المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموسوعة الإسلامية


الصفحات : [1] 2 3 4 5 6

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 02:41 PM
أولا: العقيدة


موضوع الدين

الإيمان بالله عزَّ وجلَّ

الإيمان بالملائكة عليهم السلام

الإيمان بالكتب المنزَّلة

الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام

الإيمان باليوم الآخر

الإيمان بالقدر

عالم الجن

معنى الشهادتين ومقتضى العمل بهما

نواقض الإيمان

الأولياء والكرامات

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:01 PM
الدين

1- معنى الدين.

2- قواعد الدين.

3- مزايا الدين الإسلامي.



1- معنى الدين:

الدين هو الطريق والمنهج والوضع الإلهي الذي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات.

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

فالدين الإسلامي هو الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده.

قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ويتضمن الدين الإسلامي العقيدة التي تفسر الوجود وطبيعته، وتحدد للإنسان غايته في هذا الوجود، ويحتوي النظم التي تنبثق عن هذه العقيدة السمحة وتستند إليها، وتجعل لها صورة واقعية في حياة البشر.

كالنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام الأخلاقي، والاجتماعي، والنظام الدولي إلى ما هنالك من أنظمة.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:02 PM
2- قواعد الدين الإسلامي:

إن الإسلام والإيمان والإحسان هي العناصر التي تشكل الدين الإسلامي القويم.

معنى الإسلام:

الإسلام هو النهج الذي به يتحقق استسلام العبد لربه وينقاد ويمتثل لأوامره.

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.

تنبيه: حصر الإسلام بهذه الأمور الخمسة المذكورة للاهتمام بها اهتماماً شديداً زائداً على غيرها، فهو يمتد إلى أكثر من هذه الأركان الخمسة، ويدل على ذلك النصوص الواردة في الكتاب والسنة.

معنى الإيمان:

الإيمان: هو التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".

فمعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

الإيمان وحقيقته:

الإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، وهو التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، وهو التصديق المطمئن الثابت المتيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس ولا يتلجلج فيه القلب والشعور.

فالقلب متى تذوق حلاوة الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه، لابد من دفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب في واقع الحياة في دنيا الناس، يريد أن يوجد مناسبة بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية في حسه والصورة الواقعية من حوله لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة.

فالإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإرادة ووجدان.

وترتسم حقيقة الإيمان بأمور:

أولاً: إدراك(1) ذهني تنكشف حقائق الوجود على ما هي عليه في واقع الأمر، وهذا الانكشاف لا يتم إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم.

ثانياً: بلوغ هذا الإدراك الذهني حدَّ الجزم الموقن الذي لا يزلزله شك ولا شبهة قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا(2)} [الحجرات: 15].

ثالثاً: أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي، وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لحكم من آمن به مع الرضا والتسليم.

قال الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وقال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

______________________

(1) علم أو معرفة.

(2) لم يشكوا.

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].

رابعاً: أن يتبع تلك المعرفة، وهذا الإذعان حرارة وجدانية قلبية، تبعث على العمل بمقتضيات العقيدة، والتمسك بمبادئها الخلقية والسلوكية فهي الجهاد في سبيلها بالمال والنفس، والقرآن الكريم يصف المؤمنين الحقيقيين:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4,2]

معنى الإحسان:

الإحسان: وهو تحقيق الإخلاص في العبادة وهو على مرتبتين كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

المرتبة الأولى وهي الأعلى: أن تعبد الله كأنك تراه وهذه مرتبة المشاهدة:

وهي أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة حتى يصير الغيب كالعيان.

فمن عَبَدَ اللهَ عز وجل، وهو يستحضر قربَه منه، وأنه بين يديه، كأنه يراه أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم.

المرتبة الثانية: وهي دون الأولى: وهي الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله فقد حقق الإخلاص، فهو مخلص لله تعالى غير ملتفت إلى غيره ولا مريد بعمله سواه.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:03 PM
3- مزايا الدين الإسلامي

أ- دين الفطرة.

ب- دين ثابت.

ج- دين عقائده مبرهنة.

د- دين شامل لكل قضايا الحياة.



أ- دين الفطرة:

إنَّ دين الإسلام موافق لخلقة الإنسان وفطرته، فلا مناقضة بينه وبين فطرة الإنسان ولذلك هو دين الفطرة.

وإن الله عزَّ وجلَّ خلق الإنسان وحدَّد له المنهج الذي يتبعه بما يتوافق مع طبيعة الإنسان ويناسبه، وذلك المنهج هو الدين.

فمن لم يتبع هذا الدين وقع في حالة اضطراب وعدم استقرار وضيقٍ صدري ونفسي.

قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] وقال تعالى: {فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا(1) } [طه: 123, 124].

ولذا من أراد أن يغير في دين الله، أو يبّدل، أو يشرع ديناً جديداً من عنده عليه أن يغير خلق الله لكي يكون الخلق الجديد مطابقاً للتبديل الجديد.

فدين الإسلام منطبق تماماً على فطرة الإنسان كما أن المفتاح المحّدد منطبق على قفله المحكم، فمن أراد أن يغير القفل عليه أن يُغَيَّر المفتاح، ومن أراد أن يغير المفتاح عليه أن يغير القفل.

وقد صرح القرآن الكريم بأن هذا الدين يتناسب مع الفطرة:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا(2) فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ(3)النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ(4) وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30] فالآية تدل على أنه لا تبديل لخلق الله، فإذا لم يتبدل خلق الله فلن يكون هنالك تبديل لفطرته وهي الدين الذي لا اعوجاج فيه.

__________________

(1) ضيقة شديدة.

(2) مائلاً إليه، مستقيماً عليه.

(3) جبلهم وطبعهم عليها.

(4) المستقيم الذي لا عوج فيه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر: "كلُّ مولود يولد على الفطرة، فإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" متفق عليه.

ويدل الحديث الشريف على أن المولود لو ترك ينشأ بعيداً عن أي معتقد لاختار دين الفطرة وهو الإسلام، ولكن تأثير الأبوين على المولود في أن يعتنق ديناً غير الفطرة واضح في الواقع المشاهد.

ب- دين ثابت:

الدين الإسلامي دين ثابت محدد لا يقبل الزيادة ولا النقصان ولا التحريف ولا التبديل فمصدر هذا الدين القرآن والسنة، فليس لحاكم من الحكام أو وزير من الوزراء أو مؤتمر من المؤتمرات أو مجمع من المجامع العلمية أن يضيف إليهما أو يحور فيهما وكل إضافة أو تحوير فيهما يُرَدُّ على صاحبها.

قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } [الشورى: 21].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم.



ج- دين عقائد مبرهنة:

الدين الإسلامي عقائده مبرهنة لا تكتفي من تقرير مسائلها، وموادها بالإلزام المجرد والتكليف الصارم، ولا تقول كما تقول بعض العقائد الأخرى: (اعتقد، وأنت أعمى) أو (آمن ثم اعلم) أو (أغمض عينيك ثم اتبعني).

بل يقول كتاب الله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، {ادعوا إلى الله على بصيرة}.

وهي لا تكتفي بمخاطبة القلب والوجدان والاعتماد عليهما أساساً للاعتقاد، بل تتبع مسائلها بالحجة المقنعة الدامغة، والبرهان الواضح، والتعليل الصحيح الذي يملك أزمة العقول ويأخذ الطريق إلى القلوب.

فالقرآن الكريم يقيم الأدلة في مسألة الألوهية من الكون، ومن النفس، ومن التاريخ على وجود الله، وعلى وحدانيته وكماله، وفي مسألة البعث يدلل على إمكانية خلق الإنسان، وخلق السماوات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، ويدلل على حكمته بالعدالة في إثابة المحسن وعقوبة المسيء.

قال الله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31].

قال الله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور: 37,35].

وقال تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا *وَحَدَائِقَ غُلْبًا(1) *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(2) * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 32,17].

وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ } [يوسف: 109]

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 77،83].

د- دين شامل لكل قضايا الحياة:

الدين الإسلامي شامل لكل نواحي الحياة وَمَرِنُ لأنه متعلق بالفطرة البشرية التي خلق الله الإنسان طبقاً لأحكامها.

وإن وضع القوانين والتنظيمات لأي شيء يتوقف على العلم بحقيقة من توضع له القوانين والظروف المحيطة به.

والإنسان يجهل حقيقة روحه وذاته، ولا يعلم المستقبل الذي سيواجهه، لذلك عجز الإنسان أن يصنع تشريعات، وقوانين دائمة تصلح لكل زمان ومكان، لكن الخالق سبحانه وتعالى هو العليم بحقيقة خلق الإنسان {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِفُ الخَبِيرُ} [الملك: 14] وهو المحيط علماً بما كان وما يكون وما سيكون. لذا لم لا يمكن لبشر أن يأتي بشريعة ثابتة مرنة تتناسب مع كل زمان ومكان إلا إذا كان مرسلاً من عند ربه.

_____________________

(1) كثيرة الأشجار.

(2) ما ترعاه البهائم.

وحسبنا أن شريعتنا الإسلامية حكمت مختلف الحضارات في مختلف البلدان ومختلف العصور طوال مئات السنين ولم توجد مشكلة إلا ووجد لها حل في هذه الشريعة الغراء.

وفي عصرنا الحالي عصر التطورات السريعة والابتكارات الفذة يتأكد هذا المعنى بوضوح حيث فرضت شريعتنا نفسها في زماننا، رغم ضعف أهلها، لأن الإسلام يتمشى مع مقتضايات الحاجات فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل في خلال القرون، ويبقى محتفظاً بكامل ماله من قوة الحياة والمرونة، فهو الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وشريعته تفوق كل الشرائع على وجه الأرض.

إنّ الباحثين والدارسين للقانون الدولي والعالمي اليوم قد أثبتوا بجلاء أن الشريعة الإسلامية تقوم على مبادئ ذات قيمة أكيدة لا شك في نفعها، وأن الاختلاف الفرعي في هذا الجهاز الضخم، منطوٍ على ثروة من الآراء الفقهية وعلى مجموعة من الأصول الفنية البديعة التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونة هائلة لجميع مطالب الحياة الحديثة.

فمن أين لأُمِّيٍّ بعث منذ ألف وأربعمائة سنة وتزيد، أن يأتي بهذا التشريع، لو لم يكن مرسلاً من عند الله سبحانه وتعالى، ويا عجباً للجهلة من المسلمين الذين يريدون إلغاء الشريعة الإلهية واستبدالها بالقوانين البشرية !.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:05 PM
الإيمان بالله عزَّ وجل

1- العلم وسيلة إلى الإيمان

2- الإيمان بوجود الله

3- ذات الله سبحانه وتعالى

4- أسماء الله سبحانه وتعالى

5- مبدأ التوحيد

6- مبدأ تنزيه الله تعالى

7- من صفات الله تعالى

8- الآيات والأحاديث المتشابهة

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:09 PM
1- العلم وسيلة إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى:

إن المنهج الإسلامي في معرفة الله بعيد عن أيِّ خرافة أو وهم أو ظن وهو منهج يقوم على أساس العلم والوعي.

وكثير من الناس تسيطر على حياتهم الأوهام أو الخرافات وتدفعه إلى ممارسة أعمال فاسدة، ليس لها أساس صحيح يدعمها، فتذهب جهودهم عبثاً أو توجه إلى باطل يلحق بالإنسان أكثر الأضرار والمفاسد.

وذلك يعود إلى سلوك منهج فكري معوج، فعندها يقع الإنسان في خديعة الظنون الكاذبة.

ولذلك نرى أن الخطاب الإسلامي يوجِّه الناس إلى اتخاذ العلم وسيلة للوصول إلى اليقين وأن لا يتبع الإنسان ما لا علم له به، لأنه يوقعه في متاهات من الجهل.

قال الله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسئولاً} [الإسراء: 36].

وقال تعالى في شأن الكافرين: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157].

وقال تعالى عن المضلين: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(1)} [الأنعام: 116].

وقال سبحانه وتعالى فيهم أيضاً: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:119].

وإذا أراد الإنسان إيماناً صحيحاً فعليه بالعلم قال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الرعد: 19].

لأن الإيمان دون علم ووعي يكون إيمان المقلد لغيره، فهو سرعان ما يهتز عند أول شبهة قال الله تعالى:

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[الزمر: 9].

والنتيجة الحتمية للبحث العلمي المنصف في ظاهرة الرجوع الكوني وصول الباحث إلى حقيقة الإيمان بالله تعالى وعظيم صفاته، والشهادة بذلك إذا كان الباحث موضوعياً متجرداً منصفاً.

قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)} [آل عمران: 18].

_________________

(1) يكذبون.

(2) مقيماً للعدل في كل أمر.

ومتى وصل الباحث في العالم إلى الإيمان وتحقق من هذه المعرفة فلابد أن يكون أكثر الناس خشية لله تعالى. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:11 PM
2- الإيمان بوجود الله:

وجود الله تعالى أظهر حقيقة في هذا الوجود، وأول شعور يشرق في عمق الإنسان إذا تأمل في نفسه وفي العالم من حوله، شعوره بوجود الله المهيمن على العالم كله والمدِّبر له والذي يتصرف فيه بالحياة والموت والخلق والفناء والتغير والتطور والحركة والسكون وجميع أنواع التغيرات المحكمة التي تجري فيه.

فالإنسان يشعر بهذه الحقيقة وهي وجود الله، ويؤمن بها إيماناً داخلياً عميقاً، سواء استطاع أن يقيم دليلاً عقلياً برهانياً على صدق هذا الشعور أو لم يستطع.

ولكن دليل الفطرة شاهد حق قد يسبق الأدلة النظرية وقد يكون أعمق منها في الشعور والصدق.

قال الله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].

فهذه فطرة لا تنطمس في النفس الإنسانية إلا من بالغ في الانحراف الخُلقي بدافع شهواني ليرضي نفسه أو من حامت حوله الشكوك الفكرية أو من عادي هذه الفطرة استكباراً وتجبراً. ومن هذا المنطلق لابد من إقامة أدلة نظرية عقلية ترفع عن ذهن الإنسان كل شك أو ريب في وجود الله، فبالحجة القاطعة لا يترك مجال لأي شخص بإنكار هذه الحقيقة.

وهنالك أدلة كثيرة لا تحصى على وجود الله تعالى:

- أن العدم لا يخلق شيئاً:

والمعنى أن الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئاً لأنه غير موجود.

فإذا تأمل المرء في المخلوقات التي تولد في كل يوم من إنسان وحيوان ونبات وتفكر في كل ما يحدث في الوجود من رياح وعواصف وأمطار وليل ونهار، ونظر في المجرات الضخمة (التي تحتوي آلاف ملايين النجوم)، ونظر في كل مجرة فيها بالإضافة إلى النجوم والكواكب والسُّدم الغازية وتسير كلها بسرعات هائلة، وما فيها من النجوم والكواكب التي لها حركتها الخاصة المنتظمة، ومع ذلك فلكل منها مداره المنتظم الذي لا يختلف، ومن نظر في عالم الحياة من الأسرار في وحيدات الخلية وكذا في الورقة الخضراء التي تحتفظ بسر صناعة الغذاء، ومن غاص في عالم الذرة وأسرارها وفي عالم الإنسان وأسراره وغير ذلك من العوالم التي لا يستطيع أن يحصيها الإنسان والتي لا مجال للإفاضة فيها.

فإنه يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم الذي لا وجود له، بل هو من صنع الخالق الموجود سبحانه.

قال الله سبحانه وتعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36].

كما أن حدوث العالم يدل على الخلق لأنَّ العلوم تثبت بكل وضوح بأن هذا الكون لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً أي ليس له بداية. فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة ولا يمكن أن يحدث العكس.

فالكون يتجه إلى درجة حرارة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون قد كانت له بداية، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود.

وهذا العالم لم يأتِ من العدم كما ذكرنا في الدليل الأول والحادث كذلك لا يستطيع إخراج نفسه من مرتبة العدم إلى مرتبة الوجود، فينتج أن هناك خالقاً أوجده وأخرجه من العدم إلى الوجود. قال الله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ(1) السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [إبراهيم: 10].

إضافة إلى ذلك فإن الاتقان في الكون يدل على خالق عظيم حكيم: إن إتقان صنعة هذا العالم الزاخر بالمتقنات دليل واضح على الصانع المتقن الحكيم العظيم العليم، يشهد ذلك كل الناس، وبالبداهة يُحكم بأن الله حق وهو على كل شيء قدير، وهكذا نجد أن الصنعة تدل على الصانع، فكل مصنوع لابد له من صانع، وكل اتقان للصنعة يدل على كمال متقنها ولنضرب مثالاً على ذلك:

إذا رأينا باباً من خشب قد أتقن صنعه، فإننا سنعلم أن للمصنوع صانعاً، وأن الصانع يملك الخشب، وأنه يستطيع أن يقطعه بانتظام وأنه قادر على أن يجعل الخشب أملس، وأنه يملك المسامير، وأنه يقدر على تثبيت أجزاء الباب بالمسامير وأن لديه خبرة في صناعة الأبواب وأن لديه إحكاماً في عمله وهكذا نجد كلَّ شيء في المصنوع يدل على صفات عند الصانع، فلا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع إلا إذا كان الصانع يملك قدرة أو صفة تمكنه من صنع ذلك الشيء ولله المثل الأعلى.

قال الله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]. وقال تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ (2) لِلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ*وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ (3)آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 3،6].

_______________________

(1) مبدع ومخترع وخالق من العدم إلى الوجود.

(2) علامات.

(3) تقليبها في مهابها وأحوالها.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:12 PM
3- ذات الله سبحانه وتعالى:

إن الحواس الخمس (السمع، والبصر، اللمس، والذوق، والشم) التي هي نوافذ إلى خارج كيان الإنسان محدودة في قدرتها وفي مجالات عملها.

فالعين مثلاً لا ترى إلا ألوان الطيف السبعة، أما الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء، والالكترونيات والقوة المغناطسية فلا تستطيع العين رؤيتها.

وقد تسحر العين أو تخدع كأن ترى الشمس كقرص الخبز والحقيقة أنها أكثر من الأرصاد: (1.305.000) مرة، أو ترى العصا في حوض الماء مكسورة عند سطح الانفصال، أو ترى المنازل من الطائرة كعلب السجائر، فلذا نجد عمل العين واضح محدود.

وكذلك الأذن لا تستطيع أن تسمع أصواتاً كثيرة موجودة لأن لها عملاً محدوداً لا يمكن تجاوزه.

والأنف وهو جهاز يعرف به روائح المواد ذات الرائحة ويبطل عمله إذا أصيب بزكام وحدود عمله ضيقة جداً إذ أن قدرته على الشم لا تتجاوز بضعة أمتار.

واللسان آلة لتمييز طعم المواد المختلفة وحدود عمل اللسان ضيقة جداً فتمييزه للطعم محصور في نطاق ما لامس اللسان شرط أن يذوب في اللعاب.

والجلد آلة حس لما يقع على الجسم من أشياء يقدر على الإحساس بها فيميز بين الناعم منها والخشن والصقيل والخفيف والحاد وغير الحاد والحار والبارد، وهو لا يدرك من الأشياء إلا ما كان له ثقل معلوم فهو لا يحس الجراثيم أو الكائنات الدقيقة أو الضوء أو الأمواج الإشعاعية كأمواج الراديو واللاسلكي، وحدود عمل الجلد ضيقة جداً تحد بحدود الجسم.

وقوة التصور وهي مصدر الخيال الواسع، فالإنسان يركِّب ويحلل ما جاء من الحواس الخمس في صورة جديدة مبتكرة، ولا يمكن تصديق ما تأتي به قوة التصور إلا بعد فحصه جيداً أمام العقل ومعظم الأوهام الباطلة التي تتحكم في حياة الإنسان تنبع من تصورات خاطئة، ولكن قوة التصور محدودة في قدرتها ومجالات عملها لأنها محدودة بالحواس الخمس.

والعقل الذي هو آلة ليميز الإنسان الحق من الباطل، فالعقل هو القاضي الذي تعرض عليه كل المعلومات القادمة من الحواس الخمسة ومن قوة التصور فيفصل أمرها، وقد يقع العقل في الخطأ ولكن لا من ذاته ولكن بسبب تغرير به أثناء عرض المعلومات، كأن تقدم له معلومات خاطئة أو ناقصة أو مشوهة، فتأتي أحكامه ناقصة مغلوطة مشوهة، فالخطأ جاء من مؤثرات خارجية، فالعقل هو الأساس لمعرفة الحقائق الثابتة في الكون.

والعقل له حدود فإذا علمنا أن الحواس الخمس محدودة وقوة التصور كذلك، والإنسان لا يعلم شيئاً إلا ما جاء بواسطة هذه الحواس الخمس التي هي نوافذه المفتوحة إلى خارج كيان الإنسان. فالعقل يستطيع أن يثبت الكثير من الحقائق الثابتة التي لا ترد من خلال الوسائل المؤثرة له.

ولكن مجال العقل محدود في كثير من الأمور، فالعقل عاجز عن إدراك كيفية عمله: كيف يفهم؟ وكيف يميز؟ وكيف يعقل؟.

العقل يعجز عن الإحاطة بكثير من الأمور في هذا الكون فمثلاً: هو يعجز عن الإحاطة بأكبر عدد فإذا سألته ما هو أكبر عدد؟ أجاب: أكبر عدد ما لا نهاية.

كما يعجز عن إدراك بداية الزمان أو أن يحيط بنهايته وكذلك يعجز عن إدراك نهاية المكان.

والعقل يعرف أن أحداثاً ستقع غداً، ولكنه يعجز عن إدراكها ومعرفتها مع أنها كائنة لا محالة ومع أن بعض الرؤى المنامية تتفوق على العقل في هذا الباب فتعرف ما سيكون غداً فيأتي كما رأت أو قريباً منه.

والعقل يعجز عن معرفة ما سيحدث لنا بعد موتنا بثوانٍ وصدق الله الذي يقول في كتابه العزيز: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].

فإذا أدرك الإنسان قصور الحواس الخمس وقوة التصور والعقل، أدرك سخف الذين تطلب إليهم الإيمان بالله فيقولون: أرنا الله!! وحواسهم عاجزة قاصرة.

ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله" رواه البيهقي بإسناد جيد.

فإن المنع في التفكر بذات الله ليس حَجْراً على الفكر ولا جموداً في البحث ولا تضييقاً على العقل ولكن عصمة له من التردي في مهاوي الضلالة، إبعاداً له عن معالجة أبحاث لم تتوافر وسائلها.

ولنضرب مثلاً لتوضيح المسألة:

خلق الله للإنسان قوة يتصور بها الأشياء تعينه على تنظيم الأمور وتخيلها ولكن قوة التصور ضعيفة ومحدودة فإذا وصفت لك مدينة، عقلت أن فيها أشياء وتصورت تلك الأشياء ولكنك إذا رأيت تلك المدينة ستجد أنها على غير الصورة التي تصورتها من قبل.

وإذا طرق شخص الباب استطعت أن تعقل أن طارقاً يطرق الباب، ولكن تصورك يعجز أن يتصور، من الطارق حقيقة؟ وما طوله؟ وما عرضه؟ وما لونه؟ وما حجمه؟ فقوة العقل اخترقت حاجز الباب فعقلت أن طارقاً موجود يطرق الباب فقط بينما عجزت قوة التصور، وحَبَسَها حاجزُ البابِ أن تنفذ إلى هوية الطارق.

- ولله المثل الأعلى - فالعقل يؤمن بوجود الله الخالق سبحانه، وقوة التصور تعجز عن تصور ذات الله سبحانه لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:14 PM
4- أسماء الله تعالى:

إن الله عزَّ وجلَّ تعرَّف إلى خلقه بأسماء تليق بجلاله، فيحسن المؤمن معرفتها وحفظها تبركاً بألفاظها وتلذذاً بذكرها، وتعظيماً لقدرها.

ويتم النفع بأسماء الله تعالى على الوجه التالي:

1- فَهْمُ أسمائه تعالى بحيث يدرك معانيها.

2- الاعتقاد بالقلب وجود معناها في ذات الله تعالى.

3- التفكر بأسمائه تعالى ومشاهدة آثارها في الأكوان.

4- استعظام أسماء الله تعالى حتى تحدث في قلب المؤمن خشية وخوفاً من الله.

5- السعي في اكتساب ما يليق بالإنسان من تلك الأسماء والصفات والتخلق بها والتحلي بمحاسنها.- كالرحمة والعدل وغيرها - وبذلك يصبح المؤمن ربانياً.

- الأسماء الحسنى الواردة في الحديث النبوي:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" رواه البخاري ومسلم. وفي رواية البخاري: "من أحصاها دخل الجنة".

وزاد الترمذي: "هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، الباريء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم،، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبديء، المعيد، المحي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الروؤف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد الصبور".

ومعنى "من أحصاها" أي أحصاها علماً وإيماناً ويقيناً بأنها صفات الله عز وجلَّ وليس المراد الإحصاء الذي هو العد.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:15 PM
شرح أسماء الله الحسنى:

1- الرحمن: هذا الاسم يختص بالله سبحانه وتعالى ولا يجوز إطلاقه على غيره. وهو من له الرحمة، وهو الذي رحم كافة خلقه بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم.

2- الرحيم: خاص في رحمته لعباده المؤمنين، بأن هداهم إلى الإيمان، وأنه يثيبهم الثواب الدائم الذي لا ينقطع في الآخرة.

3- الملك: هو النافذ الأمر في مُلكه، إذ ليس كلُّ مالك ينفذ أمره، وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كِلّهم، والمُلاَّك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى.

4- القدوس: هو الطاهر من العيوب المنزه، عن الأولاد والأنداد.

5- السلام: هو الذي سلم من كل عيب، وبريء من كل آفة، وهو الذي سلم المؤمنون من عقوبته.

6- المؤمن: هو الذي صدق نفسه وصدق عباده المؤمنين، فتصديقه لنفسه علمه بأنه صادق، وتصديقه لعباده: علمه بأنهم صادقون.

7- المهيمن: هو الشهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو عمل.

8- العزيز: هو الغالب الذي لا يغلب، والمنيع الذي لا يوصل إليه.

9- الجبار: وهو الذي لا تناله الأيدي ولا يجري في ملكه إلا ما أراد.

10- المتكبر: وهو المتعالي عن صفات الخلق، والكبرياء صفة لا تكون إلا لله خاصة لأن الله عز وجل هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد مثله، وذلك الذي يستحق أن يقال له المتكبر.

قال الله عزّ وجل في الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئاً منهما ألقيته في جهنم" رواه أبو داود وابن ماجه.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:17 PM
11- الخالق: وهو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة وقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] أي تبارك الله أحسن المقدرين لأن الخلق يأتي بمعنى التقدير.

12- الباريء: هو الذي خلق الخلق عن غير مثال سابق.

13- المصور: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة.

14- الغفار: هو الذي يستر ذنوب عباده مرة بعد أخرى.

15- القهار: هو الذي قهر العاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته وقهر الجبابرة بعزِّ سلطانه وقهر الخلق كلهم الموت.

16- الوهَّاب: هو الذي يجود بالعطاء الكثير.

17- الرزاق: هو القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وطعامها، وما ينتفع به الناس من رزق مباحٍ وغير مباح.

18- الفتاح: وهو الذي يفتح المنغلق على عباده من أمورهم ديناً ودنيا وهو الذي يفتح بين الحق والباطل فيوضح الحق ويبينه ويدحض الباطل فيزهقه ويبطله.

19- العليم: بمعنى العالم على صيغة المبالغة، فالعلم صفة لله تعالى.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:18 PM
20، 21- القابض، الباسط: هو الذي يوسع الرزق ويقدره، يبسطه بجوده ورحمته ويقبضه بحكمته.

22، 23- الخافض، الرافع: هو الذي يخفض الجبارين والمتكبرين أي يضعهم ويهينهم، ويخفض كل شيء يريد خفضه، وهو الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد وأولياءه بالتقريب.

24- المعز: وهو تعالى يعز من شاء من أوليائه والإعزاز على أقسام:

القسم الأول: إعزاز من جهة الحكم والفعل: هو ما يفعله الله تعالى بكثير من أوليائه في الدنيا ببسط حالهم وعلو شأنهم، فهو إعزاز حكم وفعل.

القسم الثاني: إعزاز من جهة الحكم: ما يفعله تعالى بأوليائه من قلَّة الحال في الدنيا، وأنت ترى من ليس في دينه فوقه في الرتبة ‍‍‍‍ فذلك امتحان من الله تعالى لوليه، وهو يثيبه إن شاء الله على الصبر عليه.

القسم الثالث: إعزاز من جهة الفعل: ما يفعله الله تعالى بكثير من أعدائه من بسط الرزق وعلو الأمر والنهي، وظهور الثروة في الحال في الدنيا، فذلك إعزاز فعل لا إعزاز حكم، وله في الآخرة عند الله العقاب الدائم، وإنما ذلك ابتلاء من الله تعالى واستدراج.

25- المذل: الله تعالى يذلُّ طغاة خلقه وعُتاتهم حكماً وفعلاً، فمن كان منهم في ظاهر أمور الدنيا ذليلاً، فهو ذليل حكماً وفعلاً.

26- السميع: وهو الذي له سمع يدرك به الموجودات وسمعه وسع كلَّ شيء فسبحان الذي لا يشغله سمع عن سمع، والسمع صفة لله تعالى.

27- البصير: وهو من له بصر يرى به الموجودات، والبصر صفة لله تعالى.

28- الحكم: هو الحاكم، وهو الذي يحكم بين الخلق لأنه الحَكَم في الآخرة، ولا حكم غيره. والحكام في الدنيا إنما يستفيدون الحكم من قبله تعالى.

29- العدل: وهو الذي حكم بالحقِّ، والله عادل في أحكامه وقضاياه عن الجور.

30- اللطيف: هو المحسن إلى عباده، في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويُسيِّر لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:19 PM
31- الخبير: هو العالم بحقائق الأشياء.

32- الحليم: هو الذي يؤخر العقوبة على مُستحقيها ثم قد يعفو عنهم.

33- العظيم: هو المستحق لأوصاف العلو والرفعة والجلال والعظمة وليس المراد به وصفه بعظم الأجزاء كالكبر والطول والعرض العمق لأن ذلك من صفات المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

34- الغفور: هو الذي يكثر من المغفرة والستر على عباده.

35- الشكور: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويعطي عليه الكثير من المثوبة والأجر.

36- العلي: وهو تعالى عالٍ على خلقه فهو العالي القاهر.

37- الكبير: هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دونه تعالى كل كبير.

38- الحفيظ: هو الحافظ لكل شيء أراد حفظه.

39- المقيت: هو المقتدر على كل شيء.

40- الحسيب: هو الكافي.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:20 PM
41- الجليل: هو عظيم الشأن والمقدار، فهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل ويتضع معه كل رفيع.

42- الكريم: هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه.

43- الرقيب: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.

44- المجيب: هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه.

45- الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر الخلق.

46- الحكيم: هو مُحكِم للأشياء متقن لها.

47- الودود: هو المحب لعباده.

48- المجيد: هو الجليل الرفيع القدر، المحسن الجزيل البرّ.

49- الباعث: يبعث الخلق كلَّهم ليوم لا شك فيه، فهو يبعثهم من الممات، ويبعثهم أيضاً للحساب.

50- الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:22 PM
51- الحق: هو الموجود حقاً.

52- الوكيل: هو الذي يستقل بأمر الموكول إليه.

53- القوي: هو الكامل القدرة على كل شيء.

54- المتين: هو شديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يمسه في أفعاله ضعف.

55- الولي: هو المتولي للأمور القائم بها، بأن يتولى نصر المؤمنين وإرشادهم، ويتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم.

56- الحميد: هو المحمود الذي يستحق الحمد.

57- المحصي: لا يفوته شيء من خلقه عداً وإحصاءً.

58- المبديء: هو الذي ابتدأ الأشياء كلها، لا عن شيء فأوجدها.

59- المعيد: هو الذي يعيد الخلائق كلهم ليوم الحساب كما بدأهم.

60- المحيي: هو الذي خلق الحياة في الخلق.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:24 PM
61- المميت: هو الذي خلق الموت، وكتبه على خلقه، واستأثر سبحانه بالبقاء.

62- الحي: هو الذي يدوم وجوده، والله تعالى لم يزل موجوداً ولا يزال موجوداً.

63- القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال.

64- الواجد: هو الغني الذي لا يفتقر إلى شيء.

65- الماجد: هو بمعنى المجيد.

66- الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك.

67- الأحد(1): هو الذي لا شبيه له ولا نظير.

68- الصمد: هو الذي يُقْصَدُ في الحوائج.

69- القادر: هو الذي له القدرة الشاملة، فلا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب.

70- المقتدر: هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء.

____________________________

(1) الأحد في رواية الترمذي.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:25 PM
71، 72- المقدم المؤخر: هو الذي يزن الأشياء منازلها فيقدم ما شاء ومن شاء ويؤخر ما شاء ومن شاء.

73، 74- الأول والآخر: وهو مقدم على الحوادث كلها بأوقات لا نهاية لها، فالأشياء كلها وجدت بعده، وقد سبقها كلها. الأول الذي لا بداية لوجوده والآخر الذي لا نهاية لوجوده.

وهو المتأخر عن الأشياء كلها، ويبقى بعدها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء" رواه مسلم والترمذي وابن ماجه.

75- الظاهر: هو الذي ظهر للعقول بحججه، وبراهين وجوده، وأدلة وجدانيته.

76- الباطن: هو الذي احتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم.

77- الوالي: هو المالك للأشياء والمتولي لأمرها.

78- المتعالي: هو المنزه عن صفات الخلق.

79- البر: هو المحسن إلى خلقه، المصلح لأحوالهم.

80- التواب: هو الذي يقبل رجوع عبده إليه.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:26 PM
81- المنتقم: هو الذي ينتصر من أعدائه ويجازيهم بالعذاب على معاصيهم.

82- العفو: هو الذي يصفح عن الذنب.

83- الرؤوف: هو الذي تكثر رحمته بعباده.

84- مالك الملك: هو الذي يملك الملك، وهو مالك الملوك، والمُلاَّك يُصرِّفهم تحت أمره.

85- ذو الجلال والإكرام: هو المستَحق أن يُجَلَّ ويُكرم فلا يجحد.

86- المقسط: هو العادل في حكمه.

87- الجامع: هو الذي يجمع الخلق ليوم الحساب.

88- الغني: هو الذي استغنى عن الخلق، فهو الغني وهم الفقراء إليه.

89- المغني: هو الذي أغنى الخلق بأن جعل لهم أموالاً وبنين.

90- المانع: هو الذي يمنع ما أراد منعه، فيمنع العطاء عن قوم والبلاء عن آخرين.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:28 PM
91، 92- الضار، النافع: هو الذي يوصل الضرر إلى من شاء وما شاء ويوصل النفع إلى من شاء وما شاء.

93- النور: هو الهادي الذي يبصر بنوره ذو النهاية ويرشد بهداه ذو الغواية.

94- الهادي: هو الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتقى ما يضره.

95- البديع: هو الذي انفرد بخلق العالم كله فكان إبداعه لا عن مثال سبق.

96- الباقي: هو الذي يدوم وجوده، وهو المستأثر بالبقاء.

97- الوارث: هو الذي يبقى بعد هلاك كل مخلوق.

98- الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، وأرشد أولياءه إلى الجنة وطرق الثواب.

99- الصبور: وهو الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:29 PM
- وهذه المذكورات التسع والتسعون ليست كل ما ورد في أسماء الله تعالى بل ذكر في القرآن والأحاديث غيرها مثل: الرب، الحنان، المنان، الباديء، الكافي، المغيث، المولى، المبين، المحيط، القريب، الوتر، العلاَّم، المليك، الأكرم، ذو الطَّول، الجميل، الرفيع.

شرح هذه الأسماء:

الرب: تطلق في اللغة كلمة الرب على المالك والسيد والمدبر والمربي والقيمِّ والمنعم. ولا يطلق غير مضاف إلا على الله وإذا أطلق على غيره أضيف فتقول: الله هو الرب، ولا تقول: فلان هو الرب بل تقول: فلان رب المنزل - أي فتضيفه إلى كلمة أخرى -

- الحنان: أي ذو الرحمة.

- المنان: هو الكثير العطاء.

- الباديء: بمعنى المبديء.

- الكافي: هو الذي يكفي عباده المُهم ويدفع عنهم المُلِم.

- المغيث: هو الذي يدرك عباده في الشدائد فيخلصهم.

- المولى: هو الناصر المعين.

- المبين: هو الظاهر أمره في الواحدنية.

- المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع المقدورات وأحاط علمه بجميع المعلومات.

- القريب: قريب بعلمه من خلقه، قريب ممن يدعوه بإجابته.

- الوتر: هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير.

- العلام: بمعنى العليم.

- المليك: هو المالك.

- الأكرم: هو الذي لا يوازيه كريم.

- ذو الطول: معناه صاحب المنِّ والعطاء.

- الجميل: هو الجميل في ذاته وصفاته وهو المُجمِل المحسن لخلقه وعباده.

- الرفيع: هو الذي لا أرفع قدراً منه وهو المستحق المدح والثناء.

-التوقيف في أسماء الله تعالى:

إن أسماء الله تعالى توقيفية فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه، فما أطلقه تعالى من اسم أطلقناه وما منعه منعناه، وما لم يرد به إذن شرعي فيه، ولا منع لم نجوِّزه.

ولقد حذر القرآن الكريم من تحريف أسماء الله فقال سبحانه وتعالى:

{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180].

- تنبيه:

يجب التنبه إلى بعض الإطلاقات التي تصدر من بعض المؤلفين في تركيب اسم لله لم ينص عليه في الكتاب والسنة، كإطلاق عبارة مهندس الكون الأعظم على الله أو المدير العام لشؤون الخلق، أو العقل المدبر، أو الجوهر أو الجسم فكل هذه الإطلاقات وما شابهها لا يجوز إطلاقها بتاتاً.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:30 PM
5- مبدأ التوحيد:

1- إن دلائل وحدانية الله سبحانه ظاهرة واضحة في نظام هذا الكون المستقر، وأحداثه المنسقة، وسيره المنتظم .. ولو كان هناك إله غير الله لحدث الصراع بينهم على تسيير هذه المخلوقات وعندئذٍ يدب الفساد في الأرض والسماء.

قال الله سبحانه وتعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22].

2- ولو كان مع الله آلهة أخرى لحاول بعضهم أن يستعلي على غيره، وعندئذ يشهد الكون حروباً مروعة مدمرة، ويكون الملكوت ميداناً لصراع جبار بين الآلهة المتنازعة أو لحاول الضعاف من هذه الآلهة المتنازعة أن يتعاونوا على من له القوة والنفوذ في هذا الملكوت.

قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا(1) إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (2)، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 42-43].

3- ولو كان مع الله آلهة أخرى لفصل كل إله ما خلق ولشاهدنا عمليات الانفصال والتجزئة ظاهرة في هذا الكون وكم تكون، الحياة سيئة لو أن للشمس إلهاً منع عنا ضوءها وأن للشجر إلهاً منع عنا ثمارها، وأن للسحب إلهاً منع عنا قطرها.

___________________________

(1) طلبوا.

(2) بالممانعة والمغالبة.

قال الله سبحانه وتعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91].

التوحيد على قسمين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:

1- توحيد الربوبية لله تعالى: فالله سبحانه وتعالى هو ربُّ السماوات والأرض ومن فيهن، ولم يشاركه في خلقها وتربيتها ومدَّها بالبقاء شريك.

قال الله سبحانه وتعالى:

{قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ*قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ*قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ*بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 84 -90].

وقال الله سبحانه وتعالى:

{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:2-3].

2- توحيد الألوهية لله تعالى:

فلله تعالى الأمر والنهي والحكم والقضاء وهو الذي يستحق العبادة وحده.

فإننا نعبد الله وحده ولا نشرك بعبادته ونعبده بما أمرنا أن نعبده وعلى الشكل الذي أمرنا به دون أن نخترع أو نبتدع من عند أنفسنا عبادة لم يأذن بها الله تعالى.

ومن توحيد الإلهية: أن تحكم شريعة الله في كل أعمالنا الفردية والجماعية، لأن الله سبحانه له الخلق، ومن له الخلق فله الأمر.

وعبادة الله تكون بطاعته فيما أمرنا به وفيما نهانا عنه، وكل حكم على خلاف حكم الله يمثل استنكافاً عن طاعته في ذلك الحكم، فإذا كان ذلك طاعة لغير الله تعالى فهو شرك بالله فيما هو من خصائص ألوهيته، وهو يمثل نقضاً جزئياً لتوحيد الألوهية وإذا كان لك اتباعاً لهوى النفس فهو لون في ألوان عبادة الهوى.

قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123].

وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

فالله هو الواحد الأحد الذي يتصف بصفة الوحدانية، فإنه لا إله في حقيقة الأمر إلا الله.

قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:31 PM
6- مبدأ تنزيه الله تعالى:

إن صفات الله تعالى وكماله عزَّ وجلَّ حقيقة قائمة ثابتة، يشهد بها كل ما في الكون، وتتحدث بها الفطرة البشرية، فكل إنسان منا يشعر أن فيه نقصاً دون الكمال ويشعر بوجود نقص في كل ما نشاهده في المخلوقات، فهذا الاتجاه التي تتجه الفطرة إليه(الشعور بالنقص) إنما يتبع من تيقنها بوجود من يتصف بالصفات العليا والذي له الأسماء الحسنى، وتلك هي الفطرة الإنسانية المؤمنة التي فطرها الله على الإيمان.

فعلم الإنسان بمخلوقات الله محدود وهو لا يستطيع أن يحيط بالمخلوقات علماً فكيف يستطيع أن يحيط بالله علماً؟

قال الله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].

فلا نعرف الله حق معرفته إلا بما علمنا إياه من طريق الشريعة، فقد جاءنا العلم والبيان منه فعرَّفنا الله بنفسه سبحانه وبأسمائه وصفاته فنقف عندها ونمجده ونقدسه وننزه.

فالله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن مشابهته بالمخلوقات فهو لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه.

فذاته ليست كذوات المخلوقات وأسماؤه ليست كأسماء المخلوقات، - وإن تشابهت الأسماء - كالرحيم مثلاً - ولكن المسمَّى يختلف.

وصفاته ليست كصفات المخلوقات وأفعاله ليست كأفعال المخلوقات.

فكل صفة من صفاته لا تشبه أبداً صفة من صفات الخلق فعلمه ليس كعلم عباده، وحكمته ليست كحكمة البشر، وقدرته ليست كقدرة البشر ورحمته ليست كرحمة المخلوقين وانتقامه من الكافرين ليس كانتقام البشر فكل صفة من البشر يلحقها النقص، أما كل صفة من صفات الله فلها الكمال تعالى الله عزَّ وجلَّ.

قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري: 11].

ولنضرب مثلاً يوضح الفكرة: عندما يقال: الملك الفلاني كريم، والبواب الذي عندنا كريم، وطفل الملك كريم. فدون شك أن السامع سيفرق بين كرم الملك وكرم بوابه وكرم طفله، وذلك بالرغم أن الجميع من المخلوقات.

فإذا قلنا: الله كريم، فلا شك أننا سنعلم يقيناً أن كرم المولى عزَّ وجلَّ لا يشابهه شيء من كرم عباده المملوكين الضعفاء.

وعندما يقال: الملك غني، والأمير غني، وضابط الجيش غني، فالسامع مباشرة يفرق بين غنى كل واحد منهم وهؤلاء كلهم من بني آدم، ومع غناهم فهم مفتقرون افتقاراً مطلقاً، فيفتقر كل واحد منهم إلى الطعام والشراب والخلاء والنوم والتنفس والراحة إلى آخره ...

أمَّا غنى المولى سبحانه فلا يشابهه شيء من غنى العباد، فالعباد بالنسبة إلى الله هم فقراء بحاجة إليه في إمدادهم بكل شيء، والله بالنسبة إلى العباد هو الغني الذي لا يحتاج إلى غيره مطلقاً.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].

وقال تعالى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ(1) وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255].

____________________

(1) نعاس وغفوة.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:33 PM
7- من صفات الله تعالى:

صفات الله تعالى لا حصر لها ولا عد فهو تعالى موصوف بالرحمة والكرم والمغفرة وكل صفات الكمال التي تليق بجلاله. نذكر في هذا الموجز بعضاً من هذه الصفات على أن نتوسع في إصدارات أخرى إن شاء الله تعالى:

أ- صفة الأولية وصفة الآخرية:

لقد وصف الله نفسه بأنه متصف بالأولية والآخرية فقال سبحانه وتعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء" رواه مسلم.

فالأول معناه: لا بداية لوجوده.

والآخر معناه: لا نهاية لوجوده.

فالله هو الأول بحيث لا يتصور قبله وجود قط، وكلما وقع في ذهنك وجوداً، فاعلم أنه مخلوق لله وأن وجود الخالق أسبق منه، فالله هو الأول قبل كل شيء.

والذي نتيقن به أنَّ الله سبحانه وتعالى غير حادث ولا تعتريه صفة من صفات الحوادث، لأنه لو كان الله تعالى حادثاً لاعتراه الفناء والعدم، فيتحصل أن العدم أصل للوجود وهذا مما لا يقبله العقل ولا الواقع.

ومن العجيب أن ينكر الملحدون قول المؤمنين بالله: إنه الأول قبل كل شيء في الوقت الذي يصفون فيه المادة (السديم المادي) بالوصف نفسه، ويقولون: إنه لا خالق له في حين أن الأدلة متضافرة ومشاهدة تنطق بأن هذا الكون مخلوق من عدم، وأنه حدث بعد أن لم يكن شيئاً وأنه ليس أزلياً لا بداية له كما يزعمون بل الله الخالق هو الأول. (انظر دليل وجود الله).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء غيره" رواه البخاري.

- والله هو الآخر ووجوده ممتد إلى غير نهاية بحيث لا يتصور بعده وجود، فهو باقٍ عزَّ وجلَّ ويتصف بصفة البقاء وكل ما عداه قابل للفناء وكلما وقع في ذهنك وجوداً فاعلم أن وجوده مخلوق لله تعالى وأنه يفنى ويهلك ويبقى الله الذي ليس بعده شيء.

قال الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88] {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 26- 27].

ب- صفة الحياة:

إن الله حي، وحياته ليست كحياتنا لأن حياتنا حادثة وقائمة بالروح ثم مآلنا إلى الموت. فحياته ليس كمثلها شيء.

وما مظاهر الحياة المشاهدة إلا أثر ضئيل لحياة الله القيوم، فالموت لا يكون على الخالق، لأن الموت يأتي عند انعدام أسباب الحياة ومجيء أسباب الموت، فإذا كانت أسباب الحياة من مخلوقات الله فحياة الله إذن قبل وجود هذه الأسباب، فحياة الله كاملة ليست مشروطة بوجود أسباب معينة.

قال الله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال تعالى: {وَعَنَتْ(1) الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111].

وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان: 58].

ج- صفة العلم:

إن الله قد أثبت لنفسه صفة العلم فقال سبحانه وتعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].

فالله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، لم يسبق علمه جهل ولا يجري عليه نسيان ولا يخالف علمه الواقع، وعلمه محيط بما كان وما هو كائن الآن وما سيكون، فيستوي الماضي والحاضر والمستقبل في علم الله، وسأل فرعون موسى عليه السلام عن الأزمنة السابقة له، فقال الله تعالى في كتابه العزيز: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (2) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي (3) وَلا يَنسَى} [طه: 51 - 52].

وما هذا الكون وما فيه من إحكام واتقان إلا برهان وشاهد على شمول علم الله تعالى وحكمته لجميع الموجودات دقيقها وجليلها وعظيمها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، فمن يخلق المخلوقات كلها عليم بأسرارها وخفاياها.

قال الله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

قال الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59].

وقال تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89].

وقال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ (4) عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ(5) فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61]. _______________________

(1) خضعت.

(2) فما حال وشأن الأمم.

(3) لا يغيب عن علمه شيء.

(4) لا يغيب.

(5) وزن أصغر هباءة.

وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ(1) وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر: 19].

وقال تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ (2) الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (3) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(4) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ (5) بِالنَّهَارِ } [الرعد: 8 - 10].

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (6) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ (7) فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا (8) وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (9) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ* يُولِجُ (10) اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 4 - 6].

د- صفة الإرادة:

إن الله تعالى موصوف بصفة الإرادة فهو مريد وإن إرادته جلَّ وعلا شاملة، فلا يوجد في الكون شيء إلا ما أراده الله سبحانه تعالى قبل وجوده فما علم اللهُ وقوعَه فقد أراد وقوعه، وكل ما علم عدم وقوعه لم يرد وقوعه.

قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].

وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107].

وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82 - 83].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يعلم بعضَ بناته أن تقول: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" رواه أبو داود.

والإرادة على معنيين:

إرادة بمعنى المشيئة والتخصيص وهي المقصودة هنا. وإرادة بمعنى المحبة مثل قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ}[الأنفال: 67].

__________________

(1) العين التي تسرق النظر إلى الحرام.

(2) ما تسقطه.

(3) بقدر وحدّ لا يتعداه.

(4) المستعلي على كل شيء بقدرته.

(5) ذاهب في طريقه ظاهراً.

(6) استواءً يليق بكماله وجلاله.

(7) ما يدخل فيها.

(8) ما يصعد إليها.

(9) بعلمه المحيط بكل شيء.

(10) يُدخله.

هـ- قدرة الله تعالى:

إن الله سبحانه وتعالى اتصف بالقدرة وقدرته لا كقدرتنا لأن قدرته كاملة شاملة توجد الأشياء التي أراد الله أن يوجدها وقدرته غير مستمدة من شيء.

أما قدرتنا فهي ناقصة ومددها من الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 6].

وقال تعالى: {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 54].

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا(1) وَصِهْرًا(2) وَكَانَ رَبُّكَ قديراً} [الفرقان: 54].

و- صفة السمع وصفة البصر:

إن الله يسمع من غير جارحة وغير آلة للسمع ولا شرط من قرب وبعد ومسافة ولا يشغله سمع عن سمع فالله وصف نفسه بأنه سميع.

وصفة السمع: ما تنكشف به الموجودات وإن الله يبصر من غير جارحة ودون انعكاس موجات ضوئية من الشيء المرئي، ولا شرط من قرب أو بعد أو عدم وجود حائل، والله وصف نفسه بأنه بصير.

وصفة البصر: ما به تنكشف المبصرات، هو يرى ولا يخفى عليه شيء.

والسمع والبصر صفتان لله ليس كسمعنا وبصرنا فهو سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

قال الله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ(3) عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(4) * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:43-46].

وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].

وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 9 - 14].

________________________

(1) ذوي نسب ذكوراً يُنسب إليهم.

(2) ذوات صهر إناثاً يصاهر بهن.

(3) يعجل علينا العقوبة.

(4) يزداد طغياناً وعتواً وجرأة.



ز- صفة الكلام:

إن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام فقد ورد في القرآن الكريم أن الله كلمَّ موسى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164].

وأثبت لنفسه الكلام فقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6].

والقرآن الكريم من كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب، مقروء على الألسن منزل على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما عُلم أن الله سبحانه عليم بكل شيء بما كان وما هو كائن الآن وما سيكون في المستقبل إلى ما لا نهاية.

وما يدل على هذا العلم من كلمات لا نهاية لها كذلك.

قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا(1) لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ(2) الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ(3) مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ(4) كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27].

فصفة كلامه ليس ككلامنا، فكلامنا له كيفية ألفاظٍ تصنعها الشفتان واللسان وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان فذاك شأن الإنسان أماَّ صفة كلامه فتنزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:34 PM
8- الآيات والأحاديث المتشابهة:

معنى المحكم: وهو النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً محدداً لا اشتباه فيه.مثل قوله تعالى:

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].

معنى المتشابه: هو النص الذي يحتمل أوجهاً عديدة فيكون له أكثر من معنى.

مثال الآيات المتشابهات: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5].

{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [البقرة: 210].

وغير ذلك مما يشابهها.

__________________

(1) المادة التي يكتب بها.

(2) فني وفرغ.

(3) يزيده.

(4) ما تركت وما نفيت.

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7 - 8].

وفي الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله عزَّ وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" رواه البخاري ومسلم.

الصعوبة في معرفة الحقيقة الكاملة من الألفاظ المتشابهة:

قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} فاللفظ المتشابه لا ينطبق تمام الانطباق على الحقيقة التي يرمز إليها إنما يشابهها في وجه من الوجوه.

ومن أراد أو حاول معرفة هذه الحقيقة الكاملة من الألفاظ المتشابهة فلن يصل إلى نتيجة مرضية بل سيقع في زيغ.

ولنضرب مثالاً لتوضيح الفكرة في الأذهان:

لنفرض أن شخصاً في هذا العصر أراد توعية قوم عاشوا قبل ألف سنة، فقال لهم: قد أصبح الحديد يتكلم، ولم يشأ أن يخبرهم بكيفية كلام الحديد الذي يعتمد على الدوائر الكهربائية والموجات أو الملفات المغناطيسية والذبذبات الصوتية لأنهم لن يفهموا بدقة هذه الأمور.

ولكن بعد أن تركهم أرادوا أن يعرفوا الحقيقة في كلام الحديد من اللفظ المتشابه (الحديد يتكلم).

فقال أحدهم: لقد قال لنا: الحديد يتكلم، وهل يتكلم الحديد بغير لسان؟ إذاً لابد أن الحديد لساناً!.

وقال آخر: وهل يكون للحديد لسان دون أن يكون له فم؟ إذاً لابد له من فم!.

وقال آخر: وبما أن الحديد له فم، إذاً لابد له أن يتغذى ويأكل!.

وقال آخر: وبما أن الحديد يتغذى ويأكل، إذاً لابد أن له معدة وأمعاءً، ولابد أنه يبحث عن طعامه!.

فانظر يا أخي إلى أي ضلال ذهب الذين لم يعرفوا حقيقة الألفاظ المتشابهة وأرادوا معرفة الحقيقة منها.

الموقف من الآيات والأحاديث المتشابهة:

أهل الإيمان يؤمنون بأنها حق من عند الله {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وقد سئل عن الأحاديث المتشابهة: "نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى ولا نَرُدُّ منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق إذا كان بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بأكثر مما به وصف به نفسه بلا حدّ ولا غاية. {ليسَ كمِثْلِهِ شيءٌ}. ذكره الخلال في كتاب السنة.

وجاء رجل إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرخصاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج. رواه البيهقي بإسناد جيد.

وعن محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله قال: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرَّب عزّ وجلّ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه". رواه أبو القاسم الألكائي في كتاب السنة.

وسئل الإمام الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفية. رواه البيهقي.

وقال سفيان بن عينية: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه. رواه البيهقي وهو صحيح الإسناد.

وقال الإمام البيهقي: وفي الجملةيجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء

اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف، بلا أين، بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها، ونفينا عنه التكييف، فقد قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4].

وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].

قالت رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". رواه البخاري ومسلم.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:36 PM
الإيمان بالملائكة عليهم السلام

1- وجوب الإيمان بالملائكة عليهم السلام

2- حقيقة الملائكة عليهم السلام

3- حكمة وجود الملائكة عليهم السلام والإيمان بهم

4- عصمة الملائكة عليهم السلام من المعصية

5- مرتبة الملائكة عند الله عزَّ وجلَّ

6- عبادة الملائكة وخوفهم من الله عزَّ وجلَّ

7- تمثلات وتشكلات الملائكة عليهم السلام

8- أعداد الملائكة عليهم السلام

9- رؤساء الملائكة

10- خلقة الملائكة الأصلية

11- أصناف الملائكة ووظائفهم :

أ- جبريل عليه السلام : صفاته، وظائفه.

ب- ميكائيل عليه السلام : وظائفه.

ج- إسرافيل عليه السلام : وظائفه.

د- حملة العرش : عددهم، عظمتهم، وظائفهم.

هـ- الملأ الأعلى أو الرفيق الأعلى.

و- الملائكة المقربون.

ز- خزنة الجنة.

حـ- خزنة النار.

ط- الملائكة الموكلون بتصوير النطفة وتطويرها.

ي- الملائكة الموكلون بمراقبة أعمال المكلفين وكتابة أقوالهم وأفعالهم.

ك- الملائكة الموكلون بحفظ الإنسان.

ل- الملائكة الموكلون بقبض الأرواح.

م- الملائكة الموكلون بأمور أخرى في هذا العالم.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:40 PM
1- وجوب الإيمان بالملائكة عليهم السلام:

إن الإيمان بالملائكة من الواجبات الإعتقادية، قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

فالمؤمن عليه أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله خلق عالماً سماه الملائكة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور المتضمن أسئلة جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم ما الإسلام والإيمان والإحسان: قال - أي جبريل عليه السلام - فأخبرني عن الإيمان، قال - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال - أي جبريل عليه السلام -: صدقت.

ومن أنكر وجود الملائكة، كان إنكاره كفراً وضلالاً لأنه أنكر ما هو ثابت ثبوتاً صريحاً في القرآن الكريم والسنة الشريفة قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 136].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:44 PM
2- حقيقة الملائكة:

الملائكة عليهم السلام عالم خلقه الله من نور، لهم قدرة على التمثل بأمثال الأشياء بإذن الله تعالى، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانُّ من مارج(1) من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم(2) " رواه مسلم.

فالملائكة نوع من خلق الله تعالى مغاير لنوع الإنس والجن فالإنس والجن يتناسلون ويتناكحون ويوصفون بذكورة وأنوثة بخلاف الملائكة عليهم السلام لا يتناسلون ولا يتناكحون ولا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة.

قال الله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].

______________________

(1) لهب صاف لا دخان فيه.

(2) أي كما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز في مواضع متعددة : بأنه من تراب وماء أي طين قال تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين} [السجدة : 7] بأنه من طين لازب أي يلتزق بعضه ببعض أي : طين مستقر على حالة من الاعتدال ليصلح لقبول التصوير قال تعالى: {إنا خلقناهم من طين لازب} [صافات: 11] وبأنه من صلصال أي طين يابس كالفخار من حمأ مسنون، أي طين أسود مصوَّر صورة إنسان أجوف، قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون}[الحجر: 26] وبأنه قد نفخ فيه الروح قال الله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقوا له ساجدين} [الحجر: 29].

3- حكمة وجود الملائكة عليهم السلام والإيمان بهم:

إن في وجود الملائكة والإيمان بهم حكماً متعددة منها:

أولاً: أن يعلم الإنسان سعة علم الله تعالى وعظم قدرته وبديع حكمته، وذلك أنه سبحانه خلق ملائكة كراماً لا يحصيهم الإنسان كثرة ولا يبلغهم قوة وأعطاهم قوة التشكل بأشكال مختلفة حسبما تقتضيه مناسبات الحال.

ثانياً: الإيمان بالملائكة عليهم السلام هو ابتلاء للإنسان بالإيمان بمخلوقات غيبية عنه، وفي ذلك تسليم مطلق لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: أن يعلم الإنسان أن الله تعالى خلق ملائكة أنقياء أقوياء لكلٍ منهم له وظيفة بأمر من الله تعالى إظهاراً لسلطان ربوبيته وعظمة ملكه، وأنه الملك المليك الذي تصدر عنه الأوامر، من الوظائف التي أمروا بها: نفخ الروح في الأجنة ومراقبة أعمال البشر، والمحافظة عليها وقبض الأرواح وغير ذلك... .

رابعاً: أن يعلم الإنسان ما يجب عليه تجاه مواقف الملائكة معه وعلاقة وظائفهم المتعلقة به، فيرعاها حق رعايتها ويعمل بمقتضاها وموجبها.

مثال ذلك: أن الإنسان إذا علم أن عليه ملكاً رقيباً يراقبه وعتيداً حاضراً لا يتركه، متلقياً عنه ما يصدر منه، فعليه أن يحسن الإلقاء والإملاء لهذا الملك المتلقي عنه والمستملي عنه الذي يدون على الإنسان كتابه ويجمعه ثم يبسطه له يوم القيامة وينشره ليقرأه قال الله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].

خامساً: وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يجعل ملائكة كراماً وسطاء سفرة بينه وبين أنبيائه ورسله عليهم السلام قال الله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِي} [النحل: 2].

وفي ذلك تنبيه إلى عظم النبوة والرسالة، ورفعة منزلة الشرائع الإلهية وشرف العلوم الربانية الموحاة إلى الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وإن شرائع الله تعالى مجيدة كريمة، لأن الذي شرعها هو العليم الحكيم الذي أحكم للناس أحكامها ووضع لهم نظامها على وجه يضمن مصالح العباد وسعادتهم وعزتهم الإنسانية وكرامتهم الآدمية.

فالجدير بالشرائع الإلهية وحكمة أحكامها وبديع انتظامها أن تتنزل بها أشراف الملائكة وساداتها على أشراف الخليقة الإنسانية وساداتها ألا وهم الأنبياء عليهم السلام.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:46 PM
4- عصمة الملائكة عليهم السلام من المعصية:

-إن الملائكة عليهم السلام معصومون عن المعصية والذنوب، فقد عصمهم الله وحفظهم من ذلك.

- فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويأتمرون بأوامر الله تعالى، وكل من كانت صفاته كذلك فلا يقع في معصية أو ذنب قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

-وهم لا يتقدمون بقول إلا بعد أن يأذن الله تعالى لهم في ذلك ولا يتحركون لعمل إلا بأمره. قال الله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26-27].

-وهم في مقام الخشية والخوف من الله، ودأبهم فعل ما يؤمرون به من ربهم قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49 - 50].

فمن كان مقامه الخوف من الله وعدم المخالفة لأوامره فهل يقع منه معصية؟

-وهم يسبحون الله ليلاً ونهاراً، ولا يتعبون ولا يملون من عبادة ربهم. قال الله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ(1) عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (2)} [الأنبياء: 19 - 20].

ومن كان هذا دأبه، فأنى تتأتى منه المعصية؟

-وهم المطيعون الصادقون، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز: {كرام بررة(3) } فمن كان باراً مطيعاً فهل يخالف؟

-فمن ذلك الآيات يتبين أن الملائكة عليهم السلام محفوظون بحفظ الله عن المعصية والذنوب.

ويجب تنزيه مقامهم الرفيع عن كل ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم.

تنبيه: ليس في قصة هاروت وماروت في القرآن الكريم ما يخلُّ في عصمة الملائكة عليهم السلام.

_________________

(1) لا يكلون ولا يعيون.

(2) لا يسكنون عن التسبيح والعبادة.

(3)وهم المطيعون لربهم.

قال الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102].

والقصة: أن اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحرة والشعوذة التي كانت تُقْرَأ في زمن ملك سليمان عليه السلام. وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان عليه السلام، حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون هذا علم سليمان عليه السلام، وما تمَّ لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والطير والريح، فأنزل الله هذين الملكين هاروت وماروت لتعليم الناس السحر ابتلاءً من الله وللتمييز بين السحر والمعجزة وظهور الفرق بين كلام الأنبياء عليهم السلام وبين كلام السحرة.

وما يُعلِّم هاروت وماروت من أحدٍ حتى ينصحاه، ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا السحر واعتقده وعمل به كفر، ومن تعلَّم وتوقَّى عمله ثبت على الإيمان.

فيتعلم الناس من هاروت وماروت علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين، بأن يخلق الله تعالى عند ذلك النفرة والخلاف بين الزوجين، ولكن لا يستطيعون أن يضروا بالسحر أحداً إلا بإذن الله تعالى، لأن السحر من الأسباب التي لا تؤثر بنفسها بل بأمره تعالى ومشيئته وخلقه.

فيتعلم الناس الذي يضرهم ولا ينفعهم في الآخرة لأنهم سخروا هذا العلم لمضرة الأشخاص.

ولقد علم اليهود أن من استبدل الذي تتلوه الشياطين من كتاب الله ليس له نصيب من الجنة في الآخرة، فبئس هذا العمل الذي فعلوه.

والخلاصة: أن الله تعالى إنما أنزلهما ليحصل بسبب إرشادهما الفرق بين الحق الذي جاء به سليمان وأتم له الله به ملكه، وبين الباطل الذي جاءت الكهنة به من السحر، ليفرق بين المعجزة والسحر.

وإن ورد غير ذلك في شأن هذه القصة فلا يبعد أن يكون من الروايات الإسرائيلية.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:48 PM
5- مرتبة الملائكة عند الله عزَّ وجلَّ:

قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18].

هذه الشهادة هي أعظم الشهادات وأقومها وأعلاها، إنها شهادة الله بأنه لا إله إلا هو عز وجل.

ففي هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قرن شهادة الملائكة وأولي العلم بشهادته سبحانه وتعالى التي سجلها في جميع كتبه.

وفي ذلك وجوه من العز والشرف والكرامة وعلو المكانة والمرتبة للملائكة الكرام والعلماء المخلصين الذين قرنهم الله تعالى بملائكته:

أولاً: إن الله تعالى استشهد بشهادة نفسه سبحانه وهو أجلُّ شاهد، وكفى بالله شهيداً، ثم بخيار خلقه وهم الملائكة وأولوا العلم، وحسبهم بذلك رتبة عالية وفضلاً عظيماً، وشرفاً كريماً على غيرهم من المخلوقات.

ثانياً: إنه تعالى لا يستشهد من خلقه إلا الشهود العدول المطيعين، فهذه الآية تدل على عدالتهم وثقتهم وأمانتهم وصونهم وتزكيتهم وتنقيتهم.

ثالثاً: إنه تعالى جعل شهادة الملائكة وأولي العلم حجة على المنكرين، فالملائكة وأولوا العلم عند الله بمنزلة براهينه الدالة على توحيده سبحانه.

وقال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ(1) عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(1) * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(2)} [الأنبياء: 19، 20].

وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء : 26-27- 28].

وقد وصفهم الله في هذه الآيات بأنهم مقربون يداومون على عبادة الله كما أمرهم تعالى ولا ينثنون ولا يكلون ولا يتعبون بل دأبهم الطاعة والاستمرار عليها، وحالهم التسبيح في الليل والنهار فلا يتوقف نشاطهم عن التسبيح والتمجيد لله تعالى.

ووصفهم بأنهم عباد لهم شأن كريم ومقام عظيم ونعتهم بكمال الطاعة، والانقياد لأمره تعالى،وأنهم بأمره يعملون لا من تلقاء أنفسهم، فهم على مراقبة دائمة في جميع تقلباتهم وحركاتهم وسكناتهم، لأنهم يوقنون أن علمه سبحانه محيط بهم، وهم لا يشفعون إلا لمن أرتضى الله تعالى أن يشفعوا له، وأنزلهم مقام الخوف والخشية منه وكفى هذا المقام رتبة.

وقال الله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(3) * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(4)} [الأنبياء: 19-20].

_________________________

(1) لا يملون عن العبادة التي أمروا بها.

(2) لا يسكتون عن التسبيح.

(3) لا يكلون ولا يعيون.

(4)لا يسكتون عن التسبيح.



وقال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (1)} [فصلت: 37- 38].

- فالملائكة عليه السلام لا يصيبهم تعب من عبادة الله تعالى ولا فتور ولا كلل من تسبيحه سبحانه وتمجيده، بل حياتهم ودأبهم هي طاعة الله تعالى وعبادته وتسبيحه وتحميده.

وقال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [شورى: 5].

- فهم يستغفرون لمن أذن الله أن يستغفروا له، فيجيب الله استغفارهم لمن في الأرض، لأنه هو الغفور الرحيم.

وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم مشهداً من مشاهد عبادتهم فقال: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّتْ (2) السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته لله تعالى ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات (3) تجأرون(4) إلى الله تعالى" رواه الترمذي وأحمد.

وقال تعالى: { والصَّافَّاتِ صَفّاً} [الصافات: 1].

فقد أقسم الله تعالى بطوائف من الملائكة الصافات للصلاة والعبادة بين يدي رب العالمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ؟" قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " يقيمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف" رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم.

قال الله تعالى في خوف الملائكة:

{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50].

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].

______________________

(1) لا يملون التسبيح.

(2) ظهر لها صوت من كثرة الملائكة.

(3) مرتفعات الأرض كالتلال والجبال.

(4)تتضرعون إلى الله بالدعاء.

يصف الله ملائكته بأنهم يخافونه ويخشونه لأنه سبحانه مالك ذواتهم وبيده مقاليد أمورهم، وخوفهم، خوف إجلال وإعظام وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى، وإن خوفهم من الله نشأ لعلمهم بالله عز وجل وبحقه.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

إن العلماء يخشون الله لأنهم أعلم بالله من غيرهم، فأعلم الناس بالله تعالى هم أخشاهم لله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: "أمَا والله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" رواه البخاري.

ومع خوفهم وخشيتهم يعلمون أن أحداً لا يقدر الله حق قدره من الثناء عليه والحمد له وتسبيحه وتكبيره والعبادة له.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفٍّ إلا وفيه ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً: ما عبدناك حق عبادتك إلا أنّا لا نشرك بك شيئاً" رواه الطبراني وغيره.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:51 PM
7- تمثلات وتشكلات الملائكة عليهم السلام:

إن الملائكة عليهم السلام تتشكل بأشكال مختلفة -بإذن من الله- حسب المناسبات التي تقتضيها الحالات.

ومن تمثلات الملائكة حسب المناسبة:

- فقد جاء جبريل عليه السلام متمثلاً بصورة بشرٍ سوي الخلق كامل البنية مريم عليها السلام يبشرها بغلام زكي طاهر النفس وهو المسيح عيسى ابن مريم، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ(1) مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا(2) فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا(3) فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(4)} [مريم: 16 - 19].

وقد جاء إلى إبراهيم عليه السلام ملائكة في صورة شبان حسان ضيوفاً وبشروه بغلام

قال الله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(5) * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ(6) * فَرَاغَ(7) إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ(8) مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ(9)}[الذاريات: 24 - 28].

___________________________

(1) انفردت واعتزلت.

(2) ستراً.

(3) جبريل.

(4) طاهر النفس.

(5) الملائكة.

(6) قوم لا يعرفهم.

(7) ذهب خفية.



وكان جبريل عليه السلام يأتي النبيَّ عليه الصلاة والسلام بصورة رجل أعرابي حسن المنظر غير معلوم لدى الناس.

عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: " بَيْنَما نَحْنُ جُلْوسٌ عِنْدَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّيَاِب شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ ولا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتى جَلَسَ إلى النَّبِّي صلى الله عليه وسلم، فأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ووَضَعَ كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ، وقال: يا محمَّدُ أَخْبرني عَن الإسلامِ، فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الإسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأَنَّ محمِّداً رسولُ الله، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضان، وتَحُجَّ الْبَيْتَ إن اسْتَطَعتَ إليه سَبيلاً. قالَ صَدَقْتَ. فَعَجِبْنا لهُ يَسْأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ، قال : فَأَخْبرني عن الإِيمان. قال: أَن تُؤمِنَ باللهِ، وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ، ورسُلِهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. قال صدقت. قال : فأخْبرني عَنِ الإحْسانِ. قال: أنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاك. قال: فأَخبرني عَنِ السَّاعةِ، قال:ما المَسْؤولُ عنها بأَعْلَمَ من السَّائِلِ . قال: فأخبرني عَنْ أَمَارَتِها (1)، قال: أن تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَها، وأَنْ تَرَى الحُفاةَ العُراةَ العالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُون في الْبُنْيانِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبثْتُ مَلِيّاً، ثُمَّ قال: يا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أَعلَمُ . قال: فإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ". رواه مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً يأتيني مثل صلصة الجرس - وهو أشدُّه عليَّ - فيفِصمُ عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّدُ عرقاً. رواه البخاري.

-وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بصور حسب المناسبة التي اقتضتها تلك الحالة، فجاء يوم نبي قريظة بصورة محارب عليه السلاح.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح؟ واللهِ ما وضعناه فاخرج إليهم. قال: فإلى أين. قال: هاها. وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي "صلى الله عليه وسلم إليهم قال أنس رضي الله عنه: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً(2) في زقاق بني غنم(3) موكب جبريل عليه السلام حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة. رواه البخاري.

________________

1- علاماتها.

2-مرتفعاً

3- جماعة من الركاب يسيرون برفق.



وقد تمثل المَلك بصورة أبرص ثم بصورة أقرع ثم بصورة أعمى حيث أرسله الله تعالى ليبتلي الذي كان أبرص والذي كان أقرع والذي كان أعمى، فأكرمهم الله بحسن الحال والصحة والكمال فجاء الملَك يختبرهم: أيشكرون نعمة الله عليهم ويعرفونها ويؤدون حقها، أم يجحدون ويكفرون بنعمة الله تعالى.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص، فقال له: أيُ شيء أحب إليك؟ فقال لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس. قال: فمسحه الملك: فذهب عنه فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً. فقال له الملك: وأي المال أحب إليك؟ فقال: الإبل، فأعطاه ناقة عشراء، وقال: بارك الله فيها.

وأتى -أي الملَكُ- الأقرع، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ فقال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. فمسحه -أي الملك- فذهب وأعطي شعراً حسناً، فقال الملك: فأيُّ المال أحب إليك؟ فقال: البقر، فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: بارك الله لك فيها.

وأتى -أي الملَك- الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله عليَّ بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه الملك، فردّ الله إليه بصره، قال: فأيَّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاةً والداً.

فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من إبل ولهذا وادٍ من بقره، ولهذا وادٍ من غنم.

ثم إنه -أي الملَك- أتى الأبرص في صورته -أي في صورة الأبرص حين كان أبرص- وهيئته، فقال -الملك- له: رجل مسكين انقطعت به الحبال(1) فلا بلاغ له اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، أسألك بعيراً أتبلغ به في سفري، فقال له الأبرص: إن الحقوق كثيرة، فقال له -الملك- كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله تعالى؟ فقال الأبرص: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر(2) فقال له الملك: إن كنت كاذباً صيرك الله إلى ما كنت(3).

وأتى الأقرعَ في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال للأبرص فردَّ عليه الأقرع مثل ما ردَّ على الأبرص، فقال له الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت(4)

________________________________

1- أي أسباب الرزق في السفر.

2- كبيراً عن كبير في العزّ والشرف (أبّا عن جد).

3- أرجعك إلله إلى الحالة التي كنت عليها وهي البرص.

4- أرجعك الله إلى الحالة التي كنت عليها وهي القرع

وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال له: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري، فقال له الأعمى: قد كنت أعمى فردَّ الله علي بصري وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك".

- وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بصورة دِحْيَة الكلبي إذ كان جميل الصورة وحسن الهيئة.

- أحكام خاصة في تمثلات الملائكة عليهم السلام: تمثلات الملك لها أحكامها الخاصة.

فلا يلزم من تمثل الملك بصورة بشر أن تناله الأحكام البشرية كلها بل تعتريه بعض العوارض المناسبة له:

مثال ذلك:

1- إصابة الملك بغبار فيمسحه، فقد ورد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار. رواه البخاري.

2- إصابة الجسم بآفة إذا أصيب بضربة كاللطمة على العين فتفقأها، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك، قال فلطم(1) موسى عين ملك الموت ففقأها، قال فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال فردَّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي - أي إلى موسى - فقل: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور(2) فما توارت(3) يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة. فقال - أي موسى عليه السلام -: ثم ته(4) ؟ قال - أي ملك الموت -: ثم تموت. قال -موسى عليه السلام-: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر(5)" متفق عليه واللفظ لمسلم.

________________________________.

(2) ضرب.

(3) ظهر.

(4) غطت.

(5) أي ماذا يكون بعد ذلك.

(6) المجتمع من التراب.

أمَّا العوارض التي لا تعتريهم ولا تنالهم فهي:

- الأكل والشرب لما ورد في الآيات الكريمة لمّا جاءت الملائكة عليهم السلام إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ضيوفاً وقدم لهم طعاماً -وهو عجل سمين- لم يتناولوا منه شيئاً.

والنوم : لأن الملائكة عليهم السلام لا يسكنون عن عبادة الله أبداً ولا يتعبون.

{فقربه(1) إليهم(2) قال ألا تأكلون * فأوجس(3) منهم خيفة}.

{وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(4) * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(5)} [الأنبياء: 19 - 20].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:52 PM
8- أعداد الملائكة عليهم السلام:

إن عدد الملائكة لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ، فهم لا يحصون في علم المخلوقات لكثرتهم الكاثرة قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ} [المدثر: 31].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطت(6) السماء، وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع".

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:54 PM
9- رؤساء الملائكة عليهم السلام:

منهم جبريل،(7) وميكائيل(8) وإسرافيل(9) ولكل منهم أعمال ووظائف يقوم بها بأمر من الله تعالى.

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة رضي الله عنها: بأيّ شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة إذا قام الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخُتلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". رواه مسلم.

وفي ذكر أسماء الثلاثة (جبريل وميكائيل وإسرافيل) ما يدل على أفضلية هؤلاء، الملائكة الثلاثة وكرامتهم عند الله عزَّ وجلَّ.

_____________________

(1) الطعام الجاهز للأكل وهو العجل السمين.

(2) إلى الضيوف وهم الملائكة.

(3) فأحس.

(4) لا يملون من العبادة.

(5) لا يسكتون عن التسبيح.

(6) ظهر لها صوت من كثرة الملائكة.

(7) معناه عبد الله.

(8) معناه عبيد الله.

(9) معناه عبد الرحمن.

وقد خصص الله تعالى جبريل وميكائيل بالذكر في القرآن الكريم وهذا تنويه على أنهما من أكابر الملائكة قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:55 PM
10- خلقة الملائكة الأصلية:

قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1].

هذه الآية تبين مظاهر قدرة الله تعالى وآثار قوته المشهودة في خلق السماوات والأرض وفي خلق الملائكة العظام فجعلهم رسلاً في تنفيذ أوامره التكوينية وفي تبليغ وحيه وأحكامه التشريعية، وزاد في خلقهم جمالاً وبهاءً وقوة فجعلهم أصحاب أجنحة، فمنهم ذو جناحين ومنهم ذو ثلاثة أجنحة ومنهم ذو أربعة أجنحة ومنهم ذو أجنحة أكثر من ذلك، لأنه سبحانه وتعالى يزيد في الخلق ما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة لأنه على كل شيء قدير.

وفي هذه الآية إيماء إلى زيادة الحسن والجمال في خلق الملائكة عليهم السلام وزيادتهم في القوة وأنهم في ذلك على مراتب متعددة.

تنبيهان مهمان:

تنبيه الأول: ما يصوره بعض الناس في الكتب أو اللوحات أو الصور المنفردة من صور الملائكة على شكل فتيات ولهن أجنحة ويحملن بأيديهن آلات الموسيقى، فهذا لا يجوز مطلقاً، ومن اعتقد ذلك أدَّاه إلى الكفر، وكذلك لا يجوز تعليق هذه الصور في البيوت أو السيارات أو أي مكان بل يجب تنحيتها ومحو الصورة أو إتلافها.

التنبيه الثاني: أن أجنحة الملائكة المذكورة في الآية، هي أجنحة لا نستطيع أن نتصور كيفيتها على حقيقتها لأننا لم نرَ الملائكة أصلاً كما هي. فلا يجوز تشبيه أجنحتهم بأجنحة الحيوان الطائر كالنسر وغيره، فهذا تشابه في الأسماء لا في حقيقة الخلقة. وحسبنا أن نعتقد أن الملائكة ذووا أجنحة كما ذكر القرآن الكريم.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:57 PM
11- أصناف الملائكة ووظائفهم:

أ- جبريل عليه السلام:

صفاته: قال الله تعالى في بيان صفات جبريل عليه السلام: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19- 21].

فمدحه الله بسبع صفات:

1- فهو رسول: فهذا اصطفاء من الله له بهذه المهمة من بين الملائكة.

2- وهو كريم: وفي ذلك تشريف عظيم له في تزكيته عليه السلام.

3- وهو ذو قوة: فهو بقوته يمنع الشياطين من أن تدنو من القرآن الكريم أو تنال منه شيئاً أو يزيدوا فيه أو ينقصوا منه.

4- وهو عند ذي العرش: فله شرف العندية العظمى والرتبة الزلفى.

5- وهو مكين: ذو مكانة عالية ورتبة سامية.

6- وهو مطاع: فهو مطاع في الملأ الأعلى فيما بين الملائكة المقربين عليهم السلام وهذا يدل على رياسته.

7- وهو أمين: فهو أمين وحي الله تعالى، وموصله بأمانة وصدق إلى أنبيائه ورسله عليهم السلام من غير تغيير ولا تحريف.

وقال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء: 192-193-194].

وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102].

قد وصفه الله بأنه روح لأن الروح سبب في الحياة، فهو الروح الأمين لأنه أمين على الوحي الذي فيه الحياة، وهو الروح القدس وصف بذلك لأن روحه تمثل الطهرَ، فهو ينزل بالتقديس من الله تعالى لأنه يطهِّر النفوس ويُقدس العقول والقلوب.

- خلقة جبريل الأصلية:

إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته الحقيقية وله ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب وقد رآه على هذه الصورة مرتين:

فالمرة الأولى كانت في بطحاء مكة رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض.

والمرة الثانية كانت عند سِدْرة المنتهى ليلة المعراج.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. رواه مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها: "رأى جبريل في صورته التي خلق عليها مرتين، فرآه منهبطاً من السماء إلى الأرض سادّاً عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض". متفق عليه.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء

فإذا الملك الذي جاءني بحراء (1)، قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(2) * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(4)} [المدثر:1- 5].

وقال الله تعالى: {ولقد رآه نزلةً أخرى*عند سدرة المنتهى(5)} [النجم: 13- 14].

والمعنى: أن الرسول عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام مرة أخرى عند المكان الذي تنتهي إليه علوم الخلائق.



تمثلات جبريل عليه السلام:

كان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتراءى له في صفات متعددة منها: في صورة دحية بن خليفة الكلبي إذ كان جميل الصورة بهيَّ المنظر، وتارة يأتيه في صورة أعرابي لا يعرفه أحدٌ من الناس.



وظائف جبريل عليه السلام:

إن لجبريل عليه السلام وظائف هامة عظيمة يقوم بها من ذلك:

1- تنزيل الشرائع الربانية:

قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195].

2- تأييد الله تعالى رسله عليهم السلام بجبريل عليه السلام:

قال الله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا(6) عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4].

___________________________

(1) مكان كان يتعبد لله فيه، وهناك نزل عليه الوحي لأول مرة.

(2) المتغشي بثيابه.

(3) أخصص ربك بالتكبير والتعظيم.

(4) اهجر المآثم الموجبة للعذاب.

(5) التي تنتهي إليها علوم الخلائق.

(6) تتعاونا.



فإن الله يخاطب زوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة رضي الله عنهما ويحثهما على التوبة لأنهما تعاونتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يسوءه من إفراط الغيرة وإفشاء سِرِّه، فان تعاونهما لن يضرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله ناصره ومتولي أمره كله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة كلهم أعوانُ مظاهرون ومؤيدون لهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253].

فقد أيد اللهُ المسيحَ عيسى ابن مريم عليه السلام بروح القدس وهو جبريل عليه السلام منذ صباه إلى حال كبره، وبهذا التأييد حفظه الله من أعدائه اليهود.

3- تأييد الله تعالى أنصار رسل الله ومؤيديهم بجبريل عليه السلام:

فقد ثبت أن حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهجو المشركين وينافح ويدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره وكان جبريل عليه السلام يؤيده.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال لحسان بن ثابت: "اهجهم - أي المشركين - وجبريل معك". متفق عليه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس مع حسان مادام ينافح(1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود.

4- وهو أحد وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكال، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر". رواه الترمذي بإسناد صحيح.

5- تحبيب الله تعالى جبريل عليه السلام بأحبابه الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتبغيضه سبحانه لجبريل عليه السلام في أعدائه الذين يبغضهم الله رب العالمين :

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا} [مريم: 96].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبَّه، فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا} [مريم: 96]. وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل إني قد أبغضت فلاناً فينادي في أهل السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض". متفق عليه.

____________________________

(1) يدافع.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 04:59 PM
ب- ميكائيل عليه السلام:

ميكائيل عليه السلام هو أحد أكابر الملائكة عليه السلام.

ولمكائيل وظائف متعددة منها:

1- موكل بأرزاق العباد:

ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جملة من حديث طويل: "قلت: يا جبريل على أيّ شيء أنت؟ قال: على الرياح والجنود. قلت: على أي شيء ميكائيل؟ فقال: على النبات والقطر(1)". رواه الطبراني والبيهقي وغيرهما.

2- وهو أحد وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر". رواه الترمذي بإسناد حسن والحاكم صححه.

ومن أجل هذا المنصب الوزاري نزل جبريل وميكائيل عليهما السلام يوم أحد يقاتلان إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّه قال: (رأيت على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد) متفق عليه. هما جبريل وميكائيل عليهما السلام.

جـ- إسرافيل عليه السلام:

وهو من جملة أكابر الملائكة عليهم السلام، فهو صاحب الصور(2) الذي ينفخ فيه بأمر الله النفخة الأولى فيهلك من في السماوات إلا من شاء الله أن يستثنيهم من الموت بهذه النفخة، ثم ينفخ فيه النفخة الثانية للبعث إلى الحياة بعد الموت.

قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: 68].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وهو بينهما" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، وابن مردوية وأبو الشيخ في العظمة كما في الدر المنثور وغيره.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعم، وقد التقم صاحب القَرْنِ(3) القرنَ، وحنا جبهته ينتظر أن يؤمر فينفخ ؟!".

_________________

(1) وقد أورد هذا الحديث السيوطي صاحب الدر المنثور، وقال : سنده حسن. أي لغيره لاعتضاده بشواهد متعددة.

(2) هو مجمع الأرواح بعد مفارقة الأجساد.

(3) صاحب الصور.

د- حملة العرش:

قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 7- 8-9].

وقال تعالى: {وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 16-17].

-عظمة حملة العرش:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه(1) مسيرة سبعمائة عام". رواه أبو داود.

-وظائفهم: يخبر الله تعالى في الآيات المتقدمة عن حملة عرشه ومن حوله أنهم ملازمون لتسبيحه وتحميده سبحانه دائبون على عبادته والاستغفار للمؤمنين.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 05:00 PM
هـ- الملأ الأعلى أو الرفيق الأعلى أو النديُّ الأعلى:

هم أشراف الملائكة ومقربوهم.

قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَؤٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص: 67-70].

والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينبأه الله تعالى وينزل عليه القرآن ما كان عنده علم باختصام الملأ الأعلى وما يجري بينهم من التقاول في قضية اعتبارات أعمال بني آدم: من الكفارات والدرجات وتنزيلها في منازلها وإعطائها واستحقاقاتها، فهو صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علم بجميع ذلك قبل أن ينبأ وينزل القرآن عليه لأنه كان أمياً صلى الله عليه وسلم، فلم يقرأ الكتب الماضية ولم يسمعها من أهلها، فمن أين جاء بهذه العلوم الوافرة الكثيرة التي من جملتها العلم باختصام الملأ الأعلى، إذاً حقاً إنه رسول الله صلى عليه وسلم أوحى الله تعالى إليه وعلمه ذلك كله.

والمقصود في هذه الآيات: إقامة الحجة القاطعة على حقية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه جاء يخبر بأمور لم يكن قبل ذلك يعلمها حتى أنزل الله تعالى الوحي فأعلمه بذلك.

وقد سأل الله سبحانه وتعالى بعد أن أفاض على رسوله صلى الله عليه وسلم من العلوم: فقال جلَّ شأنه يا محمد فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات ؟

__________________

1. كتفه.



قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام والصلاة والناس نيام" رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.

ويسمى الملأ الأعلى بالرفيق الأعلى، عن عائشة رضي الله عنهما قالت كان النبي صلى يقول وهو صحيح(1): "لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير" فلما نزل به، ورأيته على فخذَي غشي عليه صلى الله عليه وسلم ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى". رواه البخاري.

ويسمى الملأ الأعلى بالندي الأعلى وذلك باعتبار اجتماعهم في مجتمع عالي الرتبة.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل قال: "بسم الله، وضعت جنبي لله، اللهم اغفر لي ذنبي وأخسأ شيطاني(2)، وفُكَّ رِهاني(3)، واجعلني في الندي الأعلى". رواه أبو داود.

و- الملائكة المقربون:

قال الله تعالى: {لَنْ يَسْتَنكِفَ(4) الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172].

الملائكة المقربون: هم سادة الملائكة منهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام.

ز- خزنة الحنة:

قال الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا(5) حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].

فخزنة الجنة وُكِّلوا على أبواب الجنة يستقبلون المؤمنين حين دخولهم ويرحبون بقدومهم ويكرمونهم بالتحيات والاحترامات.

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: مَن؟ فأقول: محمد. فيقول: - أي الخازن - بك أمرت(6) أن لا أفتح لأحد قبلك. رواه مسلم.

____________________

(1) قبل أن يمرض مرض الوفاة صلى الله عليه وسلم.

(2) اطرد شيطاني.

(3) خلصني مما جنيته من الأعمال التي لا ترتضيها.

(4) لن يسكتبر ويترفَّع.

(5) جماعات متفرقة متتابعة.

(6) أمرني الله.

هـ- خزنة النار:

قال الله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا(1) حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ(2) كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 71-72].

يخبر الله سبحانه وتعالى عن حال الكافرين أنهم يساقون إلى جهنم جماعات متفرقة متتابعة، وحين وصولهم إلى نار جهنم يفاجؤون بفتح أبوابها ومنظرها الفظيع فيبغتون وتكون الحجة عليهم بأن رسل الله قد أرسلت إليكم وأنذرتكم من عذاب الله فلم تستجيبوا، فعقاب مَن كفر وأعرض عن ذلك أن يدخل أبواب جهنم مهاناً وله عذاب السعير.

وفي ذلك قال تعالى: { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا(3) وَهِيَ تَفُورُ(4) * تَكَادُ تَمَيَّزُ(5) مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ(6) سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ(7)} [الملك: 6-11].

- صفات خزنة النار: هم غلاظ الأقوال شداد الأفعال كما أنهم غلاظ الخُلُق شداد الخَلق.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

- ويقال لخزنة النار : "الزبانية" سميت ملائكة العذاب بذلك لدفعهم الشديد لأهل النار.

قال الله تعالى: {فَلْيَدْعُ8) نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(9)}[العلق: 17-18].

نزلت هذه الآيات في أبي جهل حين توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمَّ بإيذائه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام فمرَّ به أبو جهل، فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا ؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________________________

(1) جماعات متفرقة متتابعة.

(2) وجبت وثبتت.

(3) صوتاً منكراً.

(4) تغلي غليان القدر بما فيها.

(5) تتقطع وتتفرق.

(6) جماعة من الكفار.

(7) فبعداً من الرحمة والكرامة.

(8) أهل مجلسه من قومه.

(9) ملائكة العذاب.

وانتهره، فقال أبو جهل: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً! فأنزل الله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [ العلق: 17-18]. قال ابن عباس لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. رواه الترمذي وصححه.

وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(1)* لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(2)* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 27-31].

فالله سبحانه يخبر عن خزنة النار أنهم ملائكة أقوياء أشداد لا يقاومون ولا يغالبون وأن عليها تسعة عشرمن الملائكة الموكلين على جهنم، وإليهم مرجع زبانيتها وسائر خزنتها.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". رواه مسلم والترمذي.

واسم رئيس خزنة النار "مالك".

قال الله تعالى -حكاية لما يقولوه أهل النار وهم مقيمون في العذاب-: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديثه عن الإسراء واجتماعه بالأنبياء عليهم السلام: "فحانت الصلاة فأممتهم(3) فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلِّم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام". رواه مسلم.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 05:02 PM
ط- الملائكة الموكلون بتصوير النطفة وتطويرها ونفخ الأرواح في الأجنة:

عن عامر بن واثلة قال سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فأتى عامر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفه بن أسيد الغفاري فحدثه بقول ابن مسعود رضي الله عنه فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصوَّرها وخلق(4) سمعها وبصرها وجلدها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ذلك شيئاً ولا ينقص" رواه مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
______________________

(1) جهنم.

(2) مُسوِّدة للجلود محرقة بها.

(3) صرت لهم إماماً.

(4) قدَّر.

الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثمَّ يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد. فوالله الذي لا إله إلا غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" رواه البخاري ومسلم.

ي- الملائكة الموكلون بمراقبة أعمال المكلفين وكتابة أقوالهم وأفعالهم:

قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80].

والمعنى: أن الله تعالى يسمع سرهم ويسمع ما يسرون فيما بينهم وأن ملائكة الله الموكلين بمراقبتهم هم معهم وعلى قرب منهم يكتبون كل قول يصدر منهم .

وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16-18]. فهذه الآية الكريمة تثبت أن الله جعل لكل إنسان متلقيين من الملائكة يستقبلان ويتلقيان كل أقواله وأفعاله الحسنة والسيئة تلقي معرفة وحفظ وتسجيل، أمَّا أحدهما فعن اليمين وأما الآخر: فعن الشمال، وكل منهما قَعيد: ملازم لا يفارق الإنسان بحال من الأحوال لمراقبة أعماله وأقواله بمنتهى الدقة وكل منهما عتيد: أعده الله لهذه المهمة فهو حاضر للقيام بها كما أمره الله.

قال الله تعالى: {كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [ الانفطار: 9-12]. والمعنى أن الله قد وكل ملائكة حافظين بمراقبة أعمال الناس عندهم كمال القدرة على حفظ جميع الأقوال والأفعال فلا يغيرون ولا يبدلون شيئاً مما يقوله الناس أو يفعلونه فهم يحفظون جميع ما يصدر عن الناس ويسجلون ذلك بصدق وأمانة، وهم مدركون ما يفعله الناس من الأعمال، ويقصدون من الأفعال، فهم يعلمون الطاعات ويعلمون المعاصي ظواهر الأعمال كما يعلمون خفاياها ودقائقها ومقاصدها.

فإذا كان يوم القيامة أخرجوا تلك الكتب المسجلة ونشروها لصاحبها، ويقال له هذا الكتاب كنا في الدنيا نكتبه عليك وتستنسخ فيه ما كنت تعمل فاقرأ كتابك قال الله تعالى:

{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ(1) فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(2)} [الإسراء: 13-14]. وقال تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير: 10].

_________________

(1) عمله المتقَّن عليه لا ينفك عنه.

(2) حاسباً وعاداً.

وقال تعالى: { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً(1) كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا(2) الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ(3) مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 27 -29].

- إطلاع الملائكة الكاتبين على قلب الإنسان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى للملائكة: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي(4) فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف". رواه البخاري.

فهذا يدل على أن الملائكة الكاتبين تطلع على ما في قلوب الناس - بإذن الله - من الهم والإرادات وما هنالك من أعمال القلوب.

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 05:04 PM
ك- الملائكة الموكلون بحفظ الإنسان:

قال الله تعالى:

{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11].

يخبر الله بأنه وكل بابن آدم الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار و يحفظونه من المضار والمهلكات بأمر من الله سبحانه وتعالى. لا يفارقونه بل يرافقونه من جميع الجهات من بين يديه ومن خلفه.

ل- الملائكة الموكلون بقبض الأرواح:

قال الله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (5)} [الأنعام: 61].

وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11].

يخبر الله سبحانه وتعالى أنه وكَّل ملائكة للتوفية ولقبض الأرواح، ورئيسهم ملك الموت.

فملائكة التوفية تنزع أرواح الكافرين بعنف وشدة قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 50-51].

وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ(6) وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93].

______________________

(1) جالسة على ركبها.

(2) صحائف أعمالها.

(3) نأمر الملائكة بالنسخ.

(4) مخافة مني.

(5) لا يقصرون.

(6) سكرات الموت وشدائده.

وأما المؤمنون فملائكة التوفية تتلقاهم بالسلام والترحيب والبشارة بالجنة. قال الله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32].

أحمد سعد الدين
12-06-2004, 05:05 PM
م- الملائكة الموكلون بأمور أخرى في هذا العالم:

ا- الملائكة الموكلون بعذاب القبر وسؤاله:

إن الله وكل ملكين بعذاب القبر وسؤاله.

واسم الملكين: الأول: منكر، والآخر نكير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا: أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل(1)؟ فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك في النار، قد أبدلك به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً. وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دَريْت(2) ولا تليت(3)، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". رواه البخاري ومسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما - المنكر وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينوَّر له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: ارجع إلى أهلي فأخبرهم! فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون قولاً، فقلت مثله، لا أدري(4) فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي(5) عليه، فتلتئم عليه فتختلف(6) أضلاعه فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك". رواه الترمذي وقال: حديث غريب وابن حبان في صحيحه.

_________________________

(1) أي في محمد صلى الله عليه وسلم.

(2) لاعلمت ما هو الحق والصواب.

(3) ولا اتبعت الناجين.

(4) أي أنه نبي أم لا.

(5) اجتمعي وانضمي.

(6) تتفرق.

2- الملائكة الموكلون بتدابير أمور الجبال:

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليكم يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ليل ابن عبد كُلالٍ(1)، فلم يجبني إلى ما أردتُ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظَلتني، فنظرت فيها فإذا فيها جبريل فناداني، فقال إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم علي ثم قال: يا محمد ذلك فيما شئت - إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين(2) - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً" رواه البخاري ومسلم.

3- وظائف أخرى للملائكة:

- حضورهم صلاة الجمعة واستماعهم الذكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول ومثل المهجر(3) كمثل الذي يُهدي بدنه ثم كالذي يُهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر". رواه البخاري ومسلم.

- تأمين الملائكة لفاتحة الصلاة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.

-تحميد الملائكة في الصلاة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة: غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.

- حضور الملائكة الحفظة عند صلاتي الفجر والعصر:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتثبت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون، فاغفر لهم يوم الدين" رواه الشيخان وابن خزيمة واللفظ له.

_________________________

(1) شكا إليه أذى قومه في مكة وعرض عليه الإيمان رفض الدعوة فردَّه أقبح رد وقابله أهل الطائف عندئذ بأشد الإيذاء.

(2) الجبلين.

(3) المبكر.

- صلوات الملائكة على عباد الله المؤمنين:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً(1} وَأَصِيلًا(2)* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 41، 43].

فالصلاة من الله تشتمل على الرحمة الخاصة والصلاة من الملائكة: هي الدعاء والاستغفار.

ومعنى الآيات: هو الذي يترحم عليكم ويترأف والملائكة يستغفرون لكم ويدعون لكم حين يدعوكم الله إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة فمن ذكر الله ذكراً كثيراً وسبحه بكرة وأصيلاً فإن الله سبحانه يكرمه فيصلي عليه هو وملائكته.

- حفُّ الملائكة الذين يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه". رواه مسلم وأصحاب السنن.

- وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً به إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي.

- تدعو الملائكة لمن ينفق بأن يخلف الله عليه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً ". متفق عليه.

- من داوم على تذكر الجنة والنار دون انقطاع يؤدي إلى مصافحة الملائكة:

- عن حنظلة الأُسَيدي قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟

__________________

(1) أول النهار.

(2) آخر النهار.

قال حنظلة: قلت نافق حنظلة، فقال - أبو بكر - سبحان الله ما تقول؟ قال - حنظلة -: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة، حتى كانا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا(1) الأزواج والأولاد والصنيعات(2) نسياً كثيراً.

قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟" قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والصنيعات تدومون نسينا كثيراً! فقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي في الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة - ثلاث مرات". رواه مسلم.

تأمين المَلك على دعاء المؤمن لأخيه في ظهر الغيب:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثله(3) ". رواه مسلم وغيره.

- تبشير الملائكة لمن زار أخاه حباً في الله تعالى بأن الله يحبه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرسل الله على مدرجته(4) ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل لك عليه من نعمة تربُّها(5)، فقال: لا، غير أني أحبه في الله، قال - الملك -: فإني رسول الله إليك، إن الله قد أحبَّك كما أحببته فيه". رواه مسلم.

__________________

(1) خالطنا.

(2) المزارع والصناعات.

(3) بمثل ما دعوت لأخيك.

(4) طريقه.

(5) تقوم بها وتسعى في صلاحها.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:43 AM
الإيمان بالكتب المنزَّلة

1- معنى الكتاب المنزَّل.

2- وجوب الإيمان بالكتب المنزَّلة.

3- احتياج الناس إلى الكتب المنزَّلة.

4- الكتب والصحف التي ذكرت في القرآن الكريم.

أ- صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

ب- التوراة.

ج- الزبور.

د- الإنجيل.

هـ- القرآن العظيم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:46 AM
1- معنى الكتاب المنزَّل:

- هو كلام من كلام الله تعالى، فيه هدى ونور يوحي الله به إلى رسول من رسله بواسطة جبريل ليبلغه للناس.

ويطلق على ما يشمل الصحف والألواح وجميع أنواع الوحي اللفظي أو الكتابي التي ينزلها الله تعالى على رسله وبأية لغة من اللغات كانت، قصيراً أو طويلاً، مدون كان أو غير مدون، فيه صفة الإعجاز اللفظي للناس أو ليس فيه ذلك.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:46 AM
2- وجوب الإيمان بالكتب المنزَّلة:

- إن من أسس الإيمان: الإيمان بالكتب التي أوحى الله بها إلى رسله.

فالإيمان بالكتاب: هو التصديق الجازم بأن جميع الكتب التي أوحي بها منزلة من عند الله عزَّ وجلَّ.

- فالمؤمن يؤمن بكتب الله كلِّها إجمالاً فيما يجهل منها وتفصيلاً فيما يعلم منها -كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن- كما آمن برسل الله وأنبيائه جميعاً إجمالاً فيمن جهل منهم وتفصيلاً فيمن علم.

- والإيمان وحدة متماسكة لا تنفك عن بعضها أبداً، فيمن لم يؤمن بالكتب المنزَّلة فقد نقض إيمانه وخرج عن دائرة الإيمان.

قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 136].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:48 AM
3- احتياج الناس إلى الكتب المنزَّلة:

- الناس بحاجة ماسَّة إلى كتب المنزلة، وذلك لأمور منها:

أولاً: ليكون الكتاب المنزَّل على الرسول هو المرجع لأمته، وفيه تبيينُ أوامر الله ونواهيه
وسبل السعادة والهداية.

ثانياً: ليكون الكتاب المنزَّل على الرسول هو الحكم العدل لأمته في كل ما يختلفون فيه،
مما تتناوله أحكام شريعة الله لهم.

قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}[البقرة: 213].

ثالثاً: ليصون الكتاب المنزَّل بعد وفاة الرسول عقائد الدين وشرائعه من التحريف والتغيير،
فإن غُيِّرَ فيه وحرف، فيكون حجة يوم القيامة على من حرف وغير في كتاب الله.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:49 AM
4- الكتب والصحف التي ذكرت في القرآن الكريم:

أ- صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام:

- المؤمن يؤمن إيماناً جازماً بأن الله أنزل صحفاً على إبراهيم وموسى عليهما السلام.

- وقد ذكر القرآن الصحف الأولى وذكر منها صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

- وذكر القرآن بعض ما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

قال الله تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(1)* أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى(3) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(4) * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى(5) * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى(6) * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى(1)* وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى(2) * وَثَمُودَ(3) فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ(4) أَهْوَى(5)* فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 36- 45].

وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 14-19].

فهذه الآيات مما جاء في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام فكل الصحف اليوم مفقودة غير معلومة ولم يصلنا منها شيء إلا ما ورد في القرآن مِنَ الآيات التي ذكرناها من قبل.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:50 AM
ب- التوراة(6):

التوراة: كتاب أنزله الله على موسى عليه السلام ويتضمن كتاب التوراة والصحف التي أنزلت على موسى عليه السلام والألواح التي جاء بها بعد مناجاته لربه في جانب الطور، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44].

ذكر القرآن الكريم التوراة، وذكر بعض ما يتضمن من الأحكام الشرعية منها: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا(7) أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].

وتتضمن التوراة البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكرَ بعض صفاته، قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ(8) وَالأَغْلالَ(9) الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ(10) وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156- 157].

ويتضمن التوراة الحث على الجهاد بالنفس والمال. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

______________________

(1) كوكب معروف كان بعض العرب يعبدونه في الجاهلية.

(2) قوم هود.

(3) قوم صالح.

(4) قرى قوم لوط.

(5) أسقطها إلى الأرض بعد رفعها.

(6) لفظ عبراني معناه الشريعة.

(7) في التوراة.

(8) عهدهم بالعمل بما في التوراة.

(9) التكاليف الشاقة في التوراة.

(10) وقروه وعظموه.

ويتضمن التوراة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ(1) فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الفتح: 29].

فهذه الآيات تثبت نماذج لما يتضمنه التوراة الذي أنزل على موسى عليه السلام، وقد جاءتنا من طريق القرآن الكريم فنؤمن بثبوتها.

تنبيه: التوراة التي أمرنا أن نؤمن بها والتي صدقها القرآن إنما هي الأصول الأولى التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، أما التوراة الحالية الموجودة عند أهل الكتاب فليس لها سند متصل يصحح سندها إلى موسى عليه السلام.

كما دخل إليها التحريف والتبديل من غير تمييز بين الأصل والمحرَّف، لذلك فلا يصح أن يوثق بها.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:51 AM
ج- الزبور:

الزبور: هو الكتاب الذي أنزله الله على داود عليه السلام.

قال الله تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163].

ومما يتضمن الزبور أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].

فالمؤمن يؤمن بالزبور الذي أنزل على داود عليه السلام.

وأما ما وقع في الزبور من تبديل وتغيير وتحريف على يد اليهود فلا نثق به.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:52 AM
د- الإنجيل(2):

الإنجيل: وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(26)ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ(3) بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} [الحديد: 26-27].

المؤمن يؤمن بأن الله أنزل على عيسى عليه السلام كتاباً اسمه الإنجيل، أمَّا الأناجيل الحالية عند النصارى فلا يعرف لها سند متصل يصحح نسبتها إلى عيسى عليه السلام، ولا يصح نسبته إليه عليه السلام، إنما هي مصنفات تاريخية حول سيرة المسيح عليه السلام وبعض وصاياه ومواعظه ومعجزاته لكن فيها الكثير من الأغلاط والمتناقضات. ذكر القرآن الكريم بعض ما جاء في الإنجيل:

____________________

(1) علامتهم.

(2) لفظ يوناني بمعنى البشرى.

(3) أتبعناهم وبعثنا بعدهم.

- يتضمن الإنجيل الهدى والنور والتصديق بالتوراة والموعظة للمتقين.

قال الله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46].

- ويتضمن الإنجيل مجموعة من الأحكام والشرائع الإلهية:

قال الله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50].

وقال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47].

- ويتضمن الإنجيل البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر بعض صفاته، قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ(1) وَالأَغْلَالَ(2) الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ(3) وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156-157].

-ويتضمن الإنجيل الحث على الجهاد بالنفس والمال:

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

- ويتضمن الإنجيل صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم{ومثلهم(4) في الإنجيل كزرع أخرج شطأهُ(5) فآزره(6) فاستغلظ(7) فاستوى على سوقه(8) يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار}.

_________________

(1) عهدهم بالعمل بما في التوراة.

(2) التكاليف الشاقَّة في التوراة.

(3) وقروه وعظموه.

(4) مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

(5) فِراخه المتفَّرعة في جوانبه.

(6) فقوَّى ذلك الشطء الزرع.

(7) فصار غليظاً.

(8) فاستقام على أصوله وجذوعه.

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

فالآيات السابقة تثبت نماذج لما يتضمنه الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام، وقد جاءتنا من طريق القرآن الكريم فنؤمن بثبوتها.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:52 AM
هـ- القرآن العظيم:

القرآن: كتابٌ أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: {لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166].

وقال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ(1) لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ(2) وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا} [الإسراء: 106].

تكفَّل الله بحفظه من أي تحريف أو تبديل قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ(3) وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

وقال تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].

والقرآن نزل على قلب محمد بواسطة جبريل عليه السلام باللسان العربي المبين.

قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193-195]

ويحتوي القرآن العظيم: على أحكام تنظم كلَّ شؤون الحياة:

1- العقائد، 2- العبادات، 3- المعوضات والمعاملات، 4- الأخلاق، 5- العقوبات، 6- قصص الأنبياء والرسل للعبر والعظات.

والقرآن هو أعظم معجزة خالدة للرسول صلى الله عليه وسلم: ويتجلى إعجاز القرآن العظيم في نواحٍ كثيرة منها:

1- الإعجاز البلاغي.

2- الإعجاز التشريعي.

3- الإعجاز العلمي.

4- الإخبار عن المغيَّبات والأمم السابقة.

5- تحقق ما وعد به وما أخبر عنه أنه سيقع في المستقبل.

__________________

(1) أنزلناه مفرقاً.

(2) على تؤدة وتأنٍ.

(3) القرآن.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:56 AM
الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام



1- وجوب الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام:

أ- الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام من أسس الدين.

ب- معنى النبوة والرسالة (معنى النبي والرسول).

ج- الفرق بين النبي والرسول.

د- النبوة فضل وهبة من الله عزَّ وجلَّ.

هـ- الفرق بين النبوة والملك.

و- الفرق بين النبوات والعبقريات.

ز- الفرق بين النبوات والفلسفات.

ح- وظيفة الرسل عليهم السلام.

ط- حاجة الناس إلى الرسل عليهم السلام.

ي- حكمة إرسال الرسل عليهم السلام.

2- مزايا دعوة الرسل والأنبياء عليهم السلام.

أ- المزية الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام ربانية.

ب- المزية الثانية: دعوة الأنبياء عليهم السلام خالصة لله تعالى.

ج- المزية الثالثة: تصحيح العقيدة وإخلاص الدين لله وإفراد العبادة لله جلَّ وعزَّ.

د- المزية الرابعة: البساطة في الدعوة وعدم التكلف.

هـ- المزية الخامسة: وضوح الهدف والغاية من دعوة الأنبياء عليهم السلام.

و- المزية السادسة: الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا.

3- صفات الرسل عليهم السلام:

أ- الفطانة

ب- الصدق

ج- الأمانة

د- العصمة

هـ- التبليغ

و- السلامة من العيوب المنفِّرة

ز- صفة البشرية لازمة لهم

4- المعجزة دليل الرسالة.

أ- معنى المعجزة.

ب- الحكمة من المعجزة.

ج- أنواع المعجزات.

د- الشروط المتوفرة في المعجزة.

هـ- أمثلة عن معجزات الرسل عليهم السلام.

5- بيان عدد الرسل والأنبياء عليهم السلام.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:58 AM
أ- الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام من أسس الدين:

إن من أسس العقيدة الإسلامية الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام فالمؤمنون يعتقدون إيماناً راسخاً ثابتاً لا يتزعزع بالرسل والأنبياء عليهم السلام وقد وصف القرآن الكريم إيمان المؤمنين: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

عدم التفريق بإيماننا بين الرسل أو بين الأنبياء عليهم السلام: فالمؤمن يعلن دائماً أنه لا يفرق بين أحدٍ من رسل الله في ذات الرسالة أو بين أحد من أنبيائه في ذات النبوة، فهو يؤمن بهم جميعاً دون تفريق ويعظمهم جميعاً لأنهم هم المصطفون الأخيار.

والله سبحانه وتعالى يأمر نبينا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ويأمرنا معه بذلك في كتابه العزيز: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84].

اختلاف رتبة الرسل والأنبياء فيما بينهم:

إن الله عزَّ وجلَّ فضلَّ بعض الرسل على بعض، وخصَّ بعضهم بخصائص لم توجد في غيرهم ورفع رتبة بعضهم فوق رتبة الآخرين من الرسل قال الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253].

ب- معنى النبوة والرسالة (أي معنى النبي والرسول):

النبوة: هي اصطفاء الله تعالى إنساناً موصوفاً بالذكورة والحرية بالوحي إليه بواسطة جبريل عليه السلام.

النبي : هو إنسان ذكر حر أوحى الله إليه بواسطة جبريل عليه السلام.

الرسالة : هي تكليف الله نبياً من أنبيائه بتبليغ شريعته للناس.

الرسول: هو النبيُّ المكلَّف من قبل الله تعالى بواسطة جبريل عليه السلام بتبليغ شريعته للناس.

ج- الفرق بين النبوة والرسالة (وبين النبي والرسول):

أولاً: إن الوصف بالرسالة مغاير للوصف بالنبوّة، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا} [مريم: 51].

فهذا يشعر بتغاير في مفهوميهما، وهو يشهد له عطف أحدهما على الآخر عطف تغاير. وهذا مشاهد في قوله تعالى أيضاً: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52].

ثانياً: إن النبوة سابقة للرسالة، فلا يتم الاصطفاء بالرسالة إلا لمن تمَّ اصطفاؤه بالنبوة.

وقوله تعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ} [الزخرف: 6] وقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46] فالآيتان تدلان على أن النبوة متحققة أولاً ثم يأتي بعدها الإرسال.

فالنبي يمر في فترة الاصطفاء بالوحي قبل أن يؤمر بالتبليغ فيكون في هذه الفترة نبياً لا رسولاً. فإذا أمر بالتبليغ صار نبياً رسولاً.

وقد عاش محمد صلى الله عليه وسلم الفترتين، فترة النبوة وهي بين بدء الوحي وبين أمر الله له بالتبليغ، وفترة الرسالة التي كلف بها محمد صلى الله عليه وسلم بالتبليغ كانت بعد النبوة فصار نبياً ورسولاً. وهذا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:1-2].

ثالثاً: قد نجد الاصطفاء بالنبوة مقتصراً على بعض الأنبياء دون تبليغ لرسالة معينة، فهؤلاء أنبياء لا رسل. فعلى هذا تكون مهمة النبي الذي لم يؤمر بتبليغ رسالة: العمل والفتوى بشريعة رسول سابق له.

وذكر القرآن الكريم قصة نبيٍ لم يذكر في عداد الرسل، وله قصة مع بني إسرائيل من بعد موسى. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246].

ويؤيد ذلك أيضاً الأحاديث النبوية التي تفرق بين عدد الأنبياء وعدد الرسل عليهم الصلاة والسلام.

عن أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: "نعم، نبي مكلم". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر، جمَّاً غفيراً". رواه أحمد.

وفي رواية أبي أمامة قال أبو ذرٍ. قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء، قال: "مائة ألفٍ وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمَّاً غفيراً". رواه أحمد.

خلاصة القضية: أن كلَّ رسول هو نبي، وليس كل نبي هو رسول.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:59 AM
د- النبوة فضل وهبة وعطاء من الله سبحانه وتعالى:

النبوة فضل واختيار إلهي، وهي هبة ربانية يهبها لمن يشاء من عباده ويخص بها من يشاء من خلقه، وهي لا تنال بالجهد والتعب والرياضة ولا تدرك بكثرة المجاهدة والطاعات والعبادات وإنما هي بمحض الفضل الإلهي: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].

وهي اصطفاء واختيار من الله تبارك وتعالى لأفضل خلقه وصفوة عباده، فيختارهم الله لحمل الرسالة ويصطفيهم من بين سائر البشر قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75].

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33].

وقال تعالى: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} [ص: 47].

ومما يدلُّ على أن النبوة فضل وهبة من الله سبحانه وتعالى قصة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين، حيث اعترض المشركون من قريش على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم واستغربوا نزولها على يتيم فقير لا يملك أسباب القوة والغنى وليس له من مظاهر السلطان والملك ما يجعله عظيماً في نظرهم.

ورأوا بنظرهم القاصر أن النبوة ينبغي أن تكون لغني عظيم شريف من الكبراء والسادة والعظماء ومن الوجهاء ولكن الله ردّ عليهم بأسلوب مفحم فقال جل ثناؤه: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31-32].

فمن حكمة الله أنه قد قسم لكل إنسان رزقه ولكل مخلوق حظَّه من المال، والمال بالنسبة إلى النبوة أمر حقير فكيف يترك الأمر الجليل العظيم وهو الرسالة والنبوة إلى أهواء الناس ونزعاتهم ورغباتهم؟ فهذا الأمر متروك لله سبحانه وتعالى وهو يفعل ما يشاء.

قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].

هـ- الفرق بين النبوة والملك:

تختلف النبوة عن الملك والسلطان في عدة نقاط جوهرية:

النقطة الأولى: النبوة لا تكون من طريق الإرث، فهي ليست موروثة بل هي بمحض الفضل الإلهي والاصطفاء الرباني.

قال تعالى: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [ الدخان: 32 ].

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33].

أما الملك تجري فيها عادة الإرث، أي أن الابن يرث عن أبيه الملك والحكم في أغلب الأحيان، وهذا ملاحظ في الواقع.

أما قوله تعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] أي ورث العلم والحكمة لأنه تربى في بيت النبوة فمن البدهي أن يرث هذا الأمر العظيم. ولو تمت الوراثة في هذا الأمر فهي اصطفاء من الله لهذه السلالة الطاهرة.

النقطة الثانية: النبوة لا تعطى إلا لرجل مؤمن فهي لا تعطى لكافر أمَّا الملك والسلطان فقد يعطيان لغير مؤمن: مثل فرعون والنمروذ.

قال الله تعالى حكاية عن فرعون: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].

وقال تعالى في شأن النمروذ الذي ادعى الألوهية في زمن إبراهيم عليه السلام:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].

النقطة الثالثة: النبوة خاصة بالرجال ولا تكون للنساء أبداً.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

أمَّا الملك فقد يكون للنساء من طريق التسلط أو غيره، قال تعالى في قصة سليمان مع بلقيس: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]

النقطة الرابعة: النبوة دعوتها الأساسية الإيمان بالله عزّ وجلَّ والإيمان باليوم الآخر، وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا الفانية التي يطمع بها كثير من الناس {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].

أمَّا الملك والسلطان فدعوتهما في الأغلب سياسية وهذا للتمكن على العرش والسيطرة.

والملك والسلطان عادة يدلان على مظهر من مظاهر العظمة الدنيوية وهذا يعارض الخط النبوي الذي جاء بالتزهيد في الحياة الدنيا، فإذا كان الأنبياء يعيشون حياة الملوك ثم يأمرون الناس بالزهد فهل يستمع إلى كلامهم أحد أو يتبعهم أحد. فالداعي إلى الله إذا لم يكن بسيرته قدوة فلن يكون لكلامه أيُّ تأثير.

ربَّ قائل يقول: هذا سليمان بن داود عليهما السلام قد جمع الله له النبوة والملك، والنبوة والملك يتعارضان في خطهما.

الجواب: لا يمنع اجتماع النبوة والملك في شخص واحد، فإنهما يجتمعان في شخص واحد كما حصل بسليمان بن داود عليهما السلام وهذا الأمر قليل ونادر والحكم دائماً للأغلب والأكثر.

قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 35-36-37-38-39].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:01 AM
و- الفرق بين النبوات والعبقريات (1):

العبقرية هي حالة فكرية متطورة، والعباقرة مصدر علومهم ونظمهم العقل البشري، والعقل قد يخطئ لتفاوت الناس في مداركهم ومفاهيمهم لذا فالعبقري مهما سما في فكره وابتكاره ولكنه عرضة للخطأ والسقطات الخلقية، ولو استعرضنا كل العباقرة في العالم لوجدنا لهم زلاتٍ إما فكرية أو خلقية بسبب عدم عصمتهم عن الخطأ بخلاف الأنبياء عليهم السلام فإن الله سبحانه وتعالى أيدهم بالعصمة، وحفظهم عن الزلات الفكرية والخلقية.

أما الأنبياء، فمصدر علومهم ونظمهم الوحي، والوحي لا يتطرق إليه خطأ.

ز- الفرق بين النبوات والفلسفات:

تعريف للمذهب الفلسفي: إن المذهب الفلسفي هو عبارة عن مجموعة مفاهيم أساسية عن العالم.

والمتأمل في النظريات الفلسفية حول الكون وتكوين النفس الإنسانية وحول الأمور التي تتصل بما وراء المادة يجد أكثرها متناقضة متهافتة، ومخالفة للواقع ويرى أن لا وحدة في وجهات النظر الفلسفية بين الفلاسفة.

والمتأمل في طريق الأنبياء عليهم السلام لا يجد اختلافاً بينهم في الأصول الاعتقادية والأسس العلمية فهو يرى وحدة في المعارف التي أتوا بها، والاعتقادات التي نادوا بالإيمان بها من أمور الغيب.

- والنظريات الفلسفية تعتمد في أمور الغيب ضروباً من الظن والحدس والتخمين، ومعظم استدلالتها خطابي وشعري مما يؤثر على العواطف والأحاسيس ولا يكون بالضرورة صادقاً.

وعلم الأنبياء وما يتعلق بأخبار الغيب وما يرتبط بإصلاح الناس، كالحساب والجنة والنار. لا سبيل إلى إثباته إلا عن طريق المتصلين بعالم الغيب، وهم الرسل والأنبياء عليهم السلام.

حـ- وظيفة الرسل عليهم السلام:

من خلال النصوص القرآنية نستطيع أن نتبين وظائف الرسل عليهم السلام ومن أبرز هذه الوظائف:

أولاً: دعوة الخلق إلى عبادة الله الواحد الذي لا إله غيره، والإيمان بوحدانيته وهذه هي الوظيفة الأساسية والكبرى لمهمة الرسل عليهم السلام.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

___________________

(1)عبقر : هي قرية تسكنها الجنُّ فيما زعموا، فكلما رأوا شيئاً عجيباً فائقاً غريباً مما يصعب عمله ويَدِقُّ أو شيئاً عظيماً في نفسه نسبوه إليها، فقالوا عبقري

وقال تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36].

ثانياً: تبليغ الشريعة الربانية وأوامر الله عزّ وجلّ ونواهيه إلى البشر. فالشريعة الربانية لابد لها من مبلِّغ، وكان المبلغون للشريعة هم الرسل عليهم السلام الذين هم من البشر.

قال تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 38- 39].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67].

ثالثاً: هداية الناس الذين أرسل إليهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، وهذه وظيفة مهمة، فالرسول في أمته هادٍ ومعلم لهم ومرشدهم إلى طريق الخير.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].

وقال تعالى في شأن خاتم الأنبياء والرسل عليه السلام: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46].

وورد في الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" من حديث طويل رواه مسلم.

رابعاً: توضيح وتبيين معاني ما أنزل على الرسول من نصوص: فالنصوص التي تنزل على الرسل تكون ذات طابع شمولي وعام وتختزن الكليات الدستورية، وكل هذا الأمر بحاجة إلى تبيين وتوضيح، فكان الرسول مبيّناً وشارحاً لتلك النصوص المنزَّلة للناس ولمدلولاتها وإشارتها.

قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].

خامساً: تذكير الناس باليوم الآخر والإيمان به وما يتعلق بما بعد الموت من شدائد وأهوال وتحويل اهتمام الناس من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية وهي الآخرة.

قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 130-131].

وقال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ(1) لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 60].

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:02 AM
ط- حاجة الناس إلى الرسل عليهم السلام:

تتحقق حاجة الناس إلى الرسل في عدة نقاط:

أولاً: إن الناس بحاجة في إصلاح أفرادهم ومجتمعاتهم إلى مصلح مثالي يكون أسوة حسنة. وشخصية المصلح المثالي تتوفر فيها: صفة القدوة الحسنة والعصمة من الخطأ والزلل في المبادئ والعلوم والأخلاق والأعمال.

وهذه الصفات لا تتوافر إلا في رسول معصوم مؤيد من عند الله بالمعجزات، ولذلك كان الناس بحاجة إلى قادة من الرسل يتحلون بتلك الصفات، ويكونون أسوة حسنة لجميع الناس، ولذلك أختار الله عز وجل الرسل ليكونوا نموذجاً للكمال وعنواناً للضياء وعنواناً للفضل وحملة لمشعل النور والضياء ولرفع مستوى الحضارة الإنسانية، اجتباهم الله ليكونوا هداةً مصلحين واصطفاهم على علمه ورعاهم رعاية كاملة وشرفهم بأكمل الأوصاف.

قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 89-90].

ثانياً: إن الناس لا يمكنهم التوصل إلى جميع الخيرات والفضائل الإنسانية والكمالات الخلقية، ويتفقوا عليها، لأن عوامل الغرائز والشهوات والأهواء والأنانيات تصرفهم عن الحقّ والخير، فتزين لهم الباطل والشر بل يتحول الحكم فيصير الحق باطلاً والباطل حقاً، والعدل ظلماً، والظلم عدلاً. فلذلك أرسل الله الرسل ليقوموا بالعدل ويأمروا بفعل الخيرات وإقامة العبادة البدنية والمالية لله الواحد القهار.

_________________________

(1) أي الحياة الحقيقية.

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

ثالثاً: إن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 1-2].

ولو لم يرسل الله رسلاً مبشرين ومنذرين لكان عند الناس حجة يوم القيامة وعذر لدى محاسبتهم على كفرهم وطغيانهم ومخالفاتهم بأنه لم يرسل إليهم رسل ينبهونهم ويحذرونهم هذا اليوم الخطير الذي يفرّ فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبينه، وبأنه لم يأت رسلٌ يبينون لهم الفضائل وطريق الخير والعمل الصالح.

ولذلك قال تعالى: {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134].

ي- الحكمة في إرسال الرسل عليهم السلام:

أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل عليهم السلام إلى الناس لحِكَم أرادها فمن هذه الحكم:

أولاً: أرسل الله عزَّ وجلَّ الرسل عليهم السلام لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده والكفر بما يُعَبد من دونه وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (1)} [النحل: 36].

وقال جل شأنه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45].

ثانياً: بعث الله تعالى الرسل عليهم السلام لينقذوا الناس من الاختلاف في أصول حياتهم وليدلوهم إلى الحق الذي يريده خالقهم.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64].

_________________________________

(1) كل معبود باطل يعبد من دون الله وكل داع إلى ضلاله.

ثالثاً: بعث الله تعالى الرسل عليهم السلام لتعليم الناس الأعمال الصالحة ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الأدناس ولغرس الخير والصلاح فيها.

قال الله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].

رابعاً: أرسلوا عليهم السلام لإقامة الدين وللحفاظ عليه، وللنهي عن التفرق فيه وللحكم بما أنزل الله، قال الله تبارك وتعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13].

وقال جلّ ثناؤه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105].

خامساً: بُعثوا لإعطاء القدوة والأسوة الحسنة للناس في السلوك والأخلاق الحميدة والطريق المستقيم على هدى الله.

قال الله تعالى في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(1) لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

سادساً: أرسلهم الله تعالى ليبشروا المؤمنين بما أعدَّ لهم من النعيم الدائم جزاءً لطاعتهم، ولينذروا الكافرين بعواقب كفرهم وإقامة الحجة على الناس من ربهم وإسقاط كلِّ عذر. قال الله تبارك ا وتعالى: {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:04 AM
2- مزايا دعوة الأنبياء عليهم السلام

أ- المزية الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام ربانية:

إن أوّل وأهم ما يمتاز به الأنبياء عليهم السلام العقيدة التي يدعون إليها، ودعوتهم التي يقومون بها، فهي لا تنبع من ذكائهم أو حميتهم أو تألمهم من الواقع المزري الذي يعيشون فيه، أو من شعورهم الحساس، وقلبهم الرقيق الفياض أو تجاربهم الواسعة الحكيمة، إنما مصدره الوحي والرسالة التي يصطفون لها، ويكرمون بها .. فلا يقاسون أبداً على الحكماء أو الزعماء أو المصلحين وجميع أصناف القادة الذين جربتهم البشرية، والذين هم نتيجة بيئتهم وغرس حكمتهم، وصدى محيطهم ورد فعل لما كان يجيش به مجتمعهم من فساد وفوضى، وقد بيَّن القرآن الكريم ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].

ويقول القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة التي يختار لها الرسل وعن مبدئها ومصدرها: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2].

لذلك لا يخضع الرسول لعوامل نفسية داخلية، أو حوادث وقتية خارجية ولا يدير رسالته حيث دارت الأحوال والأوضاع وشاء المجتمع، وقد قال الله تعالى عن رسوله الكريم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].

والنبي لا يستطيع أن يحدث تغييراً أو تبديلاً أو تحويراً أو تعديلاً في أحكام الله وأوامره وقد قال الله تعالى لرسوله: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15].

وهذه هي السمة الفاصلة الأساسية المميزة بين الأنبياء صلوات الله عليهم وبين القادة والزعماء الذين تكون رسالتهم وكفاحهم نتاج بيئتهم وثقافتهم ومشاعرهم، والذين يلاحظون دائماً البيئة والمجتمع والظروف والأحوال ويراعون مصالحهم ومنافعهم.

فدعوة الأنبياء ربانية أي بوحي وتكليف من الله عزّ وجل، فليست هي نابعة من نفوسهم وليست نتيجة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تكون في عصرهم وإنما هي اتباع لوحي من الله سبحانه وتعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ}

ب- المزية الثانية: دعوة الأنبياء خالصة لله تعالى:

إن عنصر التجرد عن الغرض الشخصي في دعوة الأنبياء عليهم السلام من أهم المزايا المؤثرة التي تجعل المنصفين يستجيبون لها ويتأثرون بكلام الأنبياء عليهم السلام ونصحهم وتوجيههم.

فالأنبياء عليهم السلام لا يطلبون أجراً من أحد، ولا يقبلون على تبليغ الرسالة ثمناً من أي شخص إنما يطلبون الأجر والثواب من الله الذي فطرهم وخلقهم ومنَّ عليهم.

وكان شعارهم وإعلانهم وقرارهم بكل وضوح وجلاء وعلانية أن دعوتهم لم تكن من أجل الدنيا أو المال أو المنصب أو الجاه إنما هي لله خالصة، لا يبتغون من غير الله أجراً، فهم في دعوتهم لا يطلبون ثناء ولا مديحاً إنما يقصدون ثواب الآخرة ورضاء الله تبارك وتعالى.

وانظر إلى خطابهم لقومهم في القرآن الكريم {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]. {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} [هود: 51]. {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا} [الفرقان: 57].

{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]. {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109- 127-145-164-180]. {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:05 AM
ج- المزية الثالثة: تصحيح العقيدة وإخلاص الدين لله وإفراد العبادة لله جلَّ وعزّ:

إن الأنبياء عليهم السلام كان أول هدفهم وأول دعوتهم في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كلِّ بيئة هو تصحيح العقيدة في الله سبحانه وتعالى، وتصحيح الصلة بين العبد وربه والدعوة إلى إخلاص الدين وإفراد العبادة لله وحده، وأنه هو النافع والضار المستحق وحده للعبادة والدعاء والالتجاء والتنسك(1).

وكانت حملتهم مركزة وموجهة إلى الوثنية القائمة في عصورهم، الممثلة بصورة واضحة في عبادة الأوثان والأصنام، والصالحين والمقدسين من الأحياء والأموات الذي كان يعتقد أهل الجاهلية أن الله قد خلع عليهم لباس الشرف، وجعلهم متصرفين في الأمور. فلذا أرسل الله جميع الرسل بهذه الدعوة الكريمة وهي دعوة التوحيد وإخلاص النية والعمل له تعالى عن طريق إفراده بالعبادة.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

د- المزية الرابعة : البساطة في الدعوة وعدم التكلف:

إن التعقيد والتكلف بعيدان عن منهج الأنبياء عليهم السلام، والبساطة مزية واضحة في دعوة جميع الأنبياء، فهم يسيرون على منهج الفطرة ويخاطبون الناس على قدر عقولهم، فلا يتكلفون ولا يتشدقون بخطاباتهم ولا يتصنعون، والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة. {وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86].

_________________

(1) النسك : العبادة.

وقال عليه الصلاة والسلام في ذلك: "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم".

فالأسلوب الفطري الذي اتبعه الأنبياء هو أنجح أسلوب لأنه بعيد عن الأساليب الصناعية والمناهج الكلامية والأمور العويصة.

ومن تأمل الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية يجدها لا تشفي العليل ولا تروي الغليل.

وأقرب طريق إلى الحقيقة وخير طريق هو القرآن الكريم، أن أدلته كالماء الذي ينتفع به الصبي والرضيع والرجل القوي والرجل الضعيف، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مّرة ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفع بها الصبيان أصلاً.

وأسلوب القرآن خالٍ من التعقيد والتكلف، وكان الله تعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى أفضل أسلوب وأنجح طريق: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:06 AM
هـ- المزية الخامسة: وضوح الهدف والغاية في دعوة الأنبياء عليهم السلام:

إن الأنبياء عليهم السلام دعوا الناس إلى رسالة ربانية ذات هدف واضح وغاية نبيلة، وهم في دعوتهم لا يسلكون الطرق الملتوية والأساليب الاحتيالية التي تخفي وراءها الهدف والغرض من تلك الدعوة كما هو الحال عند بعض الساسة أو القادة أو الزعماء الذين لا يوضحون قصدهم ولا غرضهم ولا هدفهم حيث يبقى غامضاً، أما الأنبياء فدعوتهم لا غموض فيها ولا لبس.

قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وقال عليه الصلاة والسلام: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".

ز- المزية السادسة: الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا:

دعوة الرسل إلى الآخرة وإيثارها على الدنيا، والاستهانة بقيمتها ومتاعها، لم تكن دعوة باللسان فقط، بل كان ذلك مبدأ ومنهاجاً لحياتهم، فكانوا زاهدين في الدنيا، مقبلين على الآخرة، قد زهدوا في المناصب الكبيرة والمراكز الخطيرة، وضحوا بها في سبيل دعوتهم.

وحياة النبي صلى الله عليه وسلم ومعيشته وحياة أهل بيته معروفة في التاريخ والسيرة النبوية، فهي تثير العجب، وتسحر النفوس، وتملأ القلوب عظمة ومهابة وتنصب للدعاة والسائرين على منهاج النبوة مناراً عالياً من نور.

وكان الشعار الدائم لمعيشة الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".

والزهد مزية ملازمة لدعوة الأنبياء عليهم السلام، فليس غرضهم الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا وزخرفتها، فكان الأنبياء عليهم السلام يعيشون في شظف من العيش وفي شدة الضيق، مع أنهم كانوا قادرين أن يتنعموا في الدنيا وان يتلذذوا بها وأن يعيشوا فيها عيشة الأغنياء والزعماء، ولكنهم آثروا الحياة الآخرة الباقية على الحياة الدنيا الفانية {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60] {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ للأبرار} [آل عمران: 198].

وكان الله سبحانه وتعالى يعلِّم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى عدم الافتتان بالحياة الدنيا فيقول: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].

وحين طلب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يوسع ويزيد عليهن في النفقة، ويعاملهن كبقية النساء اللواتي يعشن في رغد من الدنيا وفي بحبوحة من النعيم، خُيِّرن بين البقاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم على الحالة المعهودة أو الفراق بينه وبينهن.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:08 AM
صفات الرسل عليهم السلام:‏


أ- الفطانة:‏
الفطانة: هي الذكاء والنباهة، ولم يبعث نبي إلا وكان على جانب عظيم من ‏الذكاء والنباهة مع كمال العقل والرشد.‏
قال الله تعالى في وصف إبراهيم الخليل عليه السلام: {ولقد آتينا إبراهيم رشده ‏من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51].‏
فبالفطانة يستطيع النبي أو الرسول أن يعرف ما يُلقى إليه من الوحي، وبها يستطيع ‏أن يحفظه ولا ينساه، وبها يستطيع أن يبلغه كما أوحي به إليه، وبها يستطيع بعد ذلك أن ‏يعالج أمته بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة، وفق طبائعهم وأخلاقهم، وبها يستطيع أن ‏يحاجج ويجادل الخصوم.‏
ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام الصلاة والسلام: قوله تعالى في ‏إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات ‏من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83].‏
فإن إبراهيم عليه السلام قد جادل النمروذ الطاغية الذي ادعى الألوهية، فحاجّه ‏وبهته(1) حيث إن إبراهيم عليه السلام قال للنمروذ عندما سأله من ربك؟ فأجابه: ربي ‏الذي يحي ويميت. فقال النمروذ: أنا أحي وأميت؟ فأتى برجلين قد حكم عليهما ‏بالإعدام، فأمر بعدم قتل أحدهما مع الحكم بإعدامه، فبزعمه أنه أحياه وأمر بقتل الثاني ‏فبزعمه أنه أماته
فلم يشأ إبراهيم عليه السلام بما أوتي من فطنة عظيمة أن يشتغل بإبطال ما ادعاه ‏النمروذ، وإنما نقله إلى مظهر آخر من مظاهر أفعال الله سبحانه وتعالى فقال له: فإن الله ‏يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؟! عندئذ بهت النمروذ ولم يجد جواباً فسقط ‏بذلك ادعاؤه الربوبية.‏
قال الله تعالى في شأن ذلك: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله ‏الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أُحي وأميت قال إبراهيم فإن الله ‏يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ‏الظالمين} [البقرة: 258].‏
وقد ثبت له موقف آخر من قبل وهو فتى في المحاجة مع قومه حين حطم الأصنام ‏كلها بيده إلا صنماً كبيراً ثم علّق القَدُّوم(2) في عنق هذا الصنم الكبير ليقيم الحجة على ‏قومه... فحين علموا أنه هو الفاعل قدموه للمحاكمة وسألوه: من الذي حطم آلهتنا ‏وأقدم على تكسير الأصنام؟ هل أنت الذي فعلت ذلك يا إبراهيم؟
فأجابهم عليه السلام: إنني لم أحطمها ولكن الصنم الكبير والإله العظيم- بزعمهم- هو‏
‏_________________‏
‏(1) أي حيَّره.‏
‏(2) آلة ينحت بها.‏
الذي حطمها لأنه لم يرض أن تعبد معه، والدليل على ذلك أنه وضع القدوم في عنقه، ‏وإذا لم تصدقوا كلامي فاسألوهم عن ذلك الأمر وسلوه... وفي هذه المرحلة كان قد بلغ ‏إبراهيم إلى غايته وهدفه، فأقام عليهم الحجة بعد أن سفَّه عقولهم، وجعلهم يضحكون من ‏أنفسهم... وهكذا يكون منطق الأنبياء.‏
قال الله تعالى في شأن ذلك: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ‏‏*إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها ‏عابدين* قال لقد كنتم أنتم وأباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ‏اللاعبين* قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ‏الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم ‏لعلهم إليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم ‏يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا ءَأَنت فعلت هذا ‏بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون* فرجعوا إلى ‏أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون* ثم نكسوا على رُءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ‏ينطقون* قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍ لكم ولما ‏تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون} [الأنبياء:51-67].‏
ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام قصة نوح عليه السلام مع قومه ‏حيث جادلهم وسلك معهم مسلك الحكمة والأسلوب المقنع إلا أنهم ضاقوا ذرعاً بقوة ‏مجادلته وبيانه وردوه رداً غير جميلٍ.‏
قال الله تعالى في ذلك الشأن: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما ‏تعدنا إن كنت من الصادقين} [هود: 32].‏
وممَّا يدل على فطنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: {ولا تعجل ‏بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربِّ زدني علماً} [طه: 114].‏
وتفسير ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يتعجل بترديد آياته من قبل ‏أن يقضى إليه وحيه من كمال الذكاء والفطنة.‏
وقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه} ‏‏[القيامة:16-17].‏
وتفسير ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يحرك لسانه بالقرآن الكريم ‏لحفظه وخشية ذهابه، وهذا من حدة الفطانة والدعاء.‏
وقد شهد الله له بأنه لا ينسى وهذا دليل قوي على قمة الذكاء قال الله تعالى: ‏‏{سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6].‏
وقد أمره الله بمجادلة خصومه بالتي هي أحسن، والمجادل عليه أن يتميز بنباهة ‏زائدة وفطانة عالية حتى يوصل خصومه إلى طريق الحق ويعرفهم به.‏
قال الله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. فأمر الله له بمجادلة ‏الخصوم يثبت له فطانة فائقة.‏
فالأنبياء عليهم السلام متصفون بالذكاء والفطانة، والله يختار لمنصب النبوة الذكي ‏الفطن ولا يختار لها من اتصف بالغباوة والبلادة وضعف التفكير.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:10 AM
ب- الصدق:‏
‏- إن صفة الصدق صفة ملازمة للأنبياء عليهم السلام، فهي من الصفات الفطرية ‏فيهم، فلا يمكن للنبي أن يصدر منه صفة قبيحة أو ما يخلّ بالمروءة كالكذب وأكل أموال ‏الناس بالباطل والخيانة. أو سرقة لقمة لأن هذه الصفات لا تليق برجلٍ عادي، فكيف بنبي ‏مقرب أو رسول مكرم؟!‏
‏- ولو وقع الكذب من الأنبياء عليهم السلام لانعدمت الثقة فيما ينقلونه من أخبار ‏الوحي أو ما يرونه من الله عزّ وجل ..‏
‏- ولو عرف أحد الرسل بين الناس بالكذب، لم يسلموا له بدعوى الرسالة ‏ورفضوا الالتفات إليه إبتداءً لما يعلمون من كذبه، وذلك إخلال بمهمة الرسالة ونقض لها، ‏وعثرات في طريق المهتدين إلى الصراط المستقيم.‏
وقد ثبت صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ولو تقوّل(1) علينا ‏بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين(2) * ثم لقطعنا منه الوتين(3) * فما منكم من أحدٍ عنه ‏حاجزين} [الحاقة: 44- 47].‏
وتقرير صدقه صلى الله عليه وسلَّم: أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق فيما ‏أبلغ الناس وأنه لو افترى الكذب أو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه لأخذه الله ‏بقوة فقضى عليه، ولما كان هذا لم يقع فهو صلى الله عليه وسلم لابدَّ صادق.‏
وقد شهد القرآن الكريم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وحي من ‏عند الله وهو الحق، والحق في التبليغ هو الصدق. قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن ‏هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3،4]. وقال تعالى:{يا أيها الناس قد جاءكم الرسول ‏بالحقّ من ربكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان ‏الله عليماً حكيماً} [النساء:170].‏
‏________________‏
‏(1) افترى الكذب.‏
‏(2) أي بالقوة.‏
‏(3) الوتين : نياط القلب والنخاع الذي متى قطع هلك صاحبه.‏
‏- وحين سأل (هرقل) ملك الروم أبا سفيان بن حرب - قبل إسلامه - عن أمر ‏محمد صلى الله عليه وسلم، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو ‏سفيان: ما عرفنا عليه كذباً قط! فقال هرقل بعد ذلك قولة مشهورة: ما كان ليذر ‏الكذب على الناس ويكذب على الله.‏
ومن خلال تتبع تاريخ الرسل عليهم السلام نجد أنهم قبل بعثتهم كانوا صادقين مع ‏الناس لا يكذبون وكانوا مؤتمنين لا يخونون، وهذا واقع لا ينكره أحدٌ من الناس.‏
وقد اشتهر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعث بأنه الصادق ‏الأمين، وكان المشركون يسمونه بهذا.‏
والله سبحانه وتعالى يؤيد رسلَه بالمعجزة التي لا يعارضها أحد وهي دليل على ‏صدقهم، فلو كان أحدهم كاذباً ما أجرى على يديه المعجزة.‏
وقد أشار موسى عليه الصلاة والسلام في خطابه إلى فرعون إلى أن شاهد المعجزة ‏دليل صدقه في النقل عن ربه، ولو كان كاذباً لم يجر الله على يديه المعجزة.‏
قال الله تعالى في ذلك: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * ‏حقيقٌ على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني ‏إسرائيل} [الأعراف: 104، 105] ومعنى ذلك: أنا لا أقول إلا الحق عن ربي ودليل ‏هذا الحق المعجزة الباهرة، وقد أيدني بها الله جلَّ وعلا.‏
وهكذا بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام يوصفون بالصدق ولا يوصفون ‏بالكذب مطلقاً.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:13 AM
ج- الأمانة:‏
صفة الأمانة من الصفات الضرورية للأنبياء عليهم السلام، والنبي أمين على ‏الوحي، فهو يبلغ أوامر الله ونواهيه إلى الناس دون زيادة أو نقص، ودون تحريف أو ‏تبديل.‏
فكل الأنبياء عليهم السلام مؤتمنون على الوحي يبلغون ما أوحي إليهم كما نزل، ‏لا يمكن لهم أن يخونوا، أو يخفوا ما أمرهم الله به، لأن الخيانة تتنافى مع الأمانة.‏
فالرسل الكرام عليهم السلام قد أدوا الأمانة على الوجه الذي يرضاه الله سبحانه ‏وتعالى، وكانت الرسل تنصح أقوامها وتردد على ألسنتها أو حالها ينطق بذلك.‏
‏{ولكني رسولٌ من ربِّ العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} ‏‏[الأعراف: 67، 68].‏
قال الله تبارك وتعالى في ذلك الشأن: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ‏يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: 39].‏
فكل الرسل عليهم السلام المبلغين لرسالات الله يخافون الله ويخشون عذابه، ولا ‏تحدثهم أنفسهم بالخوف من أحد إلا من الله عزّ شأنه.‏
فمن خاف الله وخشيه، فهل يخون ما ائتمنه عليه؟!‏
فالرسول لا يستطيع أن يبدِّل أو يغير شيئاً مما أوحي إليه إنما يفعل ما يأمره الله به.‏
قال الله تبارك وتعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيناتٍ قال الذين لا يرجون لقاءنا ‏ائت بقرءانٍ غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما ‏يوحى إليَّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} [يونس: 15].‏
ولو لم يكن في الأنبياء عليهم السلام الأمانة لتغيرت معالم الرسالة وتبدَّلت، ولما ‏اطمأنَّ المرء على الوحي المنزل فالرسول ليس بمتهم على الوحي والغيب بل هو أمين .‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:14 AM
هـ- التبليغ:‏
صفة التبليغ وهي أن يخبر الرسل أحكام الله، ويبلغوا الوحي الذي نزل عليهم، ولا ‏يكتموا شيئاً منه، ولو في تبليغه للناس ايذاء عظيم لهم أو شر كبير يلحق بهم من أعدائهم.‏
قال الله تبارك وتعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً* إلا من ارتضى من ‏رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً(1)* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ‏وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيءٍ عدداً} [الجن: 26-28].‏
‏{وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها(2) رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما ‏كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59].‏
قال الله تبارك وتعالى في شأن نوحٍ مع قومه: {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني ‏رسول من رب العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا ‏تعلمون} [الأعراف:61-62].‏
وقال تبارك وتعالى في شأن هود عليه السلام مع قومه: {قال يا قوم ليس بي ‏سفاهة(3) ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} ‏‏[الأعراف: 67، 68].‏
وقال عزَّ وجلَّ في شأن صالح عليه السلام مع قومه: {فتولى عنهم وقال يا قوم ‏لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} [الأعراف: 79].‏
وقال عزَّ وجلَّ في شأن شعيب عليه السلام مع قومه: {فتولى عنهم وقال يا قوم ‏لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسَى على قوم كافرين} [الأعراف: ‏‏93].‏
وقال تبارك وتعالى في شأن محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الرسول بلّغ ما ‏أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: ‏‏67].‏
‏___________________‏
‏(1) حرساً من الملائكة يحرسونه.‏
‏(2) أي في جماعتها.‏
‏(3) أي خفة عقل وضلالة عن الحقّ. ‏
ومما يدل على أن الرسل لم يكتموا وبلغوا ما أنزل الله عليهم:‏
أولاً: أن الله شهد لهم بأنهم بلغوا، وذلك كثير في القرآن الكريم: {الذين يبلغون ‏رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: 39]. ‏
‏{ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً} ‏‏[الجن: 28].‏
ثانياً: إن الله سبحانه وتعالى قد ذم أهل الكتاب الذين يكتمون شيئاً من التوراة ‏والإنجيل فلم يرضَ منهم هذا الكتمان وهم أشخاص عاديون، فكيف يرضاه ممن اختارهم ‏الله لحمل رسالاته؟!‏
قال الله تبارك وتعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن ‏فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146].‏
‏{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ‏الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159].‏
‏{إن الذين يكتمون ما أنزل الله في الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما ‏يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم* ‏أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النّار} ‏‏[البقرة:174، 175].‏
ثالثاً: إن الرسول الأكرم محمداً صلى الله عليه وسلَّم بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ‏ونصح الأمة ولم يكتم شيئاً مما أمره الله بتبليغه.‏
قال الله عزّ من قائل: {وما هو على الغيب بضنين} [التكوير:24]. ومعنى الآية: ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبخل بالوحي بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما ‏علمه.‏
ولو كان محمد صلى الله عليه وسلَّم كاتماً شيئاً مما نزل عليه لكتم العتابات التي ‏وجهت إليه من قبل الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم:‏
مثل قوله تعالى في قصة زينب مطلَّقة زيد بن حارثه الذي كان قد تبناه قبل أن ‏ينزل عليه تحريم التبني.‏
‏{وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ‏وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقُّ أن تخشاه فلما قضى زيدٌ منها ‏وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهنَّ إذا قضوا منهن ‏وطراً وكان أمر الله مفعولاً} [الأحزاب: 37].‏
ومثل قوله تعالى في أسرى بدرٍ حيث مال الرسول صلى الله عليه وسلَّم إلى عدم ‏قتلهم.‏
‏{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخِنً في الأرض، تريدون عرض الدنيا ‏والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ‏عظيم} [الأنفال: 67].‏
ومثل قوله تعالى في قصة انشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن ام مكتوم ‏الضرير(1) بدعوة كبار المشركين إلى دين الإسلام فعاتبه الله تعالى على ذلك: {عبس ‏وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكّىَ(2) * أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من ‏استغنى* فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى*وأما من جاءك يسعى*وهو يخشى* فأنت ‏عنه تلهى} [عبس: 1-10].‏
‏- فالرسل عليهم السلام بلغوا ما أمرهم الله ولم يكتموا شيئاً من ذلك.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:15 AM
د- العصمة:‏
العصمة صفة يتصف بها الأنبياء عليهم السلام على الخصوص دون غيرهم من ‏البشر.‏
ومعنى العصمة: حفظ الله تعالى أنبياؤه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي ‏وارتكاب المنكرات والمحرمات.‏
العصمة من الكفر للأنبياء: الأنبياء معصمون عن الكفر مطلقاً قبل النبوة وبعدها.‏
عصمة الأنبياء قبل النبوة من الصغائر والكبائر: لم يرد نص قاطع في عصمة ‏الأنبياء قبل النبوة لا عن الصغائر ولا عن الكبائر إلا أن سيرتهم التي أثرت عنهم قبل نبوتهم ‏تثبت أنهم أبعد الناس عن المعاصي كلها كبيرها وصغيرها وإن وقع منهم شيء من ذلك ‏فهفوات نادرة لا تمس ولا تطعن علو فطرتهم وصفاء نفوسهم وأرواحهم.‏
والحكمة في ذلك: أن هذه الهفوات تثبت بشريتهم أمام الخلائق، فلا يستطيع البشر ‏عندئذٍ رفعهم فوق المستوى البشري ولا وصفهم بصفات الألوهية وبهذا يظهر الفرق بين ‏أحوالهم قبل النبوة وأحوالهم بعدها.‏
عصمة الأنبياء بعد النبوة من الصغائر والكبائر: تمنع المعاصي الكبائر بعد النبوة ‏مطلقاً، فالأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقاً.‏
وكذا تمنع المعاصي الصغائر عمداً فلا يقع من الأنبياء صغائر عمداً ولا صغائر فيها ‏خمسة: كسرقة لقمة، وإنما تقع منهم الصغائر سهواً سوى ذلك من الصغائر كالسهو ‏والنسيان لكن لا يصرون ولا يُقَرون بل يُنبهون فينتبهون ويتوبون قبل أن يقتدي بهم أحدٌ.‏
قال الله تعالى في حق جميع الرسل عليهم السلام: {أولئك الذين هدى الله ‏فبهداهم اقتده} [الأنعام].‏
‏______________‏
‏(1) الأعمى.‏
‏(2) يتطهر بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم من دنس الجهل.‏
وقال الله تعالى في شأن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلَّم: ‏
‏{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخِر وذكر الله ‏كثيراً} [الأحزاب: 21].‏
تقرير ذلك: إن الله أمر الناس أن يتبعوا رسولهم ويقتدوا به في اعتقاداته وأقواله ‏وأفعاله لأنه هو الأسوة الحسنة -إلا ما كان خاصاً به أي خصه الله به ولم يأمر أمته ‏بذلك- وهذا كله بعد الرسالة. فالرسول في هذه الحالة كل أفعاله وأقواله موافقة لطاعة ‏الله عزَّ وجلَّ، فلو وقعت منه معصية لوجب على الناس اتباعه لأنهم مأمورون من الله ‏بالاتباع، والله سبحانه لا يأمر باتباع المعصية وإنما يأمر باتباع العمل الصالح فلذلك كانت ‏العصمة لهم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:16 AM
‏- العصمة لغير الأنبياء:‏
إن كل إنسان في هذا العالم معرَّض للخطأ والوقوع بالمعصية والانحراف فلا عصمة ‏إلا للأنبياء عليهم السلام ومن ادعى العصمة لغير الأنبياء فعليه أن يأتي بالدليل من الكتاب ‏والسنة.‏
وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "ما منا إلا ردَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا ‏القبر" ويعني بذلك أن كل إنسان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخطىء فيُرَدُ عليه ‏بسبب خطئه إلا شخص واحدٌ قد أوتي العصمة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ‏لا يُرَدُّ عليه لأنه مؤيد بوحي من الله عزَّ وجلَّ.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:21 AM
‏- بيان معاصي الأنبياء أو ما يوهم المعصية التي وردت في النصوص الشرعية:‏


‏1- ما ورد في حقِّ آدم عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ‏وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ‏وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 120-122]‏
إن المعصية التي وقعت من آدم عليه السلام كانت قبل النبوة بدليل قوله تعالى:‏
‏{ثم اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى} [طه: 122]. وكان ساعتئذٍ ناسياً بدليل قوله تعالى: ‏‏{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزماً} [طه: 115].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:23 AM
‏2- ما ورد في حقِّ نوحٍ عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {ونادى نوح ربَّه فقال ربِّ إنَّ ابني من أهلي وإن وعدك الحق ‏وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنَّ من فسر {إنه ليس من ‏أهلك} أي ليس هو ابنك الشرعي. فقد وقع في خطأ مبين فهو إما جاهل أو مغرض. ‏وإبطال كلامه ظاهر في الآية نفسها حيث يأتي بعد هذه الجملة من الآية {إنه عملٌ غير ‏صالح} وهذا تعليل للكلام السابق فإن كلمة (إنَّ) تأتي للتعليل كما هو معلوم في علم ‏أصول الفقه، فالتفسير يكون إنه ليس من أهلك بسبب أنه عمل عملاً غير صالح وكان ‏رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن قال بإنه غير ابنه غير ابنه الشرعي فقد تكلم بغير ‏دليل ولا فهم سليم للآية. والله الهادي إلى الصواب {إنه عملٌ غير صالح فلا تسئَلْنِ ما ‏ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسئَلَكَ ‏ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 46، 48].‏
لقد دعا نوح عليه السلام ربَّه أن ينجي ولده من الغرق بسبب الطوفان بعد أن ‏ركب نوح ومن آمن من أهله، وقومه السفينة التي صنعها بيديه بأمر من الله عزَّ وجلَّ، ‏لأن الله أخبره أن يحمل أهله وخبر الله لا يكذب قال تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا وفار ‏التنور(2) قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ‏وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] ولكن الله أهلك ابنه، وأغرقه لأنه كان من الكافرين ‏فلم يكن نوح عليه السلام آثماً أو مرتكباً معصية عندما سأل الله أن ينجي ابنه لأنه لم يعلم ‏قبل ذلك بأنه كافر لأنه كان منافقاً يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقد نهى الله نوحاً قبل ‏الطوفان أن يسأل النجاة عن الذين ظلموا وكفروا قال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ‏ووحينا ولا تخاطبني في الذي ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37].‏
فكيف له بعد الطوفان أن يسأل النجاة لابنه إن كان يعلم بكفر، وظلمه فيكون - ‏لو علم بكفره وسأل النجاة - قد عصى الله صراحة وخالق أوامر الله ولا يفعل ذلك ‏رسول قط.‏
فإذا قوله {إنّ ابني من أهلي} ظناً منه عليه السلام أن ابنه مؤمن يتبع دينه ولكن ‏ظهر خلاف ذلك، فكان نوح لا يعلم بما يبطن ودليل ذلك قوله تعالى: {فلا تسئَلن ما ‏ليس به علم} [هود: 47]. فلم يكن عالماً بهذا من قبل فعندها تبرأ الأب وهو نوح من ‏ابنه واستعاذ بالله، قال تعالى من هذا الشأن {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس ‏لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}.‏
فنوح عليه السلام يسأل الله على الظاهر الذي عنده، فلمَّا كشف الله له حقيقة ‏الأمر، سلَّم الأمر وفوَّضه إلى الله وتيقن أنه - لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون - ورجع ‏نوح مستعيناً بالله طالباً منه الرحمة والغفران وان لا يجعله من الخاسرين وهذا مقام تحقق ‏العبودية الخالصة لله تعالى.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:25 AM
3- ما ورد فى حق ابراهيم عليه السلام
من قوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم لأبيه ءازَرَ أتتخذُ أصناماً ءالهِةً إِنّى أرَاكَ ‏وقومك في ضلالٍ مبين * وكذلك نُرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ‏من الموقنين * فلما جنَّ عليه الَّيل رءا كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ‏‏* فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ‏الضالين * فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ‏بريءُ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا ‏من المشركين * وحاجهُ قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدانِ ولا أخافُ ما تشركون به ‏إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون *وكيف أخاف ما ‏أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحقُّ ‏بالأمن إن كنتم تعلمون * الذي ءامنوا ولم يلبسوا إِيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمنُ وهم ‏مهتدون * وتلك حُجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاءُ إن ربك ‏حكيم عليم} [الأنعام: 74- 83].‏
قد يظن بعض الناس عندما يقرأ هذه الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان يعبد ‏الكواكب ويعبد القمر والشمس وأنه قد تأثر بقومه فسار على دربهم في الاعتقاد وهذا ‏جهل في حق الأنبياء وخطأ ظاهر ممن لا يفهم معاني القرآن الحكيم.‏
فإن هذه الآيات لا تدل أبداً على وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لأن سياق ‏الآيات يدل على المحاجة بين إبراهيم وقومه بدليل أول الآية: {وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر ‏أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين}. وبدليل آخر الآية: {وتلك حجتنا ‏آتيناها إبراهيم على قومه}.‏
أي: أوتي الحجة التي دفع فيها أصحاب العقيدة الباطلة وهم قومه.‏
فالقصة التي ساقها القرآن الكريم إنَّما ترمز إلى أسلوب الإقناع وقوة الحجة التي ‏أعطاها الله سبحانه وتعالى لنبيه وخليله إبراهيم عليه السلام وكيف استطاع أن يفحم قومه ‏في إقامة الحجة والبرهان على وجود الله عزَّ وجلَّ، وكيف استطاع أن يبين لهم ضلالهم ‏وخطأهم في عبادة الكواكب والقمر والشمس، ويظهر أن إبراهيم عليه السلام قد سلك ‏معهم أيسر الطرق لبلوغ غرضه، فلم يجابههم بالضلال وإنما تدرج معهم فادعى أنَّ ‏الكواكب الذي رآه ساطعاً في السماء هو ربه ليستأنسوا بكلامه ثم لما غاب الكوكب ‏أنكر أن يكون هذا الكوكب صالحاً لكونه رباً لأنه متغير ومحدود وكل ذلك علامة ‏الحدوث والله سبحانه منزه عن ذلك ثم لما رأى القمر ظاهراً مضيئاً قال: هذا ربي -فهذا ‏تدرج ليبطل عقيدتهم- فلما غاب القمر وذهب نوره أنكر أن يكون رباً معبوداً، وهنا لمح ‏إبراهيم إلى ضلالهم، ولكن بأسلوب في منتهى الحكمة حيث قال: {لئن لم يهدني ربي ‏لأكون من القوم الضالين} فلم يصرِّح بضلالهم وإنما اتهم نفسه بالضلالة إن عبد هذا الإله ‏المتصف بصفات الحدوث، وقوله: {من القوم الضالين} تلميح بضلالة من عبد القمر، ثم ‏لما بزغت الشمس وسطعت بأشعتها على الكون وأضاءت الوجود قال عن الشمس إنها ‏ربه فهي أكبر المخلوقات فمن كان أكبر كان أحقّ بالعبادة من سائر النجوم والكواكب، ‏وقال ذلك ليقيم الحجة على ضلالهم، فلما غابت الشمس وتوارت خلف الأفق ولم يعد لها ‏نور ولا ضياء عندها صرح هنالك بضلال من يعبدها أو يعبد تلك المحدثات، وتبرأ من ‏قومه ومن عبادتهم لها، وذلك بعد أن ظهرت الحجة وبان الحق {قال يا قوم إني بريء مما ‏تشركون} عندها أعلن عقيدته التي يؤمن بها من قبل {إني وجهت وجهي للذي فطر ‏السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.‏
فظهر أن هذه الأقوال من إبراهيم عليه السلام لم تكن شكاً في الله ولم تكن جهلاً ‏بالخالق جل وعزَّ، وإنما كانت من أجل إقامة الحجة على ضلال قومه عن طريق البرهان ‏والاستدلال وإفهامهم بأعظم الحج الدامغة.‏
وقال الله تعالى أيضاً في حقِّ إبراهيم عليه السلام {وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف ‏تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير ‏فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أن الله ‏عزيز حكيم} [البقرة: 260]‏
‏- وقد توهم بعض الناس أن إبراهيم قد شك في قدرة الله عزَّ جلَّ على إحياء ‏الموتى، وهذا خطأ فادح وعدم معرفة في حق الأنبياء عليهم السلام، والحقُّ أن إبراهيم عليه ‏السلام لم يشك لحظة في قدرة الله عزَّ وجلَّ وقد قطع النبي محمد صلى الله عليه وسلم دابر ‏الوهم بقوله: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم" أي نحن صلى الله عليه وسلم لم نشكَّ أبداً ‏فمن باب أولى أن لا يشك أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.‏
فإن إبراهيم عليه السلام لم يسأل، عن حقيقة القدرة أي: (هل تقدر أن تحي ‏الموتى؟) وإنما سأل عن كيفية إحياء الموتى فقال: {ربي أرني كيف تحي الموتى} والسؤال ‏عن الكيفية إنما هو بقصد التَطلع وعندما يجيء هذا التطلع من إبراهيم عليه السلام فإنه ‏يكشف عما يختلج أحياناً من الشوق لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين.‏
‏- وما ورد في حقه عليه السلام في الحديث ما يوهم عدم العصمة: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهنَّ في ذات الله قوله: ‏‏(إني سقيم) وقوله: (بل فعل كبيرهم هذا). وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على ‏جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله ‏عنها: من هذه؟ قال: أختي فأتى فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، ‏فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، ‏فأرسل إليها فأتي بها، وقام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ حتى ‏ركض برجله، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ ‏مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته، ‏فقال إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي فأومأ ‏بيده مهيم؟ قالت ردَّ الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر.. قال أبو هريرة: تلك أمكم ‏يا بني ماء السماء". رواه البخاري ومسلم
الحديث الشريف المذكور لا يدلُ على نفي العصمة، فالكذبات التي نطق بها الخليل ‏إبراهيم عليه السلام لم تكن كذباً بالمعنى المتعارف عليه إنما هو كذب صورة أمَّا في الحقيقة ‏فهو بخلاف ذلك والدليل على ذلك سياق الموضوع لكل كلمة من الكلمات الثلاثة:‏
أمَّا الأولى فكلمة {إني سقيم} قد وردت في القرآن الكريم قال الله تعالى: {وإن ‏من شيعته لإبراهيم* إذ جاء ربَّه بقلب سليم* إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون* أئفكاً ‏آلهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين* فنظر نظرة في النجوم* فقال إني سقيم* ‏فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم* فقال ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ‏ضرباً باليمين* فأقبلوا إليه يزفون* قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون* ‏قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم فأرادوا له كيداً فجعلناهم الأسفلين} [الصافات: ‏‏83-98].‏
فإن قول الخليل إبراهيم عليه السلام (إني سقيم) أي إني مريض فكان ادعاء المرض ‏منه مبرراً لعدم ذهابه مع قومه حيث يخلو له الأمر فيتمكن من كسر الأصنام.‏
فمرضه ليس مرضاً جسيماً فعند إطلاق كلمة سقيم يتبادر إلى الذهن مرض ‏الجسم، ولكن هو - والله أعلم - السقم المعنوي لا المادي، لأنه سقم من قومه بسبب ‏عبادتهم للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تغني عن صاحبها ‏شيئاً، فحزن عليهم واشددَّ حزنه أكثر من ذلك عندما دعاهم إلى الهدى فأبوا وازدادوا في ‏طغيانهم. فكل رسول يكون همه الأوحد هداية قومه وحرصه على أن يكونوا مؤمنين، إلا ‏أن كثيراً من قومه يقفون أمام دعوته ويحاربونه سراً وعلانية ويؤذونه ويعتدون على أهله ‏وأتباعه، فلذا نجد الرسول أمام هذه المواقف من قومه حزيناً عليهم مشفقاً على أنفسهم ‏رؤوفاً بهم، وهم معرضون عنه، فتراه تعباً مريضاً من مواقفهم التي تحارب كلمة الحق ‏وطريق الهدى.‏
وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحزن ويشتد حزنه من قول المشركين فيقول ‏تعالى: {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76].‏
وهكذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد اشتدَّ حزنه فصار سقيماً من عبادة ‏قومه الأصنام.‏
وأمَّا الثانية فكلمة (بل فعله كبيرهم هذا) فقد وردت في القرآن الكريم قال الله ‏تعالى في شأن الخليل إبراهيم عليه السلام عندما انتهى من كسر الأصنام {قالوا من فعل ‏هذا بالهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على ‏أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا ءَأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله ‏كبيرهم هذا فاسئَلُوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 59 - 63].‏
فقوله عليه السلام (بل فعله كبيرهم هذا) من باب السخرية والتهكم بقومه ‏وبآلهتهم التي هي جماد لا تنطق ولا تقدر على شيء، والذي يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ‏‏{فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] فكان كلامه (بل فعله كبيرهم هذا)جواباً ‏مسكتاً لخصمه محرجاً له، فهذا ليس من الكذب في الحقيقة وإنما هو نوع من البرهان ‏والحجة.‏
وأمَّا الكلمة الثالثة: (هذه أختي) فقد وردت الكلمة في الحديث المذكور سابقاً.‏
فهذا ليس بكذب في الحقيقة وإنما هو في الصورة والدليل على ذلك أنه قال ‏لزوجته سارة: (فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمن ‏غيري وغيرك).‏
والله سبحانه وتعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]. فإن كلمة ‏أختي توهم أنها أخته بالنسب، فقد عرَّض في كلامه ولم يصرِّح حتى يدفع الضرر ودليل ‏ذلك قول الخليل إبراهيم عليه السلام: "إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك" ‏فهذا التعريض لا يؤاخذ صاحبه ولا يأثم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:28 AM
‏4- ما ورد في حق يوسف عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف ‏عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24].‏
إن هم يوسف عليه السلام في هذه الآية خاطر نفسي لم يصمم عليه، وقد صرف ‏هذا الخاطر بخوفه من ربه وإخلاصه له وعصمة الله له ولولا ذلك لحدث ما حدث قوله ‏تعالى: {لولا أن رأى برهان ربه(1)} أي العصمة والحفظ بدليل ما جاء من العبارة بعدها ‏مباشرة {وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}.‏
فهمه عليه السلام لا شيء فيه بل فيه حسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"من هم بسيئة فلم يعملها كانت له حسنة" متفق عليه.‏
وأمَّا قوله تعالى: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ‏وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} ‏‏[يوسف: 52 - 53] فهذا الكلام من كلام امرأة العزيز وليس كلام يوسف عليه السلام ‏وسياق الآيات يدلُّ على ذلك ولننظر إلى الآية التي سبقت الآيتين المذكورتين {قال ما ‏خطبكن إذ روادتن يوسف عن نفسه قلن حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأتُ ‏العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} [يوسف: 51].‏
فامرأة العزيز أعلمت زوجها بأنها هي التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه ‏فامتنع {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] ولكنها لم ترتكب الفاحشة ‏ولم تقع فيها فهي لم تخن زوجها بغيابه {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} ‏‏[يوسف:52].ثم بعد ذلك قالت: {وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما ‏رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف:52].. ‏
فقد اتهمت نفسها بالسوء ولم تزكها، وإن كل نفس تأمر صاحبها بالسوء إلا من ‏عصمه وحفظه كيوسف عليه السلام، ثم استغفرت ربها وطلبت منه الرحمة مما فعلت.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:28 AM
‏5- ما ورد في حق يونس عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {وذا النون(2) إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ‏الظلمات إن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من ‏الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء: 87-88].‏
إن يونس عليه السلام بعث إلى قومه فدعاهم فتمردوا عليه ووعدهم وقوع العذاب ‏بهم فذهب مغاضباً بسبب قومه {وذا النون إذ ذهب مغاضباً} وبعد ذهابه رجعوا إلى الله ‏وتابوا إليه، فركب سفينة في البحر مع جماعة فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت ‏بما فيها وكادوا يغرقون، فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ‏ألقوه من السفينة ليتخففوا منه، فاقترعوا ثلاث مرات ووقعت القرعة على يونس ثلاث ‏مرات {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق(1) إلى الفلك(2) المشحون(3) فساهم(4) فكان من ‏المدحضين(5) * فالتقمة الحوت وهو مليم(6)} [الصافات : 139- 142].‏
فلما وقعت عليه القرعة أُلقيّ في البحر، وبعث الله حوتاً عظيماً، فالتقمه ولكن لم ‏يأكل له لحماً ولم يهشم له عظماً فضيق الله عليه {وذا النون إذا ذهب مغاضباً فظن إن ‏لن نقدر(7) عليه} فبات في بطن الحوت ونادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ‏الظالمين {فنادى في الظلمات لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.‏
فألقي بعد ذلك بمكان قفر ليس فيه شيء من الأشجار وهو ضعيف البدن ‏‏{فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} [الصافات: 145- 146].‏
فأستجاب الله له ونجاه من الضيق والكرب {فاستجبنا له ونجيناه من الغم ‏وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء : 88].‏
فالله سبحانه وتعالى عاتب يونس عليه السلام لعدم الصبر ولخروجه من بين قومه ‏بغير إذن من الله تعالى، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى.‏
فكان ينبغي له الثبات اعتماداً على أن الله ينجيه كما نجى نوحاً وغيره من الأنبياء حتى ‏يوحي إليه ما يريد.‏
ولقد أمر ربنا عزَّ وجلَّ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصبر على تكذيب ‏المشركين وألاَّ يكون مثل يونس عليه السلام مع قومه الذي لم يصبر وخرج بلا إذن ‏‏{فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الموت إذ نادى وهو مكظوم(8)*‏
‏ _____________________‏
‏(1) هرب وفرَّ.‏
‏(2) السفينة.‏
‏(3) المملوء.‏
‏(4) فقارع من في السفينة.‏
‏(5) المغلوبين في القرعة.‏
‏(6) أتى بما يُلام عليه ويعاتب.‏
‏(7) نضيق.‏
‏(8) مملوء غيظاً.‏
لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم(1) * فاجتباه ربه فجعله من ‏الصالحين} [القلم : 48- 50].‏
فليس في قصة(2) يونس عليه السلام نصٌّ صريح على ذنب وإنما فيها فراره عليه ‏السلام خشية تكذيب قومه له، لِما وعدهم به من العذاب وخروجه كان بغير إذن من الله ‏فتسرع في خطوته فأدبه الله عزَّ وجلَّ.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:29 AM
‏ 6- ما ورد في حق داود عليه السلام :‏
قال الله تعالى: {وهل أتاك نَبَؤُا الخصم إذ تسوَّروا المحراب(3)* إذ دخلوا على ‏داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى(4) بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا ‏تشطط(5) واهدنا إلى سواء الصراط* إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ‏واحدة فقال أكفلنيها(6) وعزَّني في الخطاب(7) * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ‏نعاجه وإن كثبراً من الخلطاء(8) ليبغي(9) بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ‏الصالحات وقليل ما هم وظن داود انما فتناه(10) فاستغفر ربه وخرَّ(11) راكعاً وأناب(12) ‏فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى(13) وحسن مآب(14)} [ص: 21-25].‏
وخلاصة قصة داود أن اثنين من الناس قد اختصما فيما بينهما وأرادا حكماً يحكم ‏بينهما فاختارا داود حكماً، فتسللا وصعدا السور وكان عليه السلام يتعبد ويختلي بنفسه ‏في بعض الأحيان، فلم يشعر داود عليه السلام إلا أن شخصين أمامه ففزع منهما فأخبراه ‏أن لا يخف، إنما نحن خصمان فاحكم بيننا بالعدل، فادعى المدعي أن أخيه عنده تسع ‏وتسعون نعجة وأنا عندي نعجة واحدة فقال لي ضمها لي بالدخول تحت ملكي وغلبني في ‏الخصومة. فأجاب داود مباشرة دون أن يسمع كلام المدعى عليه : لقد ظلمك بسؤال ‏نعجتك إلى نعاجه، فاستنكر داود لفعل شريكه ولطمعه حيث أراد أن يتنازل له عن نعجته ‏وعنده تسع وتسعون نعجة، فعلم داود عليه السلام أنه أسرع في الحكم فكان
‏___________________‏
‏(1) معاتب.‏
‏(2) فليحذر من بعض التفسيرات التي تصف يونس عليه السلام بأنه أغضب الله وأنه شك في قدرة الله على الانتقام منه فهذا تفسير ‏للآية بطريقة خاطئة وغير صحيح.‏
‏(3) عَلَوْا سُور مصلاه ونزلوا إليه.‏
‏(4) تعدَّى وظلم.‏
‏(5) ولا تظلم في حكمك.‏
‏(6) إجعلها نصيبي.‏
‏(7) غلبني وقهرني في الخصومة.‏
‏(8) الشركاء.‏
‏(9) ليظلم.‏
‏(10)ابتليناه وامتحناه.‏
‏(11)سقط.‏
‏(12)رجع إلى الله تائباً.‏
‏(13)لقربة ومكانه.‏
‏(14)حسن المرجع وهو الجنة.‏
ينبغي له أن يسمع كلام المدعى عليه، فاستغفر الله ورجع إليه فتاب الله عنه.‏
فما قصه الله تعالى عنه في القرآن الكريم ليس فيه ما يأباه مقام النبوة، فان تسرعه ‏في الحكم ليس فيه قصد للظلم منه، حاشاه من ذلك، ولكنه انفعل مع القصة التي رويت له ‏فتعجب، وحكم دون سماع الطرف الآخر وهو المدعى عليه، فتنبه لذلك وشعر بنفسه أنه ‏ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك فرجع إلى الله تائباً مستغفراً.‏
تنبيه: ما ورد أن داود عليه السلام كتب إلى قائد جيشه أن ابعث أوريا -وهو ‏زوج امرأة حسناء رآها داود فأعجب بها وتعلق قلبه بها- إلى وجه العدو قِبَل التابوت ‏وكان من يتقدم مع التابوت لا يجوز له أن يرجع حتى ينتصر أو يستشهد، فتقدم ففتح ‏على يديه، فكتب له ثانياً : ابعثه لموضع كذا مرة بعض مرة، حتى قتل فتزوج امرأته.‏
ما يُروى من هذه القصة فهي من طريق الروايات الإسرائلية التي بدل فيها وغير، ‏لا يلتفت إليها، ولم يوجد شيء من ذلك في القرآن الكريم ولا في حديث صحيح.‏
والذي وُجد القصة التي ذكرناها آنفاً، وحسبنا أن نعتقد بما ورد في القرآن الكريم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:30 AM
‏7- ما ورد في حق سليمان عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {ولقد فتنا(1) سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} [ص : ‏‏34].‏
إن الله عز وجل قد ابتلى سليمان، وهذا الابتلاء قد ذكره النبي صلى الله عليه ‏وسلم (قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة(2) تلد كلّ واحدة منهن غلاماً ‏يقاتل في سبيل الله. ولم يقل - إن شاء الله - فما ولدت إلا واحدة منهن بشق(3) إنسان، ‏فقال رسول الله: "لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله عزَّ ‏وجلَّ".‏
وبعد أن ولدت امرأته بإنسانٍ غير كامل وضع على كرسي سليمان عليه السلام ‏الذي كان يجلس عليه لإجراء أحكام الملك.‏
والذي يظهر من قصة سليمان بن داود عليه السلام أن عدم قوله إن شاء الله، لم ‏يكن فيه ارتكاب معصية أو ذنب ولكن الله ابتلاه في ذلك ليوجهه إلى ما هو الأكمل ‏والأفضل.‏
تنبيه: ما يروى أنه كان لسليمان عليه السلام امرأة وكان مغرماً بها،فقالت له: إن ‏فلاناً من أهلي له حقٌّ عند آخر، وأنا أحب أن تحكم له إذا جاءك فأجابها لذلك، ولكنه لم ‏يفعل فعاتبه الله تعالى لمجرد الميل، فكان ما كان من وضع خاتمه عندها وأخذ الشيطان له ‏وتشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، فكل هذا ‏مأخوذ من الإسرائيليات وهو من خرافات
‏______________________‏
‏(1) اختبرنا، وامتحنا.‏
‏(2) لم يكن في شريعة سليمان بن داود تحديد عدد الزوجات.‏
‏(3) إنسان غير كامل. ‏
القصاصين لا يؤخذ بها لأن فيها حطاً لمقام النبوة، وكيف يُسلَّط الشيطان على نبي من ‏الأنبياء، وقد عصمهم الله جميعاً من ذلك، وكيف يكون الشيطان عليه سلطان، وهو ليس ‏له سلطان على الذين آمنوا؟ قال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ‏ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: ‏‏99-100].‏
‏- ما ورد أيضاً في حقه عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك ‏إنت الوهاب} [ص: 35].‏
والسؤال الذي يشغل البال: إن سليمان بن داود قد طلب من الله أن يؤتيه ملكاً لا ‏يتيسر لغيره، وهذا يقتضي حبه للدنيا ولتفرده بملك عظيم لا يتيسر لغيره، وفيه حينئذٍ ‏حرص لا يليق بزهد الأنبياء عليهم السلام في الدنيا وعدم رغبتهم فيها.‏
الجواب: إن طلب سليمان بن داود ملكاً لا يكون لغيره، لم يكن حسداً منه وبخلاً ‏بالملك، ولا يشترط أن يكون حباً يغاير الزهد بل لأن كل نبي كان له ما يفتخر به أهل ‏زمانه ويشتهر به أهل عصره، كما اشتهر في عصر موسى عليه السلام السحرة فأبطل الله ‏هذا السحر بعصاه التي انقلبت إلى حية عظيمة، واشتهر عصر عيسى عليه السلام بالطب ‏والأطباء، فجاء عيسى بمعجزة هي أقوى من قوانين الطب وهي إحياء الموتى وإبراء العمي ‏وغير ذلك، فاشتهر في عصر سليمان عليه السلام الملك وكثرة الجند والمال، فأراد عليه ‏السلام أن يكون له من ذلك ما لا يقدر عليه غيره، فملكه الله ملكاً عظيماً، ولم يجعله ‏شاغلاً له عن زهده وعبادته وكيف ينشغل عن الله بدنيا فانية، وقد قال الله تعالى فيه: ‏‏{وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} [ص: 39]. فهو من المقربين وذو مكانة عند الله ‏عزَّ وجل وله حسن المرجع وهو الجنة.‏
وقد قدَّم الاستغفار على طلبه {رب اغفر لي وهب لي ملكاً} ليكون أدعى ‏للإجابة.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:31 AM
‏8- ما ورد في حق موسى عليه السلام:‏
قال الله تعالى: {ولما بلغ أشدّه(1) واستوى(2) آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي ‏المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ‏شيعته(3) وهذا من عدوه فاستغاثه(4) الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه(5) ‏موسى فقضى(6) عليه قال هذا من عمل‏
‏___________________‏
‏(1) قوَّة بدنه ونهاية نموه.‏
‏(2) كمُل عقله.‏
‏(3) جماعته.‏
‏(4) ناداه لينصره.‏
‏(5) فدفعه.‏
‏(6) فقتله.‏
الشيطان إنه عدو مضل مبين قال ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو ‏الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً(1) للمجرمين} [القصص: ‏‏14-17].‏
القصة هي أن موسى لما دخل على المدينة في وقت انتصاف النهار والناس في هذا ‏الوقت يأخذون قسطاً من الراحة فتكون الأسواق مغلقة، وجد رجلين يقتتلان أحدهما من ‏بني إسرائيل من جماعة موسى لأنه عليه السلام من بني إسرائيل، والآخر عدوٌ لموسى قبطي ‏من آل فرعون، فناداه الإسرائيلي لينصره على القبطي، فاستجاب موسى لذلك، فدفع ‏الرجل الذي هو من آل فرعون فقتله، فاستغفر الله على فعله فغفر الله له.‏
في هذه القصة لم يصدر من موسى عليه السلام ذنب أو معصية لأن الوكز عادة ‏ليس قاتلاً إنما هو دافع، فظن أنه بهذا الوكز سيمنع القبطي من الاقتتال، ولكن كان الوكز ‏قاتلاً للقبطي، فهذا قتل خطأ كان بغير قصد فلا إثم عليه، وأمَّا قوله تعالى: {هذا من عمل ‏الشيطان} [ص: 15] إنه إشارة إلى القتل الحاصل بغير قصد، لأنه قتل قبل أن يؤذن له ‏بالقتل، فلو قتله بإذن من الله لؤجر عليه لأنه قتل بحق. فطلب من الله أن يغفر له بسبب ‏فعله فغفر له {قال ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} ‏‏[ص: 16].‏
‏- ما ورد أيضاً في حقه عليه السلام:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام ‏فقال له: أجب ربك. قال: فلطم(2) موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى ‏الله تعالى، فقال: إن أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال: فردَّ الله عينه، ‏وقال: ارجع إلى عبدي -إلى موسى- فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك ‏على متن ثور(3)، فما توارت(4) يدك من شعرة، فإنك تعيش بها سنة. فقال موسى عليه ‏السلام: ثم مه(5)؟ قال -ملك الموت-: ثم تموت. قال -موسى-: فالآن من قريب، ربِّ ‏أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لو أني ‏عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب(6) الأحمر". متفق عليه اللفظ لمسلم
توضيح الحديث: إن الله تعالى أخبر رسوله موسى عليه السلام بأنه لا يموت حتى ‏يخبره الله ويخيره بين الموت والحياة. لأنه ورد في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها: ‏‏"لن يقبض نبيٌّ
‏__________________‏
‏(1) معيناً.‏
‏(2) ضرب.‏
‏(3) ظهر ثور.‏
‏(4) غطت.‏
‏(5) أي ماذا يكون بعد ذلك.‏
‏(6) المُجَتمع من التراب.‏
مقعده من الجنة، ثم يُحيَّا أو يخيَّر" فلما أتاه الملك بصورة رجلٍ ودخل عليه من غير ‏استئذان، ولم يحيه ولم يخبره شُقَّ عليه ذلك، وكان موسى عليه السلام سريع الغضب، ‏ولذا لما رجع إليه وخيَّره بين الحياة والموت انقاد للأمر واستسلم.‏
‏- دفع شبهة:‏
بعض من الناس تطعن في هذا الحديث من حيث المعنى ويتعجبون في مسألة الملك ‏كيف يضرب وتفقأ عينه؟‏
الجواب: إن المَلَك إذا تمثل بشكل إنسان فإنه يصيبه من العوارض ما يصيب الجسم ‏الإنساني كالغبار والإصابة بآفة كضربة ولكنه لا يأكل ولا يشرب(1).‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:32 AM
‏9- ما ورد في حق نبي عليه السلام لم ينصَّ على اسمه بالتمام:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نبياً قرصته نملة فحرَّق قرية النمل، ‏فأوحى الله إليه: إن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم" متفق عليه.‏
إن الله عاتب هذا النبي وندبه إلى احتمال الصبر وترك التشفي(2) لأنه قد أحرق ‏جماعة من النمل، ولم تؤذِه إلا واحدة منها والله يقول: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ‏عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين} [النحل: 126]. فظاهر فعله إنما كان لأجل ‏أنها آذته فانتقم لنفسه عليه السلام، وقد منع المضرة من جماعة النمل بطريق الإحراق، لأنه ‏توقع أنها ستضر غيره من الناس، والمعاتبة تتأكد أكثر، لأنه قتل النمل بواسطة النار وهذا ‏تعذيب ولا يعذب بالنار إلا خالقها.‏
ولكن لم يأت نصُّ من الكتاب أو السنة يبين أن الله قد نهاه عن ذلك أو أنه عصى ‏أو أنه تاب من ذلك واستغفر والله أعلم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:33 AM
‏10- ما ورد في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ‏

‏1- قال الله تعالى:‏
‏{إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم ‏نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً} [الفتح: 1 - 2].‏
‏{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ‏متقلبكم ومثواكم} [محمد: 19]. ففي الآتيان تصريح بالذنب، والمراد ما كان عن سهو ‏أو غفلة أو اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في أمر لم يكن فيه نص فيختار باجتهاده ‏الفاضل عن الأفضل، وهذا بالنسبة لمقام الأنبياء يعاتب به ويؤاخذ عليه، ويعدُّ ذنباً ‏بالإضافة إلى عَليِّ منصبهم، ومعصيةً بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا كذنوب غيرهم ‏ومعاصيهم.‏
‏__________________‏
‏(1) أنظر بحث الملائكة في تشكيلات الملائكة.‏
‏(2) الأنتقام بما يشفي الغيظ، ويبرد الصدر.‏
‏- قال الله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك(1) الذي أنقص(2) ظهرك} [الانشراح: 2 ‏‏- 3].‏
ليس في النص المذكور ما يدلُّ على معصية أو ذنب، فإن معنى النص أن الله خفَّف ‏عنك أعباء الرسالة والقيام بأمرها حيث كان حمل الرسالة شديداً عليك، وهنا كأنه شُبِّهَ ‏الرسول صلى الله عليه وسلم بحامل شيء ثقيل عظيم على ظهره حتى انتقض ظهره.‏
‏2- وقال الله تعالى: ‏
‏{ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة(3) والعشىِّ(4) يريدون وجهه، ما عليك ‏من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} ‏‏[الأنعام : 52].‏
فالآية لا تنص على معصية أو ذنب، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يطرد القوم ‏الذين لا يعبدون ربهم دون انقطاع ويخلصون في عبادتهم، لأنه لو طردهم لكان من ‏الظالمين، فسبب الظلم هو طرد هؤلاء المؤمنين المخلصين. وسبب نزول الآية: أن قوماً من ‏قريش مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمَّار وخباب وغيرهم من ‏ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيتَ بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم ‏من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك فنزلت هذه الآية. فالله ‏أمره وحذره بأن لا يطرد القوم الضعفاء الفقراء بسبب رؤساء قريش الذين شُق عليهم أن ‏يجالسوا هؤلاء الفقراء، فإنَّ من أراد الإيمان فعليه أن يتنازل عن كبريائه وعن عجرفته، ‏ومن أراد الحقيقة لا تهمه مظاهر الفقر ومجالسة الضعفاء.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:33 AM
‏3- وقال الله تعالى:‏
‏{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن(5) في الأرض تريدون عرض الدنيا ‏والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ‏عذاب عظيم} [الأنفال: 67، 68].‏
سبب نزول الآية: ‏
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أسروا الأسرى - يعني يوم بدر - قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: "ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ ‏فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا ‏على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ‏ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والله يا رسول الله لا أرى الذي رأى أبو بكر ولكنني أرى ‏أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من ‏
‏_______________‏
‏(1) حملك الثقيل.‏
‏(2) أثقله.‏
‏(3) أول النهار.‏
‏(4) آخر النهار.‏
‏(5) يبالغ في القتل حتى يذلَّ الكفر.‏
عقيل (أي أخيه) فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - قريب عمر - فأضرب عنقه، وتمكن ‏فلاناً من فلان قرابته، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت ‏وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض على أصحابك في أخذهم الفداء، لقد عرض ‏علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه- وأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية ‏المذكورة آنفاً.‏
لقد عتب الله عتاباً شديداً على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه الذين ‏اختار صلى الله عليه وسلم رأيهم وكان هذا توجيهاً وتعليماً للأخذ بالأكمل والأفضل ‏والتمهل وعدم التسرع في مثل هذه الأمور الدقيقة حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بأمر منه.‏
غاية الأمران رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار بعض أصحابه في أسرى بدر ‏وبعد المشاورة حصل رأيان، رأي يحبِّذ الفدية أي أن الأسرى يعطوا عوضاً مقابل حريتهم ‏وإطلاق أسرهم، ورأي آخر يحبذ أن يقتلهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد. ‏
والرأي الأول له وجهة نظر: وهي أن أخذ الفدية من الأسارى تقوي المسلمين ‏وخاصة أن المسلمين بحاجة إلى أموال وعون مادي في هذه المرحلة فجاءت الفدية في ‏محلهّا، ولعل في استبقاء الأسرى هدايتهم والرجوع إلى الله.‏
والرأي الثاني له وجهة نظر أخرى: إن في سفك دماء الكافرين والمشركين وإراقتها ‏تضعيفاً لشوكة الكفر، وزعزعة عزيمة المشركين، وخاصة في أول معركة للمسلمين التي ‏كانت حاسمة وفي ذلك يكون العزُّ والنصر لله ولرسوله وللمؤمنين.‏
فاجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الرأيين واختار الرأي الأول ثم وجهه ‏الله تعالى إلى الرأي الثاني، وعاتبه لأن مصلحة الأمة في هذه المرحلة إعزاز المسلمين، ولا ‏يتم إلا بقتل الأسرى، وليس فيه إلزام ذنب للنبي وأصحابه ذي الرأي الأول لأن الله ‏سبحانه قال: {ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [68] أي ‏لولا حكم من الله سبق أن لا يعذب أحداً على العمل بالاجتهاد لنالكم وأصابكم فيما ‏أخذتم من فداء الأسرى عذاب عظيم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:35 AM
‏4- قال الله تعالى: {انفروا(1) خفافاً وثقالاً(2) وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ‏سبيل الله
‏ ________________‏
‏(1) أخرجوا غزاة.‏
‏(2) خفافاً وثقالاً: على آية حالةٍ كنتم.‏
ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* لو كان عرضاً قريباً(1) وسفراً قاصداً(2) لاتبعوك ‏ولكن بعدت عليهم الشقة(3) وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون ‏أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون* عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ‏وتعلم الكاذبين* لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم ‏وأنفسهم والله عليم بالمتقين* إنما يستئذنك الذي لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ‏وارتابت(4) قلوبهم فهم في ريبهم يترددون(5)} [التوبة:41-45]‏
إن الله أمر بالخروج للقتال في سبيل الله ولكن بعض المنافقين اعتذر من رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم واستأذنه في ترك الخروج للجهاد لعدم الاستطاعة، فنزل العتاب من ‏الله {عفا الله عنك لما أذنت لهم}.‏
ولكن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهاداً منه فيما لا نصَّ فيه من ‏الوحي، وهو جائز للأنبياء عليهم السلام، وليسوا معصومين من الخطأ فيه ولكن لا يقرهم ‏الله على ذلك، بل يبين لهم الأصوب والأفضل وغاية ما في الأمر في هذه الآية أنه مخالف لما ‏يقضيه الجزم أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزم في الأمر فكان الأفضل له ‏صلى الله عليه وسلم فيه أن يأذن لهؤلاء المنافقين في ترك الجهاد والخروج في سبيل وان ‏يتشدد في ذلك فوجهه وعلّمه إلى ما هو الأفضل والأكمل.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:37 AM
‏5- وقال الله تعالى: {وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت(6) عليه أمسك ‏عليك(7) زوجك وأتق الله وتخفِى في نفسك ما الله مبديه(8) وتخشى الناس والله أحق أن ‏تخشاه فلما قضى زيدٌ منها وطرأ(9) زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج(10) في ‏أزواج أدعيائهم(11) إذا قضوا منهن وطرأ وكان أمر الله مفعولاً* ما كان على النبي من ‏حرج فيما فرض(12) الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل(13) وكان أمر الله قدراً ‏مقدوراً} [الأحزاب: 37، 38].‏
‏ _____________________________‏
‏(1) عرضاً قريباً: مغنماً سهل المأخذ.‏
‏(2) سفراً قاصداً: متوسطاً بين القريب والبعيد.‏
‏(3) المسافة التي تقطع بمشقة.‏
‏(4) شكت.‏
‏(5) يتحيدون.‏
‏(6) وهو زيد بن حارثة أعتقه رسول الله وجعله ابناً له بالتبني.‏
‏(7) لا تطلقها.‏
‏(8) مظهره.‏
‏(9) بلغ حاجته وطلقها.‏
‏(10) ضيق أو إثم.‏
‏(11) مَن تبنَّوْهُم.‏
‏(12) قدَّر.‏
‏(13) الذي خلوا من قبل = وصفوا من قبلك من الأنبياء.‏
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمة(1) رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجها مولاه زيد بن حارثة وكان عبداً ‏فأعتقه صلى الله عليه وسلم ثم تبناه وكان يقال له زيد بن محمد وكانت هذه الحادثة اثباتاً ‏لتحريم التبني، فكرهت وأبت، فنزل قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ‏ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً ‏مبيناً} [الأحزاب: 36].‏
فما كان من زينب إلا الرضا بقضاء الله ورسوله، فلو لم ترض بذلك لوقعت في ‏عصيان الله، فرضيت بزواج زيد بن حارثة فزوجها إياه، ثم أعلم الله عزَّ وجلَّ نبيه بعد ‏ذلك أنها من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يخشى أن يأمره بطلاقها فأمره عليه الصلاة والسلام أن يتقي الله، وأن يبقي زوجته ‏ويمسكها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى أن يعيب قومه عليه ويقولوا تزوج ‏امرأة ابنه، فنزل العتاب {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن ‏تخشاه} ثم بعد ذلك طلقها زيدٌ، وأخذت عدتها ثم كانت من أزواج رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم.‏
تنبيه مهم: افترى أناسٌ من المستشرقين ومن كان على شاكلتهم على رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ ‏زينب فكتم حبه ثمَّ أظهره الله بعد ذلك، فعلم زيد برغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏في زينب فطلقها، ثم بعد ذلك تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنَّ ‏العتاب في الآية كان لكتمان حب الرسول صلى الله عليه وسلم لزينب، وأتوا برواية ‏أخرى، كلُّها إما مدسوسة وإما واهية وإما موضوعة، وفيها كذب صريح وافتراء على ‏رسول الله، ومخالفة واضحة لما جاء به القرآن في هذه الحادثة.‏
والآية صريحة في هذا الأمر، فقد نصت الآية أن الله سيكشف ما أخفاه الرسول ‏صلى الله عليه وسلم {وتخفي في نفسك ما الله مبديه(2) } فماذا أبدى الله وأظهره؟ هل ‏أظهر تعلق قلب رسول الله بزينب أو أظهر حبَّ رسول الله وكان هائماً بها؟ حاشاه انما ‏الذي أظهره الله تعالى في الآية زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب لأن الله قد ‏أوحى إليه وأخبره بأنها ستكون زوجته، وكان نص الآية صريحاً حيث بين بوضوح هذا ‏الشيء الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلما قضى زيد منها وطراً ‏زوجناكها} وماذا كان تعليل هذا الزواج؟ هل كان بسبب تعلق القلب بزينب أو بسبب ‏فرط الحب؟
‏ _____________________________‏
‏(1) عمته صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب.‏
‏(2) مُظهِرُه.‏
إن هذا لا يخفى على أي إنسان يعرف مبادئ القراءة، فجاء التعليل جلياً {لكيلا ‏يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً} إنما كانت هذه ‏القصة لوضع تشريع جديد يهدم مفهوماً ومبدأ قائماً في الجاهلية ألا وهو (زواج امرأة ‏الابن من التبني)، فجاء هذا الحكم ليعلم أن الرابطة بين المتبني والمتبنى ليست رابطة نسبية، ‏فلا يحرم على المتبني أن يتزوج امرأة المتبنى إذا حدث بينهما انفصال، بخلاف الرابطة ‏النسبية فإنه يحرم على الأب أن يتزوج امرأة ابنه مطلقاً حيث تصير محرمة عليه حرمة ‏أبدية، وجاء بعد ذلك تحريم التبني صريحاً في قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم(1) أبناءكم ‏ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو ‏أقسط(2) عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم(3)} [الأحزاب: ‏‏4، 5].‏
فالقصة تدور حول ثلاث نقاط أساسية:‏
‏- إخفاء الرسول صلى الله عليه وسلم زواجه من زينب. بعد أن أخبره الله بأنها ‏ستكون زوجته.‏
‏- إظهار هذا الزواج بنص صريح.‏
‏- إبطال قضية تحريم زواج امرأة الابن المتبنى إذا حدث فراق.‏
والعتاب في الآية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن ‏تخشاه} هو توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يكترث لكلام الناس ومقالهم ‏ولا يخاف الضجة الكبرى التي ستحدث على ألسنة المنافقين ولا يتراخى في إنفاذ أمر الله.‏
والمعنى لا تلتفت إلى كل ذلك ولا تخشى أحداً منهم، ولكن الجدير في ذلك أن ‏تخشى الله عزَّ وجلَّ، وليس المعنى أن خشيته من الناس فوق خشية الله عزَّ وجلَّ، وكيف ‏ذلك؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام "إني لأخشاكم لله"، فحاشاه من ذلك. وليس في كل ‏الحادثة ما يطعن بعصمة الرسول صلى الله عليه وسلم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:39 AM
و- السلامة من العيوب المنفرة:‏
إن صفة السلامة من العيوب المنفرة من خصائص الأنبياء عليهم السلام. فالأنبياء ‏عليهم السلام لا يتصفون بصفة فيها عيبٌ خلقي يبتعد الناس عنهم، فلا تتعرض أبدانهم ‏لأمراضٍ وأعراض شائقة التي تتقزز منها طبائع الناس، كجذام وبرص.‏
‏___________________‏
‏(1) من تبتنَّوهم من أبناء غيركم.‏
‏(2) أُعدل.‏
‏(3) أولياؤكم في الدين.‏
الحكمة من ذلك: لما كانت مهمة الرسل عليهم السلام تستدعي مخالطة الناس ‏لدعوتهم وإرشادهم، ولما كانت طبائع الناس تنفر من بعض الأمراض المشينة كان من ‏حكمة الله أن يحفظ رسله من كل هذه الأعراض المنفرة التي تشمئز الناس منها.‏
ولو تعرض الرسل للأمراض المنفرة لاستدعى هذا الأمر الابتعاد عن الرسل، وهذا ‏فيه منافاة لمهمة الرسالة التي تستدعي جلب قلوب أهل الكفر إلى الحق والطاعة بأفضل ‏سبل وأحكمها، وتستدعي تأليف قلوب المسلمين للإقبال على رسولهم ومحبته والشوق إلى ‏مجالسته.‏
أمَّا الأمراض غير المنفرة فهي تعرض على الأنبياء عليهم السلام، وهذا لا يؤدي إلى ‏نقص مراتبهم ولكن فيه ابتلاء من الله عزَّ وجلَّ.‏
وقد أصيب أيوب عليه السلام بمرضٍ ابتلي به، وأصيب بضرٍ في أولاده، قال الله ‏تعالى في شأنه: {وأيوب إذ نادّى ربَّه أني مسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له ‏فكشفنا ما به من ضرٍ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} ‏‏[الأنبياء: 83، 84].‏
تنبيه: ما روي أن أيوب عليه السلام مرض واشتد به المرض حتى تعفن جسده ‏وأصبح الدود يخرج من بدنه فصار يعافه الجليس، ويتوحش منه الأنيس، وانقطع عنه ‏الناس، حتى كرهته زوجته، فأخرج من البلد وألقي في مزبلة .. كله لا أصل له وهو من ‏الحكايات المنقولة من الإسرائيليات ولا يصح تصديقها ولا الاعتقاد بها، لأنها تتنافى مع ‏منصب النبوة.‏
وحسبنا أن نعتقد أن أيوب عليه السلام أبتلي بمرض ليس بمنفر وصبر على هذا ‏الابتلاء فدعا الله أن يكشف عنه هذا الضر. فاستجاب الله دعاءه فأزال عنه ما ألمَّ به.‏
ز- صفة البشرية لازمة للأنبياء:‏
إن صفة البشرية للأنبياء والرسل لا تنسلخ عنهم، فهم بشرمثلنا إنما يختلفون ‏بالوحي الذي يؤيدهم الله به، وبما يتصفون من صفات خاصة تتعلق بوظائف الرسل ‏والأنبياء قال الله تعالى: {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد * فمن كان ‏يرجو لقاء ربه فليعمل عمل صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف: 109، ‏‏110].‏
‏- الحكمة من ذلك: ‏
إن الله بعث إلى البشر رسلاً منهم، فيهم جميع مواصفات البشر ليكونوا في أقوالهم ‏وأفعالهم ودعوتهم حجة على الناس، وليكون هذا أدعى للقدوة بالرسل لأنه داخل في ‏استطاعة البشر وفي مقدورهم.‏
ولو كان الرسل أو الأنبياء من الملائكة لبرر الناس مخالفتهم ولاحتجوا عليهم: لو ‏أنكم بشر مثلنا لوقعتم في المخالفات والمعاصي لأنَّ أجسادنا فيها من الغرائز الشهوانية، ‏وانتم لا تختزنون في أنفسكم شيئاً من الشهوة، ولا شيئاً من الغرائز البشرية، فلذا لا ‏نستطيع متابعتكم.‏
فمن هنا اقتضت حكمة الله عزَّ وجلَّ ان يبعث رسلاً من البشر.‏
فالأنبياء عليهم السلام بشر، فيجوز في حقهم الأعراض البشرية التي لا تنافي أصل ‏مهمتهم كالأمراض غير المنفرة والأكل والشرب والنكاح وغير ذلك.‏
قال الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام: {وما جعلناكم جسداً لا يأكلون ‏الطعام وما كانوا خالدين} [الأنبياء: 8]‏
وقد ذكر القرآن الكريم اعتراض الكافرين على طعام رسول الله ومشيه في ‏الأسواق، وطلبهم أن ينزل إليه ملك يكون معه رسولاً، فرُدَّ على اعتراضهم بأن هذا ‏الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً في الرسل، فكل الرسل كانوا على ‏شاكلته يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.‏
‏- اعتراض الكافرين:‏
‏{وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ‏فيكون معه نذيراً} [الفرقان: 7].‏
الردُّ عليهم:‏
‏{وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} ‏‏[الفرقان: 20].‏
‏ __________________‏
‏(1) لا يلتفت إلى الروايات التي جاءت من أهل الكتاب وهي الروايات الإسرائيلية في هذا الموضوع حيث تروي عن يوسف عليه ‏السلام بما لا يليق بحاله وهو النبي المحفوظ المكرم المخلص فمن هذه الروايات "أن يوسف عليه السلام حلَّ تكة سرواله وقعد بين شعابها ‏الأربع وهي مستلقية على قفاها وانه سمع صوتاً إياك وإياهَّا مرتين فكل هذه الأقاويل باطلة ولا أساس لها من الصحة، وحسبنا أن نعتقد ‏أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ولهذا قال تعالى: {وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه ‏من عبادنا المخلصين} [يوسف : 24]‏
هذا وكل ما ورد من النصوص عن يوسف عليه السلام ليس فيه نص على معصية صدرت منه.‏
تنبيه أول : وأمَّا قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها نقص ينسب إليه مما لا يناسب مقامه، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، ‏وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحاً في كونهم من الأنبياء.‏
تنبيه ثان : إن بعض الناس يستدل بما حصل مع يوسف عليه السلام وامرأة العزيز ويصف يوسف نبي الله بأنه استجاب واستكان للمرأة ‏وحاول أن يرتكب الفاحشة ليبرر وقوعه في المعصية فيقول: إذا كان يوسف عليه السلام فعل ذلك فأنا أفعل من باب أول. وهذا جهل ‏بأحكام الدين، وجهل بمقام الأنبياء عليهم السلام.‏
‏(2) ذا بمعنى صاحب والنون بمعنى الحوت، أي صاحب الحوت وهو يوسف عليه السلام.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:41 AM
المعجزة دليل الرسالة:‏

أ- معنى المعجزة:‏
المعجزة: هي أمر ممكن من ناحية العقل، مخالف للعادة، يجريه الله على يد أحد ‏الأنبياء، ويكون الأمر مقروناً بدعوى النبوة، وموافقاً لدعواه على وجهٍ يعجز المنكرين عن ‏الإتيان بمثله.‏
ب- الحكمة من المعجزة:‏
إن الله سبحانه وتعالى يجري المعجزات على أيدي أنبيائه ورسله التي تخرق المعتاد ‏والمألوف في قوانين الكون وأنظمته حتى تضع الباحث أمام البرهان الواضح الدال على ‏صدق الرسول أو النبي.‏
ج- أنواع المعجزات:‏
‏1- القول: مثاله: القرآن الكريم.‏
‏2- الفعل: مثاله: نبع الماء من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم.‏
‏3- الترك: مثاله: عدم إحراق النار لإبراهيم عليه السلام.‏
د- الشروط المتوفرة في المعجزة:‏
‏1- الشرط الأول: خرق العادات والمألوف: إذا لم يتحقق خرق العادة والمألوف ‏في قوانين الكون وأنظمته الدائمة فليست بمعجزة، فلو قال المدَّعي علامة نبوتي هو طلوع ‏الشمس من المشرق، فلا يعدُّ هذا الأمر مخالفاً للقوانين الكونية بل مسايراً لها فلا تعتبر ‏معجزة.‏
‏2- الشرط الثاني: تكون المعجزة على يد نبي أو رسول: لا تتحقق المعجزة ‏ككونها معجزة إلا إذا كانت على يد مدعي النبوة أو الرسالة، فإن تم الأمر الخارق على ‏يد أحدهما (النبي والرسول) كان هذا الأمر معجزة.‏
‏3- الشرط الثالث: التعجيز: أن تعجز الناس عن المعارضة بمثلها على الصورة ‏الخارقة التي تم تحديهم بها.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:43 AM
هـ- أمثلة عن معجزات الرسل عليهم السلام:‏

لما دعا إبراهيم عليه السلام قومه إلى الإيمان والرجوع إلى الله تعالى أبوَا وأصروا ‏على كفرهم وضلالهم وأرادوا به شراً، ولما كسَّر أصنامهم وأعطاهم الحجة المقنعة بأن ما ‏يعبدونه لا يضر ولا ينفع، وسفه أصنامهم المعبودة من دون الله، فلم يكن من قومه إلا أن ‏وقفوا بوجهه وأنذروه بالعذاب فأشعلوا ناراً عظيمة وألقوا فيها إبراهيم عليه السلام ولكن ‏الله سبحانه ناصر لرسله ومؤيدهم، فبدل أن تحرقه النار وتشوهه جعلها الله برداً وسلاماً ‏على إبراهيم عليه السلام، فكانت هذه معجزة له عليه السلام.‏
قال الله تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ‏ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون * قالوا حرِّقوه ‏وأنصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم * وأرادوا ‏به كيداً فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء: 66 - 67].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:44 AM
‏2- معجزة صالح عليه السلام:‏
لقد بعث الله صالحاً عليه السلام إلى قوم ثمود، وهم من الأقوام العربية البائدة وفتح ‏الله عليهم أبواب النعمة فكانت لهم أنعام كثيرة وجنات وفيرة وعيون غزيرة ومهروا في ‏نحت البيوت في الجبال، ولكنهم عبدوا الأوثان وفسدوا في الأرض فساداً كبيراً.‏
فأمرهم صالح بدعوة الرسل، وأرشدهم إلى فعل الخير، وترك الفساد في الأرض، ‏فكذبوه وعصوه، ثم طالبوه بآية تكون دليل صدقه في رسالته، فأجرى الله على يده معجزة ‏وهي أن يستدعي صخرة في الجبل، فتخرج منها ناقة لها جميع صفات النوق، فكانت ‏طريقة وجود هذه الناقة من الأمور الخارقة وكذلك استمرت طريقة عيشها على وجه ‏خارق للعادة فكانت المياه مقسومة بين الناقة وقوم ثمود، يوم لها ويوم لهم، فحذرهم صالح ‏عليه السلام من التعرض لها وأنذرهم بالعذاب إذا هم عقروها، ولكن قوم ثمود أصروا على ‏العناد وتكذيب وتآمروا على عقر الناقة فبعثوا أشقاهم فقتلها. فحقت عليهم كلمة ‏العذاب، وطبق الوعيد الذي أنذروا به على لسان رسولهم صالح عليه السلام فاهلكهم الله.‏
قال الله تعالى في شأن قصة صالح عليه السلام مع قومه: {كذبت ثمود المرسلين * ‏إذ قال أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما ‏أسألكم عليه من أجرٍ إن أجري إلا على ربِّ العالمين * أتتركون في ما ههنا ءامِنِين * في ‏جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها(1) هضيم(2) * وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين * ‏فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذي يفسرون في الأرض ولا يصلحون ‏‏* قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأتِ بآية إن كنت من الصادقين * ‏قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم* ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم ‏عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ‏مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 141- 159].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:48 AM
‏3- من معجزات موسى عليه الصلاة والسلام:‏
أرسل الله عز وجل موسى عليه السلام إلى فرعون وبني إسرائيل، وأيده الله ‏بمعجزات منها:‏
المعجزة الأولى: انقلاب عصاه حية تسعى، ثم ابتلاعها حبال سحرة فرعون ‏وعصيهم. قال الله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكَّؤُا عليها ‏وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى * قال ألقها يا موسى * فألقها فإذا هي حية ‏تسعى} [طه: 17-20].‏
وقال تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف(3) ما يأفكون(4) * ‏فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 117-118].‏
وقال تعالى: {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد(5) ساحر ولا ‏يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69].‏
المعجزة الثانية: إدخال يده في جيبه ثم إخراجها وهي بيضاء من غير سوء.‏
قال الله تعالى: {وأدخل يدك في جيبك(6) تخرج بيضاء(7) من غير سوء(8)} [النمل: ‏‏12].‏
المعجزة الثالثة: فلق البحر (شَقُّه):‏
لما لحق فرعون وجنوده بموسى عليه السلام وبني إسرائيل وأصبح بنو إسرائيل على ‏شاطئ البحر، واقترب منهم فرعون وجنوده أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن ‏يضرب البحرَ بعصاه، ففعل. فانشق البحر وانحسر يمنة ويسرة فكأن كلَّ شق منه كالجبل ‏العظيم، وسلك بنو إسرائيل في أرض البحر التي انحسر الماء عنها حتى جاوزوا البحر ونجوا، ‏ولحقهم فرعون وجنوده متتبعين خطواتهم، حتى إذا توسطوا البحر ضم الله الماء بعضه إلى ‏بعض فأغرقهم، ولم ينج منهم أحد دخل البحر.‏
‏_________________________‏
‏(1) الطلع من النخل.‏
‏(2) لين نصيج.‏
‏(3) تبتلع.‏
‏(4) ما يُمَوِّهونه.‏
‏(5) مكر.‏
‏(6) فتحة القميص.‏
‏(7) مستنيرة.‏
‏(8) دون داء ولا مرض.‏
قال الله تعالى: {فأتبعوهم مشرقين(1) * فلما ترآءا الجمعان(2) قال أصحاب موسى ‏إنا لمدركون* قال كلا إن معي ربي سيهدين* فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ‏فانفلق(3) فكان كل فرق(4) كالطود(5) العظيم* وأزلفنا(6) ثم الآخرين* وأنجينا موسى ومن ‏معه أجمعين* ثم أغرقنا الآخرين* إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: ‏‏60 - 67].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:52 AM
‏4- من معجزات عيسى عليه السلام:‏
المعجزة الأولى: أنه يخلق أي يصور من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فيكون طيراً ‏بإذن الله
المعجزة الثانية: أنه يمسح على الأكمه وهو من ولد أعمى فيبرئه بإذن الله.‏
المعجزة الثالثة: أنه يمسح على الأبرص فيشفيه بإذن الله.‏
المعجزة الرابعة: أنه يحي الموتى بإذن الله.‏
المعجزة الخامسة: أنه ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.‏
المعجزة السادسة: دعا عيسى عليه السلام ربه أن ينزل مائدة من السماء بعد ما ‏طلب الحواريون منه هذا الأمر ليأكلوا منها ولتطمئن قلوبهم وليتثبتوا من صدقه عليه ‏السلام.‏
قال الله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ‏إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة ‏والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني ‏وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ ‏جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذا أوحيت إلى ‏الحواريين أن ءامنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون* إذ قال الحواريون يا ‏عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن ‏كنتم مؤمنين* قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا وتكون ‏عليها من الشاهدين* قال عيس ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون ‏لنا عيداً لأولنا وءاخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين* قال الله إني منزلها ‏عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} [المائدة: ‏‏110 - 115].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:53 AM
‏5- معجزات محمد صلى الله عليه وسلم: ‏
القرآن الكريم وهو أبلغ وأعظم المعجزات التي أيد الله بها رسله وأنبياءه كافة ‏فالقرءان ‏
‏______________________________‏
‏(1) في وقت الشروق.‏
‏(2) لما رأى كلُّ منهما الآخر أي فريق موسى وفريق فرعون.‏
‏(3) انشق.‏
‏(4) قطعة من البحر مرتفعة.‏
‏(5) كالجبل.‏
‏(6) قربنا فرعون وجنوده من البحر.‏
هو المعجزة الناطقة بنبوته عليه الصلاة والسلام في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة.‏
أ- من وجوه إعجاز القرءان:‏
بلاغته وفصاحته: فهو ينطوي على نظم بديع لا نجده منسجماً مع النثر والمعهود ‏من أساليب وطرائقه. ولا متفقاً مع الشعر والمعروف من بحوره وأعاريضه مع بلاغة سامية ‏عجيبة، ومع أسلوب رائع عجيب يستوي في الإفادة منه كل فئات الناس من عوام ‏ومثقفين وأرباب اختصاص، حتى عجز جميع أرباب البلاغة والبيان منذ عصر النبي صلى ‏الله عليه وسلم إلى اليوم بل سيعجزهم إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثله.‏
وقد تحدى القرآن الكريم واستنهض العرب العالمين بالبلاغة والفصاحة والبيان ‏بأساليب متكرره مختلفة إلى القيام بمحاولة ذلك.‏
قال الله تعالى: {وإن كنتم في ريب(1) مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ‏وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين* فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ‏التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 23 - 24].‏
وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ‏يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً(2)} [الإسراء: 88].‏
وقال تعالى: {أم يقولون تقوَّله بل لا يؤمنون* فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ‏صادقين} [الطور: 33 - 34].‏
فآيات التحدي هذه ظلت مسجلة في كتاب الله تعالى تقرع آذان الأدباء والشعراء ‏والبلغاء على اختلاف مذاهبهم وكلهم في كل عصر فما استطاع واحد فيهم أن يسجل ‏إلى جانب هذا التحدي عملاً ما يصلح أن يقال إنه قد عارض به القرآن فأتى بشيء ‏حسن. فهذا الواقع من أجلى أدلة التجربة المشاهدة على ثبوت وصف الإعجاز للقرآن، إذ ‏هو دلالة الواقع نفسه خلال التاريخ والقرون.‏
وصدق الله العظيم الذي هو أصدق القائلين إذ يقول:‏
‏{فإِلَّم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزله بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنت ‏مسلمون} [هود: 14].‏
فهذا الكتاب العظيم هو أعظم معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.‏
ب- ومن وجوه إعجازه أن فيه ما لا يتناهى وما لا يحصى من المعجزات الجزئية ‏التي ينتبه إليها في كل عصر. كلما تقدم الناس في ميادين العلم والتجربة ونظم الحياة، ‏فالقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في أي موضوع عرضه.‏
‏_________________‏
‏(1) شك.‏
‏(2) معيناً.‏
قال الله تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ‏حميد} [فصلت: 42].‏
فلا يأتيه الباطل في أي حقيقة علمية أثبَّتها، فحقائق العلم ومكتشافته الثابتة بيقين ‏تثبت دواماً صحة ما تحدث القرآن عنه من حقائق علمية.‏
قال الله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضلُّ ممن هو في ‏شقاق بعيد * سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف ‏بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 52 - 53].‏
ولا يأتيه الباطل في أي مبدأ أو تشريع أوضحه، وتجارب الحياة تثبث باستمرار ‏كمال مبادئ الإسلام وتشريعاته وتعاليمه ووحدة نظمه وسلامتها وصلاحيتها لسعادة ‏الناس جميعاً.‏
قال الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9].‏
ولا يأتيه الباطل في أي خبر تاريخي أخبر به من أنباء الغيب التي ضاعت صورتها ‏الحقيقية في أخلاط التاريخ القديم للأمم، وبخاصة ما اختلف فيه بنو اسرائيل.‏
قال الله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا ‏قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49].‏
وقال تعالى: {إن هذا القرءان يقصُّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ‏يختلفون * وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} [النمل: 76، 77].‏
ومن أهم إعجاز القرآن الكريم في العصر الحديث الإعجاز العلمي الذي بهر كبار ‏العلماء والمفكرين.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:56 AM
ومن أهم إعجاز القرآن الكريم في العصر الحديث الإعجاز العلمي الذي بهر كبار العلماء ‏والمفكرين.‏
وسنلمح إلى بعضها بشكل موجز وسريع فالقرآن سبق العلوم الحديثة في تقرير ‏حقائق ثابتة منها: ‏

‏1- حقيقة نقص الأوكسجين والضغط الجوي كلما ارتفع الإنسان إلى أعلى مما ‏يسبب ضيقاً شديداً في الصدر. وهذا الكلام قد ذكره القرآن الكريم قبل تجربة طيران ‏الإنسان بألف وأربعمائة سنة.‏
قال الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ‏يجعل صدره ضيقاً حرجاً(1) كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس(2) على ‏الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125].‏
وقد مثل القرآن الكريم أن من كان في الضلالة يصيبه ضيق شديد في صدره كمن ‏يتصعد إلى السماء فيضيق صدره فلا يكاد يتنفس بسبب قلة الأوكسجين والضغط الجوي.‏
فمن علم محمداً صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؟ ومن أخبر رجلاً أمياً بذلك؟ وهل ‏كان يملك وسائل لكشف ذلك؟

‏2- لقد اكتشف الدارسون حقيقة ثابتة وهي: أن تحت الطبقة الأرضية الصلبة، ‏طبقة لينة لزجة وأن تحت كل جبل جذراً كالوتد يعوض في هذه الطبقة اللينة فيمسك ‏الأرض الصلبة من أن تضطرب من تحتنا بسبب لين ما تحتها.‏
والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن الكريم قال تعالى: {والجبالَ أوتاداً(3)} [النبأ: ‏‏7].‏
يقول تعالى: {وألقى في الأرض رواسي(4) أن تميد بكم(5)} [النحل: 15].‏

‏3- وتبين من الخلال الكشف الطبي حقيقة، وهي أن الأعصاب التي تتألم بحريق ‏النار وشدة البرد توجد في الجلد، مما يجعل الإنسان يتألم عند دخول إبرة الطبيب في منطقة ‏الجلد فإذا غارت في اللحم تلاشي الألم.‏
وقد أثبت القرآن الكريم أن الألم بالحرق يكون في الجلد.‏
قال الله تعالى: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم(6) ناراً كلما نضجت(7) ‏جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً} [النساء: ‏‏56].‏

‏4- ولقد كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة ظلمات شديدة حتى أن ‏المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، ‏وأن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وقد تمكن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار ‏الصناعية. وتبين أن الموج السطحي المائل يشتت الضوء الذي يسقط عليه من أعلى فيكون ‏بذلك ظلمة كما تفعل السحاب في منع بعض أشعة الشمس من النفاذ إلى أسفل.‏
فكل هذه الأسرار قد ذكرها القرءان الكريم.‏
‏ _________________________‏
‏(1) شدة الضيق.‏
‏(2) العذاب والخذلان.‏
‏(3) أي : ألم نجعل الجبال أوتاداً.‏
‏(4) توابت.‏
‏(5) لئلا تتحرك وتضطرب بكم.‏
‏(6) ندخلهم.‏
‏(7) احترقت وقهرَّات وتلاشت.‏
قال الله تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي(1) يغشاه(2) موج من فوقه موج من فوقه ‏سحاب(3) ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ‏نوراً فما له من نور} [النور: 40].‏
فمن أعطى هذه الحقيقة المشاهدة لمحمد صلى الله عليه وسلم؟
أفلا يدل ذلك على صدق نبوته؟

‏5- وكشف العلم الحديث أن في النباتات جميعاً زوجية (ذكراً وأنثى) والقرآن ‏الكريم قد ذكر هذا الأمر.‏
قال الله تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها ممَّا تنبت الأرض ومن أنفسهم ‏ومما لا يعلمون} [يس: 36].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:57 AM
‏6- وظهر للباحثين أن القمر كان مشتعلاً ثم انطفأ ومُحي ضوءه، فإن النور الذي ‏يخرج منه في الليل ما هو إلا انعكاس من سراج آخر وهو الشمس.‏
والله أوضح ذلك فقال تعالى: {وجعلنا الَّيل والنهار آيتين فمحونا(4) آية الَّيل(5) ‏وجعلنا آية النهار(6) مبصرة(7) لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ‏وكل شيء فصلناه تفصيلاً} [الإسراء: 12].‏

‏7- وكشف العلم الحديث: أن نجوم السماء لا تزال تُخلق، وأن مُدن النجوم ‏يتباعد بعضها عن بعض وبهذا عرف أن السماء لا تزال تتسع.‏
قال الله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ(8) وإنا لموسعون} [الذاريات : 47].‏

‏8- واكتشف علماء النبات حقيقة وهي: أن الماء إذا نزل أخرج النبات، وأن ‏النبات يُخرج مادة خضراء اللون هي التي تُصنَع فيها الحبوب والثمَار ومن هذه المادة ‏الخضراء تخرج الحبوب والثمار.‏
قال الله تعالى: {وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كلِّ شيء ‏فأخرجنا منه خضراً(9) نخرج منه حباً متراكباً(10) ومن النخل من طلعها قنوان دانية ‏وجنات من أعناب والزيتون
‏____________________‏
‏(1) عميق كثير الماء.‏
‏(2) يعلوه ويغطيه.‏
‏(3) غيم يحجب أنوار السماء.‏
‏(4) طمسنا.‏
‏(5) القمر.‏
‏(6) الشمس.‏
‏(7) مضيئة.‏
‏(8) بقوة.‏
‏(9) مادة خضراء.‏
‏(10) متراكباً كسنابل الحنطة ونحوها.‏
والرمان مشتبهاً وغير متشابهٍ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه(1) إن في ذلكم لآيات لقومٍ ‏يؤمنون} [الأنعام: 99].‏

‏9- كشف علم التشريح والأجهزة المكبرة في الآونة الأخيرة سير الطعام في الأنعام ‏أي الإبل وتكوّن اللبن فيها فوجدوا أن الأنزيمات الهاضمة، تحوّل الطعام إلى فرث يسير في ‏الأمعاء الدقيقة، حيث تمتص العروق الدموية (الخملات) المواد الغذائية الذائبة من بين ذلك ‏الفرث فيسري الغذاء في الدم حتى يصل إلى الغدد اللبنية وهناك تمتص الغُدَد اللبنية المواد ‏اللبنية التي سيكوَّن منها اللبن من بين الدم فيتكون اللبن الذي أخرج من بين فرث أولاً ‏ومن بين الدم ثانياً.‏
وقد نص القرآن الكريم على هذه الحقيقة، فقال الله تعالى: {وإن لكم في الأنعام ‏لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ(2) لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} [النحل : ‏‏66].‏

‏10- توصل البحث العلمي إلى أن أصل السماء ونجومها وكواكبها هو الدخان، ‏وما زال إلى الآن تتكون من بقايا الدخان النجوم.‏
قال الله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً ‏أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:59 AM
‏11- وقد كشف العلماء حقيقة جديدة وهي أن الأرض انفصلت عن السماء، ‏فكانت الأرض والسماء كتلة واحدة فحدث انفصال بعد ذلك.‏
وكشف العلم الحديث أن سائل الماء أساسي لوجود الحياة فلا يوجد سائل على ‏وجه الأرض يصلح أن يكون وسطاً صالحاً للتفاعلات الحيوية غير الماء قال الله تعالى: {أو ‏لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً(3) ففتقناهما(4) وجعلنا من الماء كل ‏شيء حي أفلا يؤمنون} [الأنبياء: 30].‏

‏12- تبين من خلال البحث العلمي أن لكل إنسان رسماً خاصاً لبنانه (لأطراف ‏أصابعه) لا يشابهه رسم لبنان أي إنسان آخر، وقد استخدمت بصمات البنان في التعرف ‏على الشخصية.‏
فإذا أدركنا ذلك علمنا السر الذي اختفى طويلاً من معنى هذه الآية حيث يقول ‏الله تعالى العليم الخبير لمن أنكر البعث: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين ‏على أن نسوي(5) بنانه} [القيامة: 3 - 4] أي إن الله قادر على جمع العظام وزيادةً على ‏ذلك على أن يجمع ما هو أكبر منه وأعظم وأدق وهو إعادة البنان بخطوطها التي يتميز بها ‏كل إنسان بانفراده. ‏
‏___________________‏
‏(1) وإلى حال نضجه وإدراكه.‏
‏(2) لقد تصفى اللبن مرتين مرة من الفرث (مما في الكرش) من صار دماً، ومرة من الدم ثم صار لبناً خالصاً.‏
‏(3) كانتا ملتصقتين بلا فصل.‏
‏(4) ففصلناهما.‏
‏(5) أن نعيد.‏
فمن دلَّ محمداً على هذا الأمر الدقيق؟
أليس هذا كله يدلل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصدق بنبوته ‏واستمرار معجزته؟
وليعلم أن القرآن الكريم ليس كتاباً علمياً في الهندسة أو الرياضيات أو الكيمياء أو ‏الفيزياء أو غير ذلك … وإنما هو كتاب هداية للناس أجمعين.‏
ولكن وعد الله بأنه سيري الناس آياته في الآفاق وأنه سيعرفهم بها ولقد تحقق ‏الوعد في مجال هذه الحقائق العلمية في زمن التقدم العلمي الذي كشف عن هذه الحقائق، ‏وليعرف الناس صدق ما جاء في القرءان الكريم ليؤمنوا بأنه من عند الله الذي يعلم سرَّ ‏السموات والأرض.‏
قال الله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض إنه كان ‏غفوراً رحيماً} [الفرقان: 6].‏

‏- ومن معجزاته(1) صلى الله عليه وسلم الكثيرة الواردة في الحديث الشريف.‏
عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت: يا ‏أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت ‏النبيَّ صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة. رواه ‏البخاري.‏
عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‏‏"لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه" قال: فبات الناس يَدُوكون ليلتهم(2) أيُّهم ‏يعطاها، فلما أصبح الناس غَدَوا(3) على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّهم يرجو أن ‏يُعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب" فقالوا يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: "فأرسلوا ‏إليه فأتوني به" فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ(4) حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه ‏الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "أنفُذ على رِسلك(5) ‏حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله ‏لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم(6)". رواه البخاري
‏__________________‏
‏(1) أنظر علامات الساعة.‏
‏(1) يخوضون ويتحدثون طوال ليلتهم.‏
‏(2) ذهبوا غدوة أي صباحاً.‏
‏(3) شفي.‏
‏(4) هيذتك أي بتأنٍ.‏
‏(5) أي الإبل ذات اللون الأحمر وهي من أنفس الأعدال في زمنهم.‏
‏(6) المعجزات.‏
عن عبد الله قال: كنا نعدُّ الآيات(1) بركة(2)، وأنتم تَعُدُّونها تخويفاً، كنا مع رسول ‏الله صلى الله عليه وسل في سفر فقلَّ الماء، فقال: "اطلبوا فَضَله(3) من ماءٍ" فجاؤوا بإناء فيه ‏ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: "حيَّ على الطَّهور(4) المبارك(5) والبركة على الله" ‏فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا(6) نسمع ‏تسبيح الطعام وهو يُؤكَلُ. رواه البخاري.‏
وعن أنس رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزَّوراء(7)، ‏فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت ‏لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء(8) ثلاثمائة. رواه البخاري.‏
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم ‏يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل ‏لك منبراً؟ قال: "إن شئتم" فجعلوا له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دُفِع إلى المنبر، فصاحت ‏النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمها إليه، تئنُّ أنين الصبي الذي ‏يُسكَّن. قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذِّكر عندها" رواه البخاري.‏
وعن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، ‏فولَّى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا غَشوا(9) رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم نزل عن البغَلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوهم فقال: ‏‏"شاهت الوجوه(10)" فما خلق الله منهم إنساناً إلاَّ ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا ‏مدبرين فهزمهم الله، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. رواه ‏مسلم.‏
ومن أراد زيادة في معرفة مفردات معجزاته صلى الله عليه وسلم عليه أن يرجع إلى ‏كتب الصحاح من الأحاديث النبوية الشريفة.‏
‏ ___________________________‏
‏(1) المعجزات.‏
‏(2) فضلاً وتكرماً من الله تعالى.‏
‏(3) شيء من ماء بقي لدى واحد من الصحابة التي معه في السفر.‏
‏(4) تعالوا وتطهروا بالماء.‏
‏(5) الذي نما وازداد بفضل الله ففيه خير ونور.‏
‏(6) أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
‏(7) اسم موضع في سوق المدينة في تلك الأيام.‏
‏(8) مقدار.‏
‏(1) أحاط به المشركون.‏
‏(2) قجت وهو دعاء فصلت منه طلب خذلان هؤلاء المشركين.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:04 AM
‏5- بيان عدد الرسل والأنبياء عليهم السلام:‏

أ- كلُّ أمة لها رسول.‏
ب- من يجب علينا الإيمان به من الرسل والأنبياء عليهم السلام.‏
ج- عدد الرسل في القرآن الكريم.‏
د- أولوا العزم من الرسل.‏
‏ ‏
أ- كلُّ أمة لها رسول:‏
لما كان الناس بحسب طبيعتهم عرضة للتأثرات بالشهوات النفسية والوساوس ‏الشيطانية، وهذا الأمر يؤدي بهم إلى الشر والضر، والظلم والفساد في الأرض.‏
من أجل ذلك فقد بعث الله رسلاً لبشر، ومنذ نشأت البشرية على الأرض جعل الله ‏منهم رسولاً وهو آدم عليه السلام، فهو أبو البشر عليه السلام وهو أول إنسان بشر على ‏الأرض.‏
فآتاه الله الحكمة والهدى وانزل عليه شريعة لهم يتعبدون الله بها ويتعاملون بها فيما ‏بينهم، ثم تكاثر الناس وتوزعوا في أرض الله الواسعة يطلبون الرزق والماء في مختلف بقاعها، ‏وفق النظام الفطري في تكاثر الخلق، وصاروا شعوباً وقبائل، ثم بتقادم العهد نسوا شريعة أبيهم ‏آدم عليه السلام وضيعوا وصاياه، ولعبت بهم الأهواء والشهوات وأضلتهم وساوس الشيطان ‏فاعتدوا وظلموا وجاروا ‏
وكفروا بالله، فتداركهم الله بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين حتى لم يدعْ أمة من الأمم إلا ‏وأرسل فيها رسولاً يدعو إلى الله، وبشر بالجنة لمن آمن بالله واليوم الآخر ورسالة الله، وينذر ‏بعذاب الله في النار لمن يكفر به ويخالف أمره.‏
قال الله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة(1) رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ‏فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان ‏عاقبة المكذبين} [النحل: 36].‏
ب- من يجب الإيمان به من الرسل والأنبياء عليهم السلام: ‏
يجب الإيمان بكل الرسل والأنبياء عليهم السلام على العموم، وبكل عدد الأنبياء ‏والرسل عليهم السلام، ونؤمن بهم جميعاً دون حصر بعدد.‏
ومن هؤلاء الرسل من قصَّ الله علينا قصصهم وذكر لنا أسماءهم، ومنهم من لم ‏يذكرهم ولم يقص قصصهم قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا ‏عليك ومنهم من لمن نقصص عليك} [غامر: 78].‏
‏ ____________________________‏
‏(1) الجماعة الكثيرة من الناس.‏
ج- عدد الرسل عليهم السلام في القرآن الكريم:‏
ذُكر في القرآن الكريم خمسة وعشرون رسولاً وهم: آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، ‏إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، أو ‏الكفل، داود، سليمان، إلياس، إليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، محمد خاتم المرسلين ‏صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.‏
أولهم آدم عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم .‏
قال الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ‏ربك حكيم عليم* ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته ‏داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى ‏وعيسى وإلياس كل من الصالحين* وإسماعيل وإليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على ‏العالمين} [الأنعام : 83، 86].‏
‏{وإلى عادٍ أخاهم هوداً} [هود: 50].‏
‏{وإلى ثمود أخاهم صالحاً} [هود: 61].‏
‏{وإلى مدين أخاهم شعيباً} [هود: 84].‏
‏{واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً* ورفعناه مكاناً علياً} [مريم: 56، ‏‏57].‏
‏{وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} [الأنبياء: 85].‏
د- أولوا العزم من الرسل:‏
أولوا العزم هم: "نوح، إبراهيم، موسى، عيس، محمد" صلوات الله وسلامة عليهم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:08 AM
الإيمان باليوم الآخر



1- وجوب الإيمان باليوم الآخر.

2- ثمرة الإيمان باليوم الآخر.

3- أشراط الساعة وعلاماتها.

4- الموت وحقيقته.

5- البرزج وعذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين.

6- البعث.

7- الحشر.

8- العرض.

9- السؤال.

10- أخذ كتب الأعمال.

11- الحساب.

12- موقف الشهادات.

13- الميزان.

14- الصراط.

15- الشفاعة.

16- الحوض.

17- الجنة والنار.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:10 AM
1- وجوب الإيمان باليوم الآخر:

الإيمان باليوم الآخر من أسس الإيمان يجب التصديق به، ويدخل في ذلك: الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها وبالموت وما بعدهُ من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع، والحشر والنشر ووضع الموازين وبالصراط، والحوض، والشفاعة لمن أذن الله له وبالجنة ونعيمها وبالنار وعذابها وغير ذلك من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن الكريم أو في الصحيح من السنة النبوية المطهرة.

قال الله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ(1) هُدًى(2) لِلْمُتَّقِينَ(3) * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [لبقرة: 1-5].

وقال تعالى:{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7].

وقال تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 5-6].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:11 AM
2- ثمرة الإيمان باليوم الآخر:

الإيمان باليوم الآخر يجعل للإنسان غايةً سامية وعالية، وهذه الغاية هي فعل الخيرات، وترك المنكرات، والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل الضارة بالدين والنفس والمال والأعراض والعقل.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:13 AM
3- الساعة:

أ- وقت الساعة:

إن وقت الساعة أي يوم القيامة من الأمور الغيبية وقد أخفاها الله عن عباده لحكمة يعلمها فلا سبيل إلى معرفة وقتها فلا يعلمها إلا الله تعالى.

قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا(4) قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا(5) لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً} [الأعراف: 187].



____________________

(1) لا شك في أنه حق من عند الله.

(2) هادٍ.

(3) الذين اجتنبوا المعاصي وأدوا الفرائض فوقوا أنفسهم العذاب.

(4) متى إثباتها ووقوعها؟

(5) لا يُظهرها ولا يكشف عنها.

ب- قرب الساعة:

وقد أخبر الله عن قرب الساعة قال الله تعالى: {اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1-2].

وانشقاق القمر هو معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين.

وقال الله تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: 63].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين" مشيراً بإصبعيه: السبابة والوسطى. رواه البخاري ومسلم

ج- وللساعة أشراط وعلامات، قال الله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا(1) فَأَنَّى لَهُمْ(2) إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ(3)} [محمد: 18].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:14 AM
وقد وردت الأشراط والعلامات في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما قد ظهر ورأيناه ومنها لم يَحصل بعد وستظهر لا محالة في ذلك.

فمن العلامات التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم:

1- كثرة الزنا وكثرة شرب الخمر:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم(4) ويكثر الجهل(5)، ويكثر الزنا ويكثر الخمر" رواه البخاري ومسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام: "إن ناساً من أمتي يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها" رواه الحاكم في مستدركه.

وقد رأينا من يشرب الخمر ويقول هذه بيرة ليست خمراً أو أسماء أخرى كالويسكي والشمبانيا وغيرها كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقال عليه الصلاة والسلام: "لا تقوم الساعة حتى توجد المرأة نهاراً تنكح وسط الطريق، لا ينكر ذلك أحدٌ، فيكون أمثلهم يومئذ الذي يقول لو نحيتها عن الطريق قليلاً" رواه الحاكم.

وهذا الأمر مشاهد في أمريكا وأوروبا أعاذنا الله من ذلك.

_________________

(1) علاماتها.

(2) فكيف لهم أو من أين لهم؟

(3) تذكرُهم واضيعوا من طاعة الله.

(4) رفع العلم يكون بموت العلماء.

(5) الجهل بالدين.



2- تبرج النساء:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة(1) البخت(2) المائلة، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها وإن ريحا لتوجد من مسيرة كذا وكذا". رواه مسلم

وقد وجد هذا في كثير من البلاد حيث إن النساء يلبسن الثياب الضيقة التي تجعل تفاصيل جسم المرأة ظاهرة، وكأنها عارية، والثياب الشفافة التي يظهر ما تحتها وكأنهن لم يلبسن شيئاً، ووجدنا النساء يلبسن الثياب في المنازل ويتحللن منها في شواطئ البحر إلا من قطع صغيرة على الفرج والثديين، أو على الفرج وحده، وحيث يصففن شعورهن ويجملنها ويضعن المثبت فترى شعورهن كأسنمة الجمال تميل يمنة ويسرة، وقد وضعوا لهن في أحذيتهن كعوباً عالية لاستكمال الميل في الأجسام، وهن بهذا الميل مميلات لكثير من الشباب مضلات لهم بفتنتهن المعروضة.

فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كاسيات عاريات" لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتراب الساعة تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال". رواه أبو نعيم في الحلية

ولقد فاجأنا الزمان بهذه المصيبة حيث إن الرجل يتشبه بالمرأة فيضع الحلي والقراريط كما تضع ذلك المرأة، وتتشبه المرأة بالرجل من حيث اللباس وقصات الشعر، وغير ذلك كما هو مشاهد في عصرنا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

4- التعامل بالربا وانتشاره:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره". رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم.

واليوم في زماننا نشاهد أكبر عملية انتشار للربا بواسطة البنوك الربوية التي تعتبر مؤسسات عالمية ضخمة تعمل على نشر المشروع الربوي في كل العالم، ومهما احترز المؤمن عن التعامل بالربا اليوم فإنه سيناله نصيب منه ولو قليلاً.

________________________

(1) السنام : وهو ظهر الجمل أي حَدَبَتُهُ.

(2) الجِمَال.

5- قبض العلم، وكثرة الزلازل، وتقارب الزمان، وظهور الفتن وإطالة البناء:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان وتظهر الفتن، وحتى يتطاول الناس في البنيان". رواه البخاري.

فإن قبض العلم يكون بقبض العلماء وعدم وجود من يخلف العلماء الربانيين الذين هم علماء الأمة الإسلامية، وهذا واضح وجلي في زماننا.

ومما نشعر به ونسمع عنه اليوم كثرة الزلازل في شتى المناطق العالمية في أمريكا، في أوروبا، في البلاد العربية وغيرها، وهذا من علامات قرب الساعة، أعاذنا الله من ذلك.

وتقارب الزمن، وهو أن الأيام تمر بسرعة، وكأنها ساعات قليلة وهذا ما يلاحظه كل شخص يعيش في عصر التطور والتكنولوجيا، وهذا يعود إلى كثرة آلات اللهو المتنوعة والتفنن في اختراع أجهزة مسلية وابتكار أساليب للترفيه.

وعوامل الضغط الاقتصادي التي تجعل الإنسان حركة آلية يعمل وقتاً طويلاً لاكتساب لقمة عيشه فلا يشعر بالوقت إلا وهو ذاهب.

وظهور الفتن والمعنى أن الفتن تكثر، في محيطنا اليوم نشاهد كثرة الفتن التي تفتِن الإنسان عن دينه، فيصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، فالإنسان يتعرض لإغراءات كثيرة منها إغراءات فكرية فاسدة فينزلق في المتاهات الفكرية فيبتعد عن دينه فيفتن، وهذا ما نلحظه في العصر الحديث من وجود أفكار ونظريات كثيرة الشيوعية وداروينية وغير ذلك، وفتن بها الكثير من الناس، وراح ضحية هذه الأفكار والنظريات أجيال من الشباب وما ثبت بوجه ذلك إلا من تسلح بالإيمان والعلم.

وإطالة البناء: وهو علامة عن قرب الساعة فنجد أبنية شاهقة تتألف من طبقات وتسمى ناطحات السحاب وورد أيضاً: "لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشيء المراجيل(1)" رواه البخاري في الأدب المفرد. أي يزينون بيوتهم تزييناً كما تزين الثياب المخططة.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:15 AM
6- تسليم الخاصة وفشو(2) التجارة وقطع الأرحام وانتشار الكتابة والطباعة وشهادة الزور.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام. وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق". رواه البخاري

_____________

(1) الثياب المخططة.

(2) انتشار.

فاليوم يخص الإنسان بالسلام من يريد وهذا دليل على مجتمع يغلب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

والمسلَّم ينبغي أن يسلم على من عرف ومن لم يعرف كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري: "أقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

ونرى في عصرنا انتشار أشكال التجارة بشكل مذهل وعجيب، وإعانة المرأة لزوجها في ذلك بسبب الضائقة الاقتصادية.

ونشاهد في زماننا قطيعة الأرحام منتشرة في العائلة الواحدة لسبب التخاصم والتشاحن. وكذلك انتشار الطباعة، والكتابة بطريقة متطورة فآلاف الكتب تطبع بوقت يسير، وهذا معنى فشو القلم.

والمشاهد اليوم ظهور شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في المحاكم القضائية بسبب عدم الالتزام بدين الله تعالى وعدم المخافة منه عزَّ وجلَّ.

7- كثرة ولد الزنا والتحية بالتلاعن:

قال رسول الله عليه وسلم: "لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الخُبْث(1)، ويظهر فيهم السَّقَّارون" قالوا: وما السقَّارون؟ قال: "نشأ يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن". رواه أحمد والحاكم والطبراني.

فكثرة ولد الزنا لأن الزنا قد كثر في هذا الزمان الذي تحَّدث عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وتتفاقم نسبة ولد الزنا في الدول الأوروبية والأميركية، وهي أنقص في البلاد الإسلامية.

وظهر في زماننا من يحيي غيره باللعن والشتم بدل أن يحييه بتحية الإسلام الذي يأمر بالتحية الحسنة والردِّ الأحسن. قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86].

8- حديث السباع ونطق الجماد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تُكلم السباعُ الإنسانَ، وحتى تكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراك نعله وتخبره بما أحدث أهله من بعده". رواه الترمذي وقال: حسن غريب والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ورواه أحمد في مسنده.

وقال عليه الصلاة والسلام: "إنها أمارات من أمارات بين يدي الساعة أو شك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله من بعده". رواه أحمد.

__________________

(1) ولد الزنا.



ما كان أحدٌ يتصور أن الجماد ينطق، فقد اخترعت اليوم أجهزة يحملها الإنسان في يده فتنقل له الأصوات والكلام من بيته أو بيت غيره، وتتشكل هذه الأجهزة بأشكال مختلفة وخاصة الأجهزة الدقيقة المعدّة للتنصت، فيمكن تركيبها في طرف عصا أو في مكان ما كالحذاء بحيث لا تُرى.

وأما حديث السباع، ففي زماننا نرى حيوانات السيرك تأتي بالغرائب وكأنها تتكلم مع الإنسان فتفهم عليه، وكذلك الكلاب البوليسية التي تكشف مخابئ المخدرات، فتظهر براعتها يعجز عنها الإنسان، وتساعد الشرطة على اكتشاف الجرائم، وكل ذلك من طريق تعليمها والتكلم معها. فلعل هذا المعنى مقصود في الحديث، والمستقبل متسع لما هو أكبر ليظهر مصداقية الحديث أكثر فأكثر.

9- الموت بالسكتة القلبية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتراب الساعة موت الفجاءة" رواه ابن أبي شيبة.

وفي عصرنا يكثر الموت الفجائي، وهو السكته القلبية، وهو مرض من أمراض المدنية الحديثة لم يكن شائعاً في المجتمعات السابقة.

10- تربية الكلاب وكراهة الأولاد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اقترب الزمان يربي الرجل جرواً خير له من أن يربي ولداً له". رواه الطبراني والحاكم.

وهذا نراه في أمريكا والدول الأوروبية، فبعض الناس هناك يفضلون تربية الحيوانات وخاصة الكلاب لوفائها على أن يربوا ولداً لهم من صلبهم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:16 AM
11- المواصلات الحديثة:

1ً- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال ينزلون أبواب المساجد". رواه أحمد والحاكم.

2ً- وقال عليه الصلاة والسلام: "ولتتركن القلاص(1) فلا يسعى عليها". رواه مسلم.

فقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ترك استخدام الجمال للتنقل وحمل الأمتعة فقوله: "ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها".

ومعلوم أن عدم استخدام الجمال مع وجودها إنما يكون لسبب وجود وسيلة أحسن وليس هناك من الحيوانات ما هو أقدر من الجمال على السفر في الصحراء لأن الجمل كما يقال سفينة الصحراء.

والحديث الأول يصف أن الركوب على السروج لا على الجمال أو الخيول أو غيرها من الحيوانات، إنا نجد الوصف ينطبق اليوم على السيارات ذات المقاعد التي تشبه السروج العظيمة والتي يركب الناس عليها إلى أبواب المساجد.

ومما يدلُّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلَّم: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتزوى الأرض زياً" رواه الطبراني أي تطوى ويضم بعضها إلى بعض.

12- كثرة القتل:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: القتل". رواه أحمد.

13- اختلاف الأخوة في الدين:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تتباكى القلوب، وتختلف الأقاويل، ويختلف الأخوان من الأب والأم في الدين". رواه الدَّيلمي.

14- حسن القول وسوء العمل:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه يكون في أمتي اختلاف وفُرقة، وقوم يحسنون القول ويسيئون العمل". رواه أبو داود والحاكم في مستدركه.

15- كثرة النساء وقلة الرجال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقلَّ الرجل وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيِّمُ الواحد". رواه البخاري ومسلم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:18 AM
16- تضييع الأمانة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحدث إذ جاء أعرابي، فقال: متى الساعة؟ قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". رواه البخاري

__________

(1) الجِمال.

17- مقاتلة المسلمين اليهود:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر، فيقول: الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد(1) فإنه من شجر اليهود". رواه البخاري ومسلم.

18- استخراج الكفار للمعادن:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون معادن يحضرها شرار الناس". رواه أحمد.

19- كثرة المال وفيضه وعودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يُخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً". رواه مسلم

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:19 AM
- وقد ثبتت الإمارات الكبرى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: اطَّلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذكرون؟" قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدَّجَّال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

ومن العلامات الكبرى اليقينية:

1- الدجَّال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الدجَّال فقال: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم.

إنه شاب قطط(2)، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزَّى بن قَطَن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته، إنه خارج خَلَّة(3) بين الشام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا فقلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرت الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء

(1) هو شجر له شوك.

(2) شديد جعودة الرأس.

(3) طريقاً.

فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرَى(1) وأسبغه(2) ضروعاً، وأمدّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين(3) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرّ بالخَرِبَةِ، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جِزْلتين(4) ثم رمية الغرض(5)، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مُهرودتين(6) واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمان كاللؤلؤ(7) فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِه إلا مات. ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرْفُه، فيطلبه حى يدركه بباب لُدِّ(8)، فيقتله ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحدٍ يقاتلهم، فأحرِّزْ عبادي إلى الطور(9).

ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماءً!! ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر(10)، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلمَّ فلنقتلْ من في السماء، فيرمون بنُشَّابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً!! ويُحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى، وأصحابه نقص أنوف الإبل والغنم في رقابهم فيصبحون فرسى(11) كموت نفس واحدة.

ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه رهمُهم(12) ونَتْنهم.

فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسلُ الله طيراً كأعناق البخت(13) فتحملهم،فتطرحهم حيث شاء الله.

________________

(1) جمع ذُروة.

(2) أطوله.

(3) مجدين.

(4) قطعيتين.

(5) مقدار رمية السهم إلى الهدف.

(6) بين ثوبين فيهما صفرة خفيفة.

(7) حبات كاللؤلؤ بصفاتها.

(8) بلدة في فلسطين قريبة من بيت المقدس.

(9) اذهب بهم إلى الطور ليكون لهم حرزاً.

(10) جبل بيت المقدس.

(11) قتلى.

(12) رسمهم.

(13) نوع من أنواع الإبل طوال الأعناق.



ثم يرسل الله مطراً لا يكُنُّ منه بيت مدّر ولا وَبَر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلفة(1).

ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصَابة(2) من الرُّمانة، ويستظلون بقحِفِها، ويبارك في الرَّسل(3) حتى إن اللَقَحة من الإبل(4) لتكفي الفئام(5) من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس.

فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمُر(6) فعليهم تقوم الساعة". رواه مسلم

والدجَّال لقب لهذا الرجل، لُقِب به لشدة كذبه وتدجيله، ولقدرته العجيبة الخارقة على تغطية الحق بالباطل، وهو رجلٌ يهودي، ولا يولد له ولد وإن الله حرم عليه دخول مكة.

عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي ابن صائد - واسمه صاف، يهودي الأصل يمارس الكهانة، كان يشاع في المدينة أنه ربما كان هو الدجال -: ما لي وما لكم يا أصحاب محمد، ألم يقل نبي الله صلى الله عليه وسلم إنه يهودي وقد أسلمت، وقال لا يولد له وقد ولد لي، وقال إن الله حرم عليه مكة وقد حججتُ، قال فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. رواه مسلم

والدجال يدعي الألوهية ومعه خوارق، وقد حذَّر الرسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن فتنته العظيمة.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور". رواه البخاري ومسلم

عن حذيفة أن عقبة قال له: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال، فقال: إن الدجال يخرج وإن معه ماءً وناراً، فأمَّا الذي يراه الناس ماءً فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً، فإنه عذب طيب.

فقال عقبة: وأنا قد سمعته، تصديقاً لحذيفة.

ويكون هلاك الدجال على يد المسيح عيسى ابن مريم بعد نزوله من السماء انظر الحديث الأول في الدجَّال عن النواس بن سمعان.

________________

(1) كالمرآة.

(3) الجماعة.

(3) الحليب.

(4) الناقة الحلوب.

(5) الجماعة الكثيرة.

(6) الحمير.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:20 AM
2- نزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء:

ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء إلى الأرض فيمكث في الأرض مدة من الزمن فيقتل الدجَّال، ويقيم على الأرض دعائم العقيدة الإسلامية التي بعث الأنبياء كلهم لإقامتها، وينفذ الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد رسول الله خاتم النبيين والمرسلين ولا يوحى إليه بشرع جديد.

قال الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158].

فالآيات تقرر بطلان دعوى اليهود من قتل عيسى ابن مريم وصلبه بل الأمر بخلاف ما ادعوه. فإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إن الله تعالى رفعه إلى السماء وإنه باقٍ حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحدٍ من أهل الأديان بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف أي القتال، فتخبر الآية {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159] أنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ابن مريم عليه السلام إلا آمن به قبل موته عليه السلام، فلا يتخلف عن التصديق به واحد منهم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ليوشِكنَّ(1) أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: "اقرؤوا إن شئتم": {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء : 159] رواه البخاري في صحيحه.

وقال تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ(2) * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(3) (58)إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ(4) لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 57 -61].

(1) لقد قرب.

(2) من أجله يضجون ويصيحون فرحاً.

(3) شداد الخصومة بالباطل.

(4) آية وعبرة.

ففي الآية الأخيرة {وإنه لعلم للساعة} إشارة إلى نزوله عليه السلام من السماء في آخر الزمان أنه من أمارات الساعة وعلامات قرب وقوعها، ولا يكون ذلك إلا بنزوله عليه السلام كما بينته الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:21 AM
3- ظهور يأجوج ومأجوج:

قال الله تعالى في شأن يأجوج ومأجوج: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا(1) عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا(2) * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(3) * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ(4) حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ(5) قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا(6) * فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ(7) وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(8) * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ(9) وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ(10) فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ(11) فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف:94-99].

وقال الله تعالى في شأنهم أيضاً:{ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ(12) يَنسِلُونَ(13) * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ(14) فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ(15) الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 96- 97].

إن يأجوج ومأجوج كلمتان عبَّر القرآن بهما عن أمة كبيرة من الناس تخرج من مكان ما من الأرض تنشر الفساد والدمار والخراب فيها على طريقة مذهلة مرعبة.

وخروج يأجوج ومأجوج من العلامات الكبرى لاقتراب الساعة، لا يعلم هذا الخروج إلا الله عزَّ وجلَّ.

__________________________

(1) يُعلَم قرب الساعة بنزول عليه السلام.

(2) نصيباً من المال تستعين به في البناء.

(3) حاجزاً فلا يصلون إلينا.

(4) حاجزاً حصيناً متيناً.

(5) قطَع حديد عظيمة ضخمة.

(6) بين الجبلين.

(7) نحاساً مذاباً.

(8) خرقاً وثقباً لصلابته وتخانته.

(9) مدكوكاً مسوىً بالأرض.

(10) يختلط ويضطرب.

(11) نفخة البعث.

(12) مرتفع من الأرض.

(13) يسرعون المشي في الخروج.

(14) البعث والحساب والجزاء.

(15) مرتفعة لا تكاد تَطْرِفُ أبصارهم.



تنبيه: فليكن المرء على حذر من الأحاديث الواهية أو المنكرة أو الموضوعة التي تذكر تفاصيل أخبار يأجوج ومأجوج وصفاتهم وأشكال جسومهم.

وحسبنا أن نؤمن بأن هذه الأمة الكبيرة إذا خرجت فإن خروجها سيتكفل بالتعريف بها للناس كلهم تعريفاً لا يشوبه شك ولا احتمال ولا ظن ولا يحوج إلى استنتاج أو اجتهاد أو ضرب في الغيب.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 03:21 AM
4- خروج الدابة:

قال الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ(1) عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل: 82].

فهذه الدابة نَكِلُ علم نوعها وشكلها إلى الله عزَّ وجلَّ تخرج للناس قبيل الساعة تكلمهم وتصف كلاً منهم بصفته من الإيمان أو الكفر، فتسم الكافر بوسم الكفر، وتسم المؤمن بوسم الإيمان، وهذا كله خارج عن المعتاد والمألوف.

وعن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيتها كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها". رواه مسلم.

5- طلوع الشمس من مغربها:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]. رواه البخاري.

وطلوع الشمس من مغربها أي أن الشمس تطلع من جهة المغرب بدل أن تطلع من جهة المشرق.

أخي القارئ ما تحقق ووقع من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام يشهد بصدق نبوته وبأنه نذير لنا بين يدي عذاب شديد فكما رأينا اليوم علامات الساعة الصغرى، تحققت أمام أعيننا، فسنرى العلامات الكبرى وستقع الساعة دون ريب ولا شك، لأن المخبر بها واحدٌ وهو الصادق المصدوق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

______________________

(1) قربت الساعة وأهوالها الموعودة.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:05 PM
‏4- الموت وحقيقته:‏

أ- معنى الموت:‏
الموت هو مفارقة الروح للجسد وانتقالها إلى الحياة البرزخية(1) وعودة الجسد إلى ‏أصله الذي جاء منه، وبخروج الروح من الجسد يتوقف عمل كل جهاز من أجهزة جسم ‏الإنسان، وكل خلية من خلاياه، كما تنساح مكونات كل خلية، وتختلط مواد الجسم ‏بعضها ببعض، ويتحول البدن إلى حالة الجماد الذي لا يحس ولا ينمو ولا يتغذى ولا ‏يتحرك ولا يتنفس ولا يفكر، ولا يعمل شيئاً(2).‏
‏- والنوم شبيه بالموت إلا أن الفارق هو بقاء الروح متصلة بالجسد عند النوم، ‏وانفصالها تماماً عنه عند الموت.‏
قال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي ‏قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: 42].‏
ب- ملائكة الموت:‏
إذا جاء أجل الإنسان وهو انتهاء حياته أرسل إليه ملك الموت الموكل به لقبض ‏روحه.‏
قال الله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون* ‏ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم(3) عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ‏صالحاً إنا موقنون} [السجدة: 11-12].‏
وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات(4) الموت والملائكة باسطوا أيديهم ‏أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم ‏عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93].‏
ج- الموت حقيقة لا مفرَّ منها:‏
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا ينكرها أحدٌ من الناس فهي مشاهدة، فلقد ‏جاءت أجيالٌ قبلنا وها هي اليوم لا وجود لها قد انقضى أجلها فجاء الموت وأخرجهم من ‏الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية وما ترك منهم أحداً.‏
‏(1) هي الحياة التي تكون بعد الموت وقبل الحياة الآخرة وقد أشير إلى حياة البرزخ في قوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ‏رب ارجعون* لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [الأنبياء: 99 - 100].‏
‏(2) وللتحقق من الموت يكون بالعلامات التالية:‏
‏1ً- توقف النفس.‏
‏2ً- توقف حركة القلب.‏
‏3ً- توقف حركة الستيو بلازم (وهو العصير الموجود داخل كل خلية ويدور باستمرار داخل كل خلية وتفقد كل نواة سيطرتها على ‏محتويات الخلية بعضها في بعض، ويتغير تركيب كل خلية من جسم الإنسان.‏
‏(3) مطرقونها خزياً وندماً.‏
‏(4) سكرات الموت وشدائده.‏
وجيلنا أيضاً منقضٍ أجله لا شكَّ ولا ريب، وهكذا الأمر في الأجيال إلى أن تقوم ‏الساعة.‏
‏ قال الله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه مُلاقيكم ثم تردون إلى عالم ‏الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} [الجمعة : 8].‏
د- عدم تأخر الموت إذا حان وقته:‏
إن كل إنسان له أجلٌ لا يزيد ولا ينقص، وإذا جاء الأجل المحتوم لا يتأخر الموت ‏عن أحد. قال الله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} ‏‏[النحل: 61].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:06 PM
‏5- الحياة البرزخية(1):‏

أ- السؤال في القبر:‏
مما يجب الإيمان به سؤال القبر، قال الله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ‏الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27].‏
أمَّا تثبيت الذين آمنوا في الحياة الدنيا مما يصيبهم من الوساوس والشبهات ‏الشيطانية من قبل الإنس والجن وحفظهم من الزيغ والميل إلى الضلال.‏
وأما تثبيتهم في الآخرة فذاك حين يُسألون في قبورهم. قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك ‏قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. متفق ‏عليه.‏
ب- عذاب القبر ونعيمه:‏
ومما يجب الإيمان به نعيم القبر وعذابه. قال الله تعالى: {وحاق(2) بآل فرعون سوء ‏العذاب* النار يعرضون عليها غدواً وعشياً(3) ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ‏اشدَّ العذاب} [غافر: 45، 46].‏
والمعنى: أن قوم فرعون بعدما أحاط بهم سوء العذاب وهو الغرق في البحر انتقلوا ‏بعد موتهم إلى عذاب البرزخ فهم يعرضون على النار صباحاً ومساءً يمسهم عذابها ‏ويلفحهم لهبها وشظاها إلى أن تقوم الساعة فحينئذ يقول الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون ‏أشد العذاب} وهو الشويُّ في جهنم وإذاقتهم ألوان العذاب الشديد الأليم.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه ‏أصحابه، فإنه يسمع قرعَ نعالهم، أتاه ملكان، فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا ‏الرجل محمد -‏
‏(1) هي الحياة التي تفصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى وهي حياة الانتظار ليوم القيامة.‏
‏(2) أحاط.‏
‏(3) صباحاً ومساءً.‏
صلى الله عليه وسلم - فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى ‏مقعدك في النار، قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة فيراهما جميعاً، فيفسح له في قبره.‏
وأما المنافق أو الكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل، فيقول: لا أدري، ‏كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لادريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ‏ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". متفق عليه.‏
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ‏حائط(1) لبني النجار على بغلة له، ونحن معه إذ حادت(2) فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو ‏خمسة. فقال صلى الله عليه وسلم من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، فقال ‏صلى الله عليه وسلم: متى ماتوا؟ قال: في الشرك(3). فقال صلى الله عليه وسلم: إن هذه ‏الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا(4) لدعوتُ الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي ‏أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه صلى الله عليه وسلم فقال: تعوَّذوا بالله من عذاب النار. ‏قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: تعوذوا من عذاب القبر. فقالوا: نعوذ بالله من ‏عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ‏ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجَّال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة ‏الدجال. رواه مسلم
وورد في أحاديث كثيرة تدل على أن العصاة الذين لم يتوبوا قبل موتهم يعذبون في ‏القبر بمعاصيهم على اختلاف أنواعها.‏
فمن ذلك عذاب النمَّام(5)، والغيَّاب(6)، والذي لم يستتر ولم يتوقَّ من بوله من ‏النجاسة.‏
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين ‏فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير(7)، أمَّا هذا فكان لا يستتر(8) من بوله، وأما هذا ‏فكان يمشي بالنميمة ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعسيب رطب فشقه باثنين ‏فغرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". متفق ‏عليه واللفظ للبخاري
‏(1) بستان.‏
‏(2) مالت.‏
‏(3) ماتوا مشركين.‏
‏(4) يعني أنه لوكشف لكم عن عذاب أهل القبور، وسمعتم ذلك لفزعتم وخفتم حتى إنكم تتركون دفن بعضكم من شدة الهلع ‏والخوف، فلولا مخافة عدم التدافن إذا كشفت لكم لدعوت الله أن يكشف، فيسمعكم عذاب أهل القبور.‏
‏(5) وهو الذي يُفسد بين الناس.‏
‏(6) الذي يغتاب فيذكر أخاه بما يكره.‏
‏(7) أي وما يعذبان في ذنب كبير عند الناس ولكنه عند الله كبير، وهذا نظير قوله تعالى: {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} ‏‏[النور:15]‏
‏(8) لا يتوقى.‏
وقال عليه الصلاة والسلام: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حُفر النار". ‏رواه الترمذي والطبراني
فالقبر بالنسبة للمؤمن روضة من رياض الجنة يرتاض فيها على حسب إيمانه ‏وعمله، والقبر حفرة من حفر النار بالنسبة للكفار والمصرين على معاصيهم ولم يتوبوا ‏عنها.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:07 PM
ج- تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر وأمره بذلك:‏
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عذاب القبر في آخر صلاته، وفي ‏ذلك تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم وإرشاد لهم أن يتعوذوا بالله من عذاب القبر في ‏أقرب أحوالهم إلى ربهم، وهذا في الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه وماذاك إلا لفظاعة ‏عذاب القبر وشدة هوله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الصلاة يقول: ‏‏"اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال، وأعوذ بك من ‏فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم". رواه البخاري ومسلم
وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دبر(1) الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر ‏والفقر وعذاب القبر". رواه الترمذي.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:08 PM
‏6- البعث:‏

أ- وجوب الإيمان بالبعث ومعناه:‏
إن من أصول الإيمان، أن يؤمن الإنسان جازماً بأن الله تعالى يبعث الخلائق بعد ‏موتها فيجمع أجزاءها بعد تفرقها ويعيد إليها أرواحها بعد مفارقتها ويعيدها كما بدأها.‏
قال الله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.‏
وقال تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: ‏‏104].‏

ب- أهوال يوم القيامة:‏
نرى أهوال يوم القيامة من خلال الآيات القرآنية.‏
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ‏ترونها تذهل(2) كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ‏سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} [الحج: 1 - 2].‏
وقال تعالى: {إذا وقعت الواقعة(3) * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة(4) رافعة(5) * إذا ‏رجت
‏(1) آخر الصلاة.‏
‏(2) تغفل وتشغل لشدة الهول.‏
‏(3) قامت القيامة بالنفخة.‏
‏(4) خافضة للكافرين بدخول النار.‏
‏(5) رافعة للمؤمنين بدخول الجنة.‏
الأرض رجاً(1) * وبست الجبل بساً(2) * فكانت هباءً منبثاً(3)} [الواقعة: 1 - 6].‏
وقال تعالى: {فإذا جاءت الصَّاخَّة(4) * يوم يفرُّ* المرء من أخيه* وأمه وأبيه* ‏وصاحبته وبنيه* لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه} [عبس: 33 -37].‏
وقال تعالى: {إذا الشمس كورت(5)* وإذا النجوم انكدرت(6) * وإذا الجبال ‏سيرت(7) * وإذا العشار(8) عطلت(9) * وإذا الوحوش حشرت(10) * وإذا البحار ‏سُجرَّت(11) * وإذا النفوس زوجت(12) * وإذا المؤودة(13) سئلت* بأي ذنب قتلت* وإذا ‏الصحف نشرت* وإذا السماء كشطت(14) * وإذا الجحيم سعرت(15) * وإذا الجنة ‏أزلفت(16)} [التكوير: 1 - 13].‏

ج- النفخة الأولى والنفخة الثانية ‏
النفخة الأولى: وهي نفخة الإماتة العامة. وعندها تكون ساعة إنهاء النظام القائم ‏في هذه الحياة.‏
النفخة الثانية: وهي نفخة البعث إلى الحياة بعد الموت.‏
قال الله تعالى: { ونفخ في الصور(17) فصعق(18) من في السموات ومن في الأرض ‏إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى(19) فإذا هم قيام ينظرون } [ الزمر: 68 ].‏
‏- والصور هو قرن ينفخ فيه والموكل بالنفخ هو إسرافيل عليه السلام.‏
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور يا رسول الله؟ فقال صلى ‏الله
‏(1) إذا زلزلت وحركت تحريكاً شديداً.‏
‏(2) فتت فتاً.‏
‏(3) غباراً منتشراً.‏
‏(4) الصيحة تعم الآذان لشدتها وذلك عند النفخة الثانية.‏
‏(5) طويت ولفت.‏
‏(6) تساقطت وتهاوت.‏
‏(7) أزيلت من أماكنها.‏
‏(8) النوق الحوامل.‏
‏(9) أهملت بلا داع من شدة الهول.‏
‏(10) جمعت من كل مكان.‏
‏(11) أوقدت فصارت ناراً تضطرم.‏
‏(12) قرنت كل نفس بشكلها ودخلت الأرواح في أجسامها.‏
‏(13) البنت تدفن حية.‏
‏(14) قلعت كما يقلع السقف.‏
‏(15) أوقدت وأضرمت للكفار.‏
‏(16) قربت وأدنيت من المتقين.‏
‏(17) القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل.‏
‏(18) مات بنفخة الأولى.‏
‏(19) النفخة الثانية.‏
عليه وسلم :" قرن ينفخ فيه " رواه أبو داود والترمذي وابن حبان.‏
وقال صلى الله عليه وسلم : "كيف أنعم وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ، وحنى ‏جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ، فكان ذلك ثقل على أصحاب النبي صلى الله ‏عليه وسلم، فقالوا: كيف نفعل أو كيف نقول؟
فقال صلى الله عليه وسلم: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا". رواه ‏الترمذي وقال: حديث حسن ورواه ابن حبان وأحمد والطبراني.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:09 PM
د- كيفية البعث:‏
وإذا مات الإنسان وتحلل جسده(1) وعاد إلى التراب إلى أصله.‏
قال الله تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} [ق: ‏‏4].‏
وإذا عاد إلى أصله يبقى من الجسد عَجَبُ الذنب (البذرة) وهو الجزء الذي ركب ‏الإنسان منه أولَ مرة وهو شيء صغير جداً، وهذا الجزء لا تأكله الأرض ولا يبلى.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، ‏منه يركَّب الخلق يوم القيامة، قالوا: أيّ عظم هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ‏عجب الذنب." رواه مسلم.‏
وقال عليه الصلاة والسلام: "كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خُلِقَ ‏ومنه يركَّب". رواه مالك وأبو داود والنسائي.‏
فإذا جاء موعد البعث يُنزِل الله مطراً من السماء تنبت الأصول (البذور) أي عجب ‏الذنب الذي لم يبلَ.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ثمَّ يَنزِل من السماء ماءً فينبتون كما ‏ينبُتُ البقلة، وليس من الإنسان شيء إلا بَليَ إلا عظمٌ واحدٌ وهو عجبُ الذنب منه ‏يُرَكَّب الخلقُ يومَ القيامة". متفق عليه.‏
فإذا نبت عجب الذنب من التراب وعاد الجسد، جاءت كل روح إلىجسدها.‏
قال الله تعالى: {وإذا النفوس زوِّجت(2)} [التكوير: 7].‏
‏- وبهذه الصورة يعود الخلق مرة ثانية كما بدأ أوَّل مرّة.‏
قال الله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: ‏‏104].‏
‏ ‏
‏ ‏
‏(1) إلا من خصه الله بعدم بلي جسده كالأنبياء عليهم السلام فإن الأرض لا تأكل أجسادهم.‏
‏(2) قرنت كل نفسٍ بشكلها.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:10 PM
‏7- الحشر:‏

معنى الحشر:‏
هو جمع الخلائق كلهم إلى الموقف بعد بعثهم وإخراجهم من بطن الأرض لموقف ‏الحساب.‏
صور من الحشر:‏

أ- خروج الناس من القبور:‏
قال الله تعالى: {واستمع يوم ينادِ المناد من مكان قريب* يوم يسمعون الصيحة(1) ‏بالحق ذلك يوم الخروج* إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير* يوم تشقق(2) الأرض عنهم ‏سراعاً(3) ذلك حشر علينا يسير} [ق: 41- 44].‏
والمعنى: أن الله يأمر إسرافيل عليه السلام فينادي بالأموات من مكان قريب، ‏فيسمعه كل إنسان، فذلك النفخة الثانية، فيسمع الناس الصيحة فيخرجون من القبور ‏مسرعين المحشر.‏
وأول من تنشق عنه الأرض فهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أوّل من ينشق عنه القبر، وأنا ‏أول شافع ومشفَّع". رواه مسلم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:11 PM
ب- تسوية أرض المحشر:‏
قال الله تعالى: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة(4) وحشرناهم فلم نغادر ‏منهم أحداً} [الكهف: 47].‏
فالأرض تكون بارزة كلها لا جبال فيها ولا وديان.‏
قال الله تعالى: {وحملت(5) الأرض والجبال فدكتا(6) دكة واحدة}[الحاقة:14]‏
فالمعنى: أن الأرض وجبالها مسحت ودُقَّ بعضها ببعض.‏
وقال تعالى: {وتكون الجبال كالعهن(7) المنفوش(8)} [القارعة: 5].‏
فالمعنى أنها تصير كالصوف المندوف.‏
‏ ‏
‏ ‏
‏(1) نفخة البعث.‏
‏(2) تنفلق وتتصدع.‏
‏(3) مسرعين إلى الداعي.‏
‏(4) ظاهرة لا يسترها شيء.‏
‏(5) رفعت من أماكنها.‏
‏(6) فدقتا.‏
‏(7) كالصوف المصبوغ بألوان مختلفة.‏
‏(8) المفرق.‏
وقال تعالى: {وبست(1) الجبال بساً فكانت هباءً منبثاً(2)} [الواقعة: 5].‏
فالمعنى أن الجبال تصير كالهباء المنبث في الهواء.‏
وقال تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها(3) ربي نسفاً} [طه: 105].‏
فالمعنى: أن الله ينسفها بالرياح عن وجه الأرض، فتطيرها في الهواء.‏
وقال تعالى: {وسيرت الجبال فكانت سراباً(4)} [النبأ: 20].‏
فالمعنى أن الجبال تصير سراباً أي لا شيء كما يرى السراب من بعيد.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء ‏عفراء(5) كقرصة النقي(6) ليس فيها عَلَمٌ لأحد". رواه البخاري ومسلم.‏
والمعنى أن الناس يحشرون على أرض لونها أبيض يميل إلى الحمرة قليلاً فتكون نقية ‏صافية ليس فيها أي شائبة، وليس فيها علامة سكن لأحد من أبنية مرتفعة أو قصور ممتعة ‏أو تلول أو جبال ممتنعة، ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في ‏الطرقات كالجبل والصخرة البارزة.‏
قال الله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها(7) ربي نسفاً* فيذرها قاعاً(8) ‏صفصفاً(9)* لا ترى فيها عوجاً(10) ولا أمتاً(11) * يومئذٍ يتبعون الداعي لا عوج له(12) ‏وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً(13)} [طه: 105 - 108].‏
فيحشر الله الناس في أرض مستوية لا ترى فيها انخفاضاً، ولا ارتفاعاً بحيث إن ‏الناظر إليهم ينظرهم والداعي لهم يسمعهم، وقد ازدحمت عليهم الشدائد والأهوال وحلَّت ‏فيهم الكربات والهموم فأحاطت بهم، النار من شتى نواحيهم، ودنت الشمس منهم قدر ‏ميل، وساورتهم الأحزان والغموم ومهما كانت كربات الدنيا عظيمة، وشدائدها أليمة، ‏فإن كربات الآخرة أعظم، وشدائدها أدهى وأمرّ، ومهما كانت هموم الدنيا ثقيلة فإن همَّ ‏الآخرة أثقل إلا من أمنه الله وسلمه وحفظه.‏
‏(1) فتتَ.‏
‏(2) غباراً متفرقاً منتشراً.‏
‏(3) يقتلعها ويفرقها بالرياح.‏
‏(4) كالسراب الذي لاحقيقة له.‏
‏(5) بياض يضرب إلى الحمرة قليلاً.‏
‏(6) الدقيق النقي من الغش والنخال.‏
‏(7) يقتلعها.‏
‏(8) أرضاً ملساء لا ثبات فيها ولا بناء.‏
‏(9) أرضاً لا نبات فيها.‏
‏(10) مكاناً منخفضاً.‏
‏(11) مكاناً مرتفعاً.‏
‏(12) لا يزيغ عنه.‏
‏(13) إلا صوتاً خفياً خافتاً.‏
‏ ‏
فاللهم نفِّس عنا كرب الدنيا والآخرة

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:11 PM
ج- صفة أهل المحشر:‏
إن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً غير مختونين.‏
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً(1).‏
قالت عائشة رضي الله عنها قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر ‏بعضهم إلى بعض؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم ‏إلى بعض". رواه البخاري ومسلم.‏
فكلُّ واحد منهم مشغول بأحواله عن التطلع والنظر إلى غيره {لكل امريء منهم ‏يومنذٍ شأن يغينه} [عبس: 37].‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏خطيباً بموعظة فقال: "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلاً ثم قرأ: ‏‏{كما بدأنا أوَّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104].‏
ألا إن أوَّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا إنه سيجاء برجال ‏من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما ‏أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما ‏توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد* إن تعذبهم فإنهم عبادك ‏وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 117 - 118].‏
قال: "فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". رواه البخاري ‏ومسلم.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:12 PM
د- أهوال موقف الحشر:‏
ومن أهوال هذا الموقف العظيم:‏
دنو الشمس من الناس، وتغيب الناس بعرقها، كلٌّ حسب عمله.‏
عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تُدنى ‏الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل(2)، فيكون الناس على قدر ‏أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلىكعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من ‏يكون إلى حَقْوَيْه(3) ومنهم من‏
‏(1) غير مختونين.‏
‏(2) أي أنها تدنو كثيراً.‏
‏(3) الخاصرة.‏
يلجمه العرق إلجاماً" - وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه(1) - رواه ‏مسلم.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقوم الناس لربِّ العالمين حتى يغيب ‏أحدهم في رشحه(2) إلى أنصاف أذينة". رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:13 PM
‏2- طول الموقف على الكافرين وخفته للمؤمنين:‏
عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله يومٌ كان مقداره خمسين ألف ألف ‏سنة ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنه ‏ليخفف على المؤمن حتى يكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا". رواه ‏أحمد.‏
وتختلف الخفة باختلاف درجات إيمان المؤمنين.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:14 PM
‏3- عموم الحشر للإنس والجن والحيوان:‏
حشر الإنس والجن:‏
قال الله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم(3) من الإنس ‏‏....} [الأنعام: 128].‏
حشر الدواب والطيور والحيوان:‏
وقال تعالى: {وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ‏فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام: 38].‏
وقال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} [التكوير: 5].‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى ‏يُقاد(4) الشة الجَلحاء(5) من الشاة القرناء". رواه مسلم.‏
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان ‏فقال: "يا أبا ذر أتدري فيما تنتطحان قال: قلت: لا، فقال صلى الله عليه وسلم: لكن الله ‏يدري وسيقضي بينهما". رواه أحمد.‏
‏________________‏
‏(1) فمه.‏
‏(2) عرقه.‏
‏(3) قد أضللتم كثيراً.‏
‏(4) يقتص.‏
‏(5) التي لا قرون لها.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:19 PM
‏8- العرض:‏

قال الله تعالى: {وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ‏بل زعمتم ألن نجعل لكم موعداً} [الكهف: 48]. ‏
فالعباد يعرضون على ربهم مصطفين صفاً صفاً ويقال للكافرين الذين ينكرون ‏الحشر {لقد جئتمونا كما خلقناكم أوَّل مرة} أي حفاة عراة غرلاً ليس معكم شيء مما ‏كنتم تفتخرون به من الأموال والقوة والنفوذ والبنين ولجاه والخدم وغير ذلك فرغم الذي ‏زعمتم {ألن نجعل لكم موعداً} لم يفدكم وجاء وقت الحساب والسؤال.‏
ويوم القيامة ثلاث عرضات:‏
‏1- عرض الجدال.‏
‏2- عرض معاذير.‏
‏3- تطير الصحف.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُعرَض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، ‏فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف من الأيدي : فآخذ ‏بيمينه وآخذ بشماله". رواه الترمذي.‏
العرضة الأولى: يدافعون عن أنفسهم ويجادلون عنها فكل نفس تأتي يوم القيامة ‏تدافع عن نفسها، ولا يهمها شأن غيرها من ولد ووالد، وتعطى كل نفس جزاء عملها ‏خيراً أو شراً، وهم لا يظلمون بزيادة العقاب ولا بنقص الثواب.‏
قال الله تعالى:{ يوم تأتي كلُّ نفس تجادل عن نفسها وتوفَّى كل نفس ما عملت ‏وهم لا يظلمون} [النحل: 111].‏
العرضة الثانية: ففيها يعترفون ويعتذرون بمعاذير مختلفة، فمن كان عذره صحيحاً ‏قبله الله تعالى، ومن كان عذره غير صحيح رده الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى يقبل العذر ‏الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى .." ‏رواه البخاري ومسلم.‏
وأمّا قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35 ‏‏-36]‏
فهذا يكون في بعض المواقف، وذلك إن يوم القيامة هو يوم طويل ذو مواطن ‏متعدده.‏
العرضة الثالثة: يكون تطاير الصحف وتفرقها على أهلها بغاية السرعة.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:21 PM
‏9- السؤال:‏

قال الله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعلمون} [الحجر: 92-‏‏93].‏
وقال الله تعالى: {فلنسألنَّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين* فلنقصن عليهم ‏بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 6-7].‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وليلقيَنَّ الله أحدكم يوم القيامة يلقاه ليس ‏بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، فليقولن سبحانه: ألم أبعث إليك رسولاً فبلغك؟ ‏فيقول العبد: بلى..." رواه البخاري.‏
ولا شك أن الرسل قد بلغت رسالات ربِّهم، وأدوا واجبهم على أكمل الوجوه، ‏ونصحوا الأمة، فإن الله يعلم ذلك، ولا يخفى عليه شيء من ذلك، ولكن في هذا السؤال ‏والإتيان بالجواب إقامة حجة على المنكرين والمكذبين للمرسلين، وإعلان للملأ الكبير ‏هناك أنه لا عذر لمعتذر، ولا حجة لمنكر، لأن الرسالات الإلهية بلغها الرسل وأقامت ‏الحجج والبراهين على حقيتها وصدقها.‏
فيسأل المرء عن كلمة التوحيد:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُسألون عن لا إله إلا الله" رواه الترمذي.‏
ويُسأل المرء عن الصلاة وهي أول ما يسأل عليها، وعن سائر عمله.‏
جاء عن قبيصة بن حُريت رضي الله عنه قال: قدمتُ المدينة فقلت: اللهم يَسِّرْ لي ‏جليساً صالحاً يحدثني بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلَّ الله ينفعني به، ‏فجلست إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقلت: إني سألت الله تعالى أن يرزقني جليساً صالحاً، ‏فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة ‏من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجا، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن ‏انتقص من فريضة شيئاً قال الرب تبارك وتعالى للملائكة: انظروا هل لعبدي من تطوع(1) ‏فيكمَّل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك" رواه الترمذي والنسائي ‏وغيرهما.‏
ويسأل الإنسان عن أهله وعما استرعاه الله تعالى: ‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: حفِظ ‏أم ضيَّع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته(2)" رواه أبن حبان في صحيحه.‏
وقال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ‏ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت ‏زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم ‏راعٍ ومسؤول عن رعيته" رواه البخاري ومسلم.‏
ويسأل الإنسان عن السمع والبصر والفؤاد.‏
‏ ‏
‏ ‏
‏(1) نوافل فوق الفرائض.‏
‏(2) هل أدى واجبه الديني نحو أهل بيته وأحسن رعايتهم وعشرتهم أم أساء.‏
‏ ‏
قال الله تعالى: {ولا تَقْفُ(1) ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ ‏أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء: 36].‏
والمعنى: أن الله ينهى الإنسان أن يتتبع ما ليس به علم من مسموعات ومبصَرات أو ‏معلومات أو تصديقات قلبية ونحو ذلك بأن يتتبع الأوهام والشكوك والظنون مما لا دليل ‏فيه يثبت العلم.‏
وذلك أن الإنسان يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده أين صرف ذلك، وإلى أي جهة ‏وجهها هل تصرف بسمعه وبصوته وفؤاده، فيما أحل الله أو فيما حرَّم الله؟
فليتقِ الإنسان ربَّه في سمعه وبصره وفؤاده، وليعلم أن كل ما يمرُّ عليه سمعه وبصره ‏وفؤاده ويَتوجه إليه - ضمن قدرته وإرادته - فهو مسؤول عنه أي يسأل عنه يوم القيامة ‏فإذا كان في الخير أثابه الله على ذلك وآجره، وإن كان في الشر خاب وخسر.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله تعالى: ألم ‏أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس(2) ‏وتربَّع(3)، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ قال: فيقول العبد: لا، فيقول الله تعالى له: ‏اليوم أنساك كما نسيتني". رواه الترمذي.‏
أي اليوم أتركك في العذاب كما تركت في الدنيا شربعتي وديني ولم تؤمن بلقائي.‏
فالمؤمن يستعيذ بالله من شر سمعه وبصره، ومن شر لسانه وشر قلبه وشر منيه، ‏وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه هذا الدعاء:‏
عن شَكلَ بن حُمَيد رضي الله عنه قال: أتيت النبي عن صلى الله عليه وسلم ‏فقلت: يا نبي الله علمني تعويذاً أتعوذ به، قال: فأخذ بيدي ثم قال: "قل: اللهم إني أعوذ ‏بك من شر سمعي وبصري، وشر لساني، وشر قلبي وشر منييِّ قال: فحفظتها". رواه أبو ‏داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.‏
‏- ويسأل الإنسان عن عمره وعلمه وماله وجسمه.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزرل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل ‏عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ‏جسمه فيم أبلاه". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.‏
‏(1) ولا تتبع.‏
‏(2) أجعلك رئيساً.‏
‏(3) في رواية مسلم ترتع ومعنى تربَّع تأخذ ربع الغنيمة لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية.‏
أي لا يبرح الإنسان مكانه يوم القيامة عن موقف السؤال حتى يسأل عن عمره ‏فيم أفناه وصرفه أفي طاعة الله أم في معصيته؟.‏
ويسأل عن علمه ما عمل به، والناس في العلم على مراتب، فكلُّ يُسأل على ‏حسب ما عنده.‏
ويسأل عن ماله من أين حصل عليه وجمعه أم من حرام أم من حلال؟ وفي أي ‏شيء صرفه في حلال أم في حرام؟
ويسأل عن جسمه فيما أبلاه، فهذا الجسم وما أودع الله تعالى فيه من القوى ‏والعافية أصرف ذلك في الشهوات المحرمة والأهواء النفسية الباطلة حتى تعب جسمه ووهن ‏عظمه وخارت قواه بسبب عصيانه وانتهاكه لما حرم الله؟ أم صرفه فيما يقربه إلى الله تعالى ‏وينال به سعادة الدنيا والآخرة؟‏
اللهم استعمل أجسادنا وقواتنا في طاعتك آمين.‏
‏- ويسأل المرء عن النعيم. قال الله تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: ‏‏8] فالإنسان يسأل عن النعيم الذي أصابه في الدنيا، ونعم به، وتلذذ من صحة البدن ‏والعافية ولذة الشراب والماء البارد، ولذة المطعم والمأكل ولذة الظلال الباردة، وغير ذلك ‏من النعم التي تحفنا كل يوم.‏
عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن ‏النعيم} قال الزبير: يا رسول الله، وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء؟ ‏فقال صلى الله عليه وسلم: "أما أنه سيكون".‏
يعني سيكون السؤال عن التمر والماء وغيرهما من ألوان الأطعمة والأشربة.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ‏يوم، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: "ما أخرجكما من بيوتكما ‏هذه الساعة؟" فقالا: الجوع يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "وأنا الذي نفسي ‏بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا" فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس ‏في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين ‏فلان؟! قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إن جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني. ‏
‏ ‏
قال: فانطلق فجاءهم بعِذْقٍ فيه بُسر وتمر رطب(1) فقال: كلوا، وأخذ المدية(2) ‏ليذبح الشاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوبَ(3)" فذبح لهم شاة ‏غير حلوب، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العِذق، وشربوا، فلما شبعوا ورَوَوْا، قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم ‏القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم". رواه مسلم.‏
ويسأل الإنسان عن نيته ومراده من الأعمال الصالحة هل كان في ذلك العمل ‏مخلصاً لله تعالى أم كان مقصوده من ذلك العمل الرياء؟.‏
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه، فعرفها قال: ‏فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال الله له: كذبتَ، ولكنك قاتلت ‏لأن يقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.‏
ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن ، فأتي به فعرَّفه نعمه، فعرفها قال: فما ‏عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك ‏تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن، ليقال هو قاريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على ‏وجهه حتى ألقي في النار.‏
ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: ‏فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال الله ‏تعالى له: كذبت، ولكنك أنفقت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ‏حتى ألقي في النار". رواه مسلم والنسائي والترمذي وابن حبان.‏
‏ ‏

‏ ‏
‏(1) كالعنقود من العنب.‏
‏(2) السكين.‏
‏(3) لا تذبح شاة حلوباً.‏
‏ ‏
‎ ‎

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:23 PM
‏10- أخذ كتب الأعمال:‏

قال الله تعالى: {يومئذٍ تُعرضون(1) لا تخفى منكم خافية* فأمَّا من أوتي كتابه ‏بيمينه فيقول هآؤم(2) اقرءوا كتابيه(3) * إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه* فهو في عيشة ‏راضية(4) * في جنة عالية* قطوفها دانية(5) * كلوا واشربوا هنيئاً(6) بما أسلفتم في الأيام ‏الخالية* وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه* ولم أدر ما حسابيه* يا ‏ليتها كانت القاضية(7) * ما أغنى عني(8) ماليه(9) * هلك عني سلطانيه(10) * خذوه فغلوه(11) ‏‏* ثم الجحيم صلوه(12) * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه(13) * إنه كان لا ‏يؤمن بالله العظيم* ولا يحض(14) على طعام المسكين* فليس له اليوم ههنا حميم(15) * ولا ‏طعام إلا من غسلين(16) * لا يأكله إلا الخاطئون(17)} [الحاقة: 18 - 37].‏
وقال تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادحٌ(18) إلى ربك كدحاً فملاقيه(19) * فأما ‏من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حساباً يسيراً* وينقلب إلى أهله مسروراً* وأما من ‏أوتي كتابه وراء ظهره* فسوف يدعو ثبوراً* (20) ويصلى سعيراً(21)* إنه كان في أهله ‏مسروراً* إنه ظن أن لن يحور(22) * بلى إن ربه كان به بصيراً} [الأشقاق: 6 - 15].‏
‏ ‏
‏(1) وهي العرضة الثالثة وفيها تطاير الصحف.‏
‏(2) خذوا أو تعالوا.‏
‏(3) كتابي، والهاء للسكت.‏
‏(4) مرضية.‏
‏(5) ثمارها قريبة التناول إذا تجنى.‏
‏(6) أكلاً غير منغص ولا مكدَّر.‏
‏(7) الموتة القاطعة لأمري ولم أبعث.‏
‏(8) ما دفع عني.‏
‏(9) الذي كان لي من المال.‏
‏(10) تسلطي وقوتي.‏
‏(11) اجعلوا القيد في يديه وعنقه.‏
‏(12) أحرقوه في الحميم.‏
‏(13) فأدخلوه فيها.‏
‏(14) يُحرض.‏
‏(15) قريب مشفق يحميه من العذاب الأليم.‏
‏(16) صديد أهل النار.‏
‏(17) الكافرون.‏
‏(18) جاهد في عملك إلى لقاء ربك.‏
‏(19) فملاق لا محالة جزاء عملك.‏
‏(20) ينادي هلاكاً قائلاً يا ثبوراه.‏
‏(21) يدخلها.‏
‏(22) لن يرجع إلى ربه تكذيباً بالبعث.‏
‏ ‏
وعن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "ما يبكيك؟ فقالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ ‏فقال صلى الله عليه وسلم: "أمَّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدٌ: عند الميزان حتى يعلم ‏أيخفُّ ميزانه أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم ‏وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم". رواه أبو داود.‏
‏- من أخذ كتابه بيمينه يبيض وجهه ومن أخذ كتابه بشماله يسود وجهه:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يوم ندعو كلَّ أناسٍ ‏بإمامهم} قال: "يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه ستون ذراعاً ويبيض ‏وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، قال: فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد ‏فيقولون: اللهم بارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا.‏
وأما الكافر: فيعطى كتابه بشماله ويسوَّد وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً، ‏ويجعل على رأسه تاج من نار، فيراه أصحابه فيقولون: اللهم أخِّره، اللهم لا تأتنا به ‏فيأتيهم فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا". رواه الترمذي وحسنة وابن ‏حبان في صحيحه ورواه الحاكم وصححه.‏
وفي هذا الشأن قال الله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ‏اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون* وأمَّا الذين ‏ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 106 - 107].‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:25 PM
‏11- الحساب:‏

معنى الحساب: وهو أن يطلع الله عباده قبل أن ينصرفوا من المحشر على كل ما قد ‏صنعوه وفعلوه في حياتهم الدنيا من تصرفات اعتقادية وقوليه وفعليه سواء كانت خيراً أو ‏شرَّاً.‏
قال الله تعالى: {إن إلينا إيابهم(1) * ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: 25 - 26].‏
والآيات كثيرة في ذكر الحساب وهول هذا اليوم العظيم، وقد مدح الله الذين ‏يستعدون ليوم الحساب ويخافونه، قال الله تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن ‏يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21]. وذم الله الذين نسوا يوم ‏الحساب، ولم يخشوا هذا اليوم قال الله تعالى: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ‏عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص:26].‏
وفي ذلك تحذير من نسيان يوم الحساب، ووعيد لمن نسيه.‏
‏ ‏
‏(4) رجوعهم.‏
وقد بَيَّنَ الله تعالى أن محاسبة عباده سوف تأتي علىجميع الأعمال العلانية والسرية، ‏والجسمية والقلبية، والبادية الظاهرة والنفسية الخفية.‏
قال الله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا(1) ما في أنفسكم ‏أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} ‏‏[البقرة: 284].‏
فالأعمال القلبية من الحب والبغض والحسد والحقد، والنيات الحسنة والنيات ‏السيئة والهم والعزيمة في الخير والشر، كلُّ أولئك يحاسب به العبد يوم القيامة، فيثاب على ‏خيرها ويعاقب على شرها.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أُقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً ‏فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، وما ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزَّاً، ‏وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله تعالى.‏
قال وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة فمن: رجل آتاه الله مالاً وعلماً ‏فهو يتقي في مال ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم أن لله فيه حقاً، فهو في أعلى المنازل، ‏ورجل آتاه الله العلم ولم يؤته مالاً، يقول: لو أن له مثل فلان(2) لعملت مثله فهو بنيته ‏وأجرهما سواء، ورجل آتاه مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله لا يتقي فيه ربه ولا ‏يصل فيه رحمه، فهذا في أخبث المنازل، ورجل لم يؤته مالاً ولا علماً يقول لو أن لي مثل ‏فلان(3) لعملت مثله(4) فهو بنيته ووزرهما سواءً" رواه الترمذي وأحمد.‏
والهمُّ له اعتباره في الحساب والثواب والعقاب، قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "إن الله كتب الحسنات والسيئات فمن همَّ بها فعملها كتبت له عشر حسنات إلى ‏سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها(5) كتبت له حسنة كاملة، وإن همَّ ‏بها فعملها كتبت له سيئة واحدة". رواه البخاري ومسلم.‏
والإرادات العازمة يحاسب عليها الإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، ‏فما بال المقتول؟ قال: المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله، ‏هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه(6)". رواه البخاري ومسلم.‏
‏(1) تُظهروا.‏
‏(2) مثل الذي معه مال الرجل الذي سبقه في الذكر.‏
‏(3) صاحب المال الذي لا يتقي فيه ربَّه.‏
‏(4) من إرتكاب الشهوات وفعل الحرام وأنواع الفسق.‏
‏(5) مخافة من الله.‏
‏(6) في رواية كان حريصاً على قتل صاحبة.‏
فالمعنى أن القاتل سبقه فلم يحقق المقتول إرادته وهي قتل صاحبه فعلاً. ‏
وأما الخواطر السريعة والوساوس وحديث النفس السيء الذي لم يوطن الإنسان ‏نفسه عليه، ولم يهمَّ به، ولم يعزم صاحبه على إظهاره إلى الوجود، بل يكرهه ويدفعه عن ‏نفسه فهو معفو عنه.‏
قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286].‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدَّثت به ‏أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا به". رواه البخاري ومسلم.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‏سألوه: إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به! قال: "أوجدتموه؟" قالوا: نعم. ‏قال: "ذلك صريح الإيمان". رواه مسلم.‏
فما يصيب الإنسان وساوس سيئة، وهو ينكرها، ولا يرتضيها فهو غير مؤاخذ ‏عليها، بل إن إنكاره لها وتأذيِّه منها، ووجود ألم نفسي بسببها، ففي هذا دليل واضح على ‏محض الإيمان وصراحته.‏
‏- أصناف الناس الذي يُحاسبون:‏
أ- صنف يحاسبون حساباً يسيراً وهو أن تعرض على العبد أعماله فيعرَّف بالطاعة ‏والمعصية ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز له عن المعصية، فلا شدة فيه على صاحبه ولا ‏مناقشة ولا يطالب بالعذر فيه ولا الحجة عليه فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً ولا ‏حجة فيفنضح.‏
قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حساباً يسيراً} ‏‏[الأنشقاق: 7-8].‏
عن عائشة رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ‏نوقش الحساب عُذِّب".‏
قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله عزَّ وجلَّ: {فسوف يحاسب ‏حساباً يسيراً} فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس ذاك الحساب إنما ذاك العرض، ومن ‏نوقش يوم القيامة عذِّب". رواه البخاري ومسلم.‏
فالمعنى: أن أهل الحساب اليسير لم يحاسبوا مناقشة وتدقيقاً وإنما حسابهم عرض ‏أعمالهم ثم التجاوز عن سيئاتهم.‏
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رجلاً سأله: كيف سمعت رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ‏يُدني المؤمن فيضع عليه كنفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ ‏فيقول العبد: أعرف ربِّ أعرف ربِّ، حتى إذا قرَّره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال ‏الله تعالى: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته".‏
‏- وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله ‏على الظالمين". رواه البخاري.‏
ب- صنف يحاسبون حساباً عسيراً:‏
وهؤلاء صنف يحاسبهم الله حساباً عسيراً تدقيقاً، ومناقشة، ولابد أن يعذبوا ‏ويهلكوا، وهؤلاء يأخذون كتبهم بشمائلهم أو من وراء ظهورهم أعاذنا الله من ذلك.‏
وقال الله تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله* فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه(1)} ‏‏[الحاقة:25].‏
وقال تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبوراً(2) * ويصلى ‏سعيراً(3)} [الأنشقاق: 10 - 12].‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "من نوقش الحساب عُذِّب". رواه البخاري ‏ومسلم
ج- صنف يدخلون الجنة بغير حساب:‏
فهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب بسبب توكلهم على الله توكلاً عالياً خاصاً، ‏ويدخل بمعيتهم أعدادٌ من الناس كثيرة وهذا لكرامتهم وفضلهم عند الله تعالى.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليَّ الأمم فأخذ النبي يمرُّ ومعه ‏الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، ‏فنظرتُ فإذا سواد كثير(4)، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ فقال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، ‏فنظرت فإذا سواد كثير، فقال جبريل هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قُدَّامَهم لا حساب ‏عليهم ولا عذاب. قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ‏ربهم يتوكلون". رواه البخاري.‏
وقال صلى الله عليه وسلم: "أعطيتُ سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، ‏وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدتُ(5) ربي فزادني مع ‏كل واحد سبعين ألفاً". رواه أحمد.‏
ومِن جملة الذين لا حساب لهم: ‏
‏ ‏
‏(1) يقول هذا الكلام بسبب ما سيلاقيه من العذاب الأليم.‏
‏(2) يقول يا ثبوراه أي ينادي هلاكاً.‏
‏(3) يدخل النار التي هي العذاب الأليم.‏
‏(4) أشخاص.‏
‏(5) طلب من الله الزيادة.‏
‏* الشهداء والعافون عن الناس:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي ‏سيوفهم على رقابهم تقطر دماً، فازدحموا على باب الجنة، فقيل: من هؤلاء؟ قيل: الشهداء ‏كانوا أحياء يرزقون، ثم نادى منادٍ: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية: ‏ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة، قيل: ومن ذا الذي أجره على الله؟ فقال صلى الله ‏عليه وسلم: العافون عن الناس، ثم نادى الثالثة : ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة. ‏فقام كذا وكذا الفاً فدخلوها بغير حساب". رواه الطبراني بإسناد حسن.‏
‏* والعلماء العاملون:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عزَّ وجلَّ للعلماء يوم القيامة: إني ‏لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي". ‏رواه الطبراني ورواته ثقات.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:26 PM
‏12- موقف الشهادات:‏

لقد دلت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة على أن الشهداء يوم القيامة ‏هم أصناف متعددة، وهذا موقف خطير وشأنه كبير تحق فيه الحقائق وتقوم به الحجة، وفي ‏ذلك اليوم لا ينفع الظالمين معذرتهم لأن الحجة قامت عليهم بشهادة الأشهاد فلا جحود ‏ولا عناد. ومن الأصناف التي تشهد يوم القيامة على الناس:‏
‏- شهادة الرسل على أممهم:‏
يشهدون بالإيمان لمن آمن وبالكفر على من كفر.‏
قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون ‏الرسول عليكم شهيداً} [البقرة: 143].‏
وقال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً* ‏يومئذٍ يودُّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً} ‏‏[النساء: 41-42].‏
والمعنى أن الكفار يود أحدهم أن يدفن في الأرض وهو لا يكتم الله حديثاً.‏
‏- شهادة الملائكة الكرام الكاتبين على العبد:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقال للعبد يوم القيامة كفى بنفسك اليوم ‏عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين عليك شهوداً فيختم على فيه(1)، ويقال لأركانه انطقي ‏فتنطق بعمله ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول بعداً لكُنَّ وسحقاً، فعنكنَّ كنت أناضلُ" ‏رواه مسلم.‏
‏ ‏
‏(1) فمه.‏
‏- شهادة الجوارح والجلود على العبد:‏
قال الله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} ‏‏[النور: 24].‏
وقال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ‏يكسبون} [يس: 65].‏
وقال تعالى : {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ‏شيء وهو خلقكم أوَّل مرة وإليه ترجعون} [فصلت: 21].‏
‏- شهادة الأرض على كل عبد:‏
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏‏{يومئذ تحدث أخبارها} [الزلزلة: 4]. قال: "أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله ‏أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كلِّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل ‏كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها" رواه الترمذي والنسائي وغيرهما.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:27 PM
‏13- الميزان:‏

قال الله تعالى: {والوزن يومئذٍ الحقّ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ‏ومّن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } [ ‏الأعراف: 8-9 ]‏
‏- فإن يوم الوزن حق وثابت الوقوع، وهذا الإظهار الحقِّ، حيث يقام موازين ‏حسية وعندئذٍ تتمثل أعمال الإنسان وأقواله بذاتها أو بواسطة صحائفها، فتوزن فمن كان ‏أمره صالحاً فقد ثقلت موازينه ورجحت مقادير حسناته وكان من الناجين المفلحين، ومن ‏كان أمره غير ذلك فقد خفت موازينه ورجحت مقادير سيئاته فهو من الخاسرين ‏الهالكين.‏
‏}فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية* وأما من خفت موازينه* فأمه ‏هاوية(1)* وما أدراك ما هيه(2) * نارٌ حامية } [القارعة: 6-11 ].‏
وفي هذا تحذير وتخويف للعباد لئلا يسلكوا طريق النار الحامية بل عليهم أن ‏يباعدوا أنفسهم عن فعل المحرمات والمخالفات التي نهى الله عنها.‏
‏- الدقة في الميزان:‏
وفي يوم الوزن لا تظلم نفس شيئاً فلا ينقص مالها شيء، ولا يزاد فيما عليها ‏شيء، فكله يوزن، ولو كان مثقال حبة من خردل أي صغيراً جداً جداً، وفي هذا إظهار ‏لعدالة الله سبحانه وتعالى. ‏
‏(1) مأواه جهنم يهوي فيها.‏
‏(2) ما هي والهاء للسكت.‏
قال الله تعالى:‏
‏}ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة ‏من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [ الأنبياء: 47 ].‏
‏- ويثقل الميزان الحسنات:‏
ومن جملة الحسنات المثقلة للميزان:‏
‏* حسن الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏
‏"ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق". رواه أبو داود ‏والترمذي.‏
‏* الإكثار من التسبيح والتحميد:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :‏
‏"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان حبيبتان إلى الرحمان: سبحان الله وبحمده، ‏سبحان الله العظيم"‏
‏* شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عزَّ وجلَّ سيخلِّص رجلاً من أمتي ‏على رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجلٍّ مدَّ البصر، فيقول الله تعالى ‏له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ. فيقول: أفلك عذر؟ ‏فيقول: لا، يا ربِّ. فيقول الله عزَّ وجلَّ: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك ‏اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول ‏الله: احضُر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى: ‏إنك لا تُظلم، فتوضع السجلات في كفَّة والبطاقات في كفَّة، فطاشت السجلات وثقلت ‏البطاقة، ولا يثقل مع اسمه تعالى شيء". رواه الترمذي.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:28 PM
‏14- الصراط:‏

أ- معنى الصراط:‏
وهو الجسر الذي ينصب على نار جهنم يوم القيامة، فيجتاز عليه الناس على ‏اختلاف مذاهبهم وأضرابهم وتفاوت درجاتهم، فمنهم من يمرَّ كطرف العين، ومنهم ‏كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كالطير ومنهم كأجاويد الخيل والركاب ومنهم من يبدو ‏له أن الصراط أدق من السيف، ومنهم من يقع من فوقه ثم يهوي في النار أعاذنا الله من ‏ذلك.‏
قال الله تعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأتىّ ‏يبصرون} [يس: 66].‏
‏ ‏
ب- صفة الصراط :‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : "بلغني أن الجسر(1) أدق من الشعر وأحدُّ من ‏السيف". رواه مسلم.‏
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم ‏القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى ‏يثقل أو يخف فلا، وأمَّا عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله، وحين ‏يخرج عنق النار فينطوي عليهم، ويقول ذلك العنق وُكِّلت بثلاثة:‏
وكِّلت بمن ادعى مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت ‏بكل جبار عنيد. قال: فينطوي عليهم(2) ويرمى بهم في غمرات النار.‏
قال: ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب(3) وحسك(4) ‏يأخذون من شاء الله تعالى، والناس عليه كالطرف(5) وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل ‏والركاب. والملائكة يقولون: ربِّ سلِّم سلِّم فناج مُسلَّم، ومخدوش مُسلَّم ومكوَّر(6) في ‏النار على وجهه". رواه أحمد.‏
ج- أحوال الناس في جوازهم الصراط:‏
أشار الله تعالى إلى الصراط وإلى صعوبة هذا الموقف العظيم.‏
‏}وإن منكم إلا واردها(7) كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ‏ونذر الظالمين جثياً(8)} [مريم: 71 - 72].‏
‏- والذي يمر على الصراط المستقيم اصناف:‏
‏1- منهم يُسلَّم فلا يخدش، ولا يصيبه أيُّ مكروه، وهم المؤمنون حقاً الصادقون.‏
‏2- ومنهم من يخدش ويناله مكروه من النار ثمَّ بعد ذلك يخلص الذين يمرون على ‏الصراط وهم آمنون مطمئنون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.‏
‏3- ومنهم من يلفُّ ويلقى، فيسقط في جهنم.‏
‏ ‏
‏(1) الصراط.‏
‏(2) على الثلاثة المذكورين.‏
‏(3) حديدة معطوفة الرأس يعلق فيها ويقال لها الكلاب.‏
‏(4) وهو نبت ذو شوك وهذا تشبيه لحدة الآلات المحمولة.‏
‏(5) كطرفة عين أي سرعة هائلة.‏
‏(6) يُلَّف.‏
‏(7) يرِد النار أي يحضرها بالمرور على الصراط المدود عليها.‏
‏(8) باركين على ركبهم لشدة الهول.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ثم يضرب الجسر على جهنم وتحلُّ ‏الشفاعة ويقولون(1): اللهم سلِّم سلِّم، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ فقال صلى الله عليه ‏وسلم: دحضُ مزلَّة، فيه خطاطيف(2) وكلاليب وحسك تكون بنجد(3) فيها شويكة يقال ‏لها السعدان(4) فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل ‏والركاب.‏
فناج مُسلَّمٌ ومخدوش(5) مرسل، ومكدوس(6) في نار جهنم. حتى إذا خلص ‏المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده(7) ما منكم من أحدٍ بأشدّ مناشدةً لله تعالى في ‏استقصاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار.‏
يقولون: ربنا كانوا يصومون، ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم ‏فَتحرَّم صُورهم على النار، فيُخرجون خلقاً كثيراً، قد أخذت النار إلى نصف ساقية وإلى ‏ركبتيه ...". رواه مسلم.‏
د- الحكمة من المرور على الصراط:‏
إن من استقام على الصراط المستقيم أي الطريق القويم في الدنيا، خفَّ على صراط ‏الآخرة ونجا، ومن مال عن الاستقامة في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى، تعثر في أول ‏قدم من الصراط وسقط وهوى.‏
فالصراط الذي هو جسر ينصب على نار جهنم، إنما هو تجسيد لمعنى الصراط أي ‏الطريق الذي ألزم الله به عباده في الدنيا.‏
فكن يا أخي سالكاً الطريق المستقيم في الدنيا حتى تسلك الصراط بسهولة يوم ‏القيامة، ولا تكن من الذين مالوا عن الاستقامة في الدنيا، فإنهم لا شك ولا ريب سيميلون ‏عن الصراط في الآخرة، وتزلّ أقدامهم.‏
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام.‏

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:30 PM
‏15- الشفاعة:‏

إن الشفاعة يوم القيامة لا يتقدم إليها أحدٌ إلا بإذنه تعالى قال الله تعالى: {من ذا الذي ‏يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]. ‏
‏(1) الأنبياء عليهم السلام.‏
‏(2) حديدة يختطف بها.‏
‏(3) منطقة في الحجاز.‏
‏(4) نبات ذو شوك.‏
‏(6) مخموش ممزق.‏
‏(7) يلقى بعضهم فوق بعض في جهنم.‏
‏(8) قسم بالله.‏
‏ ‏
وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28].‏

‏- أنواع الشفاعة:‏
أ- الشفاعة العظمى: هي من خصائص الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه ‏وسلم، وتكون أول الشفاعات، وهي تعمُّ جميع أهل الموقف على مختلف أديانهم، وبها ‏يتخلصون من أهوال الموقف(1) وكرباته بعد اشتدادها وطولها، ثم ينفضُّ أمرهم إلى العرض ‏والحساب والميزان.‏
فالشفاعة العظمى هي المقام المحمود:‏
قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد(2) به نافلة(3) لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً ‏محموداً(4)} [الإسراء: 79].‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الناس يصيرون يوم القيامة(5) جُثى كل ‏أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إليَّ، فذلك يوم يبعثه الله ‏المقام المحمود". رواه البخاري.‏
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوةٍ، ‏فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسةً، وقال: "أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة، ‏هل تدرون ممَّ ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين على صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ‏ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب مالا يُطيقون ولا ‏يحتملون فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أتنم فيه ألا ترون إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من ‏يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم ‏أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، ‏وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه، فيقول: إن ربي غضب اليوم ‏غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي ‏نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أوَّل ‏الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ‏ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول: إنَّ ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ‏ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، ‏اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع ‏لنا عند ربك، أما ترى ما نحن فيه؟
‏(1) أهل المحشر.‏
‏(2) الصلاة ليلاً بعد الاستيقاظ.‏
‏(3) فريضة زائدة خاصة بك.‏
‏(4) مقام الشفاعة العظمى.‏
‏(5) يجلسون على ركبتيهم.‏
‏ ‏
‎ ‎
فيقول لهم‎: ‎إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده‎
ترى ما نحن فيه؟‎ ‎فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن ‏يغضب بعده مثله، وإني‎ ‎كنتُ كذبت ثلاث كذباتٍ، فذكرها، نفسي نفسي نفسي، ‏اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى،‎ ‎فيأتون موسى، فيقولون: أنت رسول الله فضلك الله ‏برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع‎ ‎لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي ‏قد غضب اليوم غضباً لم يغضب‎ ‎قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم ‏أومَرْ بقتلها، نفسي نفسي نفسي،‎ ‎اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، ‏فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله‎ ‎وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلَّمتَ الناس في ‏المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا‎ ‎ترى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم ‏غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن‎ ‎يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ‏صلى الله عليه وسلم، فيأتون‎ ‎محمداً صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا محمد أنتَ رسول ‏الله، وخاتم الأنبياء، وقد‎ ‎غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى إلى ما نحن ‏فيه؟ اشفع لنا إلى ربك،‎ ‎قال: فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته، وقعت له ساجداً ‏فيدعني ما شاء‎ ‎الله. فيلهمني الله محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم يقال: ‏يا‎ ‎محمد ارفع رأسك، وسلْ تعط واشفع تشفَّع، فارفع رأسي، فأقول: يا ربّ أمتي أمتي،‎ ‎فيقال: يا محمد أدخِل الى الجنة من أمتك مَن لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب‎ ‎الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، قال صلى الله عليه وسلم: والذي‎ ‎نفسي بيده إنَّ بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهَجَر، أو كما بين مكة‏‎ ‎وبصرى". رواه البخاري ومسلم والترمذي
وعن أنس رضي‎ ‎الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجمع الله الناس ‏يوم القيامة،‎ ‎فيهتمُّون لذلك، وفي رواية: فيلهمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا ‏حتى‎ ‎يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم فيقولون: أنتَ آدم أبو الخلق، خلقك الله‎ ‎بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يُريحنا ‏من‎ ‎مكاننا هذا، ليقول: لستُ هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربَّه منها، ‏ولكن‎ ‎ائتوا إبراهيم الذي اتَّخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم، فيقول: لستُ هناكم، وذكر‎ ‎خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمَّه الله تعالى،‎ ‎وأعطاه ‏التوراة، قال: فيأتون موسى، فيقول لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب،‎ ‎فيستحي ‏ربَّه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته،‏‎ ‎فيقول: ‏لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما‎ ‎تقدم من ذنبه ‏وما تأخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيأتونني ، فأستأذن‎ ‎على ربي، فيؤذن ‏لي، فإذا أنا رأيته وقعتُ له ساجداً فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا‎ ‎محمد ارفع، قل يُسمع، ‏سل تعطه، اشفع تشفَّع، قال: فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد‎ ‎يعلمنيه ربي، ثم أشفع ‏فيحدّ لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال الرواي‎: ‎فلا أدري في الثالثة أو في ‏الرابعة فأقول: يا ربّ ما بقي في النار إلا من حبسه‏‎ ‎القرآن، أي وجب عليه الخلود". رواه ‏البخاري ومسلم‎.‎

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:41 PM
ب- شفاعة‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم يدخلون الجنة بغير‎ ‎حساب

ويدلُّ على ذلك ما تقدم في آخر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "فأرفع‎ ‎رأسي، فأقول: يا ربِّ أمتي أمتي. فيقال: يا محمد أدخِل من أمتك من‏ لا حساب عليهم من‎ ‎الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب‎".‎

ج- شفاعة‏‎ ‎ رسول الله لعصاة المؤمنين

قال رسول‎ ‎ الله صلى الله عليه وسلم: "لكّل بني دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً". رواه مسلم‎.‎

د- شفاعة‏‎ ‎ الأنبياء والملائكة والصديقين والعلماء والشهداء والصالحين

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:42 PM
أ- الحوض‏‎ ‎مكرمة خصَّ الله تعالى بها محمداً صلى الله عليه وسلم‎:‎
وفي سورة‎ ‎الكوثر، إشاره إلى ذلك‎:‎
قال الله‎ ‎تعالى‎: {‎إنا أعطيناك الكوثر‎* ‎فصل لربك وانحر‎* ‎إن‎ ‎شانئك‎(5) ‎هو‎ ‎الأبتر‎(6)} [‎الكوثر: 1‏‎ - 3].‎
عن ابن عباس‎ ‎رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله ‏إياه‎. ‎
قال أبو‎ ‎بشير: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال ‏سعيد: النهر‎ ‎الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه. رواه‎ ‎البخاري‎.‎
وعن أنس رضي‎ ‎الله عنهما قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ ‏أغفى إغفاءة ثم‎ ‎رفع رأسه ضاحكاً، فقيل له: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال صلى الله ‏عليه وسلم: "نزلت‎ ‎عليّ سورة آنفاً‎(7)‎، فقرأ بسم‎ ‎الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ‏حتى ختمها، قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا‎: ‎الله ورسوله أعلم، قال إنه نهر وعدنيه ربي عزَّ ‏وجلَّ، عليه خير كثير، وهو حوض‎ ‎تَرِد عليه أمتي يوم القيامة: آنيته عدد نجوم السماء ‏فيُختلج العبد منهم، فأقول‎: ‎ربِّ إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك". رواه ‏البخاري‎ ‎ومسلم‎.‎
‎ ‎
‎(1) ‎أجاد‎ ‎حفظه‎.‎
‎(2) ‎من أهل‎ ‎النار‎.‎
‎(3) ‎ماء‎ ‎الوضوء‎.‎
‎(4) ‎الذي هو من أهل الجنة وهو‎ ‎الرجل الصالح‎.‎
‎(5) ‎فبعضك‎.‎
‎(6) ‎المقطوع‎ ‎الخير‎.‎
‎(7) ‎الآن‎.‎
‎ ‎
وذلك النهر‎ ‎هو في الجنة يسمَّى كوثراً ويمتد فيه إلى الموقف فيسمَّى الحوض ترد ‏عليه أمة رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلَّم‎.‎
ب- سعة الحوض‏‎ ‎وكثرة آنيته وحلاوة مائة وبياض لونه‎:‎
قال رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء، وماؤه ‏أبيض من‎ ‎الورِق‎(1) ‎وريحه أطيب‎ ‎من المسك، وكيزانه‎(2) ‎كنجوم‎ ‎السماء فمن شرب منه ‏فلا يظمأ بعده أبداً". رواه مسلم‎.‎
عن أبي ذر‎ ‎رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ فقال صلى الله ‏عليه وسلم‎: "‎والذي نفسي بيده لآَنيتُه أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، إلا في الليلة‎ ‎المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ، آخر ما عليه يشخب‎(3) ‎ميزابان من‎ ‎الجنة من شرب منه رواه مسلم‎.‎
لم يظمأ،‎ ‎عرضه مثل طوله ما بين عَمَّان‎(4) ‎إلى‎ ‎أيْلة‎(5) ‎ماؤه أشد‎ ‎بياضاً من اللبن وأحلى من ‏العسل‎".‎
ج- انتظار‏‎ ‎رسول الله أمته الواردين على الحوض‎:‎
عن عقبة بن‎ ‎عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ‏وصلى على شهداء‎ ‎أحدٍ صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فَرَط‎(6) ‎لكم ‏وأنا‎ ‎شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت خزائن الأرض أو ‏مفاتيح‎ ‎الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن ‏تتنافسوا‎ ‎فيها". رواه البخاري ومسلم‎.‎
د- استقبال‏‎ ‎الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على الحوض ومعرفته لهم ‏بسيماهم من بين‎ ‎الأمم‎:‎
قال رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم: "إن حوضي لأبعدُ من أيْلة من عدن‎(7)‎، ‏والذي نفسي‎ ‎بيده إني لأذود عنه‎(8) ‎الرجال‎(9) ‎كما‎ ‎يذود‎(10) ‎الرجل الإبل‎ ‎القريبة، قالوا: يا ‏رسول وتعرفنا؟ قال‎:‎
‎__________________________‎
‎(1) ‎الفضة‎.‎
‎(2) ‎كوؤسه‎.‎
‎(3) ‎يجري‎.‎
‎(4) ‎مدينة في عراق الشام على‎ ‎الساحل البحر متوسطة بين مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودمشق. وهذا للإعلام‎ ‎بسعة ‏الحوض‎.‎
‎(5) ‎بلدة بالبلقاء في‎ ‎الشام‎.‎
‎(6) ‎الفارط: وهو الذي يتقدم‎ ‎الواردين ليصلح لهم الحياض والدلاء. والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر‎ ‎أمته الواردين ‏عليه المتبعين له، وذلك ليستقبلهم ويسقيهم‏‎.‎
‎(7) ‎وهذا تقدير لسعة‎ ‎الحوض‎.‎
‎(8) ‎أمنع عن‎ ‎الحوض‎.‎
‎(9) ‎من غير‎ ‎أمته‎.‎
‎(10) ‎كما‎ ‎يمنع‎.‎
نعم، ترِدون‎ ‎عليَّ غراً مُحجَّلين‎(1) ‎من آثار‎ ‎الوضوء ليست لأحدٍ غيركم". رواه مسلم

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:44 PM
‎17- ‎الجنة‎ ‎والنار‎:‎

أ- الجنة‏‎: ‎وهي دار نعيم‎ ‎قد أعدَّها الله للمؤمنين في الآخرة وهي جزاء لهم بما ‏كانوا يعملون من الأعمال‎ ‎الصالحة‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى‎: {‎وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض ‏أعدت للمتقين‎} [‎آل عمران: 133‏‎].‎
وقال الله‎ ‎تعالى‎: {‎وأمَّا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى‎* ‎فإن الجنة هي‎ ‎المأوى‎(2)} [‎النازعات:40-41‏‎].‎
وقد بينَّ‎ ‎الله سبحانه وتعالى تفصيلاً في القرآن الكريم عن الجنة ونعيمها وأنهارها ‏وأشجارها‎ ‎وثمارها وطعامها وشرابها وثيابها، وحُلَلْها ومساكنها وغرفها وحورها ... ‏وليعلم أن‎ ‎نعيم الجنة لا يشبه نعيم الدنيا قال الله تعالى‎: {‎فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من‎ ‎قرَّة أعين‎(3) ‎جزاءً بما‎ ‎كانوا يعملون‎} [‎السجدة‎: 17].‎
وقال رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم: "قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين، مالا ‏عين رأت، ولا‎ ‎أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". رواه البخاري ومسلم‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى في وصف الجنة وأهلها‎: {‎والسابقون السابقون‎* ‎أولئك‎ ‎المقربون‎ * ‎في جنات النعيم‎ * ‎ثلة‎(4) ‎من‎ ‎الأولين‎ * ‎وقليل من الآخرين‎ * ‎على سرر‎ ‎موضونة‎(5) * ‎متكئين‎ ‎عليها متقابلين‎* ‎يطوف عليهم ولدان مخلدون‎(6) * ‎بأكواب‎(7) ‎وأباريق‎(8) ‎وكأس‎(9) ‎من‎ ‎معين‎(10) * ‎لا‎ ‎يصدعون‎(11) ‎عنها ولا‎ ‎ينزفون‎(12) * ‎وفاكهة مما‎ ‎يتخيرون‎ * ‎ولحم طير مما يشتهون‎ * ‎وحور‎ ‎عين‎(13) * ‎كأمثال‎ ‎اللؤلؤ
‎(1) ‎الغُرَّة : بياض في جبهة الفرس‎ ‎والتحجيل : بياض في يديها ورجليها. وسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم‎ ‎القيامة غرَّة ‏وتحجيلاً وهذا تشبيه بغرة الفرس وتحجيله‎.‎
‎(2) ‎هي المرجع‎ ‎والمُقام‎.‎
‎(3) ‎موجبات المسرة‎ ‎والفرح‎.‎
‎(4) ‎أمة من الناس‏‎ ‎كثيرة‎.‎
‎(5) ‎منسوجة من الذهب‎ ‎بإحكام‎.‎
‎(6) ‎مُبَقَّوْن على هيئة الولدان‎ ‎في البهاء‎.‎
‎(7) ‎أقداح لاعرى لها ولا‎ ‎خراطيم‎.‎
‎(8) ‎أوان لها عرى‎ ‎وخراطيم‎.‎
‎(9) ‎قدح فيه‎ ‎خمر‎.‎
‎(10) ‎خمر جارية من‎ ‎العيون‎.‎
‎(11) ‎لا يصيبهم صداع‎ ‎بشربها‎.‎
‎(12) ‎لا تذهب عقولهم‎ ‎بسببها‎.‎
‎(13) ‎نساء بيض واسعات الأعين‎ ‎حسانها‎.‎
المكنون‎(1)* ‎جزاءً بما‎ ‎كانوا يعملون‎* ‎لا يسمعون فيها لغواً‎(2) ‎ولا‎ ‎تأثيماً‎(3) * ‎إلا قيلاً‎ ‎سلاماً سلاماً‎* ‎وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين‎* ‎في‎ ‎سدر‎(4) ‎مخضود‎(5) * ‎وطلح‎(6) ‎منضود‎(7) * ‎وظل‎ ‎ممدود‎(8) * ‎وماء‎ ‎مسكوب‎(9) * ‎وفاكهة‎ ‎كثيرة‎* ‎لا مقطوعة ولا ممنوعة‏‎* ‎وفرشٍ‎ ‎مرفوعة‎(10) * ‎إنا أنشأنهن‎ ‎إنشاءً‎* ‎فجعلنهن أبكاراً‎* ‎عرباً‎(11) ‎أتراباً‎(12) * ‎لإصحاب‎ ‎اليمين‎* ‎ثلة من الأولين‎* ‎وثلة من الآخرين‎} [‎الواقعة‎: 10-40]‎
وقال رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا ‏أهل الجنة؟‎ ‎فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى ‏وقد أعطيتنا‎ ‎ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ‏ربِّ، وأي شيءٍ‎ ‎أفضل من ذلك؟ فيقول: أحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده ‏أبداً". رواه‎ ‎البخاري‎.‎
ب- النار‏‎: ‎وهي دار عذاب‎ ‎قد أعدَّها الله للكافرين والمستكبرين عن طاعة الله وعبادته‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى‎: {‎فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعِدَّت للكافرين‎} ‎‎[‎البقرة: 24‏‎].‎
وقال الله‎ ‎تعالى‎: {‎واتقوا النار التي أُعدَّت للكافرين‎} [‎آل عمران‎: 131].‎
وقال الله‎ ‎تعالى‎: {‎وأمَّا من طغى وآثر الحياة الدنيا‎* ‎فإن الجحيم هي‎ ‎المأوى‎(13)}.‎
وقد وصف الله‎ ‎تبارك وتعالى الله وقود النار ونيرانها المتأججة ووصف طعامها ‏وشرابها ووصف عذابها‎ ‎بما يدخل الرعب في قلوب المجرمين وقلب كل متكبر جبارٍ أثيم‎.‎
وقد وصف رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم أهون أهل النار عذاباً فقال: "إن أهون ‏أهل النار عذاباً‎ ‎يوم القيامة لَرَجلٌ توضع في أخمص‎(14) ‎قدميه‎ ‎كجمرةٌ‎(15) ‎يغلي منها‎ ‎دماغه". رواه البخاري
‎ ‎
‎ ‎
‎(1) ‎المصون في أصدافه مما‎ ‎يُغَيِّره‎.‎
‎(2) ‎كلاماً لا خير فيه أو‎ ‎باطلاً‎.‎
‎(3) ‎ولا نسبة إلى الإثم أو ما‎ ‎يوجبه‎.‎
‎(4) ‎في شجر النَّبْق يتنعمون‎ ‎به‎.‎
‎(5) ‎مقطوع‎ ‎شوكه‎.‎
‎(6) ‎شجر الموز أو‎ ‎مثله‎.‎
‎(7) ‎نُضِّدَ بالحمل من أسفله إلى‎ ‎أعلاه‎.‎
‎(8) ‎دائم لا يتقلص أو ممتد‎ ‎منبسط‎.‎
‎(9) ‎مصبوب يجري في غير‎ ‎أخاديد‎.‎
‎(10) ‎على‎ ‎الأسرة‎.‎
‎(11) ‎متحبِّبات إلى‎ ‎أزواجهن‎.‎
‎(12) ‎مستويات في‎ ‎السن‎.‎
‎(13) ‎المرجع‎ ‎والمقام‎.‎
‎(14) ‎المتجافي عن الأرض من الرجل‏‎ ‎عند المشي‎.‎
‎(15) ‎قطعة من النار‎ ‎ملتهبة‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى في وصف النار وأهلها‎: {‎إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ‏ناراً، كلما‎ ‎نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً ‏حكيماً‎} [‎النساء: 56‏‎].‎
وقال تعالى‎: {‎إن المجرمين في ضلال وسُعر‎(1)* ‎يوم يسحبون‎ ‎في النار على ‏وجوههم ذوقوا مسَّ سقر‎} [‎القمر: 47‏‎ - 48].‎
وقال تعالى‎: {‎وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال‎* ‎في سموم‎(2) ‎وحميم‎(3) * ‎وظلٍ من‎ ‎يحموم‎(4) * ‎لا بارد ولا‎ ‎كريم‎(5) * ‎إنهم كانوا‎ ‎قبل ذلك مترفين‎(6) * ‎وكانوا‎ ‎يصرون على الحنث‎(7) ‎العظيم‎* ‎وكانوا يقولون إئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إءنا ‏لمبعوثون‎* ‎أو أباؤنا‎ ‎الأولون‎* ‎قل إن الأولين والآخرين‎* ‎لمجموعون إلى ميقاتِ يوم‎ ‎معلوم‎* ‎ثم إنكم ايها الضالون المكذبون‎* ‎لآكلون من شجر من‎ ‎زقوم‎(8) * ‎فمالئون‎ ‎منها ‏البطون‎* ‎فشاربون عليه من الحميم‎* ‎فشاربون شرب‎ ‎الهيم‎(9) * ‎هذا‎ ‎نزلهم‎(10) ‎يوم‎ ‎الدين‎(11)} [‎الواقعة‎: 41 - 56].‎
وقال تعالى‎: {‎وجوه يومئذٍ خاشعة‎(12)* ‎عاملة‎(13) ‎ناصبة‎(14) ‎تصلى ناراً‎ ‎حامية‎(15) ‎‎* ‎تسقى من عين‎ ‎آنية‎(16) * ‎ليس لهم‎ ‎طعام إلا من ضريع‎(17) * ‎لا يسمن ولا‎ ‎يغنى من ‏جوع‎(18)} [‎الغاشية‎: 2-7].‎
ج- الخلود في‏‎ ‎كل من الجنة والنار‎:‎
إن نعيم‏‎ ‎الجنة باقٍ خالد لا نهاية، وعذاب جهنم باقٍ لا نهاية له‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى في الخلود الأبدي لأهل الجنة‎: {‎والذين آمنوا وعملوا الصالحات‎ ‎سندخلهم
‎(1) ‎نيران‎ ‎مسعرة‎.‎
‎(2) ‎ريح شديدة الحرارة تدخل‎ ‎المسام‎.‎
‎(3) ‎ماء بالغ غاية‎ ‎الحرارة‎.‎
‎(4) ‎دخان شديد السواد أو‎ ‎نار‎.‎
‎(5) ‎لا نافع من أذى‎ ‎الحر‎.‎
‎(6) ‎مُنَعمِينَ متبعين أهواء‎ ‎انفسهم‎.‎
‎(7) ‎الذنب العظيم وهو‎ ‎الشرك‎.‎
‎(8) ‎شجر كريه الرائحة في‎ ‎النار‎.‎
‎(9) ‎الإبل العطاش التي لا‎ ‎تروى‎.‎
‎(10) ‎ما أُعِدَّ لهم من‎ ‎الجزاء‎.‎
‎(11) ‎يوم‎ ‎القيامة‎.‎
‎(12) ‎ذليلة خاضعة من‎ ‎الخزي‎.‎
‎(13) ‎تجرُّ السلاسل والأغلال في‎ ‎النار‎.‎
‎(14) ‎تعبة مما تلاقيه فيها من‎ ‎العذاب‎.‎
‎(15) ‎تدخل ناراً تناهى‎ ‎حرُّها‎.‎
‎(16) ‎بلغت غايتها في‎ ‎الحرارة‎.‎
‎(17) ‎شيء في النار كالشوك مُر‎ ‎منتن‎.‎
‎(18) ‎لا يدفع عنهم‎ ‎جوعاً‎.‎
جناتٍ تجري‎ ‎من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً‎ ‎ظليلاً‎} [‎النساء‎: 57].‎
وقال تعالى‎: {‎والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ‏الأنهار خالدين فيها‎ ‎أبداً وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً‎} [‎النساء‎: 122].‎
وقال الله‎ ‎تعالى في الخلود الأبدي لأهل النار الكافرين‎: {‎كذلك يريهم الله أعمالهم ‏حسراتٍ‎ ‎عليهم وما هم بخارجين من النار‎} [‎البقرة: 167‏‎].‎
وقال تعالى‎: {‎إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً‎* ‎إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً‎} [‎النساء:168-169‏‎].‎
وقال‎ ‎تعالى‎: {‎إن الله لعن الكافرين وأعدَّ لهم سعيراً‎* ‎خالدين فيها أبداً‎ ‎لا يجدون ‏ولياً ولا نصيراً‎} [‎الأحزاب: 64 - 65‏‎].‎
وقال رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم في خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ‏النار: "إذا صار‎ ‎أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة ‏والنار‎ ‎ثم يذبح‎(1)‎، ثم ينادي‎ ‎منادٍ: يا أهل الجنة لا موتَ، ويا أهل النار لا موتَ، فيزداد ‏أهل الجنة فرحاً إلى‎ ‎فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم". رواه البخاري‎.‎
وقال صلى‎ ‎الله عليه وسلم: "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت". ‏رواه‎ ‎مسلم
وقال صلى‎ ‎الله عليه وسلم: "ينادي منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم أن تصيحوا فلا ‏تسقموا أبداً،‎ ‎وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً‎".‎
تنبيه‎ ‎أول‎: ‎عصاة‎ ‎المؤمنين الذين في النار يُعذَّبون ثم يخرجون فيدخلون الجنة‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى‎: {‎إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‎} ‎‎[‎النساء:48‏‎].‎
وقال رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ‏يقول الله‎ ‎من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان فأخرجوه، فيخرجون قد‎ ‎امتُحِشوا‎(2) ‎وعادوا‎ ‎حُمَمَاً‎(3)‎، فَيُلْقَون‎ ‎في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة‎(4) ‎في حَميل‎ ‎السَّيْل‎(5) ‎أو قال‎: ‎حَمِيَّةِ السَّيْل‎(6) - ‎وقال‎ ‎النبي صلىالله عليه وسلم - ألم تروا أنها تخرج ‏صفراء ملتوية". رواه‎ ‎البخاري‎.‎
تنبيه‎ ‎ثانٍ‎: ‎إن أهل‎ ‎الكتاب من اليهود والنصارى كفار ويعذبون في النار ويخلدونَ‎ ‎فيها‎.‎
‎(1) ‎يجسد على شكل كبش، ثم يجاء به،‎ ‎ويذبح وفي هذا إشارة إلى الخلود والدوام‎.‎
‎(2) ‎قد‎ ‎احترقوا‎.‎
‎(3) ‎فحماً‎.‎
‎(4) ‎بذر‎ ‎النبت‎.‎
‎(5) ‎غثاؤه وهو ما جاء من طين‎ ‎وغيره، فإذا كان فيه حبة واستقرت على شط الوادي تنبت بسرعة‎.‎
‎(6) ‎معظم جريه‎ ‎واشتداده‎.‎
قال الله‎ ‎تعالى‎: {‎إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ‏أولئك‎ ‎هم شر البرية‏‎(1)} [‎البينة‎: 6].‎
‎ ‎
‎ ‎
‎(1) ‎الخليقة‎ ‎والناس‎.‎
‎ ‎

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:47 PM
الإيمان بالقدر



1- معنى القدر.

2- وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.

3- أثر الإيمان بالقدر في نفوس المؤمنين.

4- اختيار الإنسان وكسبه.


1- معنى الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر: هو الإيمان بتقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون وبما سيكون من أعمال المخلوقات كلها، وصدور جميعها عن تقدير منه وخلقٍ لها خيرها وشرها.

- فقد شاء الله أن يخلق الخلائق، وقضى أن تكون بأقدار وأوصاف محددة، وهو العالم بما كان ويكون وما سيكون، وكل ما في الوجود من حركات وسكنات إنما هو كائن بمشيئة الله سبحانه وتعالى، ولا يحدث شيء، إلا بقدرة الله ومشيئته، فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن.

قال الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].

وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].

وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

وقال تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].

وقال تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23-24].

وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30].

2- وجوب الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

3- أثر الإيمان بالقدر في نفوس المؤمنين:

إن من يدعي أن الإيمان بالقدر مدعاة للتواكل والكسل والخمول فهذه دعوى فاسدة باطلة وسبها عدم الفهم لمعنى الإيمان بالقدر لأن من آمن أن الله تعالى خلق كل شيء بقدر فهو حريص على معرفة أقدار الخير ليدفع بها أقدار الشرِّ، فهو يدفع قدر الجوع بقدر الطعام، وقدر المرض بقدر الدواء، وقدر الفقر بقدر السعي في طلب الرزق.

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرُّقى والأدوية: هل تَرُدُّ من قَدَر الله شيئاً؟

قال: "هي من قدر الله" رواه أحمد.

ومن آمن بقدر الله تعالى لا يصيبه اليأس ولا القنوط بسبب كثرة المصائب، ولا يحزن على ما فاته، ولا يفخر ولا يتكبر مهما أوتي من مال وجاهٍ ومنصب وغير ذلك من حظوظ الدنيا.

قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا(1) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا(2) بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ(3) فَخُورٍ} [الحديد: 22-23].

ومن آمن بقدر الله وقدرته ومشيئته، وأدرك عجزهُ، وحاجته إلى خالقه تعالى، فهو يصدق في توكلِّه على ربَّه ويأخذ بالأسباب التي خلقها الله، ويطلب من ربه العون والسداد.

والمؤمن يردد في يقين قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].

ويوقن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك".

4- اختيار الإنسان وكسبه:

الإنسان مختار في عمله وكسبه، غير مجبر وهو مفطور على حركة الاختيار، ويمثل هذه الحركة ويطبقها في حياته اليومية، ويقرر بعمله وسلوكه الاختيار وينكر الجبر، فلا يعاقب الجمادَ ولا يغضب على الحجر والخشب والماء والنار والريح مهما لحقه الأذى والعنت من هذه الأشياء، أما إذا تعرض إنسان لإهانتك أو هتك عرضك ثُرتَ عليه ثوراناً عجيباً وعاقبته عقاباً شديداً.

أفلا يدل ذلك على أن الإنسان يميز بين المجبور والمختار، وأن الإنسان صاحب اختيار وإرادة يحاسب ويعاتب ويعاقب ويلام ولا يقبل منه عذر فيما تعمده فهو مخير ليس بمجبور.

- شبهة وردُّها:

الشبهة: قد يتساءل البعض كيف لا يكون ما قد كتب في اللوح المحفوظ مجبراً للإنسان على العمل مع أنه قد كتب قبل وجود الإنسان؟

__________

(1) تحزنوا.

(2) فرح بطر واختيال.

(3) متكبر متباه.



ردُّها: سنضرب مثالاً لكشف هذه الشبهة:

ألا ترى أن الأستاذ الذكي الخبير بأحوال طلابه الذي يضع أسئلة الامتحان، لو أنه كتب في ورقة أسماء من هو متأكد أنهم سيرسبون في الامتحان في أخرى أسماء من هو متأكد من نجاحهم، ثم جاء الامتحان وظهرت النتيجة، ثم جاء الذين رسبوا محتجين بقولهم: إن ما كتبه الأستاذ علينا في الورقة بأننا سنرسب هو السبب في رسوبنا! فهل سيُقبل عذرهم؟ أم أنه سيقال لهم: إن ما كتبه الأستاذ في الورقة أمر متعلق بعلمه وخبرته السابقة بأحوالكم، ورسوبُكم متعلق بإهمالكم، فلا تعتذروا لإهمالكم بعلم الأستاذ وخبرته. (ولله المثل الأعلى) فهو سبحانه وتعالى خالق الخلق وهو العليم بأحوالهم قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

ولقد خلقنا الله سبحانه لقضاء فترة الامتحان في هذه الحياة الدنيا وهو جلَّ شأنه يعلم نتيجة الامتحان فكتب الشقاء على الأشقياء وكتب السعادة للسعداء حسب علمه المحيط بما كان وما يكون وما سيكون.

وربما أخطأ الأستاذ في تقديره لنتائج طلابه لكنَّ قدرَ الله لا يخطئ في تقديره لأعمال خلقه.

والكتابة في اللوح المحفوظ أمر متعلق بعلم الله السابق، فترك الصلاة مثلاً أمر متعلق بتمرد وإهمال ومعصيةِ تارك الصلاة، وقد أراد الجاحدون أن يعتذروا ويتحججوا للمعصية والضلال بعلم الله تعالى، وهذا مرفوض لأن علم الله سابق لا سائق، فما أخبر الله مما هو كائن إلى يوم القيامة من أفعال العباد الاختيارية ليس فيه أي إجبار ولا فيها سوق للإنسان دون إرادته.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:49 PM
عالم الجن



1- وجوب الإيمان بوجود الجن.

2- حقيقة الجن.

3- الجن مطالبون بالتكاليف الشرعية.

4- بلوغ دعوة الرسل إلى عالم الجن.

5- بلوغ دعوة رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم إلى الجن.

6- أصناف الجن.

7- عداوة الشيطان للإنسان.

8- مدى تأثير الشيطان على الإنسان.

9- هل الجن تخبر بعلوم أو أخبار غيبية أو غير غيبية للإنسان.

10- مصير الجن في الآخرة.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:52 PM
1- وجوب الإيمان بوجود الجن:

أثبت القرآن الكريم في مواضع متعددة وجود عالم الجن، فوجب الإيمان بوجود الجن إيماناً جازماً.

قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56-57].

وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا(1) مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا(2) لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ(3)} [الرحمن: 33].

وقال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا(4) إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 29-31].

______________

(1) تخرجوا هرباً من قضاء الله.

(2) فاخرجوا وهذا أمر للتعجيز.

(3) بقوة وقهر، وهيهات .. !

(4) وجَّهنا إليك يا محمد.



الواجب علينا أن نؤمن بالجن بأنهم عالم حقيقي ليس وهمياً تخيلياً ولا نفساً بشرية شريرة،وليس هو من البشرية الخبيثة، ولا من نوع الجراثيم المكروبية الضارة، فإن جميع هذه الأوهام والأفهام حَوْل الجن هي تحريف لكلام الله عن معانيه المرادة منه، وصرف له عن الوجه المخبَر عنه إلى وجه آخر هو في معزل عنه، وإنما الجن عالم غيبي حقيقي الوجود له شأنه وأحكامه.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:53 PM
2- حقيقة الجن:

قال الله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14-15].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُلِقَتِ الملائكة من نور وخُلِقَتِ الجانُّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". رواه مسلم.

- فالجن صنف غير صنف الملائكة وغير جنس الإنسان:

فالملائكة: خلقت من نور.

والإنسان: خلق من طين يابس كالفخار.

والجن: من مارج من نار أي من أخلاط من نار.

والجن مخلوقون قبل الإنسان:

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ(1) مِنْ حَمَإٍ(2) مَسْنُونٍ(3) * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ(4)} [الحجر: 26-27].

قال تعالى:{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا} [الكهف: 50].

ففي أمر سجود إبليس - الذي هو من الجن - لآدم عليه السلام دلالة واضحة على أن الجن مخلوقون قبل آدم وهو الإنسان الأول.

- الجن يتناسلون ولهم ذرية.

قال الله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا} [الكهف: 50].

فقد نص القرآن على أن له ذرية.

_________________

(1) طين يابس كالفخار.

(2) طين أسود متغير.

(3) مصور صورة إنسان أجوف.

(4) الريح الحارة القاتلة.



وقال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ(1) بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(2)} [الجن: 6].

فحيث كان في الجن رجال ففيهم الإناث، وذلك يقتضي التناسل.

- إن من شأنهم أن يرونا من حيث لا نراهم وهذا في شأن خلقتهم الأصلية.

قال الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27].

- إن من شأنهم أن يتشكلوا بصور مختلفة كصورة إنسي أو حيوان فنراهم عندئذ.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، فخلَّيت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟" فقلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته وخليت سبيله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد كذبك، وسيعود" قال أبو هريرة: فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني فأني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول شكا حاجة وعيالاً فرحمته، فخليت سبيله، فقال: "أما إنه قد كذبك وسيعود".

وقال أبو هريرة: فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم ... } حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله! فقال صلى الله عليه وسلم: "وما هي؟ " قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك

______________
(1) يلتجؤون.

(2) إثماً وطغياناً وغياً، وتعباً.

(3) ذريته.



شيطان حتى تصبح، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما أنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟" قلت: لا، فقال: "ذاك شيطان".

- الجن لهم قدرات كبيرة ومهارات عالية، وقد أخبر سبحانه عن قوة الجن، وأن منهم العفاريت(1) الأشداء الأقوياء، فسخر لسليمان جنوداً قوية من الجن تعمل بين يديه يقومون له بأعمال البناء والغوص في البحار والأعمال الصناعية كالجفان(2) الكبيرة والقدور الراسية والأعمال الفنية كالتماثيل(3) والمحاريب إلى غير ذلك من أعمال كبيرة مختلفة.

قال الله تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39].

وذلك أن سليمان عليه السلام لما أراد إحضار عرش بلقيس(4) إلى مقام سليمان من مسافات بعيدة، انبرى عفريت من الجن أنه هو يأتيه به قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فهذا التعهد من العفريت الجني والتزامه إحضار ذلك العرش مع قطعه تلك المسافات الشاسعة دليل على شدته وقوته وقدرته الكبيرة.

قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ(5) مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ(6) وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ(7) اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} [سبأ: 13]

وقال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً(8) حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(9)} [ص: 36-37].

- الجن يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته وماهيته، وأن الله قد جعل زادهم من العظام وروث البهائم والفحم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم فإنها زاد إخوانكم من الجن" رواه مسلم والترمذي.

____________

(1) الأقوياء الماكرين الدهاة.

(2) قصاع.

(3) كانت التماثيل جائزة ثم حرمت في الإسلام.

(4) ملكة سبأ في اليمن.

(5) لسليمان.

(6) قصاع كبار كالحياض العظام.

(7) ثابتات على المواقد لعظمها.

(8) منقادة حيث أراد.

(9) في البحر لاستخراج نفائسه.



وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله انْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة(1) فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. رواه أبو داود بإسناد صحيح.

- إن الجن يموتون.

قال الله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ(2) لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ(3) وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي(4) وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ(5) * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ(6) فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ(7) مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 17-18].

فهذا دليل على موت الجن طائفة بعد أخرى كالإنس.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون".

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:55 PM
3- الجن مطالبون بالتكاليف الشرعية:

الجن مكلفون كما أن الإنس مكلفون بالتكاليف الشرعية، وقد يختص الجن بأحكام لا يكلف بها الإنس وكذلك قد يختص الإنسان بأحكام لا يكلف بها الجن، لاختلاف الجنسين عن بعضهما البعض.

قال الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130].

وقال تعالى إخباراً عن الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا(8) وَلا رَهَقًا (9)} [الجن: 13].

دلت الآيتان على أن الجن مكلفون كتكليف الإنس، وتوجه الخطاب الشرعي عليهم كما هو في الإنس.

_____________

(1) فحم.

(2) كلمة تضجر وتبرم وكراهيته.

(3) أن أبعث من القبر بعد الموت.

(4) مضت الأمم ولم تبعث.

(5) أباطيل الأولين المسطرة في كتبهم.

(6) وجب عليهم العذاب.

(7) مضت وتقدمت وهلكت.

(8) نقصاً في ثوابه.

(9) ولا غشيان ذلةٍ له.



وقال تعالى في شأن الجن: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف:29-32].

ومما يظهر في هذه الآيات أنهم مكلفون، وأنهم قالوا لقومهم: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، فهم مأمورون بإجابة الرسول وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر به صلى الله عليه وسلم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:56 PM
4- بلوغ دعوة الرسل إلى الجن:

قال الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 130-131].

فهذا إقرار من الجن والإنس بأن الرسل قد بلغت وأوضحت وأنذرت، والكافرون منهم يشهدون على أنفسهم بالكفر وأنهم غرتهم الحياة الدنيا، ثم نبه الله سبحانه وتعالى بعد اعترافهم وإقرارهم بإقامة الحجة عليهم بأن الله لا يعذب قوماً، لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلاتهم، ويوقظهم من سكراتهم، ويخرجهم من ظلماتهم حتى لا يبقى عذراً لمعتذر ولا حجة لمن يحتج حتى إذا عذبهم عذبهم بحق وعدل.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:57 PM
5- بلوغ دعوة رسول الرحمة إلى الجن:

إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عامَّة إلى الجن والإنس وقد بلغ رسول الله دعوته إلى الجن دون شك ولا ريب.

قال الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].

- وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن للجن قال الله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1-2].

قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29].

وهذا يثبت بلوغ دعوته إلى الجن قطعاً، وكان ذلك عن طريق توافدهم عليه، واستماعهم إليه صلى الله عليه وسلم، وعن طريق ذهابه إليهم، وقراءته عليهم وسؤالاتهم وجواباته لهم.

عن علقمة قال: سألت ابن مسعود رضي الله عنه هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمستاه في الأودية والشعاب! فقيل استطير؟! أو اغتيل؟!- استفهام تعجبي - قال ابن مسعود: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حِراء، فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن" (22).

قال ابن مسعود: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه عن الزاد، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" رواه مسلم.

وعن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا. فقال: "لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم! كنت كلما أتيت على قوله - تعالى -: {فَبِأَيِّ ءالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قالوا: لا شيء من نعمك ربَّنا نكذب، فلله الحمد".

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 01:59 PM
6- أصناف الجن:

* الجن أصناف متعددة:

- منهم الصالح وغير الصالح:

قال الله تعالى إخباراً عن قول الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [الجن: 11].

- ومنهم المسلم والكافر:

قال الله تعالى إخباراً عن قول الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ(1) فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا(2)* وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن:14-15].

{وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130].

- والجن أصحاب آراء مختلفة ومشارب متفرقة وطرق متعددة، قال الله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (3)} [الجن: 11].

____________________

(1) الجائرون بكفرهم العادلون عن طريق الحق.

(2) خيراً وصلاحاً ورحمة.

(3) مذاهب متفرقة ومختلفة.



- إبليس من الجن. قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ(1) عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50].

- الكافر من الجن يسمى شيطاناً قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:00 PM
7- عداوة الشيطان للإنسان:

قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].

ومن عداوة الشيطان للإنسان:

أنه يزين للإنسان أعماله من كفر وطغيان وفساد، قال الله تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63].

وقال تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24].

وأنَّ الشيطان يثير ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، ويصد عن سبيل الله.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ} [المائدة: 91].

وأنَّ الشيطان يوقع الشرور ويفسد ذات البين: قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ(2) بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53].

وأن الشيطان يعد الإنسان بالفقر واليأس ويأمره بالفحشاء: قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268].

وأن الشيطان يسعى في تحزين الإنسان: قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10].

وأن الشيطان يقذف في قلب الإنسان الظنون السيئة والأباطيل:

عن الحسين بن علي رضي الله عنهما أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب(3) فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

____________

(1) خرج عن طاعة الله.

(2) يفسد ويهيِّج الشر.

(3) لأرجع.



"على رِسلكما(1)، إنها صفية بنت حُييَّ"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً - أو قال شيئاً(2) -" متفق عليه.

وأن الشيطان يوسوس للإنسان:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي الشيطان أحدَكم فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فلتستعذ بالله ولينته".

والمعنى فليترك هذا الخاطر الباطل، وليفكر بالأمر الحق، لئلا يسيطر عليه الشيطان بذلك الوسوسة الفاسدة.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:01 PM
8- مدى تأثير الشيطان على الإنسان:

إن الشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا، فلا سبيل له عليهم إنما سبيله على الذين اتبعوه قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42].

عمل الشيطان في نفس الإنسان ينحصر بالوسوسة الخفية، فالمؤمن يطرد هذه الوسوسة بفضل الإستعاذة بالله والذكر، أما غير المؤمن فيستجيب لوسوسة الشيطان وينساق إلى طريقه، فيتسلط الشيطان عليه، ويمده في الغيِّ ويزين له الشر والضلالة.

قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ(3) مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ(4) فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ(5) مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا(6) فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ(7) ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ(8)} [الأعراف: 200-202].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:02 PM
9- هل الجن تخبر بعلوم أو أخبار غيبية أو غير غيبية للإنسان؟

العلوم والأخبار على قسمين:

القسم الأول: علوم تتعلق بالأمور المشهودة أو الأخبار عن الوقائع الماضية، قد تلقي الجن هذه العلوم، أو علوم لم تبلغنا، وقد بلغت للجن على قرنائهم من الكهان، ويجب أن لا نثق بكلامهم لأنه لا يوجد مقاييس عند الإنسان لمعرفة الكاذبين منهم والصادقين.

_________________

(1) مهلكما.

(2) شك من الراوي.

(3) يُصيبنَّك.

(4) وسوسة.

(5) أصابتهم وسوسة ما.

(6) تذكروا أمر الله ونهيه وعداوة الشيطان.

(7) تعاونهم مع الشياطين في الضلال.

(8) لا يكفُّون عن إغوائهم.

القسم الثاني: علوم غيبية:

- إمَّا أن تكون استأثر الله بعلمها، وهذا لا يمكن لنبي مرسل ولا ملك مقرب ولا جني ولا إنسي معرفة شيء منها.

فإذا أخبرت الشياطين وادعت أنه من علم الغيب مما استأثر الله به فإنه كذب وافتراء على الله.

قال الله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65].



- وإمَّا أن تكون من المغيبات التي قضي أمرها في السماء وأصبحت معلومة لبعض الملائكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تنزل في العنان فتذكر الأمر الذي قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم" رواه البخاري.

فالجن قد تسترق السمع من الملائكة بعد نزولها إلى جو الأرض، وتخبر الكهان، ولكن لا نثق بأخبارهم لأن دأبهم أن يكذبوا.

- أمَّا استراق الشياطين السمع من السماء فقد منعوا منه بالشهب عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى إخباراً عن الجن {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا(1) وَشُهُبًا(2) * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا(3)} [الجن: 8-9].

ولا يجوز أن يتلقى المرء أيَّ خبر من الشياطين، وكل من يفعل ذلك فهو آثم عند الله عزَّ وجلَّ.

قال الله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 221 -223].

تنبيه: فليحذر المرء من المشعوذين والسحرة الذين يدعون أنهم يعرفون الغيب، وأنهم يتصلون بالجن، وينسبون إلى الجن النفع والضرر، فهؤلاء عصاة لله وللرسول، ويريدون أن يلعبوا بعقول السذج من الناس، وأن يستولوا على المغفلين ضعفاء الإيمان ليضلوهم، وليجعلوا من الشعوذة والسحر والتعامل بالجن مهنة ومصلحة تدرُّ لهم الأموال الطائلة، فلا يجوز لأي شخص أن يأتي الكهان ليطلع منهم على بعض الأمور، وقد ورد في الحديث "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد".

______________

(1) حرَّاساً أقوياء من الملائكة.

(2) شُعَل نار تنقضُّ كالكواكب

(3) راصداً مترقباً يرجمه.



وليعلم كل امرئ أنه لا ضارَّ ولا نافع إلا الله سبحانه وتعالى، وأن الجن لا يضرون ولا ينفعون إلا أن يشاء الله، ويأذن قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:03 PM
10- مصير الجن في الآخرة:

إن كفار الجن هم في النار يوم القيامة.

قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا(1) لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ} [الأعراف: 179].

وقال تعالى: { وَتَمَّتْ(2) كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]

قال الله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ(3) مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ(4) وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13].

شبهة: إن الجن خلقوا من نار فكيف تؤثر فيهم نار العذاب في الآخرة؟

دفعها: لا يلزم من كون الجن خلقوا من نار أن يكونوا ناراً أو أن النار لا تؤلمهم، فإن الإنس من تراب، ولكن ليسوا تراباً بل أنشأهم الله تعالى وطورهم وصورهم، ولو أن إنساناً وقع عليه تراب كثيراً وهدم عليه بيت من التراب لهلك، ومات أو استغاث من الآلام والأوجاع، وهكذا الجن خلقوا من نار ولكنهم ليسوا ناراً بل أنشأهم الله تعالى وطورهم وصورهم، وإن النار تؤلمهم وتحرقهم وتعذبهم.

- وإن مؤمنين الجن في الجنة.

قال الله تعالى إخباراً عن الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا} [الجن: 13].

والمعنى من آمن بربه فلا يخاف نقصان الثواب، ولا الزيادة في العقوبة وهذا نظير قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا(5)} [طه: 112].

وقال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ(6) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ(7) إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 56-57].

_______________

(1) أوجدنا.

(2) وجبت وثبتت.

(3) ثنبت وتحقق ونفذ القضاء.

(4) الجن.

(5) نقصان في ثوابه.

(6) قَصَرْن أبصارهن على أزواجهن.

(7) لم يفتضَّهُنُّ قبل أزواجهن أحد.

وقال تعالى: {حُورٌ(1) مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ(2) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 72 - 75].

وهذا مما يشير إلى أن مؤمني الجن في الجنة.



_________________

(1) نساء بيض حسان.

(2) مخدَّرات في بيوت اللؤلؤ.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:04 PM
معنى الشهادتين ومقتضى الإيمان بهما





1- معنى الشهادتين:

أ- معنى شهادة أن لا إله إلا الله.

ب- معنى شهادة أن محمداً رسول الله.

ج- المراد من الشهادتين.

2- مقتضى الإيمان بالشهادتين:

أ- التصديق بكل ما جاء من عند الله عزَّ وجلَّ.

ب-الكفر بالطاغوت والتبرؤ من كل عقيدة ومنهج من سوى الإسلام.

ج- طاعة الله عزَّ وجلَّ وطاعة رسوله واتباعه وتحكيمه في كل شؤون الحياة.

د- القيام بالفرائض والواجبات والانتهاء عن المحرمات.

هـ- التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى.

و- مولاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين.

ز- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حـ- دعوة الناس إلى دين الله وجهاد الصادِّين عن سبيل الله.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:06 PM
1- معنى الشهادتين :

أ- معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أقرُّ بلساني وأصدق بقلبي أن المعبود بحق هو الله سبحانه وتعالى وحده.

ب- معنى شهادة أن محمداً رسول الله: أقرُّ بلساني وأصدق بقلبي أن محمداً رسول الله مرسل من عند الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور أي من الجهل والكفر إلى العلم والإيمان.

ج- المراد من الشهادتين: نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، وإثباتها لله تعالى، والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

فينبغي للإنسان العاقل أن يكثر ذكرها مستحضراً لما احتوت عليه من عقائد الإيمان حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه، فإنه يعلم بعد ذلك من فحواها وجوهرها ما لا يدخل تحت حصر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له" رواه مالك في الموطأ.

وفي رواية أخرى: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه الترمذي وقال حديث حسن.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:07 PM
2- مقتضى الإيمان بالشهادتين:

أ- التصديق بكل ما جاء من عند الله سبحانه وتعالى: فالمؤمن يصدق بكل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تصديقاً جازماً لا شك فيه ولا ريب.

والمؤمن يؤمن أن كل ما يخالف ما أخبر به الله سبحانه فهو باطل مهما زينه أصحابه وجملوه أو زيفوه. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حديثاً} [النساء: 87].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلا} [النساء: 122].

ب- الكفر بالطاغوت(1) والتبرؤ من كل عقيدة ومنهج سوى الإسلام: والمؤمن يؤمن بأن الإسلام هو دين الحق وأن الأديان الأخرى باطلة فاسدة.

قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 18].

{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

فعلى المؤمن أن يتبرأ من كل دين وعقيدة ومنهج ومبادئ إلا من دين الإسلام عقيدة ومنهجاً ودستوراً.

قال الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى(2) لا انفِصَامَ لَهَا(3)} [البقرة: 256].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:08 PM
ج- طاعة الله عزَّ وجلَّ وطاعة رسوله واتباعه وتحكيمه في كل شؤون الحياة:

إن من آمن بالله ورسوله وتيقن أن وعد الله حق، وأن الله عزَّ وجلَّ قد رتب الأجر والثواب على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والامتثال لأوامره تعالى ولأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، يُلزِمه الاستسلام الكامل لشريعة الله تعالى فالمؤمن يجتهد في كل عمل يعمله أن يكون موافقاً لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].

_________________

(1) معبود بغير حقَّ كصنم أو وثن أو شيطان أو إنسان أو غير ذلك.

(2) بالعقيدة المحكمة الوثيقة.

(3) لا انقطاع لها.

وقال تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري.

والمؤمن يحتكم إلى ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في شؤون حياته كلها.

قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (1)} [النساء:60-61]

وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ(2) بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:09 PM
د- القيام بالفرائض والواجبات والانتهاء عن المحرمات: إن القلب إذا امتلأ إيماناً فإن ذلك يقتضي أن تنبعث الجوارح بالأعمال الصالحة، وبالاجتهاد في أداء الفرائض والواجبات والطاعات وفي الانتهاء عما حرمه الله تعالى والابتعاد عن كل مخالفة شرعية.

ومن لا يؤدي الفرائض ولا يتجنب الفواحش والمحرمات ويتظاهر بإيمانه، فلا شك أن الشيطان خدعه وزين له سوء عمله، فلو أن قلبه صلح بالإيمان لصلح جسده كله بأداء الفرائض وفعل الطاعات ولكن فسد قلبه ففسد عمله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" متفق عليه.

هـ- التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى: إذا وقع المؤمن في معصية بارتكاب حرام فإنه يسارع إلى التوبة وذلك بالندم على ما فرَّط في حقّ الله ولا يصرُّ على معصيته ويطلب المغفرة من الله تعالى. قال الله تعالى في وصف عباده من المؤمنين المتقين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً(3) أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا(1) عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

_______________________

(1) يعرضون عنك إعراضاً.

(2) أشكل وألتبس عليهم الأمور.

(3) معصية كبيرة متناهية في القبح كالقتل بغير حق أو الزنا وغير ذلك.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:10 PM
و- موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين:

معنى الولاء: هو حبُّ ومناصرة وتأييد المؤمن لأخيه المؤمن.

- المؤمن لا يعطي الولاء إلا على أساس الإيمان.

- والولاء لا يكون إلا لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55-56]

- المؤمن يوالي من والى الله ويعادي من عادى الله لأنه لا يجمع بين محبة الله وأعدائه.

قال الله تعالى: {لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ(2) مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28].

- ورابط الولاء بين المؤمنين هو الإيمان والدين، فلا عبرة برابط النسب، والأقارب، والعشائر والقبليات، والعصبيات، أو بعلاقة شخصية.

قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

- والمؤمن لا يوادُّ أحداً من الكافرين، ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه أو عشيرته.

قال الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].

- والمؤمن له أسوة حسنة بإبراهيم عليه السلام في التبرؤ ومن الكافرين.

قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

- وكل من يوالي أعداء الله يخرج من دائرة الإيمان قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].

__________________

(1) لم يستمروا على فعل المعاصي، بل أقلعوا عنها، وندموا على ما فات، وعزموا على عدم العودة إلى الذنوب.

(2) بطانة أعواناً وأنصاراً.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:11 PM
ز- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين قال الله تعالى:{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71].

· وقد أُمِرْنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى:

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي.

- ويشترط على القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أولاً أن يكون عالماً بالحكم متأكداً منه فلا يأمر الناس بما هو ليس بفرضٍ على أنه فرض، أو ينهى عن أمر مختلف فيه بين العلماء.

ثانياً: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره إلى منكر أكبر منه: كأن ينهى عن شرب الخمر فيؤدي نهيه عنه إلى قتل النفس.

- فالمؤمن لا يفرِّط في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه به يتواصى بالحق ومن تركه فإن مصيره الخسران.

قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3].

حـ- دعوة الناس إلى دين الله وجهاد الصادِّين عن سبيل الله:

إن العبد إذا ذاق حلاوة الإيمان وتمكن حبُّ الله من قلبه، وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يسعى جاهداً في أن يُجنِّبَ نفسه وأهله وإخوانه وعشيرته والناس أجمعين من ظلمات الكفر والإلحاد والشرك إلى نور الإيمان والهداية والقرآن.

- فالمؤمن يدعو إلى الله متحملاً أذى الناس، محتسباً الأجر والثواب عند الله سبحانه.

قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن يهدي الله بك رجلاً خيرٌ لك من حمر النعم".

وقال صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كأن له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً". رواه مسلم.

وأما أولئك الذين يصدون عن سبيل الله ويقفون حائلاً بين الناس وبين الدخول في دين الله تعالى، ويحَاربون الإسلام والمسلمين، فالمطالب أن نجاهدهم حتى نمكن دين الله للوصول إلى كافة الناس.

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:12 PM
نواقض الإيمان




ا ا- الكفر:

أ- معنى الكفر.

ب- أنواع الكفر.

ج- حكم الكفر.

2- الشرك:

أ- أنواع الشرك.

ب- حكم الشرك.

3- الردة:

أ- معنى الردة.

ب- أنواع الردة.

ج- حكم المرتد.

4- النفاق:

أ- معنى النفاق.

ب- صفات المنافقين.

ج- أنواع النفاق.

د- حكم النفاق.-

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:17 PM
الكفر:

أ- معنى الكفر:

الكفر: هو إنكار شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع. فهو إذن نقيض الإيمان.

إذ الإيمان لا يتمّ إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن جميع أركانه مع فروعها وحدة متماسكة تماسكاً تاماً حتى إن الإخلال بجزء من أجزائها يفقدها كيانها، فلا بد من الإيمان بها كلها والاعتقاد بكل جزء من أجزائها، فمن أخلَّ بواحد من أجزاء هذه الوحدة الاعتقادية فقد نزل عن أدنى مراتب الإيمان، ومن نزل عن أدنى مراتب الإيمان فقد كفر.

من أنكر شيئاً مما يجب الإيمان به يسمى كافراً.

مثال ذلك:

- من اعتقد ألوهية المسيح عيسى ابن مريم، أو اعتقد ألوهية غيره من البشر، أو اعتقد بأن الله ثالث ثلاثة فهو كافر، وهذا الاعتقاد باطل قال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 72-73].

- ومن اعتقد بعدم فرضية الصلوات الخمس في الإسلام فقد كفر.

- ومن اعتقد إباحة الزنا أو إباحة الخمر أو ما شابه ذلك فقد كفر.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:18 PM
ب- أنواع الكفر:

1- كفر الشك: وهو الذي يشك في ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجزم بصدقه، ولا يجزم بكذبه.

قال الله تعالى: {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(1)} [إبراهيم: 9].

2- كفر الإعراض: وهو الإعراض عمَّا جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصدقه ولا يكذبه ولكنه يعرض عنه.

قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22].

_____________

(1) موقع للريبة والقلق.

3- كفر الجحود: وهو أن يجحد جملة بما أنزله الله تعالى أو يجحد شيئاً مما هو معلوم بالضرورة من الإسلام.

قال الله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(1) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].

وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].

4- كفر التكذيب: وهو اعتقاد كذب الرسول صلى الله عليه وسلم في أيِّ شيء مما جاء به.

قال الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ(2) وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 25-26].

5- كفر إباء واستكبار: وهو مثل كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، وهذا مثل حال من يعلم أن دين الإسلام هو دين الحقِّ الذي لا يقبل الله سواه، والذي فيه صلاحه في الدنيا والآخرة، ثم يتركه إباءً واستكباراً ويتخذ له ديناً أو مذهباً من صنع البشر.

قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].

ج- حكم الكفر:

إن حكم الكافرين هو الخلود في النار قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:20 PM
2- الشرك:

أولاً: أنواع الشرك: شرك من يؤمن بالله ولكنه يجعل له شريكاً في المُلك والتصرف في المخلوقات: خلقاً وحياة ورزقاً وموتاً وضراً ونفعاً.

وهذا الشرك كشرك النصارى والمجوس إذ يعتقد النصارى أن الله ثالث ثلاثة - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً - ويعتقد المجوس أنه ثاني اثنين تعالى الله عما يقولون.

قال الله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].

ثانياً: شرك من يصف نفسه أو غيره من البشر بصفات الكمال الخاصة بالله عز وجل:

______________

(1) ترفعاً واستكباراً عن الإيمان بها.

(2) الكتب المكتوبة.

وهي الصفات التي لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى كقول فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى} [النازعات: 24].

ثالثاً: شرك من يعبد غير الله بأي لون من ألوان العبادة:

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].

فالعبادة تكون خالصة لله سبحانه ومن أشرك في العبادة شيئاً: كعبادة الشمس أو القمر أو النجوم أو الوثن أو الصنم أو الطبيعة أو الملائكة أو الأنبياء أو الرسل أو الصالحين، فحكمه حكم الكافرين المشركين.

قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64].

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 65-66].

ب- حكم من أشرك بالله عزَّ وجلَّ:

إن الله لا يغفر إشراك من أشرك به بخلاف من عصى الله من المؤمنين.

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 116].

ومن أشرك فإن الله يحرم عليه الجنة فلا يدخلها أبداً.

قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72].

[

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:21 PM
3- الردة

أ- المرتد: من ترك دين الإسلام وهو عاقل بالغ، مختار غير مكره إلى دين آخر، كالنصرانية أو اليهودية أو غير ذلك من الأديان الباطلة، أو إلى عقيدة باطلة ومذهب فاسد كالشيوعية، أو إلى تبنى نظرية إلحادية، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة، أو قال قولاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر، أو حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده بأنَّ النظام الإسلامي نظام رجعي أو متأخر.

ب- أنواع الردة:

1- ردة في الاعتقاد.

2- ردة في الأقوال.

3- ردة في الأفعال.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:22 PM
1- الردة في الاعتقاد:

اتفقت علماء الأمة الإسلامية على:

أن من أنكر من المسلمين وجود الله، أو أنكر صفات الكمال لله، أو أشرك بالله سبحانه وتعالى فجعل له ولداً أو بناتٍ أو مثيلاً مشابهاً له أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فهو مرتد خارج عن دين الإسلام.

- معنى الأمر المعلوم من الدين بالضرورة:

ما ثبت بنص القرآن الكريم أو بالسنة المتواترة وكان قطعي الدلالة وليس فيه شبهة أو بإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعاً قطعياً قولياً غير سكوتي.

أمثلة عن الأمور المعلومة من الدين بالضرورة:

1- الإيمان بوجود الله ووصفه بصفات الكمال وتنزيهه عن كل نقصان وأن كل ما سواه فهو مخلوق.

2- الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم السلام وبمعجزاتهم.

3- الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها عامَّة إلى جميع الخلق، وهي صالحة لكل زمان ومكان، والإيمان بأنه خاتم النبيين ولا نبي بعده، وأن شريعته باقية إلى قيام الساعة وهي كفيلة بإسعاد البشرية.

4- الإيمان بالملائكة وأنهم عباد مكرمون خلقهم الله تعالى.

5- الإيمان بوجود الجن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم محمداً مرسل إليهم وأن الله خلقهم من مارج من نار، وأن منهم المؤمنين ومنهم الكافرين.

6- الإيمان بالبعث والحشر والحساب ووزن الأعمال.

7- الإيمان بالجنة بأنها دار النعيم للمؤمنين خالدين فيها أبداً بأرواحهم وأجسادهم.

8- الإيمان بالنار بأنها للكافرين خالدين فيها أبداً بأرواحهم وأجسادهم.

9- الإيمان باللوح المحفوظ والقلم والعرش والكرسي. خلقها الله لحكمة لا لاحتياج إليها.

10- الإيمان بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم العظمى في فصل القضاء حيث يلجأ إليه الخلق جميعاً في الموقَف العظيم.

11- الإيمان بفرضية الوضوء لمن كان غير متوضئ عند الصلاة والغسل لمن وجب عليه كالجنب، والإيمان بفرضية الصلوات الخمس، وفرضية الجمعة.

12- والإيمان بفرضية الزكاة على من ملك حدَّ النصاب، والصوم، والحج على من استطاع إليه سبيلاً.

13- الإيمان بفرضية الجهاد في سبيل الله، وأنه لا يسقط أبداً.

14- الإيمان بحرمة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعقوق الوالدين، والسحر، وشهادة الزور، والزنا واللواط، وأكل أموال الربا، وأكل أموال اليتامى، والرشوة، والسرقة، والظلم، والغصب، والغش، والخيانة، وإيذاء الناس بغير حق، والسخرية، والغيبة، والنميمة، والكذب، وقذف المحصنات، والرياء، والعجب، والكبر، والبخل، والحسد.

وغير ذلك من الأمور الواضحة المعلومة من الدين بالضرورة.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:25 PM
2- الردَّة في الأقوال:

إذا قال المسلم قولاً مكفِّراً فقد ارتد وخرج عن الإسلام.

من ردة الأقوال: من جحد قولاً لعقيدة من عقائد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة فهو مرتد.

من اعترف اعترافاً قولياً بعقيدة مكفِّرة بأنها صحيحةٌ.

من سبَّ الله أو القرآن أو الرسل أو الأنبياء أو أحدهم سواءً كان مازحاً أو جاداً فهو مرتد.

قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66].

من طعن في الدين، فهاجم الإسلام وشرائعه أودعا إلى مبدأ إلحادي أو كفري فهو مرتد.

قال الله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة: 12].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:26 PM
3- الردة في الأفعال:

إذا فعل المسلم فعلاً مكفراً، فقد ارتد وخرج عن الإسلام من ردة الأفعال:

من ألقى المصحف أو جزءً منه في القاذورات أو لطخه بالنجاسات متعمداً فهو مرتد.

ومن سجد لصنم أو شمس أو قمر أو غير ذلك من الأشياء المخلوقة فهو مرتد.

ومن استهزأ بفعل صريح بدين الله فقد ارتد.

ومن علق الصليب على الصدر أو وضع من شارات الكفر الخاصة بهم فقد ارتد.

ومن حارب الشريعة الإسلامية واستبدلها بالقوانين الوضعية البشرية تعطيلاً لأحكام الله سبحانه وتعالى فقد ارتد.

قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:26 PM
حكم المرتد:

قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

- حكمه في الدنيا:

لا يرث ولا يورث ولا تؤكل ذبيحته، ولا يُزَوَّج وتقع الفرقة بينه وبين زوجته من غير تنقيص عدد للطلاق، وليس له أن يردها إلى عصمة الزواج إلا بعد أن يسلم من جديد بعقد شرعي، وتحبط أعماله كلها.

المرتد يحبس ثلاثة أيام ويعرض عليه الإسلام مع معرفة سبب كفره ورفع الشبه والشكوك من نفسه بالأدلة المقنعة والنقاش العلمي، فإن أصر على كفره ولم يرجع إلى دين الإسلام، يقتل من قبل الحاكم المسلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" .

- حكمه في الآخرة:

حكمه حكم الكافرين يخلد في النار وله عذابٌ أليم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:27 PM
4- النفاق:

أ- معنى النفاق: وهو أن يظهر الإنسان إيمانه وهو في باطنه كافر مكذب.

قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].

ب- صفات المنافقين:

من صفات المنافقين التي جاءت في القرآن الكريم:

1- الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح:

قال الله تعالى في وصف المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 - 12].

2- اتهام المؤمنين بالسَّفه:

قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].

3- خداع الذين آمنوا بإظهار الإيمان إذا قابلوهم، ثم إظهار الكفر مع أوليائهم:

قال الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14 - 15].



4- الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله:

قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ(1) وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61].

5- اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين:

قال الله تعالى: {بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138 - 139].

6- الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف:

قال الله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ(2) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ(3) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(4)} [التوبة: 67].

ج- أنواع النفاق:

النفاق نوعان:

1- نفاق اعتقادي: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن خلاف ذلك.

2- ونفاق عملي: وهو أن يكون الإنسان مؤمناً ظاهراً وباطناً إلا أنه يخالف في بعض أعماله الظاهرة العمل الصالح كخيانة الأمانة والتحدث بالكذب وخلف الوعد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية(5) المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف".

د- حكم النفاق:

حكم النفاق الاعتقادي: هو كحكم الكافرين وهو الخلود في النار.

قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68].

وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ(6) مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].

حكم النفاق العملي: حكمه حكم الفسق وهو معصية يجب الرجوع عنها.

____________________

1) )وهو اليهودي كعب بن الأشرف.

(2) لا يبسطون أيديهم في طاعة وخير بخلاً منهم وشحاً.

(3) حرمهم الله من توفيقه وهدايته.

(4) خارجون عن طاعة الله.

(5) علامة.

(6) في قعر جهنم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:28 PM
الأولياء والكرامات



أ- معنى الكرامة.

ب- معنى الولي.

ج- ثبوت الكرامة في القرآن الكريم.

د- ثبوت الكرامة في الأحاديث الشريفة.

هـ- ثبوت الكرامة لبعض الصحابة رضي الله عنهم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:31 PM
أ- معنى الكرامة:

الكرامة: هي أمر خارق للعادة يظهره الله على يد بعض الصالحين من أتباع الرسل عليهم السلام الملتزمين لأحكام الشريعة الربانية من غير شذوذ ولا مخالفة، فضلاً من الله وإكراماً لهم، وهي غير مقرونة بدعوى النبوة، وهي في حقيقتها تأييد وتأكيد لرسالة الرسول باعتبار أن الله أظهرها على يد صلحاء أمته، وتابع من أتباعه.

ب- معنى الولي:

الولي: هو الرجل المؤمن التقي المواظب على الطاعات المتقيد بأوامر الله ونواهيه. العارف بالله على حسب الإمكان المعرض عن الأمهات في الشهوة.

قال الله تعالى في حق الأولياء: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62-63-64].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:32 PM
ج- ثبوت الكرامة في القرآن الكريم:

أولاً: ثبوت الكرامة لأهل الكهف: ما ثبت من كرامة لأهل الكهف، وهم فتية آمنوا بالله، وفروا بدينهم من ظلم ملك كافر كان في زمانهم، فأووا إلى كهف في جبل، فأنامهم الله ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ثم أيقظهم من نومهم الطويل، وقد ذكر قصتهم في سورة الكهف واسم السورة تشير إليهم.

قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ(1) كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(2) * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ(1) فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ(2) لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا(3)} [الكهف: 9 - 12].



____________

(1) لوح حجري رقمت عليه أسماؤهم وقصتهم ووضع على باب كهفهم.

(2) عن العلامات العجيبة المخالفة لعادات الناس.

وقال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25].

ثانياً: ثبوت الكرامة لمريم عليها السلام:

الكرامة الأولى: أن نبي الله زكريا عليه السلام يدخل عليها في محرابها فيجد عندها رزقاً دون أن يأتي به إنسان ودون سبب مادي.

قال الله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ(4) وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[آل عمران: 37].

الكرامة الثانية: وهي حملها بعيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر حيث جاءها روح القدس جبريل عليه السلام بأمر من الله بصورة رجل عادي، وأخبرها بأن الله أرسله ليهب لها غلاماً زكياً طاهراً يكون له شأن عجيب ويعطيه الله النبوة والحكمة، فاطمأنت على نفسها بعد اضطرابها منه، ثم نفخ في جيب(5) قميصها(6) نفخة وصلت إلى رحمها، فحملت بتلك النفخة(7) بالمسيح عليه السلام، وكانت هذه القصة من العلامات الخارقة التي لم يسبق لها مثيل.

قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ(8) مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا(9) * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا(10) فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا(11) فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(12) * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً(13) لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا(14) } [مريم: 16 - 21].



_______________

(1) أنمناهم إنامة ثقيلة.

(2) أيقظناهم من نومهم.

(3) أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم في ضبط أمد بقائهم في الكهف، وهم مضروب على آذانهم بالنوم.

(4) غرفة عبادتها في بيت المقدس.

(5) فتحة الثوب حيث يدخل الرأس.

(6) ثوبها.

(7) تنبيه : قد افترى بعض الناس على جبريل ومريم عليها السلام افتراءً عظيماً حيث ادعوا أنهما مارسا الممارسة الجنسية كما يفعل الرجل والمرأة، وهذا الكلام لا يصدر إلا من إيحاءات إسرائيلية يهودية حاقدة على المسيح ابن مريم وأمه الصديقة، وكيف ذلك؟ وقد قال الله تعالى في صريح كتابه : {ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} [التحريم : 12].

فالتصريح بالنفخ من الروح جلي وواضح، وفي كلامهم وادعائهم معارضة لكتاب الله الكريم.

(8) انفردت واعتزلت.

(9) شرقي المسجد الأقصى.

(10) ستراً.

(11) جبريل.

(12) إنساناً مستوي الخلق تامَّه.

(13) علامة.

(14) قدراً من الله سبحانه وتعالى.

وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12].

الكرامة الثالثة: لما حملت به عليها السلام ابتعدت عن منازل أهلها، فلما جاءها مخاض الولادة جلست إلى جذع نخلة غير مثمرة، فهزتها فتساقط من الشجرة رطباً طرياً صالحاً للاجتناء والأكل. ولذلك أشار القرآن الكريم إلى ذلك:

{فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ(2) مَكَانًا قَصِيًّا(3) * فَأَجَاءَهَا(4) الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(5) * فَنَادَاهَا(6) مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(7) * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(8)} [مريم: 22 - 25].

الكرامة الرابعة: لما وضعت ابنها عيسى ابن مريم وأتت به إلى قومها وأخبرتهم أنه ابنها، كان الأمر صعباً عليهم تصديق هذه الخارقة فاتهموها اتهامات وجرحوها بكلماتهم وهي صامتة لا تتكلم وألحوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصور كثير منهم فيه إلا الفاحشة، وهي منها براء، فلما ضاق حالها وانحصر المجال، واحتارت في أمرها، عظم توكلها على الله ذي الجلال والإكرام، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال فأشارت إلى طفلها عيسى ابن مريم حتى يخاطبوه ويكلموه، فعندها استغربوا الأمر، وقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً، وهو لا يميز بالأمور فظنوا أنها تستهزيء بهم وتتهكمهم، عندها تكلم ونطق وقال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً.

قال الله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(9)* يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(10) * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي(1) وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(2) * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 27 -33].

__________________

(2) انفردت به.

(3) بعيداً من أهلها.

(4) فألجأها.

(5) شيئاً متروكاً لا يخطر بالبال.

(6) جبريل.

(7) نهراً.

(8) صالحاً للاجتناء والأكل.

(9) عظيماً منكراً.

(10) تفعل الفاحشة وهي الزنا.



ثالثاً: ثبوت كرامة صاحب سليمان عليه السلام:

قصَّ لنا القرآن الكريم قصة إحضار عرش بلقيس(3) من مسافات بعيدة في أقلّ من طرفة عين إلى سليمان عليه السلام وهو في بيت المقدس، والذي أحضره واحد من المؤمنين(3) عنده علم من الكتاب، قال الله تعالى: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 38-40].

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:33 PM
د- ثبوت الكرامة في التثبت من نص الأحاديث:

أولاً: قصة ثلاثة نفر من الأمم السابقة، انطلقوا حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم مدخل الغار فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت الصخرة بسبب صالح دعواتهم وخرجوا من الغار يمشون.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أَغْبِق(3) قبلهما أهلاً ولا ولداً فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غَبُوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أُوقظهما، وأن أغبق قبلهما أهلاً أو ولداً، فلبثت - والقدح على يَدِي - أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.

قال الآخر : اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحبَّ الناس فأردتها على نفسها(4) فامتنعت مني حتى ألمَّت بها سنة من السنين(5)، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتقِ الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه(6)، فانصرفت عنها

(1) ملكة سبأ في اليمن.

(2) اسمه آصف كما ذكره المفسرون.

(3) الغبوق : شرب العشي.

(4) طلبت منها ما يطلب الرجل من زوجه.

(5) نزلت بها سنة من السنين المجدبة الصعبة حيث لا تجد مالاً.

(6) لا تُزِل عفافي إلا بالزواج.

وهي أحبُّ الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهُم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمَّرت(1) أجرهُ حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون". متفق عليه.

ثانياً: قصة تكلم صبي رضيع من بني إسرائيل تبرئة لامرأة أَمَةٍ اتهمت بالسرقة والزنى، ولم تفعل ذلك وهذا كرامة لها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانت امرأة ترضع ابنها من بني اسرائيل، فمرَّ بها رجل راكب ذو شارة(2)، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه - قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمصُّ أصبعه - ثم مر بأمة فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت له: لم ذاك ؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأَمَةُ يقولون لها: سرقت، زنيت، ولم تفعل". متفق عليه.

ثالثاً: قصة العابد جريج:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي، فجاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة فكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه وسُّبوه، وتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام، فقال: الراعي، فقالوا: أنبني لك صومعتك من ذهب؟ فقال: لا، إلا من طين". متفق عليه.

رابعاً: غلام من الأمم السابقة أجرى الله على يديه أموراً خارقة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه وكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل:

____________

(1) نميت.

(2) صاحب هيئة وشكل حسن.



حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أيْ بُنّيَّ أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه(1) والأبرص(2) ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوتُ الله فشفاك، فآمن بالله تعالى، فشفاه الله تعالى، أتى الملك، فجلس إليه كما يجلس، فقال له الملك: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: أولك ربَّ غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص، وتفعل وتفعل! فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمنشار في مفرق(3) رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته(4)، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به الجبال، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور(5) وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فانكفأت(6) بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد(7) واحد، وتصلبني على جذع(8)،

_______________

(1) الذي ولد أعمى.

(2) مرض جلدي.

(3) وسط.

(4) أعلاه.

(5) نوع من السفن.

(6) انقلبت.

(7) الأرض البارزة.

(8) عود من أعواد النخيل.



ثم خذ سهماً من كنانتي(1) ثم ضع السهم في كبد القوس(2)، ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك، قتلتني، فجمع الناس على صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه(3)، فوضع يده في صدغه فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأُتي الملكُ، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس فأمر بالأخدود(4) بأفواه السكك(5) فخُدَّت(6)، وأضرم(7) فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، فاقحموه(8) فيها أو قيل له اقتحم(9)، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست(10) أن تقع فيها، فقال لها غلام: يا أمَّهْ اصبري فإنك على الحق". رواه مسلم.

أحمد سعد الدين
13-06-2004, 02:34 PM
هـ- ثبوت الكرامة لبعض الصحابة رضي الله عنه:

أولاً: تكثير الطعام لأبي بكر رضي الله عنه:

عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: إن أصحاب الصُّفة كانوا أناساً فقراء وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس، وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء، قالت: له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء فغضب، وقال: والله لا أَطْعمه ابداً، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه، قال أبو بكر: كان هذا من عمل الشيطان - يعني يمينه - فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟! قالت: وقرَّة عيني إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار، فأكلوا وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أنه أكل منها. متفق عليه.

ثانياً: كرامة أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر رضي الله عنهما:

_____________

(1) بيت السهام.

(2) وسطه.

(3) ما بين العين والأذن.

(4) الشقوق في الأرض.

(5) حديد لحفر الأرض وشقها.

(6) شقت.

(7) أوقد.

(8) ألقوه

(9) ألقي نفسك.

(10) توقفت وجبنت.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر تحدثا عند النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عُصَيَّة، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه، حتى بلغ أهله. رواه البخاري.

ثالثاً: كرامة سَفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن ابن المنكدر: أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أسر فانطلق هارباً يلتمس الجيش فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث(1)، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد له بصبصة(2) حتى قام إلى جنبه، كلما سمع صوتاً أهوى إليه، ثم أقبل يمشي إلى جنبه حتى بلغ الجيش، ثم رجع الأسد. رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

رابعاً: كرامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بعث جيشاً، وأَقَّرَ عليهم رجلاً يدعى سارية، فبينما عمر يخطب، فجعل يصيح: يا ساريةُ الجبلَ! فقدم رسول من الجيش، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح يصيح: يا ساريةُ الجبلَ، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله تعالى. رواه البيهقي في دلائل النبوة ورواه ابن عساكر وغيره بإسناد حسن.

خامساً: كرامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

ورد أنَّ علياً رضي الله عنه حدَّث بحديث، فكذبه رجلٌ، فقال عليٌّ: أدعو عليك إن كنت كاذباً؟ فقال: ادْعُ، فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره. رواه الطبراني في الأوسط.

_____________________

(1) كنية الأسد.

(2) تحريك الذنب.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 03:51 AM
مصطلح الحديث


تعريف الحديث لغة واصطلاحا
تعريف السنة
أقسام علم الحديث
أدوار علوم الحديث
أنواع علوم الحديث
النوع الأول: علوم رواة الحديث
النوع الثاني: علوم رواية الحديث
النوع الثالث:علوم الحديث من حيث القبول والرد
النوع الرابع: علوم المتن(تعريف المتن)
النوع الخامس: علوم السند(تعريف السند)
النوع السادس: العلوم المشتركة بين السند والمتن

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 03:53 AM
1- تعريف الحديث:

- لغة: ضد القديم، ويستعمل في اللغة أيضاً حقيقة في الخبر.

قال في القاموس: الحديث: الجديد والخبر.

واصطلاحاً: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل أو تقرير، أو وصف خِلقي أو خُلُقي.

والخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث. فلا فرق إذن عند الجمهور بين الحديث والخبر.

فالتعريف المختار للحديث هو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو وصف خِلقي أو خُلُقي، أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 03:53 AM
2- تعريف السنة

لغة: السيرة والطريقة المعتادة، حسنةً كانت أو قبيحة.

وفي اصطلاح بعض العلماء: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، والأكثرون يرون أنها تشمل أيضاً ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي.

الفريق بني السنة والحديث شمول الوصف الخلقي.

أما الأثر: فيسمى تعريف بغامض، وهذا هو المعتمد، لأنه مأخوذ من أثرت الحديث إذا رويته.

فالحاصل: أن هذه العبارات الثلاثة: الحديث، الخبر، الأثر تطلق عند المحدثين بمعنى واحد هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً، أو صفة خِلقية أو خُلُقية، أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 03:55 AM
3- أقسام علم الحديث

علم الحديث رواية.

علم الحديث دراية.

ما الفرق بين علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية.

مصطلح الحديث خصيصة للمسلمين.

ينقسم علم الحديث إلى قسمين: علم الرواية وعلم الدِّراية.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 03:56 AM
علم الحديث رواية:

تعريفه: علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي، أو التابعي وهو الذي عليه الأكثر وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، وروايتها، وضبطها، وتحرير ألفاظها.

موضوعه: موضوع هذا العلم هو: ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته صلى الله عليه وسلم.

فائدته: العصمة عن الخطأ في نقل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته.

غايته: الفوز بالسعادة في الدارين.

فضله: هو من أشرف العلوم، لأنه تُعرف به كيفية إتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله تعالى بإتباعه في قوله: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158].

وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [ آل عمران: 31 ].



علم الحديث دراية:

تعريفه: علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن.

موضوعه: هو السند والمتن من حيث التوصل إلى معرفة المقبول والمردود.

فائدته: معرفة ما يقبل وما يرد من الأحاديث .

غايته: حفظ الحديث النبوي من الخلط والدَّس والافتراء.



ما الفرق بين علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية ؟

الجواب: أن علم الحديث دراية يوصل إلى معرفة المقبول من المردود بشكل عام، أي بوضع قواعد عامة. أما علم رواية الحديث فإنه يبحث في هذا الحديث المعين الذي تريده ، فيبين بتطبيق تلك القواعد أنه مقبول أو مردود، ويضبط روايته وشرحه ، فهو إذن يبحث بحثاً جزئياً تطبيقاً ، فالفرق بينهما كالفرق بين النحو والإعراب ، وكالفرق بين أصول الفقه وبين الفقه.

مصطلح الحديث خصيصة للمسلمين:

لما جعل الله هذا الدين خاتمة الرسالات والأديان وتعهد بحفظه وصونه، اختص هذه الأمة بأن وفقها لحفظ كتاب ربها وصيانة حديث نبيها. فإذا بها تبتكر لحفظ الحديث قواعد المصطلح على أدق منهج علمي يمكن أن يوجد للاستثبات من النصوص المروية وتمحيصها.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 03:58 AM
4- أدوار علوم الحديث.

الدور الأول: دور النشوء.

أهم قوانين الرواية في عهد الصحابة.

ظهور الوضع ووسائل المكافحة.

الدور الثاني: دور التكامل.

الدور الثالث: دور التدوين لعلوم الحديث المختلفة.

الدور الرابع: عصر التآليف الجامعة وانبثاق فن علوم الحديث مدوناً.

أهم كتب علوم الحديث.

الدور الخامس: دور النضج والاكتمال في تدوين فن علوم الحديث.

مؤلفات استوفت أنواع علوم الحديث.

الدور السادس: عصر الركود والجمود.

الدور السابع: دور اليقظة والتنبه في هذا العصر.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:01 AM
الدور الأول: دور النشوء.

وذلك في عصر الصحابة الممتد إلى نهاية القرن الأول الهجري.

عوامل حفظ الصحابة للحديث:

1- صفاء أذهانهم وقوة قرائحهم، ذلك أن العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. والأمي يعتمد على ذاكرته فتنمو وتقوى لتسعفه حين الحاجة.

2- قوة الدافع الديني، ذلك أن المسلمين أيقنوا أن لا سعادة لهم في الدنيا، ولا فوز في الآخرة، ولا سبيل للمجد والشرف، ولا إلى المكانة بين الأمم إلا بهذا الإسلام.

3- مكانة الحديث في الإسلام، فإنه كما عرفت ركن أساسي دخل في تكوين الصحابة الفكري وسلوكهم العلمي والخلقي.

4- أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الصحابة سيخلفونه في حمل الأمانة وتبليغ الرسالة، فكان يتّبع الوسائل التربوية في إلقاء الحديث عليهم، ويسلك سبيل الحكمة كي يجعلهم أهلاً لتَحمل المسؤولية، فكان من شمائله في توجيه الكلام:

أ- أنه لم يكن يسرد الحديث سرداً متتابعاً، بل يتأنّى في إلقاء الكلام ليستقر في الأذهان.

ب- أنه لم يكن يطيل الأحاديث.

جـ- أنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يعيد الحديث لتعيه الصدور.

5- أسلوب الحديث النبوي، فقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم قوة حتى كان أفصح البشر مما جعل كلامه ذا قربة أدبية يتذوقه الصحابة ويحفظونه.

6- كتابه الحديث: وهي من أهم وسائل حفظ المعلومات ونقلها للأجيال، وقد كانت أحد العوامل في حفظ الحديث.



فكتابة الحديث مرت بمرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة جمع الحديث في صحف خاصة بمن يكتب دون أن تتداول بين الناس، وهذه بدأت منذ عهده صلى الله عليه وسلم وبإذنه.



المرحلة الثانية: الكتابة التي تقصد مرجعاً يعتمد عليه ويتداولها الناس وهذه بدأت في القرن الثاني للهجرة.

وكانت في كل من هاتين المرحلتين مجرد جمع للأحاديث في الصحف غالباً لا يُراعى فيها تبويب أو ترتيب معين، ثم جاء دور التصنيف الذي اتخذت فيه الكتابة طابع التبويب والترتيب في منتصف القرن الثاني، وبلغ أوجه وذروته في القرن الثالث المعروف بعصر التدوين.



أهم قوانين الرواية في عهد الصحابة:

أولاً: تقليل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تزل أقدام المكثرين بسبب الخطأ أو النسيان، فيقعوا في شبهة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعرون.

ثانياً: التثبت في الرواية عند أخذها وعند أدائها.

ثالثاً: نقد الروايات وذلك بعرضها على نصوص وقواعد الدين فإن خالفت النصوص القطعية أو القواعد الدينية ردوها وتركوا العمل بها.



ظهور الوضع ووسائل مكافحته:

برز قرن الفتنة التي أدت إلى مقتل الإمام الشهيد عثمان بن عفان، ثم مقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الحسين رضي الله عنهما، وظهرت الفرق المنحرفة، وراح المبتدعة يبحثون عن مستندات من النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم، فعمدوا إلى الوضع في الحديث، فاختلقوا على رسول الله صلى الله عليه سلم ما لم يقل، فكان مبدأ ظهور الوضع في الحديث منذ ذلك الوقت.

وقد انتدب الصحابة للمحافظة على الحديث، واجتهدوا في ذلك متبعين أقصى وأحكم ما يمكن من وسائل البحث والفحص الصحيحة.

ومن ذلك أنهم:

أولا: عنوا بالبحث في إسناد الحديث وفحص أحوال الرواة بعد أن كانوا من قبل يرجحون توثيق من حدثهم.

ثانياً: حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة ، وألاّ يأخذوا إلا حديث منْ يُوثق به ديناً وورعاً، وحفظاً وضبطاً، حتى شاعت في عرف الناس هذه القاعدة:

إنما هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذونها.

ثالثاً: الرحلة في طلب الحديث ، لأجل سماعه من الراوي الأصل والتثبت منه. وقد وافتنا أخبار رحلاتهم بالعجيب المستغرب، إذ بلغ بهم الأمر أن يرحل الرجل في الحديث الواحد مسافة شاسعة، على الرغم مما كان في مواصلاتهم من المشقات والتعب.

رابعاً: ومن طرق معرفة الوضع والضعف في الحديث عرض حديث الراوي على راوية غيره من أهل الحفظ والإتقان.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:01 AM
الدور الثاني: دور التكامل .

اكتملت علوم الحديث في هذا الدور، إذ وجدت كلها واحداً واحداً، وخضعت لقواعد يتداولها العلماء وذلك من مطلع القرن الثاني إلى أول الثالث.

فقد جدّت في هذا العصر أمور أهمها:

1- ضعف ملكة الحفظ عند الناس.

2- طالت الأسانيد وتشعبت بسبب بُعد العهد وكثرة حملة الحديث، حيث حمل الحديث عن كل صحابي جماعات كثيرة تفرقوا في البلاد، فكثرت الأحاديث ودخلتها العلل الظاهرة والخفية .

3- كثرت الفرق المنحرفة عن جادة الصواب والمنهج الذي كان عليه الصحابة والتابعون.

فنهض أئمة الإسلام لمواجهة هذه الضرورات ووضعوا لكل طارىء ما يسد الثغرة التي حصلت. ومن ذلك:

1- التدوين الرسمي، فقد أحس عمر بن عبد العزيز بالحاجة الملحة لحفظ كنوز السنة، فكتب إلى الأمصار أن يكتبوا ما عندهم من الحديث ويدونوه حتى لا يضيع بعد ذلك.

2- توسع العلماء في الجرح والتعديل وفي نقد الرجال لكثرة شيوع الضعف من جهة الحفظ، ومن جهة انتشار الأهواء والبدع.

3- توقفوا في قبول الحديث ممن لم يعرف بالتحديث.

4- تتبعوا الأحاديث لكشف خباياها، ووضعوا لكل صورة جديدة قاعدة تعرفها وتبين حكمها ، فتكاملت أنواع الحديث ووجدت كلها واتخذت اصطلاحاتها الخاصة.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:02 AM
الدور الثالث: دور التدوين لعلوم الحديث المختلفة

وذلك من القرن الثالث الهجري إلى منتصف الرابع.

والقرن الثالث هو عصر السنة الذهبي، دونت فيه السنة وعلومها تدوينا كاملا.

في مطلع هذا الدور ارتأى العلماء إفراد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالتصنيف، فابتكروا لذلك ( المسانيد) جمعوا فيها الحديث النبوي مرتبا بحسب أسماء الصحابة، فالأحاديث عن أبي بكر مثلا تجمع كلها في مكان واحد، تحت عنوان: مسند أبي بكر. وكذا أحاديث عمر وهكذا.

ثم جاء البخاري فرأى إفراد الحديث الصحيح،ورتبه على الأبواب الفقهية لتسهيل الوصول إليه. وجاء بقية الستة وهم - ما عدا النسائي- من تلامذته، فوضعوا كتبهم على الأبواب الفقهية، ولم يشترطوا الصحة.

وهكذا كان لمدرسة الإمام البخاري الفضل العظيم على السنة بما صنفت في رواية الحديث وفي علومه.

ثم جاء بعدهم ابن خزيمة، ثم ابن حبان.

وفي هذا العصر أصبح كل نوع من أنواع الحديث علما خاصا، مثل: علم الحديث الصحيح، علم المرسل، علم الأسماء والكنى، وهكذا فأفرد العلماء كل نوع منها بتأليف خاص.

لكن لم يوجد في هذا الدور أبحاث تضم قواعد هذه العلوم وتذكر ضوابط تلك الاصطلاحات، اعتمادا منهم على حفظهم وإحاطتهم بها سوى تأليف صغير هو كتاب:

(( العلل الصغير )) للأمام الترمذي.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:03 AM
الدور الرابع: عصر التآليف الجامعة وانبثاق فن علوم الحديث مدونا:

ويمتد من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع ألب العلماء في هذه الفترة على تصانيف السابقين التي كانت تجربة أولى في التدوين، فجمعوا ما تفرق في مؤلفات الفن الواحد. واستدركوا ما فات السابقين، معتمدين في كل ذلك على نقل المعلومات عن العلماء بالسند إليهم كما فعل سابقوهم، ثم التعليق عليها والاستنباط منها.

فوجدت كتب في علوم الحديث لا تزال مرجعاً لا يُستغنى عنها، ومن أهمها:

1- (( المحدث الفاصل بين الراوي والواعي )) ألفه القاضي أبو محمد الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد تصغير الخط (360هـ) استوفى فيه مؤلفه البحث في آداب الراوي والمحدث وطرق التحمل والأداء.

2-(( الكفاية في علم الرواية)) لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى (463هـ) استوفى فيه البحث في قوانين الرواية، وأبان فيها أصولها وقواعدها الكلية.

3-(( الإلماع في أصول الرواية والسماع)) للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى (544هـ).

فهذه المراجع وسواها مما صنفت في ذلك العصر في كل نوع من أنواع علوم الحديث،

أصبحت المراجع الأصلية في هذه الفنون.

وفي هذا الدور وضعت التآليف الجامعية لأنواع الحديث ونما التدوين في فن علوم الحديث. ومن أهم ما صنف في ذلك:

1- ((معرفة علوم الحديث )) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى (405هـ).

2- (( المستخرج )) لأبي نُعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى (430 هـ).

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:04 AM
الدور الخامس: دور النضج والاكتمال في تدوين فن علوم الحديث:

وذلك من القرن السابع إلى القرن العاشر ، وفيه بلغ التصنيف لهذا العلم كماله التام،فوضعت مؤلفات استوفت أنواع هذا العلم.

وكان رائد هذا التحول العظيم في تدوين هذا الفن الإمام المحدث الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح المتوفى ( 643هـ )، في كتابه المشهور (( علوم الحديث )).

ومن أهم المؤلفات في هذا الدور بعد (( علوم الحديث )).

1. (( الإرشاد )) للإمام يحيى بن شرف النووي المتوفى ( 676 هـ ) لخص فيه كتاب ابن الصلاح، ثم لخصه في كتاب : (( التقريب والتيسير لأحاديث البشير النذير )).

2- (( التبصرة والتذكرة )) منظومة من ألف بيت للإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى ( 806 هـ ) ضمنها كتاب ابن الصلاح وتعقبه، وزاد عليه مسائل نافعة، ثم شرحها شرحاً قيماً سماه: " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث".

3- شرح الحافظ العراقي أيضاً لكتاب ابن الصلاح المسمى: (( التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح )).

4- شرح الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى ( 852هـ ) على كتاب ابن الصلاح المسمى: (( النكت على كتاب ابن صلاح )).

5- (( فتح المغيث شرح ألفية العراقي في علم الحديث)) للحافظ شمس الدين محمد السخاوي المتوفى ( 902 هـ ).

6- (( تدريب الراوي شرح تقريب النواوي )) للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى (911 هـ ).

7- (( نخبة الفكر )) وشرحه : (( نزهة النظر )) كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:05 AM
الدور السادس: عصر الركود والجمود:

وقد امتد ذلك من القرن العاشر إلى مطلع القرن الهجري الحالي.

في هذا الدور توقف الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في التصنيف، وكثرت المختصرات في علوم الحديث.

ومن المؤلفات في هذا الدور:

1-(( شرح شرح نخبة الفكر)) للشيخ على بن سلطان الهروي القاري المتوفى (1014هـ): لم يخل من فوائد في أبحاثه لغزارة علم مؤلفه.

2- (( المنظومة البيقونية )) لعمر بن محمد بن فتوح البيقوني المتوفى ( 108 هـ ) .

3- (( توضيح الأفكار )) لمحمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى ( 1182 هـ ) وهو كتاب حافل مفيد .

4- توجيه النظر وظفر الأماني ومقدمة في علوم الحديث.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:05 AM
الدور السابع: دور اليقظة والتنبه في هذا العصر:

من مطلع القرن الهجري الحالي إلى وقتنا هذا ، وفيه تنبهت الأمة للأخطار المحدقة نتيجة اتصال العالم الإسلامي بالشرق والغرب.

ومن المؤلفات النافعة المبتكرة نذكر ما يلي:

1. "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي.

2. "مفتاح السنة" أو (( تاريخ فنون الحديث )) لعبد العزيز الخولي.

3. "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" للدكتور مصطفى السباعي.

4. "الحديث والمحدثون" للدكتور محمد محمد أبو زهو.

5. "المنهج الحديث في علوم الحديث" للدكتور محمد محمد السماحي.

6. "منهج النقد في علوم الحديث" للعتر .



7. "منهج النقد عند المحدثين" للأعظمي.



5- أنواع علوم الحديث:

1- علوم رواة الحديث.

2- علوم رواية الحديث.

3- علوم الحديث من حيث القبول والرد.

4- علوم المتن.

5- علوم السند.

6- العلوم المشتركة بين المتن والسند (1).

_______________________________

(1) انتهى باختصار من كتاب منهج النقد في علوم الحديث.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:08 AM
النوع الأول: علوم رواة الحديث

أ- القسم الأول: العلوم المعرفة بحال الراوي

1-تمهيد

2-صفة من تقبل روايته ومن ترد

3-الجرح والتعديل

4-الصحابة رضي الله عنهم

أ- تعريف الصحابي

ب- ضوابط يعرف بها الصحابي

جـ- طبقات الصحابة

د- عدالة الصحابي

5-الثقات والضعفاء

6-من اختلط في آخر عمره من الثقات

7-الوحدان

8-المدلسون

ب- القسم الثاني: العلوم التي تبين شخص الراوي

علوم الرواة التاريخية

أ- تواريخ الرواة

ب- طبقات الرواة

جـ- التابعون

د- أتباع التابعين

هـ- الأخوة والأخوات

و-المدبج ورواية الأقران بعضهم عن بعض

ز- رواية الأكابر عن الأصاغر

ح- السابق واللاحق

ط- رواية الأباء عن الأبناء

ي- رواية الأبناء عن الأباء

2. علوم أسماء الرواة

أ- المهمات

ب- من ذكر بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة

جـ- الأسماء والكنى

د- ألقاب المحدثين

هـ- المنسوبون إلى غير آبائهم

و- النسب التي على خلاف ظاهرها

ز- الموالي من الرواة والعلماء

ح- أوطان الرواة وبلدانهم

ط- الأسماء المفردة والكنى والألقاب

ي- المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب

ك- المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب

ل- المتشابه

م- المشتبه المقلوب.

شوق23
15-06-2004, 04:09 AM
جزاك الله خيرا وبارك فيك اخي الكريم وجعلها في ميزان حسناتك

دمت في رعاية الله تعالى

تحياتي

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:09 AM
وتقسم أبحاث هذا النوع إلى قسمين:

أ- القسم الأول: العلوم ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎المعرفة بحال الراوي.

1- تمهيد:

في بيان بعض الكلمات المصطلح عليها في هذا الفن

السند الإسناد، المتن، المخرِج، المخْرَج، الحديث النبوي،الخبر، الأثر، المسنِد، المحدّث، الحافظ، الحديث القدسي.

هذه الكلمات يكثر المحدثون من ذكرها فلا بدَّ لطالب هذا الفن من معرفتها.

السند: هو: الطريق الموصلة إلى المتن-يعني رجال الحديث-.

وسموا بذلك لأنهم يسندون الحديث إلى مصدره.

الإسناد: هو: الإخبار عن طريق المتن. أي حكاية رجال الحديث.

المتن: هو: ما انتهى إليه السند.

المخرج: اسم فاعل فانهم يقولون: هذا حديث خرَّجه أو أخرجه فلان أي ذكر رواته أو ذكره عن رواته. فالمخرج- بالتشديد أو التخفيف- هو ذاكر رواة الحديث كالبخاري ومسلم ونحوهما.

المخرج: اسم مكان فانهم يقولون: هذا حديث عرف مخرجه أو لم يعرف مخرجه -فتح الميم والراء - أي رجاله الذين رووه لأن كلاًّ من رواته موضع صدور الحديث عنه.

الحديث النبوي: هو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو وصفاً أو تقريراً، وسمي بذلك مقابلة للقرآن الكريم فإنه قديم، وقد أطلق كثير من المحدثين اسم الحديث على أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم وتقريرهم، ولكنهم يسمون ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً مرفوعاً، وما أضيف إلى الصحابي يسمونه حديثاً موقوفاً، وما أضيف إلى التابعي يسمونه مقطوعاً، كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى.

الخبر: قال في شرح النخبة: الخبر عند العلماء هذا الفن مرادف للحديث. وقيل: الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمة قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: الأخباري،ولمن يشتغل بالسنة النبوية: المحدّث.

الأثر: قال في التقريب: إن المحدثين يسمون المرفوع والموقوف بالأثر، وإن فقهاء خراسان يسمون الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر.

المُسنِد: هو: من يروي الحديث بإسناده سواء كان له علم به أو ليس له إلا مجرد الرواية.

المحدّث: هو: العالم بطرق الحديث وأسماء الرواة والمتون، فهو أرفع من المُسنِد.

الحافظ: هو: مرادف للمحدث عند بعض السلف، وبعضهم خصَّ الحافظ بمن هو مكثر لحفظ الحديث متقن لأنواعه ومعرفته رواية ودراية ومدرك لعلله. ولذلك قال الإمام الزهري: لا يولد الحافظ إلا في أربعين سنة.هذا، وقد ذكر العلامة المناوي لأهل الحديث مراتب: أولها الطالب وهو المبتدىء، ثم المحدث وهو من يتحمل الحديث ويعتني به ودراية، ثم الحافظ وهو من حفظ مائة ألف حديث متناً وإسناداً ووعى ما يحتاج إليه، ثم الحجة وهو من أحاط بثلاثمائة ألف حديث. ثم الحاكم وهو من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متناً وإسناداً، وجرحاً وتعديلاً وتاريخاً اهـ.

وزاد بعضهم لقب أمير المؤمنين. قال الحافظ السيوطي: وقد لقب به جماعة، منهم: سفيان وابن راهويه والبخاري وغيرهم. وكأنَّ تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من الحديث الذي رواه الطبراني وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم ارحم خلفائي "تتمة الحديث".

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:11 AM
2- صفة من تقبل روايته ومن ترد

معرفة من تقبل روايته ومن ترد

يقبل خبر الثقة في دينه وروايته وهو العدل الضابط.

والعدل: هو المسلم البالغ العاقل السالمُ من الفسق: بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، والسالمُ من خوارم المروءة.

والمروءة: هي تعاطي المرء ما يستحسن، وتجنبه ما يسترذل، كالأكل ماشياً والبول في الطريق من غير ضرورة.وأما ضبط: فهو اتقان الراوي ما يرويه، وذلك بأن يكون متيقظاً غير مغفل، حافظاً لما يرويه إن كان يروي من حفظه، ضابطاً لكتابه إن كان يروي من الكتاب، عالماً بمعنى ما يرويه، وبما يحيل المعنى عن المراد إن كان يروي بالمعنى. وتثبت عدالة الراوي: بالشهرة في الخبر والثناء الجميل، كالأئمة الأربعة وغيرهم أو بتعديل الأئمة، أو تعديل اثنين منهم، أو واحد منهم. ويثبت الضبط بموافقة الثقات المتقنين، ولا تضرّ المخالفة النادرة، فإن كثرت ردّت روايته لعدم ضبطه.

حكم الرواية عن أهل البدع:

ترد رواية المبتدع إن كانت بدعته مكفرة، بأن أنكر أمراً في الشرع معلوماً من

الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه ونحو ذلك، كالقائلين بعدم علم الله تعالى بالجزيئات.

وأما إن كانت بدعته لا توجب الكفر فان كان يستحلّ الكذب ترد أيضاً، وأما إن كان لا يستحل الكذب فتقبل روايته إذا لم يكن داعياً إلى بدعة، لأنه إذا كان داعياً إليها فان تزيين بدعته يحمله على تحريف روايته. ورجح النووي هذا التفصيل، وقال: هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر. وقيد الحافظ أبو إسحاق الجوزاني القول بقبول رواية غير الداعي بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته، قال ابن حجر: وما قاله متجه، لأن العلة التي ردّت بها رواية الداعي واردة فيه أيضاً.

مراتب الجرح والتعديل

قد أوضح الحافظ ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب" مراتب الجرح

والتعديل، فجعلها اثنتي عشرة مرتبة:

1. الصحابة رضي الله عنهم.

2. من أُكد مدحه بـ "أفعل" كأوثق الناس، أو بتكرار الصفة لفظاً: كثقة أو معنى: كثقة حافظ.

3. من أُفرد بصفة: كثقة، أو متقن، أو ثُبْت، أو عدل.

4. من قصر عمن قبله قليلاً: كصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.

5. من قصر عن الدرجة الرابعة، ويشار إليه: بصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يَهِم، أوله أوهام، أو يخطىء أو تغيّر بأخَرَةٍ. ويلحق بذلك من رمى بنوع من البدعة: كالقدر والإرجاء.

6. من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه لأجله، ويشار إليه بلفظ: "مقبول" حيث يتابع؛ وإلاّ: فليِّن الحديث.

7. من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثَّق، ويشار إليه بلفظ: مستور، أو مجهول الحال.

8. من لم يوجد فيه توثيق معتبر، وجاء فيه تضعيف ولو لم يُسَّر، وإليه الإشارة بلفظ: ضعيف.

9. من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثَّق ويشار إليه بلفظ: مجهول العين أي: لا يعرف عند المحدثين.

10. من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، ويشار إليه: بمتروك أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.

11. من اتهم بالكذب، ويقال فيه: متهم، ومتهم بالكذب أي متهم بتعمد الكذب بأن يكذب في الحديث،لا على وجه التعمد والتقصد، ولكن يكثر منه حتى يتهم بتعمده.

12. من أطلق عليه اسم الكذب أو الوضع، كقولهم: كذاب، أو وضاع، أو ما أكذبَه فمن كان من المرتبة الثانية والثالثة: فحديثه مقبول وغالبه في الصحيحين، ومن كان من الدرجة الرابعة: فهو مقبول أيضاً، وقبوله في المرتبة الثانية، وهو ما يحسِّنه الترمذي ويسكت عليه أبو داود، ومن كان من الخامسة والسادسة: فان تعددت طرقه وتقوّى بمتابع أو شاهد فحسن لغيره، وإلا فمردود، وما كان من السابعة إلى آخر المراتب: فضعيف على اختلاف درجات الضعف.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:12 AM
عبارات خاصة لبعض المحدثين:

1-قد يطلق البخاري كلمات ويريد بها معنى خاصاً، كقوله في الرجل: "سكتوا عنه"

أو "فيه نظر" يعني أنه متروك الحديث، وأنه في أدنى المنازل، ولكن البخاري لطيف العبارة في التجريح.وكذلك قوله البخاري: "منكر الحديث" فانه يريد به الكذابين، كما نقله عنه ابن القطان حيث قال: قال البخاري: كل من قلت عنه "منكر الحديث" فلا نحل الرواية عنه.

2- قال يحيى بن معين: إذا قلتُ: ليس به بأس فهو ثقة.

3- قول الشافعي: أخبرني من لا أتهم فهو كقوله: أخبرني الثقة، خلافاً للذهبي حيث

يقول: إنه نفي للتهمة فقط، وليس فيه تعرض لإتقانه، ولا لأنه حجة.

4- قول المحدث: أخبرني الثقة ونحو ذلك من غير أن يسميه لا يكفيه في التعديل، لأنه ربما كان عنده ثقة ولكن لو سماه لجرحه غيره، وقيل: يكتفي بذلك كما لو سماه، فان كان القائل مجتهداً كأحد الأئمة مثلاً كفى في حق موافقيه من أهل المذهب عند بعض المحققين.

متى يقبل الجرح والتعديل:

اختلف العلماء في الجرح والتعديل هل يقبلان مبهَمَيْن- أي من غير ذكر أسبابهما-

أو لا؟

1-فذهب بعضهم إلى عدم قبول ذلك بدون بيان السبب في كل منهما.

2- وشرط بعضهم ذكر السبب في التعديل دون الجرح.

3- ومنهم من قبل التعديل مبهماً، وشرط في الجرح بيان السبب مفصلاً. وهو الذي اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما.

4- وذهب بعضهم إلى أنه يقبل كل منهما مبهماً إذا كان الجارح والمعدل عالماً بأسباب الجرح والتعديل، بصيراً مرضياً في اعتقاده وأفعاله. قال السيوطي : وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور.

5- وقد اختار ابن حجر أن من جُرح مجملاً وقد وثقه أحد أئمة الحديث: لم يقبل الجرح فيه من أحد إلا مفسراً، لأنه ثبتت ثقته فلا تسلب عنه إلا بأمر جلي، وأما إذا خلا عن التعديل قُبِل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدَّل فهو حيز مجهول، وإعمال قول الجارح أولى من أهماله.

تعارض الجرح والتعديل:

وأما إذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل: فالجرح مقدم، ولو زاد عدد المعدِّلين.

قال السيوطي: هذا الأصح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء، لأن مع الجارح زيادةً لم يطلع عليها المعدِّل، ولأنه مصدّق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عليه. وقيَّد الفقهاء ذلك إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب منه، فانه حينئذ يقدَّم المعدّل، وقيل: إن زاد المعدلون قدم التعديل. هذا حكم التعارض بين قولين لعالمين.

أما إذا تعارض قولان من عالم واحد - كما وقع من ابن معين وابن حبان -فالعمل على آخر القولين إن علم ذلك، وإلا فالتوقف.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:14 AM
ما ورد من الطعن في بعض الأئمة:

قد يرد على لسان بعض العلماء الطعن في بعض الأئمة، أو رواة الحديث الذين هم موطن ثقة وعدالة وحسن قبول، وذلك على وجوه وألوان مختلفة الأسباب:

قد يكون السبب في طعن بعض الأئمة ناشئاً عن عصبية مذهبية، أو اختلافات اجتهادية، أو قد يكون عن منافسات دنيوية. فهذه الطعون لا يلتفت إليها ما دام المطعون معروفاً بالعدالة والضبط، والصلاح والتقى.

قال العلامة السبكي في الطبقات الكبرى (1/187) تحت عنوان (قاعدة في الجرح والتعديل): "إن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحه، وكانت قرينة دالّة على سبب جرحه:من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه: لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون، وقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم باباً في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، بدأ فيه بحديث الزبير رضي الله عنه مرفوعاً (دَبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء… الحديث). وروى بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدّ تغبراً من التيوس في زُروبها).

وعن مالك بن دينار قال: يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم

في بعض.

ثم قال العلامة السبكي جملة: قد عرّفناك أولاً أن الجارح لا يقبل منه الجرح -وإن

فسره- في حق من غلبت طاعته على معاصيه، ومادحوه على ذامّيه، ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه: من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية، كما يكون من النظراء، أو غير ذلك. فنقول مثلا: لا يلتفتً إلى كلام ابن ذئب في مالك، بن معين في الشافعي والنسائي في أحمد بن صالح، لأن هؤلاء الأئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب، لو صحّ لتوفرت الدواعي على نقله، وكان القطع قائماً على كذبه.

ومما ينبغي أن يُتفقّد عند الجرح حال العقائد واختلافها، بالنسبة إلى الجارح والمجروح،

فربما خالف الجارحُ المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المزكون بُرآء من الشحناء والعصبية في المذهب، خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرحِ عدل، أو تزكية فاسق. وقد وقع هذا لكثير من الأئمة.

وقد أشار شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) إلى هذا وقال:

أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام.

قال العلامة السبكي: ومن أمثلة ما قدمناه قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة

وأبو الحاتم من أجل مسألة اللفظ. فيالله والمسلمين!! أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك؟ وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة. ثم قال: ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم ابن حبان: لم يكن له كبير دين، نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحدّ لله. فيا ليت شعري من أحق بالإخراج: من يجعل ربه محدوداً أو من ينزهه عن الجسمية؟؟ وأمثلة هذا تكثر.

قال: وهذا شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى من هذا القبيل، له علم وديانة وعنده على

أهل السنة والجماعة تحامل مفرط، فلا يجوز أن يعتمد عليه -أي في طعنه بمن يخالف مذهبه-.

فكل طعن نشأ عن عصبية مذهبية أو اختلافات اجتهادية أو منافسة بين الأفراد لا اعتبار لذلك كله. كما جاء في ترجمة محمد بن المثنى من كتاب "تهذيب التهذيب": سئل عمرو بن علي عن محمد بن المثني وبندار؟ فقال: ثقتان. يقبل منهما كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر.

وقال في شرح "فواتح الرحَموت" (1/154): فائدة: لا بد للمزكي أن يكون عدلاً، عارفاً بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفاً ناصحاً، لا أن يكون متعصباً ومعجباً بنفسه، فانه لا اعتداد بقول المتعصب، كما قدح الدارقطني في الإمام الهمام أبي حنيفة رضي الله عنه بأنه ضعيف في الحديث، أي شناعة فوق هذا؟؟ فانه -يعني أبا حنيفة- إمام ورع، تقي نقي، خائف من الله تعالى، وله كرامات شهيرة، فبأيّ شيء يتطرق إليه الضعف؟ فتارة يقولون: إنه كان مشتغلاً بالفقه -أي فلا خبرة له بالحديث- انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا، بل الفقيه أولى بأن يؤخذ الحديث منه- أي لأنه يبنى عليه حكماً شرعياً فلا بد من ثبوته لديه-.

وتارة يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث، إنما أخذ من حمّاد رضي الله تعالى عنهما، وهذا أيضاً باطل، فإنه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما، مع أن حمّاداً كان وعاء للعلم فالأخذ منه أغناه عن الأخذ من غيره. هذا أيضاً آية ورعة وكذا علمه وتقواه، فإنه لم يكثر الأساتذة لئلا تتكثر الحقوق فيخاف عجزه عن إيفائها.

وتارة يقولون: إنه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل الحديث،حتى وضع أبو بكر أبي شيبة رحمه الله في كتابه "المصنف" باباً للرد عليه وترجمه بـ " باب الرد على أبي حنيفة"، وهذا أيضاً من التعصب.

ثم ذكر في الشرح المذكور نبذة فيها مثار العجب، وذلك أن أبا حنيفة رضي الله عنه

قال: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالبرأس والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه، ولم يخصّص بالقياس ولا بخبر الواحد عامّ الكتاب، ولم يعمل بالمصالح المرسلة، وقَبِل المراسيل وعمل بها، وقد خالف الشافعيُّ في ذلك، ولم يطعنوا فيه بل قبلوا ذلك منه. رضي الله عنهم أجمعين.

ثم قال: والحق أن الأقوال التي صدرت عنهم في حق الإمام الهمام مقتدى الأنام، كلها صدرت من التعصب، لا تستحق أن يلتفت إليها ولا ينطفي نور الله بأفواههم فاحفظ واثبت. وسبب وقوعهم في هذا الأمر الفظيع أنهم كانوا سئي الفهم، يخدمون ظواهر ألفاظ الحديث، ولا يرومون فهم بواطن المعاني، فضلاً عن المعاني الدقيقة التي تعجز عنها أفهام المتوسطين، وكان هذا التحرير الإمام مؤيداً بالتأييد الإلهي متعمداً في بحار المعاني.

وجاء في كتاب "الرفع والتكميل" للإمام المحدث الشيخ عبد الحي اللكنوي في أبي حنيفة: وقال الإمام على بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك وحماد بن زيد وهشام وعباد بن العوام ووكيع وجعفر بن عون، وهو ثقة لا بأس به، وكان شعبة حسن الرأي فيه. وقال يحيى بن معين: أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: كان يكذب؟ قال: لا.

فالطعن الناشىء عن عصبية خلافيات المذاهب لا عبرة به ولا تأثير، كما وأن والطعن الناشىء عن الاختلاف في المفاهيم والمشارب السنية النبوية لا اعتبار به.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:17 AM
4- الصحابة رضي الله عنهم

أ- تعريف الصحابي: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام.

ب- ضوابط يُعرف بها الصحابي:

1. التواتر، بأن ينقل إثبات صحبته عن عدد كثير جداً من الصحابة، كالخلفاء الراشدين الأربعة.

2. الشهرة والاستفاضة القاصرة عن رتبة التواتر . كضمام بن ثعلبة، عُكَّاشة بن مِحْصن.

3. أن يُروى عن واحد من الصحابة أن فلاناً له صحبة.

4. أن يُروى عن أحد من التابعين أن فلاناً له صحبة.

5. أن يقول هو عن نفسه إنه صحابي ، وذلك بشرطين:

أن يكون ثابت العدالة، وأن يكون في المدة الممكنة، وهي مائة سنة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.



جـ- طبقات الصحابة:

الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة ، مثل أبي بكر وعمر و عثمان وعلي.

الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، وهم جماعة من أهل مكة.

الطبقة الثالثة: المهاجرة إلى الحبشة.

الطبقة الرابعة: الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة.

الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار.

الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقُباء قبل أن يدخل المدينة ويبني المسجد.

الطبقة السابعة: أهل بدر.

الطبقة الثامنة:المهاجرين الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان.

الطبقة العاشرة: المهاجرين بين الحديبية والفتح.

الطبقة الحادية عشرة: هم الذين أسلموا يوم الفتح.

الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع.



د- عدالة الصحابة.

لقد اختص الله سبحانه وتعالى الصحابة رضي الله عنهم بخصيصة ليست لطبقة من الناس غير طبقتهم، وهي أنهم لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، فهم جميعهم عدول ثبتت عدالتهم بأقوى ما تثبت به عدالة أحد، فقد ثبتت بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] وهذا ينطبق على الصحابة كلهم، لأنهم المخاطبون مباشرة بهذا النص.

أما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ أحدهم ولا نصيفه" وقوله صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني"... ثم الذين يلونهم…" .

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:18 AM
5- الثقات والضعفاء:

وهو من أجل علوم الحديث وأفخمها، فإنه المرقاة إلى معرفة صحة الحديث وسقمه.

ولقد لقي هذا العلم عناية أئمة الحديث في القديم والحديث، فصنفوا فيه التآليف الكثيرة.

وتنقسم التصانيف المؤلفة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: المؤلفات في الثقات: أشهرها:

1. "الثقات" للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البُستي المتوفى (354هـ).

2. "الثقات" للإمام أحمد بن عبد الله العجلي المتوفى (261هـ).

3. "تذكرة الحفاظ" للإمام الحافظ شمس الدين محمد الذهبي المتوفى (748هـ).



القسم الثاني: المؤلفات في الضعفاء:

1. "الكامل في الضعفاء" للحافظ أبي أحمد عبد الله بن عَدِي المتوفى (365هـ).

2. "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للإمام الذهبي.

3. "المغنى في الضعفاء" للذهبي أيضاً.

4. "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني.



القسم الثالث: الكتب التي تجمع الثقات والضعفاء:

1. "الجرح والتعديل" للإمام عبد الرحمن بن الإمام أبي حاتم الرازي المتوفى ( 327هـ).

2. "الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى (600هـ).

اقتصر فيه على رجال الكتب الستة.

3. "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ أبي الحجاج جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى ( 742هـ).

4. "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر العسقلاني، لخص فيه (( تهذيب الكمال )).

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:19 AM
6- من اختلط في آخر عمره من الثقات.

معنى الاختلاط: فساد العقل، وعدم انتظام الأقوال والأفعال.

وفائدة دراسة الرواة المختلطين تمييز المقبول من حديثهم من غير المقبول.

وقد ألف فيه الحافظ العلائي خليل بن كيكلدي المتوفى ( 761هـ) ، وأفرده بالتصنيف

الإمام الحافظ إبراهيم بن محمد ابن سبط ابن العجمي الحلبي المتوفى (840هـ) وسماه: (( الاغتباط ممن رمي بالاختلاط )).

والحكم في حديث من رمي بالاختلاط من الثقات قرر فيه المحدثون التفصيل، فما سمع منهم قبل الاختلاط يُقبل ويُحتج به.

أما ما سُمع بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يُدر هل أُخِذَ عنه قبل الاختلاط أو بعده، فإنه يرد ولا يُقبل.

ويتميز ذلك بالراوي عنه إن كان أخذ عنه في شبابه أو في هرمه.



7- الوحدان

وهم الرواة الذين لم يرو عنهم إلا راو واحد فقط.

وفائدة هذا العلم معرفة المجهول إذا لم يكن صحابياً ومن أمثلته من الصحابة: وهب بن خنبش، وعمرو بن تغلب.



8- المدلسون

المدلس: هو من يحدث عمن سمع منه ما لم يسمع منه، بصيغة توهم أنه سمعه منه. وكأن يقول: عن فلان، أو قال فلان والتدليس على أقسام تأتي في الحديث المدلس.

ومن الكتب التي صنفت في هذا:

1-التبيين في أسماء ((المدلسين)) للحافظ البرهان الحلبي.

2- (( تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس )) لابن حجر العسقلاني. وهو أجمعها وأوسعها.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:21 AM
ب- القسم الثاني: العلوم التي تُبين شخص الراوي

1- علوم الرواة التاريخية:

أ- تواريخ الرواة: التاريخ عند المحدثين هو: التعريف بالوقت الذي تُضبط به الأحوال في المواليد و الوفيات، ويلتحق به من الحوادث والوقائع التي ينشأ عنها معان حسنة من تعديل وتجريح ونحو ذلك.

وقد احتل التاريخ عند أهل الحديث مكانة هامة جداً لمعرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها، وفي الكشف عن أحوال الرواة وفضح الكذابين.



ب- طبقات الرواة: الطبقة في اصطلاح المحدثين: عبارة عن جماعة متعاصرين اشتركوا في السن أو تقاربوا فيه أو اشتركوا في الأخذ عن المشايخ.

جـ- التابعون: من شافه -أو لقي- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كونه مؤمناً .



د- اتباع التابعين: تابع التابعي من شافه - أو لقي - التابعي مؤمناً.

ولهذا العلم فائدة عظيمة هي: التفريق بين الصحابي والتابعي واتباع التابعين.



هـ- الاخوة والأخوات: ومن فائدة هذا العلم أنه قد يَشْتَهر أحد الاخوة بالرواية، فيظن الباحث إذا وجد الرواية عن بعض إخوته أنها وهم ويزول الالتباس بواسطة هذا العلم.

فمن أمثلة الأخوين من الصحابة: عبد الله بن مسعود، وعتبة بن مسعود هما أخوان.

و- المدبج ورواية الأقران بعضهم عن بعض:الأقران: هم الرواة المتقاربون في السن والإسناد.

وقد ذكروا قسمين لرواية القرين عن القرين:

الأول: المدّبج: وهو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر، مثل: أبي هريرة وعائشة، روى كل منهما عن الآخر.

الثاني: غير المدبّج: وهو أن يروي أحد القرنيين عن الآخر، ولا يروي الآخر عنه، مثاله:

رواية سليمان التيمي عن مسعر، وهما قرينان، ولا نعلم لمسعر رواية عن التيمي.

ز- رواية الأكابر عن الأصاغر: هي رواية الشخص عمن دونه سناً أو قدراً أو عمن هو دونه سناً وقدراً.

حـ- السابق واللاحق: وهو معرفة من اشترك في الرواية عنه اثنان وكان بين وفاتهما زمن طويل.

طـ- رواية الآباء عن الأبناء: تعريفها: هو أن يوجد في سند الحديث أب يروي عن ابنه.

ي- رواية الأبناء عن الأباء: تعريفها: هو أن يوجد في سند الحديث راو يروي عن أبيه أو عن أبيه عن جده.

ومن هذا التعريف يعلم تقسيمها إلى قسمين:

1- رواية الابن عن أبيه فقط، وذلك كثير جداً.

2- رواية الابن عن أبيه عن جده.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:22 AM
2- علوم أسماء الرواة:

أ- المبهم هو:

هو الحديث الذي يوجد في سنده أو متنه رجل أو امرأة لم يُسمَّيا بل عُبِّر عنهما بلفظ عام.

ومن هنا يعلم أن المبهم نوعان:

النوع الأول: أن يكون الإبهام في سند الحديث، وذلك بأن يكون بعض رواته غير مسمى وإنما ذكر بلفظ عام، ومثاله: ما رواه أبو داود من طريق حجاج بن فُرافِصة عن رجل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "المؤمن غرٌ كريم…" فهذا الرجل هو يحيى بن أب كثير، كما جاء في رواية أخرى لأبي داود أيضاً.

النوع الثاني: أن يكون الإبهام في متن الحديث، وذلك بأن يقول الصحابي فمن دونه، إن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم. ونحوَ ذلك، ومثاله، ما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل قال: خذي فرِصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله تطهري بها. فاجتذبتُها إليّ فقلت: تتبعي بها أثر الدم.

والمرأة هي أسماء بنت شكل كما في رواية مسلم.


أنواع المبهمات: المبهمات أنواع كثيرة بعضها أشد إبهاماً، فمنها: الرجل والمرأة، والابن والبنت والأب، والأخ والأخت، وابن الأخ، وابن الأخت، والعم والعمة، والخال والخالة، ونحو ذلك.

حكم المبهم: تقدم أن المبهم نوعان: الأول: أن يقع الإبهام في متن الحديث، والثاني: أن يقع في سنده.

أما الأول: فحكمه أنه لا خلاف في جواز الاستدلال به ما دامت شروط القبول ثابتة موفورة فيه.

وأما الثاني: فان كان المبهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كأن يقول التابعي الثقة: عن رجل من الصحابة أو نحو ذلك: فهو مقبول عند الجمهور باعتبار أن الصحابة كلهم عدول رضوان الله تعالى عليهم.

وأما إن كان المبهم غير صحابي بأنْ كان من التابعين فمن دونهم فلا يجوز الاحتجاج بالحديث الذي فيه هذا المبهم، للجهل بحاله، لأن من أُبهم اسمه لم تعرف عينه، فكيف عدالته؟

وقد تقدم أن من شروط القبول ثبوت عدالة الراوي وضبطه، فإذا زال هذا الإبهام

وعرف هذا المبهم بمجيئه من طريق أخرى وتبين أنه ثقة، فحينئذ يحتج به كما تقدم في حديث: "المؤمن غرٌ كريم".

ولذلك اجتهد العلماء في بيان من أبهم من الرواة وصنفوا في ذلك كتباً كثيرة.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:23 AM
ب- من ذكر بأسماء مختلفة أو نُعوت متعددة: ومن فوائده: الأمن من جعل الواحد اثنين، والتحرز من توثيق الضعيف وتضعيف الثقة، وفيه إظهار تدليس المدلسين، فإن أكثر ذلك إنما نشأ من تدليسهم.



جـ- الأسماء والكنى: المراد بهذا بيان أسماء ذوي الكنى، وكنى المعروفين بالأسماء وفائدته تسهيل معرفة اسم الراوي المشهور بكنيته، ليكشف عن حاله، والاحتراز عن ذكر الراوي مرة باسمه ومرة بكنيته، فيظنهما من لم يتنبه لذلك رجلين.



د- ألقاب المحدثين: اللقب: هو ما يطلق على الإنسان مما يشعر بمدح أو ذم. وهو نوع هام، فإن في الرواة جماعة لا يُعرفون إلا بألقابهم.

مثاله: عبد الله بن أبي صالح وعبّاد بن أبي صالح، وإنما عباد لقب لعبد الله، ولا أخ له باتفاق الأئمة.



هـ- المنسوبون إلى غير آبائهم: معرفة الأب الذي ينسب إليه الراوي ضرورية لتمييزه عن غيره ، إلا أن بعض الرواة قد ينسب إلى غير أبيه، فالحاجة لمعرفة هؤلاء مهمة، وتسمية آبائهم هامة جداً لدفع توهم التعدد عن نسبتهم إلى آبائهم.

وهذا النوع بالنسبة لمن ينسب إليهم الرواة على أقسام:

الأول: من نسب إلى أمه: كمعاذ بن عفراء.

الثاني: من نسب إلى جدته: بشر بن الخصاصية.

الثالث: من نسب إلى جده: كأبي عبيدة بن الجراح وهو عامر بن عبد الله بن الجراح.

الرابع: من نسب إلى رجل غير أبيه بسبب: كالمقداد بن الأسود الصحابي، هو المقداد بن عمرو الكندي، كان في حِجر الأسود بن عبد يغوث الزهري زوج أمه، فتبناه، فنسب إليه.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:23 AM
و- النسب التي على خلاف ظاهرها: معرفة أنساب الرواة هامة ومفيدة لتمييز الراوي عن غيره، ومن لم يتنبه لهذا وقع في الخطأ، مثل ما وقع لابن حزم حيث ضعف حديث: " لا يمس القرآن إلا طاهر " لأن في سنده سليمان بن داود، وهو متفق على تركه. وهو وهم، فإن المتفق على ترك حديثه سليمان بن داود اليماني، وهذا الحديث من رواية سليمان بن داود الخولاني، وهو ثقة.



ز- الموالي من الرواة والعلماء: الأصل في نسبة الراوي إلى قبيلة أن يكون منهم، كقولهم: قرشي أي من أولاد قريش. وإذا نسبوا إليها من ينتمي إليها أضافوا كلمة مولى، فقالوا: مولى قريش.

ولذلك عني العلماء بمعرفة الموالي حتى لا يختلط من ينسب إلى القبيلة بالولاء مع من ينسب إليها أصالة.

ح- أوطان الرواة وبلدانهم: لقد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم سكنى القرى والمدائن حدث فيما بينهم الانتساب إلى الأوطان.

ط- الأسماء المفردة والكنى والألقاب: كثيراً ما نجد الاسم يطلق على أكثر من شخص، مثل علي، وسعد وكذلك الكنية واللقب.

أما هذا النوع فقد خص المحدثون به الأسماء والكنى و الألقاب التي لا يوجد في الرواة من يحملها إلا واحد فقط.



ي- المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب ونحوها: هو أن تتفق أسماء الرواة وأسماء أبائهم فصاعداً لفظاً وخطاً، وتختلف أشخاصهم.



ك- المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب وما يلتحق بها: هو أن تتفق الأسماء والكنى أو الألقاب أو الأنساب خطاً، وتختلف لفظاً.

مثاله: الأذرعي والأدْرَعي، وحِزام، حَرَام.

وحُصين كله بالضم، والصاد المهملة، إلا حَصِين عثمان بن عاصم ، وأبا ساسان حُضَيْن.



ل- المتشابه: هو أن تتفق أسماء الرواة لفظاً، وتختلف أسماء الأباء لفظاً وتتفق خطاً أو بالعكس، أو أن يتفق اسم الراوي واسم أبيه لفظاً وخطاً وتختلف في النسبة.

مثاله: محمد بن عبد الله المُخَرِّمي ومحمد بن عبد الله المَخْرَمي.



م- المشتبه المقلوب:

وهو أن يكون اسم أحد الراويين مثل اسم أبي الآخر خطاً ولفظاً، واسم الآخر مثل اسم أبي الأول . فينقلب على بعض المحدثين.

مثاله: يزيد بن الأسود، والأسود بن يزيد.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:26 AM
النوع الثاني: علوم رواية الحديث

معنى الرواية عند المحدثين.

1- آداب طالب الحديث.( الإخلاص لله تعالى.-الجد في الأخذ عن العلماء.-العمل بالعلم.-احترام الأساتيذ أو الأستاذين وتوقيرهم-بذل الفائدة لزملائهم الطلاب -العناية بمصطلح الحديث)

2-آداب المحدث(الإخلاص وتصحيح النية-التحلي بالفضائل-مراعاة الأهلية للتحديث-التقاعد متى خاف الغلط-توقير من هو أولى منه-توقير الحديث والتأهب لمجلس التحديث-الاشتغال بالتصنيف والإنتاج العلمي)

أنواع المصنفات في الحديث النبوي

أولاً: الكتب المصنفة على الأبواب:( الجوامع- السنن- المصنفات- المستدركات- المتخرجات)

-ثانياً: الكتب المرتبة على أسماء الصحابة:( المسانيد- الأطراف.)

-ثالثاً: المعاجم

-رابعاً: كتب أوائل الأحاديث.

-خامساً: المصنفات الجامعة (المجامع)

-سادسا:ً المصنفات الزوائد

-سابعا:كتب التخريج.

-ثامناً: الأجزاء

-تاسعاً: المشيخات.

-عاشراً: العلل.

3- كيفية سماع الحديث وضبطه.

-أهلية التحمل-سماع الصغير.

طرق أخذ الحديث الثمانية وبيان أحكامها.(السماع-العرض-الإجازة-المناولة-المكاتبة-الإعلام-الوصية-الوجادة)

4- صفة رواية الحديث وشرط أدائه.

تحقيق ركن الأداء.

-أولاً: عبارات الأداء عن وجوه التحمل السابقة.

-ثانياً: الرواية بالمعنى

-ثالثاً: اختصار الحديث

-رابعاً: مراعاة القواعد العربية في الرواية

-خامساً: مراعاة المحذوف في الخط.

5- كتاب الحديث وصفة ضبطه

آداب كتابة الحديث:(يجب على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه-استحبوا في الألفاظ المشكلة أن يكرر ضبطها.-أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.-على الطالب مقابلة كتابه بالأصل الذي أسمعهم الشيخ منه.)

اصطلاحات كتابة الحديث:(ضبط الحروف المهملة -الدائرة التي تفصل بين كل حديثين-التخريج-الحواشي-التصحيح-التضبيب.-الضرب-الرمز للألفاظ المكررة في الإسناد.)

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:30 AM
- معنى الرواية عند المحدثين:

حمل الحديث ونقله وإسناده إلى من عُزيَ إليه بصيغة من صيغ الأداء.

ومعنى ((حمله ونقله )): أي تلقيه ثم تبليغه، فمن لم يُبلغ شيئاً لا يكون راوياً.

ومعنى (( وإسناده إلى من عُزِيَ إليه )) أي نسبته إلى قائله، فلو تحدث بالحديث ولم ينسبه إلى قائله، لم يكن ذلك رواية.



آداب المُحَدِّث والسامع

لما كان مقام التحديث مقاماً مهيباً لما فيه من الخلافة في التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك نبه العلماء على آداب خاصة، تتعلق بالمحدث وبطالب الحديث، ونحن نذكر أطرافاً من تلك الآداب إن شاء الله تعالى.

1- آداب المحدث:

أ- تصحيح نيته، وتطهير قلبه من أعراض الدنيا وأدناسها، وأغراضِ النفس ورعوناتها، كحب الرئاسة والسمعة. وأن يكون مقصوده من ذلك نشرَ الحديث، والتبليغَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، محتسباً بذلك أجره عند الله تعالى، لا يريد بذلك عرضاً دنيوياً، فإنما الأعمال بالنيات، وقد قال سفيان الثوري: قلت لحبيب بن أبي ثابت: حدِّثنا. قال: حتى تجيء النية. وقيل لأبي حفص سلاَّم بن سليم: حدثنا. قال: ليس لي نية. فقالوا له: إنك تؤجر فقال:

يمنونني الخير الكثير وليتني نجوت كفافاً، لا عليَّ ولا ليَ

قال الإمام النووي: وقد اختلف في السن الذي يتصدى فيه لإسماع الحديث؟ والصحيح: أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له، في أي سن كان، وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهرم أو خرف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس اهـ .

ب_ وينبغي أن يكون المحدث: جميل الأخلاق، حسن الطريقة والشيمة، والأولى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنّه أو علمه أو غير ذلك.

ج- ويستحب إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر بوضوء أو بغسل ويتنظف ويتطيب، ويستاك ويسرح لحيته، ويتمكن من جلوسه بوقار وهيبة. كما أسند البيهقي عن مالك أنه كان يفعل هذا فقيل له فقال: أحب أن أعظمَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدثَ إلا على طهارة متمكناً، وكان يكره أن يحدث في الطريق أو هو قائم. وروى البيهقي عن عدة من السلف أنهم كانوا يكرهون التحديث على غير طهارة.

وعن ابن المسيب: أنه سئل عن حديث وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدث به. فقيل له: وددت لك أنك لم تتعنَّ! فقال: كرهت أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع. وعن مالك أنه قال: مجالس العلم تحتضر بالخشوع والسكينة والوقار.

د- ويكره أن يقوم لأحد، فقد قيل: إذا قام قارىء الحديث لأحد فانه يكتب عليه خطيئة.

هـ- وينبغي الإنصات والسكينة في مجلس الحديث، فان رفع أحد صوته فانّ المحدث ينبغي له أن يزجره، كما كان الإمام مالك يفعل ذلك ويقول: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] فمن رفع صوته عند حديثه صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

و- وينبغي للمحدث أن يقبل على الحاضرين كلِّهم، ويفتتح مجلسه ويختمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء يليق بالحال، وذلك بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئاً من القرآن العظيم، فقد روى الحاكم عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرؤوا سورة.

ز- وينبغي للمحدث أن لا يسرد الحديث على وجه يمنع من فهم بعضه، فكان مالك لا يستعجل ويقول: أحب أن أتفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك لما جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم. وزاد البيهقي: إنما كان حديثه فصلاً(1)، تفهمه القلوب.

____________

(1)أي: بيّناً ظاهراً، كما في النهاية.

ح- ويستحب للمحدث: أن يعقد مجلساً كل أسبوع لإملاء الحديث، ويتخذ مستملياً محصّلاً يقظاً -أن احتاج- يبلِّغ عنه إذا كثر الجمع، فان كثر الجمع وزاد اتّخذ أكثر من مستملٍ حسب الحاجة، فقد أملى أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ابن مسلم الكجي -نسبه إلى الكج وهو الجص، ويقال له الكشي نسبه إلى جده الأعلى- فانه لما أملى في رحبة غسان كان في مجلسه سبعةٌ مستملون يبلّغ كل منهم صاحبه الذي يليه، وحضر ذلك المجلس أربعون محبرة سوى النطَّارة.

وينبغي للمستملي: أن يستنصب الناس، ثم يقول للمحدث المملي: من ذكرت من الشيوخ؟ أو: ما ذكرت من الأحاديث؟ رحمك الله، أو رضي الله عنك، وما أشبه ذلك.

وأن يصلي المستملي بعد المملي على الرسول صلى الله عليه وسلم رافعاً صوته، كلما ذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يترضّى عن الصحابي عند ذكر اسمه.

ط: ويحسن بالمحدث: أن يثني على شيخه حال الرواية بما هو أهله،كقول عطاء: حدثني الحبر البحر ابن عباس. وقول مسروق: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة. وقول شعبة: حدثني سيد الفقهاء أيوب. وكقول وكيع: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث. ولا يذكر أحداً بلقب يكرهه إلا لقباً يميّزه عن الناس، مثل: غندر والأعمش والحناط، وإن كره الملَقَّب ذلك.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:31 AM
2- آداب طالب الحديث:

أ- ينبغي لطالب الحديث: إخلاص النية لله عز وجل في طلبه، والحذر من التوصل به إلى أعراض الدنيا، لما جاء في ذلك من الجزر الشديد والتهديد الأكيد.

ب- وينبغي له أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة، وأن يستفرغ الوسع في التحصيل، طالباً من الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير.

ج-وأن يبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده، إسناداً وعلماً وشهرة وديناً، فإذا فرغ من مهماتهم وسماع عواليهم ارتحل إلى غير بلده، كعادة الحفاظ المبرزين، ليظفر بأعالي أسانيدهم وليستفيد من مذاكرتهم ومجالستهم وفوائدهم وما هو مختصّ بهم، فقد رحل جابر بن عبد الله الأنصاري إلى عبد الله بن أُنيس شهراً كاملاً في حديث واحد.

وقد جاءت أدلة كثيرة في مشروعية ذلك، وكثرة أجره وثوابه. حتى قال سيدي إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.

د- وينبغي لطالب الحديث: أن يعمل بما سمعه من أحاديث العبادات، والفضائل والآداب والأخلاق وغير ذلك، فذلك زكاة ما جمع من الحديث وسبب لحفظه، فقد كان بشر الحافي يقول: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث: من كل مائتي حديث خمسة. قال عمرو بن قيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخبر فاعمل به ولو مرة تكن من أهله.

وقال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به.

هـ- وينبغي له: تعظيم شيخه فانه سبب الانتفاع به، وأن يعتقد جلالته ورجحانه، ويتحرّى رضاه ويحذر من سخطه، ولا يضجره بالتطويل عليه، ويستشيره في أموره التي تعرض له، وما يشتغل فيه وكيفية اشتغاله. وأن يصبر على جفوة شيخه، قال الأصمعي: من لم يتحمل ذل العلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً.

وأن لا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها.

و- ولا يستنكف أويستحي أن يأخذ العلم ممن هو دونه في نسب أو سنّ أو غيره. فقد قال مجاهد: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر، وقال عمر بن الخطاب: من رقَّ وجهه رقّ علمه. وقالت أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وقال وكيع: لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، ومن هو دونه.

ز- وينبغي لطالب الحديث: أن يتعرف صحة الحديث وحسنه وضعفه،ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله، محقِّقاً كل ذلك، معتنياً باتقان مشكله حفظاً وكتابةً، مقدماً في ذلك الصحيحين على سائر كتب السنن، والأهم من المسانيد والجوامع وكتب العلل، والأسماء وضبط الأسماء وغريب الحديث ونحو ذلك، على غيره.

ح- وينبغي أن يذاكره بمحفوظه ويباحث أهل المعرفة. قال سيدنا علي رضي الله عنه: تذاكروا هذا الحديث، إنْ لا تفعلوا يدرس. وقال ابن مسعود: تذاكروا الحديث فان حياته مذاكرة. وقال ابن عباس: مذاكرة العلم ساعةً خير من إحياء ليلة. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:32 AM
أنواع المصنفات في الحديث النبوي



وقد نوّع المحدثون التصانيف، وتفننوا فيها، مما يجعل تصانيفهم بتنوعها هذا ملبية للمطالب التي يتطلع إليها العلماء والباحثون في المراجع. وأهم أنواع التصنيف الأنواع الآتية:

أولاً: الكتب المصنفة على الأبواب:

وطريقة هذا التصنيف: أن تجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد إلى بعضها البعض، تحت عنوان عام يجمعها، مثل (( كتاب الصلاة ))، (( كتاب الزكاة ))، (( كتاب البيوع )) .. ثم توزع الأحاديث على أبواب، يضم كل باب حديثاً أو أحاديث في مسألة جزئية، ويوضع لهذا الباب عنوان يدل على الموضوع، مثل (( باب مفتاح الصلاة الطهور )) ويسمى المحدثون العنوان (( ترجمة )).



أ- الجوامع:

الجامع في اصطلاح المحدثين: هو كتاب الحديث المرتب الأبواب الذي يوجد فيه أحاديث في جميع موضوعات الدين وأبوابه وعددها ثمانية أبواب رئيسية هي:

العقائد، الأحكام، السير، الآداب، التفسير، الفتن، أشراط الساعة، المناقب.



وكتب الجوامع كثيرة ، أشهرها هذه الثلاثة:

1. الجامع الصحيح للإمام البخاري.

2. الجامع الصحيح للإمام مسلم.

3. الجامع للإمام الترمذي، والمشتهر بـ: (( سنن الترمذي ))، سمي سنناً لاعتنائه بأحاديث الأحكام.



ب- السنن:

كتب السنن هي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة، مرتبة على أبواب الفقه .

وأشهر كتب السنن:

سنن أبو داود، وسنن الترمذي - وهو جامع الترمذي كما ذكرنا - وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه.

ويطلق على هذه السنن: السنن الأربعة.

وإذا قالوا: الثلاثة فمرادهم هذه ما عدا ابن ماجه.

وإذا قالوا الخمسة : فمرادهم السنن الأربعة ومسند أحمد.

وإذا قالوا الستة : فمرادهم الصحيحان والسنن الأربعة.

ويرمزون لها في كتب التخريخ وكتب الرجال بهذه الرموز:

خ: للبخاري، م: للإمام مسلم، د: لأبي داود، ت: للترمذي، س: للنسائي، هـ: لابن ماجه، ع: للستة، عه للسنن الأربعة.

ج- المصنفات:

وهي كتب مرتبة على الأبواب لكنها تشتمل على الحديث الموقوف والحديث المقطوع، بالإضافة إلى الحديث المرفوع.

ومن أشهر المصنفات: مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (المتوفى سنة 211 هـ) ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة (المتوفى سنة 235 هـ).

د- المستدركات:

التعريف:

وأشهرها المستدرك للحاكم النيسابوري.

هـ- المستخرجات :

التعريف:

وأشهرها الكتب المخرجة على الصحيحين أو أحدهما.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:34 AM
ثانياً - الكتب المرتبة على أسماء الصحابة:

وهي كتب تجمع الأحاديث التي يرويها كل صحابي في موضع خاص يحمل اسم راويها الصحابي .

وهذه الطريقة مفيدة لمعرفة عدد مرويات الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم وطبيعتها، وتسهيل اختبارها، فضلاً عن كونها إحدى الطرق المفيدة في استخراج الحديث، بمعرفة الصحابي الذي يرويه، وما يتبع ذلك من سهولة درسه.

والكتب المرتبة على أسماء الصحابة نوعان:

أ- المسانيد:

والمسند هو الكتاب الذي تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة رضي لله عنهم، بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإسلامية، أو شرافة النسب.

والمسانيد كثيرة جداً أشهرها وأعلاها المسند للإمام أحمد بن حنبل، ثم مسند أبي يعلى الموصلي.

ب- الأطراف:

الأطراف جمع طرف، وطرف الحديث: الجزء الدال على الحديث، أو العبارة الدالة عليه، مثل حديث الأعمال بالنيات، وحديث الخازن الأمين، وحديث سؤال جبريل.

وكتب الأطراف: كتب يقتصر مؤلفوها على ذكر طرف الحديث الدال عليه، ثم ذكر أسانيده في المراجع التي ترويه بإسنادها، وبعضهم يذكر الإسناد كاملاً، وبعضهم يقتصر على جزء من الإسناد .

لكنها لا تذكر متن الحديث كاملاً، كما أنها لا تلتزم أن يكون الطرف المذكور من نص الحديث حرفياً فائدتها:

1. تسهيل معرفة أسانيد الحديث، لاجتماعها في موضع واحد .

2. معرفة من أخرج الحديث من أصحاب المصادر الأصول، والباب الذي أخرجوه فيه، فهي نوع من الفهارس متعدد الفوائد.



ومن أشهر كتب الأطراف هذان الكتابان:

1- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ الإمام أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى سنة 742 هـ . جمع فيه أطراف الكتب الستة، وبعض ملحقاتها، وهذه الملحقات هي:

1- مقدمة صحيح مسلم، 2- المراسيل لأبي داود السجستاني، 3- العلل الصغير للترمذي، 4- الشمائل للترمذي، 5- عمل اليوم والليلة للنسائي.

2- ذخائر المواريث في الأدلة على مواضيع الحديث: تصنيف الشيخ عبد الغني النابلسي (المتوفى سنة 1143 هـ ). جمع فيه أطراف الكتب الستة والموطأ، على طريقة ترتيب تحفة الأشراف وكأنه مختصر منه، لكنه امتاز بالتفنن في التصنيف حيث لاحظ التنوع في تراجم أسماء الصحابة، فقسم الكتاب بحسب ذلك إلى سبعة وهذه المصنفات لها طريقتان.

أ) كتب مجامع: تجمع أحاديث كتب حديثية متعددة.

ب) كتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة: أي الأحاديث التي تتداولها ألسنة العامة،

عني العلماء بجمعها في كتب خاصة لبيان حالها، ونذكر من أشهر هذه الكتب وأهمها كتابين:

1. "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة": للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (المتوفى سنة 902 هـ ).

2. "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس" للعلامة المحدث: إسماعيل بن محمد العجلوني (المتوفى سنة 1162 هـ ).



ثالثاً: المعاجم: المعجم في اصطلاح المحدثين : كتاب تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، والغالب عليها إتباع الترتيب على حروف الهجاء.

وأشهر مصنفات هذا النوع: المعاجم الثلاثة للمحدث الحافظ الكبير أبي قاسم سليمان بن أحمد الطبراني ( المتوفى سنة 360 هـ ): وهي:

المعجم الصغير والمعجم الأوسط، وكلامها مرتب على أسماء.

والمعجم الكبير: وهو على مسانيد الصحابة، مرتبة على حروف المعجم.

والمعجم الكبير هذا مرجع حافل، وهو أكبر المعاجم، حتى صار لشهرته إذا أطلق قولهم ((المعجم ))، أو أخرجه الطبراني كان المراد هو (( المعجم الكبير )).



رابعاً: الكتب المرتبة على أوائل الأحاديث:

وهي كتب مرتبة على حروف المعجم، بحسب أول كلمة من الحديث، تبدأ بالهمزة، ثم بالباء وهكذا…

وهذه الطريقة سهلة جداً للمراجعة، لكن لا بد لها من معرفة الكلمة الأولى من الحديث بلفظها، معرفة أكيدة، وإلا ذهب الجهد في البحث عن الحديث هنا دون جدوى.



ويلحق بهذا النوع من المصنفات: ما وضعه العصريون من مفاتيح لكتب حديثية، أو فهارس ألحقوها بكتاب من هذه الكتب على ترتيب حروف المعجم.

ومن هذه المفاتيح: مفتاح الصحيحين للتوقادي. ومن الفهارس: فهارس صحيح مسلم، وفهارس سنن ابن ماجه التي وضعها محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله وأجزل مثوبته.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:35 AM
خامساً: المصنفات الجامعة ( المجامع ):

وهي كتب تجمع أحاديث عدة كتب من مصادر الحديث، وهي مرتبة على طريقتين:



الطريقة الأولى: التصنيف على الأبواب، وأهم مراجعها:

1- "جامع الأصول من أحاديث الرسول": لابن الأثير المبارك بن محمد الجزري (المتوفى سنة 606 هـ).

2- "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال" للشيخ المحدث على بن حسام المتقي الهندي (المتوفى سنة 975هـ ) وهو أجمع كتب هذا الفن.



الطريقة الثانية: ترتيب الأحاديث على أول كلمة فيها حسب ترتيب حروف المعجم، وأهم المراجع فيها:

1-((الجامع الكبير )) أو (( جمع الجوامع )) للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة 911هـ) وهو أصل كتاب (( كنز العمال )) الذي سبق ذكره.

2-(( الجامع الصغير لأحاديث البشير النذير )) للإمام السيوطي أيضاً، اقتضبه من الجامع الكبير.



سادساً: مصنفات الزوائد:

وهي مصنفات تجمع الأحاديث الزائدة في بعض كتب الحديث على أحاديث كتب أخرى ، دون الأحاديث المشتركة بين المجموعتين.

وقد أكثر العلماء من تصنيف الزوائد ونذكر منها هذين الكتابين الجليلين:

1- ((مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)) للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ( 807 هـ) جمع فيه ما زاد على الكتب الستة من ستة مراجع هامة، وهي: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزاز، والمعاجم الثلاثة للطبراني.

2- (( المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية )): للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام العَلَم ( 852هـ).جمع فيه الزوائد على الكتب الستة من ثمانية مسانيد: (( وهي لأبي داود الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة)).

وأضاف زيادات من مسند أبي يعلى، ومسند إسحاق بن راهويه، ليست في مجمع الزوائد.



سابعاً: كتب التخريج:

وهي كتب تؤلف لتخريج أحاديث كتاب معين، ونعرف بأهمها فيما يلي:

1- (( نصب الراية لأحاديث الهداية )): تأليف الإمام الحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (المتوفى سنة 762هـ)، خرج فيه أحاديث كتاب (( الهداية )) في الفقه الحنفي لعلي بن أبي بكر المرغيناني، من كبار فقهاء الحنفية (المتوفى سنة 593هـ ).

2- ((المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار )) تأليف الحافظ الكبير الإمامعبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى سنة 806هـ).

3- (( التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير )) للحافظ ابن حجر.



ثامناً: الأجزاء:

الجزء: في اصطلاح المحدثين: هو تأليف يجمع الأحاديث المروية عن رجل واحد سواء كان ذلك الرجل من طبقة الصحابة أو مَن بعدهم:كجزء حديث أبي بكر-وجزء حديث مالك..

كما يطلق الجزء على التأليف الذي يدرس أسانيد الحديث الواحد ويتكلم عليه.



تاسعاً: المشيخات:

وهي كتب يجمع فيها المحدثون أسماء شيوخهم، وما تلقوه عليهم من الكتب أو الأحاديث مع إسنادهم إلى مؤلفي الكتب التي تلقوها.



عاشراً: العلل:

وهي الكتب التي يجمع فيها الأحاديث المُعلَّة، مع بيان عللها ، والتصنيف على العلل يأتي في الذروة من أعمال المحدثين، لما يحتاج إليه من الجهد الحثيث والصبر الطويل في تتبع الأسانيد، وإمعان النظر، وتكراره فيها لاستنباط خفيّ أمرها الذي يستره الطلاء الظاهري الموهم للصحة (1).

_______________________________

(1) انتهى باختصار من منهج النقد في علوم الحديث.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:36 AM
3- كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه

أهلية التحمل:

ركن أهلية التحمل عند الجمهور هو التمييز الذي يعقل به الناقل ما يسمعه ويضبطه.

وقد ضبط ذلك كثير من المحدثين في حده الأدنى بالسن وهو خمس سنين.

ويتفرع على هذا صحة سماع الكافر والفاسق بحيث يقبل منه بعد الإسلام والتوبة النصوح ما كان قد تحمله حال الكفر أو الفسق ، وهذه كتب السنة والسيرة فيها كثير من سماعات الصحابة لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهداتهم لأحواله قبل أن يسلموا.



طرق أخذ الحديث وتحمله

حصر العلماء طرق الأخذ للحديث وتلقيه عن الرواة بثماني طرق، توسعوا في دراستها وبيان أحكامها، نلخص لك أصولها فيما يلي:

1- السماع: وهو السماع من لفظ الشيخ إملاءً، أو تحديثاً من غير إملاء، وكل منهما من حفظ الشيخ أو كتابه. وهذا أعلى طرق التحمل وأرفعها.

2- العَرْض: القراءة على الشيخ، ويُسميها أكثر المحدثين "عرضاً" باعتبار أن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرؤه.

3- الإجازة: والإجازة هي: إذن في الرواية لفظاً يفيد الإخبار الإجمالي عرفاً، يعني أنها تتضمن إخباره بما أذن له بروايته عنه. وأركانها أربعة: مجيز، ومجاز، ومجاز به، وإجازة.

1- نوجز بيانها فيما يلي:

أ- أن يجيز الشيخ لشخص معين أو أشخاص بأعيانهم كتاباً يسميه أو كتباً يسميها لهم وهي جائزة عند الجمهور.

ب- الإجازة من معين في غير معين مثل أن يقول: (( أجزت لك أن تروي عني ما أرويه )) وهي مما يجوزه الجمهور.

جـ- الإجازة العامة كأن يقول، أجزت للمسلمين أو للموجودين.

د- الإجازة للمجهول أو بالمجهول، وهي فاسدة.

هـ- الإجازة للمعدوم كالإجازة للحمل في بطن أمه وهي غير صحيحة أيضاً.

و- إجازة ما لم يسمعه المجيز كأن يقول: أجزت لك أن تروي عني ما سأسمعه والصحيح بطلانها.

ز- إجازة المجاز مثل أن يقول: أجزت لك إجازتي، وهي جائزة.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:37 AM
4- المناولة: وهي مناولة الشيخ تلميذه كتاباً من سماعه.



والمناولة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: المناولة المقرونة بالإجازة مع التمكين من النُسخة.

النوع الثاني: المناولة المقرونة بالإجازة من غير تمكين من النسخة.

النوع الثالث: المناولة المجردة عن الإجازة.



5- الكتابة:

وهي أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر أو غائب عنه ويرسله سواء كتبه بنفسه أم أمر غيره أن يكتبه. وهي على نوعين:

النوع الأول: الكتابة المقرونة بالإجازة.

وهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة.

النوع الثاني: الكتابة المجردة من الإجازة.

والصحيح المشهور بين أهل الحديث هو تجويز الرواية بها، فإنها لا تقل عن الإجازة في إفادة العلم.

6- الإعلام :

وهو إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه من فلان، ويقتصر على ذلك دون أن يأذن للطالب في روايته عنه.

وذهب كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين إلى جواز الرواية لما تحمله بالإعلام من غير إجازة.

7- الوصية:الوصية وسيلة ضعيفة من طرق التحمل، وهي : أن يوصي المحدث لشخص أن تدفع له كتبه عند موته أو سفره.

وقد رخص بعض العلماء من السلف للموصى له أن يرويه عن الموصي بموجب تلك الوصية، لأن في دفعها له نوعاً من الإذن وشبهاً من العرض والمناولة، وهو قريب من الإعلام.

8- الوِجادة: وهو أن يقف على أحاديث بخط شخص راوٍ، معاصر له أو غير معاصر له، ولم يسمع الواجد تلك الأحاديث الخاصة التي وجدها من ذلك الشخص، وليست له منه إجازة فيها.

فله أن يرويَ عنه على سبيل الحكاية فيقول: "وجدت بخط فلان حدثنا فلان"..

أما روايته بـ"حدثنا" أو "أخبرنا" أو نحو ذلك مما يدل على اتصال السند فلا يجوز إطلاقا.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:38 AM
4-صفة رواية الحديث وشرط أدائه

أداء الحديث: هو تبليغه وإلقاؤه للطالب بصورة من صور الأداء.

وصور الأداء فرع مطابق لصور التحمل التي سبق درسها، فيحق لمن تحمل الحديث بأي قسم من أقسام التحمل أن يؤديه بأي قسم منها أيضا، ولا يشترط أن يكون أداؤه على نفس القسم من أقسام التحمل الذي تلقى به الحديث.

ركن أداء الحديث:هو روايته وتبليغه بصورة من صور الأداء، بصيغة تدل على كيفية تحمله.

وهو إما أن يكون من حفظ الراوي أو من كتابه ، وقد احتاط المحدثون جدا في الأداء بهما. ولم يجوزوا للراوي أن يحدث إلا بما تحقق أنه الصواب، فمتى كان بخلاف هذا أو دخله ريب أو شك لم يجز له الحديث بذلك، إذ الكل مجمعون على أنه لا يحدث إلا بما حقق، وإذا ارتاب في شيء فقد حدث بما لم يحقق أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ويخشى أن يكون مغيرا، فيدخل في وعيد من حدث عنه بالكذب، وصار حديثه في الظن، والظن أكذب الحديث.

ونسوق لك أهم ما ذكروا من المسائل في هذا الباب:



أولا -العبارة عن النقل بوجوه التحمل

ينبغي أن يطابق لفظ الأداء الصفة التي تحمل بها الراوي حديثه الذي يرويه، وقد ذكروا لكل طريقة من طرق التحمل صيغا خاصة بها في الأداء تعبر عنها وتنبئ بها، نوضحها لك فيما يلي:

1-العبارة عن التحمل بالسماع: يسوغ فيه كل ألفاظ الأداء مثل حدثنا ، وأخبرنا، وخبّرنا، وأنبأنا.

2- العبارة عن التحمل بالعرض: أسلم العبارات في ذلك أن يقول: " قرأت على فلان، أو قرىء على فلان وأنا أسمع"، ثم أن يقول : " حدثنا فلان قراءة عليه"، ونحو ذلك.

3و4-العبارة عن التحمل بالإجازة أو المناولة: اصطلح المتأخرون على إطلاق (( أنبانا )) في الإجازة، وكان هذا اللفظ عند المتقدمين بمنزلة (( أخبرنا)) فإن قال (( أنبأنا إجازة أو مناولة )) فهو أحسن.

5-العبارة عن الكتابة: يقول فيها: (( كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان))، أو (( أخبرني فلان مكاتبة أو كتابة)).

6و7 - العبارة عن الإعلام أو الوصية: يراعى فيه ما ذكرنا في الإجازة.

8- العبارة عن الوجادة: يجوز لمن تحمل بالوجادة أن يرويه على سبيل الحكاية فيقول: (( وجدت بخط فلان: حدثنا فلان )).



أهمية اصطلاحات الأداء:

1- أنها تعرفنا الطريقة التي حمل بها الراوي حديثه الذي نبحثه، فنعلم هل هي صحيحة، أو فاسدة.

2- أن الراوي إذا تحمل الحديث بطريقة دنيا من طرق التحمل ثم استعمل فيه عبارة أعلى كأن يستعمل فيما تحمله بالإجازة: حدثنا أو أخبرنا كان مدلساً، وربما أتهمه بعض العلماء بالكذب بسبب ذلك.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:40 AM
ثانياً: الرواية بالمعنى

وهي من أهم مسائل علوم رواية الحديث، لما وقع فيها من الخلاف والالتباس، وما أثير حولها من الشبهات:

لا خلاف بين العلماء في أن الجاهل والمبتدىء ومن لم يَمْهُر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل ، وفهم المعاني يجب عليه ألا يروي ولا يحكي حديثاً إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع.

ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة إلى جواز الرواية بالمعنى من مشتغل بالعلم ناقد لوجوه تصرف الألفاظ إلا أن يكون الحديث متعبداً بلفظه، أو يكون من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم .



تنبيهان:

1-ثمة أمر هام يجدر التنبه إليه، والتيقظ له، وهو أن هذا الخلاف في الرواية بالمعنى إنما كان في عصور الرواية قبل تدوين الحديث، أما بعد تدوين الحديث في المصنفات والكتب فقد زال الخلاف ووجب إتباع اللفظ، لزوال الحاجة إلى قبول الرواية على المعنى.

فلا يسوغ لأحد الآن رواية الحديث بالمعنى ، إلا على سبيل التذكير بمعاينة في المجالس للوعظ ونحوه، فأما إيراده على سبيل الاحتجاج أو الرواية في المؤلفات فلا يجوز إلا باللفظ.

2- ينبغي لمن يروي حديثاً بالمعنى أن يراعي جانب الاحتياط وذلك بأن يتبعه بعبارة:

((أو كما قال )) أو (( نحو هذا )) وما أشبه ذلك من الألفاظ.



ثالثاً - اختصار الحديث

وذلك بأن يروي المحدث بعض الحديث ويحذف البعض الآخر، بشرط أن لا يكون متعلقاً به.

جمهور المحدثين قديماً وحديثاً ذهبوا إلى جواز ذلك، وهذا هو الصحيح.



رابعاً: مراعاة القواعد العربية

قرر العلماء واتفقوا على أنه ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية .



خامساً- مراعاة المحذوف في الخط

وذلك كما ذكر ابن الصلاح وسائر العلماء: أنه (( جرت العادة بحذف (( قال )) و(( أن )) ونحوهما فيما بين رجال الإسناد خطاً، ولا بد من ذكره في حاله القراءة لفظاً، مثل :حدثنا أبو داود ثنا الحسَن بن علي عن شبابة قال …))

تُقْرأُ هكذا: ((حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسَن بن علي عن شبابة أنه قال …)).

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:40 AM
5- كتابة الحديث وصفة ضبطه

لقد استن المحدثون للكتابة آداباً تحقق الضبط الكامل لما يكتب على الصحف، ووضعوا تبعاً لذلك مصطلحات ساروا عليها، أصبح من المحتّم على الكاتب بمقتضى ذلك أن يسير على خطة دقيقة في الكتابة لكي يكون كتابه مقبولا.

كذلك يجب على طالب الحديث أن يعرف مصطلحاتهم في الكتابة ليكون أخذه سليماُ، فلا يأخذ من النسخ السقيمة، فيكون كمن حمل عن المخلطين، ولا يخطىء في فهم مصطلحاتهم فلا يستطيع الانتفاع بما خلفوه لنا من التراث الذي لا زال كثير منه مخطوطاً لم يطبع.



آداب كتابة الحديث:

وأهمها هذه الأمور التي تتوقف عليها صحة النسخة والانتفاع بها:

1-يجب على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شَكْلاً ونَقْطاً يؤمن معها الالتباس.

وينبغي أن يكون اعتناء الكاتب بضبط الملتبس من الأسماء أكثر من عنايته بضبط غيره من الأمور الملتبسة، فإن الأسماء لا تُدْرَكُ بالمعنى ، ولا يُسْتَدَلَّ عليها بسياق الكلام.

2- استحبوا في الألفاظ المشكلة أن يكرر ضبطها، يعني أن تضبط في متن الكتاب ثم يكتبها الكاتب مقابل ذلك في الحاشية ويضبطها، وكثيرا ما وجدناهم يكتبون بإزائها كلمة (بيان) لئلا تظن إلحاقا.

3- ينبغي على طالب العلم وطالب الحديث خاصة أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره.

ثم ليتجنب في إثباتها أمرين:

أحدهما: أن يرمز إليها بحرف مثل (ص) أو (صلعم) أو غير ذلك.

والثاني: أن يقتصر على كتابة الصلاة دون السلام أو العكس.

4- على الطالب مقابلة كتابه بالأصل الذي أسمعهم الشيخ منه، أو بنسخة الشيخ الذي يرويه عنه، وان كان إجازة، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه، أو نسخة تَحَقَّق ووثق بمقابلتها بالأصل.



اصطلاحات كتابة الحديث:

ونكتفي بإيراد أهمها مما يتوقف عليه حسن الانتفاع بالكتب الحديثية المخطوطة وسلامة الأخذ منها:

1-ضبط الحروف المهملة: ضبط كثير من العلماء الحروف المهملة بعلامة تدل على عدم إعجامها أي عدم نقطها، واختلفت اصطلاحاتهم في ذلك مما يوجب التيقظ، والحذر مـن الوقوع في الخطأ. فمنهم من يقلب النَّقطْ، أي يجعل النقط الذي فوق المعجمات تحت ما يشابهها من المهملات. فينقط نقطة تحت الراء، والصاد، والطاء، والعين، ونحوها من المهملات هكذا : ر، ص، ط، ع…..

ومن الناس من يجعل علامة الإهمال فوق الحروف المهملة كعلامة الظفر مضجعة على قفاها هكذا س، ر….

ومنهم من يجعل تحت الحرف المهمل رسما مصغرا لنفس الحرف مفردا، كالحاء، والدال، والطاء، والصاد وسائر الحروف الملتبسة.

2-الدائرة التي تفصل بين كل حديثين، أو بين كل فقرتين ، هي علامة وضعوها للفصل والتمييز بين أحد الحديثين عن الآخر. واستحب الخطيب البغدادي أن تكون الدارات غُفْلا. فإذا قابل النسخة فكل حديث يفرغ من مقابلته ينقط في الدائرة التي تليه نقطة، أو يخط في وسطها خطاً.

3-التخريج: أي إثبات شيء ساقط من الكتاب في حواشيه، وصورته أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطاً صاعداً إلى فوق، ثم يحنيه بين السطرين إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق هكذا،] [ ويبدأ في الحاشية بكتبة الكلام الساقط مقابلا للخط المنحني، ثم يكتب في آخره كلمة (( صح ))

4-الحواشي: ما يكتب في الطرر والحواشي من تنبيه أو تفسير أو اختلاف ضبط، فلا يخرج له خطاً لئلا يشتبه باللحق، ويظن ظان أنه من نفس الأصل.

5-التصحيح: وهو كتابة ((صح)) على الكلام، أو عنده وذلك إذا كان الكلام صحيحا رواية ومعنى غير أنه عرضة للشك أو الخلاف ، فيكتب عليه ((صح)) ليعرف أنه لم يغفل عنه، وأنه قد ضُبِط وصح على ذلك الوجه.

6-التضبيب: ويسمى أيضا التمريض ، ويجعل على الكلام الذي صح وروده كذلك من جهة النقل غير أنه فاسد لفظا أو معنى، أو ضعيف، أو ناقص، مثل أن يكون غير جائز من حيث العربية أو يكون شاذاً وما أشبه ذلك. فيُمَدُّ على مثل هذا الكلام خط أوله مثل الصاد، ولا يلزق بالكلمة المعلم عليها كيلا يظن ضربا وصورته هكذا صـ.

7-الضرب: وهو خط يمد على الكلام الغلط الذي يراد نفيه وإلغاؤه من الكتاب.

8-الرمز للألفاظ المكررة في الإسناد: غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز في قولهم :"حدثنا" و" أخبرنا " شاع ذلك وظهر جدا. أما حدثنا فيكتب شطرها الأخير وهو " ثنا " وربما اقتصر على الضمير منها " نا " وأما اخبرنا فيكتب الضمير مع الألف هكذا " أنا " ومنهم من يرمز إليها هكذا " أنبا".

وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر فانهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ما صورته (ح) وهي حاء مفردة مهملة ، للإشارة إلى التحويل من سند إلى سند آخر.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:42 AM
النوع الثالث: علوم الحديث من حيث القبول أو الرّد

أ- القسم الأول: في أنواع الحديث المقبول

1- الحديث الصحيح تعريفه

فائدة هامة في أسباب الاختلاف في تصحيح الأحاديث

حكم الحديث الصحيح

أصح الأسانيد، والاحتياط فيها.

قولهم: (( أصح شيء في الباب أو أحسن)).

مصادر الصحيح: وخصائصها:

1. الموطأ.

2. صحيح البخاري.

3. صحيح مسلم.

4. صحيح ابن خزيمة.

5. صحيح ابن حبان

6. المختارة

2- الحديث الحسن سبب الخلاف فيه، وتعريف الحسن لذاته.

اصطلاحات شاملة للصحيح والحسن: الجيد، والقوي الخ.

مصادر الحديث الحسن وخصائصها: السنن الأربعة ومسند أحمد وأبي يعلي.

ب- القسم الثاني: أنواع الحديث المردود.

الضعيف:

شروط القبول واحتياط المحدثين الشديد فيه.

مراتب الضعيف وأضعف الأسانيد.

مسألة هامة: ضعف الإسناد لا يقتضي ضعف المتن.

حكم الحديث الضعيف:

-المضعف.

-المتروك.

-المطروح.

-الحديث الموضوع: تعريفه وحكم روايته.

أسباب الوضع وأصناف الواضعين.(ظهور الخلاف الذي دب بين المسلمين بسبب الفتنة.-العداء للإسلام وقصد تشويهه.-الترغيب والترهيب لحث الناس على الخير.-التوصل إلى الأغراض الدنيوية.)

محاربة الوضع وأهم وسائلها.

علامات الحديث الموضوع :(العلامات في الراوي-علامات الوضع في متن الحديث المروي)

أهم مصادر الحديث الموضوع

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:43 AM
ونقسم أبحاث هذا النوع إلى قسمين:

أ-القسم الأول: أنواع الحديث المقبول.



الحديث الصحيح



الحديث الصحيح: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطاً كاملاً عن العدل الضابط إلى منتهاه، وخلا من الشذوذ والعلة.

شرح التعريف:

1-الاتصال: ومعناه أن يكون كل واحد من رواة الحديث سمع ممن فوقه حتى يبلغ قائله.

2-العدالة في الرواة: الملكة التي تحث على التقوى، وتحجز صاحبها عن المعاصي والكذب وما يخل بالمروءة.

3- الضبط: نوعان: ضبط صدر: وهو أن يسمع الراوي الحديث من الشيخ ثم يحفظه في صدره، ويستحضره متى شاء.

وضبط كتاب: وهو أن يسمع الراوي الحديث من الشيخ ثم يكتبه في كتاب عنده ويصونه من التحريف والتبديل.

4- الخلو من الشذوذ بأن لا يخالف الثقة من هو أوثق منه من الرواة.

5- الخلو من العلة: وهي سبب يطرأ على الحديث فيقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها.



ووجه دلالة هذه الشروط الخمسة على صحة الحديث:

أن العدالة والضبط يحققان أداء الحديث كما سمع من قائله، واتصال السند على هذا الوصف في الرواة يمنع اختلال ذلك في أثناء السند، وعدم الشذوذ يحقق ويؤكد ضبط هذا الحديث الذي نبحثه بعينه وأنه لم يدخله وهم، وعدم الإعلال يدل على سلامته من القوادح الخفية.



حكم الحديث الصحيح:

أجمع العلماء من أهل الحديث ومَنْ يُعْتَدُ به من الفقهاء والأصوليين على أن الحديث الصحيح حجةْ يجب العمل به، سواء كان راويه واحدا لم يروه غيره، أو رواه معه راو آخر، أو اشتهر برواية ثلاثة فأكثر.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:44 AM
الصحيح لغيره

الصحيح الذي سبق تعريفه هو الذي بلغ درجة الصحة بنفسه دون أن يحتاج إلى ما يقويه، ويسميه العلماء الصحيح لذاته. وهذا لا يشترط للحكم بصحته أن يكون عَزيزاً أي أن يُرْوّى من وجه آخر.

أما الصحيح لغيره: فهو الحديث الحسن لذاته إذا روي من وجه آخر مثله أو أقوى منه بلفظه أو بمعناه، فإنه يقوى ويرتقي من درجة الحسن إلى الصحيح، ويسمى الصحيح لغيره لأن الصحة لم تأت من ذات السند، وإنما جاءت من انضمام غيره له.



مرتبته: هو أعلى مرتبة من الحسن لذاته، ودون الصحيح لذاته.



أصح الأسانيد:

واختلفوا في ذلك على أقوال كثيرة، والصحيح في هذه المسألة أنه لا يقال عن إسناد: إنه أصح الأسانيد مطلقاً، إلا مع التقييد بالصحابي أو بالبلد.

مقيداً بالصحابي:مثاله: أصح الأسانيد عن أبي بكر: ما رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن حازم، عن أبي بكر.

مقيداً بالبلد: أصح أسانيد المكيين: ما رواه سفيان بن عينية، عن عمر بن دينار، جابر بن عبد الله. وهناك من يقول:

1- أصح الأسانيد : مالك عن نافع عن ابن عمر.

2- أصحها : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.

3-4 أصحها: محمد بن سيرين بن عَبِيدة السلماني عن علي.

5- سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.



أصح أحاديث الباب وأحسن:

يوجد في كلام المحدثين قولهم: "أصح شيء في الباب كذا" أو "أحسن شيء في الباب كذا". ويكثر ذلك في جامع الترمذي، وفي تاريخ البخاري.

ولا يلزم صحة الحديث ولكن قد يكون ضعيفاً ومرادهم بذلك الأرجح أو الأقل ضعفاً أو الأحسن أو الأمثل.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:46 AM
مصادر الحديث الصحيح

1- الموطأ:

مؤلفه الإمام مالك بن أنس الفقيه المجتهد نجم الآثار النبوية ، من كبار أئمة المسلمين ، ومن فقهاء المدينة الذين تحققت بهم كلمة النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة " [ أخرجه الترمذي ].



2- الجامع الصحيح للبخاري:

مؤلفه: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجُعْفيّ وَلاءً .

ولد سنة 194 بخزتنك قرية قرب بخارَى ، وتوفي فيها سنة 256 هـ.

وبدت عليه علائم الذكاء والبراعة منذ حداثته: حفظ القرآن - وهو صبي- ثم استوفى حفظ حديث شيوخه البخاريين ونظر في الرأي وقرأ كتب ابن المبارك حين استكمل ست عشرة سنة، فرحل في هذه السن إلى البلدان وسمع من العلماء وأكب عليه الناس وتزاحموا عليه ولم تطلع لحيته.

2- صحيح مسلم:

مصنفه الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري ولد بمدينة نيسابور سنة 206 هـ وتوفى بها سنة 261هـ. كان إماما جليلا مهابا، وكان غيوراً على السنة والذب عنها، تتلمذ على البخاري وأفاد منه ولازمه. وهجر مِنْ أجله من خالفه، وكان في غاية الأدب مع إمامه البخاري.

- 4صحيح ابن خُزَيْمَة :للإمام المحدث الكبير أبي عبد الله أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة (311هـ). وقد عُرِفَ بالتحري، حتى انه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول: (( إن صح الخبر )) أو (( إن ثبت كذا )) ونحو ذلك.

5- صحيح ابن حِبّان: للإمام المحدث الحافظ أبي حاتم محمد بن حِبّان البُسْتي، المتوفى سنة (354هـ) تلميذ ابن خزيمة، ويسمى كتابه هذا: ((التقاسيم والأنواع )).

هذان الكتابان صحيحا ابن خزيمة وابن حبان اشترط صاحباهما الصحة فيما يخرجانه فيهما، إلا أن العلماء لم يجمعوا عليهما بل وقعت انتقادات لأحاديث فيهما تساهلا في تصحيحها.

6- المختارة، للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة (643هـ)، وهو كتاب التزم ما يصلح للحجية.

لكن انتقد على الكتاب تصحيح أحاديث لا تبلغ رتبة الصحة، بل ولا رتبة الحسن.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:47 AM
2- الحديث الحسن:

الحديث الحسن: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الذي قل (خفَّ) ضبطه عن مثله إلى منتهى من غير شذوذ ولا علة.

الحسن لغيره: هو الحديث الضعيف إذا روى من طريق أخرى أقوى منه.

حكم الحسن: الحسن بنوعيه يشارك الصحيح في الاحتجاج والعمل به عند جميع الفقهاء وأكثر المحدثين، وإن كان دونه في القوة.



الحسن لغيره:

هو الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذِبهُ.

يستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين هما:

أ) أي يُروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.

ب) أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه أو انقطاع في سنده أو جهالة في رجاله.

مرتبته:

الحسن لغيره أدنى مرتبة من الحسن لذاته.

وينبني على ذلك أنه لو تعارض الحسن لذاته مع الحسن لغيره قُدِّمَ الحسنُ لذاته.

ألقاب الحديث المقبول:

كثيراً ما يستعمل المحدثون للدلالة على قبول الحديث ألقاباً غير قولهم: ((صحيح))، أو قولهم: ((حسن))، مثل ((الجيد))، و((القوي))، و ((الصالح))، و ((المعروف))، و ((المحفوظ))، و ((المُجَوَّد))، و ((الثابت)).

فأما الجيد، فقد قرر الحافظ ابن حجر أنه لا مغايرة بين صحيح وجيد عندهم، إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، كأن يرتقى الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي.

وأما الصالح، فيشمل الصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج بهما، ويستعمل أيضاً في ضعيف ضعفاً يسيراً لأنه يصلح للاعتبار.

وأما المعروف فهو مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشاذ.

والمجوّد والثابت يشملان أيضاً الصحيح والحسن.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:48 AM
مصادر الحديث الحسن

وأهم مصادر الحديث الحسن: السنن الأربعة، والمسند للإمام أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلى، نعرف بها فيما يلي:

1- "الجامع" للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذي، المولودسنة 209 هـ والمتوفى سنة 279 هـ.

وكان الترمذي من خواص تلامذة البخاري، شهد له العلماء بالعلم والحفظ والمعرفة، وبالديانة والورع، حتى إنه لغلبه الخشية عليه كُفَّ بصره آخر عمره بسبب البكاء من خشية الله تعالى.

2- "السنن" للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني المولود سنة (202 هـ) والمتوفى سنة (273هـ). وأبو داود من تلامذة البخاري أيضاً، أفاد منه وسلك في العلم سبيله، وكان يشبه الإمام أحمد في هديه ودله وسمته.

3- "المجْتَبَى" للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المولود سنة (215هـ) والمتوفى (303هـ) .

قال الدارقطني: (( أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره )).

))كان النسائي إماماً حافظاً ثبتا )).

4-"سنن المصطفى" لابن ماجه محمد بن يزيد القزويني الحافظ الكبير المفسر، ولد سنة (209هـ) وتوفي سنة (273). (( ابن ماجة ثقة كبير متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ ...)).

5- "المسند" للإمام المبجل أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والحديث، ولد سنة (164) وتوفي (241).

قال الشافعي: ((خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل )).

6- "المسند" لأبي يعلي الموصلي أحمد بن علي بن المثنى، ولد سنة عشر ومئتين، وارتحل في طلب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة، وعمِّر وتفرد ورحل إليه الناس. وتوفي سنة (307هـ) .

أثنى عليه العلماء ووصفوه بالحفظ والإتقان والدين .

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:49 AM
ب- القسم الثاني : أنواع الحديث المردود.

1- الضعيف.

الضعيف هو: ما لم يجمع صفة الحسن، بفقد شرط من شروطه.

قال البيقوني في منظومته:

وكل ما عن رتبة الحُسْنِ قَصُر فهو الضعيف وهو أقسام كُثُر

وشروط الحديث المقبول ستة هي:

اتصال السند، والعدالة، والضبط، وعدم الشذوذ وعدم العلة القادحة، وعدم وجود العاضد عند الاحتياج إليه.



أنواع الضعيف:

الحديث الضعيف له أنواع كثيرة، منها ما له لقب خاص، ومنها ما ليس له لقب خاص، وقد كثرت أقوال المحدثين في تقسيماته، فذكر الحافظ ابن الصلاح للضعيف تقسيمات باعتبار فقدان صفة واحدة من صفات القبول أو صفتين أو أكثر، فبلغت أقسامه عنده اثنين وأربعين،وأوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين، وبعضهم إلى تسعة وعشرين ومائة باعتبار التقسيم العقلي، وإلى واحد وثمانين باعتبار ممكن الوجود وإن لم يتحقق وقوعه، وقد بسط ذلك الحافظ العراقي. وكل ذلك كما قال الحافظ ابن حجر: تعب ليس وراءه أرب.

ويمكننا أن نذكر جملة مشهورة من أنواع الضعيف ونبين وجه تنوعها، تقريباً لفهم المبتدىء فنقول:

إذا فقد شرط اتصال السند: فان كان من أول السند ولو إلى آخره فهو المعلق، وإن كان من آخره فهو المرسل -على خلاف في الاحتجاج به- وإن كان من وسط السند: فان كان الساقط من الرواة واحداً فهو المنقطع. وإن كان اثنين إِثرَ بعضِهم فهو المعضل. ويدخل في هذه الزمرة أيضاً المعنعن الذي لم يحكم باتصاله.

وأما إذا فقد شرط العدالة: فان كان ذلك بسبب الجهالة بعين الراوي أو حاله فيقال فيه ضعيف للجهل بعين الراوي أو بحاله، وإن سمي الراوي باسم غير معين فهو المبهم، وإن كان فقد العدالة لفسق الراوي أو كذبه فانه تحت لقب المتروك، وإن كان ذلك مع المخالفة فهو المنكر -على رأي من يشترط فيه المخالفة-.

وأما إذا فقد الضبط: فان كان ذلك بسبب غفلة الراوي أو كثرة نسيانه أو خطأه في الحديث فيدخل تحت لقب المتروك أيضاً، وإن كان لاضطراب رواياته فهو المضطرب.

وأما إذا كان في الحديث علة قادحة فهو المعلل.

وإذا كان فيه شذوذ -أي مخالفة للثقات- فهو الشاذ.

وهناك أنواع للضعيف منها ما له لقب يخصه، ومنها ما ليس له لقب خاص، وإنما يذكر فيه وجه الضعف فقط.



ضعف الإسناد لا يقتضي ضعف المتن:

وههنا مسألة هامة جداً تدل على دقة نظر المحدثين في تطبيق أصول النقد، حيث نبهوا على أنه لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، كما أنه لا يلزم من صحة السند صحة المتن.

فقد يضعف السند و يصح المتن لوروده من طريق آخر، كما أنه قد يصح السند ولا يصح المتن لشذوذ أو علة.



حكم العمل بالحديث الضعيف:

اختلف العلماء في الأخذ بالضعيف على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: أنه لا يجوز العمل به مطلقاً.

المذهب الثاني: أنه يعمل به مطلقاً

المذهب الثالث: أنه يعمل به في الفضائل العملية والمواعظ والقصص ونحو ذلك مما ليس له تعلق بالعقائد والأحكام.

يستحب العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال من المستحبات والمكروهات، وهو مذهب جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم، وقد أوضح الحافظ ابن حجر شروطه خير إيضاح فقال: "إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:

الأول: متفق عليه، وهو أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه.

الثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً.

الثالث: ألا يُعْتَقَدَ عند العمل به ثبوته، لئلا ينسبَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله)).

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:50 AM
2- المضعف

وهو الذي لم يجمع على ضعفه، بل ضعفه بعضهم وقواه آخرون: إما في المتن أو في المسند.

3- المتروك

هو الحديث الذي يرويه من يتهم بالكذب ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي.

وهذا النوع يسمى متروكاً ولم يسم موضوعاً، لأن مجرد الاتهام بالكذب لا يُسَوِّغُ الحكم بالوضع.

4- المطروح

ما نزل عن الضعيف وارتفع عن الموضوع.



5- الحديث الموضوع: هو المختلق المصنوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بالحقيقة ليس بحديث، لكنهم سموه حديثاً بالنظر إلى زعم راويه.

وكثيراً ما يكون اللفظ المزعوم من كلام الحكماء أو الأمثال، أو من آثار الصحابة ينسبه الواضع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يكون من نسج خياله وإنشائه.

والحديث الموضوع هو شر الأحاديث الضعيفة، وأشدها خطراً، وضرراً على الدين وأهله.



أسباب الوضع: الأسباب التي حملت الوضاعين على اختلاق الأحاديث هي كثيرة نذكر أهمها:

الأول: قصد الواضع إلى إفساد الدين على أهله، كما فعلت الزنادقة إذ وضعوا أربعة عشر ألف حديث كما رواه العقيلي. منهم عبد الكريم ابن أبي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي. قال ابن عدي: لما أخذ يضرب عنقه قال: وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلِّل الحرام. ومنهم محمد بن سعيد الشامي المصلوب روى عن حميد عن أنس مرفوعاً: أنا خاتم النبيين لا نبيَّ بعدي إلا أن يشاء الله وضع هذا الاستثناء لما يدعو إليه من التنبؤ والإلحاد.

الثاني: قصد الواضع نصرة مذهبه.

كما روى ابن أبي حاتم عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعد ما تاب: انظروا عمن تأخذون دينكم! فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً.

الثالث: قصد الواضع التقرب إلى الرؤساء والأمراء بما يوافق فعلهم، كما في قصة غياث بن إبراهيم مع المهدي.

الرابع: رغبة الواضع في التكسب والارتزاق، كأبي سعيد المدائني.

الخامس: قصد الأجر والثواب في زعم الواضع. كما فعله قوم من الجهلة حيث وضعوا أحاديث في الترغيب احتساباً في زعمهم الباطل.

قال في التدريب: من أمثله ما وضع حِسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورةً وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن اسحاق، فوضعت هذا الحديث حِسبةً. وكان يقال لأبي عصمة هذا "نوح الجامع" قال ابن حبان: جمع كل شيء إلا الصدق.

السادس: قصد الواضع الاغراب لأجل الاشتهار.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 04:51 AM
محاربة الوضع وأهم وسائلها:

انبرى العلماء لمحاربة الوضع ودرء مفاسد الوضاعين، واتبعوا من أجل ذلك وسائل علمية دقيقة نلخصها.

لك فيما يلي:

1- البحث في أحوال الرجال وتتبع سلوكهم ورواياتهم، حتى فارقوا من أجل ذلك الأهل والأوطان .

2- التحذير من الكذابين وفضحهم، والإعلان بكذبهم على رؤوس الخلائق.

3- البحث عن الأسانيد: فلا يقبل حديث لا يوجد له إسناد.

4- اختبار الحديث بعرضه على الروايات الأخرى والأحاديث الثابتة.

5- وضع ضوابط يكشف بها الحديث الموضوع.

6- التصنيف في الأحاديث الموضوع، للتنبيه عليها، والتحذير منها.



علامات الحديث الموضوع

وهي علامات استخلصها المحدثون من أبحاثهم وتنقيبهم عن الأحاديث الموضوعة واحداً واحداً، تيسر معرفة الحديث الموضوع وتكفي مؤونة التطويل، وقد شملت هذه الضوابط النظر في حال الراوي، وفي حال المروي، كما نفصله فيما يلي :

علامات الوضع في الراوي:

1- إقراره بأنه وضعه.

2- أن يكذبه التاريخ.

3- أن تقوم قرينه في حال الراوي على أن ذلك المروي موضوع.

4- أن يتفرد برواية عن شيخه وشأن مرويات شيخه أن تشتهر.



علامات الوضع في المروي :

1- كون ذلك المروي ركيك المتن، لفظاً أو معنىً.

2- أن ينقب عن الحديث ثم لا يوجد عند أهله من صدور الرواة وبطون الكتب، بعد أن تم استقراء الأحاديث وتدوينها.

3- أن يكون الحديث مخالفاً للقضايا المقررة، كأن يكون مخالفاً للعقل ولا يقبل التأويل، أو اشتمل على أمر يدفعه الحس والمشاهدة أو الواقع التاريخي.

4- أن يخالف المروي دلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أو دليل العقل، ولم يقبل التأويل ليوافق ما خالفه، فأما إن قبل التأويل فلا.

5- استقراء الأبواب: أي قولهم لم يصح في الباب شيء أو إلا حديث كذا، وذلك لما قاموا به من استقراء للأحاديث وتبويبها. وهو ضابط هام رأينا التنبيه عليه لعظيم فائدته.

6- أن يكون المروي قد تضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعيد العظيم على الفعل الحقير، ويكون هذا في أحاديث القصص.

7- أن يكون خبراً عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله بمحمل الجمع العظيم، ثم لا يرويه إلا واحد.

حكم الوضع: الوضع بأنواعه حرام بإجماع المسلمين الذين يُعتد بهم.

أحكام الموضوع: اتفق العلماء على أن الموضوع ساقط الاعتبار بكل اعتبار، لأنه كذب مختلق.

حكم رواية الموضوع: تحرم روايته مع العلم بوضعه في أي معنى كان، سواء الأحكام والقصص والترغيب والترهيب، وغير ذلك، إلا أن يقرنه ببيان وضعه، لحديث مسلم:

" من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".



مصادر الحديث الموضوع:

وإليك أهم هذه المصادر فيما يلي:

1- الموضاعات: للإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ( 597) .

2- ((اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)) للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (911 هـ ).

3- (( تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة)). للحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني المتوفى ( 963 هـ).

4- ((المنار المنيف في الصحيح والضعيف)) للحافظ ابن قيم الجوزية (المتوفى سنة 751 هـ ).

5- ((المصنوع في الحديث الموضوع)). للحافظ علي القاري (المتوفى سنة 1014هـ).

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:04 AM
النوع الرابع: علوم المتن

أ- القسم الأول: علوم المتن من حيث قائله

1. الحديث القدسي

2. الحديث المرفوع

3. الموقوف

4. المقطوع

مسائل تتعلق بالموقوف والمقطوع

المسألة الأولى: مذاهب العلماء في حجية الحديث الموقوف

المسألة الثانية: ما له حكم الرفع من الحديث المقطوع لا يحتج به

ب- القسم الثاني: علوم متن الحديث من حيث درايته

1-غريب الحديث

2-أسباب ورود الحديث

3-ناسخ الحديث ومنسوخه

4-مختلف الحديث

5-محكم الحديث



المتن: هو ما انتهى إليه السند من الكلام.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:05 AM
ينقسم هذا النوع إلى قسمين:

أ- القسم الأول: علومُ متن الحديث من حيث قائله.

1-الحديث القدسي

الحديث القدسي: هو ما نُقل إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم مع إسناده إياه إلى ربه عز وجل.

ومن أمثلة الحديث القدسي:

حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى:

(( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه )) .

[أخرجه مسلم وابن ماجه].

الفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن:

"إن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند الرسول ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام".

ويختص القرآن بخصال ليست في الحديث القدسي أهمها:

1-أن القرآن معجز من أوجه وهي: كونه معجزة باقية على ممر الدهر، محفوظة من التغيير والتبديل، وبأن كل حرف منه بعشر حسنات، وبتعينه في الصلاة، وبتسميته قرآناً....

2-أننا تعبدنا بلفظ القرآن، ولا يجوز لمسه لمحدث ولا قراءته للجنب على ما ذهب إليه الأئمة الأربعة.

3-تواتر القرآن، وعدم تواتر الأحاديث القدسية -وهي ما نقل إلينا آحاداً بل فيها ما يضعف.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:06 AM
2-الحديث المرفوع

الحديث المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة وسواء كان المضيف هو الصحابي أو من دونه متصلاً كان الإسناد أو منقطعاً، فيدخل في المرفوع الموصول والمرسل والمتصل والمنقطع وهذا هو المشهور في حقيقته، وهناك أقوال أخرى في حقيقته وتعريفه.

3-الموقوف

وهو ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان الإسناد إليه متصلاً أم منقطعاً.

سمي موقوفاً لأنه وقف به عند الصحابي، ولم يرتفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.



4- المقطوع

هو: ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل.

حكم الاحتجاج به:

المقطوع لا يحتج به في شيء من الأحكام الشرعية، أي ولو صحت نسبته لقائله، لأنه كلام أو فعل أحد المسلمين، لكن إن كانت هناك قرينة تدل على رفعه، كقول بعض الرواة: -عند ذكر التابعي- "يرفعه" مثلاً، فيعتبر عندئذ له حكم المرفوع المرسل.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:08 AM
مسائل تتعلق بالموقوف والمقطوع

المسألة الأولى:

اختلف العلماء في الاحتجاج بما ثبت عن الصحابة من الموقوفات في إثبات الأحكام الشرعية.

فذهب الحنفية ومالك وأحمد إلى أنه حجة، لما أن حال الصحابة كان العمل بالنسبة وتبليغ الشريعة .

المسالة الثانية: ما له حكم الرفع:

إذا احتف الحديث الموقوف بقرائن معنوية أو لفظية تدل على رفعه فإنه يكون له حكم المرفوع ويحتج به.

وذلك في عدة صور بينها العلماء وهي:

أنواع الموقوف: الموقوف من حيث الحكم نوعان: موقف له حكم المرفوع، وموقوف ليس له حكم المرفوع. والأول على وجوه:

الأول: قول الصحابي: أُمرنا أو نهينا أو أوجب علينا أو أبيح لنا أو نحو ذلك من الإخبار عن الأحكام بصيغة ما لم يسم فاعله.

فكل ذلك مرفوع، لأن الآمر في ذلك والناهي والموجب هو النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: قول الصحابي: كنا نفعل، أو كنا نقول، أو كانوا يفعلون، أو كانوا يقولون، أو كنا لا نرى بأساً بكذا، أو كانوا لا يرون بأساً بكذا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسم وهو فينا، أو بين أظهرنا.

الثالث:قول صحابي: من السنة كذا، أو أصبت السنة أو السنة كذا وكذا.

الرابع: أن يتكلم الصحابي كلاماً في أمور نقلية أو يعمل عملاً لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، أو يحكم على فعل أنه طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو معصية.

الخامس: أقوال الصحابة في أسباب نزول الآيات الكريمة كقول ابن عباس رضي الله عنهما: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوَّدون ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] رواه البخاري.

وكذلك أقوال الصحابة في تفسير الآيات ومعانيها على وجه لا علاقة له باللغة،العربية، ولا مجال للرأي والاجتهاد فيه، كتفسير أمر مغيب من أمور الدنيا أو الآخرة أو الجنة أو النار، أو تعيين ثواب أو عقاب أو نحو ذلك. كقول أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} [المدثر: 29] قال: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفهم لفحة فلا تبقي لحماً على عظم.

وأما تفسير الصحابي المشتمل على بيان المعاني اللغوية، أو بيان حكم للرأي فيه مجال: فليس له حكم المرفوع.

السادس: قول التابعي فمن دونه عند ذكر الصحابي: يرفعه، أو يرفع الحديث، أو ينميه، أو يبلغ به، أو يرويه، أو رواه، أو رواية، فإن ذلك كله له حكم المرفوع. قال الحافظ العراقي:

وقولهم: يرفعه، يبلغ به رواية، ينميه: رفع فانتبه

ويلتحق بذلك ما إذا قيل عند ذكر الصحابي: "قال: قال" ففاعل "قال" الثاني هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكره العراقي ومثّل له بما رواه الخطيب بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال:"الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه".

وأما إذا قال الصحابي "عن النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه" فهو في حكم قوله:عن الله عز وجلّ، ويكون من الأحاديث الإلهية.

النوع الثاني: ما ليس له حكم المرفوع، وهو ما عدا الوجوه التي لها حكم الرفع.



المسألة الثالثة في الحديث المقطوع:

الحديث المقطوع لا يحتج به في إثبات شيء من الأحكام الشرعية، وإذا احتف بقرائن تفيد رفعه، فإنه عندئذ يكون حكمه حكم المرفوع المرسل، لسقوط الصحابي منه.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:08 AM
ب- القسم الثاني: علوم متن الحديث من حيث درايته.

1- غريب الحديث.

غريب الحديث: هو ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها.

ومعرفة معاني هذه الألفاظ علم مهم بالنسبة للمحدث، كي لا يكون ناقلاً للأخبار لا يدري ما يرويه.

2- أسباب ورود الحديث

وهو ما ورد الحديث متحدثاً عنه أيام وقوعه.

ومنزلة هذا الفن من الحديث كمنزلة أسباب النزول من القرآن الكريم .

وهو طريق قوي لفهم الحديث، لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبَّبِ.

3- ناسخ الحديث ومنسوخه

النسخ: هو رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر .

وقد وقع النسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لحكم جليلة، منها ضرورة التدرج بالناس من حضيض الجاهلية إلى علو المثالية الإسلامية.

ويعرف النسخ بأمور:

منها:- أن يثبت بتنصيص الشارع عليه، كحديث ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) . [ أخرجه مسلم وغيره ] .

ومنها:- بجزم الصحابي المتأخر، كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:

(( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار )) [أخرجه أبو داود والنسائي ].

ومنها:- ما عرف نسخه بالتاريخ، كحديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أفطر الحاجم والمحجوم )).

ومنها:- ما عرف نسخه بالإجماع. قال السيوطي والمثال الصحيح لذلك ما رواه الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه قال: كنا إذا حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان. قال الترمذي: أُجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبي عنها غيرها.



4- مختلف الحديث

وربما سماه المحدثون ((مشكل الحديث)).

وهو أن يوجد حديثان متضادان في المعنى بحسب الظاهر.

وهو من أهم ما يحتاج إليه العالم والفقيه، ليقف على حقيقة المراد من الأحاديث النبوية، لا يَمْهَرُ فيه إلا الإمام الثاقب النظر.

5- محكم الحديث.

حكمه: أما الحكم في ذلك فهو أن ينظر في ذلك:

1. فإن أمكن الجمع بينهما بوجه صحيح فلا يعدل عنهما، بل يعمل بهما معاً.

2. وأما إذا كان الحديثان المتعارضان لا يمكن الجمع بينهما، فإن علمنا أن أحدهما ناسخ للأخر بوجه من الوجوه الدالة على النسخ، أخذنا بالناسخ.

3. وإن لم يثبت النسخ أخذنا بالأرجح منهما.

وهو ((الأخبار التي لا معارض لها بوجه من الوجوه)).

مثال ذلك : حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي مستترة بقرام فيها صورة تماثيل، فتَلَوَّن وجهه، ثم أهوى على القرام فهتكه بيده، ثم قال:

"إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله" [ متفق عليه ].

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:10 AM
النوع الخامس: علوم السند

أ- القسم الأول: علوم السند من حيث الاتصال

المتصل

-المسند

- المعنعن والمؤنن

· المسلسل

· -العالي

· -النازل

· -المزيد في متصل الأسانيد

· -حكم الاتصال وأنواع المتصل

ب- القسم الثاني: علوم السند من حيث الانقطاع

1. المنقطع

2. -المرسل(حكم المرسل-تتمة في مرسل الصحابي)

3. -المعلق

4. المعضل

5. المدلس(القسم الأول: تدليس الإسناد-الأول: تدليس الاسقاط-الثاني: تدليس التسوية-الثالث: تدليس القطع-الرابع: تدليس العطف-القسم الثاني: تدليس الشيوخ)

6. المرسل الخفي(وسائل معرفة الإرسال)

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:12 AM
المراد بالسند هنا: هو الطريق الموصلة إلى المتن -يعني رجال الحديث- وسموا بذلك لأنهم يسندون الحديث إلى مصدره.

والبحث في السند دعامة أساسية في علوم الحديث، وفي التوصل إلى هدفه الأسمى والغرض المطلوب منه، وهو تمييز الحديث المقبول من المردود.

لذلك عني المحدثون بتحقيق الأسانيد والبحث فيها، لما أنه كثيراً ما يتوصل عن طريق السند إلى نقد للمتن لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق البحث في السند.



أ- القسم الأول: علوم السند من الإتصال

1- المتصل

هو الحديث الذي اتصل إسناده بسمع كل راوٍ ممن فوقه من أوله إلى منتهاه، مرفوعاً أو موقوفاً.

2- المسند

الحديث المسند: هو ما اتصل سنده مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فلا يدخل الموقوف والمقطوع ولو اتصل إسنادهما، ولا المنقطع، ولو كان مرفوعاً.

وهذا هو المعتمد المشهور في تعريف المسند.

3و4- المعنعن والمؤنن

هذان النوعان يدرسان بعض الصيغ التي يستعملها الرواة في النقل عمن فوقهم، لما فيها من احتمال عدم الاتصال.

والمعنعن: هو الذي يقال في سنده: فلان عن فلان، دون بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع، فهو من صفات الإسناد.

حكم المعنعن: اختلف العلماء في حكم المعنعن أهو من قبيل المتصل أم من قبيل المنقطع؟.

فذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين إلى أنه يعتبر من المتصل بشرطين

أحدهما: سلامة معنعنه من التدليس. والثاني: ثبوت ملاقاته لمن رواه عنه بالعنعنة على مذهب البخاري وشيخه علي بن المديني وغيرهما. أو ثبوت كونهما في عصر واحد مع إمكان اللقاء، وإن لم يثبت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها عند الإمام مسلم.

وأما المؤنن: فهو الذي يقال في سنده: فلان أن فلاناً …إلخ

حكم المؤنن: ذهب الجمهور إلى التسوية بين الرواية بلفظ: عن فلان ولفظ: أن

فلاناً، ولا عبرة للحروف إنما هو اللقاء أو المعاصرة مع إمكان اللقاء، والسلامة من التدليس.

5- المسلسل

المسلسل في اصطلاح المحدثين : هو الحديث الذي توارد رجال إسناده واحداً فواحداً على حاله واحدة، أو صفة واحدة للرواة و للرواية.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:13 AM
6- العالي

الإسناد العالي: هو الإسناد الذي قل عدد رجاله مع الاتصال.

وكذا إذا تقدم سماع رواية، أو تقدمت وفاة شيخه.

وينقسم العلو بحسب جهته أقساماً خمسة، ترجع إلى قسمين رئيسيين : علو مسافة بقلة الوسائط، وعلو صفة.

أما العلو بالمسافة فهو ثلاثة أقسام:

القسم الأول: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث العدد بإسناد صحيح.

القسم الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث. وهو علو نسبي.

القسم الثالث: العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المشتهرة، وهو أن يعلو إسناد المحدث بالنسبة إلى روايته عن طريق الصحيحين وبقية الستة.



وأما علو الصفة: فهو هذان القسمان الباقيان.

الأول: العلو بتقدم وفاة الراوي.

الثاني: العلو بتقدم السماع من الشيخ.

7- النازل

الحديث النازل: ضد العالي، وهو الإسناد الذي كثر عدد رجاله.

ينقسم النزول إلى خمسة أقسام وهي:

1- كثرة الوسائط إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وهو نزول مسافة مطلق.

2- كثرة الوسائط إلى إمام من أئمة الحديث . وهو نزول مسافة نسبي.

3- نزول الإسناد من طريق غير الكتب الستة عن الإسناد من طريقها. وهو نزول مسافة نسبي أيضا.

4و5- تأخر الوفاة وكذا تأخر السماع وهما نزول صفة.



8- المزيد في متصل الأسانيد

وهو أن يزيد راو في الإسناد المتصل رجلاً لم يذكره غيره.



حكم الاتصال وأنواع المتصل

اتصال السند له شأن كبير في مصطلح الحديث، يتوقف عليه قبول الحديث كما عرفت من قبل، فإذا وجد الاتصال مع سائر شروط القبول كان الحديث مقبولاً، وإلا كان مردوداً، فأنواع هذا القسم مشتركة بين أقسام الحديث الثلاثة : الصحيح، الحسن، الضعيف.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:14 AM
ب- القسم الثاني : علومُ السنَدِ مِنْ حَيثُ الانقطاع.

1- المنقطع

هو ما سقط من إسناده راو أو أكثر قبل الصحابي لا على التوالي. وهو قول أكثر المحدثين، وهو الصحيح.

2- المرسل

هو رواية التابعي مطلقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا تعريف أكثر المحدثين، منهم الحاكم وابن الصلاح وابن حجر وغيرهم، وهو الصحيح.

حكم المرسل:

اختلف العلماء في حكم المرسل على أقوال أشهرها ثلاثة:

القول الأول: أنه يجوز الاحتجاج له مطلقاً، وهذا قول الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنهما، وأتباعهم من الفقهاء والمحدثين والأصوليين.

القول الثاني: أنه ضعيف لا يحتج به. وقد حكى النووي "التقريب: هذا القول عن جماهير من المحدثين وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول.

القول الثالث: هو التفصيل وهو قول الإمام الشافعي. وذلك أن المرسل يحتج به إذا اعتضد بعاضد: بأن يُروى مسنداً، أو مرسلاً من جهة أخرى أو يعمل به بعض الصحابة، أو أكثر الفقهاء.

3- المعلق

والحديث المُعَلَّق: هو الحديث الذي حُذِفَ من مُبْتَدأ سنده، واحد فأكثر على التوالي ولو إلى نهاية السند، وعزي لمن فوق المحذوف.

4- المعضل

وفي اصطلاح المحدثين: هو ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر في موضع واحد على التوالي، سواء كان في أول السند أو وسطه أو منتهاه.

حكمه: من أنواع المردود للجهالة بحال الساقط.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:15 AM
5- المدلس

أنواع التدليس: التدليس نوعان تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.

أولاً: تدليس الإسناد: هو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو يروي عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه سمعه منه، بأن يقول: عن فلان، أو قال فلان، أو أن فلاناً فعل كذا، أو أن فلاناً قال كذا، ونحو ذلك من كل لفظ يوهم الاتصال ولا يقتضيه.

أما إذا روى عمن لم يعاصره بلفظ يوهم الاتصال فليس بتدليس على الصحيح

المشهور بل هو منقطع. ويعبَّر على ذلك بأنه إرسال ظاهر.

وإذا صرح بالسماع ولم يكن سمع من شيخه ولم يقرأ عليه فانه يكون من باب

الكذب الصريح فيكون مجروحاً مردود الرواية. وهذا النوع من التدليس أشار إليه الإمام البيقوني بقوله: الأول الإسقاط للشيخ الخ…

حكم تدليس الإسناد:إن هذا النوع من التدليس مكروه جداً قد ذمَّه أكثر العلماء، حتى إن فريقاً منهم ردَّ رواية من عرف بذلك وإن صرح بالسماع كما حكاه النووي، ثم بين أن القول الصحيح في ذلك هو التفصيل: فما رواه المدلِّس بلفظ محتمل لم يبين فيه الاتصال لا يقبل، كقوله: عن فلان، ويحكم عليه بالانقطاع. وما بين فيه الاتصال بأن قال في بعض رواياته: حدَّثني فلان، أو سمعت فلاناً، أو حدثنا أو أخبرنا أو نحو ذلك، فهو مقبول محتج به حيث كان ثقة، لأن الرواية التي جاءت بلفظ الاتصال دلت على أن الرواية التي جاءت بلفظ محتمل كـ (عن فلان) أو نحوه هي متصلة أيضاً.

ثانياً: تدليس الشيوخ: وهو: أن يسمى الراوي شيخه باسم أو يكنيه بكنية أو يلقبه بلقب أو ينسبه إلى قبيلة أو بلدة أو يصفه بصفة غير ما اشتهر به من الاسم أو الكنية أو اللقب أو النسبة أو الصفة.

مثال ذلك: قول أبي بكر بن مجاهد المقرىء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد به:

عبد الله بن أبي داود السجستاني صاحب السنن.

حكم هذا النوع: هذا النوع مكروه عند علماء الحديث، لأنه إذا ذكر شيخه بما لا يعرف به، فقد دعا إلى جهالته، فربما يبحث عنه الناظر فيه فلا يعرفه. ولما في ذلك من تضييع المروي عنه. ويختلف الحال في كراهة هذا النوع باختلاف القصد الحامل عليه.

فشره أن يكون الحامل على ذلك هو ضعف المروي عنه، فيدلسه حتى لا تظهر

روايته عن الضعفاء، كما فعل بعض المدلسين في محمد بن السائب الكلبي الضعيف حيث قال فيه: حماد. فلا ريب أن هذا حرام لتضمنه الغش والخيانة.

وقد يكون الحامل عليه كون المروي عنه أصغر سناً من المدلس، أو أكبر لكن بيسير،

أو بكثير لكن تأخر موته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه.

وقد يكون الحامل على ذلك إبهام كثرة الشيوخ، بأن يروي عن الشيخ الواحد في موضع بصفة، وفي موضع آخر بصفة أخرى يوهم أنه غيره.



6- المرسل الخفي

والمعتمد أن المرسل الخفي هو الحديث الذي رواه الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، ولم يلقه.



وسائل معرفة الإرسال:

1- أن يُعرف عدم اللقاء بينهما بنص بعض الأئمة على ذلك، أو يعرف بوجه صحيح من البحث في تواريخ الرواة.

2-أن يُعرف عدم السماع منه مطلقاً بنص إمام على ذلك، أو نحوه، كأن يصرح الراوي نفسه بذلك.

3- أن يُعرف عدم سماعه منه لذلك الحديث فقط، وإن سمع منه غيره، إمام بنص إمام أو إخباره عن نفسه.

4- أن يَرِدَ في بعض طرق الحديث زيادة اسم راوٍ بينهما.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:16 AM
النوع السادس: العلوم المشتركة بين المتن والسند

أ- القسم الأول: تفرد الحديث

الغريب

الإفراد

حكم الغريب والفرد

ب- القسم الثاني: تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم

المتواتر: تعريفه وشرحه وأقسامه

-المشهور

-المستفيض

-العزيز

-التابع والشاهد تعريفهما والفرق بينهما

جـ- القسم الثالث: اختلاف روايات الحديث

زيادات الثقات تعريفها وأقسامها

القسم الأول: زيادة السند وتحقيق أنها تقبل من حافظ متقن

القسم الثاني: زيادة في المتن وهي ثلاثة أنواع وحكم كل نوع

الشاذ والمحفوظ

· المنكر والمعروف

· حكم المنكر بحسب إطلاقاته-قولهم : " أنكر ما رواه فلان" لا يعني ضعفه!

-المضطرب

-المقلوب

-المدرج ومدرج الاسناد له صور أجملناها في ثلاث

-كيف يعرف المدرج

-حكم المدرج والإدراج وأثره في حديث الراوي

-المصحف وله تقاسيم عديدة لطيفة ذكرناها

المعلل انتقاد استعماله من حيث اللغة

تعريف العلة والحديث المعل وتقسيمه بحسب موقع العلة

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:18 AM
1. القسم الأول: تفَرّدُ الحَدِيثِ

1-الغريب

لغة: هو المنفرد أو البعيد عن أقاربه.

إصطلاحاً: هو الحديث الذي تفرد به راويه، في أي طبقة من طبقات السند.

وقد قسم العلماء الغريب بحسب موضع الغرابة فيه أقساماً كثيرة، ترجع إلى قسمين:

الأول: الغريب متنا وإسناداً .

وهو الحديث الذي لا يروى إلا من وجه واحد.



القسم الثاني: الغريب إسناداً لا متنا.

وهو والحديث الذي اشتهر بوروده من عدة طرق عن راو، أو عن صحابي أو عدة رواة، ثم تفرد به فرواه من وجه آخر غير ما اشتهر به الحديث.



2- الأفراد

الحديث الفرد: هو ما تفرد به راويه بأي وجه من وجوه التفرد.

وهو قسمان: الفرد المطلق، والفرد النسبي.

القسم الأول: الفرد المطلق: هو ما كانت الغرابة أو التفرد من أصل سنده، وأصل السند هو طرفه الذي فيه صحابي.

القسم الثاني: الفرد النسبي: هو ما كانت الغرابة أو التفرد في أثناء سنده.



حكم الغريب والفرد:

يخضع حكم هذين النوعين إلى استيفائهما شروط الصحة أو الحسن أو عدم استيفائها،

فينقسم كل منهما ممن حيث القبول أو الرد ثلاثة أقسام:

1. الغريب الصحيح، أو الفرد الصحيح، وهو ما توفرت في سنده شروط الصحة.

2. الغريب الحسن أو الفرد الحسن، وهو ما توفرت فيه صفات الحسن لذاته.

3. الغريب الضعيف أو الفرد الضعيف، وهو ما لم تتوفر فيه صفات الصحيح ولا الحسن.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:19 AM
ب- القسم الثاني: تعدّدُ روَاةِ الَحدِيثِ مَعَ اتِفاقِهِم

1-المتواتر

لغة: اسم فاعل مشتق من التواتر، وهو التتابع.

اصطلاحاً: الحديث المتواتر هو الذي رواه جمع كثير في كل طبقة من طبقات السند يؤمن عادةً تواطؤهم على الكذب عن مثلهم، إلى انتهاء السند واستندوا إلى أمر محسوس.

فقولهم: ((جمع كثير)) أي من غير تقييد بعدد، إنما المقصود العدد الذي يحصل به إحالة العقل تواطؤهم (أي اتفاقهم) على الكذب. وكذا وقوع الكذب أو السهو منهم بالمصادفة.

وقولهم: ((عن مثلهم إلى انتهاء السند)) خرج به ما كان آحاديا في بعض الطبقات ثم رواه عدد التواتر بعد ذلك، فإنه لا يكون متواترا.

مثل حديث: (( إنما الأعمال بالنيات)) فإنه آحادي في مبدأ إسناده وإنما طرأ عليه التواتر في وسط الإسناد، فلا يكون متواتراً.



حكم المتواتر:

أقسام المتواتر:

يقسم العلماء الحديث المتواتر إلى قسمين: متواتر لفظي، ومتواتر معنوي.

أما المتواتر اللفظي: فهو ما تواترت ألفاظه. كحديث ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)).

وأما المتواتر المعنوي: هو ما تواترت معانيه دون ألفاظه مثل أحاديث: رفع اليدين في الدعاء.

هل يشترط للتواتر عدد معين:

اختلف في ذلك على قولين:

1. اشتراط عدد معين فقيل: أربعة، وقيل: خمسة، وقيل سبعة، وقيل: اثنا عشر، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون، وقيل: غير ذلك.

2. عدم اشتراط عدد معين واشتراط إحالة العادة تواطؤ الرواة على الكذب، وهو الصحيح.

2- المشهور

ما رواه ثلاثة أو أكثر في كل طبقة من طبقات السند ولم يبلغ حد التواتر.

حكم الحديث المشهور:

ينقسم الحديث المشهور من حيث القبول أو الرد إلى ثلاثة أقسام: الصحيح، والحسن، والضعيف.

3-المستفيض

وهو الحديث المشهور عند جماعة من العلماء.

4- العزيز

هو الذي يكون في طبقة من طبقات سنده راويان فقط .

5و6و7- التابع والشاهد والاعتبار

أما المتابَعَة، فهي أن يوافقَ راوي الحديث على ما رواه من قِبَلِ راو واحد أو أكثر عن شيخه أو عمن فوقه.



وأما الشاهد: هو أن يروي حديث آخر إما بلفظه ومعناه أو بمعناه فقط عن صحابي آخر.

وأما الاعتبار: هو تتبع طرق الحديث الذي ظن أنه تفرد به راويه ليعلم هل له تابع أو شاهد أم لا.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:20 AM
ج- القسم الثالث: اختِلافُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ

1- زيادات الثقات

زيادة الثقة: هي ما يتفرد به الثقة في رواية الحديث من لفظة أو جملة في السند أو المتن.

تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الزيادة في السند: ومنها ما يكثر من اختلاف الرواة في وصل الحديث وإرساله، وكذا في رفعه ووقفه.

القسم الثاني: الزيادة في المتن : وهي أن يروي أحد الرواة زيادة لفظة أو جملة في متن الحديث لا يرويها غيره.

2و3- الشاذ والمحفوظ

الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه لكثرة عدد أو زيادة حفظ . والمحفوظ: مقابل الشاذ، وهو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو دونه في القبول.

4و5- المنكر والمعروف

المنكر ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة (وهو الذي استقر عليه الصلاح).

وهذا القسم يقع في مقابلة المعروف.

والمعروف هو: حديث الثقة الذي خالف رواية الضعيف.

أما حكم المنكر: فهو بالنسبة للاصطلاح الأول ضعيف جداً.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:21 AM
6- المضطرب

هو الحديث الذي تقع المخالفة فيه بإبدال راو براو، أو مروي بمروي، أو باختلاف في وصل أو إرسال مع عدم ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى وعدم الجمع بينهما وعرَّف أيضاً بأنه: الحديث الذي يروى من قبل راو واحد أو أكثر على أوجه مختلفة متساوية، لا مرجح بينها، ولا يمكن الجمع.



7- المقلوب

والمقلوب في اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي أبدل فيه رواية شيئاً بآخر في السند أو المتن سهواً أو عمداً.

يمكن أن نقسِّم المقلوب إلى قسمين:

القسم الأول: ما وقع من الراوي سهواً كأن يروي الحديث بإسناد لحديث آخر.

القسم الثاني: ما وقع فيه القلب عمداً.

مثاله: في السند: ما يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبة كأن يقول:

كعب بن مرة بدل مرة بن كعب.

من: المتن: ما رواه الطبراني عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم".

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:22 AM
8- المدرج

ما ذكر في ضمن الحديث متصلاً به من غير فصل وليس منه .

وقد قسموا الإدراج بحسب موضعه إلى قسمين: مدرج المتن، ومدرج الإسناد.

القسم الأول: مدرج المتن:

وهو ما ذكر في ضمن متن الحديث من قول بعض الرواة الصحابي أو من دونه موصولاً بالحديث.

القسم الثاني : مدرج الإسناد: ما غُير سياق إسناده.

-أقسام مدرج السند

ذكر العلماء لأدرج السند صوراً متعددة يمكن أن تجمل فيما يلي:

1-أن يسمع الراوي حديثاً عن جماعة مختلفين في إسناده، فيرويه عنهم بإسناد واحد، ولا يبين اختلافهم .

2- أن يكون المتن عند راوٍ إلا طرفاً منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه عنه راوٍ تاماً بإسناد واحدٍ.

3- أن يسوق المحدث إسناد حديث، ثم يعرض له عارض فيقول كلاماً من عند نفسه فيظنه بعض السامعين متن ذلك الإسناد، فيرويه به.



كيف يعرف المدرج:

1- بوروده منفصلاً من رواية أخرى.

2-بالنص على ذلك من الراوي نفسه، أو بعض الأئمة المطلعين.

3- باستحالة كونه صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.



حكم المدرج والإدراج:

والمدرج من أنواع الحديث الضعيف، لأنه إدخال في الحديث لما ليس منه.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:22 AM
9- المصحَّف

المصحف: هو ما كانت المخالفة فيه بتغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخط.

ويقع التصحيف في سند الحديث ومتنه.

أقسام التصحيف:

1- تصحيف السمع: كأن يقول الشيخ حدثنا عاصم الأحول، فيرويه بعضهم واصل الأحدب.

2- تصحيف البصر: ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في المسجد "احتجم" تصحيف، وإنما هو بالراء: "احتجر" فصحفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتاب بغيرِ سماع.

10- المعلل

والعلة: هي عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فقدحت في صحته مع أن الظاهر السلامة منها.

والحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.

وينقسم الحديث المعلل بحسب موقع العلة إلى المعل في السند، ومعل في المتن، ومعل فيهما.

القسم الأول: المعل في السند وهو الأكثر والأغلب.

القسم الثاني: المعل في المتن.

القسم الثالث: المعل في السند والمتن.



كيف يعرف الحديث المعل:

1- تعرف بجمع طرق الحديث والنظر في اختلاف الرواة والاعتبار بمكانهم في الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.

2- موازنة نسق الرواة فيالإسناد بمواقعهم في عامة الأسانيد.

3- حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم للرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك.

4- أن ينص على علة الحديث، أو القدح فيه أنه معلل إمام من أئمة الحديث المعروفين بالغوص في هذا الشأن.

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:29 AM
الطهارة ‏


‏ ‏
الطهارة
الإستنجاء
الوضوء
التيمم
الحيض، النفاس، الاستحاضة، الجنابه ‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:30 AM
الطهارة


تعريف الطهارة:‏
الطهارة في اللغة: النظافة.‏
وفي الشرع: هي عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة.‏
‏ ‏
تقسيم الطهارة:‏
الطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس، أي: حكمية وحقيقية.‏
فالحدث هو: الحالة الناقضة للطهارة شرعاً، بمعنى أن الحدث إن صادف طهارة نقضها، وإن لم ‏يصادف طهارة فمن شأنه أن يكون كذلك.‏
وينقسم إلى قسمين: الأكبر والأصغر، أما الأكبر فهو: الجنابة والحيض والنفاس، وأما الأصغر ‏فمنه: البول والغائط والريح والمذي والودي وخروج المنى بغير لذة، والهادي وهو: الماء الذي ‏يخرج من فرج المرأة عند ولادتها.‏
وأما النجس: فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان. ويعبر عنه بالخبث ‏أيضاً.وشرعت الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمنُوا إذَا قُمْتُمْ ‏إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ‏وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6].‏
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة بغير طهور" رواه مسلم.‏
وشرعت طهارة الخبث -وهي طهارة الجسد والثوب والمكان الذي يصلى عليه من النجس- بقوله ‏تعالى: {وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقوله تعالى: {وعَهِدْنَا إِلى إبْراهِيمَ وإِسْماعيلَ أن طَهِّرَا بَيْتِيَ ‏لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُود}[البقرة: 125].‏
وبقوله عليه الصلاة والسلام: "اغسلي عنك الدم وصلي" متفق عليه.‏
والطهارة من ذلك كله من شروط صحة الصلاة.‏
شروط الطهارة الحقيقية:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة الصلاة طهارة بدن المصلي وثوبه ومكانه من ‏النجاسة.‏
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي: "صُبّوا عليه ذَنوباً من ماء" رواه أبو داود.‏
وقال المالكية: إنها واجبة مع الذكر والقدرة، وسنة مع النسيان وعدم القدرة.‏
والمعتمد في المذهب: أن من صلى بالنجاسة متعمداً عالماً بحكمها، أو جاهلاً وهو قادر على ‏إزالتها يعيد صلاته أبداً، ومن صلى بها ناسياً أو غير عالم بها أو عاجزاً عن إزالتها يعيد في ‏الوقت. ‏
وأيضاً تشترط الطهارة الحقيقية لصلاة الجنازة، وهي شرط في الميت بالإضافة إلى المصلي.‏
وتشترط الطهارة الحقيقية كذلك في سجدة التلاوة.‏
واختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.‏
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراطها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف ‏بالبيت بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".‏
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.‏
والأكثر على أنها سنة مؤكدة.‏
وذهب الشافعية -على خلاف غيرهم- إلى اشتراط الطهارة الحقيقية في خطبة الجمعة. ‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:30 AM
تطهير النجاسات:‏
النجاسات العينية لا تطهر بحال، إذ أن ذاتها نجسة، بخلاف الأعيان المتنجسة، وهي التي كانت ‏طاهرة في الأصل وطرأت عليها النجاسة، فإنه يمكن تطهيرها.‏
والأعيان منها ما اتفق الفقهاء على نجاسته، ومنها ما اختلفوا فيه.‏
فممّا اتفق الفقهاء على نجاسته: الدم المسفوح، والميته، والبول، والعذرة من الآدمي.‏
ومما اختلف الفقهاء فيه: الكلب والخنزير.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى القول بنجاسة الخنزير والكلب.‏
وقال الحنفية في الأصح: إن الكلب ليس بنجس العين، وإنما لحمه نجس.‏
النية في التطهير من النجاسات:‏
اتفق الفقهاء على أن التطهير من النجاسة لا يحتاج إلى نية، فليست النية بشرط في طهارة ‏الخبث، ويطهر محل النجاسة بغسله بلا نية.‏
المُطَهِّرات
اتفق الفقهاء على أن الماء المطلق رافع للحدث مزيل للخبث، لقول الله تعالى:‏
‏{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّركُم بِه} [الأنفال: 11].‏
وذهب أبو حنفية إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بالماء المطلق، وبكل مائع طاهر قالع، كالخل ‏وماء الورد ونحوه مما إذا عصر انعصر، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:‏
‏(ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته ‏بظفرها) أي حكته. رواه البخاري.‏
واتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلاًّ بنفسها فإنها تطهر، لأن ‏نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن تطهر، ‏كالماء الذي تنجس بالتغير إذا زال تغيره بنفسه.‏
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا ‏دبغ الإهاب فقد طهر"رواه مسلم.‏
وقال المالكية والحنابلة بعدم طهارة جلد الميتة بالدباغ.‏
وعدّ الحنفية من المطهرات: الدلك، والفرك، والمسح، واليبس، وانقلاب العين، فيطهر الخف ‏والنعل إذا تنجس بذي جرم بالدلك، والمني اليابس بالفرك، ويطهر الصقيل كالسيف والمرآة ‏بالمسح، والأرض المتنجسة باليبس، والخنزير والحمار بانقلاب العين، كما لو وقعا في المملحة ‏فصارا ملحاً. ‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:31 AM
المياه التي يجوز التطهير بها، والتي لا يجوز:‏
قسم الفقهاء الماء من حيث جواز التطهير به ورفعه للحدث والخبث، أو عدم
ذلك، إلى عدة أقسام:‏
القسم الأول: ‏
ماء طاهر مطهّر غير مكروه، وهو الماء المطلق، وهو الماء الباقي على
خلقته، أو هو الذي لم يخالطه ما يصير به مقيداً.‏
والماء المطلق يرفع الحدث والخبث باتفاق الفقهاء. ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما
تغير بطول مكثه، أو بما هو متولد منه كالطحلب.‏
القسم الثاني: ‏
ماء طاهر مطهّر مكروه، وخص كل مذهب هذا القسم بنوع من
المياه: قال الحنفية: إن الماء الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية والدجاجة المخلاة وسباع ‏الطير والحية والفأرة، وكان قليلاً، الكراهة تنزيهية على الأصح، ثم إن الكراهة إنما هي عند ‏وجود المطلق، وإلا فلا كراهة أصلاً.‏
وقال المالكية: إن الماء إذا استعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث فإنه يكره استعماله بعد ‏ذلك في طهارة حدث كوضوء أو اغتسال مندوب لا في إزالة حكم خبث، والكراهة مقيدة بأمرين: ‏أن يكون ذلك الماء المستعمل قليلاً كآنية الوضوء والغسل، وأن يوجد غيره، وإلا فلا كراهة، كما ‏يكره عندهم الماء اليسير -وهو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونها- إذا حلت فيه نجاسة ‏قليلة كالقطرة ولم تغيره، والكراهة مقيدة بقيود سبعة: أن يكون الماء الذي حلت فيه النجاسة ‏يسيراً، وأن تكون النجاسة التي حلت فيه قطرة فما فوقها، وأن لا تغيره، وأن يوجد غيره، وأن لا ‏يكون له مادة كبئر، وأن لا يكون جارياً، وأن يراد استعماله فيما يتوقف على طهوره، كرفع حدث ‏وحكم خبث ووضوء أو غسل مندوب، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة.‏
ومن المكروه أيضاً: الماء اليسير الذي ولغ فيه كلب ولو تحققت سلامة فيه من النجاسة، ‏وسؤر شارب الخمر. ‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ الماء المكروه ثمانية أنواع:‏
المشمس، وشديد الحرارة، وشديد البرودة، وماء ديار ثمود إلا بئر الناقة، وماء ديار قوم لوط، ‏وماء بئر برهوت، وماء أرض بابل، وماء بئر ذروان.‏
وذهب الحنابلة إلى أن المكروه: الماء المتغير بغير ممازج، كدهن وقطران وقطع كافور، أو ماء ‏سخن بمغصوب أو بنجاسة، أو الماء الذي اشتد حره أو برده، والكراهة مقيدة بعدم الاحتياج إليه، ‏فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة.‏
وكذا يكره استعمال ماء البئر الذي في المقبرة، وماء في بئر موضع غصب، وما ظن تنجسه، كما ‏نصوا على كراهية استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة دون طهارة الحدث تشريفاً له.‏
القسم الثالث:‏
‏- ماء طاهر في نفسه غير مطهر. ذهب الحنفية إلى أن الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، ‏هو الماء المستعمل وهو: ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة، ولا يجوز ‏استعماله في طهارة الأحداث، بخلاف الخبث، ويصير مستعملاً عندهم بمجرد انفصاله عن الجسد ‏ولو لم يستقر بمحل.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه الماء المتغير طعمه أو لونه أو ريحه بما خالطه من ‏الأعيان الطاهرة تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وهو كذلك عند الشافعية: الماء المستعمل في ‏فرض الطهارة ونفلها على الجديد.‏
وصرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن هذا النوع لا يرفع حكم الخبث أيضاً، وعند الحنفية ‏يرفع حكم الخبث.‏
القسم الرابع:‏
ماء نجس، وهو: الماء الذي وقعت فيه نجاسة وكان قليلاً، أو كان كثيراً وغيّرته، وهذا لا يرفع ‏الحدث ولا النجس بالاتفاق.‏
القسم الخامس: ‏
ماء مشكوك في طهوريته، وانفرد بهذا القسم الحنفية، وهو عندهم: ما شرب منه بغل أو حمار.‏
القسم السادس: ‏
ماء محرم لا تصح الطهارة به، وانفرد به الحنابلة، وهو عندهم: ماء آبار ديار ثمود-غير بئر ‏الناقة- والماء المغصوب، وماء ثمنه المعين حرام.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:31 AM
تطهير محل النجاسة:‏
اختلف الفقهاء في ما يحصل به طهارة محل النجاسة:‏
فذهب الحنفية إلى التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية.‏
فإذا كانت النجاسة مرئية فإنه يطهر المحل المتنجس بها بزوال عينها ولو بغسله واحدة على ‏الصحيح ولو كانت النجاسة غليظة. ولا يشترط تكرار الغسل، لأن النجاسة فيه باعتبار، فتزول ‏بزوالها.‏
وهذا الحكم فيما إذا صب الماء على النجاسة، أو غسلها في إجّانة كطست فيطهر بالثلاث ‏إذا عصر في كل مرة.‏
وإذا كانت النجاسة غير مرئية فإنه يطهر المحل بغسلها ثلاثاً وجوباً، والعصر كل مرة ‏في ظاهر الرواية، تقديراً لغلبة الظن في استخراجها.‏
ويبالغ في المرة الثالثة حتى ينقطع التقاطر، والمعتبر قوة كل عاصر دون غيره، فلو كان ‏بحيث لو عصر غيره قطر طهر بالنسبة إليه دون ذلك الغير.‏
أما إذا غمسه في ماء جار حتى جرى عليه الماء أو صب عليه ماء كثير، بحيث يخرج ما ‏أصابه من الماء ويخلف غيره ثلاثا، فقد طهر مطلقا بلا اشتراط عصر وتكرار غمس.‏
ويقصد بالنجاسة المرئية عندهم: ما يرى بعد الجفاف، وغير المرئية: ما لا يرى بعده.‏
وذهب المالكية إلى أنه يطهر محل النجاسة بغسله من غير تحديد عدد، بشرط زوال طعم ‏النجاسة ولو عسر، لأن بقاء الطعم دليل على تمكن النجاسة من المحل فيشترك زواله، وكذلك ‏يشترط زوال اللون والريح إن تيسر ذلك، بخلاف ما إذا تعسر.‏
وذهب الشافعية إلى التفريق بين أن تكون النجاسة عيناً أو ليست بعين.‏
فإن كانت النجاسة عينا فإنه يجب إزالة الطعم، ومحاولة إزالة اللون والريح، فإن لم يزل ‏بحتّ أو قرص ثلاث مرات عفي عنه ما دام العسر، ويجب إزالته إذا قدر، ولا يضر بقاء لون أو ‏ريح عسر زواله فعفي عنه، فإن بقيا معاً ضر على الصحيح، لقوة دلالتهما على بقاء عين ‏النجاسة. ‏
وإن لم تكن النجاسة عيناً -وهي ما لا يدرك لها عين ولا وصف، وسواء أكان عدم الإدراك لخفاء ‏أثرها بالجفاف، كبول جفَّ فذهب عينه ولا أثر له ولا ريح، فذهب وصفه، أم لا، لكون المخل ‏صقيلاً لا تثبت عليه النجاسة كالمرآة والسيف- فإنه يكفي جريان الماء عليه مرة، وإن لم يكن ‏بفعل فاعل كمطر.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه تطهر المتنجسات بسبع غسلات منقية، لقول ابن عمر رضي الله تعالى ‏عنهما: "أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً" وقد أمرنا به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر ‏النجاسات، لأنها في معناها، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به.‏
وفي قول عند الحنابلة: إنه لا يجب فيه عدد، اعتماداً على أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم في ذلك شيء، لا في قوله ولا في فعله.‏
ويضر عندهم بقاء الطعم، لدلالته على بقاء العين ولسهولة إزالته ويضر كذلك بقاء اللون أو ‏الريح أوهما معا إن تيسر إزالتهما، فإن عسر ذلك لم يضر.‏
وهذا في غير نجاسة الكلب والخنزير.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:32 AM
تطهير ما تصيبه الغسالة قبل طهارة المغسول:‏
الغسالة المتغيرة بأحد أوصاف النجاسة نجسة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ‏ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه" رواه ابن ماجه.‏
قال المالكية: سواء كان تغيرها بالطعم أو اللون والريح ولو المتعسرين، ومن ثم ينجس ‏المحل الذي تصيبه الغسالة المتغيرة، ويكون تطهيره كتطهير أي محل متنجس عند الجمهور.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر المحل المتنجس إلا بغسله سبعاً، فيغسل عندهم ما نجس ‏ببعض الغسلات بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة، فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلاً غسل ثلاث غسلات ‏لأنها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات، فطهرت به في مثله.‏
وذهب المالكية إلى أنَّ الغسالة غير المتغيرة طاهرة، فلو غسلت قطرة بول مثلاً في جسد ‏أو ثوب وسالت غير متغيرة في سائره ولم تنفصل عنه كان طاهرا.‏
وقالت الشافعية: الغسالة غير المتغيرة إن كانت قلتين فطاهرة، وإن كانت دونهما فثلاثة ‏أقوال عند الشافعية، أظهرها: أن حكمها حكم المحل بعد الغسل، إن كان نجساً بعد فنجسة، وإلا ‏فطاهرة غير مطهرة، وهو مذهب الشافعي الجديد.‏
تطهير الآبار:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنجس ماء البئر، فإن تطهيره يكون بالتكثير إلى أن يزول ‏التغير، ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل إلى حد الكثرة، أو بصب ماء طاهر فيه ‏حتى يصل هذا الحد.‏
كما ذهب المالكية والحنابلة إلى اعتبار النزح طريقاً للتطهير أيضاً.‏
وذهب الحنفية إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن تطهيره يكون بالنزح فقط.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:34 AM
الوضوء والاغتسال في موضع نجس:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أن الوضوء والاغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن يتنجس به ‏المتوضىء أو المغتسل، وتوقي ذلك كله أولى، ولأنه يورث الوسوسة.‏
تطهير الجامدات والمائعات:‏
ذهب الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في جامد، كالسمن الجامد ونحوه، فإن تطهيره ‏يكون برفع النجاسة وتقوير ما حولها وطرحه، ويكون الباقي طاهراً، لما روت ميمونة رضي الله ‏تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: " ألقوها، وما ‏حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم".‏
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في مائع فإنه ينجس، ولا يطهر. ‏ويراق، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع ‏في السمن فقال: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه" وفي رواية "وإن ‏كان مائعاً فأريقوه" رواه أحمد.‏
وذهب الحنفية إلى إمكان تطهيره بالغلي، ذلك بأن يوضع في ماء ويغلى، فيعلو الدهن ‏الماء، فيرفع بشيء، وهكذا ثلاث مرات.‏
تطهير ما كان أملس السطح:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت النجاسة شيئاً صقيلاً -كالسيف والمرآة- فإنه ‏لا يطهر بالمسح، ولا بد من غسله، لعموم الأمر بغسل الأنجاس، والمسح ليس غسلاً.‏
ذهب الحنفية إلى أن ما كان أملس السطح، كالسيف والمرآة ونحوهما، إن أصابه نجس ‏فإن تطهيره يكون بالمسح بحيث يزول أثر النجاسة، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون وهم يحملونها، ولأنه لا يتشرب النجاسة، وما ‏على ظاهره يزول بالمسح.‏
فإن كان بالصقيل صدأ يتشرب معه النجاسة، أو كان ذا مسام تتشربها، فإنه لا يطهر إلا ‏بالماء.‏
وذهب المالكية إلى أن ما كان صلباً صقيلاً، وكان يخشى فساده بالغسل كالسيف ونحوه، ‏فإنه يعفى عما أصابه من الدم المباح ولو كان كثيراً، خوفاً من إفساد الغسل له.‏
المراد بالمباح غير المحرم، فيدخل فيه دم مكروه الأكل إذا ذكاه بالسيف، والمراد. المباح ‏أصالة، فلا يضر حرمته لعارض كقتل مرتد به، وقتل زان أحصن بغير إذن الإمام.‏
كما قيدوا العفو بأن يكون السيف مصقولاً لا خربشة فيه، وإلا فلا عفو.‏
تطهير الثوب والبدن من المني
‏-اختلف الفقهاء في نجاسة المنى.‏
فذهب الحنفية والمالكية إلى نجاسته.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه طاهر.‏
واختلف الحنفية والمالكية في كيفية تطهيره:‏
فذهب الحنفية إلى أن تطهيره محل المني يكون بغسله إن كان رطباً، وفركه إن كان ‏يابساً، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً".‏
ولا فرق في طهارة محله بفركه يابساً وغسله طرياً بين مني الرجل ومني المرأة،كما أنه ‏لا فرق في ذلك بين الثوب والبدن على الظاهر من المذهب.‏
وذهب المالكية إلى أن تطهير محل المني يكون بالغسل لا غير.‏
طهارة الأرض بالماء:‏
قال جمهور الفقهاء: إذا تنجست الأرض بنجاسة مائعة- كالبول والخمر وغيرهما- ‏فتطهيرها أن تغمر بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها، وما انفصل عنها غير متغير بها ‏فهو طاهر. ‏
وذلك لما رواه أنس رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة (ناحية) من ‏المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضي بوله أمر بذَنوب من ماء ‏فأهريق عليه" وفي لفظ فدعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، ‏وإنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن" وأمر رجلاً فجاء بدلو من ماء فشنه عليه ‏‏[متفق عليه]. ‏
وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر البول، ويستهلك فيه البول وإن أصاب الأرض ماء المطهر أو ‏السيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صب عليها، لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه نيَّة ولا ‏فعل، فاستوى ما صبَّه الآدمي وما جرى بغير صبّه.‏
ولا تطهر الأرض حتى يذهب لون النجاسة ورائحتها، ولأن بقاءهما دليل على بقاء ‏النجاسة، فإن كانت مما لا يزول لونها إلا بمشقة سقط عنه إزالتها كالثوب، كذا الحكم في الرائحة.‏
ويقول الحنفية: إذا أصابت النجاسة أرضاً رخوة فيصب عليها الماء فتطهر، لأنها تنشف ‏الماء، فيطهر وجه الأرض، وإن كانت صلبة يصب الماء عليها، ثم تكبس الحفيرة التي اجتمعت ‏فيها الغسالة.‏
ما تطهر به الأرض سوى المياه:‏
ذهب جمهور الحنفية إلى أن الأرض إذا أصابها نجس، فجفت بالشمس أو الهواء أو ‏غيرهما وذهب أثره طهرت وجازت الصلاة عليها.‏
وذهب المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح عندهم، إلى أنها لا تطهر بغير الماء، ‏لأمره صلى الله عليه وسلم أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء" [رواه البخاري]. والأمر يقتضى الوجوب، ‏لأنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:35 AM
طهارة النجاسة بالاستحالة:‏
‏- اتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلا صارت طاهرة.‏
واختلف الفقهاء فيما عدا الخمر من نجس العين هل يطهر الاستحالة أم لا؟ فذهب ‏الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يطهر نجس العين بالاستحالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم " ‏نهى عن أكل الجلالة وألبانها" لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن نجس العين يطهر بالاستحالة.‏
ونظيره في الشرع النطفة نجسة، وتصير علقة وهي نجسة، وتصير مضغة فتطهر، ‏والعصير طاهر فيصير خمراً فينجس، ويصير خلاً فيطهر، فعرفنا أن استحالة العين تستتبع ‏زوال الوصف المرتب عليها.‏
ونص الحنفية على أن ما استحالت به النجاسة بالنار، أو زال أثرها بها يطهر.كما تطهر ‏النجاسة عندهم بانقلاب العين.‏
فلو وقع إنسان أو كلب في قدر الصابون فصار صابوناً يكون طاهراً لتبدل الحقيقة.‏
ونص المالكية على أن الخمر إذا تحجرت فإنها تطهر، لزوال الإسكار منها، وأن رماد ‏النجس طاهر، لأن النار تطهر.‏
ما يطهر من الجلود بالدباغة:‏
اتفق الفقهاء على نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدباغ، واختلفوا في طهارة جلود ‏الميتة بالدباغة.‏
تطهير الخف من النجاسة:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة فإن تطهيره ‏يكون بغسله، ولا يجزىء لو دلكه كالثوب والبدن، ولا فرق في ذلك بين أن تكون النجاسة رطبة ‏أو جافة.‏
وعند الشافعية قولان في العفو عن النجاسة الجافة إذا دلكت، أصحها: القول الجديد للشافعي، ‏وهو أنه لا يجوز حتى يغسله، ولا تصح الصلاة به، والثاني: يجوز لما روى أبو سعيد الخدري ‏رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، ‏فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما".‏
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أصاب الخف نجاسة لها جرم، كالروث والعذرة، فجفت، ‏فدلكه الأرض جاز، والرطب وما لا جرم له كالخمر والبول لا يجوز فيه إلا الغسل، وقال أبو ‏يوسف: يجزىء المسح فيهما إلا البول والخمر، قال محمد: لا يجوز فيهما إلا الغسل كالثوب.‏
وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ، وهو المختار لعموم البلوى.‏
وفرق المالكية بين أرواث الدواب وأبوالها وبين غيرها من النجاسات، فإذا أصاب الخف ‏شيء من روث الدواب وأبوالها فإنه يعفى عنه إن دلك بتراب أو حجر أو نحوه حتى زالت العين، ‏وكذا إن جفت النجاسة بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم.‏
وقيد بعضهم العفو بأن تكون إصابة الخف أو النعل بالنجاسة بموضع يطرقه الدواب ‏كثيراً -كالطرق- لمشقة الاحتراز عنه.‏
تطهير ما تصيبه النجاسة من ملابس النساء في الطرق:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ذيل ثوب المرأة فإنه يجب غسله كالبدن، ولا ‏يطهره ما بعده من الأرض.‏
وذهب المالكية إلى أنه يعفى عما يصيب ذيل المرأة اليابس من النجاسة إذا مرت بعد ‏الإصابة على موضع طاهر يابس، سواء كان أرضاً أو غيره.‏
وقيدوا هذا العفو بعدة قيود هي:‏
‏1.‏ ‏1. أن يكون الذيل يابساً وقد أطالته للستر، لا للزينة والخيلاء.‏
‏2.‏ ‏2. وأن تكون النجاسة التي أصابت ذيل الثوب مخففة جافة، فإن كانت رطبة ‏فإنه يجب الغسل، إلا أن يكون معفوا عنه كالطين.‏
جـ- وأن يكون الموضع الذي تمر عليه بعد الإصابة طاهراً يابساً.‏
التطهير من البول الغلام وبول الجارية:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التطهير من بول الغلام وبول الجارية الصغيرين أكلاً ‏أولا، يكون بغسله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استنزهوا من البول".‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجزىء في التطهير من بول الغلام الذي لم يطعم ‏الطعام النضج، ويكون برش الماء على المكان المصاب وغمره به بلا سيلان، فقد روت أم قيس ‏بنت محصن رضي الله عنها أنها "أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء ‏فنضحه، ولم يغسله" أما بول الجارية الصغيرة فلا يجزىء في تطهيره النضح، ولا بد فيه من ‏الغسل، لخبر الترمذي "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".‏
تطهير أواني الخمر:‏
الأصل في تطهير أواني الخمر هو غسلها.‏
يقول الحنفية: تطهر بغسلها ثلاثاً بحيث لا تبقى فيها رائحة الخمر ولا أثرها، فإن بقيت ‏رائحتها لا يجوز أن يجعل فيها من المائعات سوى الخل، لأنه بجعله فيها تطهر وإن لم تغسل، ‏لأن ما فيها من الخمر يتخلل بالخل.‏
ويقول الشافعية: تطهر بغسلها مرة واحدة إذا زال أثر النجاسة، ويندب غسلها ثلاث ‏مرات، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في ‏الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده".‏
فندب إلى الثلاث للشك في النجاسة، فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن، ويجوز الاقتصار ‏على الغسل مرة واحدة.‏
والغسل الواجب في ذلك: أن يكاثر بالماء حتى تستهلك النجاسة. ‏
وعند المالكية طهارة الفخار من نجس غواص كالخمر قولان.‏
ويقول الحنابلة: إذا كان في الإناء خمر يتشربها الإناء، ثم متى جعل فيه مائع، سواء ‏ظهر فيه طعم الخمر أو لونه، لم يطهر بالغسل، لأن الغسل لا يستأصل أجزاءه من جسم الإناء.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:35 AM
تطهير آنية الكفار وملابسهم:‏
يقول الحنفية في آنية الكفار: إنها طاهرة لأن سؤرهم طاهر، لأن المختلط به اللعاب، ‏وقد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً، فمتى تنجست أوانيهم فإنه يجري عليها ما يجري على ما ‏تنجس من أواني المسلمين من غسل وغيره، إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا وثيابهم طاهرة، ولا ‏يكره منها إلا السراويل المتصلة بأبدانهم لاستحلالهم الخمر، ولا يتقونها كما لا يتوقون النجاسة ‏والتنزه عنها، فلو أمن ذلك بالنسبة لها وكان التأكد من طهارتها قائماً، فإنه يباح لبسها، وإذا ‏تنجست جرى عليها ما يجري على تطهير ملابس المسلمين عندما تصيبها نجاسة، سواء بالغسل ‏أو غيره.‏
وذهب الشافعية إلى كراهية استعمال أوانيهم وثيابهم.‏
فإن توضأ من أوانيهم نظرت: فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح ‏الوضوء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من مزادة مشركة" وتوضأ عمر رضي الله عنه ‏من جرة نصراني، ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة.‏
وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح الوضوء لأن ‏الأصل في أوانيهم الطهارة، والثاني: لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين ‏المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة.‏
وأجاز المالكية استعمال أوانيهم إلا إذا تيقن عدم طهارتها، وصرح القرافي في "الفروق" ‏بأن جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون ولا يتحرزون من ‏النجاسات من الأطعمة وغيرها محمول على الطهارة، وإن كان الغالب عليه النجاسة،فإذا تنجست ‏أوانيهم فإنها تطهر بزوال تلك النجاسة بالغسل بالماء أو بغيره مما له صفة الطهورية.‏
وكذلك الحال بالنسبة لملابسهم، فإن الأصل فيها الطهارة ما لم يصبها النجس، ولذا لا ‏يصلى في ملابسهم أي ما يلبسونه، لأن الغالب نجاستها، فحمل عليها عند الشك: أما إن علمت أو ‏ظنت طهارتها فإنه يجوز أن يصلى فيها.‏
ويقول الحنابلة في ثيابهم وأوانيهم: إنها طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها، ‏وأضافوا: إن الكفار على ضربين -أهل الكتاب وغيرهم- فأما أهل الكتاب فيباح أكل طعامهم ‏وشرابهم واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها.‏
وأما غير أهل الكتاب -وهم المجوس وعبدة الأوثان ونحوهم -ومن يأكل لحم الخنزير من ‏أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله، أو يأكل الميتة، أو يذبح بالسن والظفر فحكم ثيابهم حكم ثياب ‏أهل الذمة عملاً بالأصل، وأما أوانيهم حكمها حكم أواني أهل الكتاب، يباح استعمالها ما لم يتحقق ‏نجاستها، ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك.‏
وفي قول: هي نجسة، لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله، ولأن أوانيهم لا تخلو ‏من أطعمتهم، وذبائحهم ميتة، فتتنجس بها وهذا ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المجوس: لا يؤكل ‏من طعامهم إلا الفاكهة، لأن الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في أطعمتم، ومتى شك في الإناء هل ‏استعملوه أم لا؟ فهو طاهر، لأن الأصل طهارته.‏
تطهير المصبوغ بنجس:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أن المصبوغ بنجس يطهر بغسله. ‏
قال الحنفية: يغسل حتى يصير الماء صافياً، وقيل: يغسل بعد ذلك ثلاث مرات.‏
وقال المالكية: يطهر بغسله حتى يزول طعمه فقد طهر ولو بقي شيء من لونه وريحه.‏
وقال الشافعية: يغسل حتى ينفصل النجس منه ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على ‏وزنه قبل الصبغ، وإن بقي اللون لعسر زواله، فإن زاد وزنه ضر، فإن لم ينفصل عنه لتعقده به ‏لم يطهر، لبقاء النجاسة فيه.‏
وقال الحنابلة: يطهر بغسله وإن بقي اللون لقوله عليه الصلاة والسلام في الدم: "ولا ‏يضرك أثره".‏
رماد النجس المحترق بالنار:‏
المعتمد عند المالكية والمختار للفتوى، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية وبه يفتى، ‏والحنابلة في غير الظاهر: أن رماد النجس المحترق بالنار طاهر، فيطهر بالنار الوقود المتنجس ‏والسرقين والعذرة تحترق فتصير رماداً تطهر، ويطهر ما تخلف عنها.‏
تطهير ما يتشرب النجاسة:‏
اختلف الفقهاء في اللحم الذي طبخ بنجس، هل يطهر أم لا؟ ‏
فذهب الحنفية -عدا أبي يوسف- والحنابلة إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس لا يمكن ‏تطهيره.‏
ذهب المالكية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس من ماء، أو وقعت فيه نجاسة حال طبخه ‏قبل نضجه، فإنه لا يقبل التطهير، أما إن وقعت فيه نجاسة بعد نضجه فإنه يقبل التطهير، وذلك ‏بأن يغسل ما تعلق به من المرق.‏
وذهب الشافعية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس يمكن تطهيره، وفي كيفية طهارته ‏وجهان: أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط، والثاني: يشترط أن يغلى بماء طهور.‏
تطهير الفخار:‏
فذهب المالكية والحنابلة ومحمد من الحنفية إلى أن الفخار الذي يتشرب النجاسة لا ‏يطهر.‏
وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يمكن تطهير الخزف الذي يتشرب النجاسة، وذلك ‏بأن ينقع في الماء ثلاثاً، ويجفف كل مرة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر باطن جِبٍ تشرب النجاسة.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:36 AM
‎ ‎الآبار
‏ ‏
تعريف الآبار وبيان أحكامها العامة:‏
الآبار جمع بئر، مأخوذ من "بأر" أي حفر.‏
والأصل في ماء الآبار الطهورية (أي كونه طاهراً في نفسه مطهراً لغيره)، فيصح ‏التطهير به اتفاقاً، إلا إذا تنجس الماء أو تغير أحد أوصافه على تفصيل في التغير في أحكام المياه. ‏غير أن هناك آباراً تكلم الفقهاء عن كراهية التطهير بمائها لأنها في أرض مغضوب عليها. ‏وهناك من الآبار ما نص الفقهاء على اختصاصها بالفضل، ورتبوا على ذلك بعض الأحكام.‏
حد الكثرة في ماء البئر وأثر اختلاطه بطاهر وانغماس أو مَنْ به نجاسة آدمي في ‏طاهر.‏
اتفق فقهاء المذاهب على أن الماء الكثير لا ينجسه شيء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ‏ريحه. واختلفوا في حد الكثرة.‏
ذهب الحنفية إلى أنها تقدر بما يوازي عشر أذرع في عشر دون اعتبار للعمق ما دام القاع لا ‏يظهر بالاغتراف. ‏
والذراع سبع قبضات، لأنها لو كانت عشراً في عشر فإن الماء لا يتنجس بشيء ما لم يتغير لونه ‏أو طعمه أو ريحه، اعتباراً بالماء الجاري.‏
والقياس أن لا تطهر لكن ترك القياس للآثار، ومسائل الآبار مبنية على الآثار.‏
والمفتى به القول بالعشر ولو حكماً ليعم ما له طول بلا عرض في الأصح. وقيل المعتبر في القدر ‏الكثير رأي المتبلى به، بناء على عدم صحة ثبوت تقديره شرعاً.‏
وذهب المالكية إلى أن الكثير ما زاد قدره عن آنية الغسل، وكذا ما زاد عن قدر آنية الوضوء، ‏على الراجح.‏
ويتفق الشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب، على أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر، لحديث "إذا بلغ ‏الماء قلتين لم ينجسه شيء" [رواه ابن ماجه] وفي رواية "لم يحمل الخبث." [رواه أحمد] وإن ‏نقص عن القلتين برطل أو رطلين فهو حكم القلتين.‏
انغماس الآدمي في ماء البئر:‏
اتفق فقهاء المذاهب على أن الآدمي إذا انغمس في البئر، وكان طاهراً من الحدث والخبث، ‏وكان الماء كثيراً، فإن الماء لا يعتبر مستعملاً، ويبقى على أصل طهوريته.‏
ومذهب الشافعية، والصحيح عند الحنابلة، أن الآدمي طاهر حياً أو ميتاً، وأن موت الآدمي في ‏الماء لا ينجسه إلا إن تغير أحد أوصاف الماء تغيراً فاحشا. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"المؤمن لا يَنْجُسُ". ولأنه لا ينجس بالموت، كالشهيد، لأنه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل، ‏ولا فرق بين المسلم والكافر، لاستوائهما في الآدمية.‏
وذهب الحنفية إلى أنه ينزح كل ماء البئر بموت الآدمي فيه، إذ نصوا على أنه ينـزح ماء البئر ‏كله بموت سِنَّورَيْن أو كلب أو شاة أو آدمي. وموت الكلب ليس بشرط حتى لو انغمس وأخرج حيا ‏ينـزح جميع الماء.‏
وإذا انغمس في البئر من به نجاسة حكمية، بأن كان جنباً أو محدثاً، فإنه ينظر: إم أن يكون ماء ‏البئر كثيراً أو قليلاً، وإما أن يكون قد نوى بالانغماس رفع الحدث. وإما أن يكون بقصد التبرد أو ‏إحضار الدلو.‏
فإن كان البئر مَعيناً، أي ماؤه جار، فإن انغماس الجنب ومن في حكمه لا ينجسه عند المالكية ‏وهو مذهب الحنابلة إن لم ينو رفع الحدث. وهو اتجاه من قال من الحنفية: إن الماء المستعمل ‏طاهر لغلبة غير المستعمل، أو لأن الانغماس لا يصيره مستعملاً، وعلى هذا فلا ينـزح منه شيء.‏
ويرى الشافعية كراهة انغماس الجنب ومن في حكمه في البئر، وإن كان مَعيناً، لخبر أبي هريرة ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَغْتَسِلُ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب. [رواه مسلم].‏
ومذهب الحنابلة إن نوى رفع الحدث. وإلى هذا يتجه من يرى من الحنفية أن الماء بالانغماس ‏يصير مستعملاً.‏
وإذا كان ماء البئر قليلاً وانغمس فيه بغير نيّة رفع الحدث.‏
فالمالكية على أن الماء المجاور فقط يصير مستعملاً.‏
وعند الشافعية والحنابلة الماء على طهوريته.‏
واختلف الحنفية على ثلاثة أقوال ترمز لها كتبهم: "مسألة البئر جحط". ويرمزون بالجيم إلى ما ‏قاله الإمام من أن الماء نجس بإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة، والرجل نجس لبقاء ‏الحدث في بقية الأعضاء، أو لنجاسة الماء المستعمل.‏
ويرمزون بالحاء لرأي أبي يوسف من أن الرجل على حاله من الحدث، لعدم الصب، وهو شرط ‏عنده، والماء على حاله لعدم نية القربة، وعدم إزالة الحدث. ‏
ويرمزون بالطاء لرأي محمد بن الحسن من أن الرجل طاهر لعدم اشتراط الصب، وكذا الماء ‏لعدم نية القربة.‏
أما إذا انغمس في الماء القليل بنية رفع الحدث كان الماء كله مستعملاً عند الحنفية والمالكية ‏والشافعية، ولكن عند الحنابلة يبقى الماء على طهوريته ولا يرفع الحدث. وكذلك يكون الماء ‏مستعملاً عند الحنفية لو تدلّك ولو لم ينو رفع الحدث، لأن التدلك فعل منه يقوم مقام نية رفع ‏الحدث.‏
أما إذا انغمس إنسان في ماء البئر وعلى بدنه نجاسة حقيقية، أو ألقي فيه شيء نجس، فمن المتفق ‏عليه أن الماء الكثير لا يتنجس بشيء، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.‏
ذهب الحنابلة، في أشهر روايتين عندهم، أن ما يمكن نـزحه إذا بلغ قلتين فلا يتنجس بشيء من ‏النجاسات، إلا ببول الآدميين أو عَذرتهم المائعة.‏
وكذلك إذا ما سقط فيه شيء نجس، وفي مقابل المشهور في مذهب أحمد أن الماء لا ينجس إلا ‏بالتغير قليلة وكثيرة.‏
وقد فصل الحنفية هذا بما لم يفصله غيرهم، ونصوا على أن الماء لا ينجس بخرء الحمام ‏والعصفور، ولو كان كثيراً، لأنه طاهر استحساناً، بدلالة الإجماع، فإن الصدر الأول ومن بعدهم ‏أجمعوا على جواز اقتناء الحمام في المساجد، حتى المسجد الحرام، مع ورود الأمر بتطهيرها. ‏وفي ذلك دلالة ظاهرة على عدم نجاسته. وخرء العصفور كخرء الحمامة، فما يدل على طهارة ‏هذا يدل على طهارة ذاك. وكذلك خرء جميع ما يؤكل لحمه من الطيور على الأرجح.‏
أثر وقوع حيوان في البئر
الأصل أن الماء الكثير لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه. ‏
واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن ما ليس له نفس سائلة، إذا ما وقع في ماء البئر، لا يؤثر ‏في طهارته، وكذا ما كان مأكول اللحم، إذا لم يكن يعلم أن على بدنه أو مخرجه نجاسة، وخرج ‏حياً، ما دام لم يتسبب في تغير أحد أوصاف الماء، عدا ما كان نجس العين كالخنـزير.‏
ويرى الحنابلة وبعض الحنفية أن المعتبر السؤر، فإن كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينـزح منه ‏شيء، وإن وصل وكان سؤره طاهراً فإنه طاهر.‏
ويختلف الفقهاء فيما وراء ذلك.‏
فغير الحنفية من فقهاء المذاهب الأربعة يتجهون إلى عدم التوسع في الحكم بالتنجس بوقوع ‏الحيوان ذي النفس السائلة (الدم السائل) عموماً وإن وجد اختلاف بينهم.‏
فالمالكية ينصون على أن الماء الراكد، أو الذي له مادة، أو كان الماء جارياً، إذا مات فيه حيوان ‏برّي ذو نفس سائلة، أو حيوان بحري، لا ينجس، وإن كان يندب نـزح قدر معين، لاحتمال نـزول ‏فضلات من الميت، ولأنه تعافه النفس. وإذا وقع شيء من ذلك، وأخرج حياً، أو وقع بعد أن مات ‏بالخارج، فإن الماء لا ينجس ولا ينـزح منه شيء، لأن سقوط النجاسة بالماء لا يطلب بسببه ‏النـزح.‏
وإنما يوجب الخلاف فيه إذا كان يسيراً. وموت الدابة بخلاف ذلك فيها. ولأن سقوط الدابة بعد ‏موتها في الماء هو بمنزلة سقوط سائر النجاسات من بول وغائط، وذاتها صارت نجسة بالموت. ‏فلو طلب النـزح في سقوطها ميتة لطلب في سائر النجاسات، ولا قائل بذلك في المذهب.‏
وقيل: يستحب النـزح بحسب كبر الدابة وصغرها، وكثرة ماء البئر وقلته.‏
وقال الشافعية: إذا كان ماء البئر كثيراً طاهراً، وتفتَّتَتْ فيه نجاسة، كفأرة تمعَّط شعرها بحيث لا ‏يخلو دلوٌ من شعرة، فهو طهور كما كان إن لم يتغير. وعلى القول بأن الشعر نجس ينـزح الماء ‏كله ليذهب الشعر، مع ملاحظة أن اليسير عرفا من الشعر معفو عنه ما عدا شعر الكلب ‏والخنـزير.‏
ويفهم من هذا أن ماء البئر إذا كان قليلاً فإنه يتنجس ولو لم يتغير.‏
ويقول الحنابلة: إذا وقعت الفأرة أو الهرة في ماء يسير، ثم خرجت حية، فهو طاهر، لأن الأصل ‏الطهارة. وإصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه. وكل حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ‏ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطهارة والنجاسة.‏
ويفهم من قيد "ثم خرجت حية" أنها لو ماتت فيه يتنجس الماء، كما يفهم من تقييد الماء " ‏باليسير" أن الماء الكثير لا ينجس إلا إذا تغير وصفه.‏
وذهب الحنفية إلى أن الفأرة إذا وقعت هاربة من القط ينـزح كل الماء، لأنها تبول. وكذلك إذا ‏كانت مجروحة و متنجسة. وقالوا: إن كانت البئر معيناً، أو الماء عشراً في عشر، ولكن تغير أحد ‏أوصافه، ولم يمكن نـزحها، نـزح قدر ما كان فيها.‏
وإذا كانت البئر غير عين، ولا عشراً في عشر، نـزح منها عشرون دلواً بطريق الوجوب، إلى ‏ثلاثين ندباً، بموت فأرة أو عصفور أو سام أبرص. ولو وقع أكثر من فأر إلى الأربع فكالوا حده ‏عند أبي يوسف، ولو خمساً إلى التسع كالدجاجة، وعشراً كالشاة، ولو فأرتين كهيئة الدجاجة ‏ينـزح أربعون عند محمد. وإذا مات فيها حمامة أو دجاجة أو سنور ينـزح أربعون وجوباً إلى ‏ستين استحباباً. وفي رواية إلى خمسين.‏
وينـزح كله لسنَّورين وشاة، أو انتفاخ الحيوان الدموي، أو تفسخه ولو صغيراً. وبانغماس كلب ‏حتى لو خرج حياً. وكذا كل ما سؤره نجس أو مشكوك فيه. وقالوا في الشاة إن خرجت حية فإن ‏كانت هاربة من السبع نـزح كله خلافاً لمحمد.‏
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في البقر والإبل أنه ينجس الماء، لأنها تبول بين أفخاذها فلا ‏تخلو من البول. ويرى أبو حنيفة نـزح عشرين دلواً، لأن بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة، ‏وقد ازداد خفة بسبب البئر فيكفي نزح أدنى ما ينـزح. وعن أبي يوسف: ينـزح ماء البئر كلُّه، ‏لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجس الماء.‏
تطهير الآبار وحكم تغويرها
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن التكثير طريق تطهيره عند ‏تنجسها إذا زال التغير. ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل حد الكثرة، أو بصب ماء ‏طاهر فيه حتى يصل هذا الحد.‏
وأضاف المالكية طرقاً أخرى، إذ يقولون: إذا تغير ماء البئر بتفسّخ الحيوان طعماً أو لوناً أو ‏ريحاً يطهر بالنـزح، أو بزوال أثر النجاسة بأي شيء. بل قال بعضهم: إذا زالت النجاسة من ‏نفسها طهر. وقالوا في بئر الدار المنتنة: طهور مائها بنـزح ما يذهب نتنه.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ التطهير على التكثير فقط إذا كان الماء قليلاً (دون القلتين)، وإما بالترك ‏حتى يزيد الماء، أو بصب ماء عليه ليكثر، ولا يعتبرون النـزح لينبع الماء الطهور بعده، لأنه ‏وإن نـزح فقعر البئر يبقى نجساً كما تنجس جدران البئر بالنـزح. وقالوا: فيما إذا وقع في البئر ‏شيء نجس، كفأر تمعط شعرها، فإن الماء ينـزح لا لتطهير الماء، وإنما بقصد التخلص من ‏الشعر.‏
التطهير بالتكثير، إذا كان الماء المتنجس قليلاً، أو كثيراً لا يشق نـزحه ويخصون ذلك بما إذا كان ‏تنجس الماء بغير بول الآدمي أو عذرته. ويكون التكثير بإضافة ماء طهور كثير، حتى يعود الكل ‏طهوراً بزوال التغير.‏
أما إذا كان تنجس الماء ببول الآدمي أو عذرته فإنه يجب نـزح مائها، فإن شق ذلك فإنه يطهر ‏بزوال تغيره، سواء بنـزح ما لا يشق نـزحه، أو بإضافة ماء إليه، أو بطول المكث، على أن ‏النـزح إذا زال به التغير وكان الباقي من الماء كثيراً (قلتين فأكثر) يعتبر مطهراً عند الشافعية.‏
وذهب الحنفية إلى أن التطهير لا يكون إلا بالنـزح، لكل ماء البئر، أو عدد من الدلاء على ما ‏سبق.‏
وإذا كان المالكية والحنابلة اعتبروا النـزح طريقاً للتطهير فإنه غير متعيّن عندهم كما أنهم لم ‏يحددوا مقداراً من الدلاء وإنما يتركون ذلك لتقدير النازح.‏
ومن أجل هذا نجدُ الحنفية هم الذين فصلوا الكلام في النزح، وهم الذين تكلموا على آلة النـزح، ‏وما يكون عليه حجمها.‏
فإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت، وكان نـزح ما فيها من الماء طهارة لها.‏
لو نـزح ماء البئر، وبقي الدلو الأخير فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر، وإن ‏انفصل عن وجه الماء، ونحي عن رأس البئر طهر. وأما إذا انفصل عن وجه الماء، ولم ينح عن ‏رأس البئر، والماء يتقاطر فيه، لا يطهر عند أبي يوسف. وعند محمد يطهر.‏
وإذا وجب نـزح جميع الماء من البئر ينبغي أن تسد جميع منابع الماء إن أمكن، ثم ينـزح ما فيها ‏من الماء النجس. وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء روي عن أبي حنيفة أنه ينـزح مائة دلو، ‏وعن محمد أنه ينـزح مائتا دلو، أو ثلثمائة دلو؟ وعن أبي يوسف روايتان في رواية يحفر بجانبها ‏حفرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه ثم ينـزح ماؤها ويصب في الحفرة حتى تمتلىء فإذا ‏امتلأت حكم بطهارة البئر.‏
وفي رواية: يرسل فيها قصبة، ويجعل لمبلغ الماء علامة، ثم ينـزح منها عشر دلاء مثلاً، ثم ‏ينظر كم انتقص، فينزح بقدر ذلك، ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا كان دور البئر من أول حد الماء ‏إلى مقر البئر متساوياً، وإلا لا يلزم إذا نقص شبر بنـزح عشر دلاء من أعلى الماء أن ينقص شبر ‏بنزح مثله من أسفله، والأوفق أنه يؤتى برجلين لهما بصر في أمر الماء فينـزح بقولهما، لأن ما ‏يعرف بالاجتهاد يرجع فيه لأهل الخبرة.‏
وذهب المالكية إلى أن النـزح طريق من طرق التطهير. ولم يحددوا قدراً للنـزح، وقالوا إنه يترك ‏مقدار النـزح لظن النازح. قالوا: وينبغي للتطهير أن ترفع الدلاء ناقصة، لأن الخارج من الحيوان ‏عند الموت مواد دهنية، وشأن الدهن أن يطفو على وجه الماء، فإذا امتلأ الدلو خشي أن يرجع ‏إلى البئر.‏
وذهب الحنابلة إلى أن: لا يجب غسل جوانب بئر نـزحت، ضيقة كانت أو واسعة، لا غسل ‏أرضها، بخلاف رأسه. وقيل يجب غسل ذلك، وقيل إن الروايتين في البئر الواسعة، وأما الضيقة ‏فيجب غسلها رواية واحدة.‏
وقد بينا أن الشافعية لا يرون التطهير بمجرد النـزح.‏
آلة النـزح
منهج الحنفية، القائل بمقدار معين من الدلاء للتطهير في بعض الحالات، يتطلب بيان حجم الدلو ‏الذي ينـزح به الماء النجس. فقال البعض: المعتبر في كل بئر دلوها، صغيراً كان أو كبيراً. ‏وروى عن أبي حنيفة أنه يعتبر دلو يسع قدر صاع. وقيل المعتبر هو المتوسط بين الصغير ‏والكبير. ولو نـزح بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلواً جاز. وقال زفر: لا يجوز لأنه بتواتر الدلو ‏يصير كالماء الجاري.‏
وبطهارة البئر يطهر الدلو والرِّشاء والبكرة ونواحي البئر ويد المستقي. وروى عن أبي يوسف ‏أن نجاسة هذه الأشياء بنجاسة البئر، فتكون طهارتها بطهارتها، نفياً للحرج.‏
ولم يتعرض فقهاء المذاهب الأخرى -على ما نعلم- لمقدار آلة النـزح. وكل ما قالوه أن ماء البئر ‏إذا كان قليلاً، وتنجس، فإن الدلو إذا ما غرف به من الماء النجس القليل تنجس من الظاهر ‏والباطن. وإذا كان الماء مقدار قلتين فقط، وفيه نجاسة جامدة، وغرف بالدلو من هذا الماء، ولم ‏تغرف العين النجسة في الدلو مع الماء فباطن الدلو طاهر، وظاهره نجس، لأنه بعد غرف الدلو ‏يكون الماء الباقي في البئر والذي احتك به ظاهر الدلو قليلاً نجساً.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:37 AM
آبار لها أحكام خاصة
آبار أرض العذاب
أرض العذاب: هي أرض نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخولها، كأرض بابل، وديار ثمود، ‏وذلك لغضب الله عليها، كما نهى عن الانتفاع بآبارها.‏
حكم التطهر والتطهير بمائها:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى صحة التطهر والتطهير بمائها مع الكراهة.‏
ودليلهم على صحة التطهير بمائها العمومات الدالة على طهارة جميع المياه ما لم تتنجس أو يتغير ‏أحد أوصاف الماء، والدليل على الكراهة أنه يخشى أن يصاب مستعمله بأذى لأنها مظنة العذاب.‏
ذهب جمهور المالكية وقول ظاهر عند الحنابلة إلى الجزم بعدم التطهير. مثل أرض ثمود كبئر ‏ذي أروان وبئر برهوت
والدليل على عدم صحة التطهير بماء هذه الآبار أن النبي صل الله عليه وسلم أمر بإهراق الماء ‏الذي استقاه أصحابه من آبار أرض ثمود، فإن أمره بإهراقها يدل على أن ماءها لا يصح التطهير ‏به. وهذا النهي وإن كان وارداً في الآبار الموجود بأرض ثمود إلا أن غيرها من الآبار الموجودة ‏بأرض غضب الله على أهلها يأخذ حكمها بالقياس عليها بجامع أن كلا منها موجود في أرض ‏نزل العذاب بأهلها.‏
وذهب الحنابلة إلى إبقاء ما وراء أرض ثمود على القول بطهارتها، وحملوا النهي على الكراهة، ‏وكذلك حكموا بالكراهة على الآبار الموجودة بالمقابر، والآبار في الأرض المغصوبة، والتي ‏حفرت بمال مغصوب.‏
البئر التي خصت بالفضل:‏
بئر زمزم بمكة لها مكانة إسلامية. وروى ابن عباس أن رسول الله قال: "خير ماء على وجه ‏الأرض زمزم." رواه الطبراني في الأكبر وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ماء ‏زمزم لما شرب له، وإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله." [رواه ‏الدارقطني والحاكم].‏
وللشرب منه واستعماله آداب نص عليها الفقهاء. فقالوا إنه يستحب لشربه.‏
‏1.‏ ‏1. أن يستقبل القبلة، ‏
‏2.‏ ‏2. ويذكر اسم الله تعالى.‏
‏3.‏ ‏3. ويتنفس ثلاثاً.‏
‏4.‏ ‏4. ويتضلع منه.‏
‏5.‏ ‏5. ويحمد الله تعالى. ‏
‏6.‏ ‏6. ويدعو بما كان ابن عباس يدعو به إذا شرب منه "اللهم إني أسألك علماً ‏نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء". ويقول: "اللهم إنه بلغني عن نبيك ‏صلى الله عليه وسلم أن ماء زمزم لما شرب له وأنا أشربه لكذا".‏
ويجوز بالاتفاق نقل شيء من مائها. والأصل في جواز نقله ما جاء في جامع الترمذي عن السيدة ‏عائشة أنها حملت من ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ‏وكان يصب على المرضى، ويسقيهم. رواه الترمذي.‏
اتفق الفقهاء على عدم استعماله في مواضع الامتهان، كإزالة النجاسة الحقيقية.‏
واتفق الفقهاء على أنه لا ينبغي أن يغسل به ميت ابتداءً.‏
وذهب المالكية إلى جواز التطهير أي الوضوء والغسل بماء زمزم.‏
وذهب الشافعية إلى جواز استعمال ماء زمزم في الحدث دون الخبث.‏
وقال الحنابلة: ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم على ما هو الأولى في المذهب.‏
وذهب الحنفية إلى التصريح بأنه لا يغتسل به جنب ولا محدث.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:39 AM
الاستنجاء‏ ‏


التعريف اللغوي:‏
من معاني الاستنجاء: الخلاص من الشيء، يقال: استنجى حاجته منه، أي خلصها.‏
التعريف الشرعي:‏
وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحا، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء ‏إزالة ما يخرج من السبيلين، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما ‏قرب منه.‏
وليس غسل النجاسة عن البدن أو عن الثوب استنجاء.‏
‏ ‏
حكم الاستنجاء:‏
للفقهاء رأيان:‏
الرأي الأول: أنه واجب إذا وجد سببه، وهو الخارج، وهو قول المالكية والشافعية ‏والحنابلة. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه ‏بثلاث أحجار، يستطيب بهن، فإنها تجزي عنه" [أخرجه أبو داود] وقوله: "لا يستنجي أحدكم ‏بدون ثلاثة أحجار" [رواه مسلم].‏
الرأي الثاني: أنه مسنون وليس بواجب. وهو قول الحنفية، ورواية عن مالك. ‏
واحتج الحنفية بما في سنن أبي داود من قول النبي صلى الله عليه وسلم "من استجمر ‏فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" واحتجوا أيضاً بأنه نجاسة قليلة، والنجاسة القليلة ‏عفو.‏
ثم هو عند الحنفية سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم.‏
وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه:‏
إن جوب الاستنجاء إنما هو لصحة الصلاة.‏
علاقة الاستنجاء بالوضوء، والترتيب بينهما: ذهب الحنفية والشافعية والمعتمد عند ‏الحنابلة إلى أن الاستنجاء من سنن الوضوء قبله، ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لو ‏أخره عنه جاز وفاتته السنية، لأنه إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، ما لو كانت على ‏غير الفرج.‏
وصرح المالكية بأنه لا يعد من سنن الوضوء، وإن استحبوا تقديمه عليه.‏
أما الرواية الأخرى عند الحنابلة: فالاستنجاء قبل الوضوء -إذا وجد سببه- شرط في ‏صحة الصلاة. فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح.‏
حكم استنجاء من به حدث دائم وهو المعذور: ‏
من كان به حدث دائم، كمن به سلس البول ونحوه، يخفف في شأنه حكم الاستنجاء، كما ‏يخفف حكم الوضوء.‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يستنجي ويتحفظ، ثم يتوضأ لكل صلاة بعد ‏دخول الوقت. فإذا فعل ذلك وخرج منه شيء لم يلزمه إعادة الاستنجاء والوضوء بسبب السلس ‏ونحوه، ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفية والشافعية، وهو أحد قولي الحنابلة. أو إلى أن ‏يدخل وقت الصلاة الأخرى على المعتمد من قولي الحنابلة.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يلزم من به السلس التوضؤ منه لكل صلاة، بل يستحب ذلك ما ‏لم يشق، فعندهم أن ما يخرج من الحدث إذا كان مستنكحاً -أي كثيراً يلازم الزمن أوجله، بأن ‏يأتي كل يوم مرة فأكثر- فإنه يعفى عنه، ولا يلزمه غسل ما أصاب منه ولا يسن، وإن نقض ‏الوضوء وأبطل الصلاة في بعض الأحوال، سواء أكان غائطاً، أم بولاً، أم مذياً، أم غير ذلك.‏
ما يستنجى منه:‏
أجمع الفقهاء على أن الخارج من السبيلين المعتاد النجس الملوث يستنجى منه حسبما ‏تقدم. أما ما عداه ففيه خلاف، وتفصيل بيانه فيما يلي:‏
الاستنجاء من الخارج غير المعتاد:‏
الخارج غير المعتاد كالحصى والدود والشعر، لا يستنجى منه إذا خرج جافاً، طاهراً كان ‏أو نجساً. ذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية وقول عند الحنابلة إلى أنه:‏
إذا كان به بلة ولوّث المحل فيستنجى منها، فإن لم يلوث المحل فلا يستنجى منه.‏
وفي قول آخر عند كل من الشافعية والحنابلة يستنجى من كل ما خرج من السبيلين غير ‏الريح.‏
الاستنجاء من الدم والقيح وشبههما من غير المعتاد:‏
إن خرج الدم أو القيح من أحد السبيلين ففيه قولان للفقهاء:‏
القول الأول: أنه لا بد من غسله كسائر النجاسات، ولا يكفي فيه الاستجمار. وهذا قول ‏عند كل من المالكية والشافعية، لأن الأصل في النجاسة الغسل، وترك ذلك في البول والغائط ‏للضرورة، ولا ضرورة هنا، لندرة هذا النوع من الخارج.‏
والقول الثاني: أنه يجزىء فيه الاستجمار، وهو رأي الحنفية والحنابلة، وقول لكل من ‏المالكية والشافعية، وهذا إن لم يختلط ببول أو غائط.‏
الاستنجاء مما خرج من مخرج بديل عن السبيلين:‏
ذهب المالكية إلى أنه إذا انفتح مخرج للحدث، وصار معتاداً، استجمر منه عند المالكية، ‏ولا يلحق بالجسد، لأنه أصبح معتادا بالنسبة إلى ذلك الشخص المعين.‏
‏ وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر، لم يجزئه الاستجمار فيه، ‏ولا بد من غسله، لأنه غير السبيل المعتاد. وفي قول لهم: يجزىء.‏
ولم يعثر على قول الحنفية والشافعية في هذه المسألة.‏
الاستنجاء من المذي:‏
المذي نجس عند الحنفية، فهو مما يستنجى منه كغيره، بالماء أو بالأحجار. ويجزىء ‏الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه. وكذلك عند المالكية في قول هو خلاف المشهور عندهم، وهو ‏الأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.‏
أما في المشهور عند المالكية، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة، فيتعين فيه الماء ولا ‏يجزىء الحجر، لقول عليٍّ رضي الله عنه: " كنت رجلاً مذّاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ‏ويتوضأ. وفي لفظ "يغسل ذكره ويتوضأ" [متفق عليه].‏
وإنما يتعين فيه الغسل عند المالكية إذا خرج بلذة معتادة، أما إن خرج بلا لذة أصلا فإنه يكفي فيه ‏الحجر، ما لم يكن يأتي كل يوم على وجه السلس، فلا يطلب في إزالته ماء ولا حجر، بل يعفى ‏عنه.‏
الاستنجاء من الودي:‏
الودي خارج نجس، ويجزىء فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب ‏الأربعة.‏
الاستنجاء من الريح: ‏
لا استنجاء من الريح. صرح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة.‏
الاستنجاء بالماء:‏
يستحب باتفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء.‏
الاستنجاء بغير الماء من المائعات: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا ‏يجزىء الاستنجاء بغير الماء من المائعات.‏
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يمكن أن يتم الاستنجاء -كما في إزالة النجاسة- ‏بكل مائع طاهر مزيل، كالخل وماء الورد، دون ما لا يزيل كالزيت، لأن المقصود قد تحقق، وهو ‏إزالة النجاسة.‏
أفضلية الغسل بالماء على الاستجمار:‏
إن غسل المحل بالماء أفضل من الاستجمار، لأنه أبلغ في الإنقاء، ولإزالته عين النجاسة ‏وأثرها. وفي رواية عن أحمد: الأحجار أفضل. وإذا جمع بينها بأن استجمر ثم غسل كان أفضل ‏من الكل بالاتفاق.‏
ما يستجمر به:‏
الاستجمار يكون بكل جامد إلا ما منع منه، وهذا قول جمهور العلماء، ومنهم الإمام أحمد ‏في الرواية المعتمدة عنه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.‏
وفي رواية عن أحمد: لا يجزىء في الاستجمار شيء من الجوامد من خشب وخرق إلا ‏الأحجار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه موضع ‏رخصة ورد فيها الشرع بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم.‏
الاستجمار هل هو مطهر للمحل؟
اختلف الفقهاء في هذا على قولين: ‏
القول الأول: أن المحل يصير طاهراً بالاستجمار، وهو قول عند كل من الحنفية ‏والمالكية والحنابلة.‏
والقول الثاني: هو القول الآخر لكل من الحنفية والمالكية، وقول المتأخرين من الحنابلة: ‏أن المحل يكون نجساً معفوا عنه للمشقة.‏
وجمهور الفقهاء على أن الرطوبة إذا أصابت المحل بعد الاستجمار يعفى عنها.‏
المواضع التي لا يجزىء فيها الاستجمار:‏
أ-النجاسة الواردة على المخرج من خارجه:‏
ذهب الحنفية في المشهور إلى أنه إن كان النجس طارئاً على المحل من خارج أجزأ فيه ‏الاستجمار. وقال الشافعية والحنابلة بأن الحجر لا يجزىء فيه، بل لا بد من غسله بالماء. وهو ‏قول آخر للحنفية. ومثله عند الشافعية، ما لو طرأ على المحل المتنجس بالخارج طاهر رطب، أو ‏يختلط بالخارج كالتراب. ومثله ما لو استجمر بحجر مبتل، لأن بلل الحجر يتنجس بنجاسة المحل ‏ثم ينجسه.‏
وكذا لو انتقلت النجاسة عن المحل الذي أصابته عند الخروج، فلا بد عندهم من غسل ‏المحل في كل تلك الصور.‏
ب- ما انتشر من النجاسة وجاوز المخرج:‏
اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيراً لا يجزىء فيه ‏الاستجمار، بل لا بد من غسله. ووجه ذلك أن الاستجمار رخصة لعموم البلوى، فتختص بما تعم ‏به البلوى، ويبقى الزائد على الأصل في إزالة النجاسة بالغسل.‏
لكنهم اختلفوا في تحديد الكثير، فذهب المالكية والحنابلة والشافعية إلى أن الكثير من الغائط هو ‏ما جاوز المخرج، وانتهى إلى الألية، والكثير من البول ما عم الحشفة.‏
وانفرد المالكية في حال الكثرة بأنه يجب غسل الكل لا الزائد وحده.‏
وذهب الحنفية إلى أن الكثير هو ما زاد عن قدر الدرهم، ومع اقتصار الوجوب على ‏الزائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد، حيث وافق المالكية في وجوب غسل الكل.‏
جـ-استجمار المرأة:‏
يجزىء المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق، وهذا واضح.‏
أما من البول فعند المالكية لا يجزىء الاستجمار في بول المرأة، بكراً كانت أو ثيبا. ‏قالوا: لأنه يجاوز المخرج غالباً.‏
وعند الشافعية: يكفي في بول المرأة -إن كانت بكراً- ما يزيل عين النجاسة خرقاً أو غيرها، أما ‏الثيب فإن تحققت نزول البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب، لم يكف الاستجمار، وإلا كفى. ‏ويستحب الغسل حينئذ.‏
أما عند الحنابلة ففي الثيب قولان الأول: أنه يكفيها الاستجمار. والثاني: أنه يجب غسله. ‏وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الداخل من نجاسة وجنابة وحيض، بل تغسل ما ‏ظهر، ويستحب لغير الصائمة غسله.‏
ومقتضى قواعد مذهب الحنفية أنه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنة. ‏وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار، بل لا بد من المائع أو الماء لإزالة النجاسة.‏
ولم يتعرضوا لكيفية استجمار المرأة.‏
ما لا يستجمر به:‏
اشترط الحنفية والمالكية فيما يستجمر به خمسة شروط:‏
‏(1) أن يكون يابساً، وعبر غيرهم بدل اليابس بالجامد.‏
‏(2) طاهراً
‏(3) منقيا.‏
‏(4) غير مؤذ.‏
‏(5) ولا محترم.‏
وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواع:‏
‏(1) ما ليس يابسا.‏
‏(2) الأنجاس.‏
‏(3) غير المنقى، كالأملس من القصب ونحوه.‏
‏(4) المؤذي، ومنه المحدد كالسكين ونحوه.‏
‏(5) المحترم وهو عندهم ثلاثة أصناف:‏
أ- المحترم لكونه مطعوما.‏
ب- المحترم لحق الغير.‏
جـ-المحترم لشرفه.‏
وهذه الأمور تذكر في كتب المالكية أيضاً، إلا أنهم لا يذكرون في الشروط عدم الإيذاء، ‏وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامة للشريعة.‏
هل يجزىء الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به: ‏
إذا ارتكب النهي واستنجى بالمحرم وأنقى، فعند الحنفية والمالكية، كما في الفروع: ‏يصح الاستنجاء مع التحريم.‏
أما عند الشافعية فلا يجزىء الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعام أو كتب علم، وكذلك ‏النجس. ‏
أما عند الحنابلة فلا يجزىء الاستجمار بم حرم مطلقاً، لأن الاستجمار رخصة فلا تباح بمحرم.‏
وفرقوا بينه وبين الاستجمار باليمين -فإنه يجزىء الاستجمار بها مع ورود النهي- بأن ‏النهي في العظم ونحوه لمعنى في شرط الفعل، فمنع صحته كالوضوء بالماء النجس. أما باليمين ‏فالنهي لمعنى في آلة الشرط، فلم يمنع، كالوضوء من إناء محرم. وسووا في ذلك بين ما ورد ‏النهي عن الاستجمار به كالعظم، وبين ما كان استعماله بصفة عامة محرما كالمغصوب.‏
قالوا: ولو استجمر بعد المحرم بمباح لم يجزئه ووجب الماء، وكذا لو استنجى بمائع غير الماء. ‏وإن استجمر بغير منق كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنق. وفي المغني: يحتمل أن يجزئه ‏الاستجمار بالطاهر بعد الاستجمار بالنجس، لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:40 AM
كيفية الاستنجاء وآدابه:‏
أولاً: الاستنجاء بالشمال:‏
ورد في الحديث عن أصحاب الكتب الستة عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه".‏
فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين، وحمل الفقهاء هذا النهي على ‏الكراهة، وهي كراهة تحريم عند الحنفية.‏
وكل هذا في غير حالة الضرورة أو الحاجة، للقاعدة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات.‏
فلو أنّ يسراه مقطوعة أو شلاء، أو بها جراحة جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهة، إلا أنه ‏يجوز الاستعانة باليمين في صب الماء، وليس هذا استنجاء باليمين، بل المقصود منه مجرد إعانة ‏اليسار، وهي المقصودة بالاستعمال.‏
ثانياً: الاستتار عند الاستنجاء:‏
الاستنجاء يقتضي كشف العورة، وكشفها أمام الناس محرم في الاستنجاء وغيره، فلا يرتكب ‏لإقامة سنة الاستنجاء، ويحتال لإزالة النجاسة من غير كشف للعورة عند من يراه.‏
فإن لم يكن بحضرة الناس، فعند الحنفية: من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء ‏والتجفيف، لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت.‏
وعند الحنابلة في التكشف لغير حاجة روايتان: الكراهة، والحرمة.‏
وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبا على الأقل.‏
ثالثا: الانتقال عن موضع التخلي:‏
إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته. كذا عند الشافعيه والحنابلة -قال الشافعية: إذا ‏كان استنجاؤه بالماء- بل ينتقل عنه، لئلا يعود الرشاش إليه فينجسه. واستثنوا الأخلية المعدة ‏لذلك، فلا ينتقل فيها. وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه، لئلا ينتقل الغائط من ‏مكانه فيمتنع عليه الاستجمار.‏
أما عند الحنابلة، فينبغي أن يتحول من مكانه الذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضاً، ‏كما يتحول للاستنجاء بالماء، وهذا إن خشي التلوث.‏
رابعاً: عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء: ‏
من آداب الاستنجاء عند الحنفية: أن يجلس له إلى يمين القبلة، أو يسارها كيلا يستقبل القبلة أو ‏يستدبرها حال كشف العورة. فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب، وهو مكروه ‏كراهة تنزيه، كما في مد الرجل إليها.‏
وعند الشافعية: يجوز الاستنجاء مع الاستنجاء مع الاتجاه إلى القبلة من غير كراهة، لأن النهي ‏ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط، وهذا لم يفعله.‏
خامساً: الانتضاح وقطع الوسوسة:‏
ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة: أنه إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو ‏سراويله بشيء من الماء، قطعاً للوسواس، حتى إذا شك حمل البلل على ذلك النضح، ما لم يتيقن ‏خلافه.‏
وهذا ذكره الحنفية أنه يفعل ذلك إن كان الشيطان يريبه كثيراً.‏
ومن ظن خروج شيء بعد الاستنجاء فقد قال أحمد بن حنبل: لا تلتفت حتى تتيقن، وَالْهُ عنه فإنه ‏من الشيطان، فإنه يذهب إن شاء الله.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:41 AM
الاستنزاه

التعريف:‏
‏1- الاستنزاه: استفعال من التنزه وأصلة التباعد. والاسم النزهة، ففلان يتنزه من الأقذار وينزه ‏نفسه عنها: أي يباعد نفسه عنها.‏
وفي حديث المعذب في قبره "كان لا يستنزه من البول" أي لا يستبرىء ولا يتطهر، ولا يبتعد ‏منه.‏
والفقهاء يعبرون بالاستنزاه والتنزه عند الكلام عن الاحتراز عن البول أو الغائط.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:42 AM
الوضوء

تعريف:‏
تعريف:الوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء ‏مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضوء وأما بفتح ‏الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.‏
تعريف الوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية. وهو ‏غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور ‏في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع. وحكمه الأصلي أي ‏المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ‏آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ‏إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ‏يتوضأ" متفق عليه وبإجماع الأمة على وجوبه.‏
وفرض الوضوء بالمدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو ‏كثرة تعرضها للأقذار والغبار.‏
وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبير الحنفية، أو ممنوعاً، ‏لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً.‏
فقال الحنفية: الوضوء خمسة أنواع:‏
الأول- فرض:‏
أ- على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير كاملة كصلاة ‏الجنازة وسجدة التلاوة، للآية السابقة: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...} [المائدة: 6] ‏ولقوله عليه الصلاة والسلام : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه، ‏ولقوله أيضاً: "لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول". رواه مسلم ‏
ب- ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: {لا ‏يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر". ‏رواه الحاكم والبيهقي ومالك.‏
الثاني- واجب:‏
للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏" الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير". رواه ‏الترمذي وابن حبان والحاكم.‏
قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب، ‏بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء.‏
الثالث- مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي:‏
أ- التوضؤ لكل صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند ‏كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" رواه أحمد، ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى ‏بالسابق صلاة : فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً كان ‏إسرافاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" رواه أبو داود ‏والترمذي وابن ماجه، كما يندب المداومة على الوضوء لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد ‏والبيهقي عن ثوبان: "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على ‏الوضوء إلا مؤمن". رواه البخاري
ب- مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث وعقيدة وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن ‏أكثر من التفسير، حرم المس.‏
جـ- للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم ‏إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ‏ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت". رواه البخاري.‏
د- قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة ‏به، قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ" ‏رواه مسلم وقالت أيضاً: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل ‏فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة" رواه أبو داود والترمذي وقال أبو سعيد الخدري: "إذا أتى أحدكم ‏أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ".‏
هـ- بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: "فإذا غضب أحدكم ‏فليتوضأ".‏
و- لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، اهتماماً ‏بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏تعظيماً له.‏
ز- للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ‏وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة.‏
حـ- بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، ‏قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى ‏يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد ‏صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". رواه مسلم.‏
ط- بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة.‏
ي- بعد غسل ميت وحمله، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن ‏حمله فليتوضأ". رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان
ك- للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة، أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل ‏لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه.‏
الرابع- مكروه:‏
كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، ‏وإن تبدل المجلس ما لم يؤد به صلاة أو نحوها.‏
الخامس- حرام:‏
كالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ‏ونحوه لحديث : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم.‏
وقال المالكية أيضاً: الوضوء خمسة أنواع:‏
واجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع.‏
فالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة الجنازة، ‏ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الاشياء، ‏جاز له فعل جميعها.‏
والسنة: وضوء الجنب للنوم.‏
والمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، ‏وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف ‏كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم.‏
والمباح: للتنظيف والتبرد.‏
والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة.‏
واتفق الشافعية والحنابلة مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب ‏لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، ‏وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب، وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل ‏مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأكل، ولكل صلاة، ‏لحديث أبي هريرة يرفعه: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة". رواه ‏أحمد.‏
كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم ‏قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل ما مسته النار، ولحم الجزور، ‏والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:44 AM
فرائض الوضوء:‏
نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، ‏والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ‏وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].‏
وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على ‏النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب ‏المالكية أيضاً الدلك.‏
فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية ‏بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب.‏
وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة.‏
وبه يتبين أن الأركان أو الفرائض نوعان : متفق عليها، ومختلف فيها.‏

فرائض الوضوء المتفق عليها:‏
هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:‏
أولاً- غسل الوجه:‏
لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] أي غسل ظاهر جميع الوجه مرة.‏
والغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان ولا تكفي الإسالة بدون ‏التقاطر. والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل ‏مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس فرضاً.‏
والوجه: ما يواجه به الإنسان. وحدُّه طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى ‏الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو ‏اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليهما الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ‏ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان: وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم ‏الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس، لأنهما في حد تدوير الرأس.‏
وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه عند الحنفية والشافعية ‏البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس.‏
والصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير ‏الرأس، وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه ‏مما يغفل الناس عنه. وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين ‏والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن ‏الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على ‏الواجب فيهما، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.‏
ومن الوجه: ظاهر الشفتين ومارن الأنف وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل ‏المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين.‏
ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت ‏على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر ‏النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللَّحْيين) ‏الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً لما روى مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم ‏لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: "ارجع فأحسن وضوءك".‏
فإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ‏ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما روى البخاري أنه صلى الله ‏عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه، وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا ‏يصل الماء إلى ذلك غالباً.‏
وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية، وعند ‏الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن ‏النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: "... ثم إذا غسل وجهه كما ‏أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء".‏
ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل، لأنه شعر خارج عن محل الفرض، ‏وليس من مسمى الوجه.‏
وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في ‏الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: "إذا توضأت فمضمض" ولما روى الترمذي من حديث ‏سلمة بن قيس: "إذا توضأت فانتثر" ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل ‏في أنفه ماء، ثم لينتثر" كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ‏صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". رواه أبو داود وابن ماجه ‏وأحمد.‏
ثانياً- غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة :‏
لقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة : 6] وللإجماع.‏
والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع.‏
ويجب عند جمهور العلماء منهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن ‏حرف "إلى" لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى "مع" كما في قوله تعالى : {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى ‏قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] {{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، وقد أوضحت السنة النبوية ‏المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم ‏اليسرى حتى أشرع في العضد .." وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "هلمَّ ‏أتوضأ لكم وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف ‏العضدين .." وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ ‏أمَرَّ الماء على مرفقيه".‏
ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس ‏الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت ‏كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة ‏دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر وغيرها كدهن وطلاء.‏
ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين.‏
ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية، لأنها نابتة فيه، كما يجب عند ‏الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض. ‏
وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره لأن ‏اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض.‏
فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه، لأن الميسور ‏لا يسقط بالمعسور، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".‏
أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق.‏
فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضو عن طهارة.‏
ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون ‏فيه لرجل أو امرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً.‏
ثالثاً: مسح الرأس:‏
لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وروى مسلم " أنه صلى الله عليه وسلم مسح ‏بناصيته وعلى العمامة".‏
والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.‏
والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان ‏مما فوق العظم الناتئ في الوجه.‏
واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه:‏
فقال الحنفية: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على ‏طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر.‏
لحديث البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح ‏بناصيته، وعلى العمامة، والخفين" ولحديث داود عن أنس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يتوضأ وعليه عمِامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ‏ولم ينقض العمامة".‏
وقال المالكية، والحنابلة: يجب مسح جميع الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر ‏شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح ‏على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته، لأنها ظاهر رأسه ‏بالنسبة إليه.‏
وقال الحنابلة: بوجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها، لأن ‏عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، ‏لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: "الأذنان من الرأس".‏
ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو ‏داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: "ومسح برأسه" ‏ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره.‏
ودليلهم حديث عبد الله بن زيد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، ‏فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" ‏رواه مسلم.‏
وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا ‏يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله.‏
وفي مذهب الشافعية: جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا ‏مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه.‏
وعند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل ‏مع الكراهة إن أمرّ يده.‏
رابعاً- غسل الرجلين إلى الكعبين:‏
لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة : 6] ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن ‏عَبْسة عند أحمد: "... ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ‏ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: "هكذا رأيت رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم يتوضأ" ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبدالله بن زيد وحديث أبي هريرة.‏
والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.‏
والواجب غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، ‏لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد "إلى" فيما قبلها، ولحديث أبي هريرة السابق: "...ثم ‏غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: ‏هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ". رواه مسلم.‏
ويلزم أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله صلى الله عليه وسلم : ‏‏"ويل للأعقاب من النار" متفق عليه فقد توعد على المسح، ولمداومته صلى الله عليه وسلم على ‏غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه ومن وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث ‏جابر عند الدارقطني بلفظ "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا للصلاة أن نغسل ‏أرجلنا" ولثبوت ذلك من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عَبْسة وأبي هريرة وعبد ‏الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: "فغسل قدميه"، ولقوله ‏صلى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء ‏وظلم" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله ‏عليه السلام للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" رواه أبو داود وأحمد ثم ذكر له صفة الوضوء، ‏وفيها غسل الرجلين، ولإجماع الصحابة على الغسل.‏
ثم إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب ‏الغسل.‏
والخلاصة : أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة ‏واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:44 AM
فرائض الوضوء المختلف فيها:‏
اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية ‏النية، وقال المالكية والحنابلة بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة بوجوب الترتيب، ‏وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. ونبحث الخلاف في هذه الأمور:‏
أولاً- النية:‏
النية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء ‏الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت ‏فرائض الوضوء،أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض ‏الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة ‏المانع بين فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل ‏جزماً.‏
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة:‏
فقال الحنفية: يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ‏ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو ‏امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند ‏المشايخ.‏
ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء ‏للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.‏
قال جمهور الفقهاء: النية فرض في الوضوء. لتحقيق العبادة.‏
ما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي: ‏
حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله.‏
ب- حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب.‏
جـ- المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن ‏بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى.‏
د- شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي.‏
هـ-محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه ‏أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزه الفعل الحاصل، والأولى عند ‏المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة ‏أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.‏
و- صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس ‏المصحف.‏
فإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ‏ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه، لأنه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له ‏شيء، كالذي لم يقصد شيئاً.‏
وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، ‏صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم ‏تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة. ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد ‏تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة.‏
وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ‏ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وله أن يصلي ‏ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة.‏
ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع ‏بقاء الحدث.‏
كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية، لأنه أمر مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده ‏رفع الحدث.‏
ولا خلاف أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى ‏بوضوئه الفريضة، لأنه ارتفع حدثه.‏
وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها، لأنها عبادة شك في شرطها، وهو ‏فيها، فلم تصح كالصلاة.‏
ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.‏
وإذا وضأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ، لأن المتوضئ هو ‏المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له.‏
وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع ‏الحدث، لعدم إمكان رفعه.‏
ز- وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: ‏وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول ‏الطهارة.‏
وقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل ‏الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون ‏الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن ‏طال الزمن لم يجزه ذلك.‏
ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن ‏استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها.‏
ولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول ‏الوضوء، لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك ‏بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت ‏وضوئي، فإنه يبطل.‏
والخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة ‏عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:45 AM
ثانياً: الترتيب:‏
الترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد آخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل ‏الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه.‏
فقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله به.‏
وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي ‏رضي الله عنه: "ما أبالي بأي أعضائي بدأت" رواه الدارقطني قال ابن عباس رضي الله عنهما: ‏‏"لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين" رواه الدارقطني.‏
وقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي صلى الله ‏عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حجته: "ابدؤوا ‏بما بدأ الله به". رواه النسائي.‏
فلو نكس الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ‏ما بعده على الترتيب الشرعي.‏
وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة، ‏لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.‏
ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عند الشافعية: أنه ‏إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث، لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، ‏فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة.‏
ولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب فيخرج وجهه ثم ‏يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء، سواء أكان الماء راكداً أم جارياً.‏
والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين ‏والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجها في القرآن واحد، قال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ .... وَأَرْجُلَكُمْ} ‏‏[المائدة: 6] والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضوا. ولا يجب الترتيب في العضو ‏الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى: ‏لأن مخرجها من الكتاب واحد.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:46 AM
ثالثاً- الموالاة أو الوِلاء:‏
هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي المتابعة ‏بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في ‏وجوبها.‏
فقال الحنفية والشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم ‏يضر، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو ‏في زمان معتدل، أجزأه، لأن الوضوء عبادة لا يبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة ‏والحج.‏
وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل ما يأتي:‏
رابعاً- الدلك الخفيف باليد:‏
الدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه. والمراد باليد: باطن الكف، ‏فلا يكفي دلك الرِجْل بالأخرى.‏
واختلف الفقهاء في إيجابه.‏
فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر به، والسنة ‏لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. والثابت في صفة غسله عليه ‏الصلاة والسلام مجرد إضافة الماء مع تخلل أصول الشعر.‏
وقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي ‏الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمراراً العضو على العضو إمرارً متوسطاً، ويندب أن ‏يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.‏
وهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:46 AM
نواقض الوضوء:‏
‏ ‏
خروج شيء من أحد السبيلين :‏
قال الحنفية : ينتقض الوضوء بخروج النجس من الأدمي الحي من السبيلين (الدبر ‏والذكر أو فرج المرأة) معتادا كان كالبول والغائط والمني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس، ‏أم غير معتاد كدم الاستحاضة. أو من غير السبيلين كالجرح والقرح والأنف والفم سواء كان ‏الخارج دماً أو قيحاً أو قيئاً.‏
وقال المالكية: ينتقض الوضوء بالخارج المعتاد من المخرج المعتاد، لا حصى ودود ولو ‏ببلة، وهذا يشمل البول والغائط والمذي والمني والودي والريح، سواء أكان خروجه في حال ‏الصحة باختيار، أم بغير اختيار، كسلس فارق أكثر الزمن، أي ارتفع عن الشخص، زماناً يزيد ‏على النصف. فإن لازمه كل الزمن أو أكثره أو نصفه فلا نقض، ويشمل الحدث عندهم الخارج ‏من ثقبة تحت المعدة إن انسد السبيلان.‏
وعلى ذلك فالخارج غير المعتاد، والدود، والحصى، والدم، والقيح، والقيء ونحوها لا ‏يعتبر حدثاً ولو كان من المخرج المعتاد.‏
وقال الشافعية: ينتقض الوضوء بخروج شيء من قبله أو دبره عيناً كان أو ريحاً، طاهراً ‏أو نجساً، جافاً أو رطباً، معتاداً كبول أو نادراً كدم، قليلاً أو كثيراً، طوعاً أو كرهاً. إلا المني ‏فليس خروجه ناقضاً قالوا: لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل فلا يوجب أدونهما وهو ‏الوضوء بعمومه، وكذلك إذا انسد مخرجه وانفتح تحت معدته فخرج المعتاد.‏
وقال الحنابلة: الناقض للوضوء هو الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيراً، نادراً كان ‏كالدود والدم والحصى، أو معتاداً كالبول والغائط والودي والمذي والريح، طاهراً أو نجساً، ‏وكذلك خروج النجاسات من بقية البدن، فإن كانت غائطاً أو بولاً نقض ولو قليلاً من تحت المعدة ‏أو فوقها، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين. وإن كانت النجاسات الخارجة من غير ‏السبيلين غير الغائط والبول كالقيء والدم والقيح، ودون الجراح لم ينقض إلا كثيرها.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:46 AM
نواقض الوضوء المتفق عليها:‏
اتفق الفقهاء على أن الخارج المعتاد من السبيلين كالبول والغائط والمني والمذي والودي ‏والريح، وأيضاً دم الحيض والنفاس يعتبر حدثاً حقيقياً قليلاً كان الخارج أو كثيراً، والدليل على ‏ذلك قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43] فهو كناية عن الحدث من بول أو ‏غائط ونحوهما. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج ‏منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". رواه مسلم
وهذه الأسباب بعضها حدث أكبر فيوجب الغسل كخروج المني، والحيض والنفاس، ‏وبعضها حدث أصغر يوجب الوضوء فقط كالبول والغائط والمذي والودي والريح وسيأتي بيانه

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:47 AM
نواقض الوضوء المختلف فيها:‏
أ- ما يخرج من السبيلين نادراً:‏
ما يخرج من السبيلين نادراً كالدود والحصى والشعر وقطعة اللحم ونحوها تعتبر أحداثاً ‏تنقض الوضوء عند جمهور الفقهاء: (الحنفية والشافعية والحنابلة)، لأنها خارجة من السبيلين ‏فأشبهت المذي، ولأنها لا تخلو عن بلة تتعلق بها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة ‏بالوضوء لكل صلاة. رواه البخاري، ودمها خارج غير معتاد.‏
وذهب المالكية إلى أن الخارج غير المعتاد من السبيلين كحصى تولد بالبطن ودود لا ‏يعتبر حدثاً ولو ببلة من بول أو غائط غير متفاحش بحيث ينسب الخروج للحصى والدود لا للبول ‏والغائط. والقول الثاني عندهم: أنه لا وضوء عليه إلا أن تخرج الدود والحصى غير نقية.‏
واختلفوا في الريح الخارجة من الذكر أو قبل المرأة : فقال الحنفية والمالكية وهو رواية ‏عند الحنابلة : لا تعتبر حدثاً، ولا ينتقض بها الوضوء، لأنها اختلاج وليس في الحقيقة ريحاً ‏منبعثة عن محل النجاسة، وهذا في غير المفضاة، فإن كانت من المفضاة فصرح الحنفية أنه يندب ‏لها الوضوء، وقيل: يجب، وقيل: لو منتنة، لأن نتنها دليل خروجها من الدبر.‏
وقال الشافعية وهو رواية أخرى عند الحنابلة: إن الخارجة من الذكر أو قبل المرأة ‏حدث يوجب الوضوء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". رواه ‏الترمذي.‏
ب- ما يخرج من غير السبيلين:‏
الخارج من غير السبيلين إذا لم يكن نجساً لا يعتبر حدثاً باتفاق الفقهاء. واختلفوا فيما إذا ‏كان نجساً، فقال الحنفية: ما يخرج من غير السبيلين من النجاسة حدث ينقض الوضوء بشرط أن ‏يكون سائلاً جاوز إلى محل يطلب تطهيره ولو ندباً، كدم وقيح وصديد عن رأس جرح، وكقيء ‏ملأ الفم من مرة أو علق أو طعام أو ماء، لا بلغم، وإن قاء دماً أو قيحاً نقض وإن لم يملأ الفم عند ‏أبي حنيفة، ويشترط عند الحنابلة أن يكون كثيراً إلا الغائط والبول فلا تشترط فيهما الكثرة ‏عندهم.‏
واستثنى المالكية والشافعية من هذا الحكم ما خرج من ثقبة تحت المعدة إن انسد ‏مخرجه، وكذلك إذا لم ينسد في قول عند المالكية، فينتقض الوضوء.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:47 AM
أسباب نواقض الوضوء:‏
زوال العقل أو التمييز وذلك بالنوم أو السكْر أو الإغماء أو الجنون أو نحوها. وهذه ‏الأسباب متفق عليها بين المذاهب في الجملة. واستدل الفقهاء لنقض الوضوء بالنوم بحديث ‏صفوان ابن عسال قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزغ ثلاثة ‏أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. رواه الترمذي.‏
وبما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ". رواه ‏ابن ماجه.‏
واختلفت عباراتهم في كيفية النوم الناقض للوضوء:‏
فقال الحنفية: النوم الناقض هو ما كان مضطجعاً أو متكئاً أو مستنداً إلى شيء لو أزيل ‏منه لسقط، لأن الاضطجاع سبب لاسترخاء المفاصل فلا يعرى عن خروج شيء عادة، والثابت ‏عادة كالمتيقن. والاتكاء يزيل مسكة اليقظة، لزوال المقعدة عن الأرض. بخلاف النوم حالة القيام ‏والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرها، لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط، فلم ‏يتم الاسترخاء.‏
وذهب المالكية إلى أن الناقض هو النوم الثقيل بأن لم يشعر بالصوت المرتفع، بقربه، أو ‏بسقوط شيء من يده وهو لا يشعر، طال النوم أو قصر. ولا ينقض بالخفيف ولو طال، ويندب ‏الوضوء إن طال النوم الخفيف.‏
وعند الشافعية: إن من نام مُمَكناً مقعدته من الأرض أو نحوها لم ينقض وضوءه، وإن لم ‏يكن ممكناً ينتقض على أية هيئة كان في الصلاة وغيرها لحديث أنس قال: كان أصحاب رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون، أحسبه قال: قعوداً حتى تخفق رؤوسهم ثم ‏يصلون ولا يتوضئون. ويندب الوضوء عندهم إلا مع التمكين خروجاً من الخلاف.‏
وأما الحنابلة فقسموا النوم إلى ثلاثة أقسام: الأول: نوم المضطجع فينقض به الوضوء ‏قليلاً كان أو كثيراً. الثاني: نوم القاعد، فإن كان كثيراً نقض بناء على الحديثين، وإن كان يسيراً لم ‏ينقض لحديث أنس الذي ذكره الشافعية. الثالث: ما عدا هاتين الحالتين، وهو نوم القائم والراكع ‏والساجد. وقد روي عن أحمد في هذه الحالات روايتان: إحداهما: ينقض مطلقاً للعموم في ‏الحديثين، والثانية: لا ينقض، إلا إذا كثر، لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏كان يسجد وينام ثم يقوم فيصلي فقلت له: صليت ولم تتوضأ، وقد نمت، فقال: "إنما الوضوء على ‏من نام مضطجعاً فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله رواه أبو داود والترمذي.‏
والعبرة في تحديد الكثير واليسير في الصحيح عندهم العرف. أما السكر والجنون ‏والإغماء فدليل نقض الوضوء بها أنها أبلغ في إزالة المسكة من النوم، لأن النائم يستيقظ بالانتباه، ‏بخلاف المجنون والسكران والمغمى عليه.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:48 AM
‏ المباشرة الفاحشة دون الجماع: ‏
وتفسيرها، كما قالت الحنفية: أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها وليس بينهما ‏ثوب ولم ير بللاً.‏
ولأن المباشرة على الصفة التي ذكرنا لا تخلو عن خروج المذي عادة إلا أنه يحتمل إن ‏جف بحرارة البدن فلم يقف عليه أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سبباً مفضياً إلى الخروج، ‏وهو المتحقق في مقام وجوب الاحتياط.‏
التقاء بشرتي الرجل والمرأة:‏
جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة على أن لمس بشرتي الرجل والمرأة حدث ‏ينقض الوضوء في الجملة، لكن تختلف عباراتهم في الشروط والتفصيل.‏
فقال المالكية: الذي ينقض الوضوء هو اللمس بعضو أصلي أو زائد يلتذ صاحبه به ‏عادة، ولو لظفر أو شعر أو سن، ولو بحائل خفيف يحس اللامس فوقه بطراوة الجسد، إن قصد ‏اللذة أو وجدها بدون القصد، قالوا: وممن يلتذ به عادة الأمرد والذي لم تتم لحيته، فلا نقض بلمس ‏جسد أو فرج صغيرة لا تشتهى عادة، ولو قصد اللذة أو وجدها، كما لا تنقض بلمس محرم بغير ‏لذة، أم القبلة بفم فناقضة ولا تشترط فيها اللذة ولا وجودها.‏
وقال الشافعية: هو لمس بشرتي الذكر والأنثى اللذين بلغا حداً يشتهى، ولو لم يكونا ‏بالغين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بشهوة أو إكراه أو نسيان، أو يكون الذكر ممسوحاً أو ‏خصياً أو عنيناً، أو المرأة عجوزاً شوهاء، أو العضو زائداً أو أصليا سليماً أو أشل أو أحدهما ‏ميتاً. والمراد بالبشرة ظاهر الجلد. وفي معناها اللحم، كلحم الأسنان واللسان واللثة وباطن العين، ‏فخرج ما إذا كان على البشرة حائل ولو رقيقاً. والملموس في كل هذا كاللامس في نقض وضوئه ‏في الأظهر.‏
ولا ينقض بلمس المحرم ولا صغيرة، وشعر، وسن، وظفر، كما لا ينقض بلمس الرجل ‏الرجل والمرأة المرأة والخنثى مع الخنثى أو مع الرجل أو المرأة ولو بشهوة، لانتفاء مظنتها.‏
وقال الحنابلة: مس بشرة الذكر بشرة أنثى أو عكسه لشهوة من غير حائل غير طفلة ‏وطفل ولو كان اللمس بزائد أو لزائد أو شلل، ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً أو محرماً أو ‏صغيرة تشتهى، ولا ينقض وضوء الملموس بدنه ولو وجد منه شهوة، ولا بلمس شعر وظفر ‏وسن وعضو مقطوع وأمرد مسه رجل ولا مس خنثى مشكل، ولا بمسه رجلاً أو أمرأة، ولا ‏بمس الرجل رجلاً، ولا المرأة ولو بشهوة فيهم.‏
هذا، ويستدل الجمهور في اعتبارهم اللمس من الأحداث بما ورد في الآية من قوله ‏تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [النساء: 43] أي لمستم كما قرئ به، ‏فعطف اللمس على المجيء من الغائط ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقد الماء، فدل على أنه ‏حدث كالمجيء من الغائط. وليس معناه (أو جامعتم) لأنه خلاف الظاهر، إذ اللمس لا يختص ‏بالجماع. قال تعالى:{فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] وقال صلى الله عليه وسلم: "لعلك لمست". ‏رواه أحمد
أما ما اشترطه المالكية من قصد اللذة أو وجودها والحنابلة من أن يكون اللمس بالشهوة ‏فللجمع بين الآية وبين الأخبار التي تدل على عدم النقض بمجرد الالتقاء كما سيأتي.‏
أما الحنفية فلا يعتبرون مس المرأة من الأحداث مطلقاً، لحديث عائشة رضي الله عنها ‏قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني ‏فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما. رواه البخاري وعنها أنه صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ‏ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. رواه الترمذي.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:48 AM
مس فرج الآدمي:‏
ذكر الشافعية والمالكية وهو رواية عند الحنابلة أن مس فرج الآدمي حدث ينقض ‏الوضوء في الجملة، ولكن اختلفت عباراتهم في الشروط والتفصيل.‏
فقال المالكية: ينقض الوضوء مطلق مس ذكر الماس البالغ المتصل ولو كان خنثى ‏مشكلا ببطن أو جنب لكف أو إصبع ولو كانت الإصبع زائدة وبها إحساس. ولا يشترط فيه التعمد ‏أو الالتذاذ. أما مس ذكر غيره فيجري على حكم اللمس من تقييده بالقصد أو وجدان اللذة.‏
وقال الشافعية: الناقض مس قبل الآدمي ذكراً كان أو أنثى من نفسه أو غيره متصلاً أو ‏منفصلاً ببطن الكف من غير حائل. وكذا حلقة دبره ولو فرج الميت والصغير ومحل الجب ‏والذكر الأشل وباليد الشلاء، لا برأس الأصابع وما بينهما.‏
وقال الحنابلة في الرواية التي تجعل مسه حدثاً: الناقض مس ذكر الآدمي إلى أصول ‏الأنثيين مطلقاً سواء أكان الماس ذكراً أم أنثى، صغيراً أو كبيراً بشهوة أو غيرها من نفسه أو ‏غيره، لا مسّ منقطع ولا محل القطع، ويكون المس ببطن الكف أو بظهره أو بحرفه غير ظفر، ‏من غير حائل، ولو بزائد.‏
كما ينقض مس حلقة دبر منه أو من غيره، ومس امرأة فرجها الذي بين شفريها أو فرج ‏امرأة أخرى، ومس رجل فرجها ومسها ذكره ولو من غير شهوة.‏
والدليل على أن مس الفرج حدث ما رواه بسرة بن صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ" رواه الترمذي وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ‏قال: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر وجب عليه الوضوء" رواه أحمد وقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ". رواه أحمد.‏
ونص الحنفية - وهو رواية أخرى عند الحنابلة أن مس الفرج لا يعتبر من الأحداث فلا ‏ينقض الوضوء، لحديث طلق بن علي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل ‏يمس ذكره في الصلاة فقال: "هل هو إلا بضعة منك". رواه أبو داود.‏
قال الحنفية: يغسل يده ندباً لحديث من مس ذكره فليتوضأ أي ليغسل يده جمعا بينه وبين ‏قوله صلى الله عليه وسلم هل هو إلا بضعة منك حين سئل عن الرجل يمس ذكره بعدما يتوضأ.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:49 AM
القهقهة في الصلاة:‏
جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية والحنابلة - لا يعتبرون القهقهة من الأحداث ‏مطلقاً، فلا ينتقض الوضوء بها أصلاً ولا يجعلون فيها وضوءاً، لأنها لا تنقض الوضوء خارج ‏الصلاة فلا تنقضه داخلها، ولأنها ليست خارجاً نجساً، بل هي صوت كالكلام والبكاء.‏
وذكر الحنفية في الأحداث التي تنقض الوضوء القهقهة في الصلاة إذا حدثت من مصل ‏بالغ يقظان في صلاة كاملة ذات ركوع وسجود، سواء أكان متوضئاً أم متيمماً أم مغتسلاً في ‏الصحيح، وسواء أكانت القهقهة عمداً أم سهواً، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من ضحك في ‏الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة معا". رواه ابن عدي في الكامل.‏
والقهقهة ما يكون مسموعاً لجيرانه، والضحك ما يسمعه هو دون جيرانه، والتبسم ما لا ‏صوت فيه ولو بدت أسنانه. قالوا: القهقهة تنقض الوضوء وتبطل الصلاة معاً، والضحك يبطل ‏الصلاة خاصة، والتبسم لا يبطل شيئاً. وعلى ذلك فلا يبطل وضوء صبي ونائم بالقهقهة في ‏الصلاة عند الحنفية، كما لا ينقض وضوء من قهقه خارج الصلاة، أو من كان في صلاة غير ‏كاملة، كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة.‏
فوجب الوضوء بها عقوبةً وزجراً، لأن المقصود بالصلاة إظهار الخشوع والخضوع ‏والتعظيم لله تعالى، والقهقهة تنافي ذلك فناسب انتقاض وضوئه زجراً له.‏
فهي ليست حدثاً وإلا لاستوى فيه جميع الأحوال مع أنها مخصوصة بأن تكون في ‏الصلاة الكاملة من مصل بالغ.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:49 AM
أكل لحم الجزور "الإبل":‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء كأكل سائر الأطعمة لما ‏روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل" رواه ‏الدارقطني ولما روى جابر قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ‏الوضوء مما مسته النار) رواه أبو داود، ولأنه مأكول أشبه سائر المأكولات في عدم النقض، ‏والأمر بالوضوء فيه محمول على الاستحباب أو الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين.‏
وصرح الحنابلة بأن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نيئاً ومطبوخاً، عالماً ‏كان الآكل أو جاهلاً. لقوله عليه الصلاة والسلام: "توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم ‏الغنم". رواه أبو داود.‏
وقالوا: إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبدي لا يعقل معناه فلا يتعدى إلى ‏غيره، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها، ومرق لحمها، وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها ‏وكرشها ونحوه.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:49 AM
غسل الميت:‏
ذهب جمهور الفقهاء وهو قول بعض الحنابلة: إلى عدم وجوب الوضوء بتغسيل الميت، ‏لأن الوجوب يكون من الشرع، ولم يرد في هذا نص فبقي على الأصل. ولأنه غسل آدمي فأشبه ‏غسل الحي، وما روي عن أحمد في هذا محمول على الاستحباب.‏
ويرى أكثر الحنابلة أن من غسل الميت أو بعضه ولو في قميص يجب عليه الوضوء ‏سواء أكان المغسول صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كافراً. لما روي عن ابن عمر وابن ‏عباس رضي الله عنهم أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن ‏تقع يده على فرج الميت فتقام مظنة ذلك مقام حقيقته كما أقيم النوم مقام الحدث.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:50 AM
الردة:‏
الردة - وهي الإتيان بما يخرج من الإسلام بعد تقرره - حدث حكمي تنقض الوضوء عند ‏الحنابلة المالكية، فالمرتد إذا عاد إلى الإسلام ورجع إلى دين الحق فليس له الصلاة حتى يتوضأ ‏وإن كان متوضئاً قبل ردته ولم ينقض وضوءه بأسباب أخرى.‏
لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ‏والطهارة عمل.‏
ولم يعد الحنفية والشافعية الردة من أسباب الحدث فلا ينقض الوضوء بها عندهم لقوله ‏تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} ‏‏[البقرة: 217] فشرط الموت بعد الردة لحبوط العمل - كما قال ابن قدامة.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:50 AM
الشك في الحدث:‏
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الشك لا يجب به الوضوء. فلو ‏أيقن بالطهارة (أي علم سبقها) وشك في عروض الحدث بعدها فهو على الطهارة، ومن أيقن ‏بالحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث، لأن اليقين لا يزول بالشك، والأصل في ذلك ما ورد ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم ‏لم يخرج فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" رواه مسلم.‏
ولو تيقنهما ولم يعلم الآخر منهما، مثل من تيقن أنه كان في وقت الظهر متطهراً مرة ‏ومحدثاً أخرى ولا يعلم أيهما كان لاحقاً يأخذ بضد ما قبلهما عند الحنابلة وعند الشافعية، وعلى ‏ذلك فإن كان قبلهما محدثاً فهو الآن متطهر لأنه تيقن الطهارة وشك في تأخر الحدث عنها ‏والأصل عدم تأخره، وإن كان قبلهما متطهراً فهو الآن محدث، لأنه تيقن الحدث وشك في تأخر ‏الطهارة عنه، والأصل عدم تأخرها، فإن لم يعلم ما قبلهما لزمه الوضوء لتعارض الاحتمالين من ‏غير مرجح.‏
أما المالكية فقد صرحوا بنقض الوضوء بشك في حدث بعد طهر عُلِمَ، فإن أيقن ‏بالوضوء ثم شك فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا فليعد وضوءه إلا أن يكون الشك مستنكحاً ‏‏(الشك المستنكح هو الذي يأتي كل يوم ولو مرة). فمن شك أثناء صلاته هل هو على وضوء أم لا ‏فتمادى على صلاته وهو على شكه ذلك، فلما فرغ من صلاته استيقن أنه على وضوئه فإن ‏صلاته مجزئة، لأنه دخل في الصلاة بطهارة متيقنة، فلا يؤثر فيها الشك الطارئ. أما إذا طرأ ‏عليه الشك في طهارته قبل دخوله في الصلاة فوجب ألا يدخل في الصلاة إلا على طهارة متيقنة. ‏وينتقض الوضوء عندهم أيضاً بشك في السابق من الوضوء والحدث سواء كانا محققين أو ‏مظنونين أو مشكوكين أو أحدهما محققاً أو مظنوناً والآخر مشكوكاً أو أحدهما محققاً والآخر ‏مظنوناً.‏
وعند الحنفية أنه لو تيقنهما وشك في السابق فهو متطهر ولو شك في بعض وضوئه - ‏وهو أول ما شك - غسل الموضع الذي شك فيه لأنه على يقين من الحدث فيه، وإن صار الشك ‏في مثله عادة له بأن يعرض له كثيراً لم يلتفت إليه، لأنه من باب الوسوسة فيجب قطعها . لقول ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتَيْه فلا يتصرف حتى يسمع ‏صوتاً أو يجد ريحاً، رواه البيهقي.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:51 AM
وضوء المعذور:‏
ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة، فإن كان في ‏حال المرض كان معذوراً.‏
والمعذور كما عرفه الحنفية: من به سلس بول لا يمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو ‏انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح، أو استحاضة، وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من ‏أذن وثدي وسرة، من دم أو قيح أو صديد، أو ماء الجرح والنفطة، وماء البثرة، والثدي والعين ‏والأذن.‏
وأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب.‏
‏1- مذهب الحنفية:‏
ضابط المعذور: هو - في ابتداء الأمر - من يستوعب عذره تمام وقت صلاة مفروضة، ‏بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ، ويصلي فيه خالياً عن الحدث، كأن يستمر تقاطر بوله ‏مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح متصفاً بهذه الصفة، كفى وجوده في جزء من ‏الوقت ولو مرة، كأن يرى الدم مرة فقط في وقت العصر، بعد استمراره في وقت الظهر، ولا ‏يصبح معافى إلا إذا انقطع عنه وقت صلاة كامل، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر : هو ‏استيعابه جميع الوقت. وشرط دوامه: وجوده في كل وقت بعد ذلك، ولو مرة واحدة، ليعلم بها ‏بقاؤه. وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور: خلو وقت صلاة كامل عنه، كأن ينقطع ‏طوال وقت العصر مثلاً.‏
وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونفل، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار. ويصلي بهذا الوضوء ما ‏شاء من الفرائض والنوافل، ويبقى وضوءه ما دام باقياً بشرطين: أن يتوضأ لعذره، ولم يطرأ ‏عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان دم من موضع آخر.‏
ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط، فإن توضأ بعد طلوع ‏الشمس لصلاة العيد، ودخل وقت الظهر، فإن وضوءه لا ينتقض، لأن دخول وقت الظهر ليس ‏ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً، لأنه ليس وقت صلاة مفروضة، بل هو وقت مهمل، ‏وصلاة العيد بمنزلة صلاة الضحى، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل ‏دخول الوقت (وقت الظهر) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، وأنه يبطل وضوء المعذور ‏بخروج الوقت لا بدخوله. فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلاة ‏أخرى.‏
أما إن توضأ قبل طلوع الشمس، فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت الفريضة. وكذلك ‏ينتقض وضوءه إن توضأ بعد صلاة الظهر ثم دخل وقت العصر، لخروج وقت الظهر.‏
وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع، كالحفاظ للمستحاضة، والقعود في أثناء ‏الصلاة إن كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلان. ويستحب للرجل أن يحتشي إن رابه ‏الشيطان، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به.‏
ولا يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد أنه لو غسله ‏تنجس بالسيلان قبل الفراغ من الصلاة. فإن لم يتنجس قبل فراغه من الصلاة، وجب عليه غسله.‏
‏2- مذهب المالكية:‏
السلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً، ومنه دم ‏الاستحاضة. وذلك إذا لم ينضبط، ولم يقدر على التداوي. فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع ‏آخر الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، وإن كان ينقطع أو الوقت وجب عليه تقديم الصلاة. ‏وإن قدر على التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك، واغتفر له زمن التداوي والتزوج.‏
فلا يكون السلس من طول العزوبة، وإنما من اختلال المزاج، أو من برودة وعلة.‏
ولا ينتقص الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس الملازم : ‏وهو أن يلازمه نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، أو كل الزمن. لكن يندب الوضوء إذا لم يعم ‏الزمن.‏
وينتقض وضوء السلس: إذا بال البول المعتاد، أو أمذى بلذة معتادة بأن حدث كلما نظر ‏أو تفكر. ويعرف ذلك: بأن البول المعتاد يكثر ويمكن إمساكه، وأن المذي المعتاد يكون بشهوة.‏
كما ينتقض وضوء السلس: إن لازمه أقل الزمان.‏
وإذا لم ينتقض وضوء السلس، فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض غيره، لكن ‏يستحب لصاحب السلس والمستحاضة: أن يتوضآ لكل صلاة، ولا يجب عليهما.‏
‏ ‏
‏3- مذهب الحنابلة:‏
لا ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مذي ونزف الدم ‏وانقلاب ريح ونحوها كالمستحاضة. وذلك إذا دام حدثه، ولم ينقطع زمناً من وقت الصلاة بحيث ‏يسعها مع الطهارة. فإن انقطع حدثه زمناً يسع الصلاة والطهارة، وجب عليه أداء الصلاة فيه.‏
لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلاة، بعد غسل محل الحدث، ‏وشدِّه، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه، ولا يصح وضوءه إلا بعد دخول وقت الصلاة لقول ‏النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت" ‏رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي لفظ: "توضئي لوقت كل صلاة" رواه الترمذي ولأنها ‏طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، فإن توضأ قبل دخول الوقت وخرج منه شيء ‏بطلت طهارته.‏
ويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلاتين بوضوء واحد، لأن النبي صلى ‏الله عليه وسلم "أمر حَمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد" رواه الترمذي وأمر به ‏سهلة بنت سهيل، ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت، وكالمتيمم وأولى. ولو زال العذر كأن انقطع ‏دم المستحاضة وقتاً يسع الوضوء والصلاة، بطلت الطهارة ويلزم استئنافها لأنه صار بهذا ‏الانقطاع في حكم من حدثه غير دائم.‏
وكيفية إعداد المعذور للوضوء هي: أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه بقطن أو ‏نحوه ليرد الدم. ومن به سلس البول أو كثرة المذي: يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما ‏يمكنه. بشرط عدم الضرر.‏
وكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل. فإن كان مما لا يمكن عصبه مثل من ‏به جرح لا يمكن شده، أو باسور، أو ناسور لا يتمكن من عصبه، صلى على حسب حاله، كما ‏روي عن عمر رضي الله عنه "أنه حين طعن، صلى وجرحه يثْعَب دماً" أي يتفجر.‏
وينوي المعذور استباحة الصلاة ولا يكفيه نية رفع الحدث لأنه دائم الحدث.‏
‏4- مذهب الشافعية:‏
صاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح، والمستحاضة، يغسل الفرج ثم ‏يحشوه إلا إذا كان صائماً، أو تأذت المستحاضة به، فأحرقها الدم فلا يلزم الحشو حينئذ، ثم ‏يعصِب.‏
ثم يتوضأ أو يتيمم عقب ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ‏ووضوء، يفعل كل ذلك بعد دخول وقت الصلاة، لأنه طهارة ضرورة، فلا تصح قبل الوقت ‏كالتيمم.‏
ثم يبادر وجوباً إلى الصلاة تقليلاً للحدث، فلو أخر لمصلحة الصلاة كستر العورة، وأذان ‏وإقامة، وانتظار جماعة، واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد، وتحصيل سترة، لم يضر، لأنه لا ‏يعد بذلك مقصراً، وإلا كأن أخر لا لمصلحة الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث، فيضر ‏التأخير، فيبطل الوضوء، وتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان ‏الاستغناء عنه.‏
وتجب الطهارة وتجديد العصابة، والوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالمتيمم لبقاء ‏الحدث، ويصلي به ما شاء من النوافل فقط، وصلاة الجنازة لها حكم النافلة، لقول النبي صلى الله ‏عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة" ولو زال العذر وقتاً يسع الوضوء ‏والصلاة، كانقطاع الدم مثلاً، وجب الوضوء، وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه.‏
وسلس المني: يلزمه الغسل لكل فرض.‏
ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة، وجب بلا إعادة.‏
ولا يجوز للسلس: أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله.‏
وينوي المعذور استباحة الصلاة، لا رفع الحدث لأنه دائم الحدث، لا يرفعه وضوءه، ‏وإنما يبيح له العبادة، كما قال الحنابلة.‏
وبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور، إلا أن ‏الحنابلة ومثلهم الحنفية قالوا: يجوز بالوضوء الواحد صلاة أكثر من فرض في الوقت، لأن ‏الواجب عندهم الوضوء لوقت كل صلاة. ولم يجز الشافعية الصلاة به إلا فرضاً واحداً، لأن ‏الواجب عندهما تجديد الوضوء لكل فرض.‏
واتفق الجمهور (غير المالكية) على وجوب تجديد وضوء المعذور، وقال المالكية ‏باستحباب الوضوء فقط. والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند الشافعية والحنابلة، وفي غير ‏صلاة الظهر عند الحنفية، أما صلاة الظهر فيجوز تقديم الوضوء لها على دخول الوقت، لسبقها ‏بوقت مُهْمل.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:52 AM
ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ:‏
يحرم بالحدث الأصغر ثلاثة أمور: الصلاة ونحوها، والطواف، ومس المصحف ‏وتوابعه، على تفصيل بين المذاهب.‏
‏1- الصلاة ونحوها: يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً أو نفلاً، ونحوها، ‏كسجود التلاوة، وسجود الشكر، وخطبة الجمعة، وصلاة الجنازة. لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا ‏يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه "لا صلاة لمن لا وضوء له ..." رواه ‏أبو داود وابن ماجه وأحمد.‏
‏2- الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً، لأنه صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير". رواه الحاكم ‏والبيهقي.‏
إلا أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجباً لا شرطاً في صحته، فيصح مع الكراهة ‏التحريمية الطواف محدثاً، لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة بنص الحديث السابق، ومعلوم أنه ‏ليس بصلاة حقيقة، فلكونه طوافاً حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيهاً بالصلاة يحكم بالكراهة.‏
‏3- مس المصحف كله أو بعضه ولو آية: والمحرم هو لمس الآية ولو بغير أعضاء ‏الطهارة لقوله تعالى:{لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] أي المتطهرون، وهو خبر بمعنى ‏النهي، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يمس القرآن إلا طاهر" رواه أبو داود والنسائي، ولأن ‏تعظيم القرآن واجب، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها الحدث. واتفق الفقهاء على أن ‏غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه، كما أجازوا للصبي لمس القرآن ‏للتعلم، لأنه غير مكلف، والأفضل التوضؤ.‏
وقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو عود، وأجاز ‏الحنفية والحنابلة مسه بحائل أو عود طاهرين.‏
وهذه عبارات الفقهاء :‏
قال الحنفية : يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه، ولو آية على ‏نقود (درهم ونحوه) أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به، لأنه تبع له، فكان ‏مسه مساً للقرآن، ولا يحرم مس الغلاف المنفصل عن القرآن كالكيس والصندوق، ويجوز مسه ‏بنحو عود أو قلم أو غلاف منفصل عنه، ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس.‏
ولا يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه، ويجوز للصبي ‏مس القرآن أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ. ولا تحرم كتابة آية على ورقة، لأن ‏المحرم هو مس المكتوب باليد، أما القلم فهو واسطة منفصلة، كالثوب المنفصل الذي يمس به ‏القرآن، لأن المفتى به جواز مس المصحف بغلاف منفصل أو بصرة.‏
ولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويكره المس إن كان القرآن أكثر من ‏التفسير أو مساوياً له.‏
ولا مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير وضوء، والمستحب ‏له ألا يفعل. كما لا مانع من لمس الكتب السماوية الأخرى المبدلة، لكن يكره قراءة توارة وإنجيل ‏وزبور، لأن الكل كلام الله، وما بدل منها غير معين.‏
ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور، ويكره وضع المصحف تحت رأسه ‏إلا للحفظ. ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم الشرع. ويدفن المصحف كالمسلم ‏إذا صار بحال لا يقرأ فيه، ولا بأس أن تدفن كتب الشرع، أو تلقى في ماء جارٍ، أو تحرق، ‏والأول أحسن. ويجوز محو بعض الكتابة ولو قرآناً بالريق، ويجوز حمل الحجب المشتملة على ‏آيات قرآنية ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها ‏كالمشمع ونحوه.‏
وقال المالكية : يمنع المحدث حدثاً أصغر من مس مصحف أو جزئه، أو كتَبْه، أو حمله ‏ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة، أو كرسي تحته، ولو كان المس بحائل أو عود، أو كان الحمل مع ‏أمتعة أخرى غير مقصودة بالحمل. أما إن قصد حمل الأمتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ‏ونحوه، فيجوز الحمل، أي إن قصد المصحف فقط أو قصده مع الأمتعة حرم الحمل، وإن قصد ‏الأمتعة بالحمل جاز.‏
ويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ، وإن كان حائضاً أو نفساء، لعدم قدرتهما على ‏إزالة المانع، ولا يجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو التيمم.‏
وقال الشافعية : يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه، وجلده، المتصل به (لا ‏المنفصل عنه)، ووعائه وعلاقته، وصندوقه، وما كتب من الألواح لدارس قرآن، ولو بخرقة، أو ‏بحائل. ويحل حمل القرآن في أمتعة لا بقصده، وحمل التفسير الأكثر منه، أما إذا كانا متساويين ‏أو كان القرآن أكثر فلا يجوز، ويجوز حمل كتب العلم الأخرى غير التفسير المشتملة على آيات ‏قرآنية.‏
ويباح قلب ورقه بعود. ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة.‏
ويجوز حمل التمائم، وما على النقد، وما على الثياب المطرزة بالآيات القرآنية ككسوة ‏الكعبة لأنه لم يقصد به القرآن.‏
ويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس.‏
ويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح، لأن فيه إزراء وامتهاناً له. ويحرم ‏تصغير المصحف والسورة لما فيه من إيهام النقص، وإن قصد به التعظيم.‏
وقال الحنابلة : يحرم مس المصحف ولو آية منه، بشيء من جسده، ويجوز مسه بحائل ‏أو عود طاهرين، وحمله بعلاقة أو وعاء، ولو كان المصحف مقصوداً بالحمل، وكتابته ولو لذمي ‏من غير مس، وحمله بحرز ساتر طاهر.‏
ولا يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو للحفظ أو ‏التعلم، ما دام الصبي محدثاً، أي أن حرمة مس القرآن إلا بطهارة تشمل عندهم الصبي.‏
ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن، بدليل "أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتاباً فيه آية" متفق عليه. ويجوز في أرجح الوجهين : مس ‏الدراهم المكتوب عليها القرآن، والثوب المرقوم بالقرآن، لأنها لا تسمى قرآناً، ولأن في الاحتراز ‏منها مشقة، فأشبهت ألواح الصبيان على أحد الوجهين.‏
وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء، تيمم وجاز مسه.‏
ويمنع الكافر (الذمي أو غيره) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع المسلم من ‏تمليكه له، ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم، ويحرم توسد المصحف والوزن به والاتكاء عليه أو ‏على كتب العلم التي فيها القرآن. فإن لم يكن فيها القرآن، كره توسدها والوزن بها والاتكاء عليها، ‏إلا إن خاف عليها سرقة، فلا بأس أن يتوسدها للحاجة.‏
والخلاصة : أنه وقع الإجماع ما عدا داود الظاهري على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر ‏أن يمس المصحف. وأما المحدث حدثاً أصغر فلم تدل الأدلة قطعاً على منعه من مس القرآن، لكن ‏أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له. وأجاز ابن عباس مس الصحف. والظاهر أن المراد من آية "لا ‏يمسه إلا المطهرون" [الواقعة : 79] هو اللوح المحفوظ، والمطهرون : الملائكة، فإن لم يكن ‏ظاهراً فهو احتمال، كاحتمال أن المراد من كلمة "طاهر" في الحديث "لا يمس القرآن إلا طاهر" ‏‏: هو المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة.‏

أحمد سعد الدين
15-06-2004, 05:53 AM
السواك:‏

تعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده
تعريف السواك:‏
السواك لغة: الدلك وآلته. وشرعاً: استعمال عود أو نحوه كأشنان وصابون، في الأسنان ‏وما حولها، ليذهب الصفرة وغيرها عنها.‏
حكم السواك:‏
السواك من سنن الفطرة (أي من السُّنَّة أو من الدين)، لأنه سبب لتطهير الفم وموجب ‏لرضا الله على فاعله، قال عليه السلام: "السواك مَطْهرة للفم، مَرْضاة للرب" رواه النسائي ‏وأحمد، وهو يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فهو ‏مسنون في كل وقت. وهو من السنن المؤكدة، وليس بواجب في حال من الأحوال، لقوله صلى الله ‏عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وفي رواية لأحمد: ‏‏"لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" قال بعض الفقهاء: اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث ‏الشارع ومواظبته عليه، وترغيبه وندبه إليه.‏
وحكمه عند الفقهاء أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة، ومن فضائل ‏الوضوء قبل المضمضة عند المالكية، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي ‏لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" رواه النسائي إلا أنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء ‏فيندب للصلاة. وهو لدى الشافعية والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلاة، لحديث أبي هريرة ‏السابق برواية الجماعة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وسنة أيضاً ‏عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة ولتغير الفم أو الأسنان، بنوم أو أكل أو جوع أو ‏سكوت طويل أو كلام كثير، لحديث حذيفة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ‏يشوص فاه بالسواك" رواه الترمذي والنسائي أي يدلكه بالسواك، وقيس بالنوم غيره بجامع ‏التغير.‏
وكما أنه يتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار الأسنان، يتأكد أيضاً لقراءة قرآن، أو حديث ‏شرعي، ولعلم شرعي، ولذكر الله تعالى، ولنوم ويقظة، ولدخول منزله، وعند الاحتضار، وفي ‏السحر، وللأكل، وبعد الوتر، وللصائم قبل الظهر. وأضاف الشافعية: ويسن التخلل قبل السواك ‏وبعده ومن آثار الطعام.‏
وأدلة ذلك: ما روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن عائشة : " كان النبي صلى الله ‏عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك" وروى ابن ماجه عن أبي أمامة : "إني لأستاك، حتى لقد ‏خشيت أن أُحفي مقادم فمي" وعن عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل ‏أو نهار، فيستيقظ، إلا تسوك، قبل أن يتوضأ" رواه أبو داود وأحمد ولأن النوم والأكل ونحوهما ‏يغير رائحة الفم، والسواك مشروع لإزالة رائحته وتطييبه.‏
ويكره عند الشافعية والحنابلة: السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت صلاة الظهر ‏إلى أن تغرب الشمس، لخبر الصحيحين: "لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ‏وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه، فكرهت إزالته، وتزول الكراهة بالغروب، لأنه ليس ‏بصائم الآن، واختصاصه بما بعد الزوال لأن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ.‏
ولا يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقاً لعموم الأحاديث السابقة الدالة على ‏استحباب السواك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من خير خصال الصائم السواك" رواه ابن ‏ماجه وقال ربيعة بن عامر: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك، وهو ‏صائم". رواه الترمذي وأحمد.‏
كيفيته وأداته:‏
يستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن، عرضاً في الأسنان (أي ظاهراً ‏وباطناً) من ثناياه إلى أضراسه، ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر، وطولاً في اللسان، لحديث عائشة ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطُهوره، وفي شأنه كله" ‏متفق عليه، ولخبر: "إذا استكتم فاستاكوا عرضاً" رواه أبو داود، ويجزئ الاستياك في الأسنان ‏طولاً، لكن مع الكراهة، لأنه قد يدمي اللثة، ويفسد لحم الأسنان.‏
وقال الحنابلة : يبدأ من أضراس الجانب الأيمن بيساره. ويحصل الاستياك بعود ليِّن من ‏نخل أو غيره، ينقي الفم، ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه كالأراك والفرشاة، والأفضل أن ‏يكون من أراك، ثم من النخل، ثم ذو الريح الطيب ثم اليابس المندى بالماء، ثم العود. ولا يكره ‏بسواك الغير إذا أذن وإلا حرم، روى أبو داود عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يستنُّ، وعنده رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فأُوحي إليه في فضل السواك (أن كبِّر) أعط ‏السواك أكبرهما".‏
ويحصل أيضاً بالإصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية، قال علي رضي الله ‏عنه: التشويص بالمُسبِّحة والإبهام سواك، وروى البيهقي وغيره من حديث أنس يرفعه: "يجزي ‏من السواك الأصابع" رواه الدارقطني وروى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: ‏يا رسول الله، الرجل يذهب فوه، يستاك ؟ قال: نعم، كيف يصنع ؟ قال: يدخل أصبعه في فيه، ‏فيدلكه".‏
ولا يحصل السواك بالأصبع في الأصح عند الشافعية، والحنابلة، كما لا يحصل بخرقة ‏عند الحنابلة، ويصح بكل خشن عند الشافعية، لأن استعمال الإصبع لا يسمى استياكاً، ولم يرد ‏الشرع به، ولا يتحقق به الإنقاء الحاصل بالعود.‏
ويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ما عليه، قالت عائشة : "كان نبي الله صلى الله ‏عليه وسلم يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه". رواه أبو ‏داود
ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله، لئلا يتضرر منه.‏
ويقول إذا استاك: "اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي".‏
وقال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسنة.‏
ولا يكره السواك في المسجد، لعدم الدليل الخاص بالكراهة.‏
ويكره أن يزيد طول السواك على شبر، روى البيهقي عن جابر قال: "كان موضع سواك ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب".‏
فوائد السواك:‏
ذكر العلماء من فوائد السواك: أنه يطهر الفم، ويرضي الرب، ويبيض الأسنان، ويطيب ‏النكهة، ويسوِّي الظهر، ويشد اللثة، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويذكي الفطنة، ويضاعف ‏الأجر، ويسهل النزع، ويذكر الشهادة عند الموت. ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين ‏فضيلة.‏
ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان، والقَلَح (الطبقة ‏الصفراء على الأسنان)، والتهابات اللثة والفم، ومنع الاختلاطات العصبية والعينية والتنفسية ‏والهضمية، بل ومنع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن، وشراسة الأخلاق.‏