حوض نهر الراين الشمالى والأوسط ، واجتهدوا فى نشر اليهودية بين الوثنيين هناك بين الجرمان والسلاف. وبعد الشتات انتشروا فى افاق كثيرة بين أجناس مختلفة فى فارس وتركستان والهند والصين عن طريق القوقاز، وفى العراق ومصر وبرقة وشمال إفريقية، وشبه جزيرة إيبريا (اسبانيا والبرتغال) والجزيرة العربية حتى اليمن ، والحبشة، وفيما بعد فى أجزاء من إفريقيا السوداء.
وقد أدى هذا إلى اعتناق عناصر وسلالات بشرية كثيرة لليهودية. وهذا التعدد العنصرى فى حد ذاته ينفى مقولة: إن اليهودية قومية،كما ينفى أيضا مقولة "معاداة السامية" التى يشهرها اليهود كلما وقعوا فى كارثة، لأن انتشار اليهودية على ذلك النحو أوجد أجيالا تدين باليهودية ولكن ليسوا من الساميين أصلا.
وفى المجتمعات التى عاش فيها اليهود قبل الشتات الكبير وبعده ، كانوا على هامش المجتمع بسبب اختلاف عقيدتهم عن الآخرين ، ومن هنا كانوا دوما أقلية منعزلة ذاتيا تعيش فى مكان خاص (حارة-جيتو)، ولم يتبوأوا مراكز الحكم ،فانصرفوا إلى النشاط الاقتصادى وسيطروا على أسواق المال والتجارة. ولما بدأ عصر الدولة القومية فى القرن التاسع عشر، بدأ يهود القارة الأوروبية التفكير فى وطن خاص يجمعهم وينقلهم من هامش المجتمعات التى يعيشون فيها ليصبحوا قوة مركزية، وهو الأمرالذى تم فى عام 1948 بعد تكوين المنظمة الصهيونية العالمية بمقتضى مؤتمر بازل فى 1897.
ولليهود تسع وثلاثون سفرا من أسفارهم معتمدة يطلق عليه "العهد القديم" وهى أربعة أقسام: (1) التكوين ويختص بتاريخ العالم ، (2) والخروج ويختص ببنى إسرائيل فى مصروخروجهم منها،(3)والتثنية ويختص بأحكام الشريعة اليهودية، وسفر اللاويين ويختص بشؤون العبادات ، (4)
وسفر العدد ويختص بإحصاء اليهود لقبائلهم وجيوشهم وأموالهم. أما القسم الثانى من العهد القديم فيتكون من اثنى عشر سفرا خاصة بتاريخ بنى إسرائيل بعد استيلائهم على أرض كنعان ، والقسم الثالث من خمسة أسفار تختص بالأناشيد والعظات ، والرابع من سبعة عشرسفرا كل منها يختص بتاريخ نبى من أنبيائهم بعد موسى. أما التلمود فهو مجموعة شروح للشرائع المنقولة شفاهة عن موسى وتلمودان: واحد تم تدوينه فى فلسطين ، والثانى كتب فى بابل.
وأنقسم اليهود إلى أكثرمن فرقة اختلفت فيما بينها حول الأخذ بأسفار العهد القديم والأحاديث الشفوية لموسى أوإنكار بعضها.
وأهم هذه الفرق خمس فرق: الفريسيون (الربانيون)، الصدوقيون ، والسامريون ،و الحسديون (المشفقون) ، والقراءون (الكتابيون المتمسكون بالأسفار ويعرفون أيضا بالعنانيين نسبة إلى مؤسسها عنان بن داود). ولم يبق من هذه الفرق إلا الربانيون و القراءون وبينهما اختلافات شديدة حول الطقوس والشرائع والمعاملات. أما اليهود المعاصرون فينقسمون بين سفارديم وهم اليهود الشرقيون بما فيهم ذوى الأصول العربية والأسبان والبلقان ،و أشكنازيم وهم اليهود الغربيون.
أ.د/عاصم أحمد الدسوقى



--------------------------------------------------------------------------------


مراجع الاستزادة:
1- مقارنة الأديان (اليهودية) أحمد شلبى، القاهرة 1982م.
2- اليهود انثروبولوجيا د/جمال حمدان ، القاهرة 1967م.
3- الفكر الدينى الإسرائيلى. حسن ظاظا ، القاهرة 1971م.
4- اليهودية واليهود ، على عبد الواحد وافى، القاهرة 1981م.
5- الاستعمار والمذاهب الاستعمارية محمد عوض محمد ط4 القاهرة 1957م.

داوود يوسف
21-03-2009, 02:59 AM
السلام عليكم/ كيف يمكنني تحميل كتاب كشاف اصطلااحات الفنون و العلوم للتهانوي و لكم جزيل الشكر