المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية


الصفحات : 1 2 [3] 4 5 6

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:39 PM
يراد بالضرر هنا ما يلحقه الزوج بزوجته من أنواع الأذى التي لا تستقيم معها العشرة ‏الزوجية كضربه إياها ضرباً مبرحاً وشتمها شتماً مقذعاً، وإكراهها على فعل ما حرم الله، ‏وهجرها لغير التأديب مع إقامته في بلد واحد معها أو أخذ مالها وما شاكل ذلك.‏
فإذا حدث ذلك فهل للزوجة أن تطلب أو لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك بناء عل اختلافهم في المراد بآية بعث الحكمين وصحة بعض ‏الآثار عن فقهاء الصحابة.‏
فذهب الحنفية والشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أنه ليس لها ‏طلب التفريق، لأن الحياة الزوجية لا تخلو من ذلك عادة، فعليها أن تطلب من القاضي زجره ‏ليمتنع عن ذلك أو تعزيره بما يراه رادعاً له إن لم يمتنع، فإن اشتد النزاع وخيف وقوع الشقاق ‏بينهما بعث القاضي حكمين ليقوما بالإصلاح بينهما عملاً بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ‏فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ‏خَبِيرًا} [النساء:35].‏
قالوا: إن هذه الآية قصرت عمل الحكمين على محاولة الإصلاح بين الزوجين ولم تجعل ‏لهما حق التفريق، فيبقى هذا على الأصل للزوج وحده إلا إذا وكلهما بذلك حيث لا كتاب ولا سنة ‏ولا أثر يدل على ثبوت هذا الحق لغيره.‏
وذهب المالكية والشافعي في قوله الآخر وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن لها الحق في ‏طلب التفريق، وليس في الآية ما يمنع ذلك، بل من يمعن النظر فيها يجدها جعلت لهما هذا الحق، ‏لأن الله سماهما حكمين وجعل حق بعثهما لغير الزوجين فليسا مجرد وكيلين إذ لو أراد ذلك لقال: ‏‏" فابعثوا وكيلاً عنه ووكيلاً عنها، ولما قصرهما على أهله وأهلها، لأن الموكل له أن يوكل عنه ‏من يشاء، وإذا كانا حكمين فهما بمعنى الحاكمين فيثبت لهما حق الحكم ولا حكم هنا إلا بالتفريق ‏إذا تعذر الإصلاح، وقد ثبت أن عثمان أرسل حكمين وقال لهما: إن رأيتما أن تفرقا ففرقا.‏
وكذلك روي عن علي أنه بعث حكمين بين زوجين وقال لهما: عليكما إن رأيتما أن ‏تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا.‏
وروي عن ابن عباس أنه قال في الحكمين: فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا ‏فأمرهما جائز.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:39 PM
الفَصْل الرَّابع
في التفريق لغيبة الزوج

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:40 PM
إذا غاب الزوج عن زوجته مدة تتضرر بها وتخشى على نفسها الفتنة فطلبت من القاضي ‏التفريق بينها وبين زوجها فهل تجاب إلى طلبها؟
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يحق لها هذا الطلب ولا تجاب لطلبها لعدم وجود ما ‏يصلح سبباً للتفريق في نظرهم.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى جواز التفريق بالغيبة إذا طالت حتى ولو ترك لها زوجها ‏مالاً تنفق منه، ولكنهم اختلفوا في حدِّالغيبة الطويلة.‏
فحددها الحنابلة بستة أشهر استناداً إلى ما روي عن عمر في قصة المرأة التي تضررت ‏من غياب زوجها في الغزو وسمعها عمر في إحدى الليالي تشكو منشدة بيتين من الشعر(1) ‏وسأل ابنته حفصة عن المدة التي تصبر فيها المرأة عن زوجها فوقت للناس في مغازيهم ستة ‏أشهر.‏
وحددها المالكية في الراجح عندهم بسنة وقيل بثلاث سنين.‏
كما اختلفوا في تلك الغيبة هل هي التي تكون بغير عذر كما يرى الحنابلة أو مطلقاً بعذر
‏(1)‏ تطاول هذا الليل واسوَدَّ جانبه وطال عليَّ ألا خليلُ ألاعبــه
والله لولا خشية الله وحـــده لحرَّك من هذا السرير جوانبه
وبغير عذر كما يرى المالكية، لأن المرأة تتضرر بها في الحالتين، والمقصود بالتفريق رفع ‏الضرر عنها، واتفقوا على أن الغيبة إذا كانت بعيدة لا يمكن وصول الرسائل إليه أو يمكن بعد ‏زمن طويل موجبة للتفريق في الحال بدون إعذار ولا إمهال.‏
وإن كانت قريبة فلا يصح التفريق إلا بعد الإعذار إليه بأن يقدم أو ينقل امرأته إليه أو ‏يطلق فإن فعل وإلا فرق بينهما بعد أن يتريث مدة باجتهاده رجاء عودته.‏
ذهب مالك إلى أن هذا التفريق طلاق بائن.‏
وذهب الحنبلي إلى أنه فسخ لأنها لم تصدر من الزوج، ولا ينفويض منه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:40 PM
الفَصْل الخامِسْ
في التفريق لحبس الزوج‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:41 PM
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يفرق بين الزوج وزوجته بسبب حبسه مهما طال.‏
وذهب المالكية والحنابلة الذين يرون التفريق لغيبة الزوج إلى عدم التصريح بالتفريق ‏لحبس الزوج.‏
ولم يصرح بذلك إلا بعضُ من الحنابلة في فتاويه، ولكن المذهب المالكي صرح بأن ‏لزوجة الأسير الحق في طلب التفريق لأن مناط التفريق عندهم هوُ بعدُ الزوج عن زوجته سواء ‏كان باختياره أو قهراً عنه كما في الأسير، لأن الضرر يلحق الزوجة من هذا البعد، وهذا المعنى ‏متحقق في زوجة المحبوس.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:41 PM
البَاب الثالث
اللعان والإيلاء والظهار

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:42 PM
الفَصْل الأولْ

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:42 PM
المبحث الأول
‏- التعريف به وكيفيته وشروطه والامتناع عنه




اللعان في اللغة: هو مصدر لاعن من اللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى.‏
وفي الاصطلاح: اسم لما يجري بين الزوجين من الشهادات بالألفاظ المعروفة مقرونة ‏باللعن من جانب الزوج وبالغضب من جانب الزوجة.‏
وقد شرع الله الحد لمن يقذف امرأة محصنة بالزنى ولم يثبت دعواه بشهادة أربعة شهود ‏زجراً له ولأمثاله عن انتهاك أعراض العفيفات. فيجلد ثمانون جلدة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ‏الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ ‏هُمْ الْفَاسِقُونَ} [النور : 4].‏
وكان هذا هو الواجب في قذف كل محصنة ولو كانت زوجة، ولكن الله خفف عن ‏الأزواج ورفع الحرج عنهم بشرعية اللعان في حق من قذف زوجته بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ ‏يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ ‏الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ ‏أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ} ‏‏[النور: 6-9].‏
فلما نزلت هذه الآيات أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم اللعان بين زوجين اتهم الزوج ‏زوجته بالزنى مع شخص معين بعد أن وعظهما وبين أن لهما عذاب الدنيا أهون من عذاب ‏الآخرة لأن أحدهما كذب بيقين، فصار ذلك هو الحكم المقرر فيما إذا أتهم الزوج زوجته بالزنى ‏أو نفى نسب ولدها إليه ولم تكن له بينة على دعواه ولم تصدقه الزوجة وطلبت إقامة حد القذف ‏عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:42 PM
كيفية اللعان:‏
طريقة اللعان بعد حدوث سببه كما جاء في الآيات السابقة أن يأمر القاضي الزوج ‏بملاعنتها بأن يقول: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة هذه ويشير إليها إن كانت ‏حاضرة، وإن لم تكن حاضرة بالمجلس سماها ونسبها بما تتميز به، ويكرر ذلك أربع مرات وفي ‏الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى أو نفى الولد حسب ‏موضوع الدعوى.‏
فإذا انتهى أمر الزوجة بملاعنته فتقول: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من ‏الزنى أو نفي الولد حسبما جاء في دعواه، وتكرر ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: غضب ‏الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به، ويكون ذلك بمحضر جماعة من الرجال أقلهم ‏أربعة لأنه بينة على الزنى.‏
وإنما وجب الابتداء بالرجل لأنه المدعي فبينته بينة إثبات وبينتها بينة إنكار لأنها منكرة، ‏وإنما كانت أربع شهادات لأن الزنى لا يثبت إلا إذا شهد عليه أربعة من الرجال أو أقرَّ به صاحبه ‏أربع مرات، فكانت هذه الشهادات منه قائمة مقام شهادة الشهود الأربعة.‏
فإذا فعل ذلك سقط عنه حد القذف، وإذا عارضته بشهاداتها سقط عنها حد الزنى.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:42 PM
حكم الامتناع عن الملاعنة بعد وجود سببها:‏
إذا امتنع الرجل عن الملاعنة بعد اتهامه زوجته بالزنى أو بنفي ولدها حبسه القاضي ‏حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيقام عليه حد القذف بمجرد امتناعه.‏
وسبب هذا الاختلاف هو اختلافهم في الموجب الأصلي لقذف الزوج زوجته:‏
فذهب الحنفية إلى أن موجبه اللعان لأن قوله تعالى: {فشهادة أحدهم} معناه فالواجب ‏شهادة أحدهم، وهذا يفيد أن الواجب في قذف الزوجات اللعان فلا يجب غيره إذا لم يوجد، ثم قالوا ‏إن آيات اللعان نسخت آية القذف في حق الأزواج أو خصصتها بغير الأزواج.‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن الموجب الأصلي لقذف الزوجات ‏هو حد القذف واللعان مسقط له، لأن آية القذف عامة في حكمها لكل قاذف زوجاً كان أو غير ‏زوج وجاءت آيات اللعان مخففة عن الأزواج فجعلت لهم طريقاً لرفع الحد عنهم باللعان، فإذا ‏امتنع عن اللعان ثبت الموجب الأصلي وهو الحد، ويدل لهذا أن الرسول قال لهلال بن أمية -لما ‏قذف زوجته بالزنى مع شريك بن شحماء-: "البينة أو حد في ظهرك"، وعندما نزلت آية اللعان ‏وجاء يلاعن قال له الرسول: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة"، ولو لم تكن الحد بهذا القذف ‏واجباً لما كان لهذا القول معنى.‏
ولأن الزوج لو أكذب نفسه أقيم عليه الحد بالاتفاق.‏
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا امتنعت الزوجة عن اللعان بعد أن لاعنها الزوج ‏حبست حتى تلاعن أو تصدق الزوج فيما ادعاه، فإن صدقته لا تحد حد الزنى حتى تقر به ‏صريحاً أربع مرات، لأن تصديقها ليس إقراراً بالزنى قصداً، ولأنها لو أقرت بالزنى ثم رجعت ‏عن إقرارها لم تحد.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنها إذا امتنعت عن اللعان يقام عليها حد الزنى وهو ‏الرجم، لأن الواجب الأصلي هو الحد واللعان يدرأ عنها الحد لقوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ ‏أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} فقد جعلت الشهادات وهي اللعان من جانبها دافعا عنها العذاب ‏وهذا العذاب هو الحد المصرح به في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:43 PM
شروط اللعان:‏
لا يجب اللعان إلا بعد قذف الزوج ومطالبة الزوجة بموجب القذف أمام القاضي وتوفرت ‏الشروط الآتية:‏
‏1- ذهب الحنفية إلى أن تكون الزوجية الصحيحة قائمة بينهما حقيقة أو حكماً عند القذف ‏سواء أضاف الزوج الزنى إلى زمن الزوجية أو قبلها، لأن العبرة عندهم بالوقت الذي وقع فيه ‏القذف سواء كان القذف قبل الدخول أو بعده.‏
وذهب الجمهور إلى أن الشرط أن يضيف القذف إلى زمن الزوجية فلو أضافه إلى ما ‏قبل الزواج لا يلاعن ويقام عليه حد القذف، لأن العبرة عندهم بالوقت الذي يضيف إليه الزنى فلا ‏بد أن يكون حال قيام الزوجية.‏
فلو كان الزواج فاسداً لا يلاعن لأن الزوجة فيه تعتبر كالأجنبية ويقام عليه حد القذف إذا ‏كانت المقذوفة عفيفة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يلاعن في الزواج الفاسد إذا كان القذف بنفي الولد لأن ‏الرجل مضطر إلى نفي نسب هذا الولد ولا طريق له إلا باللعان.‏
‏2- أن يكون كل من الزوجين أهلاً للشهادة على المسلم بأن يكون كل منهما مسلماً بالغاً ‏عاقلاً حراً قادراً على النطق غير محدود في قذف، فإذا تخلف قيد من ذلك لا يقام بينهما اللعان. ‏وهذا عند الحنفية، لأن اللعان عندهم شهادات مؤكدات بالأيمان. حيث سميت الآية الأزواج شهداء ‏وسمت ملاعنتهم شهادات. وجعلها كشهادة الزنى في العدد.‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنها أيمان بلفظ الشهادة فيشترط فيه ‏أن يكون كل منهما أهلاً لليمين والزوج أهلا للطلاق فصححوا اللعان من كل زوجين سواء كانا ‏مسلمين أو كافرين، عدلين أو فاسقين محدودين في قذف أو لا ما دامت الزوجة محصنة يحد ‏قاذفها، ودليلهم على ذلك أنه يذكر فيه اسم الله ويجب تكراره والمعروف في الشهادة أنها لا تكرر ‏لكن القسم قد يكرر كما في القسامة، ولأنه يكون من الجانبين والشهادة تكون من جانب واحد، ‏وتسميته شهادة باعتبار قول كل منهما أشهد، ولأن الرسول قال بعد أن ولدت امرأة هلال بن ‏أمية: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن".‏
‏3- ألا يقيم الزوج بينة على ما ادعاه بالاتفاق، فلو أقام بينة وجب عليها الحد ولا لعان، ‏لأن اللعان حجة ضعيفة فلا تقاوم بالبينة.‏
‏4- أن تكون الزوجة عفيفة عن الزنى.‏
‏5- أن تنكر الزوجة ما رماها به زوجها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:43 PM
المبحث الثاني
في الآثار المترتبة على اللعان




إذا توفرت شروط اللعان ووقع أمام القاضي ترتب عليه الآثار الآتية:‏
‏1- سقوط الحد عنهما.‏
‏2- يحرم بمجرد اللعان استمتاع كل من الزوجين بالآخر حتى قبل تفريق القاضي بينهما.‏
‏3- تقع الفرقة بين الزوجين بالإتفاق.‏
ولكن اختلف الفقهاء في وقوعها، هل تقع بمجرد اللعان ولا تتوقف على تفريق القاضي ‏أو لا تقع إلا بتفريقه؟
فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تقع إلا بتفريق القاضي، فلو تلاعنا وتأخر تفريق القاضي ‏كانت الزوجية باقية بينهما في بعض الأحكام، فلو مات أحدهما ورثه الآخر، ولو طلقها وقع عليها ‏الطلاق، ولو أكذب نفسه حلت له من غير تجديد عقد الزواج، واستدلوا بما روي عن ابن عباس ‏في قصة المتلاعنين: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وهذا يفيد أن التفريق حصل ‏بفعل رسول الله لا قبله.‏
وذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن الفرقة تقع بمجرد الملاعنة، وحكم ‏القاضي منفذ لها، لأن سبب الفرقة هو اللعان وقد وجد ولولاه ما وقعت، وقول ابن عباس السابق ‏ليس نصاً في إنشاء الفرقة بل يحتمل ذلك ويحتمل أنه إعلام لهما بها أو تنفيذها حساً بينهما، ومع ‏الاحتمال لا يدل على توقف الفرقة على حكم القاضي.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أنها إذا وقعت الفرقة بينهما اعتبرت طلاقاً بائناً تحتسب من عدد ‏الطلقات لأن سبب الفرقة جاء من جانب الرجل لأنه المتسبب فيها، فلا يحل له أن يتزوجها قبل ‏أن يكذب نفسه أو تصدقه في دعواه أو يكون من أحدهما ما يخرجه عن أهلية الشهادة، كأن يقذف ‏أحدهما غيره فيحد به أو يرتد عن الإسلام، لأن تكذيبه لنفسه يعتبر رجوعاً عن الشهادة، والشهادة ‏لا حكم لها بعد الرجوع عنها وحينئذ يحد حد القذف، ويثبت نسب الولد فيه إن كان القذف لنفيه، ‏وبتصديقها له يرتفع سبب اللعان أيضاً، لكنها لا تحد حد الزنى إلا إذا أقرت أربع مرات. ‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى أن الفرقة باللعان تكون فسخاً لا طلاقاً ‏لأنها فرقة مؤبدة كحرمة الرضاع فلا يمكنها إعادة الزواج بينهما حتى ولو أكذب نفسه أو صدقته ‏الزوجة لحديث "المتلاعنان لا يجتمعان أبداً".‏
ولأن سبب التفريق وهو اللعان قد وجد، وتكذيبه نفسه أو تصديقها له لا ينفي وجوده ‏فيبقى حكمه، ولأنه لو كان صادقاً في اتهامه لها فلا ينبغي له أن يرجع إلى معاشرة زوج بغي، ‏وإن كان كاذباً فقد أساء إليها إساءة بالغة فلا يمكن من معاشرتها بعد ذلك.‏
‏3- إذا كان اللعان بنفي الولد ينتفي نسبه منه ويلحق بأمه فيكون أجنبياً في بعض الأحكام ‏كالتورات والنفقة، فلا توارث بينهما إذا مات أحدهما، كما لا يرث الولد قرابة أبيه وإنما ترثه أمه ‏وأقرباؤها، ولا تجب لأحدهما نفقة على الآخر، لأن كلاً منهما لا يثبت إلا بسبب متيقن.‏
وتبقى أحكام البنوة في الأحكام الأخرى التي يراعى فيها الاحتياط لاحتمال أنه ابنه حقيقة ‏فلا يحل لأحدهما إعطاء زكاته للآخر، ولا تقبل شهادة أحدهما للآخر.‏
ولا يقتل الأب به قصاصاً إذا قتله، كما لو قتل ابنه الثابت النسب.‏
وتثبت بينهما حرمة المصاهرة فلا يجوز أن يزوجه من أولاده، كما لا يجوز له أن ‏يتزوج امرأته التي عقد عليها وبالعكس.‏
ولا يعتبر الولد بهذا النفي مجهول النسب، فلو ادعاه غير الملاعن لا يصح ولا يثبت نسبه ‏منه لاحتمال أن يكذب الملاعن نفسه فيعود نسب الولد له.‏
ولهذا قيل لو ادعاه أجنبي بعد موت الملاعن صحت الدعوى وثبت نسبه من المدعي إذا ‏توافرت شروط ثبوت النسب، وهذا عند الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:44 PM
الفَصْل الثّاني
‏ الإيلاء

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:44 PM
المبحث الأول
‏ ‏- التعريف وركنه وألفاظه وشروطه




الإيلاء لغة عبارة عن اليمين مطلقاً. يقال: آلى يولي إيلاء إذا حلف سواء كان على ترك ‏قربان زوجته أو غيره.‏
وفي الشريعة عبارة عن حلف الزوج على ترك قربان امرأته أربعة أشهر سواء كان ‏حلفاً بالله أو بتعليق القربان على فعل يشق على النفس إتيانه.‏
قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ‏رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226-227].‏
‏- ركن الايلاء:‏
يوجد الايلاء بالعبارة الدالة على منع الزوج نفسه من قربان زوجته أربعة أشهر فأكثر ‏منعاً مؤكداً باليمين بالله أو بصفة من صفاته أو بالتزام ما يشق عليه إثباته. كأن يقول: والله لا ‏أقربك أربعة أشهر، أو وقدرة الله لا أقربك عاماً، أو لا أقربك أبداً، وكذلك لو أطلق عن التقييد ‏بزمن: كوالله لا أقربك، لأن الإطلاق ينصرف إلى التأبيد، ومثل ذلك لو قال: إن قاربتك في هذا ‏العام فعلي صوم شهرين متتابعين أو حج أو صلاة ألف ركعة مثلاً، ففي كل هذه الصور يكون ‏مولياً يلزمه حكم الإيلاء. ‏
وعلى ذلك لا يكون مولياً من حلف على تركها أقل من أربعة أشهر، أو قال لها : لا ‏أقربك أربعة أشهر دون أن يلتزم بأمر يشق عليه، لأن الشرط لتحققه كون المنع مدة لا تقع عن ‏أربعة أشهر مع تأكيده باليمين أو بالتزام أمر يشق عليه، فإذا خلا من أحدهما لا يكون إيلاء، هذا ‏عند الحنفية.‏
وذهب مالك والشافعي والحنبلي إلى خلاف الحنفية في المدة فشرطوا أن تكون أكثر من ‏أربعة أشهر أو مطلقة عن التقييد.‏
لأن الآية وضعت لعدم قربان المرأة حداً لا ينبغي للزوج أن يتعداه وهو الأربعة الأشهر ‏وهو لا يطالب فيها بشيء فلا بد أن يزيد عليها ليطالب فيها بالفيء أو الطلاق.‏
كما خالفهم الحنابلة في المؤكد فشرطوا أن يكون بإسم الله أو بصفة من صفاته، فمن حلف ‏بالطلاق أو التزم ما يشق عليه لا يكون مولياً، لأنه لا يمين إلا ما عده الشارع يميناً، ولأن الحلف ‏عند إطلاقه ينصرف إلى القسم الذي تعورف في عصر نزول الوحي أنه يمين تلزم الكفارة ‏بالحنث فيه " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام ‏عشرة مساكين... الآية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:44 PM
ألفاظه:‏
تتنوع ألفاظ الإيلاء إلى نوعين صريح وكناية.‏
فالصريح: هو ما دل على المقصود من غير احتمال شيء آخر، نحو والله لا أقربك. أو ‏لا أجامعك، أو لا أغتسل لك من جنابة وما شاكل ذلك، وهذا يكون إيلاء ولا يصدق في أنه قصد ‏به شيئاً آخر.‏
والكناية: ما احتمل معنى آخر، نحو لا أغشاك، ولا أمسّك، ولا أدخل عليك، ولا أجمع ‏رأسي ورأسك، وهذا لا يكون إيلاء إلا بالنية، فلو ادعى أنه أراد به غير المخالطة صدق قضاءً.‏
وكما يكون باللفظ المنجز يكون بالمعلق على حدوث أمر آخر، وبالمضاف إلى زمن ‏مستقبل، وتبدأ مدة الإبلاء في المنجز عقب التلفظ به وفي المعلق من وقت تحقق الشرط، وفي ‏المضاف لزمن بدخول أول لحظة منه عند الحنفية والشافعية والمالكية.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يكون إلا منجزاً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:45 PM
شروط الإيلاء:‏
‏1- يشترط في المولي "الزوج" أن يكون بالغاً عاقلاً قادراً على المخالطة الجنسية، ‏وبعبارة أخرى أن يكون أهلاً للطلاق عند أبي حنيفة.‏
‏2- يشترط في المولي منها: أن تكون زوجة حقيقة أو حكماً بأن تكون في عدة الطلاق ‏الرجعي عند الحنفية، لأن كلاً منهما يحل مخالطتها حتى صحت الرجعة بالفعل باتفاقهم.‏
وتبتدئ المدة من وقت الحلف وتحتسب مدة العدة منها. فإن انتهت العدة قبل مدة الإيلاء ‏سقط لفوات محله، وإن امتدت العدة إلى نهاية مدة الإيلاء كان صحيحاً وطبق الحكم عليه، وامتداد ‏العدة يتصور فيما إذا كانت عدتها بالقروء وامتد بها الطهر فطالت مدة الحيضات الثلاث حتى ‏نهاية الأشهر الأربعة.‏
وقد يراجعها أثناء العدة فيعتمد الإيلاء إلى ما بعد الرجعة فيما إذا اعتدت بالأشهر، أما ‏المعتدة من طلاق بائن فلا يصح الإيلاء منها باتفاقهم، لأنه لا يحل له قربانها حتى يحلف على ‏امتناعه منه، ولأنها ليست من نسائه حتى تدخل تحت قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ‏تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} ... [البقرة: 226] الآية.‏
ولم يشترط الحنفية في المرأة المولى منها أكثر من هذا، فيصح الإيلاء من الزوجة دخل ‏بها أو لم يدخل بها صغيرة كانت أو كبيرة يمكن مخالطتها أو لا كأن كانت قرناء أو رتقاء أو في ‏مكان بعيد لا يمكنه الوصول إليها في مدة الإيلاء، قالوا: والفيء في هذه الأحوال التي يتعذر فيها ‏المقاربة يكون بالقول وهو قول مالك.

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:45 PM
المبحث الثاني ‏
حكم الإيلاء‏ ‏




إذا حلف الرجل على عدم قربان زوجته على الوجه السابق فإما أن يفيء إليها بأن يفعل ‏المحلوف عليه في مدة الإيلاء أو لا يفعل.‏
فإن فعل قبل مضي الأشهر الأربعة بطل الإيلاء ولزمه كفارة اليمين إن كان الحلف باسم ‏الله أو بصفة من صفاته، أو الوفاء بما التزم من صلاة أو صوم أو حج أو تصدق.‏
هذا إذا كان يقدر على مقاربتها، فإن كان عاجزاً عنها من وقت الإيلاء لعذر كمرضه أو ‏مرضها أو صغرها أو بعده عنها وامتد عجزه إلى آخر مدة الإيلاء يكون فيئه بالقول، كأن يقول: ‏فئت إلى زوجتي أو رجعت عما قلت، وبهذا القول ينحل يمينه بالنسبة للطلاق فلا يقع بمضي ‏المدة بدون مخالطة، كما أنه لا تلزمه كفارة اليمين ولا الأمر الملتزم به بالتعليق لأن المحلوف ‏عليه لم يقع منه فلا حنث، وإنما اعتبر الفيء بالقول لأن وقوع الطلاق لرفع الظلم عنها، وعند ‏العجز يكفي رفع الظلم بالقول حيث لا يستطيع سواه.‏
وإن لم يفعل ولم يقل ذلك القول حتى انتهت المدة كان باراً في يمينه فلا كفارة عليه ‏ولكنها تطلق منه طلقة بائنة بمضي المدة عند الحنفية، ولا يحتاج الطلاق لإيقاع منه أو لحكم ‏القاضي به، وبعد وقوع الطلاق ينتهي الإيلاء إذا كان عين هذه المدة عند الحلف.‏
وإنما وقع بائناً عندهم لأن وقوعه هنا لتخليص المرأة من الظلم، والرجعي لا يفيد ذلك ‏حيث يملك مراجعتها ثم يعيد الإيلاء وتتكرر المسألة فلا يخلصها إلا البينونة.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى موافقة الحنفية في أن الفيء في المدة ينهي الإيلاء ‏ويلزمه الكفارة لهذا الحنث، ولكنهم خالفوهم في وقوع الطلاق بمضي المدة.‏
فذهبوا إلى أن الزوج إذا لم يفيء إلى زوجته بعد انقضاء الشهور الأربعة فعليه الطلاق، ‏فإن طلق انتهى الأمر، وإن أبى الطلاق طلق عليه القاضي جبراً إذا طلبت الزوجة ذلك والطلاق ‏الواقع هنا رجعي سواء كان من الزوج أو القاضي، لأن الأصل في الطلاق أن يكون رجعياً حتى ‏يكون من الشارع ما يدل على أنه بائن.‏
فهم يخالفون الحنفية في أمرين. في أن الطلاق لا يقع بمضي المدة بل لا بد من إيقاعه من ‏أحدهما، وفي أن الطلاق لا يكون بائناً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:46 PM
الفَصْلُ الثَّالِث
‏ الظهار

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:46 PM
الظهار لغةً مصدر ظاهر مأخوذ من الظهر. وهو قول الرجل لامرأته : أنت عليّ ‏كظهر أمي.‏
وفي اصطلاح الفقهاء: تشبيه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على التأبيد أو بجزء ‏منها لا يحل له النظر إليه كالظهر والبطن والفخذ. كأن يقول لها : أنت عليّ كظهر أمي، أو كبطن ‏أختي أو عمتي أو خالتي. يستوي في ذلك أن تكون المشبهة بها محرمة عليه بسبب النسب أو ‏الرضاع أو المصاهرة كأن يقول لها: أنت علي كظهر امرأة أبي أو زوجة ابني وغيرها.‏
‏- ألفاظه: تتنوع ألفاظ الظهار إلى نوعين صريح وكناية.‏
فالصريح: ما لا يحتمل إلا الظهار، نحو أنت علي كظهر أمي أو كبطن عمتي وما شاكل ‏ذلك، ويقع به الظهار سواء نوى به الظهار أو الطلاق أو الإيلاء أو ادعى أنه لم ينو به شيئاً.‏
والكناية: ما يحتمل الظهار وغيره كقوله: أنت علي كأمي، فإنه يحتمل المماثلة في ‏التحريم أو الماثلة في الكرامة، فإذا نوى أيهما صدق فيما ادعاه منهما، فإن قال: نويت الظهار ‏كان ظهاراً، وإن قال: أردت الطلاق فهو طلاق بائن لأنه تشبيه في الحرمة.‏
وإن لم ينو به شيئاً فليس بشيء عند الحنفية لاحتمال إرادة الكرامة.‏
شروطه: يشترط لصحة الظهار ليترتب عليه حكمه عند الحنفية.‏
أولاً: يشترط في الرجل، أن يكون زوجاً بالغاً عاقلاً مسلماً، أي من أهل الكفارة فلا يصح ‏ظهار من الصبي والمجنون والذمي.‏
ثانياً: يشترط في المرأة المظاهر منها: أن تكون زوجة في زواج صحيح نافذ قائم حقيقة ‏أو حكماً. فيصح الظهار من المعتدة من طلاق رجعي، ولا يصح من المعتدة من طلاق بائن ولا ‏من كان زواجها فاسداً أو صحيحاً موقوفاً، لأن كلاً منهما حرام عليه بالفعل فلا يكون للظهار ‏منهما معنى.‏
ثالثاً: يشترط في المرأة المشبه بها: أن تكون محرمة عليه تحريماً مؤبداً بالإتفاق، فلو ‏كانت محرمة عليه مؤقتاً، كأخت زوجته أو عمتها، أو كانت محرمة عليه مؤبداً عند بعض الفقهاء ‏دون الآخرين كأم المرأة التي زنى بها أو بنته من الزنى لم يكن التشبيه ظهاراً على الراجح عند ‏الحنفية.‏
والمذاهب الأخرى تخالف في ذلك:‏
فالحنابلة، لا تشترط التأبيد فلو شبهها بمحرمة عليه مؤقتاً كان ظهاراً.‏
والشافعية يقيدوه بألا يكون تحريمها طارئاً على المشبه كأم زوجته وزوجة ابنه فإن كان ‏لم يكن ظهاراً.‏
حكم الظهار: كان العرب في جاهليتهم يظاهرون من نسائهم ويقصدون بذلك تحريم ‏المرأة تحريماً مؤبداً، وما كانت المرأة تخلص من زوجها لتباح لغيره، بل كانت تصير بهذا ‏الظهار كالمعلقة لا هي بذات زوج تستمتع بالحياة الزوجية ولا هي مطلقة تبحث لها عن زوج ‏آخر.‏
فكان الظهار لوناً من ألوان الإيذاء الذي يلحقه الرجل بالمرأة، فلما جاء الاسلام لم ‏يعرض له أول الأمر حتى ظاهر أوس بن الصامت بعد أن كبرت سنه وضاق خلقه - من زوجته ‏خولة بنت مالك بن ثعلبة بسبب مراجعتها له في بعض ما أمرها به، ولما هدأت نفسه راودها عن ‏نفسها فأبت عليه ذلك حتى يقضي الله ورسوله فيما وقع بينهما، وذهبت إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وأخبرته بما حدث من زوجها بعد أن كبرت سنه ووجود أولاد بينهما لا يستقر لهم ‏قرار مع أحدهما، وكان رسول الله يقول لها: اتقي الله فإنه زوجك وابن عمك وقد كبر فأحسني ‏إليه، فأخذت تجادله وتشكو إلى الله حالها وما صارت إليه فنزل عليه الوحي بآيات من أول سورة ‏المجادلة وهي قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ ‏يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ ‏أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ ‏يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ‏وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ‏فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ‏‏[المجادلة: 1-4].‏
فلما نزلت هذه الآيات قال لها الرسول: مُرِيْهِ فليعتق رقبة. فقالت لا يجد ذلك يا رسول ‏الله، ثم قال مريه أن يصوم شهرين متتابعين، فقلت هو شيخ كبير لا يطيق الصوم، فقال: مريه ‏ليطعم ستين مسكيناً، فقلت ما عنده شيء يا رسول الله، فقال: إنا سنعينه بعرق، فقلت وأنا أعينه ‏بعرق أيضاً، فقال: اذهبي فأطعمي ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك" رواه أبو داود والعرق: ‏ستون صاعاً من التمر. ‏
وبهذا أبطل الإسلام ظهار الجاهلية وألغى أثره من التحريم المؤبد، فلم يجعله طلاقاً ‏واعتبره منكراً من القول لأنه عبث بالحياة الزوجية وظلم للمرأة، وزور لأنه كذب. لهذا عاقبه ‏على ذلك بحرمانه من الاستمتاع بها حتى يكفر عما ارتكبه من خطأ بعتق رقبة، فإن لم يجد ‏فبصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فبإطعام ستين مسكيناً.‏
وقد اختلف الفقهاء في سبب وجوب الكفارة التي عبر عنها القرآن بقوله: {ثم يعودون ‏لما قالوا}.‏
ذهب الحنفية إلى أنه العزم على مقاربتها ورجوعه عن الظهار. وتكون اللام بمعنى من ‏أوفي وذلك لأن مقتضى الظهار تحريم قربان المرأة، فإذا عزم على قربانها يكون منه رجوعاً ‏عما صدر منه من ظهار، فإذا رفع هذا التحريم وجب عليه التكفير.‏
ذهب المالكية إلى ما ذهب إليه الحنفية في قول، وفي قول آخر بأنه العزم على الوطء مع ‏إرادة إمساك العصمة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إمساكها بعد ظهاره زمن إمكانه فرقة، لأن العود للقول مخالفته. ‏يقال قال فلان قولاً ثم عاد فيه أي خالفه ونقضه وهو قريب من قولهم عاد في هبته ومقصود ‏الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكه يخالفه وهذا المذهب الجديد وفي القديم تأويلان العزم ‏على الوطء، أو الوطء.‏
وعلى هذا يكون موجب الظهار تحريم قربان المرأة ولا يحل له قربانها إلا بعد التكفير ‏بواحد من الأمور الثلاثة مرتبة، فإذا واقعها قبل التكفير كان عاصياً يجب عليه الاستغفار وعدم ‏قربانها مرة أخرى قبل أن يكفر لما روى أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر وأخبر ‏الرسول بما فعل فقال له: ما حملك على ما صنعت قال: رأيت بياض ساقها في القمر، فقال له ‏الرسول " استغفر الله ولا تعد حتى تكفر " منتقى الأخبار.‏
واتفق الفقهاء على أنه يحرم منها المقاربة.‏
واختلف الفقهاء فبما دونه من المس والنظر بشهوة والتقبيل: فذهب الحنفية والمالكية إلى ‏تحريم ذلك.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم تحريم ذلك.‏
تتمة: لو كرر الظهار قبل التفكير وجب عليه كفارة واحدة سواء صدر منه الظهار ‏المكرر في مجلس واحد أو في مجالس متعددة، نوى به التأكيد أو الاستئناف أو لم ينوبه شيئاً ‏منهما، لأن ما بعد الأول قول لم يحدث تحريماً للزوجة فلم يجب به كفارة ظهار كاليمين بالله ‏تعالى، وإن ظاهر ثم كفر ثم ظاهر مرة ثانية وجبت عليه كفارة للظهار الثاني لأنه ظاهر بعد ما ‏حلت له. ‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:46 PM
الباب الرابع ‏
‏ العدة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:47 PM
الفصَل الأول
‏ ‏- التعريف بالعدة وأسبابها وحكمة مشروعيتها

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:47 PM
تعريف العدة:‏
العِدَّةُ: في اللغة: الإحصاء يقال: عددت الشيء عدة. أي أحصيته إحصاء، والجمع عدد، ‏ويطلق العدة ويراد بها المعدود، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي ‏كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36].‏
والعِدة في الشرع: أجل حدده الشارع للمرأة التي حصلت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب ‏من الأسباب تمتنع عن التزوج فيه بغير زوجها الأول.‏
ومعنى ذلك: أن المرأة التي فارقها زوجها يجب عليها أن تنتظر بدون زواج حتى ‏تنقضي المدة المحددة شرعاً، فإن كانت المفارقة بالموت وجب عليها الانتظار مطلقاً دخل بها أو ‏لم يدخل، وإن كانت المفارقة بالطلاق أو الفسخ وجب عليها الانتظار إذا كان ذلك بعد الدخول ‏بها، فإذا انقضت المدة حل لها التزوج.‏
أما الرجل فلا يجب عليه الانتظار بعد مفارقة زوجته، فله التزوج بغيرها متى شاء، ‏وبأي امرأة شاء إلا إذا كانت المرأة التي يريد التزوج بها محرمة عليه لمانع مؤقت بسبب زواجه ‏السابق بمن طلقها، كمن طلق زوجته فلا يحل له التزوج بمن لا يحل له الجمع بينها وبين زوجته ‏الأولى حتى تنقضي عدتها كأختها أو بنت أخيها أو بنت أختها أو عمتها أو خالتها لئلا يكون ‏جامعاً بين محرمين.‏
وكمن كان متزوجاً بأربع نسوة فطلق إحداهن فلا يحل له التزوج بأي امرأة حتى تنقضي ‏عدة من طلقها لئلا يكون جامعاً بين أكثر من أربع.‏
وهذا الانتظار وإن وجد فيه معنى العدة إلا أنه لا يسمى عدة اصطلاحاً. ‏
وهذا في الطلاق الرجعي باتفاق الفقهاء لبقاء الزواج الأول حكماً.‏
وأما إذا كان الطلاق بائناً فالحكم كذلك عند الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:47 PM
سبب وجوبها:‏
تجب العدة بواحد من الأمور الآتية:‏
‏1- وفاة الزوج بعد زواج صحيح يستوي في ذلك ما إذا كانت الوفاة قبل الدخول أو بعده ‏لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ‏‏[البقرة: 234].‏
فإنه أوجب عليها أن تنتظر هذه المدة من غير تفرقة بين المدخول بها وغير المدخول ‏بها.‏
‏2- حدوث مفارقة بعد زواج صحيح بطلاق أو فسخ بعد الدخول الحقيقي أو بعد الخلوة ‏الصحيحة أو الفاسدة عند الحنفية.‏
فإذا حصلت المفارقة قبل الدخول وما ألحق به من الخلوة فلا تجب عليها العدة لقوله ‏تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ ‏عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].‏
فإنه صريح في عدم وجوب العدة على المطلقة قبل المسيس الشامل للدخول والخلوة، ‏والفسخ يأخذ حكم الطلاق.‏
‏3- حدوث مفارقة ولو بالموت في نكاح فاسد أو بعد وطء بشبهة بعد الدخول الحقيقي فقط ‏عند الحنفية، لأن المقصود من وجوب العدة بعد المفارقة فيهما معرفة براءة الرحم وخلوه من ‏الحمل، وهذا لا يكون إلا بعد الدخول الحقيقي، ولذلك لو كانت المفارقة بالموت تجب العدة ‏بالحيض أو الأشهر لا عدة الوفاة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:48 PM
حكمه تشريع العدة:‏
‏1- التعرف على براءة الرحم لئلا تختلط الأنساب، لأنها لا تكون غالباً إلا في فرقة بعد ‏الدخول وهذا أمر تُوحي به الفطرة، لذلك كانت العدة معروفة عند العرب قبل الإسلام، فلما جاء ‏الإسلام أقرها بعد أن خلصها مما كان بها من أضرار تلحق المرأة.‏
‏2- التنويه بعظم شأن الزواج وإعلام الناسب أنه أمر له خطره يغاير سائر العقود لأنه ‏عقد الحياة، فكما أنه لا ينعقد صحيحاً إلا بحضور شهود عند جماهير الفقهاء كذلك لا ينتهي ‏بمجرد وجود الفرقة، بل لا بد فيه من انتظار المرأة المدخول بها قبل الفراق مدة كافية ليتروى ‏فيها كل من الزوجين، أما الزوج فقد يوقع الطلاق في ثورة غضب أو تسرع من غير روية مما ‏قد يوقعه في ندم على ما فعل، فجعل الشارع أمامه فسحة من الوقت يراجع فيها نفسه ليختار أوفق ‏الأمرين له، تدارك ما وقع بإرجاع الحياة الزوجية، أو المضي بالطلاق إلى مصيره المحتوم.‏
فإذا ما رجح عنده الندم أمكنه أن يرجعها إلى الزوجية بدون عقد ولا مهر أثناء فترة ‏التربص إن كان الطلاق رجعياً، أو بعقد ومهر جديدين أثناء العدة لا يزاحمه غيره في ذلك إن ‏كان الطلاق بائن.‏
أما الزوجة المكلفة بالإنتظار فهي أحوج ما يكون إليه للتروي والتبصر في إنشاء زوجية ‏أخرى لأن عصمتها بيد زوجها، فإذا تسرعت عقب الطلاق وأنشأت زوجية وظهر خطؤها ‏عجزت عن مفارقة زوجها بخلاف الرجل فإنه يستطيع التخلص من الزواج غير الملائم بما ملكه ‏الشارع من حق الطلاق.‏
‏3- تمكين الزوجة المتوفى عنها زوجها من إظهار التأثر لفقد زوجها بالمنع من التزين، ‏وهذا ضرب من الوفاء له، إذ ليس من المروءة والاعتراف بالجميل تسرع المرأة بالزواج عقب ‏وفاة زوجها ولو قبل دخوله بها، كما أن تعجلها بالزواج يسيء إلى أهل الزوج الذين ارتبطت بهم ‏برباط المصاهرة، إذ كيف تنعم بحياة زوجية جديدة في الوقت الذي لا يزال أهل زوجها في حزن ‏عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:48 PM
الفَصْل الثّاني
أنواع العدة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:49 PM
تتنوع العدة إلى ثلاثة أنواع: ‏
‏1- عدة بالقروء.‏
‏2- عدة بالأشهر.‏
‏3- عدة بوضع الحمل.‏
وهذا التنوع باعتبار سبب الفرقة، وما تكون عليه المرأة عند حصول الفرقة، وصحة ‏الزواج وفساده.‏

‏- النوع الأول: العدة بالقروء:‏
وتكون العدة بالقروء لمن فارقها زوجها بعد الدخول أو الخلوة بسبب من أسباب الفرقة ‏غير الوفاة إذا كانت المرأة من ذوات الحيض ولم تكن حاملاً.‏
وهذا إذا كانت الفرقة بعد زواج صحيح، أما إذا كان فاسداً فإنها تعتمد بالقروء بعد ‏الدخول الحقيقي وإن كانت بعد الوفاة.‏
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ‏‏228]، فقد أوجبت الآية على المطلقة التربص ثلاثة قروء، والقروء جمع قرء، وهو يحتمل في ‏الآية الحيض أو الطهر، لأنه لغة مشترك بينهما -كما قالوا- ومن هنا اختلف فقهاء الصحابة ومن ‏بعدهم في المراد منها:‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المراد بها الحيض.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن المراد بها الطهر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:49 PM
النوع الثاني: العدة بالأشهر:‏
وتكون لمن فارقها زوجها بعد الدخول بسبب من أسباب الفرقة غير الوفاة وكانت لا ‏تحيض لصغرها وإن بلغت بالسن ولم تر الحيض ولم تكن حاملاً أو لبلوغها سن اليأس.‏
كما تكون لمن توفي عنها زوجها بعد العقد الصحيح ولو قبل الدخول إذا لم تكن حاملاً ‏صغيرة كانت أو كبيرة تحيض أو لا تحيض.‏
غير أن هذه العدة صنفان: ‏
الصنف الأول: ثلاثة أشهر وهي بدل عن الحيض، والثاني أربعة أشهر وعشرة أيام وهي ‏أصل وليست بدلاً عن غيرها.‏
والدليل على الأول قوله تعالى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ ‏فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]. فهذه الآية جعلت العدة ثلاثة أشهر لنوعين ‏من النساء. من بلغت سن اليأس، ومن لم تحض لصغرها.‏
وإنما جعلت ثلاثة أشهر لأنها قائمة مقام ثلاث حيضات حيث جعلت بدلا عنها بدليل أنها ‏لو حاضت انتقلت عدتها إلى الحيض وألغي اعتبار الأشهر، ولأن الغالب في المرأة أنها تحيض ‏كل شهر مرة فاعتبرت مدة الثلاث حيضات.‏
هذا هو مذهب الحنفية في المفارقة بعد الدخول أو الخلوة في النكاح الصحيح، وبعد ‏الدخول أو الوفاة في النكاح الفاسد والوطء بشبهة.‏
الصنف الثاني: وهو الاعتداد بالأشهر التي هي أصل: يكون لمن توفي عنها زوجها بعد ‏عقد صحيح ولو قبل الدخول إذا لم تكن حاملاً يستوي في ذلك ذوات الحيض وغيرها، وهذه تعتد ‏أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذه متفق عليها بين الفقهاء ولم يخالف فيها أحد صغيرة كانت أو ‏كبيرة بالغاً كان زوجها أولا. لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ ‏بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] والحكمة في هذا التقدير: أن هذه المدة هي التي ‏يتبين فيها كون المرأة حاملاً أو غير حامل، لأن الجنين يمر بعدة أطوار. أربعون يوماً نطفة، ‏وأربعون علقة، وأربعون مضغة، ثم تنفخ فيه الروح، ولأن هذه المدة -كما قالوا- هي أقصى ما ‏تتحمله الزوجة عادة في البعد عن زوجها.‏
والأشهر هنا كاملة بالأهلة إذا ابتدأت العدة من أول شهر، وتنتهي في نهاية اليوم العاشر ‏بعد الأربعة، وإذا ابتدأت في أثناء الشهر يجري فيها الخلاف السابق.‏
فعند أبي حنفية تكون مائة وثلاثين يوماً.‏
أو في قول عند الحنفية يكمل الشهر الأول من الخامس وما بينهما بالأهلة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:49 PM
النوع الثالث: العدة بوضع الحمل:‏
ذهب الحنفية إلى أن المرأة الحامل إذا انتهى زواجها بطلاق أو فسخ وفاة زوجها تعتد ‏بوضع الحمل دون تقيد بزمن سواء كان الحمل من زواج صحيح أو فاسد أو مقاربة بشبهة لقوله ‏تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وهي عامة في المطلقات ‏والمتوفى عنهن أزواجهن وإن كان سياقها في المطلقات، لأنها نزلت بعد آية البقرة وهي قوله ‏تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} فتكون ‏ناسخة لعمومها أو مخصصة لها.‏
ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الله بن أحمد في رواية المسند عن أبي ابن كعب قال: "قلت يا ‏رسول الله. وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" هي المطلقة ثلاثاً أم المتوفى عنها؟ قال: ‏‏"هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها".‏
وروي عن ابن مسعود أنه قال: "نسخت سورة النساء القصرى كل عدة" "وأولات ‏الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها.‏
وكذلك روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في ‏البقرة بسبع سنين، وروى البخاري عن المسور بن مخرمة أن سُبيعة الأسليمة نُفِست بعد وفاة ‏زوجها بليال فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت"، وفي ‏لفظ أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة.‏
وعلى هذا لو وضعت حملها بعد وفاة زوجها بفترة وجيزة انتهت عدتها وحلت للأزواج، ‏وليس عليها عدة وفاة بالأشهر، ومن هنا قال عمر رضي الله عنه: "لو وضعت وزوجها على ‏سريره لانقضت عدتها وحل لها أن تتزوج".‏
ولكنهم شرطوا في الحمل الذي تنتهي العدة بولادته أو بإسقاطه أن يكون مستبين الخلقة ‏كلها أو بعضها سواء ولد حياً أو ميتاً، فإذا لم يكن مستبين الخلقة بأن كان علقة أو مضغة غير ‏مخلقة فلا تنتهي العدة بوضعه لأنه إذا لم يستبن خلقه لا يعلم كونه ولداً بل يحتمل أن يكون وأن لا ‏يكون فيقع الشك، والعدة لا تنتهي إلا مع اليقين.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:52 PM
الفصل الثالث
‏ ‏تحول العدة من نوع إلى نوع آخر

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:53 PM
‏1- إذا وجبت العدة بالأشهر لغير وفاة بأن كانت صغيرة أو بلغت سن اليأس ثم جاءها ‏الحيض قبل انقضاء الأشهر الثلاثة وجب عليها أن تستأنف عدة جديدة بثلاث حيضات عند ‏الحنفية، لأن الاعتداد بالأشهر وجب عليها أولاً لأنها ليست من ذوات الحيض، فكانت الأشهر ‏بدلاً عن الحيضات، وحيث وجد الأصل قبل أن يتم المقصود بالبدل سقط اعتبار البدل، وكانت ‏داخلة تحت قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} الذي هو الأصل في العدة.‏
أما إذا جاءها الحيض بعد تمام الأشهر الثلاثة فلا يجب عليها الاعتداد بالحيض، لأن ‏العدة تمت وحصل المقصود بالبدل قبل وجود الأصل، فلا يبطل حكمه كمن تيمم لعدم وجدان ‏الماء وصلى ثم وجد الماء بعد انتهاء الوقت المحدد للصلاة فلا يجب عليه الوضوء وإعادة تلك ‏الصلاة.‏
لكن يلاحظ هنا أن هذه المرأة أصبحت من ذوات الحيض، فلو وجبت عليها عدة بعد ذلك ‏بأي سبب اعتدت بالحيض لا بالأشهر.‏

‏2- من كانت من ذوات الحيض فابتدأت عدتها به وحاضت مرة أو مرتين ثم بلغت سن ‏اليأس تحولت عدتها إلى الأشهر عند الحنفية، فتستأنف عدة جديدة بثلاثة أشهر كاملة، لأن العدة ‏إما بالقروء وهي ثلاثة، وإما بالأشهر وهي ثلاثة، ولكل منهما صنف، وحيث إنها لم تكمل العدة ‏بالحيض وصارت آيسة فتعتد عدة الآيسة.‏

‏3- من طلقها زوجها طلاقاً رجعياً ثم مات وهي في العدة تحولت عدتها من عدة طلاق ‏سواء كانت بالحيض أو بالأشهر إلى عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام تبدؤها من وقت ‏الوفاة. يستوي في ذلك أن يكون زوجها طلقها في صحته أو مرضه الأخير، لأن المطلقة رجعياً ‏زوجيتها باقية من كل وجه ما دامت العدة، ولذلك ترثه، وعلى الزوجة غير الحامل التي توفى ‏زوجها الاعتداد بهذه العدة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ‏أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وهذه لا خلاف فيها بين الفقهاء.‏
فإن تبين أنه قصد بالطلاق الفرار من ميراثها بأن طلقها الثالثة في مرض موته بغير ‏رضاها ثم مات وهي في العدة فإنها ترثه باتفاق الحنفية ولكن الخلاف بينهم في تحول عدتها.‏
فذهب أبو حنيفة إلى أن عدتها تتحول إلى أبعد الأجلين وهما عدة الوفاة وعدة الطلاق ‏فأيتهما أطول فهي عدتها، فإن كانت عدة الطلاق بالأشهر اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام من ‏وقت الوفاة، وإن كانت بالحيض وحاضت ثلاث حيضات قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام ‏من وقت الوفاة فعدتها تمام هذه المدة، وإن مضت المدة قبل أن تتم ثلاث حيضات لا تنتهي عدتها ‏إلا بإكمال الحيضات الثلاث.‏
وإنما وجب عليها أطول العدتين لأنها باعتبار أنها مطلقة بائناً ليست بزوجة وقت الوفاة ‏فلا تجب عليها عدة الوفاة، بل تجب عليها عدة الطلاق، وباعتبار أنها ورثت من مطلقها ‏والميراث لا يكون إلا للزوجة اعتبر الزواج قائماً حكماً وقت الوفاة فتجب عليها عدة الوفاة، ‏فمراعاة للاعتبارين وجب عليها عدة الطلاق والوفاة، وتتداخل العدتان لأن أقلهما داخل في ‏أطولهما.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:54 PM
الفَصل الرَّابع
‏ مبدأ العدة وانتهائها

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:54 PM
أما مبدأ العدة فيختلف باختلاف عقد الزواج السابق عليها، فإن كانت الفرقة بعد نكاح ‏صحيح بموت الزوج ولو قبل الدخول أو بطلاق أو فسخ بعد الدخول فابتداء العدة بمجرد وقوع ‏الفرقة وإن لم تعلم بها المرأة، فإذا وجد سبب الفرقة ولم تعلم به المرأة إلا بعد مدة احتسبت العدة ‏من وقت حصول سببها لا من وقت علم المرأة بها، بل قد تنتهي العدة دون أن تعلم، وذلك لأن ‏العدة مدة حددها الشارع بعد حصول سببها فتوجد دون توقف على العلم بها.‏
فلو ادعت المرأة على زوجها بأنه طلقها في وقت سابق عينته، فإما أن يصدقها الزوج ‏في دعواها أو ينكر، فإن أنكرها وأقامت الزوجة البينة على دعواها وحكم لها القاضي بصحة ‏دعواها احتسبت العدة من الوقت الذي أثبتته البينة لا من وقت الحكم، وإن لم تقم بينه رفضت ‏دعواها.‏
وإن صدقها في دعواها وأقر بما ادعته أو أقر هو به ابتداء بدون دعوى منها فإن العدة ‏تحتسب من الوقت الذي أسند الطلاق إليه لا من وقت الإقرار إذا لم يكن في إقراره أو تصديقه لها ‏تهمة.‏
فإن كان في أحدهما تهمة احتسبت العدة من وقت الإقرار نفياً للتهمة.‏
ومن أمثلة ما فيه تهمة: أن يكون الزوج مريضاً مرض الموت، لأنه في هذه الحالة ‏يحتمل أن يكون قد اتفق معها على ذلك لتصير أجنبية بانتهاء عدتها قبل وفاته ليصل إلى غرض ‏لا يمكنه الوصول إليه مع قيام الزوجية كإقراره لها بدين حال مرضه مثلاً.‏
ومنها أن يكون تصديقه لها في دعواها وهو صحيح ليستطيع التزوج بمحرم لها لا يمكنه ‏الجمع بينهما في العدة.‏
أما إذا كانت الفرقة بعد الزواج الفاسد فإن العدة تبدأ من وقت متاركته لها بإظهار عزمه ‏على ترك قربانها أو وقت تفريق القاضي بينهما أو وقت موته مباشرة.‏
وعدة الوطء بشبهة تبدأ من آخر مقاربة لها عند زوال الشبهة بعلمه أنها غير زوجته ‏وأنها لا تحل له، لأن سبب العدة هنا هو الوقاع بشبهة أنها زوجته حيث لا عقد هنا.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:54 PM
انتهاء العدة:‏
تنتهي العدة إذا كانت بالأشهر بغروب شمس آخر يومٍ منها.‏
وإذا كانت بالقروء فعند من يفسرها بالحيض تنتهي بانقطاع دم الحيضة الثالثة إن انقطع ‏لأكثر مدة الحيض وهو عشرة أيام، فإن انقطع قبل عشرة أيام فلا تنتهي العدة إلا إذا طهرت من ‏الحيض إما بالاغتسال أو التيمم سواء صلت أو صارت الصلاة ديناً في ذمتها.‏
وإذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيضات لا تصدق إلا إذا كانت المدة تحتمل ذلك، وأقلها ‏عند أبي حنيفة ستون يوماً، وفي رواية عند الحنفية تسعة وثلاثون يوماً كما قدمناه.‏
وأما من يفسر القروء بالأطهار يعتبرون الطهر الذي وقع فيه الطلاق أحدها فإنها تنتهي ‏عندهم برؤية الدم من الحيضة الثالثة بعد الفرقة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة التي ادعت انتهاء ‏عدتها ستة وعشرون يوماً ولحظتان مع ملاحظة أن اللحظة الأولى من العدة والثانية ليست منها، ‏وهي رؤية الدم من الحيضة الثالثة، بل هي أمارة على الخروج من العدة.‏
وإن كانت العدة بوضع الحمل فتنتهي إذا كان الحمل واحداً ونزل أكثره عند الحنفية سواء ‏نزل حياً أو ميتاً، وإن كان الحمل أكثر من واحد فلا تنتهي العدة إلا بنزول آخر التوائم، لأن ‏الحمل اسم لجميع ما في البطن بإتفاق الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:55 PM
الفَصل الخامِس
‏ فيما يجب على المعتدة ويجب لها

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:55 PM
يجب على المعتدة أمران:‏
أولهما: البقاء في البيت الذي كانت تسكنه وقت الفرقة لا فرق بين معتدة الطلاق ومعتدة ‏الوفاة عند الحنفية، فلو كانت وقت الفرقة غير موجودة فيه وجب عليها أن تعود إليه فوراً، لقوله ‏تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا ‏تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].‏
فهذا نهي عن إخراجهن من بيوتهن وهو يقتضي تحريم خروجهن فيكون أمراً بضده وهو ‏البقاء فيها وهو يفيد الوجوب.‏
فإذا كان الطلاق رجعياً فلا مانع من بقائها مع الزوج في مسكن واحد، لأن هذا الطلاق لا ‏يحرمها على زوجها، ووجودها كذلك ربما كان سبيلاً إلى مراجعتها.‏
وإن كان بائناً بقيت في هذا المسكن مع مطلقها لكن في حجرة غير حجرته بشرط أن ‏يكون ذا دين يأمن على نفسه من الوقوع في محرم معها، فإن لم يتوفر هذا الشرط أو لم يكن في ‏المسكن غير حجرة واحدة تركه لها وسكن في مكان قريب منه.‏
والحكمة في إلزامها بالاعتداد في بيت مطلقها هي تمكن الزوج من مراقبتها وصيانتها ‏في عدتها حتى تنتهي، وربما كان ذلك طريقاً إلى عودة الحياة الزوجية بينهما مرة أخرى فالقرب ‏يحمل الرجل على إعادة التفكير فيما حدث، وقد ينتهي تفكيره إلى مراجعتها إن كان الطلاق ‏رجعياً، أو العقد عليها في العدة إن كان بائناً.‏
وأما المتوفى عنها زوجها فإن وجودها في هذا المسكن الذي عاشت مع زوجها فيه ‏يذكرها به وحياتها معه فيحملها ذلك على الوفاء له وتنفيذ ما أمرت به من التربص وترك الزينة.‏
ولا يجوز للمعتدة أن تخرج من منزل العدة إلا لعذر يبيح لها الخروج كخوفها على نفسها ‏ومالها أو إخراجها منه لعدم قدرتها على دفع أجرته أو عرضته للانهدام وما شاكل ذلك، فإن ‏خرجت منه لغير عذر كانت ناشزة فتسقط نفقتها إن كان لها نفقة أثناء العدة.‏
وللمعتدة من وفاة أن تخرج لكسب نفقتها وقضاء حوائجها لأنه لا نفقة لها في عدتها ‏وليس لها زوج يقوم بشئونها.‏
وثانيهما: الإحداد وهو ترك الزينة بأنواعها طوال مدة العدة، ولكنه غير واجب على كل ‏معتدة.‏
فالمعتدة من طلاق رجعي لا إحداد عليها بالاتفاق، لأن زوجيتها قائمة بل يستحب لها ‏التزين لأنه قد يكون طريقاً إلى تجديد رغبة زوجها فيها فيراجعها.‏
أما المعتدة من وفاة فيجب عليها الإحداد باتفاق الفقهاء ومنهم الحنفية فيجب عليها ترك ‏التزين بملبس جرى العرف الناس بأنه من ملابس الزينة، ولا تقييد فيه بلون خاص لأن العرف ‏يختلف فيه من زمن لآخر ومن بلد لغيره، وترك الحلي بكافة أشكاله، والطيب والادهان والكحل ‏والحناء، ولا تكتحل إلا لضرورة، فإن كان يكفي في دفعها الاكتحال ليلاً اقتصرت عليه وإلا ‏وقفت عند ما يدفعها، ولا فرق في ذلك بين الزوجة الكبيرة والصغيرة والحامل وغير حامل، أما ‏ضرورات الحياة من الاستحمام والتنظيف وتسريح الشعر فليست ممنوعة منها.‏
وإنما وجب عليها ذلك لما ورد من الأحاديث: منها ما رواه أبو داود بسنده أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ‏ليال إلا على زوج أربعة وعشرا"، ولأن في ترك الزينة قطعاً لأطماع الراغبين فيها حيث لا ‏زوج يحميها ويمنع عنها هؤلاء، ولأن الزواج نعمة عظيمة وقد فاتت بوفاة زوج وفيّ حافظ عليها ‏إلى آخر لحظة في حياته، وفوات النعم ووفاء الزوج يقتضيها ترك التزين إظهاراً للأسف على ما ‏فات ومقابلة الوفاء بالوفاء، وفوق ذلك فهو أدب جميل تقره الفطرة السليمة ويحمده الناس.‏
والإحداد: لا يخلو من حق للشارع فيه حيث أمر به ليحفظ المعتدة من طمع الطامعين، ‏ولذلك قرر الفقهاء أنه لا يستطيع أحد إسقاطه، فلو أوصاها زوجها قبل وفاته بعدم الحداد لم يكن ‏لها تركه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:56 PM
أما المعتدة من طلاق بائن:‏
فذهب الحنفية إلى أن عليها الإحداد، لأن من مقاصده إظهار الحزن والأسى على فوات ‏نعمة الزواج الذي كان يصونها ويكفيها مؤونة الحياة فأشبهت معتدة الوفاة.‏
وذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا إحداد عليها، لأنه وجب ‏في حالة الوفاة أسفاً لفراق زوج وفيّ بعهده لآخر لحظة من حياته، فأقل ما تكافئه به هو إظهار ‏الحزن والأسف على فراقه، أما المطلق فقد أساء إليها وحرمها من نعمة الزواج فكيف نلزمها ‏بالحزن عليه؟
أما ما يجب لها فهو النفقة: على اختلاف بين الفقهاء في بعض صورها:‏
اتفق الفقهاء على أن المعتدة بعد فرقة من زواج فاسد أو دخول بشبهة لا تستحق نفقة ‏سواء كانت حاملاً أو غير حامل، لأنها لا تستحق نفقة قبل هذه التفرقة لعدم مشروعية ما بين ‏الرجل والمرأة ولا يقران عليه فأولى أن لا يجب لها بعد الافتراق، لأن حال العدة معتبر بحال ‏الزواج قبلها.‏
كما اتفقوا على أن المعتدة من طلاق رجعي تجب لها النفقة بأنواعها الثلاثة "الطعام ‏والكسوة والسكنى" سواء كانت حاملاً أو غير حامل، لأن زوجيتها قائمة حيث أن الطلاق ‏الرجعي لا يزيل ملك الاستمتاع ولا حل الزوجية بشرط عدم نشوزها قبل العدة وأثنائها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:56 PM
واختلف الفقهاء بعد ذلك في المعتدة من وفاة أو طلاق بائن أو فسخ على آراء وتفصيلات ‏نقتصر منها على مذهب الحنفية:‏
أما المعتدة من وفاة فلا تجب لها نفقة بأنواعها الثلاثة عند الحنفية سواء كانت حاملاً أو ‏غير حامل، لأن مال الزوج المتوفى انتقل إلى ورثته فلا مال له حتى تجب فيه نفقة، ولا سبيل ‏إلى إيجابها على الورثة، لأن العدة أثر من آثار عقد الزواج وهم لم يكونوا طرفاً فيه، وآثار عقد ‏الزواج لا ترجع إلى غير صاحبه، كما أن هذه النفقة لم تصر ديناً بعد حتى تؤخذ من التركة.‏
أما المعتدة من طلاق بائن فتجب لها النفقة بأنواعها الثلاثة عند الحنفية سواء كانت ‏حاملاً أو غير حامل لقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} وهو عام يشمل الزوجات ‏والمطلقات رجعياً كان الطلاق أو بائناً، وقوله في شأن المعتدات: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ‏يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}، وقوله جل شأنه: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وِجْدكم ‏ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن}، فكل هذه الآيات تدل على إبقاء المعتدة على ما كانت عليه قبل ‏الطلاق.‏
ولأن النفقة وجبت للزوجة قبل الطلاق لكونها محبوسة لحق الزوج، وهذا الاحتباس باق ‏بعد الطلاق فتجب لها النفقة كما كانت قبله لوجود سبب الوجوب.‏
وأما قوله سبحانه: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} فقد نص على نفقة المعتدة ‏الحامل، لأن عدتها تكون غالباً أطول من غيرها فتجب لغيرها من باب أولى.‏
وأما حديث فاطمة بنت قيس النافي للنفقة والسكنى فقد رده عمر بقوله: "لا نترك كتاب ‏ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت".‏
وأما المعتدة بسبب الفسخ لعقد الزواج: فالحنفية يوجبون لها النفقة بكل أنواعها إذا كان ‏الفسخ بسبب من قبل الزوج سواء كان السبب مباحاً كخيار البلوغ أو الإفاقة، أو بسبب محظور ‏كفعله مع إحدى أصول الزوجة أو فروعها ما يوجب حرمة المصاهرة، أو إبائه عن الإسلام أو ‏ردته، وسواء حصلت الفرقة بغير قضاء أو بقضائه.‏
وكذلك إذا كان الفسخ بسبب من قبل الزوجة ليس محظوراً، كخيار البلوغ أو الإفاقة أو ‏الفسخ بسبب نقصان مهرها عن مهر مثلها إذا زوجت نفسها بدون إذن وليها.‏
قالوا: لأن الفسخ يأخذ حكم الطلاق البائن في أكثر أحكامه وبخاصة ما يتعلق منها بالعدة.‏
أما إذا كان الفسخ بسبب محظور من جهتها كارتدادها عن الإسلام أو امتناعها عنه بعد ‏إسلام زوجها ولم تكن كتابية، أو فعلها مع أحد أصول زوجها أو فروعه باختيارها ما يوجب ‏حرمة المصاهرة فلا يجب لها غير السكنى فقط، أما الطعام والكسوة فلا حق لها فيهما.‏
أما سقوط هذين فلأن النفقة فيها معنى الصلة، فإذا فعلت معصية توجب الفرقة فلا ‏تستحق تلك الصلة، بل تستحق العقوبة زجراً له، وإنما اقتصر الإسقاط على نفقة الطعام والكسوة ‏لأنهما خالص حقها، أما السكنى فللشارع حق فيها مع حقها، وحق الشارع لا يسقط بمعصية من ‏جهتها، ولذلك قالوا لو أبرأت المرأة مطلقها عند الخلع من نفقة العدة سقط بهذا الإبراء الطعام ‏والكسوة فقط، ولو خالعته على أن لا نفقة لها ولا سكنى سقطت النفقة دون السكنى، لأن نفقة ‏الطعام والكسوة حق خالص لها تملك إسقاطهما، أما السكنى فلا تملك إسقاطها لوجود حق للشارع ‏فيها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:58 PM
من الموسوعة الإسلامية

حقوق الأولاد والأقارب

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:59 PM
في حقوق الأولاد والأقارب
وهي النسب وما يترتب عليه من أحكام ‏
‏ ‏


الباب الأول ‏: في النسب.‏
الباب الثاني ‏: في الرضاع.‏
الباب الثالث ‏: في الحضانة.‏
الباب الرابع ‏: في الولاية.‏
الباب الخامس ‏: في نفقة الأولاد والأقارب.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 02:59 PM
البَاب الأول
في النسب‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:00 PM
الفَصل الأول
‏ بيان أقل مدة الحمل وأقصاها، وإثبات الولادة




‏- أقل مدة الحمل: اتفق الفقهاء على أن أقل مدة الحمل التي يتكون فيها الجنين ويولد ‏بعدها حياً هي ستة أشهر استنبطوا ذلك من مجموع آيتين في كتاب الله هما قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ‏الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} ‏‏[الأحقاف: 15].‏
وقوله جل شأنه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي ‏عَامَيْنِ} [لقمان: 14].‏
فقد قدرت الآية الأولى للحمل والفصال ثلاثين شهراً، وقدرت الثانية للفصال أي الفطام ‏عامين، وبإسقاط الثانية من الأولى يبقى للحمل ستة أشهر وهو تقدير العليم الخبير.‏
ومما يؤيد ذلك الاستنتاج ما روي أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر من ‏تاريخ الزواج، فرفع أمرها إلى عثمان رضي الله عنه فهم بإقامة الحد عليها، فقال له ابن عباس ‏رضي الله عنهما: "إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم" أي غلبتكم، قال تعالى: {وَحَمْلُهُ ‏وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ‏ستة أشهر، فمنع عثمان الحد عنها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد ذلك، وإذا ‏اعتبرت هذه المدة في درء الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات اعتبرت أيضاً في إثبات النسب، لأنه ‏مما يحتاط في إثباته محافظة على النسل وصيانة للعرض.‏
‏- أما أقصى مدة الحمل: فقد اختلف الفقهاء في تحديدها اختلافاً كبيراً، نشأ هذا الاختلاف ‏عن عدم ورود نص يحددها في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما اعتمد ‏تحديدهم لها على ما جرت به العادة في ولادة النساء كما يرى البعض، أو على أثر يروى عن أم ‏المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما يرى فريق آخر، أو على إخبار بعض النسوة في وقائع نادرة ‏كما يرى غير هؤلاء وهؤلاء.‏
ولو صح الأثر المروي عن عائشة عند كل الفقهاء لقالوا بمقتضاه، لأنه في التقديرات ‏التي لا تعلم إلا بإخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك بعض هذه الأقوال بترتيبها ‏التصاعدي.‏
وذهب الحنفية إلى أن أقصاها سنتان إستناداً إلى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها ‏قالت: "لا تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل" تريد أن الجنين لا ‏يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو لفترة يسيرة عبرت عنها بتحول ظل عمود المغزل.‏
ذهب الشافعية والمالكية في القول المشهور عندهم إلى أن أقصاها أربع سنوات، وفي ‏القول الآخر إنها خمس سنوات، وهناك من يزيد على ذلك.‏

‏- إثبات الولادة بعد إنكارها:‏
إذا ادعت المرأة أنها ولدت هذا المولود فإما أن يصدقها الرجل في دعواها أو ينكرها، ‏فإن صدقها ثبت النسب إذا توفرت شروط ثبوته، وإن لم يصدقها بأن أنكر دعواها كان على ‏المرأة إثبات دعواها، فبم تثبت هذه الدعوى؟
هذا الإنكار إما أن يكون لأصل الولادة، وإما أن يكون لنوع المولود بعد الاعتراف بأصل ‏الولادة، فإن كان الإنكار لأصل الولادة بأن يكون جوابه على دعواها : زوجتي أو مطلقتي لم تلد ‏شيئاً وهذا الذي تدعي ولادته لقيط، وفي هذا الإنكار تختلف طرق الإثبات باختلاف حالات المرأة ‏عند ادعائها، لأنها قد تكون زوجة أو مطلقة رجعياً أو بائناً أو معتدة من وفاة، وحال ظهور الحمل ‏أو اعتراف الزوج به أولاً.‏
فقد ثبت الدعوى بقول المرأة نفسها، وقد تثبت بشهادة امرأة مقبولة الشهادة سواء كانت ‏هي القابلة أو غيرها، وقد تحتاج إلى بينة كاملة رجلين أو رجل وامرأتين من العدول وهذه عند ‏أبي حنيفة.‏
تفصيل مذهب أبي حنيفة: إذا كان الحبل ظاهراً أو كان الزوج معترفاً بوجوده أو ورثته ‏بعد وفاته فلا تحتاج إلى إثبات بل يكفي قول المرأة نفسها، لأن الحمل المفضى إلى الولادة ثابت ‏بظهور أمارته أو الإعتراف به فيثبت ما يفضى إليه وهو الولادة بمجرد إخبار المرأة بها.‏
وإن لم يكن الحمل ظاهراً ولم يكن معترفاً به فلا يكفي قول المرأة، بل لا بد من بينة ‏للإثبات، ويكفي شهادة امرأة من أهل العدالة إذا كانت المرأة المدعية زوجة أو كانت معتدة من ‏طلاق رجعي والدعوى بعد مضي سنتين أو أكثر من وقت الطلاق إذا لم تكن أقرت بانقضاء ‏العدة، أما إذا كانت معتدة من طلاق بائن أو معتدة وفاة فلا بد من شهادة كاملة.‏

أما المعتدة من طلاق رجعي إذا ادعت الولادة قبل مضي سنتين ففيها رأيان:‏
رأي يجعلها كالزوجة.‏
والآخر يجعلها كالمعتدة من طلاق بائن وهو أرجح لأن ادعاءها الوضع قبل مضي ‏سنتين اعتراف منها بانقضاء عدتها فتكون كالمبتوتة، وإنما احتيج هنا إلى شهادة كاملة، لأن ‏الشهادة وإن كانت لإثبات الولادة إلا أنها سيترتب عليها ثبوت النسب من الزوج المطلق أو ‏المتوفى، وثبوت النسب يحتاج إلى حجة كاملة لأن المرأة بعد الولادة تكون مقرة بانقضاء عدتها، ‏وبانقضائها تصير أجنبية، ودعوى النسب من الأجنبية تحتاج إلى بينة كاملة.‏
وذهب المالكية والشافعية في إثبات الولادة إلى تعدد الشهود من النساء.‏
فالشافعية لابد من أربع منهن.‏
ويكتفي المالكية بشهادة امرأتين.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:01 PM
الفَصل الثّاني
طرق إثبات النسب أو الأمور التي يثبت بها




يثبت النسب بأحد أمور ثلاثة: الفراش، والإقرار، والبينة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:01 PM
المبحث الأول
‏ ‏- الفراش




‏- تعريف الفراش: الفراش في الأصل ما يبسط للجلوس أو النوم عليه، ويكنى به عن المرأة التي ‏يستمتع بها الرجل يقول جل شأنه: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * ‏عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 34 - 38].‏
فكنى بالفراش عن النساء وهن الحور العين.‏
والمراد بالفراش هنا: الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة عند ابتداء حملها بالولد، أو ‏كون المرأة معدة للولادة من شخص معين، وهو لا يكون إلا بالزواج الصحيح وما ألحق به، فإذا ‏ولدت الزوجة بعد زواجها، ثبت نسبة من ذلك الزوج دون حاجة إلى إقرار منه بذلك أو بينة ‏تقيمها الزوجة على ذلك لما رواه الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" يريد أن الولد لصاحب الفراش كما جاء في لفظ ‏البخاري وهو الزوج، وللعاهر وهو الزاني الرجم عقوبة على جريمته إن كانت تستوجب الرجم، ‏أو الخيبة والخسران ولا نسب له لو نازع فيه.‏
والسبب في ثبوت النسب بالفراش دون توقف على إقرار أو بينة هو أن عقد الزواج ‏الصحيح يبيح الاتصال الجنسي بين الزوجين، ويجعل الزوجة مختصة بزوجها يستمتع بها وحده ‏وليس لغيره أن يشاركه ذلك الاستمتاع، بل ولا الاختلاء بها خلوة محرمة، فإذا جاءت بولد فهو ‏من زوجها، واحتمال أنه من غيره احتمال مرفوض، لأن الأصل حمل أحوال الناس على ‏الصلاح حتى يثبت العكس.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:02 PM
شروط ثبوت النسب بالفراش:‏
وإذا كانت الشريعة جعلت الفراش طريقاً لإثبات النسب بمفرده، لكن ذلك يتوقف على ‏توفر شروط بعضها متفق عليه بين الفقهاء، وبعضها مختلف فيه، وهذه الشروط:‏
‏1- إمكان حمل الزوجة من زوجها بأن يكون الزوج ممن يتأتى منه الحمل، بأن يكون ‏بالغاً أو مراهقاً على الأقل، فلو كان صغيراً دون ذلك لا تعتبر الزوجة فراشاً، لأنه لا يتصور أن ‏تحمل منه زوجته، ومن ثم لا يثبت نسب ولد وضعته زوجته مهما كانت المدة بين العقد والوضع، ‏وهذا متفق عليه بين الفقهاء.‏
‏2- إمكان التلاقي بين الزوجين عادة بعد العقد، وهو شرط عند الأئمة الثلاثة (مالك ‏والشافعي وأحمد) لأن العقد جعل المرأة فراشاً باعتبار أنه يبيح هذا الاتصال الذي هو سبب ‏حقيقي للحمل، فلو انتفى إمكان التلاقي عادة وجاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من حين العقد ‏عليها لا يثبت نسبه منه.‏
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك فقالوا: إن مجرد العقد يجعل المرأة فراشاً لأنه مظنة ‏الاتصال، فإذا وجد كفى، لأن الاتصال لا يطلع عليه بخلاف العقد.‏
‏3- أن تلد الزوجة لستة أشهر على الأقل من تاريخ العقد عليها عند المذاهب الأربعة ‏ولكن مع إمكان التلاقي، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر كما قدمنا، ومن وقت المخالطة في الزواج ‏الفاسد لأن المرأة لا تصير فراشاً إلا بها فلو أتت به لأقل من ذلك لا يثبت نسبه إلا إذا ادعاه ولم ‏يصرح بأنه من الزنا، فيثبت نسبه ويحمل ذلك على أن المرأة حملت به منه قبل العقد الصحيح ‏عليها بناء على عقد آخر صحيح أو فاسد أو مخالطة لها بشبهة حفاظاً على الولد من الضياع ‏وستراً على الأعراض، ويكون ثبوت النسب هنا بالإقرار لا بالفراش.‏
‏4- أن تلده لأقل من أقصى مدة الحمل - على الاختلاف السابق فيها - من وقت الفرقة ‏بالطلاق البائن أو الموت، فإذا جاءت به لسنتين فأكثر من حين الفرقة لا يثبت نسبه بالفراش ‏السابق عند الحنفية، لأنه تبين أنها حملت به بعد انتهاء الفراش يقيناً.‏
وإذا كان الطلاق رجعياً ثبت نسبه منه في أي وقت تجئ به ولو مضى سنتان فأكثر من ‏وقت الطلاق ما لم تقر بانقضاء عدتها بعد طلاقها منه، ويجعل ذلك على أنه راجعها بعد الطلاق ‏في عدتها التي قد يطول وقتها إذا امتد طهرها ويكون ثبوته بالفراش الذي استدامته الرجعة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:02 PM
تلك هي شروط ثبوت النسب بالفراش، فإذا تخلف منها شرط لا يثبت النسب منه إلا إذا ‏ادعاه عند الحنفية، ويكون ثبوته في هذه الحالة بالدِّعوة لا بالفراش، ولا يملك نفيه إلا بعد إجراء ‏اللعان الشرعي إذا توفرت شروطه، وهي تتلخص فيما يلي:‏
‏1- أن ينفي الولد عند الولادة أو في مدة التهنئة بالمولود عند أبي حنيفة، أو في مدة ‏النفاس في رأي آخر في المذهب الحنفي إذا كان حاضراً وقت الولادة، أو وقت حضوره أو وقت ‏التهنئة إن كان غائباً عند أبي حنيفة، ومن مقدار مدة النفاس في رأي آخر في المذهب الحنفي.‏
‏2- ألا يكون الزوج أقر بالولد صراحة أو دلالة كقبوله التهنئة أو سكوته عندها ولم يرد.‏
‏3- أن يكون كل من الزوجين أهلاً للعان عند ابتداء الحمل بالولد.‏
‏4- أن يكون الولد حياً عند الحكم بقطع النسب بعد إجراء اللعان والقضاء بنفيه عنه، فلو ‏مات قبل القضاء بنفي نسبه لا ينتفى نسبه، لأن النسب يتقرر بالموت.‏
وإذا انتفى نسبه باللعان لا يجوز عند الحنفية أن يلحق بغيره لو ادعاه لاحتمال أن يكذب ‏الزوج نفسه ويعترف بنسبه على ما بيناه من قبل.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:02 PM
ثبوت النسب في الزواج الفاسد:‏
الزواج الفاسد لا تصير به المرأة فراشاً بالعقد بل بالدخول الحقيقي على المفتى به في ‏المذهب الحنفي، فإذا ولدت المتزوجة زواجاً فاسداً لأقل من ستة أشهر من حين الدخول الحقيقي ‏لا يثبت نسبه من الزوج إلا إذا ادعاه ولم يصرح إنه من الزنا، وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر ‏ثبت نسبه بدون دعوة منه.‏
وإذا أتت به بعد المتاركة لأقل من سنتين من تاريخ الفرقة عند الحنفية، وإذا ولدته لأكثر ‏من ذلك لا يثبت نسبه.‏
ويلاحظ هنا: أن الولد إذا ثبت نسبه بالزواج الفاسد لا ينتفى بنفيه، لأن النسب الثابت ‏بالفراش لا ينتفي إلا باللعان، ولا لعان إلا في الزواج الصحيح، وبناء عليه يكون الفراش الثابت ‏بالزواج الفاسد أقوى من الفراش الثابت بالزواج الصحيح. هكذا يقولون:‏
ثبوت النسب بالمخالطة بشبهه: هذه المخالطة لا تصير بها المرأة فراشاً، بل يثبت بها ‏شبهة الفراش فإذا ولدت بعد أن خالطها بشبهة لا يثبت نسبه بتلك الشبهة إلا إذا انضم إليها ‏الدِّعوة، وحينئذ يكون ثبوت النسب بالإقرار لا بالفراش.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:03 PM
أما ثبوت النسب بعد الفرقة بين الزوجين فهو على التفصيل الآتي:‏
‏1- المطلقة قبل الدخول: إذا ولدت ولداً لستة أشهر من وقت العقد ولأقل من ستة أشهر ‏من وقت الطلاق ثبت نسبه من زوجها لإمكان الحمل منه وقت الفراش عند الحنفية الذي يثبت ‏عندهم بمجرد العقد كما قدمنا، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد لا يثبت نسبه، ‏لأنه يدل على أنها حملت قبل أن تكون فراشاً لهذا الزواج، وإن جاءت به لستة أشهر من وقت ‏الطلاق لا يثبت نسبه منه، لاحتمال أنها حملت بعد الطلاق من غيره، واحتمال أنها حملت قبل ‏الطلاق لا يكفي لإثبات النسب هنا، لأن زوجيتها انقطعت بهذا الطلاق البائن حيث لا عدة عليها.‏
وقد عللوا ذلك: بأن القاعدة عندهم. أن كل امرأة لا تجب عليها العدة لا يثبت نسب ولدها ‏من زوجها إلا إذا علم يقيناً أنه منه بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين الطلاق، وكل امرأة ‏تجب عليها العدة يثبت نسب ولدها من زوجها إلا إذا علم يقيناً أنه ليس منه بأن تجيء به لأكثر ‏مدة الحمل.‏
‏2- المطلقة بعد الدخول: ولها حالتان. إما أن تقر بانقضاء عدتها قبل الولادة أولاً. فإذا ‏أقرت بانقضاء عدتها في مدة يحتمل انقضاء العدة فيها، ثم جاءت بولد لستة أشهر فأكثر من وقت ‏الإقرار فلا يثبت نسبه من مطلقها سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً، لاحتمال أن يكون الحمل من ‏غيره بعد العدة، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار بانقضاء عدتها ثبت نسبه وتكون ‏كاذبة في إقرارها لأنها وقت الإقرار كانت حاملاً بيقين.‏
وإذا لم تقر بانقضاء عدتها وجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق ثبت نسبه من ‏مطلقها سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً.‏
وإن جاءت به لسنتين فأكثر من وقت الطلاق ثبت نسبه إذا كان الطلاق رجعياً، ويحمل ‏على أن زوجها خالطها أثناء العدة وتكون رجعة.‏
وإن كان الطلاق بائناً لا يثبت نسبه، لأن الحمل كان بعد زوال الفراش إلا إذا ادعاه، فإنه ‏يثبت نسبه بالدَّعوة لا بالفراش، ويحمل هذا الادعاء على أنه خالطها بشبهة أثناء العدة.‏
‏3- المتوفى عنها زوجها: إما أن تدعي الحمل أولاً.‏
فإن ادعت الحمل وجاءت بولد لأقل من سنتين من تاريخ الوفاة ثبت نسبه من زوجها ‏لقيام الفراش حتى حملها، وإن جاءت به لسنتين فأكثر لا يثبت نسبه للتيقن بأن علوقها به كان بعد ‏الموت.‏
وإن لم تدع الحمل وأقرت بانقضاء عدتها بمضي أربعة أشهر وعشرة أيام ثم جاءت بولد ‏لأقل من ستة أشهر من وقت انقضاء عدتها الذي زعمته ثبت نسبه لإمكان علوقها به قبل وفاته ‏وظهور كذبها في دعوى انقضاء عدتها.‏
وإن جاء به لستة أشهر فأكثر من وقت انقضاء عدتها لا يثبت نسبه لاحتمال أن يكون ‏حملها من غير زوجها بعد انقضاء عدتها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:03 PM
المبحث الثاني
‏ ‏- الإقرار





كما يثبت النسب بالفراش، وهو قاصر على إثبات نسب الأولاد، لأنه يكون بين رجل ‏وامرأة بينهما علاقة حصل بينهما اتصال جنسي مشروع ولو بوجه، وولادة من المرأة في ظل ‏هذه العلاقة أو آثارها بعد انقطاعها في العدة، وهو في الواقع منشئ للنسب، ولا يحتاج إلى إقرار.‏
كما يثبت بذلك يثبت بالإقرار، ويسميه الفقهاء بثبوت النسب بالدِّعوة.‏
ومعنى الإقرار بالنسب: إخبار الشخص بوجود القرابة بينه وبين شخص آخر.‏
وهذه القرابة تتنوع إلى نوعين: ‏
‏1- قرابة مباشرة: وهي الصلة القائمة بين الأصول والفروع لدرجة واحدة كالبنوة ‏والأبوة والأمومة.‏
‏2- قرابة غير مباشرة: وهي قرابة الحواشي الذي يجمعهم أصل مشترك دون أن يكون ‏أحدهما فرعاً لآخر كالأخوة والعمومة، ومثلها قرابة الأصول والفروع بعد الدرجة الأولى ‏كالأجداد والحفدة.‏
ومن هنا تنوع الإقرار بالنسب إلى نوعين:‏
الأول: إقرار الشخص بالنسب على نفسه وهو الإقرار بأصل النسب وهذا يكون بالولد ‏الصلبي إبناً أو بنتاً والوالدين المباشرين له. كأن يقول : هذا ابني أو أبي، أو هذه ابنتي أو أمي.‏
وفي هذا النوع إذا توفرت شروط صحة الإقرار يثبت النسب وأصبح المقر بنسبه ابناً أو ‏بنتاً أو أباً أو أماً، ولا يجوز له الرجوع عن هذا الإقرار. وإنما كان هذا إقراراً بالنسب على نفس ‏المقر لأن النسب فيه علاقة بينه وبين المقر له فقط وليس فيه تحميل النسب على غيرهما، وإذا ‏ثبتت هذه القرابة ترتبت جميع الآثار عليها وتتعدى هذه الآثار إلى جميع الأقارب والأرحام دون ‏استثناء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:03 PM
ويشترط لثبوت النسب به في حالة الإقرار بالبنونة الشروط الآتية:‏
‏1- أن يكون المقر له بالبنونة مجهول النسب حتى يمكن إثبات بنوته للمقر، فلو كان له ‏نسب معروف لم يصح الإقرار، لأن الشخص لا يكون له أبوان، ونسبه الثابت قبل الإقرار لا يقبل ‏الفسخ كما لا يقبل التحويل.‏
ويلاحظ أن ولد المتلاعنين وإن حكم بنفي نسبه من الزوج الملاعن إلا أنه يعتبر في حكم ‏ثابت النسب فلا يثبت نسبه بإقرار غير الملاعن لجواز أن يكذب الملاعن نفسه فيثبت نسبه منه، ‏ولأن في قبول هذا الاقرار تسجيلاً للفاحشة على المرأة.‏
‏2- أن يكون المقَر له بالبنوة مما يولد لمثل المقِر بأن تكون سنهما تحتمل ذلك، فلو كانا ‏في سنين متساويين أو متقاربين بحيث لا يولد أحدهما للآخر لم يصح الإقرار، لأن الواقع يكذبه ‏في هذا الإقرار.‏
‏3- أن يصدق المقَر له المقِر في هذا الإقرار إذا كان من أهل المصادقة، وهو المميز عند ‏الحنفية، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر فلا يتعدى إلى غيره إلا ببينة أو تصديق من الغير، ‏وهذا الإقرار يتضمن دعوى البنوة على المقَر له، ويترتب على هذا النسب حقوق لكل من المقِر ‏والمقَر له على الآخر.‏
فإن كان المقَر له غير مميز ثبت النسب دون حاجة إلى تصديق، لأن غير المميز ليست ‏له عبارة معتبرة، ولأن هذا الإقرار - من ناحية أخرى - فيه منفعة أدبية لهذا الصغير بإثبات نسبه ‏بعد أن كان مجهولاً، ومنفعة مادية غالباً لحاجته إلى من يقوم بشئونه والإنفاق عليه، ولو كان ‏مميزاً لبادر إلى التصديق ما لم يمنعه مانع منه.‏
وإذا كان ثبوت النسب بالإقرار يتوقف على تصديق المقر له، فلو صدقه ثبت النسب، ولو ‏كذبه لا يثبت النسب بعد هذا التكذيب، لكنه لا يبطل الإقرار بل يظل قائماً ما دام المقَر له حياً ‏لجواز أن يرجع عن تكذيبه ويصدقه فيثبت النسب، لأن الإقرار بالنسب لا يبطل بالرد من المقر ‏له بخلاف الإقرار بالحقوق المالية فإنه يبطل بالرد.‏
وفي حالة التكذيب لو أقام المقِر البينة على دعواه ثبت النسب بالبينة لا بالإقرار.‏
‏4- ألا يصر المقر بأن هذا ابنه من الزنا، فإن صرح بذلك لا يثبت به النسب، لأن الزنا ‏جريمة لا تصلح أن تكون سبباً للنسب الذي هو نعمة من نعم الله التي امتن بها على عباده يقول ‏جل شأنه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72].‏
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الولد للفراش وللعاهر الحجر".‏
ولأن المقر بالنسب لا يلزم ببيان السبب في تلك البنوة إذا لم يصرح به، لأن الأصل حمل ‏حال الناس على الصلاح حتى يثبت عكس ذلك، ولأنه لو صرح بالسبب من زواج صحيح أو ‏فاسد كان النسب ثابتاً بالفراش بعد إثباته لا بالإقرار المجرد.‏
وكما يقبل الإقرار من الرجل بالبنوة بالشروط السابقة كذلك يقبل من المرأة الإقرار ‏بالبنوة بشروط ثلاثة: ألا يكون للولد أم معروفة.‏
وأن يولد مثله لمثلها.‏
وأن يصدقها الولد في هذا الإقرار إن كان مميزاً عند الحنفية.‏
ويقتصر النسب عليها إذا لم تكن زوجة ولا معتدة، فإن كانت زوجة أو معتدة من زواج ‏صحيح أو فاسد وادعت أن الولد ليس من هذا الزوج يثبت نسبه منها بإقرارها، لأن هذا الإقرار ‏إلزام لنفسها لا لغيرها وهي أهل للالتزام بالنسب كالرجل.‏
فإن لم تدع أنه من غير زوجها لا يثبت النسب من زوجها إلا إذا صدقها الزوج في ذلك ‏الإقرار، لأن إقرارها في هذه الحالة يتضمن تحميل النسب على غيرها وهو الزوج، فإن صدقها ‏أو أقامت البينة على أنه ولد على فراشه بشهادة القابلة أو امرأة أخرى من أهل العدالة ثبت النسب ‏منهما معاً.‏
وبهذا يظهر الفرق بين إقرار المرأة ببنوة ولد من الزنا وإقرار الرجل بذلك. ‏
فيصح إقرار المرأة إذا أثبتت ولادته له دون الرجل عند الحنفية بلا خلاف.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:04 PM
الإقرار بالأبوة أو الأمومة:‏
وكما يصح إقرار الرجل والمرأة ببنوة الولد يصح إقرار الولد بأبوة شخص معين، أو ‏بأمومة امرأة معينة، وتثبت الأبوة والأمومة إذا توفرت شروط ثلاثة.‏
‏1- أن يكون المقِر مجهول الأب أو الأم.‏
‏2- وأن يولد مثله لمثل المقَر له منهما.‏
‏3- وأن يصدقه المقَر له مطلقاً، لأنه لا يكون إلا كبيراً أو كبيرة.‏
ويزيد إقراره بالأبوة ألا يصرح بأنه أبوه من الزنا، أما إذا صرح في إقراره بالأمومة ‏بأنها أتت به من سفاح، وتوفرت الشروط الثلاثة السابقة، وأثبتت ولادته من الزنى ثبت نسبه ‏منها.‏
ومما ينبغي ملاحظته هنا: أن المقر بالنسب إذا أنكر أنه أقر فأقام المستفيد من هذا الإقرار ‏بينة على إقراره ثبت ذلك الإقرار بتلك البينة وثبت النسب بذلك الإقرار.‏
الثاني: وهو إقرار الشخص بالنسب على الغير، ويكون بالإقرار بالنوع الثاني من ‏القرابة، ويسمى الأقرار بفرع النسب. كالإقرار بالأخوة والأعمام والأجداد وأولاد الأولاد.‏
فإذا قال: هذا أخي كان إقراراً بالنسب على أبيه، لأن معناه هذا ابن أبي، وإذا قال : هذا ‏عمي كان إقراراً بالنسب على جده، لأن معناه هذا ابن جدي وهكذا بقية القرابات.‏
وهذا الإقرار يتضمن أمرين:‏
‏1- تحميل النسب على الغير.‏
‏2- استحقاق المقَر له في مال المقَر عليه بعد وفاته.‏
والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى المقر إلى غيره فلا يكون له أثر فيما يتعلق بالغير فيرد ‏إقراره بالنسب فلا يثبت به نسب المقر له على ذلك، لأنه لا يملك أحد أن يلحق نسب شخص بآخر ‏بمجرد دعواه حتى ولو صدقه المقَر له في ذلك الإقرار، لأنه متهم في هذا التصديق حيث يجر ‏إليه نفعاً لا يوجد بدون الإقرار.‏
ولا يثبت النسب إلا بأحد أمرين:‏
أولهما: أن يصدقه المقَر عليه بالنسب، ويكون هذا التصديق من النوع الأول من الإقرار، ‏وهو الإقرار على النفس، ولا يكون لإقرار المقر هنا أثر في ثبوت النسب بل يعتبر تصديق المقر ‏عليه إقراراً مبتدأ بالنسب، لأنه لو أقر به ابتداء ثبت إذا توفرت شروطه.‏
ثانيهما: إذا أقام المقر بينة على دعواه أو صدقه ورثة المقَر عليه بعد وفاته، لأن تصديقهم ‏يعتبر بينة فيثبت النسب بالبينة لا بالإقرار، وهو النوع الثالث من مثبتات النسب.‏
وإذا لم يكن للإقرار على الغير أثر في ثبوت النسب جاز له الرجوع عنه بعد صدوره ‏منه.‏
وإذ ثبت على إقراره قُبل في حق نفسه فيعامل بمقتضى ذلك الإقرار في الحقوق المالية ‏إذا توافرت بقية شروط صحة الإقرار من كون المقر له مجهول النسب، وكونه مما يتصور أن ‏يولد مثله لمثل المقر عليه، وأن يصدق المقر له المقر في هذا الإقرار، فلو كان المقر له عاجزاً ‏عن الكسب ولا مال له لزم المقر نفقته إن كان سراً.‏
فإذا مات من يرثه المقِر بالقرابة النسبية وورث منه شاركه المقَر له في نصيبه عند ‏الحنفية والمالكية الحنابلة على اختلاف بينهم في مقدار المشاركة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إن ثبت نسبه ورث في مرتبته، وإن لم يثبت لا يرث لا بنسب ولا ‏بغيره لأن إقرار المقر بالنسب باطل وهو أساس الإرث، فإذا لم يثبت لا يثبت ما يترتب عليه ثم ‏قالوا: إن هذا في الظاهر أي في القضاء، وهل يلزمه ديانة قولان أصحهما لا يلزمه.‏
وإذا مات المقر بهذا النسب ولم يوجد له وارث بأي سبب من الأسباب استحق المقر له ‏تركته كلها بطريق الميراث عند الحنفية، لأنه لما بطل إقراره بهذا النسب بقي إقراره بالمال ‏صحيحاً، لأنه لا يعدوه إلى غيره إذا لم يكن له وارث معروف، ولذلك جعلوه آخر مراتب الورثة ‏فيستحق كل التركة إذا لم يكن له وارث أصلاً، وباقيها بعد فرض أحد الزوجين لأنهم لا يقولون ‏بالرد على الزوجين.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:04 PM
الفرق بين الإقرار بالبنوة والتبني:‏
إن الإقرار بالبنوة هو اعتراف بنسب حقيقي لشخص مجهول النسب، فهو يعترف ببنوة ‏ولد مخلوق من مائه فيكون ابناً له ثابت النسب منه وليس له نسب آخر يتساوى مع ابنه الثابت ‏نسبه بالفراش لا فرق بينهما إلا في طريق الإثبات تثبت له كافة الحقوق الثابتة للأبناء من النفقة ‏والإرث وحرمة المصاهرة، واحتمال أنه كاذب في الواقع لا يلتفت إليه، لأنه لا يوجد ما يثبت ‏كذبه، فالظاهر يصدقه، والله يتولى سرائره.‏
أما التبني فهو استلحاق شخص ولداً معروف النسب لغيره أو مجهول النسب كاللقيط ‏ويصرح أنه يتخذه ولداً له مع كونه ليس ولداً له في الحقيقة.‏
وهذا النوع هو الذي كان في الجاهلية، وقد كانوا يجعلونه كالابن الحقيقي يأخذ أحكامه ‏من النفقة والميراث وتحريم زوجته على متبنيه.‏
فلما جاء الإسلام أبطله وبين أنه مجرد دعوى لا أساس لها يقول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ ‏أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ ‏هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا ‏أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 4، 5].‏
ومع أن هذا التبني كذب وافتراء على الله والناس كما صرح القرآن بذلك يؤدي إلى مفاسد ‏كثيرة.‏
منها: أنه يأتي بشخص أجنبي يعيش مع أجنبيات عنه لا تربطه بهم رابطة مشروعة، ‏فيطلع منهن على ما حرم الله الاطلاع عليه ويحرم عليه الزواج منهن مع أنهن محللات له.‏
ومنها: أنه يحمل الأقارب واجبات تترتب على ذلك فتجب نفقة ذلك المتبنى عليهم إن ‏كان محتاجاً إليها، ويشاركهم الميراث فيحرمهم من بعض ما يستحقونه منه.‏
وقد يستعمل وسيلة للحرمان منه، بأن يعمد الرجل صاحب المال فيتبنى ابناً ليرث ماله ‏ويحرم منه أصحاب الحق في الميراث بشرع الله من أخوة وأخوات فيغرس بذلك بذور الشقاق ‏والحقد بين الأسر، ويفككها ويقطع حبل المودة بين أفرادها.‏
ولو لم يكن في التبني من هذه المفاسد إلا إحداها لكان خليقاً بالإلغاء والإهدار.‏
وإذا كان الشارع قد حرم التبني لما فيه من المفاسد وأغلق بابه فلم يغلق باب الإحسان بل ‏فتحه على مصراعيه، وجعل للشخص إذا وجد طفلاً بائساً محروماً ممن يقوم بشأنه ويتولاه ‏برعايته أن يأخذه ليربيه وينفق عليه ليمسح بيده الرحيمة عن هذا المخلوق آثار البؤس والفاقة، ‏كما لم يمنعه من أن يهبه بعض ماله أو يوصي له ببعضه إذا لم يبلغ الغاية من التربية دون أن ‏يلحقه بالنسب إليه، ودون أن يجوز بفعله على حقوق أبنائه أو أقاربه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:04 PM
المبحث الثالث
في البينة‏




كما يثبت النسب بالإقرار بشروطه السابقة يثبت النسب بالبينة، بل هي أقوى من الإقرار، ‏لأنها حجة متعدية إلى الغير، والإقرار حجة قاصرة تقتصر على المقر.‏
ولذلك لو تعارض إقرار وبينة في دعوى النسب رجح جانب صاحب البينة.‏
فلو كان هناك ولد ليس له نسب معروف فأخذه رجل وادعى نسبه، وتوفرت شروط ‏الإقرار السابقة ثبت نسبه بذلك الإقرار، فلو جاء رجل آخر وادعى نسبه وأقام بينة صحيحة على ‏أنه ابنه كان أحق به من المقر، لأن النسب وإن ثبت في الظاهر بالإقرار إلا أنه غير مؤكد ‏فاحتمل البطلان بالبينة لأنها أقوى منه.‏
والبينة التي يثبت بها النسب هنا هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.‏
فإذا ادعى رجل: أن فلاناً ابنه أو أبوه أو أخوه أو عمه أو جده أو ابن ابنه وأنكر المدعى ‏عليه هذه الدعوى فأقام المدعي البينة على دعواه قبلت هذه الدعوى وثبت النسب وترتبت كل ‏الحقوق والأحكام التي تبنى على هذا النسب بعد توافر الشروط المصححة لتلك الدعوى وقد ‏قدمناها في الإقرار.‏
ومما يلاحظ هنا: أن دعوى النسب تقبل مجردة في بعض الحالات، ولا تقبل في بعضها ‏إلا إذا كانت ضمن حق آخر على التفصيل الآتي.‏
فإذا كانت بأصل النسب وهو الأبوة والبنوة. فإن كانت حال حياة الأب أو الابن سمعت ‏الدعوى مجردة بالنسب، ويجري الإثبات على النسب قصداً، وأولى أن يقبل ضمن حق آخر ‏كالنفقة والميراث.‏
وإن كانت الدعوى بعد وفاة الأب أو الابن فلا تسمع الدعوى بالنسب استقلالاً، لأنها ‏دعوى على ميت وهو غائب، والغائب لا يصح القضاء عليه قصداً ويصح تبعاً.‏
أما إذا كانت ضمن حق آخر كدعوى الميراث مثلاً، فإنها تقبل لأن النسب هنا ليس ‏مقصوداً لذاته بل هو وسيلة لإثبات الحق المتنازع فيه، والخصم هنا ليس هو الميت بل الورثة أو ‏من بيده التركة.‏
وإذا كانت الدعوى بما يتفرع على أصل النسب كالأخوة والعمومة مثلاً فلا تسمع ‏الدعوى بالنسب على سبيل الاستقلال حياً كان المدعى عليه بالنسب أو ميتاً، لأنه هذه الدعوى ‏فيها تحميل النسب على الغير، ولا يثبت النسب إلا إذا ثبت من الغير أولاً وهو الأب أو الجد فلا ‏يكون النسب هنا مقصوداً بالذات للمدعي، بل المقصود ما يترتب عليه من الحقوق كالنفقة ‏والإرث.‏
فإذا ادعى النسب مجرداً عن حق آخر كانت دعوى بحق غير مقصود له فلا تقبل، وإن ‏كانت ضمن دعوى حق آخر لا يثبت إلا إذا ثبت النسب، كالنفقة أو الميراث كان دعوى مقبولة ‏سواء كان المدعى عليه حياً أو ميتاً لأن المقصود الأصلي هو الحق المترتب على ثبوت النسب، ‏والخصم هنا من بيده التركة، فيقضي له بالحق الذي يدعيه ويثبت النسب ضمناً وتبعاً.‏
كما يلاحظ أيضاً: أن هذه الطرق الثلاثة ليست كلها في مرتبة واحدة، بل إن الفراش هو ‏السبب الحقيقي للنسب لأنه المنشيء له، أما الإقرار والبينة فهما سببان ظاهريان يدل كل منهما ‏على وجود السبب الحقيقي وهو الفراش، لأن الولد الشرعي لا يكون إلا ثمرة فراش.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:05 PM
الفصل الثالث
‏ اللقيط وأحكامه






اللقيط: مولود حيّ نبذه أهله لسبب من الأسباب، كخوف العيلة أو الفرار من تهمة الزنا ‏أو ما شاكل ذلك.‏
حكم التقاطه: والتقاط اللقيط مندوب إليه شرعاً يثاب فاعله إذا وجد في مكان لا يغلب ‏على الظن هلاكه لو ترك، فإن غلب على الظن هلاكه لو تركه كان التقاطه فرضاً عليه بحيث ‏يأثم إذا لم يأخذة، لأنه مخلوق ضعيف لم يقترف إثماً يستحق عليه الإهمال، وإنما الإثم على من ‏طرحه أو تسبب في وجوده من طريق غير مشروع.‏
الأحق به: وملتقطه أحق الناس بإمساكه وحفظه، لأنه الذي تسبب في إحيائه، وليس ‏للحاكم ولا لغيره أن يأخذه منه جبراً عنه إلا إذا تبين أنه غير صالح للقيام برعايته.‏
وإذا التقطه أكثر من واحد وتنازعوه فالأحق به أرجحهم بالإسلام أو القدرة على حفظه ‏وتربيته، فإن تساووا وضعه القاضي عند أصلحهم رعاية لشئونه في نظره.‏
والإسلام الذي حرم التبني عُني بهذا اللقيط: فأوجب التقاطه وحرم إهماله وتضييعه، ‏واعتبره مسلماً حراً إذا وجد في دار الإسلام أو التقطه مسلم من أي مكان.‏
فإن التقطه ذميّ في مكان خاص بهم كان على دين من التقطه عملاً بهذه القرائن التي ‏ترجح ولادته لغير المسلمين.‏
ومع اعتباره مسلماً إذا وجد في دار الإسلام لو ادعى ذمي أنه ابنه وأقام بينة على ذلك ‏ثبت نسبه منه وكان على دينه إعمالاً للبينة، لأن الأصل أن من يولد في دار الإسلام يكون مسلماً ‏تبعاً للدار إلا إذا قام الدليل على خلافه.‏
أما إذا لم يقم البينة وتوفرت شروط الإقرار بالنسب ثبت نسبه من ذلك الذمي وكان مسلماً ‏تبعاً للدار، لأن الإقرار حجة قاصرة كما قلنا فيعمل به في ثبوت النسب وتبقى التبعية للدار لا ‏يعارضها شيء.‏
أهليته للملك: واللقيط أهل للملك لأنه حر، فإذا وجد معه مال فهو ملك له، لأنه صاحب ‏اليد عليه، وكان على الملتقط المحافظة على هذا المال، ولا ينفق منه عليه شيئاً إلا بأذن القاضي ‏صاحب الولاية عليه، لأن الملتقط لا يملك من أمره إلا الحفظ والرعاية، وما ينفقه عليه من ماله ‏بغير الأذن يكون متبرعاً به إلا إذا أشهد حين الإنفاق أنه سيرجع به عليه.‏
وإذا لم يوجد مع اللقيط مال ولم يوجد من ينفق عليه تبرعاً فنفقته في بيت مال المسلمين.‏
وإذا لم يكن للملتقط على اللقيط ولاية التصرف في المال الذي وجده معه إلا بإذن ‏القاضي فإن له عليه ولاية المحافظة عليه وعلى هذا المال، ويقبض عنه ما يوهب له أو يتصدق ‏به أهل الخير عليه، ويشتري له ما يلزمه من طعام وكسوة.‏
كما أن له ولاية تربيته وتعليمه بأن يدخل مدرسة ليتعلم فيها إن كان يقدر على ذلك وكان ‏عند اللقيط رغبة في التعليم واستعداد له، فإن لم يمكن ذلك كان عليه أن يعلمه حرفة أو صناعة ‏تكون سبيلاً لتكسبه في المستقبل لئلا يكون عالة على المجتمع.‏
نسب اللقيط: إذا ادعى شخص بنوة اللقيط ثبت نسبه منه دون حاجة إلى بينة إذا توفرت ‏شروط الإقرار السابقة، يستوي في ذلك ملتقطه وغيره، ويصبح بعد ذلك ابناً حقيقياً له.‏
وإذا ادعى بنوته أكثر من واحد وكان منهما الملتقط رجح الملتقط إلا إذا أقام غيره بينة ‏على دعواه لأن البينة أقوى من الإقرار.‏
وإذا ادعاه اثنان ليس منهما الملتقط رجح أسبقهما دعوى إلا إذا أقام المتأخر البينة، وإذا ‏لم يسبق أحدهما الآخر رجح من أقام بينة.‏
فإن لم تكن لهما بينة أو أقام كل منهما بينة رجح من ذكر علامة مميزة فيه لأنه بذلك ‏يكون قد سبقت يده إليه، فإن تساويا ولا مرجح لأحدهما فمحافظة على النسب من الضياع ينسب ‏إلى كل منهما وإن كان الواقع أنه ليس ابناً لهما معاً، ولكن معاملة لهما بإقرارهما، فيثبت له على ‏كل منهما الحقوق الواجبة على الآباء للأبناء من النفقة وغيرها، وله حق الإرث من كل منهما ‏ميراث ابن كامل، ولو مات اللقيط ورث منه أب واحد يقسم بينهما بالسوية.‏
وإذا ادعت المرأة بنوة اللقيط : فإن كان لها زوج وصدقها أو شهدت القابلة بولادتها أو ‏أقامت بينة على ذلك صحت دعواها وثبت نسبة منهما.‏
وإن لم يكن لها زوج فلا يثبت نسبه منها إلا إذا أقامت بينة كاملة من رجلين أو رجل ‏وامرأتين من أهل الشهادة عند الحنفية.‏
والفرق بينها وبين الرجل حيث تقبل دعواه بدون بينة ولا تقبل دعواها إلا ببينة. أن في ‏ثبوت النسب للرجل المدعي دفعاً للعار عن اللقيط بانتسابه إلى أب معروف، ولا يوجد ذلك في ‏دعوى المرأة، لأنه ينسب إليها من أتت به من طريق مشروع وغير مشروع.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:05 PM
البَابْ الثاني‏ ‏


في الرضاع:‏
أجرة الرضاع:‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:06 PM
الفَصل الأول
‏ ‏- في وجوب الرضاع للرضيع، وعلى من يجب؟






يقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ‏وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ‏وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ ‏عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا ‏اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233].‏
ويقول جل شأنه في شأن المطلقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ ‏بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].‏
في هاتين الآيتين وضع المولى سبحانه الأسس التي تقوم عليها أحكام الرضاع، ومنهما ‏استنبط الفقهاء أكثر أحكامه، وفيهما توزيع لمسئولية الرضاع بين الأب والأم، فكل منهما يقوم بما ‏يستطيعه دون مضارة لأحدهما، فالأم بلبنها الذي أجراه الله في ثديها غذاء لطفلها وهو أنسب ‏غذاء له في هذه الفترة بعد أن تغذى بدمها فترة الحمل، والأب بالإنفاق عليها ليدر لبنها.‏
ثم رفع الجناح عن إرضاع الأجنبيات إذا ما تعذر إرضاع الأم، وقد كان هذا عرفاً شائعاً ‏عند العرب قبل الإسلام يسيرون عليه راضية به نفوسهم، فلم يعرض له بالإلغاء كما ألغي غيره ‏من الأعراف بل أقره وفوضه لإرادة الآباء مع التصريح برفع الجناح عنهم في ذلك.‏
وتفتتح الآية الأولى بجملة خبرية تحمل معنى الأمر {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ‏كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فنظراً لخبريتها تفيد أن الرضاع حق للأم لها أن تستوفيه ولها ‏أن تتنازل عنه، ونظراً لمعنى الأمر فيها تفيد أنه واجب عليها لا تستطيع تركه إلا إذا منعها من ‏ذلك مانع كمرض ونحوه، ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في وجوب الرضاع على الأم.‏
وإن نظرة عامة في مذاهب الفقهاء نجدها متفقة على أنه واجب على الأم في بعض ‏الحالات، وغير واجب عليها في حالات أخرى مع اتفاق الجميع على أنه حق للأم لا يزاحمها ‏غيرها في استيفائه إذا أرادت ما لم يكن في ذلك ضرر يلحق الرضيع أو الأب، لأن الأم أقرب ‏الناس إلى وليدها ينبض قلبها بالحنان والشفقة عليه فوق أن لبنها أفضل غذاء له مما عداه لأنه ‏يلائم جسمه الذي تغذى به دماً وهو جنين في بطنها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:06 PM
تلخيص آراء الفقهاء:‏
اتفق الفقهاء على أن الرضاع واجب على الأم ديانة في جميع الحالات سواء كانت ‏زوجيتها قائمة أو انتهت، بمعنى أنها مسؤولة أمام الله عن ذلك بحيث تأثم لو امتنعت عنه وهي ‏قادرة عليه.‏
واختلفوا بعد ذلك في وجوبه عليها قضاء، أي أن القاضي يجبرها عليه إذا امتنعت عنه ‏بدون عذر.‏
فذهب مالك في المشهور عنه أنه واجب عليها قضاء إذا كانت زوجة أو معتدة من طلاق ‏رجعي كما هو واجب ديانة لظاهر الأمر وهو يفيد الوجوب قضاء وديانة إلا إذا كانت ذات ترفه ‏لم يجر عرف قومها بإرضاع نسائهم أولادهن لأن هذا كان في الجاهلية ولم يغيره الإسلام، ‏ولأنها تتضرر حينئذ بإلزامها بالإرضاع إلا إذا تعينت للإرضاع بأن كان الطفل لا يقبل إلا ثديها ‏فإنها تجبر عليه محافظة على الصغير من الهلاك وهو ضرر أكبر من تضررها بالإرضاع تجبر ‏حتى ولو كانت مطلقة بائناً.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب عليها أن ترضعه أول لبنها المسمى باللباء، لأن الولد يقوى ‏وتشتد بنيته به، ولا يجب عليها أن ترضعه ما بعده يستوي في ذلك أن تكون زوجة أو أجنبية إلا ‏إذا تعينت بأن لم يوجد من يرضعه غيرها أو لم يقبل الطفل غير ثديها فيتعين عليها الإرضاع.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يجب عليها ديانة لاقضاء، فإن امتنعت عنه بدون عذر فلا تجبر ‏قضاء عليه إلا في حالات ثلاث:‏
‏1- إذا لم يكن للطفل ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعاً ولم توجد متبرعة بإرضاعه.‏
‏2- إذا لم توجد من ترضعه غيرها بأجر أو بغير أجر وإن كان للأب أو الابن مال.‏
‏3- إذا وجدت المرضعة ولكن الطفل لا يقبل غير ثدي أمه.‏
ففي هذه الحالات يتعين عليها الإرضاع وتجبر عليه قضاء حتى لا يتعرض الطفل ‏للهلاك.‏
وفي غير تلك الحالات إذا قامت الأم بإرضاعه فيها، وإن امتنعت عنه بدون عذر ظاهر ‏لا تجبر عليه لأن الرضاع حق للأم كما هو للولد، ولا يجبر أحد على استيفاء حقه إلا إذا وجد ما ‏يقتضي الإجبار عليه وهو المحافظة على حياة الطفل.‏
ومن جهة أخرى إن الأم أكثر الناس شفقة وحناناً على ولدها، وهي لا تمتنع عن إرضاعه ‏إلا لعدم قدرتها عليه، فإجبارها حينئذ يلحق الضرر بها، لأنها ستفعل ما لا قدرة عليه أو تتضرر ‏به، وقد نفى الله عنها الضرر بسبب ولدها {لا تضار والدة بولدها}.‏
وفي هذه الحالة يجب على الأب أن يستأجر له مرضعاً تقوم بإرضاعه حفظاً له من ‏الهلاك.‏
فإن لم يقم الأب باستئجار المرضعة كان للأم أن تطالبه بالقيام بذلك أو بدفع أجرة ‏الرضاع إليها لتقوم هي باستئجار المرضعة محافظة على ا لولد.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:06 PM
هل تسقط حضانة الأم بالامتناع عن الإرضاع؟
وامتناع الأم عن الإرضاع لا يسقط حضانتها لأنهما حقان منفصلان لا يلزم من سقوط ‏أحدهما سقوط الآخر، وعلى الأب في هذه الحالة أن يتفق مع المرضعة على القيام بعملها على ‏وجه لا يضيع حق الأم في الحضانة ، كأن تقوم بإرضاعه عند أمه أو بنقل الولد إليها في أوقات ‏الرضاعة ثم يرد إلى أمه، فإن لم يتفق معها على شيء من ذلك كان عليها أن تذهب إلى حيث ‏يوجد الطفل عند حاضنته سواء كانت هي الأم أو غيرها لتستطيع الحاضنة القيام بما تقتضيه ‏الحضانة.‏
وإذا كان للأب الحق في استئجار المرضعة عند امتناع الأم فليس معنى ذلك أنه يتحكم ‏في أمر الإرضاع ويمنع الأم منه إذا رغبت فيه بعد الامتناع عنه، لأن الأم حقها ثابت في ‏الرضاع وهي أحق به من الأجنبية، ولا يملك الأب منعها منه ما لم يلحقه ضرر منه بأن كانت ‏الأم تطلب أجراً عليه - حينما تستحق تستحق الأجر - بينما توجد متبرعة به، أو تطلب أكثر مما ‏تطلبه المرضعة، لأن القرآن كما نفى الإضرار بالأم نفاه أيضاً عن الأب {ولا مولود له بولده}، ‏وليس في منعها إضرار بها لأنها التي أساءت استعمال حقها بطلب الأجر أو الزيادة، وفي هذه ‏الحالة يقال للأم: إما أن ترضعيه مجاناً أو بمثل الأجر الذي قبلته المرضعة أو تسليمه لها لترضعه ‏وهي بالخيار.‏
لكن يستثنى من ذلك ما إذا كانت الأم مريضة بمرض يخشى على الطفل منه أو ثبت ‏بالتحليل الطبي أن لبن الأم لا يصلح للطفل لسبب من الأسباب. ففي مثل هاتين الحالتين يكون ‏للأب منع الأم من إرضاعه وإعطاؤه للمرضعة محافظة عليه ومنعاً للضرر عنه.‏
وإذا سقط حق الأم في الرضاع كان على المرضعة أن توفي بما التزمت به.‏
فإن كانت متبرعة وأرضعته فترة ثم رغبت في إنهاء تبرعها أجيبت إلى ذلك لأنها ‏محسنة، وما على المحسنين من سبيل، إلا إذا كان الطفل لا يقبل ثدي غيرها فإنه يلزمها إرضاعه ‏إلى أن يستغني عن الرضاع حتى لا يلحقه ضرر، ويجب لها أجر مثلها في المدة الباقية لأنها ‏أنهت تبرعها.‏
وكذلك إذا كانت ترضع بأجر وانتهت المدة المتفق عليها ولم يستغن الطفل عن الرضاع ‏أجبرت على مد الإجارة لمدة أخرى تكفي لاستغناء الطفل عن الرضاعة إذا لم يقبل الطفل ثدي ‏غيرها دفعاً للضرر عن الرضيع، وهي لا يلحقها من ذلك ضرر حيث يجب لها أجر المثل عن ‏المدة الثانية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:07 PM
الفَصل الثّاني
‏108-‏ أجرة الرضاع





والكلام في هذا الفصل يتناول الأمور الآتية:‏
‏1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟.‏
‏2- متى يستحق الأجر؟.‏
‏3- المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع.‏
‏4- مقدار الأجرة.‏
‏5- وعلى من تجب ؟.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:07 PM
‏1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟

فذهب الحنفية: أن التي تقوم بالإرضاع إما أن تكون الأم أو غيرها، والأم إما أن تكون ‏زوجة لوالد الرضيع أو معتدة منه بطلاق بائن أو رجعي، أو انتهت عدتها.‏
فإن كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي فلا تستحق أجرة على الإرضاع مطلقاً سواء ‏كان واجباً عليها أو لا، لأن أجرة الرضاع ليست عوضاً خالصاً بل هي أشبه بالنفقة، لأن ‏المقصود منها تغذية الأم ليدر لبنها الذي هو غذاء للصغير، ولأن الإرضاع واجب عليها ديانة ‏عندهم، والواجب الديني لا يستحق عليه أجر، ولأن نفقتها في هذه الحالة واجبة على الأب ‏باعتباره زوجاً أو مطلقاً فلا يجمع لها بين نفقتين في وقت واحد، لأنه غير معهود في الشرع.‏
وإن كانت معتدة من طلاق بائن ففي إحدى الروايتين في المذهب تجب لها النفقة، لأن ‏الزوجية قد انتهت بالطلاق البائن فأشبهت الأجنبية.‏
وفي الرواية الأخرى لا تجب لها النفقة على الإرضاع، لأن زوجيتها وإن انقطعت ‏بالطلاق البائن إلا أنها تجب لها النفقة على مطلقها على والد الرضيع مادامت في العدة، فلو ‏أوجبنا لها أجرة على الرضاع لكانت جامعة بين نفقتين في وقت واحد.‏
وفقهاء المذهب وإن اختلفوا في الترجيع لتلك الروايتين إلا أن الفتوى على الثانية وهي ‏التي تمنع وجوب النفقة.‏
أما إذا انتهت عدتها فتستحق الأجرة قولاً واحداً سواء كانت متعينة للإرضاع أو لا، لأنها ‏أصبحت أجنبية من كل وجه وارتفعت نفقة عدتها لقوله تعالى في شأن المطلقات: {وَإِنْ كُنَّ ‏أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ‏‏6].‏
وإذا كان المانع من وجوب أجرة الرضاع للمعتدة هو استحقاقها نفقة للعدة على والد ‏الرضيع فيكون عدم استحقاق الأجرة على الرضاع للمطلقة مرتبطاً بوجوب النفقة لها لا بكونها ‏معتدة.‏
وعلى هذا إذا قامت بالإرضاع لا تستحق أجراً عليه مدة سنة، وبعد انقضائها تستحق ‏الأجرة إلى أن تنتهي مدة الرضاع، لأنها صارت في حكم التي انقضت عدتها.‏
وكذلك لو كانت أسقطت نفقة عدتها في مقابل طلاقها منه يكون حكمها كحكم من انقضت ‏عدتها في استحقاق الأجرة لانقطاع نفقتها من الأب، وكذلك التي تزوجت بدون عقد موثق فإنها لا ‏تستحق نفقة على زوجها إذا لم يعترف بالزوجية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:07 PM
‏2- متى تستحق المرضع الأجر على الرضاع؟

إذا كانت المرضع هي الأم فإنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، ولا يتوقف استحقاقها ‏على سبق اتفاق بينها وبين الأب ولا على قضاء القاضي به، ويكون الأجر المستحق هو أجر ‏مثلها إلى أن يتفقا على قدر معين، وتكون ديناً على الأب لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء منه، فلو ‏ماتت الأم قبل قبضه كان لورثتها حق المطالبة به باعتباره جزءاً من تركتها، ولو مات الأب قبل ‏قبض الأم له أخذ من تركته كسائر الديون، وكذلك لا تسقط بموت الرضيع.‏
وإنما استحقت الأم الأجر دون توقف على اتفاق سابق لأن القرآن رتب الأجر على ‏الإرضاع في قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فقد أمرت الآية بإعطاء الأجر ‏بمجرد الإرضاع دون تقيده بقيد آخر.‏
ولأن إقبال الأم على إرضاع وليدها قبل الاتفاق على الأجر لا يدل على أنها متبرعة به، ‏لأن عطفها وحنانها على وليدها هو الذي دفعها إلى الإرضاع، ولا يعقل أن تراه يتلوى أمامها من ‏الجوع وتتركه بدون إرضاع حتى يتم الاتفاق مع أبيه.‏
أما غير الأم فإنها لا تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، بل لا تستحقه إلا من وقت الاتفاق، ‏لأنها مستأجرة للإرضاع فلا تستحق الأجرة إلا من يوم العقد.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:08 PM
‏3- مقدار المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع:‏

لا تستحق الأم أجراً على الرضاع لأكثر من سنتين باتفاق الحنفية حتى ولو زاد إرضاع ‏الطفل عن هذه المدة لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ ‏الرَّضَاعَةَ} فقد جعلت الآية تمام الرضاع كمال الحولين وليس بعد التمام زيادة.‏
فلو زاد عن الحولين لا تجب أجرة على الزيادة وإن جاز ذلك الرضاع.‏
ولو اتفق الأب والأم على إنقاص المدة عن الحولين جاز إذا كان في ذلك مصلحة ‏الرضيع لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:10 PM
‏4- مقدار أجرة الرضاع:‏

مقدار الأجرة التي تستحقها الأم في الحالات التي تستحق فيها الأجر هو ما اتفقت مع ‏الأب عليه إذا اتفقا على شيء قبل الإرضاع، وإن لم يكن بينهما اتفاق على قدر معين فإنها ‏تستحق أجر المثل وهو الأجرة التي تقبل امرأة أخرى أن ترضع به، فإذا تنازعا قدره القاضي ‏بذلك، فإن طلبت أكثر من ذلك لا تجاب إلى طلبها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:10 PM
‏5- على من تجب أجرة الرضاع؟

إذا كان للرضيع مال وجبت الأجرة في ماله، لأن رضاع الصغير هو غذاؤه، وغذاؤه من ‏نفقته، والأصل في النفقة أنها تكون من مال الشخص، فإن لم يكن له مال فتكون على أبيه إن كان ‏موسراً.‏
فإن كان معسراً وقادراً على الكسب أجبرت الأم على إرضاعه ويكون الأجر ديناً على ‏الأب يدفعه لها إذا أيسر، وإن كان معسراً عاجزاً عن الكسب أو متوفى وجبت أجرة الرضاع ‏على من تجب عليه نفقة الصغير من الأقارب لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ‏بِالْمَعْرُوفِ...} إلى أن قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث نفقات ‏الأقارب.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:11 PM
البَاب الثالث
في الحضانة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:11 PM
الفَصل الأول
في التعريف بها وأصحاب الحق فيها‏





تعريف الحضانة:‏
الحضانة لغة: ضم الشيء إلى الحضن. وهو الجنب (ما بين الإبط إلى الكشح) أو الصدر ‏أو العضدان وما بينهما، تقول: حضنت الشيء واحتضنته إذا ضممته إلى جنبك، وحضنت الأم ‏طفلها إذا ضمته إلى صدرها.‏
والحضانة شرعاً: هي القيام على تربية الطفل الذي لا يستقل بأمره برعاية شئونه من ‏تدبير طعامه وملبسه ونومه وتنظيفه ووقايته عما يهلكه أو يضره.‏
والحضانة: أمر يتوقف وجوده على شخصين حاضن ومحضون، والمحضون هو الطفل ‏الصغير، والحاضن إما امرأة أو رجل، والصغير محتاج إلى الحضانة فهي في جانبه حق لأنه ‏المنتفع بها، ولأنه ليس أهلاً للوجوب، وأما الجانب الآخر وهو الحاضن فهو مكلف بعمل وهو ‏أهل للوجوب عليه.‏
‏- فهل الحضانة حق أو واجب؟
إذا نظرنا إلى شخص معين كالأم مثلاً نقول: إنها أحق الناس بحضانة طفلها ما لم يمنع ‏من ذلك مانع، فإذا تمسكت به أجيبت إليه، وإذا تنازلت عنه عند وجود من يصلح له صح ذلك ‏التنازل، وهذا يعني أنه حق لها، وإذا لم يوجد من يصلح له أجبرت عليه، وإذا استعاضت عنه ‏بشيء لا يصح، وهذا يعني أنه واجب عليها.‏
وعلى هذا نستطيع أن تقول : إنه حق لكل من الحاضنة والمحضون وإن كان في جانب ‏المحضون أقوى، لأنه يجب توفره له في كل حال سواء وجدت حاضنة واحدة أو تعددت ‏الحاضنات، فإن لم يكن له إلا حاضنة واحدة تعين عليها فيكون واجباً لا مجرد حق.‏
وإن تعددت الحاضنات كانت حقاً لمن كانت في المرتبة الأولى لا يقبل منها إسقاطه إلا ‏إذا وجد من يقوم به ممن تأهل للحضانة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:11 PM
ويتفرع على كونها حقاً للصغير الأحكام الآتية:‏
‏1- إذا تعينت الحاضنة أماً كانت أو غير أم أجبرت عليها إذا امتنعت عنها حتى لا يفوت ‏على الصغير حقه.‏
‏2- إذا خالعت الأم زوجها على أن تترك حضانتها لولدها وتتركه لأبيه صح الخلع وبطل ‏الشرط، لأنه يبطل حق الصغير في الحضانة، وهي وإن ملكت إبطال حقها فيها فلا تملك إبطال ‏حق الصغير.‏
‏3- إذا صالحت زوجها على إسقاط حقها في الحضانة في مقابلة دين عليها له كان صلحاً ‏باطلاً، لأنه يترتب عليه إسقاط حق الصغير، ولذلك لو صالحته على إسقاط حقها في أجرة ‏الحضان في مقابلة الدين صح ذلك الصلح لأن الأجرة حق خالص لها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:11 PM
ويتفرع على كونها حقاً للحاضنة ما يلي :‏
‏1- ليس للأب ولا لغيره أن ينزع الصغير من صاحبة الحق في حضانته ليعطيه لحاضنة ‏أخرى تليها في هذا الحق إلا بمسوغ شرعي، لأن نزعه منها في هذه الحالة تفويت لحقها في ‏الحضانة.‏
‏2- إذا كانت المرضعة غير الحاضنة وجب عليها إرضاعه على وجه لا يفوت حق ‏الحاضنة بأن ترضعه عندها أو ينقل إليها الطفل وقت الرضاعة ثم يرد إلى حاضنته.‏
‏3- لا تجبر الحاضنة على القيام بالحضانة إذا امتنعت عنها عند وجود حاضنة أخرى ‏تقبلها، لأنها أسقطت حقها دون أن تفوت على الصغير حقه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:12 PM
متى يثبت له حق الحضانة على الصغير:‏
إذا كان الطفل يخرج إلى الحياة عاجزاً عن كل شيء فيحتاج إلى من يقوم بأموره كلها، ‏فإذا بلغ حد التمييز واستطاع أن يقوم ببعض شؤونه ظهرت حاجته إلى نوع آخر من الخدمة ‏كالتعليم والتهذيب والصيانة عن الفساد، فهو في طوريه محتاج إلى خدمة، ولما كان النساء أقدر ‏على النوع الأول لما لهن من الخبرة في هذه الأمور والصبر عليها جعله الشارع إليهن وقدمهن ‏على الرجال في حق الحضانة، ولما كان الرجال أقدر على النوع الثاني وكله الشارع إليهم، ‏فتوزعت المسؤولية بين النساء والرجال.‏
ولما كانت الأم بطبيعتها أحنى على وليدها من غيرها فشفقتها لا تعد لها شفقة، وعطفها ‏لا يقاربه عطف جعلت في المرتبة الأولى من الحاضنات.‏
وبهذا مضى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده دون أن يخالف ‏أحد في ذلك.‏
روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ان امرأة قالت: يا رسول ‏الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء وإن أباه طلقني وأراد أن ‏ينزعه مني فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي".‏
وروى أن عمر بن الخطاب طلق زوجته أم عاصم ثم أتى عليها وفي حجرها عاصم ‏فأراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال: مسحها وحجرها ‏وريحها خير له منك حتى يشب الصبي فيختار لنفسه"، وفي رواية أخرى: "ريقها خير له من ‏شهد وعسل عندك يا عمر" وكان ذلك بمحضر من كثير من الصحابة.‏
وفي رواية ثالثة أن النزاع كان بين عمر وجدة الغلام بعد أن تزوجت أمه، وأنه رآه في ‏الطريق فأخذه، فلما ترافعا إلى أبي بكر قال: "ريحها ومسها وريقها خير له من الشهد عندك يا ‏عمر".‏
ويثبت هذا الحق للأم سواء كانت زوجة لأبي الصغير أو معتدة أو غير معتدة مادامت ‏أهلاً للحضانة ولم يمنع من حضانتها مانع كتزويجها بأجنبي أو بقريب غير محرم.‏
فإن ماتت أو منع من حضانتها مانع انتقلت الحضانة إلى محارم الصغير من النساء ‏الأقرب فالأقرب فتنتقل إلى الجدة لأم وإن علت درجتها، ثم إلى أم الأب وإن علت، وإنما تأخرت ‏مرتبتها عن الجدة لأم لأن قرابتها من جهة الأب وهو مؤخر عن الأم.‏
فإن لم توجد واحدة من الجدات انتقلت الحضانة إلى الأخوات على أن تقدم الأخت الشقيقة ‏وتليها الأخت لأم، فإن لم تكن تكون للأخت لأب على الرواية الراجحة في المذهب، وفي الرواية ‏الأخرى أن الأخت لأب مؤخرة عن الخالة.‏
فإن لم توجد واحدة من الأخوات المؤهلات للحضانة انتقل الحق إلى بنت الأخت الشقيقة ‏ثم بنت الأخت لأم، فإن لم يوجد منهن من تصلح للحضانة انتقل الحق إلى الخالات فتقدم الشقيقة ‏ثم تليها الخالة لأم ثم الخالة لأب، فإن لم يوجد من الخالات من يصلح انتقل الحق إلى بنت الأخت ‏لأب، ويجيء بعدها بنات الأخوة على الترتيب تقدم بنت الأخ الشقيق ثم بنت الأخ لأم ثم بنت الأخ ‏لأب، فإن لم يوجد من تصلح انتقل الحق إلى العمات على الترتيب السابق.‏
فإن لم يوجد من العمات من تصلح انتقل الحق إلى خالات الأم على الترتيب السابق، ثم ‏يليهن خالات الأب تقدم خالة الأب الشقيقة ثم خالته من الأم ثم خالته من الأب، ثم عمات الأم على ‏الترتيب السابق، ثم عمات الأب كذلك على الترتيب السابق.‏
ومما يلاحظ هنا في هذا الترتيب: أن قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في جميع ‏الأصناف عند اتحاد الدرجة، لأن الأم مقدمة في الحضانة على الأب فتكون قرابتها كذلك، ولأن ‏قرابة الأم أعطف على الصغير من قرابة الأب.‏
وأن الجدة مقدمة على الأخت مطلقاً، لأن الجدة أعطف على الصغير من الأخت، ولأن ‏اتصالها بالصغير من طريق الولادة فهو كالجزء منها.‏
وأن القرابة الشقيقة مقدمة على غيرها لقوتها بتعدد جهتها وتوفر الشفقة.‏
وأن بنت الأخت مقدمة على العمة لأنها فرع الأبوين أو أحدهما، والعمة فرع الجدين أو ‏أحدهما.‏
وإذا لم يوجد من النساء المحارم من تصلح للحضانة، أو وجدت ولم تكن أهلاً لها انتقلت ‏الحضانة إلى الرجال من العصبات مطلقاً إن كان الطفل ذكراً، وإلى العصبة المحارم إن كان أنثى ‏ويرتبون كترتيبهم في الميراث فيقدم الأب ثم الجد لأب وإن علا، ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب، ثم ‏ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم عم الأب الشقيق، ثم عم الأب ‏لأب. فهؤلاء تثبت لهم الحضانة بهذا الترتيب على الصغير مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، لأن كل ‏هؤلاء من المحارم.‏
ويأتي بعد هؤلاء ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب بالنسبة للذكر، وليست لهما حضانة ‏على الأنثى لأنهما من غير المحارم، والحضانة تمتد إلى سن المراهقة وفيها يخشى الوقوع في ‏الفتنة.‏
فإذا لم يكن للصغيرة إلا ابن عمها يختار لها القاضي حسب رأيه ما يراه صالحاً لها ‏فيضعها عند امرأة ثقة مأمونة إن لم يكن ابن عمها صالحاً مأموناً. وإن وجده صالحاً مأموناً ‏ضمها إليه.‏
فإن لم يوجد للصغير عاصب مطلقاً من الرجال ولا عاصب محرم للصغيرة أو وجد ‏ولكنه ليس أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى المحارم من غير العصبة، وهم ذووا الأرحام ‏الأقرب فالأقرب فتثبت للجد أبي الأم، ثم الأخ لأم، ثم ابن الأخ لأم، ثم العم لأم، ثم الخال الشقيق، ‏ثم الخال لأب، ثم الخال لأم.‏
فإن لم يوجد واحد من هؤلاء انتقلت الحضانة إلى الأقرباء من غير المحارم كأولاد الخال ‏وأولاد الخالة على أن لا يكون للرجال حضانة الإناث، ولا للإناث حضانة للذكور، لأن القرابة ‏غير المحرمية يحل معها الزواج فيخشى أن يترتب على الضم مفسدة.‏
فإن لم يكن أحد من هؤلاء كان الرأي للقاضي يضمه إلى رجل أو امرأة ممن يثق في ‏صلاحهم وقدرتهم على هذا العمل.‏
ويلاحظ هنا أنه إذا تعدد المستحقون للحضانة من الرجال والنساء وكانوا في درجة واحدة ‏وقوة واحدة كأخوة أشقاء أو أعمام أشقاء أو خالات شقيقات أو أخوات شقيقات قدم أصلحهم لتربية ‏الطفل وأقدرهم على رعايته، فإن تساووا في الصلاح فأورعهم، فإن تساووا فيه فأسنهم لأنه يكون ‏أكثر تجربة من غيره. هذا هو مذهب الحنفية في من له حق الحضانة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:12 PM
الفَصل الثّاني
‏- شروط أهلية الحضانة



لما كان الغرض من الحضانة تحقيق المصلحة للطفل ودفع كل ما يُلحق به الضرر شُرط ‏في الحاضنة من النساء والحاضن من الرجال توافر صفات معينة بها تتحقق الأهلية للحضانة، ‏فإن اختلت واحدة منها في شخص سقط حقه فيها وانتقل إلى من يليه.‏
‏- شروط أهلية النساء للحضانة:‏
‏1- أن تكون بالغة، لأن غير البالغة ولو كانت مميزة لا تستطيع أن تقوم بشئونها كلها ‏فكيف يوكل إليها القيام بشئون غيرها.‏
‏2- أن تكون عاقلة لأن غير العاقلة لا تحسن القيام على شئون الصغير لعدم معرفتها ما ‏ينفعه بل يخشى عليه الضرر منها فلا تكون أهلاً للحضانة.‏
‏3- أن تكون قادرة على القيام بما تتطلبه الحضانة من أعمال، فلو كانت عاجزة عن ذلك ‏لكبر سن أو مرض أو عاهة تحول بينها وبين أداء وظيفتها كالعمى لم تكن أهلاً للحضانة، وكذلك ‏لو كانت قادرة على أعمال الحضانة ولكنها مريضة مرضاً يخشى على حياة الطفل منه لا تكون ‏أهلاً لها.‏
ولو كانت محترفة لحرفة تحول بينها وبين رعاية الصغير لا يكون لها حق في الحضانة، ‏أما إذا كان عملها لا يمنعها من رعايته بأن تتمكن من التوفيق بين عملها وما تتطلبه الحضانة لا ‏يسقط حقها فيها.‏
‏4- أن تكون أمينة على أخلاق الصغير، فإن كانت فاسقة كاحترافها الرقص أو النشل أو ‏ارتكاب الفاحشة فإنه يسقط حقها في الحضانة بأحد أمرين. عدم قيامها بشئون الطفل وإهماله، ‏والخوف على أخلاق الصغير أن تتأثر بها، فإن لم يوجد شيء منهما لا يسقط حقها فيها.‏
‏5- ألا تكون متزوجة بغير ذي رحم محرم من الصغير، بأن تكون غير متزوجة أو ‏متزوجة بقريب محرم منه كعمه أو جده مثلاً.‏
فإن كانت متزوجة من أجنبي، أو من قريب غير محرم كابن عمه، أو من محرم غير ‏قريب كأخيه من الرضاع سقط حقها في الحضانة، لأن الغالب في هؤلاء ألا يعطفوا على الصغير ‏كعطف قريبه المحرم، ويزيد الأجنبي أنه يبغضه ويقسو عليه، لأن الزوج غالباً لا يحب ابن ‏زوجته فينشأ الطفل في جو يسوده البغض والكراهية فيتعقد نفسياً.‏
ولأن وقت الزوجة لزوجها وله الحق في منعها من القيام بشئون ذلك الطفل الذي لا صلة ‏له به، بخلاف ما إذا كان الزوج محرماً للصغير، لأن القرابة المحرمية داعية إلى العطف والشفقة ‏على الصغير فلا خوف عليه.‏
‏6- ألا تقيم بالصغير عند من يبغضه ولو كان قريباً له، لأن الحضانة مشروعة لمصلحة ‏الصغير، وسكناها عند من يبغضه يعرضه للأذى وإلحاق الضرر به، فلو فعلت ذلك ولم تخرج ‏إلى بيت آخر سقط حقها.‏
‏7- ألا تكون مرتدة عن الإسلام، فإذا كانت الأم مسلمة وارتدت عن الإسلام سقط حقها ‏في الحضانة لأن المرتدة عند الحنفية تحبس حتى تعود إلى الإسلام أو تموت، ومثلُ هذه لا ‏تستطيع القيام بأعمال الحضانة.‏
هذا ولا يشترط إسلام الحاضنة سواء كانت أماً أو غير أم، فالكتابة تستحق الحضانة لأن ‏أساس الحضانة الشفقة على الصغير وهي متوفرة عند كل حاضنة ولا تأثير للدين في ذلك، ويبقى ‏معها إلى أن تنتهي مدة الحضانة إلا إذا خيف عليه أن يتأثر بدينها أو أن يتعود تناول ما حرمه ‏الإسلام من لحم الخنزير وشرب الخمر فإنه يؤخذ منها ويسلم لمن تستحق الحضانة بعدها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:12 PM
شروط أهلية الحضانة للرجال:‏
يشترط في الحاضن من الرجال: أن يكون بالغاً عاقلاً قادراً على القيام بمصالح الصغير ‏أميناً على تربيته كما يشترط في النساء.‏
ويزاد على ذلك: أن يتحد مع المحضون في الدين، لأن الحضانة نوع من الولاية على ‏النفس، ولا ولاية مع اختلاف الدين، ولأن حق الرجال في الحضانة مبني على الميراث، ولا ‏توارث مع اختلاف الدين، فلو كان للصغير قريبان في درجة واحدة واختلفوا في الدين تكون ‏الحضانة لمن يوافقه في الدين.‏
هذا ومن كان له الحق في الحضانة رجلاً كان أو امرأة وسقط حقه لسبب من الأسباب ثم ‏زال ذلك السبب يعود إليه الحق مرة ثانية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:13 PM
الفصل الثالث
في أجرة الحضانة واستحقاقها، ومن تجب عليه‏




لما كانت الحضانة تتمثل في خدمة الطفل والقيام بشؤونه فهي عمل مشروع يمكن ‏الاعتياض عنه بالمال ويسمى ذلك العوض في عرف الفقهاء بأجرة الحضانة. غير أن ذلك ‏العوض ليس أجرة خالصة بل فيه شبه بالنفقة وكيفما كان فلمن يكون؟
الحنفية يقولون: الحاضنة إما أن تكون أماً للطفل أو غير أم، فإن كانت غير الأم استحق ‏الأجرة على الحضانة ما لم تتبرع بها، وإن كانت الأم فإنها لا تستحق أجراً على الحضانة إذا ‏كانت زوجة لأبي الصغير أو معتدة له من طلاق رجعي بلا خلاف في المذهب، وكذلك إذا كانت ‏معتدة له من طلاق بائن في إحدى الروايتين، لأنها في تلك الحالات تستحق النفقة على أبي ‏الصغير للزوجية أو للعدة فلا تستحق عليه نفقة أخرى في نظير حضانة ولده لأن الأولى كافية ‏كما قدمنا في أجرة الرضاع فإذا لم يكن لها نفقة على الأب لانتهاء عدتها أو لمنعها من المطالبة ‏بنفقة أثناء العدة لمضي سنة من وقت الفرقة بينهما أو لكونها أبرأت زوجها من نفقة العدة في ‏نظير طلاقها استحقت أجرة على الحضانة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:13 PM
متى تستحق الحاضنة الأجر؟
لما كانت الحاضنة تشبة الرضاع إلى حد كبير فما قدمناه في استحقاق أجرة الرضاع من ‏تفصيل بين الأم وغيرها يجري هنا.‏
وخلاصته: أن الأم تستحق الأجرة على الحضانة في الحالات التي تجب لها فيها من وقت ‏قيامها بأعمال الحضانة ولا يتوقف الاستحقاق على سبق اتفاق بينها وبين أبي الطفل أو قضاء ‏بذلك.‏
أما غيرها فلا تستحق الأجر إلا من تأريخ الاتفاق عليها أو قضاء القاضي بها، فلو قامت ‏بها قبل الاتفاق أو القضاء لا يحق لها المطالبة بالأجر على تلك المدة، لأنهما كسائر الأجور على ‏الأعمال لا تجب إلا بالاتفاق أو القضاء فإقدامها على العمل قبلهما دليل على تبرعها، بخلاف الأم ‏التي تحملها الشفقة الكاملة على خدمة وليدها دون الانتظار إلى اتفاق أو قضاء.‏
ولأن الطفل غالباً يكون معها في فترة الرضاعة وأثناء العدة وقد كانت تقوم بحضانته فلا ‏يعقل أنها تتركه بعد انقضاء الفترة التي كانت تستحق فيها نفقة بدون خدمة حتى يتم اتفاقهما على ‏الأجر وقد يتنازع فيه فيقتضي رفع الأمر للقضاء.‏
وإذا وجبت الأجرة للحاضنة سواء كانت أماً أو غيرها فإنها تكون ديناً لا يسقط إلا بالأداء ‏أو الإبراء ولا يتأثر بمضي المدة، ولا بموت الصغير، ولا بموت من وجبت عليه، ولا بموت ‏الحاضنة نفسها حتى كان لورثتها حق المطالبة بها بعد وفاتها لأنها جزء من تركتها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:13 PM
على من تجب أجرة الحضانة؟
تجب أجرة الحضانة على من تجب عليه نفقة الصغير، لأنها بعض نفقته كأجرة الرضاع.‏
فإن كان للصغير مال وجبت في ماله، وإن لم يكن له مال وجبت على أبيه، فإن كان الأب ‏موسراً أمر بأدائها إلى الحاضنة، وإن كان معسراً فلا يخلو إما أن يكون قادراً على الكسب أو لا.‏
فإن كان قادراً على الكسب وجبت عليه وكانت ديناً في ذمته، وأمر بالأداء عنه من تجب ‏عليه نفقة الصغير عند عدم وجود الأب ويرجع بها على الأب إذا أيسر.‏
وإن كان الأب المعسر عاجزاً عن الكسب اعتبر غير موجود وفرض الأجرة على من ‏تجب عليه نفقة الصغير عند عدم الأب ويؤديها في الحال إلى الحاضنة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:13 PM
أجرة المسكن والخادم:‏
إذا لم يكن للحاضنة مسكن خاص بها أو مسكن تسكن فيه مع زوجها القريب للطفل قرابة ‏محرمية في مكان الحضانة وجب إعداد مسكن لها أو إعطاؤها أجرة مسكن مناسب تقوم فيه ‏بالحضانة، لأنها مضطرة إلى ذلك لئلا يسقط حقها في الحضانة، كما يجب إعداد كل ما يحتاج ‏إليه الطفل من فرش وغطاء حتى يكون المسكن كاملاً.‏
وإذا احتاجت إلى استئجار خادم يقوم بمساعدتها في خدمة الصغير وجب إحضار الخادم ‏لها أو إعطاؤها أجرته إذا كان للصغير مال أو كان من تجب عليه نفقته موسراً تخدم أولاده.‏
بهذا يتبين أن أجرة الرضاعة غير أجرة الحضانة وغير نفقة الطفل.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:14 PM
الحضانة بين المتبرعة بها وطالبة الأجر عليها:‏
إذا أبت صاحبة الحق في الحضانة أن تقوم بها إلا بأجر ووجدت متبرعة بها فلمن تكون ‏الحضانة منهما؟ الحكم يختلف باختلاف الحالات: لأن المتبرعة إما أن تكون من أهل الحضانة أو ‏لا، فإن لم تكن من أهل الحضانة بأن كانت أجنبية أو قريبة قرابة غير محرمية فصاحبة الحق في ‏الحضانة أحق بها مطلقاً أماً كانت أو غير أم، كان للطفل مال أو لا، كان الأب موسراً أو معسراً، ‏لأن تسليمه للمتبرعة لا مصلحة فيه للصغير، لأن رعايتها لا تكون كرعاية صاحبة الحق نظراً ‏لتوفر الشفقة عليه منها، ودفع الأجر وإن كان فيه ضياع جزء من المال إلا أنه لا يوازي ما ‏يتحقق له من المصلحة المقصودة.‏
وإن كانت المتبرعة من أهل الحضانة ولم يكن للصغير مال وكان أبوه أو من تجب عليه ‏نفقته بعد أبيه موسراً قدمت صاحبة الحق في الحضانة على المتبرعة، لأن إعطاءه لصاحبة الحق ‏فيه مراعاة لحق الصغير لأنها أكثر حناناً وشفقة عليه من المتبرعة، ولا ضرر على الأب في دفع ‏الأجر ليساره ومصلحة الصغير مقدمة على كل حال.‏
وإذا كان الأب معسراً قدمت المتبرعة دفعاً للضرر عن الأب بإلزامه بالأجر ومداينته به ‏وهو معسر، وكذلك لو كان للصغير مال، لأن الأجرة واجبة في ماله في هذه الحالة، وفي إعطائه ‏لطالبة الأجر ضياع لجزء من ماله مع إمكان الاستغناء عنه بدفعه للمتبرعة وهي من محارمة ‏والشفقة متوفرة عندها، ونقصان شفقتها عن الأخرى لا يوازي ضياع جزء من ماله.‏
وبهذا يتبين الفرق بين التبرع بالحضانة والتبرع بالرضاع: حيث تقدم المتبرعة ‏بالرضاع على الأم وغيرها ممن تطلب الأجر مطلقاً سواء كانت المتبرعة محرماً للطفل أو لا، ‏وسواء كانت الأجرة من مال الصغير أو من غيره كان ذلك الغير موسراً أو معسراً، لأن الغرض ‏من الرضاعة هو تغذية الطفل وهو متحقق بلبن أي امرأة فلا معنى لأخذ الأجر مع وجود ‏المتبرعة، لأنه لا ضرر في إرضاعها.‏
أما الحضانة فإنه لا يقدم فيها المتبرعة إلا في صورتين:‏
الأولى إذا كانت أجرة الحضانة من مال الصغير.‏
والثانية إذا كانت الأجرة واجبة على الأب وكان معسراً، ومع ذلك يشترط في المتبرعة ‏أن تكون قريبة قرابة محرمية أي عندها أهلية الحضانة.‏
والسبب في ذلك أن المقصود من الحضانة هو تربية الصغير ورعايته والعناية به، وهذه ‏أمور تحتاج إلى الشفقة والعطف والحنان وكل ذلك لا يتوف إلا عند الأم أو ما يقاربها من ‏المحارم وقلما توجد عند غير المحرم، وكلما توافرت هذه عند الحاضنة تحقق الغرض المقصود ‏من الحضانة على أكمل وجه فيبقى ذلك الحق لصاحبته ولا يعدل عنه إلا لعذر قوي كإعسار الأب ‏أو من تجب عليه الأجرة بعده أو لمصلحة قوية كالمحافظة على مال الصغير. وفي الحضانة لا ‏موضع لغير المحرم لأنها ليست أهلاً لها أصلاً فلا يفيد تبرعها شيئاً.‏
وإذا لم توجد متبرعة بالحضانة وامتنعت عنها صاحبة الحق فيها إلا بأجر ولم يكن ‏للصغير مال وكان الأب معسراً أجبرت الحاضنة عليها سواء كانت أماً أو غيرها وتكون أجرتها ‏ديناً في ذمة الأب يؤمر بأدائه عند اليسار وهو دين صحيح لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:14 PM
الفَصْل الرَّابع
‏- مكان الحضانة، وانتقال الحضانة منه





إذا كانت الحاضنة هي الأم وكانت زوجيتها قائمة بينها وبين أبي الصغير فمكان ‏الحضانة هو بيت الزوجية الذي يقيمان فيه، ولا يجوز للأم الخروج منه أو السفر بدون إذن ‏زوجها سواء كان الولد معها أو لا، لأن قرارها في بيت الزوجية واجب عليها ما دام أوفاها ‏حقوقها.‏
وإن كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن لا يكون لها الخروج من البيت الذي تعتد فيه ‏طوال مدة العدة حتى ولو أذن لها المطلق بالخروج أو السفر، لأن قرارها في مسكن العدة حق ‏للشرع وهو واجب عليها، ولا يجوز لهما إبطال حق الشرع، يقول جل شأنه: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ ‏بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].‏
وإذا انقضت عدتها فلا يبقى معنى لإلزامها بالبقاء بالمحضون في بيت الزوجية فلها أن ‏تنتقل بولدها إلى مكان آخر من نفس البلد الذي بدأت الحضانة فيه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:14 PM
وهل يجوز لها الانتقال به إلى بلد آخر؟
الحكم يختلف تبعاً لقرب البلد الذي تريد الانتقال إليه وبعده عن البلد الأول.‏
فإن كان ذلك البلد قريباً جاز لها الانتقال عليه بشرط أن يكون من نوع البلد الأول أو ‏أفضل منه، فيجوز لها الانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، ومن قرية إلى مدينة، ‏ولا يجوز لها الانتقال من مدينة إلى قرية، لأن الحياة في القرية لطفل ولد في المدينة يلحق به ‏الضرر، لأن في أخلاق أهل القرى بعض الجفاء فيخشى على الطفل التخلق بأخلاقهم، كما أن ‏وسائل العيش فيها تختلف عما في المدينة إلا إذا كان انتقالها إلى قريتها الأصلية التي عقد عليها ‏أبوه فيها، لأنها تكون في وسط أهلها فيحاط الطفل بالعطف والحنان منهم.‏
وإن كان ذلك البلد الذي تريد الانتقال إليه بعيداً فلا يجوز الانتقال إليه ولو كان من المدن ‏إلا بإذنه لما في ذلك من الإضرار بالأب لبعد ابنه عنه والإضرار بالولد لفقده رعاية أبيه ورقابته ‏إلا إذا كان بلدها الأصلي وأبوه قد عقد زواجه عليها فيه لما قلناه.‏
ومع ذلك فوجودها وسط أهلها بولده يورث الإطمئنان عليه حيث يعيش وسط أناس لا ‏يكنون له إلا العطف والشفقة، فجواز الانتقال إلى البلد البعيد مقيد بقيدين:‏
‏1- أن يكون وطنها الأصلي.‏
‏2- أن يكون عقد عليها فيه، فإذا انتفيا أو انتفى أحدهما لا يجوز، لأن المعنى الذي جعل ‏مرخصاً للانتقال إليه لا يوجد في واحد منهما.‏
حد القرب والبعد عند الفقهاء: ‏
يقرر الفقهاء أن البلد يعتبر قريباً إذا استطاع الأب أو الولي السفر إليه ليرى الولد ويعود ‏إلى محل إقامته قبل دخول الليل، فإن كان لا يستطيع ذلك عُد البلد بعيداً.‏
وإذا لاحظنا أن ضبطهم هذا تأثر بأمرين كانا في زمنهم -أولهما- وسائل الانتقال وقد ‏كانت بدائية لأنها إما السير على الأقدام أو ركوب الدواب -وثانيهما- أن الليل كان مظنة الخوف ‏للظلام الذي يلفه وخطر السفر فيه لعدم الأمان لكثرة اللصوص وقطاع الطريق فيكون المعول ‏عليه في مثل هذا هو العرف وقد تغير، ففي زمننا هذا تنوعت المواصلات، وأصبح الليل كالنهار ‏بعد أن أنيرت الطرق فالمسافر فيه لا يشعر بوحشة ولا يخشى ضرراً فيترك ذلك إلى مقدرة ‏الرجل على تحمل نفقات السفر لرؤية ولده.‏
أما إذا كانت الحاضنة غيرها كالجدة أو الأخت أو الخالة أو العمة فليس لها الحق في ‏الانتقال إلى بلد غير بلد أبيه إلا بإذنه، فإذا فعلت ذلك كان للأب أو وليه إذا لم يكن الأب موجوداً ‏أن يمنعها من ذلك سواء كان البلد قريباً أو بعيداً وطناً أصلياً لها أولا، لأن المعنى الذي من أجله ‏أبيح للأم الانتقال بالولد وهو العقد عليها فيه ليس موجوداً هنا حيث لا عقد.‏
هكذا أطلق الفقهاء الحكم بدون تفرقة بين البلد القريب والبعيد غير أن بعض الفقهاء ‏المتأخرين أجاز لغير الأم الانتقال بالمحضون إلى البلد القريب وسوى بينها وبين الأم في ذلك ‏لأن علة تجويز انتقال الأم إلى البلد القريب بدون إذن هي أنها بمثابة الانتقال إلى أحد جوانب ‏البلدة الواحدة.‏
وإذا عرفنا أن مصلحة الطفل في فترة الحضانة لا تتم إلا بالجمع بين حضانة أمه أو ‏قريباته المحارم وبين إشراف أبيه عليه، وأن القرآن منع مضارة الأب والأم بسبب ولدهما {لا ‏تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] إذا عرفنا ذلك أدركنا السر في تشريع ‏تلك الأحكام التي تحتم وجود الولد وحاضنته مع أبيه في بلد واحد أو في بلدين قريبين إلا إذا ‏وجدت ضرورة أو أذن الأب في ذلك حتى لا يحرم الولد شفقة أمه ولا رعاية أبيه.‏
ولهذا لا يجوز للأب أن يخرج الصغير من البلد الذي تقيم فيه أمه ما دام في حضانتها إلا ‏بإذنها سواء كان البلد قريباً أو بعيداً، لأن في هذا الإخراج تفويت حق الأم في حضانتها وحق ‏الولد في عيشه في عطف أمه وحنانها.‏
فإذا سقط حقها في الحضانة بسبب زواجها من أجنبي أو بغيره ولم تكن التي انتقل إليها ‏حق الحضانة تعيش في هذا البلد فله نقله إلى بلد الحاضنة، فإذا عاد حقها في الحضانة رده إليها.‏
وإذا جاز له إخراج الولد من البلد الذي تعيش فيه أمه بعد سقوط حقها في الحضانة فهل ‏يثبت له ذلك مطلقاً سواء كان البلد قريباً أو بعيداً؟

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:15 PM
المذكور عند الحنفية رأيان للمشايخ:‏
رأي بالإطلاق.‏
ورأي يقيد بالبلد القريب بحيث تستطيع الأم أن تراه كل يوم.‏
وإذا كان لكل من الأب والأم حق في الولد ورؤيته في فترة الحضانة وقد نفى الشارع ‏المضارة عنهما بسببه فقد يكون في الأخذ بأحد الرأيين بإطلاق ضرر بأحدهما، فلو أخذنا بالأول ‏ربما استغل الأب ذلك في حرمان الأم من رؤية ولدها، ولو أخذنا بالثاني وهو التقييد بالبلد القريب ‏ربما لحق الأب منه الضرر، فقد يكون عمله يقتضيه السفر إلى البعيد، فمنعاً للإضرار بأحدهما ‏يفوض الأمر إلى القاضي لينظر في خروج الأب والداعي إليه، فإن رأى أنه مضطر للخروج إلى ‏البلد البعيد من أجل وظيفة أو تجارة أذن له فيه دفعاً للضرر عنه، وإن رأى أنه لا مصلحة له في ‏ذلك قيده بالقريب لعدم مضارة الأم.‏
أثر انتقال الحاضنة إلى بلد منعت من الانتقال إليه:‏
إذا خالفت الحاضنة وانتقلت إلى بلد آخر لا يجوز لها الانتقال إليه فهل يسقط حقها في ‏الحضانة ؟.‏
إذا كانت الحاضنة أمّا وهي زوجة أو معتدة كان للأب أن يطلب إليها الرجوع باعتبارها ‏زوجة أو معتدة وليس له أن يأخذ الولد منها، لأنه يكون إبطالاً لحقها في الحضانة مع أنه يستطيع ‏إرجاعها إلى مقر الحضانة.‏
أما إذا كانت غير ذلك وطلب منها إرجاع الولد إلى البلد الأول ولم تمتثل فلم يرد عن ‏فقهاء الحنفية نص صريح بإبطال حق الحضانة أو بقائه وكل ما ورد عنهم أنها ممنوعة من ‏الانتقال، وأن لوليه منعها من الانتقال، أو يطلب إليها العودة إلى بلد الحضانة، ومن هنا كانت ‏موضع اجتهاد القضاة في مصر، فمنهم من تمسك بالنصوص الفقهية وقال : إن حقها لا يسقط ‏بهذا الانتقال لأنه لم يعد من شروط أهلية الحضانة عدم انتقال الحاضنة فيبقى حقها فيها ومن ثم ‏تستحق الأجرة عليها.‏
ومنهم من يرى أن حقها يسقط، لأن عدم النص على كونه شرطاً لا يقتضي إهدار معناه، ‏لأنها إذا كانت ممنوعة من الإنتقال إلى بلد بعيد إلا إذا كان وطنها الأصلي الذي عقد عليها فيه، ‏وكان للأب منعها منه فيكون الأثر العملي للانتقال الممنوع هو سقوط حقها في الحضانة، لأنه لا ‏يجوز أن يكون أثر مخالفتها مجرد أن تكون آثمة فقط، لأن أحكام الحضانة أحكام عملية يراد ‏ترتب آثارها عليها في الدنيا لمصلحة الصغير، ولا يجوز أن يكون أثره إجبار الأم على العودة ‏بالقوة إلى بلد الأب، لأن الأب لا يملك إجبارها إلا في حالتي الزوجية أو العدة وفي غيرهما لا ‏سلطان له عليها، وإذا كانت لا تجبر على الحضانة إلا في حالة تعينها لها فلا تجبر على بلد معين ‏للحضانة من باب أولى، فلم يبق لهذه المخالفة من أثر إلا نزع الولد منها، ولا يمكن نزع الولد ‏منها ولها حق حضانته.‏
لكن سقوط حقها في الحضانة شيء واستحقاقها الأجر على قيامها بالحضانة شيء آخر، ‏فإذا انتقلت إلى بلد آخر وقامت بحضانة الصغير استحقت الأجرة على فترة قيامها لأنها قامت ‏بعمل تستحق الأجر عليه.‏
هذا هو مذهب الحنفية في انتقال الحاضنة إلى بلد آخر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:15 PM
حق رؤية الولد لمن ليس في يده:‏
وإذا كان الولد عند حاضنته أما كانت أو غيرها فليس لها أن تمنع أباه من رؤيته غير أنها ‏لا تجبر على إرساله إليه في مكان إقامته، بل عليها أن تخرجه إلى مكان أن يراه فيه.‏
وكذلك لو كان عند أبيه لضمه إليه بعد انتهاء حضانته أو لسقوط حقها في الحضانة لسبب ‏من الأسباب يجب عليه أن يمكنها من رؤية على الوجه السابق، لأن لكل منهما حقاً في الولد فلا ‏يملك أحدهما إبطال حق الآخر، ولم يحدد الفقهاء مدة لهذه الرؤية، ويمكن أن يقال إنها بالنسبة ‏للأب والأم كل أسبوع مرة قياساً على ما قرروه من أن الزوجة لها الحق في الخروج لرؤية ‏أبويها كل أسبوع مرة لعلاقة الأصلية والفرعية، أما غير الأم من أقارب الصغير المحارم فلها ‏رؤيته كل شهر مرة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:15 PM
الفَصل الخامِس
في مدة الحضانة ومصير الصغير بعدها





‏- مدة الحضانة: وقد اختلف الفقهاء في تقدير هذه السن فقدرها بعضهم بإحدى عشرة سنة، ‏وقدرها آخرون بتسع سنين، وعليه الفتوى.‏
فالذي عليه الفتوى في المذهب الحنفي هو أن حضانة الصغير تنتهي ببلوغه سبع سنين، ‏وحضانة الصغيرة تنتهي ببلوغها تسع سنين، والعبرة في ذلك بالسنين القمرية، لأنها المعهودة في ‏التقديرات الشرعية يعمل بها ما لم يوجد نص قانوني على خلاف ذلك.‏
وإنما زيدت سن الحضانة للفتاة عن سن حضانة الغلام، لأن الفتاة بعد بلوغها سن ‏الاستغناء عن خدمة حاضنتها لا تزال بحاجة إلى البقاء تحت إشرافها لتقوم على تعليمها خدمة ‏البيت وتعويدها ما يليق بالمرأة من عادات وأخلاق، فإذا بلغت من الاشتهاء كانت في حاجة إلى ‏من يقوم بصيانتها والمحافظة عليها والرجال أقدر على ذلك من النساء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:16 PM
الصغير والصغيرة بعد انتهاء الحضانة:‏
إذا انتهت مدة حضانة النساء سلم الولد ذكراً كان أو أنثى إلى الأب إن كان موجوداً وعنده ‏أهليه لضم الولد إليه، فإن لم يكن موجوداً أو كان موجوداً غير أهل لذلك الضم انتقل الحق إلى ‏غيره من العصبات الأقرب فالأقرب بتربيتهم السابق في استحقاق الحضانة مع ملاحظة أن ‏الأنثى لا تسلم إلى عاصب غير محرم كابن عمها مثلاً، لأنها تكون في سن تشتهى وهي لا تحرم ‏عليه فيكون في وجودها معه خطر عليها، أما الغلام فلا خطر في ضمه إلى العاصب غير ‏المحرم.‏
وهذا الضم لا خيار فيه لا للأب ولا للعاصب ولا للولد لأن الشارع هو الذي حكم بذلك ‏لما فيه من المصلحة، وليس لأحد الخيار فيما قضى به الشارع.‏
ويبقى الغلام عند من ضم إليه حتى يبلغ مأموناً على نفسه، فإذا بلغ غير مأمون على ‏نفسه بقي عند من ضم إليه حتى يصير مأموناً. أما البنت فإنها تبقى في يد من ضمت إليه حتى ‏تتزوج، فإذا لم تتزوج بقيت عند أبيها أو عاصبها المحرم إن كانت بكراً يخشى عليها الفتنة ولو ‏كانت أمينة على نفسها، وكذلك إذا كانت ثيباً غير مأمونة على نفسها، فإذا أمنت الثيب على ‏نفسها، وتقدمت السن بالبكر وصارت ذا دراية وحكمه وعرف عنها العفة صارت أحق بنفسها، ‏وليس لأحد جبرها على المقام معه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:16 PM
الباب الرابع
الولاية

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:16 PM
الفَصل الأول
في الولاية على النفس




‏ - تعريف ولاية النفس:‏
‏- ويراد بها هنا: سلطة الولي التي تتعلق بنفس المولى عليه من صيانته وحفظه وتأديبه ‏وتعليمه العلم أو الحرف وتزويجه.‏
ولما كان الطفل بعد انتهاء فترة الحضانة عاجزاً عن القيام بتلك الأمور بنفسه حيث لا ‏يدرك وجه المصلحة فيها كان في أشد الحاجة إلى من يقوم بها، ويسمى ذلك الشخص بالولي.‏
ولما كان مدار ثبوتها عجز المولى عليه من إدراك وجه المصلحة فيما يحتاج إليه ثبتت ‏على كل عاجز سواء كان صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو معتوهاً.‏
فتثبت على الصغير حتى يبلغ عاقلاً مأموناً على نفسه، وعلى الصغيرة والكبيرة حتى ‏تتزوج أو تتقدم بها السن وتصبح مأمونة على نفسها بكراً كانت أو ثيباً، كما تثبت على المجانين ‏والمعاتيه حتى تزول علتهم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:17 PM
من تثبت له هذه الولاية؟
تثبت الولاية على النفس لأقارب المولى عليه من العصبات الذكور، وهم أصوله من ‏الأب والجد أبي الأب وإن علا، وفروعه من الأبناء وأبناء الأبناء، وفروع الأبوين من الأخوة ‏الأشقاء والأخوة لأب وأبنائهم، وفروع الأجداد وهم الأعمام وأبناؤهم، غير أن الولاية على الأنثى ‏لا تكون إلا للعاصب المحرم فلا تثبت لابن العم، فإن لم يوجد من العصبات غيره أبقاها القاضي ‏عند حاضنتها أو اختار لها شخصاً أميناً وضعها عنده.‏
وتثبت الولاية لهؤلاء على حسب ترتيبهم في الميراث. فالفروع ثم الأصول ثم الأخوة ‏وأبناؤهم، ثم الأعمام وأبناؤهم بالنسبة لغير الصغار، أما الصغار فتثبت الولاية عليهم أولاً ‏للأصول لعدم وجود أبناء يصلحون للولاية، فإن لم يوجد إلا واحد كانت الولاية له، وإن تعددوا ‏قدم الأقرب، وإن تساووا في الدرجة قدم الأقوى قرابة كالأخ الشقيق على الأخ لأب، والعم ‏الشقيق على العم لأب، فإن تساووا في الدرجة وقوة القرابة تثبت لهم جميعاً، ويختار القاضي ‏أصلحهم للولاية. هذا في مذهب الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:17 PM
متى تنتهي هذه الولاية؟
تنتهي هذه الولاية بالنسبة للفتى بالبلوغ بالعلامات الطبيعية، فإن لم تكن فبالسن وهو ‏خمس عشرة سنة عند جماهير الفقهاء، وهو ما يجري عليه العمل في القضاء، لأنه الراجح في ‏مذهب الحنفية، فإذا بلغ بأحدهما وكان مأموناً على نفسه انتهت هذه الولاية، وكان له الخيار في ‏الإقامة مع وليه أو الانفراد عنه في السكنى كما يقول الفقهاء.‏
أما الفتاة فلا تنتهي الولاية عليها بالبلوغ بل تستمر إلى أن تتزوج أو تتقدم بها السن حتى ‏تصير مأمونة على نفسها فلها أن تنفرد بالسكنى أو تسكن مع أمها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:17 PM
شروط الولي على النفس:‏
يشترط في من تثبت له الولاية على النفس الشروط الآتية :‏
‏1- أن يكون بالغاً عاقلاً، لأن غير البالغ العاقل لا ولاية له على نفسه بل هو محتاج لمن ‏يلي عليه.‏
‏2- أن يكون قادراً على القيام بما تتطلبه الولاية من أعمال، فلو كان عاجزاً لا يكون أهلاً ‏لها.‏
‏3- أن يكون أميناً على المولى عليه في نفسه ودينه، فلو لم يكن أميناً بأن كان فاسقاً ‏مستهتراً لا يبالي بما يفعل لا يكون أهلاً للولاية، لأنها شرعت لمصلحة الصغير وليس من ‏مصلحته أن يوضع عند هذا الفاسق لأنه يخشى عليه أن يتخلق بأخلاقه، وكذلك لو كان مهملاً كأن ‏يترك الصغير مريضاً بلا علاج أو يحرمه من التعليم وعنده استعداد له، فإذا كان كذلك انتقلت ‏الولاية إلى من يليه من الأولياء محافظة على مصلحة الصغير.‏
‏4- أن يكون متحداً مع المولى عليه في الدين، لأن اختلاف الدين يؤثر في رابطة القرابة ‏الموجودة بينهما فيتعرض الصغير لخطر التأثر بدين وليه، فلو كانت الولاية للأخوة وكان ‏للصغير أخوان أحدهما موافق له في الدين والآخر يخالفه فيه كانت الولاية للموافق في الدين.‏
وهذا الشرط في غير القاضي، لأنه نائب عن الحاكم صاحب الولاية على جميع الرعايا ‏مسلمين وغير مسلمين، وكما تشترط هذه الشروط في ثبوت الولاية ابتداء يشترط بقاؤها طوال ‏مدة الولاية، فإذا تغير شرط منها سلبت الولاية منه لأنه أصبح غير أهل لها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:18 PM
الفَصل الثّاني
في الولاية على المال‏





‏- تعريف ولاية المال:‏
يراد بالولاية على المال: السلطة التي يملك بها الولي التصرفات والعقود التي تتعلق بمال ‏المولى عليه من البيع والشراء والإجارة والرهن والإعارة وغيرها.‏
وهذه الولاية تثبت على العاجزين عن تدبير شئونهم المالية من الصغار والمجانين ‏والمعاتيه باتفاق الفقهاء، كما تثبت على السفهاء وذي الغفلة عند جماهير الفقهاء خلافاً لأبي ‏حنيفة.‏
أما الصغير: فيمر بمرحلتين حتى يبلغ. المرحلة الأولى: مرحلة عدم التمييز وتنتهي عادة ‏ببلوغ سن السابعة وفي هذه المرحلة تكون الولاية عليه تامة، فجميع التصرفات لوليه، لأن ‏الصغير فيها لا إدراك له ولا تمييز ومن ثم لا تكون له عبارة معتبرة، فأي تصرف يصدر منه ‏يكون باطلاً.‏
فإذا بلغ سن السابعة من عمره بدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة التمييز وفيها يدرك ‏الفرق بين النافع والضار بصورة إجمالية، كما يعرف معاني العقود إجمالاً، فيدرك أن معنى بقت ‏إخراج للشيء من حيازته، ومعنى اشتريت إدخال للمشتري في حيازته، فيتحقق له بهذا أهلية ‏للتصرف لكنها ناقصة يحتاج معها إلى رأي وليه، ومن هنا قرر فقهاء الحنفية إن تصرفاته في ‏هذه المرحلة ثلاثة أنواع :‏
‏1- تصرفات نافعة نفعاً محضاً. كقبول الهبة أو الهدية، وهذه تصح منه وتنفذ ولا تتوقف ‏على إذن وليه.‏
‏2- تصرفات ضارة ضرراً محضاً كهبة ماله وإهدائه وإبراء المدين له من الدين وإقرار ‏بالدين، وهذه باطلة لا تنفذ حتى ولو أجازها وليه، لأن الولي لا يملكها ابتداء فلا يملك تمليكها ‏لغيره بالإجازة.‏
‏3- تصرفات مترددة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجازة وعقود المعاوضات ‏كلها، وهذه تصح باعتبار ما عنده من إدراك وتمييز وأهلية ناقصة، ولكنها تتوقف على رأي ‏الولي. إن أجازها - في حدود ما يملكه من الولاية - ونفذت لظهور أن نفعها أكثر من ضررها، ‏وإن ردها بطلت لظهور أن ضررها أكبر وتستمر هذه المرحلة إلى البلوغ، وهو يكون بالعلامات ‏الطبيعية إن وجدت وبالسن إن لم توجد، وهو مقدر عند جمهور الفقهاء بخمس عشرة سنة، وعليه ‏العمل في القضاء، وخالف أبو حنيفة فجعله ثماني عشرة سنة للفتى، وسبع عشرة سنة للفتاة، ‏وجعله مالك ثماني عشرة سنة لها استناداً لقول ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا ‏مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] فقد فسر أشد اليتيم بثماني عشرة ‏سنة فكان حد البلوغ بالسن، ولكن أبا حنيفة أنقص الفتاة سنة لأنها أسرع إلى البلوغ عادة من ‏الفتى.‏
أما الجمهور فقد استندوا إلى ما رواه الجماعة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ‏‏"عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، ‏وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني".‏
فإجازة الرسول وإذنه بالقتال وهو ابن خمس عشرة سنة دليل على أن أدنى سن البلوغ ‏مبلغ الرجال هو ذلك.‏
وإذا بلغ عاقلاً كملت أهليته ولكن لا يسلم إليه المال إلا إذا ثبت رشده، وهو الإحسان في ‏التصرف في المال بحيث لا ينفقه إلا على مقتضى العقل والشرع، وما دام لم يسلم إليه ماله تبقى ‏الولاية المقيدة لتصرفاته فلا يتصرف إلا بالإذن.‏
ولم يحدد الفقهاء للرشد سناً معينة، لأنه أمر يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، بل ‏وكلوا ذلك إلى التجربة والاختيار وهو قول الجمهور، أيضاً وزادوا أنه يثبت بشهادة رجلين ‏عدلين في الذكور والإناث وبشهادة النساء وحدهن أو مع الرجال في الإناث فقط.‏
وسند هذا الرأي قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ‏وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ‏آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 5-6] فإذا ثبت الرشد بالفعل سلم إليه ماله.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يستمر إلى خمس وعشرين، فإذا بلغها سلم إليه ماله وإن لم ‏يرشد بالفعل، لأن الغرض من منع المال عنه تهذيبه وتأديبه بصورة حسية، فإذا بلغ هذه السن ولم ‏تفد التجارب معه لم يكن هناك أمل في ذلك، وحينئذ يدور الأمر بين منع ماله عنه وفيه إهدار ‏لكرامته وهو عاقل وبين دفع المال إليه والمحافظة على كرامته كإنسان، وإذا دار الأمر بين ‏الإنسانية والمال رجحت كفة الإنسانية ومنع الحجر عليه، ولأنه يكون في هذه السن إمكان أن ‏يكون جداً.‏
ولأنه مخاطب بالتكاليف الشرعية مأمور بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ‏آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] وفي الحجر عليه معارضة لهذه الآية.‏
أما المجنون: وهو عديم العقل فيأخذ حكم الصغير قبل سن التمييز إذا كان جنونه مطبقاً ‏أو متقطعاً في حال الجنون، أما في حال الإقامة فهو كالعاقل.‏
أما المعتوه: وهو قليل الفهم فاسد التدبير مختلط الكلام فيأخذ حكم الصغير بعد سن ‏التمييز.‏
وأما ذو الغفلة: وهو الذي لا يهتدي إلى التصرفات النافعة ويغبن في البياعات لضعف ‏إدراكه فيأخذ حكم السفيه، وهو البالغ العاقل غير الرشيد يحجر عليه ويمنع عنه ماله.‏
من تثبت له الولاية المالية:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ الولاية المالية تثبت على الصغير على الصغير عند الحنفية للأب ثم ‏لوصيه ثم لوصي وصيه، ثم للجد الصحيح وهو أبو الأب وإن علا، ثم لوصيه ثم لوصي وصيه، ‏ثم للقاضي ثم لوصي القاضي.‏
فهي تثبت للأب أولاً، فإن لم يوجد وكان قد أختار وصياً ليدير شئون أولاده المالية ثبتت ‏لهذا الوصي وإن كان الجد موجوداً، وكذلك إذا اختار وصي الأب وصياً ليقوم بدله، فإن لم يوجد ‏هذا الوصي أو كان وتوفي كانت الولاية للجد، ثم من بعده لوصيه ولوصي وصيه إن وجد، فإن لم ‏يوجد واحد من هؤلاء كانت الولاية للقاضي الذي يعين في الغالب وصياً يتولى ذلك الإشراف.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الولاية عندهم للأب ثم لوصيه ثم للقاضي ثم وصيه فلم ‏يجعلوها للجد أصالة وإن كان يصح أن يكون وصياً من قبل الأب أو القاضي قالوا: لأنه لا يدلي ‏إلى الصغير بنفسه وإنما يدلى إليه بالأب فلا تكون له الولاية على مال الصغير كالأخ.‏
ذهب الشافعية إلى جعل الولاية أولاً للأب ثم للجد ثم لوصي من تأخر موته منهما ثم ‏للقاضي ثم لمن يقيمه وصياً، لأن الجد عندهم ينزل منزلة الأب عند عدمه لوفر الشفقة عنده مثل ‏الأب ولذلك تثبت له الولاية في التزويج فتثبت ولايته في المال أيضاً.‏
وتقديم الأب على غيره أمر طبيعي لأنه أشفق الناس على أولاده وأحرصهم على ‏مصالحهم، وكان وصي الأب مقدماً على الجد لأن اختيار الأب وصياً مع وجود الجد دليل على ‏أنه أولى من الجد، لأنها تعتمد على الأمانة والتجربة والخبرة أكثر من اعتمادها على الشفقة التي ‏يتميز بها الجد عن الوصي، وإرادة الأب في شئون ولده محترمة في حياته فكذلك تحترم بعد ‏وفاته.‏
هذا وليس لأحد من العصبات غير الأب والجد حق في الولاية على المال إلا إذا جاءت ‏بطريق الوصايا من الأب والجد أو الإختيار من القاضي وكذلك لا حق للنساء إلا من هذا ‏الطريق.‏
أما الولاية على المجنون والمعتوه: فإذا كان الجنون أو العتة مصاحباً للبلوغ فإن الولاية ‏تكون للأولياء السابقين لأنها كانت ثابتة بسبب الصغر ولم يوجد ما يقتضي رفعها فتستمر إلى ‏الإفاقة قولاً واحداً في المذهب الحنفي.‏
أما إذا بلغ الصغير عاقلاً سليماً ثم طرأ عليه الجنون أو العته بعد رفع الولاية عنه ‏فالراجح في المذهب الحنفي عود الولاية إلى الولي السابق لوجود العجز المقتضى للولاية وهو ‏قول أبي حنيفة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:18 PM
شروط الولي على المال:‏
شرط الفقهاء لأهلية الولاية على المال الشروط الآتية:‏
‏1- أن يكون كامل الأهلية بالبلوغ والعقل والحرية، لأن ناقصها لا ولاية له على ماله، ‏فلا تكون له ولاية على غيره.‏
‏2- ألا يكون سفيهاً يخشى على مال القاصر من تصرفاته، فإن كان محجوراً عليه بالفعل ‏فالأمر ظاهر، لأن الممنوع من التصرف في ماله يمنع من التصرف في مال غيره من باب ‏أولى، وإن كان غير محجور عليه بالفعل لكن يستحق الحجر فلا ولاية له أيضاً لعدم ائتمانه على ‏المال.‏
‏3- أن يكون متحداً مع القاصر في الدين، فإن كان الأب غير مسلم وأولاده مسلمون. كأن ‏تكون أمهم قد أسلمت وهم صغار وبقي الأب على دينه فيكون الأولاد مسلمين تبعاً لأمهم، لأنهم ‏يتبعون خير الأبوين ديناً فلا تثبت الولاية للأب عليهم في هذه الحالة، وكذلك لو كان الأب أسلم ‏وتوفي وترك أولاده المسلمين فلا يكون لجدهم المخالف له في الدين ولاية عليهم.‏
وهذا الشرط في غير القاضي، لأن ولاية القاضي ولاية عامة مستمدة من رئيس الدولة ‏الذي هو ولي من لا ولي له من رعاياه مسلمين وغير مسلمين.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:18 PM
سلطة الولي في التصرفات:‏
الأصل في تصرفات الولي أنها غير مطلقة بل مقيدة بما فيه مصلحة المولى عليه، وعلى ‏ذلك لا يملك التصرفات الضارة ضرراً محضاً، كهبة جزء من مال المولى عليه أو التصدق به، ‏فإذا صدرت منه كانت باطلة، ويملك التصرفات النافعة نفعاً محضاً. كقبول الهبة والصدقة ‏والوصية، ومثلها التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجارة والشركة بشرط ‏ألا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر كانت باطلة، هذا إجمال لحكم التصرفات، أما تفصيلها ‏فإنها تختلف بإختلاف الشخص الذي يتولاها، وإليك البيان.‏
تصرفات الأب: يفصل الحنفية في الآباء فيصنفونهم أصنافاً أربعة.‏
الصنف الأول: أب معروف بالتبذير والإسراف وعدم الأمانة على المال، وهذا لا يستحق ‏الولاية على أموال أولاده، فلو أعطيت له الولاية ثم ظهر كذلك سلبت ولايته وأخذ منه المال وسلم ‏إلى من يستحقها إن كان موجوداً، وإلا سلم إلى وصي يختاره القاضي ليحقق للصغار ما ينفعهم ‏ويحافظ على مصلحتهم.‏
الصنف الثاني: أب معروف بفساد الرأي وسوء التدبير لكنه أمين على المال غير مبذر ‏فيه، وهذا يستحق الولاية نظراً لأمانته وعدم تبذيره، ولأنه أقرب الناس إلى أولاده وموفور ‏الشفقة عليهم، ولكنه يراقب في تصرفاته فيمنع من كل ما يضر بمصلحة الصغير، فيشترط ‏لصحة تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر أن تكون فيها منفعة ظاهرة، فإن تحققت نفذت وإن لم ‏تتحقق ألغى التصرف.‏
ولقد وضع بعض الفقهاء معياراً للمنفعة الظاهرة في بيع العقار أن يكون بضعف قيمته، ‏وفي شرائه أن يكون بنصف القيمة، وفي بيع المنقول أن يكون بزيادة تساوي نصف قيمته وفي ‏شرائه أن يكون بنقص يساوي ثلث قيمته فيبيع ما قيمته ستة بتسعة، ويشتري ما قيمته تسعة بستة.‏
وقيل غير ذلك لكن الفتوى على الأول.‏
الصنف الثالث: أب معروف بحسن الرأي والتدبير والتصرف. وهذا والذي قبله تثبت ‏لهما الولاية الكاملة ومطلق التصرف في أموال من في ولايتهما صغاراً كانوا أو غير صغار.‏
فيملك الواحد منهما كافة التصرفات التي يملكها في ماله، ولا يستثنى منها إلا ما فيه ‏ضرر محض كالتبرع والصدقة وما في معناهما، لأن التبرع إخراج المال الصغير بدون عوض ‏فيكون ضرراً محضاً.‏
وعلى هذا يكون له بيع أموال المولى عليهم عقاراً كانت أو منقولاً ويشتري لهم مادام ذلك ‏البيع والشراء بمثل القيمة أو بغبن يسير مما يتغابن فيه الناس عادة، ولا يملك أحد نقص تصرفه ‏حتى الصغير إذا بلغ لا يملك ذلك، لأنه صدر عن ولاية تامة.‏
أما إذا كان البيع والشراء بغبن فاحش فإنه لا يكون صحيحاً، لأنه في معنى التبرع وهو ‏ممنوع منه فيبطل البيع وينفذ الشراء على الأب لإمكان تنفيذه بدون ضرر بالمولى عليه.‏
ويجوز له أن يشتري مال الصغير لنفسه أو يبيع ماله له مادام خالياً من الغبن الفاحش، ‏ويتم العقد بعبارته وحدها. كبعت هذا إلى ابني أو اشتريت هذا من ابني، وهي من الصور ‏المستثناة من القاعدة العامة عندهم التي تمنع تولي الشخص الواحد طرفي العقد في العقود المالية ‏بعبارة واحدة، وخالف في ذلك بعض الحنفية تمسكاً بالقاعدة كما يجوز أن يؤجر ماله ويتأجر له ‏بدون غبن فاحش، ولا يجوز له أن يؤجر أموال الصغير لمدة طويلة لأنها غالباً تكون بأجرة ‏ناقصة ففيها ضرر بأموال الصغير.‏
وله أن يودع أموال القاصر ولو كان الإبداع بأجر، لأنه من طرق المحافظة على أموال ‏القاصر.‏
كما أن له أن يعير أموال الصغير إذا كان العرف يجري بذلك، لأنه كما يعير آلاته ‏يستعير له من غيره فهو من قبيل تبادل الخدمات.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:19 PM
تصرفات الجد في ولايته:‏
اختلف أئمة المذهب الحنفي في تحديد نطاق تصرفات الجد على رأيين:‏
فيرى أبو حنيفة أنه لا يملك كل ما يملكه الأب من تصرفات، بل تقتصر ولايته على ما ‏يملكه وصي الأب -وسيأتي بيانها- لأنه يلي الوصي في المرتبة فلا يكون له اختصاص أكثر من ‏ذلك الوصي، ولو كان مساوياً للأب لتلاه في المرتبة وتقدم على وصي الأب في الولاية المالية. ‏
وفي رواية في المذهب أنه يملك ما يملكه الأب لا فرق بينهما، لأن ولايته أصلية أثبتها له ‏الشارع ولم يستمدها من أحد حيث ثبتت له باعتباره أبا عند فقد الأب، ولأنه موفور الشفقة كالأب ‏فيملك ما يملكه، وتأخره في المرتبة عن وصي الأب لاحترام إرادة الأب لا لأنه أضعف في ‏ولايته من وصي الأب.‏
ومع وجاهة رأي الثاني فقد اختار الفقهاء الرأي الأول للفتوى.‏
وعلى القول بتساوي الجد مع وصي الأب في نطاق الولاية فرقوا بينهما في أمرين.‏
أولهما: أن الجد يملك التعاقد لنفسه بالبيع والشراء من مال القاصر من غير غبن فاحش، ‏أما الوصي فلا يملك ذلك إلا إذا كان في البيع والشراء مصلحة ظاهرة، كأن يشتري عقار ‏الصغير بضعف قيمته وأن يبيع عقاره للصغير بنصف قيمته عند أبي حنيفة.‏
وثانيهما: أن وصي الأب يملك بيع أعيان التركة عقاراً أو منقولاً في سداد الديون وإن ‏كان بعض الورثة كباراً لقيامه مقام الأب في تركته، فيتولى تسديد ديونه بمقتضى الإيصاء، ‏وكذلك له تنفيذ الوصية.‏
أما الجد فلا يملك ذلك إلا إذا كان بعض الورثة كباراً، لأن ولايته بحكم الشرع على ‏الصغار فقط فيقتصر تصرفه على بيع ما يخص الصغار فقط.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:19 PM
الوصاية: وصي الأب:‏
إذا اختار الأب شخصاً ليكون خليفة عنه في الولاية على أولاده القصر بعد وفاته تكون له ‏الولاية بعد وفاته إذا توفرت فيه شروط الوصاية، ومرتبته في الولاية مقدمة على ولاية الجد كما ‏قدمنا.‏
وقد أجاز الفقهاء للجد أن يوصي قبل وفاته ويكون وصي الجد، ويتولى الأموال بعد وفاة ‏الجد كذلك.‏
شروط الوصي:‏
شرط الفقهاء في أهلية الوصي مطلقاً مختاراً من الأب أو معيناً من القاضي. أن يكون ‏كامل الأهلية عدلاً أميناً قادراً على إدارة شئون من له الوصاية عليه، وأن يكون متحداً في الدين ‏مع من جعلت له الوصاية عليه.‏
وهذه الشروط معتبرة بعد وفاة الموصى في الوصي المختار، لأنه الوقت الذي تنفذ فيه ‏الوصاية، فلا اعتبار لتخلفها قبل ذلك، لأنها شروط لنفاذ الوصاية لا لإنشائها، فإن لم يكن أهلاً في ‏هذا الوقت عدل عنه وعين القاضي غيره إن لم يوجد من يستحق الولاية كما في إيصاء الأب ‏والجد غير موجود.‏
ويستوي في الوصي بعد توفر الشروط الرجل والمرأة والقريب الوارث وغير الوارث ‏والأجنبي.‏
‏- تخصيص الوصي المختار: ‏
لا خلاف في أن الوصي يتصرف في كافة الأموال بما يخوله له حق الإيصاء إذا كانت ‏الوصية مطلقة غير مقيدة بشيء مخصوص بأن قال الموصي : جعلتك وصياً، أو أنت وصيي.‏
أما إذا كانت مقيدة بنوع من التصرفات كأن يقول : جعلتك وصياً في الأموال المنقولة أو ‏في التجارة أو بمكان كأن يقول: جعلتك وصياً في الأموال الموجودة في بلد كذا أو ما شابه ذلك ‏من التقييدات فهل يجوز لهذا الوصي التصرف في غير ما قيد به أو لا ؟
ذهب أبو حنيفة أن الوصاية لا تقبل التخصيص، فإذا قال: جعلتك وصياً في أمور التجارة ‏أو في قبض مالي على الناس صار وصياً على كل الأموال، لأن الموصي رضيه متصرفاً في ‏بعض الأمور ولم يرض بتصرف غيره في شيء أصلاً، فيكون أولى من غيره بالتصرف في ‏الباقي، على أن الوصي قائم مقام الموصي فيتصرف تصرفه لأن الوصاية خلافة تثبت كاملة لا ‏تتجزأ.‏
‏- تعيين المشرف:‏
هذا وكما يجوز للأب شرعاً أن يوصي لأكثر من واحد يجوز له أن يقيم مشرفاً يشرف ‏على أعمال الوصي فلا يتصرف الوصي إلا بعلمه ورأيه، أما إمساك المال وحفظه فيستقل به ‏الوصي، ولا يكون المشرف وصياً على المفتى به في المذهب الحنفي، فلا يمكنه التصرف في ‏مال القاصر حتى ولو كان التصرف مستعجلاً أو لا ضرر فيه، ولا يتقيد الموصى في اختيار ‏المشرف كما لم يتقيد في اختيار الوصي فيصح أن يكون المشرف الأم أو غيرها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:20 PM
تصرفات الوصي المختار:‏
أما وصي الأب فيعتبر قائماً مقام الأب فيملك جميع التصرفات التي يملكها الأب في ‏المذهب إلا في مسائل مستثناة لا يكون فيها مثل الأب. وهي ما يأتي:‏
‏1- بيع العقار المملوك القاصر، فللأب أن يبيعه بمثل القيمة أو بغبن يسير، أما وصيه فلا ‏يملك بيعه إلا بمسوغ شرعي أو يكون في بيعه نفع ظاهر له، والمسوغات هي ما يلي:‏
أ- أن تكون التركة عليها ديون لا يمكن إيفاؤها إلا ببيع العقار، وكذلك إذا كان على ‏القاصر دين كهذا.‏
ب- وجود وصية مرسلة أي بمقدار من المال كألف مثلاً ولا يوجد في التركة نقود أو ‏عروض تباع لتنفيذها فإن العقار يباع حينئذ لتنفيذها لأنه لا ميراث إلا بعد تنفيذ الوصية، أما إذا ‏كانت مقيدة بالربع أو الخمس مثلاً فلا يباع العقار ويكون الموصى له شريكاً للورثة فيه بمقدار ‏الوصية.‏
جـ- أن يكون القاصر في حاجة إلى النفقة ولا يمكن تدبيرها إلا ببيع العقار فيجوز ‏للوصي أن يبيع منه بقدر النفقة، ويتكرر البيع بتجدد الحاجة إليها.‏
د- أن يكون العقار مبنياً وبناؤه آيل إلى السقوط، ولا توجد نقود عند الوصي لترميمه ‏وتلافي سقوطه.‏
هـ- إذا كان العقار يخشى عليه النقصان أو الضياع كالأراضي التي تكون بجوار البحار ‏أو الأنهار وتتعرض لتآكلها عاماً بعد عام.‏
و- أن تكون ضريبة العقار وما ينفق عليه لصيانته أو لزراعته تزيد عن غلاته وما شاكل ‏ذلك.‏
فإن لم يوجد مسوغ من المسوغات لبيعه فلا يباع إلا بنفع ظاهر، كأن يرغب شخص في ‏شرائه بضعف قيمته فيجوز، لأن الوصي في هذه الحالة لا يستطيع أن يشتري للقاصر بالثمن ‏عقاراً آخر.‏
فإن باعه بدون مسوغ كان البيع باطلاً حتى لو بلغ الصبي وأجاز ذلك البيع لا تصح هذه ‏الإجازة لأن الباطل لا تلحقه إجازة.‏
والفرق بين الأب والوصي في ذلك أن الشفقة متوفرة عند الأب فيكفي في تصرفه ألا ‏يكون فيه ضرر، أما الوصي فلا تتوفر له تلك الشفقة فكان الاعتبار الأول في ولايته هو الحفظ ‏والصيانة والعقار محفوظ مصون بنفسه فلا يجوز له بيعه إلا عند الخطر عليه أو النفع الظاهر.‏
‏2- بيع الوصي مال نفسه للقاصر وشراء ماله لنفسه، فبينما يصح للأب أن يبيع ماله ‏للصغير وأن يشتري مال الصغير لنفسه متى كان البيع أو الشراء بمثل القيمة أو بغبن يسير. لا ‏يصح هذا من الوصي إلا إذا كان فيهما نفع ظاهر للقاصر، ويتحقق هذا النفع الظاهر كما صوره ‏بعض الفقهاء بأن يبيع عقاره للقاصر بنصف القيمة، ويشتري عقاره بضعف القيمة، وفي غير ‏العقار يكون البيع بنقصان ثلث القيمة، والشراء بزيادة نصف القيمة، كأن يبيع له ما قيمته خمسة ‏عشرة بعشرة، ويشتري منه ما قيمته عشرة بخمسة عشر، وجواز البيع والشراء على هذا الوجه ‏هو قول أبي حنيفة وعليه الفتوى.‏
وكذلك لا يجوز للوصي أن يبيع مال القاصر لمن لا تقبل شهادته له من الأصول ‏والفروع والأزواج ولا أن يشتري منهم له إلا ما فيه مصلحة واضحة.‏
وإنما فرق بين تصرف الأب وتصرف الوصي لأن وفور شفقة الأب وحرصه على ‏مصلحة أولاده لا يحتاج معها إلى ضمان آخر، بخلاب الوصي الذي قد يؤثر مصلحة نفسه على ‏مصلحة القاصر فاحتاج تصرفه إلى دليل ينفي ذلك عنه وهو بيعه وشراؤه بما يحقق له النفع ‏الظاهر.‏
‏3- رهن الوصي شيئاً من أموال نفسه عند اليتيم نظير دين عليه له وارتهانه شيئاً من ‏أموال اليتيم عند نفسه نظير دين له على اليتيم لا يصح ذلك من الوصي بينما يصح ذلك من الأب.‏
وفيما عدا هذه الأمور فإنه يتصرف كل التصرفات التي يملكها الأب.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:20 PM
أما وصي القاضي فهو كوصي الأب إلا في بعض مسائل خاصة أهمها:‏
‏1- ليس لوصي القاضي عقد المعارضة في مال القاصر مع نفسه ولا مع من لا تقبل ‏شهادتهم له، لأنه نائب عن القاضي، والقاضي لا يملك ذلك فكذلك نائبه، أما وصي الأب فله ذلك ‏بشرط أن يكون فيه نفع ظاهر كما بيناه.‏
‏2- الوصي المختار له أن يقيم وصياً بعد وفاته على مال القاصر الذي له عليه وصاية، ‏وليس ذلك لوصي القاضي إلا إذا جعل له القاضي ذلك في قرار تعيينه، والسبب في ذلك أن ‏القاضي الذي يستمد منه الوصي المعين من قبله ولايته موجود دائماً بخلاف الوصي المختار ‏للأب فإن من اختاره غير موجود فلا يمكن الرجوع إليه.‏
‏3- وصي القاضي قابل للعزل وإن كان عدلاً كفؤاً إذا كانت مصلحة القاصر تقتضي ‏ذلك، لأنه وكيل القاضي وكل موكل يملك عزل وكيله، أما الوصي المختار فلا يجوز للقاضي ‏عزله إذا كان عدلاً كافياً، لأنه لم يعينه فلا يملك عزله دون سبب مبرر لذلك العزل.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:20 PM
استحقاق الوصي الأجر على الوصاية:‏
لفقهاء الحنفية في ذلك آراء ثلاثة:‏
أولها: أنه يستحق الأجر مطلقاً غنياً كان أو فقيراً.‏
وثانيها: أنه يستحق الأجر مطلقاً غنياً كان أو فقيراً.‏
وثالثها: التفصيل بين ما إذا كان غنياً فلا يستحق الأجر وبين ما إذا كان فقيراً فيستحقه
ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في فهم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ ‏كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]. فإنها جاءت في سياق الآيات المبينة أحكام من يتولى ‏أموال اليتامى.‏
فصاحب الرأي الأول يقول: إن الآية طالبت الغني بالاستعفاف، وسوغت للفقير الأكل ‏بالمعروف، وليس الأكل بالمعروف أجراً، ولأن الوصاية الأصل فيها التبرع ممن يقوم بها.‏
وصاحب الرأي الثاني يقول: إن الآية تفيد استحباب التبرع إذا كان غير محتاج، ولا تفيد ‏إلزامه بذلك فله أن يطلب الأجر إذا شاء إذ لا يمكن إلزام شخص أن يؤدي عملاً بغير مقابل.‏
ولأنه يضيع جزءً من وقته في العمل للقاصر لو أضاعه في شئون نفسه لزادت ثروته ‏فيكون مستحقاً للأجر، ويترك ذلك لرأيه إن شاء طالب به، وان شاء تنازل عنه.‏
وصاحب الرأي الثالث يقول: إن الآية فرقت بين الغني والفقير فطالبت الغني ‏بالاستعفاف، وسوغت للفقير أن يأكل بالمعروف، ولأن الأصل في الوصاية أن تكون تبرعاً ‏ابتغاء ثواب الآخرة والغني لا يتضرر من ذلك، أما الفقير فيلحقه الضرر فيستحق الأجر دفعاً لهذا ‏الضرر عنه استثناء من الأصل، ولهذا قال بعض الفقهاء : إن هذا هو مقتضى الاستحسان وهو ‏مقدم على القياس الذي يمنع مطلقاً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:21 PM
انتهاء الولاية والوصاية:‏
تنتهي الولاية شرعاً - كما قدمنا - ببلوغ القاصر عاقلاً رشيداً، والرشد ليس له سن معينة ‏عند جماهير الفقهاء بل يثبت الرشد بالتجربة، فإن ثبت بالفعل انتهت الولاية وسلم المال إلى ‏صاحبه وإن لم يثبت يبقى المال تحت يد الولي.‏
أما إذا بلغ مجنوناً أو معتوهاً فإن الولاية تستمر عليه ولو لم تقرر المحكمة استمرارها.‏
انتهاء الوصاية:‏
تنتهي الوصاية:‏
أولاً: ببلوغ القاصر سن الرشد كما في الولاية.‏
ثانياً: بعودة الولاية للولي أباً أو جداً فيما إذا كانت المحكمة سلبت الولاية لسبب من ‏الأسباب وعينت وصياً بدله، ثم زال سبب سلب الولاية وأمرت المحكمة بإعادتها.‏
ثالثاً: بعزل الوصي لسبب من الأسباب الموجب لذلك أو قبول استقالته.‏
رابعاً: بفقد الوصي أهليته أو ثبوت غيبته بحيث لا يمكن القاصر الانتفاع من وصايته، أو ‏موته أو موت القاصر.

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:21 PM
الباب الخامس
في نفقة الأولاد والأقارب

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:21 PM
تمهيد
‏ ‏




‏- دليل وجوب النفقة:‏
نفقة الأقارب نوع من التكافل الاجتماعي الذي أرسى الإسلام قواعده وشيد أركانه، ‏وأصل وجوب هذه النفقة مقرر في كتاب الله إجمالاً في أكثر من آية، وجاءت السنة مفصلة ‏وشارحة في أحاديث عديدة، وطبق ذلك في المجتمع الإسلامي في عصوره المختلفة.‏
يقول جل شأنه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ....} إلى أن قال: ‏‏{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233].‏
وفي آية أخرى يقول عز من قائل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ ‏إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36].‏
وفي آية ثالثة يقول سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ‏‏[الإسراء: 23].‏
وفي رابعة يقول جل ثناؤه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26].‏
وفي خامسة يقول جل وعلا: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا ‏تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] نزلت في الأبوين الكافرين والمصاحبة ‏بالمعروف كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن العشرة بأن يطعمهما إذا جاعا، ‏ويكسوهما إذا عريا.‏
أما السنة: فالأحاديث كثيرة نكتفي ببعضها منها:‏
ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخلت هند بنت عتبة ‏امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ‏شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليّ في ‏ذلك من جناح؟، فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك".‏
وما رواه النسائي عن طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: "يد المعطي العليا وأبدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك ‏وأخاك ثم أدناك أدناك".‏
وما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حَيْدة ‏القشيري قال: قلت يا رسول الله من أبَرّ؟ قال أمك، قلت: ثم من؟، قال : أمك، قلت ثم من؟، قال ‏أمك، قلت ثم من؟، قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب".‏
وما رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت".‏
فهذه النصوص توجب النفقة للأقارب في جملتها، ولما كانت دلالتها متنوعة منها القطعي ‏والظني، وكما أن الأحاديث كلها من أخبار الآحاد وثبوتها ظني، وكما أن منها ما صح عند بعض ‏الأئمة بينما لم يصح عند الآخرين لذلك اختلف الأئمة فيمن تجب له هذه النفقة على آراء:‏
‏1- فذهب مالك أن نفقة الأقارب تنحصر في قرابة الولاد المباشرة، فتجب للأب والأم ‏على الولد ذكراً كان أم أنثى، وتجب على الأب لأولاده، ولا تجب على الأم نفقة لأولادها، ولا ‏تجب لغير هؤلاء نفقة على أحد من أقاربهم.‏
ودليله على وجوب النفقة للوالدين الآيات التي أوجبت ذلك صراحة من قوله تعالى: ‏‏{وبالوالدين إحساناً}، وقوله : {وصاحبهما في الدنيا معروفاً}، وقول رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "أنت ومالك لأبيك".‏
أما وجوبها للأولاد فبقوله تعالى: {وعلى المولود له زرقهن وكسوتهن بالمعروف} ‏وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف" قالوا: فهذه النصوص ‏صريحة في ذلك فيقتصر على مورد النص، أما غير هؤلاء فلا يصلون إلى مرتبتهم فلا يقاسون ‏عليهم.‏
‏2- وذهب الشافعي أن النفقة تجب للأصول على الفروع وبالعكس، فالقرابة الموجبة هي ‏قرابة الولاد مطلقاً مباشرة وغير مباشرة.‏
ودليله على ذلك الأدلة السابقة بتوسع في معنى الوالدين ليشمل الأجداد، والأولاد يشمل ‏أولاد الأولاد لأن الأجداد آباء، وأولاد الأولاد أولاد.‏
ولا تجب لغير هؤلاء، أما قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فلا يدل على وجوب ‏النفقة على القريب الوارث لأنه معطوف على قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له ‏بولده} لا على قوله: {وعلى المولود له رزقهن} ولكننا نقول: إن هذا مجرد احتمال لأن الظاهر ‏أنه معطوف على الأول، لأن الأحاديث صرحت بوجوب النفقة للأقارب غير الأصول والفروع ‏كقول الرسول: "وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك بعد قوله أمك وأباك.‏
‏4- وذهب الحنفية إلى أن القرابة الموجبة للنفقة هي القرابة المحرمة للزواج فتجب على ‏الشخص لكل قريب تربطهما قرابة محرمية، وهي تشمل الأصول والفروع والمحارم من ‏الحواشي كالإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، أما القريب غير ‏المحرم فلا تجب له نفقة كأولاد العم والعمة وأولاد الخال والخالة.‏
وسندهم في ذلك الأدلة السابقة في أول الفصل التي توجب النفقة للأصول والفروع ‏والأقارب الوارثين، ولكنهم قيدوا الوارثين بالمحارم بما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله ‏عنه كان يقرأ آية البقرة {وعلى الوارث مثل ذلك} بزيادة: {ذي الرحم المحرم} وهي وإن لم ‏تثبت قرآنيتها لعدم تواترها إلا أنها تعتبر تفسيراً وبياناً مسموعاً من رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم.‏
ولأن القرابة المحرمية قرابة قوية تستحق العناية والمحافظة عليها من القطيعة بإيجاب ‏النفقة لها دون غيرها، ولهذا كانت سبباً في تحريم الزواج عند وجودها لما في الزواج من بسط ‏سلطان الزوج على زوجته مما قد يؤدي إلى قطع الرحم، فاقتصر إيجاب النفقة على من اتصف ‏بها دون من هو أدنى منه قرابة.‏
‏5- وذهب الحنابلة إلى أن وجوب نفقة القريب على قريبه يدور مع الإرث وجوداً وعدماً، ‏فإذا كان القريب وارثاً وجبت له النفقة لا فرق بين أصل وفرع ولا بين محرم وغيره.‏
وسندهم في ذلك قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فإنها أوجبت على الوارث مثل ما ‏أوجبته الآية في أولها على الأب من النفقة، وذلك لأن القرابة التي تجعل القريب أحق بتركة ‏قريبه وهو غنم تقتضي أن يقابله غرم وهو وجوب النفقة على الوارث، ولذلك شرطوا اتحاد الدين ‏بين من تجب له النفقة ومن تجب عليه حتى ولو كانوا من الأصول والفروع، في الرواية الراجحة ‏في المذهب.‏
وفي رواية أخرى يشترط في غير الأصول والفروع، وهذه الرواية - في نظري - هي ‏التي تتفق مع صريح النصوص لأنها مطلقة لم تفرق بين المتفقين في الدين والمخالفين فقوله ‏تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} مطلق في كل مولود له، وقوله: ‏‏{وصاحبهما في الدنيا معروفاً} نزل بخصوص الوالدين الكافرين، وكذلك أدلة وجوب النفقة ‏للأولاد مطلقة، وأما قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فظاهرها أنها في الأقرباء الآخرين.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:22 PM
الفَصل الأول
‏- نفقة الفروع على الأصول




المراد بالفروع هم الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو أناثاً.‏
إذا كان للولد مال وجبت نفقته في ماله ولو كان صغيراً، وإذا لم يكن له مال وكان قادراً ‏على الكسب ولم يمنعه مانع منه وجب عليه السعي ليحصل على نفقته، ولا تجب له نفقة على ‏غيره أباً كان أو غير أب، أما إذا لم يكن له مال وكان عاجزاً عن الكسب لسبب من الأسباب ‏كالصغر، أو لكونه أنثى ولو كبيرة قادرة على الكسب ولكنها لا تكسب بالفعل، أو لكونه مريضاً ‏مرضاً يمنعه من العمل كالعمى والشلل، أو لكونه مجنوناً أو معتوهاً، أو لعدم تيسر الكسب لبطالة ‏عامة.‏
ففي هذه الحالات تجب له النفقة على غيره، فوجوب النفقة له مشروط بحاجته التي ‏تتحقق بألا يكون له مال بحيث تحل له الصدقة، أو بعجزه عن التكسب عند الحنفية فلو كان له ‏مال لا يكفي حاجاته الضرورية أو كان كسبه لا يكفيه وجب على الأب أن يكمل له ما يكفي ‏حاجته وكذلك إذا كان له مال غائب لا تصل يده إليه، كما إذا ورث مالاً ولم يتسلمه بعد فعلى ‏الأب أو من يليه من أصوله أن ينفق عليه من مال نفسه حتى يتسلم ماله، وله أن يرجع بما أنفق ‏عليه، إذا كان الإنفاق بإذن القاضي أو كان بغير إذنه لكنه أشهد عند الإنفاق أنه ينفق ليأخذه من ‏مال عند تسلمه، وفي غير هاتين الحالتين لا يرجع عليه بشيء قضاء، لأنه يكون متبرعاً له ‏الرجوع ديانة إذا كان نوى ذلك، يستوي في ذلك الصغير والكبير العاجز والذكر والأنثى.‏
وإذا امتنع الولد القادر على الكسب عنه فهل يملك الأب إجباره عليه؟
إذا كان أنثى فليس لأبيها جبرها على العمل لأن الشأن فيها ألا تعمل، وتكون نفقتها على ‏أبيها حتى تتزوج فتكون نفقتها على زوجها، فإن انتهت زوجيتها لأي سبب عادت نفقتها إلى من ‏كانت عليه قبل زواجها.‏
أما الذكر فيعتبر غير محتاج بقدرته على الكسب لأنه بهذه القدرة يعتبر غنياً لإمكانه ‏الاستغناء بها فلأبيه أو غيره إجباره على العمل، ولا يستثنى من ذلك إلا طالب العلم فإنه لا يجبر ‏على التكسب حتى لا يشغله عن طلب العلم، وتجب له النفقة ما دام جاداً في طلبه ناجحاً فيه، أما ‏إذا كان غير ذلك فلا تجب له نفقة على غيره.‏
والمراد بالنفقة الواجبة هي كل ما يحتاج إليه الشخص من طعام وكسوة وسكنى وأجرة ‏خادم إذا كان محتاجاً إليه لصغره أو لعجزه، أما نفقة زوجة الابن المستحق للنفقة فلا تجب على ‏أبيه ولا على غيره من الأصول باتفاق الحنفية وإنما يقضي لها بالنفقة على زوجها، ويأذن لها ‏القاضي بالاستدانة عليه إذا طلبت ذلك، ويؤمر من تجب نفقتها عليه بالانفاق ويرجع بها على ‏الزوج إذا أيسر.‏
وهنا يذكر فقهاء الحنفية مسألة ما إذا كان الشخص يملك منزلاً للسكنى وليس له سواه ‏فهل تجب له النفقة على غيره أو لا تجب، ويذكرون في ذلك روايتين في المذهب.‏
الأولى: لا تجب له النفقة لأنه لا يعتبر محتاجاً إليها من الغير حيث يستطيع بيعه ويسكن ‏بالأجر أو يبيع جزءً منه إن كان فسيحاً ينفق من ثمنه ويسكن باقيه.‏
والثانية: أنه تجب النفقة على قريبه ولا يجبر على بيعه أو بيع جزء منه، وعللوا ذلك. ‏بأن بيع المنزل لا يحصل إلا نادراً، ولا يمكن لكل أحد أن يسكن بالأجر أو المنزل المشترك لأنه ‏تحل له الصدقة ولا يؤمر ببيع المنزل، ولكن الرواية الأولى هي الصحيح من المذهب وهذا أوجه ‏لأن النفقة للقريب لا تجب إلا عند الحاجة، والحاجة مندفعة بملكه هذا لأنه لا يعتبر معها محتاجاً، ‏أما ما قيل: بأن بيع المنزل لا يحصل إلا نادراً، فلو سلم ذلك في زمنهم فغير مسلم في زماننا، ‏ولعل التطور في المنازل ينفي ذلك، وحل الصدقة له - إن جاز - لا يسوغ وجوب النفقة له على ‏الغير، لأن حل الصدقة لشخص لا يتنافى مع ملكية الشخص لما لا يصير به غنياً، أما وجوب ‏النفقة فيقوم على حاجة من وجبت له التي ينافيها ملك المنزل.‏
ولا يشترط في نفقة الفرع اتحاد الدين بينه وبين الأصل الذي وجبت عليه، لأن ‏النصوص الموجبة لها مطلقة في ذلك، ولأن وجوب النفقة هنا بسبب الجزئية وهي ثابتة مع ‏اختلاف الدين.‏
هذا ما يعتبر في جانب الفرع لتجب له النفقة.‏
أما الأصل التي تجب عليه فيشترط فيه أن يكون قادراً على الإنفاق إما بيساره أو بقدرته ‏على الكسب وإن لم يكن له مال.‏
ثم إن نفقة الأولاد تجب على أبيهم لا يشاركه أحد فيها عند الحنفية في جميع الحالات لأن ‏الإنفاق عليهم كالإنفاق على نفسه لأنهم جزء منه.‏
فإذا كان الأب موسراً أو قادراً على الكسب وطرق الكسب ميسرة له وجبت عليه النفقة ‏بلا خلاف، فإن امتنع عن الإنفاق أو عن العمل أجبر على ذلك بما يراه القاضي زاجراً له ولو لم ‏يجد وسيلة زاجرة غير الحبس حكم بحبسه كما بيناه من قبل.‏
فإذا لم يكن له مال وكان قادراً على الكسب وطرق الكسب غير ميسرة فبعض الحنفية ‏يعتبرونه في حكم الميت، وينتقل وجوب النفقة إلى من يليه في ذلك من الأصول الأخرى، فلو ‏أيسر الأب بعد ذلك لا يرجع من أنفق بما أنفقه على الأب، لأنه لم يكن الإنفاق واجباً عليه في تلك ‏الفترة.‏
والقول الآخر للحنفية - وهو الراجح عندهم - أنه بعدم تيسر طرق الكسب لا ينتقل ‏الوجوب إلى غير الأب، بل يبقى الوجوب عليه ولكنه لا يكلف بالأداء، بل تكلف الأم بالإنفاق إن ‏كان عندها مال ويكون ما تنفقه ديناً على الأب ترجع به عليه إذا أيسر، فإن لم يكن لها مال كلف ‏جده إن كان موجوداً بذلك ليرجع على الأب كذلك، فإن لم يكن له جد موسر تولى الإنفاق من ‏تجب عليه النفقة بعده وهكذا.‏
ووجهتهم في ذلك أن الأب بقدرته على الكسب يعتبر غنياً بهذه القدرة، وعدم تيسر ‏الكسب لعارض لا يجعله في حكم المعدوم.‏
أما إذا كان غير قادر على الكسب لمرض مزمن أو شيخوخة ونحوهما اعتبر في حكم ‏الميت وانتقل الوجوب إلى من يليه من الأصول ذكراً كان الأصل أو أنثى، وكذلك إذا كان الأب ‏غير موجود بالاتفاق.‏
وإذا انتقل وجوب نفقة الفرع إلى غير الأب من الأصول تتنوع الحالات فقد يكون له ‏أصل واحد، وقد يكون له أكثر من أصل.‏
فإن لم يكن إلا أصل واحد سواء كان من جهة الأب أو الأم وجبت عليه النفقة وحده متى ‏توفر شرط القدرة السابق، لأنه تعين للوجوب عليه.‏
وإن كان له أكثر من أصل وكانوا موسرين فالحكم يختلف تبعاً لكونهم كلهم وارثين أو ‏غير وارثين أو كان بعضهم وارثاً دون البعض الآخر. فهذه ثلاث حالات.‏
الأولى: إذا كانوا كلهم وارثين لذلك الذي وجبت له النفقة عليهم، وفيها تجب النفقة عليهم ‏جميعاً بنسبة انصبائهم في الميراث دون نظر إلى تفاوت درجاتهم في القرابة.‏
فإن كان له أم وجد لأب في الدرجة الأولى أو الثانية فالنفقة عليهما أثلاثاً على الأم ‏ثلثها،وعلى الجد الثلثان، لأن الميراث يقسم بينهما كذلك.‏
وإن كان له جدة لأم وجد لأب على الجدة السدس والباقي على الجد، وكذلك لو كان مكان ‏الجدة جدتان في درجة واحدة لأن نصيب الجدة من الميراث هو السدس واحدة أو أكثر يقسم ‏بينهما بالتساوي.‏
الثانية: إذا كانوا كلهم غير وارثين وكانوا جميعاً من ذوي الأرحام فإن اتحدوا في ‏الدرجة بأن كانوا جميعاً في الدرجة الثالثة كما لو كان له أب أبي الأم، وأم أبي الأم وجبت النفقة ‏عليهما بالتساوي.‏
وإن اختلف درجتهم كانت النفقة على أقربهم، فلو كان أبو أم وأبو أم أب كانت النفقة على ‏أبي الأم لقرب درجته.‏
الثالثة: إذا كان بعضهم وارثاً والبعض غير وارث فإن تساوت درجة قرابتهم من الولد ‏كانت النفقة على الوارث منهم، لأنهم تساووا في القرب فيرجع بالإرث.‏
فلو كان له أبو أم وأبو أب كانت النفقة على الوارث وهو أبو الأب، لأن أبا الأم من ذوي ‏الأرحام ولا ميراث له مع وجود العاصب وهو أبو الأب ولو كان له أبو أم وأم فالنفقة على أم الأم ‏لأنها الوارثة.‏
وإن اختلف درجة قرابتهم كانت النفقة على أقربهم وإن لم يكن وارثاً، فلو كان للولد أبو ‏أم وأبو أبي أب وجبت النفقة على أبي الأم لقرب درجته وإن لم يكن وارثاً ولا نفقة على أبي الأب ‏وإن كان وارثاً لبعد درجته في القرابة.‏
وقد عللوا ذلك بأن السبب في وجوب النفقة للفرع على أصله هو أن الفرع جزء لأصله، ‏وكلما قربت درجة القرابة قويت الجزئية فيرجح الأقرب لرجحان سبب وجوب النفقة عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:22 PM
الفَصل الثّاني
‏- نفقة الأصول على الفروع




يراد بالأصول هنا الأب والأم والأجداد والجدات من جهتي الأب والأم مهما علوا.‏
تجب نفقة الأصل على الفرع إذا كان الأصل فقيراً لا مال له ولو كان قادراً على الكسب، ‏لأن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين، وهما يشملان كل الأصول في غير آية، كما أمر بمصاحبتها ‏في الدنيا بالمعروف وإن كان كافرين، وليس من الإحسان ولا المصاحبة بالمعروف أن يكلفا ‏بالسعي على العيش بعد أن تقدمت بهما السن وولدهما ينعم بالمال، بل هو إيذاء لهما، ولا يتفق مع ‏قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا ‏قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} ‏‏[الإسراء: 23-24].‏
ويشترط في الفرع الذي تجب عليه النفقة أن يكون قادراً على الكسب ولو لم يكن موسراً، ‏فمتى كان الفرع عنده قدرة على الكسب والأصل فقير لا مال له وجبت النفقة على الفرع لأصله، ‏وطولب بالسعي ليوفي بتلك النفقة، فإن امتنع عن العمل أجبر على ذلك، يستوي في ذلك اتفاقهما ‏في الدين واختلافهما فيه، لأن نفقة الأصل وجبت على فرعه بحق الولادة التي تتحقق بها الجزئية ‏بين الولد وأبيه.‏
وتجب على الفرع إذا كان واحداً، وعند التعدد تجب على الأقرب، فإن تعددوا وكانت ‏درجتهم واحدة وجبت عليهم بالتساوي لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين الموافق في الدين ‏والمخالف فيه، ولا بين واسع اليسار وقليله.‏
فلو كان للأصل بنت وولد وجبت عليهما مناصفة على الرأي الراجح، لأن النفقة وجبت ‏بسبب الجزئية وهما فيه سواء، ولو كان له ابنان أحدهما مسلم والآخر غير مسلم وجبت عليهما ‏مناصفة وإن كان أحدهما وارث والآخر غير وارث.‏
وكذلك لو كان له ابن ابن وبنت وجبت عليهما بالتساوي.‏
وان اختلف درجاتهم كانت النفقة على الأقرب دون الأبعد وإن كان الميراث للأبعد، فمن ‏له بنت بنت وابن وابن ابن كانت النفقة على بنت بنته وحدها، وكذلك لو كان له ابن غير مسلم ‏وابن ابن مسلم وجبت النفقة على الأول لقرب درجته.‏
ومن هذا ترى أن مسلك الحنفية هنا سليم لا اضطراب في تطبيقه، لأنهم اعتبروا درجة ‏القرابة وحدها دون اعتبار للإرث وعدمه، وهو الذي يتفق مع الأصل الذي يقوم عليه وجوب ‏النفقة وهو الجزئية بينما اضطربوا هناك في نفقة الفروع على الأصول فاعتبروا مرة الإرث ‏ومرة القرب فاضطرب التطبيق.‏
والمراد بالنفقة هنا الكفاية من الطعام والكسوة والسكنى، ولو احتاج الأصل إلى خادم ‏لزم، وكذلك لو كان محتاجاً لزوجته، ولا يستطيع الاستغناء عنها لكبر سنه أو لعجزه بسبب ‏المرض لزم ابنه نفقة الزوجة، لأنها من تمام النفقة سواء كانت الزوجة أماً للابن أو غير أمه.‏
أما إذا لم يكن الأب محتاجاً إليها ففي المذهب روايتان أرجحهما أنه لا تجب عليه نفقتها.‏
طريقة الإنفاق: إذا كان الولد الذي وجبت عليه النفقة موسراً له مال فائض عن حوائجه ‏وجبت عليه النفقة لأبوية بالطريقة التي يختارها الأبوان، فإن طلبا أخذ نفقة ليعيشا وحدهما أجيبا ‏إلى طلبهما، وكذلك إذا لم يكن له مال ولكنه يتكسب وكسبه يزيد عن حاجته بما يفي بحاجة والديه ‏فإن امتنع أجبر على ذلك حتى لو كان الأب قادراً على الكسب وطرقه ميسرة له لما.‏
فإن كان ما يفضل عن حاجته لا يكفي إلا أحدهما فالأم أحق به من الأب إن لم تكن ‏متزوجة بغير أبيه في قول عند الحنفية.‏
فالحنفية: يقررون أنه لا تفرض للأصل نفقة خاصة وإنما يجب عليه في هذه الحالة إذا ‏كان له أولاد أن يضم أصله أباً أو أماً إليه ليعيش معه ومع أولاده، والمقاسمة في الطعام لا يترتب ‏عليها ضرر كبير، فإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة.‏
فقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال : "لو أصاب الناس السنة - أي الشدة ‏والمجاعة -لأدخلت على أهل كل بيت مثلهم فإن الناس لم يهلكوا على أنصاف بطونهم".‏
فإن لم يكن له أولاد وكان يعيش وحده فإنه يجب عليه ضم أبيه إليه إن كان عاجزاً عن ‏الكسب لأي سبب، لأنه ليس من المروءة أن يترك أباه العاجز يموت جوعاً أو يسأل الناس وهو ‏يعيش في كفاية وكذلك أمه ولو كانت قادرة على الكسب، لأن الأنوثة في ذاتها عجز حكمي.‏
أما إذا كان أبوه قادراً على الكسب فلا يجب عليه ضمه ولا يجبر على ذلك قضاء، لأن ‏ضمه إليه على الدوام يؤدي إلى عجزه عن الكسب حيث يضعف بمرور الأيام لعدم تكامل غذائه، ‏وربما أدى ذلك إلى هلاكهما معاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "أبدأ بنفسك ثم بمن ‏تعول".‏
والأصل إن كان قادراً على العمل يجب عليه السعي ليأكل من كسب يده، استثني منه ‏حالة ما إذا كان للولد فضل كسب فإنه يصرفه إلى أبيه ليوفر له الراحة ويريحه من الكد وعناء ‏العمل في أخريات حياته لأنه مقتضى الإحسان المأمور به.‏
أما حالة عجز الأب عن العمل ولا فضل لولده من كسبه فهي حالة ضرورة وهي تقدر ‏بقدرها وعلى الولد فيها أن يضاعف جهده في العمل ليزيد كسبه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:23 PM
الفصل الثالث
‏- نفقة الحواشي وهم الأقارب غير الأصول والفروع




قدمنا أن القرابة الموجبة للنفقة عند الحنفية هي القرابة المحرمية دون نظر للاتحاد في ‏الدين بين الأصول والفروع، أما غيرهم فلا بد من ذلك لتتحقق فيهم أهلية الإرث.‏
وعلى هذا يكون المراد بالحواشي هنا الأقارب من غير الأصول والفروع قرابة نسبية ‏محرمية أي يحرم فيها على القريب أن يتزوج قريبة لو افترضنا أحدهما ذكراً والآخر أنثى ‏كالأخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، فهؤلاء تجب لهم النفقة إن ‏كانوا أهلاً للإرث وإن لم يكونوا وارثين بالفعل لقوله جل شأنه: {وعلى الوارث مثل ذلك}.‏
فالموجب للنفقة القرابة النسبية المحرمية مع أهلية القريب للإرث في الجملة.‏
فإذا كانت قرابة غير نسبية كالأخوة من الرضاع، أو كانت نسبية ولكنهما غير محرمية ‏كأولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، أو كانت نسبية محرمية ولكن صاحبها ليس ‏أهلاً للميراث، كالأخوة المخالفين في الدين فإن هذه الأصناف لا تجب لها النفقة لعدم توافر ‏الصفات الموجبة لها.‏
ويشترط لوجوب نفقة هؤلاء الأقارب من ذوي الأرحام المحارم.‏
‏1- أن يكون من تجب له النفقة ومن تجب عليه النفقة متحدين في الدين لأن سبب وجوب ‏النفقة لهؤلاء هو القرابة المحرمية مع استحقاق الإرث في الجملة، ولا توارث بين المختلفين في ‏الدين.‏
‏2- أن يكون من تجب له النفقة فقيراً عاجزاً عن الكسب لسبب من الأسباب كالصغر ‏والأنوثة والمرض المزمن وغيرها، فلو كان قادراً على الكسب وإن لم يكن له مال لا تجب له ‏نفقة على غيره، لأن القدرة على الكسب غنى.‏
‏3- أن يكون من تجب عليه النفقة موسراً، لأن النفقة على ذي الرحم المحرم صلة وهي ‏لا تجب إلا على الأغنياء.‏
ويتحقق اليسار الموجب للنفقة بملك نصاب الزكاة زائداً عن حوائجه الأصلية لأنه يعتبر ‏غنياً بهذا والنفقة صلة لا تجب إلا على الأغنياء، وهذا رأي عند الحنفية.‏
وهنالك رأي ثاني في التفريق بين صاحب الغلة (المورد الثابت) وبين صاحب الحرفة، ‏فقدّر يسار الأول بما يفضل عن نفقة نفسه وعياله لمدة شهر لينفق منه على قريبه، فإن لم يفضل ‏منه هذا القدر لا تجب عليه نفقة، وقدّر يسار الثاني بما يفضل عن نفقته ونفقة عياله من كسبه ‏اليومي، لأن النفقة وجبت لدفع الهلاك عن القريب فيجب على من قدر على ذلك، والذي يزيد عن ‏حوائجه وحوائج عياله يعتبر قادراً على دفع الهلاك عن قريبه.‏
ويختار الثاني فهو أوفق لأنه إذا كان له كسب دائم وهو غير محتاج إلى جميعه فما زاد ‏على كفايته يجب صرفه إلى أقاربه كفضل ماله إذا كان له مال وهو الأوفق لزمننا، لأن ملك ‏نصاب الزكاة لا يعتبر غنى يوجب الإنفاق على الغير لأن النفقة متجددة، فماذا يغني النصاب ‏الذي قد يستهلك في شهور ويصبح صاحبه فقيراً بعد أن كان غنياً بخلاف الفائض اليومي.‏
هذا ويشترط لوجوب أدائها قضاء القاضي بها أو التراضي عليها، ولهذا لو ظفر الفقير ‏من هؤلاء بما هو من جنس النفقة من مال قريبه ليس له أن يأخذه قبل القضاء أو التراضي ‏بخلاف نفقة الأصول والفروع كما قدمنا عند عرض أصول النفقات.‏
فإذا توافرت هذه الشروط وجبت النفقة، وحينئذ إن لم يكن للفقير المحتاج إلا قريب واحد ‏قادر عليها وجبت عليه وحده، وإن كان له أكثر من قريب قادر على الإنفاق، فإما أن يكونوا كلهم ‏من ذوي الأرحام أو لا بأن يكون بعضهم محرماً والآخر غير محرم.‏
فإن كان فيهم غير محرم فالنفقة على القريب المحرم ما دام أهلاً للإرث في الجملة وإن ‏كان الآخر هو الوارث بالفعل، كما لو كان للمحتاج خال وابن عم فالنفقة على الخال وحده لكونه ‏من ذوي الأرحام، ولا تجب على ابن العم وإن كان هو الوارث بالفعل لأنه غير محرم.‏
وإن كانوا كلهم من ذوي الأرحام ولهم أهلية الإرث. فإن كانوا كلهم وارثين بالفعل وجبت ‏عليهم النفقة على حسب أنصبائهم في الميراث، وإن كان بعضهم وارثاً بالفعل والآخر محجوباً ‏عنه وجبت على الوارث بالفعل واحداً كان أو أكثر حسب أنصبائهم.‏
فمن كان له أخ شقيق وأخوان لأم كانت النفقة عليهم بنسبة أنصبائهم على الأخ الشقيق ‏الثلثان، وعلى الأخوين لأم الثلث مناصفة.‏
ولو كان له أخت شقيقة وعم وأخت لأم فعلى الشقيقة النصف وعلى الأخت لأم السدس ‏وعلى العم الثلث، لأن نصيب الشقيقة في الميراث النصف فرضاً، والأخت لأم السدس فرضاً، ‏والعم الباقي بالتعصيب وهو الثلث ولو كان له أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم وزعت النفقة ‏عليهم حسب أنصبائهم في الميراث، فعلى الشقيقة ثلاثة أخماسها وعلى كل من الآخرين خمسها. ‏وذلك لأن نصيب الشقيقة بالفرض نصف التركة 6/3، والأخت لأب سدسها تكلمة للثلثين 6/1، ‏ونصيب الأخت لأم السدس فرضاً 6/1 فالمسألة من 6 فيبقى منها سهم يرد عليهم بقدر أنصبائهم ‏التي هي 3، 1، 1 ...‏
وإذا كان له أخ شقيق وأخ لأب وأخ لأم كانت النفقة على الشقيق والأخ لأم. سدسها على ‏الأخ لأم، لأن نصيبه في الميراث السدس، وخمسة أسداسها على الشقيق، لأنه عاصب يأخذ ‏الباقي، ولا شيء على الأخ لأب لأنه لا يرث لحجبه بالأخ الشقيق.‏
وإذا كان له خال وعم كانت النفقة على العم وحده لأنه الوارث، ولا شيء على الخال لأنه ‏من ذوي الأرحام وهم لا يرثون مع وجود العاصب.‏
هذا إذا كان كل المحارم موسرين، فإن كان بعضهم معسراً لا تجب عليه نفقة لعدم توفر ‏شرط وجوبها وتجب على الباقين بنسبة أنصبائهم في الميراث، وتحت ذلك صورتان.‏
الأولى: أن يكون ذلك المعسر يحوز كل التركة عند اجتماعه مع الآخرين.‏
والثانية: أن يكون صاحب نصيب فيها فقط.‏
ففي الصور الأولى نفترضه معدوماً، ونعتبر الموسرين هم الورثة ونقسم التركة عليهم، ‏وبعد معرفة نصيب كل منهم نقسم نفقة المحتاج عليهم بقدر أنصبائهم، فإذا كان للقريب المحتاج ‏عم معسر، وعمة وخالة موسرتان، فالعم هنا الوارث يأخذ كل التركة لأنه عاصب، والعمة ‏والخالة من ذوي الأرحام لا ميراث لهما مع العاصب، فنفترض العم غير موجود، فتكون العمة ‏والخالة وارثتين، فتقسم التركة عليهما أثلاثاً للعمة الثلثان لأنها من أقارب الأب، وللخالة الثلث ‏لأنها من أقارب الأم، فتقسم النفقة عليهما أثلاثاً على العمة الثلثان، وعلى الخالة الثلث، وكذلك لو ‏كان مكان الخالة خال كان عليه ثلث النفقة، لأن نصيبه في الميراث هنا الثلث.‏
وفي الصورة الثانية: نقسم التركة على الكل بما فيهم المعسر ليعرف نصيب كل واحد، ‏وبعد معرفة نصيب كل واحد من الموسرين نقسم النفقة حسب أنصبائهم.‏
فلو كان له أخت شقيقة معسرة وعم وأخت لأم فالتركة إذا قسمت عليهم كان للأخت ‏الشقيقة النصف، وللأخت لأم السدس، وللعم الباقي بالتعصيب وهو الثلث والمسألة من 6 للشقيقة ‏منها 3، وللأخ لأم 1، وللعم 2 يلغى نصيب الأخت ونقسم النفقة على العم والأخت لأم أثلاثاً على ‏العم الثلثان، وعلى الأخت لأم الثلث.‏
ولو كان له أخ شقيق معسر وعم وأخت لأم فالعم هنا غير وارث بالفعل فينحصر ‏الميراث في الأخ الشقيق والأخت لأم، وبما أن الشقيق معسر تكون النفقة كلها على الأخت لأم ‏وحدها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:23 PM
الفَصلُ الرَّابع
‏- في ترتيب وجوب النفقة إذا اجتمع للمحتاجين أكثر من نوع من أقاربه




الحالات السابقة كانت النفقة فيها واجبة على نوع واحد من الأقارب. أصول فقط، أو ‏فروع فقط أو حواشي فقط واحداً أو أكثر من كل نوع، وقد يجتمع للمحتاجين أقارب من نوعين أو ‏أكثر وهي حالات أربع فقد يجتمع له أصول وفروع، أو أصول وحواشي، أو فروع وحواشي، أو ‏أصول وفروع وحواشي.‏
وإليك بيان من تجب عليه النفقة في تلك الحالات.‏

الحالة الأولى اجتماع الأصول والفروع:‏
إذا اجتمع للمحتاج للنفقة أصول وفروع وتوفر فيهم شرط وجوب النفقة عليهم وجبت ‏النفقة على أقربهم دون اعتبار الإرث عند اختلاف الدرجة :‏
فمن كان له أب وابن ابن فالنفقة على الأب، ولو كان مكان الأب أم وجبت النفقة عليها، ‏ولو كان أب وأم وابن ابن كانت النفقة على الأب وحده لأن الأب لا يشاركه أحد في نفقة أولاده ‏كما سبق.‏
ومن كان له أبو أب أو أبو أم وابن ابن فالنفقة على الجد في الصورتين، وإن كان أحدهما ‏وارثاً والآخر غير وارث، وابن ابن الابن وارث في الحالتين.‏
ولا يقال: كيف تجب النفقة على أبي الأم وهو غير وارث، لأن النفقة هنا تقوم على ‏الجزئية والقرب وهو أقرب من ابن ابن الابن كما تقدم في نفقة الفروع على الأصول في الحالة ‏الثالثة.‏
وإن تساووا في الدرجة وجبت النفقة عليهم بنسبة الميراث إلا إذا وجد دليل شرعي ‏يرجح وجوبها على أحدهم، فلو كان للمحتاج جد لأب وابن ابن وجبت النفقة عليهما بنسبة ‏ميراثهما على الجد السدس، وعلى ابن الابن خمسة أسداسها لاتحاد درجتهما في القرابة.‏
ولو كان مكان ابن الابن بنت وجبت النفقة عليها وعلى الجد مناصفة لأن نصيب البنت ‏في الميراث النصف، ونصيب الجد السدس فرضاً والباقي تعصيباً.‏
ولو كان له أب وابن وجبت النفقة على الابن وحده لوجود الدليل وهو أن للأب شبهة حق ‏وملك في مال ولده لحديث "أنت وما لك لأبيك" فيترجح وجوب النفقة عليه بهذا الدليل.‏
ولهذا قرر الفقهاء: أنه لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد كما لا يشارك الأب في نفقة ‏أولاده أحد إذا كان قادراً عليها ولو بالعمل والسعي، وكذلك لو كان مكان الأب أم فلا نفقة عليها.‏
وإذا كان له أبو أب وبنت بنت وجبت النفقة على الجد وحده لأنهما وإن تساويا في ‏الدرجة إلا إن أحدهما وهو الجد وارث، والأخرى وهي بنت البنت غير وارثة فيترجح وجوب ‏النفقة على الجد بالميراث.‏
ومن هذا العرض ترى أنه عن اجتماع الأصول والفروع تجب النفقة أولاً على الابن ‏المباشر إن وجد لوجود شبهة ملك للأب في ماله، ومثله البنت، فإن لم يكن ابن ووجد أب وجبت ‏النفقة عليه وحده لأنه لا يشاركه أحد في نفقة أولاده، فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك اعتبر قرب ‏الدرجة بصرف النظر عن كونه وارثاً أو غير وارث، فإن تساووا في الدرجة فالترجيح بالإرث ‏بالفعل، فإن كانوا وارثين كلهم وجبت عليهم بنسبة أنصبائهم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:24 PM
الحالة الثانية وهي اجتماع الأصول والحواشي:‏
إذا وجد للمحتاج للنفقة أقارب من الأصول والحواشي توافرت فيهم شروط وجوب ‏النفقة، عليهم، فإما أن يكونوا وارثين أو يكون بعضهم وارثاً والآخر غير وارث.‏
فإن كانوا كلهم وارثين قسمت النفقة عليهم جميعاً حسب أنصبائهم في الميراث لا فرق ‏بين أن يكون الموجود من كل نوع واحداً أو أكثر، فمن كان له أم وأخ شقيق أو لأب فنفقته عليهما ‏أثلاثاً على الأم الثلث، وعلى الأخ الثلثان لأنه عاصب يأخذ الباقي بعد نصيب الأم وهو الثلث.‏
وإن كان مكان الأخ أخوان أو أكثر كلهم أشقاء أو لأب كان على الأم السدس لأن ميراثها ‏مع الجمع من الأخوة السدس، وعلى الأخوة الباقي بالتساوي.‏
ولو كان له جدة لأم وجدة لأب وأخ لأم وأخ لأب كانت النفقة عليهم حسب أنصبائهم فعلى ‏الجدتين السدس مناصفة، وعلى الأخ لأم السدس، وعلى الأخ لأب الباقي وهو الثلثان.‏
وإن كان أحد النوعين وارثاً والآخر غير وارث: فإن اعتبار الإرث يلغى وتكون النفقة ‏على الأصول وحدهم ولو كانوا غير وارثين والحواشي أقرب منهم.‏
فمن له جد لأم وأخ شقيق أو عم كانت النفقة على الجد لأم، لأن أحد النوعين وارث وهو ‏الأخ الشقيق أو العم، والآخر غير وارث وهو الجد لأم.‏
وهذا - كما ترى - أمر غريب لأن الأصل لو كان وارثاً شاركه من كان من الحواشي في ‏النفقة، وإذا كان غير وارث انفرد بالنفقة، وأغرب من هذا إذا كان الأصل غير وارث وهو أبعد ‏ممن كان من الحواشي كما في جدة غير صحيحة كأم أبي الأم، وأخ شقيق فإن النفقة تجب على ‏الجدة وهي أبعد من الأخ وغير وارثه، ولو قارنا هذه المسألة بمسألة ما إذا كان مع الأخ أو العم ‏أم فإنهما يشتركان في النفقة لازدادت الغرابة.‏
ولو كان له أبو أب وعم شقيق كانت النفقة على الجد لأن أحد الصنفين وارث والآخر ‏غير وارث.‏
وكذلك لو كان مكان العم أخ شقيق عند أبى حنيفة، لأن الجد يحجب الإخوة وهو الراجح ‏في المذهب الحنفي.‏
هذا إذا كان الموجود من كل نوع واحداً. فإن وجد في كل نوع أكثر من واحد فإننا ننظر ‏لك نوع على حدة ونرجع من ترجحه القواعد الخاصة به، ثم نطبق قاعدة اجتماع النوعين ‏ونفرض النفقة على من تجب عليه.‏
فإذا اجتمع للمحتاج للنفقة أم وجد لأم وأخ شقيق وعم، فإذا نظرنا للأصول نجد الأم أقرب ‏وهي وارثة، والجد لأم أبعد وغير وارث فيستبعد، وإذا نظرنا إلى الحواشي وجدنا الأخ هو ‏الوارث ويحجب العم فيستبعد العم كذلك وما بقي من النوعين وارث فتجب النفقة عليهما بنسبة ‏الميراث فعلى الأم الثلث، وعلى الأخ الثلثان.‏
وإذا كان له أم وجد لأب وأخ شقيق فعلى رأي أبي حنيفة الذي يحجب الإخوة بالجد ‏فتكون النفقة على الأصول وحدهم وكان مقتضى قاعدة اجتماع الأصول والحواشي وأحد النوعين ‏وارث والآخر غير وارث أن تكون النفقة على الجد والأم أثلاثاً، غير أنه وجد هنا مانع من ‏مشاركة الأم للجد في النفقة، وهو أن الجد عند حجبه للإخوة يعتبر أباً حكماً فآلت المسألة إلى ‏اجتماع الأم والأب وعند اجتماعهما تكون النفقة على الأب وحده فتكون النفقة هنا على الجد وحده ‏وهو الراجح في المذهب الحنفي، ولو اجتمع جد لأب وجد لأم وأخ شقيق فإن النفقة على الجد ‏وحده أيضاً عند أبي حنيفة لأن الجد لأب ترجح على الجد لأم حسب قواعد اجتماع الأصول فقط ‏وهو أن النفقة على الوارث فلا يعتبر الجد لأم موجوداً فيبقى الجد لأب من الأصول، والأخ من ‏الحواشي، وأحد النوعين وارث والآخر غير وارث فتكون النفقة على الأصول حسب قاعدة ‏اجتماع الأصول مع الحواشي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:24 PM
الحالة الثالثة وهي اجتماع الفروع والحواشي:‏
إذا اجتمع للمحتاج للنفقة فروع وحواشي توافرت فيهم شروط وجوب النفقة تكون على ‏الفروع فقط لأن العبرة هنا يكون المنفق جزءاً من المنفق عليه، فتسقط الحواشي بوجود الفروع ‏ويصرف النظر عن القرب والميراث في مجموع النوعين.‏
فلو كان للمحتاج بنت وأخت فالنفقة على البنت وإن كانت الأخت ترث مع البنت.‏
ولو كان له بنت بنت مع الأخت أو الأخ فالنفقة على بنت البنت وإن لم تكون وارثة حتى ‏ولو كانت مخالفة في الدين لمن وجبت له النفقة، لأنه لا اعتبار للإرث في نفقة الفروع للأصول ‏فإذا تعددت الفروع تطبق القاعدة السابقة فيقدم الأقرب فالأقرب، وإن تساووا في الدرجة كانت ‏النفقة على الكل بالتساوي لا فرق بين وارث وغير وارث ولا بين ذكر وأنثى.‏
فإن كان الفرع في هذه الصورة معسراً ولا يقدر على الكسب وجبت النفقة على الحواشي ‏باعتبار أنصبتهم في الميراث.‏
فإن كان الفرع في هذه الحالة يحوز كل التركة يفترض معدوماً ليمكن اعتبار الحواشي ‏وارثين وتقسم النفقة عليهم حسب أنصبائهم في الميراث.‏
فلو كان للفقير ابن معسر عاجز عن الكسب وأخ شقيق وأخوان لأم موسرون نعتبر الابن ‏معدوماً لأنه يحوز كل الميراث فيكون الميراث للإخوة الثلاثة بعد افتراض الابن غير موجود ‏فتجب النفقة عليهم حسب أنصبائهم في الميراث، فيكون على الأخوين لأم الثلث مناصفة لأن ‏نصيبهم في الميراث ذلك، وعلى الأخ الشقيق الباقي لأنه يحوز بقية التركة بالتعصيب.‏
وإن كان الفرع المعسر لا يحوز كل التركة فلا يفرض معدوماً بل تقسم التركة على ‏الفروع والحواشي ويسقط نصيب المعسر، وتقسم النفقة على الحواشي الوارثين حسب أنصبائهم.‏
فلو كان له بنت معسرة وأخ شقيق وأخ لأم فلا تفرض البنت معدومة لأنها لا تحوز كل ‏التركة بل ننظر إلى ميراث الأخوين معها فنجد أن البنت تستحق نصف التركة، وللأخ الشقيق ‏الباقي ولا شيء للأخ لأم لأنه محجوب بالبنت، فيكون الوارث من الحواشي هو الأخ الشقيق ‏فتجب النفقة عليه وحده لعسر البنت.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:25 PM
الحالة الرابعة وهي اجتماع الأصول والفروع والحواشي:‏
إذا اجتمعت الأنواع الثلاثة وتوافرت فيهم شروط إيجاب النفقة فلا اعتبار للحواشي لأنهم ‏يسقطون بالفروع كما في الحالة السابقة، وتكون النفقة على الأصول والفروع وتطبق قاعدة ‏اجتماعهم كما شرحناه في الحالة الأولى من حالات الاجتماع.‏
وهي أن النفقة تجب على أقربهم دون اعتبار الإرث عند اختلاف درجاتهم، وإن تساووا ‏في الدرجة وجبت النفقة عليهم بنسبة الميراث إلا إذا وجد دليل يرجح وجوبها على أحدهم كما إذا ‏كان للمحتاج أب وابن فإن النفقة تكون على الابن وحده، أو كان أحدهما وارثاً والآخر غير وارث ‏فإن النفقة تكون على الوارث وحده.‏
هذا إذا كان الأصول والفروع قادرين على النفقة، أما إذا كانوا غير قادرين عليها فالنفقة ‏تجب على الحواشي في هذه الحالة ونطبق قاعدة الإعسار السابقة.‏
فلو كان للمحتاج أم وبنت معسرتان وجدة لأب وعم وأخ لأم موسرون فالنفقة هنا على ‏العم وحده، لأن الميراث هنا للأم والبنت والعم، أما الجدة فهي محجوبة بالأم، والأخ لأم محجوب ‏بالبنت لأن الأم والبنت معسرتان لا تحوزان كل الميراث فلا يفترض عدمهما، وتقسم التركة على ‏الأم والبنت والعم، للأم السدس وللبنت النصف وللعم الباقي.‏
ولو كان مكان البنت ابن معسر وعاجز عن الكسب فيفرض الابن معدوماً لأنه يأخذ بقية ‏التركة بعد نصيب الأم، ولأنه لو فرض موجوداً لحجب الحواشي والفرض أن الأم معسرة فلا ‏يوجد من تفرض عليه النفقة، أما الأم فلا تفرض معدومة لأنها لا تحوز كل التركة.‏
وإذا فرض الابن معدوماً لا يحجب الأخ لأم، ولما لم تفرض الأم معدومة فتحجب الجدة ‏بها وتصبح المسألة من اجتماع الأصول والحواشي وكلهم ورثة فتكون النفقة عليهم حسب ‏الميراث وتعفى الأم لعسرها، وعند تقسيم التركة بين الأم والعم والأخ لأم يكون للأم الثلث، ‏وللأخ لأم السدس، وللعم الباقي وهو النصف، والمسألة من 6 نسقط منها 2 نصيب الأم، ويبقى ‏للعم 3 وللأخ لأم 1، فتقسم النفقة عليهما على الأخ لأم ربعها، وعلى العم بباقيها.‏
تلك هي القواعد التي تفرض على أساس النفقة للأقارب في المذهب الحنفي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:27 PM
من الموسوعة الإسلامية

الحج

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:27 PM
الفصل الأول
في فرضيّة الحج وَشروطها‏ ‏

المبحث الأول : في فرضية الحج وحكمة مشروعيته.‏
المبحث الثاني : في شروط فرضية الحج.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:27 PM
المبحث الأول
في فرضية الحج وحكمة مشروعيته‏





‏1-‏ تعريف الحج :‏
الحَجُّ في اللغة : القصد إلى مُعَظَّم.‏
وفي الشريعة : قصد البيت العتيق لأداء الأفعال المفروضة من الطواف بالكعبة والوقوف ‏بعرفة محرماً بنية الحج.‏

‏2-‏ فرضية الحج وأدلتها:‏
الحج فريضة محكمة، محتمة، ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة والإجماع.‏
دليل الكتاب : فقد قال تعالى في سورة آل عمران : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ ‏اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97].‏
فهذه الآية نص في إثبات الفرضية، حيث عبر القرآن بصيغة {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} وهي ‏صيغة إِلزام وإيجاب، وذلك دليل الفرضية.‏
دليل السنة : فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بني الإسلام ‏على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام ‏رمضان، والحج" متفق عليه.‏
وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أيها الناس قد ‏فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ..." رواه مسلم والنسائي.‏
دليل الإجماع : فقد تمَّ الإجماع منذ الصحابة إلى يومنا هذا، وأجمعوا على أن الحج ‏فريضة محكمة على كل مستطيع في العمر مرة واحدة.‏
حكم العلماء على منكر هذه الفريضة وعلى من اعتقد حجاً آخر بدل الحج إلى الكعبة ‏المشرفة والمناسك أنه مرتد عن الإسلام، كافر بالله ورسوله، والعياذ بالله تعالى.‏

‏3-‏ التعجيل بالحج :‏
لكن اختلفوا في وجوب الحج هل هو على الفور أو على التراخي :‏
ذهب الإمام أبو حنيفة في رواية عنه ومالك وأحمد إلى أنه يجب على الفور، فمن تحقق ‏فرض الحج عليه في عام فأخره يكون آثماً. واستدلوا بأدلة منها :‏
‏1) الحديث "من ملك زاداً وراحلته تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت ‏يهودياً أو نصرانياً" اخرجه الترمذي.‏
وذهب بعض الحنفية والشافعي إلى أنه يجب على التراخي فلا يأثم المستطيع بتأخيره، ‏لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الحج في المستقبل، فلو خشي العجز أو خشي هلاك ماله ‏حرم التأخير، أما التعجيل بالحج لمن وجب عليه فهو سنة عند الشافعي، ما لم يمت، فإذا مات ‏تبين أنه كان عاصياً من آخر سنوات الاستطاعة، ودليلهما :‏
‏1) أن الأمر بالحج في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ} مطلق عن تعيين الوقت، ‏فيصح أداؤه في أي وقت، فلا يثبت الالزام بالفور لأن هذا تقييد للنص، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، ‏ولا دليل على ذلك.‏
‏2) أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عام ثمان من الهجرة، ولم يحج إلا في السنة ‏العاشرة، ولو كان الحج واجباً على الفور لما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا التأخير.‏
ومهما الأمر فلا شك أن التعجيل بالأداء أفضل وأحوط، فينبغي على المؤمن أن يبادر ‏لأداء الحج وهو في صحته وشبابه ويسره، ولا يؤخره حتى يوشك أن يفوته لتقدم سنة فيؤديه ‏بغاية المشقة ويحرم نفسه المتعة الروحية في الحج بسبب وهنه وشيخوخته، وإن الفكرة الشائعة ‏بين الناس من تحبيذ تأخير الحج، أو التعجب ممن يعجل بأدائه لهي من نسج الشيطان وجنوده ‏المنافقين الذي يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وذلك مما يجب محاربته والتحذير من ‏أخطاره.‏

‏4-‏ حكمة مشروعية الحج :‏
تشتمل فريضة الحج على حكم جليلة كثيرة تمتد في ثنايا حياة المؤمن الروحية، ومصالح ‏المسلمين جميعهم في الدين والدنيا، منها :‏
آ- أن في الحج إظهار التذلل لله تعالى، وذلك لأن الحاج يرفض أسباب الترف والتزين، ‏ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، ويتجرد عن الدنيا وشاغلها التي تصرفه عن الخلوص ‏لمولاه، فيتعرض بذلك لمغفرته ورحماه، ثم يقف في عَرفَة ضارعاً لربه حامداً شاكراً نعماءه ‏وفضله مستغفراً لذنوبه وعَثَرَاتِه، وفي الطواف حول الكعبة البيت الحرام يلوذ بجناب ربه ويلجأ ‏إليه من ذنوبه ومن هوى نفسه ووسواس الشيطان.‏
ب- أن أداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال، وسلامة البدن، وهما أعظم ما يتمتع به ‏الإنسان من نعم الدنيا، ففي الحج شكر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه وينفق ‏ماله في طاعة ربه والتقرب إليه سبحانه، ولا شك أن شكر النعماء واجب تقرره بداهة العقول، ‏وتفرضه شريعة الدين.‏
جـ- أن الحج يربي النفس على روح الجندية بكل ما تحتاج إليه من صبر وتحمل ونظام، ‏وخلق سام يتعاون به المرء مع الناس، ألا ترى الحاج يتكبد مشقات الأسفار حتى يتجمع الحجاج ‏كلهم في مكة، ثم ينطلقون انطلاقاً واحداً يوم الثامن من ذي الحجة لأداء المناسك، فيتحركون ‏جميعاً ويقيمون جميعاً، وهم في ذلك مسرورون منقادون، لا تلفتهم مشقات الزحام، ولا تزعجهم ‏أعباء تلك التنقلات.‏
د- يجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومهوى أفئدتهم، ‏فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً، هناك حيث تذوب الفوارق بين الناس، فوارق ‏الغنى والفقر، فوارق الجنس واللون، فوارق اللسان واللغة، تتحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر ‏بشري، مؤتمر كله خير وبر وتشاور، وتناصح وتعاون على البر وتآزر.‏
هـ- وفي الحج ذكريات تغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الذي لا ‏يتناهي لأوامر الله وشريعته، هناك العبرة تنبثق في ثنايا النفس المؤمنة، توجهها نحو بارئها ‏بالطاعة والتبتل، فعند هذا البيت حطّ أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام رَحْلَهُ بزوجه هاجر ووليده ‏إسماعيل.‏

فضيلة الحج :‏
قال تعالى : {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ ‏عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ ‏الأَنْعَامِ... } [الحج: 27-28].‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته ‏أمه" أخرجه الستة إلا أبا داود.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار ‏من يوم عرفة، وإنه ليدنو(1) ثم يباهي بهم الملائكة .. " أخرجه مسلم والنسائي.‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ‏كما ينفي الكيرُ خَبثَ الحديدِ والذهب والفضة، وليس للحَجَّة المبرورة ثواب إلا الجنة". أخرجه ‏الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه.‏
‏_________________-‏
‏(1) يتجلى

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:28 PM
المبحث الثاني ‏
‏5- في شروط فرضية الحج‏




الشرط الأول : الإسلام :‏
فلو حج الكافر ثم أسلم بعد ذلك تجب عليه حجة الإسلام، لأن الحج عبادة، بل هو من ‏أعظم العبادات والقربات، والكافر ليس من أهل العبادة.‏

الشرط الثاني : العقل :‏
لأن العقل شرط للتكليف، والمجنون ليس مكلفاً بفروض الدين، بل لا تصح منه إجماعاً ‏لأنه ليس أهلاً للعبادة، فلو حج المجنون فحجه غير صحيح، فإذا شفي من مرضه وأفاق إلى رشده ‏تجب عليه حجة الإسلام.‏
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن ‏الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل" أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود، وابن ماجه.‏

الشرط الثالث : البلوغ :‏
لأن الصبي ليس بمكلف، فلو حج صح حجه وكان تطوعاً.‏

الشرط الرابع : الحرية :‏
فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج، لأنه مستغرق في خدمة سيده.‏

الشرط الخامس : الاستطاعة :‏
فلا يجب الحج على من لم تتوفر فيه، لأن القرآن خص الخطاب بهذه الصفة في قوله ‏تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً}.‏

والاستطاعة التي تشرط لوجوب الحج قسمان :‏
القسم الأول : الاستطاعة التي تشترط في الرجال والنساء :‏
القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير.‏
آ- القدرة على الزاد وآلة الركوب والنفقة :‏
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يختص اشتراط القدرة على آلة ‏الركوب بمن كان بعيداً عن مكة ذهاباً وإياباً.‏
والمسافة البعيدة عند الشافعية والحنابلة فهو من كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهي ‏مسافة القصر عندهم. وتقدر بـ 88.5 كم.‏
وعند الحنفية تقدر بـ 81 كم وقيل 83.5 كم.‏
وذهب المالكية إلى أنه يجب عليه الحج إذا كان صحيح البنية يقدر على المشي، وهو ‏يملك الزاد.‏
اختلاف العلماء في الزاد ووسائل المواصلة هل يشترط ملكية المكلف لما يحصلها به ‏أو لا يشترط ؟ :‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن ملك ما يحصل به الزاد ووسيلة النقل شرط لتحقق وجوب ‏الحج.‏
وذهب الشافعي إلى أَنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منَّةَ له ‏على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لابنه.‏
‏- شروط الزاد وآلة الركوب وما يتفرع عليها :‏
وقد ذكر العلماء شروطاً في القدرة على الزاد وآلة الركوب هي تفسير وبيان لهذا ‏الشرط، نذكرها فيما يلي :‏
أ- أن الزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ‏ومشروب وكسوة بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير، فلو كان يستطيع زاداً أَدنى من الوسط ‏الذي اعتاده لا يعتبر مستطيعاً للحج، ويتضمن اشتراط الزاد أيضاً ما يحتاج إليه من آلات للطعام ‏والزاد مما لا يستغنى عنه.‏
ب- صرح الفقهاء : بأنه يشترط في الراحلة أن تكون مما يصلح لمثله إما بشراء أَو ‏بكراء.‏
ومعلوم أن تقدم الحضارة أَلغى استعمال الدواب في الأسفار وأَحل مكانها الطائرات ‏والبواخر والسيارات، فمن وجد نفقة وسيلة للسفر لا تناسبه لا يكون أيضاً مستطيعاً للحج حتى ‏يتوفر لديه أَجر وسيلة سفر تناسب أمثاله.‏
جـ- إن ملك الزاد ووسيلة النقل يشترط أن يكون فاضلاً عما تمس إليه الحاجة الأصلية.‏
والحاجة الأصلية تشمل ثلاثة أمور هي :‏
‏1) نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه، لأن النفقة حق للآدميين، وحق العبد ‏مقدم على حق الشرع، وقد روى عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ‏‏"كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" أخرجه أبو داود والحاكم.‏
‏2) ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن، ومما لابد منه لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه ‏بقدر الأعتدال المناسب له في ذلك كله.‏
‏3) قضاء الدين الذي عليه، لأن الدين من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية فهو ‏آكد، وسواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى كزكاة في ذمته، أو كفارات ونحوها.‏
فإذا ملك الزاد والحَمولة زائداً عما تقدم فقد تحقق فيه الشرط، وإلا لم يجب عليه الحج.‏
وهنا فروع تتعلق بهذه المسألة نذكر منها :‏
‏1) ذهب الحنفية إلى أنَّ من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته بحيث لو باع الجزء ‏الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لو في ثمنه للحج لا يجب عليه البيع.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب البيع.‏
وذهب الحنفية أيضاً إلى أنه لو كان مسكنه نفسياً يفوق على مثله لو أبدل داراً أدنى لوَفَّى ‏تكاليف الحج، لا يجب عليه البيع.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك.‏
‏2) من ملك بضاعة لتجارته هل يلزمه صرف مال تجارته للحج ؟
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط بقاء رأس مال لحرفته زائداً على نفقة الحج، ‏ورأس المال يختلف باختلاف الناس، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا ‏أكثر، لأنه لا نهاية له.‏
وذهب الشافعي إلى قولين الأصح أنه يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج ولو لم يبق له ‏رأسمال لتجارته.‏
‏3) من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان :‏
الحال الأولى : إن يكون في حالة اعتدال بالنسبة للشهوة فهذا يجب عليه تقديم الحج على ‏الزواج إذا كان ملك ذلك في أشهر الحج.‏
الحال الثانية : أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في ‏حقه مقدماً على الحج إتفاقاً.‏
‏4) إذا ملك نقوداً لشراء دار يحتاج إليها وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، إذا ‏حصلت له النقود وقت خروج الناس للحج، أما قبله فيشتري به ما شاء لأنه مَلَكَه قبل الوجوب.‏
‏5) ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المُحْدَثَة برسم الهدية للأقارب ‏والأصحاب، فلا يعذر بترك الحج لعجزه.‏
ب- صحة البدن :‏
‏1) إذا وجدت سائر شروط الحج في شخص وهو مريض زَمِن أو مصاب بعاهة دائمة أو ‏مقعد أو شيخٍ كبير لا يثبت على آلة الركوب بنفسه فلا يجب عليه أن يؤدي هو فريضة الحج ‏اتفاقاً، ولكن اختلفوا هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب أو هي شرط للأداء بالنفس - أي ‏لوجوب أداء الحج بنفسه -.‏
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها شرط للوجوب، وبناء على ذلك لا يجب على فاقد صحة ‏البدن أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره ولا الإيصاء بالحج عنه في المرض، لقوله تعالى : {مَنِ ‏اَسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً }، وهذا غير مستطيع بنفسه فلا يجب عليه الحج.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم ‏الأداء بالنفس، فمَن كان هذا حاله يجب الحج عليه.‏
ويتفرع على ذلك :‏
‏1) أَن مَنْ كان قادراً على الحج بمساعدةِ غيره كالأعمى وجب عليه الحج بنفسه إذا تيسر ‏له مَن يعينه تبرعاً، أو بأجرة إن كان قادراً على أجرته إذا كانت أجرة المثل، ولا يكفيه حج الغير ‏عنه إلا بعد أن يموت. ومن لم يستطع الحج بمساعدة غيره وجب عليه أن يرسل غيره ليحج عنه. ‏ويجب على المريض أن يوصي بالحج عنه بعد موته.‏
‏2) إذا وجدت شروط الحج مع صحة البدن فتأخر حتى أصيب بعاهة تمنعه من الحج ولا ‏يُرجَى زوالهُا فالحجُّ واجب عليه اتفاقاً، ويجب عليه أَن يرسل شخصاً يحج عنه. أَما إذا أُصيب ‏بعاهة يرجى زوالها فلا تجوز الإنابة، بل يجب عليه الحج بنفسه عند زوالها عنه.‏
‏3) ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه من كان غير مُعافى وملك المال وجب أن ينيب من ‏يحج عنه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك، وهذا هو الأحوط لبراءة الذمة.‏
ج- أمن الطريق وعدم الحبس أو المنع من السلطان أو الخوف منه :‏
وذلك وقت خروج الناس للحج، ومثله تنظيم الدور إن لم يستطع تخطيه لأن الاستطاعة ‏لا تثبت دونه. واختلفت الرواية في أمن الطريق بين الفقهاء :‏
ذهب أبو حنيفة في رواية والشافعية وأحمد في رواية إلى أنه شرط الوجوب، لأن ‏الاستطاعة لا تتحقق بدون أمن الطريق.‏
وذهب أبو حنيفة في رواية أخرى وهي الأصح وأحمد في رواية أخرى وهي الراجحة ‏إلى أنه شرط للأداء لا للوجوب وهو الأصح، فعلى هذا المذهب من استوفى شروط الحج عند ‏خوف الطريق فمات قبل أمنه يجب عليه أن يوصي بالحج. أما إذا مات بعد أمن الطريق فتجب ‏الوصية اتفاقاً بين الجميع.‏
د- إمكان السير :‏
وهو أن تكمل فيه شرائط الحج والوقت متسع يمكنه الذهاب للحج.‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه شرط لأصل الوجوب.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه شرط للأداء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:28 PM
القسم الثاني : الشروط الخاصة بالنساء :‏
أما الشروط الخاصة بالنساء فهي شرطان لابد منهما لكي يجب الحج على المرأة، ‏يضافان إلى شرط الاستطاعة التي ذكرناها، وهذان الشرطان هما : الزوج أو المحرم، وعدم ‏العدة :‏
أ- الزوج أو المحرم الأمين :‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن يصحب المرأة زوجها أو ذو رحم محرم منها ‏مؤبد التحريم - إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر : (83 ‏كيلومتراً أو 88.5).‏
استدلوا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تسافر المرأة ثلاثاً ‏إلا ومعها ذو محرم" أخرجه الشيخان.‏
وذهب الشافعية إلى أنها إذا وجدت نسوة ثقات اثنتين فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ‏ذلك بدلاً من المحرم أو الزوج بالنسبة لوجوب حجة الإسلام على المرأة، وعندهم: "الأصح أنه لا ‏يشترط وجود محرم لإحداهن لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن" فإن وجدت امرأة واحدة ثقة فلا ‏يجب عليها الحج، لكن يجوز لها أن تحج معها حجة الفريضة أو النذر، بل يجوز لها أن تخرج ‏وحدها لأداء الفرض أو النذر إذا أمنت.‏
وذهب المالكية : إلى أنَّ المرأة إذا لم تجد المحرم أو الزوج ولو بأجرة تسافر لحج ‏الفرض أو النذر مع الرفقة المأمونة، بشرط أن تكون المرأة بنفسها هي مأمونة أيضاً. والرفقة ‏المأمونة جماعة مأمومنة من النساء أو الرجال الصالحين.‏
أما حج النفل فلا يجوز للمرأة السفر له إلا مع الزوج أو المحرم فقط، باتفاق العلماء، ولا ‏يجوز لها السفر بغيرهما، بل تأثم به.‏
وههنا مسائل تتعلق بالمحرم :‏
‏1) اختلفوا في المحرم هل هو شرط وجوب أو شرطٌ للزوم الأداء بالنفس، والراجح أنه ‏شرط للزوم الأداء بالنفس.‏
‏2) يشترط في المحرم أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً صاحب استقامة، لكي يحصل به ‏المقصود وهو حمايتها ورعايتها. وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه لو كان محرمها فاسقاً فإنه لا ‏يكفي لتوفر الشرط في حقها، لأن المقصود لا يحصل به.‏
وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الحنيفة والحنبلية، لكن لم يشترطوا البلوغ بل التمييز ‏والكفاية. أما عند الشافعي فلا تشترط العدالة في المحرم والزوج، بل يكفي ولو كان فاسقاً إذا كان ‏له غَيْرَة تمنعه أن يرضى بالزنا. وتشترط الثقة في النساء.‏
‏3) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون قادرة على نفقتها ونفقة المحرم، لأنه ‏يستحقها عليها، أما الزوج فعليه هو نفقتها.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أخذ الأجرة إذا كانت أجرة المثل.‏
‏4) ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه إذا وجدت محرماً لم يكن للزوج منعها من ‏الذهاب لحج الفرض، ويجوز أن يمنعها من الحج النفل.‏
وقال الشافعية : ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضاً أو غيره، لأن في ذهابها تفويت ‏حق الزوج، وحق العبد مقدم، لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله، فإن خافت العجز البدني ‏بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج.‏
ب- عدم العدة :‏
ذهب الحنفية إلى أنه يشترط ألا تكون المرأة معتدة عن طلاق رجعي أو سابق أو وفاة ‏مدة إمكان السَّيْرِ للحج، لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن بقوله : {لا ‏تُخرِجُوهُنَّ من بيوتهِنَّ ولا يخرُجْنَ إلا أنْ يأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ} [الطلاق: 1] والحج يمكن أداؤه ‏في وقت آخر فلا تلزم بأدائه الآن.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، ولها أن تخرج إليه في ‏عدة الطلاق المبتوت، وذلك لأن لزوم البيت فيه واجب في عدة الوفاة والطلاق المبتوت لا يجب ‏فيه ذلك وأما عدَّة الرجعية فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح لأنها زوجة.‏
وذهب الشافعية : إلى أنَّ للزوج أن يمنع المطلقة الرجعية للعدة وذلك لأنه يحق للزوج ‏عندهم منعها عن حجة الفرض.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:29 PM
الفصل الثاني
‏6- الحَج عن الغَيْر‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:29 PM
مشروعية وشروط وجوب الإحجاج :‏
ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أنه من وجب عليه الحج فحضره ‏الموت قبل أن يحج عليه أن يوصي بالإحجاج عنه، ومن استوفى شروط وجوب الحج بنفسه فلم ‏يحج عن الأداء بنفسه لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، أو ذهاب البصر أو عدم أمن ‏الطريق أو عدم المحرم بالنسبة للمرأة، وكذا من توفرت فيه سائر شروط وجوب الحج في حالة ‏العجز عن الأداء يجب عليهما الاحجاج عن أنفسهما، أو الوصية بالاحجاج إذا لم يرسلا من ‏يحجج عنهما.‏
والأصل في هذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏
‏"جاءت امرأة من خَثْعَم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله: إن فريضةَ اللهِ على عباده ‏في الحجّ أدْرَكَتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أنْ يستويَ على الراحلة فهل يقضي عنه أنْ أحجَّ عنه ‏؟ قال : "نعم". متفق عليه.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن امرأة من جُهَيْنَةَ جاءت إلى النبي صلى الله ‏عليه وسلم فقالت : "إنَّ أمي نذَرَتْ أنْ تحجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتت، أفأ حجُّ عنها ؟ ".‏
قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، حُجّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضية؟! ‏أقضوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاء" أخرجه البخاري والنسائي.‏
وذهب المالكية إلى الأخذ المالكية بالأصل، وهو عدم جريان النيابة في العبادة البدنية ‏كالصوم.‏

‏7-شروط جواز الإحجاج:‏
أ- شروط الحج الفرض عن الغير:‏
يشترط لصحة حجة النائب عن الفريضة الواجبة على المحجوج عنه ما يلي:‏
‏1) يشترط أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير الحي بدون إذنه اتفاقاً. ‏ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ الميت لا بد من وصيته، واستثنى الحنفية الوارث فإنه إذا حج أو ‏أحج عن مورثه بغير إذنه فإنه يجزئه وتبرأ ذمة الميت إن شاء الله تعالى، إذا لم يكن أوصى ‏بالحج عنه.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه مَن مات وعليه حج وجب الإحجاجُ عنه من تركته، ‏سواء أوصى به أم لا، كما تُقْضَى منها ديونه سواء أوصى بها أم لا، فلو لم يكن له تَرِكَةٍ اسْتُحِبَّ ‏لوارثه أن يُحِجُّ عنه، فإنْ حَجَّ عنه بنفسه أو أرسل مَنْ حج عنه سقط الحج عن الميت، ولو حج ‏عنه أجنبي جاز، وإنْ لم يأذن له الوارث، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث.‏
‏2) ذهب الحنفية إلى أنه تكون نفقة الحج من مال الآمر كلها أو أكثرها سوى دم التمتع ‏القرآن فهما على الحاج عندهم، إلا الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه تبرأ ذمة الميت إذا لم يكن ‏قد أوصى بالإحجاج عنه.‏
وذهب الشافية والحنابلة إلى إجازة أنْ يُتَبرَّعَ بالحج عن الغير مطلقاً كما يجوز أن يتبرع ‏بقضاء دينه، من أي شخص كان، وتبرأ ذمته.‏
وذهب المالكية إلى أن الأمر تابع للوصية أو لتبرع النائب، لا لإسقاط الفريضة عن ‏الميت.‏
‏3) ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يشترط أن يحج عنه من وطنه إن اتسع ثلث التركة، ‏وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يعتبر اتساع جميع مال الميت، لأنه دين واجب، فكان ‏من رأس المال كدين الآدمي، لكن عند الشافعية يجب قضاء الحج عنه من الميقات، وقال الحنابلة ‏يجب أن ينوب عنه من بلده.‏
‏4) أن يحج المأمور بنفسه : نص الحنفي والمالكية والشافعية على هذا الشرط.‏
فلو مرض المأمور أو حُبِسَ فَدَفع المال إلى غيره بغير إذن المحجوج عنه لا يقع الحج ‏عن الميت، والحاج الأول والثاني ضامنان لنفقة الحج، إلا إذا قال الآمر بالحج اصنع ما شئت، فله ‏حينئذ أن يدفع المال إلى غيره، ويقع الحج عن الآمر.‏
‏5) أن يحرم من الميقات بالحج أو العمرة عن الشخص الذي يحج عنه ويذكر اسمه ‏حسبما أمر به من غير مخالفة، فلو أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فهو مخالف ضامن للنفقات عند ‏أبي حنيفة، أما إذا أمره بالإفراد فتمتع عن الآمر لم يقع حجه عنه ويضمن اتفاقاً عند أئمة الحنفية ‏والشافعية، أما إذا أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فيقع ذلك عن الآمر عند الشافعي، ولا يقع عن ‏الآمر والنائبُ مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة.‏
‏6) أهلية المأمور لصحة الحج بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا يشترط أن يكون المأمور ‏قد حج الإسلام عند الحنفية، بل تصح هذه الحجة البدلية وتبرأ ذمة الميت عندهم مع الكراهة ‏التحريمية.‏
واستدلوا باطلاق حديث الخَثْعَمِيّة السابق، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لها : "حجي عن ‏أبيك" من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يُشْتَرَط لإجزاء الحج عن الغير أن يكون من يحج عن ‏الغير قد حج حجة الإسلام.‏
واستدلوا بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شُبْرمَةَ قال : "من شبرمة ؟" قال : أخ لي أو قريب ‏لي. قال: "حَجَجْتَ عن نفسك ؟" قال : لا. قال : "حُجَّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة".‏
‏ ‏
ب- الحج النفل عن الغير:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن حجَّ النفل لا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام، والعقل، ‏والتمييز، والنية، وذلك لاتساع باب النفل، فإنه يُتَسامحُ في النفل ما لا يتسامح في الفرض. وهذا ‏مذهب الحنفية وأحمد.‏
وذهب المالكية إلى إجازة ذلك مع الكراهة فيه وفي النيابة في الحج المنذور.‏
وذهب الشافعية إلى التفصيل في ذلك : وقالوا : لا تجوز الاستنابة في حج النفل عن حيّ ‏ليس بمعضوب، ولا عن ميت لم يوص به. أما الميت الذي أوصى به والحي المعضوب إذا ‏استأخر من يحج عنه ففيه قولان مشهوران للشافعية أصحهما الجواز، وأنه يستحق الأجرة.‏

الاستئجار على الحج :‏
ذهب الحنفية وأحمد في الأشهر إلى أنه لا يجوز الاستئجارُ على الحج فرضاً أو نفلاً، فلو ‏عقدت الإجارة للحج عن الغير فهي عند أبي حنيفة باطلة، لكن الحجة عن الأصيل صحيحة، ‏ويُسَمُّونَ الأجير مأموراً ونائباً. وقالوا : له نفقة المِثْل في مال الأصيل، لأنه حبس نفسه لمنفعة ‏الأصيل، فوجبت نفقته في ماله.‏
وذهب الشافعية إلى جواز الاستئجار على الحج الفرض أو النفل، وبه أخذ المالكية ‏مراعاة لخلاف الشافعية في جواز النيابة في الحج النفل.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:30 PM
الفصل الثالث
‏8- كيفيات الحج إجمالاً‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:30 PM
وإجمال صفة أداء الحج أن له ثلاث كيفيات يمكن أن تؤدي بها، نعرِّف بها موجزاً فيما ‏يلي:‏
أ- الإفراد : وهو أن يُحْرِمَ الحاج أي : ينوي أداء الحج فقط، فيؤدي أعمال الحج، وأهمها ‏بعد الإحرام : طواف القدوم، السعي بين الصفي والمروة، الوقوف بعرفة، الوقوف بالمزدلفة، ‏طواف الافاضة، رمي الجمار، المبيت بمنى، طواف الوداع.‏
ب- القِران : وهو أن ينوي أداء الحج والعمرة معاً، فتدخل أعمالهما في بعضها، ويؤدي ‏الأعمال السابقة نفسها، فتكفيه عند الأئمة الثلاثة مالك والشافعية وأحمد. أما عند الحنفية فيجب ‏عليه أن يؤدي طوافاً آخر وسعياً آخر لأجل العمرة، كما سنفصله إن شاء الله تعالى.‏
جـ- التمتع : وهو أن ينوي (يحرم) أولاً العمرة، فيؤدي أعمالها وهي الطواف والسعي ‏والحلق أو التقصير، ويتحلل من الإحرام، ثم ينوي الحج يوم الثامن من ذي الحجة فيخرج إلى ‏منى ثم يقف بعرفة إلى آخر أعمال الحج التي ذكرناها في الإفراد.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:30 PM
الباب الثاني
‏9-شُروط صِحَّة الحج‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:31 PM
شروط صحة الحج أمور تتوقف عليها صحة الحج وليست داخله فيه، فلو اختلَّ شيء ‏منها كان الحج باطلاً.‏
شروط صحة الحج خمسة :‏
الأول والثاني : الإسلام والعقل.‏
الشرط الثالث : الميقات الزماني.‏

وقت أعمال الحج ورد في قوله تعالى : {الحَجُّ أَشهُرٌ مَّعلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الحَجَّ ‏فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوَقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِ} [البقرة : 197].‏
فلو فعل شيئاً من أفعال الحج خارخها لا يجزيه، حتى لو صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام ‏قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذا السعي بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عن سعي ‏الحج إلا فيها.‏
ذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى إجازة الإحرام بالحج قبلها مع الكراهة، لقوله تعالى ‏‏{يسألونك عن الأَهِلَّةِ قل هي مَوَاقِيتُ للناس والحج} [البقرة: 189]. ولأن الإحرام عند الحنفية ‏ليس من أركان الحج بل من شروطه.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يصح الإحرام بالحج قبل وقته، فلو أحرم به في غير وقته انعقد ‏عمرة على الصحيح عندهم.‏
ووقع الخلاف في نهار يوم النحر :‏
فقال الحنفية والحنابلة: هو من أشهر الحج.‏
وقال الشافعية: آخر أشهر الحج ليلة النحر، وليس نهار يوم النحر منها.‏
وقال المالكية: آخر أشهر الحج نهاية شهر ذي الحجة.‏
وامتداد الوقت بعد ليلة النحر إلى آخر ذي الحجة عند المالكية إنما هو بالنظر لجواز ‏التحلل من الإحرام وكراهة العمرة فقط.‏

الشرط الرابع : الميقات المكاني :‏
هناك أماكن حددها الشارع لأداء أركان الحج لا تصح في غيرها، كالوقوف بعرفة ‏مكانه: أرض عرفة، والطواف بالبيت مكانه: حول البيت، والسعي مكانه: المسافة بين الصفا ‏والمروة.‏
‏ ‏
الشرط الخامس : الإحرام :‏
الإحرام لغةَ: هو الدخول في الحرفة.‏
والمراد هنا الدخول في حرمة أداء الحج أو العمرة.‏
والإحرام: هو النية مع التلبية، فهو بالنسبة للحج كالنية للصلاة.‏
ذهب الحنفية إلى أنه لا بُدَّ فيه مع النية من التلبية.‏
وذهب الجمهور: إلى أن ركن الإحرام هو النية، والتلبية ليست بشرط في الإحرام بل هي ‏سنة.‏
وذلك بأن ينوي في قلبه ما يريد من النسك : الحج، أو العمرة، أو هما معاً، ثم يقول : ‏‏"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".‏
وعلى كل فإن لبس ثياب الإحرام ليس هو الفرض، ولو اقتصر عليها دون نية لا يكون ‏محرماً، أما لو نوى الحج أو العمرة ولبى في ثيابه المخيطة فإنه يصير محرماً ويجب عليه نزعها ‏في الحال.‏
اختلف الفقهاء في الإحرام، هل هو ركن أو شرط ؟:‏
فذهب الحنفية إلى أنه شرط.‏
وذهب الشافعية إلى أنه ركن.‏
وعند الحنفية لا يصير محرماً بمجرد النية، لكن بالنية عند التلبية.‏
وعند الشافعي وأحمد مالك في الأصح يصير محرماً بمجرد النية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:31 PM
ونسوق هنا مسائل تتعلق بالإحرام يُحتاج إلى معرفتها وهي :‏

أ- المسألة الأولى : إبهام الإحرام :‏
كثيراً ما يحدث للحجاج أن يلبس بعضهم ثياب الإحرام ويلبي بقصد النسك، ولا يعين في ‏إحرامه حجاً ولا عمرة لا بقلبه ولا بلسانه:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ هذا الإحرام صحيح وعليه التعيين، ثم إن عين ما يريده ‏قبل الطواف فالعبرة لهذا التعيين، وإن لم يعين ثم طاف بالبيت جعل إحرامه للعمرة، فيتم مناسك ‏العمرة ثم يحرم بالحج ويصير متمتعاً، أما إذا لم يعين ولم يطف بالبيت بل وقف بعرفة قبل أن ‏يطوف ينصرف إحرامه للحج وعليه أن يتمم مناسك الحج.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه لا بُدَّ عندهم من التعيين، فلو عمل شيئاً من أركان الحج ‏أو العمرة قبل التعيين لا يجزئه ولا يصح فعله.‏

ب- المسألة الثانية : الإحرام بإحرام الغير :‏
بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل في أعماله ليرافقه ويحذو حذوه ‏فيحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلم ماذا أحرم به فلان، فهذا الإحرام صحيح، وينعقد إحرامه ‏مثل إحرام ذلك الشخص عند الجمهور.‏
واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه، أنه قدم من اليمن ووافى ‏النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "بم أهللت؟" قال : ‏‏"بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم" فقال : "لولا أن معي الهدي لأحللت".‏
زاد في رواية : "قال فاهْدِ وامكث حراماً كما أنت". أخرجه الشيخان.‏

د- المسألة الثالثة : فسخ الإحرام بالحج إلى العمرة :‏
اتفق جمهور الفقهاء على أنه متى انعقد الإحرام لزم متابعة أداء المناسك التي نواها حتى ‏يتحلل، لا يجوز أن يلغيه أو يحوّله.‏
وذهب الحنابلة إلى خلاف الجمهور، وقالوا: إن من أحرم بالحج مُفْرِداً أو قارناً إذا لم يكن ‏ساق الهدي، فأجازوا له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج ويجعله عمرة ويتحلل، ثم ينوي ‏الحج بعد ذلك ويصير متمتعاً.‏

‏- مواقيت الإحرام :‏
ميقات الإحرام : هو مكان الإحرام وزمانه.‏
أما الميقات الزماني فقد سبق الكلام عليه.‏

وأما الميقات المكاني باختلاف التي يفد الحجاج والعمار منها.‏
‏ أ- وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ميقات كل بلد :‏
ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : "إن رسولَ الله صلى الله عليه ‏وسلم وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيْفَةَ، ولأهلِ الشام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنَازِل، ولأهل اليَمن ‏يَلَمْلَمْ، هن لهن، ولم أتى عليَهن مِنْ غيرِ أهلهنّ ممنْ أرادَ الحجَّ والعمرة، ومَن كان دون ذلك فمن ‏حيثُ أنشأ حتى أهلُ مكةَ من مكة".‏
والجُحْفَةُ هذه قد اندثرت، ويُهِلُّ حجاج بلاد الشام ومناطق الشمال من بلدة (رابغ) قبل ‏الجُحْفَة بقليل.‏
أما العراق ومناطق الشرق فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : سمعته - ‏وأحسبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : مُهَلُّ أهل المدينة ... إلى أن قال ‏‏: "ومُهَلُّ أهل العراق من ذاتِ عِرْقٍ".‏
هذه مواقيت أهل الآفاق، فإذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو ‏القِران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع.‏
ب- ومن لم يمر من المكان المحدد نفسه يحرم إذا حاذى الميقات، لذلك تُعْلِمُ الطائرات ‏والبواخر الحجاج قبل محاذاتها الميقات حتى يستعدوا ويحرموا، فإذا وصلت بمحاذاته أعلنت لهم ‏حتى ينووا ويلبوا بالحج، أو العمرة، أو بهما معاً.‏
جـ- أما من كان في المناطق بين مكة والمواقيت فيهل بالحج من داره.‏
د- مَنْ أراد العمرة وهو في مكة عليه أن يخرج من منطقة الحرم إلى أدنى مكان من ‏الحل، فيحرم بالعمرة.‏
دليل ذلك : "أنه صلى الله عليه وسلم أرسلَ عائشةَ بعد قضاءِ الحجِّ إلى التّنْعِيم فاعتمرت ‏منه" أخرجه الشيخان.‏
والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة يبعد عنها حوالي (10) كيلو مترات تقريباً، واتصل ‏بنيان مكة به حالياً.‏
هـ- مَن دخل منطقة المواقيت للعمل، أو الإقامة أي قاصداً إياها لأمر ما لا للنسك، ثم ‏أراد الحج أو العمرة يُحرِمُ من موضعه الذي هو فيه.‏

و- الإحرام قبل الميقات :‏
يجوز تقديم الإحرام على الميقات المكاني إجماعاً.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات المكاني إذا أمن على نفسه ‏مخالفة أحكام الإحرام.‏
وذهب مالك والشافعي في رواية والإمام أحمد إلى أن الأفضل أن لا يحرم قبل ميقاته، ‏لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل. ولأنه يشبه ‏الإحرام بالحج قبل أشهره فيكون مثله في الكراهة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:31 PM
‏10- الحرم وأحكامه :‏
المراد بالحرم عند الإطلاق المنطقة المحرمة المحيطة بمكة.‏
أ- الحرم: بمعنى المسجد الحرام المبني في مكة حول الكعبة المشرفة.‏
ب- الحرم: منطقة محرمة تحيط بمكة يحرم صيدها وقطع شجرها. وهذا المعنى هو ‏المراد إذا اطلقت كلمة "حرم".‏
ج- منطقة المواقيت، وهي أبعد عن دائرة الحرم.‏
والحرم المكي أي المحيط بمكة له حرمة جليلة وأحكام خاصة به منذ غابر الأزمان في ‏عهد إبراهيم عليه السلام، وقد زاده الإسلام حرمة وقرر له أحكاماً خاصة، وأهم هذه الأحكام في ‏هذا المقام ما يلي :‏
أ- حظر دخول الحرم بغير نسك :‏
ذهب الجمهور الحنفية والمالكية والحنبلية إلى أنَّ مَن مرَّ بالمواقيت يريد دخول الحرم ‏لحاجة له، فيجب أن يكون محرماً وعليه العمرة إن لم يكن محرماً بالحج، لما ورد عن ابن عباس ‏رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام" رواه ابن ‏أبي شيبة، ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه الحاج والمعتمر ‏وغيرهما. ومن خالف كان حكمه حكمَ من جاوز الميقات بغير إحرام.‏
وعند الحنفية من كان في الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته، وعلى ذلك لو ‏سافر الحاج من مكة إلى جدة - مثلاً - لبيع أو شراء أو حجز مكان للسفر أو نحو ذلك، ثم عاد إلى ‏مكة يقصد استمرار الإقامة فيها فلا يجب عليه الإحرام بالعمرة عند الحنفية.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إذا قصد منطقة الحرم أو مكة نفسها لحاجة غير النسك فإن ‏الدخول بالإحرام سنة له ويجوز له ألا يحرم، ووافقهم الحنابلة فيمن له حاجة متكررة، كالحطاب ‏وناقل الميرة وغيرهما، استدلوا بما صح أنه صلى الله عليه وسلم "دخل يوم فتح مكة وعليه ‏عمامة سوداء بغير إحرام".‏
ب- تحريم صيد الحرم :‏
يحرم الصيد في مكة والحرم المحيط بها على الحَلاَل كما يحرم على المحرم أيضاً، لقوله ‏صلى الله عليه وسلم: "إن هذا البلدَ حَرّمه الله، لا يُعْضَدُ شَوْكُه، ولا يُنَفَّرُّ صَيْدهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ ‏إلا مَنْ عَرَّفها" أخرجه الشيخان.‏
ج- تحريم نبت الحرم :‏
فلا يجوز قطع شجر الحرم والزروع التي تنبت فيه بنفسها، كالحشيش ونحوه، لا يجوز ‏ذلك للمحرم ولا لغير المحرم، لما سبق في الحديث فقد صرح بالنهي "لا يعضد شوكه" يعني لا ‏يقطع، وورد في مسلم: "ولا يُخْتَلَى خلاها" يعني لا يقطع ولا يقلع. والخلا هو النبات الرطب ‏الرقيق.‏
أما الذي يزرعه الناس ويستنبتونه بأنفسهم كالحبوب والأشجار المثمرة فليس بحرام.‏
د- جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً :‏
ذهب الشافعية إلى جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً، مثل ركعتي الإحرام وركعتي الطواف ‏فرضاً أو نفلاً وغيرهما من النوافل والتطوع، في كل الأوقات ولو في أوقات الكراهة.‏
وذهب الحنفية إلى عدم جواز النافلة في الحرم في الوقت المكروه، وذلك يشمل صلاة ‏الطواف وجوباً ونفلاً ويوافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة: شروق الشمس واستوائها ‏واصفرارها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:32 PM
‏11- سنن الإحرام :‏

أ- الاغتسال :‏
وهو سنة مؤكدة عند الأئمة الأربعة، ويقوم الوضوء مكانه في تحصيل أصل السنة عند ‏الحنفية، لكن الاغتسال هو السنة الكاملة.‏
عن زيد بن ثابت : "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل" رواه ‏الترمذي.‏
واتفق الفقهاء على أن الغُسْلَ سنة لكل محرم صغير أو كبير ذكر أو أنثى، ويطلب من ‏المرأة الحائض والنفساء.‏
وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عُمَيْس لمّا ولدت: ‏‏"اغتسلي واسْتَثْفِري بثوب وأحرمي".‏
وعن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن النفساءَ والحائضَ ‏تغتسلُ وتحرمُ وتَقْضِي المناسكَ كلها غير أنْ لا تطوفَ بالبيت حتى تطهُرَ".‏
وحكمة هذا الغسل أنه للنظافة، لأن المحرم يستعد لعبادة يجتمع لها الناس، فيسن له ‏الغسل كما يسن لصلاة الجمعة.‏

ب- التطيب :‏
‏1) التطيب في البدن :‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ التطيب استعداداً للإحرام سنة.‏
وذهب الحنفية إلى أنه مستحب.‏
والأصل فيه ما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ‏قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام للبدن.‏
‏2) أما تطييب ثوب الإحرام :‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى جواز تطييب ثوب الإحرام عند الحنفية والشافعية ‏والحنابلة عند إرادة الإحرام ولا يضر بقاء الرائحة في الثوب بعد الإحرام، كما لا يضر بقاء ‏الرائحة الطيبة في البدن اتفاقاً، قياساً للثوب على البدن، لكن نصوا على أنه لو نزع ثوب الإحرام ‏أو سقط عنه، فلا يجوز أن يعود إلى لبسه مادامت الرائحة فيه، بل يزيل منه الرائحة ثم يلبسه.‏
وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام تحريماً باتاً للبدن وللثوب.‏

ج- ركعتا الإحرام :‏
يُسَنُّ أن يصلي ركعتين قبل الإحرام :‏
اتفق الفقهاء المذاهب الأربعة أن صلاة ركعتين قبل الإحرام سنة، عن ابن عمر : "كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحُلَيْفَة ركعتين" رواه مسلم.‏
ولا يصليهما في الوقت المكروه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، إلا من كان في الحرم عند ‏الشافعية.‏
وتجزئ المكتوبة عنهما اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، كتحية المسجد.‏

د- التلبية :‏
وهي أن يقول الصيغة المأثورة "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ‏والنعمة لك والملك، لا شريك لك".‏
وقد اتفق الفقهاء على سنيتها واستجاب الإكثار منها إجمالاً، واختلفوا في حكمها عند ‏الإحرام بالحج أو العمرة.‏
ذهب الحنفية إلى أنها جزء من الإحرام لا يصح ولا يعتبر ناوياً للنسك إلا إذا قرنه ‏بالتلبية، ويحل محلها عمل خاص بالحج كسَوْق الهدي أو تقليده.‏
وذهب المالكية إلى أنها أبيض.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها أبيض، لأنها ذكر فلا تجب في الحج كسائر أذكار ‏الحج.‏
والأفضل أن يلبي عقب صلاة الإحرام ناوياً الحج أو العمرة، أو كليهما معاً، وإن لبى بعد ‏الركوب جاز.‏
عن ابن عمر " أنه صلى الله عليه وسلم أهَلَّ حين استوت به راحلته قائمة" رواه ‏البخاري ومسلم.‏
لكن التلبية عقب الصلاة افضل، إذا فعل المحرم ذلك الذي فصلناه فقد تم إحرامه ‏بشروطه وسننه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:32 PM
‏12-محرمات الإحرام :‏


محرمات الإحرام كثيرة متعددة، تنقسم إلى الأنواع التالية :‏
النوع الأول : المحرمات من اللباس.‏
النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم.‏
النوع الثالث : الصيد وما يتعلق به.‏
النوع الرابع : الجماع ودواعيه.‏
النوع الخامس : الفسوق والجدال.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:32 PM
النوع الأول : المحرمات من اللباس :‏
يختلف تحريم الملبس في حق الرجال عن تحريم الملبس في حق النساء :‏
أ- إحرام الرجل في حق الملبس :‏
يلبس الرجل للإحرام إزاراً "مئزراً" ورداء "يلف على نصفه العلوي". وَيَحْرُم عليه ما ‏تضمنه الحديث الصحيح : عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله - صلى ‏الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا ‏تلبسوا القُمُصَ، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفافَ، إلا أحدٌ لا يجدُ النَّعلين ‏فَلْيَلْبِس الخفين وَلْيَقْطَعْهُما أسفَل من الكعبين، ولا تلبِسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفرانُ ولا ‏الوَرْس". متفق عليه.‏
والمقصد من تحريم هذه الثياب الامتناع عن لبس المخيط او المحيط لبساً معتاداً، فلو ‏وضع القميص على جسمه بوضع غير معتاد كانْ يلفّ به جسمه لا يكون ممنوعاً. وكذا لو لف ‏قماشاً على بعض جسمه غير معتاد لم يمنع. ولو ترك لبس الرداء وظل أعلاه فوق السرة عارياً ‏لم يمنع.‏
وهذا بيان هام لحكم ربط الرداء والإزار :‏
مذهب الحنفية : يكره للمحرم أن يربط طرفي الإزار أو يشد عليه رباطاً أو يشبكه ‏بدبوس أو زر، لكن لا يجب عليه شيء لو فعل ذلك، وكذلك الرداء عندهم.‏
فذهب الشافعية والحنبلية: فإنهم فرقوا بين الإزار والرداء، فأجاز الشافعية للمحرم أن أن ‏يعقد الإزار ويشد عليه خيطا ليثبت، وأن يجعل له مثل الحُجْزة ويدخل فيها التكة إحكاماً، أو يزرّه ‏بالزر، أو بأزرار متباعدة، وأن يغرز طرف ردائه في إزاره، ولا يجوز له أن يثبِّت الإزار ‏بشوكة، أو إبرة، أو دبوس. ولا يجوز عقد الرداء ولا خله بخلال أو مسلة (كالدبوس والإبرة) ولا ‏ربط طرفه إلى طرفه بخيط أو نحوه، فإن فعل شيئاً مما ذكرنا حظره لزمته الفدية.‏
وقال الحنابلية: "له أنْ يعقد إزاره، وأنْ يشدّ وسطه بحبل ولا يعقده لكنه يدخل بعضه في ‏بعض، ولا يجوز له عقد ردائهن ولا أن يزره عليه ولا يخله بشوكة ولا غيرها (كالإبرة ‏والدبوس)، ولا يغرز طرفيه في إزاره.‏
ومذهب المالكية: فقد أوجبوا الفدية في ذلك كله سواء كان في الإزار أو الرداء.‏
والنهي عن العمامة يشمل كل شيء يوضع على الرأس لتغطيته، أما إذا ظلل رأسه بشيء ‏لا يلامس الرأس كالمظلة فلا بأس به.‏
ومثل العمامة ستر الوجه عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للشافعية فلم يحرموه على المحرم.‏
والنهي عن ثوب الزعفران يندرج تحته كل ثوب مسه طيب فلا يجوز لبسه.‏
وإذا كان لبس الخفين ممنوعاً، فالمنع للقفازين من باب أولى، لأن الحاجة للخف أعظم ‏والرفاهية في القفاز ظاهرة جداً.‏
وقطع الخف أسفل من الكعبين: فسره الحنفية بالعظم الناتئ وسط ظاهر القدم.‏
وفسره بقية الفقهاء بالكعبين في جانبي القدم اللذين هما حد الغسل في الوضوء.‏
ونصوا على إباحة وضع الخاتم، لأنه لا يعتبر لبساً، ولعل أن يلتحق به وضع الساعة في ‏اليد الآن، لأنه لا يعتبر لبساً أيضاً، ولأن الحاجة لذلك ماسة أكثر من الخاتم.‏
ب- إحرام المرأة في الملبس :‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ المرأة إحرامها بكشف وجهها فقط فيحل لها لبس المخيط ‏والقفاز وتغطية الرأس.‏
وذهب مالك وأحمد وهو الأظهر المعتمد في مذهب الشافعية إلى أنه يحرم عليها ما نص ‏عليه حديث ابن عمر السابق فقد رواه البخاري بزيادة : "ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن".‏
لكن إذا سترت وجهها بساتر لا يمسه لا يحرم، وهكذا تصنع الكثيرات فيجعلن في ‏جبهتهن إطاراً عريضاً ينزل الحجاب فوقه فيحجب الوجه ولا يمسه.‏
وأجاز الحنابلة أن تستر المحرِمة وجهها بثوب تلقيه عليه من فوق رأسها على وجهها إذا ‏احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على ‏وجهها بأن يلقى الثوب إلقاء في هذا الحال فقط.‏
ولابأس أن تلبس المرأة المحرمة الذهب والحرير وتتحلى بالحلي عند عامة العلماء، لكن ‏يحرم عليها إظهار الزينة أمام الأجنبي في الإحرام وغيره، ولا يكون الحج مبروراً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:33 PM
النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم :‏
وهي كل شيء يرجع إلى تطييب الجسم، أو إزالة الشَّعَثِ، أو قضاء التَّفَث، والأصل في ‏هذا النوع قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. ‏
فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية :‏
أ- حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرماً كان أو حلالاً، عملاً بنص الآية. وكذا حلقُ ‏المحرم رأسَ محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق ‏حلالاً لهما، فعندئذ لا يدخلان في الحظر ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب.‏
ب- إزالة الشعر من أي موضع من الجسم قياساً على شعر الرأس، ولو شعرة واحدة.‏
ج- إزالة الظفر بالتقليم أو غيره قياساً على الشعر بجامع الترفه في الجميع.‏
د- الطيب:‏
‏1) يحرم استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه ولو كان للتداوي اتفاقاً.‏
فعلى المحرمين أن يجتنبوا أنواع الصابون المطيب، والصابون المستورد من الخارج ‏الذي له رائحة عطرية، كما يجب عليهم الاحتياط عند شرائهم شيئاً من الطبيب والامتناع من ‏النوم على شيء مطيب.‏
‏2) أما شم الطيب فقط دون مس.‏
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة ذلك، ولا فداء فيه عندهم.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه يحرم تعمد شم الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، ‏ويجوزشم الفواكه وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقَيْصوم ...‏
‏3) وأما أكل الطيب الخالص أو شربه فلا يحل للمحرم اتفاقاً في المذاهب الأربعة.‏
‏4) أما إذا خلطه بطعام قبل الطبخ وطبخه معه فلا شيء عليه قليلاً كان أو كثيراً عند ‏الحنفية والمالكية. وكذا عند الحنفية لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه. أما إذا خلطه بطعام غير ‏مطبوخ فإن كان الطعام أكثر فلا شيء ولو وجدت الرائحة، غير أنه إذا وجدت معه الرائحة ‏يكره، وإن كان الطيب أكثر وجب فيه الدم وإن لم تظهر رائحته.‏
أما عند المالكية فالكل محظور وفيه الفداء عندهم.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه خلط الطيب بمشروب كماء الورد وغيره وجب فيه ‏الجزاء قليلاً كان الطيب أو كثيراً.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه خلط الطيب بغيره من طعام أو شراب ولم يظهر له ‏ريح ولا طعم فلا حرمة ولا فدية، وإلا فهو حرام وفيه الفدية.‏
‏5) أما أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والسفرجل والنارنج والليمون وغيرها ‏فهو جائز عند الجميع. والله أعلم.‏
هـ- ذهب الحنفية والمالكية إلى تحريم دهن شعر الرأس أو أي شعر في الجسم بدهن ولو ‏كان غير مطيب كالزيت مثلاً، لما فيه من التزيين والتحسين للشعر، وذلك ينافي الشأن الذي يجب ‏أن يكون عليه المحرم من الشعث والغبار افتقاراً وتذللاً لله تعالى.‏
وذهب الشافعية إلى عدم تحريم دهن شعر البدن بدهن ليس بطيب إلا في الرأس واللحية ‏فيحرم الدهن الذي ليس بطيب في الرأس واللحية ولو كان حليقاً، فليحذر المحرم أن ينتقل إليهما ‏شيء من السمن أو الدهن أو الزيت بواسطة يده أو بغير ذلك.‏
وذهب الحنابلة إلى إباحة الدهن غير المطيب للمحرم في رأسه ولحيته وسائر بدنه.‏
وثمة أمور يظنها الناس ممنوعة على المحرم وليست ممنوعة مثل : الاغتسال وحك ‏الرأس أو البدن، لكي ينبغي أن يترفق حتى لا يسقط شيء من شعره فتلزمه فديته. وكذا الاكتحال ‏إذا كان غير مطيب.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:33 PM
النوع الثالث : الصيد :‏
أ- الصيد هو المستوحش النافر من الناس في أصل خلقته، أما المستأنس في أصل الخلقة ‏فليس بصيد. فلا يحرم على المحرم ذبح المواشي والدجاج لأنها مستأنسة.‏
والأصل في حرمة الصيد قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمُُ} ‏‏[المائدة : 95]. يعني لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون.‏
وقوله تعالى : {وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُم حُرُماً} [المائدة : 96].‏
ويحرم الصيد أيّاً كان نوع الحيوان، ولو كان غير مأكول اللحم، ويحرم مساعدة من يريد ‏الصيد أيضاً بأي وجه من الوجوه : كالدلالة عليه، وإعارة سكين، ومناولة سوط، وكذا تنفير ‏الصيد، وكسر بيضه، وكسر قوائمه وجناحه، وحلبه، وبيعه، وشرؤاه، يحرم ذلك على المحرم ‏سواء كان ذلك في داخل الحرم أو خارجه، وأباح الشافعية غير مأكول اللحم وكرهه الحنبلية.‏
ويحرم على المحرم أكل صيد البر الذي صاده محرم آخر، أو ساعد فيه حلالاً، أو صاده ‏لأجله حلال أيضاً.‏
ب- جواز قتل الدواب الفواسق:‏
وقد نصوا على جواز قتل خمسة من الحيوانات للحلال والحرام في الحِلِّ والحرم أخذاً ‏بالحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :‏
‏"خمسٌ مِن الدوابِّ كُلُهُنَّ فاسقٌ يُقْتَلْن في الحرم: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفأرةُ، ‏والكلبُ العَقُور". متفق عليه.‏
وفي رواية عند مسلم ذكر : "الحية" ولم يذكر "العقرب".‏
ووقع عند أبي داود بزيادة : "السبع العادي" يعني الحيوان المفترس.‏
وقد اتفقوا على إباحة قتل هذه المذكورات جميعاً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:33 PM
النوع الرابع : الجماع ودواعيه :‏
والأصل في هذا النوع قوله تعالى :‏
‏{فَمَنْ فَرَضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحجّ} [البقرة: 197].‏
الرَّفَث محركة الجِماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة ‏ونحوهما مما يكون في حالة الجماع، وهو أيضاً الفحش وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوِجهْن ‏به من الفحش.‏
فيندرج تحت هذا النوع المسائل التالية:‏
أ) تحريم الجماع على المحرم، وقد أجمع على ذلك العلماء عملاً بالآية، وأجمعوا على أن ‏الجماع مفسد للحج.‏
ب) يحرم على المحرم أيضاً جميع دواعي الجماع كاللمس بشهوة والتقبيل.‏
ج) الكلام الفاضح في المسائل الجنسية محظور على المحرم أيضاً لأنه من دواعي ‏الجماع، فيكون محظوراً عليه.‏
ومثل هذا الكلام مستقبح، مخل بالمروءة، فكيف وهو في الإحرام !!‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:33 PM
النوع الخامس : الفسوق والجدال:‏
الفسوق: هو الخروج عن الطاعة، وذلك حرام في كل حال، فما أشنعه إذا صدر عن ‏المحرم.. ؟!‏
والجدال : أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، وكذلك المنازعة والسباب.‏
فليشتغل المحرم بالتلبية، وذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو تعليمٍ لجاهل، أو أمرٍ ‏بمعروف، أو نهي عن منكر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:34 PM
الفصل الثَاني
‏13- ركن الحَجّ

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:34 PM
المبحث الأول
الوقوف بعَرَفَةَ:‏



عَرَفَةُ، وعرفاتٌ: بقعة أرض منبسطة تقع شرقيّ مكة على بعد (25 كيلو متراً) تقريباً.‏
والمراد من عبارة : "الوقوف بعرفة" المكث بهما كيفما كان. سمي وقوفاً لكون الوقوف بها ‏مستحباً للدعاء.‏
دليل فرضيته : ركنية الوقوف بعرفة ثابتة بالكتاب والاجماع.‏
أما الكتاب فقوله تعالى :‏
‏{وللهِ على الناسِ حجُّ البيتِ مَنِ اسْتطاعَ إليه سبيلا}.‏
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الحج عرفة". وهذا تفسير للأمر القرآني بالحج.‏
وقال تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة : 199].‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كانت قريشٌ ومَنْ دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا ‏يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وسائرُ العربِ يقفون بعرفاتٍ، فلما جاء الإسلام أمرَ اللهُ نبيهُ أنْ يأتيَ عرفاتٍ ثم ‏يقفَ بها ثم يُفِيْضَ منها. فذلك قوله : "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حيثُ أفاضَ النّاس". أخرجه البخاري.‏
وأما السنة : فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي أنّ أناساً مِنْ أهلِ نجدٍ أتوا رسولَ الله صلى ‏الله عليه وسلم فسألوه فأمرَ منادياً يُنادي : "الحجُّ عرفةُ، مَنْ جاءَ ليلة جمْعٍ قبل طلوعِ لفجرِ فقد ‏أدرك الحج. أيامُ مِنَىً ثلاثةٌ، فمن تعجل في يومين فلا إثْمَ عليه، ومَن تأخّر فلا إثمَ عليه". أخرجه ‏أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان.‏
وعن عُرْوَةَ بن مُضَرِّس الطائي قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُزْدَلِفَة ‏حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسولَ الله إني جئتُ مِن جبلِ طّيءٍ أكلَلْتُ راحِلَتي، وأتعبْتُ ‏نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ ؟" فقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "مَنْ شَهِدَ صلاتَنا هذه ووقَفَ معنا حتى يَدْفَعَ، وقد وقَفَ بعرفةَ قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم ‏حجُّه وقضى تَفَثَه". أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم.‏
وأما الإجماع : "فالأمة أجمعت على كون الوقوف ركناً في الحج".‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:35 PM
‏14-‏ شروط الوقوف بعرفة :‏
أ) مكان الوقوف :‏
عرفة كلها موقف، يصح أداء الركن في أي موضع منها إلا بطن وادي عُرَنَة.‏
وحدود عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي ‏منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر، ومسجد نمرة بعضُه ليس من عرفة فليتنبه.‏
وليس وادي عُرَنَة من الموقف، ولا يصح الوقوف فيه باتفاق أئمة المذاهب.‏
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :‏
‏"قد وَقَفْتُ ههنا بِعَرَفَة، وعَرَفَة كلَّها مَوْقِف". أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.‏
وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كُلُّ عَرَفَة موقفٌ وارْفَعوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَة". ‏أخرجه ابن ماجه ومثله عن ابن عباس صححه الحاكم على شرط مسلم.‏
ب- وقت الوقوف :‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يبدأ وقت الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم عرفة - ‏وهو تاسع ذي الحجة ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم عيد النحر، حتى لو وقف بعرفة في ‏غير هذا الوقت كان وقوفه وعدم وقوفه سواء.‏
وذهب مالك إلى أن وقت الوقوف هو الليل، فمن لم يقف جزءاً من الليل لم يجز وقوفه ‏وعليه الحج من قابل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر بالدم بتركه عمداً لغير عذر.‏
وذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ‏يوم النحر.‏
وقد اتفق العلماء على أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:35 PM
‏15-‏ ركن الوقوف:‏
أ) ركن الوقوف الذي لا يتم إلا به هو الكينونة بعرفة وقتاً يسيراً جداً.‏
وقد اتفق الفقهاء على أنه كيفما حصلت كينونته بعرفة في الوقت المحدد أجزأه، قائماً أو ‏جالساً، راكباً أو ماشياً، وسواء كان عالماً بها أو جاهلاً، نائماً أو يقظان، وقف بها أو مرّ وهو ‏يمشي، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : "وقَد وقَفَ بعرفةَ قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً .. " وغيره من ‏الأحاديث.‏
ب- مقدار الزمن الذي يستغرقه الوقوف:‏
ذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه نوعان:‏
‏1) زمان الركن : الذي تتأدى به فريضة الوقوف بعرفة، وهو أن يوجد في عرفة خلال ‏المدة التي بيناها، ولو زماناً قليلاً جداً.‏
‏2) زمان الواجب: ذهب الجمهور إلى أن زمان الواجب يستمر من وقف بعد الزوال إلى ‏أن تغرب الشمس، فلا يجاوز حد عرفة إلا بعد الغروب ولو بلحظة. يعني أن يجمع بين الليل ‏والنهار بعرفة ولو قبل المغرب بقليل إلى ما بعده بلحظة. فلو فارق عرفة قبل الغروب وجب عليه ‏دم.‏
وذهب الشافعية في المعتمد عندهم أن الجمع بين الليل والنهار بعرفة سنة وليس بواجب، ‏ولا يجب على من تركه الفداء، لكنه يستحب له الفداء استحباباً وخروجاً من الخلاف.‏
ج- ويتفرع على هذا مسائل منها :‏
‏1) ذهب الحنفية إلى أن من دفع من عرفة قبل الغروب أي خرج منها، فجاوز حدودها ‏قبل الغروب فعليه دم وذهب الشافعية إلى استحباب الدم.‏
وذهب مالك إلى بطلان الحج.‏
‏2) من دفع قبل الغروب ثم عاد قبل الغروب أيضاً واستمر حتى غربت الشمس صح ‏حجه، وسقط عنه الدم اتفاقاً بين جميع الأئمة.‏
‏3) من دفع قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب لا يسقط عنه الدم بالعود، عند الحنفية ‏والحنابلة.‏
‏4) ذهب الجمهور إلى أنَّ من تأخر فوقف ليلاً ولم يدرك جزءاً من النهار بعرفة حتى ‏غابت الشمس فحجه تام ولا شيء عليه. ‏
وذهب المالكية إلى وجوب الدم عليه.‏
‏5) يصح الوقوف من المحدث والجنب والحائض والنفساء، فلا يشترط فيه الطهارة ‏اتفاقاً، لأن أحاديث إجزاء الوقوف مطلقة عن اشتراط الطهارة، فتدل على عدم اشتراطها.‏
ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حاضت: ‏‏"افعلي ما يفعلُ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري" متفق عليه.‏
‏6) ذهب الحنفية والمالكية إلى أن من أُدْخِلَ عرفة وهو مغمىً عليه ولم يُفِقْ حتى خرج ‏منها فقد أجزَأَه، لأنه لا يشترط له نية ولا طهارة، وقد صح من النائم فينبغي أن يصح من المغمى ‏عليه. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه لأنه ركن من أركان الحج فلا يصح من المغمى ‏عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:35 PM
‏16- سنن الوقوف بعرفة :‏
أ- ذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الطهارة من الأحداث بأن يظل على وضوء مدة ‏الوقوف، أما الغُسل من أجل الوقوف بعرفة.‏
ب- أن يجمع الحاج صلاة الظهر والعصر، تقديماً في وقت الظهر بأذان وإقامتين مع ‏الإمام بعد خطبة عرفة، وذلك لاتباع السنة.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن هذا الجمع ليس من سنن الحج ومناسكه، بل من قبيل ‏الجمع في السفر. ومذهب الحنفية أنه من مناسك الحج المسنونة، ومن هنا اشترطوا لجواز هذا ‏الجمع أن تؤدي الصلاتان على الهيئة التي وردت بها السنة، وذلك بتوفر شرطي الإمام والإحرام ‏فيهما، والمراد بالإمام ولي الأمر أو نائبه.‏
فلو لم يصلهما مع الإمام صلى كل صلاة في وقتها ولو جماعة، ولا يجمع بينهما.‏
وفي رواية عند الحنفية يجوز الجمع للمنفرد، ولمن صلوا جماعة بإمام غير ولي الأمر ‏أو نائبه، لأن الجمع ثبت لأجل امتداد الوقوف إلى المغرب دون أي فاصل، وكل الناس سواء في ‏الحاجة لذلك، فيسوغ لهم الجمع.‏
وأما القصر فهو من أحكام السفر، فمن كان مكياً أو قدم مكة للمكث بها مدة الإقامة ‏الشرعية لا يجوز له قصر الصلاة إطلاقاً.‏
ج- التعجيل بالوقوف بعد ذلك لأن هذا اليوم من أفضل أيام الدنيا، يتنافس فيه المتنافسون.‏
د- أن يقف قرب جبل الرحمة عند الصخرات الكبار السود المفروشة أسفل الجبل، فذلك ‏وصف مكان وقوفه صلى الله وسلم. أما الصعود على جبل الرحمة فليس بسنة، إنما هو من عمل ‏العوام، فتنبه.‏
وصرح الشافعية بأن النساء يقفن في حواشي الموقف، لما فيه من المحافظة عليهن من ‏أخطار الزحام والضياع.‏
هـ استقبال القبلة، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.‏
و- الإكثار من الدعاء والاستغفار والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ‏والتلبية، بقلب حاضر خاشع غاية الخشوع لله تعالى، فإن الله يطلع على عباده في الموقف.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:36 PM
المبحث الثاني
طواف الزيارة



‏17- تعريف عام بالطواف:‏
الطواف لغة السير حول الشيء. وفي الشرع : السير حول الكعبة المعظمة أشواط.‏

‏18- والأطوفة المشروعة سبعة هي:‏
‏1- طواف القدوم : للحاج أول وصوله مكة.‏
‏2- طواف الزيارة بعد وقوف عرفة.‏
‏3- طواف الوداع في آخر مناسك الحج.‏
‏4- طواف العمرة.‏
‏5- طواف النذر الذي نذره الإنسان على نفسه فيجب الوفاء به.‏
‏6- طواف تحية المسجد الحرام، لداخل المسجد الحرام فهذا تحيته. فإن لم يطف صلى ‏ركعتين تحية المسجد.‏
‏7- طواف التطوع.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:36 PM
‏19- طواف الزيارة أو طواف الإفاضة:‏
وهذا الطواف فرض في الحج، وهو ركن للحج، لذلك يسمى طواف الفرض، ويسمى ‏طواف الركن أيضاً.‏
يُؤدَّى بعد أنْ يُفيض الحاج من عرفة ويبيت بالمزدلفة فيأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر، ‏ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت، وذلك هو طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى ‏فيزور البيت ولا يقيم بمكة، بل يبيت بمنى. ويسمى أيضاً طواف الإفاضة لأنه يفعله عند إفاضته ‏من منى إلى مكة.‏

ثبت طواف الزيارة بالكتاب والسنة:‏

دليل الكتاب:‏
فقوله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].‏
فقد أجمع العلماء على أن ذلك في طواف الإفاضة، فيكون فرضاً بنص القرآن. ‏

دليل السنة:‏
فقد حجت أم المؤمنين صفية مع النبي صلى الله عليه وسلم فحاضت، فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "أحابستنا هي ؟" قالوا: قد أفاضت. قال: "فلا إذَنْ" متفق عليه.‏
فدل الحديث على أن هذا الطواف فرض لابد منه، ولولا فرضيته لم يمنع مَنْ لم يأتِ به ‏عن السفر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:36 PM
‏20- شروط طواف الركن:‏
وهي أربعة نذكرها فيما يلي :‏
أ- أن يكون مسبوقاً بالإحرام وبوقوف عرفة: فلو طاف قبل الوقوف لا يسقط به ‏الفرض.‏
ب- أداؤه في الوقت المحدد له شرعاً: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ وقته موسع، يبتدئ ‏حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر أي العاشر من ذي الحجة، ولا يجوز قبله، فمهما طاف قبل ‏هذا الوقت لا يكفيه عن طواف الركن.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول لطواف الإفاضة بعد منتصف ليلة يوم النحر لمن ‏وقف بعرفة قبله.‏
‏- والأفضل عند الحنفية وغيرهم أداؤهيوم النحر الأول بعد الرمي والحلق.‏
‏- آخر زمان طواف الفرض فليس لآخره زمان معين موقت به لأدائه فرضاً بل جميع ‏الأيام والليالي وقته اجماعاً.‏
لكن ذهب أبو حنيفة إلى إيجاب أدائه في أيام النحر وهي العاشر والحادي عشر والثاني ‏عشر من ذي الحجة، فلو أخره حتى أداه بعدها صح ووجب عليه دم جزاء تأخيره.‏
وذهب المالكية في المشهور إلى أنه لا يلزمه بالتأخير شيء إلا بخروج ذي الحجة، فإذا ‏خرج لزمه دم. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يلزمه شيء بالتأخير أبداً، فوقته عندهم مدى ‏العمر، متى أداه سقط عنه ولا يجب عليه شيء، ولو أخره سنين كثيرة، لكنه يظل محرماً على ‏النساء.‏
ملاحظة: ولا يكفي الفداء عن أداء طواف الإفاضة إجماعاً لأنه ركن، وأركان الحج لا ‏يجزئ عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها، بل يجب الإتيان بها بعينها.‏
وثمة شرطان يشملان طواف الإفاضة وغيره :‏
ج- النية: والمراد أصل النية.‏
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن قصد مجرد الطواف يكفي، حتى لو ‏نوى الطواف تطوعاً، أو نواه للوداع يقع عن طواف الإفاضة.‏
وذهب الحنابلة أنه يجب تعيين طواف الإفاضة في النية.‏
د- وقوع الطواف في المكان الخاص وهو حول البيت العتيق داخل المسجد الحرام، وهذا ‏شرط متفق عليه.‏
والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت ‏أو بعيداً عنه، مادام ضمن المسجد، ولو طاف من وراء مقام إبراهيم الخليل أجزأه، لأنه قد حصل ‏حول البيت.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:37 PM
‏20- أركان الطواف:‏
وهي أركان لطواف الزيارة، ولكل طواف أيضاً.‏
أ- ذهب الحنفية إلى أنَّ ركن الطواف مجرد طواف الإنسان حول البيت العدد المطلوب ‏من الأشواط سواء كان بفعله أو بفعل غيره بأن حمله الغير وطاف به، وسواء كان قادراً على ‏الطواف بنفسه فأمر شخصاً أن يحمله في الطواف، أو حمله الآخر بغير أمره، فإن هذا كاف في ‏أداء فرض الطواف وسقوطه عن الذمة، لأن الفرض أن يحصل الإنسان حول البيت، وقد حصل.‏
ب- عدد أشواط الطواف.‏
وعدد أشواط المطلوبة سبعة إجماعاً.‏
وقسم الحنفية السبع إلى ركن وواجب:‏
أما العدد الركن فأكثر هذه السبع، وأما الواجب فالأقل الباقي بعد أكثر الطواف.‏
وذهب الجمهور إلى أن الفرض سبعة أشواط، لا يجزئ أقل منها أبداً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:37 PM
‏22- واجبات الطواف:‏
وهي ثمانية أمور يجب على الطائف أن يفعلها في كل طواف فرضاً كان أو واجباً أو ‏نفلاً.‏
أ- التيامن: أي سير الطائف عن يمين الكعبة، وجعل يسار الطائف بجانب الكعبة.‏
ذهب الحنفية أنه لو افتتح الطواف عن يسار الحجر الأسود وطاف منكوساً يعتد به ‏ويصح مع كراهة التحريم، فتجب الإعادة ما دام بمكة، وإن رجع إلى أهله يجب عليه الدم.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن هذا شرط لصحة الطواف، وأن طواف ‏المنكوس باطل.‏
ب- إتمام الأشواط إلى سبعة: ‏
ذهب الحنفية إلى أن الإتيان أكثر السبع هو الفرض، وأما الباقي فواجب.‏
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة: إلى أنَّ ترك شيء من أي طواف حكمه ‏حكم ترك الطواف كله حتى يكمل ما تركه لأن كل الأشواط ركن عندهم في الطواف.‏
وقال الحنفية: لو ترك أكثر أشواط الوداع وهي أربعة لزمه دم، ولو ترك أقل من ذك ‏لزمه لكل شوط صدقة.‏
أما طواف القدوم فلا يلزمه دم بترك أكثر أشواطه أو أقلها لأنه سنة، وعليه التوبة ‏والاستغفار، وطواف التطوع كذلك بالأولى.‏
ولو طاف ثمانية أشواط مع علمه بذلك يلزمه إتمام سبعة أشواط أخرى، لأنه بالزيادة ‏صار شارعاً بطواف جديد، فيجب عليه إتمامه لأن الشروع ملزم عندهم، ويجب عليه التوبة ‏والاستغفار إن لم يتم.‏
ج- الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس: ‏
ذهب الحنفية إلى أن الطهارة من الأحداث ليست بشرط ولا فرض في الطواف عند ‏الحنفية بل واجبة. وأما الطهارة عن النجاسة الحقيقية في الثوب والبدن فالأكثر على أنها سنة ‏مؤكدة.‏
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة من الأنجاس ومن ‏الأحداث كلها شرط لصحة الطواف، إذا طاف فاقداً أحدها فطوافه باطل لا يعتبر به، سواء كان ‏الطواف فرضاً أو واجباً أو سنة.‏
وبناء على هذا الخلاف:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ طواف المحدث والجنب والحائض والنفساء صحيح مع الإثم ويجب ‏عليه الإعادة أو الجزاء على التفصيل الآتي في الجنايات.‏
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا عبرة بهذا الطواف وعليه العود ‏لأدائه ويظل مُحرَّماً على النساء حتى يرجع ويؤديه بالنسبة لطواف الزيارة أو العمرة، وإن كان ‏غير ذلك يلزمه ما يلزم تارك ذلك الطواف.‏
‏- من أحدث أثناء الطواف:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ من أحدث في أثناء الطواف يذهب فيتوضأ ويتمم الأشواط ‏ولا يعيدها. وذهب المالكية في المشهور والحنابلة إلى أنه يعيد الطواف من أوله ولا يبني على ‏الأشواط السابقة.‏
د- ستر العورة:‏
ذهب الحنفية إلى أن ستر العورة واجب في الطواف.‏
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه شرط في الطواف لا يصح ‏بدونه كما قالوا في الطهارة من الأحداث تماماً.‏
فمن أخل بستر العورة في الطواف الإخلال المفسد للصلاة بحسب كل مذهب فسد طوافه ‏وعليه الإعادة.‏
هـ- ابتداء الطواف من الحجر الأسود: ‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وجوب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، فليزم الدم بترك ‏البداية منه في طواف الركن.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط، فلا يعتد بالشوط الذي لم يبدأ من الحجر الأسود ‏عندهم ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده، ويصبح الثاني أول الطواف، لأنه قد حاذى فيه الحجر ‏بجميع بدنه، فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وإلا لم يصح.‏
ولابد عندهم من محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن، لأن ما وجب فيه محاذاة البيت ‏وجبت محاذاته بجميع البدن، كالاستقبال في الصلاة.‏
و- أن يكون الحِجْرُ داخلاً في طوافه: ويسمى الحَطِيم وهو الموضع المحاط بجدار ‏مقوس تحت الميزاب جهة شمال الكعبة.‏
ذهب الحنفية إلى أنه لو طاف بالبيت ولم يطف بالحطيم يجب عليه إعادة الطواف مادام ‏في مكة، وإن رجع إلى بلده بغير إعادة فعليه دم.‏
وذهب الجمهور إلى أنه فرض في الطواف، مَن تركه لم يعتد بطوافه، لأنه جزء من ‏الكعبة.‏
فمن ترك الطواف بالحِجْر لم يطف بجميع البيت فلا يصح طوافه أبداً، كما لو ترك ‏الطواف ببعض بناء البيت نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحِجْر.‏
ز- المشي للقادر عليه: ‏
مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، أنه لو طاف راكباً مع قدرته على المشي لزمه دم ‏لتركه واجب المشي، إلا إذا أعاده ماشياً.‏
وذهب الشافعية إلى أنه سنة، وصرحوا بأنه لو طاف راكباً مع القدرة على المشي جاز ‏بلا كراهية.‏
أما إذا كان عاجزاً عن المشي وطاف محمولاً فلا فداء عليه.‏
ح- ركعتا الطواف بعد كل سبعة أشواط: ‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنهما واجب.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنهما سنة مؤكدة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: لو صلى الفريضة بعد الطواف أو نافلة أخرى أجزأته عن ‏ركعتي الطواف إذا نواهما معها، ويندب إذا والى بين أكثر من طواف عقبه، ولو قصد كون ‏الركعتين عن الكل كفى بلا كراهة.‏
وقال الحنفية: إنَّه يكره وصل الأسابيع، يعنون سبعة أشواط بسبعة أخرى قبل أن يصلي ‏ركعتي الطواف. وإذا طاف أسبوعاً ووصله بآخر فإنْ تذكر قبل إتمام الشوط الأول قطع وصلى ‏ركعتي الطواف، وإن تذكر بعد إتمام الشوط الأول فالأفضل أن يتمم الأسبوع الثاني ثم يصلي ‏لكل أسبوع ركعتين.‏
وقال المالكية: الواجب الموالاة بين الطواف وبين ركعتيه لأنهما كالجزء منه حتى أن من ‏أحدث بعده قبل صلاة ركعتيه أعاده عندهم. إلا إذا كان قد خرج من مكة وشق عليه الرجوع ‏لإعادة الطواف، فإنه يصلي الركعتين ويبعث بالهدي فداء عن إعادة الطواف، وذلك إذا كان ‏الطواف واجباً، أما إذا لم يكن واجباً فلا يجب عليه الهدي.‏
وذهب غير المالكية إلى أنَّ ركعتي الطواف تؤدان في كل مكان ولو في بلده البعيد، لكن ‏في المسجد الحرام أفضل في أي مكان منه، ومستقبل المقام أفضل. وفي مكة أفضل من غيرها.‏
‏- الاحتراز عن أداء ركعتي الطواف في الأوقات المكروهة:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّه يجب الاحتراز عن أدائهما في أوقات الكراهة، فلا تنعقد فيها ‏عندهم، وهي: عند شروق الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، والزوال هو وقت ‏الظهر، وعند اصفرارها حتى تغرب. وتنعقد مع الكراهة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ‏وبعد صلاة العصر حتى تصفر، ووافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة الأولى.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الكراهة.‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى نية الاضطباع في كل الأشواط.‏
وذهب الحنابلة إلى استخباية.‏
وذهب المالكية إلى عدم رؤيته سنة ولا مستحباً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:37 PM
‏23- سنن الطواف:‏
أ- الاضطباع: ومعناه أنه عند الشروع في الطواف يجعل وسط الرداء تحت إبطه اليمنى ‏ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبْقي كتفه اليمنى مكشوفة.‏
ويسن الاضطباع للرجال دون النساء في كل طواف بعده سعي، كطواف القدوم لمن أراد ‏أن يسعى بعده وطواف العمرة وكطواف الزيارة إن أخَّر السعي إليه.‏
وهو سنة في كل أشواط الطواف. وهذا عند الحنفية والشافعية، وصرح الحنابلة ‏باستحبابه. ولم يره المالكية سنة ولا مستحباً.‏
عن يعلى بن أمية : "أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مُضْطَبِعاً" رواه الترمذي. وقال ‏‏: "حديث حسن صحيح".‏
والاضطباع سنة في جميع أشواط الطواف، فإذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، حتى ‏أنه تكره صلاة الطواف مضطبعاً، وهذا أمر مهم ينبغي تنبيه الناس إليه، فإن العامة كثيراً ما ‏يغترون فيواصلون الاضطباع، ويتعرضون لضرر أشعة الشمس فيما لا ثواب فيه.‏
ب- الرمل ثلاثة أشواط كاملة، ثم يمشي أربعة، والرمل معناه إسراع المشي مع تقارب ‏الخطا وهز الكتفين من غير وثب، والرمل يُسَنُّ في كل طواف بعده سعي كالاضبطاع، باتفاق ‏الأئمة الأربعة.‏
وكان ابتداء الرمل في عمرة القضاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "قدمَ رسولُ ‏الله صلى الله عليه وسلم مكةَ وقد وهنتهم حمّى يَثْرِبَ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قومٌ قد ‏وهنتهم الحمى، ولقوا منها شراً، فأَطْلَعَ اللهُ نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم ‏أنْيرمُلوا الأشواطَ الثلاثةَ وأنْ يمشوا ما بين الركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا : هؤلاءِ الذينَ ذَكَرْتُم ‏أنّ الحُمّى قدْ وَهَنَتْهُمْ، هؤلاء أجْلَدُ مِنْا ..." رواه البخاري ومسلم.‏
لكن الرّمَلَ ظل في الأشواط الثلاثة بتمامها، فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في ‏حجته، وكانت بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً.‏
ملاحظة: ثم الرمل والاضطباع سنة في حق الرجال، أما النساء فلا يُسَنُّ لهن رمل ولا ‏اضطباع.‏
ج- ابتداء الطواف من جهة الركن اليماني قريباً من الحَجَر الأسود، ثم يستقبل الحَجر ‏مهللاً رافعاً يديه، وذلك ليتحقق ابتداء الطواف من الحجر الأسود.‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ المرور بجميع البدن على الحجر الأسود ليس واجباً.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط واجب.‏
ولكن صرح المحققون في المذهب الحنفي باستحباب هذه الكيفية خروجاً من الخلاف.‏
فلو استقبل الحجر مطلقاً ونوى الطواف كفى في حصول المقصود الذي هو الابتداء من ‏الحجر عند الحنفية والمالكية. ولابد أن يمر بجميع بدنه بالحجر الأسود عند الشافعية والحنابلة.‏
أما استقبال الحجر عند ابتداء الطواف فهو سنة عند الحنفية.‏
د- استلام الحجر وتقبيله في ابتداء الطواف وفي كل شوط، وبعد ركعتي الطواف وصفة ‏الاستلام: أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه ويقبله.‏
عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قَبَّل الحجر وقال : "إني لأعلم أنك حجر، ولولا أني ‏رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبلتك" متفق عليه.‏
وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني ‏والحجر في كل طَوْفَةٍ. وكان ابن عمر يفعله" رواه أبو داود والنسائي.‏
والتحقيق أنه يستحب أنْ يسجدَ على الحَجَر، لما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر".‏
أما إذا كان في الطواف زحام فالأولى أن يترك إيذاء الناس في سبيل تقبيل الحجر ‏الأسود، ويمسه بيده ثم يقبلها، أو يمس الحجر بشيء في يده كالعصا مثلاً ثم يقبله.‏
وإن لم يستطع أن يستلم الحجر بيده أو يمسه بشيء فإنه يستقبله من بُعْدٍ ويشير إليه بباطن ‏كفيه كأنه واضعهما عليه، ويهلل ويكبر.‏
وذلك لأن تقبيل الحجر سنة، وترك إيذاء الناس واجب، فلا يهمل الواجب لأجل السنة.‏
عن أبي الطُّفَيْل قال : "رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالبيت ويستلمُ الرُّكْن ‏بِمحْجن معه وَيُقبِّل المحجن" رواه مسلم.‏
وعن ابن عباس قال : "طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن ‏أشار إليه بشيء كان عنده وكبر" رواه البخاري.‏
هـ- استلام الركن اليماني، بوضع اليدين عليه، وهو الركن الواقع قبل ركن الحجر ‏الأسود.‏
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى سنية استلام الركن اليماني. عن ابن عمر رضي ‏الله عنهما قال : "ما تركْتُ استلام هذين الركنين : اليماني والحجر الأسودِ مُذْ رأيت رسولَ الله ‏صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُما" رواه مسلم.‏
واتفقت المذاهب على أنه لا يقبله، ولا يسجد عليه.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل يديه أو يمينه بعد ما استلم الركن اليماني، ولا يشير إليه ‏عند العجز عن الاستلام باليدين.‏
وذهب المالكية إلى إن لم يستطع لمس الركن بيده كبر ومضى.‏
وذهب الشافعية إلى أنه لا يقبل الركن اليماني ولكن يقبل ما استلم به الركن اليماني بعد ‏الاستلام ويشير إليه عند العجز عن الوصول إليه.‏
وذهب الحنبلية: إلى أنَّه يشير إليه عند العجز.‏
أما غير هذين الركنين فلا يسن استلامه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم هذين ‏الركنين ولا يستلم غيرهما :‏
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : "لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلمُ ‏مِنَ البيت إلا الركنين اليمانيين" متفق عليه.‏
و- أن يكون الطائف قريباً من البيت، أما النساء فيُسن لهن أن لا يقربن البيت حال ‏طواف الرجال خشية مخالطتهم.‏
نص على هذه السنة الشافعية، وعللوها بأنها : "لشرف البيت، ولأنه أيسر في الاستلام ‏والتقبيل". وجعله المالكية مستحباً قياساً لصفوف الطواف على صفوف الصلاة.‏
وسنية اقتراب الرجال من البيت، وابتعاد النساء حال خوف الاختلاط سنة هامة تحول ‏دون تسبب انشغال الفكر وتشويش الطائفين. فلو فات الرمل بمراعاة القرب من البيت، فالرمل مع ‏البعد أولى، إلا إذا كان الزحام شديداً وخاف صدم النساء لو أبعد، فالقرب حينئذ مع ترك الرمل ‏أولى.‏
ز- أن يوالي أشواط طوافه، ولا يفصل بينها: ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية ‏إلى أن الموالاة بين الأشواط وأجزاء الطواف سنة.‏
ودليل سنيتها مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كما هو ظاهر لمن تأمل ‏أحاديث الطواف التي ذكرناها قبل.‏
وذهب المالكية إلى وجوب المولاة وأوجبوا على تاركه الدم، استدلالاً بفعله صلى الله ‏عليه وسلم، واستدلوا أيضاً بالقياس على الصلاة لحديث : "الطواف صلاة".‏
لكن اتفق الجمهور على أنه لو أقيمت الصلاة المكتوبة فإنه يُسن له أن يقطع الطواف ‏ليدرك الجماعة.‏
وقال المالكية إنه يجب عليه قطع الطواف، فإذا انتهى من الصلاة أتم الأشواط السابقة، ‏ولا حاجة لإعادتها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:38 PM
الباب الثالث
‏24- واجبات الحج

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:38 PM
الواجب في الحج هو ما يطلب فعله ويحرم تركه. لكن لا يفسد الحج بتركه، بل يكون ‏تاركه مسيئاً، ويجب عليه الفداء لجبر النقص الحادث من ترك الواجب، إلا إذا تركه لعذر معتبر ‏شرعاً فلا فداء عليه.‏
والواجبات التي نتكلم عليها هنا هي الواجبات الأصلية وهي أعمال مستقلة بنفسها ليست ‏تابعة لغيرها من فروض الحج أو واجباته.‏
وقد عد الحنفية واجبات الحج الأصلية هذه خمسة هي :‏
السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، ‏وطواف الصدرَ أي الوداع.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:38 PM
الفصل الأول
‏25- السعي بين الصَّفَا والمروَة



أ- الصفا: جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس.‏
المروة: حجر أبيض برَّاق، وتجمع على مرور.‏
والمراد بالصفا والمروة الجبلان الصغيران اللذان على مقربة من البيت العتيق. وقد ‏أصبحا ملاصقين لبناء المسجد بعد التوسعة التي شيدت للمسجد الحرام. لكن مكانهما وكذا ‏المَسْعى الذي بينهما ليس من المسجد : فلا يأخذ حكم المسجدِ، فليعلم.‏
ب- والسعي بين الصفا والمروة مأخوذ من طواف هاجَرَ أم إسماعيلَ في طلب الماء، ‏كما في صحيح البخاري من حديث طويل عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال :‏
‏"... وجَعَلَتْ أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد ما في ‏السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر ‏إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى ‏أحداً؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي طَرَف دِرْعها ثم سعت سعي الإنسان ‏المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً ؟ فلم تر ‏أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فذلك سَعْيُ الناس ‏بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : "صَهِ" تريد نفسها، ثم تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ ‏أيضاً، فقالت : "قد أسمعتَ إنْ كان عندك غَوَّاثٌ" فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزمَ، فبحث بعقبه ‏‏- أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء..".‏
ج- أدلة وجوب السعي :‏
ذهب الحنفية إلى أن السعي واجب في الحج وليس بركن.‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه ركن من أركان الحج لا يصح بدونه، حتى لو ترك الحاج ‏خطوة منه يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع فيضع قدمه عليه ويخطو تلك الخطوة.‏
وعلى مذهب إيجاب السعي فقد يسعى وهو حلال عند الحنفية، إذا فعل ما يتحلل به قبل ‏السعي. أما على أنه ركن فلا يتحلل إلا بعد السعي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:39 PM
‏26- شرائط صحة السعي :‏
أ- أن يسبقه الإحرام بالحج أو العمرة، لأنه من واجباتهما، فلو سعى ثم أحرم لم يصح ‏سعيه.‏
ب- أن يكون بعد الطواف، وهو شرط متفق عليه بين الأئمة، لأن النبي صلى الله عليه ‏وسلم هكذا فعل، كما في حديث جابر وغيره، وقد قال صلى الله عليه وسلم : "أيها الناسُ خذوا ‏عني مناسككم" أخرجه مسلم والنسائي، ولأن السعي تابع للطواف فلا يجوز أن يتقدمه.‏
ولما وجب السعي تابعاً للطواف نص على أن وقته الأصلي، في الحج يوم النحر بعد ‏طواف الإفاضة، لأنه واجب فلا يكون تابعاً لطواف سنة، لكن يجوز تقديمه وأداؤه بعد طواف ‏القدوم، تيسيراً على الحجاج، لازدحام أشغالهم يوم النحر، فإن لم يَسْعَ عقب طواف القدوم ‏مباشرة، فإنه يطوف للنفل ثم يسعى بعده عند الحنفية.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم، ولا يخل ‏الفصل بينهما ما لم يتخلل الوقوف بعرفة، فإن تخلل الوقوف بعرفة لم يجزه السعي إلا بعد طواف ‏الإفاضة. ‏
وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة لكن قالوا: إذا سعى بعد طوافٍ غير ‏هذينْ فعليه الدم.

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:39 PM
‏27- أركان السعي:‏
أ- ذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنبلية إلى أنَّ القدر الذي لا يتحقق السعي بدونه ‏سبعة أشواط، لإجماع الأمة على فعله كذلك، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فلو نقص منها ‏خطوة لم يتحلل من إحرامه حتى يستكملها.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يكفي لإسقاط الواجب أربعة أشواط لأنها أكثر السعي، وللأكثر ‏حكم الكل، فلو سعى أقل من أربعة أشواط فعليه دم عند الحنفية لأنه لم يؤد الواجب.‏
واتفق الفقهاء على أنه يَعُدُّ من الصفا إلى المروة شوطاً ومن المروة إلى الصفا شوطاً ‏آخر باتفاق المذاهب الأربعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بينهما سبعاً : "ابتدأ بالصفا ‏وكان آخر طوافه على المروة"، فدل على أنه احتسب كل مسيرة بينهما شوطاً، وإلا كان آخر ‏طوافه عند الصفا.‏
ب- البداية بالصفا، حتى لو بدأ بالمروة لغا هذا الشوط، واحتسب الأشواط ابتداء من ‏الصفا، على الرواية المشهورة في مذهب الحنفية، وهو مذهب الجمهور.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:39 PM
‏28- واجبات السعي:‏
أ- ذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب المشي بنفسه، إذا كان قادراً على المشي.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، بل هو الأفضل عند الشافعية.‏
ب- إكمال عدده سبعةَ أشواط، فإن ترك أقل هذا العدد وهو إتيان ثلاثة أشواط صح سعيه ‏وعليه صدقة لكل شوط عند الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:39 PM
‏29- سنن السعي:‏
أ- الموالاة بين الطواف والسعي، فلو فصل بينهما طويلاً بغير عذر فقد أساء، ولا شيء ‏عليه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة.‏
ب- أن يستلم الحجر الأسود قبل الذهاب للسعي إن استطاع، وإلا أشار إليه بيده.‏
ج- يستحب أن يسعى على طهارة من النجاسة ومن الحدث الأصغر والأكبر، فلو خالف ‏صح سعيه عند الأئمة الأربعة.‏
د- أن يصعد على الصفا والمروة كلما بلغها في سعيه، بحيث يشاهد البيت العتيق. أما ما ‏يفعله بعض الناس من الصعود حتى يلتصقوا بالجدار فمخالف لطريقة السنة.‏
هـ- أن يستقبل القبلة ويكبر ويهلل ويدعو ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ‏صعد الصفا أو المروة.‏
و- السعي الشديد بين العمودين الأخضرين المنصوبين في جدار المسعى في الأشواط ‏السبعة، ويستحب أن يكون فوق الرمَل ودون العَدْوِ. والسنة أن يمشي فيما سوى ذلك المكان.‏
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت ‏الطواف الأول خَبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة". ‏متفق عليه.‏
وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء ، لأن حالهن مبني على الستر. فالسنة في حقهن ‏المشي فقط.‏
ز- الموالاة بين أشواط السعي:‏
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أن الموالاة بين أشواط السعي سنة.‏
وقال المالكية: الموالاة بين أشواط السعي شرط لصحة السعي، فلو فصل بينها بفاصل ‏طويل ابتدأ السعي من جديد. على تفصيل لا نطيل به.‏
ح- تفرد الشافعية بسنية الاضطباع في السعي، وخالفهم الجمهور، لعدم ثبوت دليل على ‏سنيته.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:40 PM
الفصل الثاني ‏
الوقوف بالمزدلفة




‏30- المُزْدَلِفَة :‏
اسم بقعة من الأرض، مأخوذ من الزُّلْفة بمعنى القُرْبة، لأنها يتقرب فيها إلى الله.‏
وتسمى المزدلفة جمعاً : لاجتماع الناس فيها، أو لجمع صلاتي المغرب والعشاء بها.‏
وتسمى المَشْعَرَ الحرام : باسم الجبل الموجود فيها وهو جبل قُزَح.‏
وتقع المُزْدَلِفَةُ بين مَأْزِمي عرفة وهو المضيق بين الجبلين عند نهاية عرفة جهة المزدلفة ‏وبين وادي مُحَسِّر الذي يفصل بينها وبين منى، وكلها من الحرم.‏
والمزدلفة كلها موقف إلا وادي مُحَسِّرٍ، فليس بموقف، لا خلاف في ذلك بين العلماء. ‏والدليل النقلي عليه هو حديث جابر، فإن فيه قوله صلى الله عليه وسلم :‏
‏"وكُلُّ المُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ وارْتَفِعُوا عنْ بَطْنِ مُحَسِّر".‏

‏31- حكم الوقوف بالمزدلفة:‏
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن، واستدلوا ‏على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف ‏معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه".‏

‏32- وقت الوقوف بالمزدلفة:‏
اتفقوا على أن المبيت بالمزدلفة الذي هو المكث معظم ليلة النحر فيها سنة.‏
واختلفوا في وقت أداء الوقوف الواجب:‏
فذهب الحنفية إلى أنه ما بين طلوع الفجر يوم النحر وطلوع الشمس، فمن حصل ‏بمزدلفة في هذا الوقت فترة ما من الزمن فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل ‏بها فيه فقد فاته الوقوف، قالوا: والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة اقتداء بفعل النبي صلى الله ‏عليه وسلم فإنه بات بها.‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أن زمن الوقوف الواجب هو المكث بالمزدلفة من الليل.‏
ثم اختلفوا فقال المالكية: النزول بمزدلفة قدر حط الرحال - أي أحمال الجمال - في ليلة ‏النحر واجب، والمبيت بها سنة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يجب الوجود بمزدلفة بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة أي فترة ‏ما من الزمن ولو قصيرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، وقد قال : "خذوا عني ‏مناسككم" والمبيت هو المكث بعد نصف الليل، فيكون هو الواجب. ولأنه أبيح الدفع بعد نصف ‏الليل بما ورد من الرخصة فيه، فدل على أن وقته بعد نصف الليل.‏
ويتفرع على هذا الخلاف ما يلي:‏
‏1) ذهب المالكية إلى أنه من بات بمزدلفة قبل منتصف ليلة النحر قدر (حط الرحال) ‏أجزأه، إلا إذا عاد إليها قبل الفجر فإنه يسقط عنه الواجب عند الشافعية والحنابلة، ويسقط عند ‏الحنفية إذا وجد فيها بعد الفجر.‏
‏2) ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه من وُجِدَ بمزدلفة بعد منتصف الليل أجزأه.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يجزيه إلا إذا استمر قدر حط الرحال.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يجزيه إلا إذا وجد فيها بعد الفجر.‏
‏3) ذهب الحنفية إلى أنه من وُجد بمزدلفة بعد الفجر ولم يوجد بها قبل الفجر أجزأه.‏
وذهب الجمهور إلى أنه لا يجزيه.‏
‏4) من اتبع السنة فبات بالفجر ووقف فيها بعده صح وقوفه إجماعاً.‏

‏33- سنن الوقوف بمزدلفة:‏
‏1) أن يعجل بصلاة الفجر فور دخول وقتها، ولا يسن ذلك عند الحنفية إلا هنا اتباعاً ‏للسنة.‏
‏2) أن يستمر في المزدلفة واقفاً يدعو ويكبر ويهلل ويلبي عند المشعر الحرام - وهو جبلَ ‏قُزَح الذي عليه المِيْقَدَةُ المضيئة بالأنوار - يستمرُّ حتى يُسْفِرَ الفجرُ جداً - أي يستضيء - اتباعاً ‏للسنة. وقد أزيل الجبل في توسعات المناسك، وأقيم مكانه مسجد عظيم.‏
‏3) أن يدفع من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس.‏
فعن عمرو بن ميمون قال : شهدتُ عمر رضي الله عنه صلى بجمع الصبح، ثم وقف ‏فقال: "إنّ المشركينَ كانوا لا يُفِيْضُون حتى تطلعَ الشمس، ويقولون : "أَشْرِقْ ثَبِيْر"، وإن النبي ‏صلى الله عليه وسلم خالفهم، ثم أفاضَ قبل أنْ تطلعَ الشمس" أخرجه البخاري.‏
‏4) من اتبع السنة فبات بالمزدلفة قبل الفجر ووقف فيها بعده صح وقوفه إجماعاً.‏
‏ ‏
سنن الوقوف بمزدلفة :‏
الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة :‏
أ- ذهب الحنفية إلى وجوب تأخير المغرب إلى المزدلفة، لِتُصَلَّى مع العشاء جمع تأخير، ‏فمن صلى المغرب في عرفة، أو في الطريق إلى المزدلفة يجب عليه إعادتها ما لم يطلع الفجر ‏عند أبي حنيفة.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ هذا الجمع سنة وليس بواجب، لأنه شرع لِعِلَّةِ السفر فلا يكون ‏واجباً.‏
ب- وهذا الجمع من مناسك الحج واجب عند الحنفية وحدهم لذلك اشترطوا فيه، ما يلي:‏
‏1) سبق الإحرام بالحج.‏
‏2) أن تؤدى الصلاتان في المكان المعين وهو المزدلفة.‏
‏3) أن يكون الأداء في الزمان الخاص وهو ليلة عيد النحر، وفي وقت صلاة العشاء، ‏حتى لو بلغ المزدلفة قبل العشاء يجب عليه تأخير المغرب إلى دخول وقت العشاء.‏
لكن لا تشترط الجماعة لهذا الجمع لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة ‏لأن العصر مقدم على وقته.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:41 PM
الفصل الثالث
‏34- رَمْيِ الجِمَار




أ- الرمي لغة: القذف.‏
والجِمار: الأحجار الصغيرة، جمع جَمْرَةٍ وهي الحصاة.‏
وسمي موضع الرمي جمرة أيضاً لاجتماع الحصى فيه، وليست الجمرة هي الشاخصَ ‏‏"العمود" الذي تجده هناك في منتصف المرمى، بل الجمرة هي المرمى المحيط بذلك الشاخص.‏
ب- والجمرات التي تُرْمَى ثلاثة:‏
جمرة العَقَبَةِ: وهي الجمرة الكبرى، وتقع في آخر مِنَى تجاه مكة. وليست من مِنَىً وتُرمى ‏من جهة واحدة من بطن الوادي وهو الشارع الذي تجاهها الآن بالنسبة للرمي من الأرض. أما ‏رميها من فوق الجسر فمن جميع الجهات.‏
والجمرة الوسطى: أول جمرة بعد العقبة تجاه منى، وتُرْمَى من جميع الجهات.‏
والجمرة الصغرى: أول جمرة بعد مسجد الخيف بمنى، وتُرْمَى من جميع الجهات أيضاً.‏
ج- دليل وجوب الرمي:‏
وقد اتفقت المذاهب على وجوب رمي الجِمار واستدلوا على ذلك بالسنة والاجماع.‏
فمن السنة : فعله صلى الله عليه وسلم.‏
وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه فيكون واجباً.‏

‏35- ركن الرمي الذي لا يتحقق بدونه:‏
أن يكون هناك قذف ولو خفيفاً.‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لو طرحها طرحاً أجزأه لأن الرمي قد وجد بهذا الطرح، ‏إلا أنه رمي خفيف، فتثبت الإساءة به.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يجزئه الطرح بتاتاً، أما لو وضعها وضعاً فلا يصح ‏اتفاقاً.‏

‏36- شروط صحة الرمي :‏
أ- ذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن يكون المَرْمِيُّ حجراً، فلا يصح ‏الرمي بالطين والمعادن والتراب، والسنة أن يكون مثل حصى الخذْف فوق الحمصة ودون ‏البندقة باتفاقهم جميعاً، استدلالاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وذهب الشافعية إلى إجازة الشافعية الرمي بالحجر الصغير الذي كالحمصة.‏
وذهب المالكية إلى عدم إجازة ذلك، بل لا بد أن يكون عندهم أكثر من ذلك.‏
وذهب الحنفية إلى أن الشرط أن يكون المرمِيُّ من جنس الأرض، فيصح بالطين ‏والتراب عندهم، ولا يصح بالمعادن، لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل ‏بالحجر، بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة، لأنه يسمى نِثاراً لا رمياً".‏
ب- أن يرميَ سبع حصيات على كل جمرة، واحدةً فواحدةً، فلو رمى السبع جملة فهي ‏واحدة، ويلزمه أن يرمي بست سواها. لا خلاف في ذلك بين الأئمة.‏
ج- د- أنْ يقصد المَرْمى في رميه وأنْ تتحقق إصابته. فلو ضرب شخصٌ يدَه فطارت ‏الحصاة إلى الجمرة لم يصح.‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا رمى الحصاة فوقعت قريباً من الجمرة جاز، ولو وقعت بعيداً ‏منها يجزيه لأن الرمي لم يُعرف قُرْبَةً إلا في مكان مخصوص.‏
وقدر الحنفية القرب بقدر ذراع، فلو وقعت الحصاة خارج الدائرة التي يجتمع فيها ‏الحصى صح عند الحنفية لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه.‏
وذهب الشافعي المالكية والحنبلية: إلى أنَّ الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من ‏الحصى، فمن أصاب مجتمعه أَجْزَأه، ومن أصاب سائله لم يُجْزِه".‏
هـ- الوقت : فكل رَمْيٍ وقتٌ خاص به.‏

‏37- سنن الرمي: وهي أربع:‏
أ- أن يكون بين الرامي وبين الجمرة خمسة أذرع فأكثر.‏
ب- الموالاة بين الرميات السبع، فيكره الفصل بينها، لما ورد من فعله صلى الله عليه ‏وسلم، فإنه رماها في موقف واحد.‏
ج- ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق: بأن يبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد ‏الخَيْفِ، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.‏
ذهب الحنفية في التحقيق أن هذا الترتيب سنة. استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم ‏وفسروه بأنه على سبيل السنة لا الوجوب.‏
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ قدَّمَ مِن نُسُكِه شيئاً أو أخّره فلا شيءَ عليه".‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه شرط لصحة الرمي، فلو عكس الترتيب فبدأ بالعقبة ثم ‏الوسطى ثم الصغرى وجب عليه إعادة رمي الوسطى والعقبة عندهم، ليتحقق الترتيب.‏
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك فيجب الاقتداء به:‏
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يرمي الجمرةَ الدُّنْيا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ يكبِّرُ على ‏إثْرِ كل حصاة، ثم يتقدمُ حتى يُسْهِلَ، فيقومَ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً، ويدعو ويرفعُ يديه، ثم ‏يرمي الوُسْطى ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمال فَيَسْتَهِلُ(1) ويقومُ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً ويدعو ويرفعُ ‏يديه، ويقومُ طويلاً، ثم يرمي جمرةَ ذات العقبة من بطنِ الوادي ولا يقفُ عندها، ثم ينصرفُ ‏فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يفعَلُهُ أخرجه البخاري.‏
د- أن يقف إثر كل رمي آخر مدةَ ما يقرأ ثلاثة أرباع جزء من القرآن، وأدناه قدر ‏عشرين آية، فيقف بعد رمي الجمرة الصغرى، وبعد الوسطى لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء ‏فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت. فلا يقف بعد جمرة العقبة يوم النحر ‏ولا أيام التشريق أيضاً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:41 PM
‏38- توقيت الرمي وعدده:‏
أيام الرمي أربعة: يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وثلاثة أيام بعده. وتسمى "أيام ‏التشريق".‏
أ- الرمي يوم النحر :‏
واجب الرمي فيه رمي جمرة العقبة وحدها، يرميها بسبع حصيات.‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت الرمي يبدأ من طلوع فجر يوم النحر. وهذا الوقت ‏أقسام:‏
وقت ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة، وما ‏بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، ‏والليل وقت الجواز مع الإساءة يعني ولا جزاء فيه عند الحنفية فقط.‏
وتحديد الوقت المسنون مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رمى في ذلك ‏الوقت.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول وقت جواز الرمي إذا انتصفت ليلة يوم النحر لمن ‏وقف بعرفة قبله.‏
وللرمي ثلاثة أوقات عند الشافعية: "وقت فضيلة إلى الزوال، ووقت اختيار إلى ‏الغروب، ووقت جواز إلى آخر أيام التشريق". أي قبل غروب الشمس يوم الثالث عشر من ذي ‏الحجة.‏
وآخر وقت الرمي:‏
عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي.‏
وعند المالكية إلى المغرب، حتى يجب الدم إن أخره عنه على المشهور عندهم.‏
عند الشافعية والحنبلية يمتد إلى آخر أيام التشريق. لأنها كلها أيام رمي.‏
استدل أبو حنيفة:‏
‏________________‏
‏(1) يسير في السهل.‏
بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال : "رميتُ بعد ما أَمْسَيْتُ؟ فقال ‏‏: "لا حرج". أخرجه البخاري. وهو يدل على جواز الرمي بعد الزوال.‏
وحديث ابن عباس أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا ليلاً" ‏أخرجه ابن أبي شيبة.‏
وهو يدل على أن وقت الرمي في الليل جائز، وفائدة الرخصة زوال الإساءة عنهم تيسيراً ‏عليهم، ولو كان الرمي واجباً قبل المغرب لألزمهم به، لأنهم يستطيعون إنابة بعضهم على ‏الرعي.‏
وعلى ذلك فالرمي قبل المغرب يوم النحر ليس فيه كراهة اتفاقاً، وهو قليل الزحام فراع ‏ذلك، وإن وجدت فيه زحاماً فالمدة متسعة.‏
ب- الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق : (الحادي عشر والثاني عشر من ‏ذي الحجة) :‏
يجب فيهما رمي الجمار الثلاث على الترتيب : يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي ‏مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات.‏
يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين من أيام التشريق بعد الزوال، حتى لا يجوز الرمي ‏فيهما قبل الزوال، باتفاق الأئمة وجماهير العلماء، وهي الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي ‏حنيفة.‏
ورُوي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي بعد الزوال في اليوم الثاني والثالث من أيام ‏النحر وهما الأول والثاني من أيام التشريق فإن رمى قبل الزوال جاز. واسْتُدِلَّ له بقياس أيام ‏التشريق على يوم النحر، لأن الكل أيام رمي.‏
وعن أبي حنيفة: "إن كان مِنْ قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في ‏اليوم الثالث -من أيام النحر - قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده ‏لا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع الحرج لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا ‏بالليل، فَيُحْرَجُ في تحصيل موضع النزول". وقوّى بعض متأخري الحنفية هذا الروابة توفيقاً بين ‏الروايات عن أبي حنيفة.‏
ونظراً لشدة الزحام في زماننا حتى تجاوز عدد الحجاج ألفي ألف (مليونين) اتجهت لجان ‏الإفتاء للأخذ بما روي عن أبي حنيفة في الروايتين الأخيرتين، وقد وافقه بعض أهل العلم منهم ‏عطاء بن أبي رباح الإمام التابعي الجليل.‏
ج- نهاية وقت الرمي:‏
ذهب الحنفية إلى أنه ينتهي رمي اليوم الثاني من أيام النحر بطلوع فجر اليوم الثالث، ‏ورمي اليوم الثالث بطلوع الفجر من اليوم الرابع، فمن أخر الرمي إلى ما بعد وقته فعليه دم عند ‏أبي حنيفة.‏
والوقتُ المسنونُ يمتد من زوال الشمس إلى غروبها، بدليل فعله صلى الله عليه وسلم.‏
والدليل على جواز الرمي بعد مغرب نهار الرمي حيث الإذن للرعاء بالرمي ليلاً.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن آخر الوقت بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر، ‏وهو آخر أيام التشريق الثلاثة. فَمَنْ تَرَكَ رميَ يوم أو يومين تداركه فيما يليه من الزمن، وإن لم ‏يتدارك الرمي حتى غربت شمس اليوم الرابع فقد فاته الرمي وعليه الجزاء.‏
وذهب المالكية إلى أنه ينتهي الأداءُ إلى غروبِ كل يوم، وما بعده قضاء له، ويفوت ‏الرمي بغروب الرابع، ويلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، وكذا يلزمه الدم إذا أخر ‏شيئاً منها إلى الليل.‏
د- النَّفْر الأول :‏
إذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق أي ثالث أيام النحر يجوز له أن يَنْفِرَ - أي ‏يرحل - إلى مكة، إنْ أحب التعجيل في الانصراف من منى، ويسمى هذا اليومَ يومَ النَّفْرِ الأول، ‏وبه يسقط رمي اليوم الثالث من أيام التشريق. وهو قول عامة العلماء.‏
ومن أدلتهم :‏
قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجْلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَنْ تَأخّرَ فَلا إثْمَ عَليْهِ لِمَنِ اتَّقَى} ‏‏[البقرة: 203].‏
لكن اختلفوا في وقت جواز النَّفْر الأول:‏
ذهب الحنفية إلى أن له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام النحر، فإذا طلع ‏الفجر لم يكن له أن ينفر، لدخول وقت الرمي حتى لو أعد نفسه، وسار من منزله، فطلع الفجر ‏قبل مجاوزة حدود منى - وهي جمرة العقبة جهة مكة - وجب عليه رمي اليوم الرابع.‏
وذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنبلية - إلى أن له أن ينفر قبل غروب الشمس، ‏فإن غربت قبل خروجه من حدودها وجب عليه المبيت ورمي اليوم الرابع، سواء كان ارتحل، أو ‏كان مقيماً في منزله.‏
لكن الشافعية ترخصوا وأجازوا النفر لمن تمت أشغاله وسار بالفعل قبل الغروب وهو ‏في شغل الارتحال فغربت عليه الشمس قبل انفصاله من منى فجوزوا له النفر، وكذا لو غربت ‏الشمس بعدما رمى وهو في شغل الاتحال له النفر عندهم، لأن في تكليفه حلَّ الرَّحْلِ والمتاع ‏مشقة عليه.‏
أما إذا حزم متاعه وسار للرمي، ورحل بعد الرمي مواصلاً سيره كما يفعل كثيرون ‏فغابت عليه الشمس قبل الرمي أو قبل أن يبدأ بالرمي فهل له أن ينفر بعد هذا الرمي ؟ ظاهر ‏شروطهم لا يجوز، وتعليلهم برفع المشقة بظاهره الجواز. ومذهب الحنفية أوسع في هذا.‏
هـ- الرمي ثالث أيام التشريق : (رابع أيام النحر) :‏
يجب هذا الرمي على من تأخر ولم ينفر من منى في "النفر الأول" وهذا الرمي آخر ‏مناسك منى.‏
واتفق العلماء على أن الرمي في هذا اليوم بعد الزوال رمي في الوقت، كما رمى في ‏اليومين قبله، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
فمذهب أبي حنيفة : يجوز أن يقدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال، بعد طلوع الفجر. ‏ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه - أي الرمي - في الأوقات ‏كلها أولى.‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه لا يصح قبل الزوال.‏
واتفقوا على أن آخر وقت الرمي في هذا اليوم غروب الشمس، كما اتفقوا على أن وقت ‏الرمي لهذا اليوم وللأيام الماضية لو أخره أو شيئاً منه يخرج بغروب شمس اليوم الرابع، فلا ‏قضاء له بعد ذلك، ويجب في تركه الفداء.‏
و- النفر الثاني:‏
إذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق - وهو رابع أيام النحر انصرف ‏من منى إلى مكة، ولا يقيم بمنى بعد رميه هذا اليوم، ويسمى يوم "النفر الثاني" وهو آخر أيام ‏التشريق، وبه تنتهي مناسك منى.‏

‏39- النيابة في الرمي: (الرمي عن الغير):‏
أ- المعذور الذي لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض يجب أن يستنيبَ مَنْ يرمي عنه، ‏وينبغي أن يكونَ النائب قد رمى عن نفسه، فإن لم يكن رمى عن نفسه فليرم عن نفسه الرمي كله ‏ليومه أولاً، ثم ليرم عمن استنابه، ويجزيء هذا الرمي عن الأصيل عند الحنفية والشافعية ‏والحنبلية. وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه رمى حصاة لنفسه وأخرى للآخر جاز ويكره.‏
وقال الشافعية: إن الإنابة خاصة بمريض لا يرجى شفاؤه قبل انتهاء أيام التشريق، وعند ‏الشافعية قول إنه يرمي حصيات الجمرة عن نفسه أولاً، ثم يرميها عن نائبه إلى أن ينتهي من ‏الرمي. وهو مخلص حسن لمن خشي خطر الزحام.‏
ب- ومَنْ عَجز عن الاستنابة كالصبي، والمغمى عليه، فيرمي عن الصبي وليه اتفاقاً. ‏وعن المغمى عليه رفاقه عند الحنفية، ولا فدية عليه وإن لم يرم عند الحنفية.‏
وقال المالكية: فائدة الاستنابة أن يسقط الإثم عنه إن استناب وقت الأداء. وإلا فالدم عليه ‏استناب أم لا، إلا الصغير ومَنْ أُلْحِقَ به، وإنما وجب عليه الدم دون الصغير ومن أُلحِق - ‏كالمُغْمَى عليه - لأنه المخاطب بسائر الأركان.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:42 PM
الفصل الرابع



‏40- الحَلق والتقصير
‏ ‏
أ- الحلق: إزالة الشعر بالموسى من الرأس.‏
والتقصير: أخذ جزء من الشعر بالمقص ونحوه.‏
كان العرب يطلقون شعرهم لا يحلقونه ولا يقصرونه، فأمر الله الحاج والمعتمر بحلق ‏شعر الرأس أو تقصيره.‏
ب- وقد اتفق جماهير العلماء على أن الحلقَ نُسُك يُتَعَبَّد به في الحج والعمرة، واتفقوا ‏على أنه لا يجزئ أخذ شعر غير الرأس.‏
ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة أنه واجب من واجبات الحج.‏
ومن أدلتهم:‏
‏1) قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ‏وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [الفتح: 27].‏
وجه الاستدلال: أن الآية وإن كانت خبراً ووعداً من الله، فلابد من إيجابه عليهم ليتحقق ‏وعده تعالى.‏
‏2) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما ،طوفوا بالبيتِ، وبالصفا والمروة، ثم يَحِلُّوا ‏ويَحْلِقوا أو يُقَص في المشهور عنه الراجح في المذهب إلى أن الحلق ركن في الحج، لتوقف ‏التحلل عليه، مع عدم جبره بالدم في مذهبه فصار كالطواف.‏
‏41-‏ القدار الواجب في الحلق والتقصير.‏
اختلف الأئمة في القدر الذي يجزئ حلقه أو تقصيره من شعر الرأس:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يكفي في أداء الواجب حلقُ ربع الرأس أو تقصيره، مع الكراهة ‏لتركه السنة، وهي حلق جميع الرأس أو تقصيره.‏
ذهب الشافعية إلى أنه: يكفي إزالة ثلاث شعرات أو تقصيرها، لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ ‏رُءُوسَكُمْ..} فإنّ معناه شعر رؤوسكم، والشعر يصدق بالثلاث، لأنه اسم جميع.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنَّ الواجب حلق جميع الرأس أو تقصيره، وذلك إشارة إلى ‏طلب تحليق الرؤوس أو تقصيرها، ولفعله عليه الصلاة والسلام، فإنه استوعب رأسه بالحلق.‏
‏2) أما التقصير فأقله "أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة، أي طرفٍ من رأس ‏الإصبع (نحو ربع سنتمتر) للمساحة التي ذكرناها من الرأس في كل مذهب.‏
‏3) وقد اتفق العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير للرجال، لتقديم ذكر المحلِّقين في ‏الآية.‏
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهمَّ ‏ارحمِ المحلقين" قالوا: "والمقصِّرينَ يا رسولَ الله" قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: ‏‏"والمقصرين يا رسول الله". قال: "والمقصرين" متفق عليه.‏
‏4) حكم النساء في الحلق: أجمع الفقهاء أن لا حلق على النساء، إنما عليهن التقصير، ‏ويكره لهن الحلق، لأنه بدعة في حقهن وفيه مُثْلَةٌ.‏
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليسَ على ‏النساءِ حَلْقٌ إنما على النساءِ التَّقْصِير" أخرجه أبو داود بسند حسن.‏
‏5) الأصلع الذي لا شعر على رأسه:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجب عليه إجراء الموسى على رأسه لأن الواجب شيئان: ‏إجراؤه، مع الإزالة، فما عجز عنه سقط، دون ما لم يعجز عنه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة وقول لبعض الحنفية إلى أن استحباب ذلك لفوات ما تعلق به ‏الواجب وهو الشعر.‏
‏42-د- توقيت الحلق والتقصير:‏
‏1) زمان الحلق:‏
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن زمان الحلق يختص الحلق بأيام النحر (10، 11، 12 من ‏ذي الحجة)، فلو أخره عنها يجب بتأخيره دم عندهم. وهذا وقت وجوب الأداء، ولا آخر له في ‏حق التحلل، أي خروجه من إحرامه فيظل محرماً حتى يحلق أو يقصر مهما تأخر عند الحنفية.‏
‏ أما عند مالك فالتحلل يكون بالرمي.‏
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه لا آخر لوقت الحلق، كما أنه لا آخرَ لوقت طواف الزيارة، ‏لأن الأصل عدم التأقيت فلو أخر الحلق لا يجب عليه دم، إلا أن الشافعي وقَّت ابتداء الحلق ‏بمنتصف ليلة النحر، قياساً على الرمي.‏
‏2) مكان الحلق:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أن مكان الحلق مؤقت بالحرم، فإنْ حَلَقَ أو قصر في أيام النحر في ‏غير الحرم حصل التحلل، وعليه دم سواء في ذلك حلق الحج أو العمرة.‏
وذهب الشافعي ومالك إلى أن الحلق غير مختص بالحرم، لكن الأفضل فعله في منى، ‏فلو فعله في موضع آخر مثل وَطَنِه أو غيرِه جاز، لحج أو لعمرة، ولا شيء عليه، ولا يحل حتى ‏يحلق.‏
‏3) ترتيب الحلق مع أعمال يوم النحر:‏
يفعل الحاج بمنى يوم النحر ثلاثة على هذا الترتيب : رمي، فنحر، فحلق.‏
وترتيب الحلق أن يفعله بعد الرمي والذبح، إنْ كان متمتعاً أو قارنا كما رتب النبي صلى ‏الله عليه وسلم، أما المفرد فإنه يحلق بعد الرمي فقط لأنه لا ذبح عليه.‏
عن أنس رضي الله عنه : "أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم ‏النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن، ‏فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه". أخرجه ‏مسلم.‏
واختلف المذاهب في حكم الترتيب:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يجب مراعاة الترتيب، فيجب عندهم الدم فداء عن التأخير، كما إذا ‏حلق قبل الرمي، أو نحر القارن قبل الرمي، وكالحلق قبل الذبح.‏
وذهب الشافعي إلى أن الترتيب سنة، لو تركه أساء وليس عليه فداء.‏
‏ وذهب المالكية إلى أنَّ الواجب في الترتيب: تقديم الرمي على الحلق وعلى طواف ‏الإفاضة، ولا يجب غير ذلك من الترتيب، بل هو سنة.‏
ويتفرع على مذهب المالكية أنه يجب الدم على من أخل بالترتيب في صورتين :‏
‏1) أن يحلق قبل الرمي.‏
‏2) أن يطوف للإفاضة قبل الرمي أيضاً.‏
ولا يجب الدم على من أخلَّ بالترتيب في الصور الآتية.‏
‏1) إذا حلق قبل الذبح.‏
‏2) إذا ذبح قبل الرمي.‏
‏3) إذا طاف طواف الإفاضة قبل الذبح أو قبل الحلق أو قلبهما معاً.‏
‏43- حكم الحلق أي أثره وهو: التحلل الأول:‏
يحصل بالحلق التحلُّلُ الأول أن الأصغر، فيصير الحاج حلالاً، تُباحُ له محرماتُ الإحرام ‏من اللبس، وإزالة التفث والصيد - في غير الحَرَم - والطيب وغير ذلك، إلا الجماع، فإنه يظل ‏محرماً عليه حتى يطوف طواف الإفاضة. وكذا الجماع فيما دون الفرج عند الحنفية، لأن فيه ‏قضاء الشهوة وحّرم المالكية الصيد وعقد النكاح أيضاً وكرهوا الطيب لأنه من دواعي الجماع ‏لكن لا فدية فيه.‏
والأصل فيه قول عائشة رضي الله عنها : "كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ‏لإحرامه حينَ يُحْرِم، ولِحِله قبل أنْ يطوف بالبيت بطيب فيه مسك" متفق عليه.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّه التحلل الأول لا يحصل إلا بالحلق، فلو رمى وذبح وطاف ولم يحلق ‏لم يتحلل عندهم.‏
استدلوا بأن "التحلل من العبادة هو الخروج منها، ولا يكون ذلك بركنها، بل إما بمنافيها، ‏أو بما هو محظور فيها، وهو أقل ما يكون".‏
وذهب الشافعي إلى أنه يحصل التحلل الأول إذا فعل اثنين من الرمي والحلق وطواف ‏الزيارة، أي المسبوق بالسعي من قبل، وإلا فلا يحل حتى يسعى بعد طواف الزيارة. فجعل الرمي ‏من أسباب التحلل، وهذا على المشهور عندهم من أن الحلق نسك. والمفرد والمتمتع والقارن في ‏أسباب التحلل هذه وترتيبها على حد سواء. لأن الذبح لا مدخل له في التحلل عند الشافعية. استدلوا ‏بحديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : "إذا رميتم الجمرةَ فقد حلَّ لكم كُّل شيء ‏إلا النساءَ.." أخرجه النسائي وابن ماجه هكذا موقوفاً. وثبت عن بعض الصحابة نحو ذلك من ‏قوله أيضاً.‏
وذهب مالك وأحمد إلى أن التحلل الأول برمي جمرة العقبة وحده.‏
التحلل الثاني :‏
ويسمى التحلل الأكبر، وتِحل به كل محظورات الإحرام حتى النساء، إجماعاً.‏
ذهب الحنفية إلى أنه يحصل هذا التحلل بطواف الإفاضة عند الحنفية، ولا يتوقف ‏الإحلال على السعي، لأنه من الواجبات عندهم. وقد علمت أن الحنفية علقوا التحلل بالحلق فلو ‏تقدم الطواف على الحلق لم يحل.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يحصل عندهم التحلل الأكبر بتكميل فعل الثلاثة : جمرة ‏العقبة، والحلق والطواف. إذا كان سعى بعد طواف القدوم، أما إذا لم يسع بعد طواف القدوم فلا بُدَّ ‏من السعي بعد طواف الإفاضة حتى يتحلل التحلل الثاني (الأكبر).‏
وذهب المالكية إلى أنه يحصل التحلل الأكبر عندهم بطواف الإفاضة لمن حلق ورمى ‏جمرة العقبة قبل الإفاضة، أو فات وقتها عليه وذلك بشرط السعي أيضاً.‏
وحصول التحلل الأكبر باستيفاء الأربعة : رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق وطواف ‏الإفاضة بشرط السعي موضع إجماع أئمة المسلمين لا خلاف فيه بينهم. لكن يجب عليه فعل بقية ‏أعمال الحج، إن كان حلالاً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:42 PM
الفصل الخامس



‏44- طواف الصَّدَرِ
‏"الوداع"‏
‏ ‏
ويسمى طواف الوداع وطواف آخر العهد:‏
شُرِعَ طوافُ الوداع لختام مناسك الحج، يفعله الحاج إذا عزم على السفر من مكة، ذهب ‏الحنفية والشافعية على الأظهر والحنابلة إلى وجوب طواف الوداع.‏
استدلوا على وجوبه بأمره صلى الله عليه وسلم كما روى ابن عباس رضي الله عنهما ‏قال: "أُمِرَ الناسُ أنْ يكونَ آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنهُ خفِّفَ عَنِ المرأةِ الحائض" متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى أنه سنة، لأنه جاز للحائض تركه دون فداء، ولو وجب لم يجز ‏للحائض تركه.‏

‏45- شروط وجوبه:‏
أ- أن يكون الحاج من أهل الآفاق:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجب على المكي، لأن الطواف وجب توديعاً للبيت، وهذا ‏المعنى لا يوجد في أهل مكة، لأنهم في وطنهم.‏
وقال الحنفية: يلحق بالمكي مَنْ كان مِنْ منطقة المواقيت، لأن حكمهم حكم أهل مكة.‏
وقال الحنابلة: لا يسقط إلا عمن كان منزله في الحرم فقط.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه يطلب طواف الوداع في حق كل من قصد السفر من ‏مكة ولو كان مكياً إذا قصد سفراً تقصر فيه الصلاة.‏
ب- الطهارة من الحيض والنفاس : فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يسن أيضاً، ‏حتى إنهما لا يجب عليهما دم بتركه، لما في حديث ابن عباس:" إلا أنه خفف عن الحائض" وكذا ‏حديث عائشة في قصة صفية لما حاضت، فقد سافر بها النبي صلى الله عليه وسلم دون أن تطوف ‏للوداع.‏
فأما الطهارة من الجنابة فليست بشرط لوجوب طواف الوداع، فيكون واجباً على المحدث ‏والجنب، لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة في الحال.‏
وإذا طَهُرَتِ الحائض أو النُّفَساء قبل أنْ تفارقَ بنيان مكة يلزمها طواف الصدر، وإن ‏جاوزت جدران مكة ثم طهرت لم يلزمها طواف الصدر، اتفاقاً بين الحنفية والشافعية والحنبلية ‏ولا يكون سنة في حقها عند المالكية، لأنها حين خرجت من العمران صارت مسافرة، بدليل ‏جواز القصر، فلا يلزمها العود ولا الدم.‏
جـ- أن يكون قد أدى مناسك الحج مفْرِداً أو متمتعاً أو قارناً. ذهب الحنفية إلى أنه لا ‏يجب على المعتمر، ولو كان آفاقياً، وكأنهم نظروا إلى المقصود، وهو ختم أعمال الحج، فلا ‏يطلب من المعتمر.‏
وذهب الجمهور إلى أنه يطلب طواف الوداع من المعتمر.‏

‏46- وقت طواف الوداع:‏
وقت طواف الوداع عند الحنفية يمتد من عقب طواف الزيارة إلى أن يسافر، وكل طواف ‏يفعله الحاج بعد طواف الزيارة يقع عن طواف الصدر.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ السفر فور الطواف فليس من شرائط جوازه عند الحنفية، حتى لو ‏طاف للصدر، ثم تشاغل بمكة بعده، لا يجب عليه طواف آخر، لأن المراد أن يكون آخر عهده ‏بالبيت نسكاً، لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت. إلا أن المستحب أن يؤخر طواف الصدر ‏إلى الوقت الذي يريد أن يسافر فيه.‏
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ وقته بعد فراغه من جميع أموره، وعزمه على ‏السفر، ويغتفر له أن يشتغل بعده بأسباب السفر، كشراء الزاد، وحمل الأمتعة، ونحو ذلك ولا ‏يعيده، وإن مكث بعده، مشتغلاً بأمر آخر غير أسباب السفر كشراء متاع، أو زيارة صديق، أو ‏عيادة مريض احتاج إلى إعادة الطواف.‏
ويُنصح الحاج أنْ يسرعَ بعد طوافِ الزيارة بطوافٍ آخر بناء على مذهب الحنيفة ‏احطياطاً للسفر في وقت ضيق عليه. وقرّر الملكية والحنابلة في مذهبهم: أن طواف الوداع يتأدى ‏بطواف الإفاضة أو طواف العمرة لمن خرج من مكة بعدهما، إن نواه بهما، ولا يكون سعيه لها ‏‏(يعني العمرة) طولا حيث لم يُقِمْ عندها إقامة تقطع حكم التوديع . ويدل لهم قوله "آخر عهده ‏بالبيت"، وقد حصل هنا.‏
__________________

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:43 PM
الباب الرابع

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:43 PM
‏47-سنن الحج

السنن يطلب فعلها، ويثاب المكلف عليها، وتلزم الإساءة لو تركها عمداً، لكن لا يلزمه ‏الفداء من دم أو صدقة بذلك. ‏
ونذكر ههنا سنن الحج الأصلية، والمذاهب فيها : ‏
أولاً - طواف القدوم :‏
أ- ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة للآفقي القادم من خارج مكة ‏لتحية البيت العتيق، لذلك يستحب البدء به دون تأخير.‏
وعن عائشة رضي الله عنها "أنّ أولَ شيء بَدَأَ به حين قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه ‏توضَّأَ ثم طاف .. الحديث". متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى أنه واجب.‏
ب- يسقط طواف القدوم عن ثلاثة وهم :‏
‏1) المكي، ومن في حكمه، وهو الآفقي إذا أحرم من مكة.‏
وذهب الحنفية إلى إسقاطه عمّنْ كان منزله في المواقيت، لأن الطواف شرع للقدوم، ‏والقدوم في حق هؤلاء غير موجود.‏
وذهب المالكية إلى أنه يجب على من أحرم من الحِلِّ ولو كان مكياً، أما من كان في ‏منطقة الحرم فليس عليه طواف قدوم.‏
‏2) المعتمر والمتمتع ولو آفاقياً، لدخول طواف الفرض عليه وهو طواف العمرة، اتفاقاً ‏في ذلك بين الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية، فطواف القدوم عندهم خاص بمن أحرم بالحج ‏مفرداً، أو قارناً بين الحج والعمرة. وذهب الحنابلة إلى أنه: يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف ‏الإفاضة، ثم يطوف طواف الإفاضة.‏
‏3) من قصد عرفة رأساً للوقوف يسقط عنه طواف القدوم. "لأن محله المسنون قبل ‏وقوفه". وقرر المالكية أنه إذا خشي فوات الوقوف بعرفة لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولا ‏فدية عليه، أما إذا كان الوقت متسعاً وترك طواف القدوم يجب عليه الفدية.‏
جـ- وقت طواف القدوم يبدأ حين دخول مكة، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُبادرَ بأدائه قبل استئجار ‏المنزل ونحو ذلك. وآخر وقته وقوفه بعرفة، لأنه بعد الوقوف مطالب بطواف الفرض أي طواف ‏الزيارة.‏
د- كيفية طواف القدوم كطواف الزيارة، إلا أنه لا اضطباع فيه ولا رمل، ولا سعي ‏لأجله، إلا إذا أراد تقديم سعي الحج على وقته الأصلي، الذي هو عقيب طواف الزيارة، فإنه يسن ‏له عندئذ الاضطباع والرمل في الطواف، لما سبق أن قررنا أن الرمل والاضطباع سنة في كل ‏طواف بعده سعي.‏
ثانياً: خُطَبُ الإمام: ‏
‏- الخطبة الأولى: ذهب الحنفية والشافعية إلى أنها تسن هذه الخطبة في مكة يوم السابع ‏من ذي الحجة قبل يوم التروية بيوم، عند الحنفية والشافعية، والغرض منها أن يعلمهم المناسك.‏
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ قَبْلَ ‏الترويِة بيومٍ خطبَ الناسَ وأخبرهم بمناسِكِهم " أخرجه البيهقي بسند جيد.‏
‏- الخطبة الثانية: وتُسَنُّ يومَ عرفة بعرفات، قبل الصلاة اتفاقاً أيضاً. وهذه الخطبة ‏خطبتان يفصل بينهما بجلسة كما في خطبة الجمعة، يبين لهم في أولاهما ما أمامهم من المناسك، ‏ويحرضهم على إكثار الدعاء والابتهال، ويبين ما يهمهم من الأمور الضرورية لشؤون دينهم، ‏واستقامة أحوالهم.‏
‏- الخطبة الثالثة: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها بمنى في اليوم الحادي عشر من ذي ‏الحجة وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنها تكون بمنى يوم النحر.‏
‏- أما الخطبة الرابعة: ذهب الشافعية والحنبلية إلى زيارة الخطبة الرابعة التي هي بمنى ‏ثاني أيام التشريق يعلمهم فيها جواز النفر فيه وغير ذلك، ويودعهم.‏
ثالثاً: المبيت بمنى ليلة يوم عرفة، وأداء خمس صلوات فيها:‏
يسن للحاج أن يخرج من مكة إلى منى يوم التروية، بعد طلوع الشمس، فيصلي بمنى ‏الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء والفجر، وذلك سنة باتفاق الأئمة رضي الله عنهم.‏
وفي حديث جابر" لما كان يوم التروية توجهوا إلى مِنى فأَهَلَّوا بالحج فركبَ رسولُ الله ‏صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والغجر، ثم مكثَ قليلاً حتى ‏طلعتِ الشمسُ وأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ ".‏
ذهب الحنفية إلى أنه سنة.‏
وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة.‏
رابعاً: المبيت بمزدلفة ليلة النحر:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ المبيت بالمزدلفة ليلة عيد النحر سنة عند الحنفية، وإنما الواجب ‏عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبيناه في واجبات الحج.‏
وذهب المالكية إلى ندب المبيت بمزدلفة ليلة النحر.‏
وذهب الشافعية إلى وجوب المكث الطويل.‏
وذهب الحنابلة إلى استحبابه.‏
خامساً: المبيت بمنى ليالي التشريق:‏
ذهب الحنفية إلى أنه سنة.‏
وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة فيلزم ‏الفداء لمن تركه كله أو معظم ليلة واحدة منه بغير عذر عند الأئمة الثلاثة استدلوا على الوجوب ‏بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ‏
‏" أفاضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن آخرِ يومه حين صلى الظهرَ، ثم رجع إلى مِنى، ‏فمكثَ لياليَ أيامِ التشريق. . الحديث " أخرجه أبو داود.‏
وأجاب الحنفية بحمل الحديث على السنية.‏
سادساً: التحصيب:‏
وهو النزول بوادي المحصَّب، أو الأَبْطَح، في النَّفْرِ من مِنى إلى مكة، عند انتهاء ‏المناسك. ويقع المُحَصِّب عند مدخل مكة، بين الجبلين، إلى المقبرة المسماة بالحُجون(1).‏
ذهب الحنفية إلى أن التحصيب سنة.‏
وذهب الجمهور إلى أنه مستحب.‏
‏ ___________________________________‏
‏(1) سمي محصباً لكثرة الحصباء، أي الحصى الصغير التي تجرفها السيول إليه، كذا سمي ‏الأبطح من البطحاء وهي الحصى الصغار. والخيف ما انحدر عن غلظ الجبَل وارتفع عن مجرى ‏السيل، سمي المحصّب بذلك وسمي مسجد منى بذلك لأنهما في سفح جبل.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:45 PM
الباب الخامس
في العمْرة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:45 PM
‏48- العمرة لغة:
الزيارة، سميت بذلك لأن فيها عمارة الود، مأخوذة من الاعتمار، ‏يقال:" اعتمر فهو معتمر أي زار ".‏
وفي اصطلاح الفقهاء: الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.‏
وتتلخص كيفية العمرة بأن يحرم بها من الميقات ثم يأتي مكة فيطوف بالكعبة سبعاً ثم ‏يصلي ركعتين للطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ثم يحلق ويتحلل.‏

‏49- حكم العمرة:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها سنة مؤكدة في العمر مرة واحدة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة- على الأظهر عندهما - إلى أنها واجبة مرة في العمر، كالحج.‏
استدل الحنفية والمالكية على سنية العمرة بأدلة، منها:‏
حديث جابر- رضي الله عنه -، قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرةِ ‏أواجبةُُ هي؟ قال:"لا، وأنْ تَعْتَمِرَ فهو أفضل". أخرجه الترمذي وقال"حديث حسن"‏
واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل عليه السلام: ‏‏"وأنْ تحجَّ وتعتمرَ " أخرجه بهذه الزيادة الدارقطني.‏

‏50- فضيلة العمرة:‏
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" العمرةُ إلى ‏العمرةِ كفارةُُ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءُُ إلا الجنة ". متفق عليه.‏
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عمرةُُ في ‏رمضانَ تَقْضِي حجة " متفق عليه. ولمسلم " تقضي حجةً أو حجةً معي ".‏

‏51- فرائض العمرة:‏
أولاً: الإحرام:‏
أ- ذهب الحنفية إلى أنه شرط، وهو النية مقرونة بالتلبية.‏
‏ وذهب الجمهور إلى أنه ركن وهو النية فقط.‏
وكيفية الإحرام بها هي كما في الحج إلا أنه يقول: "اللهم إني أريدُ العمرةَ فيسِّرْها لي ‏وتقبلْها منى إنك أنتَ السميعُ العليم": "لبيك اللهم .. الخ ..".‏
ويُسن للإحرام بالعمرة ما يسن للإحرام بالحج. لأن الأدلة تشمله.‏
كذلك يحظر في الإحرام للعمرة ما يحظر في الإحرام للحج.‏
ميقات الإحرام بالعمرة:‏
ب- أما الميقات الزمني فهو كلُّ السَنة، وتُندب في شهر رمضان لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "عمرةٌ في رمضانَ تقضي حجة".‏
ذهب الحنفية إلى أن العمرة تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيام بعده، حتى يجب الدم ‏على من فعلها في ذلك الوقت.‏
قالت عائشة رضي الله عنها: "حلّتِ العمرةُ في السَنة كلها، إلا أربعةَ أيام: يومُ عرفة، ‏ويومُ النحر، ويومان بعد ذلك" أخرجه البيهقي. ولأن هذه الأيام أيام شغل بأداء الحج، والعمرة ‏فيها تشغلهم عن ذلك، وربما يقع الخلل فيه فتكره.‏
وذهب الجمهور إلى أن جميع السنة وقت لإحرام العمرة وجميع أفعالها، دون استثناء، ‏وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليس كفضلها فيغيرها، لأن الأفضل فعل الحج فيها.‏
ج- وأما الميقات المكاني للعمرة: فهو ميقات الحج الذي سبق أن بينا حدوده إلا أن من ‏كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرجإلى الحل، اتفاقاً بين الفقهاء.‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسولَ الله أتنطلقونَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ وأنطلقُ بالحج؟؟ ‏فأمرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ أن يخرج معها إلى التَّنْعِيم، فاعتمَرَتْ بعدَ الحج في ذي الحجة" ‏متفق عليه.‏
ذهب الحنفية إلى أن الإحرامُ بالعمرة من التنعيم أفضلُ أخذاً بهذا الحديث، ويُحْرِمُ أكثر ‏الناس الآن من هذا الموضع، عند المسجد هناك المعروف بمسجد عائشة.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ أفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجِعِرَّانة، ثم التنعيم ثم ‏الحديبية، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بها - أي العمرة - من الجعرانة، وأمر عائشة ‏بالاعتمار من التنعيم كما تقدم، وبعد إحرامه بها بذي الحليفة عام الحُدَيْبِيَة همَّ بالدخول إليها من ‏الحديبية ... .‏
وأما من كان في منطقة المواقيت خارج منطقة الحرم فميقاته من حيث أنشأ، أي أحرم، ‏لكن اختلفوا:‏
ذهب الحنفية إلى أن ميقاته الحل كله.‏
وذهب المالكية إلى أنه يحرم من داره أو مسجده لا غير.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ميقاته القرية التي يسكنها لا يجاوزها بغير إحرام.‏
ثانياً- الطواف:‏
وهو ركن في العمرة بإجماع الأمة على ذلك، لقوله عز وجل: {وَلْيَطّوَّفُوا بالبَيْتِ ‏العَتيقِ} [الحج: 29].‏
وشرائط طواف العمرة: كطواف الزيارة في الحج لكنه لا يتقيد بوقت.‏
وواجبات طواف العمرة: هي واجبات طواف الحج أيضاً لشمول الأدلة في ذلك كله الحج ‏والعمرة جميعاً.‏

‏52- واجبات العمرة :‏
أولاً: السعي بين الصفا والمروة: ذهب الحنفية في المختار والحنابلة إلى أن السعي ‏واجب وذهب المالكية والشافعية إلى أن السعي ركن.‏
ثانياً: الحلق أو التقصير، وذلك آخر أعمال العمرة، وبه يتحلل من إحرامه تحللاً كاملاً، ‏ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه واجب. ‏
وذهب الشافعية: إلى أنه ركن ومن أخر الحلق ظل محرماً، وإذا فعل شيئاً من محظورات ‏الإحرام لزمه الفداء.‏
وأحكام فرائض العمرة وواجباتها كأحكام فرائض الحج وواجباته، فيجب فيها هنا ما ‏يجب في الحج، ويسن فيها ما يسن في فرائض الحج وواجباتها، ويحظر في إحرامها ما يحظر ‏في إحرام الحج. وقد استوفينا تفصيلها، فارجع لكل أمر في موضعه.‏
لكن لا يطلب في العمرة طواف قدوم، ولا طواف وداع، بل يَخْتَصّان بالحج عند الحنفية، ‏على ما سبق من بيان المذاهب فيهما.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:46 PM
الباب السادس

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:46 PM
‏53- الجنايات

‏ ‏
قرر الفقهاء وجوب الجزاء على من ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام، ما دام فعل ‏محظور الإحرام قبل التحلل ولو بقليل، حسبما عرفت من نوعي التحلل. أو أخل بما يجب عليه ‏من الأعمال في الحج أو العمرة، وأنه إن فعل ذلك عامداً فقد أثم، ويجب عليه الجزاء والتوبة، ولا ‏يخرجه العزم على الفدية عن كونه عاصياً آثماً.‏
وربما ارتكب بعض الناس شيئاً من هذه المحرمات، وقال: أنا أفتدي، متوهماً أنه بالتزام ‏الفدية يتخلص من وبال المعصية، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح .. وليست الفدية مبيحة للإقدام ‏على فعل المحرَّم ومَن فعل شيئاً مما يحكم بتحريمه فقد أخرج حجَّة عن أن يكون مبروراً.‏
ضوابط عامة في أنواع جزاءات الجنايات:‏
أ- فساد الحج والعمرة، وما يترتب عليه من القضاء والهدي، وذلك بالجماع قبل الوقوف ‏بعرفة إجماعاً، وبالجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للحنفية، كذلك ‏تفسد العمرة بالجماع قبل أداء ركنها.‏
ب- الهَدْي : وربما عُبِّرَ عنه بالدم، وكل موضع أطلق فيه الدم أو الهَدْي تجزيء الشاة، ‏إلا من جامع قبل الوقوف بعرفة، فعليه بدَنة عند الأئمة الثلاثة وشاة عند الحنفية، وإلا من جامع ‏بعد الوقوف قبل التحلل الأول فعليه بدنة اتفاقاً.‏
ج- الصدقة: حيث أُطْلِقَ وجوب "صدقة" عند الحنفية من غير بيان مقدارها، فإنه يجب ‏نصفُ، صاع من بُرِّ "قمح" أو صاعٌ من شعير أو تمر، ويصح دفعها أين شاء، ولو في غير ‏الحرم، وقيدها الشافعية بالحرم وأوجبوا صاعاً من البُرِّ أو غيره، وتكون الصدقة من أصناف ‏زكاة الفطر، ويجوز إخراج القيمة عند الحنفية خلافاً للأئمة الثلاثة. والصاع يساوي /3640/ ‏غراماً عند الحنفية و /1730/ غراماً عند غيرهم على التقريب. والمُدُّ يساوي ربع صاع.‏
د- الصيام: يجب الصيام مقابل الطعام، أو على التخيير في الفدية كما هو مفصل فيما ‏يأتي، والصوم لا يتقيد بالحرم ولا بالزمان والتتابع باتفاقهم، إلا الصيام لمن عجز عن هَدْي ‏القِران والتمتع، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. والصوم إنما يقع بدلاً ‏عن دم الشكر لا عن دم الجبر، فاحفظ هذه الكلية في نفسك.‏
هـ- الضمان بالمثل: وذلك في جزاء الصيد، على ما سنذكر من التفصيل.‏
و- الفدية: حيث أطلق وجوبها عند المالكية والشافعية والحنبلية فالمقصود الفدية المخيرة ‏التي نص عليها القرآن : {فَفِدْيةٌ مِن صِيامٍ أوْ صدَقةٍ أوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].‏
ز- لا ينقص حظ كل مسكين في الصدقة عند الحنفية عن نصف صاع بُرٍّ أو صاع من ‏شعير أو تمر إلا ما يفضل في كفارة الصيد أو كان الواجب أقلّ من أصله.‏
ومذهب المالكية والشافعية لا ينقص في الفدية عن مُدَّيْن ولا يزيد لكل واحد من غالب ‏قوت البلد، وأما في جزاء فمُدٌّ كامل لا يزيد ولا ينقص، ونحوهم مذهب الشافعية.‏
ومذهب الحنابلة: إطعام الفدية إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ أو نصف صاع من ‏تمر أو شعير أو غيرهما مما يجزئ في صدقة الفطر، وكذا الحكم في الإطعام لكفارة الصيد.‏
ح- الجنايات على الإحرام بالحج أو بالعمرة عقوبتها واحدة، إلا من جامع في العمرة ‏قبل أداء ركنها، فتفسد اتفاقاً:‏
قال الحنفية والحنابلة: عليه شاة.‏
وقال الشافعية والمالكية عليه بدنة. وحيثما ذكرنا ودجوب الدم دون تقييد فهو شاة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:46 PM
‏54- الجنايات في اللبس وما يتعلق ببدن المحرم
‏ ‏
يتناول هذا المبحث جناياتِ اللبس وتغطية الرأس، والحلق، وقلم الظفر، ‏والطيب،والأدهان.‏
والأصل في عقوبة هذه الجنايات كلها قوله تعالى :‏
‏ {وَلاَ تَحْلِقُوا رُوؤُسَكُمْ حَتَّى يَبّلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكمُ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِن ‏رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].‏
والنص وارد في جناية الحلق، لكن اتفقوا على إلحاق سائر الجنايات الآنفة به، وأوجبوا ‏فيها الفداء، لأنها ترفه وزينة فهي كالحلق.‏
أ- الآية واردة في جناية المعذور الذي حلق لمرض أو أذى، وهي صريحة في أن فديته ‏واجبة على التخيير بين الأمور الثلاثة. وهذا موضع اتفاق بين العلماء، إذا كانت جنايته كاملة : ‏إما أنْ يذبحَ شاة، أو يتصدق بثلاثة أصوع، على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ‏ثلاثة أيام. وإنْ كانتْ قاصرةً يجب عليه صدقة يأتي بيان قدرها في كل موضع بحسبه، ويتخير ‏بينها وبين أنْ يصوم يوماً عن كل نصف صاع عند الحنفية.‏
ب- أما العامد الذي لا عذر له:‏
ذهب ا لحنفية إلى أنه أن لا يتخير، بل يجب عليه الدم عيناً أو الصدقة عيناً حسب جنايته ‏مما سيأتي تفصيله، واستدلوا على ذلك بالآية، لأن التخيير شرع فيها عند العذر من مرض أو ‏أذى، وغير المعذور جنايته أغلظ فتتغلظ عقوبته، وذلك بنفي التخيير في حقه.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتخير أيضاً، كالمعذور، واستدلوا بالآية ‏أيضاً.‏
ج- وأما المعذور بغير المرض والأذى، كالناسي والمُكْرَهِ والجاهل والنائم.‏
ذهب الحنفية إلى إلحاقه بالعامد، وقالوا إنه لا يتخير، لأن الارتفاق حصل له، وعدم ‏الاختيار أسقط الإثم عنه.‏
ذهب المالكية إلى أنه يجب الفداء مُخَيَّراً كالعامد.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية فيها إتلاف، وجنايةٍ ليس فيها إتلاف، ‏فأوجبوا عليه الفدية في الاتلاف يستوي عمده وسهوه، ولم يوجبوا فدية في غير الاتلاف، وهو ‏اللبس وتغطية الرأس والطيب.‏
المذاهب في الفدية لكل من جنايات:‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:47 PM
‏55- أولاً: اللباس:‏
ذهب الحنفية إلى أنه مَن لبس شيئاً من الألبسة المحظورة في الإحرام نهاراً كاملاً أو ليلة، ‏كأَنْ لبس مخيطاً، أو غطى الرجل رأسه أو وجهه وجب عليه الدم، وكذا المرأة إذا غطت وجهها ‏غطاء يمسه. وإن كان أقل من يوم أو ليلة فعليه صدقة.‏
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب الفداء بنفس اللبس، ولو لم يستر زمناً.‏
وذهب المالكية إلى أنه يشترط لوجوب الفدية من لبس الثوب أو الخف أن ينتفع به من ‏حر أو برد، فإنْ لم ينتفع به من حر أو برد، بأنْ لبسَ قميصاً رقيقاً لا يقي حراً ولا برداً يجب ‏الفداء إن امتد لبسُه مدةً كاليوم، لأنه يحصل فيه ارتفاق.‏

‏56- ثانياً: الطيب:‏
فرّق الحنفية بين تطييب المحرم بدنه وبين تطييب ثوبه:‏
أ- أما البدن فقالوا: تجب شاة إن طيب المحرم عضواً كاملاً، مثل الرأس، واليد، والساق، ‏أو ما يبلغ عضواً كاملاً. والبدن كله كعضو واحد إن اتحد مجلس التطيب، وإن تفرق المجلس ‏فلكل طيب كفارة، وتجب إزالة الطيب، فلو ذبح ولم يُزِلْهُ لزمه دم آخر.‏
وإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، لقصور الجناية.‏
ولم يشترط الحنفية استمرار الطيب على البدن لوجوب الجزاء، بل يجب بمجرد التطيب.‏
ب- وأما تطييب الثوب فيجب فيه الدم بشرطين:‏
‏1) أن يكون كثيراً، وهو ما يصلح أن يغطي مسافة تزيد على شبر في شبر.‏
‏2) أن يستمر نهاراً أو ليلة.‏
فإن اختل أحد الشرطين وجبت الصدقة، وإن اختل الشرطان معاً وجب التصدق بقبضة ‏من القمح.‏
ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة وجوب الفداء في الطيب، ولم يقيدوه بأن يطيب ‏عضواً كاملاً، أو مقداراً من الثوب معيناً، بل إن أي تطيب يوجب الفداء.‏

‏57- ثالثاً: الدهن:‏
لو دهن بزيت غير مطيب، فحكمه حكم الطيب عند أبي حنيفة ومالك، إذا استعمله في أي ‏موضع من جسمه لغير مرض، لأنه أصل الطيب، فهو يلين الشعر وينميه ويحسنه، ويلين الجسم، ‏ويزيل عنه الهوام.‏
أما إن استعمله للتداوي، كأن وضعه على جرحه، أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه.‏
وقال الشافعي وأحمد - في رواية - إن استعمله في شعر الرأس واللحية وجب الفداء، لأنه ‏يزيل الشعث، وإن كان في غيره جاز ولا شيء فيه، سواء شعره وبشره، والمعتمد عند الحنبلية ‏إباحة الادّهان بدهن غير مطيب في أي موضع ولا فداء فيه إطلاقاً.‏

‏58- رابعاً الحلق أو التقصير:‏
أ- مذهب الحنفية أن من حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته يجب عليه الفداء، لأن الربع يقوم ‏مقام الكل على ما سبق في بحث الحلق، فيجب فيه الفداء الذي دلت عليه الآية الكريمة إن كان ‏معذوراً أو الدم إن لم يكن معذوراً، ويجب على الحلاق صدقة إذا كان محرماً، وكذا لو حلق ‏لحلال.‏
وإن حلق خصلة من شعره أقل من الربع يجب عليه الصدقة، أما إن سقط من رأسه أو ‏لحيته عند الوضوء أو الحك ثلاث شعرات، فعليه بكل شعرة صدقة كف من طعام. وإن تساقط ‏أكثر من مرة في أكثر من مجلس فلكل مجلس مُوْجَبُه.‏
وإن حلق رقبته كلها أو إبطيه أو أحدهما يجب الدم، أما إن حلق بعض واحد منهما وإن ‏كثر فتجب الصدقة، لأن حلق جزء عضو من هذه الأشياء ليس ارتفاقاً كاملاً، لعدم جريان العادة ‏بحلق البعض فيها، فلا يجب إلا الصدقة.‏
وقرر الحنفية أن في حلق الشارب حكومة عدل، بأن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ‏ربع اللحية ؟ فيجب عليه بحسابه من الطعام.‏
مثاله: لو أخذ من الشارب قدر نصف ثُمُنِ اللحية يجب عليه من الطعام ما يساوي ربع ‏الدم.‏
وذهب المالكية إلى أنه إن أخذ اثنتي عشرة شعرة فأقل ولم يقصد إزالة الأذى يجب عليه ‏أن يتصدق بحفنة قمح، وإن أزالها بقصد إماطة الأذى تجب الفدية، ولو كانت شعرة واحدة. ‏وتجب الفدية إذا أزال أكثر من اثنتي عشرة شعرة لأي سبب كان. وشعر البدن كله سواء.‏
وإن سقط من شعره في وضوء أو غسل فلا شيء عليه عندهم.‏
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه تجب الفدية لو حلق ثلاث شعرات، كما تجب لو حلق ‏جميع الرأس بشرط اتحاد المجلس أي الزمان والمكان.‏
ولا يجب على المحرم الجزاء إذا حلق لمحرم آخر بإذنه، لأنه كالآلة، فلا يضاف إليه ‏الحلق. لكنه يأثم لمساعدته فيه.‏
ولو حلق شعرة أو شعرتين ففي شعرة مُدٌّ، وفي شعرتين مُدَّان من القمح، وسواء في ذلك ‏كله شعر الرأس وشعر البدن.‏
ب- أما إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع آدمي فلا فدية باتفاق المذاهب.‏

‏59-- خامساً: تقليم الأظفار:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: إذا قص أظفار يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد تجب عليه ‏شاة، وكذا إذا قص أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة تجب شاة. وإن قص أقل من خمسة أظفار من ‏يد واحدة، أو خمسة متفرقة من أظفاره تجب عليه صدقة لكل ظفر.‏
وذهب المالكية أنه إن قلم ظفراً واحداً عبثاً أو ترفهاً يجب عليه صدقة حفنة من طعام، ‏فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ ففيه فدية، وإنْ قلّمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذَّى منه، ‏ويقتصر على ما كُسِر منه. وإن قلّم ظفرين في مجلس واحد فَفِدْية، ولو لم يقصدْ إماطةَ الأذى.‏
وذهب الشافعية والحنابلة يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظفار فصاعداً في مجلس واحد، ‏ويجب في الظفر والظفرين ما يجب في الشعرتين.‏

‏60- سادساً: قتل القُمَّلِ أو إلقاؤه:‏
لأن فيه إزالة الأذى، وقتله في غير الإحرام لا شك مطلوب شرعاً، لكنه كره حال ‏الإحرام: فقال الحنفية: يجب أن يتصدق بما شاء.‏
وقال الشافعية: يستحب أن يتصدق ولا يجب.‏
وقال المالكية فقالوا: إنه يجري مجرى الشعر تماماً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:47 PM
في
الصيد وما يتعلق به



‏61- الأصل في جزاء الصيد قوله تعالى:‏
‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا ‏قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ‏لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [المائدة : ‏‏95].‏
وقد أجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل الصيد، واختلفوا في بعض التفاصيل.‏
‏ ‏
‏62- أولاً: قتل الصيد
أ- نصت الآية على وجوب الجزاء في قتل الصيد عمداً، ولم تنص على قتله خطأ، وقد ‏اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخطأ في هذا الباب كالعمد، لأن العقوبة شرعت ضماناً للمُتْلفَ، ‏وذلك يستوي فيه العمد والخطأ والجهل والسهو والنسيان.‏
ب- هذا الجزاء نصب الآية على أنه {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } وأنه يُخَيَّر فيه بين الخصال ‏الثلاث. واختلف العلماء في تفسير هذين الأمرين:‏
ذهب الحنفية إلى أنه تقدر قيمة الصيد بتقويم رجلين عَدْلين، وتعتبر القيمة في موضع ‏قتله، ثم يخير الجاني بين ثلاثة أمور:‏
‏1) أن يشتري هدياً ويذبحه في الحرم إن بلغت القيمة هدياً.‏
‏2) أن يشتري طعاماً ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاعاً من ‏شعير، أو تمر، كما في صدقة الفطر، ولا يجوز أن يعطي أقل مما ذكرنا، إلا إن فضل من الطعام ‏أقل منه فيجوز أن يتصدق به، ولا يختص التصدق بمساكين الحرم.‏
‏3) أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وعن أقل من نصف صاع - إذا فضل - يوماً ‏أيضاً.‏
وذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى التفصيل فقالوا:‏
الصيد ضربان : مثلي : وهو ماله مثل من النَّعَم، أي مشابه في الخِلقِة من النعم، وهي ‏الإبل والبقر والغنم، وغير مثلي وهو ما لا يشبه شيئاً من النعم.‏
أما المثلي: فجزاؤه على التخيير والتعديل، أي إن القاتل يخير بين ثلاثة أشياء على ‏الوجه التالي:‏
‏1) أَنْ يذبَح المثل المشابه من النعم في الحرم، ويتصدق به على مساكين الحرم.‏
‏2) أن يقوِّم المثلَ دراهم ثم يشتري بها طعاماً، ويتصدق به على مساكين الحرم. ولا ‏يجوز تفرقة الدراهم عليهم.‏
وقال مالك بل يقوِّمُ الصيدَ نفسه ويشتري به طعاماً يتصدق به على مساكين موضع ‏الصيد، فإن لم يكن فيه مساكين فعلى مساكين أقرب المواضع إليه ويعطى كل مسكين مُدٌّ، وإن ‏فضل بعض مُدٍّ أعطي لمسكين.‏
‏3) إنْ شاء صام عن كل مُدٍّ يوماً، ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد. وإن انكسر ‏مُدٌّ وجب صيام يوم.‏
وأما غير المثلي: فيجب فيه قيمته ويتخير فيها بين أمرين:‏
أنْ يشتريَ بها طعاماً يتصدق به على مساكين الحرم، وعند مالك على المساكين في ‏موضع الصيد.‏
‏2) أنْ يصومَ عن كل مُدٍّ يوماً كما ذكرنا سابقاً.‏
ثم قالوا في بيان المثلي: المعتبر فيه التشابه في الصورة والخلْقَة، وكل ما ورد فيه نقل ‏عن السلف فيتبع، لقوله تعالى : {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان ‏ذكيان بهذا الأمر عملاً بالآية.‏
والكلام عليه في الدواب، ثم في الطيور.‏
أما الدواب: ففي النعامة بدنة وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الغزال ‏عَنْز، وفي الأرنب عَناق، وفي اليَرْبُوعِ جَفْرة.‏
وقال مالك: في الأرنب واليربوع والضب القيمة.‏
وأما الطيور: ففي أنواع الحمام شاة، والمراد بالحمام كل ما عبّ في الماء وهو أن يشربه ‏جَرْعاً، فيدخل فيه اليمام اللواتي يألفن البيوت، والقُمْرِيُّ، والقطاة، والعرب تسمي كل مطوَّق ‏حماماً.‏
وإن كان الطائر أصغر من الحمام جثة ففيه القيمة، وإن كان أكبرَ من الحمام كالبطة ‏والأوزة فالأصح أنه يجب فيه القيمة إذ لا مثل له.‏
وقال مالك: تجب شاة في حمام مكة والحرم ويمامهما، وفي حمام ويمام غيرهما تجب ‏القيمة وكذا في سائر الطيور.‏
واتفق الجمهور على أن في الجرادة صدقة تمْرَة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم. ‏لقوله: {فَجزاءٌ مِثْلُ ما قتل} وهذا مثل فيجزيء.‏
وقال مالك: يجب فيه كبير لقوله تعالى: {هَدْياً بالغَ الكعبة}، والصغير لا يكون هدياً، ‏وإنما يجزيء في الهدي ما يجزيء في الأضحية.‏

‏63- ثانياً: إصابة الصيد:‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنه إذا أصابَ المحرم الصيدَ بضرر ولم يقتلْه يجبُ ‏عليه الجزاء بحسب تلك الإصابة:‏
قال الحنفية: إنْ جَرَح المحرم صيداً أو نتف شعره ضمن قيمة ما نقص منه، اعتباراً ‏للجزء بالكل، فكما تجب القيمة بالكل تجب الجزء، وهذا الجزاء يجب إذا بريء الحيوان وظهر ‏أثر الجناية عليه، أما إذا لم يبق لها أثر فلا يضمن لزوال الموجب.‏
وقال الشافعية والحنابلة: إن جرح صيداً يجب عليه قدر النقص من مثله من النعم، إن ‏كان مثلياً، وإلا يقدر ما نقص من قيمته، وإذا أحدث به عاهة مستديمة فوجهان عندهم، أصحهما ‏يلزمه جزاء كامل.‏
قال الحنفية وهو أحد قولين للشافعي أما إذا أصابه أزالت امتناعه عمن يريد أخذه وجب ‏الجزاء كاملاً، لأنه فوّت عليه الأمن بهذا.‏
وفي قول عند الشافعية: يضمن النقص فقط.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يضمن ما غلب على ظنه سلامته من الصيد بإصابته بنقص ولا ‏جزاء فيه، ولا يلزمه فرق ما بين قيمته سليماً وقيمته بعد إصابته.‏
هذا ويجب بسبب حلب الصيد وكسر بيضة قيمة كل من اللبن والبيض.‏

‏64-ثالثاً: جناية الحلال على صيد الحرم وشجره:‏
مذهب الحنفية: إن ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته يتصدق بها، ولا يجوز ‏الصوم في هذه المسألة عندهم، لأن الواجب هو الضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضماناً.‏
ومذهب مالك والشافعي وأحمد: يجب عليه ما يجب على المحرم إذا قتل صيداً قياساً له ‏عليه.‏
‏- أما قطع شجر الحرم أو حشيشه الرطب مما ليس مملوكاً لأحد وليس مما يستنبته ‏الناس:‏
ذهب الحنفية: إلى أنه يضمن القاطع القيمة ويتصدق بها، ولا مدخل للصوم في هذا ‏الجزاء أيضاً، لأنه ضمان متلف.‏
وذهب مالك: إلى أنه يأثم ولا ضمان عليه، لأن الضمان قدر زائد على التحريم يحتاج ‏لدليل، بل يستغفر الله.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ الأصح وجوب الضمان فيه من النعم، وفي الشجرة ‏الكبيرة بقرة، والصغيرة شاة، والحشيش الرطب يضمن بالقيمة إن لم يُخْلِفْ فإن أخلف فلا ‏ضمان.‏
والمضمون هنا على التخيير والتعديل عند الشافعية كما في الصيد.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:47 PM
‏65- في الجماع ودواعيه‏ ‏

أ- الجماع في إحرام الحج:‏
اتفق العلماء على أن الجماع حالة الإحرام جناية، ويصدق ذلك على هذه الأحوال الثلاث ‏الآتية :‏
‏1- قبل الوقوف بعرفة.‏
‏2- بعد الوقوف قبل التحلل الأول.‏
‏3- بعد الوقوف بعرفة والتحلل الأول فقط.‏
‏1) الجماع قبل الوقوف بعرفة:‏
مَنْ جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع العلماء، ووجب عليه ثلاثة أمور:‏
الأول : الاستمرار في حجة الفاسد إلى نهايته، لقوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله} ‏وجه الاستدلال أنه "لم يفرق بين صحيح وفاسد".‏
الثاني : أداء حج جديد في المستقبل قضاء للحجة الفاسدة، ولو كانت نافلة، ويستحب أن ‏يفترقا في حجة القضاء هذه، عند الأئمة الثلاثة منذ الإحرام، وأوجب المالكية الافتراق منذ ‏خروجها من المنزل في سفر حجة القضاء، سداً لذريعة الوقوع في هذا المحظور الذي أفسد ‏حجمها، وعملاً بما ورد من أقوال الصحابة في ذلك. واستدل على عدم الوجوب بأن الافتراق ‏ليس بنسك في الأداء، فكذلك في القضاء، فلا يكون واجباً بل مستحباً.‏
الثالث : ذبح الهدي في حجة القضاء:‏
قال الحنفية: يذبح شاة.‏
‏ وقال الأئمة الثلاثة: لا تجزئ الشاة، بل يجب عليه بدنة أي من الجمال ذَكَراً أو أنثى.‏
استدل الحنفية بما ورد أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسألا رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم فقال لهما: "اقْضِيا نُسْكَكُما وأَهْدِيا هَدْياً" رواه أبو داود في المراسيل، والبيهقي، وبما ‏رُوِيَ من الآثار عن الصحابة أنه يجب عليه شاة.‏
واستدل الشافعية ومن معهم بفتوى جماعة من الصحابة، ولم يُعْرَفْ لهم مخالف.‏
‏2) الجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل الأول فلا يفسد حجه، ‏ويجب عليه أن يهدي بدنة عندهم.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يفسد حجه ما دام قد واقع قبل التحلل الأول، ‏وعليه بدنة أيضاً.‏
‏3) الجماع بعد التحلل الأول:‏
وقد اتفقوا المذاهب الأربعة على أن الجماع بعده لا يفسد الحج، وألحق المالكية به الجماع ‏بعد طواف الإفاضة ولو قبل رمي جمرة العقبة، والجماعَ بعد يوم النحر ولو قبل رمي العقبة ‏والإفاضة.‏
ووقع الخلاف في الجزاء الواجب:‏
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه شاة. قالوا في الاستدلال : إنه لخفة ‏الجناية لوجود التحلل في حق غير النساء.‏
وقال مالك وهو قول عند الشافعية والحنابلة إنه يجب عليه بدنة، وعُلِّلَ ذلك بأنه لعظم ‏الجناية على الإحرام.‏
وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذا الجناية بعد التحلل قبل الإفاضة أنْ يخرج إلى ‏الحل ويأتي بعمرة، لقول ابن عباس بذلك.‏
وذلك أنه لما أدخل النقص على طوافه للإفاضة بما أصابه من الوطء كان عليه أنْ يقضيَه ‏بطوافٍ سالم إحرامُه من ذلك النقص، ولا يصلح أن يكون الطواف في إحرام إلا في حج أو ‏عمرة.‏
ب- الجماع في إحرام العمرة:‏
‏1) ذهب الحنفية إلى أنه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة وهو الطواف أربعة أشواط ‏تفسد عمرته، أما لو وقع المفسد بعد ذلك لا تفسد العمرة، لأنه بأداء الركن أمن الفساد.‏
وذهب المالكية إلى أن المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشوط فسدت، أما لو وقع ‏بعد تمام السعي قبل الحلق فلا تفسد، لأنه بالسعي تتم أركانها، والحلق من شروط الكمال عندهم.‏
ومذهب الشافعية والحنبلية أنه إذا حصل المفسد قبل التحلل من العمرة فسدت.‏
والتحلل بالحلق وهو ركن عند الشافعية واجب عند الحنفية.‏
‏2) يجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحج من الاستمرار فيها ثم القضاء، والفداء ‏باتفاق العلماء.‏
لكن اختلفوا في فداء إفساد العمرة:‏
فمذهب الحنفية والحنبلية وأحد القولين عند الشافعية أنه يلزمه شاة لأنها أحط رتبة من ‏الحج، فخفت جنايتها، فوجبت شاة.‏
ومذهب المالكية والشافعية أنه يلزمه بدنة قياساً على الحج.‏
‏3) أما فداء الجماع الذي لا يفسد العمرة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه شاة.‏
وذهب المالكية إلى أنه بدنة.‏
مقدمات الجماع:‏
مقدمات الجماع على قسمين: مباشرة وبعيدة.‏
المقدمات المباشرة: كاللمس بشهوة، والتقبيل، والمباشرة بغير جماع:‏
ذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى أنه يجب على من فعل شيئاً منها الدم سواء أنزل ‏منياً أو لم ينزل، ولا يفسد حجه، إلا أن الحنابلة قالوا: إن أنزل وجب عليه بدنة.‏
وقال المالكية: إنْ أَنزلَ مَنِّياً فسد حجه وعليه ما على المجامع، وإنْ لم يُنْزِل لْيُهْدِ بَدَنَةً.‏
المقدمات البعيدة: كالنظر والفكر بشهوة:‏
قال الحنفية والشافعية أنه لا يجب في شيء منهما الفداء، ولو أدى إلى الانزال. وهو ‏مذهب الحنابلة في الفكر.‏
وقال المالكية: إذا فعل أي واحد منها بقصد اللذة واسْتَدامَه حتى خرج المني فسدَ الحج، ‏وإن خرج بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة فلا يفسد، وإنما فيه الهَدْيُ بدنة.‏
وقال الحنابلة : إنْ نظرَ فصرفَ بصره فأمنى فعليه دمٌ، وإنْ كرر النظر حتى أمنى فعليه ‏بدنة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:48 PM
في ‏
ترك الواجبات‏ ‏

حكم الواجب في الحج أنه يطلب فعله ويحرم تركه، لكنه لا يفسد الحج بتركه، بل يكون ‏مسيئاً، وقرر الفقهاء أنه يجب على من ترك واجباً الفداء (ذبح شاة) لجبر النقص الحادث بهذا ‏الترك، إلا إذا تركه لعذر معتبر شرعاً.‏
‏ ‏ ومما صرح الفقهاء بثبوت العذر فيه: ترك المشي في الطواف، وفي السعي، لمرض أو ‏كِبَر سِنٍّ، فإنه يجوز له أن يطوف أو يسعى محمولاً ولا فداء عليه.‏

‏66- أولاً: ترك الوقوف بالمزدلفة:‏
اتفق الفقهاء على أن من ترك الوقوف بالمزدلفة لعذر أنه لا فداء عليه.‏
ذهب الحنفية إلى ثبوت العذر في ترك الوقوف بالمزدلفة كالمرض وضَعَفَةِ الأهل، ‏والضعف الجسماني كما هو الحال في الشيخ الفاني، وكذا خوف الزحام على المرأة، كل ذلك ‏عذر يسقط الفداء عمن ترك الوقوف.‏
وذهب الشافعية والمالكية إلى إجازة ترك الوقوف بالمزدلفة للعذر مع سقوط الفداء.‏
وذهب الحنبلية إلى جواز الدفع قبل نصف الليل من المزدلفة للرعاة وسقاة الماء، أما ‏غيرهم من النساء والضَّعَفَة فأوجبوا عليهم الدم.‏
ثانياً: ترك المبيت بمنى:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا ترك الحاج المبيت بمنى ليالي التشريق بلا عذر فقد أساء ولا ‏يجب عليه الفداء، لأن المبيت بها سنة وليس بواجب عندهم.‏
ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى إيجاب الجزاء، لأنه واجب عندهم.‏
قال المالكية: إن ترك المبيت بها جُلَّ ليلة فدَمٌ، وكذا ليلة كاملة أو أكثر، وظاهره ولو كان ‏الترك لضرورة.‏
ولم يسقطوا الدم لترك المبيت بمنى إلا للرعاء وأهل السقاية.‏
وقال الشافعية: الواجب في ترك المبيت كله دم واحد، وفي ترك ليلة واحدة مُدّاً من ‏الطعام، وفي ترك ليلتين مُدَّيْن، إذا بات ليلة واحدة. إلا إذا ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه.‏
كأهل سقاية العباس، ورعاء الإبل، فلهم ترك المبيت لياليى منى من غير دم.‏
فمثلهم من يخاف على نفس أو مال، أو ضياع مريض بلا متعهد أو موت نحو قريب في ‏غيبته ..‏
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله روايتان قريباً من مذهبي الحنفية والشافعية.‏
ثالثاً: ترك الرمي:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمار كلها في الأيام الأربعة، أو ‏ترك رمي يوم كامل، ويلحق به ترك أكثر حصيات يوم أيضاً، لأن للأكثر حكم الكل فيلزم فيه ‏الدم.‏
أما إذا ترك الأقل من حصيات يوم فعليه صدقة، ومعنى وجوب الصدقة أن يجب عليه ‏لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير.‏
وذهب المالكية أنه يلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى إجراء رمي الحصى على قياس أخذ الشعر، فأوجبوا الدم ‏في ترك الرمي كله، وفي ترك يوم أو يومين وفي ترك ثلاث حصيات أيضاً على المذهب. أما في ‏الحصاة فيجبُ مدٌّ من الطعام، وفي الحصاتين ضعف ذلك.‏
رابعاً: طواف المحدث:‏
والبحث في فديته خاص بمذهب الحنفية، فإنهم يرون الطهارة من الجنابة والحيض ‏والنفاس والحدث الأصغر واجباً في الطواف.‏
أما المالكية والشافعية والحنبلية فإن الطهارة من الأحداث المذكورة كلها فرض من ‏شروط صحة الطواف عندهم، فحكم طواف من طاف محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر حكم عدم ‏الطواف عندهم.‏
قال الحنفية: طواف المحدث صحيح، ويجب عليه الفداء لجبر النقص الحاديث بترك ‏واجب الطهارة في الطواف كما يلي :‏
من طاف للركن - أي الزيارة - جنباً أو حائضاً أو نُفسَاء يجب عليه بدنة، وجب عليه ‏إعادة الطواف، فإنْ أعاده أيام النحر سقط الجزاء عنه، وإن أعاده بعد أيام النحر، فإن كان قد ‏طافه أيام النحر محدثاص حدثاً أصغر فلا شيء عليه، وإن كان قد طافه أيام النحر جنباً فعليه الدم ‏شاة عند أبي حنيفة، وإن طافه محدثاً حدثاً أصغر ولم يُعِدْه وجب عليه شاة. أما إذا كان محدثاً ‏حدثاً أكبر ولم يعده فعليه بدَنة وقد تحلل من إحرامه.‏
ولو طاف للقدوم أو الوداع جنباً أو حائضاً أو نُفَساء وجب عليه الدم، ولو طاف للقدوم أو ‏الوداع محدثاً حدثاً أصغر فعليه صدقة، وكذا إن طاف تطوعاً محدثاً أصغر.‏
وإن طاف للعمرة جنباً أو محدياً أصغر وجب عليه شاة. فإن أعاده أو أي طواف مما سبق ‏سقط عنه الجزاء.‏
ومذهب الحنفية في هذه الفروع رخصة مفيدة جداً في رفع الحرج عن الحائض والنفساء ‏إذ اضطرت للسفر قبل الطهر ولم تكن طافت للإفاضة، فإنها تطوف وينجبر ترك الطهارة ببدنة ‏عند الحنفية.‏
رخصة وثمة أوسع عند المالكية حيث قالوا : وأما إن انقطع - الدم - عنها يوماً وعلمت ‏أنه لا يعود قبل انقضاء وقت الصلاة أو لم تعلم بعوده ولا بعدمه فيصح طوافها. لأن المذهب أن ‏النقاء أيام التقطع طهر، فيصح طوافها في هاتين الحالتين أي بعد الغسل.‏
وعلى ذلك تستطيع المرأة عند المالكية إذاحاضت قبل الإفاضة أو نُفِسَتْ أن تأخذ دواء ‏يقطع الحيض مدة يوم كامل على الصفة المذكورة، فتغتسل وتطوف طواف الإفاضة، وتسعى إن ‏لم تكن قدّمت السعي، ثم تسافر، ولا جزاء عليها.‏
أما عند الحنفية فعليها الجزاء لكنهم لا يشترطون انقطاع الدم، ولا يعتبرون تقطعه طهراً.‏
خامساً: مجاوزة الميقات بغير إحرام:‏
من جاوز موضعاً يجب الإحرام منه وهو غير محرم أثم، ويجب عليه العود إليه ‏والإحرام منه.‏
وللعود إلى الميقات ثلاث صور:‏
الصورة الأولى: أن يعود إليه قبل الإحرام، فيحرم منه، فهذا لا يجب عليه الفداء، عند ‏جماهير العلماء، سواء كان دخل مكة أم لا.‏
الصورة الثانية: أن يحرم بعد مجاوزة الميقات ثم يعود إلى الميقات محرماً قبل أن يتلبس ‏بالنسك.‏
واختلف الفقهاء في ذلك:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أنه عاد ولبى من الميقات سقط عنه الدم، وإن لم يلب من الميقات لم ‏يسقط الدم.‏
وذهب مالك وأحمد إلى أنه لا يسقط عنه الدم بالعود، لأن جنايته لم ترتفع بالعود فوجب ‏الدم. وأجيب بأنه تدارك المتروك في أوانه، وذلك قبل الشروع في الأفعال فيسقط الدم.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يسقط عنه الدم سواء عاد ملبياً أم غير ملب، لأن التدارك قد ‏حصل بعوده محرماً، لأنه أظهر حق الميقات، كما إذا مرَّ به محرماً ساكتاً.‏
الصورة الثالثة: أن يعود إليه بعد التلبُّس بنسك من أعمال الحج، كطواف، القدوم، أو ‏وقوف عرفة، أو من أعمال العمرة كطواف العمرة، ومثله في الحكم من لم يرجع إلى الميقات، ‏بل أحرم بعده واستمر في أداء النسك، فهذان يجب عليهما الدم.‏
ولا فرق في لزوم الدم بين مجاوزة الميقات عامداً عالماً، أو جاهلاً، أو ناسياً، ولا فرق ‏أيضاً بين ترك العود لعذر أو لغير عذر، لكن من ترك العود لعذر لا يأثم بترك الرجوع، ومن ‏العذر خوف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت، أو المرض الشاق، وهذا كله موضع اتفاقاً بين ‏الأئمة.‏
تنبيه: في جنايات القارن:‏
قال الحنفية: كل شيء فعله القارن - بين الحج والعمرة - مما ذكرنا أن فيه على المفرد ‏بسبب جنايته على إحرامه دماً، فعلى القارن فيه دمان، لجنايته على الحج والعمرة، فيجب عليه دم ‏لحجته، ودم لعمرته، وكذا الصدقة.‏
وهذا إنما يُعْنى به الجنايات التي لا اختصاص لها بأحد النسكين، كلبس المخيط، ‏والتطيب، والحلق، والتعرض للصيد. أما ما يختص بأحدهما - فلا يجب إلا جزاء واحد - كترك ‏الرمي وطواف الصدر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:48 PM
الباب السابع
في
الإحصار والفوات

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:49 PM
‏67-أ- أما الإحصار:‏
الإحصار في اللغة من الحصر وهو المنع. ومنه قوله تعالى: {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي ‏سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] يقال "حصره العدو" و "أحصره المرض".‏
والإحصار في الشرع: المنع بمرض أو عدو من الوقوف والطواف.‏
قال الحنفية: مَن قدر على أحدهما فليس بمُحْصَر.‏
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: الإحصار هو المنع بعدو عن الوقوف بعرفة أو ‏الطواف أو السعي.‏
ب- وأما الفوات فهو في اصطلاح الفقهاء : أن يذهب وقت الوقوف بعرفة، دون أن ‏يدرك الحاج الوقَوف بها، سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر.‏
ج- ومن هذا التمهيد يظهر لك أن الإحصار يقع في الحج، ويقع في العمرة أيضاً، وأن ‏الفوات يختص بالحج.‏
أما العمرة: فإنها لا تفوت، لأنها غير مؤقتة بوقت، وعلى ذلك الإجماع.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:49 PM
المبحث الأول
في
‏68- الإحصار


الأصل في حكم الإحصار: قوله تعال :‏
‏{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ‏حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].‏
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه ‏وسلم معتمرين، فحالَ كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنَهُ وحلق ‏رأسه".‏
وقد قرر أهل اللغة أن "الحصر" للمنع بالعدو "والاحصار" للمنع بالمرض.‏
ومن ذلك ترى أن الآية وردت بمناسبة الحصر بالعدو، وأطلقت كلمة "أحصرتم" وأن ‏الإحصار في اللغة للمنع بالمرض.‏
‏ فمن ثم اختلف الفقهاء في المانع الذي يصير المحرم به مُحْصراً:‏
فذهب الحنفية إلى أن الإحصار يتحقق بالمرض وبالعدو وبكل مانع من الوقوف ‏والطواف، كفقد النفقة‎، وعدم المحرم بالنسبة للمرأة. واستدلوا بالآية {فإن أُحْصِرْتُم فما اسْتَيْسَر ‏من الهَدْي} ، فإن "الإحصار" هو ما يكون بالمرض، أما ما يكون بالعدو فهو "الحصر" لا ‏الإحصار.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو أو الفتنة أو ‏الحبس ظلماً لأن الآية نزلت في الحصر بالعدو فيكون هو المقصود، ولا يلحق به المرض، وقد ‏قال تعالى في الآية: {فإذا أمِنْتُمُ} والأمن يكون من العدو، فلا يتحلل إلا في الإحصار بالعدو ‏ونحوه. أو إذا كان اشترط في الإحرام التحلل بشيء آخر .‏
تحلل المُحْصَر:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا تحقق الإحصار جاز للمحصر أن يتحلل من إحرامه، وذلك بأن ‏ينوي التحلل ويبعث شاة تذبح عنه في الحرم، أو يبعث بثمنها لتُشْتَرى به، ثم تُذْبَح هناك، ‏ويَضرب للذبح موعداً يتحلل بعده، لقوله تعالى: {ولا تحلِقوا رؤوسَكُمْ حتى يبلغَ الهَدْيُ محِلَّهُ}. ‏ومحله الحرم.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يذبحها في موضع إحصاره، ولا حاجة إلى أن يبعثها ‏إلى الحرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر في الحديبية حيث أحصر، وهي من الحل.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ المحصر يتحلل بمجرد ذبح الهدي ولا يشترط الحلق لتحلل.‏
وذهب الشافعية في الأصح وهو المذهب عند الحنبلية أنه لا يتحلل إلا بالذبح والحلق. ‏ويدل لهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه حلق يوم الحديبية وأمر أصحابه بذلك.‏
وقال المالكية: يتحلل بنية التحلل فقط، ولا يجب عليه ذبح الهَدْي ولا الحلق بل هما سنة، ‏وفسّروا الآية على أنها في الهدي الذي كان مع الصحابة عام الحديبية.‏
قضاء نسك المحصر:‏
اتفق الفقهاء على أن المحصر إذا تحلل من إحرام حجٍّ واجب، أو عمرة واجبة، فعليه ‏القضاء.‏
واختلفوا في قضاء الحج النفل، والعمرة النافلة إذا تحلل المحصر من إحرامهما:‏
‏ فعند الحنفية يجب قضاؤهما.‏
وعند الشافعية لا يجب.‏
ثم اختلفوا أيضاً في الواجب قضاؤه:‏
فقال الحنفية: المحصر بالحج إن تحلل يجب عليه حجة وعمرة، والقارن عليه حجة ‏وعمرتان، أما المعتمر فيقضي العمرة فقط.‏
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يلزمه قضاء ما فاته بالإحصار فحسب، إن حَجّة ‏فحجةٌ فقط، وإن عمرة فعمرة وهكذا.‏
وعليه نية القضاء باتفاق العلماء.‏
أما المتمتع فإن أحصر عن العمرة فعليه قضاؤها فقط، وإن أدى العمرة ثم أحصر عن ‏الحج فحكمه حكم المفرد اتفاقاً أيضاً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:49 PM
‏69- المبحث الثاني في الفوات ‏


اتفق الأئمة على أن من فاته الوقوف بعرفة بأن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف ‏بعرفة فقد فاته الحج.‏
ثم إن أراد التحلل من الإحرام بأداء أعمال العمرة، فيطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر. ‏لأن الإحرام بعدما انعقد صحيحاً لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين كما في الإحرام ‏المبهم، وههنا عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة.‏
واتفقوا على أنه يجب عليه الحج من عام قابل، إذا كانت الفائتة فريضة.‏
وكذا الحجة النافلة إذا فاتت يجب قضاؤها عند الأئمة الأربعة. إلا رواية عن الإمام أحمد ‏أنه لا يجب قضاء الحجة النافلة إذا فاتت.‏
استدل الأئمة على وجوب القضاء بقوله تعالى : {وَأَتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله} وهو عام في ‏الحج سواء كان فرضاً أو نفلاً.‏
وروي عن ابن عمرَ وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ فاتَه ‏عَرَفَةُ بليلٍ فقد فاتَه الحجُّ، فَلْيَتَحلَّلْ بعمرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قابل ". أخرجه الدارقطني.‏
واستدل للقول بعدم وجوب القضاء بأن الأحاديث الصحيحة دالة على أن الحج فرض ‏مرة واحدة، فلو وجب قضاء النافلة كان الحج واجباً أكثر من مرة، وهو خلاف الشرع.‏
واختلفوا أيضاً في وجوب الهدي عليه:‏
أ-أما المفرد:‏
فذهب الحنفية إلى أنه لا يجب عليه الهدي، وهو رواية عن أحمد.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أنه يجب عليه الهدي يذبحه في حجة القضاء.‏
ب-وأما قضاء القارن:‏
‏ ففيه تفصيل عند الحنفية، لأنه في مذهبهم يطوف طوافين، ويسعى سعيين، لذلك قرروا ‏أنه: إن كان قد طاف لعمرته قبل الفوات فهو كالمفرد، وإن لم يطف لها فإنه يطوف أولاً لعمرته ‏ويسعى لها، ثم يطوف طوافاً آخر لفوات الحج ويسعى له ويحلق، وقد سقط عنه دم القران. وعليه ‏قضاء حجة لا غير، لفراغ ذمته من إحرام عمرته.‏
وقال الشافعية من أحرم بالحج والعمرة قارناً ففاته الوقوف فإن العمرة تفوت بفوات الحج ‏لأنها مندرجة فيه وتابعة له، ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض حكمه، وعليه القضاء قارناً ويلزمه ‏ثلاثة دماء : دم للفوات، ودم للقران الفائت، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء... وتلزمه ‏هذه الدماء سواء قضى مفرداً أو متمتعاً أو قارناً.‏
وقال المالكية والحنبلية: عليه دمان: هدي للقران وهدي فواته.‏
ج-وأما قضاء المتمتع الذي اعتمر ثم أحرم بالحج وفاته الحج فيبطل تمتعه بفوات الحج.‏
ذهب الحنفية إلى أن عليه قضاء الحج فقط ولا دم عليه عند الحنفية فإنه يسقط عنه دم ‏التمتع بالفوات، لأن شرط التمتع وجود حجته في سنة عمرته في أشهر الحج، وقد فات الحج، ولا ‏دم على الفوات.‏
وقال المالكية: يلزمه دم الفوات وهو يسقط دم التمتع.‏
وقال الشافعية والحنبلية: يلزمه دمان: دم الفوات ودم التمتع.‏
الخطأ العام في وقوف عرفة:‏
إن وقع خطأ عام في الوقوف بعرفة للخطأ في إثبات الهلال فوقفوا يوم العاشر فقد تَمَّ حج ‏الناس، اتفاقاً بين الفقهاء.‏
لو وقفوا يوم الثامن من ذي الحجة ظناً أنه التاسع لا يصح وقوفهم، ويكون الحج قد فاتهم، ‏ويجب على كل واحد ما يجب على فائت الحج حسبما عرفته وهذا مذهب الجمهور عدا الحنبلية. ‏وقال الحنبلية : يجزئهم الوقوف.‏
وهذا كله إذا علموا بالخطأ بعد فوات وقت الوقوف بعرفة، أما إذا علموا بالخطأ قبل ‏فوات وقت الوقوف فيجب عليهم الوقوف اتفاقاً، لتمكنهم منه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:50 PM
الباب الثامن ‏
في ‏
الهَدْي والأضحية‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:51 PM
‏70- تعريف الهَدْي:‏
الهَدْي: بإسكان الدال وتخفيف الياء، أو بكسر الدال مع تشديد الياء لغتان مشهورتان، ‏والواحد: هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ. تقول فيه:" أهديت ".‏
قال العلماء: والهدي: ما يُهدي إلى الحرم من حيوان وغيره.‏
لكن المراد بالهَدْي هنا ما يُهْدَي إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم والماعز، خاصة ‏بالشروط التي سنذكرها لصحة كونه هدياً.‏
وأحكام الهدي تلتقي مع الأضحية في الكثير من الأمور.‏

‏71- حكم الهدي:‏
للهدي أربعة أقسام :‏
أ- القسم الأول : هدي التطوع الذي يتقرب به الحاج أو المعتمر إلى الله دون سبب يلزمه ‏به ويستحب ذلك لكل حاج ومعتمر، اقتداء به صلى الله عليه وسلم. فقد أهدى النبي صلى الله عليه ‏وسلم في حجة الوداع مائة بدنة كما هو متفق عليه.‏
وهذا الهدي يجوز له أن يأكل منه، بل يستحب له ذلك، كالأضحية، لقوله تعالى:‏
‏{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ ‏جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36].‏
ولحديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم" أمر ببضعة من كل بدنة، فوضعت في قِدْرٍ، ثم ‏أكلا من لحمها وشربا من مَرَقها ".‏
ويستحب أن يطعم منها الفقراء أيضاً، ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث أسوة ‏بالأضحية.‏
ذهب الحنفية إلى أن أصل التصدق لا يجب حتى لو حبس الكل لنفسه جاز، لأن القربة ‏في الإراقة، والتصدق باللحم تطوع.‏
ومثله عند الحنفية هدي التمتع والقران.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب التصدق بقدر ما يقع عليه اسم الصدقة على الأصح عندهم.‏
وذهب الحنبلية نحومذهب الشافعية وقدروة وقدروه بأوقية. ‏
ب- القسم الثاني: هدي واجب للشكر، وهو الهدي الواجب على المتمتع والقارن:‏
ذهب الحنفية إلى أنه دم واجب شكراً لله تعالى على أن وفقه لأداء النسكين في سفر واحد.‏
وذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى جواز الأكل منه.‏
وذهب الشافعية إلى أنه دم جبران على الصحيح في مذهبهم، فلا يجوز له الأكل منه، بل ‏يجب التصدق بجميعه.‏
ج- القسم الثالث: هدي واجب للجبران، أي لجبر الخلل الواقع في الحج أو العمرة، من ‏جزاء جناية من الجنايات أو دم إحصار ...‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنَّ هذا الهدي لا يجوز الأكل منه، ولا أن يطعم منه ‏غنياً، بل يجب التصدق بجميعه، لأنها دماء كفارات.‏
وذهب مالك إلى أنه يجوز الأكل من كل الهدي الواجب، إلا جزاء الصيد، ونذر ‏المساكين، ونسك الأذى.‏
د- القسم الرابع: هي النذر، وهو ما ينذره الحاج للبيت الحرام، ومثله الأضحية ‏المنذورة، وكلاهما واجب لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].‏
هذا الهدي والأضحية لا يجوز له الأكل منهما باتفاق الأئمة الأربعة، ولو كان الناذر ‏فقيراً، بل المنذورة سبيلها التصدق، فلو أكل فعليه قيمة ما أكل.‏
أصناف الهدي وما تُجْزيءُ عنه:‏
لا يصح الهدي ولا الأضحية إلا من أحد الأصناف الأربعة : الشاة والماعز والبقر والإبل ‏وهذا مجمع عليه، وتختلف هذه الأصناف فيما يجزيء أي يكفي ويصح أن تذبح عنه من ‏الأشخاص.‏
فالشاة والماعز: عن واحد فقط باتفاق العلماء.‏
أما البَدَنَة: وهي من الإبل والبقر:‏
قال الحنفية والشافعية والحنبلية: تكفي عن سبعة سواء كانوا كلهم أهل بيتٍ واحد، أم ‏متفرقين، لما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترط في الإبل والبقر كل سبعة ‏منا في بدنة".‏
وقال المالكية: تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة، ولا تجوز عن أهل ‏بيتين وإن كانوا أقل من سبعة، لحديث: "يا أيها الناس: إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية ‏وعتيرة"(1) أخرجه أصحاب السنن.‏
‏_________________‏
‏(1) الذبيحة في رجب وهي منسوخة.‏
هذا، ولابد للمشتركين في الهدي أو الأضحية من الاقتسام بالتساوي وزناً.‏
وذهب الحنفية لصحة الاشتراك أن يكون الجميع يريدون القربة لله تعالى، فلو وجد ‏شخص يريد اللحم لتجارة مثلاً، أو لأمر آخر لا على سبيل القربة لم يجز الذبح عن أحد منهم.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى إجازة أن يشترك معهم من يريد اللحم لا القربة، وفي ذلك ‏توسعة على الناس، لاسيما في الأضاحي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:51 PM
‏72- أقسام الهدي من حيث الأداء:‏
الهدي الواجب إما أن يجب نحره بعينه أو يجوز الاعتياض عنه، وقد عُنِيَ الشافعية ببيان
أقسامه، فقسموه أربعة أقسام:‏
أ- القسم الأول: الدم الواجب بترك نسك، وأفراده تسعة هي: التمتع، الفوات، القِران، ‏ترك الرمي، ترك المبيت بمنى، ترك الإحرام من الميقات، ترك المبيت بالمزدلفة، ترك طواف ‏الوداع، وترك المشي في الطواف أو السعي إن نذره الحاج.‏
هذا القسم يجب على الترتيب والتقدير عند الشافعية، ومعنى الترتيب أنه يجب أولاً شاة، ‏فإن لم يستطع فعليه مكانها صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومعنى التقدير أن ‏الشارع قدره بما لا يزيد ولا ينقص.‏
ووافق الحنفية على ذلك في دم التمتع والقران، ولم يوجبوا الهدي على الفائت، أما سائر ‏الدماء فواجبة على التقدير فقط عند الحنفية، أي لا يجزئ مكانها الصيام، ولا القيمة.‏
ب- القسم الثاني : الدم الواجب في الترفه، وأفراده ثمانية هي : دم الحلق، ودم قلم ‏الأظفار، ودم اللبس، ودم الدهن، ودم التطيب، ودم الجماع الثاني، ودم الجماع بين التحللين، ودم ‏المباشرة.‏
هذا القسم: يجب على التخيير والتقدير عند الشافعية، ومعنى التخيير أنه يخير بين ‏ثلاث خصال: شاة، أو صوم ثلاثة أيام، أو التصدق بثلاثة آصع. على ستة مساكين، سواء في ذلك ‏المعذور وغيره، وكذا عند المالكية والحنابلة، على تفاصيل سبقت في جنايات الإحرام.‏
ج- القسم الثالث: دم الإحصار، ودم الوطء المفسد للحج.‏
وهذا القسم يجب عند الشافعية على الترتيب والتعديل، ومعنى الترتيب بالنسبة للوطء أنه ‏يجب به أولاً بدنة من الإبل فإن لم يجدها فبقرة، فإن لم يجدها فسبع من الغنم أو الماعز وذلك ‏بالنسبة للوطء، أما الإحصار ففيه شاة فقط.‏
وإن لم يجد سبعاً من الغنم يقوِّوم البدنة أو الشاة بسعرها في مكة، ويشتري بقيمتها طعاماً ‏يتصدق به على مساكين الحرم وفقرائه.‏
ومعنى التعديل: أنه إن عجز عن الطعام عدله صوماً، فصام عن كل مُدٍّ يوماً.‏
وعند الحنفية دم الإحصار والوطء دم تقدير فقط لا تخيير فيه لا يجزئ عنه صوم ولا ‏صدقة، ولو عجز عن الهدي. وروي في المذهب الحنفي في المحصر إن لم يجد الهدي يُقَوِّم ‏الهديَ طعاماً فيتصدق به على كل مسكين نصف صاع، وإن لم يكن عنده طعام ولا ثمنه صام ‏لكل نصف صاع يوماً فيتحلل به.‏
وكل دم ذكر في الجنايات لا تخيير فيه فهو من هذا القبيل عند الحنفية.‏
وعند المالكية في هَدْي الجماع التخيير بين بدنة أو بقرة أو شاة، فإن لم يجد صام ثلاثة ‏أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجب عندهم دم في الإحصار.‏
وعند الحنابلة في الإحصار أن بدل دمه الصوم بنية التحلل عشرة أيام ولا إطعام فيه: ‏يصوم ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وفي الوطء بدل دمه كالتمتع.‏
د- القسم الرابع: الدم الواجب بقتل الصيد. وهو واجب على التخيير والتعديل، وقد سبق ‏بيان ذلك مستوفى في الجنايات.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:51 PM
‏73- شروط الهدي والأضحية:‏
ليس كل شيء من النَّعَم يصلح أن يكون هدياً، بل لابد أن يكون مستوفياً للشروط التي ‏ورد بها الشرع، وهي شروط الضحية نفسها أيضاً. فمن أراد أن يتطوع بهدي أو وجب عليه ‏الهدي بأن وجب عليه شاة أو وجب عليه بدنة يجب عليه أن يراعي في الهدي الشروط الآتية:‏
أولاً - أن يكون الهَدْيُ من "الثَّنِيِّ" فصاعداً، إلا الضأن فإن الجَذْعَ منه يجزيء: ‏
وذلك موضع اتفاق الفقهاء سلفاً فخلفاً، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً إلا أن يَعْسُر عليكم، فتذبحوا جَذْعَة من الضأن" أخرجه مسلم.‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنَّ الثَّنِيُّ من الإبِلِ ما اسْتكمل خمس سنين ودخل في السادسة، ‏والثَّنِيُّ من البقر والجاموس ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة.‏
وذهب المالكية إلى أنَّ الثِنّي من البقر بما بلغ ثلاث سنين ودخل في الرابعة، ومن الإبل ‏بما دخل في السادسة.‏
لكن الحنفية لم يطلقوا جواز الهدي والتضحية بِجَذْع الضَّأْنِ، بل قالوا: يجزيء إذا كانت ‏عظيمةً بحيث لو خُلِطَ بالثنيان يشتبه على الناظر من بعيد".‏
واختلف في ثَنِي المعز وجَذْع الضأن: فالجذع من الضأن عند الحنفية والحنابلة وهو وجه ‏عند الشافعية ما تمت له ستة أشهر.‏
وعند الشافعية على أصح الأوجه ما استكمل سنة أو ما أجذعت، أي أسقطت مقدَّم أسنانها ‏بعد ستة أشهر.‏
وثني المعز عند الحنفية ما بلغ سنة ودخل في الثانية.‏
وعند الشافعية ما استكمل سنتين على أصح القولين.‏
وذهب المالكية إلى أن الجذع من الضأن ما بلغ سنة ودخل في الثانية ولو مجرد دخول ‏وفسَّروا الثَّنِيّ من المَعْزِ بما بلغ سنة ودخل في الثانية دخولاً بَيِّنا، كمضيِّ شهر بعد السنة.‏
ثانياً- أن يكون الهدي تام الخِلْقَةِ سليما من عيب ينقص اللحم.‏
والأصل في ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بَيِّنٌ عَورُها، والمريضة بَيِّنٌ مرضها، والعرجاء بَيِّنٌ ‏ظَلعُها، والكسير التي لا تُنْقِي" رواه أبو داود والترمذي.‏
والمراد بالمريضة التي يكون مرضها بيناً أي أن يظهر بسببه الهُزال وفساد اللحم والبَيِّن ‏ظَلَعُها أي الظاهر عَرجُها، والتي لا تُنْقِي أي التي لا نِقْيَ لها، وهو مخ العظم.‏
فهذه الأربعة لا تصح أن تكون هدياً، ولا تبرأ الذمة بالاهداء منها، كذلك لا يجزيء أيضاً ‏مقطوعة كل الأذن أو الذنب، أما إذا قطع جزء قليل أي أقل من الثلث من الأذن أو الذنب فأقل فإنه ‏لا يضر ذلك عند أبي حنيفة.‏
وأجاز الحنفية التضحية بالجرباء - مع الكراهية - إذا كان الجرب في الجلد فقط، أما إذا ‏هزلت بأن وصل الجرب إلى اللحم فلا يجوز.‏
وقال الشافعية: الجرب يمنع الإحْزاءَ كثيره وقليله. ولا تصح التضحية والهدي بناقصه ‏جزء مأكول ولو بعض الذنب، أو بعض الأذن ولو قليلاً، ولا يضر شق الأذن أو خرقها، ولا ‏تصح التضحية والهدي بالحامل على المعتمد في مذهب الشافعي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:51 PM
‏74- سنن الهدي:‏
أ- صفته المستحبة:‏
والأصل في ذلك أن يجود المؤمن بماله لله تعالى طيبة به نفسه، قال تعالى في الحض ‏على العناية بالهدي: {ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنها مِنْ تَقْوى القُلوبِ} [الحج: 32].‏
لذا قال العلماء: البدنة أفضل من البقرة لأنها أعظم، والبقرة أفضل من الشاة لأنها بسبع ‏من الغنم، والشاة أفضل من مشاركة سبع في بدنة أو بقرة لأنه ينفرد بإراقة الدم، والضأن أفضل ‏من الماعز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالضأن، والسمينة أفضل من غير السمينة ‏حتى أن من الحنفية من قال: الشاة السمينة التي تساوي البقرة قيمة ولحماً أفضل من البقرة. وحتى ‏أن الشافعية قالوا : التضحية بشاة سمينة أفضل من شاتين دونها.‏
ولا خلاف في جواز التضحية بالذَّكَر والأنثى، لكن الذكر أفضل، وخير الألوان في ‏الهدي والأضحية البياض ثم الصفرة، لما أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله قال : ‏‏"ضحّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكبشَيْنِ أمْلَحَيْن أقْرَنَيْن، ذَبَحَهُمَا بيده، وسمّى وكبَّر، ووضعَ ‏رِجْلَه على صِفاحِهما".‏
‏‏ ‏
ب- سُنَّةُ سوق الهدي:‏
‏1) يستحب للحاج أن يسوق هديه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل، ثم ‏من مكة ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلاً بل اشتراه من منى جاز باتفاق جماهير أهل العلم.‏
‏2) واتفقوا على استحباب وضع القلادة للإبل والبقر لما روى ابن عباس أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم "صلّى الظهرَ بذي الحُلَيفَةَ ثم دعا بناقته فأَشْعَرها في صَفْحَةِ سنامِها الأيْمَن، وسَلَتَ ‏الدمَ، وقلَّدَها نَعْلَيْن" أخرجه مسلم.‏
واختلفوا في تقليد الغنم:‏
‏ فذهب، الحنفية والمالكية إلى عدم سنيته، لأن تقليد الغنم غير متعارف وليس له بفائدة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى سنية ذلك عملاً بحديث عائشة قالت: "أهْدَى رسولُ الله ‏صلى الله عليه وسلم مرةً إلى البيتِ غنماً فقلَّدها" متفق عليه.‏
‏3) واتفقوا على عدم سنية إشعار الغنم.‏
لكن وقع الخلاف في إشعار الإبل والبقر أي شق الجلد من جانب السنام الأيمن:‏
فذهب الحنفية إلى عدم سنية ذلك، لأن في الإشعار مُثْلة وإيلاماً للحيوان، وقد نهى عنه ‏النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى سنية الإشعار للإبل والبقر عملاً بحديث ابن ‏عباس.‏
وقصد الشارع من التقليد والإشعار إشهار هذه الذبائح لأنها نسك وعبادة، فيليق بها ‏الاظهار.‏
لذلك اتفق الفقهاء الحنفيون والشافعيون على أنه لا يسن تقليد الجنايات والإحصار، لأن ‏سببها الجناية فيليق بها الستر.‏
‏4) يُستحب لمن لم يذهب إلى الحج أن يرسل هَدْياً وأن يُشْعِرَه ويُقَلِّدَه. ولا يحرم عليه ‏بإرساله شيء مما يحرم على المحرم باتفاق العلماء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:52 PM
‏75- توقيت ذبح الهدي:‏
نعني بالتوقيت تحديد زمان ومكان ذبح الهدي.‏
أ- أما الزمان:‏
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إنه من بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام النحر (10، ‏‏11، 12 من ذي الحجة).‏
وقال الشافعية: إنه ممتد إلى آخر أيام التشريق (13من ذي الحجة)، وهذا الخلاف بينهم ‏في زمن الأضحية أيضاً.‏
وقد اتفق الحنفية والشافعية على أن دم الجنايات لا يتقيد بالوقت، لأنها دماء كفارات، فلا ‏تختص بزمان النحر، بل يجوز تأخيرها إلى أي وقت آخر، إلا أنها لما وجبت لجبر النقصان كان ‏التعجيل بها أولى، ليحصل ارتفاع النقصان من غير تأخير.‏
واختلفوا في هدي التطوع:‏
ذهب الحنفية وهو وجه عند الشافعية إلى أنه يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر وذبحه ‏أيام النحر أفضل، لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا وذلك يتحقق بتبليغها إلى الحرم.‏
وذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنها تختص بالزمان كالأضحية.‏
واختلفوا أيضاً في دم المتعة والقِران:‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يختص بالزمان المذكور وهو أيام النحر الثلاثة، واستدلوا ‏في ذلك بقول الله تعالى: {فَكُلُوا منها وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِير ثمْ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفوا نُذُورَهُم ‏ولْيَطَّوَّفوا بالبيتِ العَتيق}.‏
وذهب الشافعية إلى أنها لا تختص بزمان بل يجوز أن يذبحها بعد الإحرام بالقران، وبعد ‏الإحرام بالحج في التمتع، ويجوز قبل الإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة في الأظهر.‏
وذهب المالكية إلى أن وقت ذبح الهدايا كلها هو أيام النحر، قالوا: ولا تذبح ليلاً.‏
ب- وأما المكان: فقد اتفقوا على أن دماء الهدي - عدا الإحصار - يختص جواز إراقتها ‏بالحرم لا يجوز ذبح شيء منها خارجه، لقوله تعالى في جزاء الصيد: {هَدْياً بَالغَ الكعبةِ} ، ‏وقوله تعالى: {ثُمَ مَحِلُّها إلى البيتِ العَتِيق}.‏
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "نَحَرْتُ ههنا ومِنىً كلُّها مَنْحَرٌ فانْحروا في رِحالِكُمْ".‏
وقوله: صلى الله عليه وسلم "كلُّ فِجاجِ مكةَ طريقٌ ومَنْحَر" أخرجه الحاكم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:52 PM
‏76- السنة في ذبح الهدي والأضحية:‏
أ- يستحب أن يذبح الهدي والأضحية بنفسه اقتداء به صلى الله عليه وسلم حديث أنس أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "ضحى بكبشين ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر" وفي ‏رواية لمسلم قال: ويقول: "بسم الله والله أكبر" ويجوز أن يستنيب غيره لما سبق، في آخر حديث ‏جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم "نحر ثلاثاً وستين بَدَنةً بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غَبر ‏منها".‏
فإذا استناب غيره يستحب له أن يشهد الذبح، لما روى عمران بن حصين رضي الله عنه ‏قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا فاطمةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَتَك فإنّه يُغْفَرُ لك بأولِ ‏قطرةٍ نقطرُ مِن دَمِها كلُّ ذنبٍ عَمِلْتِه" رواه البيهقي والطبراني.‏
ومن حكمة ذلك المبالغة في السخاء، وتهذيب النفس عن الجبن والخوف.‏
ب- والأفضل في الإبل النحر وهو طعن العروق في أسفل العنق حتى تُفْرَى،وأن ينحرها ‏قياماً. والأفضل في الغنم الذبح وهو قطع العروق في أعلى العنق، وأن تكون مضطجعة ليوافق ‏السنة المتواترة.‏
ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة، لأنه قربة لابد فيها منجهة فكانت القبلة أولى.‏
ج- وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنَّ التسمية عند الذبح والنحر، فلو تركها عامداً ‏لم تحل ذبيحته، وإن تركها ناسياً حلت استدلالاً بقوله تعالى: {ولا تَأْكُلُوا مِمّا لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ ‏عَلَيْهِ وإنّه لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121].‏
وذهب الشافعية إلى أن التسمية سنة، فلو تركها عامداً أو ناسياً حلت ذبيحته عندهم، ‏استدلالاً بقوله تعالى: {إلا ما ذَكّيْتُم} وقوله: {وطَعَامُ الذينَ أُوتوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُم}. ولم يذكر ‏التسمية فلا تكون واجباً. بل سنة.‏
وصيغة التسمية المستحبة أن يقول : "باسم الله والله أكبر".‏
د- ويستحب أن يسأل الله القبول فيقول: "اللهم تقبل مني" أو من فلان إن ذبح عن غيره، ‏لما أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبَح كبْشاً وقال: "بسم ‏الله، اللهم تَقَبَّلْ من محمدٍ ومن آل محمدِ ومن أُمّة محمد، ثم ضَحى".‏
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن جابر في حديث ذبح الكبشين السابق زيادة: "فلما ‏وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا ‏من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ ‏وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر" ثم ذبح.‏
هـ- ويتصدق بِجلالها وخِطامها، ولا يجوز أن يعطي أجرة الجزار منها، ولا يجوز بيع ‏شيء من الهدي والأضحية سواء كان واجباً أو تطوعاً.‏
وعن علي رضي الله عنه قال: "أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أقوم على بُدْنِهِ ‏وأنْ أتصدقَ بِلَحْمِها وجُلودِها وأَجِلَّتها وأنْ لا أعطيَ الجزّار منها، قال: نحنُ نُعْطِيه مِنْ عندنا" ‏متفق عليه. لأنه جعلها خالصة لوجه الله تعالى فلا يجوز أن يرجع إليه شيء من منافعها وعينها ‏إلا ما رخص فيه، وهو الأكل والانتفاع من الجلد بالاستعمال ونحوه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:53 PM
القسم الثاني
كيفية أداء الحج والعُمْرَة والزيارة‎ ‎وأدعيتها المأثورة

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:53 PM
الفصل الأول
في ‏
‏77- أنواع الحج وَالعُمْرة



يؤدى هذان النسكان على أربعة أوجه ثبتت في السنة الصحيحة والإجماع :‏

الوجه الأول: الإفراد للحج، وهو أن يهل الحاج أي ينوي الحج فقط عند إحرامه.‏
الوجه الثاني: القِرانُ، وهو أن يُهِلّ في إحرامه بالحج والعمرة جميعاً.‏
الوجه الثالث: التَّمَتُّع، وهو أن يهل بالعمرة فقط في أشهر الحج، حتى إذا جاء مكة أدى ‏مناسك العمرة، وتحلل بعد ذلك، ومكث بمكة حلالاً، ثم يحرم بالحج.‏
الوجه الرابع: إفرادُ العمرة، وهو أن يهل بالعمرة فقط.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:53 PM
‏78- التَّمَتُّع:‏

أ- اتفق الفقهاء على أن التمتع اتيان بعملين كاملين : العمرة أولاً يحرم بها من الميقات، ‏ويتحلل بعدها، ثم يأتي بالحج كاملاً يحرم به من مكة، ويجب عليه الدم.‏
ب- وإنما يكون متمتعاً عند الحنفية بالشروط الآتية وهي عند غيرهم شروط وجوب دم ‏التمتع:‏
‏1) أن يكون آفاقياً، فليس لأهل مكة ولا لأهل منطقة المواقيت تمتع عند الحنفية.‏
أما الشافعية فعندهم ليس التمتع لأهل مكة ومن مساكنهم دون مرحلتين - مسافة القصر - ‏من مكة في أحد القولين. والصحيح أنهم من مساكنهم دون الحرم بمرحلتين.‏
وأصل هذا الشرط قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ‏‏196].‏
وجه الاستدلال: أن الله جعل التمتع خاصاً بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ‏فألحق الحنفية به منطقة المواقيت لمساواتها منطقة الحرم في الشرف من حيث حظْرُ مجاوزتها ‏بدون إحرام، وقال المالكية: هم أهل مكة وكل مكان له حكم مكة.‏
وقال الشافعية والحنبلية: المراد بالمسجد الحرام: الحَرَمُ والقريب من الشيء يقال إنه ‏حاضره، وذلك ما دون مسافة القصر.‏
‏2) أن تقع عمرته في أشهر الحج قبل أداءه للحج من عامه الذي يحج فيه، فلو اعتمر قبل ‏أشهره ثم حج من عامه ذاك لم يلزمه دم التمتع اتفاقاً.‏
‏3) أن لا يعود إلى أهله فيما بين العمرة والحج:‏
ذهب الحنفية إلى أنه سافر بعد العمرة من مكة إلى بلد غير بلده لا يسقط تمتعه، لأنه لم ‏يُلِمَّ بأهله إلماماً صحيحاً.‏
وذهب المالكية إلى اشتراط ألا يعود إلى أفقه - أي بلده - أو مثل أَفُقه في البعد ولو كان ‏من أهل الحجاز.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يشترط ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات الذي أحرم منه ‏بالعمرة، وعلى ذلك يسقط تمتع مَنْ ذكرنا، ولا يجب عليه الدم.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه يشترط ألا يسافر من مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:54 PM
‏79- القِرَانُ:‏

أ- هو أن يجمع الآفاقي بين الحج والعمرة:‏
ويلحق به عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة كما هو الحال ‏في المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر عند الحنفية. لقوله صلى الله عليه وسلم ‏في حديث جابر: "لو أني اسْتَقَبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أسُقِ الهَدْيَ وجعلْتُها عمرة" فهذا ‏يفيد: "أن التحلل لا يتأتى إلا بما يتضمنه كلامه من إفراد العمرة، وعدم سوق الهدي، فلو كان ‏التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: لجعلتها عمرة".‏
وفرقوا بين القران والتمتع، فلم يشترطوا في القران عدم الإلمام بأهله.‏
وهو قول عند الشافعية.‏
ولكن الأظهر عند الشافعية سقوط دم القران عمن عاد إلى الميقات فقطع المسافة محرماً ‏وكذا عند المالكية إذا عاد القارن إلى بلده أو مثله في البعد وعند الحنابلة إذا خرج من مكة مسافة ‏القصر، يسقط الدم عند هؤلاء عن القارن، خلافاً للحنفية.‏
والراجح عند الحنفية أن المكي يكره له القران، وإذا فعله جاز وأساء وعليه دم جبر ‏لإساءته، خلافاً للتمتع، فإنه لا يتحقق من المكي مطلقاً.‏
وسوَّى الجمهور بينهما فلم يوجبوا على المكي الدم للمتمتع ولا القران، لعدم صحتهما منه ‏عندهم.‏
ب- وصفة القِران عند الحنفية أن يُهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، وهو أن يقول: ‏عقيب صلاة الإحرام: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني .. لبيك اللهم لبيك" ‏الخ. فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول منها، ويضطبع فيها ‏كلها. ثم يسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدا بأفعال الحج فيطوف طواف ‏القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما في الإفراد.‏
ويقدم أفعال العمرة لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ}، والقِرَانُ في معنى ‏التمتع، ولا يحلق بين العمرة والحج ولا يتحلل، لأن ذلك جناية على إحرام الحج، وإنما يحلق في ‏يوم النحر كما يحلق المفرد، ويتحلل بالحلق أو التقصير عند الحنفية كما يتحلل المفرد.‏
وخالف المالكية والشافعية والحنبلية في تكرار الطواف والسعي فقالوا: القارن يطوف ‏طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً.‏
ج- هدي التمتع والقران:‏
وقد اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما الهدي، لقوله تعالى: ‏
‏{فَمَنَ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ}.‏
‏1) واختلف العلماء في وقت ذبح الهَدْيِ للتمتع والقران.‏
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه يوم النحر بمنى.‏
‏ قال الحنفية: بعد رمي الجمرة وقبل الحلق، لما سبق من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ‏فقد نحر هديه على هذه الصفة. ويمتد إلى مغرب اليوم الثالث من أيام النحر.‏
وذهب الشافعية إلى أن وقت وجوبه الإحرام بالقران للقارن، والإحرام بالحج في التمتع، ‏لأنه حينئذ يصير متمتعاً بالعمرة إلى الحج، والأظهر عندهم جواز ذبحه إذا تحلل من العمرة، ولا ‏يتأقت ذبحه بوقت كسائر دماء الجبرانات، ولكن الأفضل ذبحه يوم النحر، للاتباع، وخروجاً من ‏خلاف من أوجبه فيه.‏
‏3) إن لم يجد هَدْيا يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، باتفاق ‏العلماء، لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ ‏كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].‏
واتفقوا على أنه لا يصح صيامُ الأيام الثلاثة قبل أشهر الحج للقارن والمتمتع، ولا قبل ‏الإحرام بالحج والعمرة في حق القارن، ولا قبل إحرام العمرة في حق المتمتع.‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى إجازة تقديم صيام الأيام الثلاثة على إحرام الحج في حق ‏المتمتع، لأنه وَقْتٌ كاملٌ جاز فيه نحر الهَدْي فجاز فيه الصيام، كَبَعْدَ إحرام الحج. ‏
وذهب المالكية والشافعية إلى منع ذلك.‏
أما الأيام السبعة الباقيةُ على مَنْ عجز عن هدي القِرَان أو التمتع فلا يصح صيامها إلا ‏بعد أيام التشريق. ثم يجوز صيامها بعد الفراغ من أفعال الحج ولو في مكة إذا مكث بها عند ‏الحنفية والمالكية والحنبلية، لكن الأفضل المستحب أن يصومها إذا رجع إلى أهله وهو قول عند ‏الشافعية. لكن الأظهر عند الشافعية أنه يصوم الأيام السبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجوز أن ‏يصومها في الطريق، إلا إذا أراد الإقامة بمكة صامها بها.‏
‏4) ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنَّ من لم يصم الأيام الثلاثة في ‏الحج يقضيها.‏
ثم عند المالكية وهو قول عند الحنبلية : إن صام بعضها قبل يوم النحر كَمَّلها أيام ‏التشريق. وإن أخَّرها عن أيام التشريق صامها متى شاء، وسواء وصلها بالسبعة أوْ لم يَصِلْها.‏
ولا يجوز صيام شيء منها يوم النحر بالاتفاق.‏
ولم يجز الشافعية والحنبلية في القول الآخر عندهم صيامها أيام النحر والتشريق، بل ‏يؤخرها إلى ما بعد، ويجب عند الشافعية في الأظهر في قضاء الأيام الثلاثة: أن يفرق في قضائها ‏بينها وبين السبعة بقدر أربعة أيام : يوم النحر وأيام التشريق، ومدة إمكان السير إلى أهله على ‏العادة الغالبة كما في الأداء، فلو صام عَشَرَةَ أيام ولاء حصلت الثلاثة، ولا يُعْتَدُّ بالبقية، لعدم ‏التفريق.‏
ويتفرع على هذا المسألة:‏
ذهب الحنفية إلى أن من تمتع أو قرن إذا عجز عن الهدي وتأخر عن الصيام إلى يوم ‏النحر فتحلل فعليه دمان: دم التمتع أو القران ودم التحلل قبل ذبح الهدي. ‏
وذهب الجمهور إلى أنه لا يلزمه سوى قضاء صومها على الكيفية التي عرفتها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:54 PM
‏80- مشروعية أنواع الحج وأيها أفضل:‏

اتفق الأئمة الأربعة على جواز أداء الحج بأي وجه من الأوجه التي ذكرناها.‏
ثم وقع خلاف في أي أنواع الحج أفضل:‏
فذهب المالكية والشافعية إلى أن الإفراد بالحج أفضل.‏
وذهب الحنابلة إلى أن التمتع أفضل.‏
فقد أمر أصحابه بالتمتع وتمناه لنفسه، ولا يأمر أصحابه ولا يتمنى إلا الأفضل.‏
وذهب الحنفية إلى أن الأفضل هو القران.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:54 PM
الفصل الثاني
كيفية أداء الحج والعمرة



عرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالات ثلاثة : الإفراد، التمتع، القران.‏

‏81- أولاً- كيفية الإفراد: الإفراد أن يحرم بالحج وحده، دون عمرة.‏

وكيفيته: أن يغتسل أو يتوضأ قبل الإحرام، والغسل أفضل، ويلبس ثوبين جديدن أو ‏غسيلين إزاراً ورداء، ويتطيب، ويصلي ركعتي الإحرام، في غير وقت الكراهة، ويقول : اللهم ‏إني أريد الحج فيسِّره لي وتقبله مني، ثم يلبي عقب صلاته، ناوياً بتلبيته الحج، ويكثر من التلبية ‏عقيب الصلوات، وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة، وبالأسحار.‏
فإذا لبى ناوياً فقد أحرم، فيمتنع عما نهى الله عنه من الرَّفث والفسوق والجدال، ولا يقتل ‏صيداً ولا يشير إليه، ولا يدل عليه، ولا يلبس مخيطاً ولا خفاً، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا ‏يمس طيباً، ولا ينتف أو يقص شعراً ولا ظفراً.‏
ولا بأس أن يغتسل بغير صابون، لأنه نوع طيب، وله أن يستظل بالبيت والمظلمة، وأن ‏يشد في وسطه الهِمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط) ومثله المنطقة.‏
فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته، داخلاً - كما ذكر الحنفية - من باب ‏السلام خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البيت وشرفه، فإذا عاين البيت كبر الله تعالى وهلل ثلاثاً ‏ودعا بما أحب، فإنه من أرجى مواضع الإجابة.‏
ثم يطوف غير المكي طواف القدوم، لأنه تحية البيت، مبتدئاً بالحجر الأسود، مستقبلاً له، ‏مكبراً مهللاً، رافعاً يديه كرفعهما للصلاة، مستلماً له بباطن كفيه، ثم مقبلاً له إن استطاع من غير ‏أن يؤذي مسلماً، ثم يدور حول الكعبة عن يساره، ويطوف بالبيت سبعة أشواط، من وراء الحطيم ‏‏(الحِجْر)، ويستلم الحجر والركن اليماني في كل شوط يمر بهما، ويختم الطواف بالاستلام كما ‏ابتدأ به، ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد، في وقت مباح غير مكروه.‏
وليس على أهل مكة طواف القدوم، وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف ‏بها، سقط عنه طواف القدوم، ولا شيء عليه لتركه.‏
ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً، يصعد على كل منهما، ويستقبل البيت، مكبراً مهللاً، ‏مصلياً على النبي صلى الله عليه وسلم، داعياً الله تعالى بحاجته، ويرمل بين الميلين الأخضرين، ‏مبتدئاً بالصفا، مختتماً بالمروة.‏
ثم يقيم بمكة محرماً، يطوف بالبيت كلما بدا له.‏
ثم يخرج في سابع ذي الحجة إلى منى، فيبيت فيها، ويصلي فيها خمس صلوات (الظهر ‏والعصر والمغرب والعشاء والفجر).‏
وفي اليوم الثامن يتوجه إلى عرفات، فيصلي مع الإمام أو منفرداً في مسجد نمرة صلاة ‏الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم، مستمعاً للخطبة بأذان واحد وإقامتين. ‏ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف.‏
ثم يتوجه إلى الموقف، فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرَنة، وينبغي ‏للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، ويدعو، ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يجتهد في الدعاء. ‏ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد ‏أدرك الحج. ومن مرَّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه، أو لم يعلم أنها عرفة، أجزأه ذلك عند ‏الحنفية عن الوقوف.‏
فإذا غربت الشمس، أفاض الإمام والناس معه على هينتهم على طريق المأزمين، حتى ‏يأتوا المزدلفة، فينزلوا بها. والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام. ويصلي ‏الإمام بالناس بالمغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامة واحدة عند ‏الحنفية، ولا يجوز عند أبي حنيفة أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة، وعليه إعادتها ‏مالم يطلع الفجر.‏
فإذا طلع الفجر يوم النحر، صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَس لأجل الوقوف، ثم وقف ‏بمزدلفة وجوباً عند الحنفية ولو لحظة، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقف الناس ‏معه، فدعا وكبر وهلل ولبى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ويلتقط حصى الرمي سبعين ‏من المزدلفة.‏
والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة).‏
ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى، فيرمي جمرة العقبة من ‏بطن الوادي بسبع حَصَيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقف عندها، لأنه لا ‏رمي بعدها، ويقطع التلبية مع أول حصاة(1)، إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي قطع ‏التلبية، لأنها لا تثبت مع التحلل.‏
ثم يذبح تطوعاً إن أحب لأنه مفرد، ثم يحلق أو يقصر بمقدار الأنملة، والحلق أفضل من ‏التقصير، فيحل له حينئذ كل شيء إلا النساء، وإلا الصيد والطيب عند المالكية.‏
ثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين، فيطوف طواف الزيارة (وهو طواف ‏الفرض) سبعة أشواط، ثم يسعى بين الصفا والمروة، إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم، ‏ويرمل الذكر في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف، ويضطبع فيه إن سعى الآن، لأن الرمل ‏والاضطباع مشروعان في كل طواف بعده سعي.‏
‏______________________‏
‏(1) هذا رأي الجمهور، وقال المالكية : تقطع التلبية بزوال شمس يوم عرفة.‏
ويكره تأخير الطواف عن الأيام الثلاثة (وهي يوم العيد ويومان بعده)، فإن أخره عنها، ‏لزمه دم عند أبي حنيفة.‏
ثم يعود إلى منى، فيقيم بها لأجل الرمي ووقته ما بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام ‏النحر، مبتدئاً برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف ‏عندها ويدعو، لأن بعده رمي، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف عندها ويدعو، ثم يرمي جمرة ‏العقبة، ولكنه لا يقف عندها، لأنه ليس بعدها رمي.‏
ثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلاث بعد زوال الشمس، وله أن يتعجل النفر إلى مكة ‏بعدئذ أو يقيم لرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس. ويجوز عند أبي حنيفة ‏الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر. وينزل بالمُحَصَّب عند نفره إلى مكة.‏
وإذا أراد الحاج مغادرة مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها طواف الوداع أو ‏الصَّدَر، وهو واجب عند الجمهور غير المالكية إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله، لفراغه من ‏أعمال الحج.‏
والمرأة والخنثى المشكل في جميع ما سبق كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف ‏وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمُل في الطواف، ولا تهرول بين الميلين الأخضرين، ولا ‏تحلق رأسها، ولكن تقصِّر، وتلبس المخيط والخفين. وإذا كانت حائضاً أو نفساء فعلت كل أفعال ‏الحج غير الطواف بالبيت، فإنها تنتظر حتى تطهر.‏
وإن حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت، وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة ‏وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولا شيء عليها لترك طواف الصدر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:55 PM
‏82- ثانياً: كيفية التمتع:‏

التمتع لغة: الانتفاع.‏
وشرعاً عند الحنفية: الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها، أو أكثرها، وإحرام الحج وأفعاله، ‏في أشهر الحج، من غير إلمام صحيح بأهله.‏
والمتمتع نوعان عند الحنفية : متمتع يسوق الهدي، ومتمتع لا يسوق الهدي. وحكم الأول ‏كالقارن إذا دخل مكة طاف وسعى، ولا يتحلل بعد العمرة، بل يظل محرماً، حتى يحرم بالحج يوم ‏التروية، وينحر الهدي يوم النحر. وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي، أحرم، وساق هديه.‏
وصفة التمتع: أن يبتدئ من الميقات، فيحرم بعمرة، ويدخل مكة، فيطوف للعمرة، ‏ويسعى، ويحلق أو يقصر، ويتحلل من عمرته بما فعل. ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، ويقيم ‏بمكة حلالاً.‏
فإذا كان يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) أحرم بالحج من المسجد الحرام ندباً، ‏ويشترط أن يحرم من الحرم، لأن المتمتع في معنى المكي، وميقات المكي في الحج: الحرم، كما ‏تقدم في المواقيت. ثم يفعله الحاج المنفرد.‏
والأفضل أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية، لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة.‏
وعليه دم المتمتع، فإن لم يجد الدم، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع : أي فرغ ‏من أداء نسكه، ولو قبل وصوله إلى أهله.‏
فإذا حلق يوم النحر، فقد حل من الإحرامين جميعاً، لأن الحلق مُحلِّل في الحج كالسلام ‏في الصلاة، فيتحلل به عنهما.‏
وليس لأهل مكة عند الجمهور تمتع ولا قران، وإنما لهم الإفراد خاصة، وقال الحنفية : ‏يكره القران للمكي.‏
بطلان التمتع: ويبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة، ولم يكن ساق ‏الهدي، لأنه ألم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحاً. أما إذا كان قد ساق الهدي، فلا يكون إلمامه ‏صحيحاً، ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة لأنه يجب عليه العود إلى الحرم لأجل الحلق، لأنه مقيد ‏بالحرم، والعود يمنع صحة الإلمام.‏
أما القارن فلا يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية. فيكون الفرق بين القران والتمتع ‏عند الحنفية : هو أن التمتع يشترط فيه عدم الإلمام بأهله، والقران لا يشترط فيه عدم الإلمام ‏بأهله.‏
متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعاً؟
قال الحنفية: من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم ‏يتمها حتى دخلت أشهر الحج، فتَّممها في أشهره، وأحرم بالحج، كان متمتعاً، لأن الإحرام عندهم ‏شرط لا ركن، فيصح تقديمه على أشهر الحج، وإنما يعتبر أداء الأفعال في أشهر الحج، وقد وجد ‏الأكثر، وللأكثر حكم الكل.‏
أما إن كان طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً، ثم حج من عامه ذلك، لم ‏يكن متمتعاً، لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج، فصار كما إذا تحلل منها قبل أشهر الحج.‏
والحاصل أن الأكثر له حكم الكل عند الحنفية، فإذا حصل الأكثر قبل أشهر الحج، فكأنها ‏حصلت كلها، والمتمتع: هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:55 PM
ثالثاً: كيفية القران:‏

القران لغة: الجمع بين الشيئين مطلقاً.‏
وشرعاً : الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد.‏
وصفة القران: أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، إما حقيقة بنية الأمرين معاً، وإما ‏حكماً عند الحنفية خلافاً لغيرهم : بأن أحرم بالعمرة أولاً، ثم بالحج قبل أن يطوف لها أكثر ‏الطواف، لأن الجمع قد تحقق، لأن الأكثر منها قائم، ويصح العكس عند الجمهور : بأن يحرم ‏بالحج، ثم يدخل العمرة عليه، لكنه مكروه عند الحنفية.‏
وإدخال الحج على العمرة عند الجمهور (غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم في ‏الطواف، فإن شرع فيه ولو بخطوة، فلا يجوز إدخال الحج على العمرة.‏
ويلحق بالقران عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة، كما هو ‏شأن المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر.‏
ويقول القارن عقيب صلاة ركعتي الإحرام : "اللهم إني أريد الحج والعمرة، فيسرهما ‏ليه، وتقبَّلهما مني" لبيك اللهم لبيك ... إلخ.‏
فإذا دخل القارن مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأُول منها، ويسعى ‏بعدها بين الصفا والمروة. وهذه أفعال العمرة.‏
ثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمُفرِد، ويطوف بعد السعي المذكور طواف القدوم، ‏ويطوف طواف الإفاضة للحج، ويسعى أيضاً بين الصفا والمروة كالمفرد، لقوله تعالى: {وأتموا ‏الحج والعمرة لله} وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره.‏
وقال الجمهور: يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد.‏
دم التمتع والقران: اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما بالحج ‏الهدي، لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ فما استيسر من الهدي}.‏
ودم القران والتمتع: دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية، ولا يأكل منهما عند ‏الشافعية. وإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار عند الحنفية رافضاً لعمرته ‏بالوقوف، وسقط عنه دم القران، وعليه دم لرفضه عمرته، وهو دم جبر لا يجوز أكله منه، ‏ووجب عليه قضاؤها، لأنه بشروعه فيها أوجبها على نفسه، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه القضاء.‏
ويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لإحرام الحج إلى الميقات.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:56 PM
الفصل الثالث
مميزات وفضائل الحرمين
‏- الحرم المكي والحرم المدني -‏



‏84- مميزات وفضائل الحرم المكي:‏

أولاً - بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام:‏
بنيت الكعبة المشرفة خمس مرات: بناء الملائكة أو آدم، أو شيث بن آدم، وبناء إبراهيم ‏على القواعد الأولى، وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ‏وبناء ابن الزبير، حين احترقت، وبناء الحجاج بن يوسف. وهذا البناء هو الموجود اليوم.‏
وقد تم توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بل إن عمر أول من بناه، ثم في عهد عثمان، ‏ثم في عهد الوليد بن عبد الملك، ثم في عهد المهدي، واستقر الأمر على ذلك، إلى أن تم توسيعه ‏الأخير في عهد السعوديين، قال الشافعي : أحب أن تترك الكعبة على حالها، فلا تهدم، لأن هدمها ‏يذهب حرمتها ويصير كالتلاعب بها. وقد كساها النبي صلى الله عليه وسلم ثياباً يمانية، ثم كساها ‏أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم.‏
وكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب البيت في الإسلام. ويجوز تزيين الكعبة بالذهب ‏والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف. ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره، ‏ومن أخذه لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه.‏
والبيت الحرام : أول بيت من بيوت الله وجد على ظهر الأرض ليعبد الناس فيه ربهم، ‏أولية شرف وزمان، لقوله سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ‏‏* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96-97] فأول دلائله وعلائمه ‏الظاهرة: مقام إبراهيم، وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى الله، حتى إنه كان اللاجئ إليه عند ‏العرب يصير آمناً مادام فيه، وقد أقر الله تعالى هذه المزية في قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ‏لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} ‏‏[القصص: 57] {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] ‏لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلاح في مكة لغير ضرورة أو حاجة، فإن كانت حاجة جاز، ‏ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يحل أن يحمل السلاح ‏بمكة".‏
وتضاعف في الحرم لحسنات، قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ‏أَلِيمٍ} [الحج: 25] وثواب الصلاة فيه يعدل مائة ألف صلاة، قال صلى الله عليه وسلم : "صلاة ‏في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام ‏أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة". وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر : ‏‏"وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" وروى الطبراني عن أبي الدرداء : ‏‏"الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في ‏بيت المقدس بخمسمائة صلاة" وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ثم ‏المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، والمسجد الحرام أفضل المساجد على الإطلاق، ويقصد ‏بالذات للعبادة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد ‏الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".‏
ويطلق المسجد الحرام غالباً ويراد به هذا المسجد، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكة، ‏كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وقد ازدادت ‏أهميته يجعله من أهم أماكن شعائر الحج في أيام معلومات.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:56 PM
ثانياً - المجاورة بمكة وفضيلتها:‏
إن حرم مكة كالمسجد الحرام في مضاعف ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات.‏
قال صلى الله عليه وسلم : "رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة" رواه ‏البخاري وقال أيضاً : "من حج من مكة ماشياً، حتى يرجع إليها أيضاً : "من حج من مكة ماشياً، ‏حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم بمائة ألف ‏حسنة" رواه الحاكم.‏
وقال جماعة من العلماء منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل : ‏تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال بعض المتأخرين : القائل بالمضاعفة : أراد ‏مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات تتفاوت، ‏فالسيئة في حرم الله أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف البلاد.‏
ويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى : {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ‏نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها، تعظيماً لحرمة الحرم.‏
أما المجاورة بمكة:‏
فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها، خوفاً من التقصير في حرمتها، والتبرم وإعتياد ‏المكان والأنس به، وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم، ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية ‏العود، وخوفاً من ركوب الخطايا والذنوب بها، فإن ذلك محظور، والراجح عند الحنفية في قول ‏وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو بالمدينة، واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة أفضل منها ‏بمكة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب المجاورة لمن لم يخف الوقوع في محظور بمكة ‏أو المدينة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن مكة: "إنك لأحب البقاع إلى الله عز وجل، ‏ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي.‏
قال أحمد: والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر ‏المسلمين وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيداً ‏وشفيعاً يوم القيامة".‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:56 PM
ثالثاً - هل مكة أفضل أم المدينة ؟
انعقد الإجماع على أن أفضل بقع الأرض على الإطلاق المكان الذي ضم جسده صلى الله ‏عليه وسلم، وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض بعده.‏
واختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة ؟ فقال مالك تبعاً لعمر وغيره من الصحابة ‏المدنيين بتفضيل المدينة، لأنها موطن الهجرة، ومستقر الصحابة، ومثوى الرسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، ولما ورد في فضلها من الأحاديث الصحيحة، منها : "إنها طيبة - يعني المدينة - ‏وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة" رواه مسلم.‏
وذهب أكثر العلماء إلى تفضيل مكة، للحديث السابق عن مكة: "والله إنك لخير أرض ‏الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي.‏
وأوجه تفضيل مكة على المدينة، منها:‏
‏1- وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة.‏
‏2- أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض.‏
‏3- أن الله جعلها حرماً آمناً في الجاهلية والإسلام.‏
‏4- لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوباً أو ندباً.

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:57 PM
رابعاً- آداب دخول مكة:‏
يستحب لمن دخل مكة ما يأتي:‏
‏1- ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أو غيره أن يتوجه إلى مكة، ومنها يكون ‏خروجه إلى عرفات.‏
‏2- إذا بلغ الحرم المكي دعا، فقال : "اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، ‏وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك". هذا ويستحضر من ‏الخشوع والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه.‏
‏3- إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوي(1) بنية غسل دخول مكة، فإن جاء من طريق آخر ‏اغتسل في غيرها. وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي.‏
‏4- السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء(2)، وإذا خرج راجعاً إلى بلده خرج من ثنية ‏كُدا(3).‏
‏5- الأصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشياً لا راكباً.‏
‏6- يدخلها الإنسان ليلاً أو نهارً، فقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاراً في ‏الحج، وليلاً في عمرة له، والأفضل في الأصح عند الشافعية دخولها نهاراً.‏
‏7- ينبغي أن يتحفظ في دخوله في إيذاء الناس في الزحمة، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ ‏بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها.‏
‏8- ينبغي لمن يأتي من غير الحرم ألا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة. والأصح عند ‏الشافعية أن دخولها محرماً مستحب، وواجب عند غيرهم.‏
‏9- يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم ‏عند رؤية الكعبة، ويقول:‏
‏" اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو ‏اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً " ويضيف إليه :" اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ‏ربنا
بالسلام ".‏
ويدعو بما أحب من مهمات الآخرة والدنيا، وأهمها سؤال المغفرة. وينبغي أن يستحضر ‏عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع، فهذه عادة الصالحين والعارفين.‏
ويقول قبالة البيت:" اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك ‏من النار ".‏
‏10- يستحب ألا يعرج أول دخوله على استئجار منزل أو تغيير ثياب وغير ذلك إلا ‏الطواف الذي هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند المالكية. ويترك بعض الرفقة ‏عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا، ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل.‏
ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة ألا تبرز للرجال، وتؤخر الطواف ودخول المسجد ‏إلى الليل.‏
ويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شبية، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ‏ويقول: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، ‏والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك ‏‏".‏
‏_____________________‏
‏(1) في أسفل مكة.‏
‏(2) بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابرة.‏
‏(3) بأسفل مكة بقرب جبل قعيقعان وإلى صوب ذي طوي.‏

وإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال هذا، إلا أنه يقول:" وافتح لي أبواب فضلك " وهذا ‏الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد.‏
‏11- إذا دخل المسجد ينبغي ألا يشتغل بصلاة تحية المسجد، ولا غيرها، بل يقصد الحجر ‏الأسود، ويبدأ بطواف القدوم، وهو تحية المسجد الحرام، والطواف مستحب لكل داخل محرماً ‏كان أو غير محرم، إلا لأداء الصلاة المكتوبة أو قضائها، أو فوات الجماعة فيها، أو فوات الوتر ‏أو السنة الفجر وغيرها من السنن الراتبة، فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف.‏
ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.‏
‏12- يستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما النبي صلى الله عليه ‏وسلم. ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه، ولا يدخل حِجْر اسماعيل؛ لأنه من البيت، ولا يدخل ‏الكعبة بسلاح.‏
وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً، ولا يخرج من تراب ‏الحرام، ولا يدخل فيه من الحل، ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل.‏
‏13- يستحب لمن دخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يختم القرآن فيها قبل رجوعه.‏
‏14- يندب عند المالكية طواف الوداع، ويجب عند الأئمة الآخرين.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:57 PM
خامساً- خصائص الحرم المكي ومحظوراته :‏
للحرم المكي أحكام خاصة، أهمها ما يأتي:‏
‏1ً- ينبغي ألا يدخله أحد إلا بإحرام، وهو مستحب عند الشافعية، واجب عند غيرهم.‏
‏2ً- يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، ‏وهو مضمون بإتلافه.‏
‏3ً- يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ولا يستنبته الناس كالشيح ‏والشوك والعوسج، إلا ما فيه ضرورة كالاذْخر( نبات طيب الرائحة )، ويلحق به كما أبان ‏المالكية ستة: السَّنَا (المعروف بالسنامكي ) للحاجة إليه في التداوي، والهَشّ (قطع ورق الشجر ‏بالمِحْجَن ) (1)، والعَصَا، والسواك، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح ‏الحوائط والبساتين. لقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:" إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق ‏السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد(2) شوكة، ولا يُنَفَّر صيده، ‏ولا يَلْتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خلاه(3)، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخِر، فإنه ‏لقَيْنهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر" رواه البخاري ومسلم. ويجب عند الجمهور ضمانه خلافاً ‏للمالكية.‏
ولا يحرم قطع ما أنبته الآدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه كشجر الأراك، ‏والرمان والخس والبطيخ والحنطة، ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه قد مات، ‏وليس له أخذ ورق الشجر، ويباح أخذ الكمأة من الحرم لأنها ليست من جنس النبات، بل هي من ‏ودائع الأرض، وكذا الفقع، لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة. ولا شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة ‏وحية وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة وماليس بصيد، على الخلاف ‏والتفصيل السابق.‏
وأما صيد وَج ( واد بالطائف ) وشجرة : فحرام لا يضمن عند الشافعية، لحديث :" ألا إن صيد ‏وج وعضاهه- يعني شجره - حرام محرم " رواه البيهقي. وهو مباح حلال عند الحنابلة؛ لأن ‏الأصل الإباحة، والحديث ضعفه أحمد، لكن لا يضمن قطعاً عند الشافعية.‏
‏4ً- يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره، والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة ذلك،. وقال ‏الحنفية : لا بأس بإخراج الأحجار وترابه.‏
‏5ً- يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم، مقيماً كان أو ماراً. وأجازه أبو حنيفة ‏ما لم يستوطنه.‏
‏6ً- لا تحل لقطة مكة وحرمها لمتملك، وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها بخلاف سائر ‏البلاد، للحديث المتقدم:" ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها".‏
‏7ً- تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة، لقوله تعالى:‏
‏{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191] لأن للحرم تأثيراً في إثبات ‏الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم، أم أحدهما دون ‏الآخر.‏
وقدر التغليظ عند أحمد : هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث الدية.‏
وعند الشافعي : التغليظ جاء في أسنان الإبل، لا الزيادة في العدد.‏
ولا تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة، في الأصح عند الشافعية.‏
ويجوز عند الجمهور خلافاً لجماعة، قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم يمكن ‏ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها ‏في الحرم أولى من إضاعتها.‏
‏_______________________‏
‏(1) العصا المعوجة، أمَّا ضبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام.‏
‏(2) الحشيش الرطب.‏
‏(3) يقطع.‏
وتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية، لقوله تعالى:‏
‏{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ‏ابن خَطَل لما وجد متعلقاً بأستار الكعبة، وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنها ‏مؤذيات طبعاً.‏
وروي عن أحمد وأبي حنيفة أن من وجب عليه الحد أو القصاص آمن مادام في الحرم، ‏لقوله تعالى:{ ومن دخله كان آمناً } ولقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يحل لامرئ يؤمن بالله ‏واليوم الآخر أن يسفك بها دماً".‏
‏8ً- تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه.‏
‏9ً- تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم.‏
‏10ً- لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم.‏
‏11ً- لا يكره عند الشافعية صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من الأوقات في الحرم، ‏سواء في مكة وسائر الحرم.‏
‏12ً- إذا نذر قصده، لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أو عمرة، بخلاف غيره من ‏المساجد، فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره، إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد ‏الأقصى، فإنهما يتعينان أيضاً، للحديث السابق:" لا تشد الرحال.. ".‏
‏13ً- إذا نذر النحر وحده بمكة، لزمه عند الشافعية النحر بها، وتفرقة اللحم على مساكين ‏الحرم، ولو نذر ذلك في بلد آخر، لم ينعقد نذره في أصح الوجهين.‏
‏14ً- يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء.‏
‏15ً- مضاعفة الأجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام.‏
‏16ً- يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام، والأفضل لغيرهم الصلاة في ‏المصلى، إذا كان المسجد عند الشافعية ضيّفاً، فإن كان واسعاً فالمسجد أفضل من المصلى.‏
‏17ً- لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:57 PM
‏85- مميزات وفضائل الحرم المدني:‏

سادساً- فضل المسجد النبوي:‏
بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة هذا المسجد بمساحة 70 ‏x‏60 ذراعاً، ثم ‏وسعه عمر، وعثمان، وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وتم توسيعه الأخير على يد الملك عبد ‏العزيز آل سعود، وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء الحج.‏
والصلاة في هذا المسجد تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، لحديث أبي هريرة ‏المتقدم في الصحيحين: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ‏الحرام" وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة.‏
وقال العلماء: وهذا فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ألف صلاة فيما ‏سواه، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم ‏تجزئه عنهما، وهذا لا خلاف فيه.‏
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم ‏الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، لقوله: "في مسجدي هذا" وذهب البعض الآخر إلى ‏أنه لو وُسِّع ثبت له هذه الفضيلة، كما في مسجد مكة إذا وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، قال ابن ‏عمر: "زاد عمر بن الخطاب في المسجد، قال: ولو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة(1)، كان مسجد ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم".‏
وفي حديث يبين فضل الصلاة في هذا المسجد: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا ‏تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجاة يوم القيامة" رواه الطبراني ولو نذر الذهاب إلى ‏المسجد النبوي أو إلى الأقصى، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الذهاب ولا يجب، ويتحقق ‏النذر باعتكاف ساعة في الأصح، والأفضل صلاة ركعتين فيه.

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:58 PM
سابعاً - خصائص الحرم المدني:‏
حرم المدينة: ما بين لابيتها، واللابة: الحرة: وهي أرض فيها حجارة سود، ويمتاز هذا ‏الحرم بأحكام منها ما يأتي.‏
‏1- تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم كمكة عند الجمهور، خلافاً لأبي ‏حنيفة، للحديث: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع ‏عضاهها(2)، ولا يصاد صيدها" رواه مسلم وإذا فعل استغفر الله ولا شيء عليه، ولا يضمن ‏القيمة عند الجمهور ولأنه ليس محلاً للنسك، لكن مكة يضمن صيدها وشجرها.‏
‏2- يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة، لما يحصل في ذلك من نيل ‏الدرجات ومزيد الكرامات، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من صبر على لأواء المدينة وشدتها، ‏كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة" رواه مسلم.‏
والراجح عند الحنفية كما بينا: أنه لا تكره المجاورة بالمدينة، وكذا بمكة لمن يثق بنفسه.‏
‏3- يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم، فهم جيران ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة أهل المدينة.‏
‏______________________‏
‏(1) مقبرة المدينة.‏
‏(2) شجرة عظيم له شوك.‏
‏4- يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والإكرام، زائداً على غيرهم من الأمم، لحديث ‏الصحيحين المتقدم عن أبي هريرة:" من صبر على لأْواء المدينة..".‏
‏5- إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:" اللهم هذا حرم ‏نبيك فاجعله وقاية لي من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب".‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:58 PM
‏86-ثامناً- زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلى الله عليه وسلم:‏

يستحب زيارة المسجد النبوي، لأنه كما في الحديث الصحيح أحد المساجد الثلاثة التي ‏تشد إليها الرحال، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ؛ لأن موضع قبره عليه ‏الصلاة والسلام أفضل بقاع الأرض. وآداب الزيارة وأحكامها ما يأتي:‏
‏1- تسن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله عليه السلام: "من زار قبري ‏وجبت له شفاعتي" رواه ابن خزيمة وروى البخاري: "من صلى علي عند قبري، وكل الله به ‏ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة".‏
فزيارة قبره صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى: ‏
‏{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا ‏رَحِيمًا} [النساء: 64]، وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره، لأمرين: أحدهما- أن ‏الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدنية يقبح تركهم الزيارة. والثاني- ‏لحديث ابن عمر: "من حج، ولم يزرني، فقد جفاني" رواه ابن حبان وحديث" من زارني بعد ‏موتي فكأنما زارني في حياتي" رواه الدارقطني والبيهقي.‏
‏2- يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله تعالى ‏بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.‏
‏3- يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله ‏عليه وسلم في طريقه، خصوصاً إذا رأى أشجار المدينة وحرمها.‏
‏4- يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه.‏
‏5- يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة.‏
‏6- ليقل عند باب مسجده صلى الله عليه وسلم ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل ‏المساجد، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.‏
ثم يقصد الروضة الكريمة (1): وهي ما بين المنبر والقبر، فيصلي تحية المسجد، بجنب ‏المنبر،
‏(1) ما بين المنبر ومقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفي، أربعة عشر ‏ذراعاً وشبر وما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر.‏
وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
‏7- إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد، شكر الله تعالى على هذه النعمة، ‏ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته، ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ‏ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، ويقف ناظراً إلى أسفل، خاشعاً، فارغ القلب من علائق ‏الدنيا، مستحضراً في قلبه جلالة موقفه صلى الله عليه وسلم، ثم يسلم ولا يرفع صوته، فيقول: ‏
‏" السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام ‏عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا بشير، ‏السلام عليك يا طُهْر، السلام عليك يا طاهر، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا نبي ‏الأمة، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد ‏المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر ‏المحجلين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين.‏
جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ‏ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين.‏
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه. ‏وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.‏
اللهم وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن ‏يسأله السائلون.‏
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، ‏كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد ‏وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد".‏
ومن أراد الاختصار، قال :" السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم".‏
ثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه، فيقول :" ‏السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله، وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة نبيه صلى الله عليه ‏وسلم خيراً".‏
ثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع، فيسلم على عمر رضي الله عنه، فيقول :" السلام عليك ‏يا عمر، أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيراً".‏
ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول :" السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله ورفيقيه ‏ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين، القائمين بعده بمصالح المسلمين، جزاكما ‏الله أحسن الجزاء".‏
ثم يعود إلى رأس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في زاوية الحجرة المسورة، ويستقبل ‏القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه، ولوالديه، ولمن شاء من ‏أقاربه، وأشياخه إخوانه وسائر المسلمين، ويبتدئ بقوله : اللهم إنك قلت وقولك الحق :{ ولو أنهم ‏إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً} وقد ‏جئناك سامعين قولك، طائعين أمرك، مستشفين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ‏بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة ‏وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ‏والحمد لله رب العالمين.‏
ثم يأتي الروضة، فيكثر فيها من الدعاء، والصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي ‏هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" ما بين قبري ومنبري روضة ‏من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" ويقف عند المنبر ويدعو.‏
ثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب الله عليه، وهي بين القبر ‏والمنبر، فيصلي ركعتين ويتوب إلى الله ويدعو بما شاء. ثم يأتي الأسطوانة الحنانة التي فيها بقية ‏الجذع الذي حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين تركه، وخطب على المنبر، حتى نزل، ‏فاحتضنه، فسكن.‏
‏8- لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل ‏الأدب أن يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم.‏
‏9- ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، وينبغي له أن ينوي الاعتكاف فيه، كما ينويه في المسجد الحرام. وإذا أراد وداع ‏المدينة صلى ركعتين وقال: " اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك، وسهل لي العود إلى ‏الحرمين سهلة، وارزقني العفو والعافية في الآخرة والدنيا، وردنا إليه سالمين غانمين".‏
‏10- كره مالك رحمة الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج الوقوف بالقبر، ‏قال: وإنما ذلك للغرباء، أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر ‏النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:59 PM
الفصل الرابع
‏87- آداب السفر للحج وغيره، وآداب الحاج العائد

‏ ‏ وفيه مبحثان:‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:59 PM
المبحث الأول - آداب السفر للحج وغيره:‏

‏1- المشاورة: يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه، وعلى المستشار أن ‏يبذل له النصيحة، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة.‏
‏2- الاستخارة: ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى، فيصلي ركعتين من ‏غير الفريضة، ثم يقول بعدها:‏
‏"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، ‏وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن - ذهابي إلى الحج في هذا العام- خير في ‏ديني ودنياني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. اللهم ‏وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، ‏واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به".‏
ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى "الكافرون" وفي الثانية ‏‏"الإخلاص". ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره.‏
‏3- التوبة ورد المظالم والديون: إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي ورد المظالم ‏إلى أهلها، وقضى ما أمكنه من ديونه، ورد الودائع، وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه، ‏وكتب وصيته وأشهد عليها، ووكل من يقضي عنه ديونه مالم يتمكن من وفائها، وترك لأهله ما ‏يحتاجونه من نفقة.‏
‏4- إرضاء الوالدين والزوج: يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره، وتسترضي المرأة ‏زوجها وأقاربها، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته.‏
‏5- كون النفقة حلالاً: ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة.‏
فقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من حجَّ بمالٍ فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه، لكنه ليس ‏حجاً مبروراً.‏
وقال أحمد: لا يجزيه الحج بمال حرام.‏
‏6- الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة: يستحب الاستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين، ‏ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا ‏تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267] والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء.‏
‏7- ترك المماحكة في الشراء: يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى.‏
‏8- عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة: يستحب ذلك إيثاراً للسلامة من المنازعات.‏
‏9- تحصيل مركوب قوي مريح: يستحب ذلك، والركوب في الحج أفضل من المشي وقد ثبت ‏في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج راكباً، وكانت راحلته زاملته. ‏والزاملة: البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع.‏
‏10- تعلم كيفية الحج: لابد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح ‏العبادة ممن لا يعرفها ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، وأن يديم مطالعته، ‏ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده.‏
‏11- اصطحاب الرفيق: ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير، كارهاً للشر، إن ‏نسي ذكره، وإن ذكر أعانه. ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه، ويتحمل كل واحد صاحبه، ‏ويرى لصاحبه عليه فضلاً وحرمة، ولا يرى ذلك لنفسه، ويصبر على ما وقع منه أحياناً من جفاء ‏ونحوه. وقد كره الرسول صلى الله عليه وسلم الوحدة في السفر، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان ‏شيطانان والثلاثة ركب" رواه أبو داود والترمذي وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمروا على أنفسهم ‏أفضلهم وأجودهم رأياً، لحديث "إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود.‏
‏12- التفرغ للعبادة والإخلاص: يستحب أن يتفرغ للعبادة، خالياً عن التجارة، لأنها تشغل ‏القلب، فإن اتجر مع ذلك صح حجه، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} ‏‏[البقرة: 198]، ويريد بعمله وجه الله تعالى، لقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ‏الدِّينَ} [البينة: 5]. وقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات".‏
‏13- كون السفر يوم الخميس والتبكير: يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، إذ قلما خرج ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إلا يوم الخميس، فإن فاته فيوم الاثنين، إذ فيه هاجر الرسول ‏من مكة. ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" رواه أبو داود ‏والترمذي.‏
‏14- صلاة سنة السفر: يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، يقرأ في ‏الأولى بعد الفاتحة "الكافرون" وفي الثانية: "الإخلاص"، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر ‏من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره، فإذا نهض ‏من جلوسه، قال ما رواه أنس:‏
‏"اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، اللهم زودني ‏التقوى، واغفر لي ذنبي".‏
‏15- الوداع: يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويستسمحهم، ويقول كل ‏واحد منهم لصاحبه: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ‏ويسر لك الخير حيث كنت".‏
‏16- الدعاء عند الخروج من البيت: السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما صح عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ ‏أو أُظلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ" وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الرجل من ‏بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال: هديت وكفيت ووقيت".‏
ويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه وكذا بين يدي كل حاجة يريدها.‏
‏17- الدعاء عند الركوب: يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: "بسم الله" وإذا استوى على ‏دابته قال: "الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون".‏
ثم يقول: "الحمد لله" ثلاث مرات "الله أكبر" ثلاث مرات.‏
ثم يقول: "سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" للحديث ‏الصحيح في ذلك.‏
ويستحب أن يضم إليه: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما تحب ‏وترضى، اللهم هوَّن علينا سفرنا وأطوعنا بُعْده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل ‏والمال. اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد".‏
‏18- السفر بالليل والرفق بالدابة: يستحب إكثار السفر في الليل، لحديث أنس: "عليكم الدُّلْجة، ‏فإن الأرض تطوى بالليل" رواه أبو داود.‏
‏19- التقشف والرفق في السفر : أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه والتبسط في ألوان ‏الأطعمة، فإن الحاج أشعث أغبر، عن ابن عمر قال: "قام رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ‏من الحاج ؟ قال: الشَعِث التفِل" رواه الترمذي وابن ماجه.‏
وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس، ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة ‏الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك.‏
ويصون لسانه من الشتم والغيبة وجميع الألفاظ القبيحة، للحديث: "من حج فلم يرفث، ولم ‏يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".‏
‏20- عدم اصطحاب الكلب أو الجرس: يكره أن يستصحب كلباً أو جرساً، لقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة"رواه أبو داود وقوله: "لا تصحب ‏الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس" رواه مسلم "الجرس مزمار الشيطان" رواه أبو داود.‏
‏21- التكبير والتسبيح: السنة التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في واد ونحوه، بدون ‏رفع الصوت.‏
‏22- الدعاء عند رؤية بلد: يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول: "اللهم إني أسألك ‏خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها".‏
‏23- الدعاء عند نزول منزل: السنة إذا نزل منزلاً أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من ‏شر ما خلق" لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم: "من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله ‏التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك".‏
ويستحب أن يُسَبِّحَ في حال حطه الرحل، لقول أنس: "كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط ‏الرحال".‏
ويكره النزول في قارعة الطريق، لحديث أبي هريرة: "لا تعرسوا على الطريق فإنها مأوى ‏الهوام بالليل".‏
‏24- الدعاء عند دخول الليل: السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر ‏قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ ‏بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأَسْود، والحية ‏والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد".‏
‏25- الدعاء عند الخوف: إذا خاف قوماً أو إنساناً أو غيره، قال ما رواه أبو موسى الأشعري: ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً، قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من ‏شرورهم" رواه أبو داود والنسائي.‏
ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا ‏إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم" رواه ‏البخاري ومسلم.‏
وكان صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" رواه ‏الترمذي.‏
‏26- الدعاء في السفر: يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه ‏وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث ‏دعوات مستجابات، لاشك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده" رواه أبو ‏داود والترمذي.‏
‏27- التزام الطهارة والصلاة: يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة، ‏والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة، وله عند الشافعية أن يقصر ويجمع، وله ترك الجمع ‏والقصر، وله عند الشافعية فعل أحدهما وترك الآخر، لكن الأفضل أن يقصر وألا يجمع خروجاً من ‏الخلاف، لأن أبا حنيفة رحمه الله يوجب القصر ويمنع الجمع، إلا في عرفات والمزدلفة.‏
وتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر، كما تسن في الحضر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 03:59 PM
المبحث الثاني -
آداب رجوع الحاج من سفره:‏

للحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي:‏
‏1- السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ‏
الله عليه وسلمكان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، وكبر على كل شرف من الأرض ثلاث ‏تكبيرات، ثم يقول : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ‏آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب ‏وحده" رواه البخاري.‏
‏2- السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم عليهم بغتة.‏
‏3- يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده : "اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما ‏فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها" واستحب بعضهم أن يقول : "اللهم اجعل لنا بها قراراً أو ‏رزقاً حسناً، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا" رواه ‏ابن السني في الأذكار.‏
‏4- إذا قدم، فلا يطرق أهله في الليل، بل يدخل البلدة غدوة، وإلا ففي آخر النهار، روى مسلم ‏عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية".‏
‏5- إذا وصل منزله، فالسنة أن يبتدئ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وإذا دخل منزله صلى ‏أيضاً ركعتين، ودعا وشكر الله تعالى.‏
‏6- يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول: "قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك" لقوله ‏صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج".‏
تنبيه هام: هذا وإن قيام العوام بذبح الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم أكلها، إذا إن ‏الذبح بنية تعظيم فلان يحرم أكلها ولو ذكر اسم الله عليها، أما مظاهر الاستقبال الزائدة فهو رياء ‏ينافي الإخلاص في العبادة.‏
‏7- يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ‏عباس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره، فدخل على أهله، قال: توباً توباً، لربنا ‏أوباً، لا يغادر حوباً" توباً: أي نسألك توبة كاملة، ولا يغادر حوباً أي لا يترك إثماً.‏
‏8- ينبغي أن يكون رجوعه خيراً مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره ‏مستمراً في ازدياد.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:21 PM
من الموسوعة الإسلامية

الصيام

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:21 PM
الصَوْم

‏1- التعريف:‏
الصوم في اللغة: الإمساك مطلقاً عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير. ‏
قال تعالى -حكاية عن مريم عليها السلام-: ‏
‏{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم: 26].‏
والصوم: مصدر صام يصوم صوماً وصياماً.‏
وفي الاصطلاح: هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص.‏

‏2- الحكم التكليفي:‏
أجمعت الأمة على أن صوم شهر رمضان فرض. والدليل على الفرضية الكتاب والسنة ‏والإجماع.‏
أما الكتاب، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ ‏قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] وقوله كتب عليكم: أي فرض.‏
وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 115].‏
وأما السنة، فحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، ‏وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" متفق عليه.‏
كما انعقد الإجماع على فرضية صوم شهر رمضان، ولا يجحدها إلا كافر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:21 PM
‏3- فضل الصوم:‏
وردت في فضل الصوم أحاديث كثيرة، منها ما يلي:‏
أ- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ‏صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ‏ما تقدم من ذنبه". رواه البخاري.‏
ب- وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر ‏أصحابه بقدوم رمضان، يقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب عليكم صيامه، تفتح ‏فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر" رواه ‏النسائي وأحمد.‏
جـ- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة ‏باباً، يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين ‏الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد" رواه ‏البخاري.‏
د- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَغِمَ أَنفُ ‏رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له" رواه الترمذي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:22 PM
‏4- حكمة الصوم:‏
تتجلى حكمة الصوم في عدة أمور:‏
أ- أن الصوم وسيلة إلى شكر النعمة، إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، ‏وإنها من أجلِّ النعم وأعلاها، والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرّف قدرها، إذ النعم مجهولة، فإذا ‏فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر، وشكر النعم فرض عقلاً وشرعاً، وإليه أشار ‏الرب سبحانه وتعالى بقوله في آية الصيام: ‏
‏{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].‏
ب- أن الصوم وسيلة إلى التقوى، لأنه إذا انقادت نفس للامتناع عن الحلال طمعاً في ‏مرضاة الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً ‏لاتقاء محارم الله تعالى، وإنه فرض، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية الصوم {لَعَلَّكُمْ ‏تَتَّقُون} [البقرة: 183].‏
ج- أن في الصوم قهر الطبع وكسر الشهوة، لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا ‏جاعت امتنعت عما تهوى، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب: من استطاع ‏منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له ‏رجاء" رواه البخاري، فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي.‏
د- أن الصوم موجب للرحمة والعطف على المساكين، فإن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في ‏بعض الأوقات، ذكر مَنْ هذا حاله في جميع الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه، والرحمة به، ‏بالإحسان إليه، فينال بذلك ما عند الله تعالى من حسن الجزاء.‏
هـ- في الصوم قهر للشيطان، فإن وسيلته إلى الإضلال والإغواء : الشهوات، وإنما اتقاء ‏الشهوات بالأكل والشرب، وذلك جاء في حديث صفية رضي الله عنها قوله -عليه الصلاة ‏والسلام-: "إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع" متفق عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:22 PM
‏5- أنواع الصوم:‏
ينقسم الصوم إلى صوم عين، وصوم دين.‏
‏1- صوم العين: ماله وقت معين:‏
أ- إما بتعيين الله تعالى، كصوم رمضان، وصوم التطوع خارج رمضان، لأن خارج ‏رمضان متعين للنفل شرعاً.‏
ب- وإما بتعيين العبد، كالصوم المنذور به في وقت بعينه.‏
‏2- صوم الدين: ما ليس له وقت معين، كصوم قضاء رمضان، وصوم كفارة القتل ‏والظهار واليمين والإفطار في رمضان، وصوم متعة الحج، وصوم فدية الحلق، وصوم جزاء ‏الصيد، وصوم النذر المطلق عن الوقت، وصوم اليمين، بأن قال: والله لأصومن شهراً.‏
الصوم المفروض ‏
ينقسم الصوم المفروض من العين والدين، إلى قسمين: منه ما هو متتابع، ومنه ما هو ‏غير متتابع، بل صاحبه بالخيار: إن شاء تابع، وإن شاء فرق.‏

أولاً: ما يجب فيه التتابع، ويشمل ما يلي:‏
‏1.‏ ‏1. ‏ أ- صوم رمضان، فقد أمر الله تعالى بصوم الشهر بقوله سبحانه: ‏
‏2.‏ ‏2. {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} والشهر متتابع، لتتابع أيامه، فيكون ‏صومه متتابعاً ضرورة.‏
ب- صوم كفارة القتل الخطأ، وصوم كفارة الظهار، والصوم المنذور به في وقت بعينه، ‏وصوم كفارة الجماع في نهار رمضان.‏
ثانياً: ما لا يجب فيه التتابع، ويشمل ما يلي:‏
‏1.‏ ‏1. قضاء رمضان، ذهب الأئمة الأربعة عدم اشتراط التتابع فيه، لقوله تعالى: ‏
‏{فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] فإنه ذكر الصوم مطلقاً عن التتابع.‏
ويندب التتابع أو استحبابه للمسارعة إلى إسقاط الفرض.‏
ب- الصوم في كفارة اليمين، وفي تتابعة خلاف.‏
ج- صوم المتعة في الحج، وصوم كفارة الحلق، وصوم جزاء الصيد، وصوم النذر ‏المطلق، وصوم اليمين المطلقة.‏
قال الله -عز وجل- في صوم المتعة: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ‏الهدى، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم ..} [البقرة: 196].‏
وقال في كفارة الحلق: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يَبْلُغ الهدىُ مَحِلَّه فمن كان منكم ‏مريضاً أو به أذى من رأسه، ففِدْية من صيام، أو صدقة أو نُسُك ...} [البقرة: 195].‏
وقال في جزاء الصيد: {أو عَدْلُ ذلك صياماً، ليذوق وبال أمره} [المائدة: 92] فذكر ‏الصوم في هذه الآيات مطلقاً عن شرط التتابع.‏
وكذا: الناذر، والحالف في النذر المطلق، واليمين المطلقة، ذكر الصوم فيها مطلقاً عن ‏شرط التتابع.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:22 PM
الصوم المختلف في وجوبه، ويشمل ما يلي:‏

‏- الأول، وهو: قضاء ما أفسده من صوم النفل .‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن قضاء نفل الصوم إذا أفسده واجب، دليل ذلك حديث عائشة ‏رضي الله تعالى عنها قالت: "كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، ‏فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة -وكانت ابنة أبيها- فقالت يا رسول الله: ‏إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه قال: اقضيا يوماً آخر مكانه" رواه الترمذي.‏
ولأن ما أتى به قربة، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان، وقضاؤه عند الإفساد، لقوله ‏تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] ولا يمكن ذلك إلا بإتيان الباقي، فيجب إتمامه وقضاؤه ‏عند الإفساد ضرورة،فصار كالحج والعمرة المتطوّعين.‏
والحنفية لا يختلفون في وجوب القضاء إذا فسد صوم النافلة عن قصد، أو غير قصد بأن ‏عرض الحيض للصائمة المتطوعة.‏
والضيافة عذر، إن كان صاحبها ممن لا يرضى بمجرد حضوره، ويتأذى بترك ‏الإفطار، فيفطر، وإلا لا، حتى لو حلف عليه رجل بالطلاق الثلاث، أفطر ولو كان صومه قضاء، ‏ولا يحنثه على المعتمد.‏
وإن كان صاحب الطعام يرضى بمجرد حضوره، وإن لم يأكل، لا يباح له الفطر، وإن ‏كان يتأذى بذلك يفطر.‏
وهذا إذا كان قبل الزوال، أما بعده فلا، إلا لأحد أبويه إلى العصر، لا بعده.‏
والمالكية أوجبوا القضاء بالفطر العمد الحرام، احترازاً عن الفطر نسياناً أو إكراهاً، أو ‏بسبب الحيض والنفاس، أو خوف مرض أو زيادته، أو شدة جوع أو عطش، حتى لو أفطر لحلف ‏شخص عليه بطلاق باتٍ، فلا يجوز الفطر، وإن أفطر قضى.‏
واستثنوا ما إذا كان لفطره وجه:‏
‏- كأن حلف بطلاقها، ويخشى أن لا يتركها إن حنث، فيجوز الفطر ولا قضاء.‏
‏- أو أن يأمره أبوه أو أمه بالفطر، حناناً وإشفاقاً عليه من إدامة الصوم، فيجوز له الفطر، ‏ولا قضاء عليه.‏
‏- أو يأمره أستاذه أو مربيه بالإفطار، وإن لم يحلف الوالدان أو الشيخ.‏
والشافعية والحنابلة، لا يوجبون إتمام نافلة الصوم، ولا يوجبون قضاءها إن فسدت، ‏وذلك:‏
‏- لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: "يا رسول الله! أهدى إلينا حيس(1) فقال: أرنيه ‏فلقد أصبحت صائماً فأكل" رواه مسلم وزاد النسائي: "إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج ‏من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها".‏
‏___________________‏
‏(1) تمر مخلوط بسمن ولبن مخفق.‏
‏- ولحديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ‏عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله! أما إني كنت صائمة! فقال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر" ‏رواه الترمذي، وفي رواية: "أمير نفسه".‏
‏- ولأن القضاء يتبع المقضى عنه، فإذا لم يكن واجباً، لم يكن القضاء واجباً، بل يستحب.‏
‏- ونص الشافعية والحنابلة على أن من شرع في نافلة صوم لم يلزمه الإتمام، لكن ‏يستحب، ولا كراهة ولا قضاء في قطع صوم التطوع مع العذر.‏
أما مع عدم العذر فيكره، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33].‏
ومن العذر: أن يعز على من ضيّفه امتناعه من الأكل.‏
وإذا أفطر فإنه لا يثاب على ما مضى إن أفطر بغير عذر، وإلا أثيب.‏
الثاني: صوم الإعتكاف، وفيه خلاف.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:22 PM
صوم التطوع ‏

وهو: ‏
‏1- صوم يوم عاشوراء.‏
‏2- صوم يوم عرفة.‏
‏3- صوم يوم الإثنين والخميس من كل أسبوع.‏
‏4- صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام البيض.‏
‏5- صيام ستة أيام من شوال.‏
‏6- صوم شهر شعبان.‏
‏7- صوم شهر محرم.‏
‏8- صوم شهر رجب.‏
‏9- صيام ما ثبت طلبه والوعد عليه في السنة الشريفة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:23 PM
الصوم المكروه

ويشمل ما يلي:‏

أ- إفراد يوم الجمعة بالصوم:‏
ذهب الجمهور إلى كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، وقد ورد فيه حديث عن أبي هريرة ‏‏-رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تصوموا يوم الجمعة، إلا ‏وقبله يوم، أو بعده يوم" رواه البخاري.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لابأس بصومه منفرداً، لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى ‏عنهما أنه كان يصومه ولا يفطر، وظاهر هذا أن المراد (لا بأس) الاستحباب، بندب صومه، ولو ‏منفرداً. وذهب المالكية إلى ندب صومه منفرداً وحده فقط، لا قبله ولا بعده، فإن ضم إليه آخر فلا ‏خلاف في ندبه.‏
قال الجمهور: فمطلق النهي عن صومه مقيد بالإفراد.‏
وتنتفي الكراهة بضم يوم آخر إليه، لحديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم. دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: "أصمت أمس"؟ قالت: ‏لا. قال: "تريدين أن تصومي غداً"؟ قالت: لا. قال: "فأفطري" رواه البخاري.‏

ب- صوم يوم السبت وحده خصوصاً:‏
وهو متفق على كراهته، وقد ورد فيه حديث عبد الله بن بسر، عن أخته، واسمها الصماء ‏رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما ‏افترض عليكم، فإن لم يجد احدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه" رواه الترمذي.‏
ووجه الكراهة أنه يوم تعظمه اليهود، ففي إفراده بالصوم تشبه بهم، إلا أن يوافق صومه ‏بخصوص يومٍ اعتاد صومه، كيوم عرفة أو عاشوراء.‏

ج- صوم يوم الأحد بخصوصه:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن تعمد صوم يوم الأحد بخصوصه مكروه، إلا إذا وافق ‏يوماً كان يصومه، وإن صوم السبت والأحد معاً ليس فيه تشبه باليهود والنصارى، لأنه لم تتفق ‏طائفة منهم على تعظيمهما، كما لو صام الأحد مع الإثنين، فإنه تزول الكراهة.‏
ونص الحنابلة أنه يكره صيام كل عيد لليهود والنصارى أو يوم يفردونه بالتعظيم إلا أن ‏يوافق عادة للصائم.‏

‏ ‏ د- إفراد يوم النيروز بالصوم:‏
يكره إفراد يوم النيروز(1)، ويوم المهرجان(2) بالصوم، وذلك لأنهما يومان يعظمهما ‏الكفار، وهما عيدان للفرس، فيكون تخصيصهما بالصوم -دون غيرهما- موافقة لهم في ‏تعظيمهما، فكره، كيوم السبت.‏
وعلى قياس هذا كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم.‏
وقال الحنفية: إن الصائم إذا قصد بصومه التشبه، كانت الكراهة تحريمية.‏

هـ- صوم الوصال:‏
ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى كراهة صوم الوصال، وهو : أن ‏لا يفطر بعد الغروب أصلاً، حتى يتصل صوم الغد بالأمس، فلا يفطر بين يومين.‏
وإنما كره، لما روي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "واصل رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم في رمضان، فواصل الناس .. فنهاهم، قيل له: إنك تواصل، قال: إني لست ‏مثلكم، إني أطعم وأسقى" رواه البخاري.‏
والنهي وقع رفقاً ورحمةً، ولهذا واصل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها، وكذا بمجرد الشرب لانتفاء الوصال.‏
وقال الحنابلة: ولا يكره الوصال إلى السحر، لحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعاً: ‏‏"فأيكم إذا أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر" رواه البخاري ولكنه ترك سنة، وهي: تعجيل ‏الفطر، فترك ذلك أولى محافظة على السنة.‏
وعند الشافعية قولان: الأول وهو الصحيح: بأن الوصال مكروه كراهة تحريم، وهو ‏ظاهر نص الشافعي رحمه الله.‏
والثاني: يكره كراهة تنزيه.‏

و- صوم الدهر (صوم العمر):‏
ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى كراهة صوم الدهر، وعللت ‏الكراهة بأنه يضعف الصائم عن الفرائض والواجبات، والكسب الذي لا بد منه، أو بأنه يصير ‏الصوم طبعاً له، ومبنى العبادة على مخالفة العادة.‏
واستدل للكراهة، بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صام من صام الأبد" متفق عليه.‏
وفي حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: "قال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم ‏الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر، أو لم يصم ولم يفطر" رواه مسلم، أي: لم يحصّل أجر الصوم ‏لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك.‏
وقال الشافعية: إن خاف منه ضرراً، أو فَوَّتَ به حقاً كره، وإلا فلا.‏
والمراد بصوم الدهر عند الشافعية: سرد الصوم في جميع الأيام إلا الأيام التي لا يصح ‏صومها وهي : العيدان وأيام التشريق.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:23 PM
الصوم المحرم ‏
‏ ‏
ذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى تحريم صوم الأيام التالية: ‏

أ- صوم يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى، وأيام التشريق، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم ‏النحر.‏
وذلك لأن هذه الأيام منع صومها لحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- "أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر" رواه البخاري.‏
وحديث نبيشة الهذلي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"أيام التشريق ايام أكل وشرب، وذكر الله - عز وجل" رواه مسلم.‏
وذهب الحنفية إلى جواز الصوم فيها مع الكراهة التحريمية، لما في صومها من ‏الإعراض عن ضيافة الله تعالى، فالكراهة ليست لذات اليوم، بل لمعنى خارج مجاور، كالبيع عند ‏الأذان يوم الجمعة، حتى لو نذر صومها صح، ويفطر وجوباً تحامياً عن المعصية، ويقضيها ‏إسقاط للواجب، ولو صامها خرج عن العهدة، مع الحرمة.‏
وقال الحنابلة إن صومها لا يصح فرضاً ولا نفلاً.‏
واستثنى المالكية والحنابلة في رواية: صوم أيام التشريق عن دم المتعة والقران، لقول ‏ابن عمر وعائشة -رضي الله تعالى عنهم- لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد ‏الهدى.‏
قال الشافعية: وأما صوم يوم النحر، فقطع ببطلانه، لأنه لم يظهر انصراف النهي عن ‏عينه ووصفه، ولم يرتض قولهم: إنه نهى عنه، لما فيه من ترك إجابة الدعوى بالأكل.‏

ب- ويحرم صيام الحائض والنفساء، وصيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:23 PM
متى يجب الصوم، وكيفية إثبات هلال الشهر واختلاف المطالع؟

وفيه مطالب ثلاثة:‏

‏6-متى يجب الصوم؟
يجب الصوم بأحد أمور ثلاثة.‏
الأول: النذر: بأن ينذر المرء صوم يوم أو شهر تقرباً إلى الله تعالى، فيجب عليه بإيجابه ‏على نفسه، ويكون سبب صوم المنذور هو النذر، فلو عين شهراً أو يوماً، وصام شهراً أو يوماً ‏قبله عنه، أجزأه، لوجود السبب، ويلغو التعيين.‏
الثاني: الكفارات: عن معصية ارتكبها المرء، كالقتل الخطأ، وحنث اليمين، وإفطار ‏رمضان بالجماع نهاراً، والظهار، ويكون سبب الصوم هو القتل أو الحنث أو الإفطار، أو ‏المظاهرة.‏
الثالث: شهود جزء من شهر رمضان من ليل أو نهار على المختار عند الحنفية، فيكون ‏السبب شهود الشهر.‏
ويجب صوم رمضان: إما برؤية هلاله إذا كانت السماء صحواً، أو بإكمال شعبان ثلاثين ‏يوماً إذا وجد غيم أو غبار ونحوهما.‏
لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم: "صومواً لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا ‏عدة شعبان ثلاثين" رواه مسلم وفي لفظ البخاري: "الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى ‏تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وفي لفظ لمسلم: "أنه ذكر رمضان، فضرب بيديه، ‏فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن ‏غم عليكم فاقُدروا ثلاثين".‏
وقد يقع نقص الشهر أي تسعة وعشرين يوماً مدة شهرين أو ثلاثة أو أربعة فقط، ولا ‏تثبت بقية توابع رمضان كصلاة التراويح ووجوب الإمساك على من أصبح مفطراً إلا برؤية ‏الهلال، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:24 PM
‏7- كيفية إثبات هلال رمضان وهلال شوال:‏
اختلف الفقهاء في طريق إثبات هلال رمضان وشوال بين اتجاهات ثلاثة: رؤية جمع ‏عظيم، ورؤية مسلميَن عدلين، ورؤية رجل عدل واحد.‏
ذهب الحنفية إلى أنه:‏
أ- إذا كانت السماء صحواً: فلا بد من رؤية جمع عظيم لإثبات رمضان، والفطر أو ‏العيد، ومقدار الجمع: من يقع العلم الشرعي (أي غلبه الظن) بخبرهم، وتقديرهم مفوض إلى رأي ‏الإمام في الأصح، واشتراط الجمع لأن المَطْلع متحد في ذلك المحل، والموانع منتفية، والأبصار ‏سليمة، والهمم في طلب الهلال مستقيمة، فالتفرد في الرؤية من بين الجم الغفير -مع ذلك- ظاهر ‏في غلط الرأي.‏
ولا بد من أن يقول الواحد منهم في الإدلاء بشهادته: "أشهد".‏
ب- وأما إذا لم تكن السماء صحواً بسبب غيم أو غبار ونحوه: اكتفى الإمام في رؤية ‏الهلال بشهادة مسلم واحد عدل عاقل بالغ، (والعدل: هو الذي غلبت حسناته سيئاته) أو مستور ‏الحال في الصحيح، رجلاً كان أو امرأة، حراً أم غيره، لأنه أمر ديني، فأشبه رواية الأخبار. ولا ‏يشترط في هذه الحالة أن يقول: "أشهد" وتكون الشهادة في مصر أمام القاضي، وفي القرية في ‏المسجد بين الناس.‏
وتجوز الشهادة على الشهادة، فتصح الشهادة أمام القاضي بناء على شهادة شخص آخر ‏رأى الهلال.‏
ومن رأى الهلال وحده، صام، وإن لم يقبل الإمام شهادته، فلو أفطر وجب عليه القضاء ‏دون الكفارة.‏
ولا يعتمد على ما يُخبِر به أهل الميقات والحساب والتنجيم، لمخالفته شريعة نبينا عليه ‏أفضل الصلاة والتسليم.‏
وذهب المالكية: إلى أنه يثبت هلال رمضان بالرؤية على أوجه ثلاثة هي ما يأتي:‏
‏1- أن يراه جماعة كثيرة وإن لم يكونوا عدولاً: وهم كل عدد يؤمن في العادة تواطؤهم ‏على الكذب. ولا يشترط أن يكونوا ذكوراً أحراراً عدولاً.‏
‏2- أن يراه عَدْلان فأكثر: فيثبت بهما الصوم والفطر في حالة الغيم أو الصحو. والعدل: ‏هو الذكر الحر البالغ العاقل الذي لم يرتكب معصية كبيرة ولم يصر على معصية صغيرة، ولم ‏يفعل ما يخل بالمروءة.‏
فلا يجب الصوم في حالة الغيم برؤية عدل واحد أو امرأة أو امرأتين على المشهور، ‏ويجب الصوم قطعاً على الرائي في حق نفسه.‏
وتجوز الشهادة بناء على شهادة العدلين إذا نقل الخبر عن كل واحد اثنان، ولا يكفي نقل ‏واحد.‏
ولا يشترط في إخبار العدلين أو غيرهم لفظ "أشهد".‏
‏3- أن يراه شاهد واحد عدل: فيثبت الصوم والفطر له في حق العمل بنفسه أو في حق ‏من أخبره ممن لا يعتني بأمر الهلال، ولا يجب على من يعتني بأمر الهلال الصوم برؤيته، ولا ‏يجوز الإفطار بها، فلا يجوز للحاكم أن يحكم بثبوت الهلال برؤية عدل فقط.‏
ولا يشترط في الواحد الذكورة ولا الحرية. فإن كان الإمام هو الرائي وجب الصوم ‏والإفطار.‏
ويجب على العدل أو العدلين رفع الأمر للحاكم أنه رأى الهلال ليفتح باب الشهادة، ولأنه ‏قد يكون الحاكم ممن يرى الثبوت بعدل.‏
أما هلال شوال: فيثبت برؤية الجماعة الكثيرة التي يؤمن تواطؤها على الكذب ويفيد ‏خبرها العلم أو برؤية العدلين كما هو الشأن في إثبات هلال رمضان.‏
ولا يثبت الهلال بقول منجّم أي حاسب يحسب سير القمر، لا في حق نفسه ولا غيره، ‏لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال، لا بوجوده إن فرض صحة قوله، فالعمل ‏بالمراصد الفلكية وإن كانت صحيحة لا يجوز.‏
وذهب الشافعية إلى أنه تثبت رؤية الهلال لرمضان أو شوال أو غيرهما بالنسبة إلى ‏عموم الناس برؤية شخص عدل، ولو مستور الحال، سواء أكانت السماء مصحية أم لا، بشرط ‏أن يكون الرائي عدلاً مسلماً بالغاً عاقلاً حراً ذكراً، وأن يأتي بلفظ "أشهد" فلا تثبت برؤية الفاسق ‏والصبي والمجنون والعبد والمرأة. ودليلهم: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رأى الهلال، ‏فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود. وعن ابن ‏عباس رضي الله عنهما، قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت ‏هلال رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: تشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: ‏نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس، فليصوموا غداً" رواه أبو داود والترمذي والمعنى في ثبوته ‏بالواحد الاحتياط للصوم.‏
أما الرائي نفسه فيجب عليه الصوم، ولو لم يكن عدلاً (أي فاسقاً) أو كان صبياً أو امرأة ‏أو كافراً، أو لم يشهد عند القاضي، أو شهد ولم تسمع شهادته، كما يجب الصوم على من صدقه ‏ووثق بشهادته.‏
وإذا صمنا برؤية عدل، ولم نر الهلال بعد ثلاثين، أفطرنا في الأصح، وإن كانت السماء ‏صحواً، لكمال العدد بحجة شرعية.‏
وذهب الحنابلة: إلى أنه يقبل في إثبات هلال رمضان قول مكلف عدل واحد ظاهراً ‏وباطناً ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً، ولو لم يقل: أشهد أو شهدت أني رأيته، فلا يقبل قول مميز ولا ‏مستور الحال لعدم الثقة بقوله في الغيم والصحو، ولو كان الرائي في جمع كثير ولم يره منهم ‏غيره.‏
ودليلهم الحديث المتقدم أنه صلى الله عليه وسلم صوَّم الناس بقول ابن عمر، ولقبوله خبر ‏الأعرابي السابق به، ولأنه خبر ديني وهو أحوط، ولا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولاختلاف ‏حال الرائي والمرئي، فلو حكم حاكم بشهادة واحد، عمل بها وجوباً. ولا يعتبر لوجوب الصوم ‏لفظ الشهادة، ولا يختص بحاكم، فيلزم الصوم من سمعه من عدل. ولا يجب على من رأى الهلال ‏إخبار الناس أو أن يذهب إلى القاضي أو إلى المسجد. ويجب الصوم على من ردت شهادته لفسق ‏أو غيره، لعموم الحديث: "صوموا لرؤيته" ولا يفطر إلا مع الناس، لأن الفطر لا يباح إلا بشهادة ‏عدلين. وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر لحديث أبي هريرة يرفعه قال: "الفطر يوم يفطرون، ‏والأضحى يوم يضحون". رواه الترمذي. ولاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط. وتثبت بقية ‏الأحكام إذا ثبتت رؤية هلال رمضان بواحد من وقوع الطلاق المعلق به، وحلول آجال الديون ‏المؤجلة إليه، وغيرها كانقضاء العدة والخيار المشروط ومدة الإيلاء ونحوها تبعاً للصوم.‏
ولا يجب الصوم بالحساب والنجوم ولو كثرت إصابتهما، لعدم استناده لما يعول عليه ‏شرعاً.‏
ولا يقبل في إثبات بقية الشهور كشوال (من أجل العيد) وغيره إلا رجلان عدلان، بلفظ ‏الشهادة، لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال غالباً، وليس بمال ولا يقصد به المال. وإنما ترك ذلك ‏في إثبات رمضان احتياطاً للعبادة.‏
وإذا صام الناس بشهادة اثنين: ثلاثين يوماً، فلم يروا الهلال، أفطروا، سواء في حال الغيم ‏أو الصحو، لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإن ‏شهد شاهدان فصوموا وأفطروا". رواه النسائي.‏
ولا يفطروا إن صاموا الثلاثين يوماً بشهادة واحد، لأنه فطر، فلا يجوز أن يستند إلى ‏واحد، كما لو شهد بهلال شوال.‏
وإن صاموا ثمانية وعشرين يوماً، ثم رأوا الهلال، قضوا يوماً فقط. وإن صاموا لأجل ‏غيم ونحوه كدخان، لم يفطروا، لأن الصوم إنما كان احتياطاً، فمع موافقته للأصل : وهو بقاء ‏رمضان، أولى. وإن رأى هلال شوال عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، جاز لم سمع شهادتهما ‏الفطر إذا عرف عدالتهما، وجاز لكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر، لقوله ‏صلى الله عليه وسلم: "فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" فإن لم يعرف أحدهما عدالة الآخر، ‏لم يجز له الفطر لاحتمال فسقه إلا أن يحكم بذلك حاكم، فيزول اللبس.‏
وإن شهد شاهدان عند الحاكم برؤية هلال شوال : فإن رد الحاكم شهادتهما، لجهله ‏بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر، لأن رده ههنا ليس بحكم منه بعدم قبول شهادتهما، إنما هو ‏توقف لعدم علمه بحالهما، فهو كالتوقف عن الحكم انتظاراً للبينة، فلو ثبتت عدالتهما بعد ذلك ممن ‏زكاهما حكم بها، لوجود المقتضي، وأما إن رد الحاكم شهادتهما لفسقهما، فليس لهما ولا لغيرهما ‏الفطر بشهادتهما.‏
وإذا اشتبهت الأشهر على أسير أو سجين أو من بمفازة أو بدار حرب ونحوهم، اجتهد ‏وتحرى في معرفة شهر رمضان وجوباً، لأنه أمكنه تأدية فرضه بالاجتهاد، فلزمه كاستقبال ‏القبلة، فإن وافق ذلك شهر رمضان أو ما بعد رمضان، أجزأه.‏
وإن تبين أن الشهر الذي صامه ناقص، ورمضان الذي فاته كامل تمام، لزمه قضاء ‏النقص، لأن القضاء يجب أن يكون بعدد المتروك. وإن وافق صومه شهراً قبل رمضان كشعبان ‏لم يجزه، لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، فلم يجزه، كالصلاة، فلو وافق بعضه رمضان، فما وافقه أو ‏بعده، أجزأه، دون ما قبله.‏
وإن صام من اشتبهت عليه الأشهر، بلا اجتهاد، فكمن خفيت عليه القبلة، لا يجزيه مع ‏القدرة على الاجتهاد.‏
‏- والخلاصة: أن الحنفية يشترطون لإثبات هلال رمضان وشوال رؤية جمع عظيم إذا ‏كانت السماء صحواً، وتكفي رؤية العدل الواحد في حال الغيم ونحوه. ولابد عند المالكية من ‏رؤية عدلين أو أكثر، وتكفي رؤية العدل الواحد عندهم في حق من لا يهتم بأمر الهلال.‏
وتكفي رؤية عدل واحد عند الشافعية والحنابلة، ولو مستور الحال عند الشافعية، ولا ‏يكفي المستور عند الحنابلة، كما لا بد عند الحنابلة من رؤية هلال شوال من عدلين لإثبات العيد.‏
‏- وتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة، ولا تقبل عند المالكية والشافعية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:24 PM
‏8- طلب رؤية الهلال:
وذهب الحنفية: إلى أنه يجب للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم ‏التاسع والعشرين من شعبان، وكذا هلال شوال لأجل إكمال العدة، فإن رأوه صاموا، وإن غم ‏عليهم، أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم صاموا، لأن الأصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه إلا ‏بدليل، ولم يوجد.‏
وذهب الحنابلة: إلى أنه يستحب ترائي الهلال احتياطاً للصوم، وحذاراً من الاختلاف.‏
قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ في شعبان ما لا يتحفظ في غيره، ثم ‏يصوم لرؤية رمضان" رواه الدارقطني وروى أبو هريرة مرفوعاً: "أحصوا هلال شعبان ‏لرمضان". رواه الترمذي.‏
ويسن إذا رأى المرء الهلال كبَّر ثلاثاً، وقال: "اللهم أهلّه علينا باليُمن والإيمان، والأمن ‏والأمان، ربي وربك الله" ويقول ثلاث مرات: "هلال خير ورشد" ويقول: "آمنت بالذي خلقك" ‏ثم يقول: "الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا" وروى الأثرم عن ابن عمر، قال: ‏‏"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: الله أكبر، اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، ‏والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله".‏
وإذا رئي الهلال يكره عند الحنفية أن يشير الناس إليه، لأنه من عمل الجاهلية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:25 PM
‏9- اختلاف المطالع:‏
اختلف الفقهاء على قولين في وجوب الصوم وعدم وجوبه على جميع المسلمين في ‏المشارق والمغارب في وقت واحد، بحسب القول باتفاق مطالع القمر أو اختلاف المطالع.‏
ذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنبلية- إلى أنه يوحد الصوم بين المسلمين، ولا ‏عبرة باختلاف المطالع.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يختلف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف مطالع القمر بين ‏مسافات بعيدة.‏
هذا مع العلم بأن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه، فهو أمر واقع بين البلاد البعيدة ‏كاختلاف مطالع الشمس، ولا خلاف في أن للإمام الأمر بالصوم بما ثبت لديه، لأن حكم الحاكم ‏يرفع الخلاف، وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية جداً كالأندلس والحجاز، وأندونيسيا ‏والمغرب العربي.‏
تفصيل آراء المذاهب في ذلك:‏
قال الحنفية: اختلاف المطالع، ورؤية الهلال نهاراً قبل الزوال وبعده غير معتبر، فيلزم ‏أهل المشرق برؤية أهل المغرب، إذا ثبت عندهم رؤية أولئك، بطريق موجب، كأن يتحمل اثنان ‏الشهادة، أو يشهدا على حكم القاضي، أو يستفيض الخبر، بخلاف ما إذا أخبر أن أهل بلدة كذا ‏رأوه، لأنه حكاية.‏
وقال المالكية: إذا رئي الهلال، عمَّ الصوم سائر البلاد، قريباً أو بعيداً، ولا يراعى في ‏ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع، ولا عدمهما، فيجب الصوم على كل ما منقول إليه، إن نقل ‏ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة، أي منتشرة.‏
وقال الحنابلة: إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان، قريباً كان أو بعيداً، لزم الناس كلهم الصوم، ‏وحكم من لم يره حكم من رآه.‏
وقال الشافعية: إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد بحسب اختلاف ‏المطالع، واختلاف المطالع لا يكون في أقل من أربعة وعشرين فرسخاً.‏
وإذا لم نوجب على البلد الآخر وهو البعيد، فسافر إليه من بلد الرؤية من صام به، ‏فالأصح أنه يوافقهم وجوباً في الصوم آخراً، وإن كان قد أتم ثلاثين، لأنه بالانتقال إلى بلدهم، ‏صار واحداً منهم، فيلزمه حكمهم.‏
ومن سافر من البلد الآخر الذي لم ير فيه الهلال إلى بلد الرؤية، عيَّد معهم وجوباً، لأنه ‏صار واحداً منهم، سواء أصام ثمانية وعشرين يوماً، أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تاماً ‏عندهم، وقضى يوماً إن صام ثمانية وعشرين، لأن الشهر لا يكون كذلك.‏
ومن أصبح مُعَيِّداً، فسارت سفينته أو طائرته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام، فالأصح أنه ‏يمسك بقية اليوم وجوباً، لأنه صار واحداً منهم.‏
ورأي الجمهور هو الأرجح توحيداً للعبادة بين المسلمين، ومنعاً من الاختلاف غير ‏المقبول في عصرنا، ولأن إيجاب الصوم معلق بالرؤية، دون تفرقة بين الأقطار.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:25 PM
‏10- ركن الصوم:‏

ركن الصوم باتفاق الفقهاء هو: الإمساك عن المفطرات، وذلك من طلوع الفجر الصادق، ‏حتى غروب الشمس.‏
ودليله قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ ‏الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. ‏
والمراد من النص: بياض النهار وظلمة الليل، لا حقيقة الخيطين، فقد أباح الله تعالى هذه ‏الجملة من المفطرات ليالي الصيام، ثم أمر بالإمساك عنهن في النهار، فدل على أن حقيقة الصوم ‏وقوامه هو ذلك الإمساك.‏


‏11- شروط وجوب الصوم:‏

شروط وجوب الصوم، أي: اشتغال الذمة بالواجب هي شروط افتراضه والخطاب به. ‏وهي:‏
أ- الإسلام، وهو شرط عام للخطاب بفروع الشريعة.‏
ب- العقل، إذ لا فائدة من توجه الخطاب بدونه، فلا يجب الصوم على مجنون إلا إذا أثم ‏بزوال عقله، في شراب أو غيره، ويلزمه قضاؤه بعد الإفاقة.‏
وعبر الحنفية بالإفاقة بدلاً من العقل، أي الإفاقة من الجنون والإغماء أو النوم، وهي ‏اليقظة.‏
ج- البلوغ، ولا تكليف إلا به، لأن الغرض من التكليف هو الامتثال، وذلك بالإدراك ‏والقدرة على الفعل -كما هو معلوم في الأصول- والصبا والطفولة عجز.‏
ونص الفقهاء على أنه يؤمر به الصبي لسبع -كالصلاة- إن أطاقه، ويضرب على تركه ‏لعشر.‏
والحنابلة قالوا: يجب على وليهّ أمرُه بالصوم إذا أطاقه، وضربه حينئذ إذا تركه ليعتاده، ‏كالصلاة، إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم.‏
د- العلم بالوجوب، فمن أسلم في دار الحرب، يحصل له العلم الموجب، بإخبار رجلين ‏عدلين، أو رجل مستور وامرأتين مستورتين، أو واحد عدل، ومن كان مقيماً في دار الإسلام، ‏يحصل له العلم بنشأته في دار الإسلام، ولا عذر له بالجهل.‏


‏12- شروط وجوب أداء الصوم:‏

شروط وجوب الأداء الذي هو تفريغ ذمة المكلف عن الواجب في وقته المعين له هي:‏
أ- الصحة والسلامة من المرض، لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ ‏أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].‏
ب- الإقامة، {أو على سفر}.‏
أما الصحة والإقامة، فشرطان في وجوب الصيام، لا في صحته، ولا في وجوب ‏القضاء، فإن وجوب الصوم يسقط عن المريض والمسافر، ويجب عليهما القضاء، إن أفطرا ‏إجماعاً، ويصح صومهما إن صاما ...‏
ج- خلو المرأة من الحيض والنفاس، لأن الحائض والنفساء ليستا أهلاً للصوم.‏
ولحديث عائشة رضى الله تعالى عنها لما سألتها معاذة: "ما بال الحائض، تقضي الصوم ‏ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ‏ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" متفق عليه.‏
فالأمر بالقضاء فرع وجوب الأداء.‏
والإجماع منعقد على منعهما من الصوم، وعلى وجوب القضاء عليهما.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:25 PM
‏13- شروط صحة الصوم:‏

شرط صحة الصوم هي:‏
أ- الطهارة من الحيض والنفاس.‏
ب- خلّوه عما يفسد الصوم بطروّه عليه كالجماع.‏
ج- النية. وذلك لأن صوم رمضان عبادة، فلا يجوز إلا بالنية، كسائر العبادات. ولحديث: ‏‏"إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه.‏
والإمساك قد يكون للعادة، أو لعدم الاشتهاء، أو للمرض، أو للرياضة، فلا يتعين إلا ‏بالنية، كالقيام إلى الصلاة والحج. ولا يصح الصوم إلا بنية، ومحلها القلب، ولا يشترط النطق ‏بها، بلا خلاف.‏

صفة النية:‏
صفة النية، أن تكون جازمة، معينة، مبيّتة، مجددة، على ما يلي:‏
أولاً: الجزم، فقد اشترط في نية الصوم، قطعاً للتردد، حتى لو نوى ليلة الشك، صيام غدٍ، ‏إن كان من رمضان لم يجزه، ولا يصير صائماً لعدم الجزم، فصار كما إذا نوى أنه إن وجد غداء ‏غداً يفطر، وإن لم يجد يصوم.‏
ونص الشافعية والحنابلة على أنه إن قال: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي، وإلا فهو ‏نفل، أو فأنا مفطر، لم يصح صومه، إن ظهر أنه من رمضان، لعدم جزمه بالنية.‏
وإن قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان، صح صومه إن بان منه، لأنه مبني على أصل لم ‏يثبت زواله، ولا يقدح تردده، لأنه حكم صومه مع الجزم. بخلاف ما إذا قاله ليلة الثلاثين من ‏شعبان، لأنه لا أصل معه يبنى عليه، بل الأصل بقاء شعبان.‏
ثانياً: التعيين: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لابد من تعيين النية في صوم رمضان، ‏وصوم الفرض والواجب، ولا يكفي تعيين مطلق الصوم، ولا تعيين صومٍ معين غير رمضان.‏
وكمال النية: أن ينوي صوم غد، عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى.‏
وإنما اشترط التعيين في ذلك، لأن الصوم عبادة مضافة إلى وقت، فيجب التعيين في ‏نيتها، كالصلوات الخمس، ولأن التعيين مقصود في نفسه، فيجزئ التعيين عن نية الفريضة في ‏الفرض، والوجوب في الواجب.‏

وذهب الحنفية في التعيين إلى تقسيم الصيام إلى قسمين:‏
القسم الأول: لا يشترط فيه التعيين، وهو: أداء رمضان، والنذر المعين زمانه، وكذا ‏النفل، فإنه يصح بمطلق نية الصوم، من غير تعيين.‏
وذلك لأن رمضان معيار وهو مضيّق، لا يسع غيره من جنسه وهو الصوم، فلم يشرع ‏فيه صوم آخر، فكان متعيناً للفرض، والمتعين لا يحتاج إلى تعيين، والنذر المعين معتبر بإيجاب ‏الله تعالى، فيصاب كل منهما بمطلق النية، وبأصلها، وبنية نفل، لعدم المزاحم.‏
وكل يوم معيّن للنفل ماعدا رمضان، والأيام المحرم صومها، وما يعيّنه المكلف بنفسه، ‏فكل ذلك متعين، ولا يحتاج إلى التعيين.‏
والقسم الثاني: يشترط فيه التعيين، وهو: قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من النفل، ‏وصوم الكفارات بأنواعها، والنذر المطلق عن التقييد بزمان، سواء أكان معلقاً بشرط، أم كان ‏مطلقاً، لأنه ليس له وقت معين، فلم يتأد إلا بنية مخصوصة، قطعاً للمزاحمة.‏

ثالثاً- التبييت:‏
والتبييت: إيقاع النية في الليل، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فلو قارن ‏الغروب أو الفجر أو شك، لم يصح، كما هو قضية التبييت.‏
‏- ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى شرط التبييت في صوم الفرض.‏
وفي قول للمالكية، يصح لو قارنت الفجر، كما في تكبيرة الإحرام، لأن الأصل في النية ‏المقارنة للمنْوى.‏
ويجوز أن تقدّم من أول الليل، ولا تجوز قبل الليل.‏
ولأن صوم القضاء والكفارات، لابد لها من تبييت النية، فكذا كل صوم فرضٍ معين.‏
ولا تجزئ بعد الفجر، وتجزئ مع طلوع الفجر إن اتفق ذلك، ورخص تقدمها عليه ‏للمشقة في مقارنتها له.‏
والصحيح عند الشافعية والحنابلة: أنه لا يشترط في التبييت النصف الآخر من الليل، ‏لإطلاقه في الحديث، ولأن تخصيص النية بالنصف الأخير يفضي إلى تفويت الصوم، لأنه وقت ‏النوم، وكثير من الناس لا ينتبه فيه، ولا يذكر الصوم، والشارع إنما رخص في تقديم النية على ‏ابتدائه، لحرج اعتبارها عنده، فلا يخصها بمحل لا تندفع المشقة بتخصيصها به، ولأن ‏تخصيصها بالنصف الأخير تحكّم من غير دليل، بل تُقَرَّب النيةُ من العبادة، لماّ تعذر اقترانها بها.‏
والصحيح أيضاً: أنه لا يضر الأكل والجماع بعد النية ما دام في الليل، لأنه لم يلتبس ‏بالعبادة، وقيل : يضر فتحتاج إلى تجديدها، تحرزاً عن تخلل المناقض بينها وبين العبادة، لما ‏تعذر اقترانها بها.‏
والصحيح أيضاً: أنه لا يجب التجديد لها إذا نام بعدها، ثم تنبه قبل الفجر، وقيل: يجب، ‏تقريباً للنية من العبادة بقدر الوسع.‏
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط التبييت في رمضان. ولماَّ لم يشترطوا تبييت النية في ليل ‏رمضان، أجازوا النية بعد الفجر دفعاً للحرج أيضاً، حتى الضحوة الكبرى، فينوي قبلها ليكون ‏الأكثر منوياً، فيكون له حكم الكل، حتى لو نوى بعد ذلك لا يجوز، لخلو الأكثر عن النية، تغليباً ‏للأكثر.‏
والضحوة الكبرى: نصف النهار الشرعي، وهو من وقت طلوع الفجر إلى غروب ‏الشمس.‏
وقال الحنفية: والأفضل الصوم بنية معينة مبيَّتة للخروج عن الخلاف.‏
واشترط الحنفية تبييت النية في صوم الكفارات والنذور المطلقة وقضاء رمضان.‏
أما النفل فيجوز صومه عند الجمهور -خلافاً للمالكية- بنيةٍ قبل الزوال.‏
لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "دخل علّي النبي صلى الله عليه وسلم ذات ‏يوم، فقال: هل عندكم شيء؟، فقلنا: لا. فقال: فإني إذن صائم" رواه مسلم.‏
ولأن النفل أخف من الفرض، والدليل عليه: أنه يجوز ترك القيام في النفل مع القدرة، ولا ‏يجوز في الفرض.‏
ومذهب المالكية: أنه يشترط في صحة الصوم مطلقاً، فرضاً أو نفلاً، نية مبيتة، وذلك ‏لإطلاق الحديث المتقدم: "من لم يُجْمِعِ الصيام من الليل، فلا صيام له".‏
ومذهب الحنابلة جواز النية في النفل، قبل الزوال وبعده، والنية وجدت في جزء من ‏النهار، فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة.‏
ويشترط لجواز نية النفل في النهار عند الحنابلة: أن لا يكون فَعَل ما يفطره قبل النية، ‏فإن فعل فلا يجزئه الصوم.‏

رابعاً: تجديد النية:‏
ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنبلية- إلى تجديد النية في كل يوم من رمضان، ‏من الليل أو قبل الزوال -على الخلاف السابق- وذلك: لكي يتميز الإمساك عبادةً، عن الإمساك ‏عادة أو حِمْيَة.‏
ولأن كل يوم عبادة مستقلة، لا يرتبط بعضه ببعض، ولا يفسد بفساد بعض، ويتخللها ما ‏ينافيها، وهو الليالي التي يحل فيها ما يحرم في النهار، فأشبهت القضاء، بخلاف الحج وركعات ‏الصلاة.‏
وذهب مالك أنه تكفي نية واحدة عن الشهر كله في أوله، كالصلاة. وكذلك في كل صوم ‏متتابع، ككفارة الصوم والظهار، ما لم يقطعه أو يكن على حالة يجوز له الفطر فيها، فيلزمه ‏استئناف النية، وذلك لارتباط بعضها ببعض، وعدم جواز التفريق، فكفت نية واحدة، وإن كانت لا ‏تبطل ببطلان بعضها، كالصلاة.‏
فعلى ذلك لو أفطر يوماً لعذر أو غيره، لم يصح صيام الباقي بتلك النية، كما جزم به ‏بعضهم، وقيل: يصح، وقدمه بعضهم. ‏
ويقاس على ذلك النذر المعين.‏

استمرار النية:‏
اشترط الفقهاء الدوام على النية، فلو نوى الصيام لجسم، والتي تعتبر موصلة للمادة موع ‏الفجر لا يصير صائماً.‏
ويشترط الدوام عليها فلو نوى من الليل، ثم رجع عن نيتة قبل طلوع الفجر، صح ‏رجوعه ولا يصير صائماً، ولو أفطر لا شيء عليه إلا القضاء، بانقطاع النية بالرجوع، فلا كفارة ‏عليه ترطوا ذلك، بل اكتفوا بتحقق وصوله تبييت، إلا إذا جدد النية، بأن ينوي الصوم في وقت ‏النية، تحصيلاً لها، لأن الأولى غير معتبرة، بسبب الرجوع عنها.‏
ولا تبطل النية بقوله: أصوم غداً إن شاء الله، لأنه بمعنى الاستعانة، وطلب التوفيق ‏والتيسير. والمشيئة إنما تبطل اللفظ، والنية فعل القلب.‏
وكذا سائر العبادات، لا تبطل بذكر المشيئة في نيتها.‏
ولا تبطل النية بأكله أو شربه أو جماعه بعدها عند جمهور الفقهاء.‏
‏- ولو نوى الإفطار في أثناء النهار.‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يفطر، كما لو نوى التكلم في صلاته ولم يتكلم.‏
وذهب المالكية والحنابلة: إلى أنه يفطر، لأنه قطع نية الصوم بنية الإفطار، فكأنه لم يأت ‏بها ابتداء.‏
‏- الإغماء والجنون والسكر بعد النية:‏
اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الصيام من الليل، ثم طرأ عليه إغماء أو جنون أو سكر:‏
فإن لم يفق إلا بعد غروب الشمس:‏
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم صحة صومه، لأن الصوم هو الإمساك مع ‏النية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الله بكل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأن ‏أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي" رواه البخاري.‏
فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم ‏يجزئه.‏
وذهب الحنفية إلى صحة صومه، لأن نيته قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع ‏صحة الصوم، كالنوم.‏

أما إذا أفاق أثناء النهار:‏
فذهب الحنفية إلى تجديد النية إذا أفاق قبل الزوال.‏
وذهب المالكية إلى عدم صحة صومه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أفاق في أي جزء من النهار صح صومه، سواء ‏أكان في أوله أم في آخره.‏
وفرق الشافعية بين الجنون والإغماء، فالمذهب: انه لو جن في أثناء النهار بطل صومه، ‏وقيل: هو كالإغماء.‏
وأما الردة بعد نية الصوم فتبطل الصوم بلا خلاف

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:36 PM
‏15- سنن الصوم ومستحابته:‏

سنن الصوم ومستحابته كثيرة، أهمها:‏
أ- السحور، وقد ورد فيه حديث أنس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "تسحّروا فإن في السّحور بركة" رواه البخاري.‏
ب- تأخير السّحور، وتعجيل الفطر، ومما ورد فيه حديث سهل بن سعد رضى الله عنه ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر" متفق عليه.‏
وحديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: "تسحّرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام ‏إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية" متفق عليه.‏
ج- ويستحب أن يكون الإفطار على رطبات، فإن لم تكن فعلى تمرات.‏
وفي هذا ورد حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا ‏حسوات من ماء" رواه الترمذي.‏
وورد فيه حديث عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فمن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه ‏طهور" رواه الترمذي.‏
د- ويستحب أن يدعو عند الإفطار، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى ‏عنهما مرفوعاً: "إن للصائم دعوة لا ترد" رواه ابن ماجة.‏
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر ‏قال: "ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" رواه أبو داوود.‏
وهناك فضائل من خصائص شهر رمضان كالتراويح، والإكثار من الصدقات، ‏والاعتكاف، وغيرها.‏
ومن أهم ما ينبغي أن يترفع عنه الصائم ويحذره: ما يحبط صومه من المعاصي الظاهرة ‏والباطنة، فيصون لسانه عن اللغو والهذيان والكذب، والغيبة والنميمة، والفحش والجفاء، ‏والخصومة والمراء، ويكف جوارحه عن جميع الشهوات والمحرمات، ويشتغل بالعبادة، وذكر ‏الله، وتلاوة القرآن. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، ‏والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل: ‏إني امرؤ صائم" متفق عليه. وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه ‏البخاري.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:37 PM
16-مفسدات الصوم:‏

يَفْسد الصوم كلما انتفى شرط من شروطه، أو اختل أحد أركانه، كالردة، وكطروء ‏الحيض والنفاس، وكل ما ينافيه من أكل وشرب ونحوهما، ودخول شيء من خارج البدن إلى ‏جوف الصائم.‏
ويشترط في فساد الصوم بما يدخل إلى الجوف ما يلي:-‏
أ- أن يكون الداخل إلى الجوف، من المنافذ الواسعة -كما قيده بذلك المالكية- والمفتوحة - ‏كما قال الشافعية- أي: المخارق الطبيعية الأصلية في الجسم، والتي تعتبر موصلة للمادة من ‏الخارج إلى الداخل، كالفم والأنف والأذن.‏
وقد استدل لذلك، بالاتفاق على أن من اغتسل في ماء، فوجد برده في باطنه لا يفطر، ‏ومن طلى بطنه بدهن لا يضر، لأن وصوله إلى الجوف بتشرّب.‏
‏- والحنابلة لم يشترطوا ذلك، بل اكتفوا بتحقق وصوله إلى الحلق والجوف، والدماغُ ‏جوف.‏
ب- أن يكون الداخل إلى الجوف مما يمكن الاحتراز عنه، كدخول المطر والثلج بنفسه ‏حلق الصائم إذا لم يبتلعه بصنعه، فإن لم يمكن الاحتراز عنه -كالذباب يطير إلى الحلق، وغبار ‏الطريق- لم يفطر إجماعاً.‏
والجوف هو: الباطن، سواء أكان مما يحيل الغذاء والدواء، أي يغيرهما كالبطن ‏والأمعاء، أم كان مما يحيل الدواء فقط كباطن الرأس أو الأذن، أم كان مما لا يحيل شيئا كباطن ‏الحلق.‏
قال الشافعية: الحلق كالجوف، في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه، فإذا جاوز ‏الشيء الحلقوم أفطر.‏
فباطن الدماغ والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول إليه.‏
ج- والجمهور على أنه لا يشترط أن يكون الداخل إلى الجوف مغذياً، فيفسد الصوم ‏بالداخل إلى الجوف مما يغذي أو لا يغذي، كابتلاع التراب ونحوه.‏
د-وشُرط كون الصائم قاصدا ذاكرا لصومه، أما لو كان ناسيا أنه صائم،فلا يفسد صومه ‏عند الجمهور، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ‏نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه". متفق عليه.‏
ويستوي في ذلك الفرض والنفل لعموم الأدلة.‏
‎•‎ ‏• وذهب مالك إلى أن من نسى في رمضان، فأكل أو شرب، عليه القضاء، ‏أما لو نسي في غير رمضان، فأكل أو شرب، فإنه يتم صومه، ولا قضاء عليه.‏
هـ- وشرط الحنفية والمالكية استقرار المادة في الجوف، وعللوه بأن الحصاة-مثلا-تشغل المعدة ‏شغلاً ما وتنقص الجوع.‏
وعلى قول الحنفية والمالكية: لو لم تستقر المادة، بأن خرجت من الجوف لساعتها لا يفسد ‏الصوم، كما لو أصابته سهام فاخترقت بطنه ونفذت من ظهره، ولو بقى النصل في جوفه فسد ‏صومه، ولو كان ذلك بفعله يفسد صومه.‏
ولم يشترط الشافعية والحنابلة استقرار المادة في الجوف إذا كان باختياره.‏
و- وشرط الشافعية والحنابلة، أن يكون الصائم مختاراً فيما يتناوله، من طعام أو شراب ‏أو دواء، فلو أُوجر الماءَ، أو صُبَّ الدواءُ في حلقه مكرهاً، لم يفسد صومه عندهم، لأنه لم يفعل ‏ولم يقصد.‏
ولو أكره على الإفطار، فأكل أو شرب.‏
قال الشافعية: بعدم الفطر، وعللوا عدم الإفطار بأن الحكم الذي ينبني على اختياره ساقط، ‏لعدم وجود الاختيار.‏
ومذهب الحنابلة: أنه لا يفسد صومه قولاً واحداً، وهو كالإيجار، وذلك لحديث"إن الله ‏وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"رواه ابن حاجه، فإنه عام.‏
‎•‎ ‏• ومذهب الحنفية والمالكية: أن الإكراه على الإفطار يفسد الصوم، ويستوجب ‏القضاء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:37 PM
‏17- ما يفسد الصوم، ويوجب القضاء:‏

وذلك يرجع إلى الإخلال بأركانه وشروطه، ويمكن حصره فيما يلي:-‏
‏1- تناول مالا يؤكل في العادة.‏
‏2- قضاء الوطر قاصراً.‏
‏3- شئون المعالجة والمداواة.‏
‏4- التقصير في حفظ الصوم والجهل بأحكامه.‏
‏5- الإفطار بسبب العوارض.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:37 PM
أولاً: تناول مالا يؤكل عادة:‏
تناول مالا يؤكل عادة كالتراب والحصى، والدقيق غير المخلوط. -على الصحيح-‏والحبوب النيئة، كالقمح والشعير والحمص والعدس، والثمار الفجة التي لا تؤكل قبل النضج، ‏كالسفرجل والجوز، وكذا تناول ملح كثير دفعة واحدة يوجب القضاء دون الكفارة.‏
أما إذا أكله على دفعات، بتناول دفعة قليلة، في كل مرة، فيجب القضاء والكفارة عند ‏الحنفية.‏
أما في أكل نواة أو قطن أو ورق، أو ابتلاع حصاة، أو حديد أو ذهب أو فضة، وكذا ‏شرب مالا يشرب من السوائل كالبترول، فالقضاء دون كفارة لقصور الجناية بسبب الاستقذار ‏والعيافة ومنافاة الطبع، فانعدم معنى الفطر، وهو بإيصال ما فيه نفع البدن إلى الجوف، سواء ‏أكان مما يتغذى به أم يتداوى به. وأن هذه المذكورات ليست غذائية، ولا في معنى الغذاء-‏ولتحقيق الإفطار في الصورة، وهو الابتلاع.‏
وكل مالا يتغذى به، ولا يتداوى به عادة، لا يوجب الكفارة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:37 PM
ثانيا: قضاء الوطر أو الشهوة على وجه القصور:‏
وذلك في الصور الآتية:‏
أ- تعمد إنزال المني بلا جماع، وذلك كالاستمناء بالكف أو بالتبطين والتفخيذ، أو باللمس ‏والتقبيل ونحوهما.‏
ذهب الجمهور -الحنفية والشافعية والحنبلية-: إلى أنه يوجب القضاء دون الكفارة.‏
وذهب المالكية إلى أنه يوجب القضاء والكفارة معاً.‏
ب- الإنزال بوطء ميتة أو بهيمة، أو صغيرة لا تشتهى:‏
وهو يفسد الصوم، لأن فيه قضاء إحدى الشهوتين، وأنه ينافي الصوم، ولا يوجب ‏الكفارة، لتمكن النقصان في قضاء الشهوة، فليس بجماع.‏
ذهب الحنابلة إلى خلاف ذلك، فإنه لا فرق عندهم بين كون الموطوءة كبيرة أو صغيرة، ‏ولا بين العمد والسهو، ولا بين الجهل والخطأ، وفي كل ذلك القضاء والكفارة، لإطلاق حديث ‏الأعرابي.‏
وذهب المالكية: إلى إيجاب الكفارة، لتعمد إخراج المني.‏
ج- المساحقة بين المرأتين إذا أنزلت:‏
عمل المرأتين، كعمل الرجال، جماع فيما دون الفرج.‏
ذهب الحنفية وهو وجه عند الحنابلة إلى عدم القضاء على واحدة منهما، إلا إذا أنزلت، ‏ولا كفارة مع الإنزال.‏
د- الإنزال بالفكر والنظر:‏
إنزال المنيِّ بالنظر أو الفكر، فيه التفصيل الآتي:-‏
مذهب الحنفية والشافعية أن الإنزال بالفكر -وإن طال- وبالنظر بشهوة، ولو إلى فرج ‏المرأة مراراً، لا يفسد الصوم، وإن علم أنه ينزل به، لأنه إنزال من غير مباشرة، فأشبه الاحتلام.‏
ومذهب المالكية أنه إن أمنى بمجرد الفكر أو النظر، من غير استدامة لهما، يفسد صومه ‏ويجب القضاء دون الكفارة. وإن استدامهما حتى أنزل فإن كانت عادته الإنزال بهما عند ‏الاستدامة، فالكفارة قطعاً، وإن كانت عادته عدم الإنزال بهما عند الاستدامة، فخالف عادته ‏وأمنى، فقولان في لزوم الكفارة.‏
ولو أمنى في أداء رمضان بتعمد نظرة واحدة يفسد صومه، ويجب القضاء، وفي وجوب ‏الكفارة وعدمه تأويلان، محلهما إذا كانت عادته الإنزال بمجرد النظر، وإلا فلا كفارة اتفاقاً.‏
ومذهب الحنابلة، التفرقة بين النظر وبين الفكر، ففي النظر، إذا أمنى يفسد الصوم، لأنه ‏أنزل بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه، فأفسد الصوم، كالإنزال باللمس، والفكر لا يمكن التحرز ‏منه، بخلاف النظر.‏
ولو أمذى بتكرار النظر، فظاهر كلام أحمد لا يفطر به، لأنه لا نص في الفطر به، ولا ‏يمكن قياسه على إنزال المني، لمخالفته إياه في الأحكام، فيبقى على الأصل.‏
وإذا لم يكرر النظر لا يفطر، سواء أمنى أو أمذى، وهو المذهب، لعدم إمكان التحرز، ‏ونص أحمد : يفطر بالمني لا بالمذي.‏
أما الفكر، فإن الإنزال به لا يفسد الصوم. استدلوا بحديث أبي هريرة رضى الله عنه: "إن ‏الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم" رواه البخاري.‏
ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع، ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا تكرار النظر، ‏لأنه دونهما في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الإنزال.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:39 PM
ثالثاً: المعالجات ونحوها، وهي أنواع أهمها:‏

أ- الاستعاط:‏
الاستعاط: افتعال من السَّعوط، دواء يصب في الأنف والاستعاط.‏
‏ والإسعاط عند الفقهاء: إيصال الشيء إلى الدماغ من الأنف.‏
وإنما يفسد الاستعاط الصوم، بشرط أن يصل الدواء إلى الدماغ، والأنف منفذ إلى ‏الجوف، فلو لم يصل إلى الدماغ لم يضر، بأن لم يجاوز الخيشوم، فلو وضع دواء في أنفه ليلاً، ‏وهبط نهاراً، فلا شيء عليه.‏
ولو وضعه في النهار، ووصل إلى دماغه أفطر، لأنه واصل إلى جوف الصائم باختياره ‏فيفطره كالواصل إلى الحلق، والدماغ جوف - كما قرروا - والواصل إليه يغذيه، فيفطره، كجوف ‏البدن.‏
والواجب فيه القضاء لا الكفارة، لأن الكفارة موجب الإفطار صورة ومعنى، والصورة ‏هي الابتلاع، وهي منعدمة، والنفع المجرد عنها يوجب القضاء فقط.‏
وهذا الحكم لا يخص صب الدواء، بل لو استنشق الماء، فوصل إلى دماغه أفطر عند ‏الحنفية.‏

ب- استعمال البخور:‏
ويكون بإيصال الدخان إلى الحلق، فيفطر، أما شم رائحة البخور ونحوه بلا وصول ‏دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرائحة واستنشقها، لأن الرائحة لا جسم لها.‏
فمن أدخل بصنعه دخاناً في حلقه، بأية صورة كان الإدخال، فسد صومه، سواء أكان ‏دخان عنبر أم عود أم غيرهما، حتى من تبخر بعود، فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، ذاكراً ‏لصومه، أفطر، لإمكان التحرز من إدخال المفطر جوفه ودماغه.‏

ج- بخار القدر:‏
بخار القدر، متى وصل للحلق باستنشاق أوجب القضاء، لأن دخان البخور وبخار القدر ‏كل منهما جسم يتكيف به الدماغ، ويتقوى به، أي تحصل له قوة كالتي تحصل من الأكل، أما لو ‏وصل واحد منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء عليه.‏
هذا بخلاف دخان الحطب، فإنه لا قضاء في وصوله للحلق، ولو تعمد استنشاقه، لأنه لا ‏يحصل للدماغ به قوة كالتي تحصل له من الأكل.‏
وقال الشافعية: لو فتح فاه عمداً حتى دخل الغبار في جوفه، لم يفطر على الأصح.‏
ومذهب الحنابلة الإفطار بابتلاع غربلة الدقيق وغبار الطريق، إن تعمده.‏

د- التدخين:‏
اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام، لأنه من ‏المفطرات.‏

هـ- التقطير في الأذن:‏
ذهب جمهور الفقهاء، إلى فساد الصوم بتقطير الدواء أو الدهن أو الماء في الأذن.‏
فقال المالكية: يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق، مما ينماع أو لا ينماع. والمذهب: أن ‏الواصل إلى الحلق مفطر ولو لم يجاوزه، إن وصل إليه، ولو من أنف أو أذن أو عين نهاراً.‏
وتوجيهه عندهم: أنه واصل من أحد المنافذ الواسعة في البدن، وهي: الفم والأنف ‏والأذن، وأن كل ما وصل إلى المعدة من منفذ عال، موجب للقضاء، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً ‏أم ضيقاً. وأنه لا تفرقة عندهم، بين المائع وبين غيره في الواصل إلى المعدة من الحلق.‏
قال الشافعية: لو صب الماء أو غيره في أذنيه، فوصل دماغه أفطر على الأصح، وقال ‏بعضهم: الإفطار بالتقطير في الأذنين.‏
وقال الحنفية: بفساد الصوم بتقطير الدواء والدهن في الأذن، لأن فيه صلاحاً لجزء من ‏البدن، فوجد إفساد الصوم معنى.‏
أما إدخال الماء قصداً فيفسده، وأما دخوله دون قصد فلا يفسده.‏

و- مداواة الآمة والجائفة والجراح:‏
الآمة: جراحة في الرأس.‏
والجائفة: جراحة في البطن.‏
والمراد بهذا ما يصل إلى الجوف من غير المخارق الأصلية.‏
فإذا داوى الصائم الآمة أو الجراح، فمذهب الجمهور فساد الصوم، إذا وصل الدواء إلى ‏الجوف.‏
قال الشافعية: لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء أكان ‏الدواء رطباً أم يابساً.‏
وعلله الحنابلة بأنه أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره، فأشبه ما لو أكل.‏
وعلله الحنفية -مع نصهم على عدم التفرقة بين الدواء الرطب وبين الدواء اليابس- بأن ‏بين جوف الرأس وجوف المعدة منفداً أصلياً، فمتى وصل إلى جوف الرأس، يصل إلى جوف ‏البطن.‏
ومذهب المالكية عدم الإفطار بمداواة الجراح، لأنه لا يصل لمحل الطعام والشراب، وإلا ‏لمات من ساعته.‏

ز- الاحتقان:‏
الاحتقان: صب الدواء أو إدخال نحوه في الدبر.‏
وقد يكون بمائع أو بغيره: فالاحتقان بالمائع من الماء -وهو الغالب- أو غير الماء.‏
ذهب جمهور الفقهاء والمالكية في قول مشهور إلى فساد الصوم ويوجب القضاء، وهو ‏معلل بأنه يصل به الماء إلى الجوف من منفذ مفتوح، وبأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، ‏وبأنه أبلغ وأولى بوجوب القضاء من الاستعاط استدراكاً للفريضة الفاسدة.‏
ولا تجب الكفارة، لعدم استكمال الجناية على الصوم صورة ومعنى، كما هو سبب ‏الكفارة، بل هو لوجود معنى الفطر، وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف، دون صورته، ‏وهو الوصول من الفم دون ما سواه.‏
قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: "الفطر مما دخل، وليس مما يخرج" رواه ابن ‏أبي شيبة.‏
أما الاحتقان بالجامد، ففيه بعض الخلاف:‏
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة يفطر، لأنه واصل ‏إلى الجوف باختياره، فأشبه الأكل.‏
كذلك دخول طرف أصبع في المخرج حال الاستنجاء يفطر.‏
قال الشافعية: لو أدخل الرجل أصبعه أو غيرها دبره، وبقي البعض خارجاً، بطل ‏الصوم، باتفاق أصحابنا.‏
وذهب الحنفية إلى أن تغييب القطن ونحوه من الجوامد الجافة، يفسد الصوم، وعدم ‏التغييب لا يفسده، كما لو بقي طرفه خارجاً، لأن عدم تمام الدخول كعدم دخول شيء بالمرة، ‏كإدخال الأصبع غير المبلولة، أما المبلولة بالماء والدهن فيفسده.‏
وخص المالكية الإفطار وإبطال الصوم، بالحقنة المائعة نصاً.‏
وسئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة؟ قال مالك: أرى ذلك خفيفاً، ولا أرى عليه فيه شيئاً، ‏قال مالك: وإن احتقن بشيء يصل إلى جوفه، فأرى عليه القضاء. أي: ولا كفارة عليه.‏

ح- الحقنة المتخذة في مسالك البول:‏
ويعبر عن هذا الشافعية بالتقطير، ولا يسمونه احتقاناً وفيه هذا التفصيل:‏
الأول: التقطير في الإحليل، أي الذكر:‏
في التقطير أقوال:‏
‏ فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، وهو وجه عند الشافعية، إلى أنه لا يفطر، سواء أوصل ‏المثانة أم لم يصل، لأنه ليس بين باطن الذكر وبين الجوف منفذ، وإنما يمر البول رشحاً، فالذي ‏يتركه فيه لا يصل إلى الجوف، فلا يفطر، كالذي يتركه في فيه ولا يبتلعه.‏
وللشافعية -مع ذلك- في المسألة أقوال:‏
أحدها: إذا قطر فيه شيئاً لم يصل إلى المثانة لم يفطر، وهذا أصحها.‏
الثاني: لا يفطر.‏
الثالث: إن جاوز الحشفة أفطر، وإلا لا.‏
الثاني: التقطير في فرج المرأة:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى فساد الصوم به.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:39 PM
رابعاً: التقصير في حفظ الصوم والجهل به:‏

الأول: التقصير:‏
أ- من صور التقصير ما لو تسحر أو جامع، ظاناً عدم طلوع الفجر، والحال أن الفجر ‏طالع.‏
ذهب الحنفية والمالكية في قول مشهور والشافعية في القول الصحيح والحنابلة: إلى أنه ‏يفطر ويجب عليه القضاء دون الكفارة. وذلك للشبهة، لأن الأصل بقاء الليل، والجناية قاصرة، ‏وهي جناية عدم التثبت، لا جناية الإفطار، لأنه لم يقصده، ولهذا صرحوا بعدم الإثم عليه.‏
وإذا لم يتبين له شيء، ذهب الحنفية: إلى عدم وجوب القضاء عليه، وقيل: يقضي ‏احتياطاً.‏
وكذلك الحكم إذا أفطر بظن الغروب، والحال أن الشمس لم تغرب، عليه القضاء ولا ‏كفارة عليه، لأن الأصل بقاء النهار.‏
قال المالكية: من شك في طلوع الفجر، حرم عليه الأكل، وقيل: يكره ... فإن أكل فعليه ‏القضاء وجوباً -على المشهور-، وإن شك في الغروب، لم يأكل اتفاقاً، فإن أكل فعليه القضاء.‏
وقيل عند الشافعية: لا يفطر في صورتي الشك في الغروب والفجر، وقيل: يفطر في ‏الأولى، دون الثانية.‏
ومن ظن أو اشتبه في الفطر، كمن أكل ناسياً فظن أنه أفطر، فأكل عامداً، فإنه لا تجب ‏عليه الكفارة، لقيام الشبهة الشرعية.‏
والقضاء في كلا الصورتين عند الحنفية.‏
أما لو فعل ما لا يظن به الفطر، كالفصد والحجامة والاكتحال واللمس والتقبيل بشهوة ‏ونحو ذلك، فظن أنه أفطر بذلك، فأكل عمداً، فإنه يقضى في تلك الصور ويكفر لأنه ظن في غير ‏محله.‏
فلو كان ظنه في محله فلا كفارة، كما لو أفتاه مفت -يعتمد على قوله ويؤخذ بفتواه في ‏البلد- بالإفطار في الحجامة فأكل عامداً، بعدما احتجم لا يكفر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:40 PM
والمالكية قسموا الظن في الفطر إلى قسمين:‏

أ- تأويل قريب، وهو الذي يستند فيه المفطر إلى أمر موجود، يعذر به شرعاً، فلا كفارة ‏عليه، كما في هذه الصور:‏
‏- لو أفطر ناسياً، فظن لفساد صومه إباحة الفطر، فأفطر ثانياً عامداً، فلا كفارة عليه.‏
‏- أو لزمه الغسل ليلاً لجنابة أو حيض، ولم يغتسل إلا بعد الفجر، فظن الإباحة، فأفطر ‏عمداً.‏
‏- أو تسحر قرب الفجر، فظن بطلان صومه، فأفطر.‏
‏- أو قدم المسافر ليلاً، فظن أنه لا يلزمه صوم صبيحة قدومه، فأفطر مستنداً إلى هذا ‏التأويل، لا تلزمه الكفارة.‏
‏- أو أفطر لحجامة فعلها بغيره، أو فعلت به، فظن الإباحة، فإنه لا يكفر. لاستناده ‏لموجود، وهو قول عليه الصلاة والسلام: "أفطر الحاجم والمحجوم". رواه أبو داود.‏
‏- أو سافر دون مسافة القصر، فظن إباحة الفطر فبيت الفطر، فلا كفارة عليه.‏
‏- أو رأى هلال شوال نهاراً، يوم ثلاثين من رمضان، فاعتقد أنه يوم عيد، فأفطر.‏
فهؤلاء إذا ظنوا إباحة الفطر فأفطروا، فعليهم القضاء، ولا كفارة عليهم، وإن علموا ‏الحرمة، أوشكوا فيها فعليهم الكفارة.‏

ب- تأويل بعيد، وهو المستند فيه إلى أمر معدوم، أو موجود لكنه لم يعذر به شرعاً، فلا ‏ينفعه.‏
‏- فمن رأى هلال رمضان، فشهد عند حاكم، فَرُدَّ ولم يقبل لمانع، فظن إباحة الفطر، ‏فأفطر، فعلية الكفارة لبعد تأويله.‏
‏- أو بيَّت الفطر وأصبح مفطراً، في يومٍ لحمَّى تأتيه فيه عادة، ثم حُمَّ في ذلك اليوم، ‏وأولى إن لم يحمّ.‏
‏- أو بيتت الفطر امرأة لحيض اعتادته في يومها، ثم حصل الحيض بعد فطرها، واولى ‏إن لم يحصل.‏
‏- أو اغتاب شخصاً في نهار رمضان، فظن إباحة الفطر فأفطر، فعليه الكفارة.‏
ونص الشافعية على أن من جامع عامداً، بعد الأكل ناسياً، وظن أنه أفطر به، لا كفارة ‏عليه، وإن كان الأصح بطلان صومه بالجماع، لأنه جامع وهو يعتقد أنه غير صائم، فلم يأثم به، ‏لذلك قيل: لا يبطل صومه، وبطلانه مقيس على من ظن الليل وقت الجماع، فبان خلافه.‏
وأما لو قال: علمت تحريمه، وجهلت وجوب الكفارة، لزمته الكفارة بلا خلاف.‏
ونص الحنابلة على أنه لو جامع في يوم رأى الهلال في ليلته، وردت شهادته لفسقه أو ‏غيره، فعليه القضاء والكفارة، لأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع، فلزمته كما لو قبلت شهادته.‏
وإذا لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامداً، ثم جامع ‏تجب عليه الكفارة، لهتكه حرمة الزمن به، ولأنها تجب على المستديم للوطء، ولا صوم هناك، ‏فكذا هنا.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:40 PM
الثاني: الجهل:‏
ب- الجهل: عدم العلم بما من شأنه أن يعلم.‏
ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، هو مشهور مذهب المالكية، على إعذار حديث ‏العهد بالإسلام، إذا جهل الصوم في رمضان.‏
قال الحنفية: يعذر من أسلم بدار الحرب فلم يصم، ولم يصل، ولم يزك بجهله بالشرائع، ‏مدة جهله، لأن الخطاب إنما يلزم بالعلم به أو بدليله، ولم يوجد، إذ لا دليل عنده على فرض ‏الصلاة والصوم.‏
وقال الشافعية: لو جهل تحريم الطعام أو الوطء، بأن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ‏بعيداً عن العلماء، لم يفطر، كما لو غلب عليه القيء.‏
والمعتمد عند المالكية: أن الجاهل بأحكام الصيام لا كفارة عليه، وليس هو كالعامد.‏
والجاهل عندهم على ثلاثة أقسام: فجاهل حرمة الوطء، وجاهل رمضان، لا كفارة ‏عليهما، وجاهل وجوب الكفارة -مع علمه بحرمة الفعل- تلزمه الكفارة.‏
وذهب الحنابلة إلى وجوب الكفارة، وصرحوا بالتسوية بين العامد والجاهل والمكره ‏والساهي والمخطئ.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:40 PM
خامساً: عوارض الإفطار:‏

المراد بالعوارض: ما يبيح عدم الصوم.‏
وهي: المرض، والسفر، والحمل، والرضاع، والهرم، وإرهاق الجوع والعطش، ‏والإكراه.‏

أولاً: المرض:‏
المرض هو: كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة.‏
أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة والأصل فيه قول الله تعالى: {وَمَنْ ‏كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].‏
وعن سلمة بن الأكوع رضى الله تعالى عنه قال: "لما نزلت هذه الآية: ‏
‏{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر، يفطر ويفتدى، حتى أنزلت ‏الآية التي بعدها يعني قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ ‏الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ ‏أُخَرَ} [البقرة: 185] فنسختها رواه البخاري.‏
فالمريض الذي يخاف زيادة مرضه بالصوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو، له أن يفطر، ‏بل يسن فطره، ويكره إتمامه، لأنه قد يفضي إلى الهلاك، فيجب الاحتراز عنه.‏
ثم إن شدة المرض تجيز الفطر للمريض. أما الصحيح إذا خاف الشدة أو التعب، فإنه لا ‏يجوز له الفطر، إذا حصل له بالصوم مجرد شدة تعب.‏
وقال الحنفية: إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم، ‏فليس له الفطر.‏
وقال المالكية: إذا خاف حصول أصل المرض بصومه، فإنه لا يجوز له الفطر -على ‏المشهور- إذ لعلَّه لا ينزل به المرض إذا صام.‏
فإن خاف كل من المريض والصحيح الهلاك على نفسه بصومه، وجب الفطر. وكذا لو ‏خاف أذى شديداً، كتعطيل منفعة، من سمع أو بصر أو غيرهما، لأن حفظ النفس والمنافع واجب، ‏وهذا بخلاف الجهد الشديد، فإنه يبيح الفطر للمريض.‏
وقال الشافعية: إن المريض -وإن تعدى بفعل ما أمرضه- يباح له ترك الصوم، إذا وجد ‏به ضرراً شديداً، لكنهم شرطوا لجواز فطره نية الترخص.‏
وفرّقوا بين المرض المطبق، وبين المرض المتقطع: فإن كان المرض مطبقاً، فله ترك ‏النية في الليل.‏
وإن كان يحم وينقطع، نظر: فإن كان محموماً وقت الشروع في الصوم، فله ترك النية، ‏وإلا فعليه أن ينوي من الليل، فإن احتاج إلى الإفطار أفطر.‏
ومثل ذلك الحصَّاد والبنَّاء والحارس -ولو متبرعاً- فتجب عليهم النية ليلاً، ثم إن لحقتهم ‏مشقة أفطروا.‏
ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم.‏
وشرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا ‏يلحق به مشقة ظاهرة فلم يجز له الفطر.‏
وقال الحنابلة: المعتبر خوف الضرر، أما خوف التلف بسبب الصوم فإنه يجعل الصوم ‏مكروهاً، وجزم جماعة بحرمته، ولا خلاف في الإجزاء، لصدوره من أهله في محله، كما لو أتم ‏المسافر.‏
قالوا: ولو تحمل المريض الضرر، وصام معه، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه من ‏الإضرار بنفسه، وتركه تخفيفاً من الله وقبول رخصته، لكن يصح صومه ويجزئه، لأنه عزيمة ‏أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه، لصدوره من أهله في محله، كما أتم المسافر، وكالمريض ‏الذي يباح له ترك الجمعة، إذا حضرها.‏
وقال المالكية للمريض أحوال:‏
الأولى: أن لا يقدر على الصوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، ‏فالفطر عليه واجب.‏
الثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة، فالفطر له جائز.‏
الثالثة: أن يقدر بمشقة، ويخاف زيادة المرض، ففي وجوب فطره قولان.‏
الرابعة: أن لا يشق عليه، ولا يخاف زيادة المرض، فلا يفطر.‏
وقال الشافعية على أنه إذا أصبح الصحيح صائماً، ثم مرض، جاز له الفطر بلا خلاف، ‏لأنه أبيح له الفطر للضرورة، والضرورة موجودة، فجاز له الفطر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:41 PM
ثانياً: السفر:‏
يشترط في السفر المرخص في الفطر ما يلي:‏
أ- أن يكون السفر طويلاً مما تقصر فيه الصلاة.‏
ب- أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدة أربعة أيام بلياليها عند المالكية ‏والشافعية، وأكثر من أربعة أيام عند الحنابلة، وهي نصف شهر أو خمسة عشر يوماً عند ‏الحنفية.‏
ج- أن لا يكون سفره في معصية، بل في غرض صحيح عند الجمهور، وذلك: لأن ‏الفطر رخصة وتخفيف، فلا يستحقها عاص بسفره، بأن كان مبنى سفره على المعصية، كما لو ‏سافر لقطع طريق مثلاً.‏
والحنفية يجيزون الفطر للمسافر، ولو كان عاصياً بسفره، عملاً بإطلاق النصوص ‏المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، والرخصة ‏تتعلق بالسفر لا بالمعصية.‏
د- أن يجاوز المدينة وما يتصل بها، والبناءات والأفنية والأخبية.‏
وذهب أصحاب المذاهب الأربعة، إلى أن من أدرك هلال رمضان وهو مقيم، ثم سافر، ‏جاز له الفطر، لأن الله تعالى جعل مطلق السفر سبب الرخصة، بقوله: ‏
‏{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، ولما ثبت من "أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافراً، وأفطر" رواه البخاري.‏
ولأن السفر إنما كان سبب الرخصة لمكان المشقة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:41 PM
وفي وقت جواز الفطر للمسافر ثلاث أحوال: ‏
الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع الفجر وهو مسافر، وينوي الفطر، فيجوز له ‏الفطر إجماعاً، لأنه متصف بالسفر، عند وجود سبب الوجوب.‏
الثانية: أن يبدأ السفر بعد الفجر، بأن يطلع الفجر وهو مقيم ببلده، ثم يسافر بعد طلوع ‏الفجر، أو خلال النهار، فإنه لا يحل له الفطر بإنشاء السفر بعدما أصبح صائماً، ويجب عليه إتمام ‏ذلك اليوم، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو الصحيح من مذهب الشافعية. وذلك تغليباً لحكم ‏الحضر.‏
ومع ذلك لا كفارة عليه في إفطاره عند الحنفية، وفي المشهور من مذهب المالكية، ‏وذلك للشبهة في آخر الوقت. ولأنه لما سافر بعد الفجر صار من أهل الفطر، فسقطت عنه ‏الكفارة.‏
والصحيح عند الشافعية أنه يحرم عليه الفطر حتى لو أفطر بالجماع لزمته الكفارة.‏
والمذهب عند الحنابلة وهو أصح الروايتين عن أحمد، أن من نوى الصوم في الحضر، ‏ثم سافر في أثناء اليوم، طوعاً أو كرهاً، فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة، ‏وخروجه من بين بنيانها، واستدلوا بما يلي:‏
‏- ظاهر قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].‏
‏- وحديث جابر -رضي الله تعالى عنه- "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى ‏مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم ‏الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب -والناس ينظرون ‏إليه- فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن ناساً صاموا، فقالوا: أولئك العصاة" رواه الترمذي.‏
‏- وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏عام الفتح إلى مكة، في شهر رمضان، فصام حتى مر بغدير في الطريق، وذلك في نحر الظهيرة. ‏قال: فعطش الناس، وجعلوا يمدون أعناقهم، وتتوق أنفسهم إليه. قال: فدعا رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم بقدح فيه ماء، فأمسكه على يده، حتى رآه الناس، ثم شرب، فشرب الناس" رواه أحمد.‏
‏- وقالوا: إن السفر مبيح للفطر، فإباحته في أثناء النهار كالمرض الطاريء ولو كان ‏بفعله.‏
وقد نص الحنابلة، المؤيدون لهذا الرأي على أن الأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى ‏صومه إتمام صوم ذلك اليوم، خروجاً من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء، ‏تغليباً لحكم الحضر، كالصلاة.‏
الثالثة: أن يفطر قبل مغادرة بلده.‏
وقد منع من ذلك الفقهاء، وقالوا: إن رخصة السفر لا تتحقق بدونه، كما لا تبقى بدونه، ‏ولما يتحقق السفر بعد، بل هو مقيم وشاهد، وقد قال تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ‏‏[البقرة: 185] ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام ‏الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة.‏
ويتصل بهذه المسائل في إفطار المسافر:‏
ما لو نوى في سفره الصوم ليلاً، وأصبح صائماً، من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر، ‏لا يحل فطره في ذلك اليوم عند الحنفية والمالكية، وهو وجه محتمل عند الشافعية، ولو أفطر لا ‏كفارة عليه للشبهة.‏
وقال الحنفية: وكذا لا كفارة عليه بالأولى، لو نوى نهاراً.‏
وقال المالكية: من كان في سفر، فأصبح على نية الصوم، لم يجز له الفطر إلا بعذر، ‏كالتغذي للقاء العدو، وعلى المشهور: إن أفطر، ففي وجوب الكفارة ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث ‏بين أن يفطر بجماع فتجب، أو بغيره فلا تجب.‏
وقال الحنابلة: لو أصبح صائماً في السفر، ثم أراد الفطر، جاز من غير عذر، لأن العذر ‏قائم -وهو السفر- أو لدوام العذر.‏
وزاد الحنابلة أن له الفطر بما شاء، من جماع وغيره، كأكل وشرب، لأن من أبيح له ‏الأكل أبيح له الجماع، كمن لم ينو، ولا كفارة عليه بالوطء، لحصول الفطر بالنية قبل الجماع، ‏فيقع الجماع بعده.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:41 PM
صحة الصوم في السفر:‏
ذهب الأئمة الأربعة، إلى أن الصوم في السفر جائز صحيح منعقد، وإذا صام وقع صيامه ‏وأجزأه.‏
والأئمة الأربعة، الذين ذهبوا إلى صحة الصوم في السفر، اختلفوا بعد ذلك في أيهما ‏أفضل، الصوم أم الفطر، أو هما متساويان؟
فمذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وهو وجه عند الحنابلة: أن الصوم أفضل، إذا لم ‏يجهده الصوم ولم يضعفه.‏
وصرح الحنفية والشافعية بأنه مندوب.‏
ومذهب الحنابلة: أن الفطر في السفر أفضل، وهذا هو المذهب. قالوا : والمسافر سفر ‏قصر يسن له الفطر.‏
ويكره صومه، ولو لم يجد مشقة. وعليه الأصحاب، ونص عليه، سواء وجد مشقة أو لا.‏
واستدل هؤلاء بحديث جابر -رضي الله تعالى عنه-: "ليس من البر الصوم في السفر" ‏رواه البخاري وزاد في رواية: "عليكم برخصة الله الذي رخص لكم فاقبلوها" رواه مسلم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:41 PM
انقطاع رخصة السفر:‏
تسقط رخصة السفر بأمرين اتفاقاً:‏
الأول: إذا عاد المسافر إلى بلده، ودخل وطنه، وهو محل إقامته، ولو كان دخوله بشيء ‏نسيه، يجب عليه الصوم، كما لو قدم ليلاً، أو قدم قبل نصف النهار عند الحنفية.‏
أما لو قدم نهاراً، ولم ينو الصوم ليلاً، أو قدم بعد نصف النهار -عند الحنفية، ولم يكن ‏نوى الصوم قبلاً- فإنه يمسك بقية النهار، على خلاف وتفصيل في وجوب إمساكه.‏
الثاني: إذا نوى المسافر الإقامة مطلقاً، أو مدة الإقامة التي تقدمت في شروط جواز فطر ‏المسافر في مكان واحد، وكان المكان صالحاً للإقامة، لا كالسفينة والمفازة ودار الحرب، فإنه ‏يصير مقيماً بذلك، فيتم الصلاة، ويصوم ولا يفطر في رمضان، لانقطاع حكم السفر.‏
وصرحوا بأنه يحرم عليه الفطر -على الصحيح- لزوال العذر، وفي قول يجوز له ‏الفطر، اعتباراً بأول اليوم.‏
وقال المالكية: إن السفر لا يبيح قصراً ولا فطراً إلا بالنية والفعل، بخلاف الإقامة، فإنها ‏توجب الصوم والإتمام بالنية دون الفعل.‏
وإذا لم ينو الإقامة لكنه أقام لقضاء حاجة له، بلا نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي أو كان ‏يتوقع انقضاءها في كل وقت، فإنه يجوز له أن يفطر، كما يقصر الصلاة.‏
قال الحنفية: ولو بقى على ذلك سنين.‏
فإن ظن أنها لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام عند الجمهور، أو خمسة عشر يوماً عند ‏الحنفية، فإنه يعتبر مقيماً، فلا يفطر ولا يقصر، إلا إذا كان الفرض قتالاً، أو دخل المسلمون ‏أرض الحرب أو حاصروا حصناً فيها، أو كانت المحاصرة للمصر على سطح البحر، فإن لسطح ‏البحر حكم دار الحرب.‏
ودليل هذا " أنه -صلى الله عليه وسلم- أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة" رواه أبو ‏داود.‏
ويلاحظ أن الفطر كالقصر الذي نصوا عليه في صلاة المسافر، من حيث الترخص، فإن ‏المسافر له سائر رخص السفر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:42 PM
ثالثاً: الحمل والرضاع:‏
اتفق الفقهاء على أن الحامل والمرضع لهما أن تفطرا في رمضان، بشرط أن تخافا على ‏أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته، أو الضرر أو الهلاك، فالولد من الحامل بمنزلة عضو ‏منها، فالإشفاق عليه من ذلك كالإشفاق منه على بعض أعضائها.‏
لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‏قال: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو ‏الصيام" رواه الترمذي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:42 PM
رابعاً: الشيخوخة والهرم:‏
وتشمل الشيخوخة والهرم ما يلي:‏
‏- الشيخ الفاني، وهو الذي فنيت قوته، أو أشرف على الفناء، وأصبح كل يوم في نقص ‏إلى أن يموت.‏
‏- المريض الذي لا يرجى برؤه، وتحقق اليأس من صحته.‏
‏- العجوز، وهي المرأة المسنة.‏
وقيد الحنفية عجز الشيخوخة والهرم، بأن يكون مستمراً، فلو لم يقدرا على الصوم لشدة ‏الحر مثلاً، كان لهما أن يفطرا، ويقضياه في الشتاء.‏
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يلزمهما الصوم، ونقل الإجماع عليه، وأن لهما أن ‏يفطرا، إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:42 PM
خامساً: إرهاق الجوع والعطش:‏
من أرهقه جوع مفرط، أو عطش شديد، فإنه يفطر ويقضي. وقيده الحنفية بأمرين:‏
الأول: أن يخاف على نفسه الهلاك، بغلبة الظن، لا بمجرد الوهم، أو يخاف نقصان ‏العقل، أو ذهاب بعض الحواس، كالحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما الهلاك أو على ‏أولادهما.‏
الثاني: أن لا يكون ذلك بإتعاب نفسه، إذ لو كان به تلزمه الكفارة، وقيل: لا.‏
وقال المالكية: فإن خاف على نفسه حرم عليه الصيام، وذلك لأن حفظ النفس والمنافع ‏واجب.‏
وقال الشافعية: ومثل المرض غلبة جوع وعطش، لا نحو صداع، ووجع أذن وسن ‏خفيفة.‏
ومثلوا له بأرباب المهن الشاقة، لكن قالوا: عليه أن ينوي الصيام ليلا، ثم إن احتاج إلى ‏الإفطار، ولحقته مشقة، أفطر.‏
قال الحنفية: المحترف المحتاج إلى نفقته كالخبَّاز والحصَّاد، إذا علم أنه لو اشتغل ‏بحرفته يلحقه ضرر مبيح للفطر، يحرم عليه الفطر قبل أن تلحقه مشقة.‏
وقال الحنابلة: من صنعته شاقة، فإن خاف بالصوم تلفاً، أفطر وقضى، إنْ ضرَّه ترك ‏الصنعة، فإن لم يضره تركها أثم بالفطر وبتركها، وإن لم ينتف الضرر بتركها، فلا إثم عليه ‏بالفطر للعذر.‏
وألحقوا بإرهاق الجوع والعطش خوف الضعف عن لقاء العدو المتوقع أو المتيقن كأن ‏كان محيطاً : فالغازي إذا كان يعلم يقيناً أو بغلبة الظن القتال بسبب وجوده بمقابلة العدو، ويخاف ‏الضعف عن القتال بالصوم، وليس مسافراً، له الفطر قبل الحرب.‏
قال الحنفية: فإن لم يتفق القتال فلا كفارة عليه، لأن في القتال يحتاج إلى تقديم الإفطار، ‏ليتقوى ولا كذلك المرض.‏
ولا خلاف بين الفقهاء، في أن المرهق ومن في حكمه، يفطر، ويقضي-كما ذكرنا-وإنما ‏الخلاف بينهم فيما إذا أفطر المرهق، فهل يمسك بقية يومه، أم يجوز له الأكل؟

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:43 PM
سادساً: الإكراه:‏
الإكراه: حمل إنسان غيره، على فعل أو ترك مالا يرضاه بالوعيد.‏
ومذهب الحنفية والمالكية: أن من أكره على الفطر فأفطر قضى.‏
قالوا: إذا أكره الصائم بالقتل على الفطر، بتناول الطعام في شهر رمضان، وهو صحيح ‏مقيم، فمرخص له به، والصوم أفضل، حتى لو امتنع من الإفطار حتى قتل، يثاب عليه، لأن ‏الوجوب ثابت حالة الإكراه، وأثر الرخصة في الإكراه هو سقوط المأثم بالترك، لا في سقوط ‏الوجوب، بل بقي الوجوب ثابتاً، والترك حراماً، وإذا كان الوجوب ثابتاً، والترك حراماً، كان حق ‏الله تعالى قائماً، فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامه حق الله تعالى، طلباً لمرضاته، فكان مجاهداً في ‏دينه، فيثاب عليه.‏
وأما إذا كان المكرَهُ مريضاً أو مسافراً، فالإكراه-حينئذٍ مبيح مطلق، في حق كل منهما، ‏بل موجب، والأفضل هو الإفطار، بل يجب عليه ذلك، ولا يسعه أن لا يفطر، حتى لو امتنع من ‏ذلك، فقتل، يأثم.‏
ووجه الفرق: أن في الصحيح المقيم كان الوجوب ثابتاً قبل الإكراه من غير رخصة ‏الترك أصلاً، فإذا جاء الإكراه -وهو سبب من أسباب الرخصة- كان أثره في إثبات رخصة ‏الترك، لا في إسقاط الوجوب.‏
وأما في المريض والمسافر، فالوجوب مع رخصة الترك، كان ثابتاً قبل الإكراه، فلا بد ‏أن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتاً قبله، وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب رأساً، وإثبات الإباحة ‏المطلقة، فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة، وهناك يباح له الأكل، بل يجب عليه، فكذا هنا.‏
وفرق الشافعية بين الإكراه على الأكل أو الشرب، وبين الإكراه على الوطء:‏
فقالوا في الإكراه على الأكل: لو أكره حتى أكل أو شرب لم يفطر، كما لو أوجر في حلقه ‏مكرها، لأن الحكم الذي ينبني على اختياره ساقط لعدم وجود الاختيار.‏
أما لو أكره على الوطء زنى، فإنه لا يباح بالإكراه، فيفطر به، بخلاف وطء زوجته.‏
ومذهب الحنابلة: فلو أكره على الفعل، أو فعل به ما أكره عليه، بأن صب في حلقه، ‏مكرهاً أو نائماً، كما لو أوجر المغمى عليه معالجة، لا يفطر، ولا يجب عليه القضاء، ‏لحديث:"وما استكرهوا عليه".‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:43 PM
‏18- ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة:‏

أولاً: الجماع عمداً:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن جماع الصائم في نهار رمضان عامداً مختاراً بأن يلتقي ‏الختانان وتغيب الحشفة في أحد السبيلين مفطر يوجب القضاء والكفارة، أنزل أو لم ينزل.‏
وفي قول ثان للشافعية لا يجب القضاء، لأن الخلل انجبر بالكفارة.‏
وفي قول ثالث للشافعية: إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء، وإلا فلا يدخل فيجب القضاء.‏
وذهب الحنابلة: إلى أنه إذا جامع في نهار رمضان -بلا عذر- آدمياً أو غيره حياً أو ميتاً ‏أنزل أم لا فعليه القضاء والكفارة، عامداً كان أو ساهياً، أو جاهلاً أو مخطئاً، مختاراً أو مكرهاً، ‏وهذا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه ‏وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، ‏فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم ‏شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعامَ ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله ‏عليه وسلم فبينا نحن على ذلك، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرقٍ فيها تمر، قال: أين السائل؟ ‏فقال: أنا قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، فواللهِ ما بين لابيتها -‏يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم ‏قال: أطعمه أهلك" رواه البخاري.‏
ولا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل ‏والمرأة. وإنما الخلاف في وجوب الكفارة عليها:‏
فمذهب أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد وهي المذهب عند الحنابلة، وجوب الكفارة ‏عليها أيضاً، لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها كالرجل.‏
وعلل الحنفية وجوبها عليها، بأن السبب في ذلك هو جناية الإفساد، لا نفس الوقاع، وقد ‏شاركته فيها، وقد استويا في الجناية، والبيان في حق الرجل بيان في حق المرأة، فقد وجد فساد ‏صوم رمضان بإفطار كامل حرامٍ محض متعمد، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، ولا يتحمل ‏الرجل عنها، لأن الكفارة عبادة أو عقوبة، ولا يجري فيها التحمل.‏
وقال الشافعية: أنه لا كفارة عليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في ‏رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر المرأة بشيء، مع علمه بوجود ذلك منها. ولأن الجماع فعله، ‏وإنما هي محل الفعل.‏
وقال الحنابلة: إن أكرهت المرأة على الجماع في نهار رمضان حتى مكنت الرجل منها ‏لزمتها الكفارة، وإن غصبت أو أتيت نائمة فلا كفارة عليها.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:43 PM
ثانياً: الأكل والشرب عمداً:‏
مما يوجب القضاء والكفارة، عند الحنفية والمالكية: الأكل والشرب.‏
فإذا أكل الصائم، في أداء رمضان أو شرب غذاء أو دواء، طائعاً عامداً، بغير خطأ ولا ‏إكراه ولا نسيان، أفطر وعليه الكفارة.‏
وضابطه عند الحنفية: وصول ما فيه صلاح بدنه لجوفه، بأن يكون مما يؤكل عادة على ‏قصد التغذي أو التداوي أو التلذذ، أو مما يميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن، وإن لم يكن ‏فيه صلاح البدن، بل ضرره.‏
وشرط الحنفية أيضاً لوجوب الكفارة: أن ينوي الصوم ليلاً، وأن لا يكون مكرهاً، وأن لا ‏يطرأ عذر شرعي لا صنع له فيه، كمرض وحيض.‏
وشرط المالكية: أن يكون إفساد صوم رمضان خاصة، عمداً قصداً لانتهاك حرمة ‏الصوم، من غير سبب مبيح للفطر.‏
وتجب الكفارة في شرب الدخان عند -الحنفية والمالكية- فإنه ربما أضر البدن، لكن ‏تميل إليه بعض الطباع، وتنقضي به شهوة البطن، يضاف إلى ذلك أنه مفتر وحرام، لحديث أم ‏سلمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر".‏
ودليل وجوب الكفارة على من أكل أو شرب عمداً، ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة -‏رضي الله تعالى عنه-: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن ‏يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً" فإنه علق الكفارة بالإفطار، وهي ‏وإن كانت واقعة حال لا عموم لها، لكنها علقت بالإفطار لا باعتبار خصوص الإفطار ولفظ ‏الراوي عام.‏
ومذهب الشافعية والحنابلة عدم وجوب الكفارة على من أكل أو شرب عمداً في نهار ‏رمضان أداء، وذلك لأن النص -وهو حديث الأعرابي الذي وقع على امرأته في رمضان- ورد ‏في الجماع، وما عداه ليس في معناه. ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا، ولا إجماع.‏
ولا يصح قياسه على الجماع، لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمسّ، والحكمة في التعدي به ‏آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرماً.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:43 PM
ثالثاً: رفع النية:‏
ومما يوجب الكفارة عند المالكية، ما لو تعمد رفع النية نهاراً، كأن يقول -وهو صائم: ‏رفعت نية صومي، أو يقول رفعت نيتي.‏
وأولى من ذلك، رفع النية في الليل، كأن يكون غير ناوٍ للصوم، لأنه رفعها في محلها فلم ‏تقع النية في محلها.‏
وكذلك تجب الكفارة عند المالكية بالإصباح بنية الفطر، ولو نوى الصيام بعده.‏
أما إن علق الفطر على شيء، كأن يقول : إن وجدت طعاماً أكلت فلم يجده، أو وجده ولم ‏يفطر فلا قضاء عليه.‏
أما عند الحنابلة: فإنه يجب القضاء بترك النية دون الكفارة.‏
وعند الحنفية، وعند الشافعية: لا يجب القضاء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:44 PM
‏19- ما لا يفسد الصوم:‏

أولاً: الأكل والشرب في حال النسيان:‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الأكل والشرب في حال النسيان لا يفسد ‏الصوم فرضاً أو نفلاً، خلافاً للمالكية.‏

ثانياً: الجماع في حال النسيان:‏
ذهب الحنفية والشافعية أن الجماع في حال النسيان لا يفطر قياساً على الأكل والشرب ‏ناسياً.‏
وذهب المالكية وهو ظاهر مذهب الحنابلة إلى أن من جامع ناسياً فسد صومه، وعليه ‏القضاء فقط عند المالكية، والقضاء والكفارة عند الحنابلة.‏

ثالثاً: دخول الغبار ونحوه حلق الصائم:‏
إذا دخل حلق الصائم غبار أو ذباب أو دخان بنفسه، بلا صنعه، ولو كان الصائم ذاكراً ‏لصومه، لم يفطر إجماعاً، لعدم قدرته على الامتناع عنه، ولا يمكن الاحتراز منه.‏
وكذلك إذا دخل الدمع حلقه وكان قليلاً نحو القطرة أو القطرتين فإنه لا يفسد صومه، لأن ‏التحرز منه غير ممكن، وإن كان كثيراً حتى وجد ملوحته في جميع فمه وابتلعه فسد صومه.‏

رابعاً: الادّهان:‏
ذهب الجمهور إلى أنه لو دهن الصائم رأسه، أو شاربه لا يضره ذلك، وكذا لو اختضب ‏بحنّاء، فوجد الطعم في حلقه لم يفسد صومه، ولا يجب عليه القضاء، إذ لا عبرة بما يكون من ‏المسام،، وقال المالكية بوجوب القضاء.‏

خامساً: الاحتلام:‏
إذا نام الصائم فاحتلم لا يفسد صومه، بل يتمه إجماعاً، إذا لم يفعل شيئاً يحرم عليه ويجب ‏عليه الاغتسال.‏
وفي الحديث عن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام" رواه الترمذي.‏
ومن أجنب ليلاً، ثم أصبح صائماً، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه عند الجمهور.‏
وقال الحنفية: وإن بقي جنباً كل اليوم، وذلك: لحديث عائشة وأم سلمة -رضي الله تعالى ‏عنهما- قالتا: "نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنباً، من غير احتلام ثم ‏يغتسل، ثم يصوم" رواه البخاري.‏
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنباً ‏فلا صوم له" رواه البخاري ومسلم، وحمل على النسخ أو الإرشاد إلى الأفضل، وهو: أنه يستحب ‏أن يغتسل قبل الفجر، ليكون على طهارة من أول الصوم.‏

سادساً: البلل في الفم:‏
مما لا يفسد الصوم البلل الذي يبقى في الفم بعد المضمضة، إذا ابتلعه الصائم مع الريق، ‏بشرط أن يبصق بعد مج الماء، لاختلاط الماء بالبصاق، فلا يخرج بمجرد المج، ولا تشترط ‏المبالغة في البصق، لأن الباقي بعده مجرد بلل ورطوبة، لا يمكن التحرز عنه.‏

سابعاً: ابتلاع ما بين الأسنان:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ ابتلاع ما بين الأسنان، إذا كان قليلاً، لا يفسد ولا يفطر، لأنه تبع ‏لريقه، ولأنه لا يمكن الاحتراز عنه، بخلاف الكثير فإنه لا يبقى بين الأسنان، والاحتراز عنه ‏ممكن وهذا عند الحنفية.‏
والقليل: هو ما دون الحمصة، ولو كان قدرَها أفطر.‏
وذهب الشافعية إلى فساد الصوم مطلقاً، بابتلاع القليل والكثير، لأن الفم له حكم الظاهر.‏
وللشافعية قول آخر بعدم الإفطار به مطلقاً.‏
وشرط الشافعية والحنابلة، لعدم الإفطار بابتلاع ما بين الأسنان شرطين:‏
أولهما: أن لا يقصد ابتلاعه.‏
والآخر: أن يعجز عن تمييزه ومجه، لأنه معذور فيه غير مفرط، فإن قدر عليهما أفطر، ‏ولو كان دون الحمصة، لأنه لا مشقة في لفظه، والتحرز عنه ممكن.‏
ومذهب المالكية: عدم الإفطار بما سبق إلى جوفه من بين أسنانه، ولو عمداً، لأنه أخذه ‏في وقت يجوز له أخذه فيه.‏

ثامناً: دم اللثة والبصاق:‏
ذهب الحنفية إلى أنه لو دميت لثته، فدخل ريقه حلقه مخلوطاً بالدم، ولم يصل إلى جوفه، ‏لا يفطر وإن كان الدم غالباً على الريق، لأنه لا يمكن الاحتراز منه، فصار بمنزلة ما بين أسنانه ‏أو ما يبقى من أثر المضمضة، أما لو وصل إلى جوفه، فإن غلب الدم فسد صومه، وعليه القضاء ‏ولا كفارة، وإن غلب البصاق فلا شيء عليه، وكذا إن تساويا.‏
ولو خرج البصاق على شفتيه ثم ابتلعه، فسد صومه، ولو ترطبت شفتاه ببزاقه، عند ‏الكلام ونحوه، فابتلعه، لا يفسد صومه.‏
ومذهب الشافعية والحنابلة: الإفطار بابتلاع الريق المختلط بالدم، لتغير الريق، والدم ‏نجس لا يجوز ابتلاعه وإذا لم يتحقق أنه بلع شيئاً نجساً لا يفطر، إذ لا فطر ببلع ريقه الذي لم ‏تخالطه النجاسة.‏

تاسعاً: ابتلاع النخامة:‏
النخامة هي: النخامة، وهي ما يخرجه الإنسان من حلقه، من مخرج الخاء المعجمة.‏
ومذهب الحنفية والمعتمد عند المالكية: أن النخامة سواء أكانت مخاطاً نازلاً من الرأس، ‏أم بلغماً صاعداً من الباطن، بالسعال أو التنحنح -ما لم يفحش البلغم- لا يفطر مطلقاً.‏
وفي نصوص المالكية: إن البلغم لا يفطر مطلقاً، ولو وصل اللسان، لمشقته.‏
وذهب الشافعية إلى تفصيل ذلك:‏
‏- إن اقتلع النخامة من الباطن، ولفظها فلا بأس بذلك في الأصح، لأن الحاجة إليه مما ‏يتكرر.‏
وفي قول: يفطر بها كالاستقاءة.‏
‏- ولو صعدت بنفسها، أو بسعاله، ولفظها لم يفطر جزماً.‏
‏- ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم أفطر جزماً.‏
‏- وإذا حصلت في ظاهر الفم، يجب قطع مجراها إلى الحلق، ومجها، فإن تركها مع ‏القدرة على ذلك، فوصلت إلى الجوف، أفطر في الأصح، لتقصيره.‏
وفي قول: لا يفطر، لأنه لم يفعل شيئاً، وإنما أمسك عن الفعل.‏
‏- ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم، أفطر جزماً.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه يحرم على الصائم بلع نخامة، إذا حصلت في فمه، ويفطر بها إذا ‏بلعها، سواء أكانت في جوفه أم صدره، بعد أن تصل إلى فمه، لأنها من غير الفم، فأشبه القيء، ‏ولأنه أمكن التحرز منها فأشبه الدم.‏

عاشراً: القيء:‏
يفرق بين ما إذا خرج القيء بنفسه، وبين الاستقاءة.‏
وعبر الفقهاء عن الأول، بما: إذا ذرعه القيء، أي غلب القيء الصائم.‏
فإذا غلب القيء، فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به، قلّ القيء أم كثر، بأن ملأ ‏الفم، وهذا لحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ‏ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض" رواه الترمذي.‏
ذهب الحنفية إلى أنه لو عاد القيء بنفسه، في هذه الحال، بغير صنع الصائم، ولو كان ‏ملء الفم، مع تذكر الصائم للصوم، فلا يفسد صومه، لعدم وجود الصنع منه، ولأنه لم توجد ‏صورة الفطر، وهي الابتلاع، وكذا معناه، لأنه لا يتغذى به عادة، بل النفس تعافه.‏
ومذهب المالكية: أن المفطر في القيء هو رجوعه، سواء أكان القيء لعلة أو امتلاء ‏معدة، قَلَّ أو كثر، تغير أولا، رجع عمداً أو سهواً، فإنه مفطر وعليه القضاء.‏
ومذهب الحنابلة: أنه لو عاد القيء بنفسه، لا يفطر لأنه كالمكره، ولو أعاده أفطر، كما ‏لو أعاد بعد انفصاله عن الفم.‏
‏- أما الاستقاءة وهي: استخراج ما في الجوف عمداً، أو هي: تكلف القيء فإنها مفسدة ‏للصوم موجبة للقضاء عند جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- مع اختلافهم في ‏الكفارة.‏
وذهب الحنفية إلى التفصيل في الاستقاءة:‏
أ- فإن كانت عمداً، والصائم متذكر لصومه، غير ناسٍ، والقيء ملء فمه، فعليه القضاء ‏للحديث المذكور، والقياس متروك به، ولا كفارة فيه لعدم صورة الفطر.‏
ب- وإن كان أقل من ملء الفم، لا يفسد، لعدم الخروج حكماً، هذا كله إذا كان القيء ‏طعاماً، أو مرة فإن كان الخارج بلغماً، فغير مفسد للصوم.‏

حادي عشر: طلوع الفجر في حالة الأكل أو الجماع:‏
اتفق الفقهاء على أنه إذا طلع الفجر وفي فيه طعام أو شراب فليلفظه، ويصح صومه. ‏فإن ابتلعه أفطر، وكذا الحكم عند الحنفية والشافعية والحنابلة فيمن أكل أو شرب ناسياً ثم تذكر ‏الصوم، صح صومه إن بادر إلى لفظه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة وإن سبق شيء إلى جوفه بغير اختياره، فلا يفطر.‏
وذهب المالكية إلى أنه إذا وصل شيء من ذلك إلى جوفه -ولو غلَبه- أفطر.‏
‏- وإذا نزع، وقطع الجماع عند طلوع الفجر في الحال.‏
فمذهب الحنفية والشافعية لا يفسد صومه، حتى لو أمنى بعد النزع، لا شيء عليه، ‏وصومه صحيح، لأنه كالاحتلام.‏
ومشهور مذهب المالكية: أنه لو نزع عند طلوع الفجر، وأمنى حال الطلوع -لاقبله ولا ‏بعده- فلا قضاء، لأن الذي بعده من النهار والذي قبله من الليل، والنزع ليس وطأ.‏
والقول الآخر للمالكية هو وجوب القضاء.‏
وسبب هذا الاختلاف عند المالكية هو أنه: هل يعد النزع جماعاً، أولا يعد جماعاً؟ ولهذا ‏قالوا: من طلع عليه الفجر -وهو بجامع- فعليه القضاء، وقيل: والكفارة.‏
ومذهب الحنابلة: أن النزع جماع، فمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال، مع ‏أول طلوع الفجر، فعليه القضاء والكفارة، لأنه يلتذ بالنزع، كما يلتذ بالإيلاج، كما لو استدام بعد ‏طلوع الفجر.‏
‏- ولو مكث بعد طلوع الفجر مجامعاً، بطل صومه، ولو لم يعلم بطلوعه.‏
وفي وجوب الكفارة في المكث والبقاء، في هذه الحال، خلاف:‏
فظاهر الرواية في مذهب الحنفية، والمذهب عند الشافعية عدم وجوب الكفارة، لأنها ‏تجب بإفساد الصوم، والصوم منتف حال الجماع فاستحال إفساده، فلم تجب الكفارة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:44 PM
‏20- مكروهات الصوم:‏

يكره للصائم بوجه عام -مع الخلاف- ما يلي:‏
أ- ذوق شيء بلا عذر، لما فيه من تعريض الصوم للفساد، ولو كان الصوم نفلاً، على ‏المذهب عند الحنفية، لأنه يحرم إبطال النفل بعد الشروع فيه، وظاهر إطلاق الكراهة يفيد أنها ‏تحريمية.‏
ومن العذر مضغ الطعام للولد، إذا لم تجد الأم منه بُدّاً، فلا بأس به، ويكره إذا كان لها ‏منه بدُّ.‏
وليس من العذر، ذوق اللبن والعسل لمعرفة الجيد منه والرديء عند الشراء، فيكره ذلك. ‏وكذا ذوق الطعام، لينظر اعتداله، ولو كان لصانع الطعام.‏
لكن نقل عن الإمام أحمد قوله: أحب إليّ أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل فلا بأس به، ‏بل قال بعض الحنابلة: إن المنصوص عنه: أنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، وإلا كره.‏
وإن وجد طعم المذوق في حلقه أفطر.‏

ب- ويكره مضغ العلك، الذي لا يتحلل منه أجزاء، فلا يصل منه شيء إلى الجوف.‏
ووجه الكراهة: اتهامه بالفطر، سواء أكان رجلاً أم امرأة، قال علي رضي الله تعالى ‏عنه: إياك وما يسبق إلى العقول إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره.‏
أما ما يتحلل منه أجزاء، فيحرم مضغه، ولو لم يبتلع ريقه، فإن تفتت فوصل شيء منه ‏إلى جوفه عمداً أفطر، وإن شك في الوصول لم يفطر.‏

ج- تكره القبلة إن لم يأمن على نفسه وقوع مفسد من الإنزال أو الجماع.‏

د- ويرى جمهور الفقهاء أن المباشرة والمعانقة ودواعي الوطء -كاللمس وتكرار النظر- ‏حكمها حكم القبلة فيما تقدم.‏
وخص الحنفية المباشرة الفاحشة، بالكراهة التحريمية، وهي -عندهم- أن يتعانقا، وهما ‏متجردان، ويمس فرجه فرجها. ونصوا على أن الصحيح أنها تكره، وإن أمن على نفسه الإنزال ‏والجماع، وكذلك القبلة الفاحشة، وهي: أن يمص شفتها، فيكره على الإطلاق.‏

هـ- الحجامة، وهي أيضاً مما يكره للصائم -في الجملة-، وهي استخراج الدم المحقن من ‏الجسم، مصاً أو شَرْطاً.‏
ومذهب الجمهور أنها لا تفطر الحاجم ولا المحجوم، ولكنهم كرهوها بوجه عام.‏
وقال الحنفية: لا بأس بها، إن أمن الصائم على نفسه الضعف، أما إذا خاف الضعف، ‏فإنها تكره.‏
وقال المالكية: إن المريض والصحيح، إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظنت، جازت ‏الحجامة لهما، وإن علم أو ظن عدم السلامة لهما حرمت لهما، وفي حالة الشك تكره للمريض، ‏وتجوز للصحيح.‏
قالوا: إن محل المنع إذا لم يخش بتأخيرها عليل هلاكاً أو شديد أذى، وإلا وجب فعلها ‏وإن أدت للفطر، ولا كفارة عليه.‏
وقال الشافعية: يستحب الاحتراز من الحجامة، من الحاجم والمحجوم، لأنها تضعفه.‏
ودليل عدم الإفطار بالحجامة، حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم" رواه البخاري.‏
ودليل كراهة الحجامة حديث ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة ‏للصائم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "لا، إلا من أجل الضعف" رواه البخاري.‏
ومذهب الحنابلة: أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم، لحديث رافع بن خديج -‏رضي الله عنه-، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه الترمذي.‏
‏- أما الفصد، فقد نص الحنفية علىكراهته، كالحجامة، وكراهة كل عمل شاق، وكل ما ‏يظن أنه يضعف عن الصوم، وكذلك صرح المالكية والشافعية بأن الفصادة كالحجامة.‏
وقال الحنابلة: لا فطر بفصد وشرط، ولا بإخراج دمه برعاف، لأنه لا نص فيه، ‏والقياس لا يقتضيه.‏

و- وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق في الصوم.‏
ففي المضمضة: بإيصال الماء إلى رأس الحلق، وفي الاستنشاق: بإيصاله إلى فوق ‏المارن.‏
وذلك لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "بالغ ‏في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" رواه الترمذي، وذلك خشية فساد صومه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:45 PM
‏21- مالا يكره في الصوم:‏

‏-لا يكره للصائم- ما يلي، مع الخلاف في بعضها:‏

أ- الاكتحال:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الاكتحال غير مكروه بل أجازوه، ونصوا على أنه لا ‏يفطر به الصائم ولو وجد طعمه في حلقه.‏
واحتجوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "اكتحل رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وهو صائم" رواه ابن ماجه.‏
ومذهب المالكية: في الاكتحال، فقالوا: إن كان لا يتحلل منه شيء لم يفطر، وإن تحلل ‏منه شيء أفطر.‏
وقال مالك إذا دخل حلقه، وعلم أنه قد وصل الكحل إلى حلقه، فعليه القضاء ولا كفارة ‏عليه. وإن تحقق عدم وصوله للحلق لا شيء عليه، كاكتحاله ليلاً وهبوطه نهاراً للحلق، لا شيء ‏عليه في شيء من ذلك.‏
ومذهب الحنابلة: إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه ويتحقق الوصول إليه فسد صومه، وهذا ‏الصحيح من المذهب. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم "أمر بالإثمد المروح عند النوم، ‏وقال: ليتقه الصائم" رواه أبو داود، ولأن العين منفذ، لكنه غير معتاد، وكالواصل من الأنف.‏

ب- التقطير في العين، ودهن الأجفان، أو وضع دواء مع الدهن في العين.‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التقطير في العين، ودهن الأجفان، أو وضع دواء مع ‏الدهن في العين لا يفسد الصوم، لأنه لا ينافيه وإن وجد طعمه في حلقه.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التقطير في العين مفسد للصوم إذا وصل إلى الحلق، ‏لأن العين منفذ وإن لم يكن معتاداً.‏

ج- دهن الشارب ونحوه، كالرأس والبطن، لا يفطر بذلك عند الحنفية والشافعية، ولو ‏وصل إلى جوفه بشرب المسام، لأنه لم يصل من منفذ مفتوح، ولأنه ليس فيه شيء ينافي الصوم.‏
ومذهب المالكية: من دهن رأسه نهاراً، ووجد طعمه في حلقه، أو وضع حناء في رأسه ‏نهاراً، فاستطعمها في حلقه، فالمعروف في المذهب وجوب القضاء.‏
والقاعدة عندهم: وصول مائع للحلق، ولو كان من غير الفم.‏

د- الاستياك، لا يرى الفقهاء بالاستياك بالعود اليابس أول النهار بأساً.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم كراهة الاستياك بعد الزوال، وذلك: لحديث عائشة ‏رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خير خصال الصائم ‏السواك" رواه ابن ماجه.‏
ولقول عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مالا ‏أحصي، يتسوك وهو صائم" رواه الترمذي.‏
وقد أطلقت هذه الأحاديث السواك، فيسن ولو كان رطباً، أو مبلولاً بالماء.‏
وشرط المالكية لجوازه أن لا يتحلل منه شيء، فإن تحلل منه شيء كره، وإن وصل إلى ‏الحلق أفطر.‏
وذهب الشافعية إلى سنية ترك السواك بعد الزوال، وإذا استاك فلا فرق بين الرطب ‏واليابس، بشرط أن يحترز عن ابتلاع شيء منه أو من رطوبته.‏
وذهب أحمد بن حنبل إلى ترك السواك بالعشي، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك الأذفر"(1) رواه البخاري.‏
وعن أحمد روايتان في الاستياك بالعود الرطب: إحداهما: الكراهة، والأخرى: أنه لا ‏يكره.‏

هـ- المضمضة والاستنشاق في غير الوضوء والغسل لا يكره ذلك ولا يفطر.‏
وقيده المالكية بما إذا كان لعطش ونحوه، وكرهوه لغير موجب، لأن فيه تغريراً ‏ومخاطرة، وذلك لاحتمال سبق شيء من الماء إلى الحلق، فيفسد الصوم حينئذ.‏
وفي الحديث عن عمر رضي الله تعالى عنه "أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ‏القبلة للصائم؟ فقال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس! قال: فمه" رواه ‏أبو داود.‏
ولأن الفم في حكم الظاهر، لا يبطل الصوم بالواصل إليه كالأنف والعين.‏
ذهب الحنابلة إلى إن المضمضة، إن كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه ونحوه، ‏فحكمه حكم المضمضة للطهارة، وإن كان عابثاً، أو مضمض من أجل العطش كره.‏
‏- ولا بأس أن يصب الماء على رأسه من الحر والعطش، لما روي عن بعض أصحاب ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج، ‏يصب الماء على رأسه وهو صائم، من العطش، أو من الحر" رواه أبو داود.‏
وكذا التلفف بثوب مبتل للتبرد ودفع الحر عند الحنفية لهذا الحديث، ولأن بهذه عوناً له ‏على العبادة، ودفعاً للضيق.‏

و- اغتسال الصائم، فلا يكره، ولا بأس به حتى للتبرد، عند الحنفية وذلك لما روي عن‏
‏(1) الجيد إلى الغاية.‏
عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما قالتا: "نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ‏ليصبح جنباً، من غير احتلام، ثم يغتسل ثم يصوم" رواه البخاري.‏
وأما الغوص في الماء، إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه، فلا بأس به، وكرهه بعض ‏الفقهاء حال الإسراف والتجاوز أو العبث، خوف فساد الصوم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:45 PM
الآثار المترتبة على الإفطار ‏

حصر الفقهاء الآثار المترتبة على الإفطار في أمور، منها: القضاء: والكفارة الكبرى، ‏والكفارة الصغرى (وهذه هي الفدية) والإمساك بقية النهار، وقطع التتابع، والعقوبة.‏

أولاً: القضاء:‏
من أفطر أياماً من رمضان -كالمريض والمسافر- قضى بعدة ما فاته، لأن القضاء يجب ‏أن يكون بعدة ما فاته، لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ‏‏185].‏
ومن فاته صوم رمضان كله، قضى الشهر كله، سواء ابتدأه من أول الشهر أو من أثنائه، ‏كأعداد الصلوات الفائتة. فالقضاء لما فات من رمضان بالعدد: فمن أفطر رمضان كله، وكان ‏ثلاثين، وقضاه في شهر بالهلال، وكان تسعة وعشرين يوماً، صام يوماً آخر. وإن فاته صوم ‏رمضان وهو تسعة وعشرون يوماً، وقضاه في شهر -وكان ثلاثين يوماً- فلا يلزمه صوم اليوم ‏الأخير، لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].‏
ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن يوم صيف، ويجوز عكسه، بأن يقضى يوم صيف عن ‏يوم شتاء، وهذا لعموم الآية المذكورة وإطلاقها.‏
‏- وهل قضاء رمضان يكون على التراخي؟
قيد الجمهور التراخي بما إذا لم يفت وقت قضائه، بان يهل رمضان آخر، لقول عائشة ‏رضي الله تعالى عنها "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في ‏شعبان، لمكان النبي صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري، كما لا يؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية.‏
ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر، من غير عذر يأثم به، ‏لحديث عائشة هذا، فإن أخر فعليه الفدية: إطعام مسكين لكل يوم، لما روي عن ابن عباس وابن ‏عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر: ‏عليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم.‏
وهذه الفدية للتأخير، أما فدية المرضع ونحوها فلفضيلة الوقت، وفدية الهرم لأصل ‏الصوم، ويجوز الإطعام قبل القضاء ومعه وبعده.‏
ومذهب الحنفية، إطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء رمضان آخر، ولم يقض الفائت، قدم ‏صوم الأداء على القضاء، حتى لو نوى الصوم عن القضاء لم يقع إلا عن الأداء، ولا فدية عليه ‏بالتأخير إليه، لإطلاق النص، وظاهر قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].‏
وعند غير الحنفية يحرم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، ولا يصح تطوعه بالصوم ‏قبل قضاء رمضان، ولا يصح تطوعه بالصوم قبل قضاء ما عليه من رمضان، بل يبدأ بالفرض ‏حتى يقضيه، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض، لأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخر ‏الأولى عن الثانية، كالصلوات المفروضة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:45 PM
مسائل تتعلق بالقضاء:‏
الأولى:‏
إن أخر قضاء رمضان -وكذا النذر والكفارة - لعذر، بأن استمر مرضه أو سفره المباح ‏إلى موته، ولم يتمكن من القضاء، فلا شيء عليه، ولا تدارك للغائب بالفدية ولا بالقضاء، لعدم ‏تقصيره، ولا إثم به، لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت، فسقط حكمه، كالحج، ولأنه يجوز ‏تأخير رمضان بهذا العذر أداء، فتأخير القضاء أولى.‏
وسواء استمر العذر إلى الموت، أم حصل الموت في رمضان، ولو بعد زوال العذر.‏
الثانية:‏
لو أفطر بعذر واتصل العذر بالموت فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يصام عنه ولا كفارة ‏فيه، لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه، كالحج.‏
‏- أما إذا زال العذر وتمكن من القضاء، ولم يقض حتى مات ففيه تفصيل:‏
فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب، وهو الأصح عند ‏الشافعية) إلى أنه لا يصام عنه، لأنه الصوم واجب بأصل الشرع لا يقضى عنه، لأنه لا تدخله ‏النيابة في الحياة فكذلك بعد الممات كالصلاة.‏
وذهب الشافعية في قول والحنابلة إلى أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، زاد الشافعية: ‏ويصح ذلك، ويجزئه عن الإطعام، وتبرأ به ذمة الميت ولا يلزم الولي الصوم بل هو إلى خيرته، ‏لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صيام صام عنه ‏وليه" رواه البخاري ومسلم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:45 PM
أما في وجوب الفدية فقد اختلفوا فيه على النحو التالي:‏
ذهب الحنفية: لو أخر قضاء رمضان بغير عذر، ثم مات قبل رمضان آخر أو
بعده، ولم يقض لزمه الإيصاء بكفارة ما أفطره بقدر الإقامة من السفر والصحة من المرض ‏وزوال العذر، ولا يجب الإيصاء بكفارة ما أفطره على من مات قبل زوال العذر.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام.‏
وذهب الحنابلة في المذهب إلى الإطعام عنه لكل مسكيناً.‏
والظاهر من مذهب المالكية: وجوب مد عن كل يوم أفطره إذا فرّط، بأن كان صحيحاً ‏مقيماً خالياً من الأعذار.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:46 PM
ثانياً: الكفارة الكبرى:‏
ثبتت الكفارة الكبرى بالنص في حديث الأعرابي الذي واقع زوجته في نهار رمضان.‏
ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها بإفساد الصوم بالوقاع في الجملة، وإنما الخلاف في ‏وجوبها بإفساده بالطعام والشراب: فتجب -في الجملة أيضاً- بإفساد صوم رمضان خاصة، طائعاً ‏متعمداً غير مضطر، قاصداً انتهاك حرمة الصوم، من غير سبب مبيح للفطر.‏
وقال الحنفية: إنما يكفّر إذا نوى الصيام ليلاً، ولم يكن مكرهاً، ولم يطرأ مسقط، كمرض ‏وحيض.‏
فلا كفارة في الإفطار في غير رمضان، ولا كفارة على الناسي والمكره ولا على النفساء ‏والحائض والمجنون، ولا على المريض والمسافر، ولا على المرهق بالجوع والعطش، ولا على ‏الحامل، لعذرهم ... ولا على المرتد، لأنه هتك حرمة الإسلام، لا حرمة الصيام خصوصاً.‏
فتجب بالجماع عمداً، لا ناسياً - خلافاً لأحمد.‏
وتجب بالأكل والشرب عمداً، خلافاً للشافعي وأحمد، وتقدمت موجبات أخرى مختلف ‏فيها، كالإصباح بنية الفطر ورفض النية نهاراً والاستقاء العامد، وابتلاع ما لا يغذي عمداً.‏
أما خصال الكفارة فهي: العتق والصيام والإطعام، وهذا بالاتفاق بين الفقهاء، لحديث أبي ‏هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه ‏رجل، فقال: يا رسول الله هلكت قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ‏قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا ‏نحن على ذلك، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ(1) فيها تمر، قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: ‏خذ هذا فتصدق به فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- ‏أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه ‏أهلك".‏
‏________________________‏
‏(1) مكتل في خوص النخل يسع خمسة عشر صاعاً. والصاع أربعة أمداد، فهي ستون مداً.‏


وفي الحديث دلالة قوية على الترتيب.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:46 PM
ثالثاً: الفدية:‏
أما الفدية: فالكلام في حكمها، وسببها، وتكررها بتكرر السنين:‏
فحكم الفدية: الوجوب، لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: ‏‏184] أي على الذين يتحملون الصوم بمشقة شديدة الفدية.‏
والفدية عند الحنفية: نصف صاع من بر أي قيمته، بشرط دوام عجز الفاني والفانية إلى ‏الموت.‏
وعند الجمهور: ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم، بقدر ما فاته من الأيام.‏
وسببها:‏
‏1- العجز عن الصيام، فتجب باتفاق الفقهاء على من لا يقدر على الصوم بحال، وهو ‏الشيخ الكبير والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ‏ويطعما لكل يوم مسكيناً، للآية السابقة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: ‏‏184] وقول ابن عباس: "نزلت رخصة للشيخ الكبير. ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط ‏إلى الكفارة كالقضاء. والشيخ الهرم له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلا شيء ‏عليه، و{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].‏
وقال الحنفية: يستغفر الله سبحانه، ويستقبله أي يطلب منه العفو عن تقصيره في حقه.‏
وأما المريض إذا مات فلا يجب الإطعام عنه، لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ‏ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعل، حتى مات، لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال ‏الحياة.‏
‏2- وتجب الفدية أيضاً بالاتفاق على المريض الذي لا يرجى برؤه، لعدم وجوب الصوم ‏عليه، كما بينا، لقوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].‏
‏3- وتجب الفدية كذلك عند الجمهور (غير الحنفية) مع القضاء على الحامل والمرضع ‏إذا خافتا على ولدهما، أما إن خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء فقط، بالاتفاق. ‏ودليلهم الآية السابقة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ..} وهما داخلتان في عموم الآية، قال ابن ‏عباس: "كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما ‏مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا" رواه أبو ‏داود، ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة، فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا تجب عليهما الفدية مطلقاً، لحديث أنس بن مالك الكعبي: "إن الله ‏وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم -أو الصيام- والله لقد قالهما ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما أو كليهما" رواه الترمذي. فلم يأمر بكفارة، ولأنه فطر ‏أبيح لعذر، فلم يجب به كفارة كالفطر للمرضى.‏
‏4- وتجب الفدية أيضاً مع القضاء عند الجمهور (غير الحنفية) على من فرط في قضاء ‏رمضان، فأخره حتى جاء رمضان آخر مثله بقدر ما فاته من الأيام، قياساً على من أفطر متعمداً، ‏لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم، ولا تجب على من اتصل عذره من مرض أو سفر أو جنون ‏أو حيض أو نفاس.‏
تكرر الفدية: ولا تتكرر الفدية عند المالكية والحنابلة بتكرر الأعوام وإنما تتداخل ‏كالحدود، والأصح في رأي الشافعية: أنها تتكرر بتكرر السنين، لأن الحقوق المالية لا تتداخل.‏
وقال الحنفية: لا فدية بالتأخير إلى رمضان آخر، لإطلاق النص القرآني. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ‏مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فكان وجوب القضاء على التراخي، حتى كان له أن ‏يتطوع، فلا يلزمه بالتأخير شيء ولأنه لا يجوز القياس في الكفارات، غير أنه تارك للأولى من ‏المسارعة في القضاء.‏
وأما قطع التتابع: فهو عند المالكية لمن أفطر متعمداً في صيام النذر والكفارات ‏المتتابعات كالقتل والظهار، فيستأنف، بخلاف من قطع الصوم ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدة، ‏فإنه يبني على ما كان معه.‏
وذهب بقية المذاهب الأخرى خلاف المالكية.‏
وأما قطع النية: فإنها تنقطع بإفساد الصوم أو تركه مطلقاً لعذر أو لغير عذر، ولزوال ‏انحتام الصوم كالسفر، وإن صام فيه، وإنما ينقطع استصحابها حكماً. وهذا عند المالكية الذين ‏يكتفون بنية واحدة أو شهر رمضان.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:46 PM
رابعاً: الإمساك لحرمة شهر رمضان:‏
من لوازم الإفطار في رمضان: الإمساك لحرمة الشهر.‏
فالحنفية وضعوا أصلين لهذا الإمساك:‏
أولهما: أن كل من صار في آخر النهار بصفة، لو كان في أول النهار عليها للزمه ‏الصوم، فعليه الإمساك.‏
ثانيهما: كل من وجب عليه الصوم، لوجود سبب الوجوب والأهلية، ثم تعذر عليه ‏المضي، بأن أفطر متعمداً، أو أصبح يوم الشك مفطراً، ثم تبين أنه من رمضان، أو تسحر على ‏ظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين طلوعه، فإنه يجب عليه الإمساك تشبهاً لأن الفطر قبيح، وترك ‏القبيح واجب شرعاً.‏
وأجمع الحنفية على أنه لا يجب على الحائض والنفساء والمريض والمسافر هذا ‏الإمساك.‏
وأجمعوا على وجوبه على من أفطر عمداً، أو خطأ، أو أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من ‏رمضان، وكذا على مسافر أقام، وحائض ونفساء طهرتا، ومجنون أفاق، ومريض صح، ومفطر ‏ولو مكرهاً أو خطأ، وصبي بلغ، وكافر أسلم.‏
وقال المالكية: وأما إمساك بقية اليوم، فيؤمر به من أفطر في رمضان خاصة، عمداً أو ‏نسياناً، لا من أفطر لعذر مبيح ثم زال العذر مع العلم برمضان، فإنه لا يندب له الإمساك، كمن ‏اضطر للفطر في رمضان، من شدة جوع أو عطش فأفطر، وكحائض ونفساء طهرتا نهاراً، ‏ومريض صح نهاراً، ومرضع مات ولدها، ومسافر قدم، ومجنون أفاق، وصبي بلغ نهاراً، فلا ‏يندب الإمساك منهم.‏
وقيد العلم برمضان، احتراز عمن أفطر ناسياً، وعمن أفطر يوم الشك ثم ثبت أنه من ‏رمضان، فإنه يجب الإمساك، كصبي بيّت الصوم، واستمر صائماً حتى بلغ، فإنه يجب عليه ‏الإمساك، لانعقاد صومه له نافلة، أو أفطر ناسياً قبل بلوغه فيجب عليه بعد الإمساك، وإن لم ‏يجب القضاء على الصبي في هاتين الصورتين.‏
ونصوا كذلك على أن من أكره على الفطر، فإنه يجب عليه الإمساك، بعد زوال الإكراه ‏قالوا : لأن فعله قبل زوال العذر، لا يتصف بإباحة ولا غيرها.‏
ونصوا على أنه يندب إمساك بقية اليوم لمن أسلم، لتظهر عليه علامة الإسلام بسرعة، ‏ولم يجب، تأليفاً له للإسلام، كما ندب قضاؤه، ولم يجب لذلك.‏
وذهب الشافعية إلى أن نصوا على أن الإمساك تشبهاً من خواص رمضان، كالكفارة، ‏وأن من أمسك تشبهاً ليس في صوم وضعوا هذه القاعدة، وهي: أن الإمساك يجب على كل متعدٍ ‏بالفطر في رمضان، سواء أكل أو ارتد أو نوى الخروج من الصوم -وقلنا إنه يخرج بذلك- كما ‏يجب على من نسي النية من الليل، وهو غير واجب على من أبيح له الفطر إباحة حقيقية، ‏كالمسافر إذا قدم، والمريض إذا برئ بقية النهار.‏
ونظروا بعد ذلك في هذه الأحوال:‏
‏- المريض والمسافر، اللذان يباح لهما الفطر، لهما ثلاثة أحوال:‏
الأولى: أن يصبحا صائمين، ويدوما كذلك إلى زوال العذر، فالمذهب لزوم إتمام الصوم.‏
الثانية: أن يزول العذر بعدما أفطر، فلا يجب الإمساك، لكن يستحب لحرمة الوقت فإن ‏أكلا أخفياه، لئلا يتعرضا للتهمة وعقوبة السلطان، ولهما الجماع بعد زوال العذر، إذا لم تكن ‏المرأة صائمة، بأن كانت صغيرة، أو طهرت من الحيض ذلك اليوم.‏
الثالثة: أن يصبحا غير ناويين، ويزول العذر قبل أن يأكلا، ففي المذهب قولان: لا ‏يلزمهما الإمساك في المذهب، لأن من أصبح تاركاً للنية فقد أصبح مفطراً، فكان كما لو أكل ‏وقيل: يلزمهما الإمساك حرمة لليوم.‏
وإذا اصبح يوم الشك مفطراً غير صائم، ثم ثبت أنه من رمضان، فقضاؤه واجب ويجب ‏إمساكه.‏
أما لو بان أنه من رمضان قبل الأكل فعليه لزوم الإمساك.‏
وإذا بلغ صبي مفطراً أو أفاق مجنون، أو أسلم كافر أثناء يوم من رمضان ففيه أوجه : ‏أصحها أنه لا يلزمهم إمساك بقية النهار لأنه يلزمهم قضاؤه.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:47 PM
‏23- صوم المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان:‏

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من اشتبهت عليه الشهور لا يسقط عنه صوم رمضان، بل ‏يجب لبقاء التكليف وتوجه الخطاب.‏
فإذا أخبره الثقات بدخول شهر الصوم عن مشاهدة أو علم وجب عليه العمل بخبرهم، ‏وإن أخبروه عن اجتهاد منهم، فلا يجب عليه العمل بذلك، بل يجتهد بنفسه في معرفة الشهر بما ‏يغلب على ظنه، ويصوم مع النية ولا يقلّد مجتهداً مثله.‏
فإن صام المحبوس المشتبه عليه بغير تحرّ ولا اجتهاد ووافق الوقت لم يجزئه، وتلزمه ‏إعادة الصوم لتقصيره وتكره الاجتهاد الواجب باتفاق الفقهاء، وإن اجتهد وصام فلا يخلو الأمر ‏من خمسة أحوال:‏
‏- الحال الأولى: استمرار الإشكال وعدم انكشافه له، بحيث لا يعلم أن صومه صادف ‏رمضان أو تقدم أو تأخر، فهذا يجزئه صومه ولا إعادة عليه في قول الحنفية والشافعية ‏والحنابلة، والمعتمد عند المالكية، لأنه بذل وسعه ولا يكلف بغير ذلك، كما لو صلى في يوم ‏الغيم بالاجتهاد.‏
وقال بعض المالكية: لا يجزيه الصوم، لاحتمال وقوعه قبل وقت رمضان.‏
‏- الحال الثانية: أن يوافق صوم المحبوس شهر رمضان فيجزيه ذلك عند جمهور ‏الفقهاء، قياساً على من اجتهد في القبلة، ووافقها.‏
‏ وقال بعض المالكية: لا يجزيه لقيامه على الشك، لكن المعتمد الأول.‏
‏- الحال الثالثة: إذا وافق صوم المحبوس ما بعد رمضان فيجزيه عند جماهير الفقهاء، ‏إلا بعض المالكية كما تقدم آنفاً.‏
واختلف القائلون بالإجزاء: هل يكون صومه أداء أو قضاء؟ وجهان، وقالوا: إن وافق ‏بعض صومه أياماً يحرم صومها كالعيدين والتشريق يقضيها.‏
‏- الحال الرابعة: وهي وجهان:‏
الوجه الأول: إذا وافق صومه ما قبل رمضان وتبين له ذلك ولماّ يأت رمضان لزمه ‏صومه إذا جاء بلا خلاف، لتمكنه منه في وقته.‏
الوجه الثاني: إذا وافق صومه ما قبل رمضان ولم يتبيّن له ذلك إلا بعد انقضائه ففي ‏إجزائه قولان:‏
القول الأول: لا يجزيه عن رمضان بل يجب عليه قضاؤه، وهذا مذهب المالكية ‏والحنابلة، والمعتمد عند الشافعية.‏
القول الثاني: يجزئه عن رمضان، كما لو اشتبه على الحجاج يوم عرفة فوقفوا قبله، وهو ‏قول بعض الشافعية.‏
‏- الحال الخامسة: أن يوافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض، فما وافق ‏رمضان أو بعده أجزأه، وما وافق قبله لم يجزئه، ويراعى في ذلك أقوال الفقهاء المتقدمة.‏
والمحبوس إذا صام تطوعاً أو نذراً فوافق رمضان لم يسقط عنه صومه في تلك السنة، ‏لانعدام نية صوم الفريضة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية.‏
وقال الحنفية: إن ذلك يجزيه ويسقط عنه الصوم في تلك السنة، لأن شهر رمضان ‏ظرف لا يسع غير صوم فريضة رمضان، فلا يزاحمها التطوع والنذر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:47 PM
صَوْمُ التَّطوُّعِ

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:48 PM
‏1- التعريف:‏
الصوم لغة: مطلق الإمساك.‏
واصطلاحاً: إمساك عن المفطرات حقيقة أو حكماً في وقت مخصوص من شخص ‏مخصوص مع النية.‏
والتطوع اصطلاحاً: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات.‏
وصوم التطوع: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من الصوم.‏

‏2- فضل صوم التطوع:‏
ورد في فضل صوم التطوع أحاديث كثيرة، منها: حديث سهل -رضي الله تعالى عنه- ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم ‏القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم. فيقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم. فإذا ‏دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد" متفق عليه.‏
ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صام يوماً في سبيل الله باعد ‏الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفاً" رواه البخاري ومسلم.‏

‏3-أنواع صوم التطوع:‏
قسّم الحنفية صوم التطوع إلى مسنون، ومندوب، ونفل.‏
فالمسنون: عاشوراء مع تاسوعاء.‏
والمندوب: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم الإثنين والخميس، وصوم ست من ‏شوال، وكل صوم ثبت طلبه والوعد عليه: كصوم داود عليه الصلاة والسلام، ونحوه.‏
والنفل: ما سوى ذلك مما لم تثبت كراهته.‏
وقسم المالكية -أيضاً- صوم التطوع إلى ثلاثة أقسام: سنة، ومستحب، ونافلة.‏
فالسنة: صيام يوم عاشوراء.‏
والمستحب: صيام الأشهر الحرم، وشعبان، والعشر الأول من ذي الحجة، ويوم عرفة، ‏وستة أيام من شوال، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم الإثنين والخميس.‏
والنافلة: كل صوم لغير وقت ولا سبب، في غير الأيام التي يجب صومها أو يمنع.‏
وعند الشافعية والحنابلة: صوم التطوع والصوم المسنون بمرتبة واحدة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:48 PM
‏4- أحكام النية في صوم التطوع:‏

أ- وقت النية:‏
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يشترط تبييت النية في ‏صوم التطوع، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذاً صائم" رواه مسلم.‏
وذهب المالكية إلى أنه يشترط في نية صوم التطوع التبييت كالفرض. لقول النبي صلى ‏الله عليه وسلم: "من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له" رواه أبو داود، فلا تكفي النية بعد ‏الفجر، لأن النية: القصد، وقصد الماضي محال عقلاً.‏
واختلف جمهور الفقهاء في آخر وقت نية التطوع.‏
فذهب الحنفية: إلى أن آخر وقت نية صوم التطوع الضحوة الكبرى.‏
والمراد بها: نصف النهار الشرعي.‏
والنهار الشرعي: من استطارة الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس، ونصوا على ‏أنه لا بد من وقوع النية قبل الضحوة الكبرى، فلا تجزئ النية عند الضحوة الكبرى اعتباراً لأكثر ‏اليوم.‏
وذهب الشافعية: إلى أن آخر وقت نية صوم التطوع قبل الزوال، واختص بما قبل ‏الزوال لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة يوماً: "هل عندكم شيء؟ قالت: لا. ‏قال: فإني إذاً صائم" رواه مسلم. إذ الغداء اسم لما يؤكل قبل الزوال، والعشاء اسم لما يؤكل بعده، ‏ولأنه مضبوط بَيِّن، ولإدراك معظم النهار به كما في ركعة المسبوق.‏
وذهب الحنابلة: إلى امتداد وقت النية إلى ما بعد الزوال، قالوا: إنه قول معاذ وابن ‏مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- ما يخالفة صريحاً، ولأن النية ‏وجدت في جزء النهار، فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة.‏
ويشترط لصحة نية النفل في النهار: ان لا يكون فعل ما يفطره قبل النية، فإن فعل فلا ‏يجزئه الصوم حينئذ.‏

ب- تعيين النية:‏
اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط في نية صوم التطوع التعيين، فيصح صوم التطوع ‏بمطلق النية.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:49 PM
‏5- ما يستحب صيامه من الأيام:‏

أ- صوم يوم وإفطار يوم:‏
من صيام التطوع صوم يوم وإفطار يوم، وهو أفضل صيام التطوع، لقول النبي صلى ‏الله عليه وسلم: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود: ‏كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً" ولقول النبي صلى الله ‏عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنها: "صم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود عليه ‏السلام، وهو أفضل الصيام، فقال عبد الله بن عمرو إني أطيق أفضل من ذلك. فقال النبي صلى ‏الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك" رواه البخاري.‏

ب- صوم عاشوراء وتاسوعاء:‏
اتفق الفقهاء على سنية صوم عاشوراء وتاسوعاء -وهما: اليوم العاشر، والتاسع من ‏المحرم- لقول النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء: "أحتسب على الله أن يكفر السنة ‏التي قبله" رواه مسلم، ولحديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ‏يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء ‏فليفطر" رواه البخاري.‏
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" رواه مسلم.‏
وقد كان صوم يوم عاشوراء فرضاً في الإسلام، ثم نسخت فرضيته بصوم رمضان، ‏فخيرَّ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في صومه.‏
وصوم يوم عاشوراء -كما سبق في الحديث الشريف- يكفر ذنوب سنة ماضية. والمراد ‏بالذنوب: الصغائر.‏
وصرح الحنفية: بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التاسع، أو عن الحادي عشر.‏
وصرح الحنابلة: بأنه لا يكره إفراد عاشوراء بالصوم، وهذا ما يفهم من مذهب المالكية.‏
وذكر العلماء في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً:‏
أحداهما: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر، وهو مروي عن ابن ‏عباس رضي الله عنهما فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صوموا يوم ‏عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً" رواه أحمد.‏
الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم، كما نهى أن يصوم يوم الجمعة وحده.‏
الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط، فيكون التاسع في ‏العدد هو العاشر في نفس الأمر.‏
واستحب الحنفية والشافعية صوم الحادي عشر، إن لم يصم التاسع. ‏

ج- صوم يوم عرفة:‏
اتفق الفقهاء على استحباب صوم يوم عرفة لغير الحاج -وهو: اليوم التاسع من ذي ‏الحجة- وصومه يكفر سنتين: سنة ماضية، وسنة مستقبلة، روى أبو قتادة -رضي الله تعالى عنه- ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، ‏والسنة التي بعده" رواه مسلم.‏
وهو أفضل الأيام لحديث مسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من ‏يوم عرفة" رواه مسلم.‏
وذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى عدم استحبابه للحاج، ولو ‏كان قوياً، وصومه مكروه له عند المالكية والحنابلة، وخلاف الأولى عند الشافعية، لما روت أم ‏الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما "أنها أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن، وهو ‏واقف على بعيرة بعرفة، فشرب"رواه البخاري وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه حج مع ‏النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلم يصمه أحد منهم" رواه الترمذي، ‏لأنه يضعفه عن الوقوف والدعاء، فكان تركه أفضل، وقيل لأنهم أضياف الله وزواره.‏
وقال الشافعية: ويسنّ فطره للمسافر والمريض مطلقاً، وقالوا : يسن صومه لحاج لم ‏يصل عرفة إلا ليلاً، لفقد العلة.‏
وذهب الحنفية إلى استحبابه للحاج -أيضاً- إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخل ‏بالدعوات، فأن أضعفه كره له الصوم.‏

د- صوم الثمانية من ذي الحجة:‏
اتفق الفقهاء على استحباب صوم الأيام الثمانية التيمن أول ذي الحجة قبل يوم عرفة، ‏لحديث ابن عباس: رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله ‏من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في ‏سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء" رواه البخاري.‏
قال الحنابلة: وآكده: الثامن، وهو يوم التروية.‏
وصرح المالكية: بأن صوم يوم التروية يكفر سنة ماضية.‏
وصرح المالكية، والشافعية: بأنه يسن صوم هذه الأيام للحاج أيضاً. واستثنى المالكية ‏من ذلك صيام يوم التروية للحاج.‏
‏ ‏
هـ- صوم ستة أيام من شوال:‏
ذهب جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، والحنابلة ومتأخرو الحنفية- إلى أنه يسن ‏صوم ستة أيام من شوال بعد صوم رمضان، لما روى أبو أيوب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر" رواه ‏مسلم، وعن ثوبان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صيام شهر ‏رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعدهن بشهرين، فذلك تمام السنة" رواه الدارقطني، يعني: أن ‏الحسنة بعشرة أمثالها: الشهر بعشرة أشهر، والأيام الستة بستين يوماً، فذلك سنة كاملة.‏
وصرح الشافعية والحنابلة: بأن صوم ستة أيام من شوال -بعد رمضان- يعدل صيام سنة ‏فرضاً، وإلا فلا يختص ذلك برمضان وستة من شوال، لأن الحسنة بعشرة أمثالها.‏
قال الحنفية ومحل الكراهة أن يصوم يوم الفطر، ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر ‏يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه، بل هو مستحب وسنة.‏
وقاله المالكية: يكره المالكية صومها لمقتدى به، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها، إن ‏صامها متصلة برمضان متتابعة وأظهرها، أو كان يعتقد سنية اتصالها، فإن انتفت هذه القيود ‏استحب صيامها.‏
وصرح الشافعية، والحنابلة: بأنه لا تحصل الفضيلة بصيام الستة في غير شوال، ‏وتفوت بفواته، لظاهر الأخبار.‏
ومذهب الشافعية: استحباب صومها لكل أحد، سواء أصام رمضان أم لا، كمن أفطر ‏لمرض أو كُفْر أو غير ذلك.‏
وعند الحنابلة: لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان.‏
وذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى أفضلية تتابعها عقب العيد مبادرة إلى العبادة، ولما ‏في التأخير من الآفات.‏
ذهب الحنابلة إلى عدم التفريق بين التتابع والتفريق في الأفضلية.‏
وذهب الحنفية: إلى استحباب الستة متفرقة: كل أسبوع يومان.‏
وذهب المالكية إلى كراهة صومها متصلة برمضان متتابعة، ونصوا على حصول ‏الفضيلة ولو صامها في غير شوال، بل استحبوا صيامها في عشر ذي الحجة، ذلك أن محل ‏تعيينها في الحديث في شوال على التخفيف في حق المكلف، لاعتياده الصيام، لا لتخصيص ‏حكمها بذلك.‏
وإنما قال الشارع: (من شوال) للتخفيف باعتبار الصوم، لا تخصيص حكمها بذلك ‏الوقت، فلا جرم إن فعلها في عشر ذي الحجة مع ما روي في فضل الصيام فيه أحسن، لحصول ‏المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة. بل فعلها في ذي القعدة حسن أيضاً: والحاصل: أن كل ‏ما بعد زمنه كثر ثوابه لشدة المشقة.‏

و- صوم ثلاثة أيام من كل شهر:‏
اتفق الفقهاء على أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر.‏
وذهب الجمهور منهم -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى استحباب كونها الأيام البيض -‏وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي- سميت بذلك لتكامل ضوء ‏الهلال وشدة البياض فيها، لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ‏‏"يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" ‏رواه الترمذي.‏
وذهب الشافعية إلى أن والأحوط صوم الثاني عشر معها -أيضاً-، للخروج من خلاف من ‏قال: إنه أول الثلاثة، ويستثنى ثالث عشر ذي الحجة فلا يجوز صومه لكونه من أيام التشريق. ‏فيبدل بالسادس عشر منه.‏
وذهب المالكية إلى كراهة صوم الأيام البيض، فراراً من التحديد، ومخافة اعتقاد ‏وجوبها. ومحل الكراهة: إذا قصد صومها بعينها، واعتقد أن الثواب لا يحصل إلا بصومها ‏خاصة. وأما إذا قصد صيامها من حيث إنها ثلاثة أيام من الشهر فلا كراهة.‏
وصوم ثلاثة أيام من كل شهر كصوم الدهر، بمعنى: أنه يحصل بصيامها أجر صيام ‏الدهر بتضعيف الأجر: الحسنة بعشرة أمثالها. لحديث قتادة بن ملحان رضي الله عنه: "كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس ‏عشرة. قال: قال: وهن كهيئة الدهر" رواه أبو داود، أي كصيام الدهر.‏

ز- صوم الإثنين والخميس من كل أسبوع:‏
اتفق الفقهاء على استحباب صوم يوم الإثنين والخميس من كل أسبوع.‏
لما روى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ‏يوم الإثنين والخميس. فسئل عن ذلك؟ فقال: "إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين والخميس" ‏رواه أبو داود، وفي رواية النسائي "وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم"، ولما ورد من حديث ‏أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الإثنين فقال: "فيه ‏ولدت، وفيه أنزل علي" رواه مسلم.‏

ح- صوم الأشهر الحرم: ‏
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية- إلى استحباب صوم الأشهر الحرم.‏
وصرح المالكية والشافعية بأن أفضل الأشهر الحرم: المحرم، ثم رجب، ثم باقيها: ذو ‏القعدة وذو الحجة. والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والأصل في ذلك قول النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل ‏الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم" رواه مسلم.‏
وذهب الحنفية: إلى أنه من المستحب أن يصوم الخميس والجمعة والسبت من كل شهر ‏من الأشهر الحرم.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه يسن صوم شهر المحرم فقط من الأشهر الحرم.‏
وذكر بعضهم استحباب صوم الأشهر الحرم، لكن الأكثر لم يذكروا استحبابهن بل نصوا ‏على كراهة إفراد رجب بالصوم، لما روى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب" رواه ابن ماجه. ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه. ‏وتزول الكراهة بفطره فيه ولو يوماً، أو بصومه شهراً آخر من السنة وإن لم يل رجباً.‏

ط- صوم شهر شعبان:‏
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية- إلى استحباب صوم شهر شعبان، ‏لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ‏صياماً منه في شعبان" رواه البخاري. وعنها قالت: "كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم أن يصومه شعبان، بل كان يصله برمضان" رواه النسائي.‏
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل ‏صيام شهر قط إلا رمضان" متفق عليه. قال العلماء: وإنما لم يستكمل ذلك لئلا يظن وجوبه.‏
وذهب الحنابلة إلى عدم استحباب صوم شعبان، وذلك في قول الأكثر.‏

ي- صوم يوم الجمعة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه لا بأس عند الحنفية بصوم يوم الجمعة بانفراده.‏
‏_وذهب المالكية: إلى ندبه، لما روى عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه كان ‏يصومه ولا يفطر.‏
وقال بعض الحنفية: جاء حديث في كراهته إلا أن يصوم قبله وبعده، فكان الاحتياط أن ‏يضم إليه يوماً آخر، وثبت بالسنة طلبه والنهي عنه، والآخر منهما النهي، لأن فيه وظائف، فلعله ‏إذا صام ضعف عن فعلها.‏
ومحل النهي عند المالكية هو مخافة فرضيته، وقد انتفت هذه العلة بوفاة النبي صلى الله ‏عليه وسلم.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، لحديث: "لا يصم أحدكم ‏يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله أو بعده" رواه البخاري ومسلم، وليتقوى بفطره على الوظائف ‏المطلوبة فيه، أو لئلا يبالغ في تعظيمه كاليهود في السبت، ولئلا يعتقد وجوبه، ولأنه يوم عيد ‏وطعام .‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:49 PM
‏6- حكم الشروع في صوم التطوع:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى لزوم صوم التطوع بالشروع فيه، وأنه يجب على الصائم ‏المتطوع إتمامه إذا بدأ فيه، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم فليجب، ‏فإن كان صائماً فليُصَلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم" رواه مسلم قوله: فليُصَلِّ: أي فلْيَدْعُ. ثبت هذا ‏عنه عليه الصلاة والسلام، ولو كان الفطر جائزاً لكان الأفضل الفطر، لإجابة الدعوة التي هي ‏السنة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم لزوم صوم التطوع بالشروع فيه، ولا يجب على ‏الصائم تطوعاً إتمامه إذا بدأ فيه، وله قطعه في أي وقت شاء، لما روت عائشة رضي الله تعالى ‏عنها قالت: "قلت: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: "أرنيه، فلقد أصبحت صائماً" فأكل رواه ‏مسلم. وزاد النسائي "إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء ‏أمضاها، وإن شاء حبسها". ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أمين نفسه، إن ‏شاء صام، وإن شاء أفطر" رواه الترمذي.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:49 PM
‏7- إفساد صوم التطوع وما يترتب عليه:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى حرمة إفساد صوم التطوع لغير عذر.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى كراهة قطعه بلا عذر، واستحباب إتمامه لظاهر قوله ‏تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه.‏
ومن الأعذار التي ذكرها الحنفية والمالكية لجواز الفطر: الحلف على الصائم بطلاق ‏امرأته إن لم يفطر، فحينئذ يجوز له الفطر، بل نص الحنفية على ندب الفطر دفعاً لتأذي أخيه ‏المسلم، لكن الحنفية قيدوا جواز الفطر إلى ما قبل نصف النهار أما بعده فلا يجوز.‏
وكذلك من الأعذار عند الحنفية: الضيافة للضيف والمضيف إن كان صاحبها ممن لا ‏يرضى بمجرد الحضور، وكان الصائم يتأذى بترك الإفطار، شريطة أن يثق بنفسه بالقضاء.‏
وقيد المالكية جواز الفطر بالحلف بالطلاق بتعلق قلب الحالف بمن حلف بطلاقها، بحيث ‏يخشى أن لا يتركها إن حنث، فحينئذ يجوز للمحلوف عليه الفطر، ولا قضاء عليه أيضاً.‏
ومن الأعذار -أيضاً-: أمر أحد أبويه له بالفطر. ‏
وقيد الحنفية جواز الإفطار بما إذا كان أمر الوالدين إلى العصر لا بعده، ووجهه أن ‏قرب وقت الإفطار يرفع ضرر الانتظار.‏
وألحق المالكية بالأبوين: الشيخ في السفر، الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، ومثله ‏عندهم: شيخ العلم الشرعي.‏
وذهب الشافعية إلى استحباب قطع صوم التطوع إن كان هنا كعذر، كمساعدة ضيف في ‏الأكل إذا عز عليه امتناع مضيفة منه، أو عكسه. أما إذا لم يعز على أحدهما امتناع الآخر عن ‏ذلك فالأفضل عدم خروجه منه.‏
واختلف الفقهاء في حكم قضاء صوم التطوع عند إفساده.‏
فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب قضاء صوم التطوع عند إفساده. لما روت عائشة ‏رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا ‏منه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدرتني إليه حفصة -وكانت ابنة أبيها- فقالت: يا ‏رسول الله إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوماً آخر مكانه" ‏رواه الترمذي.‏
ولأن ما أتى به قربة، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان، وقضاؤه عند الإفساد لقوله ‏تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، ولا يمكن ذلك إلا بإتيان الباقي، فيجب إتمامه، ‏وقضاؤه عند الإفساد ضرورة، فصار كالحج والعمرة التطوّعين.‏
ومذهب الحنفية: وجوب القضاء عند الإفساد مطلقاً، أي: سواء أفسد عن قصد -وهذا لا ‏خلاف فيه- أو غير قصد، بأن عرض الحيض للصائمة المتطوعة، واستثنوا من ذلك: صوم ‏العيدين وأيام التشريق، فلا تلزم بالشروع، لا أداءً ولا قضاءً، إذا أفسد، لإرتكابه النهي بصيامها، ‏فلا تجب صيانته، بل يجب إبطاله، ووجوب القضاء ينبني على وجوب الصيانة، فلم يجب قضاء، ‏كما لم يجب أداء.‏
وخصّ المالكية وجوب القضاء بالفطر العمد الحرام، وذلك كمن شرع في صوم التطوع، ‏ثم أفطر من غير ضرورة ولا عذر، احترز بالعمد من النسيان والإكراه، وبالحرام : عمن أفطر ‏لشدة الجوع والعطش والحر الذي يخاف من تجدد مرض أو زيادته، وكذلك عمن أفطر لأمر ‏والديه وشيخه، وعدّواً السفر الذي يطرأ عليه من الفطر العمد.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجب القضاء على من أفسد صوم ‏التطوع، لأن القضاء يتبع المقضى عنه، فإذا لم يكن واجباً، لم يكن القضاء واجباً، لكن يندب له ‏القضاء، سواء أفسد صوم التطوع بعذر أم بغير عذر، خروجاً من خلاف من أوجب قضاءه.‏
ونصّ الشافعية والحنابلة على أنه إذا أفطر الصائم تطوعاً لم يثب على ما مضى، إن ‏خرج منه بغير عذر، ويثاب عليه إن خرج بعذر.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:50 PM
الإذن في صوم التطوع:‏
اتفق الفقهاء على أنه ليس للمرأة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، لقول النبي صلى الله ‏عليه وسلم: "لا تصم المرأة وبعلها شاهد، إلا بإذنه" رواه مسلم، ولأن حق الزوج فرض، فلا ‏يجوز تركه لنفل.‏
ولو صامت المرأة بغير إذن زوجها صح مع الحرمة عند جمهور الفقهاء، والكراهة ‏التحريمية عند الحنفية.‏
‏ وخصَّ الشافعية الحرمة بما يتكرر صومه، أما ما لا يتكرر صومه كعرفة وعاشوراء ‏وستة من شوال فلها صومها بغير إذنه، إلا إن منعها.‏
ولا تحتاج المرأة إلى إذن الزوج إذا كان غائباً، لمفهوم الحديث ولزوال معنى النهي.‏
قال الشافعية: وعلمها برضاه كإذنه. ومثل الغائب عند الحنفية: المريض، والصائم ‏والمحرم بحج أو عمرة.‏
قال الحنفية: وإذا كان الزوج مريضاً أو صائماً أو محرماً لم يكن له منع الزوجة من ‏ذلك، ولها أن تصوم وإن نهاها.‏
وصرح الحنفية والمالكية بأنه لا يصوم الأجير تطوعاً إلا بإذن المستأجر، إن كان ‏صومه يضرّ به في الخدمة، وإن كان لا يضره فله أن يصوم بغير إذنه.‏
وإذا صامت الزوجة تطوعاً بغير إذن زوجها فله أن يفطّرها.‏
وخص المالكية جواز تفطيرها بالجماع فقط، أما بالأكل والشرب فليس له ذلك، لأن ‏احتياجه إليها الموجب لتفطيرها إنما هو من جهة الوطء.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:50 PM
‏8- التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان:‏
اختلف الفقهاء في حكم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان.‏
فذهب الحنفية إلى جواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة، لكون ‏القضاء لا يجب على الفور، ولو كان الوجوب على الفور لكره، لأنه يكون تأخيراً للواجب عن ‏وقته الضيق.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى الجواز مع الكراهة، لما يلزم من تأخير الواجب، ويكره ‏التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب، كالمنذور والقضاء والكفارة. سواء كان صوم التطوع ‏الذي قدمه على الصوم الواجب غير مؤكد، أو كان مؤكداً، كعاشوراء وتاسع ذي الحجة على ‏الراجح.‏
وذهب الحنابلة إلى حرمة التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، وعدم صحة التطوع ‏حينئذ ولو اتسع الوقت للقضاء، ولا بد من أن يبدأ بالفرض حتى يقضيه، وإن كان عليه نذر ‏صامه بعد الفرض أيضاً، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه" رواه ‏أحمد، وقياساً على الحج. في عدم جواز أن يحج عن غيره أو تطوعاً قبل حج الفريضة.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:51 PM
أحكام الاعتكاف

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:51 PM
المبحث الأول - تعريف الاعتكاف ومشروعيته ومكانه وزمانه



‏1- تعريفه: الاعتكاف لغة: اللبث وملازمة الشيء أو الدوام عليه خيراً كان أو شراً.‏
ومنه قوله تعالى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] وقوله: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ ‏الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] وقوله سبحانه: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ‏الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].‏
وشرعاً له تعاريف متقاربة في المذاهب.‏
قال الحنفية: هو اللبث في المسجد الذي تقام فيه الجماعة، مع الصوم، ونية الاعتكاف.‏
وقال المالكية: هو لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً لكل الناس، بصوم، كافَّاً عن الجماع ‏ومقدماته، يوماً وليلة فأكثر، للعبادة، بنية.‏
وقال الشافعية: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية.‏
وقال الحنابلة: هو لزوم المسجد لطاعة الله، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقل ولو ‏مميزاً طاهر مما يوجب غسلاً، وأقله ساعة.‏

‏2- وأدلة مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع، فالكتاب: لقوله تعالى: ‏
‏{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فالإضافة في الآية إلى المساجد المختصة ‏بالقربات، وترك الوطء المباح لأجله، دليل على أنه قربة.‏
والسنة: لما روى ابن عمر وأنس وعائشة أن "النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في ‏العشر الأواخر من رمضان، منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى" متفق عليه.‏
وأجمع العلماء على مشروعيته.‏

‏3- وقت الاعتكاف: أنه مستحب كل وقت في رمضان وغيره.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ أقلَّ اعتكاف والنفل: مدة يسيرة غير محدودة، وإنما بمجرد المكث ‏مع النية، ولو نواه ماشياً على المفتى به، لأنه متبرع، وليس الصوم في النفل من شرطه، ويعد كل ‏جزء من اللبث عبادة مع النية بلا انضمام إلى آخر. ولا يلزم قضاء نفل شرع فيه، لأنه لا يشترط ‏له الصوم.‏
وذهب المالكية إلى أن أقلَّ الاعتكاف يوم وليلة، والاختيار: ألا ينقص من عشرة أيام، ‏بمطلق صوم من رمضان أو غيره، فلا يصح من مفطر، ولو لعذر، فمن لا يستطيع الصوم لا ‏يصح اعتكافه.‏
وذهب الشافعية في الأصح عندهم: إلى أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدر يسمى عكوفاً ‏أي إقامة، بحيث يكون زمنها فوق زمن الطمأنينة في الركوع ونحوه، فلا يكفي قدرها، ولا يجب ‏السكون، بل يكفي التردد فيه.‏
وذهب الحنابلة إلى أنَّ أقله: ساعة أي ما يسمى به معتكفاً لابثاً، ولو لحظة. فالجمهور ‏على الاكتفاء بمدة يسيرة، والمالكية يشترطون لأقله يوماً وليلة.‏

‏4- محل الاعتكاف: عند الحنفية للرجل أو المميز في مسجد الجماعة: وهو ماله إمام ‏ومؤذن، سواء أديت فيه الصلوات الخمس أو لا، وأما الجامع فيصح فيه مطلقاً اتفاقاً. بدليل قول ‏ابن مسعود: "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة"، وللمرأة في مسجد بيتها: وهو المعد لصلاتها، ‏الذي يندب لها ولكل أحد اتخاذه.‏
وذهب الحنابلة: إلى أنه لا يجوز الاعتكاف من رجل تلزمه الصلاة جماعة إلا في مسجد ‏تقام فيه الجماعة، فلا يصح بغير مسجد بلا خلاف، لقوله تعالى: ‏
‏{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فلو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة، إذ ‏هي محرمة في الاعتكاف مطلقاً.‏
ويصح الاعتكاف في كل مسجد في الحالات التالية :‏
‏1- إن كان الاعتكاف مدة غير وقت الصلاة كليلة، أو بعض يوم، لعدم المانع، وإن كانت ‏الجماعة تقام في مسجد في بعض الزمان، جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمان دون غيره.‏
‏2- إن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور والمرأة والصبي ومن ‏هو في قرية لا يصلي فيها سواه، فله أن يعتكف في كل مسجد، لأن الجماعة غير واجبة عليه. ولا ‏يصح للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها، لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكماً، ولو جاز لفعلته أمهات ‏المؤمنين، ولو مرة، تبييناً للجواز.‏
وإذا اعتكفت المرأة في المسجد، استحب لها أن تستتر بشيء، لأن أزواج النبي صلى الله ‏عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن، فضربن في المسجد، ولأن المسجد يحضره ‏الرجال، وخير لهم وللنساء ألا يرونهن ولا يرينهم.‏
ولا يصح الاعتكاف ممن تلزمه الجماعة في مسجد تقام فيه الجمعة دون الجماعة إذا كان ‏يأتي عليه وقت صلاة، حتى لا يترك الجماعة.‏
ويلاحظ أن سطح المسجد ورحبته المحوطة به وعليها باب، ومنارته التي تكون فيه أو ‏التي بابها فيه من المسجد، بدليل منع الجنب من الدخول فيما ذكر.‏
وكذا كل ما زيد في المسجد حتى في الثواب يعد من المسجد، ولو المسجد الحرام ومسجد ‏المدينة.‏
ولو اعتكف من لا تلزمه الجمعة كالمسافر والمرأة في مسجد لا تصلى فيه الجمعة، بطل ‏اعتكافه بخروجه إليها إن لم يشترط الخروج إليها، لأنه خروج لازم لابد له منه.‏
والأفضل الاعتكاف في المسجد الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله، لئلا يحتاج إلى الخروج ‏إليها، فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرز منه.‏
ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، فله فعل المنذور من ‏اعتكاف أو صلاة في غيره، لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً، فلم يتعين بالنذر، ولو تعين ‏لاحتاج إلى شد رحل.‏
وإن نذر الاعتكاف أو الصلاة في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ‏صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، لم يجزئه في غيرها، لفضل العبادة فيها على غيرها، ‏فتتعين بالتعيين. وله شد الرحال إلى المسجد الذي عينه من الثلاثة، لحديث أبي هريرة: "لا تشد ‏الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".‏
وأفضلها المسجد الحرام، ثم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم المسجد الأقصى، فإن ‏عين الأفضل منها وهو المسجد الحرام في نذره، لم يجزئه الاعتكاف ولا الصلاة فيما دونه، لعدم ‏مساواته له.‏
وذهب المالكية: إلى أن مكان الاعتكاف هو المساجد كلها، ولا يصح في مسجد البيوت ‏المحجورة، ومن نوى الاعتكاف مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها، تعين الجامع، لأنه إن ‏خرج إلى الجمعة، بطل اعتكافه. ويلزم الوفاء بالنذر في المكان الذي عينه الناذر، فإذا عين مسجد ‏مكة أو المدينة في نذر الصلاة أو الاعتكاف، وجب عليه الوفاء فيهما. والمدينة عند المالكية ‏أفضل من مكة، ومسجدها أفضل من المسجد الحرام، ويليهما المسجد الأقصى.‏
وذهب الشافعية: إلى أنَّه إنما يصح الاعتكاف في المسجد، سواء في سطحه أو غيره ‏التابع له، والجامع أولى بالاعتكاف فيه من غيره، للخروج من خلاف من أوجبه، ولكثرة الجماعة ‏فيه، وللاستغناء عن الخروج للجمعة. ويجب الجامع للاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة فيها يوم ‏الجمعة، وكان ممن تلزمه الجمعة، ولم يشترط الخروج لها.‏
ولا يصح اعتكاف امرأة في مسجد بيتها: وهو المعتزل المهيأ للصلاة، لأنه ليس بمسجد.‏
وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير المساجد الثلاثة بعينه، جاز أن يعتكف في غيره، لأنه ‏لا مزية لبعضها على بعض، فلم يتعين.‏
وإن نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى) ‏تعين، ولزمه أن يعتكف فيه، لما روى عمر رضي الله عنه، قال: "قلت لرسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوف ‏بنذرك" متفق عليه ويقوم المسجد الحرام مقامهما لمزيد فضله عليهما وتعلق النسك به، ولا ‏عكس، فلا يقومان مقام المسجد الحرام، لأنهما دونه في الفضل، ويقوم مسجد المدينة مقام ‏الأقصى، لأنه أفضل منه، ولا عكس، لأنه دونه في الفضل.‏
والخلاصة: أن المالكية والشافعية يجيزون الاعتكاف في أي مسجد، والحنفية والحنابلة ‏يشترطون كونه في المسجد الجامع، ولا يجوز عند الجمهور الاعتكاف في مسجد البيوت، ويجوز ‏ذلك للمرأة عند الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:51 PM
المبحث الثاني- حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف




وفيه مطلبان:‏

‏5- المطلب الأول- حكم الاعتكاف:‏
الاعتكاف غير المنذور مستحب باتفاق العلماء، ولكن يحسن بيان الآراء المذهبية لتحديد ‏رتبة السنة على وجه الدقة.‏
ذهب الحنفية: إلى أن الاعتكاف ثلاثة أنواع: واجب، وسنة مؤكدة، ومستحب.‏
أما الواجب: فهو المنذور، كقوله: "لله علي أن أعتكف يوماً" أو أكثر مثلاً.‏
وأما السنة المؤكدة على سبيل الكفاية: فهي اعتكاف العشر الأخير من رمضان، لاعتكافه ‏صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه بعده.‏
وأما المستحب: فهو في أي وقت سوى العشر الأخير، ولم يكن منذوراً، كأن ينوي ‏الاعتكاف عند دخول المسجد، وأقله: مدة يسيرة، ولو كانت مشياً.‏
والصوم شرط لصحة الاعتكاف المنذور فقط وغير شرط في التطوع، وأقله يوم، فلو ‏نذر اعتكاف ليلة لم يصح، وإن نوى معها اليوم لعدم محليتها للصوم، أما لو نوى بها اليوم صح.‏
ولو نذر الاعتكاف ليلاً ونهاراً، يصح، وإن لم يكن الليل محلاً للصوم، لأنه يدخل الليل ‏تبعاً.‏
وذهب المالكية: إلى أن الاعتكاف قربة ونافلة من نوافل الخير ومندوب إليه بالشرع أو ‏مرغب فيه شرعاً للرجال والنساء، لا سيما في العشر الأواخر من رمضان، ويجب بالنذر.‏
وذهب الشافعية والحنابلة: إلى أنَّ الاعتكاف سنة أو مستحب كل وقت، إلا أن يكون نذراً، ‏فيلزم الوفاء به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ودوام عليه، تقرباً إلى الله تعالى، واعتكف ‏أزواجه بعده معه. فإن نذره وجب الوفاء به على الصفة التي نذرها من تتابع وغيره، لحديث: ‏‏"من نذر أن يطيع الله فليطعه". رواه البخاري.‏
‏ ‏
‏6- المطلب الثاني- ما يوجبه النذر على المعتكف:‏
إذا نذر المسلم نذر يوم أو أيام، فهل يدخل معه الليل، وهل يجب التتابع بين الأيام أم لا، ‏ومتى يدخل المعتكف هل قبل الغروب أم قبل طلوع الفجر ؟.‏
ذهب الجمهور: إلى أن دخول الليل مع اليوم، ويجب التتابع بين الأيام المنذورة كأسبوع ‏أو شهر، ويدخل المعتكف قبل غروب شمس ذلك اليوم، ويخرج بعد الغروب من آخر يوم.‏
وذهب الشافعية إلى عدم دخول الليلة مع اليوم إلا في العشر الأخير من رمضان، ولا ‏يلزمه التتابع فيه إلا بشرط، ويدخل المعتكف قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس.‏
وذهب الحنفية: إلى أن من أوجب على نفسه اعتكاف يومين فأكثر، لزمه اعتكافها ‏بلياليها، لأن الليالي تدخل تبعاً لأن ذكر الأيام بلفظ الجمع يدخل فيها لياليها، ويلزمه تتابعها وإن لم ‏يشترط التتابع، لأن مبنى الاعتكاف على التتابع، بخلاف الصوم فإن مبناه على التفرق، لأن ‏الليالي غير قابلة للصوم، فيجب على التفرق، أما الاعتكاف فالأوقات كلها قابلة له.‏
وتدخل الليلة الأولى، ويدخل المسجد قبل الغروب من أول ليلة، ويخرج منه بعد الغروب ‏من آخر أيامه.‏
ومن نذر اعتكاف الليالي لزمته الأيام، وتلزمه الليالي بنذر اعتكاف أيام متتابعة، ويلاحظ ‏أن الليالي تابعة للأيام إلا ليلة عرفة وليالي النحر فتبع للنُهُر(1) الماضية رفقاً بالناس.‏
‏____________________‏
‏(1) جمع نهار.‏
وعبارة المالكية: إلى أنَّه يلزم المعتكف يوم بليلته المنذورة، وإن نذر ليلة فقط، فمن نذر ‏ليلة الخميس، لزمه ليلته وصبيحتها، ولا يتحقق الصوم الذي هو من شروط الاعتكاف إلا باليوم، ‏لا إن نذر بعض يوم فلا يلزمه شيء.‏
ولزم تتابع الاعتكاف في نذر مطلق، أي لم يقيد بتتابع ولا عدمه، وأما الاعتكاف غير ‏المنذور، فيلزم ما نواه قل أو كثر بدخوله معتكفه.‏
ولزم دخول المعتكف قبل الغروب أو معه، ليتحقق له كمال الليلة. ولزم خروجه من ‏معتكفه بعد الغروب ليتحقق له كمال النهار.‏
وذهب الحنابلة: إلى أن من نذر اعتكاف شهر، لزمه التتابع، ودخلت فيه الليالي، ودخل ‏معتكفه قبل غروب شمس ليلته الأولى، ولا يخرج إلا بعد غروب شمس آخر أيامه.‏
وإن نذر اعتكاف يوم لم يجز تفريقه، ولم تدخل ليلته، ويلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع ‏الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس، لأن الليلة ليست من اليوم، وهي من الشهر، وإطلاق ‏اليوم يفهم منه التتابع فيلزمه، كما لو قال متتابعاً، وكذا إطلاق الشهر يقتضي التتابع، كما لو ‏حلف: "لا يكلم زيداً شهراً" وكمدة الإيلاء والعنة والعدة، بخلاف الصيام. فإن أتى بشهر بين ‏هلالين أجزأه ذلك، وإن كان الشهر ناقصاً، وإن اعتكف ثلاثين يوماً من شهرين جاز، وتدخل فيه ‏الليالي، لأن الشهر عبارة عنهما، ولا يجزئه أقل من ذلك.‏
وذهب الشافعية: إلى أنه إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليلة، بلا خلاف، فالليلة ليست ‏من اليوم، بل يلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس، لأن حقيقة ‏اليوم: ما بين الفجر وغروب الشمس.‏
وإن نذر اعتكاف شهر بعينه، لزمه اعتكافه ليلاً ونهاراً أي دخلت لياليه، سواء أكان ‏الشهر تاماً أم ناقصاً، لأن الشهر عبارة عما بين الهلالين أي جميع الشهر، تم أو نقص إلا أن ‏يستثنيها لفظاً. وإن نذر اعتكاف نهار الشهر، لزمه النهار دون الليل، لأنه خص النهار، فلا يلزمه ‏الليل. وهذا موافق للحنابلة.‏
والراجح عند الأكثرين من الشافعية أنه إن نوى التتابع أو صرح به، لزمته الليلة، وإلا ‏فلا.‏
والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط، وأنه لو نذر يوماً لم يجز تفريق ساعاته، وأنه لو ‏عين مدة كأسبوع وتعرض للتابع فيها لفظاً وفاتته، لزمه التتابع في القضاء، وإن لم يتعرض ‏للتتابع لم يلزمه في القضاء جزماً، لأن التتابع فيه لم يقع مقصوداً، بل لضرورة تعين الوقت، ‏فأشبه التتابع في شهر رمضان.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:52 PM
المبحث الثالث- شروط الاعتكاف




يشترط لصحة الاعتكاف ما يلي:‏
‏1- الإسلام: فلا يصح الاعتكاف من الكافر، لأنه من فروع الإيمان.‏
‏2- العقل أو التمييز: فلا يصح من مجنون ونحوه، ولا من صبي غير مميز، لأنه ليس ‏من أهل العبادات، فلم يصح منه الاعتكاف كالكافر، ويصح اعتكاف الصبي المميز.‏
‏3- كونه في المسجد: فلا يصح في البيوت، كما بينا، إلا أن الحنفية أجازوا للمرأة ‏الاعتكاف في مسجد بيتها: وهو محل عينته للصلاة فيه.‏
‏4- النية اتفاقاً: فلا يصح الاعتكاف إلا بالنية، ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية ‏كالصوم والصلاة وسائر العبادات. وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف فرضاً، لزمه تعيين النية ‏للفرض، لتميزه عن التطوع.‏
‏5- الصوم: شرط مطلقاً عند المالكية، وشرط عند الحنفية في الاعتكاف المنذور فقط دون ‏غيره من التطوع، وليس بشرط عند الشافعية والحنابلة فيصح بلا صوم، إلا أن ينذره مع ‏الاعتكاف، ويصح عند الجمهور غير المالكية اعتكاف الليل وحده إذا لم يكن منذوراً.‏
‏6- الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس: شرط عند الجمهور، إلا أن الخلو من الجنابة ‏شرط عند المالكية لحل المكث في المسجد، لا لصحة الاعتكاف، فإذا احتلم المعتكف وجب عليه ‏الغسل إما في المسجد إن وجد في ماء، أو خارج المسجد.‏
وكذلك قال الحنفية: الخلو من الجنابة شرط لحل الاعتكاف، لا لصحته، فلو اعتكف ‏الجنب، صح اعتكافه مع الحرمة. وأما الخلو عن الحيض والنفاس فهو شرط لصحة الاعتكاف ‏الواجب وهو المنذور، لأن الصوم شرط لصحته، ولا يصح الصوم من الحائض والنفساء.‏
‏7- إذن الزوج لزوجته: ذهب الجمهور إلى أنه الحنفية والشافعية والحنابلة، فلا يصح ‏اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها، ولو كان اعتكافها منذوراً. ‏
وذهب المالكية إلى أن اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها صحيح مع الإثم.‏
وأضاف المالكية شرطاً آخر: وهو الاشتغال بالعبادة على قدر الاستطاعة ليلاً ونهاراً، ‏من الصلاة والذكر والتلاوة خاصة، فلا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً، ولا يدرس العلم.‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:52 PM
المبحث الرابع: ما يلزم المعتكف وما يجوز له



اتفق الفقهاء على أنه يلزم المعتكف في الاعتكاف الواجب البقاء في المسجد، لتحقيق ركن ‏الاعتكاف وهو المكث والملازمة والحبس، ولا يخرج إلا لعذر شرعي أو ضرورة أو حاجة.‏
ذهب الحنفية: إلى أنه يجوز للمعتكف الخروج في اعتكاف النفل أو السنة المؤكدة، لأن ‏الخروج ينهي الاعتكاف ولا يبطله، لكن لو شرع في المسنون وهو العشر الأواخر من رمضان ‏بنيته، ثم أفسده، يجب عليه قضاء اليوم الذي أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه، في رأي جمهور ‏الحنفية.‏
وحرم على المعتكف اعتكافاً واجباً الخروج إلا لعذر شرعي كأداء صلاة الجمعة ‏والعيدين، فيخرج في وقت يمكنه إدراكها مع صلاة سنة الجمعة قبلها، ثم يعود، وإن أتم اعتكافه ‏في الجامع صح وكره.‏
أو لحاجة طبيعية: كالبول والغائط وإزالة النجاسة، والاغتسال من جنابة باحتلام، لأنه ‏عليه الصلاة والسلام كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة.‏
أو لحاجة ضرورية: كانهدام المسجد، أو أداء شهادة تعينت عليه، أو خوف على نفسه أو ‏متاعه من المكابرين، أو إخراج ظالم له كرهاً وتفرق أهله. وعليه أن يدخل مسجداً آخر غيره من ‏ساعته.‏
فإن خرج ولو ناسياً ساعة بلا عذر، فسد الواجب، وانتهى به غيره، وعليه قضاء الواجب ‏الذي أفسده إلا إذا أفسده بالردة، لأنها تسقط ما وجب عليه قبلها. وإن خرج لعذر يغلب وقوعه: ‏وهو الحاجة الطبيعية والشرعية لم يفسد اعتكافه. وإن خرج لعذر نادر كإنجاء غريق وانهدام ‏مسجد، فلا يأثم، لكن يبطل اعتكافه، إذا لم يخرج إلى مسجد آخر مباشرة.‏
ويفسد اعتكافه بالخروج لعيادة مريض أو تشييع جنازة، وإن تعينت عليه، إلا أنه لا يأثم. ‏قالت عائشة: "السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمسَّ امرأة ولا ‏يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد ‏جامع". رواه أبو دواد والنسائي.‏
والأكل والشرب والنوم والعقد المحتاج إليه لنفسه أو عياله كبيع ونكاح ورجعة يكون في ‏معتكفه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له مأوى إلا المسجد، ولأنه يمكن قضاء هذه ‏الحاجة في المسجد، فلا ضرورة إلى الخروج.‏
فلابأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة، لأنه قد يحتاج إلى ذلك ‏بأن لا يجد من يقوم بحاجته، لكن يكره تحريماً البيع لتجارة وإحضار المبيع أو السلعة إلى ‏المسجد، ومبايعة غير المعتكف فيه مطلقاً، لأن المسجد محرر عن حقوق العباد، وفيه انشغال ‏بها، وثبت أنه "صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه ضالة، أو ‏ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة". رواه أبو داود والترمذي.‏
وذهب المالكية: إلى أنه لا يخرج من معتكفه إلا لأربعة أمور : لحاجة الإنسان، ولما لابد ‏منه من شراء معاشه، وللمرض، والحيض، وإذا خرج لشيء من ذلك، فهو في حكم الاعتكاف ‏حتى يرجع. فلا يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة وصعود لأذان أو سطح للمسجد، ويجوز ‏سلامه على من بقربه، وتطيبه بأنواع الطيب وإن كره للصائم غير المعتكف، لأن معه مانعاً ‏يمنعه من إفساد اعتكافه وهو بالمسجد، وجاز له أن يزوج ويتزوج، ويستصحب ثوباً غير الذي ‏عليه، لأنه ربما احتاج له.‏
وذهب الشافعية: إلى أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، لقول ‏عائشة: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد، فأُرجِّله، ‏وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، إذا كان معتكفاً" رواه البخاري ومسلم. فيجوز أن يخرج ‏رأسه وأرجله أو يخرج للحاجة الطبيعية، ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة هذا. فإن خرج من ‏غير عذر بطل اعتكافه، لأنه فعل ما ينافي الاعتكاف: وهو اللبث في المسجد.‏
ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل، ولا يبطل اعتكافه، لأن الأكل في المسجد ينقص ‏المروءة، فلم يلزمه. كما له الخروج لشرب الماء إن عطش ولم يجد الماء في المسجد.‏
ويخرج لصلاة الجنازة وعيادة المريض في اعتكاف التطوع، ولا يخرج في اعتكاف ‏الفرض، فإن خرج في الحالين بطل اعتكافه.‏
ويلزمه الخروج لصلاة الجمعة إن كان من أهل الفرض، والاعتكاف في غير الجامع، ‏لأن الجمعة فرض في الشرع، فلا يجوز تركها بالاعتكاف، ويبطل اعتكافه، لأنه كان يمكنه ‏الاحتراز من الخروج، بأن يعتكف في غير الجامع، فإن لم يفعل بطل اعتكافه.‏
ويلزمه الخروج لأداء شهادة إن تعين عليه، لأنه تعين لحق آدمي، فقدم على الاعتكاف، ‏ولا يبطل اعتكافه، لأنه مضطر إلى الخروج. وللمعتكفة أن تخرج إذا طلقت لتعتد، ولا يبطل ‏اعتكافها أيضاً، لاضطرارها إلى الخروج.‏
ومن مرض مرضاً لا يؤمن معه تلويث المسجد كإطلاق الجوف وسلس البول، خرج كما ‏يخرج لحاجة الإنسان ولا ينقطع التتابع. وإن كان مرضاً يسيراً يمكن معه المقام في المسجد من ‏غير مشقة كالصداع ووجع الضرس والعين ونحوها لم يخرج، فإن خرج بطل اعتكافه. وإن كان ‏مرضاً يشق معه الإقامة في المسجد لحاجته إلى الفراش والخادم وتردد الطبيب ونحو ذلك، فيباح ‏له الخروج، والأصح أنه لا ينقطع به التتابع.‏
وإن أغمي عليه، فأخرج من المسجد، لم يبطل اعتكافه، لأنه لم يخرج باختياره وإن سكر ‏فسد اعتكافه. وإن ارتد ثم أسلم بنى على اعتكافه.‏
وإن حاضت المعتكفة، خرجت من المسجد، لأنه لا يمكنها المقام في المسجد، ولم يبطل ‏اعتكافها إن كان في مدة لا يمكن حفظها من الحيض، وإذا طهرت بنت عليه، كما لو حاضت في ‏صوم شهرين متتابعين. ويبطل اعتكافها إن كان في مدة يمكن حفظها من الحيض، كما لو حاضت ‏في صوم ثلاثة أيام متتابعة.‏
ويبطل الاعتكاف بالخروج إلى الحج الذي أحرم به، لأن الخروج حدث باختياره لأنه ‏كان يسعه أو يؤخره.‏
وإن خاف من ظالم فخرج واستتر، لم يبطل اعتكافه، لأن مضطر إلى الخروج بسبب هو ‏معذور فيه.‏
وإن خرج من المسجد ناسياً أو مكرهاً محمولاً أو أكره حتى خرج بنفسه، أو أخرجه ‏السلطان ظلماً لم يبطل اعتكافه، لقوله صلى الله عليه وسلم : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ‏استكرهوا عليه" فإن أخرجه السلطان بحق، كأن وجب عليه حق وهو يماطل به مع قدرته عليه، ‏أو أخرجه ليقيم عليه عقوبة شرعية من حد أو قصاص أو تعزير ثبت عليه بإقراره، بطل ‏اعتكافه. وإن ثبت عليه بالبينة لم يبطل ولا ينقطع به التتابع، فإذا عاد بنى.‏
وإن خرج لعذر، ثم زال العذر، وتمكن من العود، فلم يعد، بطل اعتكافه، لأنه ترك ‏الاعتكاف من غير عذر، فأشبه إذا خرج من غير عذر.‏
ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف، إذ لم ينقل عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم أنه غير شيئاً من ملابسه. ويجوز أن يتطيب ويتزين، لأنه لو حرم التطيب عليه لحرم ‏ترجيل الشعر كالإحرام، وقد روى الشيخان أن عائشة كانت ترجل شعر رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم في الاعتكاف، فدل على أنه لا يحرم عليه الطيب. ويجوز أن يتزوج ويزوج، ويجوز ‏دراسة العلم وتدريسه، لأن ذلك كله زيادة خير، ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله وضيعته، ‏ويبيع ويبتاع، لكنه لا يكثر منه، لأن المسجد ينزه عن أن يتخذ موضعاً للبيع والشراء، فإن أكثر ‏من ذلك كره لأجل المسجد، ولم يبطل به الاعتكاف. ويجوز أن يأكل في المسجد، لأنه عمل قليل ‏لابد منه، ويجوز أن يضع فيه المائدة، لأن ذلك أنظف للمسجد، ويغسل فيه اليد، وإن غسل في ‏الطست فهو أحسن.‏
وذهب الحنابلة: إلى أن المعتكف الذي لزمه تتابع الاعتكاف كمن نذر شهراً أو أياماً ‏متتابعة ونحوه، لم يجز له الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لما لابد له منه، أو لصلاة ‏الجمعة، كحاجة الإنسان من بول وغائط وقيء بغتة وغسل متنجس يحتاجه، والطهارة عن الحدث ‏كغسل جنابة ووضوء لحدث، لأن الجنب يحرم عليه اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته ‏بدون وضوء.‏
ويخرج المعتكف ليأتي بمأكول ومشروب يحتاجه إن لم يكن له من يأتيه به. ولا يجوز ‏خروجه لأجل أكله وشربه في بيته، لعدم الحاجة، لإباحة ذلك في المسجد، ولا نقص فيه.‏
ويخرج للجمعة إن كانت واجبة عليه، لأنه خروج لواجب فلم يبطل اعتكافه، كالمعتدة، أو ‏شرط الخروج إليها، وإن لم تكن واجبة، للشرط، وله التبكير إليها، لأنه خروج جائز، فجاز ‏تعجيله، كالخروج لحاجة الإنسان، وله إطالة المقام بعد الجمعة، ولا يكره لصلاحية الموضع ‏للاعتكاف.‏
ويخرج لنفير متعين إن احتيج إليه، لأن ذلك واجب كالجمعة، ولشهادة تعيَّن عليه أداؤها، ‏ولخوف من فتنة على نفسه أو حرمته، أو ماله نهباً أو حريقاً ونحوه كالغرق، لأنه عذر في ترك ‏الواجب بأصل الشرع كالجمعة، ولمرض يتعذر معه المقام، أو لا يمكنه المقام معه إلا بمشقة ‏شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة أو فراش، ولا يبطل اعتكافه بخروجه لشيء مما تقدم للحاجة إليه.‏
ولا يجوز له الخروج إن كان المرض خفيفاً كصداع

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:53 PM
الصيام بطريقة السؤال والجواب‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:53 PM
متى فرض صيام شهر رمضان ؟ كم عاما صام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه رمضان؟ وهل ‏فرض الصيام على الأمم السابقة؟ وهل كان صيامهم في رمضان؟ ‏

‏* فرض صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة . صام رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم تسعة أعوام أو تسع رمضانات . ‏
‏* نعم، فُرض الصيام على الأمم السابقة وقد كان معروفا عند أهل الكتاب الذين عاصروا النبي ‏صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ ‏قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183]. ‏
‏* كلا، لم يكن صيامهم في رمضان، فوجوب صوم رمضان لم يشرع من قبل، إذ تختص أمة ‏سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بفرضية صوم شهر رمضان بالذات .‏‎ ‎
و كلمة رمضان مشتقة في الأصل من الرمض و هو الحر الشديد. ‏

أحمد سعد الدين
10-04-2005, 05:53 PM
وكيف كان الصيام في رمضان أول ما فرض ؟‏‎ ‎
كان الصيام على أمة محمد قبل أن يفرض رمضان -أي في مكة -؟ ‏

‏* كان الصيام قبل أن يفرض رمضان عبارة عن صيام يوم عاشوراء ( عاشوراء :هو اليوم ‏العاشر من شهر محرم ) وثلاثة أيام من كل شهر (وهي: اليوم الثالث عشر والرابع عشر ‏والخامس عشر من كل شهر قمري). وعندما فرض الصيام في المدينة، أصبح صوم عاشوراء ‏نفلاً وصوم رمضان فرضاً .‏‎ ‎
‏* وأول ما فرض الصيام كان يحرم على الصائم الأكل ومباشرة النساء بعد الغروب إذا نام أو ‏صلى العشاء الآخرة. ‏
ثم خفف الله عنا بقوله :{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ… وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ ‏لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. [البقرة : 187] . ‏